{"ً":{"ٌ":147666,"ٍ":"التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون\nتفسير القرآن الكريم على منهاج الأصلين العظيمين - الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - على فهم الصحابة والتابعين. تفسير منهجي فقهي شامل معاصر\nالمؤلف: الأستاذ الدكتور مأمون حموش\nالمدقق اللغوي: أحمد راتب حموش\nالناشر: (المؤلف)\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nعدد الأجزاء: ٨\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2992,"ٕ":3,"ٖ":1770156216,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8"],"ٚ":[{"title":"لمحة عن المؤلف","level":1,"page":3},{"title":"المقدمة","level":1,"page":5},{"title":"أئمة التفسير من الصحابة ومدارسهم وتراجمهم","level":2,"page":13},{"title":"أولا: المدرسة المكية","level":3,"page":13},{"title":"١ - عبد الله بن عباس","level":4,"page":13},{"title":"٢ - سعيد بن جبير","level":4,"page":14},{"title":"٣ - مجاهد بن جبر","level":4,"page":15},{"title":"٤ - عكرمة مولى ابن عباس","level":4,"page":16},{"title":"٦ - عطاء بن أبي رباح","level":4,"page":17},{"title":"ثانيا: المدرسة المدنية","level":3,"page":17},{"title":"١ - أبي بن كعب","level":4,"page":17},{"title":"٢ - زيد بن أسلم","level":4,"page":18},{"title":"٣ - أبو العالية الرياحي","level":4,"page":19},{"title":"٤ - محمد بن كعب القرظي","level":4,"page":19},{"title":"ثالثا: المدرسة العراقية","level":3,"page":19},{"title":"١ - عبد الله بن مسعود","level":4,"page":19},{"title":"٢ - مسروق بن الأجدع","level":4,"page":20},{"title":"٣ - الحسن البصري","level":4,"page":21},{"title":"٤ - قتادة بن دعامة","level":4,"page":22},{"title":"٥ - عطاء الخراساني","level":4,"page":23},{"title":"٦ - مرة الهمذاني","level":4,"page":23},{"title":"تراجم بقية المكثرين من التفسير","level":2,"page":23},{"title":"١ - كعب الأحبار","level":3,"page":23},{"title":"٢ - وهب بن منبه","level":3,"page":24},{"title":"٣ - مقاتل بن سليمان","level":3,"page":24},{"title":"٤ - الضحاك بن مزاحم","level":3,"page":24},{"title":"٣ - الكلبي","level":3,"page":24},{"title":"٦ - جويبر بن سعيد","level":3,"page":25},{"title":"٧ - السدي الكبير","level":3,"page":25},{"title":"٨ - السدي الصغير","level":3,"page":25},{"title":"٩ - النقاش","level":3,"page":25},{"title":"١٠ - الثعلبي","level":3,"page":25},{"title":"١١ - الواحدي","level":3,"page":26},{"title":"أنواع التفاسير","level":2,"page":27},{"title":"١ - التفاسير اللغوية","level":3,"page":27},{"title":"٢ - التفاسير العقلية والفلسفية","level":3,"page":27},{"title":"٣ - التفاسير الفقهية","level":3,"page":28},{"title":"٤ - تفاسير المبتدعة","level":3,"page":28},{"title":"٥ - التفاسير التاريخية","level":3,"page":29},{"title":"٦ - التفاسير بالمأثور","level":3,"page":29},{"title":"منهج التفسير عند الراسخين من المفسرين وأئمة العلم من الصحابة والتابعين","level":2,"page":31},{"title":"أولا: تفسير النص بالنص","level":3,"page":34},{"title":"ثانيا: تفسير القرآن بالحديث","level":3,"page":35},{"title":"رابعا: التفسير برد المتشابه إلى المحكم","level":3,"page":37},{"title":"خامسا: التفسير بأقوال الصحابة ومن سمع منهم من التابعين","level":3,"page":37},{"title":"سادسا: التفسير بمعرفة الناسخ والمنسوخ","level":3,"page":41},{"title":"سابعا: التفسير بالسياق والسباق","level":3,"page":41},{"title":"ثامنا: التفسير باللغة العربية","level":3,"page":42},{"title":"خصائص القرآن الكريم وفضائله","level":2,"page":46},{"title":"من صفاته","level":3,"page":46},{"title":"١ - إنه يأتي يوم القيامة شافعا لأهله يحاج عن صاحبه","level":4,"page":46},{"title":"٢ - القرآن شديد التفلت فلا بد من تعاهده","level":4,"page":47},{"title":"٣ - القرآن خير ما تغني به وحسن له الصوت","level":4,"page":48},{"title":"٤ - القرآن خير ما تعلم المسلم وعلم، وأجر ذلك أعلى الأجور","level":4,"page":49},{"title":"٥ - القرآن مصدر الثروة في الأجر، ويرفع الله به ذكر القائم به العامل بمنهاجه","level":4,"page":49},{"title":"٦ - القرآن سبب القوة في حياة المسلمين","level":4,"page":50},{"title":"٧ - نزول القرآن على سبعة أحرف رحمة بجميع المسلمين","level":4,"page":51},{"title":"٨ - تكريم الله تعالى والدي صاحب القرآن يوم القيامة بتعليم ولدهما القرآن.","level":4,"page":52},{"title":"١ - سورة الفاتحة","level":1,"page":53},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":53},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":57},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":57},{"title":"تفسير الاستعاذة وحكمها","level":2,"page":58},{"title":"حكم الاستعاذة","level":3,"page":59},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":75},{"title":"٢ - سورة البقرة","level":1,"page":76},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":80},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":80},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":685},{"title":"٣ - سورة آل عمران","level":1,"page":694},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":694},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":695},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":695},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":861},{"title":"٤ - سورة النساء","level":1,"page":863},{"title":"فضلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":863},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":864},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":864},{"title":"التحريم قسمان","level":2,"page":901},{"title":"١ - تحريم مؤبد","level":3,"page":901},{"title":"٢ - تحريم مؤقت","level":3,"page":901},{"title":"أسباب التحريم المؤبد","level":3,"page":901},{"title":"أولا: المحرمات بسبب النسب","level":4,"page":901},{"title":"ثانيا: المحرمات بسبب المصاهرة.","level":4,"page":902},{"title":"ثالثا: المحرمات بسبب الرضاع.","level":4,"page":903},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":1072},{"title":"٥ - سورة المائدة","level":1,"page":1076},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":1076},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":1076},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":1260},{"title":"٦ - سورة الأنعام","level":1,"page":1263},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":1263},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":1263},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":1486},{"title":"٧ - سورة الأعراف","level":1,"page":1488},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":1488},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":1488},{"title":"فوائد هامة من ذكر قوم لوط وانحرافهم","level":2,"page":1567},{"title":"فوائد هامة","level":2,"page":1607},{"title":"وقد حفل القرآن الكريم والسنة المطهرة بآفاق هذا المعنى","level":2,"page":1651},{"title":"أولا - في التنزيل","level":3,"page":1651},{"title":"ثانيا - في كنوز السنة الصحيحة","level":3,"page":1651},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":1686},{"title":"٨ - سورة الأنفال","level":1,"page":1689},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":1689},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":1689},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":1789},{"title":"٩ - سورة التوبة","level":1,"page":1791},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":1791},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":1792},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":1792},{"title":"تفسير سورة التوبة","level":2,"page":1795},{"title":"أولا - زكاة النقدين: الذهب والفضة.","level":3,"page":1838},{"title":"ثانيا - زكاة الزروع والثمار.","level":3,"page":1838},{"title":"ثالثا - زكاة المواشي.","level":3,"page":1839},{"title":"رابعا - زكاة الركاز.","level":3,"page":1840},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":1947},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":1965},{"title":"١٠ - سورة يونس","level":1,"page":1968},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":1968},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":1968},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2056},{"title":"١١ - سورة هود","level":1,"page":2061},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":2061},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2062},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2062},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2161},{"title":"١٢ - سورة يوسف","level":1,"page":2162},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2162},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2162},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2242},{"title":"١٣ - سورة الرعد","level":1,"page":2243},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2243},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2243},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2302},{"title":"١٤ - سورة إبراهيم","level":1,"page":2303},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2303},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2303},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2355},{"title":"١٥ - سورة الحجر","level":1,"page":2356},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2356},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2356},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2400},{"title":"١٦ - سورة النحل","level":1,"page":2401},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2401},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2401},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2505},{"title":"١٧ - سورة الإسراء","level":1,"page":2506},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2507},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2507},{"title":"فوائد ونتائج من حادثة الإسراء والمعراج، وذكر ما روي من الآيات الكبرى في تلك الرحلة","level":2,"page":2514},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2605},{"title":"١٨ - سورة الكهف","level":1,"page":2607},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2608},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2608},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2688},{"title":"١٩ - سورة مريم","level":1,"page":2690},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2690},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":2690},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2748},{"title":"٢٠ - سورة طه","level":1,"page":2753},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2753},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2753},{"title":"- دروس ونتائج وأحكام -","level":2,"page":2822},{"title":"٢١ - سورة الأنبياء","level":1,"page":2823},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2823},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2823},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2893},{"title":"٢٢ - سورة الحج","level":1,"page":2894},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2894},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":2894},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":2983},{"title":"٢٣ - سورة المؤمنون","level":1,"page":2986},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":2986},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":2986},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3049},{"title":"٢٤ - سورة النور","level":1,"page":3051},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3051},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":3051},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3074},{"title":"١ - الولاء والبراء هو محور منهج الإيمان عند المسلمين","level":3,"page":3074},{"title":"٢ - بشرية الرسول وعدم علمه بالغيب","level":3,"page":3075},{"title":"٣ - براءة عائشة إلى يوم القيامة","level":3,"page":3077},{"title":"٤ - الأصل في المؤمنين الظن بأنفسهم خيرا","level":3,"page":3078},{"title":"٥ - تمحيص الله لقلوب المؤمنين بالابتلاء وتأخر الوحي","level":3,"page":3080},{"title":"٦ - ثبوت إقامة الحد على القاذفين","level":3,"page":3081},{"title":"٧ - مشروعية الإقراع بين النساء في السفر وجواز خروجهن للغزو ومشاركتهن بذلك","level":3,"page":3082},{"title":"آداب الاستئذان","level":2,"page":3083},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3140},{"title":"٢٥ - سورة الفرقان","level":1,"page":3142},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3142},{"title":"- منهاج السورة-","level":2,"page":3142},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3201},{"title":"٢٦ - سورة الشعراء","level":1,"page":3203},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3203},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":3203},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3270},{"title":"٢٧ - سورة النمل","level":1,"page":3272},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3272},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":3272},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3333},{"title":"٢٨ - سورة القصص","level":1,"page":3335},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3335},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":3335},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3406},{"title":"٢٩ - سورة العنكبوت","level":1,"page":3408},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3408},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":3408},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3468},{"title":"٣٠ - سورة الروم","level":1,"page":3470},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3470},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":3470},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3512},{"title":"٣١ - سورة لقمان","level":1,"page":3514},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3514},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":3514},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3545},{"title":"٣٢ - سورة السجدة","level":1,"page":3547},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":3547},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3547},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":3548},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3570},{"title":"٣٣ - سورة الأحزاب","level":1,"page":3571},{"title":"ما ورد في ذكرها","level":2,"page":3571},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3572},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":3572},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3673},{"title":"٣٤ - سورة سبإ","level":1,"page":3675},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3675},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":3675},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3722},{"title":"٣٥ - سورة فاطر","level":1,"page":3723},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3723},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":3723},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3767},{"title":"٣٦ - سورة يس","level":1,"page":3768},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3768},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":3768},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3827},{"title":"٣٧ - سورة الصافات","level":1,"page":3829},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3829},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":3829},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":3927},{"title":"٣٨ - سورة ص","level":1,"page":3929},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":3929},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":3929},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4015},{"title":"٣٩ - سورة الزمر","level":1,"page":4017},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4018},{"title":"- منهاج السورة -","level":2,"page":4018},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4164},{"title":"٤٠ - سورة غافر","level":1,"page":4167},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4167},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4167},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4221},{"title":"٤١ - سورة فصلت","level":1,"page":4223},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4223},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4223},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4266},{"title":"٤٢ - سورة الشورى","level":1,"page":4268},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4268},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4268},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4307},{"title":"٤٣ - سورة الزخرف","level":1,"page":4309},{"title":"ما ورد في ذكرها","level":2,"page":4309},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4310},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4310},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4348},{"title":"٤٤ - سورة الدخان","level":1,"page":4349},{"title":"ما ورد في ذكرها","level":2,"page":4349},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4350},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4350},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4373},{"title":"٤٥ - سورة الجاثية","level":1,"page":4374},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4374},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4374},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4397},{"title":"٤٦ - سورة الأحقاف","level":1,"page":4398},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4398},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4398},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4427},{"title":"٤٧ - سورة محمد","level":1,"page":4428},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4428},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4428},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4461},{"title":"٤٨ - سورة الفتح","level":1,"page":4463},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":4463},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4465},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4465},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4506},{"title":"٤٩ - سورة الحجرات","level":1,"page":4507},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4507},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4507},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4533},{"title":"٥٠ - سورة ق","level":1,"page":4534},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":4534},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4536},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4536},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4558},{"title":"٥١ - سورة الذاريات","level":1,"page":4559},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4559},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4559},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4580},{"title":"٥٢ - سورة الطور","level":1,"page":4581},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":4581},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4582},{"title":"منهاج السورة","level":2,"page":4582},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4598},{"title":"٥٣ - سورة النجم","level":1,"page":4599},{"title":"ما ورد في ذكرها","level":2,"page":4599},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4599},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4600},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4635},{"title":"٥٤ - سورة القمر","level":1,"page":4636},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4636},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4636},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4659},{"title":"٥٥ - سورة الرحمن","level":1,"page":4660},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4660},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4661},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4686},{"title":"٥٦ - سورة الواقعة","level":1,"page":4687},{"title":"ما ورد في ذكرها","level":2,"page":4687},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4687},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4688},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4719},{"title":"٥٧ - سورة الحديد","level":1,"page":4720},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4720},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4720},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4764},{"title":"٥٨ - سورة المجادلة","level":1,"page":4766},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4766},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4766},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4789},{"title":"٥٩ - سورة الحشر","level":1,"page":4790},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4790},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4790},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4819},{"title":"٦٠ - سورة الممتحنة","level":1,"page":4824},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4824},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4824},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4844},{"title":"٦١ - سورة الصف","level":1,"page":4845},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":4845},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4846},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4846},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4859},{"title":"٦٢ - سورة الجمعة","level":1,"page":4860},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":4860},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4861},{"title":"-منهاح السورة-","level":2,"page":4862},{"title":"آداب خاصة بيوم الجمعة","level":2,"page":4872},{"title":"الأدب الأول: الغسل لصلاة الجمعة","level":3,"page":4872},{"title":"الأدب الثاني: التبكير لصلاة الجمعة","level":3,"page":4873},{"title":"الأدب الثالث: لبس أحسن الثياب والتسوك والتماس أجمل الطيب","level":3,"page":4873},{"title":"ما يستحب من الأذكار والأدعية يوم الجمعة","level":2,"page":4874},{"title":"أولا: الإكثار من الصلاة والسلام على النبي -ﷺ-","level":3,"page":4874},{"title":"ثانيا: قراءة سورة الكهف","level":3,"page":4875},{"title":"ثالثا: الإكثار من الدعاء رجاء مصادفة ساعة الإجابة","level":3,"page":4875},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4879},{"title":"٦٣ - سورة المنافقون","level":1,"page":4880},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4880},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4880},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4891},{"title":"٦٤ - سورة التغابن","level":1,"page":4892},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4892},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4892},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4906},{"title":"٦٥ - سورة الطلاق","level":1,"page":4907},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4907},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4907},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4925},{"title":"٦٦ - سورة التحريم","level":1,"page":4926},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4926},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4926},{"title":"أسباب نزول هذه الآيات","level":2,"page":4928},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4943},{"title":"٦٧ - سورة الملك","level":1,"page":4944},{"title":"ذكر ما جاء في فضلها من أحاديث","level":2,"page":4944},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4945},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4945},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4960},{"title":"٦٨ - سورة القلم","level":1,"page":4961},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4961},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4961},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4983},{"title":"٦٩ - سورة الحاقة","level":1,"page":4984},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4984},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4984},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":4997},{"title":"٧٠ - سورة المعارج","level":1,"page":4998},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":4998},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":4998},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5014},{"title":"٧١ - سورة نوح","level":1,"page":5015},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5015},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5015},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5029},{"title":"٧٢ - سورة الجن","level":1,"page":5030},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5031},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5031},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5047},{"title":"٧٣ - سورة المزمل","level":1,"page":5048},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5048},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5048},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5062},{"title":"٧٤ - سورة المدثر","level":1,"page":5063},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5063},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5063},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5081},{"title":"٧٥ - سورة القيامة","level":1,"page":5082},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5082},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5082},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5097},{"title":"٧٦ - سورة الإنسان","level":1,"page":5098},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5098},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5098},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5114},{"title":"٧٧ - سورة المرسلات","level":1,"page":5115},{"title":"الأحاديث الواردة في ذكرها","level":2,"page":5115},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5116},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5116},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5127},{"title":"٧٨ - سورة النبأ","level":1,"page":5128},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5128},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5128},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5144},{"title":"٧٩ - سورة النازعات","level":1,"page":5145},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5145},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5145},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5157},{"title":"٨٠ - سورة عبس","level":1,"page":5158},{"title":"سبب نزول السورة","level":2,"page":5158},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5158},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5158},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5168},{"title":"٨١ - سورة التكوير","level":1,"page":5169},{"title":"ما ورد في ذكرها","level":2,"page":5169},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5169},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5170},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5181},{"title":"٨٢ - سورة الانفطار","level":1,"page":5182},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5182},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5183},{"title":"-دروس ونتائج وأحكام-","level":2,"page":5188},{"title":"٨٣ - سورة المطففين","level":1,"page":5189},{"title":"ما ورد في ذكرها","level":2,"page":5189},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5189},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5190},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5202},{"title":"٨٤ - سورة الإنشقاق","level":1,"page":5203},{"title":"الأحاديث الواردة في ذكرها","level":2,"page":5203},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5204},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5204},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5212},{"title":"٨٥ - سورة البروج","level":1,"page":5213},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5213},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5213},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5224},{"title":"٨٦ - سورة الطارق","level":1,"page":5225},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5225},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5225},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5233},{"title":"٨٧ - سورة الأعلى","level":1,"page":5234},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5234},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5236},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5236},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5242},{"title":"٨٨ - سورة الغاشية","level":1,"page":5243},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5243},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5244},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5244},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5252},{"title":"٨٩ - سورة الفجر","level":1,"page":5253},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5253},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5253},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5264},{"title":"٩٠ - سورة البلد","level":1,"page":5265},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5265},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5265},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5276},{"title":"٩١ - سورة الشمس","level":1,"page":5277},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5277},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5278},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5278},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5286},{"title":"٩٢ - سورة الليل","level":1,"page":5287},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5287},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5288},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5288},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5296},{"title":"٩٣ - سورة الضحى","level":1,"page":5297},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5297},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5297},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5303},{"title":"٩٤ - سورة الشرح","level":1,"page":5304},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5304},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5304},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5310},{"title":"٩٥ - سورة التين","level":1,"page":5311},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5311},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5312},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5312},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5315},{"title":"٩٦ - سورة العلق","level":1,"page":5316},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5316},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5316},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5323},{"title":"٩٧ - سورة القدر","level":1,"page":5324},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5324},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5324},{"title":"فضائل ليلة القدر وما ورد في تعيينها من أحاديث","level":2,"page":5327},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5329},{"title":"٩٨ - سورة البينة","level":1,"page":5330},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5330},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5331},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5331},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5338},{"title":"٩٩ - سورة الزلزلة","level":1,"page":5339},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5339},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5339},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5345},{"title":"١٠٠ - سورة العاديات","level":1,"page":5346},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5346},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5346},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5351},{"title":"١٠١ - سورة القارعة","level":1,"page":5352},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5352},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5352},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5358},{"title":"١٠٢ - سورة التكاثر","level":1,"page":5359},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5359},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5359},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5367},{"title":"١٠٣ - سورة العصر","level":1,"page":5368},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5368},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5368},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5371},{"title":"١٠٤ - سورة الهمزة","level":1,"page":5372},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5372},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5372},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5375},{"title":"١٠٥ - سورة الفيل","level":1,"page":5376},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5376},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5376},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5381},{"title":"١٠٦ - سورة قريش","level":1,"page":5382},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5382},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5383},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5383},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5388},{"title":"١٠٧ - سورة الماعون","level":1,"page":5389},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5389},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5389},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5395},{"title":"١٠٨ - سورة الكوثر","level":1,"page":5396},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5396},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5397},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5397},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5401},{"title":"١٠٩ - سورة الكافرون","level":1,"page":5402},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5402},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5404},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5404},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5406},{"title":"١١٠ - سورة النصر","level":1,"page":5407},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5407},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5408},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5408},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5412},{"title":"١١١ - سورة المسد","level":1,"page":5413},{"title":"أسباب النزول","level":2,"page":5413},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5415},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5415},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5420},{"title":"١١٢ - سورة الإخلاص","level":1,"page":5421},{"title":"فضائلها وما ورد في ذكرها","level":2,"page":5421},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5424},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5424},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5428},{"title":"١١٣ - سورة الفلق","level":1,"page":5429},{"title":"فضائل المعوذتين وما ورد في ذكرهما","level":2,"page":5429},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5432},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5432},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5438},{"title":"١١٤ - سورة الناس","level":1,"page":5439},{"title":"موضوع السورة","level":2,"page":5439},{"title":"-منهاج السورة-","level":2,"page":5439},{"title":"دروس ونتائج وأحكام","level":2,"page":5446}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,201":199,"1,202":200,"1,203":201,"1,204":202,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":207,"1,210":208,"1,211":209,"1,212":210,"1,213":211,"1,214":212,"1,215":213,"1,216":214,"1,217":215,"1,218":216,"1,219":217,"1,220":218,"1,221":219,"1,222":220,"1,223":221,"1,224":222,"1,225":223,"1,226":224,"1,227":225,"1,228":226,"1,229":227,"1,230":228,"1,231":229,"1,232":230,"1,233":231,"1,234":232,"1,235":233,"1,236":234,"1,237":235,"1,238":236,"1,239":237,"1,240":238,"1,241":239,"1,242":240,"1,243":241,"1,244":242,"1,245":243,"1,246":244,"1,247":245,"1,248":246,"1,249":247,"1,250":248,"1,251":249,"1,252":250,"1,253":251,"1,254":252,"1,255":253,"1,256":254,"1,257":255,"1,258":256,"1,259":257,"1,260":258,"1,261":259,"1,262":260,"1,263":261,"1,264":262,"1,265":263,"1,266":264,"1,267":265,"1,268":266,"1,269":267,"1,270":268,"1,271":269,"1,272":270,"1,273":271,"1,274":272,"1,275":273,"1,276":274,"1,277":275,"1,278":276,"1,279":277,"1,280":278,"1,281":279,"1,282":280,"1,283":281,"1,284":282,"1,285":283,"1,286":284,"1,287":285,"1,288":286,"1,289":287,"1,290":288,"1,291":289,"1,292":290,"1,293":291,"1,294":292,"1,295":293,"1,296":294,"1,297":295,"1,298":296,"1,299":297,"1,300":298,"1,301":299,"1,302":300,"1,303":301,"1,304":302,"1,305":303,"1,306":304,"1,307":305,"1,308":306,"1,309":307,"1,310":308,"1,311":309,"1,312":310,"1,313":311,"1,314":312,"1,315":313,"1,316":314,"1,317":315,"1,318":316,"1,319":317,"1,320":318,"1,321":319,"1,322":320,"1,323":321,"1,324":322,"1,325":323,"1,326":324,"1,327":325,"1,328":326,"1,329":327,"1,330":328,"1,331":329,"1,332":330,"1,333":331,"1,334":332,"1,335":333,"1,336":334,"1,337":335,"1,338":336,"1,339":337,"1,340":338,"1,341":339,"1,342":340,"1,343":341,"1,344":342,"1,345":343,"1,346":344,"1,347":345,"1,348":346,"1,349":347,"1,350":348,"1,351":349,"1,352":350,"1,353":351,"1,354":352,"1,355":353,"1,356":354,"1,357":355,"1,358":356,"1,359":357,"1,360":358,"1,361":359,"1,362":360,"1,363":361,"1,364":362,"1,365":363,"1,366":364,"1,367":365,"1,368":366,"1,369":367,"1,370":368,"1,371":369,"1,372":370,"1,373":371,"1,374":372,"1,375":373,"1,376":374,"1,377":375,"1,378":376,"1,379":377,"1,380":378,"1,381":379,"1,382":380,"1,383":381,"1,384":382,"1,385":383,"1,386":384,"1,387":385,"1,388":386,"1,389":387,"1,390":388,"1,391":389,"1,392":390,"1,393":391,"1,394":392,"1,395":393,"1,396":394,"1,397":395,"1,398":396,"1,399":397,"1,400":398,"1,401":399,"1,402":400,"1,403":401,"1,404":402,"1,405":403,"1,406":404,"1,407":405,"1,408":406,"1,409":407,"1,410":408,"1,411":409,"1,412":410,"1,413":411,"1,414":412,"1,415":413,"1,416":414,"1,417":415,"1,418":416,"1,419":417,"1,420":418,"1,421":419,"1,422":420,"1,423":421,"1,424":422,"1,425":423,"1,426":424,"1,427":425,"1,428":426,"1,429":427,"1,430":428,"1,431":429,"1,432":430,"1,433":431,"1,434":432,"1,435":433,"1,436":434,"1,437":435,"1,438":436,"1,439":437,"1,440":438,"1,441":439,"1,442":440,"1,443":441,"1,444":442,"1,445":443,"1,446":444,"1,447":445,"1,448":446,"1,449":447,"1,450":448,"1,451":449,"1,452":450,"1,453":451,"1,454":452,"1,455":453,"1,456":454,"1,457":455,"1,458":456,"1,459":457,"1,460":458,"1,461":459,"1,462":460,"1,463":461,"1,464":462,"1,465":463,"1,466":464,"1,467":465,"1,468":466,"1,469":467,"1,470":468,"1,471":469,"1,472":470,"1,473":471,"1,474":472,"1,475":473,"1,476":474,"1,477":475,"1,478":476,"1,479":477,"1,480":478,"1,481":479,"1,482":480,"1,483":481,"1,484":482,"1,485":483,"1,486":484,"1,487":485,"1,488":486,"1,489":487,"1,490":488,"1,491":489,"1,492":490,"1,493":491,"1,494":492,"1,495":493,"1,496":494,"1,497":495,"1,498":496,"1,499":497,"1,500":498,"1,501":499,"1,502":500,"1,503":501,"1,504":502,"1,505":503,"1,506":504,"1,507":505,"1,508":506,"1,509":507,"1,510":508,"1,511":509,"1,512":510,"1,513":511,"1,514":512,"1,515":513,"1,516":514,"1,517":515,"1,518":516,"1,519":517,"1,520":518,"1,521":519,"1,522":520,"1,523":521,"1,524":522,"1,525":523,"1,526":524,"1,527":525,"1,528":526,"1,529":527,"1,530":528,"1,531":529,"1,532":530,"1,533":531,"1,534":532,"1,535":533,"1,536":534,"1,537":535,"1,538":536,"1,539":537,"1,540":538,"1,541":539,"1,542":540,"1,543":541,"1,544":542,"1,545":543,"1,546":544,"1,547":545,"1,548":546,"1,549":547,"1,550":548,"1,551":549,"1,552":550,"1,553":551,"1,554":552,"1,555":553,"1,556":554,"1,557":555,"1,558":556,"1,559":557,"1,560":558,"1,561":559,"1,562":560,"1,563":561,"1,564":562,"1,565":563,"1,566":564,"1,567":565,"1,568":566,"1,569":567,"1,570":568,"1,571":569,"1,572":570,"1,573":571,"1,574":572,"1,575":573,"1,576":574,"1,577":575,"1,578":576,"1,579":577,"1,580":578,"1,581":579,"1,582":580,"1,583":581,"1,584":582,"1,585":583,"1,586":584,"1,587":585,"1,588":586,"1,589":587,"1,590":588,"1,591":589,"1,592":590,"1,593":591,"1,594":592,"1,595":593,"1,596":594,"1,597":595,"1,598":596,"1,599":597,"1,600":598,"1,601":599,"1,602":600,"1,603":601,"1,604":602,"1,605":603,"1,606":604,"1,607":605,"1,608":606,"1,609":607,"1,610":608,"1,611":609,"1,612":610,"1,613":611,"1,614":612,"1,615":613,"1,616":614,"1,617":615,"1,618":616,"1,619":617,"1,620":618,"1,621":619,"1,622":620,"1,623":621,"1,624":622,"1,625":623,"1,626":624,"1,627":625,"1,628":626,"1,629":627,"1,630":628,"1,631":629,"1,632":630,"1,633":631,"1,634":632,"1,635":633,"1,636":634,"1,637":635,"1,638":636,"1,639":637,"1,640":638,"1,641":639,"1,642":640,"1,643":641,"1,644":642,"1,645":643,"1,646":644,"1,647":645,"1,648":646,"1,649":647,"1,650":648,"1,651":649,"1,652":650,"1,653":651,"1,654":652,"1,655":653,"1,656":654,"1,657":655,"1,658":656,"1,659":657,"1,660":658,"1,661":659,"1,662":660,"1,663":661,"1,664":662,"1,665":663,"1,666":664,"1,667":665,"1,668":666,"1,669":667,"1,670":668,"1,671":669,"1,672":670,"1,673":671,"1,674":672,"1,675":673,"1,676":674,"1,677":675,"1,678":676,"1,679":677,"1,680":678,"1,681":679,"1,682":680,"1,683":681,"1,684":682,"1,685":683,"1,686":684,"1,687":685,"1,688":686,"1,689":687,"1,690":688,"1,691":689,"2,1":690,"2,2":691,"2,3":692,"2,4":693,"2,5":694,"2,6":695,"2,7":696,"2,8":697,"2,9":698,"2,10":699,"2,11":700,"2,12":701,"2,13":702,"2,14":703,"2,15":704,"2,16":705,"2,17":706,"2,18":707,"2,19":708,"2,20":709,"2,21":710,"2,22":711,"2,23":712,"2,24":713,"2,25":714,"2,26":715,"2,27":716,"2,28":717,"2,29":718,"2,30":719,"2,31":720,"2,32":721,"2,33":722,"2,34":723,"2,35":724,"2,36":725,"2,37":726,"2,38":727,"2,39":728,"2,40":729,"2,41":730,"2,42":731,"2,43":732,"2,44":733,"2,45":734,"2,46":735,"2,47":736,"2,48":737,"2,49":738,"2,50":739,"2,51":740,"2,52":741,"2,53":742,"2,54":743,"2,55":744,"2,56":745,"2,57":746,"2,58":747,"2,59":748,"2,60":749,"2,61":750,"2,62":751,"2,63":752,"2,64":753,"2,65":754,"2,66":755,"2,67":756,"2,68":757,"2,69":758,"2,70":759,"2,71":760,"2,72":761,"2,73":762,"2,74":763,"2,75":764,"2,76":765,"2,77":766,"2,78":767,"2,79":768,"2,80":769,"2,81":770,"2,82":771,"2,83":772,"2,84":773,"2,85":774,"2,86":775,"2,87":776,"2,88":777,"2,89":778,"2,90":779,"2,91":780,"2,92":781,"2,93":782,"2,94":783,"2,95":784,"2,96":785,"2,97":786,"2,98":787,"2,99":788,"2,100":789,"2,101":790,"2,102":791,"2,103":792,"2,104":793,"2,105":794,"2,106":795,"2,107":796,"2,108":797,"2,109":798,"2,110":799,"2,111":800,"2,112":801,"2,113":802,"2,114":803,"2,115":804,"2,116":805,"2,117":806,"2,118":807,"2,119":808,"2,120":809,"2,121":810,"2,122":811,"2,123":812,"2,124":813,"2,125":814,"2,126":815,"2,127":816,"2,128":817,"2,129":818,"2,130":819,"2,131":820,"2,132":821,"2,133":822,"2,134":823,"2,135":824,"2,136":825,"2,137":826,"2,138":827,"2,139":828,"2,140":829,"2,141":830,"2,142":831,"2,143":832,"2,144":833,"2,145":834,"2,146":835,"2,147":836,"2,148":837,"2,149":838,"2,150":839,"2,151":840,"2,152":841,"2,153":842,"2,154":843,"2,155":844,"2,156":845,"2,157":846,"2,158":847,"2,159":848,"2,160":849,"2,161":850,"2,162":851,"2,163":852,"2,164":853,"2,165":854,"2,166":855,"2,167":856,"2,168":857,"2,169":858,"2,170":859,"2,171":860,"2,172":861,"2,173":862,"2,174":863,"2,175":864,"2,176":865,"2,177":866,"2,178":867,"2,179":868,"2,180":869,"2,181":870,"2,182":871,"2,183":872,"2,184":873,"2,185":874,"2,186":875,"2,187":876,"2,188":877,"2,189":878,"2,190":879,"2,191":880,"2,192":881,"2,193":882,"2,194":883,"2,195":884,"2,196":885,"2,197":886,"2,198":887,"2,199":888,"2,200":889,"2,201":890,"2,202":891,"2,203":892,"2,204":893,"2,205":894,"2,206":895,"2,207":896,"2,208":897,"2,209":898,"2,210":899,"2,211":900,"2,212":901,"2,213":902,"2,214":903,"2,215":904,"2,216":905,"2,217":906,"2,218":907,"2,219":908,"2,220":909,"2,221":910,"2,222":911,"2,223":912,"2,224":913,"2,225":914,"2,226":915,"2,227":916,"2,228":917,"2,229":918,"2,230":919,"2,231":920,"2,232":921,"2,233":922,"2,234":923,"2,235":924,"2,236":925,"2,237":926,"2,238":927,"2,239":928,"2,240":929,"2,241":930,"2,242":931,"2,243":932,"2,244":933,"2,245":934,"2,246":935,"2,247":936,"2,248":937,"2,249":938,"2,250":939,"2,251":940,"2,252":941,"2,253":942,"2,254":943,"2,255":944,"2,256":945,"2,257":946,"2,258":947,"2,259":948,"2,260":949,"2,261":950,"2,262":951,"2,263":952,"2,264":953,"2,265":954,"2,266":955,"2,267":956,"2,268":957,"2,269":958,"2,270":959,"2,271":960,"2,272":961,"2,273":962,"2,274":963,"2,275":964,"2,276":965,"2,277":966,"2,278":967,"2,279":968,"2,280":969,"2,281":970,"2,282":971,"2,283":972,"2,284":973,"2,285":974,"2,286":975,"2,287":976,"2,288":977,"2,289":978,"2,290":979,"2,291":980,"2,292":981,"2,293":982,"2,294":983,"2,295":984,"2,296":985,"2,297":986,"2,298":987,"2,299":988,"2,300":989,"2,301":990,"2,302":991,"2,303":992,"2,304":993,"2,305":994,"2,306":995,"2,307":996,"2,308":997,"2,309":998,"2,310":999,"2,311":1000,"2,312":1001,"2,313":1002,"2,314":1003,"2,315":1004,"2,316":1005,"2,317":1006,"2,318":1007,"2,319":1008,"2,320":1009,"2,321":1010,"2,322":1011,"2,323":1012,"2,324":1013,"2,325":1014,"2,326":1015,"2,327":1016,"2,328":1017,"2,329":1018,"2,330":1019,"2,331":1020,"2,332":1021,"2,333":1022,"2,334":1023,"2,335":1024,"2,336":1025,"2,337":1026,"2,338":1027,"2,339":1028,"2,340":1029,"2,341":1030,"2,342":1031,"2,343":1032,"2,344":1033,"2,345":1034,"2,346":1035,"2,347":1036,"2,348":1037,"2,349":1038,"2,350":1039,"2,351":1040,"2,352":1041,"2,353":1042,"2,354":1043,"2,355":1044,"2,356":1045,"2,357":1046,"2,358":1047,"2,359":1048,"2,360":1049,"2,361":1050,"2,362":1051,"2,363":1052,"2,364":1053,"2,365":1054,"2,366":1055,"2,367":1056,"2,368":1057,"2,369":1058,"2,370":1059,"2,371":1060,"2,372":1061,"2,373":1062,"2,374":1063,"2,375":1064,"2,376":1065,"2,377":1066,"2,378":1067,"2,379":1068,"2,380":1069,"2,381":1070,"2,382":1071,"2,383":1072,"2,384":1073,"2,385":1074,"2,386":1075,"2,387":1076,"2,388":1077,"2,389":1078,"2,390":1079,"2,391":1080,"2,392":1081,"2,393":1082,"2,394":1083,"2,395":1084,"2,396":1085,"2,397":1086,"2,398":1087,"2,399":1088,"2,400":1089,"2,401":1090,"2,402":1091,"2,403":1092,"2,404":1093,"2,405":1094,"2,406":1095,"2,407":1096,"2,408":1097,"2,409":1098,"2,410":1099,"2,411":1100,"2,412":1101,"2,413":1102,"2,414":1103,"2,415":1104,"2,416":1105,"2,417":1106,"2,418":1107,"2,419":1108,"2,420":1109,"2,421":1110,"2,422":1111,"2,423":1112,"2,424":1113,"2,425":1114,"2,426":1115,"2,427":1116,"2,428":1117,"2,429":1118,"2,430":1119,"2,431":1120,"2,432":1121,"2,433":1122,"2,434":1123,"2,435":1124,"2,436":1125,"2,437":1126,"2,438":1127,"2,439":1128,"2,440":1129,"2,441":1130,"2,442":1131,"2,443":1132,"2,444":1133,"2,445":1134,"2,446":1135,"2,447":1136,"2,448":1137,"2,449":1138,"2,450":1139,"2,451":1140,"2,452":1141,"2,453":1142,"2,454":1143,"2,455":1144,"2,456":1145,"2,457":1146,"2,458":1147,"2,459":1148,"2,460":1149,"2,461":1150,"2,462":1151,"2,463":1152,"2,464":1153,"2,465":1154,"2,466":1155,"2,467":1156,"2,468":1157,"2,469":1158,"2,470":1159,"2,471":1160,"2,472":1161,"2,473":1162,"2,474":1163,"2,475":1164,"2,476":1165,"2,477":1166,"2,478":1167,"2,479":1168,"2,480":1169,"2,481":1170,"2,482":1171,"2,483":1172,"2,484":1173,"2,485":1174,"2,486":1175,"2,487":1176,"2,488":1177,"2,489":1178,"2,490":1179,"2,491":1180,"2,492":1181,"2,493":1182,"2,494":1183,"2,495":1184,"2,496":1185,"2,497":1186,"2,498":1187,"2,499":1188,"2,500":1189,"2,501":1190,"2,502":1191,"2,503":1192,"2,504":1193,"2,505":1194,"2,506":1195,"2,507":1196,"2,508":1197,"2,509":1198,"2,510":1199,"2,511":1200,"2,512":1201,"2,513":1202,"2,514":1203,"2,515":1204,"2,516":1205,"2,517":1206,"2,518":1207,"2,519":1208,"2,520":1209,"2,521":1210,"2,522":1211,"2,523":1212,"2,524":1213,"2,525":1214,"2,526":1215,"2,527":1216,"2,528":1217,"2,529":1218,"2,530":1219,"2,531":1220,"2,532":1221,"2,533":1222,"2,534":1223,"2,535":1224,"2,536":1225,"2,537":1226,"2,538":1227,"2,539":1228,"2,540":1229,"2,541":1230,"2,542":1231,"2,543":1232,"2,544":1233,"2,545":1234,"2,546":1235,"2,547":1236,"2,548":1237,"2,549":1238,"2,550":1239,"2,551":1240,"2,552":1241,"2,553":1242,"2,554":1243,"2,555":1244,"2,556":1245,"2,557":1246,"2,558":1247,"2,559":1248,"2,560":1249,"2,561":1250,"2,562":1251,"2,563":1252,"2,564":1253,"2,565":1254,"2,566":1255,"2,567":1256,"2,568":1257,"2,569":1258,"2,570":1259,"2,571":1260,"2,572":1261,"2,573":1262,"2,574":1263,"2,575":1264,"2,576":1265,"2,577":1266,"2,578":1267,"2,579":1268,"2,580":1269,"2,581":1270,"2,582":1271,"2,583":1272,"2,584":1273,"2,585":1274,"2,586":1275,"2,587":1276,"2,588":1277,"2,589":1278,"2,590":1279,"2,591":1280,"2,592":1281,"2,593":1282,"2,594":1283,"2,595":1284,"2,596":1285,"2,597":1286,"2,598":1287,"2,599":1288,"2,600":1289,"2,601":1290,"2,602":1291,"2,603":1292,"2,604":1293,"2,605":1294,"2,606":1295,"2,607":1296,"2,608":1297,"2,609":1298,"2,610":1299,"2,611":1300,"2,612":1301,"2,613":1302,"2,614":1303,"2,615":1304,"2,616":1305,"2,617":1306,"2,618":1307,"2,619":1308,"2,620":1309,"2,621":1310,"2,622":1311,"2,623":1312,"2,624":1313,"2,625":1314,"2,626":1315,"2,627":1316,"2,628":1317,"2,629":1318,"2,630":1319,"2,631":1320,"2,632":1321,"2,633":1322,"2,634":1323,"2,635":1324,"2,636":1325,"2,637":1326,"2,638":1327,"2,639":1328,"2,640":1329,"2,641":1330,"2,642":1331,"2,643":1332,"2,644":1333,"2,645":1334,"2,646":1335,"2,647":1336,"2,648":1337,"2,649":1338,"2,650":1339,"2,651":1340,"2,652":1341,"2,653":1342,"2,654":1343,"2,655":1344,"2,656":1345,"2,657":1346,"2,658":1347,"2,659":1348,"2,660":1349,"2,661":1350,"2,662":1351,"2,663":1352,"2,664":1353,"2,665":1354,"2,666":1355,"2,667":1356,"2,668":1357,"2,669":1358,"2,670":1359,"2,671":1360,"2,672":1361,"2,673":1362,"2,674":1363,"2,675":1364,"2,676":1365,"2,677":1366,"2,678":1367,"2,679":1368,"3,1":1369,"3,2":1370,"3,3":1371,"3,4":1372,"3,5":1373,"3,6":1374,"3,7":1375,"3,8":1376,"3,9":1377,"3,10":1378,"3,11":1379,"3,12":1380,"3,13":1381,"3,14":1382,"3,15":1383,"3,16":1384,"3,17":1385,"3,18":1386,"3,19":1387,"3,20":1388,"3,21":1389,"3,22":1390,"3,23":1391,"3,24":1392,"3,25":1393,"3,26":1394,"3,27":1395,"3,28":1396,"3,29":1397,"3,30":1398,"3,31":1399,"3,32":1400,"3,33":1401,"3,34":1402,"3,35":1403,"3,36":1404,"3,37":1405,"3,38":1406,"3,39":1407,"3,40":1408,"3,41":1409,"3,42":1410,"3,43":1411,"3,44":1412,"3,45":1413,"3,46":1414,"3,47":1415,"3,48":1416,"3,49":1417,"3,50":1418,"3,51":1419,"3,52":1420,"3,53":1421,"3,54":1422,"3,55":1423,"3,56":1424,"3,57":1425,"3,58":1426,"3,59":1427,"3,60":1428,"3,61":1429,"3,62":1430,"3,63":1431,"3,64":1432,"3,65":1433,"3,66":1434,"3,67":1435,"3,68":1436,"3,69":1437,"3,70":1438,"3,71":1439,"3,72":1440,"3,73":1441,"3,74":1442,"3,75":1443,"3,76":1444,"3,77":1445,"3,78":1446,"3,79":1447,"3,80":1448,"3,81":1449,"3,82":1450,"3,83":1451,"3,84":1452,"3,85":1453,"3,86":1454,"3,87":1455,"3,88":1456,"3,89":1457,"3,90":1458,"3,91":1459,"3,92":1460,"3,93":1461,"3,94":1462,"3,95":1463,"3,96":1464,"3,97":1465,"3,98":1466,"3,99":1467,"3,100":1468,"3,101":1469,"3,102":1470,"3,103":1471,"3,104":1472,"3,105":1473,"3,106":1474,"3,107":1475,"3,108":1476,"3,109":1477,"3,110":1478,"3,111":1479,"3,112":1480,"3,113":1481,"3,114":1482,"3,115":1483,"3,116":1484,"3,117":1485,"3,118":1486,"3,119":1487,"3,120":1488,"3,121":1489,"3,122":1490,"3,123":1491,"3,124":1492,"3,125":1493,"3,126":1494,"3,127":1495,"3,128":1496,"3,129":1497,"3,130":1498,"3,131":1499,"3,132":1500,"3,133":1501,"3,134":1502,"3,135":1503,"3,136":1504,"3,137":1505,"3,138":1506,"3,139":1507,"3,140":1508,"3,141":1509,"3,142":1510,"3,143":1511,"3,144":1512,"3,145":1513,"3,146":1514,"3,147":1515,"3,148":1516,"3,149":1517,"3,150":1518,"3,151":1519,"3,152":1520,"3,153":1521,"3,154":1522,"3,155":1523,"3,156":1524,"3,157":1525,"3,158":1526,"3,159":1527,"3,160":1528,"3,161":1529,"3,162":1530,"3,163":1531,"3,164":1532,"3,165":1533,"3,166":1534,"3,167":1535,"3,168":1536,"3,169":1537,"3,170":1538,"3,171":1539,"3,172":1540,"3,173":1541,"3,174":1542,"3,175":1543,"3,176":1544,"3,177":1545,"3,178":1546,"3,179":1547,"3,180":1548,"3,181":1549,"3,182":1550,"3,183":1551,"3,184":1552,"3,185":1553,"3,186":1554,"3,187":1555,"3,188":1556,"3,189":1557,"3,190":1558,"3,191":1559,"3,192":1560,"3,193":1561,"3,194":1562,"3,195":1563,"3,196":1564,"3,197":1565,"3,198":1566,"3,199":1567,"3,200":1568,"3,201":1569,"3,202":1570,"3,203":1571,"3,204":1572,"3,205":1573,"3,206":1574,"3,207":1575,"3,208":1576,"3,209":1577,"3,210":1578,"3,211":1579,"3,212":1580,"3,213":1581,"3,214":1582,"3,215":1583,"3,216":1584,"3,217":1585,"3,218":1586,"3,219":1587,"3,220":1588,"3,221":1589,"3,222":1590,"3,223":1591,"3,224":1592,"3,225":1593,"3,226":1594,"3,227":1595,"3,228":1596,"3,229":1597,"3,230":1598,"3,231":1599,"3,232":1600,"3,233":1601,"3,234":1602,"3,235":1603,"3,236":1604,"3,237":1605,"3,238":1606,"3,239":1607,"3,240":1608,"3,241":1609,"3,242":1610,"3,243":1611,"3,244":1612,"3,245":1613,"3,246":1614,"3,247":1615,"3,248":1616,"3,249":1617,"3,250":1618,"3,251":1619,"3,252":1620,"3,253":1621,"3,254":1622,"3,255":1623,"3,256":1624,"3,257":1625,"3,258":1626,"3,259":1627,"3,260":1628,"3,261":1629,"3,262":1630,"3,263":1631,"3,264":1632,"3,265":1633,"3,266":1634,"3,267":1635,"3,268":1636,"3,269":1637,"3,270":1638,"3,271":1639,"3,272":1640,"3,273":1641,"3,274":1642,"3,275":1643,"3,276":1644,"3,277":1645,"3,278":1646,"3,279":1647,"3,280":1648,"3,281":1649,"3,282":1650,"3,283":1651,"3,284":1652,"3,285":1653,"3,286":1654,"3,287":1655,"3,288":1656,"3,289":1657,"3,290":1658,"3,291":1659,"3,292":1660,"3,293":1661,"3,294":1662,"3,295":1663,"3,296":1664,"3,297":1665,"3,298":1666,"3,299":1667,"3,300":1668,"3,301":1669,"3,302":1670,"3,303":1671,"3,304":1672,"3,305":1673,"3,306":1674,"3,307":1675,"3,308":1676,"3,309":1677,"3,310":1678,"3,311":1679,"3,312":1680,"3,313":1681,"3,314":1682,"3,315":1683,"3,316":1684,"3,317":1685,"3,318":1686,"3,319":1687,"3,320":1688,"3,321":1689,"3,322":1690,"3,323":1691,"3,324":1692,"3,325":1693,"3,326":1694,"3,327":1695,"3,328":1696,"3,329":1697,"3,330":1698,"3,331":1699,"3,332":1700,"3,333":1701,"3,334":1702,"3,335":1703,"3,336":1704,"3,337":1705,"3,338":1706,"3,339":1707,"3,340":1708,"3,341":1709,"3,342":1710,"3,343":1711,"3,344":1712,"3,345":1713,"3,346":1714,"3,347":1715,"3,348":1716,"3,349":1717,"3,350":1718,"3,351":1719,"3,352":1720,"3,353":1721,"3,354":1722,"3,355":1723,"3,356":1724,"3,357":1725,"3,358":1726,"3,359":1727,"3,360":1728,"3,361":1729,"3,362":1730,"3,363":1731,"3,364":1732,"3,365":1733,"3,366":1734,"3,367":1735,"3,368":1736,"3,369":1737,"3,370":1738,"3,371":1739,"3,372":1740,"3,373":1741,"3,374":1742,"3,375":1743,"3,376":1744,"3,377":1745,"3,378":1746,"3,379":1747,"3,380":1748,"3,381":1749,"3,382":1750,"3,383":1751,"3,384":1752,"3,385":1753,"3,386":1754,"3,387":1755,"3,388":1756,"3,389":1757,"3,390":1758,"3,391":1759,"3,392":1760,"3,393":1761,"3,394":1762,"3,395":1763,"3,396":1764,"3,397":1765,"3,398":1766,"3,399":1767,"3,400":1768,"3,401":1769,"3,402":1770,"3,403":1771,"3,404":1772,"3,405":1773,"3,406":1774,"3,407":1775,"3,408":1776,"3,409":1777,"3,410":1778,"3,411":1779,"3,412":1780,"3,413":1781,"3,414":1782,"3,415":1783,"3,416":1784,"3,417":1785,"3,418":1786,"3,419":1787,"3,420":1788,"3,421":1789,"3,422":1790,"3,423":1791,"3,424":1792,"3,425":1793,"3,426":1794,"3,427":1795,"3,428":1796,"3,429":1797,"3,430":1798,"3,431":1799,"3,432":1800,"3,433":1801,"3,434":1802,"3,435":1803,"3,436":1804,"3,437":1805,"3,438":1806,"3,439":1807,"3,440":1808,"3,441":1809,"3,442":1810,"3,443":1811,"3,444":1812,"3,445":1813,"3,446":1814,"3,447":1815,"3,448":1816,"3,449":1817,"3,450":1818,"3,451":1819,"3,452":1820,"3,453":1821,"3,454":1822,"3,455":1823,"3,456":1824,"3,457":1825,"3,458":1826,"3,459":1827,"3,460":1828,"3,461":1829,"3,462":1830,"3,463":1831,"3,464":1832,"3,465":1833,"3,466":1834,"3,467":1835,"3,468":1836,"3,469":1837,"3,470":1838,"3,471":1839,"3,472":1840,"3,473":1841,"3,474":1842,"3,475":1843,"3,476":1844,"3,477":1845,"3,478":1846,"3,479":1847,"3,480":1848,"3,481":1849,"3,482":1850,"3,483":1851,"3,484":1852,"3,485":1853,"3,486":1854,"3,487":1855,"3,488":1856,"3,489":1857,"3,490":1858,"3,491":1859,"3,492":1860,"3,493":1861,"3,494":1862,"3,495":1863,"3,496":1864,"3,497":1865,"3,498":1866,"3,499":1867,"3,500":1868,"3,501":1869,"3,502":1870,"3,503":1871,"3,504":1872,"3,505":1873,"3,506":1874,"3,507":1875,"3,508":1876,"3,509":1877,"3,510":1878,"3,511":1879,"3,512":1880,"3,513":1881,"3,514":1882,"3,515":1883,"3,516":1884,"3,517":1885,"3,518":1886,"3,519":1887,"3,520":1888,"3,521":1889,"3,522":1890,"3,523":1891,"3,524":1892,"3,525":1893,"3,526":1894,"3,527":1895,"3,528":1896,"3,529":1897,"3,530":1898,"3,531":1899,"3,532":1900,"3,533":1901,"3,534":1902,"3,535":1903,"3,536":1904,"3,537":1905,"3,538":1906,"3,539":1907,"3,540":1908,"3,541":1909,"3,542":1910,"3,543":1911,"3,544":1912,"3,545":1913,"3,546":1914,"3,547":1915,"3,548":1916,"3,549":1917,"3,550":1918,"3,551":1919,"3,552":1920,"3,553":1921,"3,554":1922,"3,555":1923,"3,556":1924,"3,557":1925,"3,558":1926,"3,559":1927,"3,560":1928,"3,561":1929,"3,562":1930,"3,563":1931,"3,564":1932,"3,565":1933,"3,566":1934,"3,567":1935,"3,568":1936,"3,569":1937,"3,570":1938,"3,571":1939,"3,572":1940,"3,573":1941,"3,574":1942,"3,575":1943,"3,576":1944,"3,577":1945,"3,578":1946,"3,579":1947,"3,580":1948,"3,581":1949,"3,582":1950,"3,583":1951,"3,584":1952,"3,585":1953,"3,586":1954,"3,587":1955,"3,588":1956,"3,589":1957,"3,590":1958,"3,591":1959,"3,592":1960,"3,593":1961,"3,594":1962,"3,595":1963,"3,596":1964,"3,597":1965,"3,598":1966,"3,599":1967,"3,600":1968,"3,601":1969,"3,602":1970,"3,603":1971,"3,604":1972,"3,605":1973,"3,606":1974,"3,607":1975,"3,608":1976,"3,609":1977,"3,610":1978,"3,611":1979,"3,612":1980,"3,613":1981,"3,614":1982,"3,615":1983,"3,616":1984,"3,617":1985,"3,618":1986,"3,619":1987,"3,620":1988,"3,621":1989,"3,622":1990,"3,623":1991,"3,624":1992,"3,625":1993,"3,626":1994,"3,627":1995,"3,628":1996,"3,629":1997,"3,630":1998,"3,631":1999,"3,632":2000,"3,633":2001,"3,634":2002,"3,635":2003,"3,636":2004,"3,637":2005,"3,638":2006,"3,639":2007,"3,640":2008,"3,641":2009,"3,642":2010,"3,643":2011,"3,644":2012,"3,645":2013,"3,646":2014,"3,647":2015,"3,648":2016,"3,649":2017,"3,650":2018,"3,651":2019,"3,652":2020,"3,653":2021,"3,654":2022,"3,655":2023,"3,656":2024,"3,657":2025,"3,658":2026,"3,659":2027,"3,660":2028,"3,661":2029,"3,662":2030,"3,663":2031,"3,664":2032,"3,665":2033,"3,666":2034,"3,667":2035,"3,668":2036,"3,669":2037,"3,670":2038,"3,671":2039,"3,672":2040,"3,673":2041,"3,674":2042,"3,675":2043,"3,676":2044,"3,677":2045,"3,678":2046,"3,679":2047,"3,680":2048,"3,681":2049,"3,682":2050,"3,683":2051,"3,684":2052,"3,685":2053,"3,686":2054,"3,687":2055,"3,688":2056,"4,1":2057,"4,2":2058,"4,3":2059,"4,4":2060,"4,5":2061,"4,6":2062,"4,7":2063,"4,8":2064,"4,9":2065,"4,10":2066,"4,11":2067,"4,12":2068,"4,13":2069,"4,14":2070,"4,15":2071,"4,16":2072,"4,17":2073,"4,18":2074,"4,19":2075,"4,20":2076,"4,21":2077,"4,22":2078,"4,23":2079,"4,24":2080,"4,25":2081,"4,26":2082,"4,27":2083,"4,28":2084,"4,29":2085,"4,30":2086,"4,31":2087,"4,32":2088,"4,33":2089,"4,34":2090,"4,35":2091,"4,36":2092,"4,37":2093,"4,38":2094,"4,39":2095,"4,40":2096,"4,41":2097,"4,42":2098,"4,43":2099,"4,44":2100,"4,45":2101,"4,46":2102,"4,47":2103,"4,48":2104,"4,49":2105,"4,50":2106,"4,51":2107,"4,52":2108,"4,53":2109,"4,54":2110,"4,55":2111,"4,56":2112,"4,57":2113,"4,58":2114,"4,59":2115,"4,60":2116,"4,61":2117,"4,62":2118,"4,63":2119,"4,64":2120,"4,65":2121,"4,66":2122,"4,67":2123,"4,68":2124,"4,69":2125,"4,70":2126,"4,71":2127,"4,72":2128,"4,73":2129,"4,74":2130,"4,75":2131,"4,76":2132,"4,77":2133,"4,78":2134,"4,79":2135,"4,80":2136,"4,81":2137,"4,82":2138,"4,83":2139,"4,84":2140,"4,85":2141,"4,86":2142,"4,87":2143,"4,88":2144,"4,89":2145,"4,90":2146,"4,91":2147,"4,92":2148,"4,93":2149,"4,94":2150,"4,95":2151,"4,96":2152,"4,97":2153,"4,98":2154,"4,99":2155,"4,100":2156,"4,101":2157,"4,102":2158,"4,103":2159,"4,104":2160,"4,105":2161,"4,106":2162,"4,107":2163,"4,108":2164,"4,109":2165,"4,110":2166,"4,111":2167,"4,112":2168,"4,113":2169,"4,114":2170,"4,115":2171,"4,116":2172,"4,117":2173,"4,118":2174,"4,119":2175,"4,120":2176,"4,121":2177,"4,122":2178,"4,123":2179,"4,124":2180,"4,125":2181,"4,126":2182,"4,127":2183,"4,128":2184,"4,129":2185,"4,130":2186,"4,131":2187,"4,132":2188,"4,133":2189,"4,134":2190,"4,135":2191,"4,136":2192,"4,137":2193,"4,138":2194,"4,139":2195,"4,140":2196,"4,141":2197,"4,142":2198,"4,143":2199,"4,144":2200,"4,145":2201,"4,146":2202,"4,147":2203,"4,148":2204,"4,149":2205,"4,150":2206,"4,151":2207,"4,152":2208,"4,153":2209,"4,154":2210,"4,155":2211,"4,156":2212,"4,157":2213,"4,158":2214,"4,159":2215,"4,160":2216,"4,161":2217,"4,162":2218,"4,163":2219,"4,164":2220,"4,165":2221,"4,166":2222,"4,167":2223,"4,168":2224,"4,169":2225,"4,170":2226,"4,171":2227,"4,172":2228,"4,173":2229,"4,174":2230,"4,175":2231,"4,176":2232,"4,177":2233,"4,178":2234,"4,179":2235,"4,180":2236,"4,181":2237,"4,182":2238,"4,183":2239,"4,184":2240,"4,185":2241,"4,186":2242,"4,187":2243,"4,188":2244,"4,189":2245,"4,190":2246,"4,191":2247,"4,192":2248,"4,193":2249,"4,194":2250,"4,195":2251,"4,196":2252,"4,197":2253,"4,198":2254,"4,199":2255,"4,200":2256,"4,201":2257,"4,202":2258,"4,203":2259,"4,204":2260,"4,205":2261,"4,206":2262,"4,207":2263,"4,208":2264,"4,209":2265,"4,210":2266,"4,211":2267,"4,212":2268,"4,213":2269,"4,214":2270,"4,215":2271,"4,216":2272,"4,217":2273,"4,218":2274,"4,219":2275,"4,220":2276,"4,221":2277,"4,222":2278,"4,223":2279,"4,224":2280,"4,225":2281,"4,226":2282,"4,227":2283,"4,228":2284,"4,229":2285,"4,230":2286,"4,231":2287,"4,232":2288,"4,233":2289,"4,234":2290,"4,235":2291,"4,236":2292,"4,237":2293,"4,238":2294,"4,239":2295,"4,240":2296,"4,241":2297,"4,242":2298,"4,243":2299,"4,244":2300,"4,245":2301,"4,246":2302,"4,247":2303,"4,248":2304,"4,249":2305,"4,250":2306,"4,251":2307,"4,252":2308,"4,253":2309,"4,254":2310,"4,255":2311,"4,256":2312,"4,257":2313,"4,258":2314,"4,259":2315,"4,260":2316,"4,261":2317,"4,262":2318,"4,263":2319,"4,264":2320,"4,265":2321,"4,266":2322,"4,267":2323,"4,268":2324,"4,269":2325,"4,270":2326,"4,271":2327,"4,272":2328,"4,273":2329,"4,274":2330,"4,275":2331,"4,276":2332,"4,277":2333,"4,278":2334,"4,279":2335,"4,280":2336,"4,281":2337,"4,282":2338,"4,283":2339,"4,284":2340,"4,285":2341,"4,286":2342,"4,287":2343,"4,288":2344,"4,289":2345,"4,290":2346,"4,291":2347,"4,292":2348,"4,293":2349,"4,294":2350,"4,295":2351,"4,296":2352,"4,297":2353,"4,298":2354,"4,299":2355,"4,300":2356,"4,301":2357,"4,302":2358,"4,303":2359,"4,304":2360,"4,305":2361,"4,306":2362,"4,307":2363,"4,308":2364,"4,309":2365,"4,310":2366,"4,311":2367,"4,312":2368,"4,313":2369,"4,314":2370,"4,315":2371,"4,316":2372,"4,317":2373,"4,318":2374,"4,319":2375,"4,320":2376,"4,321":2377,"4,322":2378,"4,323":2379,"4,324":2380,"4,325":2381,"4,326":2382,"4,327":2383,"4,328":2384,"4,329":2385,"4,330":2386,"4,331":2387,"4,332":2388,"4,333":2389,"4,334":2390,"4,335":2391,"4,336":2392,"4,337":2393,"4,338":2394,"4,339":2395,"4,340":2396,"4,341":2397,"4,342":2398,"4,343":2399,"4,344":2400,"4,345":2401,"4,346":2402,"4,347":2403,"4,348":2404,"4,349":2405,"4,350":2406,"4,351":2407,"4,352":2408,"4,353":2409,"4,354":2410,"4,355":2411,"4,356":2412,"4,357":2413,"4,358":2414,"4,359":2415,"4,360":2416,"4,361":2417,"4,362":2418,"4,363":2419,"4,364":2420,"4,365":2421,"4,366":2422,"4,367":2423,"4,368":2424,"4,369":2425,"4,370":2426,"4,371":2427,"4,372":2428,"4,373":2429,"4,374":2430,"4,375":2431,"4,376":2432,"4,377":2433,"4,378":2434,"4,379":2435,"4,380":2436,"4,381":2437,"4,382":2438,"4,383":2439,"4,384":2440,"4,385":2441,"4,386":2442,"4,387":2443,"4,388":2444,"4,389":2445,"4,390":2446,"4,391":2447,"4,392":2448,"4,393":2449,"4,394":2450,"4,395":2451,"4,396":2452,"4,397":2453,"4,398":2454,"4,399":2455,"4,400":2456,"4,401":2457,"4,402":2458,"4,403":2459,"4,404":2460,"4,405":2461,"4,406":2462,"4,407":2463,"4,408":2464,"4,409":2465,"4,410":2466,"4,411":2467,"4,412":2468,"4,413":2469,"4,414":2470,"4,415":2471,"4,416":2472,"4,417":2473,"4,418":2474,"4,419":2475,"4,420":2476,"4,421":2477,"4,422":2478,"4,423":2479,"4,424":2480,"4,425":2481,"4,426":2482,"4,427":2483,"4,428":2484,"4,429":2485,"4,430":2486,"4,431":2487,"4,432":2488,"4,433":2489,"4,434":2490,"4,435":2491,"4,436":2492,"4,437":2493,"4,438":2494,"4,439":2495,"4,440":2496,"4,441":2497,"4,442":2498,"4,443":2499,"4,444":2500,"4,445":2501,"4,446":2502,"4,447":2503,"4,448":2504,"4,449":2505,"4,450":2506,"4,451":2507,"4,452":2508,"4,453":2509,"4,454":2510,"4,455":2511,"4,456":2512,"4,457":2513,"4,458":2514,"4,459":2515,"4,460":2516,"4,461":2517,"4,462":2518,"4,463":2519,"4,464":2520,"4,465":2521,"4,466":2522,"4,467":2523,"4,468":2524,"4,469":2525,"4,470":2526,"4,471":2527,"4,472":2528,"4,473":2529,"4,474":2530,"4,475":2531,"4,476":2532,"4,477":2533,"4,478":2534,"4,479":2535,"4,480":2536,"4,481":2537,"4,482":2538,"4,483":2539,"4,484":2540,"4,485":2541,"4,486":2542,"4,487":2543,"4,488":2544,"4,489":2545,"4,490":2546,"4,491":2547,"4,492":2548,"4,493":2549,"4,494":2550,"4,495":2551,"4,496":2552,"4,497":2553,"4,498":2554,"4,499":2555,"4,500":2556,"4,501":2557,"4,502":2558,"4,503":2559,"4,504":2560,"4,505":2561,"4,506":2562,"4,507":2563,"4,508":2564,"4,509":2565,"4,510":2566,"4,511":2567,"4,512":2568,"4,513":2569,"4,514":2570,"4,515":2571,"4,516":2572,"4,517":2573,"4,518":2574,"4,519":2575,"4,520":2576,"4,521":2577,"4,522":2578,"4,523":2579,"4,524":2580,"4,525":2581,"4,526":2582,"4,527":2583,"4,528":2584,"4,529":2585,"4,530":2586,"4,531":2587,"4,532":2588,"4,533":2589,"4,534":2590,"4,535":2591,"4,536":2592,"4,537":2593,"4,538":2594,"4,539":2595,"4,540":2596,"4,541":2597,"4,542":2598,"4,543":2599,"4,544":2600,"4,545":2601,"4,546":2602,"4,547":2603,"4,548":2604,"4,549":2605,"4,550":2606,"4,551":2607,"4,552":2608,"4,553":2609,"4,554":2610,"4,555":2611,"4,556":2612,"4,557":2613,"4,558":2614,"4,559":2615,"4,560":2616,"4,561":2617,"4,562":2618,"4,563":2619,"4,564":2620,"4,565":2621,"4,566":2622,"4,567":2623,"4,568":2624,"4,569":2625,"4,570":2626,"4,571":2627,"4,572":2628,"4,573":2629,"4,574":2630,"4,575":2631,"4,576":2632,"4,577":2633,"4,578":2634,"4,579":2635,"4,580":2636,"4,581":2637,"4,582":2638,"4,583":2639,"4,584":2640,"4,585":2641,"4,586":2642,"4,587":2643,"4,588":2644,"4,589":2645,"4,590":2646,"4,591":2647,"4,592":2648,"4,593":2649,"4,594":2650,"4,595":2651,"4,596":2652,"4,597":2653,"4,598":2654,"4,599":2655,"4,600":2656,"4,601":2657,"4,602":2658,"4,603":2659,"4,604":2660,"4,605":2661,"4,606":2662,"4,607":2663,"4,608":2664,"4,609":2665,"4,610":2666,"4,611":2667,"4,612":2668,"4,613":2669,"4,614":2670,"4,615":2671,"4,616":2672,"4,617":2673,"4,618":2674,"4,619":2675,"4,620":2676,"4,621":2677,"4,622":2678,"4,623":2679,"4,624":2680,"4,625":2681,"4,626":2682,"4,627":2683,"4,628":2684,"4,629":2685,"4,630":2686,"4,631":2687,"4,632":2688,"4,633":2689,"4,634":2690,"4,635":2691,"4,636":2692,"4,637":2693,"4,638":2694,"4,639":2695,"4,640":2696,"4,641":2697,"4,642":2698,"4,643":2699,"4,644":2700,"4,645":2701,"4,646":2702,"4,647":2703,"4,648":2704,"4,649":2705,"4,650":2706,"4,651":2707,"4,652":2708,"4,653":2709,"4,654":2710,"4,655":2711,"4,656":2712,"4,657":2713,"4,658":2714,"4,659":2715,"4,660":2716,"4,661":2717,"4,662":2718,"4,663":2719,"4,664":2720,"4,665":2721,"4,666":2722,"4,667":2723,"4,668":2724,"4,669":2725,"4,670":2726,"4,671":2727,"4,672":2728,"4,673":2729,"4,674":2730,"4,675":2731,"4,676":2732,"4,677":2733,"4,678":2734,"4,679":2735,"4,680":2736,"4,681":2737,"4,682":2738,"4,683":2739,"4,684":2740,"4,685":2741,"4,686":2742,"4,687":2743,"4,688":2744,"4,689":2745,"4,690":2746,"4,691":2747,"4,692":2748,"5,1":2749,"5,2":2750,"5,3":2751,"5,4":2752,"5,5":2753,"5,6":2754,"5,7":2755,"5,8":2756,"5,9":2757,"5,10":2758,"5,11":2759,"5,12":2760,"5,13":2761,"5,14":2762,"5,15":2763,"5,16":2764,"5,17":2765,"5,18":2766,"5,19":2767,"5,20":2768,"5,21":2769,"5,22":2770,"5,23":2771,"5,24":2772,"5,25":2773,"5,26":2774,"5,27":2775,"5,28":2776,"5,29":2777,"5,30":2778,"5,31":2779,"5,32":2780,"5,33":2781,"5,34":2782,"5,35":2783,"5,36":2784,"5,37":2785,"5,38":2786,"5,39":2787,"5,40":2788,"5,41":2789,"5,42":2790,"5,43":2791,"5,44":2792,"5,45":2793,"5,46":2794,"5,47":2795,"5,48":2796,"5,49":2797,"5,50":2798,"5,51":2799,"5,52":2800,"5,53":2801,"5,54":2802,"5,55":2803,"5,56":2804,"5,57":2805,"5,58":2806,"5,59":2807,"5,60":2808,"5,61":2809,"5,62":2810,"5,63":2811,"5,64":2812,"5,65":2813,"5,66":2814,"5,67":2815,"5,68":2816,"5,69":2817,"5,70":2818,"5,71":2819,"5,72":2820,"5,73":2821,"5,74":2822,"5,75":2823,"5,76":2824,"5,77":2825,"5,78":2826,"5,79":2827,"5,80":2828,"5,81":2829,"5,82":2830,"5,83":2831,"5,84":2832,"5,85":2833,"5,86":2834,"5,87":2835,"5,88":2836,"5,89":2837,"5,90":2838,"5,91":2839,"5,92":2840,"5,93":2841,"5,94":2842,"5,95":2843,"5,96":2844,"5,97":2845,"5,98":2846,"5,99":2847,"5,100":2848,"5,101":2849,"5,102":2850,"5,103":2851,"5,104":2852,"5,105":2853,"5,106":2854,"5,107":2855,"5,108":2856,"5,109":2857,"5,110":2858,"5,111":2859,"5,112":2860,"5,113":2861,"5,114":2862,"5,115":2863,"5,116":2864,"5,117":2865,"5,118":2866,"5,119":2867,"5,120":2868,"5,121":2869,"5,122":2870,"5,123":2871,"5,124":2872,"5,125":2873,"5,126":2874,"5,127":2875,"5,128":2876,"5,129":2877,"5,130":2878,"5,131":2879,"5,132":2880,"5,133":2881,"5,134":2882,"5,135":2883,"5,136":2884,"5,137":2885,"5,138":2886,"5,139":2887,"5,140":2888,"5,141":2889,"5,142":2890,"5,143":2891,"5,144":2892,"5,145":2893,"5,146":2894,"5,147":2895,"5,148":2896,"5,149":2897,"5,150":2898,"5,151":2899,"5,152":2900,"5,153":2901,"5,154":2902,"5,155":2903,"5,156":2904,"5,157":2905,"5,158":2906,"5,159":2907,"5,160":2908,"5,161":2909,"5,162":2910,"5,163":2911,"5,164":2912,"5,165":2913,"5,166":2914,"5,167":2915,"5,168":2916,"5,169":2917,"5,170":2918,"5,171":2919,"5,172":2920,"5,173":2921,"5,174":2922,"5,175":2923,"5,176":2924,"5,177":2925,"5,178":2926,"5,179":2927,"5,180":2928,"5,181":2929,"5,182":2930,"5,183":2931,"5,184":2932,"5,185":2933,"5,186":2934,"5,187":2935,"5,188":2936,"5,189":2937,"5,190":2938,"5,191":2939,"5,192":2940,"5,193":2941,"5,194":2942,"5,195":2943,"5,196":2944,"5,197":2945,"5,198":2946,"5,199":2947,"5,200":2948,"5,201":2949,"5,202":2950,"5,203":2951,"5,204":2952,"5,205":2953,"5,206":2954,"5,207":2955,"5,208":2956,"5,209":2957,"5,210":2958,"5,211":2959,"5,212":2960,"5,213":2961,"5,214":2962,"5,215":2963,"5,216":2964,"5,217":2965,"5,218":2966,"5,219":2967,"5,220":2968,"5,221":2969,"5,222":2970,"5,223":2971,"5,224":2972,"5,225":2973,"5,226":2974,"5,227":2975,"5,228":2976,"5,229":2977,"5,230":2978,"5,231":2979,"5,232":2980,"5,233":2981,"5,234":2982,"5,235":2983,"5,236":2984,"5,237":2985,"5,238":2986,"5,239":2987,"5,240":2988,"5,241":2989,"5,242":2990,"5,243":2991,"5,244":2992,"5,245":2993,"5,246":2994,"5,247":2995,"5,248":2996,"5,249":2997,"5,250":2998,"5,251":2999,"5,252":3000,"5,253":3001,"5,254":3002,"5,255":3003,"5,256":3004,"5,257":3005,"5,258":3006,"5,259":3007,"5,260":3008,"5,261":3009,"5,262":3010,"5,263":3011,"5,264":3012,"5,265":3013,"5,266":3014,"5,267":3015,"5,268":3016,"5,269":3017,"5,270":3018,"5,271":3019,"5,272":3020,"5,273":3021,"5,274":3022,"5,275":3023,"5,276":3024,"5,277":3025,"5,278":3026,"5,279":3027,"5,280":3028,"5,281":3029,"5,282":3030,"5,283":3031,"5,284":3032,"5,285":3033,"5,286":3034,"5,287":3035,"5,288":3036,"5,289":3037,"5,290":3038,"5,291":3039,"5,292":3040,"5,293":3041,"5,294":3042,"5,295":3043,"5,296":3044,"5,297":3045,"5,298":3046,"5,299":3047,"5,300":3048,"5,301":3049,"5,302":3050,"5,303":3051,"5,304":3052,"5,305":3053,"5,306":3054,"5,307":3055,"5,308":3056,"5,309":3057,"5,310":3058,"5,311":3059,"5,312":3060,"5,313":3061,"5,314":3062,"5,315":3063,"5,316":3064,"5,317":3065,"5,318":3066,"5,319":3067,"5,320":3068,"5,321":3069,"5,322":3070,"5,323":3071,"5,324":3072,"5,325":3073,"5,326":3074,"5,327":3075,"5,328":3076,"5,329":3077,"5,330":3078,"5,331":3079,"5,332":3080,"5,333":3081,"5,334":3082,"5,335":3083,"5,336":3084,"5,337":3085,"5,338":3086,"5,339":3087,"5,340":3088,"5,341":3089,"5,342":3090,"5,343":3091,"5,344":3092,"5,345":3093,"5,346":3094,"5,347":3095,"5,348":3096,"5,349":3097,"5,350":3098,"5,351":3099,"5,352":3100,"5,353":3101,"5,354":3102,"5,355":3103,"5,356":3104,"5,357":3105,"5,358":3106,"5,359":3107,"5,360":3108,"5,361":3109,"5,362":3110,"5,363":3111,"5,364":3112,"5,365":3113,"5,366":3114,"5,367":3115,"5,368":3116,"5,369":3117,"5,370":3118,"5,371":3119,"5,372":3120,"5,373":3121,"5,374":3122,"5,375":3123,"5,376":3124,"5,377":3125,"5,378":3126,"5,379":3127,"5,380":3128,"5,381":3129,"5,382":3130,"5,383":3131,"5,384":3132,"5,385":3133,"5,386":3134,"5,387":3135,"5,388":3136,"5,389":3137,"5,390":3138,"5,391":3139,"5,392":3140,"5,393":3141,"5,394":3142,"5,395":3143,"5,396":3144,"5,397":3145,"5,398":3146,"5,399":3147,"5,400":3148,"5,401":3149,"5,402":3150,"5,403":3151,"5,404":3152,"5,405":3153,"5,406":3154,"5,407":3155,"5,408":3156,"5,409":3157,"5,410":3158,"5,411":3159,"5,412":3160,"5,413":3161,"5,414":3162,"5,415":3163,"5,416":3164,"5,417":3165,"5,418":3166,"5,419":3167,"5,420":3168,"5,421":3169,"5,422":3170,"5,423":3171,"5,424":3172,"5,425":3173,"5,426":3174,"5,427":3175,"5,428":3176,"5,429":3177,"5,430":3178,"5,431":3179,"5,432":3180,"5,433":3181,"5,434":3182,"5,435":3183,"5,436":3184,"5,437":3185,"5,438":3186,"5,439":3187,"5,440":3188,"5,441":3189,"5,442":3190,"5,443":3191,"5,444":3192,"5,445":3193,"5,446":3194,"5,447":3195,"5,448":3196,"5,449":3197,"5,450":3198,"5,451":3199,"5,452":3200,"5,453":3201,"5,454":3202,"5,455":3203,"5,456":3204,"5,457":3205,"5,458":3206,"5,459":3207,"5,460":3208,"5,461":3209,"5,462":3210,"5,463":3211,"5,464":3212,"5,465":3213,"5,466":3214,"5,467":3215,"5,468":3216,"5,469":3217,"5,470":3218,"5,471":3219,"5,472":3220,"5,473":3221,"5,474":3222,"5,475":3223,"5,476":3224,"5,477":3225,"5,478":3226,"5,479":3227,"5,480":3228,"5,481":3229,"5,482":3230,"5,483":3231,"5,484":3232,"5,485":3233,"5,486":3234,"5,487":3235,"5,488":3236,"5,489":3237,"5,490":3238,"5,491":3239,"5,492":3240,"5,493":3241,"5,494":3242,"5,495":3243,"5,496":3244,"5,497":3245,"5,498":3246,"5,499":3247,"5,500":3248,"5,501":3249,"5,502":3250,"5,503":3251,"5,504":3252,"5,505":3253,"5,506":3254,"5,507":3255,"5,508":3256,"5,509":3257,"5,510":3258,"5,511":3259,"5,512":3260,"5,513":3261,"5,514":3262,"5,515":3263,"5,516":3264,"5,517":3265,"5,518":3266,"5,519":3267,"5,520":3268,"5,521":3269,"5,522":3270,"5,523":3271,"5,524":3272,"5,525":3273,"5,526":3274,"5,527":3275,"5,528":3276,"5,529":3277,"5,530":3278,"5,531":3279,"5,532":3280,"5,533":3281,"5,534":3282,"5,535":3283,"5,536":3284,"5,537":3285,"5,538":3286,"5,539":3287,"5,540":3288,"5,541":3289,"5,542":3290,"5,543":3291,"5,544":3292,"5,545":3293,"5,546":3294,"5,547":3295,"5,548":3296,"5,549":3297,"5,550":3298,"5,551":3299,"5,552":3300,"5,553":3301,"5,554":3302,"5,555":3303,"5,556":3304,"5,557":3305,"5,558":3306,"5,559":3307,"5,560":3308,"5,561":3309,"5,562":3310,"5,563":3311,"5,564":3312,"5,565":3313,"5,566":3314,"5,567":3315,"5,568":3316,"5,569":3317,"5,570":3318,"5,571":3319,"5,572":3320,"5,573":3321,"5,574":3322,"5,575":3323,"5,576":3324,"5,577":3325,"5,578":3326,"5,579":3327,"5,580":3328,"5,581":3329,"5,582":3330,"5,583":3331,"5,584":3332,"5,585":3333,"5,586":3334,"5,587":3335,"5,588":3336,"5,589":3337,"5,590":3338,"5,591":3339,"5,592":3340,"5,593":3341,"5,594":3342,"5,595":3343,"5,596":3344,"5,597":3345,"5,598":3346,"5,599":3347,"5,600":3348,"5,601":3349,"5,602":3350,"5,603":3351,"5,604":3352,"5,605":3353,"5,606":3354,"5,607":3355,"5,608":3356,"5,609":3357,"5,610":3358,"5,611":3359,"5,612":3360,"5,613":3361,"5,614":3362,"5,615":3363,"5,616":3364,"5,617":3365,"5,618":3366,"5,619":3367,"5,620":3368,"5,621":3369,"5,622":3370,"5,623":3371,"5,624":3372,"5,625":3373,"5,626":3374,"5,627":3375,"5,628":3376,"5,629":3377,"5,630":3378,"5,631":3379,"5,632":3380,"5,633":3381,"5,634":3382,"5,635":3383,"5,636":3384,"5,637":3385,"5,638":3386,"5,639":3387,"5,640":3388,"5,641":3389,"5,642":3390,"5,643":3391,"5,644":3392,"5,645":3393,"5,646":3394,"5,647":3395,"5,648":3396,"5,649":3397,"5,650":3398,"5,651":3399,"5,652":3400,"5,653":3401,"5,654":3402,"5,655":3403,"5,656":3404,"5,657":3405,"5,658":3406,"5,659":3407,"5,660":3408,"5,661":3409,"5,662":3410,"5,663":3411,"5,664":3412,"5,665":3413,"5,666":3414,"5,667":3415,"5,668":3416,"5,669":3417,"5,670":3418,"5,671":3419,"5,672":3420,"5,673":3421,"5,674":3422,"5,675":3423,"5,676":3424,"5,677":3425,"5,678":3426,"5,679":3427,"5,680":3428,"5,681":3429,"5,682":3430,"5,683":3431,"5,684":3432,"5,685":3433,"5,686":3434,"5,687":3435,"5,688":3436,"5,689":3437,"5,690":3438,"5,691":3439,"5,692":3440,"5,693":3441,"5,694":3442,"5,695":3443,"5,696":3444,"6,1":3445,"6,2":3446,"6,3":3447,"6,4":3448,"6,5":3449,"6,6":3450,"6,7":3451,"6,8":3452,"6,9":3453,"6,10":3454,"6,11":3455,"6,12":3456,"6,13":3457,"6,14":3458,"6,15":3459,"6,16":3460,"6,17":3461,"6,18":3462,"6,19":3463,"6,20":3464,"6,21":3465,"6,22":3466,"6,23":3467,"6,24":3468,"6,25":3469,"6,26":3470,"6,27":3471,"6,28":3472,"6,29":3473,"6,30":3474,"6,31":3475,"6,32":3476,"6,33":3477,"6,34":3478,"6,35":3479,"6,36":3480,"6,37":3481,"6,38":3482,"6,39":3483,"6,40":3484,"6,41":3485,"6,42":3486,"6,43":3487,"6,44":3488,"6,45":3489,"6,46":3490,"6,47":3491,"6,48":3492,"6,49":3493,"6,50":3494,"6,51":3495,"6,52":3496,"6,53":3497,"6,54":3498,"6,55":3499,"6,56":3500,"6,57":3501,"6,58":3502,"6,59":3503,"6,60":3504,"6,61":3505,"6,62":3506,"6,63":3507,"6,64":3508,"6,65":3509,"6,66":3510,"6,67":3511,"6,68":3512,"6,69":3513,"6,70":3514,"6,71":3515,"6,72":3516,"6,73":3517,"6,74":3518,"6,75":3519,"6,76":3520,"6,77":3521,"6,78":3522,"6,79":3523,"6,80":3524,"6,81":3525,"6,82":3526,"6,83":3527,"6,84":3528,"6,85":3529,"6,86":3530,"6,87":3531,"6,88":3532,"6,89":3533,"6,90":3534,"6,91":3535,"6,92":3536,"6,93":3537,"6,94":3538,"6,95":3539,"6,96":3540,"6,97":3541,"6,98":3542,"6,99":3543,"6,100":3544,"6,101":3545,"6,102":3546,"6,103":3547,"6,104":3548,"6,105":3549,"6,106":3550,"6,107":3551,"6,108":3552,"6,109":3553,"6,110":3554,"6,111":3555,"6,112":3556,"6,113":3557,"6,114":3558,"6,115":3559,"6,116":3560,"6,117":3561,"6,118":3562,"6,119":3563,"6,120":3564,"6,121":3565,"6,122":3566,"6,123":3567,"6,124":3568,"6,125":3569,"6,126":3570,"6,127":3571,"6,128":3572,"6,129":3573,"6,130":3574,"6,131":3575,"6,132":3576,"6,133":3577,"6,134":3578,"6,135":3579,"6,136":3580,"6,137":3581,"6,138":3582,"6,139":3583,"6,140":3584,"6,141":3585,"6,142":3586,"6,143":3587,"6,144":3588,"6,145":3589,"6,146":3590,"6,147":3591,"6,148":3592,"6,149":3593,"6,150":3594,"6,151":3595,"6,152":3596,"6,153":3597,"6,154":3598,"6,155":3599,"6,156":3600,"6,157":3601,"6,158":3602,"6,159":3603,"6,160":3604,"6,161":3605,"6,162":3606,"6,163":3607,"6,164":3608,"6,165":3609,"6,166":3610,"6,167":3611,"6,168":3612,"6,169":3613,"6,170":3614,"6,171":3615,"6,172":3616,"6,173":3617,"6,174":3618,"6,175":3619,"6,176":3620,"6,177":3621,"6,178":3622,"6,179":3623,"6,180":3624,"6,181":3625,"6,182":3626,"6,183":3627,"6,184":3628,"6,185":3629,"6,186":3630,"6,187":3631,"6,188":3632,"6,189":3633,"6,190":3634,"6,191":3635,"6,192":3636,"6,193":3637,"6,194":3638,"6,195":3639,"6,196":3640,"6,197":3641,"6,198":3642,"6,199":3643,"6,200":3644,"6,201":3645,"6,202":3646,"6,203":3647,"6,204":3648,"6,205":3649,"6,206":3650,"6,207":3651,"6,208":3652,"6,209":3653,"6,210":3654,"6,211":3655,"6,212":3656,"6,213":3657,"6,214":3658,"6,215":3659,"6,216":3660,"6,217":3661,"6,218":3662,"6,219":3663,"6,220":3664,"6,221":3665,"6,222":3666,"6,223":3667,"6,224":3668,"6,225":3669,"6,226":3670,"6,227":3671,"6,228":3672,"6,229":3673,"6,230":3674,"6,231":3675,"6,232":3676,"6,233":3677,"6,234":3678,"6,235":3679,"6,236":3680,"6,237":3681,"6,238":3682,"6,239":3683,"6,240":3684,"6,241":3685,"6,242":3686,"6,243":3687,"6,244":3688,"6,245":3689,"6,246":3690,"6,247":3691,"6,248":3692,"6,249":3693,"6,250":3694,"6,251":3695,"6,252":3696,"6,253":3697,"6,254":3698,"6,255":3699,"6,256":3700,"6,257":3701,"6,258":3702,"6,259":3703,"6,260":3704,"6,261":3705,"6,262":3706,"6,263":3707,"6,264":3708,"6,265":3709,"6,266":3710,"6,267":3711,"6,268":3712,"6,269":3713,"6,270":3714,"6,271":3715,"6,272":3716,"6,273":3717,"6,274":3718,"6,275":3719,"6,276":3720,"6,277":3721,"6,278":3722,"6,279":3723,"6,280":3724,"6,281":3725,"6,282":3726,"6,283":3727,"6,284":3728,"6,285":3729,"6,286":3730,"6,287":3731,"6,288":3732,"6,289":3733,"6,290":3734,"6,291":3735,"6,292":3736,"6,293":3737,"6,294":3738,"6,295":3739,"6,296":3740,"6,297":3741,"6,298":3742,"6,299":3743,"6,300":3744,"6,301":3745,"6,302":3746,"6,303":3747,"6,304":3748,"6,305":3749,"6,306":3750,"6,307":3751,"6,308":3752,"6,309":3753,"6,310":3754,"6,311":3755,"6,312":3756,"6,313":3757,"6,314":3758,"6,315":3759,"6,316":3760,"6,317":3761,"6,318":3762,"6,319":3763,"6,320":3764,"6,321":3765,"6,322":3766,"6,323":3767,"6,324":3768,"6,325":3769,"6,326":3770,"6,327":3771,"6,328":3772,"6,329":3773,"6,330":3774,"6,331":3775,"6,332":3776,"6,333":3777,"6,334":3778,"6,335":3779,"6,336":3780,"6,337":3781,"6,338":3782,"6,339":3783,"6,340":3784,"6,341":3785,"6,342":3786,"6,343":3787,"6,344":3788,"6,345":3789,"6,346":3790,"6,347":3791,"6,348":3792,"6,349":3793,"6,350":3794,"6,351":3795,"6,352":3796,"6,353":3797,"6,354":3798,"6,355":3799,"6,356":3800,"6,357":3801,"6,358":3802,"6,359":3803,"6,360":3804,"6,361":3805,"6,362":3806,"6,363":3807,"6,364":3808,"6,365":3809,"6,366":3810,"6,367":3811,"6,368":3812,"6,369":3813,"6,370":3814,"6,371":3815,"6,372":3816,"6,373":3817,"6,374":3818,"6,375":3819,"6,376":3820,"6,377":3821,"6,378":3822,"6,379":3823,"6,380":3824,"6,381":3825,"6,382":3826,"6,383":3827,"6,384":3828,"6,385":3829,"6,386":3830,"6,387":3831,"6,388":3832,"6,389":3833,"6,390":3834,"6,391":3835,"6,392":3836,"6,393":3837,"6,394":3838,"6,395":3839,"6,396":3840,"6,397":3841,"6,398":3842,"6,399":3843,"6,400":3844,"6,401":3845,"6,402":3846,"6,403":3847,"6,404":3848,"6,405":3849,"6,406":3850,"6,407":3851,"6,408":3852,"6,409":3853,"6,410":3854,"6,411":3855,"6,412":3856,"6,413":3857,"6,414":3858,"6,415":3859,"6,416":3860,"6,417":3861,"6,418":3862,"6,419":3863,"6,420":3864,"6,421":3865,"6,422":3866,"6,423":3867,"6,424":3868,"6,425":3869,"6,426":3870,"6,427":3871,"6,428":3872,"6,429":3873,"6,430":3874,"6,431":3875,"6,432":3876,"6,433":3877,"6,434":3878,"6,435":3879,"6,436":3880,"6,437":3881,"6,438":3882,"6,439":3883,"6,440":3884,"6,441":3885,"6,442":3886,"6,443":3887,"6,444":3888,"6,445":3889,"6,446":3890,"6,447":3891,"6,448":3892,"6,449":3893,"6,450":3894,"6,451":3895,"6,452":3896,"6,453":3897,"6,454":3898,"6,455":3899,"6,456":3900,"6,457":3901,"6,458":3902,"6,459":3903,"6,460":3904,"6,461":3905,"6,462":3906,"6,463":3907,"6,464":3908,"6,465":3909,"6,466":3910,"6,467":3911,"6,468":3912,"6,469":3913,"6,470":3914,"6,471":3915,"6,472":3916,"6,473":3917,"6,474":3918,"6,475":3919,"6,476":3920,"6,477":3921,"6,478":3922,"6,479":3923,"6,480":3924,"6,481":3925,"6,482":3926,"6,483":3927,"6,484":3928,"6,485":3929,"6,486":3930,"6,487":3931,"6,488":3932,"6,489":3933,"6,490":3934,"6,491":3935,"6,492":3936,"6,493":3937,"6,494":3938,"6,495":3939,"6,496":3940,"6,497":3941,"6,498":3942,"6,499":3943,"6,500":3944,"6,501":3945,"6,502":3946,"6,503":3947,"6,504":3948,"6,505":3949,"6,506":3950,"6,507":3951,"6,508":3952,"6,509":3953,"6,510":3954,"6,511":3955,"6,512":3956,"6,513":3957,"6,514":3958,"6,515":3959,"6,516":3960,"6,517":3961,"6,518":3962,"6,519":3963,"6,520":3964,"6,521":3965,"6,522":3966,"6,523":3967,"6,524":3968,"6,525":3969,"6,526":3970,"6,527":3971,"6,528":3972,"6,529":3973,"6,530":3974,"6,531":3975,"6,532":3976,"6,533":3977,"6,534":3978,"6,535":3979,"6,536":3980,"6,537":3981,"6,538":3982,"6,539":3983,"6,540":3984,"6,541":3985,"6,542":3986,"6,543":3987,"6,544":3988,"6,545":3989,"6,546":3990,"6,547":3991,"6,548":3992,"6,549":3993,"6,550":3994,"6,551":3995,"6,552":3996,"6,553":3997,"6,554":3998,"6,555":3999,"6,556":4000,"6,557":4001,"6,558":4002,"6,559":4003,"6,560":4004,"6,561":4005,"6,562":4006,"6,563":4007,"6,564":4008,"6,565":4009,"6,566":4010,"6,567":4011,"6,568":4012,"6,569":4013,"6,570":4014,"6,571":4015,"6,572":4016,"6,573":4017,"6,574":4018,"6,575":4019,"6,576":4020,"6,577":4021,"6,578":4022,"6,579":4023,"6,580":4024,"6,581":4025,"6,582":4026,"6,583":4027,"6,584":4028,"6,585":4029,"6,586":4030,"6,587":4031,"6,588":4032,"6,589":4033,"6,590":4034,"6,591":4035,"6,592":4036,"6,593":4037,"6,594":4038,"6,595":4039,"6,596":4040,"6,597":4041,"6,598":4042,"6,599":4043,"6,600":4044,"6,601":4045,"6,602":4046,"6,603":4047,"6,604":4048,"6,605":4049,"6,606":4050,"6,607":4051,"6,608":4052,"6,609":4053,"6,610":4054,"6,611":4055,"6,612":4056,"6,613":4057,"6,614":4058,"6,615":4059,"6,616":4060,"6,617":4061,"6,618":4062,"6,619":4063,"6,620":4064,"6,621":4065,"6,622":4066,"6,623":4067,"6,624":4068,"6,625":4069,"6,626":4070,"6,627":4071,"6,628":4072,"6,629":4073,"6,630":4074,"6,631":4075,"6,632":4076,"6,633":4077,"6,634":4078,"6,635":4079,"6,636":4080,"6,637":4081,"6,638":4082,"6,639":4083,"6,640":4084,"6,641":4085,"6,642":4086,"6,643":4087,"6,644":4088,"6,645":4089,"6,646":4090,"6,647":4091,"6,648":4092,"6,649":4093,"6,650":4094,"6,651":4095,"6,652":4096,"6,653":4097,"6,654":4098,"6,655":4099,"6,656":4100,"6,657":4101,"6,658":4102,"6,659":4103,"6,660":4104,"6,661":4105,"6,662":4106,"6,663":4107,"6,664":4108,"6,665":4109,"6,666":4110,"6,667":4111,"6,668":4112,"6,669":4113,"6,670":4114,"6,671":4115,"6,672":4116,"6,673":4117,"6,674":4118,"6,675":4119,"6,676":4120,"6,677":4121,"6,678":4122,"6,679":4123,"6,680":4124,"6,681":4125,"6,682":4126,"6,683":4127,"6,684":4128,"6,685":4129,"6,686":4130,"6,687":4131,"7,1":4132,"7,2":4133,"7,3":4134,"7,4":4135,"7,5":4136,"7,6":4137,"7,7":4138,"7,8":4139,"7,9":4140,"7,10":4141,"7,11":4142,"7,12":4143,"7,13":4144,"7,14":4145,"7,15":4146,"7,16":4147,"7,17":4148,"7,18":4149,"7,19":4150,"7,20":4151,"7,21":4152,"7,22":4153,"7,23":4154,"7,24":4155,"7,25":4156,"7,26":4157,"7,27":4158,"7,28":4159,"7,29":4160,"7,30":4161,"7,31":4162,"7,32":4163,"7,33":4164,"7,34":4165,"7,35":4166,"7,36":4167,"7,37":4168,"7,38":4169,"7,39":4170,"7,40":4171,"7,41":4172,"7,42":4173,"7,43":4174,"7,44":4175,"7,45":4176,"7,46":4177,"7,47":4178,"7,48":4179,"7,49":4180,"7,50":4181,"7,51":4182,"7,52":4183,"7,53":4184,"7,54":4185,"7,55":4186,"7,56":4187,"7,57":4188,"7,58":4189,"7,59":4190,"7,60":4191,"7,61":4192,"7,62":4193,"7,63":4194,"7,64":4195,"7,65":4196,"7,66":4197,"7,67":4198,"7,68":4199,"7,69":4200,"7,70":4201,"7,71":4202,"7,72":4203,"7,73":4204,"7,74":4205,"7,75":4206,"7,76":4207,"7,77":4208,"7,78":4209,"7,79":4210,"7,80":4211,"7,81":4212,"7,82":4213,"7,83":4214,"7,84":4215,"7,85":4216,"7,86":4217,"7,87":4218,"7,88":4219,"7,89":4220,"7,90":4221,"7,91":4222,"7,92":4223,"7,93":4224,"7,94":4225,"7,95":4226,"7,96":4227,"7,97":4228,"7,98":4229,"7,99":4230,"7,100":4231,"7,101":4232,"7,102":4233,"7,103":4234,"7,104":4235,"7,105":4236,"7,106":4237,"7,107":4238,"7,108":4239,"7,109":4240,"7,110":4241,"7,111":4242,"7,112":4243,"7,113":4244,"7,114":4245,"7,115":4246,"7,116":4247,"7,117":4248,"7,118":4249,"7,119":4250,"7,120":4251,"7,121":4252,"7,122":4253,"7,123":4254,"7,124":4255,"7,125":4256,"7,126":4257,"7,127":4258,"7,128":4259,"7,129":4260,"7,130":4261,"7,131":4262,"7,132":4263,"7,133":4264,"7,134":4265,"7,135":4266,"7,136":4267,"7,137":4268,"7,138":4269,"7,139":4270,"7,140":4271,"7,141":4272,"7,142":4273,"7,143":4274,"7,144":4275,"7,145":4276,"7,146":4277,"7,147":4278,"7,148":4279,"7,149":4280,"7,150":4281,"7,151":4282,"7,152":4283,"7,153":4284,"7,154":4285,"7,155":4286,"7,156":4287,"7,157":4288,"7,158":4289,"7,159":4290,"7,160":4291,"7,161":4292,"7,162":4293,"7,163":4294,"7,164":4295,"7,165":4296,"7,166":4297,"7,167":4298,"7,168":4299,"7,169":4300,"7,170":4301,"7,171":4302,"7,172":4303,"7,173":4304,"7,174":4305,"7,175":4306,"7,176":4307,"7,177":4308,"7,178":4309,"7,179":4310,"7,180":4311,"7,181":4312,"7,182":4313,"7,183":4314,"7,184":4315,"7,185":4316,"7,186":4317,"7,187":4318,"7,188":4319,"7,189":4320,"7,190":4321,"7,191":4322,"7,192":4323,"7,193":4324,"7,194":4325,"7,195":4326,"7,196":4327,"7,197":4328,"7,198":4329,"7,199":4330,"7,200":4331,"7,201":4332,"7,202":4333,"7,203":4334,"7,204":4335,"7,205":4336,"7,206":4337,"7,207":4338,"7,208":4339,"7,209":4340,"7,210":4341,"7,211":4342,"7,212":4343,"7,213":4344,"7,214":4345,"7,215":4346,"7,216":4347,"7,217":4348,"7,218":4349,"7,219":4350,"7,220":4351,"7,221":4352,"7,222":4353,"7,223":4354,"7,224":4355,"7,225":4356,"7,226":4357,"7,227":4358,"7,228":4359,"7,229":4360,"7,230":4361,"7,231":4362,"7,232":4363,"7,233":4364,"7,234":4365,"7,235":4366,"7,236":4367,"7,237":4368,"7,238":4369,"7,239":4370,"7,240":4371,"7,241":4372,"7,242":4373,"7,243":4374,"7,244":4375,"7,245":4376,"7,246":4377,"7,247":4378,"7,248":4379,"7,249":4380,"7,250":4381,"7,251":4382,"7,252":4383,"7,253":4384,"7,254":4385,"7,255":4386,"7,256":4387,"7,257":4388,"7,258":4389,"7,259":4390,"7,260":4391,"7,261":4392,"7,262":4393,"7,263":4394,"7,264":4395,"7,265":4396,"7,266":4397,"7,267":4398,"7,268":4399,"7,269":4400,"7,270":4401,"7,271":4402,"7,272":4403,"7,273":4404,"7,274":4405,"7,275":4406,"7,276":4407,"7,277":4408,"7,278":4409,"7,279":4410,"7,280":4411,"7,281":4412,"7,282":4413,"7,283":4414,"7,284":4415,"7,285":4416,"7,286":4417,"7,287":4418,"7,288":4419,"7,289":4420,"7,290":4421,"7,291":4422,"7,292":4423,"7,293":4424,"7,294":4425,"7,295":4426,"7,296":4427,"7,297":4428,"7,298":4429,"7,299":4430,"7,300":4431,"7,301":4432,"7,302":4433,"7,303":4434,"7,304":4435,"7,305":4436,"7,306":4437,"7,307":4438,"7,308":4439,"7,309":4440,"7,310":4441,"7,311":4442,"7,312":4443,"7,313":4444,"7,314":4445,"7,315":4446,"7,316":4447,"7,317":4448,"7,318":4449,"7,319":4450,"7,320":4451,"7,321":4452,"7,322":4453,"7,323":4454,"7,324":4455,"7,325":4456,"7,326":4457,"7,327":4458,"7,328":4459,"7,329":4460,"7,330":4461,"7,331":4462,"7,332":4463,"7,333":4464,"7,334":4465,"7,335":4466,"7,336":4467,"7,337":4468,"7,338":4469,"7,339":4470,"7,340":4471,"7,341":4472,"7,342":4473,"7,343":4474,"7,344":4475,"7,345":4476,"7,346":4477,"7,347":4478,"7,348":4479,"7,349":4480,"7,350":4481,"7,351":4482,"7,352":4483,"7,353":4484,"7,354":4485,"7,355":4486,"7,356":4487,"7,357":4488,"7,358":4489,"7,359":4490,"7,360":4491,"7,361":4492,"7,362":4493,"7,363":4494,"7,364":4495,"7,365":4496,"7,366":4497,"7,367":4498,"7,368":4499,"7,369":4500,"7,370":4501,"7,371":4502,"7,372":4503,"7,373":4504,"7,374":4505,"7,375":4506,"7,376":4507,"7,377":4508,"7,378":4509,"7,379":4510,"7,380":4511,"7,381":4512,"7,382":4513,"7,383":4514,"7,384":4515,"7,385":4516,"7,386":4517,"7,387":4518,"7,388":4519,"7,389":4520,"7,390":4521,"7,391":4522,"7,392":4523,"7,393":4524,"7,394":4525,"7,395":4526,"7,396":4527,"7,397":4528,"7,398":4529,"7,399":4530,"7,400":4531,"7,401":4532,"7,402":4533,"7,403":4534,"7,404":4535,"7,405":4536,"7,406":4537,"7,407":4538,"7,408":4539,"7,409":4540,"7,410":4541,"7,411":4542,"7,412":4543,"7,413":4544,"7,414":4545,"7,415":4546,"7,416":4547,"7,417":4548,"7,418":4549,"7,419":4550,"7,420":4551,"7,421":4552,"7,422":4553,"7,423":4554,"7,424":4555,"7,425":4556,"7,426":4557,"7,427":4558,"7,428":4559,"7,429":4560,"7,430":4561,"7,431":4562,"7,432":4563,"7,433":4564,"7,434":4565,"7,435":4566,"7,436":4567,"7,437":4568,"7,438":4569,"7,439":4570,"7,440":4571,"7,441":4572,"7,442":4573,"7,443":4574,"7,444":4575,"7,445":4576,"7,446":4577,"7,447":4578,"7,448":4579,"7,449":4580,"7,450":4581,"7,451":4582,"7,452":4583,"7,453":4584,"7,454":4585,"7,455":4586,"7,456":4587,"7,457":4588,"7,458":4589,"7,459":4590,"7,460":4591,"7,461":4592,"7,462":4593,"7,463":4594,"7,464":4595,"7,465":4596,"7,466":4597,"7,467":4598,"7,468":4599,"7,469":4600,"7,470":4601,"7,471":4602,"7,472":4603,"7,473":4604,"7,474":4605,"7,475":4606,"7,476":4607,"7,477":4608,"7,478":4609,"7,479":4610,"7,480":4611,"7,481":4612,"7,482":4613,"7,483":4614,"7,484":4615,"7,485":4616,"7,486":4617,"7,487":4618,"7,488":4619,"7,489":4620,"7,490":4621,"7,491":4622,"7,492":4623,"7,493":4624,"7,494":4625,"7,495":4626,"7,496":4627,"7,497":4628,"7,498":4629,"7,499":4630,"7,500":4631,"7,501":4632,"7,502":4633,"7,503":4634,"7,504":4635,"7,505":4636,"7,506":4637,"7,507":4638,"7,508":4639,"7,509":4640,"7,510":4641,"7,511":4642,"7,512":4643,"7,513":4644,"7,514":4645,"7,515":4646,"7,516":4647,"7,517":4648,"7,518":4649,"7,519":4650,"7,520":4651,"7,521":4652,"7,522":4653,"7,523":4654,"7,524":4655,"7,525":4656,"7,526":4657,"7,527":4658,"7,528":4659,"7,529":4660,"7,530":4661,"7,531":4662,"7,532":4663,"7,533":4664,"7,534":4665,"7,535":4666,"7,536":4667,"7,537":4668,"7,538":4669,"7,539":4670,"7,540":4671,"7,541":4672,"7,542":4673,"7,543":4674,"7,544":4675,"7,545":4676,"7,546":4677,"7,547":4678,"7,548":4679,"7,549":4680,"7,550":4681,"7,551":4682,"7,552":4683,"7,553":4684,"7,554":4685,"7,555":4686,"7,556":4687,"7,557":4688,"7,558":4689,"7,559":4690,"7,560":4691,"7,561":4692,"7,562":4693,"7,563":4694,"7,564":4695,"7,565":4696,"7,566":4697,"7,567":4698,"7,568":4699,"7,569":4700,"7,570":4701,"7,571":4702,"7,572":4703,"7,573":4704,"7,574":4705,"7,575":4706,"7,576":4707,"7,577":4708,"7,578":4709,"7,579":4710,"7,580":4711,"7,581":4712,"7,582":4713,"7,583":4714,"7,584":4715,"7,585":4716,"7,586":4717,"7,587":4718,"7,588":4719,"7,589":4720,"7,590":4721,"7,591":4722,"7,592":4723,"7,593":4724,"7,594":4725,"7,595":4726,"7,596":4727,"7,597":4728,"7,598":4729,"7,599":4730,"7,600":4731,"7,601":4732,"7,602":4733,"7,603":4734,"7,604":4735,"7,605":4736,"7,606":4737,"7,607":4738,"7,608":4739,"7,609":4740,"7,610":4741,"7,611":4742,"7,612":4743,"7,613":4744,"7,614":4745,"7,615":4746,"7,616":4747,"7,617":4748,"7,618":4749,"7,619":4750,"7,620":4751,"7,621":4752,"7,622":4753,"7,623":4754,"7,624":4755,"7,625":4756,"7,626":4757,"7,627":4758,"7,628":4759,"7,629":4760,"7,630":4761,"7,631":4762,"7,632":4763,"7,633":4764,"7,634":4765,"7,635":4766,"7,636":4767,"7,637":4768,"7,638":4769,"7,639":4770,"7,640":4771,"7,641":4772,"7,642":4773,"7,643":4774,"7,644":4775,"7,645":4776,"7,646":4777,"7,647":4778,"7,648":4779,"7,649":4780,"7,650":4781,"7,651":4782,"7,652":4783,"7,653":4784,"7,654":4785,"7,655":4786,"7,656":4787,"7,657":4788,"7,658":4789,"7,659":4790,"7,660":4791,"7,661":4792,"7,662":4793,"7,663":4794,"7,664":4795,"7,665":4796,"7,666":4797,"7,667":4798,"7,668":4799,"7,669":4800,"7,670":4801,"7,671":4802,"7,672":4803,"7,673":4804,"7,674":4805,"7,675":4806,"7,676":4807,"7,677":4808,"7,678":4809,"7,679":4810,"7,680":4811,"7,681":4812,"7,682":4813,"7,683":4814,"7,684":4815,"7,685":4816,"7,686":4817,"7,687":4818,"7,688":4819,"8,1":4820,"8,2":4821,"8,3":4822,"8,4":4823,"8,5":4824,"8,6":4825,"8,7":4826,"8,8":4827,"8,9":4828,"8,10":4829,"8,11":4830,"8,12":4831,"8,13":4832,"8,14":4833,"8,15":4834,"8,16":4835,"8,17":4836,"8,18":4837,"8,19":4838,"8,20":4839,"8,21":4840,"8,22":4841,"8,23":4842,"8,24":4843,"8,25":4844,"8,26":4845,"8,27":4846,"8,28":4847,"8,29":4848,"8,30":4849,"8,31":4850,"8,32":4851,"8,33":4852,"8,34":4853,"8,35":4854,"8,36":4855,"8,37":4856,"8,38":4857,"8,39":4858,"8,40":4859,"8,41":4860,"8,42":4861,"8,43":4862,"8,44":4863,"8,45":4864,"8,46":4865,"8,47":4866,"8,48":4867,"8,49":4868,"8,50":4869,"8,51":4870,"8,52":4871,"8,53":4872,"8,54":4873,"8,55":4874,"8,56":4875,"8,57":4876,"8,58":4877,"8,59":4878,"8,60":4879,"8,61":4880,"8,62":4881,"8,63":4882,"8,64":4883,"8,65":4884,"8,66":4885,"8,67":4886,"8,68":4887,"8,69":4888,"8,70":4889,"8,71":4890,"8,72":4891,"8,73":4892,"8,74":4893,"8,75":4894,"8,76":4895,"8,77":4896,"8,78":4897,"8,79":4898,"8,80":4899,"8,81":4900,"8,82":4901,"8,83":4902,"8,84":4903,"8,85":4904,"8,86":4905,"8,87":4906,"8,88":4907,"8,89":4908,"8,90":4909,"8,91":4910,"8,92":4911,"8,93":4912,"8,94":4913,"8,95":4914,"8,96":4915,"8,97":4916,"8,98":4917,"8,99":4918,"8,100":4919,"8,101":4920,"8,102":4921,"8,103":4922,"8,104":4923,"8,105":4924,"8,106":4925,"8,107":4926,"8,108":4927,"8,109":4928,"8,110":4929,"8,111":4930,"8,112":4931,"8,113":4932,"8,114":4933,"8,115":4934,"8,116":4935,"8,117":4936,"8,118":4937,"8,119":4938,"8,120":4939,"8,121":4940,"8,122":4941,"8,123":4942,"8,124":4943,"8,125":4944,"8,126":4945,"8,127":4946,"8,128":4947,"8,129":4948,"8,130":4949,"8,131":4950,"8,132":4951,"8,133":4952,"8,134":4953,"8,135":4954,"8,136":4955,"8,137":4956,"8,138":4957,"8,139":4958,"8,140":4959,"8,141":4960,"8,142":4961,"8,143":4962,"8,144":4963,"8,145":4964,"8,146":4965,"8,147":4966,"8,148":4967,"8,149":4968,"8,150":4969,"8,151":4970,"8,152":4971,"8,153":4972,"8,154":4973,"8,155":4974,"8,156":4975,"8,157":4976,"8,158":4977,"8,159":4978,"8,160":4979,"8,161":4980,"8,162":4981,"8,163":4982,"8,164":4983,"8,165":4984,"8,166":4985,"8,167":4986,"8,168":4987,"8,169":4988,"8,170":4989,"8,171":4990,"8,172":4991,"8,173":4992,"8,174":4993,"8,175":4994,"8,176":4995,"8,177":4996,"8,178":4997,"8,179":4998,"8,180":4999,"8,181":5000,"8,182":5001,"8,183":5002,"8,184":5003,"8,185":5004,"8,186":5005,"8,187":5006,"8,188":5007,"8,189":5008,"8,190":5009,"8,191":5010,"8,192":5011,"8,193":5012,"8,194":5013,"8,195":5014,"8,196":5015,"8,197":5016,"8,198":5017,"8,199":5018,"8,200":5019,"8,201":5020,"8,202":5021,"8,203":5022,"8,204":5023,"8,205":5024,"8,206":5025,"8,207":5026,"8,208":5027,"8,209":5028,"8,210":5029,"8,211":5030,"8,212":5031,"8,213":5032,"8,214":5033,"8,215":5034,"8,216":5035,"8,217":5036,"8,218":5037,"8,219":5038,"8,220":5039,"8,221":5040,"8,222":5041,"8,223":5042,"8,224":5043,"8,225":5044,"8,226":5045,"8,227":5046,"8,228":5047,"8,229":5048,"8,230":5049,"8,231":5050,"8,232":5051,"8,233":5052,"8,234":5053,"8,235":5054,"8,236":5055,"8,237":5056,"8,238":5057,"8,239":5058,"8,240":5059,"8,241":5060,"8,242":5061,"8,243":5062,"8,244":5063,"8,245":5064,"8,246":5065,"8,247":5066,"8,248":5067,"8,249":5068,"8,250":5069,"8,251":5070,"8,252":5071,"8,253":5072,"8,254":5073,"8,255":5074,"8,256":5075,"8,257":5076,"8,258":5077,"8,259":5078,"8,260":5079,"8,261":5080,"8,262":5081,"8,263":5082,"8,264":5083,"8,265":5084,"8,266":5085,"8,267":5086,"8,268":5087,"8,269":5088,"8,270":5089,"8,271":5090,"8,272":5091,"8,273":5092,"8,274":5093,"8,275":5094,"8,276":5095,"8,277":5096,"8,278":5097,"8,279":5098,"8,280":5099,"8,281":5100,"8,282":5101,"8,283":5102,"8,284":5103,"8,285":5104,"8,286":5105,"8,287":5106,"8,288":5107,"8,289":5108,"8,290":5109,"8,291":5110,"8,292":5111,"8,293":5112,"8,294":5113,"8,295":5114,"8,296":5115,"8,297":5116,"8,298":5117,"8,299":5118,"8,300":5119,"8,301":5120,"8,302":5121,"8,303":5122,"8,304":5123,"8,305":5124,"8,306":5125,"8,307":5126,"8,308":5127,"8,309":5128,"8,310":5129,"8,311":5130,"8,312":5131,"8,313":5132,"8,314":5133,"8,315":5134,"8,316":5135,"8,317":5136,"8,318":5137,"8,319":5138,"8,320":5139,"8,321":5140,"8,322":5141,"8,323":5142,"8,324":5143,"8,325":5144,"8,326":5145,"8,327":5146,"8,328":5147,"8,329":5148,"8,330":5149,"8,331":5150,"8,332":5151,"8,333":5152,"8,334":5153,"8,335":5154,"8,336":5155,"8,337":5156,"8,338":5157,"8,339":5158,"8,340":5159,"8,341":5160,"8,342":5161,"8,343":5162,"8,344":5163,"8,345":5164,"8,346":5165,"8,347":5166,"8,348":5167,"8,349":5168,"8,350":5169,"8,351":5170,"8,352":5171,"8,353":5172,"8,354":5173,"8,355":5174,"8,356":5175,"8,357":5176,"8,358":5177,"8,359":5178,"8,360":5179,"8,361":5180,"8,362":5181,"8,363":5182,"8,364":5183,"8,365":5184,"8,366":5185,"8,367":5186,"8,368":5187,"8,369":5188,"8,370":5189,"8,371":5190,"8,372":5191,"8,373":5192,"8,374":5193,"8,375":5194,"8,376":5195,"8,377":5196,"8,378":5197,"8,379":5198,"8,380":5199,"8,381":5200,"8,382":5201,"8,383":5202,"8,384":5203,"8,385":5204,"8,386":5205,"8,387":5206,"8,388":5207,"8,389":5208,"8,390":5209,"8,391":5210,"8,392":5211,"8,393":5212,"8,394":5213,"8,395":5214,"8,396":5215,"8,397":5216,"8,398":5217,"8,399":5218,"8,400":5219,"8,401":5220,"8,402":5221,"8,403":5222,"8,404":5223,"8,405":5224,"8,406":5225,"8,407":5226,"8,408":5227,"8,409":5228,"8,410":5229,"8,411":5230,"8,412":5231,"8,413":5232,"8,414":5233,"8,415":5234,"8,416":5235,"8,417":5236,"8,418":5237,"8,419":5238,"8,420":5239,"8,421":5240,"8,422":5241,"8,423":5242,"8,424":5243,"8,425":5244,"8,426":5245,"8,427":5246,"8,428":5247,"8,429":5248,"8,430":5249,"8,431":5250,"8,432":5251,"8,433":5252,"8,434":5253,"8,435":5254,"8,436":5255,"8,437":5256,"8,438":5257,"8,439":5258,"8,440":5259,"8,441":5260,"8,442":5261,"8,443":5262,"8,444":5263,"8,445":5264,"8,446":5265,"8,447":5266,"8,448":5267,"8,449":5268,"8,450":5269,"8,451":5270,"8,452":5271,"8,453":5272,"8,454":5273,"8,455":5274,"8,456":5275,"8,457":5276,"8,458":5277,"8,459":5278,"8,460":5279,"8,461":5280,"8,462":5281,"8,463":5282,"8,464":5283,"8,465":5284,"8,466":5285,"8,467":5286,"8,468":5287,"8,469":5288,"8,470":5289,"8,471":5290,"8,472":5291,"8,473":5292,"8,474":5293,"8,475":5294,"8,476":5295,"8,477":5296,"8,478":5297,"8,479":5298,"8,480":5299,"8,481":5300,"8,482":5301,"8,483":5302,"8,484":5303,"8,485":5304,"8,486":5305,"8,487":5306,"8,488":5307,"8,489":5308,"8,490":5309,"8,491":5310,"8,492":5311,"8,493":5312,"8,494":5313,"8,495":5314,"8,496":5315,"8,497":5316,"8,498":5317,"8,499":5318,"8,500":5319,"8,501":5320,"8,502":5321,"8,503":5322,"8,504":5323,"8,505":5324,"8,506":5325,"8,507":5326,"8,508":5327,"8,509":5328,"8,510":5329,"8,511":5330,"8,512":5331,"8,513":5332,"8,514":5333,"8,515":5334,"8,516":5335,"8,517":5336,"8,518":5337,"8,519":5338,"8,520":5339,"8,521":5340,"8,522":5341,"8,523":5342,"8,524":5343,"8,525":5344,"8,526":5345,"8,527":5346,"8,528":5347,"8,529":5348,"8,530":5349,"8,531":5350,"8,532":5351,"8,533":5352,"8,534":5353,"8,535":5354,"8,536":5355,"8,537":5356,"8,538":5357,"8,539":5358,"8,540":5359,"8,541":5360,"8,542":5361,"8,543":5362,"8,544":5363,"8,545":5364,"8,546":5365,"8,547":5366,"8,548":5367,"8,549":5368,"8,550":5369,"8,551":5370,"8,552":5371,"8,553":5372,"8,554":5373,"8,555":5374,"8,556":5375,"8,557":5376,"8,558":5377,"8,559":5378,"8,560":5379,"8,561":5380,"8,562":5381,"8,563":5382,"8,564":5383,"8,565":5384,"8,566":5385,"8,567":5386,"8,568":5387,"8,569":5388,"8,570":5389,"8,571":5390,"8,572":5391,"8,573":5392,"8,574":5393,"8,575":5394,"8,576":5395,"8,577":5396,"8,578":5397,"8,579":5398,"8,580":5399,"8,581":5400,"8,582":5401,"8,583":5402,"8,584":5403,"8,585":5404,"8,586":5405,"8,587":5406,"8,588":5407,"8,589":5408,"8,590":5409,"8,591":5410,"8,592":5411,"8,593":5412,"8,594":5413,"8,595":5414,"8,596":5415,"8,597":5416,"8,598":5417,"8,599":5418,"8,600":5419,"8,601":5420,"8,602":5421,"8,603":5422,"8,604":5423,"8,605":5424,"8,606":5425,"8,607":5426,"8,608":5427,"8,609":5428,"8,610":5429,"8,611":5430,"8,612":5431,"8,613":5432,"8,614":5433,"8,615":5434,"8,616":5435,"8,617":5436,"8,618":5437,"8,619":5438,"8,620":5439,"8,621":5440,"8,622":5441,"8,623":5442,"8,624":5443,"8,625":5444,"8,626":5445,"8,627":5446},"ٜ":{"1":[3,691],"2":[1,679],"3":[1,688],"4":[1,692],"5":[1,696],"6":[1,687],"7":[1,688],"8":[1,627]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,650","4,651","4,652","4,653","4,654","4,655","4,656","4,657","4,658","4,659","4,660","4,661","4,662","4,663","4,664","4,665","4,666","4,667","4,668","4,669","4,670","4,671","4,672","4,673","4,674","4,675","4,676","4,677","4,678","4,679","4,680","4,681","4,682","4,683","4,684","4,685","4,686","4,687","4,688","4,689","4,690","4,691","4,692","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,649","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","5,663","5,664","5,665","5,666","5,667","5,668","5,669","5,670","5,671","5,672","5,673","5,674","5,675","5,676","5,677","5,678","5,679","5,680","5,681","5,682","5,683","5,684","5,685","5,686","5,687","5,688","5,689","5,690","5,691","5,692","5,693","5,694","5,695","5,696","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","6,662","6,663","6,664","6,665","6,666","6,667","6,668","6,669","6,670","6,671","6,672","6,673","6,674","6,675","6,676","6,677","6,678","6,679","6,680","6,681","6,682","6,683","6,684","6,685","6,686","6,687","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","7,595","7,596","7,597","7,598","7,599","7,600","7,601","7,602","7,603","7,604","7,605","7,606","7,607","7,608","7,609","7,610","7,611","7,612","7,613","7,614","7,615","7,616","7,617","7,618","7,619","7,620","7,621","7,622","7,623","7,624","7,625","7,626","7,627","7,628","7,629","7,630","7,631","7,632","7,633","7,634","7,635","7,636","7,637","7,638","7,639","7,640","7,641","7,642","7,643","7,644","7,645","7,646","7,647","7,648","7,649","7,650","7,651","7,652","7,653","7,654","7,655","7,656","7,657","7,658","7,659","7,660","7,661","7,662","7,663","7,664","7,665","7,666","7,667","7,668","7,669","7,670","7,671","7,672","7,673","7,674","7,675","7,676","7,677","7,678","7,679","7,680","7,681","7,682","7,683","7,684","7,685","7,686","7,687","7,688","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,580","8,581","8,582","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,614","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","8,625","8,626","8,627"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2],"13":[3,4,5],"14":[6],"15":[7],"16":[8],"17":[9,10,11],"18":[12],"19":[13,14,15,16],"20":[17],"21":[18],"22":[19],"23":[20,21,22,23],"24":[24,25,26,27],"25":[28,29,30,31,32],"26":[33],"27":[34,35,36],"28":[37,38],"29":[39,40],"31":[41],"34":[42],"35":[43],"37":[44,45],"41":[46,47],"42":[48],"46":[49,50,51],"47":[52],"48":[53],"49":[54,55],"50":[56],"51":[57],"52":[58],"53":[59,60],"57":[61,62],"58":[63],"59":[64],"75":[65],"76":[66],"80":[67,68],"685":[69],"694":[70,71],"695":[72,73],"861":[74],"863":[75,76],"864":[77,78],"901":[79,80,81,82,83],"902":[84],"903":[85],"1072":[86],"1076":[87,88,89],"1260":[90],"1263":[91,92,93],"1486":[94],"1488":[95,96,97],"1567":[98],"1607":[99],"1651":[100,101,102],"1686":[103],"1689":[104,105,106],"1789":[107],"1791":[108,109],"1792":[110,111],"1795":[112],"1838":[113,114],"1839":[115],"1840":[116],"1947":[117],"1965":[118],"1968":[119,120,121],"2056":[122],"2061":[123,124],"2062":[125,126],"2161":[127],"2162":[128,129,130],"2242":[131],"2243":[132,133,134],"2302":[135],"2303":[136,137,138],"2355":[139],"2356":[140,141,142],"2400":[143],"2401":[144,145,146],"2505":[147],"2506":[148],"2507":[149,150],"2514":[151],"2605":[152],"2607":[153],"2608":[154,155],"2688":[156],"2690":[157,158,159],"2748":[160],"2753":[161,162,163],"2822":[164],"2823":[165,166,167],"2893":[168],"2894":[169,170,171],"2983":[172],"2986":[173,174,175],"3049":[176],"3051":[177,178,179],"3074":[180,181],"3075":[182],"3077":[183],"3078":[184],"3080":[185],"3081":[186],"3082":[187],"3083":[188],"3140":[189],"3142":[190,191,192],"3201":[193],"3203":[194,195,196],"3270":[197],"3272":[198,199,200],"3333":[201],"3335":[202,203,204],"3406":[205],"3408":[206,207,208],"3468":[209],"3470":[210,211,212],"3512":[213],"3514":[214,215,216],"3545":[217],"3547":[218,219,220],"3548":[221],"3570":[222],"3571":[223,224],"3572":[225,226],"3673":[227],"3675":[228,229,230],"3722":[231],"3723":[232,233,234],"3767":[235],"3768":[236,237,238],"3827":[239],"3829":[240,241,242],"3927":[243],"3929":[244,245,246],"4015":[247],"4017":[248],"4018":[249,250],"4164":[251],"4167":[252,253,254],"4221":[255],"4223":[256,257,258],"4266":[259],"4268":[260,261,262],"4307":[263],"4309":[264,265],"4310":[266,267],"4348":[268],"4349":[269,270],"4350":[271,272],"4373":[273],"4374":[274,275,276],"4397":[277],"4398":[278,279,280],"4427":[281],"4428":[282,283,284],"4461":[285],"4463":[286,287],"4465":[288,289],"4506":[290],"4507":[291,292,293],"4533":[294],"4534":[295,296],"4536":[297,298],"4558":[299],"4559":[300,301,302],"4580":[303],"4581":[304,305],"4582":[306,307],"4598":[308],"4599":[309,310,311],"4600":[312],"4635":[313],"4636":[314,315,316],"4659":[317],"4660":[318,319],"4661":[320],"4686":[321],"4687":[322,323,324],"4688":[325],"4719":[326],"4720":[327,328,329],"4764":[330],"4766":[331,332,333],"4789":[334],"4790":[335,336,337],"4819":[338],"4824":[339,340,341],"4844":[342],"4845":[343,344],"4846":[345,346],"4859":[347],"4860":[348,349],"4861":[350],"4862":[351],"4872":[352,353],"4873":[354,355],"4874":[356,357],"4875":[358,359],"4879":[360],"4880":[361,362,363],"4891":[364],"4892":[365,366,367],"4906":[368],"4907":[369,370,371],"4925":[372],"4926":[373,374,375],"4928":[376],"4943":[377],"4944":[378,379],"4945":[380,381],"4960":[382],"4961":[383,384,385],"4983":[386],"4984":[387,388,389],"4997":[390],"4998":[391,392,393],"5014":[394],"5015":[395,396,397],"5029":[398],"5030":[399],"5031":[400,401],"5047":[402],"5048":[403,404,405],"5062":[406],"5063":[407,408,409],"5081":[410],"5082":[411,412,413],"5097":[414],"5098":[415,416,417],"5114":[418],"5115":[419,420],"5116":[421,422],"5127":[423],"5128":[424,425,426],"5144":[427],"5145":[428,429,430],"5157":[431],"5158":[432,433,434,435],"5168":[436],"5169":[437,438,439],"5170":[440],"5181":[441],"5182":[442,443],"5183":[444],"5188":[445],"5189":[446,447,448],"5190":[449],"5202":[450],"5203":[451,452],"5204":[453,454],"5212":[455],"5213":[456,457,458],"5224":[459],"5225":[460,461,462],"5233":[463],"5234":[464,465],"5236":[466,467],"5242":[468],"5243":[469,470],"5244":[471,472],"5252":[473],"5253":[474,475,476],"5264":[477],"5265":[478,479,480],"5276":[481],"5277":[482,483],"5278":[484,485],"5286":[486],"5287":[487,488],"5288":[489,490],"5296":[491],"5297":[492,493,494],"5303":[495],"5304":[496,497,498],"5310":[499],"5311":[500,501],"5312":[502,503],"5315":[504],"5316":[505,506,507],"5323":[508],"5324":[509,510,511],"5327":[512],"5329":[513],"5330":[514,515],"5331":[516,517],"5338":[518],"5339":[519,520,521],"5345":[522],"5346":[523,524,525],"5351":[526],"5352":[527,528,529],"5358":[530],"5359":[531,532,533],"5367":[534],"5368":[535,536,537],"5371":[538],"5372":[539,540,541],"5375":[542],"5376":[543,544,545],"5381":[546],"5382":[547,548],"5383":[549,550],"5388":[551],"5389":[552,553,554],"5395":[555],"5396":[556,557],"5397":[558,559],"5401":[560],"5402":[561,562],"5404":[563,564],"5406":[565],"5407":[566,567],"5408":[568,569],"5412":[570],"5413":[571,572],"5415":[573,574],"5420":[575],"5421":[576,577],"5424":[578,579],"5428":[580],"5429":[581,582],"5432":[583,584],"5438":[585],"5439":[586,587,588],"5446":[589]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون\nتفسير القرآن الكريم على منهاج الأصلين العظيمين - الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - على فهم الصحابة والتابعين\nتفسير منهجي فقهي شامل معاصر\nالمؤلف: الأستاذ الدكتور مأمون حموش\nالمدقق اللغوي: أحمد راتب حموش\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م","vol":"1","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م\nموافقة وزارة الإعلام\nرقم: ٩١٠٩٢\nورقم: ٩١٤٥١\nتاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م\nدمشق- سورية\nيطلب من المؤلف\nدمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١\nالمدقق اللغوي\nالدكتور أحمد راتب حموش","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>لمحة عن المؤلف</span>\nالاسم: مأمون حموش\nمكان وتاريخ الولادة: دمشق- سورية\nالثلاثاء ١٧ - محرم- ١٣٨٢ هـ\n١٩ - حزيران- ١٩٦٢ م.\nالدرجات العلمية والتخصصية:\n١ - إجازة في العلوم- رياضيات فيزياء- الترتيب الأول بامتياز- جامعة دمشق ١٩٨٥.\n٢ - إجازة في الهندسة المدنية- جيد جدًّا- جامعة دمشق ١٩٨٥.\n٣ - ماجستير في العلوم- جمل المعادلات التفاضلية- جامعة أوكلاهوما- الولايات المتحدة الأمريكية- ١٩٨٨.\n٤ - ماجستير في الهندسة الإنشائية- قشريات ثنائية الانعطاف- جامعة أوكلاهوما - الولايات المتحدة الأمريكية- ١٩٨٩.\n٥ - دكتوراة دولة في العلوم- رياضيات فيزياء- الجمل الديناميكية- جامعة آركنساس- الولايات المتحدة الأمريكية- ١٩٩٣.\n٦ - دكتوراة فلسفة في الهندسة الإنشائية- نظرية المرونة ونظرية العناصر المنتهية والمحيطية في التحليل اللاخطي ومجالات التقارب- جامعة آركنساس- الولايات المتحدة الأمريكية- ١٩٩٣.\n٧ - تخصّص في العلوم الشرعية مع حفظ القرآن الكريم وأغلب كتب السنة والسيرة الصحيحة.\nالمؤلفات العلمية:\n١ - السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٣ - مجلدات).\n٢ - أصل الدين والإيمان- عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢ - مجلد).","vol":"1","page":5},{"text":"٣ - تحصيل السعادتين على منهج الوحيين (أبحاث في علم النفس- مجلد).\n٤ - منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن (أبحاث في علم النفس- مجلد).\n٥ - الأمراض النفسية وعوامل الشد إلى الخلف (أبحاث في علم النفس- مجلد).\n٦ - الحج والعمرة على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة.\n٧ - علوم الحديث وتراجم أعلامه وفرسانه.\n٨ - السياسة الشرعية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة.\n٩ - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون (٨ - مجلدات).\n١٠ - نظرية المرونة- دراسة تحليلية وتطبيقات هندسية- جامعة دمشق.\n١١ - الرياضيات المتقدمة للمهندسين- كلية الهندسة المدنية- جامعة دمشق.\nإضافة إلى موضوعات وأبحاث علمية متنوعة قيد الإنجاز.\nالمساجد التي تعاقب على الخطابة والتدريس فيها:\nأ- ما بين الأعوام ١٩٨٧ - ١٩٩٣.\n١ - مسجد الصديق- ستيل وتر- أوكلاهوما- الولايات المتحدة الأمريكية.\n٢ - مسجد حمزة- فيتفل- آركنساس- الولايات المتحدة الأمريكية.\n٣ - المراكز الإسلامية في ولاية: نيوجرسي، تكساس، كاليفورنيا، أوكلاهوما، آركنساس، وغيرها في الولايات المتحدة الأمريكية.\nب- ما بين الأعوام ١٩٩٤ - ٢٠٠٦.\n١ - مسجد عمار بن ياسر- قرى الأسد- دمشق.\n٢ - مسجد البراء بن عازب- باب شرقي- دمشق.\n٣ - مسجد الخجا- حيّ المزّة- دمشق،\n٤ - مسجد الحسن- أبو رمانة- دمشق.\n٥ - مسجد القزاز- حي برزة- دمشق.\n٦ - مصلى العيد- جبل قاسيون- دمشق.\nإضافة إلى مساجد متفرقة أخرى.","vol":"1","page":6},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمدهُ ونستعينُه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشمهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\nأما بعد: فإن خير الكلام كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمد - ﷺ -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوإنَّ الله سبحانه في كتابه الكريم قد أثنى على القرآن العظيم، فوصفه في أوصاف عالية، هي في منتهى الفخامة:\n١ - مبين. قال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١].\n٢ - عظيم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].\n٣ - مجيد. قال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١].\n٤ - حكيم. قال تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢].\n٥ - ذو ذكر. قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١].\n٦ - كريم. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨].","vol":"1","page":7},{"text":"٧ - مبارك. قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢].\n٨ - روح. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].\n٩ - بشير ونذير. قال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ١ - ٤].\n١٠ - عزيز. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١].\n١١ - علي. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤].\nهذا الثناء الرفيع من الله سبحانهُ على كتابهِ قد لفت انتباه المسلم الصحابي فأفردهُ بمكانة خاصة في حياته حفظًا وتلاوة وتدبرًا وعملًا.\nوقد أنزل الله تعالى هذا القرآن مُنَجَّمًا مفرقًا على الوقائع ليكون ذلك أثبت في الفهم والحفظ والتدبر، فكان الصحابة لا يتجاوزون عَشْر الآيات منه حتى يتقنوا تلاوتها وحفظها ويقوموا بها ويعملوا بمقتضاها، ثم يغادروا إلى عشر آيات غيرها، وهو أمر حَريّ بالمسلمين اليوم أن ينتبهوا له عند تعليمهم أبناءهم كتاب الله في المساجد أو البيوت أو حلق العلم والذكر، فلا يكون الهدف هو التسابق في الحفظ فحسب لِيُنسى بعد أيام أو سنين إن لم يتعاهده صاحبهُ من التفلت، وكذلكَ لا يكون الجهد كله منصبًا على حراسة الحفظ فحسب دون العناية بالفهم والتفسير والأحكام والواجبات وربط القرآن بالحياة، فهذا أمر غفل عنهُ كثير من المسلمين اليوم، فإذا جاءت الفتن فلا ينفع الحفظ الذي لم يقترن بالتفسير وفهم سنن الله وأحكامهِ في الأمم، ونواميس التغيير في الأحوال والنعم، ومعرفة الله بأسمائه وصفاته ومحامده ووعده ووعيده وما أخَّرَ للمسرفين من العذاب والنِّقم، ولكن إذا اقترن الحفظ وحسن التلاوة بحسن الفهم والعمل ثم الانتقال بعد ذلكَ إلى غيرها من الآيات كان أقرب لطريقة النبي - ﷺ - مع أصحابه رضوان الله عليهم.\nثمرات علم التفسير:\n١ - فهم كتاب الله العظيم، الذي أنزله بلسان عربي مبين.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢].","vol":"1","page":8},{"text":"٢ - التأمل والتدبر بآيات هذا الكتاب الكريم، فهو الكتاب المعجز والحجّة والذكر الحكيم.\nقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nوقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالهَا﴾ [محمد: ٢٤].\nوقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\nقال القرطبي: (فالواجب على من خَصَّهُ الله بحفظ كتابه أن يتلوهُ حق تلاوته، ويتدبّر حقائق عبارته، ويتفَهّمَ عجائبه، ويتبيّن غرائبه).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: [والقرآن حجةٌ لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها] (١).\nوفي جامع الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن جبير بن نفير عن أبي ذر الغفاري مرفوعًا: [إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه. يعني القرآن] (٢).\n٣ - أخذ الحِكَم والفوائد والدروس من الآيات للاعتبار، ومعرفة علل النواهي والأوامر والأخبار.\nقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nفالقرآن كتاب الله ﵎، فيه نبا من قبلنا، وخبرُ ما بعدنا، وحكم ما بيننا، وهو الفصل ليس بالهَزْل، مَنْ تركه مِنْ جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهُدْى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٣)، وأحمد (٥/ ٣٤٢)، والدارمي (٦٥٨)، والبيهقي (١/ ١٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٠) عن جبير بن نفير مرفوعًا مرسلًا، وأخرجه الحاكم (١/ ٥٥٥) موصولًا كما يتضح من السند، وكذلكَ البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢٣٦)، ورجاله ثقات، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٦١).","vol":"1","page":9},{"text":"ولا تنقضي عجائبهُ، مَنْ علِمَ علمهُ سبَق، ومَنْ حكم به عدل، ومَنْ عملَ بهِ أُجِرَ، ومن دعا إليهِ هدي إلى صراط مستقيم.\nروى مسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من سلك طريقًا يلتمس فيه عِلمًا سَهّل اللهُ له طريقًا إلى الجنة، وما اجتمعَ قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم اللهُ فيمن عنده، ومن أبطأ به عملهُ لم يُسرع به نسبه] (١).\n٤ - وقوع الخشية والرهبة في القلب، نتيجة التأثر بمعاني كلام الرب.\nقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].\nثم إن خشوع قلوب المؤمنين للقرآن العظيم، يُقابل بشفاعة القرآن لهم يوم الدين.\nففي صحيح ابن حبان بإسناد جيد عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [القرآنُ شافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ، من جَعَلَهُ أمامَهُ، قادَهُ إلى الجنة، ومَنْ جَعَلَهُ خلفَ ظَهرهِ، ساقَهُ إلى النار] (٢).\nوقوله: \"وَمَاحِلٌ مصدق\". أي: خصم مجادل مُصَدَّقٌ، والمماحلة في كلام العرب المماكرة، والمكايدة، فالقرآن شافع لأهله أهل الخشية والإيمان، خَصْمٌ مجادِلٌ لمنكريه أهل المكر والطغيان.\n٥ - وقوع الطمأنينة على القلوب، نتيجة العلم بآفاق كلام المحبوب.\nفالطمأنينةُ تنزل على قلوب أهل الإيمان، الذين هم أهل العلم بالقرآن، أهل الله وخاصتهُ من الإنس والجان.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٩٩)، و(٢٧٠٠)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (٢٩٤٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، وابن ماجة (٢٢٥)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٥٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (١٧٩٣)، وأشار المنذري في \"الترغيب\" (٢/ ٢٠٧) إلى تقويته، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٠١٩) وقال: إسناده جيد، رجاله ثقات.","vol":"1","page":10},{"text":"قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].\nوفي سنن ابن ماجة والنسائي بإسناد حسن عن أنس بن مالك، قال: [قال رسول الله - ﷺ -: إنَّ لله أهلينَ من الناس. قالوا: يا رسول الله! مَنْ هُمْ؟ قال: هُمْ أهل القُرآن، أهلُ اللهِ وخاصّتهُ] (١).\nوفي الأثر عن عثمان: (لو سلمت قلوبكم ما شبعتم من كتاب الله تعالى).\n٦ - معرفة ضوابط وقواعد أصول الدين والسلوك والأحكام، نتيجة التفسير والتحليل المنهجي لآيات هذا القرآن.\nففي علم التفسير علم الأصول والقواعد والأحكام، وفهم ميزان وضوابط الحلال والحرام، وإلا فإن في الجهل والفوضى الهلاك وخراب البنيان.\nقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٢ - ٨٣].\nوفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح من حديث أبي جهيم مرفوعًا: [لا تُماروا في القرآن، فإن مِراءً في القرآن كُفر] (٢).\nوفي مسند أحمد -كذلكَ- عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [هلاك أمتي في الكتاب واللّبن. قالوا: يا رسول الله! ما الكتاب واللبن؟ قال: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ﷿، ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمع ويبدون (٣)] (٤).\n٧ - معرفة منهاج الشريعة في تقرير الأحكام، ومعالجة مستجدات الأمور التي طرأت عبر الزمان.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٢١٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٠٣١)، والحاكم (١/ ٥٥٦) وإسناده حسن، رجاله ثقات. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (١٧٨).\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ١٦٩ - ١٧٠)، وصحيح الجامع (٤٣٢٠)، وسندهُ صحيح.\n(٣) أي يخرجون إلى البادية لطلب اللبن في المراعي على حساب ترك الجماعات والجمع والاهتمام بالدين. وهو شأن كثير من أهل هذا الزمان.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٥٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧٧٨).","vol":"1","page":11},{"text":"ففي علم التفسير علم الدنيا والآخرة، وتقرير مناهج بناء النفس والأسرة والمجتمع والدولة، وتأصيل القواعد والأصول لدراسة مستجدات الأمور في حياة المسلمين، على منهاج التفسير المستنبط من نور الوحيين.\nقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\nقال الإمام أحمد كما يروي عنه أبو الحارث: (لا يجوز الإفتاء إلا لرجل عالمٍ بالكتاب والسنة) - أعلام الموقعين.\nأخرج الطبراني في \"المعجم الكبير\" بسند صحيح عن أبي ذر قال: [تركنا رسول الله - ﷺ - وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا، فقال - ﷺ -: ما بقي شيءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الجنة ويُباعد من النار إلا وقد وبُيِّنَ لكم] (١).\n٨ - فوائد علمية أخرى كثيرة، لا يحصيها إلا الله ﵎.\nإنَّ هذا الكتاب الذي أقدّمهُ اليوم للأمة هو تفسير الوحي العظيم، على منهج الوحيين وفهم الصحابة والتابعين، وهو منهاج متكامل في فهم كتاب الله ﷿، لا يقتصر على فهم الآيات وذكر معانيها، بل يتعداه إلى ربطها بما صَحَّ من أسباب نزولها، واستنباط الفقه والأحكام الشرعية المتعلقة بها، ووصلها بعلوم من صحيح السنة العطرة تتصل بآفاقها، وبقواعد السياسة الشرعية، وأصول الفقه المستنبطة منها ومن منهاج السيرة النبوية المطهرة.\nوقد كنتُ بدأت في مشروع هذا التفسير أيام التخصص في الولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة للشعور بضياع المسلمين وجماعاتهم في متاهات الرأي والهوى والحزبية، والتجرؤ على تحريف فهم الآيات والنصوص الشرعية، لتناسب مناهجهم التي وضعها لهم مشايخهم والتي هي في كثير من أحوالها تقليد لمناهج أرضية، وتنحرف في بنائها عن منهاج صحيح السيرة النبوية.\nولما كانت التفاسير الموجودة في تاريخنا وعالمنا الإسلامي تفتقر أحيانًا إلى المنهج، وأحيانًا إلى التأصيل، وأحيانًا إلى علوم الوحي الثاني \"السنة الصحيحة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٦٤٧)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٥٣) من طريق آخر عند أبي ذر. وبنحوه البزار (١٤٧). وانظر السلسلة الصحيحة (١٨٠٣).","vol":"1","page":12},{"text":"المطهرة\"، بل يشكل بعضها -أحيانًا- صورة من الفوضى والضياع لا يخلص طالب العلم معها إلى فهم دقيق واضح لكثير من الآيات المتشابهات، أضف إلى ذلك امتلاء بعضها أو أكثرها بالإسرائيليات والأخبار الواهية والقصص المكذوبة، والأحاديث الضعيفة والموضوعة، والأقوال الكثيرة المتعارضة، وغير ذلكَ من العيوب، فقد دفعني هذا الركام من المشكلات إلى الاستعانة بالله على تفسير أصيل يبث في الأمة معاني القرآن بروح الوحيين وجمال منهاج النبوة، بعيدًا عن الرأي والفلسفة وعلم الكلام والخرافات، والقصص الواهية والإسرائيليات، وفوضى المعاني والأقوال والتناقضات، وهو في الوقت ذاته تفسير عصري يواكب فهم المستجدات، وعصر العلوم والاكتشافات.\nوقد أفدت من معظم كتب التفسير في ذلكَ، فإنها تبقى الأصل والمرجع لكل الباحثين -جزى الله المفسرين عن الأمةِ خير الجزاء- كما أفدت من ميراث المحدثين والفقهاء وبحوث السنة والسياسة الشرعية والسيرة النبوية ومعاجم اللغة العربية، وقد اجتهدت وبذلت أقصى الجهد في تنقية هذا التفسير من كل حديث لا يصح عن النبي - ﷺ -، وذكرت درجة صحة كل حديث ومصادره التي يُرجع إليه فيها، فأضفته إلى من خَرَّجَهُ من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام، ونسبت كل قول في التفسير إلى قائلهِ، من الصحابة أو التابعين، أو كبار العلماء والمفسرين، فإنه كما يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله. وقد سعيت إلى تفنيد الأقوال، والجمع بين بعضها إن سمحت الأحوال، وتوجيه المعنى ليخلص من تناقضات آراء الرجال.\nوقد سمّيتهُ: \"التفسير المأمون، على منهج التنزيل والصحيح المسنون\"، ليكون موسوعة في علوم الوحيين: القرآن الكريم والسنة الصحيحة العطرة، فلا يصدر الفهم إلا منهما، ولا يتفرقان حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وقد عملته تذكرة لنفسي، وإحياء وإنقاذًا لأمتي، وذخيرة ليوم رَمْسي (١)، وعملًا صالحًا أستأنس بهِ في حياتي وبعد موتي.\nفالحمدُ لله الذي جعل صدري وعاء للوحيين، وحرّك قلمي لتصنيف علوم الملة والدين، وتبليغ الأمة ميراث سيد المرسلين، فإن أصبت فإنما هو مَنُّ الله تعالى عليَّ\n_________\n(١) الرَّمْسُ: الدفن.","vol":"1","page":13},{"text":"وتوفيقه وفضله وكرمه، وإن أخطأتُ فإنما ذلكَ من نفسي وتقصيري ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك.\nاللهم إني أسألكَ بحبك لتفسير كلامكَ بوحيك وهدي نبيكَ أن تتقبل مني هذا العمل إنك أنتَ السميع العليم، وأن تجمعني بنبيك محمد - ﷺ - في جنة الفردوس تحت ظل عرشك العظيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن تجعل هذا التفسير يضيء بيوت وحياة المسلمين في أرجاء المعمورة، وأن يكون عمادًا لخلافة راشدة على منهاج النبوة، إنك أنتَ البر الرحيم، والحمدُ لله رب العالمين.\nدمشق: ٦/ ربيع الآخر/ ١٤٢٧/ هـ، الموافق ٤/ أيار/ ٢٠٠٦ م.\nوكتبه\nمأمون أحمد راتب حموش","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أئمة التفسير من الصحابة ومدارسهم وتراجمهم</span>\n١ - المدرسة المكية: أستاذها الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، وعنه أخذ سعيد بن جبير، ومجاهد وعكرمة وطاووس وعطاء وغيرهم.\n٢ - المدرسة المدنية: أستاذُها أُبي بن كعب، وعنهُ أخذ زيد بن أسلم وأبو العالية رفيع بن مهران ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم.\n٣ - المدرسة العراقية: أستاذها عبد الله بن مسعود، أخذ عنه: علقمة ومسروق بن الأجدع والأسود، ثم من بعدهم: الحسن البصري وعامر بن شراحيل الشعبي وقتادة وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا: المدرسة المكية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>١ - عبد الله بن عباس: </span>هو الإمام البحر عالم العصر وحبر الأمة، مات رسول الله - ﷺ - وله ثلاث عشرة سنة، وقد دعا لهُ النبي - ﷺ -.\nفقد أخرج البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس قال: [ضمَّني النبي - ﷺ - إلى صدره وقال: اللهم علمه الحكمة] (١). وفي رواية: [اللهم علمه الكتاب].\nقال البخاري: (والحكمة: الإصابة في غير النبوة).\nوفي صحيح مسلم عن أبن عباس: [أن النبي - ﷺ - أتى الخلاء، فوضعتُ له وَضوءًا، فلما خرج قال: مَنْ وضعَ هذا؟ قلت: ابنُ عباس، قال: اللهم فَقِّههُ في الدين] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري (٣٧٥٦) - كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب ذكر ابن عباس ﵄. وانظر صحيح سنن الترمذي (٣٠٠٤) - في المناقب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجهُ مسلم في الصحيح- حديث رقم- (٢٤٧٧) - كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل عبد الله بن عباس ﵄.","vol":"1","page":15},{"text":"وأخرج ابن ماجة في السنن بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [ضَمَّني رسول الله - ﷺ - إليه، وقال: اللهم عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ وَتأويلَ الكتاب] (١).\nوأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [دعا لي رسول الله - ﷺ -: أن يؤتيني الله الحكم مرتين] (٢).\nفابن عباس هو أكثر الصحابة وأشهرهم تفسيرًا للقرآن الكريم، وكان لهُ مدرسة تخرج فيها مجاهد وعكرمة وغيرهما، وروى له الأئمة الستة.\nوروى الأعمش عن أبي وائل: (استعمل عليٌّ ابنَ عباس على الحج فخطب يومئذٍ خطبة، لو سمعها الترك والروم لأسلموا، ثم قرأ أعليهم سورة النور فجعل يفسرها).\nوكان عبد الله بن مسعود يقول: (نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس).\nوقد شهد له بالفضل - وهو شاب في عنفوان الصبا - كبار الصحابة حتى كان ينافسهم وينتزع إعجابهم مع حداثة سنَّه، وكان عمر ﵁ يدخله إلى مجلس الشورى مع كبار الصحابة الأجلاء يستشيرهم، وربما عرض الأمر عليهِ، وكان تقدير عمر لابن عباس مثار جدل عند بعض الصحابة. حتى قال بعضهم: \"لم يدخل هذا الشاب معنا وعندنا من الأولاد من هو أكبر منه سنًّا\". وله قصة رواها البخاري في صحيحه تدلُّ على غزارة علمهِ، وعلو شأنه في الغوص على دقائق أسرار القرآن، وهي مذكورة عند تفسير سورة النصر.\nومن أهم شيوخ ابن عباس الذين استقى منهم علومه بعد رسول الله - ﷺ -: (عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت).\nتوفي بالطائف سنة ثمان وستين. (تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>٢ - سعيد بن جبير: </span>هو الإمام الكوفي المقرئ الفقيه أحد الأعلام، ولد سنة (٤٥) هجرية، وهو من أكابر التابعين علمًا وورعًا، سمع ابن عباس وابن عمر وطائفة، وروى عنه الأعصش وأيوب. وقد اشتهر بتفسير كتاب الله ﷿، وكان طودًا شامخًا، وعلمًا لامعًا، تناقل علمه الرجال، وسرت بذكره الركبان.\nقال سفيان الثوري: (خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحّاك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٦٦) في السنن- باب في فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٣٠٠٣) - مناقب عبد الله بن العباس ﵄.","vol":"1","page":16},{"text":"وقال قتادة: (كان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير). (الإتقان ص ١٨٩). وكان آية في الحفظ، يحفظ ما يسمع، وقد شهد له ابن عباس بالحفظ حتى قال له: (انظر كيف تحدّث عني فإنك قد حفظت عني حديثًا كثيرًا).\nوكان ابن عباس إذا حجّ أهل الكوفة وسألوهُ يقول: (أليس فيكم سعيد بن جبير؟ !). وقد كان عابدًا زاهدًا، وكان لا يدع أحدًا يغتاب عنده.\nوجاء في ترجمته في الأعلام: \"سعيد بن جبير الأسدي الكوفي، أبو عبد الله تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، ولما خرجَ عبد الرحمن بن الأشعث على عبد الملك بن مروان، كان سعيد بن جبير معه، فلما قتل عبد الرحمن ذهب سعيد إلى مكة، فقبض عليه واليها (خالد القسري) وأرسله إلى الحجاج فقتله (١)، وكان الحجاج يخاطبه (بشقي بن كسير) بدل سعيد بن جبير.\nقال أحمد بن حنبل: قتل الحجّاجُ سعيدًا، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٣ - مجاهد بن جبر: </span>هو الإمام المخزومي مولاهم المكي المقرئ المفسر الحافظ. ولد سنة (٢١) هجرية، وكنيته (أبو الحجّاج).\nوكان من أشهر العلماء في التفسير، وقد سمع سعدًا وعائشة وأبا هريرة وابن عمر وابن عباس ولزمه مدة وقرأ عليه القرآن.\nقال عنه الذهبي: (شيخ القراء والمفسرين بلا مراء، أخذ التفسير عن ابن عباس) (٢). وكان من أخص تلامذته، ومن أوثق من روى عَنْهُ، ولهذا يعتمد البخاري كثيرًا على تفسيره كما يعتمد كثير من المفسرين على روايته، تَنَقَّلَ في الأسفار، واستقر في الكوفة. قالت قتادة: (أعلم من بقي بالتفسير مجاهد).\nتلقّى مجاهد تفسير كتاب الله عن شيخه الجليل (ابن عباس) وقرأه عليهِ قراءة تَفَهّم وتدبّر، ووقوفٍ عند كل آية من آيات القرآن، يسأله عن معناها، ويستفسره عن أسرارها.\n_________\n(١) كان قتله سنة (٩٤) أو (٩٥) هجرية.\n(٢) انظر الأعلام ج (٦)، ص (١٦١).","vol":"1","page":17},{"text":"روى الفضيل بن ميمون عن مجاهد أنه قال: (عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية منه أسألهُ عنها: فيم أنزلت؟ وكيف أنزلت؟).\nوهذا العرض من مجاهد ﵀ على شيخه الجليل إنما كان طلبًا، لتفسيره ومعرفة أسراره ودقائقه، وتفهم حكمه وأحكامه، ولهذا قال الإمام النووي ﵀: (إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به).\nروى عنه الأئمة الستة، وتوفي سنة (١٠٣) هجرية، وقد بلغ ثلاثًا وثمانين سنة. (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٤ - عكرمة مولى ابن عباس: </span>هو أبو عبد الله البربري ثم المدني الهاشمي مولى ابن عباس، ولد سنة (٢٥) هجرية، روى عن مولاه وعائشة وأبي هريرة، وحدث عنهُ أيوب والحذاء وخلق، روى له الستة.\nتلقى علمه على ابن عباس، وأخذ عنه القرآن والسنة، وكان ﵀ يقول. (لقد فسرت ما بين اللوحين -يعني دفتي المصحف-، وكل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس).\nوقال أيضًا: (طلبت العلم أربعين سنة، وكان ابن عباس يضع الكبل في رجلي على تعليم القرآن والسنن).\nقال الشافعي ﵀: (ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة).\nوكان الحسن إذا قدم عكرمة البصرة أمسك عن التفسير والفتيا، ما دام عكرمة بالبصرة، قاله قرة بن خالد.\nوجاء في تعريفهِ في كتاب الأعلام: \"عكرمة بن عبد الله البربري المدني، أبو عبد الله، مولى عبد الله بن عباس، تابعي، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، طاف البلدان، وروى عنه زهاء ثلاث مئة رجل، منهم أكثر من سبعين تابعيًا، وخرج إلى بلاد المغرب، فأخذ عن أهلها ثم عاد إلى المدينة المنورة، فطلبه أميرها فتغيَّبَ عنه حتى مات، وكانت وفاته بالمدينة هو والشاعر المشهور (كثير عزّة) في يوم واحد فقيل: \"مات أعلم الناس، وأشعر الناس\" (١).\nتوفي سنة (١٠٧) هجرية بالمدينة. (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٩٥).\n_________\n(١) انظر \"الأعلام\" للزركلي، ج (٥)، ص (٤٣).","vol":"1","page":18},{"text":"٥ - طاووس بن كيسان اليماني: ولد سنة (٣٣) هجرية وتوفي سنة (١٠٦) هجرية، واشتهر بتفسير كتاب الله تعالى.\nكان آية في الحفظ والنبوغ والذكاء، وآية في الورع والتقشف والصلاح، أدرك من الصحابة نحو خمسين صحابيًا، وتلقى العلم عنه خلق كثير، وقد كان عابدًا زاهدًا، ورد أنّه حجّ بيت الله الحرام أربعين مرة، وكان مستجاب الدعوة، قال فيهِ ابن عباس: (إني لأظن طاووسًا من أهل الجنة).\nجاء في تعريفه في كتاب الأعلام: \"طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني، أبو عبد الرحمن، من أكابر التابعين تفقهًا في الدين، ورواية للحديث، وتقشفًا في العيش، وجرأة على وعظ الخلفاء والملوك، أصله من الفرس، ومولده ومنشؤه باليمن، توفي حاجًّا بالمزدلفة، وكان (هشام بن عبد الملك) حاجًّا تلكَ السنة فصلّى عليهِ، وكان يأبى القرب من الملوك والأمراء. قال ابن عيينة: متجنبو السلطان ثلاثة: أبو ذرّ، وطاووس، والثوري\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>٦ - عطاء بن أبي رباح: </span>ولد سنة (٧٧) هجرية، وتوفي سنة (١١٤) هجرية. نشأ بمكة وكان مفتي أهلها ومحدثهم، وهو تابعي من أجلّاء الفقهاء، وكان ثبتًا ثقةً في الرواية عن ابن عباس (٢).\nقال عنه الإمام أبو حنيفة النعمان: (ما لقيت أحدًا أفضل من عطاء بن أبي رباح).\nوقال قتادة: (أعلم التابعين أربعة: عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وسعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير ... إلخ).\nتوفي ﵁ بمكة ودفن فيها عن (٨٧) سبع وثمانين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثانيًا: المدرسة المدنية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>١ - أبي بن كعب: </span>هو الصحابي الجليل الأنصاري من الخزرج، شهد العقبة وبدرًا وبقية المشاهد. وكانَ من كتبة الوحي والرسائل ومن حفظةِ القرآن الكريم وعلماء التفسير.\n_________\n(١) انظر \"الأعلام\" ج (٣)، ص (٣٢٢).\n(٢) انظر \"الأعلام\" للزركلي ج (٥)، ص (٢٩).","vol":"1","page":19},{"text":"قال السيوطي في \"الإتقان\": (اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير .. أما الخلفاء فأكثر من رُوي عنه منهم \"علي بن أبي طالب\" كرم اللهُ وجهه، والرواية عن الثلاثة قليلة جدًّا، وكأن السبب في ذلك تقدّم وفاتهم).\nوفي صحيح البخاري عن مسروق قال: ذُكِرَ عبدُ الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو فقال: ذاكَ رجلٌ لا أزال أحِبُّهُ، سَمِعْتُ النبي - ﷺ - يقول: [خُذوا القرآن من أربعة (وفي رواية: استقرِئوا القرآن من أربعة): من عبد الله بن مسعود -فبدأ به- وسالمٍ مَوْلى أبي حُذيفة، ومعاذِ بنِ جَبَلٍ، وأُبَيّ بنِ كَعْبٍ] (١).\nوفي صحيح البخاري -أيضًا- عن أنس بن مالك ﵁: [قال النبي - ﷺ - لأُبَيّ: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] قال: وسمّاني؟ قال: نعم. قال: فبكى] (٢).\nوفي سنن ابن ماجة من حديث أنس مرفوعًا: [وأقرؤهم لكتاب الله أُبَيّ بن كعب] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٢ - زيد بن أسلم: </span>هو زيد بن أسلم العدوي العمري، يكنى (أبا أسامة) وهو فقيه محدّث من أهل المدينة، كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته، واستقدمه (الوليد بن يزيد) في جماعة من فقهاء المدينة إلى دمشق مستفتيًا في أمر، وكانَ ثقة كثير الحديث له حلقة كبيرة في المسجد النبوي الشريف، ولهُ كتاب في التفسير رواه عنهُ ولده (عبد الرحمن) وقد كان رجلًا مهيبًا، قال ابن عجلان: (ما هبت أحدًا قطّ هيبتي لزيد بن أسلم).\nوكان (علي بن الحسين) يجلس إليه فيستمع له ويترك مجالس قومه، فقيل له في ذلك: تترك مجالس قومكَ إلى عبد عمر بن الخطاب (حيث كان مولى لعمر)! فقال عليّ: (إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٨٠٨) - كتاب مناقب الأنصار، وانظر كذلكَ الحديث (٣٧٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح- حديث رقم- (٣٨٥٩) - كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب أُبي بن كعب ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٥٤) - في أثناء حديث أطول. انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٢٥).","vol":"1","page":20},{"text":"توفي ﵀ بالمدينة المنورة سنة (١٣٦) هجرية. (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٦٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٣ - أبو العالية الرياحي: </span>هو رفيع بن مهران، وكنيتهُ أبو العالية، وهو مولى امرأة من بني رياح، وهو تابعي ثقة من أهل البصرة، اشتهر بالفقه والتفسير، رأى أبا بكر وقرأ القرآن على (أبي بن كعب) وغيره، وسمع من عمر، وابن مسعود، وعلي وعائشة، وغيرهم.\nروي عنه أنه قال: (قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم بعشر سنين).\nوكان منذ حداثة سنِّه راغبًا في العلم، مكبًّا على طلبه، حتى نبغَ فيهِ وفاق الأقران وخاصة في التفسير، وقد كان ابن عباس ﵄ يرفعهُ على سريره وقريش أسفل منه، ويقول: (هكذا العلم يزيد الشريف شرفًا، ويجلسُ المملوك على الأسرّة).\nتوفي سنة (٩٣) هجرية عن عمر يناهز الثمانين، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٤ - محمد بن كعب القرظي: </span>هو محمد بن كعب القرظي، أبو حمزة المدني، من حلفاء الأوس، سكن الكوفة ثم المدينة، روى عن جمع غفير من الصحابة وخاصة عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود.\nقال ابن سعد: (كان ثقة عالمًا كثير الحديث، ورعًا صالحًا).\nوقال عون بن عبد الله: (ما رأيتُ أحدًا أعلم بتأويل القرآن منه).\nويذكر البخاري في سبب تسميته بـ \"القرظي\" أن أباه كان ممن لم ينبت يوم قريظة فترك، وذلكَ أن النبي - ﷺ - قتل الرجال من بني قريظة حينما خانوا العهود وغدروا بالرسول، فأمر بقتل مقاتلتهم وترك الأطفال والصبيان والنساء.\nوقد كان من أفاضل أهل المدينة علمًا وفقهًا، وكان يحدّث في المسجد فسقط عليه السقف وعلى أصحابه، فمات تحت الهدم، وكان ذلكَ سنة (١١٧) هجرية، رحمه الله تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثالثًا: المدرسة العراقية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>١ - عبد الله بن مسعود: </span>هو من أعلام الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، ونقلوا لنا\n_________\n(١) انظر \"تهذيب التهذيب\" ج (٥) ص (٤٢١).","vol":"1","page":21},{"text":"آثار الرسول - ﷺ - وأقواله، وكان من السابقين إلى الإسلام.\nأخرج الإمام أحمد وابن أبي شيبة بسند حسن عن عبد الله بن مسعود قال: [كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليّ رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وقد فرّا من المشركين، فقال: يا غلام! هل عندكَ لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولستُ بساقيكما. قالا: فهل عندك من جذعة لم ينزُ عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله - ﷺ - الضرع فدعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحدب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني. ثم قال للضرع: اقلُص، فقلص.\nفلما كان بعد أتيت رسول الله - ﷺ -، قلت: علمني من هدا القول الطيب -يعني القرآن- فقال رسول الله - ﷺ -: إنك غلامٌ مُعَلَّم. فأخذتُ من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحدٌ] (١).\nوفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، أن أبا بكر وعمر بشراه أن رسول الله - ﷺ - قال: [مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرأَ القرآن غَضًّا كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابْن أُمِّ عَبْدٍ] (٢).\nوكان خادم رسول الله - ﷺ - يُلبسه نعليه، ويمشي معه وكان صاحب طهوره، وكانَ أقرب الناس سَمْتًا وهَديًا ودلًّا بالنبي - ﷺ -، ولهذه الصّلة الوثيقة برسول الله - ﷺ - فقد عدّوه من أعلم الصحابة بكتاب الله، ومعرفة محكمهِ ومتشابهه، وحلاله وحرامه.\nقال السيوطي: (قد روي عن ابن مسعود في التفسير أكثر مما روي عن علي كرّم اللهُ وجهه .. روى الشيخان عنه أنه قال: والذي لا إله غيرهُ ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلمُ أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه ..). روى عنه كثير من التابعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٢ - مسروق بن الأجدع: </span>هو مسووق بن الأجدع الهمداني، كوفي تابعي ثقة، من أصحاب ابن مسعود الذين نقلوا لنا هدي الرسول - ﷺ -.\nوهو عابد فقيه يكنى (أبا عائشة) وقد اشتهر بالتفسير، ورواية الحديث. كان أبوه\n_________\n(١) إسناده حسن. رواه أحمد في المسند (١/ ٣٧٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٥١٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (١٣٨)، ورواه أحمد في المسند، وابن أم عبد: هو عبد الله بن مسعود، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (١١٤).","vol":"1","page":22},{"text":"أفرس فارس باليمن، وكان خاله (عمر بن معد يكرب) وقد تولى القضاء، فلم يكن يأخذ على القضاء رزقًا، وكان قانعًا زاهدًا راضيًا بما قسم الله، مع أنه كان صاحب عيال. جاءتهُ امرأتهُ يومًا فقالت: يا أبا عائشة: إنَّهُ ما أصبح اليوم لعيالك رزق، فتبسَّم ثم قال: والله ليأتينّهم الله برزق، فرزقه الله رزقًا واسعًا.\nرُوي عنه أنه لقي (عمر بن الخطاب) فسأله ما اسمكَ؟ قال: مسروق بن الأجدع، فقال له عمر: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن، فكان بعد ذلكَ يقول: أنا مسروق بن عبد الرحمن.\nقال علي بن المديني شيخ البخاري: (ما أقدّم على مسروق من أصحاب عبد الله بن مسعود أحدًا، صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعثمان).\nشهد القادسية مع إخوتهِ الثلاثة، فقتلوا يومئذٍ بالقادسية، وجرح مسروق فشلّت يده، وله طريقة لطيفة في النصح والوعظ، خرج يومًا ومعه بعض تلامذته فارتقى بهم على كناسة في الكوفة فقال: (ألا أريكم الدنيا؟ هذه هي الدنيا، أكلوها فأفنوها، لبسوها فأبلوها، ركبوها فأنضوها، سفكوا فيها دماءهم، واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا فيها أرحامهم) (١).\nسئل يومًا عن بيت شعر فقال: (أكره أن أرى في صحيفتي شعرًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٣ - الحسن البصري: </span>هو الحسن بن يسار البصري، إمامُ أهل البصرة، وحبر الأمة في زمانه، يكنى (أبا سعيد) وهو أحد العلماء، والفصحاء، والشجعان، والنُسّاك، ولد بالمدينة المنوّرة، وشبّ في كنف (علي بن أبي طالب).\nواستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية فسكن البصرة، وعظمت هيبتهُ في القلوب، فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، ولا يخاف في الحق لومة لائم، رأى مئة وعشرين صحابيًا، وكان من أفصح أهل البصرة وأعبدهم وأفقههم. حدث عن عثمان والمغيرة وابن عباس، وحدث عنه قتادة وأيوب وابن عون.\nقال أيوب: (ما رأت عيناي رجلًا قطّ كان أفقه من الحسن البصري، كان يعي الحكمة وينطق بها، وكان إذا وعظ أبكى الحاضرين، كأنما كان في الآخرةِ ثم جاء منها فهو يخبر عمّا رأى وعاين، ولهذا فقد اشتهر بالوعظ، وكان رقيق القلب، فصيح اللسان).\n_________\n(١) انظر \"تهذيب التهذيب\" ج (٦) ص (٨٢).","vol":"1","page":23},{"text":"وكان يحدث بالأحاديث النبوية فإذا حدّث عن (علي بن أبي طالب) لم يذكره خشية من بطش الحجاج.\nولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليهِ: إني قد ابتليت بهذا الأمر، فانظر لي أعوانًا يعينوني عليه، فأجابه الحسن: (أمَّا أبناءُ الدنيا فلا تريدهم، وأما أبناء الآخرةِ فلا يريدونكَ فاستعن بالله على أمرك) (١).\nتوفي بالبصرة سنة (١١٠) هجرية وله ثمان وثمانون سنة ودفن فيها ﵀ رحمة واسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٤ - قتادة بن دعامة: </span>هو أبو الخطاب السدوسي البصري، ولد في البصرة سنة (٦١) وتوفي سنة (١١٧) هجرية ومات وعمره (٥٥) سنة.\nروى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب، وجمع من الصحابة، وكان قوي الحفظ، شديد الذكاء. يروى عنه أنه قال: (ما قلت لمحدّث قط أعد عليّ، وما سمعت أذناي شيئًا إلا وعاه قلبي).\nويروى أنه دخل على (سعيد بن المسيب) فجعل يسألهُ أيامًا، وأكثر عليهِ من السؤال، فقال له سعيد: أكلّ ما سألتني عنه تحفظه؟ قال: نعم، فتعجب منه، فقال له قتادة: سألتك عن كذا، فقلت فيه كذا، وسألتكَ عن كذا، فقلتَ فيهِ كذا، حتى أورد عليهِ جميعَ ما سمعهُ منه، فقال له سعيد: (ما كنتُ أظنّ أن الله خلق مثلك). وقال عنه مرة: (ما أتاني عراقي أحسن من قتادة). وقرئت عليهِ مرة صحيفة جابر فحفظها (٢).\nوقد كان ضريرًا فاقد البصر، حيث ولد وهو أعمى، ولكنه كان آية في الحفظ والنبوغ والذكاء، وكان أحمد بن حنبل يطنب في ذكره والثناء عليهِ، وينشرُ من علمه وفقهه، وكان إمامًا في التفسير والفقه، وروى له الستة.\nقال أحمد بن حنبل: (قتادة عالم بالتفسير). ووصفه بالحفظ (٣) والفقه.\nولكنه أُخذ عليه أنه كان يأخذ عن كل أحدٍ، حتى قال فيهِ الشعبي: (قتادة حاطب\n_________\n(١) انظر \"الأعلام\" ج (٢) ص (٢٤٢)، وانظر \"تهذيب التهذيب\" ج (٢) ص (٢٦٣).\n(٢) انظر: \"تهذيب التهذيب \"ج (٨) ص (٣٥١). وتذكرة الحفاظ (١/ ١٢٢) لترجمته.\n(٣) قال قتادة: (ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا). الترمذي (٣١٣٧).","vol":"1","page":24},{"text":"ليل). توفي سنة (١١٨) هجرية بالبصرة ودفن بها، وعمره خمس وخمسون سنة، ولما مات بكى عليه أهل البصرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٥ - عطاء الخراساني: </span>هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني، يكنى (أبا عثمان)، وكان مولده سنة (٥٠) ووفاته سنة (١٣٥) هجرية- كما ذكر الحافظ الأصبهاني. وكان ثقة صدوقًا، عابدًا زاهدًا، كثير العبادة والتبتل، كان يحيي الليل تهجدًا وصلاة.\nروى عبد الرحمن بن يزيد أنهُ كان يحيي الليل صلاة، فإذا ذهب من الليل ثلثه أو نصفه نادانا يا فلان ويا فلان، قوموا فتوضؤوا وصلوا، فإن قيام الليل وصيام النهار أيسر من شراب الصديد (١).\nوكان يحب نشر العلم، فإذا لم يجد أحدًا من تلامذته يحدّثه ذهب إلى المساكين فحدّثهم، خوفًا من الوعيد لكاتم العلم.\nوقد اشتهر بالفقه والحديث والتفسير، وكان على غاية من الزهد والورع، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٦ - مُرّة الهمذاني: </span>هُوَ مُرّة بن شراحيل الهمذاني، أدرك عددًا من الصحابة غير قليل، ويكنى (أبا إسماعيل) وهو المعروف بمرة الطيب، ومرّة الخير، لقب بذلكَ لعبادته، كان عابدًا ورعًا، وزاهدًا صالحًا، وهو تابعي ثقة، توفي سنة (٧٦) هجرية، رحمه الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>تراجم بقية المكثرين من التفسير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>١ - كعب الأحبار: </span>هو كعب بن ماتع الحميري من أوعية العلم ومن كبار أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر، وقدم في خلافة عمر فأخذ عن الصحابة الكتاب والسنة، وأخذ عنه بعض الصحابة والتابعين، توفي في خلافة عثمان. (تذكرة الحفاظ ١/ ٥٢).\nوقد روى كعب الأحبار عن كتب وجدها، وقد كتبها بعض الإسرائيليين بأيديهم. ولذلكَ كان معاوية يقول عن كعب: (إن كنا لنبلو عليهِ الكذب). ونقل عن ابن عباس تكذيبه لكعب.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب الكمال\" - للحافظ المزي-، ج (١٠) ص (٨٨).","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>٢ - وهب بن منبه: </span>هو الحافظ الصنعاني عالم اليمن. روى عن ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم عنده علم أهل الكتاب وحديثه في الصحيحين والسنن إلا ابن ماجة. كان ثقة واسع العلم، توفي سنة (١١٤) هجرية.\nفائدة: وهب بن منبه ثقة في رواية الحديث المرفوع، ولكن ما يرويه عن أهل الكتاب غير حجة، وليس ذلك من قبله، وإنما هو من قبل من أخبره به. وقد ذكر ابن كثير في سورة النمل عقب الآية (٤٤) ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ آثارًا عن أهل الكتاب ثم قال: (والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما يوجد في صحفهم كروايات كعب الأحبار ووهب، سامحهما الله تعالى فيما نقلا إلى هذه الأمة من أخبار بنى إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان ومما لم يكن، ومما حُرِّف وبُدِّل ونسخ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلكَ بما هو أصح منه وأنفع وأبلغ، ولله الحمد والمنة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٣ - مقاتل بن سليمان: </span>هو مقاتل بن سليمان البلخي المفسر، روى عن مجاهد والضحاك، وروى عنه علي بن الجعد وخلق. قال ابن المبارك: (ما أحسن تفسيره لو كان ثقة). وقال الشافعي: (الناس عيال في التفسير على مقاتل). وقال البخاري: (سكتوا عنه). قال الذهبي: (وهو غير مقاتل بن حيان، فذاك ثقة) - الميزان للذهبي (٤/ ١٧٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٤ - الضحاك بن مزاحم: </span>هو الضحاك بن مزاحم البلخي المفسر. قال ابن عدي: (إنما عرف بالتفسير، وأما رواياتهُ عن ابن عباس وأبي هريرة ففيها نظر، ووثقه أحمد وضعفهُ القطان).\nوكان شعبة ينكر أن يكون لقي ابن عباس، ومع ذلكَ وثَّقَهُ يحيى وأحمد وأبو زرعة. (الميزان للذهبي ٢/ ٣٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>٣ - الكَلبي: </span>هو محمد بن السائب المفسر النسابة الأخباري، روى عن الشعبي وجماعة، وروى له الترمذي.\nقال الثوري: اتقوا الكلبي. فقيل له: أنتَ تروي عنه. فقال: إنا أعرفُ صدقه من كذبه.\nقال البخاري: قال المديني: قال الكلبي للثوري: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب - يقصد عن أبي صالح عن ابن عباس.","vol":"1","page":26},{"text":"قال ابن عدي: رضوه في التفسير، وأما الحديث فعنده مناكير.\nوقال ابن حبان: كان سبائيًا -يقول بالرجعة لعلي. وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد: يحل النظر في تفسير الكلبي، قال: لا.\nوقال ابن معين: غير ثقة. وكذبه الجوزجاني. وقال ابن حبان: يروي عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم يرَ ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، لا أحلُّ ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به. (الميزان للذهبي ٢/ ٥٥٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٦ - جويبر بن سعيد: </span>هو البلخي المفسر صاحب الضحاك. روى له ابن ماجة. قال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك.\nوقال يحيى القطان: تساهلوا في أخذ التفسير عن القوم لا تولعوهم في الحديث.\nثم قال: جويبر والضحاك والكلبي لا يحمد حديثهم ويكتب التفسير عنهم. (الميزان للذهبي ١/ ٤٢٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٧ - السدي الكبير: </span>هو إسماعيل بن عبد الرحمن، ليس من شرط البخاري. روى عنه مسلم، وأصحاب السنن، وروى عن أنس وجماعة. وروى عنه الثوري وخلق وثَّقَه أحمد ولينه ابن معين، وقال ابن عدي: (هو عندي صدوق). ومرّ النخعي بالسدي، وهو يفسر لهم القرآن، فقال: أما إنه يفسر تفسير القوم. (الميزان للذهبي (١/ ٢٣٦). قلت: وقد روى مناكير كثيرة وإسرائيليات تالفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٨ - السدي الصغير: </span>يروي عن الأعمش وغيرهُ، تركوه وبعضهم اتهمه بالكذب، وهو صاحب الكلبي. قال البخاري: (سكتوا عنه). (الميزان للذهبي ٤/ ٣٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>٩ - النقاش: </span>هو محمد بن الحسن الموصلي المقرئ المفسر، قرأ بالروايات ورحل وتعب واحتيج إليه. قال طلحة بن محمد الشاهد: كان النقاش يكذب في الحديث والغالب عليه القصص.\nوقال أبو القاسم اللالكائي: (تفسير النقاش المسمى \"شفاء الصدور\" هو إشقاء الصدور) - الميزان للذهبي (٣/ ٥٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>١٠ - الثعلبي: </span>هو أحمد بن محمد أبو إسحاق النيسابوري المفسر، كان حافظًا","vol":"1","page":27},{"text":"واعظًا رأسًا في التفسير والعربية متين الديانة، توفي سنة (٤٢٧) هجرية. (العبر للذهبي ٢/ ٢٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>١١ - الواحدي: </span>هو علي بن أحمد النيسابوري تلميذ الثعلبي، وأحد من برع في العلم. كان رأسًا في العربية، توفي سنة (٤٦٨) هجرية (العبر للذهبي (٢/ ٣٢٢). لكنه وشيخه أكثر من رواية الأحاديث الموضوعة.\nقال ابن تيمية في منهاج السنة (٤/ ٤): (ما ينقله الثعلبي في تفسيره لقد أجمع أهل العلم بالحديث أنه يروي طائفة من الأحادبث الموضوعة وهكذا الواحدي تلميذه، وقد أجمع أهل العلم بالحديث على أنه لا يجوز الاستدلال بمجرد خبر يرويه الثعلبي والنقاش والواحدي وأمثالهم، لكثرة ما يروونه من الحديث- ويكون ضعيفًا بل موضوعًا).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>أنواع التفاسير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>١ - التفاسير اللغوية: </span>وهي التفاسير التي ينصب فيها اهتمام أصحابها بإبراز جانب الإعراب والنحو ومسائله، ويُكثِر هؤلاء من الشواهد الشعرية والنثرية، ومن هؤلاء الزجاج والواحدي في كتابه \"الوسيط\" وأبو حيان (١) في \"البحر المحيط\"، والزمخشري (٢) في \"الكشاف\"، والنسفي (٣) -والذي هو تهذيب للكشاف-، وغير ذلك من التفاسير.\nقلت: والمبالغة في كشف الحقائق اللغوية والوجوه الإعرابية غير مطلوب في منهاج النبوة، بل إنه في كثير من الأحيان يبعد أهل هذه المدرسة عن المقصود الشرعي من الآية أو الحكم الشرعي الدقيق الذي استقر عليهِ الفهم من الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٢ - التفاسير العقلية والفلسفية: </span>ومن ذلكَ تفسير \"مفاتيح الغيب\" للفخر الرازي (٤)، فقد أكثر من ذكر أقوال الفلاسفة والحكماء، وذكر شُبههم والرد عليهم. إلا أنه وقع له في أكثر من موضع أنه يقرر كلام أهل الأهواء بأدلة قوية ثم يردها أو ينتقدها بأدلة واهية وهذا مما أخذ عليه.\nقلت: وتفسير القرآن بالرأي والعقل وعلم الكلام باب من أبواب الفتنة في الدين، وهو قول على الله بغير علم، وقد توعد الله في التنزيل الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.\nوروى أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي بكر، وقد سُئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً\n_________\n(١) هو محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي، المتوفى سنة (٧٤٥) هجرية.\n(٢) هو محمود بن عمر الزمخشري -معتزلي- توفي سنة (٥٣٨) هجرية.\n(٣) هو عبد الله بن أحمد النسفي، وكتابه في التفسير هو: \"مدارك التنزيل وحقائق التأويل\" المعروف بتفسير النسفي، توفي سنة (٧٠١) هجرية.\n(٤) هو الشيخ محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة (٦٠٦) هـ.","vol":"1","page":29},{"text":"وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فقال: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم).\nوروى أبو عبيد عن عمر أنه تلا هذه الآية وقال: هذه الفاكهة عرفناها فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: (إنّ هذا لتكلّف يا عمر). وروى عن مسلم بن يسار قال: (إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده). وروى عن ابن المسيب أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام كانَ أعلم الناس، وإذا سئل عن آية سكت كأن لم يسمع. وروى الطبري عن ابن عباس قال: (التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب في كلامها. ووجه يعرفه كل الناس، ووجه لا يعلمه إلا العلماء، ووجه لا يعلمه إلا الله ﵎ ذكره).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٣ - التفاسير الفقهية: </span>وهي كثيرة، وأكثرها جمعًا لمسائل الفقه ومباحثهِ تفسير القرطبي (١)، فإنه جمع فأوعى حيث سرد أقوال الفقهاء وأدلتهم بإنصاف وأمانة.\nوهناك من التفاسير الفقهية كأحكام القرآن للجصاص الحنفي، وابن العربي المالكي، وتفسير آيات الأحكام للسايس. إلى غير ذلك.\nقلت: ويؤخذ على هذا النوع من التفاسير غياب التحقيق الحديثي الفقهي المنهجي، فتكثر الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة، وكثيرًا مما يعتمد على بعضها في الاستنباط وتقرير الأحكام الفقهية، الأمر الذي ينتج أبحاثًا فقهية ينقصها الدليل الصحيح والتحقيق العلمي الأصيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٤ - تفاسير المبتدعة: </span>كتفسير الرمّاني والجبائي والقاضي عبد الجبار والزمخشري، فهؤلاء من المعتزلة، وقد قرّروا فيها أفكارهم ومعتقداتهم، ومنها تفسير محيي الدين بن عربي والذي قرر فيهِ مذهب الباطنية الحلولية، فجعل لكل آية بطنًا وظهرًا، وألغى ظواهر الكتاب وعَطّلها، وأتى فيها بما لم يسبق إليه، ومن طالعه وطالع \"الفتوحات المكية\" و\"الفصوص\" أدركَ ذلك.\nقلت: والكلام في القرآن دون تثبت أو دليل صحيح أمر خطير وفتنة في الدين، فكيفَ بتعطيل ظواهر الآيات أو إلغائها وقد أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين!\nروى أبو عبيد بسنده عن الشعبي عن مسروق قال: (اتقوا التفسير فإنما هو الرواية\n_________\n(١) هو الشيخ الفقيه الإمام المحدّث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن فرح القرطبي -مالكي المذهب- وكتابه (الجامع لأحكام القرآن)، توفي سنة (٦٧١) هـ.","vol":"1","page":30},{"text":"عن الله). قال الشعبي: (والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله ﷿). وروى ابن جرير بسنده إلى عبيد الله بن عمر قال: (لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٥ - التفاسير التاريخية: </span>وذلكَ كتفسير الثعلبي (١) والخازن (٢) وغيرهما، ممن يكثر من القصص وذكر أخبار الأمم السالفة.\nقلت: ويكثر في هذا النوع من التفاسير القصص الواهية والأخبار الهزيلة والتفاصيل المأخوذة من الإسرائيليات وغير ذلك، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى النظر والتحقيق. ويصعب الأمر في الحكم على بعضها لإيرادها دون سند، كما يكثر ذلكَ في تفسير الخازن المسمى \"لباب التأويل في معاني التنزيل\". وكذلكَ فإن الثعلبي قد أورد في تفسيره قصصًا إسرائيلية نهاية في الغرابة، بل منها ما هو باطل قطعًا.\nيقول ابن تيمية عنه: (الثعلبي في نفسه فيه خير ودين، ولكنه حاطب ليل). (أصول التفسير ص ١٩)،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٦ - التفاسير بالمأثور: </span>وذلكَ كتفسير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والسمرقندي والبغوى وابن عطية وابن مردويه وابن كثير، وكذلك تفسير \"زاد المسير\" لابن الجوزي و\"الدر المنثور\" للسيوطي.\nأشهرها تفسير الطبري، واسمه \"جامع البيان في تفسير القرآن\"، ومؤلفه هو ابن جرير الطبري، وكنيته (أبو جعفر) ولد سنة (٢٢٤) هجرية، وتوفي سنة (٣١٠) هجرية، وكتابهُ من أجل التفاسير بالمأثور، وأصحها وأجمعها لأقوال الصحابة والتابعين، ويعتبر المرجِع الأول للمفسرين، قال النووي: (كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنّف أحدٌ مثله).\nقلت: ومع تميزه في الاعتماد على أقوال النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين وعرضه للأسانيد والروايات وترجيحهِ بينها وإحاطته بالناسخ والمنسوخ من الآيات وذكره لوجوه الإعراب واستنباط الأحكام الشرعية من الآيات، إلا أنه يذكر أحيانًا أخبارًا بأسانيد غير صحيحة، كما يسوق بعض أخبار هي من (الروايات الإسرائيلية)، ويرجّح أحيانًا\n_________\n(١) مؤلفه: أحمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، المقرئ المفسر، كنيته (أبو إسحاق)، وقد توفي سنة (٤٢٧) هـ، وكتابه يسمى \"الكشف والبيان عن تفسير القرآن\".\n(٢) مؤلفه الإمام عبد الله بن محمد المشهور بالخازن المتوفى سنة (٧٤١) هـ.","vol":"1","page":31},{"text":"ما جاءت السنة الصحيحة بخلافه، ويفتقر أحيانًا أخرى إلى الأحاديث الصحيحة الواردة في مفهوم بعض الآيات.\nويليه في الشهرة تفسير ابن كثير، واسمه \"تفسير القرآن العظيم\"، ومؤلفه هو الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، وكنيتهُ (أبو الفداء). ولد سنة (٧٠٠) هجرية، وتوفي سنة (٧٧٤) هجرية. \"لقد كان ابن كثير ﵀ جبلًا شامخًا، وبحرًا ذاخرًا، في جميع العلوم، وخاصة في التاريخ والحديث والتفسير، وكان إمامًا جليلًا مُتَفنّنًا في أسلوب الكتابة والتأليف. قال عنه الذهبي. (الإمامُ المفتي، المحدّث البارع، فقيه متفنّن، محدّث متقن، مفسّر نقّال، وله تصانيف مفيدة).\nوتفسير ابن كثير هو من أشهر ما دوّن في التفسير بالمأثور، ويعتبر الكتاب الثاني بعد كتاب الطبري، اعتنى فيه مؤلفه بالرواية عن مفسّري السلف، فروى الأحاديث والآثار مسندة إلى أصحابها وتكلّم عن بعضها بالجرح والتعديل، وردّ ما كان منها منكرًا أو غير صحيح.\nوطريقته في التفسير أنه يذكر الآية، ثم يفسرها بعبارة سهلة موجزة، ويأتي لها بشواهد من آيات أخرى ومما تيسّر من السنة العطرة.\nيقول الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلكَ أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياكَ ذلكَ، فعليكَ بالسنة، فإنها شارحةٌ للقرآن وموضحة له، وإذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلكَ إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلكَ لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي خُصُّوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح).\nقلت: ومع تميّز تفسير ابن كثير في منهجه الأصيل، إلا أنهُ وقع فيما وقع به غيره من سرد بعض الإسرائيليات المطولة، وبعضها منكرة، وإيراد مجموعة من الأحاديث الضعيفه أو الواهية عقب سيل من الأحاديث الصحيحة التي تغني المعنى وتكفيهِ بالفهم والوضوح. إضافة إلى تشعّب الفهم لبعض الآيات أحيانًا نتيجة لتشعب الروايات والأقوال، وخاصة أن بعض هذه الأقوال معارض أحيانًا لتفسير النبي - ﷺ - الثابت بصحيح السنة العطرة.\n* * *","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>منهج التفسير عند الراسخين من المفسرين وأئمة العلم من الصحابة والتابعين</span>\nأما بعد: الحمد لله الذي تفضل على عباده فعرفهم غاية الخلق وطرق النجاة وسبل السلام، فبعث للناس رسلًا يبلغون عنه معنى الأمن في الدنيا والآخرة وزوّدهم لأجل ذلكَ بالحُجَج والبيان، ثم ختم فيهمَ سبحانه الرسالة والنبوة بإمام وقائد الأمم محمد ﵊، وجعل أمته أمة القيادة في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتقود الأمم إلى شاطئ النجاة والأمان، وحفظ اللهُ قرآنهُ وعلومهُ وتفسيره وكذلك هدي نبيّهِ بقادة وعلماء من ذرية هذه الأمة وبأئمةٍ كرام، فكانوا سَيْفًا مسلطًا على أعداء الأمة المحاولين العبث بالدين والتطاول والادعاء في تأويله في كل زمان، فقد قال الله جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ١ - ٨].\nفعَنْ ابن عباس ﵁ قال: (أما الآيات المحكمات فهن الناسخات التي يعمل بهن، وأما المتشابهات فهن المنسوخات). وقيل: المحكم ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهًا.\nوقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي ميل عن الهدى). وقال مجاهد: (أي شك). ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال ابن عباس: (فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبِّسون فلبَّسَ الله عليهم). وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال مجاهد: (الشبهات بها أهلكوا). ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ليناسب أهواءهم","vol":"1","page":33},{"text":"وما ذهبوا إليه. وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. قيل: قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ تمَّ ثم تستأنف بما بعده ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يقولون آمنا بالمحكم والمتشابه كل من عند الله. وقيل: بل الراسخون يعلمون تأويله ومع علمهم يقولون آمنا به.\nفقد رُوي عن ابن عباس قوله: (أنا ممن يعلم تأويله).\nوروسوخ الشيء في الشيء ثبوته وولوجه فيه، كذا في لغة العرب، فكان منهجُ الراسخين في العلم في الأمة رد المتشابه إلى المحكم، وليس ضرب الآيات بعضها ببعض من غير علم، كما يقعل أهل الأهواء اليوم أو غير الراسخين من طلبة العلم.\nيروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة وضي اللهُ عَنْهُ عن النبي - ﷺ - قال: [يكون في آخر الزمانِ دجّالون كذّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإيّاهم، لا يُضِلّونَكُم ولا يفتنونكم] (١).\nفحذَّر صلوات الله وسلامه عليه من ظهور دعاة الخرافة والتفسير بالضلال والجهل القاصم، دون رسوخ في العلم وبقواعده وأصوله ذات الأسس والأركان والدعائم. فقد أخرج الإمامُ أحمد في المسند المسند صحيح عن عقبة بن عامر الجهني، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [هلاك أمتي في الكتاب واللّبن، قالوا: يا رسول الله ما الكتاب واللبن؟ قال: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ﷿، ويحبون اللَّبن فيدعون الجماعات والجمعَ، ويبدون] (٢). أى يذهبون إلى البادية والمراعي من أجل اللبن، كناية عن اهتمامهم بالدنيا أكثر من أمر الله والآخرة.\nقال الإمام الطحاوي ﵀: (ولا نجادل في القرآن ونعلم أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وكلام الله تعالى لا يساويهِ شيء من كلام المخلوقين) (٣).\nوفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: [سمعت رجلًا قرأ آية سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١/ ٩)، و\"مشكل الآثار\" (٤/ ١٠٤)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم- (٨٠٠٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٥٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧٧٨).\n(٣) متن \"العقيدة الطحاوية\"، فقرة (٥٦).","vol":"1","page":34},{"text":"فذكرت ذلك لهُ فعرفت في وجهه الكراهة وقال: كلاكما محسن، لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا] (١).\nفلا نجادل في القرآن بإلقاء الشبهات كما يفعل أهل الزيغ ليدحضوا الحق، بل لا بد من التكلم بعلم ورسوخ عند مدارسته ومحاولة فهمه، وكذلكَ لا نجادل في القراءة الثابتة بل نقرؤه كما ثبت وصح، وقيل إن ترتيب السور لم يكن واجبًا عليهم منصوصًا، لذا فترتيب مصحف عبد الله غير الترتيب العثماني، أما ترتيب آيات السور فمنصوص عليه.\nوقد بلغ الأمر أن يفسر للأمة اليوم قرآنها، متطرف له غاية أو مصلحة، أو معاصر لم يُتّهم يومًا بالعلم أو الصلاح، بل ماضيه ملطّخ بالفساد والجهل والتخبط والسفاح. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعَمِ، أقبلت أنا وأخي وإذا مَشْيخة من صحابة رسول الله - ﷺ - جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حَجْرةً، إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله - ﷺ - مُغْضبًا قد احمرّ وجهُهُ يرميهم بالتُراب ويقول: مَهْلًا يا قوم بهذا أُهْلِكَت الأمَمُ من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهمُ الكتبَ بعضها ببعض، إن القرآن لَمْ يَنْزِل يُكَذِّبُ بعضُه بعضًا، بل يُصَدّقُ بعضه بعضًا، فما عرفتم منهُ فاعملوا بهِ، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه] (٢).\nواللهُ جل ثناؤه قد حرم على الأمة القول بغير علم. فقال في سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\nوقال في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].\nوقال في سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح- حديث رقم- (٢٤١٠) - كتاب الخصومات- وانظر كذلك الأحاديث (٣٤٧٦)، (٥٠٦٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٨١) ح (٦٦٦٣)، وإسناده حسن، للاختلاف المعروف في عمرو عن آبائه.","vol":"1","page":35},{"text":"مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٨ - ٩].\nوفي الصحيحين عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: [إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم] (١).\nوفي جامع الترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليهِ إلا أوتوا الجدل ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾] (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مقدمة التفسير: (يجب أن يُعْلَمَ أن النبي - ﷺ - بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يتناول هذا وهذا، وقد قال عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - ﷺ - عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في أعيننا، وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل ثمان سنين ذكره مالك. قال: وذلكَ أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن. وكذلكَ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وعقل الكلام متضمن لِفهمه).\nقلت: فمنهج التفسير للقرآن عند الراسخين في العلم يتضمن القواعد والأصول التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>أولًا: تفسير النص بالنص: </span>فقوله سبحانه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ يفسره قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.\nوقوله جل ثناءه في سورة إبراهيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يشبه قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري بإثر (٤٥٢٣)، (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٨٨٦)، وأحمد (٦/ ٥٥)، والترمذي (٢٩٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٤٧)، وابن حبان (٥٦٩٧).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٢٥٣)، وابن ماجة (٤٨)، وأحمد (٥/ ٢٥٢).","vol":"1","page":36},{"text":"تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ قوله في سورة المائدة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال شيخ الإسلام: (فكان القرآن هو الإمام الذي يُقتدى به ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض فيهِ هذا العقل والنقل فضلًا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>ثانيًا: تفسير القرآن بالحديث:</span>\nفقوله سبحانه في سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. يفسره ما في صحيح مسلم عن أسامة بن زيد ﵁ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: [يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتاب (١) بطنهِ فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك!؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ ! فيقول: بلى، كنت آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عَنْ المُنْكَر وآتيه] (٢).\nقال شيخ الإسلام ﵀: (ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي - ﷺ - لم يُحْتَجْ في ذلكَ إلى أقوال أهل اللغة، فإنه قد عرف تفسيره وما أُريدَ بذلك. ثم قال: ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حدّه بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها، أو بسنة الرسول - ﷺ - تفسرها، فإن سنة رسول الله - ﷺ - تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخًا لها.\n_________\n(١) جمع قِتْب: وهي الأمعاء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٢٢٤) - كتاب الإمارة، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٢٣٨)، باب: في الذي يأمر بالمعروف ولا يفعله.","vol":"1","page":37},{"text":"وقال في موضع آخر: والنقل يعني القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين. قال: ولا فيهم (أي في سلف الأمة وعلمائها) من يقول: إن لهُ ذوقًا أو وجدًا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث، فضلًا عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول، وأنهُ يأخذ من ذلكَ المعدن علم التوحيد، والأنبياء كلهم يأخذون عن مشكاته) الفتاوى- مقدمة التفسير (٢٩).\nثالثًا: تفسير النص بأسباب النزول: فقوله ﷾ في سورة يس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ مفسّر بما روى الترمذي وابن ماجة بإسناد جيد عن ابن عباس ﵁ قال: [كانت الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا] (١).\nوقوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، مفسّر بما أخرج الإمام أحمد في المسند عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: [جاء إلى رسول الله - ﷺ - وقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فقال رسول الله - ﷺ -: من السائل عن العمرة؟ فقال: أنا، فقال ألق ثيابك واغتسل واستنشق ما استطعت وما كنتَ صانعًا في حجتك فاصنع في عمرتك] (٢).\nوقوله جل ثناؤه في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ مفسّر بما روى الإمام البخاري في صحيحه أسباب النزول لهذه الآية عن كعب بن عُجْرة قال: [وقفت على رسول الله - ﷺ - بالحديبية ورأسي يتهافت قمْلًا. فقال: يؤذيك هوامُّكَ (٣). قلت: نعم. قال: فاحلق رأسكَ قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخرها، فقال النبي - ﷺ - كما في رواية: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن، والترمذي نحوه (٣٢٢٦)، والطبري (٢٩٠٧٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٨) من حديث أبي سعيد، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول -الوادعي- سورة يس، آية (١٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ٢٢٤)، والمرجع السابق (سورة البقرة آية ١٩٦). وأصل معناه في صحيح البخاري (١٧٨٩)، وفي صحيح مسلم (١١٨٠)، وسنن الترمذي (٨٣٦).\n(٣) أي القمل.","vol":"1","page":38},{"text":"قال: صُمْ ثلاثة أيامٍ أو أطعم ستةَ مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>رابعًا: التفسير برد المتشابه إلى المحكم:</span>\nفقد قال جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\nفقوله سبحانهُ في سورة الحديد: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مفسّر برده إلى المحكم ليفهم معنى المعيّة لله التي تليق بجلالهِ وبكماله كما في سورة طه: ﴿قَال لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، فهو معهم سبحانهُ بصفاته وبعلمهِ لا بذاته، فهو الرحمن قد استوى على العرش ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\nوكذلكَ قولهُ في سورة البقرة يحكي عن بني إسرائيل لما أمرهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. فإذا عدنا إلى المحكم في السنة فهمنا ما تشابه علينا من القرآن، فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [قيل لبني إسرائيل ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فبدّلوا، فدخلوا يزحفون على أستاهِهمْ، وقالوا: حبَّة في شعيرة] (٢). استهزاء منهم وسخرية بأمر الله فأخزاهم الله في الدنيا وأوعدهم نيرانه في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>خامسًا: التفسير بأقوال الصحابة ومن سمع منهم من التابعين:</span>\nفلفهم قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، تقرأ في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵁ قال: [كان رسول الله - ﷺ - يصلي وهو\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري (٨٣٧)، أبواب الإحصار وجزاء الصيد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، كتاب التفسير، وانظر مختصر صحيح مسلم- حديث رقم- (٢١٢٣).","vol":"1","page":39},{"text":"مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾] (١).\nوإذا مررت بقول الله سبحانه في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قرَأْتَ في تفسير الإمام الطبري بسند صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونهُ في العمل لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئًا] (٢).\nقلت: ويعضده ويقويه ما روى الإمام أحمد في المسند والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الرجل لترفع درجته في الجنة، قيقول: أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك] (٣).\nقال شيخ الإسلام في مقدمة التفسير (الفتاوى: ١٣/ ٣٣٢): (ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك، وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًّا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منهُ في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيهِ أكثر، ومن التابعين من تَلَقَّى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحّف على ابن عباس أوقفهُ عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري: إذا جاءكَ التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا يعتمد على تفسيره\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧٠٠) ح (٣٣)، والترمذي (٢٩٦١)، والنسائي (١/ ٢٤٤)، وأحمد (٢/ ٢٠)، وأصله عند البخاري (١٠٩٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجهُ ابن جرير (٢٧/ ١٥)، والبزار (ص ٢٢١). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة- حديث رقم- (٢٤٩٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥٠٩)، وابن ماجة في السنن (٣٦٦٠)، وإسناده صحيح. ورواه البيهقي كذلك بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر صحيح الجامع (١٦١٣)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٩٨).","vol":"1","page":40},{"text":"الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلكَ الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره.\nقال: والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلكَ بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال).\nولما سئل: فما أحسن طرق التفسير أجاب: (إن أصح الطرق في ذلكَ أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه فسر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلكَ فعليكَ بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله - ﷺ - فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ولهذا قال رسول الله - ﷺ -: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة، قال: والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لأنها تتلى كما يتلى. ثم قال: وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلكَ إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلكَ لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين: (مثل عبد الله بن مسعود) قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش عن أبي الضُّحا عن مسروق قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: والذي لا إله غيرهُ، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وقال الأعمش أيضًا عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.\nقال ومنهم الحبر البحر \"عبد الله بن عباس\" ابن عم رسول الله - ﷺ - وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله - ﷺ - حيث قال: \"اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل\". وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، أنبأنا وكيع، أنبأنا سفيان عن الأعمش عن مسلم عن مسروق، قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. (ثم","vol":"1","page":41},{"text":"ذكر رواية أخرى): نعم الترجمان للقرآن ابن عباس. ثم قال: وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمَّر بعدهُ ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليٌّ عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، ففسرها تفسيرًا لو سمعتهُ الروم والترك والديلم لأسلموا. قال: ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله - ﷺ - حيث قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو، ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.\nوالثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.\nوالثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوزُ حكايته لما تقدم).\nقلت: ويشهد لهذا ما روى أبو داود وابن حبان والإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن أبي نَمْلَةَ الأنصاري عن أبيهِ قال: كنتُ عند النبي - ﷺ - إذ دخل عليهِ رجل من اليهود فقال: يا محمد أتُكلَّم هذه الجنازة؟ فقال النبي - ﷺ -: الله أعلم. فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تكلم. فقال النبي - ﷺ -: [ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقًّا لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدقوهم]. ويشهد له ما في الصحيحين: [إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم ولكن قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم] (١).\nولكن غالب ما جاء من هذه الإسرائيليات مما لا فائدة منهُ، فلكم خاضوا في أشياء سكت الله عنها ولو شاء لأعلم الناس بها، وكم سودوا في كتبهم من الأخبار عن الأنبياء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٣٦)، وابن حبان (٦٢٥٧)، بنحوه. وأصله في صحيح البخاري (٤٤٨٥)، وانظر سنن النسائي \"الكبرى\" (١١٣٨٧).","vol":"1","page":42},{"text":"صلوات الله وسلامه عليهم مما لا يليق بمقام النبوة والوحي والرسالة، فنسبوا لداود ﵇ التعلق بنساء بعض جنوده حتى دفعه إلى أرض القتال فقتل فتزوج امرأته، ونسبوا لسليمان ﵇ قصصًا من العشق والغرام مع بلقيس ملكة سبأ، ونسبوا ليوسف صلوات الله وسلامه عليه حكايات من الحب والمراهقة مع امرأة العزيز وما تأدبوا مع أكرم الخلق والذرية وهو نبي ابن نبي ابن نبيّ، كما خاضوا في أسماء أهل الكهف ولون كلبهم وعدتهم، وخاضوا في عصا موسى من أي الشجر كانت؟ وفي نوع الشجرة التي كلم الله منها موسى ﵇ إلى غير ذلكَ مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم فضلًا عن أخراهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>سادسًا: التفسير بمعرفة الناسخ والمنسوخ:</span>\nومثال ذلك، ما جاء في صحيح الإمام البخاري عن زيد بن أرقم قال: [كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجتهِ حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت] (١).\nوفي المسند للإمام أحمد وكذلكَ عند الطبراني ورجالهُ رجال الصحيح عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: [كانوا يتكلمون في الصلاة يجيء خادم الرجل إليهِ فيكلمه بحاجتهِ وهو في الصلاة فنهوا عن الكلام] (٢).\nوكذلكَ في سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵁ قال: [لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شق ذلكَ على المسلمين حين فرض ألا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>سابعًا: التفسير بالسياق والسباق:</span>\nفقوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ليس المقصود بالسلطان العلم كما زعم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٣٤)، وأخرجه مسلم (٥٣٩).\n(٢) انظر المسند (١/ ٤١٥)، وصحيح ابن حبان (٢٢٤٣) بألفاظ متقاربة تشهد للمعنى.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٥٣) - كتاب التفسير- سورة الأنفال، آية (٦٦).","vol":"1","page":43},{"text":"بعض المعاصرين ووجهوا الآية إلى الاكتشافات العلمية الحديثة، وظنوا أن الإنسان اخترق بها أقطار السماوات والأرض! ولا أدري إلى أين يخترقها؟ بل ما زال هو وعلومه التي فرح بها ضمن أقطار السماوات والأرض التي يحكمها الله ﷿ ويهيمن عليها.\nوسبب هذا التجرؤ على التفسير الجهل بعلوم القرآن وبيانه ومنهج التأويل الذي ارتضاه الله لكتابه ومضى عليه نبيه - ﷺ - وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.\nوالباحث في القرآن في سورة الرحمن يجد أن هذه الآية جزءٌ من سياق آيات تتحدث عن ما بعد الموت ومشهد الحشر وأهوال القيامة، فهي تبدأ من قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ إلى أن يقول سبحانه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. فهو خطاب تحد من الله يعقبه قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. وكأنه يقول لهم سبحانه وقد اجتمعوا إليه في أرض المحشر: اهربوا الآن إن استطعتم ولكن أين المفر: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾. ثم قال: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٤٥].\nقال الحافظ ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ قال: (أي لا تستطيعون هربًا من أمر اللهِ وقدره، بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التخلص من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أُحيط بكم. وهذا في مقام المحشر، الملائكة مُحْدِقَةٌ بالخلائق، سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ أي: إلا بأمر الله). وقال ابن عباس: (الشواظ هو لهب النار). وقال مجاهد: (النحاس: الصفر، يُذاب فيُصَبُّ على رؤوسهم). فيكون المعنى: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس المُذاب عليكم لترجعوا، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>ثامنًا: التفسير باللغة العربية:</span>\nفالقرآن كلام عربي أنزلهُ الله بلغة العرب، فإن تعذر فهم كلمة أو آية وفق قواعد","vol":"1","page":44},{"text":"المنهج السابقة فيستأنس بفهم العرب لجذور هذه الكلمة ولمفهوم البيان المراد.\nفقوله تعالى في سورة النور: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ فإن الإرْب والإربة في لغة العرب الحاجة، فيكون المعنى: غير أصحاب الحاجة إلى النساء والقدرةِ على ملامستهن. قال سعيد بن جبير: (هو المعتوه).\nوقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال أهل اللغة: (والعارض: السحاب يعترض في الأفق. وقوله ممطرنا: أي مُمطِرٌ لنا لأنه معرفة لا يجوز أن يكونَ صفة لعارضٍ وهو نكرة).\nوقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ما مفهوم كان هنا هل هي للماضي فلا يكون غفورًا رحيمًا الآن؟ !\nقال أهل اللغة: (كان لها حالات مختلفة، منها:\nأ- ناقصة: وتحتاج إلى خبر.\nب- تامة: بمعنى حدث ووقع ولا تحتاج إلى خبر، كقولكَ: أنا أعرِفه مُذ كان: أي مذ خُلق، وكقولكَ: ما شاء الله كان.\nج- وقد تقع زائدة للتأكيد كقولك: كان زيد منطلقًا ومعناه زيْدٌ منطلقٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nوكذلك قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nفقال سبحانه \"عليهُ\" بالضم وليس (عليهِ) بالكسر.\nوقد سألت والدي عنها يومًا -وهو من أعمدة الاختصاص بالنحو والصرف في هذا الزمان- فقال لي: (الياء في \"عليه\" عند النحويين حاجز غير حصين، أي يحفظ حركة اللام، لتضم الهاء بعدها، نحو \"كتابَهُ\" فاعتبروا الياء غير موجودة. ثم إن لفظ \"عليه\" في الآية حين تصبح \"عليهِ الله\" لفظ رقيق، أما \"عليهُ الله\" ففيه تفخيم للفظ الجلالة، فهي عملية نغمية إيقاعية ترتيلية، وهي وإن كانَ لغة يجوز \"عليهِ\" بالكسر، لكن هنا جاءت للتفخيم وإظهار قوة العهد مع الله سبحانهُ فلا يجوز مخالفة قراءتها إلى اللغة).\nوأما ترك هذا المنهج في التفسير واللجوء إلى شاذ اللغة من بين الأوجه الكثيرة، أو اللجوء إلى العقل وما يتصور من تصورات كبيرة أو صغيرة، أو التفسير بالفلسفة","vol":"1","page":45},{"text":"وما فيها من خيالات وشطحات خطيرة، فهو منهج الدمار الذي لحق بالمسلمين، وهو منهج التفلت والخصوع للأهواء والشهوات ليأتي التفسير بذلكَ تخبطًا وليفرز إلى واقع الحياة إسلامًا لا تكاليف فيه، ودينًا متماشيًا مع مغريات الحياة والاختلاط وتفلت الناس من كل قيد، وتحكيم الشهوات والملذات غير المنضبطة عن طريق إلقاء الشبهات والكلام في القرآن بغير علم، وما زالت الأمة تدفع الثمن إلى يومنا هذا بسبب محاولة عزل منهج النبوة عن واقع الحياة.\nوقد ذهب الإمام الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث إلى إن علم الجدل والكلام بدعة وحرام، محتجين بقوله ﵇ الذي رواهُ مسلم عن ابن مسعود: [هلك المتنطعون]-أي المتعمقون بالبحث والاستقصاء دون منهج ومثل أعلى- وكلما بَعُدَ العهد، ظهرت البدع وكثر التحريف الذي سمّوهُ تأويلًا ليُقبل منهم، وَقَلَّ من يهتدي للفرق بين التحريف والتأويل، وهنا راج الفساد. وقد بدأ التخلف في الأمة يوم أصغى بعض المسلمين إلى شبه المبطلين وخاضوا في الكلام المذموم الذي حذّر منه وعابه السلف ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به وبعلومه أو الإصغاء إليهِ امتثالًا لأمر ربهم جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فإن معنى الآية يشملهم.\nوإنما الواجب على الأمة وعلمائها وقادتها، العلم بما جاء به النبي - ﷺ - فهو كافٍ وكامل، ويدخلُ فيه كل حق ولا تنقصه حكمة ولا فائدة ولا وجه من وجوه الخير، وإنما وقع التقصير في كثير من المنتسبين إليه فلم يعلموا ما جاء بهِ وسول الله - ﷺ - في كثير من الأمور الغيبية وإلإيمانية، ولا في كثير من المسائل العبادية، ولا في كثير من مسائل الإمارة والحكم بالشريعة في مختلف الأحوال السياسية، ولم يخصصوا الوقت لذلكَ لفهم المنهج الذي حفظه الله في معرفة دلالات وتفاسير آياته القرآنية والنصوص النبوية، بل فُتِنوا بالأجنبي وفنونه كما فتنت الأمة اليوم بهِ، وأصبحت خجلة من دينها وأَصولها، يحاول أبناؤها تطعيم الإسلام وأصوله وأحكامه بمستجدات الواقع الفاسد وانحرافه يريدون ألا يشعروا بالغربة، ولسان حالهم يقول: إن الإسلام يتسع لكل الفنون ولكل ألوان الحضارة، وَلَيْتَهُم فرقوا بذلكَ بين ما يرضي الله وبين ما يسخطه، فإذا ظهر في الحياة ما يخدم الإسلام ومستقبله رحب به الشرع ما دام كان سبيله مشروعًا، وإذا ظهر من الصرعات و\"الموضات\" ما تخدم الشيطان وأهواء أتباعهِ أغلق الإسلام عليهِ بابه تعففًا وترفعًا، فإن الطهارة لا تشبه النجاسة.","vol":"1","page":46},{"text":"فعن أبي يوسف ﵀ أنه قال لبشر المريسي الفقيه المعتزلي المبتدع: (العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأسًا في الكلام قيل زنديق، أو رمي بالزندقة).\nوكان أبو يوسف ﵀ أيضًا يقول: (من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب).\nوقد صح الخبر عن الإمام الشافعي ﵀ أنه كان يقول: (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام).\nوقال: (لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلمًا يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى اللهُ عنه -ما خلا الشرك بالله- خيرٌ له من أن يبتلى بالكلام). وقال:\nكل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين\nالعلم ما كان فيهِ قال حدثنا ... وما سوى ذاكَ وسواس الشياطين\nوقال آخر:\nأيها المغتدي ليطلب علمًا ... كل علم عبدٌ لعلم الرسول\nتطلب الفرع كي تصحح أصلًا ... كيف أغفلت علم أصل الأصول\nوقال آخر:\nالعلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه\nما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الحديث وبين قول فقيه\nوقال آخر:\nوقدم أحاديث الرسول ونصّه ... على كل قول قد أتى بإزائه\nفإن جاء رأي للحديث معارض ... فللرأي فاطرح واسترح من عنائه\nفهل مع وجود البحر يكفي تيمم ... لمن ليس معذورًا لدى فقهائه\nوهل يوقِدُ الناس المصابيح للضيا ... إذا ما أتى ردء الضّحا بضيائه\nسلامي على أهل الحديث فإنهم ... مصابيح علم بل نجوم سمائه\nومن يكن الوحي المطهر عِلْمُهُ ... فلا ريب في توفيقه واهتدائه\n* * *","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>خصائص القرآن الكريم وفضائله</span>\nالقرآن الكريم هو آخر كتاب من الله تعالى إلى عباده، أنزلهُ على نبيِّه محمد - ﷺ - وحيًا، فيهِ ذكر صفات الله سبحانه ومحامده، وفيه خبر الخلق وخبر الأمم الماضية ونبأ الدار الآخرة، وفيه أحكام الشريعة وضوابط التقوى والفصل بين الحلال والحرام، فصلًا مجملًا مُبَيَّنًا تفسيرهُ وتفصيله في سنة النبي - ﷺ - وهديه وسيرته، وهو أكبر معجزة في الأرض إلى قيام الساعة.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-50>من صفاته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>١ - إنه يأتي يوم القيامة شافعًا لأهله يحاج عن صاحبه</span>.\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامةِ شفيعًا لأصحابه] (٢).\nوفي جامع الترمذي ومستدرك الحاكم بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تاجَ الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فَيُلْبس حُلَّةَ الكرامة، ثم يقول: يا رب ارضَ عنه، فيرضى عنه فيقول: اقرأ وارق ويُزاد بكل آية حسنة] (٣). وله شاهد عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: [يُقال -يعني لصاحب القرآن-: اقرَأ وارْقَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٩٨١) - كتاب التفسير، وأخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٩٢ - ٩٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢/ ١٩٧) - كتاب فضائل القرآن، وانظر مختصر صحيح مسلم- حديث رقم- (٢٠٩٥).\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٢٨) - أبواب فضائل القرآن. ورواه الحاكم بإسناد حسن. انظر تخريج الترغيب (٢/ ٢٠٧)، وصحيح الجامع الصغير (٧٨٨٦).","vol":"1","page":48},{"text":"وَرَتّلْ كما كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدنيا، فإن مَنْزِلتَكَ عِنْدَ آخر آيةٍ تقرأ بها] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٢ - القرآن شديد التفلّت فلا بد من تعاهده</span>.\nففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسُ محمدٍ بيدهِ لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلِها].\nوفي روايةٍ: [تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصيًا من قلوب الرجال من الإبل مِن عقلها] (٢).\nأي: تعاهدوه بالمحافظة على قراءته وتلاوته ومذاكرته، والعُقُل: جمع عقال، وهو حبل يشد به البعير في وسط الذراع.\nوللحديث طريق آخر عند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا:\n[تعلموا كتاب الله وتعاهدوهُ واقتنوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض في العقل] (٣).\nولهذا نصح ﵊ صاحب القرآن بملازمته، بالقيام به بالليل والنهار لئلا ينساه.\nفقد أخرج ابن نصر في \"قيام الليل\" بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه] (٤).\nوفي المسند للإمام أحمد، بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله - ﷺ - من قبلك: [أوصيكَ بتقوى الله تعالى فإنه رأسُ كل شيء، وعليكَ بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فإنه رَوْحُكَ في السماء، وذكركَ في الأرض] (٥).\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٩١٤) - أبواب فضائل القرآن. وانظر صحيح سنن الترمذي- حديث رقم- (٢٣٢٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١)، وأحمد (٤/ ٣٩٧)، (٤/ ٤١١).\nوأخرجهُ أبو يعلى (٧٣٠٥)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٩٢) والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٣٣٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجهُ أحمد في المسند (٤/ ١٤٦)، (٤/ ١٥٣)، وانظر مجمع الزوائد (٧/ ١٦٩).\n(٤) رجاله ثقات. أخرجهُ ابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٧٣). وانظر السلسلة الصحيحة (٥٩٧).\n(٥) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٨٢)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٥٥).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>٣ - القرآنُ خير ما تُغني به وحُسِّنَ له الصوت</span>.\nفإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا وجمالًا، ويزدادُ المستمع له تأثرًا، فيزدادُ القلبُ بذلكَ تعلقًا وخشية.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: [ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به] (١).\nأي: ما استمع الله لشيء من كلام الناس كما استمع لمن يتغنى بالقرآن، وهو إشارة إلى الرضى والقبول.\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁: [أن رسول الله - ﷺ - قال له: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود. فقال أبو موسى: لو علمت مكانكَ لحبَّرت لكَ تحبيرًا] (٢).\nوأصل الزمر الغناء، والمراد الصوت الحسن، وآل داود هو داود نفسه، وقوله: لحبَّرتُ: يريد تحسين الصوت وتحزينه.\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسنَ يزيدُ القرآن حُسْنًا] (٣).\nوكذلكَ روى أبو داود عن أبي لبابة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: [من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منا] (٤).\nوأخرج ابن ماجة والدارمي والطبراني بسند جيد عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموهُ يقرأ حسبتموه يخشى الله] (٥).\nوفي رواية: [الذي إذا سمعتهُ يقرأ رأيت أنه يخشى الله].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٢٣)، (٥٠٢٤)، (٧٥٤٤)، وأخرجه مسلم (٧٩٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧٩٣)، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن. وجواب لو الأولى محذوف، والتقدير: أي لأعجبك ذلك.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود (١٣٢٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٧٢).\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (١٣٢١)، (١٣٢٣). ورواه البخاري عن أبي هريرة بلفظ: [ليس منا من لم يتغنَ بالقرآن].\n(٥) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٣٣٩)، باب في حسن الصوت بالقرآن. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (١١٠١)، ورواه الدارمي والطبراني، انظر صحيح الجامع (٢١٩٨).","vol":"1","page":50},{"text":"وقد سالت دموع رسول الله - ﷺ - على خدَّيه الشريفين يوم طلب من ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ عليه قراءة عطرة ذرفت لها عيناه.\nففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [قال لي النبي - ﷺ -: اقرأ عليَّ القرآن، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليكَ وعليك أُنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعهُ من غيري. فقرت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناهُ تذرفان] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٤ - القرآن خير ما تعلَّم المسلم وعلَّم، وأجر ذلك أعلى الأجور</span>.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: [خرج رسول الله - ﷺ - ونحن في الصُّفَّة (٣)، فقال: أيُّكم يحبُّ أن يغدو كلَّ يوم إلى بُطحانَ أو العقيق فيأتي بناقتين كَوماوَين في غير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك. فقال: أفلا يغدو أحدُكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقة أو ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاث، وأربعٌ خير له من أربع، ومن أَعْدادِهنّ من الإبل] (٤).\nوفيه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أيحبُّ أحدُكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاثَ خَلِفاتٍ عظامٍ سمانٍ؟ قلنا: نعم. قال: فثلاثُ آياتٍ يقرأ بهن أحدكم في صلاتهِ خيرٌ لهُ من ثلاث خَلِفاتٍ عظامٍ سِمَانٍ] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٥ - القرآنُ مصدر الثروة في الأجر، ويرفع الله به ذكر القائم به العامل بمنهاجه</span>.\nففي جامع الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٨٠٠)، وأخرجه أحمد (١/ ٣٨٠).\n(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري (٥٠٢٧)، كتاب فضائل القرآن، وأخرجه أحمد (١/ ٤١٢)، وأبو داود (١/ ٢٢٦)، والترمذي (٢/ ١٤٩)، وابن ماجة (١/ ٩٢)، والدارمي (٢/ ٤٣٧).\n(٣) مكان مؤخر المسجد أُعِدَّ لنزول الغرباء فيه ممن لا مآوى لهُ ولا أهل.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٣)، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه. ورواه أحمد وأبو داود. انظر صحيح سنن أبي داود (١٣٠٩).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٢) - الباب السابق. والخلفات: الحوامل من النوق.","vol":"1","page":51},{"text":"[مَنْ قَرَأَ حرفًا من كتاب الله فَلَهُ به حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْر أَمثالِها، لا أقولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، ولكِنْ ألف حَرْفٌ، ولام حرفٌ، وميم حرفٌ] (١).\nوفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضَعُ به آخرين] (٢).\nوفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا حسد إلا على اثنين: رجُلٌ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا، فهو يُنفقُ منه آناء الليل وآناء النهار] (٣).\nوفيها عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّةِ، ريحُها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن مثلُ الرَّيْحَانَةِ، ريحها طيب وطعمها مُرٌّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مُرٌّ] (٤).\nوفي الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [الماهر بالقرآن مع السَّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه، وهو عليه شاق، له أجران] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٦ - القرآن سبب القوة في حياة المسلمين</span>.\nفهو سر العزة التي ملأت على المؤمنين حياتهم، وسرُّ الشجاعة التي يورثها القيام به في الليل في قلوبهم، وسِرُّ الخوف الذي يعتري عدوهم فيحسب لهم ألف حساب.\nفقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في أبواب فضائل القرآن. صحيح سنن الترمذي (٢٣٢٧). باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما لهُ من الأجر، ورواه الحاكم والبخاري في التاريخ.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨١٧)، كتاب صلاة المسافرين، وللحديث قصة مفيدة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ٤٩١)، ومسلم (٢/ ٢٠١)، وأحمد (٢/ ٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري (٥٠٢٠)، (٥٠٥٩)، ومسلم (٧٩٧)، وأحمد (٤/ ٤٠٣).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٧) ومسلم (٧٩٨) ح (٢٤٤). وأخرجهُ أبو داود (١٤٥٤)، والترمذي (٢٩٠٤)، والنسائي (٧٠)، وفي \"التفسير\" (٦٦٦)، وابن ماجة (٣٧٧٩)، ورواهُ أحمد (٦/ ٤٨). والتعتعة: التردد من حصر وعيّ.","vol":"1","page":52},{"text":"قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٧ - نزول القرآن على سبعة أحرف رحمة بجميع المسلمين</span>.\nفإن القرآن نزل مراعيًا لغات العرب ولهجاتهم رحمة بهم، وهذا من إعجاز هذا الكتاب. قال البخاري ﵀: (أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف). ثم روى عن عبيد الله بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عباس حَدَّثه: أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: [أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أُبيِّ بن كعب: [أنّ النبي -ﷺ- كان عِنْدَ أضاة (٣) بني غِفارٍ قال: فأتاهُ جبريلُ ﵇ فقال: إنَّ الله يأمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرآنَ عَلَى حَرْفٍ. فقال: أسأل الله معافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإِنَّ أمتي لا تُطيقُ ذلكَ. ثم أتاهُ الثانية فقال: إنَّ الله يأمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القرآن على حرفين. فقال: أسألُ الله معافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أمتي لا تُطيقُ ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال: إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القرآنَ على ثَلاثة أحرف. فقال: أسألُ اللهَ معافاتَهُ ومَغْفِرِتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة: فقال: إنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقَرَأَ أُمَّتُكَ القرآنَ عَلَى سَبعة أحرفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرؤوا عليهِ، فقد أصابوا] (٤).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي كعب قال: [لقي رسول -ﷺ- جبرئيل: فقال: يا جِبْرَئيلُ، إني بُعِثْتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيين، مِنْهم العجوز، والشيخُ الكبيرُ، والغلامُ، والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يقرأ كتابًا قطُّ، قال: يا محمدُ إِنَّ القرانَ أُنزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ] (٥).\nقال الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ١٨١ - ١٩١): (إنما كانت السَّعةُ للناس في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ١٦٥)، وعبد بن حميد في \"المنتخب من المسند\" (٥٨/ ١)، وابن نصر في \"قيام الليل\" (٧٤). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧١٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢١٩)، وكذلكَ (٤٩٩١). وأخرجه مسلم (٨١٩).\n(٣) الأضاة: غدير صغير، وقيل: هو مسيل الماء إلى الغدير، وهو موضع قريب من مكة فوق سرف.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٢١) - كتاب صلاة المسافرين، وأخرجه أبو داود (١٤٧٨)، والنسائي (٢/ ١٥٢)، وأحمد (٥/ ١٢٧ - ١٢٨)، وابن حبان (٧٣٨)، والطبري (٣٥ - ٣٦).\n(٥) حسن صحيح. أخرجهُ الترمذي (٢٩٤٤)، وأحمد (٥/ ١٣٢)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٨)، وابن حبان (٧٣٩). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٤٦).","vol":"1","page":53},{"text":"الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أُمِّيين لا يكتب إلا القليل منهم، فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحوَّل إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلكَ لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوُسِّعَ لهم في اختلاف الألفاظ إذ كان المعنى متفقًا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله -ﷺ-، فقدروا بذلكَ على تحفُّظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوا بخلافها).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٨ - تكريم الله تعالى والدي صاحب القرآن يوم القيامة بتعليم ولدهما القرآن</span>.\nفقد أخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [يجيء القرآنُ يومَ القيامةِ كالرجلِ الشاحب يقولُ لصاحبه: هل تعرفُني؟ أنا الذي كنتُ أُسْهِرُ ليلكَ، وأُظْمِيءُ هواجِرَكَ، وإِنّ كلّ تاجرٍ من وراء تجارته، وأنا لك اليومَ من وراء كلِّ تاجرٍ، فَيُعطى المُلْكَ بيمينه، والخُلْدَ بشمالهِ، ويوضع على رأسهِ تاجُ الوقار، ويكسى والداهُ حُلّتين لا تقوم لهم الدنيا وما فيها، فيقولان: ياربِّ! أنّى لنا هذا؟ فيقال: بتعليم ولدكما القرآن. وإنّ صاحب القرآن يقال لهُ يوم القيامة: اقْرأ وارقَ في الدرجات، ورتّلْ كما كُنْتَ تُرتلُ في الدنيا، فإنّ منزلكَ عندَ آخرِ آيةٍ معكَ] (١).\n* * *\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢/ ٥٣/ ١ - ٢/ ٥٨٩٤). وله شاهد في مصنف ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩٢ - ٤٩٣). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٨٢٩).","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>١ - سورة الفاتحة</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٧).\nوكلماتها (٢٥) كلمة، وحروفها (١١٣) حرفًا، ويقال لها فاتحة الكتاب، وبها تفتح القراءة في الصلوات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد في ذكر فضل هذه السورة العظيمة أحاديث من السنة الصحيحة العطرة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عن أبي سعيد بن المعَلَّى ﵁ قال: [كُنْتُ أُصَلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله -ﷺ- فلَمْ أُجِبْهُ، فقلتُ: يا رسول الله إني كنتُ أصلي، فقال ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ثم قال لي: لأُعَلِّمَنَّكَ سورة هي أعظمُ السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد. ثم أخذ بيدي، فلما أرادَ أن يخِرج، قلتُ له: ألم تقل: لأُعلمنكَ سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾: هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيتهُ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [انطلق نفر من أصحاب رسول الله -ﷺ- في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فَلُدِغَ سيد ذلكَ الحي، فسعوا له\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٧٤)، (٤٧٠٣)، وأحمد (٣/ ٢١١)، وأكثر أهل السنن.","vol":"1","page":55},{"text":"بكل شيء لا ينفعهُ، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعلهم عندهم بعض شيء، فأتوهم فقالوا: أيها الرهط! إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعهُ شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم، حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ فكأنما نشط من عقاله، فانطلق يمشي وما بهِ قَلَبَةٌ، فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، وقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي -ﷺ-، فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا، فقدموا على النبي -ﷺ- فذكروا له فقال: وما يُدريكَ أنها رُقْيَة؟ ثم قال: قد أصبْتُمْ اقْسِمُوا واضرِبوا لي معكم سهمًا]. ذكره في باب النفث بالرقية.\nوفي رواية له في باب الرُّقَى بفاتحة الكتاب، قال أبو سعيد: [.... فقالوا إنكم لم تَقْرُونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأمِّ القرآن ويجمعُ بُزاقهُ ويتفل فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي -ﷺ-، فسألوه فضحك وقال: وما أدراكَ أنَّها رُقيَة، خذوها واضرِبوا لي بِسَهْم].\nوفي رواية: [فأمر لهُ بثلاثين شاة وسقانا لبنًا].\nوذكره في باب الشرط في الرقية بِقطيع من الغنم، عن ابن عباس: [أن نفرًا من أصحاب النبي -ﷺ- مَرّوا بماء فيهم لديغٌ أو سليم، فعرضو، لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكما راق؟ إنِ في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ فبَرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله! أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله -ﷺ-: إنَّ أحقَّ ما أَخَذْتُمْ عليهِ أجرًا كِتابُ الله] (١).\nقلت: فيه دليل أن المعلوم لديهم أن أخذ المال على قراءة القرآن حرام في غير الرقية كما فهم الصحابة رضوان الله عليهم حيق قالوا لنبيهم -ﷺ-: (أخذ على كتاب الله أجرًا)، وبما سمعوا من كتاب الله تعالى قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، فليحذر الذين اتخذوا تلاوة القرآن صنعة لهم يلبون حاجات الناس إلى ذلك في المآتم والأحزان، ويشاركونهم جهلهم في الدين وفي تعاملهم مع كلام الله العظيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري في الروايات السابقة (٢٢٧٦)، (٥٠٠٧)، (٥٧٤٩)، وأخرجه مسلم (٢٢٠٢)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٠)، ورواه أهل السنن.","vol":"1","page":56},{"text":"وأما قوله في رواية أخرى: [.. فجاءت جاريةٌ، فقالت إن سيد الحي سليم وإن نفرنا غيب فهل منكم راق]، فإن العرب تقول للديغ سليمًا، يسمونه بذلكَ تفاؤلًا.\nالحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه في كتاب فضائل القرآن، عن ابن عباس ﵄ قال: [بينما جبريل قاعد عند النبي -ﷺ- سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قطُّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا مَلَكٌ نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشِر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيٌّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أُعْطِيْتَهُ] (١).\nوالمقصود: أي أعطيت ثوابهُ وأعطاكَ الله ما اشتمل عليهِ من الدعاء.\nالحديث الرابع: روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام]. فقيل لأبي هريرة إنا نكون خلف الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالِ الله: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدى ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل] (٢).\nالحديث الخامس: روى أحمد عن عبد الله بن جابر البياضي قال: [انتهيت إلى رسول الله -ﷺ- وقد اهراق الماء، فقلت: السلام عليكَ يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فقلتُ: السلامُ عليكَ يا رسول الله فلم يرد علي، قال: فقلتُ: السلامُ عليكَ يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فانطلق رسول الله -ﷺ- يمشي وأنا خلفه حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلستُ كئيبًا حزينًا، فخرج علي رسول الله -ﷺ- وقد تطهر فقال: عليكَ السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٦)، وأخرجه النسائي (٢/ ١٣٨)، والحاكم (١/ ٥٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجهُ مسلم في الصحيح (٣٩٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٠١٢)، (٨٠١٣).","vol":"1","page":57},{"text":"وعليك السلام ورحمة الله، ثم قال: ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخيرِ سورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: اقرأ الحمدُ لله رب العالمين حتى تختمها] (١).\nالحديث السادس: روى الترمذي عن أبي هريرةَ عن النبي -ﷺ- قال: [والذي نفسي يدهِ، ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها إنها السبع المثاني] (٢).\nالحديث السابع: روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن خارجةَ بن الصلت عن عمه قال: [أتيت النبي -ﷺ- فأسلمت، ثم رجعت فمررت على قوم، عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهلهُ: إنا حُدِّثنا أن صاحبك هذا قد جاء بخير، فهل عندكَ شيء تداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطوني مئة شاة، فأتيت النبي ﵊، فأخبرته، فقال: هَلْ إلَّا هذا؟ وفي رواية: هل قلتَ غيرَ هذا؟ قلت: لا، قال خُذْهَا فَلَعَمْري لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ باطل، لقد أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَق] (٣).\nوفي رواية أخرى لأبي داود وكلاهما في كتاب الطب قال: -يعني عم خارجة-: [أقبلنا على من عند النبي -ﷺ-، فأتينا على حي من العرب: عندكم دواء؟ فإن عندنا معتوهًا في القيود، جاؤوا بالمعتوه في القيود، فقرأت عليهِ فاتحة الكتاب ثلاثة أيام، غدوة وعشية أجمع بزاقي ثم أتفل. فكأنما نشط من عقال. فأعطوني جعلًا، فقلت: لا، فقالوا: سل النبي -ﷺ- فسألته فقال: كُلْ لَعَمْري مَنْ أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حقٍّ].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٧٧)، وإسناده حسن، وله شواهد.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٣٠٧)، وصحيح سنن أبي داود (١٢٩٣)، ومسند أحمد (٢/ ٤١٣).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٢٩٧)، (٣٢٩٨)، كتاب الطب، باب كيف الرقى؟","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>موضوع السورة</span>\nمنهاج الدين الحق\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-62> منهاج السورة</span>-\n١ - حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا.\n٢ - إثبات المعاد إلى الله وتسمية ذلكَ اليوم بيوم الدين.\n٣ - إرشاد الله عباده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل.\n٤ - توجيه الله تعالى عباده لسؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو دينه القويم، والثبات عليهِ حتى يقضي لهم بذلكَ إلى جواز الصراط يوم القيامة إلى جنات النعيم، آمنين فيها خالدين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.\n٥ - الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا من أهلها يوم الحساب، والتحذير من مسالك الشيطان ودروب أهل الباطل لئلا يحشروا تحت لواء أهلها أهل العقاب: المغضوب عليهم والضالين المستحقين للعذاب.\n٦ - إسناد الإنعام إلى الله سبحانه، والضلال والغضب إلى فاعليه، تأدبًا مع الله ﷻ، مع أن الكل من عند الله.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>تفسير الاستعاذة وحكمها</span>\nالاستعاذة: هي الالتجاء إلى الله تعالى والالتصاق بجنابه من شَرِّ كُلِّ ذي شَرّ، فهي استعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا الشيطان اللعين إلا بإذن الله.\nوالشيطان يشمل شيطان الإنس والجن، وسُمِّيَ بذلكَ لأنه مشتق من شَطَنَ إذا بَعُدَ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبفسقه عن كل خير.\nوقيل: من شاط لأنه مخلوق من نار، والأول أصح، وعليه يدل كلام العرب.\nوقال سيبويه: (العرب تقول، تَشَيْطَنَ فلان، إذا فَعَلَ فِعْلَ الشياطين، ولو كان من شاط لقالوا: تَشَيَّط). فالشيطان مشتق من البُعد على الصحيح، ولهذا يسمون كل من تمرَّد من جني أو إنسي أو حيوان شيطانًا.\nقال ابن جرير: (وشياطين كل شيءٍ مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي ذر ﵁: [أنَّ النبي -ﷺ- قال له: يا أبا ذر، تعَوَّذ بالله من شياطين الإنس والجن. فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: نعم] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضًا قال: [قال رسول الله -ﷺ-: \"يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود\". فقلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر؟ فقال: \"الكلب الأسود شيطان\"] (٢).\n_________\n(١) يرقى للحسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٧٨ - ١٧٩)، (٥/ ٢٦٥)، والنسائي في السنن (٨/ ٢٧٥). وله طرق مختلفة يقوى بها. وانظر تخريج أحاديث \"تفسير ابن كثير\"- المهدي- سورة الأنعام: (١١٢ - ١١٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥١٠)، وأبو داود (٧٠٢)، والترمذي (٣٣٨)، والنسائي (٢/ ٦٣)، وابن ماجة (٩٥٢)، وابن حبان (٢٣٨٥).","vol":"1","page":60},{"text":"ولكن ثمة فرق جوهري بين شياطين الإنس والجن، وهو أن شَيطان الجن شرير خبيث ماكر لا يقبل مجاملة ولا رشوة، في حين شيطان الإنس يمكن مدافعته بمجاملة وإحسان ورشوة، وقد أجاد الحافظ ابن كثير ﵀ في دقة وصفه لذلك حيث قال: (لذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومُداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل، لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقك، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠]. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨]. ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٩]. انتهى.\nوأما الرجيم فهو فعيل بِمَعنَى مفعُول، أي مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال جل ذكره في سورة (تبارك): ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>حكم الاستعاذة:</span>\nأ- الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة.\nإن الاستعاذة في الصلاة واجبة بعد الثناء على الله تعالى وقبل قراءة الفاتحة، فهي من واجبات الصلاة، لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. ولثبوت ذلكَ في صلاته -ﷺ- كما جاء في السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول الله -ﷺ- إذا قام من الليل كبّر ثم يقول: \"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك\" ثم يقول: \"لا إله إلا الله\" ثلاثًا، ثم يقول: \"الله","vol":"1","page":61},{"text":"أكبر كبيرًا\" ثلاثًا، \"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه\" ثم يقرأ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة في السنن -كتاب الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة، عن ابن مسعود: [عن النبي -ﷺ- قال: \"اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهَمْزِه ونَفخهِ ونفثه\". قال: هَمْزُهُ الموتَةُ، ونَفْثُهُ الشِّعْرُ، ونَفْخُهُ الكِبْرُ] (٢).\nويُسَنُّ الإسرار بالتعوذ في الصلاة، كما يُسَنُّ تكرار الاستعاذة قبل القراءة في كل ركعة، فمن اكتفى بالاستعاذة قبل القراءة في الركعة الأولى كفاه عن الصلاة كلها.\nويكفي قود: \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\"، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، فإن زاد: \"أعوذ بالله السميع العليم\" أحيانًا فقد وافق بذلك السنة.\nب- الاستعاذة عند القراءة خارج الصلاة.\nالاستعاذة للتلاوة خارج الصلاة واجبة كذلكَ لِعمومِ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وفيها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له وتهيّؤ لتلاوة كلام الله.\nوأما أثناء الاستشهاد ببعض آيات القرآن أثناء خطبة أو درس علم فما ثبت ذلكَ في المرفوع.\nوقد كان يتلو النبي -ﷺ- آيات دون الاستعاذة كما ثبت ذلك في السنة الصحيحة.\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي قال: [شهدتُ من رسول الله مَجْلِسًا وصفَ فيهِ الجنة، حتى انتهى، ثم قال -ﷺ- في آخِرِ حديثه: \"فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا على قلب بَشَرٍ خَطَرَ\" ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن عائشة زوجِ النبي -ﷺ- قالت: [لمَّا أُمِرَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي (٢/ ١٣٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٨٠٨). انظر صحيح ابن ماجة- حديث رقم- (٦٥٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح- حديث رقم- (٢٨٢٥)، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، من حديث سهل بن سعد الساعدي.","vol":"1","page":62},{"text":"رسولُ الله -ﷺ- بتخيير أزواجهِ بدأ بي فقال: \"إني ذاكرٌ لكِ أمرًا فلا عليكِ أن لا تَعْجَلي حتى تستأمري أبَوَيْكِ\"، قالت: وقد عَلِمَ أن أَبَوَيَّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله جلَّ ثناؤهُ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾] الحديث (١).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن النعمان بن بشير قال: [سمعت النبي -ﷺ- يقول: \"الدعاء هو العبادة\" ثم قال: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢).\nوالأحاديث في ذلكَ كثيرة سواء من فعله وكلامه -ﷺ-، أو من فعل أصحابه.\nج- الاستعاذة عند الغضب أو الوسوسة:\nوهي هنا مستحبة، وفي ذلكَ أحاديث من صحيح السنة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سُليمان بن صُرَدٍ قال: [كنْتُ جالسًا مع النبي -ﷺ- ورجلان يَسْتبَّانِ، فأحدُهما احمَرَّ وَجْهُهُ وانتفَخَت أوْدَاجُه. فقال النبي -ﷺ-: \"إني لأعلمُ كلمةً لو قالها ذهب عنه ما يجِدُ، لَوْ قال: أعوذُ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يَجِدُ\"] الحديث (٣).\nالحديث الثاني: أخرج النسائي في \"اليوم والليلة\" بسند حسن عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: [تلاحى رجلان عند النبي -ﷺ- فتَمَزَّع أنف أحدهما غضبًا، فقال رسول الله -ﷺ-: إني لأعلم شيئًا لو قاله لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] (٤).\nالحديث الثالث: خرّج الإمام مسلم في الصحيح عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي يلبسها علي! فقال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٨٦)، كتاب التفسير، سورة الأحزاب آية (٢٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في \"التفسير\"، وفي \"أبواب الدعوات\" بلفظ: ثم قرأ. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٩٠)، (٢٦٨٥). ورواه ابن ماجة في السنن (٣٨٢٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٨٢) - كتاب بدء الخلق. وكذلكَ (٦٠٤٨). وأخرجه مسلم (٢٦١٠)، وأبو داود (٤٧٨١)، ورواه ابن حبان (٥٦٩٢).\n(٤) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٣٩٣) بإسناد حسن متصل. وله شاهد عند أبي داود (٤٧٨٠) والترمذي (٣٤٥٢) من حديث معاذ بن جبل.","vol":"1","page":63},{"text":"رسول الله -ﷺ-: ذلكَ شيطان يُقال لهُ خِنْزَب، فإذا أحْسَسْته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا] (١).\nقال: (ففعلت ذلكَ فأذهبه الله تعالى عني).\nوالخلاصة: لا بد من الاستعاذة بالله من هذا الشيطان، ومعنى \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\": أي أستجير بجناب الله تعالى من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني، أو دنياي، أو يصدّني عن فعل ما أمرت به أو يحثني على فِعْلِ ما نُهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧/ ٢١)، كتاب الرقى، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٤٤٨).","vol":"1","page":64},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n١ - ٧. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ أَعْظَمِ سورة في القرآن، ورقية من السحر وشفاء للأبدان، تبدأ باسم الله الرحيم الرحمان، الذى له الحمدُ كله ووسعت رحمته جميع الأنام، وهو المالك كل شيء وله الأمر يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين، نفرده سبحانه بالعبادة نحن وجميع المؤمنين، وعليه نتوكل وبه نستعين، على طاعته ومدافعة الهوى والشهوات والشبهات وسبل الشياطين، والصبر على المحن والشدائد ومكر الطغاة المجرمين، ونسألهُ الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو دينهُ القويم، والثبات عليه حتى عبور الصراط يوم الزحام إلى جناتِ النعيم، صراط أهل الإيمان الذين أنعم الله عليهم برضوانه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير صراط المغضوب عليهم ولا الضالين، من الذين سخط الله عليهم وذمَّهم من أهل الكتابين، آمين اللهم آمين آمين.\nقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.- الباء باء الاستعانة،\nوهي -كما يقول النحويون- الداخلة على آلة الفعل نحو كتبت بالقلم، ونجرتُ بالقُدُّوم، ونحو قوله ﵊: \"لن يدخل الجنة أحد بعمله\". فالبسملة من ذلكَ، لأن الفعل لا يتأتى على الوجه الأكمل إلا بها،\nوالمتعلق بالباء في \"بسم الله\" عند النحاة على وجهين:\nأ- اسم: والتقدير: باسم الله ابتدائي، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١].","vol":"1","page":65},{"text":"ب- فعل: أمر أو خبر. نحو: أبدأ باسم لله، أفتتح باسم الله، وكقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١]. وكلا التقديرين صحيح.\nوالاسم في قوله: \"باسم\" مشتق مِنْ \"سَمَوَ\" أي من السُّمُو، وهو العلوّ والرفعة -في قول البصريين، أو مشتق من السِّمة وهي العلامة من \"وَسَمَ\" في قول الكوفيين، والراجح الأول، وفي تأويله ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: قيل \"اسم\" لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.\nالقول الثاني: قيل: بل لأن الاسم يسمو بالمسمّى فيرفعه عن غيره.\nالقول الثالث: قيل: إنما سُمِّيَ الاسم اسمًا لأنه علا بقوّته على قسمي الكلام: الحرف والفعل، والاسم أقوى منهما بالإجماع لأنه الأصل، فَلِعُلُوِّهِ عليهما سمي اسمًا.\nوأما المقصود هنا في الاسم في قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهو المسمى بعينه من غير تفصيل.\nفقولك: الله عالم، دالٌّ على الذات الموصوفة بكونه عالمًا. فالاسم كونه عالمًا وهو المسمى بعينه.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إن لله تسعة وتسعين اسمًا مئة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة] (١).\nلقد افتتح الصحابة كتاب الله بهذه الآية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، واتفق العلماء أنها بعض آية من سورة النمل، واختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو بعض آية من كل سورة، أو إنها آية من الفاتحة دون غيرها.\nوالراجح أنها آية من الفاتحة لثبوت ذلكَ عن النبي -ﷺ-.\nفقد أخرج الدارقطني والبيهقي والديلمي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا قرأتم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٦٧٧) - كتاب الذكر والدعاء. باب في أسماء الله تعالى، وفضل من أحصاها.","vol":"1","page":66},{"text":"الرَّحِيمِ﴾ إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحداها] (١).\nقال الشافعي: (هي آية في الفاتحة). واحتج بالحديث السابق.\nوأما قراءتها فواجبة، لكن استقر الأمر على عدم الجهر بها، وهذا أغلب فعله -ﷺ- وما تابعه به الخلفاء الراشدون -﵃- بعده. وتفصيل ذلكَ:\nأ- دليل وجوب قراءة البسملة:\nأخرج النسائي وابن خزيمة وابن حبان بإسناد صحيح من حديث نعيم المجمر قال: [صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ بأم القرآن] الحديث. وفي آخره قال: [والذي نفسي بيدهِ إني لأشبهكم صلاة برسول الله -ﷺ-.\nب- دليل الإسرار بها:\nلقد ثبت الإسرار بالبسملة للإمام قبل قراءة الفاتحة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن قتادة، عن أنس: [أنَّ النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾] (٢).\nالحديث الثاني: خرّجَ مسلم عن شُعبة قال: سمعتُ قتادة يُحَدِّثُ عن أنَسٍ قال: [صَلَّيْتُ مع رسول الله -ﷺ-، وأبي بكر، وعُمَرَ، وعثمانَ، فلمْ أسمَعْ أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣).\nوفي رواية: [فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، في أول قِراءةٍ، ولا في آخرها].\nالحديث الثالث: أخرج النسائي وابن حبان بسند صحيح عن أنس قال: [صَلَّيْتُ خلف رسول الله -ﷺ- وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا لا يجهرون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الدارقطني (١١٨)، والبيهقي (٢/ ٤٥)، والديلمي (١/ ١/ ٧٠)، وإسناده صحيح موقوفًا ومرفوعًا. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١١٨٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٤٣)، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٩٩) ح (٥٠) (٥٢)، كتاب الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة. وانظر مسند الطيالسي (١٩٧٥)، والطحاوي في المعاني (١/ ٢٠٢).","vol":"1","page":67},{"text":"بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾] (١).\nقال ابن القيم ﵀: (كان النبي -ﷺ- يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابهِ وأهل بلده في الأعصار الفاضلة).\nوالخلاصة: البسملة آية من الفاتحة وقراءتها واجبة، واستقر الأمر على الإسرار بها، وذهب إلى الإسرار بها من العلماء أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل. وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير من الصحابة.\nج- فضل البسملة:\nلقد ثبت فضل البسملة في أحاديث من السنة الصحيحة، ونَدَبَ الشرع إلى ذكرها في أول كل فعل، كالأكل والشرب والنحر، والجماع والطهارة وركوب البحر، وغير ذلك من المباحات أو أعمال البر. وتفصيل ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأصحاب السنن من حديث عمر بن أبي سلمة -أنّ النبي -ﷺ- قال له: [يا غلام! سَمِّ الله وكُلْ بيمينك وكلْ مما يليك] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وابن ماجة وابن حبان عن جُنْدُب قال: [صَلَّى النبي -ﷺ- يوم النَّحر ثم خطبَ، ثم ذبَحَ وقال: مَنْ ذبَحَ قبل أَنْ يُصَلِّي فَلْيَذْبح أخرى مكانها، ومَنْ لم يذبح فليذبَحْ باسم الله] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان وأهل السنن عن ابن عباس: يبْلُغُ بهِ النبي -ﷺ- قال: [لَوْ أنَّ أحدكُمْ إذا أتى أهلهُ قال: بسم الله، اللهم جَنبنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطانَ ما رزقتنا، فقُضِيَ بينهما ولد لم يضُرَّه] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٢/ ١٣٤)، وابن خزيمة (٤٩٥)، وابن حبان (١٧٩٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢)، وأبو داود (٣٧٧٧)، والترمذي (١٨٣٨)، والنسائي (٢٧٨)، وا بن ماجة (٣٢٧٦)، ومالك (٢/ ٩٣٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩٨٣) -كتاب العيدين-، وأخرجهُ كذلكَ برقم (٥٥٠٠)، وأخرجه مسلم (١٩٦٠)، وابن ماجة (٣١٥٢)، وابن حبان (٥٩١٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤١) -كتاب الوضوء- باب التسمية على كل حال وعند الوقاع -، وأخرجهُ كذلكَ برقم (٣٢٧١)، كتاب بدء الخلق، وكذلكَ برقم (٥١٦٥) -كتاب النكاح-، ورواه مسلم (١٤٣٤)، وأحمد (١/ ٢١٧)، وأبو داود (٢١٦١)، والترمذي (١٠٩٢)، والنسائي في=","vol":"1","page":68},{"text":"وفي رواية: [فرُزِقا ولدًا لَمْ يضره الشيطان]. وفي رواية: [ثم قُدِّرَ بينهما في ذلكَ أو قُضِيَ ولدٌ لم يَضُرَّهُ شيطانٌ أبدًا].\nالحديث الرابع: أخرج مسلم وأبو داود والحاكم من حديث حذيفة مرفوعًا: [إنَ الشيطان يَسْتَحِلّ الطعامَ أنْ لا يُذكرَ اسمُ الله عليه] (١).\nالحديث الخامس: روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إذا كانَ جُنْحُ الليل -أو أَمْسَيْتُمْ- فكُفُّوا صبيانكُمْ، فإنَ الشيطانَ يَنْتَشِرُ حِينئذٍ، فإذا ذهبَ ساعةٌ من الليل فَخَلُّوهُمْ، وأغلقوا الأبوابَ، واذكروا اسم الله، فإن الشيطانَ لا يفتحُ بابًا مُغلقًا، وأوكُوا قِرَبَكُمْ، واذكروا اسمَ الله، وخَمِّرُوا آنِيَتكُمْ، واذكروا اسم الله، ولو أَنْ تَعْرُضوا عليها شيئًا، وأَطْفِئُوا مصابيحَكُمْ] (٢).\nالحديث السادس: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن علي مرفوعًا: [سِتْرُ ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دَخَلَ الكَنيف أن يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾] (٣).\nالحديث السابع: أخرج مسلم ومالك وأبو داود والترمذي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: [أنَّهُ شكا إلى رسول الله -ﷺ- وَجَعًا، يَجِدُهُ في جَسَدِهِ مُنْذُ أسْلمَ، فقال له رسول الله -ﷺ-: \"ضَعْ يدكَ على الذي يأْلَمُ -وفي رواية: الذي تألَمَ- من جَسَدِكَ، وقلْ: باسم الله، ثلاثًا، وقُلْ، سَبْعَ مَرَّات: أعوذُ بعزة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر] (٤).\nوأما قوله: ﴿اللَّهِ﴾ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وغيرها، فهو اسم جامد لا اشتقاق له، ولا يُسَمَّى بهِ غيره.\nقال القرطبي: (قوله: ﴿اللَّهِ﴾ هذا الاسم أكبر أسمائهِ سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسمّ بهِ غيرهُ، ولذلكَ لم يثَن ولم يُجْمَع، وهو\n_________\n= \"اليوم والليلة\" (٢٦٦)، وابن ماجة (١٩١٩)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٣٩٤).\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠١٧) -كتاب الأشربة-، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، وأخرجه أبو داود (٣٧٦٦)، والحاكم (٤/ ١٠٨)، وللحديث قصة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠١٢) ح (٩٦) (٩٧) -كتاب الأشربة- من حديث جابر.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٦٠٦)، وابن ماجة (٢٩٧)، كلاهما من حديث علي.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٢٠٢)، كتاب السلام، ومالك (٢/ ٩٤٢)، وأبو داود (٣٨٩١)، والترمذي (٢٠٨٠)، ورواه ابن حبان (٢٩٦٤).","vol":"1","page":69},{"text":"أحد تأويلي قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي من تَسَمَّى باسمه الذي هو ﴿اللَّهِ﴾. فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهيّة، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سبحانه).\nوالرحمن الرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمان أشد مبالغة من رحيم، قيل لعمومها في الدارين، وأما الرحيم فخاصة بالمؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وكما قال جل ذكره: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥].\nوقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ثناء من الله على نفسه، ويحبه من عَبْدِهِ. قال ابن عباس: (الحمدُ لله كلمة كل شاكر).\nأخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن أبي أمامة عن النبي -ﷺ- قال: [ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً، فَحَمِدَ الله عليها، إلا كانَ ذلكَ الحمدُ أفضلَ من تلكَ النعمة] (١).\nوله شاهد عند ابن ماجة بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمدُ لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢).\nوفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: [قلت: يا رسول الله، ألا أنشدكَ محامدَ حَمدتُ بها ربي، ﵎؟ فقال: أما إن ربك يحب الحمد] (٣).\nوأما ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فهي أفضل الذكر:\nففي جامع الترمذي وسنن ابن ماجة بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: [أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمدُ لله] (٤).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" بسند حسن من حديث أبي أمامة. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٥٤٣٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٨٠٥) -كتاب الأدب- باب فضل الحامدين، وانظر: صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٣٠٦٧).\n(٣) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٧٧٤٥)، وأحمد (٣/ ٤٣٥)، ورجاله ثقات، وقد صرّحَ الحسن بالتحديث في \"مراسيل ابن أبي حاتم\" ص (٤٠).\n(٤) حديث حسن. أخرجهُ الترمذي (٣٣٨٣)، وابن ماجة (٣٨٠٠)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٨٣١)، وأخرجه ابن حبان (٨٤٦) بإسناد حسن، رجاله ثقات.","vol":"1","page":70},{"text":"وقد حَلّقَ ابن جرير ﵀ في ذكر آفاق النعم التي أحاط الله عبده بها، فقال في تفسيره لـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾: (معنى الحمد لله: الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم، التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلكَ عليه، ومع ما نبَّههُم عليه ودعاهم إليه، مِنَ الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلكَ كله أولًا وآخرًا).\nوالرب هو المالك المتصرف، ولغة هو السيد، ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة، كقولهم: (ربّ الدار، رب البيت)، ﴿الْعَالمِينَ﴾ جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله.\nقال سعيد بن جبير: (رب الجن والإنس).\nوقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. مَدْحٌ من الله لنفسه. قال القرطبي: (إنما وصَفَ نَفْسَهُ بالرحمن الرحيم بعد قوله رب العالمين، ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالرب فيه ترهيب والرحمن فيه ترغيب).\nروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد] (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. تمجيد من الله لنفسه ويحبه من عَبْدِهِ.\nوقرأها بعض القراء: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وكلاهما متواتر مشهور.\nفقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن أم سلمة قالت: [كان رسول الله -ﷺﷺ- يُقَطِّعُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٦٩)، وأخرجه مسلم (٢٧٥٥)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٣٤).","vol":"1","page":71},{"text":"قِراءته يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف، وكان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] (١).\nقال الحافظ ابن كثير في التفسير: (وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلكَ عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يَدَّعي أحد هناكَ شيئًا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه).\nوذلكَ كقوله سبحانه في سورة (هود): ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: [يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول أنا الملك، أين ملوك الأرض]. وفي رواية: [أين الجبارون أين المتكبرون؟] (٢).\nوالدين هو الجزاء والحساب، كقوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. وكقوله في سورة (النور): ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. العبادة لغة من الذلة، وطريق معبد أي مذلل، وهي شرعًا ما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.\nقال ابن عباس: (يعني إياكَ نوحد ونخافُ ونرجوكَ يا ربنا لا غيرك، وإياكَ نستعين على طاعتكَ وعلى أمورنا كلها).\nويبدو أنا سرَّ الفاتحة هذه الآية، فهي قسمان: الأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من القوة، فهى تجمع أصل الدين، سلامة التوجه والقصد وكمال الطاعة والخضوع، وهذا هو الإسلام: كفر بالطاغوت وإيمان بالله العظيم.\nقال ابن كثير: (وقُدِّم المفعول وهو إياك وكُرِّر للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكلُ إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدينُ كله يرجع إلى هذين المعنيين. قال: وتحوَّلَ الكلامُ من الغَيْبَةِ إلى المواجهةِ بكاف الخطاب، وهو مناسبة، لأنه لما أثنى على الله فكأنما اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nقال العلامة ابن القيم ﵀: (والتحقق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الترمذي -حديث رقم- (٢٣٣٦)، أبواب القراءات عن رسول الله -ﷺ-.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٢)، وأخرجهُ مسلم (٢٧٨٧)، ورواه ابن ماجة (١٩٢).","vol":"1","page":72},{"text":"علمًا ومعرفة، وعملًا وحالًا: يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد. فإن فساد القصد يتعلق بالغايات والوسائل. فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية، وتوسل إليها بأنواع الوسائل الموصلة إليها، كان كلا نوعي قصده فاسدًا. وهذا شأن كل من كان غاية مطلوبهِ غير الله وعبوديته: من المشركين، ومتبعي الشهوات، الذين لا غاية لهم وراءها، وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رياستهم بأي طريق كان من حق أو باطل. فإذا جاء الحق معارضًا في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم. فإن عجزوا عن ذلكَ دفعوه دفع الصائل. فإن عجزوا عن ذلكَ حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق أخرى، وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان وعزله عن التصرف والحكم والتنفيذ، وإن جاء الحق ناصرًا لهم، وكان لهم صالوا به وجالوا، وأتوا إليهِ مذعنين، لا لأنه حق، بل لموافقته غرضهم وأهواءهم وانتصارهم به ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\nوالمقصود: أن قصد هؤلاء فاسد في غاياتهم ووسائلهم، وهؤلاء إذا بطلت الغايات التي طلبوها، واضمحلت وفنيت، حصلوا على أعظم الخسران والحسرات. وهم أعظم الناس ندامة وتحسرًا، إذا حقَّ الحق وبطل الباطل، وتقطعت بهم أسباب الوصل التي كانت بينهم وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة، وهذا يظهر كثيرًا في الدنيا، ويظهرُ أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوم على الله. ويشتدُ ظهورهُ وتحققه في البرزخ. وينكشف كل الانكشاف يوم اللقاء، إذا حقت الحقائق، وفاز المحقون وخسر المبطلون، وعلموا أنهم كانوا كاذبين، وكانوا مخدوعين مغرورين، فيا لهُ هناك من علم لا ينفع عالمه، ويقين لا ينجي مستيقنه، وكذلكَ من طلب الغاية العليا والمطلب الأسمى، ولكن لم يتوسل إليه بالوسيلة الموصلة له وإليه، بل توسل إليه بوسيلة ظنها موصلة إليه، وهي من أعظم القواطع عنه، فحاله أيضًا كحال هذا. وكِلاهما فاسد القصد، ولا شفاء من هذا المرض إلا بدواء ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nفإن هذا الدواء مركب من ستة أجزاء:\n١ - عبودية الله لا غيره.\n٢ - بأمره وشرعه.\n٣ - لا بالهوى.","vol":"1","page":73},{"text":"٤ - ولا بآراء الرجال وأوضاعهم، ورسومهم وأفكارهم.\n٥ - بالاستعانة على عبوديته به.\n٦ - لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره.\nفهذه هي أجزاء ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإذا ركبها الطبيب اللطيف، العالم بالمرض، واستعملها المريض، حصل بها الشفاء التام. وما نقص من الشفاء فهو لِفوْتِ جزء من أجزائها أو اثنين أو أكثر.\nثم إن العبد يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد. وهما الرياء والكبر. فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ودواء الكبر بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nقال: وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء.\nفإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ عوفي من أمراضهِ وأسقامه، ورَفَلَ في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه و﴿الضَّالِّينَ﴾ وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه.\nوحقَّ لسورة تشتمل على هذين الشفاءين: أن يُسْتَشْفى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى، ... فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله كلامه، وفهمت عنه فهمًا خاصًّا، اختصها به، من معاني هذه السورة).\nثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ورقيته اللديغ بالفاتحة وما حصل بها من الشفاء ثم قال: (فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه. فأغنته عن الدواء. وربما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدواء. هذا مع كونِ المحل غير قابل، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين، أو أهل بخل ولؤم، فكيف إذا كان المحل قابلًا). انتهى.\nقلت: فمن أقام منهج ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فلا سبيل للجن بالدخول إليه، والحياة معهُ، أو مسه بشِرٍّ أو إيذاء، فإن مردة الجن لا تستطيع النفوذ","vol":"1","page":74},{"text":"إلى من حقق العبودية لله وكان ممن يستعين بالله بصدق على كبح وساوس النفس والشيطان، لئلا يفسد تفلتها عليه حياته ودينه.\nوكان شيخ الإسلام يقول: (تأملت أنفع الدعاء: فإذا هو سؤال العون على مرضاته.\nثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nوالنون في ﴿نَعْبُدُ﴾ تخبر عن جِنْسِ العباد، والمصلي واحد منهم. وقيل: للتعظيم، لأن العبد داخل العبادة شرفه عظيم وجاهه عريض.\nوقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. هذه هي هداية التوفيق والإلهام.\nوقد فسر الآية ابن عباس بقوله: (ذلكَ الإسلام). وفسَّرها مجاهد فقال: (هو الحق). وفسرها أبو العالية فقال: (هو النبي -ﷺ- وصاحباه من بعده).\nوقد كرر سؤال الهداية مع أن قائلًا قد يقول هي حاصلة! والتحقيق في ذلك أن العبد بحاجة إلى الثبات والاستمرار على الحق في كل لحظة من لحظات عمره، ولو حصل له غفلة لَهَمَّ بهِ الشيطان لِينتهزَ فرصة ليفسدَ عليه يقينه وهدايته، فلولا احتياجهُ إلى سؤال الهداية ليلًا ونَهارًا لما أرشدهُ إليها سبحانه. وهذا المعنى متضمن في سؤال المؤمنين ربهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. وبقوله في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ...﴾.\nوقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، صراطَ بدل. قال ابن عباس: (صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين، وذلكَ نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾).\nوقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾. قال الحافظ ابن كثير: (وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنْعمت، والمعنئ: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمتَ عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم وهم أهل الهداية والاستقامة .. غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، ثم قال: وأكَّد الكلام بلا، ليدل على أن ثمَّ مَسْلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى، ليجتَنبَ كل واحد منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على","vol":"1","page":75},{"text":"العلم بالحق والعمل بهِ، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضبُ لليهود، والضلال للنصارى).\nيروي الترمذي بِسند صحيح عن عدي بن حاتم عن النبي -ﷺ- قال: [اليهودُ مغضوبٌ عليهم والنصارى ضلال] (١).\nوفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة ﵂: [أن رسول الله -ﷺ- ذكرت عنده اليهود فقال: إنّهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين] (٢). ومعنى \"آمين\": اللهم استجب.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [إذا أمّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافقَ تأمينُه تأمين الملائكة غفرَ له ما تقدمَ من ذنبه] (٣).\nتم تفسير سورة الفاتحة\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٩٥٣)، ومسند أحمد (٤/ ٣٧٨)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٨٠٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ١٣٥)، وابن ماجة (٨٥٦)، وصححه ابن خزيمة (١٥٨٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٨٢)، و(٤٤٧٥)، وأخرجه مسلم (٤٠٩)، ومالك (١/ ٨٧).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الاستعاذة واجبة لتلاوة القرآن في الصلاة وخارجها.\n٢ - الفاتحة أعظم سورة في القرآن، ورقية من السحر وشفاء للأبدان.\n٣ - الفاتحة هي أمّ القرآن، وأم الكتاب، وهيَ السبعُ المثاني- لأنها تثنى في الصلاةِ فتقرأ في كل ركعة.\n٤ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من آيات الفاتحة، وقراءتها في الصلاة واجبة.\n٥ - استقرار الأمر في عهد النبي -ﷺ- على الإسرار بالبسملة في الصلاة.\n٦ - ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أفضل الذكر، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أفضل الدعاء.\n٧ - توحيد الربوبية يقتضي توحيد الألوهية، فالرب المالك هو الإله المعبود.\n٨ - الجمع في السورة بين الترهيب والترغيب. فقوله: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ فيه ترهيب، وقوله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيه ترغيب.\n٩ - ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هي سرّ الفاتحة وأصل هذا الدين.\n١٠ - تكرار سؤال الهداية في كل ركعة من كل صلاة إنما هو للثبات على الحق واليقين، والتغلب على الغفلة والهوى وهمزات الشياطين.\n١١ - الإنعامُ يالطاعة على العبد إنما هو فضل من الله، والضلال والضياع إنما هو من عقوبات الله.\n١٢ - اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال.\n١٣ - تأمين المأمومين إنما هو بعد تأمين الإمام.\n١٤ - من وافق تأمينهُ تأمين الملائكة غفر لهُ ما تقدم من ذنبه.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>٢ - سورة البقرة</span>\nهذه السورة العظيمة مدنية كلها بلا خلاف، وهي من أوائِل ما نزل في المدينة. وقيل: إن قوله جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ هو آخر ما نزل من القرآن وذلك قبل وفاته ﵊ بأيام. وكذلك آيات الربا هي من آخر ما نزل.\nقال بعضهم: وهي -أي سورة البقرة- مشتملة على ألف خبر وألف أمر وألف نهي. وقيل إنها مكونة من (٢٥٥٠٠) حرفًا موزعة على (٦٢٢١) كلمة، في (٢٨٧) آية.\nأخرج الشيخان عن ابن مسعود ﵁: [أنه رمى الجمرة من بطن الوادي فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام من أنزلت عليه سورة البقرة] (١).\nقال ابن عباس ﵄: (نزلت بالمدينة سورة البقرة) - ذكره ابن جرير.\nولقد اشتملت هذه السورة العظيمة على أبواب كثيرة من الخير، وجمعت من العلم الشيء الوفير، وثبت في الصحيحين أنه قرأ بها صلوات الله وسلامه عليه وبسورتي آل عمران والنساء في ركعة واحدة من الليل.\nففي صحيح الإمام مسلم عن حذيفة ﵁ قال: [صليت مع النبي -ﷺ- ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركعُ عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة\n_________\n(١) متفق عليه. انظر مختصر صحيح البخاري (٨١٢)، كتاب الحج. وأخرجه مسلم (١٢٩٦) في الحج. وخص سورة البقرة بالذكر لاْن معظم أحكام الحج مذكورة فيها.","vol":"1","page":78},{"text":"فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. ثم قام قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه] (١).\nفضائلها وما ورد في ذكرها:\nلقد ورد في فضل هذه السورة الكريمة أحاديث كثيرة:\nالحديث الأول: يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [لا تجعلوا بيوتكم مقابرَ. إن الشيطان يَنْفِرُ من البيت الذي يُقرَأُ فيه سورة البقرة] (٢). وفي رواية: [لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان].\nوله شاهد رواه الحاكم والدارمي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا ومرفوعًا، ولفظه: [إن لكل شيء سنامًا، وسنام القرآن سورة البقرة، وإن الشيطان إذا سمع سورة البقرة تقرأ خرج من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة] وسنده صحيح (٣).\nزاد الدارمي في رواية: (وإن لكل شيء لبابًا، وإن لباب القرآن المفصل).\nقلت: ولعمرو الله كم يحتاج المسلمون اليوم إلى أن يتوقفوا عند هذا النص العظيم، الذي يخبرهم به الوحي الكريم، عن سبب طرد الشياطين من بيوتهم ومنعهم من دخولها، ألا وهو التزامهم بقراءة سورة البقرة وتدبرها والعمل على تعظيم أحكامها، إذ يقتضي مقامها إخراج المنكرات من البيوت وعدم النظر إلى العورات أو السهر عليها، فإذا فعلوا ذلك أبطل الله سحر السحرة وفتنة المودة الذين يهمون وينشطون حَيْث المخالفات الشرعية.\nالحديث الثاني: يروي الشيخان واللفظ للإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري، أنّ أُسَيد بن حُضير قال: [بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عندَه، إذْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٧٧٢) -كتاب صلاة المسافرين. باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧٨٠)، وانظر سنن الترمذي (٢٨٧٧).\n(٣) حديث صحيح. انظر سنن الدارمي (٢/ ٤٤٨)، وما بعده من الزيادة موقوف على ابن مسعود.","vol":"1","page":79},{"text":"جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبَه، ولما أخّرَه رفع رأسه إلى السماء فإذا مثلُ الظلة، فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدّث النبي -ﷺ- فقال:\nاقرأ يا ابن حُضير! اقرأ يا ابن حُضير. قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى (وفي لفظ: قد أشفقت يا رسول الله على يحيى) وكان منها قريبًا، فانصرفت إليه، ورفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظُّلّةِ، فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها. قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا. قال: تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك، ولو قرأت لأصبحتْ ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم] (١).\nوفي لفظ للإمام مسلم: (عَرَجَتْ في الجو، بدل: فخرجت على صيغة المتكلم) (٢).\nوفي رواية للإمام أحمد: (اقرأ فلان فإنها السكينة نزلت للقرآن أو عند القرآن).\nفلقد نزلت الملائكة لسماع سورة البقرة يقرؤها بعض الأصحاب في جوف الليل حتى دنت بحيث لم تستطع الدابة تحمل نورها، فهاجت ثم سكنت ثم هاجت ثم سكَنت إذ ارتفعت.\nالحديث الثالث: يروي الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، واللفظ له، عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران، وضرب لهما رسول الله -ﷺ- ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شَرْقٌ أو كأنهما فِرْقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما] (٣).\nشَرْقٌ: أي ضوء ونور. والفِرْق: طائر، أي طائفتان من الطير.\nوله شاهد في صحيح الإمام مسلم أيضًا من حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [اقرؤوا القرآن فإبه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فِرقان من طير\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٠١٨) تعليقًا، وهو موصول صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٩٦)، وانظر مسند أحمد (٣/ ٨١) للرواية بعده.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٨٠٥)، ورواه أحمد (٤/ ١٨٣).","vol":"1","page":80},{"text":"صوافَّ تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة] (١).\nالغيايتان: ما يكون أدون منهما بالكثافة وأقرب إلى رأس صاحبهما، فالغياية ما أظلك من فوقك. وقوله: \"صَواف\" أي مصطفة متضامنة. والبطلة: السحرة. أي لا تستطيع التأثير على صاحبها. وقيل: لا تستطيع حفظها.\nالحديث الرابع: يروي الترمذي والنسائي والحاكم بسند صحيح عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [إن الله تعالى كتب كتابًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، وهو عند العرش، وإنه أنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها الشيطان] (٢).\nوأصل معناه في الصحيحين عن أبي مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: [الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [بينما جبريل ﵇ قاعد عند النبي -ﷺ- سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملكٌ نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلَّم، فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته] (٤).\nالحديث السادس: أخرج النسائي والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة ﵁ قال: [بعث رسول الله -ﷺ- بعثًا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًا فقال: ما معك يا فلان؟ فقال معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال: اذهب فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها. فقال رسول الله -ﷺ-: تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٤)، وأحمد (٥/ ٢٤٩ - ٢٥٤)، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٨٨٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٨٠٢)، وله شواهد.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٥٠٠٩)، وصحيح مسلم (٨٠٧)، ومسند أحمد (٤/ ١٢١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٦)، وأخرجه النسائي (٢/ ١٣٨)، وأخرجه ابن حبان (٧٧٨)، والحاكم (١/ ٥٥٨)، وهو نصٌّ أيضًا في فضل سورة الفاتحة.","vol":"1","page":81},{"text":"فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومَثَلُ مَنْ تعلَّمَهُ فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أُوكِي على مِسْك] (١). أوكي: أي ربط.\nوعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: (هي السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>موضوع السورة</span>\nبيان صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين، وقصة البقرة وذم الفلسفة والتنطع في الدين، وتفصيل بديع لشرائع وأحكام هذا الدين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-68> منهاج السورة</span>-\n١ - تعظيم كتاب الله تعالى، فكله هدى، وهو نور للمتقين.\n٢ - الإيمان بالغيب أول صفات المؤمنين، ثم يتبعه إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.\n٣ - وجوب الإيمان بالكتب السماوية جميعها وبمن نزلت عليهم.\n٤ - ذكر جزاء الكفار والمنافقين وصفاتهم، بعد ذكر صفات المؤمنين وفلاحهم.\n٥ - المنافقون أصحاب وجهين: يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.\n٦ - التهاون بإدخال مرض النفاق إلى القلب يزيد الله قلب صاحبه مرضًا.\n٧ - المنافق يراوغ ويتستر ويدعي الإصلاح إذا نهيته عن نفاقه.\n٨ - المنافقون يدّعون الإيمان عند المؤمنين، ويعتذرون لرؤسائهم بأنهم يسخرون.\n٩ - المنافقون ربحوا الخسارة، إذ اشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى.\n١٠ - المنافقون يعرفون الحق، ويرتكسون في الكفر متحيرين.\n١١ - يا أيها الناس: إن الذي خلقكم ورزقكم هو المستحق للإفراد بالعبادة والتعظيم.\n١٢ - تحدي الله الثقلين، أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، فإن عجزوا فليحذروا نار الجحيم التي أعدت للكافرين.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٨٧٦)، وابن ماجة (٢١٧)، وصححه ابن حبان (٢١٢٦)، وابن خزيمة (١٥٠٩)، وحسنه الترمذي.","vol":"1","page":82},{"text":"١٣ - بشارة الله تعالى للمؤمنين العاملين، بالجنة وما فيها من النعيم المقيم.\n١٤ - البعوضة خلقها الله ووظائفها، وهو لا يستنكف أن يضرب المثل بها.\n١٥ - الأرض خلقها الله ومهدّها، ثم خلق السماوات السبع بأرجائها، واستوى على العرش فوقها.\n١٦ - مفهوم الخلافة والاستخلاف في الأرض.\n١٧ - فهم الملائكة أن بعض ذرية آدم ستفسد في الأرض وتسفك الدماء، وتعليم الله تعالى آدم أسماء الأشياء.\n١٨ - أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، فسجدوا جميعًا إلا إبليس استكبر فأثم.\n١٩ - خَلْقُ الله حواء من آدم، ونَهْيُهما عن الأكل من شجرة معينة في الجنة، وضعفهما أمام غواية إبليس، وأمر الله لهم بالهبوط إلى الأرض.\n٢٠ - توسُّل آدم إلى الله بالاعتراف بالذنب، وطلب المغفرة، وعفو الله عنه.\n٢١ - إخبار الله تعالى أنه سيبعث الأنبياء وينزل الكتب، فمن اتبع الرسل أصاب ونجا، ومن خالفهم ضل وهلك.\n٢٢ - تذكير الله بني إسرائيل بنعمه عليهم، وحثّه لهم على التمسك بالحق وعدم لبسه بالباطل، وألا يقولوا ما لا يفعلون.\n٢٣ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة من أكبر العون في الثبات على الأمر.\n٢٤ - لا شفاعة ولا فدية للكافرين في دار القرار، ولا نجاة لهم من بأس الله وعذاب النار.\n٢٥ - امتنان الله على اليهود بإنجائهم من إذلال فرعون لهم، ثم بعفوه عنهم بعد عبادتهم العجل، وتوبتهم بقتل بعضهم بعضًا، ثم بتفضله عليهم أثناء التيه بالمن والسلوى.\n٢٦ - تبديل اليهود شكر نعم الله عليهم بالاستهزاء، ليستحقوا بذلك الرجز والعذاب والبلاء.\n٢٧ - ما آمن بنو إسرائيل حتى كاد الجبل يسقط عليهم، والعاصون مسخوا قردة وخنازير.\n٢٨ - تشديد بني إسرائيل على أنفسهم حتى شدّد الله عليهم، وأداهم عنادهم وجدلهم لشراء بقرة بملءِ جلدها ذهبًا.","vol":"1","page":83},{"text":"٢٩ - إحياء القتيل ببعض أجزاء البقرة تنبيه وحجة لله على المعاد.\n٣٠ - الحجارة ألين من قلوب بني إسرائيل لتكذيبهم بالحق بعد رؤيته.\n٣١ - استحقاق اليهود اللعن من الله نتيجةَ تحريف الحكم عن مواضعه وهم يعلمون، وقد كانوا يستفتحون بمحمد -ﷺ- فيحدثون عنه العرب، فلما أظهره الله من العرب جحدوه وكذبوه.\n٣٢ - زَعْمُ اليهود أن النار لا تمسهم إلا مدة عبادتهم العجل، وإعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم، ثم نقضه ابتغاء عرض الدنيا.\n٣٣ - تَعامُل اليهود مع أنبيائهم بالتكذيب والقتل، فقلوبهم غلف قد طبعت على الكفر، فلقد حرفوا التوراة وكفروا بمحمد، وباؤوا بغضب على غضب، والقرآن يتحدى ادعاءهم الإيمان، بقتلهم الأنبياء والصالحين وأهل العلم والإحسان.\n٣٤ - اليهود كتموا ما في التوراة من البشارة ببعثة محمد ﵊، بل تركوا التوراة وأقبلوا على تعلم السحر واتهموا به سليمان ﵇، وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر، ويفرقون بين المرء وزوجه، وما أنزل الله السحر على الملكين وحاشا لله أن يأمر الملكين بتعليم الناس السحر.\n٣٥ - الأمرُ بالعفو والصفح أول الأمر، وذمّ قريش بمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.\n٣٦ - نسخ استقبال بيت المقدس في الصلاة، والأمر باستقبال الكعبة.\n٣٧ - تشابه قلوب المشركين وأهل الكتاب بسؤالهم ما لا حاجة لهم به.\n٣٨ - الثناء على إبراهيم -ﷺ-، وأنه كان حنيفًا مسلمًا، لا يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وأمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من الشرك والأصنام، وذكر قصة هاجر وابنها إسماعيل.\n٣٩ - تعليم جبرائيل إبراهيم -﵉- مناسك الحج جميعًا.\n٤٠ - الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان، واليهود كتموا شهادة التوراة بنبوةِ محمد وأن الدين عند الله الإسلام.\n٤١ - الثناء على أمة محمد أمته الوسط في العالمين، وهي أمة الشهادة على الناس يوم الدين.\n٤٢ - الأمر باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض في الصلاة.","vol":"1","page":84},{"text":"٤٣ - تكاتم علماء أهل الكتاب علمهم بصحة رسالة محمد -ﷺ- ونبوته.\n٤٤ - أَمْرُ الله المؤمنين بمقابلة نعمته عليهم بالإسلام، بالشكر له والطاعة والإحسان، والثناء على المسترجعين عند حلول المصائب والآلام.\n٤٥ - تأكيد ركنية السعي بين الصفا والمروة في الحج.\n٤٦ - كتم أهل الكتاب صفة محمد -ﷺ- في كتبهم جوزوا به لعن كل لاعن.\n٤٧ - المخلوقات تدل على الخالق، والمُنْعم المتفضل هو المستحق للشكر والعبادة، والأكل الحلال سبب لتقبل الدعاء، وكَتْمُ الحق يُعَرِّضُ صاحبه لأقسى البلاء، والمتقون هم الموفون بعهد الله إليهم، والبر صفة لأهل الإيمان والتصدق بأحب المال لديهم.\n٤٨ - أمْرُ الله تعالى بالعدل في القصاص: النفس بالنفس والعين بالعين.\n٤٩ - تشريع الوصية، والتحذير من تبديلها، ورفع الجنف ليس تبديلًا.\n٥٠ - تشريع صيام شهر رمضان، شهر نزول القرآن، والمقيم يصومُ، والمسافر والمريض يفطران، ودين الله يسر، ولا يجب التتابع في قضاء صيام المعذور، والله تعالى قريب يجيب الدعاء.\n٥١ - إباحة الطعام والشراب والجماع في الليل إلى الفجر في شهر رمضان. وتشريع الاعتكاف في المسجد وذكر أحكامه وآدابه.\n٥٢ - للحاكم الاجتهاد في الحكم وفق قواعد الشريعة وله أجره، وعلى المحتال وزره.\n٥٣ - دخول العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وعلى المتمتع الهدي، وتشريع الفدية لحلق الرأس من الأذى، وحج التمتع إنما هو للآفاقيين لا لأهل الحرم، والحج لا رفث فيهِ ولا فسوق ولا جدال، وخير الزاد التقوى.\n٥٤ - الرخصة في التعجّل في الحج، والإفاضة من عرفات إنما هي عند الغروب، وتأكيد المبيت بمزدلفة وصلاة الفجر فيها، وذكر الله عند المشعر الحرام، والشكر على نعمة الهداية، والإكثار من ترداد: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\n٥٥ - المنافقون: ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصبر.","vol":"1","page":85},{"text":"٥٦ - ربح صهيب ... يتخلى عن ماله، ويهاجر ابتغاء مرضاة ربه.\n٥٧ - دعوة المؤمنين لحمل الدين بقوة: الأخذ بكافة الأوامر، وترك كافة الزواجر.\n٥٨ - هل ينتظر الكفار يوم القيامة حتى يؤمنوا؟ إنهم يسخرون من المؤمنين، والعاقبة للمتقين يوم القيامة، لقد ضل أهل الكتاب قبلهم عن الحق واهتدى إليهِ المسلمون بفضل الله عليهم، ولا بد من الابتلاء والصبر وإن نصر الله قريب.\n٥٩ - فَرْضِيَّة الجهاد، والقتال في الشهر الحرام كبير، والشرك والصد عن المسجد الحرام أكبر، ومغفرة الله للسرية التي قاتلت المشركين في رجب الشهر الحرام.\n٦٠ - إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما، وهو تمهيد للتحريم القاطع.\n٦١ - فصل مال اليتيم عن مال وليه، ثم إباحة خلطه بماله.\n٦٢ - تحريم المصاهرة بين المؤمنين والمشركين، وتحريم إتيان الحائض حتى تطهر.\n٦٣ - لا ينبغي جعل الأيمان مانعة لأعمال البر والصلة، ولا يمين في معصية ولا غضب ولا قطيعة رحم ولا فيما لا يملك.\n٦٤ - النهي عن الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، فإما الرجعة وإما الطلاق.\n٦٥ - البعل أحق برد امرأته ما دامت في العدة، وقصر الله الطلقات إلى ثلاث، وإباحة الرجعة مرتين، والنهي عن الإعضال، والخلع لا يكون إلا حالة النشوز، وتَرُدّ له ما أعطاها، وهو فسخ لا طلاق، والعدة منه حيضة.\n٦٦ - المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول إلا بعد زواج حقيقي من غيره يعقبه طلاق.\n٦٧ - ليس لأهل الزوجة منعها إذا أرادت الرجوع إلى زوجها.\n٦٨ - الرَّضاعُ المُحَرِّمُ في الحولين، ولا تحرم الأم ولدها الرضاع إضرارًا بأبيهِ، ولا ينتزعهُ منها ليضرها.\n٦٩ - عدة الوفاة: تشمل المدخول بها وغير المدخول بها، وعدة الحامل حتى تضع.\n٧٠ - لا عقد في عدة الوفاة، ويلمح بالخطبة، ولا تخطب المطلقة في عدتها.\n٧١ - الطلاق قبل المس يوجب نصف المهر.\n٧٢ - الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وصلاة الحضر أربع، وصلاة السفر اثنتان، وصلاة الخوف واحدة.","vol":"1","page":86},{"text":"٧٣ - المتوفى عنها زوجها لها السكن والنفقة سنة، من مال زوجها إن شاءت، وعدتها أربعة أشهر وعشر وجوبًا في بيت الزوجية.\n٧٤ - لا يُخرج من البلد الذي دخله الوباء، ولا يُدخل إليهِ ما دام الوباء فيه.\n٧٥ - الإنفاق في سبيل الله يضاعف الله به الحسنات.\n٧٦ - طَلَبُ بني إسرائيل ملكًا عليهم ثم استكبارهم عن طاعته، وهبوط الملائكة بالتابوت إلى طالوت، ونصر الله المؤمنين، وتولي داود النبوة والملك.\n٧٧ - لا يفضل نبي على نبي إلا بدلالة الكتاب والسنة.\n٧٨ - آية الكرسي أفضل وأعظم آية في كتاب الله تعالى.\n٧٩ - الطاغوت كل ما عبد من دون الله برضاه، والإيمان بلا إله إلا الله، محمد رسول الله هو العروة الوثقى.\n٨٠ - ذكر معجزة عملية على أحقية البعث والمعاد، واطمئنان قلب إبراهيم برؤية كيفية إحياء الله الموتى.\n٨١ - تضاعف أجر المنفق في سبيل الله إلى سبع مئة وزيادة.\n٨٢ - المنّ بالصدقات قولًا كان أو فعلًا يبطلها.\n٨٣ - مثل نهاية الكافر، كالرجل الهرم الذي فقد أهله وماله.\n٨٤ - الإنفاق يجب أن يكون من أطيب المال، والشيطان يعد الفقر، والله يعد المنفق خلفًا ومغفرة، وإبداء الصدقات حسن، وإخفاؤها أحسن.\n٨٥ - يبعث آكل الربا من قبره كأنه المصروع والمجنون، ومن تاب عن الربا قبل الله توبته، ومن عاد فالنار تنتظره، واللعن على آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، ومال الربا ممحوق في الدنيا، معذب صاحبه في الآخرة، وقد أعلن الله الحرب على المرابين، وللتائب رأس المال.\n٨٦ - إنظار المعسر أو الوضع عنه ثواب صاحبه الدخول في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.\n٨٧ - وجوب كتابة الدين والإشهاد وتثبيت الحقوق، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، ولا يضار كاتب ولا شهيد، ومفهوم الرهان المقبوضة في السفر.\n٨٨ - النهي عن كتمان الشهادة.","vol":"1","page":87},{"text":"٨٩ - نسخ المحاسبة على حديث النفس، وتقرير المحاسبة على العمل.\n٩٠ - للنفس ما كسبت من خير، وعليها ما اكتسبت من شر، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وهو الرحمن الغفور الرحيم.\n* * *","vol":"1","page":88},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصار من الله تعالى لكتابه الكريم، فهو القرآن العظيم، والمصحف المبين، الذي يتحدى بإعجازه الثقلين، فهو الكتاب الأوحد في هذا الكون الذي سَلِمَ مِنَ الرَّيب والعيب، وكل كتاب دونه يتقدم مؤلفه بالاعتذار إن حصل فيه تقصير، أو مجانبة للصواب في البيان والتفسير، وأما هذا القرآن فقد أعلن الله تعالى في أوله متحديًا فصحاء الجن والإنس وجميع الخلق أنه الكتاب الكامل، والمنهاج الشامل، والنور التام للمتقين، الذين يتميزون بإيمانهم بالغيب المتضمن بين دفتي هذا المصحف الشريف، وفي هدي نبيّهم الطاهر العفيف، خير الخلق صلوات الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. ثم إنهم يقيمون الصلاة المفروضة، ويؤدون الزكاة المكتوبة، على أكمل الوجوه وأتم المراتب، ويؤمنون بالكتب المنزلة من الله على رسله، كما يؤمنون بالكتاب المنزل على رسولهم محمد -ﷺ-، ويؤمنون بيوم الدين، يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين، فهم أهل الهدى وأهل الفلاح في الدنيا والآخرة.\nفإلى تفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿الم﴾. إنّ هذه الحروف المقطعة في أوائل السور قد ردَّ كثير من أهل العلم تفسيرها إلى الله سبحانه، وأنها مما استأثر الله تعالى بعلمه، حكاه القرطبي عن بعض أهل العلم، وأن ذلك مروي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، كأبي بكر","vol":"1","page":89},{"text":"وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وعن بعض التابعين كعامر الشَّعبي وسفيان الثوري ﵏ جميعًا.\nوقال آخرون: هي قسم. وقال غيرهم: هي حروف من أسماء الله. وروي ذلك عن ابن مسعود -وناس من الصحابة- قال: (أما ألم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى).\nقال ابن جرير: (ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة، كما ذكر أبو العالية).\nقلت: والذي يظهر من استقراء مواقع هذه الحروف في أوائل بعض السور، أن كل سورة افتتحت بها لا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان عظمته وإعجازه، فكأن المراد أن يقال:\nأيها العرب! إن هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف فأتوا بمثله وعارضوه بنحوه وأنتم أهل البيان والفصاحة! فهو تحد من الله لهم وإعجاز يدلهم أنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل.\nففي تسع وعشرين سورة تقرأ هذا الانتصار للكتاب بعد استقبال السورة بهذه الحروف:\n١ - سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n٢ - سورة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾.\n٣ - سورة الأعراف ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ...﴾.\n٤ - سورة يونس: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.\n٥ - سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.\n٦ - سورة يوسف: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n٧ - سورة الرعد: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ. . .﴾.\n٨ - سورة إبراهيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. . .﴾.\n٩ - سورة الحجر: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾.\n١٠ - سورة مريم: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢). . .يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.","vol":"1","page":90},{"text":"١١ - سورة طه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَ﴾.\n١٢ - سورة الشعراء: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.\n١٣ - سورة النمل: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِين﴾.\n١٤ - سورة القصص: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين﴾.\n١٥ - سورة العنكبوت: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) .. وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾.\n١٦ - سورة الروم: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) ... وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾.\n١٧ - سورة لقمان: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.\n١٨ - سورة السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\n١٩ - سورة يس: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾.\n٢٠ - سورة ص: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.\n٢١ - سورة غافر: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\n٢٢ - سورة فصلت: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\n٢٣ - سورة الشورى: ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ... وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ...﴾.\n٢٤ - سورة الزخرف: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n٢٥ - سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾.\n٢٦ - سورة الجاثية: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.\n٢٧ - سورة الأحقاف: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.\n٢٨ - سورة (ق): ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.\n٢٩ - سورة (ن): ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.","vol":"1","page":91},{"text":"والخلاصة كما أفاد شيخ الإسلام ﵀: (إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾.- ثناء على القرآن.\nأما قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ قال ابن عباس: (أي هذا الكتاب). وقال الحافظ ابن كثير: (والكتاب القرآن، ومن قال التوراة أو الإنجيل فقد أبعد النجعة).\nوقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك في هذا القرآن، ولا شك في أنه نزل من عند الله.\nومن المفسرين من وقف على قوله ﴿لَا رَيْبَ﴾ ثم بدأ بـ ﴿فِيهِ هُدًى﴾، ومنهم من وقف على ﴿فِيهِ﴾ وهو أولى، لأنه يصير قوله تعالى ﴿هُدًى﴾ وصف للقرآن كله، وهذا أبلغ من كونه فيه هدى. فإن ﴿هُدًى﴾ إما في محل رفع مبتدأ، أو خبر مبتدأ محذوف، أو في محل نصب حال. ومعنى ﴿هُدًى﴾ أي خير ونور.\nوقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عباس: (هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعملون بطاعتي). أي لا يعظمون أحدًا إلا الله، ولا يصرفون مشاعر الخوف وكمال المحبة والرجاء إلا إليه سبحانه، فيفردونه بالألوهية والحاكمية وينزهونه في صفات الجمال والكمال التي تليق به جل ثناؤه.\nوأصل التقوى من التوقي مما يكره. روي أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى: (فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى). وقد أنشد ابن المعتز بهذا المعنى فقال:\nخل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى\nواصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى\nوهذا الثناء من الله سبحانه بقوله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يكون اختصاصًا بهم دون غيرهم كما قال جل ثناؤه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].","vol":"1","page":92},{"text":"وكقوله سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].\nوكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\nفالتقوى هي امتثال أوامر الله وتعظيم حرماته واجتناب نواهيه، وقد ورد الأمر بها في الكتاب والسنة.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠].\n٣ - ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\n٤ - وقال تعالى في وصف المتقين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].\nوأما في السنة العطرة، فقد جاء الأمر بها بألفاظ خاصة وعامة. فمن الألفاظ الخاصة:\nاللفظ الأول: (اتق المحارم).\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، والبيهقي في السنن، بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: [قال رسول الله -ﷺ-: من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيَعْمَل بهن أو يُعَلِّم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدّ خمسًا قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب] (١).\nاللفظ الثاني: (اتقوا الظلم).\nفقد أخرج الإمام أحمد والطبراني والبيهقي بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٣١٠)، والترمذي (٢/ ٥٠)، وانظر صحيح الترمذي (١٨٧٦).","vol":"1","page":93},{"text":"عنهما، عن النبي -ﷺ- قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة] (١).\nوأصله في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر بلفظ: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحَّ، فإن الشحَّ أهلك من كان قبلكم، وحملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (٢).\nاللفظ الثالث: (اتقوا دعوة المظلوم).\nففي المسند بإسناد حسن عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب].\nوله شاهد عند الطبراني في الكبير من حديث خزيمة بن ثابت بلفظ: [اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين] وسنده حسن (٣).\nوروى الحاكم نحوه من حديث ابن عمر ولفظه: [اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة] وسنده صحيح (٤).\nاللفظ الرابع: (اتقوا النار).\nففي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله -ﷺ-: [اتقوا النار ولو بشق تمرة] (٥).\nوفي رواية: [اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة].\nاللفظ الخامس: (اتقوا الملاعن الثلاث)، (اتقوا اللاعنين).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٩٢)، (٢/ ١٠٦)، والطبراني والبيهقي كما في صحيح الجامع (١٠٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٨٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٨)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٤٨٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٢٣)، وانظر السلسلة الصحيحة -حديث رقم- (٨٥٨).\n(٣) حديث حسن. رواه الطبراني (١/ ١٨٦/ ١)، والبخاري في\"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ١٨٦) وانظر لما قبله مسند أحمد (٣/ ١٥٣) من حديث أنس، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٩٧).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٢٩)، وأخرجه الديلمي في \"المسند\" (١/ ١/ ٤٢ - ٤٣)، وانظر صحيح الجامع (١١٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٨٧١).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٤١٧) - كتاب الزكاة. وانظر (١٤١٣). ورواه مسلم (١٠١٦) (٦٨) - كتاب الزكاة.","vol":"1","page":94},{"text":"ففي صحيح أبي داود وابن ماجة عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [اتقوا الملاعن الثلاث: البرَاز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل] (١).\nورواه أحمد بسند حسن من حديث ابن عباس، ولفظه: [اتقوا الملاعن الثلاث: أن يقعد أحدكم في ظل يُستَظَلُّ فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء].\nوأصل معناه في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: [اتقوا اللاعنين: الذين يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم].\nاللفظ السادس: (اتقوا المجذوم).\nفقد أخرج البخاري في التاريخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [اتقوا المجذوم، كما يتقى الأسد] وسنده صحيح (٢).\nاللفظ السابع: (اتقوا الحمّام).\nيروي الطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: [اتقوا بيتًا يُقال له الحمام، فمن دخله فليستتر] وسنده صحيح (٣).\nاللفظ الثامن: (اتقوا المذابح).\nيروي الطبراني عن ابن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [اتقوا هذه المذابحَ يعني المحاريب] والمراد صدور المجالس، وسنده حسن (٤).\nوأما اللفظ العام فهو أشملها وأكملها (اتقوا الله):\nففي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم] (٥).\n_________\n(١) حديث صححيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٢١)، وانظر الإرواء (٦١) للفظ أحمد، وصحيح مسلم -حديث رقم- (٢٦٩) - كتاب الطهارة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا (١٠/ ١٢٩)، وانظر شرح السنة للبغوي (٣/ ٣٦٧)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١١٠).\n(٣) حديث صحيح. انظر الإرواء (٢٦٤٩)، وتخريج الكلم ص (١٢٨)، وصحيح الجامع (١١٥).\n(٤) حديث حسن. أخرجه الطبراني والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو. انظر صحيح الجامع (١١٩).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٦٢٣) - كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، ورواه البخاري.","vol":"1","page":95},{"text":"وفي المسند عن أبي ذر، عن النبي -ﷺ- قال: [اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن] (١).\nوفي صحيح ابن حبان من حديث جابر بن سليم، عن النبي -ﷺ- قال: [اتق الله، ولا تحقون من المعروف شيئًا] (٢).\nوعند البخاري في الأدب المفرد عن علي، عن النبي -ﷺ- قال: [اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم] (٣). وفي صحيح الجامع من حديث أم سلمة بلفظ: [اتقوا الله في الصلاة، وما ملكت أيمانكم]. وفي المسند وصحيح ابن حبان عن سهل بن الحنظلية، عن النبي -ﷺ- قال: [اتقوا الله في البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة] (٤).\nوعند ابن عساكر بسند حسن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: [اتقوا الله وصلوا أرحامكم] (٥).\nوالخلاصة: إن لفظ التقوى لفظ جامع لكل محاب الله، واجتناب لكل ما يكره.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\nففي قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب﴾. قال ابن عباس: (يؤمنون: يصدقون). وقال ابن جرير: (والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولًا واعتقادًا وعملًا). وقد فصّل الحافظ ابن كثير في ذلك فقال: (أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٠٧٠)، وأحمد والحاكم. انظر صحيح سنن الترمذي (١٦١٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٦٣)، والطيالسي (ص ٧٦٧) رقم (١٢٠٨)، وأخرجه ابن حبان كما في صحيح الجامع (٩٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٧٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٥٨)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ١٦٩)، وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٠٤) - (١٠٥). وسنده صحيح.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٨٠ - ١٨١)، وابن حبان (٨٤٤)، وأبو داود (٢٤٤٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٣)، (٢٤). وصحيح الجامع -حديث رقم- (١٠٣).\n(٥) حديث حسن. رواه ابن عساكر (١٦/ ٢/٧٤)، والطبراني نحوه. انظر السلسلة الصحيحة (٨٦٩).","vol":"1","page":96},{"text":"فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا).\nوإلى هذا المعنى ذهب أئمة الحديث والفقه وحكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وغير واحد إجماعًا أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وأنه كلمة جامعة للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وتصديق الإقرار بالفعل. فهذا الإيمان يزيد بالطاعات وامتثال أوامر الله وتعظيمها فوق كل أمور الدنيا وما فيها من زينة وولد ومنكح ومشرب وملبس ومطعم، كما قال جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.\nوكقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.\nوكقوله في آية التوبة: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\nوكذلك في آية الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\nفالمؤمن يزداد إيمانًا بسماع كلام ربه ﷿ وذكر الآخرة وأهوال المحشر، كما يزداد إيمانًا برؤية الصالحين والعلماء الذين يعيشون لخدمة ميراث النبوة والعمل لإقامة أمر الله وحراسة دينه في الأرض، كما يزداد إيمانًا بالعمل الصالح ومباشرة محاب الله ﷿. وأما فعل المعاصي واجتراح الفواحش والآثام فهو انتقاص من الإيمان وتهديد لبنائه، وبه يخسر المؤمن من إيمانه حسب درجة معصيته.\nففي صحيح أبي داود والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان على رأسه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه] (١).\nوروى الحاكم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: [كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا فذكرنا أصحاب النبي -ﷺ- وما سبقونا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد -ﷺ- كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٦٩٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٥٠٩).","vol":"1","page":97},{"text":"﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلي قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾].\nوأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن مُحَيْريز قال: [قلت لأبي جُمعة: حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله -ﷺ-. قال: نعم. أحدثك حديثًا جيدًا: تَغَدَّينا مع رسول الله -ﷺ- ومعنا أبو عبيدة بن الجَرَّاح، فقال: يا رسول الله، هل أحد خيرٌ منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني] (١).\nوفي رواية عند ابن مَرْدَويه أوردها الحافظ ابن كثير من طريق أبي جمعة الأنصاري قال: [كنا مع رسول الله -ﷺ- ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة. فقلنا يا رسول الله؟ هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ آمنا بالله واتبعناك، قال: \"ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا\"، مرتين].\nقلت: وهذان الأثران يصلحان شاهدين لما ثبت بإسناد أقوى عند ابن نصر في السنة وعند أبي نعيم في الحلية:\nفقد أخرج ابن نصر في السنة بإسناد صحيح -رجاله ثقات- عن عتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة وكان من الصحابة أن رسول الله -ﷺ- قال: [إن من ورائكم أيامَ الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم. قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم] (٢).\nوأخرج أبو نعيم في الحلية بإسناد حسن في الشواهد عن أنس ﵁ أن النبي -ﷺ- قال لأصحابه ذات يوم: [أنتم اليوم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، ثم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك فلا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر ولا تجاهدون\n_________\n(١) حسن الإسناد. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٦)، وأبو يعلى (١٥٥٩)، والحاكم (٤/ ٦٩٩٢). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٦٦٩٣): رووه بأسانيد وأحد أسانيد أحمد ثقات.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن نصر في \"السنة\" (ص ٩)، وله شاهد عند الترمذي في السنن (٢/ ١٧٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٤٩٤).","vol":"1","page":98},{"text":"في سبيل الله، القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقًا. قالوا: يا رسول الله: منا أو منهم؟ قال: لا بل منكم] (١).\nوفي هذه النصوص العظيمة بشائر لكل مؤمن يواجه الباطل ويتصدى لأهل الضلالة والبغي ودعاة الكفر في الأرض، ويحمل الحق بأمانة ويقوم بمقتضاه، أن يكرمه الله بأجر خمسين من خير هذه الأمة أصحاب رسول الله -ﷺ-، وهذا السبق هو في الأجر لا في الفضل، فالصحابة رضوان الله عليهم لهم من المنزلة والمكانة ما لا يبلغها أحد دونهم.\nفقد أخرج الإمام أحمد عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهبًا ما بلغتم أعمالهم] (٢).\nوالخلاصة: لقد كان الإيمان بالغيب من أكبر صفات المؤمنين الأوائل، أصحاب النبي -ﷺ-، وسيكون هذا الإيمان أصعبا وأشق على المؤمنين الذين سيأتون من بعدهم، ممن لم ير النبي -ﷺ- ولا المعجزات التي أكرمه الله بها، الأمر الذي رتب الله سبحانه عليه فضلًا كبيرًا في الأجر وسبقًا لا مثيل له.\nوقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ - فيه تفاسير:\n١ - قال ابن عباس: (أي يقيمون الصلاة بفروضها).\n٢ - قال الضحاك: (إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها).\n٣ - قال قتادة: (إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها).\n٤ - وقال العلامة القاسمي ﵀: (ولهذا لم يأمر بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ و﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ ولم يقل المصلي إلا في المنافقين ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٨/ ٤٩)، وإسناده حسن في الشواهد. انظر رسالة: \"درء الارتياب عن حديث ما أنا عليه اليوم والأصحاب\" -سليم الهلالي- ص (١٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢٦٦)، وله شاهد أخرجه البزار (ص ٢٧٤ - زوائد ابن حجر)، وإسناد أحمد صحيح على شرط البخاري، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٢٣).","vol":"1","page":99},{"text":"سَاهُونَ﴾ وذلك تنبيه على أن المصلين كثير والمقيمين لها قليل). وروي عن بعض السلف قوله: (الحاج قليل والركب كثير).\nوأما قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فيشمل الزكاة والإنفاق.\nقال ابن عباس: (زكاة أموالهم). وقال الحافظ ابن كثير: (وقبل نزول الزكاة كانت النفقات يتقربون بها إلى الله قدر ميسرتهم وجهدهم).\nوقد اختار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀ أن الآية عامة في الصدقات والنفقات وفي الزكاة كما سيأتي تفصيله.\nولقد كان الإنفاق في سبيل الله والإكثار من الصدقات صفة ملازمة للمتقين الذين وصفهم الله بالتقوى في أول هذه السورة، فالإنفاق في طاعته سبحانه جزء من منهجهم ومَعْلَمٌ من معالم طريقهم لنيل مرضاة ربهم، كما أن إقامة الصلاة ركن من أركان دينهم الذي يكتمل بإقامة الأركان الأخرى.\nففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهه، أن النبي -ﷺ- قال: [بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان] (١).\nوالصلاة لغة الدعاء، ثم استعملت في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، وفي ذلك مسائل:\nالمسألة الأولى: إقامتها بأركانها الموصوفة في حديث المسيء صلاته، وتشمل:\n١ - النية.\n٢ - تكبيرة الإحرام.\n٣ - قراءة الفاتحة.\n٤ - القيام في الفرض.\n٥ - الركوع والاطمئنان فيه.\n٦ - الرفع من الركوع والاعتدال قائمًا مع الطمأنينة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٨) - كتاب الإيمان، وأخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٦) - كتاب الإيمان.","vol":"1","page":100},{"text":"٧ - السجود مع الطمأنينة فيه.\n٨ - الرفع من السجود مع الاطمئنان.\n٩ - السجدة الثانية والردع منها.\n١٠ - التسليمة الأولى.\n١١ - الطمأنينة في كل ما ذكر.\n١٢ - الترتيب لكل ما ذكر.\nففي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي هريرة ﵁: [أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله -ﷺ- جالسٌ في ناحية المسجد فصلي. ثم جاء فسلم عليه فقال له رسول الله -ﷺ-: وعليك السلام، ارجع فَصَلِّ فإنك لم تصلّ. فصلى ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام فارجع فصل فإنك لم تصل. فصلى. ثم جاء فسلم فقال: وعليك السلام فارجع فصل فإنك لم تصل. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيرَ هذا فعلمني (وفي رواية: علمني يا رسول الله) فقال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها] (١).\nوروى مالك بإسناد صحيح عن النعمان بن مُرّة أن رسول الله -ﷺ- قال: [ما ترون في الشارب والزاني والسارق؟ وذلك قبل أن تنزل فيهم الحدود. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هُنَّ فواحش وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته، قالوا: وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [تلك صلاة المنافق يجلس يرقب\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٩٣) - كتاب الأذان، بابُ أمْرِ النبي -ﷺ- الذي لا يتم ركوعه بالإعادة. ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح لغيره رواه مالك بسند صحيح إلى النعمان بن مرة -وهو تابعي كبير- لكن يشهد له حديث أبي قتادة. انظر صحيح الترغيب (١/ ٥٢٥).","vol":"1","page":101},{"text":"الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله إلا قليلًا] (١).\nوروى الطبراني وابن خزيمة بإسناد حسن عن أبي عبد الله الأشعري: [أن رسول الله -ﷺ- رأى رجلًا لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي. فقال رسول الله -ﷺ-: لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد -ﷺ-. ثم قال: مثل الذي لا يُتم ركوعه وينقر في سجوده مثلُ الجائع يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئًا] (٢).\nوروى أبو القاسم الأصبهاني وحسنه الألباني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع] (٣).\nالمسألة الثانية: إقامتها على وقتها.\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].\nوقال ابن مسعود ﵁: (إن للصلاة وقتًا كوقت الحج).\nالمسألة الثالثة: إقامتها على وجهها. ويدخل بذلك:\nأ- حسن الوضوء وإتمام الطهور.\nففي صحيح ابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه] (٤).\nوأركان الوضوء ستة:\n١ - النية.٢ - غسل الوجه: عرضًا من شحمة الأذن اليمنى إلى شحمة الأذن اليسرى وطولًا من منبت الشعر إلى أسفل اللحيين.٣ - غسل اليدين إلى المرفقين.٤ - مسح\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٦٢٢) - كتاب المساجد. باب استحباب التبكير بالعصر، في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث حسن. رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\"، ورواه أبو يعلى بإسناد حسن. انظر صحيح الترغيب (١/ ٥٢٩)، ورواه ابن خزيمة.\n(٣) سنده حسن. رواه الأصبهاني في \"الترغيب\" (ق ٢٣٦/ ٢)، وانظر السلسلة الصحيحة (٢٥٣٥).\n(٤) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٣٩٩) -كتاب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣١٨) - (٣٢٠).","vol":"1","page":102},{"text":"الرأس كله.٥ - غسل القدمين إلى الكعبين.٦ - الموالاة: أي غسل الأعضاء بعضها إثر بعض بلا فاصل زمني. وأدلة ذلك:\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].\nوفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، يصف وضوء رسول الله - ﷺ - وفيه: [ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه] (١).\nوفي صحيح ابن ماجة عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: [رأى رسول الله - ﷺ - قومًا يتوضؤون وأعقابهم تلوح. فقال: ويل للأعقاب من النار. أسبغوا الوضوء] (٢).\nوفي المسند وصحيح أبي داود عن خالد بن معدان، أن النبي - ﷺ -: [رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يُصِبْهَا الماء، فأمره أن يعيد الوضوء (زاد أبو داود: والصلاة)] (٣).\nب- إتيانها في المسجد مع الجماعة.\nفإن ذلك داخل في إقامتها، وهو واجب على من سمع النداء إلا من عذر: مرض أو سفر أو نحو ذلك.\nففي صحيح ابن ماجة عن ابن عباس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر] ورواه أبو داود (٤).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [أتى النبي - ﷺ - رجل أعمى فقال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله - ﷺ - أن يرخِّصَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٥) - كتاب الوضوء - باب مسح الرأس كله، وانظر صحيح مسلم (٢٣٥) - كتاب الطهارة، باب: في صفة الوضوء،\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٥٠) - كتاب الطهارة وسننها، باب غسل العراقيب، انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٦٣)، وأصله في الصحيحين.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٧٣/ ٢٦٩ / ١)، وانظر صحيح أبي داود (١٦١).\n(٤) حديث صحيح. انظر سنن أبي داود (٥٥١)، وصحيح سنن أبي داود (٥١٥). وصحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (٦٤٥).","vol":"1","page":103},{"text":"له فيصلي في بيته فرخّص له، فلما ولّى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجِبْ] (١).\nورواه النسائي وابن ماجة وفيه: (إني كبير ضرير شاسع الدار).\nوله شاهد عند الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن أبي أمامة ﵁ قال: [أقبل ابن أم مكتوم وهو أعمى، وهو الذي أُنْزِل فيه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ - وكان رجلًا من قريش - إلى رسول الله - ﷺ - فقال له: يا رسول الله! بأبي وأمي أنا كما تراني، قد دَبَرَتْ سني، ورقّ عظمي، وذهب بصري، ولي قائد لا يُلايمني (٢) قياده إياي، فهل تجد لي رخصةً أصلي في بيتي الصلوات؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هل تسمع المؤذن في البيت الذي أنت فيه؟ قال: نعم يارسول الله. قال رسول الله - ﷺ -: ما أجدُ لك رخصة، ولو يعلم هذا المتخلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها لأتاها ولو حبوًا على يديه ورجليه].\nوممن يرى أن حضور الجماعات فرض أحمد بن حنبل، وعطاء، وأبو ثور.\nوقال الشافعي: (لا أرخِّصُ لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر).\nفكل ما سبق من المسائل داخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ - فيه تفاسير:\n١ - قيل الزكاة المفروضة. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم).\n٢ - نفقة الرجل على أهله. وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁، ولأن هذا الإنفاق أفضل النفقة والصدقة.\nوفي الصحيحين عن أبي مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦٥٣) - كتاب المساجد، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، وانظر للروايات بعده صحيح الترغيب (١/ ٤٢٧)، (١/ ٤٣٠) بسند حسن.\n(٢) أي لا يوافقني.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥) - كتاب الإيمان. وكذلك (٤٠٠٦) (٥٣٥١)، ورواه مسلم.","vol":"1","page":104},{"text":"وفيهما عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غيرَ مفسدة كان لها أجرُها بما أنفقت، ولزوجها أجرُه بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا] (١).\nوفي المسند للإمام أحمد، بسند صحيح عن المقدام بن معدي كرب، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك] (٣).\nوكذلك في صحيح مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله ﷿، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله. (وفي رواية: أفضل الدنانير: دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله ﷿)] (٤). قال أبو قلابة أحد رواة الحديث: (وبدأ بالعيال، وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم).\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أيوب، قال رسول الله: [أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (١٤٢٥)، (٢٠٦٥)، وصحيح مسلم (١٠٢٤) ح (٨١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٣١)، وكذلك (٤/ ١٣٢)، ورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" - حديث رقم - (٣٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٩٥) - كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٩٩٤) - كتاب الزكاة، من حديث ثوبان ﵁، الباب السابق.\n(٥) حديث صحيح. انظر تخريج الترغيب (٢/ ٣٢ - ٣٣)، والإرواء (٨٩٢)، وصحيح الجامع (١١٢١).\nوالكاشح: هو الذي يضمر العداوة في كشحه، وهو خصره. يعني أن أفضل الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة في باطنه.","vol":"1","page":105},{"text":"وفي صحيح أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أفضل الصدقة جهدُ المُقلِّ، وابدأ بمن تعول] (١).\nوفي المسند عن سلمان بن عامر عن النبي - ﷺ - قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة] (٢).\nورواه الطبراني في الأوسط بلفظ: [صدقة ذي الرحم على ذي الرحم صدقة وصلة].\n٣ - قيل بل المراد صدقة التطوع.\nقال الضحاك: (كانت النفقة قربانًا يتقربون بها إلى الله جل وعزّ على قدر جِدَتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات في براءة).\nوالمقصود قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ - قيل إنها ناسخة لقوله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ - وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.\n٤ - قيل بل المراد الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة.\nقال القرطبي: (لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضًا، ولما عدل عن لفظها كان فرضًا سواها).\n٥ - قيل بل المراد مما علمناهم يُعلِّمون.\nفقد روي عن أبي نصر القشيري قوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: (أي مما علمناهم يعلّمون) ذكره القرطبي.\n٦ - وقيل المراد حظّ المال.\nقال بعضهم: (الإيمان بالغيب حَظُّ القلب، وإقام الصلاة حَظُّ البدن، ومما رزقناهم ينفقون حَظُّ المال).\nقلت: وأصل الإنفاق في لغة العرب إخراج المال من اليد، نحو قولهم نفقَ البيع: أي خرج من يد البائع إلى المشتري، ويقال: نفق البيع ينفُقُ نَفَاقا، وأنفق الرجل: افتقر وذهب ماله، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. ونفقت الدابة إذا ماتت\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (١/ ٤١٣ - ٤١٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٦٦)، ورواه أبو داود والحاكم، انظر صحيح الجامع (١١٢٣).\n(٢) حديث صحيح. رواه النسائي (٥/ ٩٢)، وابن خزيمة (٢٣٨٥)، واللفظ الثاني رواه الطبراني. انظر تخريج الترغيب (١/ ٨٨٣ - ٨٨٥). وانظر مسند أحمد (٤/ ١٧)، وسنن الترمذي (٦٥٨).","vol":"1","page":106},{"text":"وخرجت روحها. وأما الرزق فهو مصدر (رزق) وهو ما ينتفع به والجمع أرزاق، والرزق أيضًا العطاء وقيل الشكر نحو قوله ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلون شكركم تكذيبكم.\nفيكون المعنى بالجمع بين أقوال المفسرين: إن الله سبحانه قد وصف المؤمنين بالإيمان بالغيب وإقام الصلاة كما وصفهم بالإنفاق من المال الحلال الطيب الذي رزقهم، فهم ينفقونه في سبيل الله، فيؤدون حقه الأول وهو الزكاة المفروضة، ثم يؤدون حقه الثاني فينفقون منه في عون المؤمنين والمحتاجين والفقراء والمساكين وفي وجوه الخير التي لا يحصميها إلا الله، فإذا ما احتاجت الأمة إلى أموالهم بذلوها في ما يعين به الله على حراسة دينه وتعظيم حرماته وبلوغ أسباب القوة بكل أشكالها وأنواعها، وقائدهم بهذا نبيّهم - ﷺ - وصحابته هم أسوتهم.\nفقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه، عن أبي واقد ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولو كان لابن آدم وادٍ لأحب أن يكون له ثانٍ، ولو كان له واديان، لأحب أن يكون لهما ثالثٌ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب] (١).\nوقد تفضل عليهم ربهم لقاء صفة البذل والإنفاق فيهم، بأن تصدق عليهم عند وفاتهم بثلث أموالهم. فقد أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن معاذ وأبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، وجعل ذلك زيادة لكم في أعمالكم] (٢).\nوقد ذهب شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀ إلى هذا الشمول في معنى الإنفاق حيث قال: (وأولى التأويلات - بالآية وأحقّها بصفة القوم: أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم، مؤدين، زكاة كان ذلك أو نفقةَ مَنْ لزمتْه نفقتُه، من أهل وعيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والمِلك وغير ذلك. لأن الله جل ثناؤه عمّ وصفهم إذ وصفهم بالإنفاق مما رزقهم، فمدحهم بذلك من صفتهم. فكان معلومًا أنه إذ لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢١٨ - ٢١٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٣٣٠٠ - ٣٣٠١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٣٩).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٢٧٠٩) كتاب الوصايا، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٢١٩٠).","vol":"1","page":107},{"text":"دونَ نوعٍ بِخبرٍ ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمود عليها صاحبها من طيب ما رزقهم ربهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلال منه الذي لم يَشُبْهُ حرام).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (أي يصدقون بما جئت به من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاؤوا هم به من ربهم).\nوقال صاحب الظلال: (وهي الصفة اللائقة بالأمة المسلمة وارثة العقائد السماوية ووارثة النبوات منذ فجر البشرية).\nوالآخرة تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول وسميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا.\nوقد قيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة. والإيقان هو إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وفي لغة العرب: أيقنت واستيقنت وتيقّنْت كله بمعنى واحد وهو اليقين أي العلم وزوال الشك. وربما استعمل العرب اليقين بالتعبير عن الظن أو عبروا عن اليقين بالظن. فوصف الله أولئك المتقين بالإيمان بالوحي واليقين بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان والحشر وكل ما أخبر الله ورسوله عن أمر الآخرة فهم مصدقون به معتقدون بحصوله يدينون الله بالإيمان به، وهم من ذكر هذه الأهوال مشفقون خائفون وجلون.\nوالوحي الذي أنزل الله على رسوله - ﷺ - هو القرآن والشرع العظيم المجموع في هديه وسنته، وأما الوحي الذي أخبرنا الله أنه أنزل من قبله فهو الزبور والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم.\nفالتوراة: كتاب من كتب الله سبحانه، أنزله على كليمه موسى ﵊، لبيان الأحكام الشرعية والعقائد الصحيحة المَرْضية، والتبشير بظهور نبي من بني إسماعيل تختم به النبوة للبشرية، ويهديهم إلى لشرع الكمال والجمال.\nقال جل ثناؤه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٢ - ٤].","vol":"1","page":108},{"text":"وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nولكن التوراة الموجودة اليوم بين أيدي اليهود محرفة أصابها ما أصابها. قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣].\nومما يدل على تحريفها أنه ليس فيها ذكر الجنة والنار وحال البعث والحشر والجزاء مع أن ذلك من أهم ما يذكر في الكتب الإلهية. ومما يدل على تحريفها أيضًا ذكر وفاةِ موسى ﵇ فيها في الباب الأخير منها والحال أنه هو الذي أنزلت عليه.\nأخرج الطبراني بسند حسن عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه وتركوا التوراة] (١).\nوأما الزبور فهو كتاب الله تعالى أنزله على نبيِّه داود ﵊، كما قال سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.\nوالزبور كتاب كريم فيه أدعية وأذكار ومواعظ وحكم، ولكن ليس فيه أحكام شرعية، لأن داود ﵇ كان مأمورًا باتباع الشريعة الموسوية.\nوأما الإنجيل ففيه دعوة الخلق إلى توحيد الخالق ﷿، ونسخ بعض أحكام التوراة الفرعية على حسب الاقتضاء، والتبشير بظهور خاتم الأنبياء محمد ﵊، كما قال سبحانه في سورة الصف: ﴿وَإِذْ قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\nوأخرج ابن عساكر بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الطبراني من حديث أبي موسى كما في مجمع الزوائد (١/ ١٧٢) بسند حسن، وانظر صحيح الجامع الصغير، حديث رقم، (٢٠٤٠).","vol":"1","page":109},{"text":"قال: [أنا دعوة إبراهيم، وكان آخر من بشّر بي عيسى بن مريم] (١).\nولكن الإنجيل بصفته التي أنزله الله على عيسى ﵇ قد أصابه ما أصابه من التحريف والتبديل، وظهرت بعد رفْعِ المسيح ﵊ إلى السماء أناجيل كثيرة، حتى تم إلغاؤها بعد أكثر من مئتي سنة من رفعه، تخلصًا من التناقضات التي لحقت بها، وذلك في مجمع نيقيا سنة ٣٢٥ للميلاد، حيث اجتمع كثير من البطارقة والأساقفة وتوصلوا بعد حوار ونقاش إلى الإذعان للملك قسطنطين ومَنْ قال بألوهية المسيح، ونسخ جميع تلك الأناجيل إلا أربعة، وهي أناجيل (متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا) وهؤلاء قد ألفوها وبعضهم لم ير المسيح ﵇ أصلًا.\nويقال إن متى هو أحد حواريّي المسيح عيسى ﵇ الاثني عشر، جال في البلاد مبشرًا حتى وصل الحبشة، فأقام فيها نحوًا من ثلاث وعشرين سنة إلى أن قتل سنة ٧٠ للميلاد.\nوأما مرقص فيقال إن اسمه يوحنا ولقبه مرقص، وليس من الحواريين، ولكنه لازم خاله برنابا، وقتل في سجنه سنة ٦٢ للميلاد، وقيل إنه كان يكره القول بألوهية المسيح ﵇.\nوأما لوقا: فولد في أنطاكية ودرس الطب ونجح فيه، ولم ير المسيح ولم يسمع منه، ولكنه لازم بولس (المسمى بالرسول) والمعروف بتحريفه للديانة النصرانية، وقد حدثت أكثر المجازر بتخطيطه فقد كان يهوديًّا.\nوأما يوحنا: فهو أحد الحواريين الاثني عشر، مات سنة ٦٥ للميلاد بعد اضطهاد.\nوجملة القول: إن الإنجيل هو كلام الله أنزله على عيسى وبشر فيه بنبوة محمد - ﷺ - وهو كتاب كريم يدعو إلى التوحيد ودين الإسلام.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريمَ في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أولادُ علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. رواه ابن عساكر في \"التاريخ\" (١/ ٢٦٥/ ٢)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٦٢)، بلفظ قريب، وكذلك ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ١٠٢)، وانظر الساسلة الصحيحة (١٥٤٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٤٢)، (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥)، وأحمد (٢/ ٤٦٣).","vol":"1","page":110},{"text":"وبنو العلات. هم أولاد الرجل الواحد من نساء شتى.\nثم كان بعد ذلك يا محمد ما أنزل إليك وهو القرآن العظيم. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\nوالقرآن هو آخر كتاب من الله إلى البشر، يُسألون عن التحاكم إليه يوم القيامة، وهو أكبر معجزة في الأرض إلى قيام الساعة.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (١).\nوقد روي عن بعض السلف وصف هذا القرآن بقوله: (كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه من جبَّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَقُ عن كثرة الرَّد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سعته حتى قالوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حَكَمَ به عَدَل، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم).\nوقد اختلف فيهم من هم المعنيون بهذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ على ثلاثة أقوال:\n١ - هم الموصوفون أولًا، هم الموصوفون ثانيًا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم كما قال مجاهد وأبو العالية، ورجحه الحافظ ابن كثير ﵏ حميعًا.\n٢ - هما واحد مؤمنو أهل الكتاب والواو عاطفة.\n٣ - الموصوفون أولًا مؤمنو العرب والموصوفون ثانيًا هم مؤمنو أهل الكتاب. وقد روي هذا عن ابن مسعود وعن ابن عباس واختاره ابن جرير.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه البخاري في صحيحه (٤٩٨١)، (٧٢٧٤)، وراه مسلم في الصحيح (١٥٢).","vol":"1","page":111},{"text":"قلت: والراجح أن الآية عامة في كل مؤمن ومؤمنة، عربي أو عجمي، كتابي وغير كتابي، إنسي أو جني، فلا تصح أي صفة من الأوصاف السابقة دون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلا مع الإيمان بما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبما جاء به نبيّنا محمد ﵊ خاتم الأنبياء والمرسلين.\nقال مجاهد: (أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين).\nوفي التنزيل:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦].\nوقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].\nوقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩].\nوقال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢].\nفالأمر لجميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه وباليوم الآخر، ولكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، أنهم يؤمنون بما في أيديهم مفصلًا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا بمحمد - ﷺ - وما أنزل إليه كان لهم الأجر مرتين.\nففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثة يؤتون أَجْرَهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بِنبيِّه، وأدرك النبي - ﷺ - فآمن به،","vol":"1","page":112},{"text":"واتبعه وصدَّقه، فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق سيده، فله أجران، ورجل كانت له أمَةٌ فغذّاها فأحسن غِذاءها، ثم أدبها فأحسن تأديبها، وعلَّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران] (١).\nقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].\nوفي المسند بإسناد حسن عن أبي أمامة الباهلي قال: [كنت تحت راحلة رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع فقال قولًا حسنًا فقال فيما قال: من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا] (٢).\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤].\nوروى أبو داود في كتاب العلم عن الزُّهْري قال: أخبرني ابن أبي نَمْلَةَ الأنصاري عن أبيه أنه بينما هو جالس عند رسول الله - ﷺ - وعِنْده رجلٌ من اليهود مُرَّ بجنازة فقال يا رسول الله! هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي - ﷺ -: الله أعلم.\nفقال اليهودي: إنها تتكلم. فقال رسول الله - ﷺ -: [ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدقوه، وإن كان حقًّا لم تكذبوه] (٣).\nوفي لفظ آخر: [إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم، ولكن قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٩٧)، (٣٠١١)، وأخرجه مسلم في الصحيح (١٥٤)، من حديث أبي موسى.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٥٩)، والطبراني (٧٧٨٦)، (٧٨٥٦). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٠٤)، وإسناده حسن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٦٤٤)، وأحمد في المسند (٤/ ١٣٦)، ورواه ابن حبان (٦٢٥٧)، وإسناده جيد، وجاله ثقات، وانظر سنن الترمذي (٢٦٦٩).","vol":"1","page":113},{"text":"قلت: ولكن قد يكون هناك من هذه الأمة - أمة محمد - ﷺ - من يزيد ثوابه على الأجرين السابقين لمؤمني أهل الكتاب الذين آمنوا بنبيهم ونبينا عليهم الصلاة والسلام، قول النبي - ﷺ -: [إن من أمتي قومًا يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر] (١).\nوفي تقديم الآخرة وبناء (يوقنون) على (هم) تعويض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته كزعمهم أنه لا يدخلها إلا من كان هودًا أو نصارى، وكتخيلهم أن النار لا تمسهم إلا أيامًا معدودات، وكاختلافهم في نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أوْ لا؟ وهل هو دائم أو لا؟ (ذكره القاسمي ﵀).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.\nقال ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ أي الذيان أدركوا ما طلبوا، ونَجَوْا من شر ما منه هربوا).\nوقال ابن جرير: (﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فإن معنى ذلك: أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أى أولئك هم المنجِحون المُدْركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله ﵎ لأعدائه من العقاب).\nوقد اختلف فيهم من هم المعنيون بهذه الآية على ثلاثة أقوال:\n١ - قيل المراد أهل الصفتين المتقدمتين: المؤمنون بالغيب من العرب، والمؤمنون بما أنزل إلى محمد - ﷺ - ومن قبله من الرسل.\nفعن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي - ﷺ -: (أما ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، فهم المؤمون من العرب، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾) ذكره ابن جرير.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٦٢)، و(٥/ ٣٧٥) بإسناد جيد رجاله رجال الصحيح، من حديث عبد الرحمن بن الحضرمي يقول: أخبرني من سمع النبي - ﷺ - يقول: فذكره. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٧٠٠).","vol":"1","page":114},{"text":"٢ - وقيل: بل عنى بذلك المتقين الذين يؤمنون بالغيب، وهم الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد والرسل من قبله.\n٣ - وقيل: بل المراد أهل الكتاب خاصة ممن آمن بنبيّه ثم آمن بمحمد - ﷺ -.\nوالراجح كما أفاد الحافظ ابن كثير أن الآية عامة في المتصفين بالصفات المتقدمة من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق، والإيمان بالرسل، والدار الآخرة المستلزم للعمل الصالح والاستعداد لها بامتثال الطاعات واجتناب المحرمات.\nويجوز أن تكون ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيًا وخبره ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، أو تكون زائدة - يسميها البصريون فاصلة - و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر ﴿أُولَئِكَ﴾. ذكره القرطبي.\nوأما جملة ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ فهي في محل رفع إن كان الذين يؤمنون بالغيب مبتدأ، وإلا فلا محل لها.\nقال النسفي ﵀: (ومعنى الاستعلاء في ﴿عَلَى هُدًى﴾ مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه).\nوقال القرطبي ﵀: (وقال علماؤنا: إن في قوله تعالى ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ردًّا على القدرية في قولهم: يخلقون إيمانهم وهداهم، تعالى الله عن قولهم! ولو كان كما قالوا لقال: \"من أنفسهم\").\nوأصل الفَلْح في لغة العرب الشق والقطع. وفَلَحَ الأرض شقّها للحرث. والفلاح: الفوزُ والبقاء والنجاة. والمْلاحُ أيضًا السُّحور. وقيل إنما سُمِّي بذلك لأن به بقاءَ الصوم. وحي على الفلاح أي أقْبِل على النجاة.\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاتُه، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٤١٤)، وانظر صحيح سنن الترمذي (٣٣٧).","vol":"1","page":115},{"text":"٦ - ٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ صِفات الكافرين، ونعت سبيل الجاحدين، فإن النذارة لا تنفعهم إذ أغلقوا أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم عن قبول الحق والإصغاء له والتواضع لأمره تعالى. فسواء عليك - يا محمد - الإنذار وعدمه. لقد قابلهم ربهم تعالى حين أغلقوا قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم مستكبرين على الوحي العظيم أن طبع على قلوبهم فأقفلها، وختم على أسماعهم فأغلقها، وجعل على أبصارهم أغطية فأعماها، فهم يكملون ما بقي من أعمارهم على تلك الهيئة حتى تنقضي آجالهم، ثم ينتظرهم بعد ذلك في الآخرة عذاب عظيم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nكفروا: أي غطوا الحق وستروه. قال الرازي: (و﴿الكافر﴾ الليل المُظْلِم لأنه سَتَرَ بظُلمته كُلَّ شيء. وكل شيء غطّى شيئًا فقد كفره). قال: (والكافر: الزارع لأنه يغطي البَذْر بالتراب. والكفار الزُّراع).\nوقال ابن السِّكِّيت: (ومنه سُمِّي (الكافر) لأنه يَسْتُر نِعم الله عليه). والإنذار: الإعلام مع تخويف. واختلف فيمن عُني بهذه الآية على أقوال:\n١ - قيل: هم اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة الذين جحدوا نبوة محمد - ﷺ - وكذبوه.\nقال ابن عباس: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بما أنزل إليك من ربك، وإن قالوا إنا قد آمنا بما قد جاءنا من قبلك). وعنه أيضًا: (أن صدر سورة البقرة إلى المئة منها، نزل في رجال سَمّاهم بأعيانهم وأنْسَابهم من أحبار يهود، من المنافقين من الأوس والخزرج).\n٢ - قيل: بل هم الذين قتلوا يوم بدر من المشركين.\nفعن الربيع بن أنس قال: (آيتان في قادة الأحزاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا","vol":"1","page":116},{"text":"نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩]. قال: فهم الذين قُتلوا يوم بدر).\n٣ - وقيل: بل هي عامة في كل شقي بكفره.\nفقد قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (كان رسول الله - ﷺ - يحرصُ أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول).\nوهذا المعنى الأخير أشمل وأوسع مما قبله، وهو يناسب سياق الآيات، فقد كتب الله الشقاء على من اختار جحود أمره وشرعه ونعمته، فسواء عليهم إنذارك يا محمد وعدمه. كما قال جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. وكما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥].\nلقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن، بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلا أن تُخبِرَنا يا رسول الله، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - فلأي شيء إذن نعمَلُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرغ منه؟ قال رسول الله - ﷺ -: سدِّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم ﷿ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).\nقال القاسمي ﵀: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٤٧٣)، والترمذي في السنن (٢١٤١). وانظر السلسلة الصحيحة (٤٦)، وصحيح الجامع (٨٨).","vol":"1","page":117},{"text":"يُؤْمِنُونَ﴾: تناهوا في الغواية والضلال، إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتذكير).\nوسواء: مأخوذ من التساوي أي معتدل، فأي الأمرين كان منك إليهم الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم لا يؤمنون، فقد خُتِمَت القلوبُ وطُبعَ عليها نتيجة تراكم الجحود فيها. فيَكون قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جملة مؤكِّدة للتي قبلها ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أو تكون خبرًا والتقدير: (إن الذين كفروا لا يؤمنون) ويكون قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جملة اعتراضية، وهي مبتدأ وخبر: ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر مقدم و﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ في موضع الابتداء، وتقديرها: (سواء عليهم إنذارك وعدمه) والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nالختم أصله الطَّبع. قال الرازي: (ختم الشيء من باب ضرَب فهو مختوم).\nوالخاتِم والخاتَم بفتح التاء وكسرها كله بمعنىً. وخاتمة الشيء آخِرُه. وختمتُ الكتاب إذا طبعته. وفي مفهوم الختم أقوال متقاربة ذكرها أهل التفسير:\n١ - القول الأول: قال السدي: (ختم الله: أي طبع الله).\n٢ - القول الثاني: قال قتادة: (استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون).\n٣ - القول الثالث: قال مجاهد: (﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال: الطبع، ثبتت الذنوب على القلب فحفَّت به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم).\n٤ - القول الرابع: قال ابن جريج: (الختم على القلب والسمع. قال: وحدثني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: الرَّانُ أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من ذلك كله).\n٥ - القول الخامس: قال الأعمش: (أرانا مُجاهد بيده فقال: كانوا يروْن أن القلب في مثل هذا -يعني الكف- فإذا أذنب العبد ذنبًا ضُمّ منه -وقال بإصبعه الخنصر هكذا- فإذا أذنب ضُمَّ -وقال بإصبع أخرى- فإذا أذنب ضُمَّ -وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى","vol":"1","page":118},{"text":"ضم أصابعه كلَّها، قال: ثم يُطبع عليه بطابع. قال مجاهد. وكانوا يُرَوْن أن ذلك: الرَّينُ).\n٦ - القول السادس: قال ابن جرير: (وقال بعضهم: إنما معنى قوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لِما دُعُوا إليه من الحق، كما يقال: \"إن فلانًا لأصَمُّ عن هذا الكلام\" إذا امتنع من سَماعه، ورفع نفسه عن تَفَهُّمه تكبرًا). وردّه ابن جرير بحجة أن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.\nوالآية ردّ على المعتزلة الذين ينكرون الختم على القلوب ومنعها من وصول الحق إليها.\nقال القرطبي: (وأجمعت الأمة على أن الله ﷿ قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين، مجازاة لكفرهم كما قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾).\nوقال: (وقال أهل المعاني: وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والرَّين والموت والقساوة والانصراف والحمِيّة والإنكار.\nفقال في الإنكار: ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. وقال في الحمية: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾. وقال في الانصراف: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. وقال في القساوة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ﴾. وقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. وقال في الموت: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾. وقال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾. وقال في الرَّين: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال في المرض: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. وقال في الضيق: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. وقال في الطبع: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. وقال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. وقال في الختم: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾).\nفوائد مستنبطة:\n١ - الله سبحانه خالق الهدى والضلال، والكفر والإيمان، فإذا تكبر العبد على أوامر ربه فربما عاقبه بالختم والران، والطبع والغشاوة والحرمان. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].\nوفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن حذيفة ﵁ قال: [كنا عند عمر فقال:","vol":"1","page":119},{"text":"أيكم سمع رسول الله - ﷺ - يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تَعْنون فتنةَ الرجل في أهله وماله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تِلك تُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع رسول الله - ﷺ - يذكر التي تمُوج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسْكَتَ القومُ، فقلتُ: أنا. قال: أنت لله أبوك؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: تُعرض الفِتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أُشْرِبَها (١) نُكت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصيرَ على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضرّه فتنة ما دامت السماوات والأرضُ، والآخر أسودُ مُرْبادًا (٢) كالكوز مُجَخِّيًا (٣)، لا يعرف معروفًا ولا يُنكر مُنكرًا، إلا ما أُشرِبَ من هواه] (٤).\n٢ - تشبيه القلوب بالأوعية والظروف والغلف.\nقال ابن جرير: (فإن قلوب العباد أوعية لما أُودعت من العلوم، وظروفٌ لما جُعل فيها من المعارف بالأمور. فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع - التي بها تُدرَك المسموعات، ومن قِبَلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء من المُغَيَّبات - نظيرُ معنى الختم على سائر الأوعية والظروف).\n٣ - قوله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح.\nقال القرطبي: (والقلب للإنسان وغيرِه. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه، فالقلب موضع الفكر. وهو في الأصل مصدر قَلبْتُ الشيء أقلِبه قلبا إذا رددته على بداءته. وقلبت الإناء: رددته على وجهه. ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان، لسرعة الخواطر إليه، ولترددها عليه، كما قيل:\nما سُمِّيَ القلب إلا من تقلُّبِه ... فاحذر على القلب من قَلْبٍ وتحويل\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بهذا المعنى.\n_________\n(١) أي دخلت فيه دخولًا تامًّا وكأنها حلت محل الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي حب العجل.\n(٢) شدة البياض في سواد، أي الذي اختلط سواده بكدرة.\n(٣) مُجَخِّيًا: أي منكوسًا مائلًا.\n(٤) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠)، ورواه البخاري في الصحيح (٦٤٩٧).","vol":"1","page":120},{"text":"ففي صحيح ابن ماجة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [مثلُ القلب مثلُ الريشةِ، تُقَلِّبُها الرياح بفلاة] (١).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن قلوبَ بني آدمَ كلَّها بين أصبُعينِ من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد، يصرفه كيف يشاء. ثم يقول رسول الله - ﷺ -: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك] (٢).\nوفي صحيح ابن ماجة ومسند أحمد من حديث النواس بن سمعان أن النبي - ﷺ - كان يقول: [اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك]، [اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك] (٣).\nوفي المسند عن المقداد مرفوعًا: [لَقَلْبُ ابن آدم أشد انقلابًا مِنَ القِدْرِ إذا اجْتَمَعَتْ غَلَيانا] (٤).\nوأما فضل القلب على سائر البدن فمأخوذ من قوله ﵊: [ألا وإن في الجسد مُضغة: إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسدَ الجسد كلُّه، ألا وهي القلب] (٥).\n٤ - القلب هو مركز الفهم والفقه في الإنسان.\nقال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nوقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٨٨)، وانظر مسند أحمد (٤/ ٤١٩).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٨/ ٥١)، ومسند أحمد (٢/ ١٦٨ - ١٧٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٢) وهو صحيح. ورواه ابن ماجة، وابن أبي عاصم. انظر تخريج السنة، حديث رقم (٢٣٠)، (٢٣١)، (٢٣٢)، باب (٤٠).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤)، والحاكم (٢/ ٢٨٩)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٧٧٢).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري وغيره. انظر مختصر صحيح البخاري - حديث رقم - (٤٨)، وهو جزء من حديث النعمان بن بشير ﵄.","vol":"1","page":121},{"text":"فالقلب هو مركز التفكير والفقه، وليس العقل الذي في الدماغ، وقد صدرت دراسات حديثة لعلماء في مجال الطب تثبت ذلك. وقد بسطت القول في ذلك في كتابي \"تحصيل السعادتين على منهج الوحيين\".\nوقد ورد عن الإمام القرطبي ﵀: (قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي عقل، لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين. والفؤاد محل القلب، والصدر محل الفؤاد، والله أعلم). وقال القاسمي: (قال الراغب: المراد بالقلب في كثير من الآيات: العقل والمعرفة).\nقلت: ولكن هذا من باب التأويل، فأما آية الأعراف فتخصص كل عضو بوظيفته، فالبصر للعين والسمع للأذن، فتأويل القلب بالعقل يسمح بتأويل العين والأذن إلى غيرها من الأعضاء وهو باب لا نهاية له.\n٥ - تفضيل السمع على البصر.\nفقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ يدل على ذلك، ونحوه قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ...﴾ [الأنعام: ٤٦]. وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ...﴾ [الملك: ٢٣].\nقال القرطبي: (والسمع يُدْرك به من الجهات الست، وفيَ النور والظلمة، ولا يُدْرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء وشعاع).\n٦ - الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة على البصر.\nقال ابن جريج: (الختم علي القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ...﴾ [الشورى: ٢٤]. وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ...﴾ [الجاثية: ٢٣]).\nفبتتابع الذنوب على القلب يأتي الختم من الله جزاء الاستهتار، وبالإعراض عن سماع الحق والوحي يطبع الله على السمع فلا يسمع إلا ما أشرب من هواه، وبترك إعمال البصر في الحق وصرفه لرؤية الفواحش وما يسخط الله تأتي عليه الغشاوة من الله.\nوفي جامع الترمذي بسند حسن من حديث محمد بن عجلان، قال رسول الله - ﷺ -: [إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سودَاء في قلبه، فإن تاب ونَزَع واستعتب صقُل قلبُه،","vol":"1","page":122},{"text":"وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الرّان الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾] (١).\nقال ابن عباس: (﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون. ويقول: وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فلا يبصرون).\nولذلك كان الوقف التام على ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ عند أكثر القراء، لأن قوله ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ جملة تامة، و﴿غِشَاوَةٌ﴾ رُفع على الابتداء وما قبله خبر.\n٨ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٣٣٤)، وابن ماجة (٤٢٤٤)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٤١٨)، ورواه ابن حبان (٩٣٠)، والحاكم (٢/ ٥١٧)، والطبري (٣٠٤) بإسناد حسن. وانظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (٣٤٢٢).","vol":"1","page":123},{"text":"قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر صفات المنافقين وأحوالهم وتقلباتهم المختلفة وفضح أساليبهم. فهم:\nأ- يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.\nب- استحوذ مرض النفاق على قلوبهم، فهو مرض في الدين لا في الأبدان.\nج- المنافقون يدعون الإصلاح إذا نهيتهم عن الفساد، ويدعون الإيمان عند المؤمنين، ثم يعتذرون لرؤسائهم بأنهم كانوا يسخرون.\nد - اشتروا الضلالة بالهدى وباعوا البصيرة بالعمى.\nهـ- المنافقون يعلمون الحق ويرتكسون في الكفر متحيرين.\nفإلى تفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.\nقال مجاهد: (هذه الآية إلى ثلاث عشرة، في نعت المنافقين).\nوقال ابن عباس: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾)، يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم).\nقال ابن جرير: (وأجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم).\nوالناس: جمع لا واحد له من لَفْظهِ، وإنما واحدهم \"إنسان\" وواحدتهم \"إنسانة\". أو قد يكون أصله \"أناس\" أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها. وأما النفاق: فهو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو نوعان:\n١ - اعتقادي.\n٢ - عملي.\nالنفاق الاعتقادي: هو نقاق في أصل الدين، يخلد صاحبه في النار، غير أن صاحبه لا يعامل معاملة الكافرين لعدم إظهار كفره. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣].","vol":"1","page":124},{"text":"وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: [أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له، فأعطاه النبي - ﷺ - قميصه فقال: آذني أصلي عليه فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ﵁ فقال: أليس قد نهاك (١) أن تصلي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرتين، قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فصلى عليه فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾] (٢).\nوأما النفاق العملي: فهو من أكبر الذنوب، وهو يشمل الكذب والخيانة والغدر وإخلاف العهد.\nقال ابن جريج: (المنافق يخالف قَوْلُهُ فِعْلَه، وسِرُّه علانيته، ومدخلهُ مخرجَه، ومشهده مغيبه).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [آيةُ المنافِقِ ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخْلف، وإذا اؤتمن خان] (٣).\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن عَمْروٍ ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: [أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خَصْلة منهن كانت فيه خصْلَةٌ من النِّفاق حتى يدَعَها: إذا اؤْتُمِنَ خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غَدَرَ، وإذا خاصم فَجَر] (٤).\nوقد عُرِف النفاق في المدينة والسور المدنية، إذ إن مكة لم يكن فيها نفاق، بل كان فيها من يُكره على النطق بالكفر وهو مؤمن، فلما هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج على جاهليتهم يعبدون الأصنام شأن مشركي العرب، وبها اليهود ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس، فأسلم من أسلم من الأنصار من الأوس والخزرج، وقلَّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁، فلما أظهر الله شوكة نَبيِّه والمؤمنين ببدر قال\n_________\n(١) فهم عمر من قوله (فلن يغفر الله) منع الصلاة عليهم، فأخبره أن الرجاء لن ينقطع.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٦٧٢) - كتاب التفسير، سورة التوبة، آية (٨٤)، ورواه مسلم وبعض أهل السنن.\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري (٣١)، كتاب الإيمان. وأخرجه مسلم في الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، حديث رقم (٥٩).\n(٤) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري (٣٢)، كتاب الإيمان. وأخرجه مسلم في الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، حديث رقم (٥٨).","vol":"1","page":125},{"text":"عبد الله بن سلول: (هذا أمر قد توجه) فأظهر الدخول في الإسلام -وكان رأس المنافقين- وسيد الطائفتين في الجاهلية وكادوا يملكوه فانشغلوا عنه بالإسلام، فنافق وطائفة ممن معه وآخرون من أهل الكتاب، ثم وُجد النفاق في المدينة وفي الأعراب ممن حول المدينة. وأما المهاجرون فما ظهر فيهم النفاق، إذ لم يهاجر أحد منهم مكرهًا، بل ترك ماله وولده وأرضه وبيته رغبة فيما وعد الله سبحانه في الدار الآخرة.\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، يعني بالبعث يوم القيامة، وإنما سمي يومُ القيامة (اليومَ الآخر)، لأنه آخر يوم، لا يوم بعده سواه). قال: (فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاع للآخرة ولا فناء ولا زوال؟ قيل: إن اليوم عند اعرب إنما سُمِّيَ يومًا بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهارَ ليلٌ لم يُسمَّ يومًا. فيوم القيامة يوم لا ليل بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيام).\nوقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ - أي: بل هم مكذبون كما يظهر من أقوالهم وأفعالهم وما تخفي قلوبهم أكبر.\nوقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nقال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون، يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظهروا) ذكره ابن جرير.\nوقيل: في الكلام حذف، تقديره: يخادعون رسول الله - ﷺ -، ذكره القرطبي عن الحسن وغيره.\nوفي لغة العرب: (خدعه) ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. وقيل أصل الخدع: الفساد. وقيل أصله: الإخفاء، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء.\nقال ابن جريج: (يخادعون الله: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يُحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم. وفي أنفسهم غير ذلك).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣].","vol":"1","page":126},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ نفي وإيجاب، أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم.\nوقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿وَمَا يَخْادعُونَ﴾ بالألف. وقرأها مُوَرِّق العجلي: \"يُخَدِّعون الله\". واختار ابن جرير ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ دون \"وما يخادعون\" لأن لفظ \"المخادع\" غير موجب تثبيتَ خديعةٍ على صحَّة، قال: (ولا شك أن المنافق قد أوجب خديعة الله ﷿ لنفسِه بما ركِبَ من خداعِه ربَّه ورسولَه والمؤمنين بنفاقه، فلذلك وجبت الصِّحة لقراءة من قرأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾).\nقال النسفي: (﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾): أي وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم وحاصل خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم فكأنهم خدعوا أنفسهم).\nوقال القاسمي: (فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان الكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليهم. بحقن الدماء وحصن الأموال وغير ذلك. وادخار العذاب الأليم، والمآل الوخيم، وسوء المغبة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين: أن خداعهم لا ينجح إلا في أنفسهم، بإهلاكها، وتحسيرها، وإيراثها الوبال والنكال -بازدياد الظلمة، والكفر والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها- وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾).\nوقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: وهم من غاية غرقهم في جهلهم وغرورهم لا يحسون ما يُحاك لهم وما يُبَيَّتُ ضدهم.\nقال ابن زيد: (ما يشعرون أنهم ضرّوا أنفسهم، بما أسرّوا من الكفر والنفاق).\nوفي لغة العرب: شعر بالشيء إذا فَطِنَ له. ومنه قولهم: (ليت شِعْري) أي ليتني عَلِمْتُ.\nقال الأخفش: (والشاعر: أي صاحب شِعر وسمي شاعرًا لفطنته).\nوقال القرطبي: (وما يشعرون: أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم، فيظنون","vol":"1","page":127},{"text":"أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا، وإنما ذلك في الدنيا، وفي الآخرة يقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾).\nوقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.\n﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك. فهم في تردد في أمر محمد - ﷺ - وأمر نبوته. فزادهم الله بما أنزل من الوحي من الحدود والفرائض شكًّا وحيرة. في حين زاد المؤمنين بذلك إيمانًا وتسليمًا.\nوقد فسّر المفسِّرون ﴿المرض﴾ بتفاسير متشابهة:\nالأول: الشك. قال السّدِّيُّ عن ابن عباس وغيره: (﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، قال: شك، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: شكًّا). وعن ابن مسعود: (فزادهم الله ريبة وشكًّا).\nالثاني: الرياء. قال طاووس وعكرمة: (﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الرياء).\nالثالث: النفاق. قال الضحاك، عن ابن عباس: (﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: نفاق ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: نفاقًا).\nالرابع: المرض في الدين. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون. والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: زادهم رجسًا، وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ...﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]. قال: شرًّا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم).\nقال الحافظ ابن كثير: (وهذا الذي قاله عبد الرحمن - ﵀ - حَسَنٌ، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]).\nوقال القرطبي: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾: قيل: هو دعاء عليهم).\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي مؤلم موجع. ففي لغة العرب: الألم: الوَجع، والتألُّم: التوجُّع. قال الرازي: (و\"الإيلام\" الإيجاع، و\"الأليم\" المؤلم كالسميع بمعنى المُسْمِع).","vol":"1","page":128},{"text":"وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. قرأها معظم قراء الكوفة ﴿يَكْذِبُونَ﴾. وقرأها قراء أهل المدينة والحجاز والبصرة ﴿يُكْذِّبُونَ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كَذَبة ويكذبون بالحق).\nقال الإمام مالك: (وإنما كف رسول الله - ﷺ - عن المنافقين ليبيّن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه، إذ لم يُشْهد على المنافقين).\nوقال الشافعي: (وإنما منع رسول الله - ﷺ - من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم).\nوقد ذهب إلى ذلك الإمام القرطبي في التفسير فقال: (إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه، وقد أشار - ﷺ - إلى هذا المعنى بقوله لعمر: \"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي\" أخرجه البخاري ومسلم).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nأما قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ - ففيه تأويلان:\nالتأويل الأول: لم يجئ هؤلاء بعد. فعن سَلْمان الفارسي ﵁ قال: (ما جاء هؤلاء بعد، الذين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾).\nالتأويل الثاني: هم المنافقون. فعن ابن عباس: (هم المنافقون. أما ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فإن الفساد هو الكفر والعملُ بالمعصية).\nوعن الرَّبيع: (﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: لا تعصوا في الأرض ﴿قَالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، قال: فكان فسادُهم ذلك معصيةَ الله جل ثناؤه، لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته، فقد أفسدَ في الأرض، لأن إصلاحَ الأرض والسماء بالطاعة).\nواختار ابن جرير أنها نزلت في المنافقين على عهده - ﷺ - وتشمل كل من شابههم في النفاق إلى يوم القيامة. ثم قال: (وقد يَحْتَمِل قولُ سلمان عند تلاوة هذه الآية: \"ما جاء هؤلاء بعد\"، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة على عهد رسول الله - ﷺ -).","vol":"1","page":129},{"text":"ثم قال: (فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربَّهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذين لا يُقْبَل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذِبهم المؤمنين بدَعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، وبمظاهرتهم أهلَ التكذيب بالله وكُتبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها).\nوكذلك قوله: ﴿قَالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ - فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: قاله ابن عباس: (قالوا إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب).\nالتأويل الثاني: قال مجاهد: (قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى، مصلحون (١».\nقلت: والفساد في اللغة خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعًا به، والمفسَدَة ضد المصلحة، قال الراغب: (تصوروا إفسادهم بصورة الإصلاح لما في قلوبهم من المرض).\nوقال القاشاني: (كانوا يَرَوْن الصلاح في تحصيل المعاش، وتيسير أسبابه، وتنظيم أمور الدنيا -لأنفسهم خاصة- لتوغّلهم في محبة الدنيا، وانهماكهم في اللذات البدنية) ذكره القاسمي.\nفأجابهم سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ مبتدأ وخبر، وهما معًا في محل رفع خبر إن. وقد تكون هم فاصلة و﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ خبر إن، والتقدير: ألا إنهم المفسدون. والمعنى كما قال ابن جرير: (ألا إنهم هم المفسدون المخالفون أمر الله ﷿، المتعدون حُدودَه، الراكبون معصيتَه، التاركون فروضَه، وهم لا يشعرون ولا يدرون أنهم كذلك - لا الذين يأمرونهم بالقسط من المؤمنين، وينهونهم عن معاصي الله في أرضه من المسلمين).\n_________\n(١) اسم فاعل من أصلح. يقال صَلَح الشيء وصَلُح. والصلاح: ضد الفساد. والصُّلوح مصدر صَلُح.","vol":"1","page":130},{"text":"وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال ابن كَيْسان: (يقال: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، إنما يذم إذا علم أنه مفسد ثم أفسد على علم. قال: ففيه جوابان: أحدهما - أنهم كانوا يعملون الفساد سرًّا ويظهرون الصلاح وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي - ﷺ -. والوجه الآخر: أن يكون فسادهم عندهم صلاحًا وهم لا يشعرون أن ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحق واتباعه).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.\nقال ابن عباس: (وإذا قيل لهم صدقوا كما صدق أصحاب محمد، قولوا: إنه نبي ورسول، وإن ما أنزل عليه حق، وصدِّقوا بالآخرة، وأنكم مبعوثون من بعد الموت). قال: (يقولون: أنقول كما تقول السفهاء؟ يعنون أصحاب محمد - ﷺ - لخلافهم لدينهم).\nوعن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي - ﷺ -: (﴿قَالوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، يعنون أصحاب النبي - ﷺ -).\nوقال زيد بن أسلم: (هذا قول المنافقين، يريدون أصحاب النبي - ﷺ -).\nوأصل السّفه في لغة العرب: الخِفّة والرّقة. قال الرازي: (السَّفه: ضد الحلم وأصله الخِفة والحركة). والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار. فأراد المنافقون القول: (أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟) فكذبهم الله سبحانه بقوله:\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.\nقال ابن عباس: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، يقول: الجهال، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، يقول: ولكن لا يعاقلون).\nقال القرطبي ﵀: (وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء واستهزاء، فأطلع الله نبيّه والمؤمنين على ذلك، وقرّر أن السَّفه ورِقّة الحُلُوم وفساد البصائر إنما هي في حيِّزهم وصفة لهم، وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرَّيْن الذي على قلوبهم).","vol":"1","page":131},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.\nيقول جلّ ثناؤه: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين أظهروا لهم الإيمان نفاقًا ومصانعة ليصيبوا معهم من الأموال والغنائم من جهة، وليحفظوا بالخداع دماءهم وأموالهم وذراريهم من جهة أخرى، ثم إذا انصرفوا إلى شياطينهم وخَلَوْا بمردتهم من أهل العُتوّ والخبث قالوا: إنا معكم على العهد وأولياؤكم ضد محمد وأصحابه. ثم هناك تأويلان في الذين عُنوا بهذه الآية:\nالتأويل الأول: هم قوم من منافقي اليهود.\nقال ابن عباس: (كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي - ﷺ - أو بعضهم، قالوا: إنا على دينكم. وإذا دخلوا إلى أصحابهم، وهم شياطينُهم، قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون).\nالتأويل الثاني: هم قوم من منافقي العرب.\nقال سعيد بن جبير: (إذا خلوا إلى شياطينهم من يهود، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول ﴿قَالوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾).\nوأمّا شياطينهم فهم رؤوسهم في الكفر والنفاق.\nقال ابن مسعود وناس من الصحابة: (أما شياطينهم، فهم رؤوسهم في الكفر).\nوقال قتادة: (﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي رؤسائهم في الشر).\nوقال مجاهد: (إذا خلا المنافقون إلى أصحابهم من الكفار). أو قال: (إخوانهم من المشركين).\nوقال ابن جريج: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا﴾، قال: إذا أصاب المؤمنين رخاءٌ قالوا: إنا نحن معكم، إنما نحن إخوانكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم استهزؤوا بالمؤمنين).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (ساخرون بأصحاب محمد - ﷺ -).","vol":"1","page":132},{"text":"وقال: (أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم) وكذلك قال قتادة والربيع.\nوهزئ في لغة العرب: سخر. فأجابهم الله تعالى مقابلة على صنيعهم:\n﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.\nقال ابن عباس: (يسخر بهم للنقمة منهم. ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ يملي لهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في كفرهم يترددون).\nوفي صفة استهزاء الله سبحانه بالمنافقين أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: مَكْرُهُ بهم يوم القيامة.\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [لحديد].\nوقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران].\nقال ابن جرير: (فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جلَّ وعزَّ وسخريتهِ ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهل الشرك به - عند قائلي هذا القول، ومتأولي هذا التأويل).\nالتأويل الثاني: استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به.\nفقد ذكر القرطبي في التفسير عن ابن عباس: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ في الآخرة، يفتح لهم باب جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يَسْبَحون في النار، والمؤمنون على الأرائك -وهي السرر- في الحِجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سُدَّ عنهم، فيضحك المؤمنون منهم، فذلك قول الله ﷿: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غُلِّقت دونهم الأبواب، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾ إلى أهل النار ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾).\nالتأويل الثالث: الاستهزاء والخداع والمكر والسخرية والنسيان المذكورة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ...﴾ [التوبة: ٧٩]. ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ...﴾ [التوبة: ٦٧]. إخبار أنه تعالى مجازيهم جزاء","vol":"1","page":133},{"text":"الاستهزاء ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مُخْرَج خبره عن فعلهم الذي استحقوا عليه العقاب.\nقال النسفي: (الله يستهزئ بهم: أي يجازيهم على استهزائهم فسمى جزاء الاستهزاء باسمه). وقال الزجاج: (هو الوجه المختار، واستئناف قوله \"الله يستهزئ بهم\" من غير عطف في غاية الجزالة والفخامة، وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء لما ينزل بهم من النكال والذل والهوان. ولما كانت نكايات الله وبلاياه تنزل عليهم ساعة فساعة قيل: الله يستهزئ بهم ولم يقل الله مستهزئ بهم).\nالتأويل الرابع: يستهزئ بهم بأن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا مما فيه عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة من العذاب والنكال. واختاره ابن جرير.\nومنه قول ابن عباس - فيما رواه عنه الضحاك -: (يسخر بهم للنقمة منهم).\nالتأويل الخامس: قيل بل هذا وأمثاله على سبيل الجواب. (نفاه ابن جرير) وقال: (وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة، فنافون عن الله ﷿ ما قد أثبته الله ﷿ لنفسه، وأوجبه لها).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يملي لهم) وقال مجاهد: (يزيدهم).\nقال القرطبي: (يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم، كما قال: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾).\nوقال القاسمي: (يزيدهم على وجه الإملاء، والترك لهم فيم عتوهم وتمردهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾).\nوقال الحافظ ابن كثير: (قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنْبًا أحدث لهم نعمة وهي في الحقيقة نقمة).\nقلت: وفي السنة الصحيحة ما يدل على هذا المعنى.","vol":"1","page":134},{"text":"فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحِبُّ، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج] (١).\nوفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ﷿ يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفْلِتْهُ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال ابن عباس: (في كفرهم يترددون).\nوقال: (يعمهون: يتمادون). وقال ابن مسعود: (يتمادون في كفرهم). قال ابن كثير: (والطغيان: هو المجاوزة في الشيء). وقال ابن جرير: (والعَمَهُ: الضلال، يقال: عَمِهَ فلان يَعْمَهُ عَمَهًا وعُمُوها، إذا ضلّ).\nقال القرطبي: (والعمى في العين، والعمه في القلب، وفي التنزيل: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ - فيه أكثر من قول:\n١ - عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾، أي الكفر بالإيمان).\n٢ - عن ابن مسعود: (أخذوا الضلالة وتركوا الهدى).\n٣ - عن قتادة: (استحبوا الضلالة على الهدى).\n٤ - عن مجاهد: (آمنوا ثم كفروا).\nوهي أقوال متقاربة مفادها أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال وبذلوا الهدى ثمنًا للضلالة والشهوات.\nوقوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾.\nقال قتادة: (قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٤٥)، والطبراني، والبيهقي في \"الشعب\" بسند حسن. انظر صحيح الجامع (٥٧٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجة (٤٠١٨)، وأخرجه ابن حبان (٥١٧٥)، ورواه البيهقي (٦/ ٩٤).","vol":"1","page":135},{"text":"الفُرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة).\nقال القرطبي: (أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم: رَبحَ بيعُكَ، وخسِرَت صفقتُك .. أي فما ربحوا في تجارتهم).\nقال القاسمي: (وفائدته: المبالغة في تخسيرهم، لِما فيه من الإشعار بكثرة الخسار).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إشارة لعدم اهتدائهم لطرق التجارة كما يهتدي إليه التجار البصراء، بل كانوا تجارًا فاشلين لا يصلحون للتصدي لها وتحقيق الأرباح. والمراد أنهم ما كانوا رُشداء في اختيارهم الضلالة على الهدى، واستبدالهم الكفر بالإيمان، واشترائهم النفاق بالتصديق والإقرار- كما أفاد ابن جرير.\nوقيل: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي في سابق علم الله. ذكره القرطبي.\nوقيل: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: لزوال استعدادهم، وتكدير قلوبهم بالرَّين الموجب للحجاب والحرمان الأبدي. ذكره القاسمي.\nوقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.\nشبه الله سبحانه المنافقين حين اشتروا الضلالة بالهدى وصاروا بعد البصيرة إلى العمى بمن استوقد نارًا فأضاءت له وانتفع بها وأبصر بها ما غيّبه الظلام من حوله وتأنَّس بها، فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره وعاد إلى الظلام الشديد، فلا يبصر ولا يهتدي. ثم شبه المنافقين أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى كالصم لايسمعون وكالبكم لا ينطقون وكالعُمي لا يبصرون طريقهم.\nفقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ نزل في المنافقين، فإلى ذكر أقوال علماء التفسير وأعلامه:\nالقول الأول: عن ابن عباس قال: (أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفؤوه بكفرهم به ونفاقِهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق).","vol":"1","page":136},{"text":"القول الثاني: مروي أيضًا عن ابن عباس قال: (هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلام، فيناكحُهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ، كما سلب صاحب النار ضوءَه. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ يقول: في عذاب).\nالقول الثالث: عن ابن مسعود - وناس من أصحاب النبي - ﷺ -: (زعم أن أناسًا دخلوا في الإسلام مقدمَ النبي - ﷺ - المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارًا فأضاءت له ما حوله من قذىً أو أذىً فأبصره حتى عرف ما يتَّقي. فبينا هو كذلك، إذ طَفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يتَّقي من أذًى. فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذْ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وأما النُّور، فالإيمان بما جاء به محمد - ﷺ -. وكانت الظلمة نفاقهم).\nالقول الرابع: عن ابن عباس: (ضربه الله مثلًا للمنافق. قال: أما النور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة، فهي ضلالتُهم وكفرهم يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدًى ثم نُزع منهم، فَعَتَوْا بعد ذلك).\nالقول الخامس: عن قتادة: (وأن المنافقَ تكلم بلا إله إلا الله، فأضاءت له في الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازى بها المسلمين، ووارثَ بها المسلمين، وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت، سُلبها المنافق، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في علمه). وفي رواية: (هي لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون).\nوقال الضحاك: (أما النور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمات، فهي ضلالتهم وكفرهم).\nالقول السادس: عن مجاهد قال: (أما إضاءة النار، فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى، وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة).\nالقول السابع: عن الربيع بن أنس قال: (إنما ضوءُ النار ونورها ما أوقَدتها، فإذا","vol":"1","page":137},{"text":"خمدت ذهب نورها، كذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاءَ له، فإذا شك وقع في الظلمة).\nوقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - عن ابن عباس: (أي: فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق).\n٢ - وقال السدي: (فكانت الظلمة نفاقهم).\n٣ - وقال الحسن البصري: (فذلك حين يموت المنافق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملًا من خيرٍ عَمِلَ به يصدق به قول: لا إله إلا الله).\nوفي السنة الصحيحة ما يصف هذا المصير للمنافقين:\nففي الصحيحين والمسند عن كعب بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: [مثلُ المؤمن كمثلِ الخامة (١) من الزرع، تُفيؤُها الريحُ مرة وتعدِلُها مرةً، ومثل المنافق كمثل الأرْزَةِ، لا تزال حتى يكون انجعافُها مرة واحدة] (٢).\nوفي المسند وجامع الترمذي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الريحُ تُفيؤُه، ولا يزال المؤمنُ يصيبُه بلاءٌ، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزِ، لا يهتز حتى يستحصدَ] (٣).\nوفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ -: [مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرّة وإلى هذه مرة] (٤).\nوالشاة العائرة بين الغنمين هي المترددة الحائرة لا تدري أيهما تتبع فهي تعير أي تتردّد وتذهب.\n_________\n(١) هي الساقة والقصبة اللينة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٥٦٤٣)، وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٨)، وصحيح الجامع - حديث رقم - (٥٧١٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٣٦)، ورواه أحمد والترمذي. انظر صحيح الجامع (٥٧١٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٢٥). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٤٢) - كتاب المنافقين.","vol":"1","page":138},{"text":"وأما قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. ففيه أقوال متشابهة:\n١ - قال ابن عباس: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ عن الخير. يقول: لا يسمعون الهدى ولا يُبصرونه ولا يعقلونه).\n٢ - وقال ابن مسعود وغيره: ﴿بُكْمٌ﴾، هم الخرس). وقال السدي: (فهم خرس عمي).\n٣ - وقال قتادة: (صم عن الحق فلا يسمعونه، عمي عن الحق فلا يبصرونه، بُكم عن الحق فلا ينطقون به).\nوقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال قتادة: (أي: لا يتوبون ولا يَذَّكَّرون).\n٢ - قال ابن مسعود وغيره: (فهم لا يرجعون إلى الإسلام).\n٣ - قال ابن عباس: (أي: فلا يرجعون إلى الهدى ولا إلى خير، فلا يصيبون نجاةَ ما كانوا على ما هم عليه).\nواستبعد ابن جرير القول الثالث بدعوى أنه محصور على وقت وأن لهم السبيل إلى الرجوع عنه، وذهب إلى أن قوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ من غير حصر على وقت دون وقت أو حال دون حال. قال: (وقوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن هؤلاء المنافقين الذين نعتهم الله باشترائهم الضلالة بالهُدى، وصممِهم عن سَماع الخير والحق، وبَكَمهم عن القيل بهما، وعَماهم عن إبصارهما - أنهم لا يرجعون إلى الإقلاع عن ضلالتهم، ولا يتوبون إلى الإنابة من نفاقهم. فآيسَ المؤمنين من أن يبصرَ هؤلاء رشدًا، أو يقولوا حقًّا، أو يسمعوا داعيًا إلى الهدى، أو أن يذّكروا فيتوبوا من ضلالتهم، كما آيس من توبة قادة كفّار أهل الكتاب والمشركين وأحبارهم، الذين وصفهم بأنه قد ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وغشّى على أبصارهم).\nقلت: وهذه الآية من الآيات التي يُفهم بها القدر وأنواع الكتابة في اللوح المحفوظ.\nقال القرطبي: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ","vol":"1","page":139},{"text":"الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.\n(الصَّوْب) في لغة العرب نُزول المطر، و(الصيِّب): السحاب ذو الصوب. و(صابَه) المطر أي مُطِر. قال ابن عباس: (الصيِّب: المطر). وقال: (القطر). وعن مجاهد: (الصيِّب: الربيع). وعن عبد الرحمان بن زيد: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: أو كَغَيْثٍ من السماء).\nوالظلمات جمع ظُلمة. والرعد مَلَكُ يزجُر السحاب، أو قيل: ريح تختنق تحت السحاب فتصاعد فيكون منه ذلك الصوت.\nوفي القول الأول أقوال يوضح بعضها بعضًا:\n١ - قال ابن عباس: (الرعد: ملك من الملائكة اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته).\nوقال: (الرعد: ملك يزجرُ السحاب بالتسبيح والتكبير).\nوقال: (الرعد: اسم ملك، وصوتُه هذا تسبيحه، فإذا اشتد زَجْره السحابَ، اضطرب السحابُ واحتكَّ. فتخرج الصواعق من بينه).\nوقال: (الرعدُ: ملك يسوق السحاب بالتسبيح، كما يسوق الحادي الإبل بحُدائه).\n٢ - قال مجاهد: (الرعد: ملك يزجر السحاب بصوته).\n٣ - قال عكرمة: (الرعد ملك في السحاب، يجمع السحاب كما يجمع الراعي الإبل).\nوقال: (إن الرعد ملكٌ يُؤمر بإزجاء السحاب فيؤلِّفُ بينه، فذلك الصوت تسبيحه).\nوقال: (كان ابن عباس إذا سمع الرعد قال: سُبحان الذي سبَّحتَ له. قال: وكان يقول: إن الرعد ملكٌ ينعَق بالغيث كما ينعقُ الراعي بغنمه).\n٤ - قال قتادة: (الرعد خَلْقٌ من خلق الله جل وعز، سامعٌ مطيع لله جل وعز).\nوأما القول الثاني فذكر ابن جرير أنه من طريق الحسن بن الفرات عن أبيه قال: (كتب ابن عباس إلى ابن أبي الجَلد يسأله عن الرعد، فقال: الرعد ريح).\nوفي رواية: (كتبتَ تسألني عن الرعد، فالرعد ريح).","vol":"1","page":140},{"text":"قلت: والقول الأول هو الراجح، فإن السنة الصحيحة قد دلت عليه.\nفقد أخرج الإمام أحمد والطبراني وابن سعد بسند حسن عن ابن عباس قال: [أقبلت يهود إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قالوا الله على ما نقول وكيل. قال: هاتوا، قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه. قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: يلتقي الماءان فإن علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت، قالوا: أخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عرق النَّسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا. قال عبد الله قال أبي، قال بعضهم: يعني الإبل فحرّم لحومها. قالوا: صدقت. أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب، بيده أو في يده مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمر الله، قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: صوته. قالوا: صدقت. إنما بقيت واحدة وهي التي نبايعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان. فانزل الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] إلى آخر الآية] (١).\nوأما البرق فأصله في كلام العرب من البريق والضوء. قال الرازي: (برق السيف وغيره تلألأ). ورعدت المرأة وبرقت: تحسّنت وتزينت. ورعد الرجل وبرق: تهدّد وأوعد. وقد ورد فيه عند المفسرين أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: البَرْق مخاريق الملائكة.\nقال ابرْ عباس: (البَرْق مخاريقُ بأيدي الملائكة، يزجرون بها السحاب).\nوعن علي ﵁ قال: (الرعد الملك، والبرق ضَرْبه السحابَ بمخراق من حديد).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٤)، والترمذي في السنن - حديث رقم (٣١١٧)، وله شواهد. فقد أخرج الطيالسي (٢٧٣١)، والطبري (١٦٠٨)، وأحمد (١/ ٢٧٣)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٢٦٦) نحوه بإسناد حسن. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\"- الوادعي - سورة البقرة، آية (٩٧).","vol":"1","page":141},{"text":"التأويل الثاني: البَرْق سوطٌ من نور يُزجي به الملكُ السحاب. ذكره الضحاك عن ابن عباس.\nالتأويل الثالث: البَرْقُ ماء.\nيروي ابن جرير بسنده عن أبي كثير قال: (كنت عند أبي الجَلْد إذ جاء رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه: كتبتَ إليّ تسألني عن البرق، فالبرق الماء).\nوفي رواية: (فقال: البرق ماء). وفي رواية: (وإنه من الماء).\nالتأويل الرابع: البَرْق هو مَصْعُ مَلك.\nقال مجاهد: (البرق، مَصْعُ مَلك). وقال ابن جريج: (البرق ملك).\nوقد حاول ابن جرير ﵀ الجمع بين هذه الأقوال بقوله: (وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر علي ﵁ أنها هي البرق، هي السياط التي هي من نور، التي يُزجي بها الملك السحاب، كما قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك بها السحاب، مَصْعَه إياه).\nوأما الصواعق فهي جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد.\nقال ابن زيد: (الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد).\nوقال مجاهد: (إذا اشتد غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من فيه وهي الصواعق).\nوقال الخليل: (هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحيانًا قطعة نار تحرق ما أتت عليه). وحكى عن قوم الساعقة (بالسين).\nوقال القرطبي: (والصاعقة أيضًا صيحة العذاب، قال الله ﷿: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾. ويقال: صَعِقَ الرجل صعقة وتصعاقا، أي غُشي عليه، ومنه قول تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾).\nوأما معنى الآية: فقد مثَّل الله تعالى أحوال المنافقين بما فيه الصَّيِّب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. فالظلمات مَثَلٌ لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثلٌ لما يُخَوَّفون به. وقيل: مثّل الله تعالى بالصيِّب لما فيه من الإشكال عليهم، والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة","vol":"1","page":142},{"text":"التي تكاد أحيانًا أن تبهرهم هو البرق. والصواعق مثَلٌ لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل. وقيل: الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما. وقيل غير ذلك. فإلى ذكر خلاصة ما تأوله المفسرون.\nالتأويل الأول: عن ابن عباس: (﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: أي هم من ظُلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف منكم - على مثل ما وصف، من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حَذَر الموت، يكاد البرق يخطف أبصارهم - أي لشدة ضوء الحق - كُلَّما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين).\nالتأويل الثاني: عن ابن مسعود وناس من الصحابة: (كان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبي - ﷺ - جعلوا أصابعهم في آذانهم، فَرَقًا من كلام النبي - ﷺ -، أن ينزِلَ فيهم شيء أو يُذكروا بشيء فيقتلوا، ....، وإذا أضاء لهم مشوا فيه: فإذا كثرت أموالهم، ووُلدَ لهم الغلمان، وأصابوا غنيمة أو فتحًا، مشوا فيه، وقالوا: إن دين محمد - ﷺ - دينُ صدق. فاستقاموا عليه ...، وإذا أظلم عليهم قاموا: فكانوا إذا هلكت أموالهم، ووُلد لهم الجواري، وأصابهم البلاء، قالوا: هذا من أجل دين محمد. فارتدوا كفارًا ..). وعن قتادة: (﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ يقول: أجبنُ قوم، لا يسمعون شيئًا إلا ظنوا أنهم هالكون فيه حذرًا من الموت. ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: هذا المنافق إذا كثر ماله، وكثرت ماشيته، وأصابته عافية قال: لم يُصبني منذ دخلت في ديني هذا إلا خير. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: إذا ذهبت أموالهم، وهلكت مواشيهم وأصابهم البلاء، قاموا متحيرين).\nالتأويل الثالث: عن ابن عباس أيضًا: (هو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله وعمل، مُراءَاةً للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره. فهو في ظلمة ما أقام على ذلك. وأما الظلمات فالضلالة، وأما البرقُ فالإيمان، وهم أهل الكتاب. وإذا أظلم عليهم، فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه).\nالتأويل الرابع: عن ابن عباس أيضًا: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وهو المطر، ضربَ مثله في القرآن يقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ يقول: ابتلاء، ﴿وَرَعْدٌ﴾ يقول: فيه","vol":"1","page":143},{"text":"تخويف، ﴿وَبَرْقٌ﴾، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. يقول: كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزًا اطمأنّوا، وإن أصابَ الإسلام نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر، يقول: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]).\nوقال قتادة: (فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاءً أو طمأنينة أو سَلوة من عيش قال: أنا معكم وأنا منكم، وإذا أصابته شديدةٌ حقحق والله عندها، فانقطع به، فلم يصبر على بلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يَرْجُ عاقبتها).\nالتأويل الخامس: عن الربيع بن أنس قال: (مثلهم كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة، ولها مطر ورعد وبرق على جادّة، فلما أبرقت أبصروا الجادة فمضوا فيها، وإذا ذهب البرق تحيروا. وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك تحيّر ووقع في الظلمة، فكذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ ثم قال: في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾).\nوقال الضحاك بن مُزاحم: (أما الظلمات فالضلالة، والبرق الإيمان).\nوقال ابن زيد: (هذا أيضًا مثلٌ ضربه الله للمنافقين، كانوا قد استناروا بالإسلام، كما استنار هذا بنور هذا البرق).\nوقال ابن جُريج: (ليس في الأرض شيء سمعه المنافق إلا ظنَّ أنه يُراد به، وأنه الموت، كراهيةً له - والمنافق أكره خلق الله للموت - كما إذا كانوا بالبَراز في المطر، فرّوا من الصواعق). وعن عطاء: (مثل ضرب للكافر).\nوعن مجاهد: (﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامعهم في جهنم). وقال ابن عباس: (الله منزل ذلك بهم من النِّقمة).\nوقد ذكر ابن جرير ﵀ معظم هذه الأقوال وأخبر أنها متقاربات المعاني لأنها تنبئ جميعها عن أن الله ضرب الصيِّب مثلًا لظاهر إيمان المنافق، ومثّل ما فيه من ظلمات لضلالته، وما فيه من ضياء برقٍ لنور إيمانه، واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه، لضعف جَنانه ونَخْبِ فؤاده من حُلول عقوبة الله بساحته، ومشيَه في","vol":"1","page":144},{"text":"ضوء البرق لاستقامته على نور إيمانه، وقيامَه في الظلام لحيرته في ضلالته وارتكاسه في عَمَهه.\nقال القرطبي ﵀: (حذَرَ وحِذار بمعنىً، وقرئ بهما. قال سيبويه: هو منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله، وحقيقته أنه مصدر) (١).\nقلت: وخلاصة المعنى: إن مثل ظاهر إيمان المنافقين وما أظهروه من القول مثل المطر يصاحبه ظلمات ورعد وبرق وصواعق، فالظلمات مثل لما استبطنوه من الشك والتكذيب وأمراض القلوب، والبرق مثل لنور الإيمان الذي يسطع - أحيانًا - نتيجة تكلمهم بظاهر الحق أو محاولتهم التصديق، وأما الرعد والصواعق فهي مثل ما هم عليه من الوجل مما يترتب عليهم من عقوبة وخزي في الدنيا إذا انكشف أمرهم، فهم يتقون وعيد الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله - ﷺ - بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها، حذرًا على نفسه منها والله محيط بهم وجامعهم في جهنم.\nثم قال سبحانه: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.\nالخَطْف في لغة العرب: الاستِلاب. يقال: (برق خاطِف لنور الأبصار) - حكاه الرازي.\nفجعل سبحانه ضوء البرق وشدة لمعانه كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله - ﷺ - وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشعاعِ نوره.\nقال ابن عباس: (يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين).\nوقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي لشدة ضوء الحق ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقين من عِزِّ الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا أصاب الإسلامِ نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ...﴾ الآية (٢».\nوقال ابن عباس أيضًا: (أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على\n_________\n(١) وقال الفراء: هو منصوب على التمييز. وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال القرطبي: أي عالم بهم.\n(٢) الحج (١١).","vol":"1","page":145},{"text":"استقامة فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿قَامُوا﴾ متحيرين).\nقال القرطبي: (والمعنى: تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تَبْهَرهم. ومن جعل ﴿الْبَرْقُ﴾ مثلًا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يُذهب أبصارهم).\nوقوله: ﴿كُلَّمَا﴾ منصوب لأنه ظرف. ويجوز أن تكون (كلما) بمعنى إذا، والجواب ﴿مَشَوْا﴾. والمفعول محذوف والتقدير: (كلما أضاء لهم البرق الطريقَ) وهذا وجه، والوجه الآخر: أن تكون أضاء وضاء سواء فلا حاجة لتقدير حذف مفعول. ذكره القرطبي.\nوفي قوله ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أكثر من تأويل (١):\nالتأويل الأول: كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنِسُوا ومشَوا معه، فإدْا نزل من القرآن ما يَعْمَوْنَ فيه ويضلون به أو يكلفونه ﴿قَامُوا﴾ أي ثبتوا على نفاقهم. ذكره ابن عباس.\nالتأويل الثاني: قيل: المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النِّعم قالوا: دين محمد مبارك، وإذا نزلت بهم مصببة وأصابتهم شدة سخِطوا وثبتوا في نفاقهم. ذكره ابن مسعود وقتادة.\nالتأويل الثالث: كلما تكلموا بكلمة الإخلاص أضاء لهم من نورها، فإذا تحركت قلوبهم بالشك والتكذيب والتردد رجعوا إلى الظلمة، ذكره الربيع بن أنس.\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.\nقال ابن عباس: (لما تركوا من الحق بعد معرفته).\nوقال الربيع بن أنس: (يعني أسماع المنافقين، وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس).\nقال القرطبي: (﴿لَوْ﴾ حرف تمَنٍّ وفيه معنى الجزاء، وجوابه اللام. والمعنى: ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عِزّ الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخصّ السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولًا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان).\n_________\n(١) بعضها مضى ولكن أعود لتلخيصها.","vol":"1","page":146},{"text":"وذهب بعض نحوي الكوفة أنه وحّد السمع لأنه عنى به المصدر وقصد به الخَرْق، وجمع الأبصار لأنه عنى به الأعين. في حين ذهب بعض نحوي البصرة إلى أن السمع وإن كان في لفظ واحد فإنه بمعنى جماعة كقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي أطرافهم.\nقال ابن جرير: (ولو فعل بالبصر نظير الذي فعل بالسمع، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار - من الجمع والتوحيد - كان فصيحًا صحيحًا).\nقلت: وخلاصة المعنى: (يكاد الوحي النازل يلمع في قلوب المنافقين فيظهر على ألسنتهم، فإذا نزلت التكاليف والشرائع انتكست قلوبهم لشدة أمراضها، وإذا تهددت مصالح معاشهم ودنياهم التي عظموها لاذوا إلى النفاق، ولو شاء الله لكشفهم وفضحهم وأخزاهم بسيوف المؤمنين أو حرمهم أسماعهم وأبصارهم التي استخدموها في نفاقهم).\nثم قال تعالى يختم الآيات:\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nقال ابن جرير: (وإنما وصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير).\nوأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير. ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾ قادر.\nوفي صحيح الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: [خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير] (١).\nقال القرطبي: (فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين، أربع آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين، وبقيتها في المنافقين. وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج، وقاله مجاهد أيضًا).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٨٣٧)، وله شاهد عند الطبراني (١٣/ ٢) من حديث علي ﵁ - في \"فضل عشر ذي الحجة\". وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٠٣).","vol":"1","page":147},{"text":"٢١ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تذكير الله تعالى عباده أنه الخالق وحده لهم ولمن قبلهم، وأنه تعالى وحده ممهد الأرض ورافع السماوات ومنزل المطر ومخرج الثمار لعلهم يفردوه سبحانه بالتعظيم.\nوعن ابن عباس قال: (قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي وحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم). قال ابن مسعود. (يقول: خلقكم وخلق الذين من قبلكم).\nقال ابن جرير: (والذي أراد ابن عباس - إن شاء الله - بقوله في تأويل قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وحِّدوه، أي أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه).\nوفي مسند البزار عن عبد الله قال: (كل شيء نزل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو بمكة. وكل شيء نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو بالمدينة). وهو مروي عن مجاهد وعلقمة. قال القرطبي: (وهذا يردّه أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. وأما قولهما في ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فصحيح).\nلقد وجّه الله سبحانه الخطاب إلى الناس جميعًا -بما فيهم الذين ذكرهم من قبل من المنافقين واليهود والمشركين- بأن يفردوه سبحانه بالتعظيم والخضوع والمحبة. وهذا هو مفهوم العبادة.\nوفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: [كنتُ رديفَ النبي - ﷺ - على حمارٍ، فقال لي: يا معاذُ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حقُّ العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله: أن لا يعذِّب من لا يشرك به شيئًا. قلت: يا رسول الله، أفلا أبشِّرُ الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣/ ٣٠٠) في التوحيد، ومسلم (٣٠) في الإيمان.","vol":"1","page":148},{"text":"وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: [قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك] (١).\nوفي المسند وسنن الدارمي بسند جيد عن الطفيل بن سَخْبرة - أخي عائشة أم المؤمنين لأمها - قال: [رأيت فيما يرى النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وما شاء محمد. قال: ثم مررت بنفر من النصارى. فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت، ثم أتيت النبي - ﷺ - فأخبرته، فقال: هل أخبرت بها أحدًا؟ قلت: نعم. فقام، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن طُفَيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده] (٢).\nوفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [آمركم بثلاث، وأنهاكم عن ثلاث، آمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وتعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وتطيعوا لمن ولاه الله عليكم أمركم. وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (٣).\nومن خير ما جمع مفهوم العبادة بآفاقها هذا الحديث العظيم:\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي والنسائي في السنن، والبخاري في التاريخ، بسند صحيح، عن الحارث الأشعري: أن نبي الله - ﷺ - قال: [إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلماتٍ أن يعمل بهن وأن يأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بهن،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٧٧) - كتاب التفسير -، وأخرجه مسلم (٨٦) في الإيمان.\n(٢) جيد. أخرجه الدارمي (٢/ ٢٩٥)، وأحمد (٥/ ٧٢). وإسناده صحيح على شرط البخاري. وله شاهد من حديث جابر بن سمرة أخرجه ابن حبان (٥٧٢٥) بإسناد لا بأس به، وآخر أخرجه ابن ماجة في السنن (٢١١٨) من حديث حذيفة بسند قوي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٥٤٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة - حديث رقم - (٦٨٣)، وفي صحيح الجامع الصغير (١٢).","vol":"1","page":149},{"text":"فكأنه أبطأ بهن، فأوحى الله إلى عيسى: إما أن يُبَلِّغَهن أو تُبَلِّغَهنَّ، فأتاه عيسى فقال له: إنك أُمِرت بخمس كلمات أن تعمل بهنَّ، وتأمَر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فإما أن تُبَلِّغَهن وإما أن أبلِّغَهُنَّ، فقال له: يا روح الله إني أخشى إن سبقتني أن أعذبَ أو يُخسفَ بي، فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنَّ وآمرَكم أن تعملوا بهنَّ، وأولهُنَ أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثلَ من أشركَ بالله كمثل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورقٍ، ثم أسكنه دارًا، فقال: اعمل وارفع إليَّ، فجعل العبد يعمل ويرفع إلى غير سيِّده، فأيكم يرضى أن يكونَ عبدُه كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا.\nوأمركم بالصلاة، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله ﷿ يُقبل بوجهه على عمده ما لم يلتفت.\nوأمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل معه صُرَّةُ مِسْكٍ في عِصابَةٍ كلُّهم يجدُ ريح المسك، وإن خَلُوفَ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nوأمركم بالصدقة، ومثلُ ذلك كمثل رجل أسَرَه العدو فشدّوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فكَّ نفسه.\nوأمركم بذكر الله كثيرًا، ومثلُ ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعًا في أثره فأتى حِصنًا حصينًا فأحرز نفسه فيه، وإن العبدَ أحصنُ ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى.\nوأنا آمركم بخمس أمرني الله بهنّ: الجماعةِ والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإنه من فارق الجماعة قِيد شبرٍ فقد خلع رِبْقةَ الإسلام من عنقه إلا أن يُراجِعَ، ومن دعا بدعوة الجاهلية فهو من جُثاء جهنَم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين عبادَ الله] (١).\nقال عروة بن الزبير: (ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٣٠ - ٢٠٢)، والترمذي في السنن (٢٨٦٣) وحسنه ابن كثير. وقال فيه الألباني: هذا الحديث صحيح الإسناد بلا شك، انظر: صحيح الجامع (١٧٢٠).","vol":"1","page":150},{"text":"وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\nقال مجاهد: (لعلكم تطيعون)، أي لعلكم أن تتقوا ربكم بطاعتكم إياه، وإقلاعكم عن ضلالتكم. وليس المراد بلعل هنا الشك، قال أبو جعفر: (وإنما معنى ذلك. اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة).\nقال القرطبي: ﴿لَعَلَّ﴾ متصلة باعبدوا لا بخلقكم، لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتّقي).\nثم ذكر تأويلات ﴿لَعَلَّ﴾ التي وردت في القرآن بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وخلاصتها:\n١ - لعلّ: من الترجي والتوقّع. أي افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا. هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان. قال سيبويه في قوله ﷿: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] قال: معناه اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى. واختاره أبو المعالي.\n٢ - لعلّ: مجردة من الشك بمعنى لام كي. أي لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا. كقول الشاعر:\nوقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا ... نكفُّ ووثقتم لنا كلّ موثق\nفلما كفننا الحرب كانت عهودكم ... كلَمْعِ سراب في المَلا متألِّقِ\nوالمعنى: كفّوا الحروب لنكف، ولو كانت \"لعل\" هنَا شكًّا لم يوثقوا لهم كل موثق، وهذا القول عن قُطْرُب والطبري.\n٣ - لعلّ: بمعنى التعرض للشيء. أي افعلوا ذلك متعرضين لأن تعقلوا، أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا. والمعنى في قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار. ومنه قول علي ﵁: (كنا إذا احمرّ البأس اتقينا بالنبي - ﷺ -) أي جعلناه وقاية لنا من العدو.\nواختار القاسمي القول الأول، قال: (وفي إيراد ﴿لَعَلَّ﴾ تشبيه طلبه تعالى برجاء الراجي من المرجوّ منه أمرًا هيّن الحصول. فإنه تعالى لما وضع في أيدي المكلفين زمام الاختيار، وطلب منهم الطاعة، ونصب لهم أدلة عقلية ونقلية داعية إليها، ووعد، وأوعد، وألطف بما لا يحصى كثرة - لم يبق للمكلف عذر، وصار حاله في رجحان","vol":"1","page":151},{"text":"اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في رجحان اختياره لما يرتجى منه - مع تمكنه من خلافه - وصار طلب الله تعالى لعبادته واتقائه بمنزلة الترجي).\nقلت: والوجوه الثلاثة لـ ﴿لَعَلَّ﴾ التي أفادها القرطبي ﵀ مقصودة شرعًا ومتفقة مع البيان الإلهي والنبوي.\nوقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾.\nقال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما: (فهي فراش يُمشى عليها، وهي المهاد والقرار).\nوقال قتادة: (مهادًا لكم).\nوقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.\nقال ابن عباس: (فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض).\nوقال قتادة: (جعل السماء سقفًا لك).\nوالسماء في لغة العرب يُذَكَّرُ ويؤنَّث وجَمْعه (أَسْمِيَة) و(سماوات). قال الرازي: (والسماء كلُّ ما علاك فأظلّك ومنه قيل لسقف البيت سماء).\nفسميت السماء سماء لعلوها على الأرض وعلى سكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماء. ومنه قولهم: سما فلان لفلان، إذا أشرف له وقصد نحوه عاليًا عليه.\nقال ابن جرير: (وإنما ذكر تعالى ذكره السماء والأرض فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوامُ دُنياهم. فأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم، هو المستحق عليهم الطاعة، والمستوجب منهم الشكر والعبادة، دون الأصنام والأوثان، التي لا تضر ولا تنفع).\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nالثمرات جمع ثمرة. وثِمار جمع ثمر. قال القرطبي: (والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانًا من الثمرات، وأنواعًا من النبات. ﴿رِزْقًا﴾ طعامًا لكم، وعَلَفًا لدوابكم،","vol":"1","page":152},{"text":"وقد بيّن هذا قولُه تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢].\nقال النسفي: (ومن في ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ للتبعيض أو للبيان ﴿رِزْقًا﴾ مفعول له إن كانت من للتبعيض ومفعول به لأخرج إن كانت للبيان).\nوخلاصة المعنى: إن الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها المنعم المتفضل عليهم بألوان الثمار والرزق قد استحق بهذا أن يُعبد وحده ولا يُشرك به غيره ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوفي لغة العرب: ندّ البعير يندُّ ندًّا وندُودًا إذا نفر وذهب على وجهه شاردًا. ومنه قرأ بعضهم: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بتشديد الدال. ذكره الرازي. وأندادًا واحدها نِدّ.\nقال أبو عبيدة: (أندادًا: أضدادًا). فالمعنى: (لا تجعلوا لله أكفاء وأمثالًا ونظراء).\nفإن قيل: كيف سمّاها أندادًا وهم ما كانوا يزعمون أنها تخالفه وتناوئه بل يجعلونها شفعاء عنده؟ أجاب القاسمي ﵀: (بأنهم لما تقرّبوا إليها وعظموها وسمّوها آلهة - أشبهت حالهم حالَ من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكُّم. وكما تهكَّم بهم بلفظ الندّ شنّعَ عليهم واستفظع شأنهم، بأن جعلوا أندادًا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط).\nوفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: [من مات وهو يدعو من دون الله نِدًّا دخل النار] (١).\nوفي سنن النسائي ومسند أحمد عن ابن عباس: [أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله عَدلًا، ما شاء الله وحده] (٢).\nورواه ابن مردويه بلفظ: (أجعلتني لله ندًّا) (٣). والمعنى واحد.\nقال ابن القيم ﵀:\nوالشرك فاحذره، فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران\nوهو اتخاذ الند للرحمن أيًّا ... كان، من حجر ومن إنسان\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٨/ ١٣٢)، (٦٦٨٣) - كتاب الأيمان والنذور.\n(٢) أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\"، وأحمد في المسند (١/ ٢١٤)، وهو صحيح.\n(٣) انظر \"فتح المجيد\" -تحقيق الأرناؤوط- ص (٥٠٥).","vol":"1","page":153},{"text":"يدعوه، أو يرجوه، ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان\nواتخاذ الند على قسمين كما ذكر العلماء:\n١ - أن يجعله لله شريكًا في أنواع العبادة أو بعضها وهو من الشرك الأكبر.\n٢ - ما كان من نوع الشرك الأصغر كقول الرجل: (ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء).\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nابتداء وخبر، والجملة حالية.\n١ - قيل: عني بها جميع المشركين من مشركي العرب وأهل الكتاب.\n٢ - وقيل: بل عني بذلك أهل الكتابين، أهل التوراة والإنجيل.\nفالأول: عن ابن عباس قال: (نزل ذلك في الفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين. وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه).\nوقال قتادة: (أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض، ثم تجعلون له أندادًا).\nوالثاني: عن مجاهد: (﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أنه إله واحدٌ في التوراة والإنجيل).\nوقال: (يقول: وأنتم تعلمون أنه لا ندّ له في التوراة والإنجيل).\nواختار ابن جرير أن الخطاب عامٌّ للناس كافة قال: (لأنه تحدّى الناس كلهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾) وهو القول الأول الذي ذهب إليه ابن عباس وقتادة.\nفإن قيل: كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم قبل ذلك بالختم والطبع والصمم والعمى؟\nفالجواب من وجهين:\nالأول: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يريد العلم الخاص بأنه تعالى خلق الخلق وأنزل اللماء وأنبت الرزق فيعلمون أنه المنعم عليهم بذلك لا الأنداد.","vol":"1","page":154},{"text":"الثاني: أن يكون المعنى (وأنتم تعلمون وحدانيّته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم).\nوقد ذكره القرطبي ثم قال: (وفي هذا دليل على الأمر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد. وقال ابن فُورَك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلو الله أندادًا بعد علمكم الذي هو نَفْيُ الجهل بأن الله واحد).\n٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يتحدى الله تعالى الكفار أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو بسورة مثله ولو اجتمعوا. ألا ولن يستطيعوا وأصروا على الكفر فليتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة.\nلقد شرع ﷾ في هذه الآيات في تقرير الركن الثاني من الشهادتين: \"شهادة أن محمدًا رسول الله\" بعد أن قرر في الآيات السابقة الركن الأول منها: \"شهادة أن لا إله إلا الله\" فخاطب الكفار بقوله. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني محمدًا - ﷺ - ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ من مثل ما جاءكم به فعارضوه بنحو ما جاء به واستعينوا على ذلك بكل حاذق أو صاحب علم وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به.\nوالريب في لغة العرب: الشَّك، والاسم الرِّيبة: وهي التهمة والشك. ولما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط سمّى نبيه عبدًا. فمقام العبودية لا ينازعه مقام. ثم إن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: من مثل القرآن.\nقال قتادة: (يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدقًا، لا باطل فيه ولا كذب). وقال مجاهد: (مثل القرآن). فيكون المعنى: فأتوا أيها الكفار بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيها العرب، كما أتى به محمد بلغاتكم ومعاني منطقكم.","vol":"1","page":155},{"text":"التأويل الثاني: من مثل محمد من البشر، لأن محمدًا بشر مثلكم. والمعنى: من بَشَرٍ أُمِّيّ مثله لا يكتب ولا يقرأ. واختار ابن جرير التأويل الأول لمناسبته السياق.\nالتأويل الثالث: من مثل التوراة والإنجيل.\nفأعادوا الضمير في \"مثله\" على التوارة والإنجيل. فيكون المعنى: فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه.\nولا شك أن التأويل الأول هو الذي عليه الجمهور من العلماء.\nوقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nفيه أقوال متشابهة:\nالأول: أعوانكم ونصراءكم. قال ابن عباس: (يعني أعوانكم على ما أنتم عليه إن كنتم صادقين).\nالثاني: ناس يشهدون. قال مجاهد: (قوم يشهدون لكم). وقال: (ناس يشهدون) أي أنكم عارضتموه.\nالثالث: آلهتكم. قاله الفرّاء.\nوالمعنى كما قال ابن جُريج: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ عليها إذا أتيتم بها - أنها مثلُه، مثل القرآن).\nأي استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به، فيكون الردّ على الجميع أوكدَ في الحجة عليهم.\nودُون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون ظرفًا. و(الدُّون) الحقير. حكاه الرازي.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nأنّ ذلك مختلق وأنه من كلام محمد ﵇، وجواب الشرط محذوف والتقدير: إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا أنتم بمثله واستعينوا بآلهتكم على ذلك. حكاه النسفي.\nوقد ورد في التنزيل مثل هذا التحدي في أكثر من موضع:","vol":"1","page":156},{"text":"قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص: ٤٩].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].\nوقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)﴾ [هود: ١٣].\nوقال جل ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨].\nوقد تحداهم رسول الله - ﷺ - بذلك مرات عديدة في مكة والمدينة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع ذلك فقد عجزوا ولم يفلحوا. فقال سبحانه:\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي لن تأتوا بسورة من مثله أبدًا. ولن عند سيبويه حرف موضوع لتأكيد نفي المستقبل.\nقال قتادة: (أي لا تقدرون على ذلك ولا تطيقونه).\nوقال ابن عباس: (﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ فقد بين لكم الحق).\nقال القاسمي ﵀: (وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى. حيث كان الأصل: فإن لم تفعلوا فقد صحّ صدقه عندكم، وإذا صحّ ذلك كان لزومكم العناد، وتَرْكُكُم الإيمان به، سببًا لاستحقاقكم العقاب بالنار).\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀: (أخبر (١) خبرًا جازمًا قاطعًا مقدمًا غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء؟ ! وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟ . . . . ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يَحْسُن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه.\n_________\n(١) أي النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":157},{"text":"وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة، أو سير أو مخافة، أو سبع، أو شيء من المشاهدات المعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبر عن الشيء الخفي أو الدقيق وإبرازه إلى المعنى الواضح، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر، هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائل تحته. وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا، ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكررت حلا وغلا، لا يَخْلَقُ عن كثرة الرد، ولا يَمَلُّ منه العلماء).\nقلت: والحق أنه أكبر معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة، وهو أكبر من معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي أخرجوها لأقوامهم ودهشوهم بها.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: عن رسول الله - ﷺ - قال: [ما من نبيّ من الأنبياء إلا قد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (١).\nوكل سورة من القرآن معجزة، لا يستطيع البشر معارضتها، طويلة كانت أم قصيرة. قال الشافعي ﵀: (لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾). قال الحافظ ابن كثير: (وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ إلى آخرها، ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها، فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر، يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك جفر نقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٤٩٨١)، وأخرجه مسلم (١٥٢).","vol":"1","page":158},{"text":"أي اتقوا أن تَصْلَوُا النار بتكذيبكم هذا الوحي وهذا النبي ﵊. فإن قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ جواب ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾. والوَقود بالفتح الحطب. والوُقود بالضم التوقد. قال النحاس: (كما أن الوَضوء الماءُ، والوُضوء المصدر).\nو﴿وَقُودُهَا﴾ مبتدأ و﴿النَّاسُ﴾ خبره. وقرأ الحسن ومجاهد: \"وُقُودُهَا\" بضم الواو. يقال: وقَدَتِ النار تقِدُ وُقودًا ووَقَدًا وقِدَةً. والوَقْدة: شدة الحرّ. وأما الحجارة فهي -حسب تأويل بعض المفسرين- حجارة الكبريت، وهي أشد الحجارة حرًّا إذا أحميت.\nقال ابن مسعود: (هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا، يُعدّها للكافرين). وقال: (حجارة الكبريت، جعلها الله كما شاء). وقال: (حجارة من الكبريت خلقها الله عنده كيف شاء وكما شاء).\nوقال ابن عباس: (أما الحجارة، فهي حجارةٌ في النار من كبريت أسْود، يُعذبون به مع النار).\nوعن ابن جريج: (حجارة من كبريت أسودَ في النار، قال: وقال لي عمرو بن دينار: حجارة أصلب من هذه وأعظم). قلت: والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر).\nوالكافر في كلام العرب هو الساتر شيئًا بغطاء. والكَفْرُ التغطية. فسمّى الله الكافر كافرًا لجحوده آلاءه عنده، وتغطيته نعماءَه قِبَله.\nفيكون المعنى كما قال ابن جرير: (أعدت النار للجاحدين أن الله ربُّهم المتوحِّدُ بخلقهم وخلق الذين من قبلهم، الذي جعل لهم الأرض فراشًا، والسماء بناء، وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم - المشركينَ معه في عبادته الأنداد والآلهة، وهو المتفرد لهم بالإنشاء، والمتوحِّد بالأقوات والأرزاق) انتهى.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [احتجت الجنة والنار، فقالت الجنة: يدخلني الضعفاء والمساكين، وقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون، فقال الله للنار: أنت عذابي، أنتقم بك ممن شئت، وقال للجنة: أنت رحمتي، أرحم","vol":"1","page":159},{"text":"بك من شئت، ولكل واحدةٍ منكما ملؤُها] وهذا لفظ مسلم (١).\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [استأذنت النار ربَّها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا فأذِنَ لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف] (٢).\nوفي الصحيحين والمسند عنه عن النبي - ﷺ - قال: [نارُكم هذه التي توقِدُ بنو آدم، جُزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم، قيل: يا رسول الله! إن كانت لكافية؟ قال: فإنها فضَلَتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، كلُّهن مثل حرِّها] (٣).\nوفي لفظ عند الترمذي من حديث أبي سعيد: [ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نارِ جهنم، لكل جزء منها حرُّها] (٤).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- قال: [سمعنا وجبةً فقلنا: ما هذه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها] (٥).\n٢٥. قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآية: تبشير الله تعالى عباده المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار لهم فيها من أجمل الفواكه والثمار، وأطهر الزوجات، في خلود ونعيم مقيم.\nوأصل البُشارة في لغة العرب الخبر بما يُسَرُّ به المخبَر، والبُشارة بكسر الباء وضمها، ويقال: (أبشر إبشارًا) أي سُرّ. قال الرازي: (والبشارة المطلقة لا تكون إلا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٤٦)، وأخرجه البخاري (٤٨٤٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣٧). وأخرجه كذلك مسلم (٦١٧).\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٧٦)، وانظر: صحيح البخاري -حديث رقم- (٣٢٦٥)، كتاب بدء الخلق، وصحيح الجامع (٦٦١٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٧٢٩)، وانظر صحيح الجامع (٦٦١٩).\n(٥) حديث صحيح. رواه أحمد ومسلم. انظر صحيح مسلم (٢٨٤٤)، ومسند أحمد (١/ ٤٧٢).","vol":"1","page":160},{"text":"بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيّدة به كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾).\nوفي مسند أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: [بُشرى الدنيا الرؤيا الصالحة] (١). وفي صحيح أبي داود عن بريدة، عن النبي - ﷺ - قال: [بشِّر المشائين في الظُّلَم أبي المساجد بالنور التام يوم القيامة] (٢).\nوفي سنن النسائي عن سهل بن حنيف عن النبي - ﷺ - قال: [بشِّر الناس أنه من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وجبت له الجنة] (٣).\nوالجنات: جمع جنة، والجنة: البستان. قال ابن جرير: (وإنما عنى جل ذكره بذكر الجنة: ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها، دون أرضها- ولذلك قال عز ذكره: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. لأنه معلوم أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبر عن ماءِ أنهارها أنه جارٍ تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جارٍ تحت أرضها. لأن الماء إذا كان جاريًا تحت الأرض، فلا حظَّ فيها لعيون مَنْ ؤوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه. على أن الذي توصف به أنهار الجنة، أنها جارية في غير أخاديد).\nقال مسروق: (نخل الجنة نضيدٌ من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نُزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري في غير أخدود). وقد صح ذلك موقوفًا من كلام أنس وابن عباس (٤)، أنها أنهار تجري من غير أخدود. وقد جاء في الكوثر: \"أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف\" ولا منافاة بينهما.\nفقد أخرج البخاري عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قبابُ الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينُه مِسْكٌ أذفَرُ] (٥). والأذفر الشديد الرائحة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٥)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٤٧)، وبنحوه رواه مسلم (٧/ ٥٢)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٧٨٦)، وصحيح الجامع (٢٨١٩).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٥٢٥) في الصلاة. باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم من حديث بريدة ﵁.\n(٣) حديث صحيح. رواه النسائي. كما ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٨) من رواية الطبراني في الكبير عن زيد بن خالد وقال: \"ورجاله موثقون\". وانظر صحيح الجامع (٢٨٢١).\n(٤) راجع الترغيب (٥٤٨٢)، وكذلك (٥٤٨٤).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٨١) - كتاب الرقاق. باب في الحوض.","vol":"1","page":161},{"text":"وأما أنهار الجنة فهي تتفجر من أعلاها -من الفردوس- ثم تنحدر نازلة.\nففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [إن في الجنة مئة درجة أعدّها الله ﷿ للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة] (١).\nفقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فيه البشارة للأتقياء بعدما ذكر الوعيد والنكال للأشقياء.\nقال الحافظ ابن كثير: (وهذا معنى تسمية القرآن \"مثاني\" على أصح أقوال العلماء. . . وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء ثم الأشقياء، أو عكسه. وحاصله ذكر الشيء ومقابله، وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك المتشابه).\nوقوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.\nفيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا.\nفعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا). وقال مجاهد: (يقولون: ما أشبهه به). وقال ابن زيد: (﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعرفونه).\nالتأويل الثاني: قيل بل المعنى ما رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا.\nقال عمرو بن مرة يحدث عن أبي عبيدة: (نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرُها مثل القلال، كلما نُزعت منها ثمرة عادت مكانها أخرى).\nالتأويل الثالث: قيل بل المراد مشابهته الذي قبله في اللون وإن خالفه في الطعم.\nقال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير: (يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل. فيقول الملَك: كُلْ، فاللون واحد والطعم مختلف).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤/ ١٤)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٣٥).","vol":"1","page":162},{"text":"واختار ابن جرير القول الأول لأنه لا شك أن ذلك من قيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمارها، فلا شك أنه من قيلهم في أول رزق رُزقوه من ثمارها، الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة.\nوقوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.\nأي: أتوا بما رزقوا من ثمار الجنة متشابها. وفي الآية أكثر من تأويل لهذا المتشابه:\nالتأويل الأول: تشابهه أن كله خيارٌ لا رَذْل فيه.\nقال الحسن: (متشابها: خيارًا كلَّها لا رَذْل فيها). وقال: (ألم تَرَوْا إلى ثمار الدنيا كيف تُرذِلُون بعضَه؟ وإن ذلك ليس فيه رَذْل). وقال: (يشبه بعضه بعضًا، ليس فيه من رَذْل). وقال قتادة: (أي خيارًا لا رذلَ فيه، وإن ثمار الدنيا يُتَقّى منها ويُرْذَل منها، وثمار الجنة خيارٌ كله، لا يُرْذَلُ منه شيء). وقال ابن جُريج: (ثمر الدنيا منه ما يُرْذَل، ومنه نقاوَةٌ، وثمر الجنة نقاوة كله، يشبه بعضه بعضًا في الطيب، ليس منه مرذول).\nالتأويل الثاني: تشابهه في اللون واختلافه في الطعم.\nفعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ في اللون والمرْأى، وليس يُشبه الطعمَ). وقال مجاهد: (مِثل الخيار. قال: وأتوا به متشابهًا لونه مختلفًا طعْمه، مثلَ الخيار من القثّاء). وقال الربيع بن أنس: (يشبه بعضه بعضًا ويختلف الطعم).\nالتأويل الثالث: تشابهه في اللون والطعم.\nفعن مجاهد ويحيى بن سعيد: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ قالا: في اللون والطعم).\nالتأويل الرابع: تشابهه، تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون، وإن اختلف طعومهما. فعن قتادة قال: (يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب).\nالتأويل الخامس: قيل لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء،\nفعن ابن عباس قال: (ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء).\nوقال عبد الرحمن بن زيد: (يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا، التفاح بالتفاح والرمّان بالرمان، قالوا في الجنة: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم).","vol":"1","page":163},{"text":"وأولى هذه التأويلات ما ذهب إليه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀ من أن المراد: وأتوا به متشابهًا في اللون والمنظر مع ثمر الدنيا لكن الطعم والذوق مختلف لقولهم هذا الذي رزقنا من قبل، وهذا يشبه التأويل الثاني والرابع والخامس.\nأخرج أبو نعيم في (صفة الجنة) بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا: [ليس في الجنة شيءٌ يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء] (١).\nقلت: وثمار الجنة موجودة الآن كما صحّ ذلك في السنة الصحيحة.\nففي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: [عرضت عليّ الجنة حتى لو تناولت منها قطفًا أَخذته]. وله شاهد عند النسائي من حديث ابن عمرو بلفظ: [عرضت علي الجنة، حتى لو مَدَدْت يدي تناولت من قطوفها] (٢).\nوفي صحيح الترمذي عن كعب بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: [أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلقُ من ثمار الجنة] (٣). (تعلقُ): تأكل.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.\nأزواج: جمع زوج. والمرأة: زوج الرجل. والرجل زوج المرأة. ويقال للمرأة أيضًا زوجة. وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ ابتداء وخبر، وقوله ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ صفة للأزواج.\nقال القرطبي: (ومطهّرة في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ، ومعنى هذه الطهارة من الحَيْض والبُصاق وسائر أقذار الآدميات).\nوقال ابن جرير: (تأويله أنهن طُهِّرن من كل أذىَ وقذىً وريبة، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمني، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره).\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه أبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٢/ ٢١)، وانظر السلسلة الصحيحة (٢١٨٨).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (١٤٠٧) - كتاب الكسوف. باب القول في السجود في صلاة الكسوف. وكذلك (١٤٠١) منه. ورواه مسلم بنحوه من حديث جابر.\n(٣) حديث صحيح. انظر سنن الترمذي (١/ ٣٠٩)، وسنن ابن ماجة (١٤٤٩)، ومسند أحمد (٣/ ٤٥٥) من حديث كعب بن مالك ﵁.","vol":"1","page":164},{"text":"وقد نقل المفسرون تفصيل ذلك عن أئمة التأويل:\n١ - عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (أما أزواج مطهرة، فإنهن لا يحضْن ولا يُحْدِثن ولا يتنخَّمْنَ). وقال ابن عباس: (مطهرة من القذر والأذى).\n٢ - وعن مجاهد قال: (لا يبلن ولا يتغوّطن ولا يَمْذِين) وقال نحوه في رواية أخرى وزاد: (ولا يُمْنِين ولا يحضن). وقال أيضًا: (مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبُزاق والمنيّ والولد). وقال: (لا يَبُلْن ولا يتغوّطنَ ولا يحِضْنَ ولا يلدن ولا يُمنين ولا يبزُقنَ).\n٣ - عن قتادة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، إي والله من الإثم والأذى). وقال: (طهّرهن الله من كل بول وغائط وقذر، ومن كل مأثم). وقال: (مطهرة من الحيض والحَبل والأذى).\n٤ - عن الحسن قال: (يقول مطهرة من الحيض). وقال، عطاء: (من الولد والحيض والغائط والبول).\nقلت: ووصف أزواج أهل الجنة بأنهن ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ يشمل إضافة لما ذكر -من الطهارة من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبصاق والمني والأذى- الطهارة من مساوئ الأخلاق والعادات وما يعتري النساء في الدنيا من الكيد والمكر والغيرة وغير ذلك.\nوقد أشار القاسمي ﵀ إلى ذلك بقوله: (ويجوز لمجيئه مطلقًا، أن يدخل تحته الطهر من دَنَس الطباع، وسوء الأخلاق وسائر مثالبهنّ وكيدهن). كما أشار الإمام النسفي في تفسيره إلى هذا بقوله: (مطهرة من مساوئ الأخلاق لا طمحات ولا مرحات أو مما يختص بالنساء بالحيض والاستحاضة وما لا يختص بهن من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس).\nقال ابن القيم: (والمطهرة: مَنْ طهرت من الحيض والبول والنفاس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر، وكل أذى يكون من نساء الدنيا. فطهّر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح به إلى غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ).","vol":"1","page":165},{"text":"وفي صحيح البخاري عن أنس مرفوعًا: [لغدوة (١) في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده -يعني سوطه- من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا، ولأضاءت ما بينهما، ولنصيفها (٢) على رأسها خير من الدنيا وما فيها].\nوعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (إن لولي الله في الجنة عروسًا لم يلدها آدم ولا حواء، ولكن خلقت من زعفران) (٣).\nقلت: وأما قول مجاهد (ولا يلدن) ففيه نظر. ففي صحيح الترمذي عن أبي سعيد مرفوعًا: [لمؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنُّهُ في ساعة واحدة كما يشتهي] (٤). فإن كان المقصود نفي التوالد المعهود في الدنيا وما يعقبه من نفاس ومتاعب أو ما يسبقه من أطوار الحمل وأعراضه فهو صحيح كما دلت عليه الآية السابقة.\nوقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (هذا هو تمام السعادة فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم، بر رحيم).\nوقد جاء معنى الخلود في السنة الصحيحة:\nففي الصحيحين والمسند عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يُجاء بالموت كأنه كبش أملحُ، فيوقف بينَ الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئِبُّون، فينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، وكلُّهم قدْ رآه، ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئِبُّون، فينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلُّهم قد رآه، فيؤمر به فيذبَح، ويقال:\n_________\n(١) الغدوة: السير أول النهار إلى الزوال، والروحة: السير من الزوال إلى آخر النهار.\n(٢) خمارها. وانظر الحديث في مختصر صحيح البخاري (١١٥٢) -كتاب الجهاد والسير-.\n(٣) انظر كتاب: \"صفة الجنة في القرآن والسنة\"- وانلي. ص (١٤٧).\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٧٧). ورواه أحمد في المسند، وابن ماجة في السنن (٤٣٣٨). وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٥٢٥).","vol":"1","page":166},{"text":"يا أهل الجنة خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار خلودٌ ولا موت] (١)\n٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إن الله تعالى لا يخشى ولا يمتنع من ذكر أي شيء مما قل أو كثر من أجل إثبات هذا الحق ونصره وإبطال حجج المبطلين والمعاندين. فيوقن المؤمنون، ويستهزئ الكافرون: الذين ينقضون ميثاق الله الذي أخذه عليهم ويفسدون في الأرض، وأولئك هم الخاسرون.\nوقوله: ﴿يَسْتَحْيِي﴾ أصله في لغة العرب يستحييُ فلما استثقلت الضمة على الياء سكنت. وقيل معنى لا يستحيي لا يخشى، وقيل: لا يترك، وقيل: لا يمتنع.\nقال الرازي: (وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ أي: لا يستبقي).\nوأما تفصيل ذلك كلام المفسرين:\n١ - ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ لا يخشى. قال ابن جرير: (إن الله لا يخشى أن يضرب مثلًا، ويستشهد على ذلك. . . بقول الله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]-وينسب ذلك لبعض أهل العربية- قال: ويزعم أن معنى ذلك: وتستحي الناس والله أحق أن تستحيه فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء).\n٢ - ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ أي لا يترك. قال النسفي: (أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها، وأصل الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٦٥٤٤)، (٦٥٤٨)، وصحيح مسلم (٨/ ١٥٣)، ورواه أحمد. ورواه ابن ماجة والترمذي. انظر صحيح الجامع (٥٣٦).","vol":"1","page":167},{"text":"تخوف ما يعاب به ويذم ولا يجوز على القديم التغير وخوف الذم ولكن الترك لما كان من لوازمه عبر عنه به، ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما ما يستحي رب محمد أن يضرب مثلًا بالذباب والعنكبوت، فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال وهو فن من كلامهم بديع).\n٣ - ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ أي لا يأمر بالحياء فيه. قال القرطبي: (وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفًا من مواقعة القبيح، وهذا مُحال على الله تعالى. وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سُليم إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق. المعنى لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمتنع من ذكره).\nقلت: والحياء صفة لله تعالى أثبتها لنفسه وهي كما يليق بجلاله سبحانه، فلا يرافق ذلك ما يوصف بحال العبد من الانقباض وغيره، فإن الله ليس كمثله شيء، وإنما جاءت السنة الصحيحة بإثبات هذه الصفة الكريمة:\nففي المسند وصحيح أبي داود عن يعلى بن أمية، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر] (١).\nوفي المسند وصحيح أبي داود والترمذي وابن ماجة عن سلمان، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفرًا خائبتين] (٢).\nوهو في صحيح الحاكم بلفظ: [إن الله رحيم، حَيِيٌّ، كريم، يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيهما خيرًا].\nفيكون المعنى: إن الله لا يخشى ولا يمتنع من ذكر أي شيء مما قل أو كثر من أجل إثبات هذا الحق ونصره وإبطال حجج المبطلين والمعاندين.\nوأما المراد من الآية وسبب نزولها ففيه أكثر من تأويل:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٤٠١٢)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٣٨٧)، وصحيح الجامع (١٧٥٢).\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد وأكثر أهل السنن. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٨١٩)، وصحيح الجامع (١٧٥٣)، (١٧٦٤) لرواية الحاكم.","vol":"1","page":168},{"text":"التأويل الأول: عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين -يعني قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، الآيات الثلاث- قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾).\nالتأويل الثاني: عن الرّبيع بن أنس قال: (هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتَتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلؤوا من الدنيا رِيًّا أخذهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]).\nوفي رواية عنه قال: (فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَويت، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلؤوا من الدنيا رِيًّا أخذهم الله فأهلكهم).\nالتأويل الثالث: عن قتادة قال: (أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكرَ منه شيئًا ما قلّ منه أو كثر. إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾). وفي رواية: (لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾). قال: (البعوضة أضعف ما خلق الله).\nواختار ابن جرير قول ابن مسعود وابن عباس وهو التأويل الأول فيما ذكرناه، وتابعه في ذلك الحافظ ابن كثير فقال: (وهو مناسب، ومعنى الآية: أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي، أي لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلًا ما).\nوذهب بعض أهل اللغة أن (ما) هنا للتقليل وتكون بعوضة منصوبة على البدل (واختاره ابن كثير). في حين اختار آخرون منهم (ابن جرير) أن (ما) موصولة وبعوضة معربة بإعرابها. وقيل بل ﴿بَعُوضَةً﴾ منصوبة بحذف الجار، والتقدير: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها. (اختاره الفراء).\nوإنما المعنى كما قال مجاهد: (﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾، يعني الأمثال صغيرها","vol":"1","page":169},{"text":"وكبيرها، يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها ويُضل بها الفاسقين. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به).\nوقوله ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾.\nفيه تأويلان:\nالأول: فما هو أعظم منها. قال قتادة وابن جُريج: (المعنى في الكِبَر). فيكون المراد بقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي فما هو أكبر منها، لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، واختاره ابن جرير.\nالثاني: فما دونها في الصغر والحقارة والقلة. قال الكسائي وأبو عبيدة: (معنى ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ - والله أعلم- ما دونها، أي إنها فوقها في الصغر). قال الكسائي: (وهذا كقولك في الكلام: أتراه قصيرًا؟ فيقول القائل: أو فوق ذلك، أي هو أقصر مما ترى).\nويبدو من السنة الصحيحة أن التأويل الأول أقرب للصواب:\nففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: أما من مسلم يشُاكُ شوكة فما فوقها إلا كُتِبَت له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة] (١).\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [ما من مسلمٍ يصيبُه أذى شوكةٌ فما فوقَها، إلا حطَّ الله لهُ به سيئاته، كما تحطُّ الشجرة ورقَها] (٢).\nوفي جامع الترمذي عن سهل بن سعد عن النبي - ﷺ - قال: [لو كانت الدنيا تعدِلُ عند الله جناحَ بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربةَ ماء] (٣).\nوقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٥٧٢). ورواه البخاري (٥٦٤٠) وأحمد (٢/ ٢٣٧) واللفظ لمسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٧١)، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها. وانظر مسند أحمد (٢/ ٢٣٧)، وصحيح البخاري (٥٦٤٠)، وسنن الترمذي (٩٦٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٥١٦٨).","vol":"1","page":170},{"text":"أي: يوقن المؤمنون أن المثل الذي ضربه الله، لما ضربه له، مثل. وأما المنافقون والكفار فيستهزئون به ويكفرون ويضلون.\nفعن الربيع بن أنس: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم، وأنه كلام الله ومن عنده).\nوقال قتادة: (أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن، وأنه الحق من الله).\nوقال مجاهد: (يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها، ويضل بها الفاسقون. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به).\nوهذه الآية تشبه آية المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.\nوقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.\nقال ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾، يعني المنافقين، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني المؤمنين. فيزيد هؤلاء ضلالًا إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضربه له، وأنه لما ضربه له موافق. فذلك إضلال الله إياهم به. ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ يعني المثل، كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم. لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضربه الله له مثلًا، وإقرارُهم به. وذلك هدايةٌ من الله لهم به).\nوقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (هم المنافقون). وقال الربيع بن أنس: (هم أهل النفاق).\nوقال قتادة: (فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم). وقال، مجاهد: (يعرفه الكافرون فيكفرون به). وأصل الفِسق في لغة العرب: الخروجُ عن الشيء. قال الرازي: (فَسَقت","vol":"1","page":171},{"text":"الرُّطبة: خرجت عن قِشرها). ومنه سميت الفأرة فُوَيْسِقة لخروجها عن جُحرها (١). وفى التنزيل: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي خرج عن طاعته واتباع أمره. فسمي الكافر أو المنافق فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه.\nفيكون المعنى كما قال ابن جرير: (وما يُضل الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضلال من أهل النفاق).\nولا شك أن المراد بالآية الفاسق الكافر، فإن الفاسق يشمل الكافر والعاصي ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، ويدل على ذلك قوله تعالى في الآية بعدها ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقد تكرر ذكر هذه الصفات للكفار المباينة لصفات المؤمنين في سورة الرعد. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾. إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.\nأصل النقض في كلام العرب إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد.\nقال الرازي: (والنُّقَاضة بالضم ما نُقِضَ من حَبْل الشَّعْر. و(المناقضة) في القول أن يتكلم بما يتناقض معناه).\nواختلف في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه على أقوال:\nالقول الأول: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله - ﷺ -. ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به.\nالقول الثاني: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، فقد نقضوا عهد الله\n_________\n(١) وفي الصحيحين عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: [خمس فواسقُ يُقتلن في الحِلِّ والحرم: الغراب والحِدَأةُ، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور].","vol":"1","page":172},{"text":"عليهم في التوراة بالتصديق بمحمد - ﷺ - واتباعه، فجحدوا ذلك وكتموا العلم بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليُبَيِّنُنّه للناس ولا يكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا.\nالقول الثالث: قيل بل المراد جميع أهل الشرك والكفر والنفاق. وعهدُه إلى جميعهم في توحيده: ما وَضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته. وعهدُه إليهم في أمره ونهيه: ما احتجَّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها، الشاهدة لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك، تركهم الإقرارَ بما قد تبيَّنت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبُهم الرسلَ والكُتب، مع علمهم أن ما أتوا به حق.\nالقول الرابع: قيل بل العهد المقصود هو الميثاق الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الموصوف بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾.\nواختار ابن جرير أنها نزلت في كفّار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظَهْرانَيْ مهاجَر رسول الله - ﷺ -، وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيل، ومن كان على شِركه من أهل النفاق.\nويبدو أن الآية عامة في جميع أهل الشرك والكفر والنفاق وهو القول الثالث، وقد روي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال الحافظ ابن كثير: (وهو حسن، وإليه مال الزمخشري فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمرٌ وصّاهم به ووثّقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى﴾ إذ أخذ الميثاق عليهم من الكتب المنزلة عليهم كقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾).\nقال أبو العالية: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهَرَة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حَدَّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا","vol":"1","page":173},{"text":"كانت الظَّهَرَة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا).\nوقال السدي: (هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقروا به ثم كفروا فنقضوه).\nوقال قتادة: (فإياكم ونقضَ هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضَه وأوعدَ فيه، وقدّم فيه في آي القرآن حُجة وموعظة ونصيحة، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعد في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق. فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليفِ به لله).\nقلت: وقد حذّر النبي - ﷺ - من نقض العهد مع الله سبحانه ومع رسوله - ﷺ - وبين أن ذلك نذير سوء في حال الأمة وعلامة من علامات هلاكها.\nفقد أخرج ابن ماجة والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: [يا معشر المهاجرين! خِصالٌ خمسٌ إذا ابتليتم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنَّ. لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقُصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشِدَّة المؤنة، وجَور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القَطْر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهدَ الله وعهدَ رسوله إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئِمّتهم بكتاب الله ﷿ ويتحرَّوا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم] (١).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ: [خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموتُ، ولا طفّفوا المِكيال إلا مُنعوا النبات وأخِذوا بالسِنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبِسَ عنهم القطرُ] (٢).\nوقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.\nفيه أقوال:\nالأول: قيل المراد به صلة الأرحام والقرابات. قال قتادة: (فقطع والله ما أمر الله به\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه ابن ماجة في السنن (٤٠١٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٤٠)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٦).\n(٢) حديث حسن. رواه الطبراني من حديث ابن عباس. انظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٣٢٣٥).","vol":"1","page":174},{"text":"أن يوصل بقطيعة الرّحم والقرابة). وفي التنزيل: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].\nواختاره ابن جرير وقال: (وإنما عنى بالرّحم، أهلَ الرحم الذين جمعتهم وإياهُ رحِمُ والدة واحدة. وقطعُ ذلك: ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجبَ من برِّها. ووصْلُها: أداء الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجب لها، والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها).\nالثاني: قيل أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا.\nالثالث: قيل أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم.\nالرابع: قيل بل المراد أعم من ذلك، فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه.\nوتأولوا ذلك بأن الله ذمهم بقطعهم رسول الله - ﷺ - والمؤمنين وأرحامهم.\nومن ثم فالآية عامة في وصل وإحكام الصلة بدين الله وعبادته في الأرض وإقامة شرائعه وحفظ حدوده. قال القرطبي: (هذا قول الجمهور، والرَّحم جزء من هذا).\nقلت: ولا شك أن القول الرابع بشمل كل ما سبق، فالآية عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل. و﴿مَا﴾ في محل نصب بـ ﴿وَيَقْطَعُونَ﴾ و﴿أَنْ﴾ بدل من ما أو من الهاء في ﴿بِهِ﴾ أي بوصله، أو في موضع رفع والتقدير: هو أن يوصل.\nوقوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.\nقال القرطبي: (أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون، في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، وهذا غاية الفساد). وقال النسفي: (بقطع السبيل والتعويق عن الإيمان).\nوقال القاسمي: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمنع عن الإيمان، والاستهزاء بالحق، وقطع الوُصَل التي بها نظام العالم وصلاحه).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل \"خاسر\" فإنما يعني به الكفر. وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب).\nوالخاسر في لغة العرب: من خسر الشيء إذا نقصه، فهو الذي نقص نفسه حَظَّها","vol":"1","page":175},{"text":"من الفلاح والفوز. والخُسْران: النقصان. والخسار والخسارة والخَيْسَرَى: الضلال والهلاك. قال بعضهم: (أولئك هم الخاسرون: أي الهالكون).\nقال ابن جرير: (فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته).\nوقال النسفي: (الخاسرون: أي المغبونون حيث استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح والعقاب بالثواب).\nوالخلاصة: فالخاسرون هم الناقصون أنفسَهم حظوظَها -بمعصيتهم الله- من رحمته كما يخسر الرجل من تجارته بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه.\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله - ﷺ - ثلاثَ مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسِروا، مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: المُسْبِل، والمنّان، والمُنَفِّق سِلْعته بالحلف الكاذب] (١).\n٢٨ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يحتج ﷾ على الجاحدين المعاندين بوجوده وقدرته وتصريفه للخلق والحياة والموت. فهو -تعالى- الذي خلق الأرض ثم علا على السماوات السبع بعد أن سواهن وقد أحاط بكل شيء علمًا.\nفقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nفي تفسيره أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: خلقهم حين لم يكونوا شيئًا، ثم أحياهم ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة. قال ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٠٦) - كتاب الإيمان، والمُنَفِّقُ: من التنفيق وهو الترويج. وانظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٣٦٠).","vol":"1","page":176},{"text":"وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يقول: لم تكونوا شيئًا فخلقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة).\nوعن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال: (هي كالتي في البقرة: ﴿كَوَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾).\nوقال مجاهد: (لم تكونوا شيئًا حين خلقكم، ثم يميتكم الموتة الحقّ، ثم يحييكم).\nوقال أبو العالية: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾، يقول: حين لم يكونوا شيئًا، ثم أحياهم حين خلقهم، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، ثم رجعوا إليه بعد الحياة).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، قال: (كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم، وهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه إحياءة. ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى. ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه إحياءة. فهما ميتتان وحياتان، فهو قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾).\nالتأويل الثاني: يحييهم في القبر ثم يميتهم.\nفعن السدي، عن أبي صالح قال: (يحييكم في القبر، ثم يميتكم).\nالتأويل الثالث: يخلقهم ويحييهم بعد أن كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم ثم يميتهم ثم يبعثهم.\nقال قتادة: (كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله وخلقهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان).\nالتأويل الرابع: الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة، فهي ميّتة من لَدُنْ فراقها جسدَه إلى نفخ الروح فيها. ثم يحييها بنفخ الروح فيها فيجعلها بشرًا سويًّا بعد تارات تأتي عليها. ثم يميته الميتة الثانية بقبض الروح منه، فهو في البرزخ ميت إلى يوم ينفخ في الصُّور، فيردّ في جسده روحه، في مود حيًّا سويًّا لبعث القيامة. فذلك موتتان وحياتان.\nواختار ابن جرير قول ابن مسعود وابن عباس من أن معنى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾","vol":"1","page":177},{"text":"أمواتَ الذكر، خمولًا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون، فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَييتم، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، لأن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبل حشرهم، ثم يحشرهم لموقف الحساب، كما قال جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١].\nوالآية تشبه قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. وقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٦].\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.\nقال قتادة: (نَعَمْ والله سخر لكم ما في الأرض). أي: لتتقوا به على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته. وخَلقَ: أي اخترع وأوجد بعد العدم. و(ما) بمعنى الذي. و(لكم) للانتفاع.\nقال ابن العربي: (وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرًا ولا إباحة ولا وقفًا، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته).\nوقال أبو عثمان: (وَهَب لك الكلَّ وسخّره لك لتستدل به على سَعة جُوده، وتَسْكُن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ولا تستكثر كثير بِرّه على قليل عملك، فقد ابتدأك بعظيم النّعم قبل العمل وهو التوحيد).\nوقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.\nأما الاستواء فذكر فيه المعاني التالية:\nالأول: الإقبال. قال بعضهم: (معنى استوى إلى السماء، أقبل عليها).","vol":"1","page":178},{"text":"الثاني: عَمدَ لها. قيل: (كل تارك عملًا كان فيه إلى آخر، فهو مُستوٍ لما عَمَدَ له، ومستوٍ إليه).\nالثالث: العلو. قال القرطبي: (والاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشيء، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾). قال ابن عباس: (ثم استوى إلى السماء: صَعِد).\nوممن قال ذلك أيضًا من الأوائل -أهل التفسير- الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، يقول: ارتفع إلى السماء).\nواختاره ابن جرير وقال: (وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾، علا عليهن وارتفع، فدبّرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سماوات): قلت: ولا شك أن اختيار ابن جرير لمعنى الاستواء بالعلو والارتفاع هو الذي ينسجم مع بقية آيات الاستواء في القرآن.\nوقد رُوي عن الإمام مالك ﵀ أن رجلًا سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾! قال مالك: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سَوْء! أخرجوه).\nفائدة: قال القرطبي ﵀: (يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء، وكذلك في \"حم السجدة\". وقال في النازعات ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ فوصف خلقها، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهذا قول قتادة: إن السماء خلقت أولًا، حكاه عنه الطبري. وقال مجاهد وغيره من المفسرين: إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه، فجعله أرضًا وثار منه دخان فارتفع، فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد أمر إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات، ثم دحا (١) الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلفها غير مَدْحُوّة. قلت: وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى خلق أولًا دخان السماء ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسوّاها، ثم دحا الأرض بعد ذلك).\n_________\n(١) دحا الشيء: بسطه.","vol":"1","page":179},{"text":"قلت: وفي التنزيل: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: [خلق الله التوبة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).\nوأما قوله ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ فإنه يعني هيأهن وخلقهن ودبّرهن وقوّمهن.\nقال ابن جرير: (والتسوية في كلام العرب، التقويم والإصلاح والتوطئة.\nقال: فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سماواته: تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهن على إرادته، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ).\nقال الربيع بن أنس: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قول: سوّى خلقهن).\nوالسماء تكون واحدة مؤنثة، أو جمعا لسماوة (قاله الأخفش) أو جمعًا لسماءة (قاله الزجاج) وجمع الجمع (سماوات وسماءات).\nقال القرطبي: (فجاء ﴿سواهن﴾ إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد اسم جنس. ومعنى سوّاهن سوّى سطوحهن بالإملاس. وقيل: جعلهن سواء).\nفائدة: جاء التصريح في القرآن أن السموات سبع، وحُمِلَ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، أي مثلهن في العدد، وقيل في غلظهن وما بينهن. ولا شك أن الأرضين سبع كالسماوات، وقد دلت على ذلك السنة الصحيحة:\nففي صحيح مسلم عن سَعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من أخذ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٨٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٢٧).","vol":"1","page":180},{"text":"شبرًا من الأرض ظُلْمًا طُوِّقه إلى سبع أرضين] (١).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يأخذ أحدٌ شِبْرًا من الأرض بغير حَقِّهِ، إلا طَوَّقَهُ الله إلى سبعِ أَرَضينَ يوم القيامة] (٢).\nوفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو: [. . . فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله. .] (٣) الحديث.\nوقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nعليم بمعنى عالم. قال ابن عباس: (العالم الذي قد كمل في علمه).\n٣٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآية: يمتن الله سبحانه على بني آدم بذكرهم في الملأِ الأعلى قبل خلقهم وإيجادهم، ليعرفوا قدرهم عند بارئهم، وليُدْركوا يومًا قيمة وجودهم وعظيم ما خُلقوا له فيقوموا بحق الله سبحانه عليهم بالتعظيم والعبادة وإقامة شرعه في الأرض.\nوالملائكة في لغة العرب جمع مَلأَك، وإنما اشتهر بغير الهمز فيقال في واحدهم ملك من الملائكة، وأصل ذلك من لأَكَ إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة. ومنه قول عدي بن زيد:\nأبلغ النعمان عني ملأكًا ... إنه قد طال حبسي وانتظاري\nفسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رُسل الله بينه وبين أنبيائه.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٧٠ و) - كتاب البيوع، باب من ظلم من الأرض شبرًا طُوِّق من سبع أرضين. وهو جزء من حديث أطول في صحيح مسلم (٥/ ٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (١٦١١) - كتاب المساقاة- باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٤).","vol":"1","page":181},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾.\nفيه تأويلان:\nالتأويل الأول: إني فاعل. قال قتادة: (قال الله تعالى ذكره لملائكته: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال لهم: إني فاعل).\nالتأويل الثاني: إني خالق. قال أبو روق: (كل شيء في القرآن ﴿جعل﴾ فهو خلق).\nوالأول أقرب للسياق، وبه أخذ شيخ المفسرين ابن جرير ﵀، حيث قال: (والصواب في تأويل قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي مستخلف في الأرض خليفة، ومُصَيِّرٌ فيها خلفًا).\nوقيل ﴿الْأَرْضِ﴾ هي مكة، ولا دليل على هذا التخصيص. وأما (الخليفة) فهو من خلف فلان فلانًا في الأمر إذا قام مقامه فيه بعده، فالمقصود قوم يخلف بعضهم بعضًا. وفي التنزيل تأكيد ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤].\n٢ - قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢].\n٣ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠].\n٤ - قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].\n٥ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].\nقال الحافظ ابن كثير: (﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل).\nوقال ابن جرير في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: (يعني بذلك أنه أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاء بعدهم. من ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة، لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا).\nفهذا معنى قوله جل ذكره: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.","vol":"1","page":182},{"text":"وقوله: ﴿قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.\nقال ابن سابط: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، قال: يعنون به بني آدم - ﷺ -).\nوقال ابن زيد: (قال الله تعالى ذكره للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا وأجعلَ فيها خليفة. وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق).\nوالظاهر من الآيات أن الله سبحانه كان أعلم ملائكته بطبيعة ما يريد خلقه وإيجاده في هذه الأض، وليس المقصود أبدًا أن الجن كانوا يعمرون الأرض قبل الإنس ويفسدون فيها فاستنتج الملائكة طبيعة الإنس القادم إلى الأرض من طبيعة ما يجرى بين الجن فسألوا الله ما سألوه! ! فهذا مما لا دليل عليه، بل ترده جملة نصوص القرآن والسنة فإن الإنسان أول من عمر هذه الأرض.\nفعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (أن الله جل ثناؤه قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذريةٌ يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا).\nويؤكد هذا قتادة بقوله: (كان الله أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكَوا الدماء، فذلك قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾).\nقال الحسن: (وقد كانت الملائكة علمت من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء (١».\nوَهذا التأويل منسجم مع الآية التي تلي هذه الآيات، وهي من قبل الملائكة: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].\nقال العلامة برهان الدين البقاعي في تفسيره: (وما يقال من أنه كان قبل آدم، ﵇، في الأرض خَلْقٌ يعصون، قاس عليهم الملائكة حال آدم ﵇- كلامٌ لا أصل له. بل آدم أول ساكنيها بنفسه) ذكره القاسمي.\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.\nالتسبيح لغة: التنزيه. قال الرازي: (و\"سبحان\" الله معناه التنزيه لله، وهو نَصْب\n_________\n(١) السفك في لغة العرب الصَّب. سفك الدَّمَ والدَّمْعَ هراقَه أو صبّه. والسَّفَّاك: السَّفاح وهو القادر على الكلام.","vol":"1","page":183},{"text":"على المصدر، كأنه قال أُبرِّئُ الله من السوء براءةً. و\"سُبُحاتُ\" وجه الله تعالى بضمتين جلالتُه. و\"سُبُّوح\" من صفات الله تعالى).\nوالتقديس في لغة العرب: التطهير. والقُدسُ بسكون الدال وضمها الطُّهْر اسمٌ ومصدر. وقُدُّوس اسم من أسماء الله تعالى. والأرض المقدسة: أي المطهرة. وقد جاء في هذه الآية أكثر من تأويل:\nالأول: عن قتادة: (التسبيحُ: التسبيح، والتقديس: الصلاة).\nوعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يقولون: نصلّي لك).\nالثاني: عن مجاهد: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك).\nالثالث: عن الضحاك: (التقديس: التطهير).\nالرابع: عن محمد بن إسحاق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: لا نعصي ولا نأتي شيئًا تكرهه). قال القاسمي: (كأنهم قابلوا الفساد، الذي أعظمه الإشراك، بالتسبيح. وسفك الدماء، الذي هو تلويث النفس بأقبح الجرائم، بتطهير النفس عن الآثام. لا تمدّحًا بذلك، ولا إظهارًا للمنّة، بل بيانًا للواقع).\nوهي أقوال متقاربة متشابهة. قال ابن جرير: (التقديس هو التعظيم والتطهير، ومنه قولهم: سُبُّوح قُدُّوس، يعني بقولهم: سُبُّوح، تنزيه له، وبقولهم: قُدُّوس، طهارة وتعظيمٌ له).\nوقال الحافظ ابن كثير: (فمعنى قول الملائكة إذن: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك).\nوقال القاسمي: (وقوله ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي: نصفك بما يليق بك -من العلو والعزّة- وننزّهك عما لا يليق بك).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁: [أن رسول الله - ﷺ - سُئِل: أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده] (١).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: [كلمتان\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢٧٣١)، ومسند أحمد (٥/ ١٤٨).","vol":"1","page":184},{"text":"حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحانَ الله العظيم] (١).\nوقوله: ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nفيه أكثر من تأويل:\nالأول: يعني من شأن إبليس.\nقال ابن عباس: (يقول: إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كِبره واغتراره). وقال مجاهد: (علم من إبليس المعصية وخلقه لها).\nوقال أيضًا: (علم من إبليس كتمانه الكبر أن لا يسجد لآدم).\nالثاني: يعني من شأن آدم.\nقال مجاهد: (علم من إبليس المعصية وخلقه لها، وعلم من آدم الطاعة وخلَقَه لها).\nوقال ابن إسحاق: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي فيكم ومنكم، ولم يُبْدها لهم، من المعصية والفساد وسفك الدماء).\nالثالث: يعني من شأن الخليفة.\nقال قتادة: (فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياءُ ورسلٌ وقوم صالحون وساكنو الجنة).\nقلت: والأنسب من ذلك أن يقال بأن الآية عامة، وبأن لله حكمة في خلق الخليقة لا يعلم آفاقها إلا هو جل ثناؤه، وإن كان سبحانه قد نوّه بذكر بعض هذه الآفاق والحكم، إلا أن الخلق لا يحيطون بعلمه وحكمته مهما بلغوا من العلم.\n٣١ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري -حديث رقم- (٢١٣٤)، كتاب التوحيد، وبه ختم الإمام البخاري صحيحه، ورواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة (٢٦٩٤).","vol":"1","page":185},{"text":"لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يبين الله سبحانه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم، ثم بأمره جل ثناؤه لهم بالسجود له.\nوقد قيل إنما سماه الله آدم لأنه خُلق من أديم الأرض. وفي ذلك أقوال جيدة ذكرها المفسرون.\nالقول الأول: عن ابن عباس، قال: (بعث ربُّ العزة ملكَ الموت فأخذ من أديم الأرض، من عذْبها ومالحها، فخلق منه آدم، ومن ثمَّ سُمي آدم. لأنه خُلق من أديم الأرض).\nالقول الثاني: عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن جده، عن علي، قال: (إن آدم خُلِقَ من أديم الأرض، فيه الطيب والصالح والرديء، فكل ذلك أنت راءٍ في ولده، الصالح والرديء).\nالقول الثالث: عن سعيد بن جبير قال: (إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض).\nالقول الرابع: عن ابن مسعود وناس من الصحابة: (أن ملك الموت لما بُعث ليأخذ من الأرض تربة آدم، أخذ من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من مكَان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. ولذلك سُمي آدم، لأنه أخذ من أديم الأرض).\nقلت: وقد صحّ الخبر بذلك عن رسول الله - ﷺ - دون إشارة إلى ملك الموت. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند وأبو داود والترمذي في السنن بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى خلقَ آدمَ من قُبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدْر الأرض، جاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسهْلُ، والحزْنُ، والخبيثُ، والطيِّبُ، وبين ذلك] (١).\nوالأديم في لغة العرب وجه الأرض. قال أبو جعفر: (ويكون تأويله حينئذٍ: آدمَ الملك الأرضَ، يعني به بلغ أدمتها - وأدَمتها: وجهها الظاهر لرأي العين، كما أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥)، وأحمد (٤/ ٤٠٠)، (٤/ ٤٠٦)، والحاكم (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢)، وابن حبان (٦١٦٠)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٧١٥)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني- انظر صحيح الجامع (١٧٥٥).","vol":"1","page":186},{"text":"جلدة كل ذي جلدة له أدَمة. ومن ذلك سُمي الإدام إدامًا: لأنه صار كالجلدة العليا مما هي منه- ثم نقل من الفعل فجعل اسمًا للشخص بعينه (١».\nوقوله: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أسماء الأشياء المعروفة المشهورة. وتفصيل ذلك:\n١ - عن ابن عباس قال: (علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسانٌ ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها).\n٢ - عن مجاهد قال: (علمه اسم كل شيء). وقال: (علمه اسم الغراب والحمامة واسم كل شيء).\n٣ - عن سعيد بن جبير قال: (علمه اسمَ كل شيء، حتى البعير والبقرة والشاة).\n٤ - عن سعيد بن مَعبد، عن ابن عباس، قال: (علمه اسم القصعة والفسوة والفُسَيَّة). وفي لفظ قال: (حتى الفسوة والفُسَيَّة).\nوفي لفظ آخر قال: (علمه اسم كل شيء حتى الهَنة والهُنَيَّة والفسوة والضرطة).\nوفي لفظ ثالث قال: (علمه القصعة من القُصيعة والفسوة من الفسية).\n٥ - عن قتادة قال: (علمه اسم كل شيء، هذا جبل، وهذا بحر، وهذا كذا وهذا كذا، لكل شيء. ثم عرض تلك الأشياء على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين).\n٦ - عن الحسن قال: (علمه اسم كل شيء: هذه الخيل، وهذه البغال والإبل والجنّ والوحش، وجعل يسمي كل شيء باسمه).\nالتأويل الثاني: قيل بل هي أسماء الملائكة.\nفعن الربيع قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: (أسماء الملائكة).\nالتأويل الثالث: أسماء الذرية.\nقال ابن زيد في قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: (أسماء ذريته أجمعين).\n_________\n(١) يعني آدم.","vol":"1","page":187},{"text":"واختار ابن جرير أن المراد أسماء الملائكة وأسماء الذرية لأن قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يخص من يعقل، بينما ردّ عليه الحافظ ابن كثير بأن ذلك غير لازم، فقد يعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥].\nقال ابن كثير: (والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها: ذواتها وصفاتها وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفُسَيّة. يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر).\nولا شك أن الآية عامة في كل ما احتاج آدم معرفته لمواجهة هذه الحياة الدنيا في المستقبل، وقد دلت السنة الصحيحة على ذلك.\nففي صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدمَ فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لَسْتُ هُنَاكُمْ. ويذكر ذنبه فيستحي، ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هُنَاكُمْ، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكُم، فيقول: ائتوا موسى عَبْدًا كَلَّمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه فيقول: لست هُنَاكم. ويذكر قَتْل النفس بغير نفس، فيستحي من ربه، فيقول: ائتوا عيسى عَبْدَ الله ورسولَه وكَلِمَةَ الله وروحَه، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَرَ الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستاذن على ربي، فيأذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاءَ ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يُسْمَع، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمد بتحميد يُعَلِّمُنِيه، ثم أشفع فيَحُدُّ لي حدًّا فأدْخِلُهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي مثْلَه، ثم أشفع فَيَحُدّ لي حدًا فأُدْخِلهم الجنة، ثم أعود الثالثة ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا مَنْ حَبسه القرآن ووجب عليه الخلود] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٤٧٦)، كتاب التفسير، سورة البقرة، آية (٣١).\nوصحيح مسلم (١٩٣)، ومسند أحمد (٣/ ٢٤٤).","vol":"1","page":188},{"text":"قال أبو عبد الله: إلا من حبسه القرآن: يعني قول الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. وهذا الحديث العظيم ذكره البخاري في تفسير هذه الآية، من كتاب التفسير، من صحيحه، وقوله: \"وعلمك أسماء كل شيء\" يدل على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات.\nوقوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾.\nفيه أقوال متقاربة يكمل بعضها بعضًا.\n١ - عن ابن عباس قال: (ثم عرض هذه الأسماء، يعني جميع الأشياء، التي علّمها آدم من أصناف جميع الخلق).\n٢ - عن ابن مسعود وناس من الصحابة: (ثم عرض الخلق على الملائكة).\n٣ - قال ابن زيد: (أسماء ذريته كلِّها، أخذهم من ظَهره، قال: ثم عرضهم على الملائكة).\n٤ - عن قتادة قال: (علمه اسم كل شيء، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة).\n٥ - عن مجاهد: (عرض أصحاب الأسماء على الله الملائكة). قال: (يعنى عرض الأسماء، الحمامة والغراب).\n٦ - عن الحسن وقتادة قالا: (علّمه اسم كل شيء: هذا الخيل، وهذه البغال، وما أشبه ذلك. وجعل يُسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة).\nوقوله: ﴿فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء).\nوقال مجاهد: (بأسماء هذه التي حدَّثتُ بها آدم) وفي لفظ: (بأسماء هؤلاء التي حدّثت بها آدم).\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nفيه أكثر من تأويل:\nالأول: عن ابن عباس: (إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة).\nالثاني: عن ابن مسعود وغيره من الصحابة: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء).","vol":"1","page":189},{"text":"الثالث: عن الحسن وقتادة قالا: (﴿فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أني لم أخلقْ خَلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين).\nقال ابن جرير: (وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، تأويل ابن عباس ومن قال بقوله. ومعنى ذلك: فقال أنبئوني بأسماء من عرضتُه عليكم أيتها الملائكة -القائلون: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، من غيرنا أم منا، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس. فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينوهم، وعَلِمه غيركم بتعليمي إياه، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعدُ، وبما هو مستتر من الأمور -التي هي موجودة- عن أعينكم، أحرى أن تكونوا غير عالمين).\nوالخلاصة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ شرط، والجواب محذوف لتقدّم ما قبله عليه: \"أنبئوني\".\nوقوله تعالى: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.\nهذا أدب رفيع من الملائكة الكرام، فيه مسارعة بالأوبة إلى الله العليم العلَّام، وتبرؤ من ادعاء العلم والمعرفة أو الخوض في متاهات الرأي والكلام.\nقال ابن عباس: (﴿قَالوا سُبْحَانَكَ﴾ (١) تنزيهًا لله من أن يكون أحدٌ يعلم الغيب غيرُه، تُبنا إليك ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تبرِّيًا منهم من علم الغيب، ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ كما علمت آدم).\nقال ابن جرير: (فلم يكن لهم مَفزَعٌ إلا الإقرار بالعجز، والتبري إليه أن يعلموا إلا ما علّمهم بقولهم: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة، على كذب مقالة كل من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة (٢) والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة).\nوفي صحيح مسلم عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بُهَيَّة (٣) قال: [كنت\n_________\n(١) سبحان: مصدر لا تصرف له، ومعناه نسبحك. أي نسبحك تسبيحًا، وننزهك تنزيهًا.\n(٢) جمع حازٍ، وهو كالكاهن يحزر الأشياء ويقدرها بظنه.\n(٣) مولاة أبي بكر ﵁، تروي عن عائشة، وروى عنها أبو عقيل المذكور.","vol":"1","page":190},{"text":"جالسًا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيمٌ أن يُسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عنك منه عِلمٌ ولا فرَج، أو عِلْمٌ ولا مَخرَج؟ فقال له القاسم: وعمَّ ذاك؟ قال: لأنك ابْنُ إمامَيْ هُدًى: ابنُ أبي بكر وعمر (١). قال يقول له القاسم: أقْبَحُ من ذاك عد مَن عَقَل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة. فسكت فما أجابه] (٢).\nوقال مالك بن أنس: سمعت ابن هُرْمُز يقول: (ينبغي للعالم أن يُوَرِّث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلًا في أيديهم، فإذا سُئِل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري) (٣). وذكر الهيثم بن جميل قال: (شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري).\nوجاء في الأثر أيضًا عن مالك أن رجلًا سأله عن مسألة وذكر أن قومه أرسلوه يسأله عنها من مسيرة ستة أشهر، فقال له الإمام مالك: (فأخبر الذي أرسلك أني لا علم لي بها). قال الرجل: ومن يعلمها؟ قال مالك: (من علّمه الله، قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾).\nوكان ابن عجلان يقول: (إذا أخطأ العالم قول \"لا أدري\" أصيبت مقاتله).\nقلت: والبعد والخشية من الفتوى صفة لازمة للعلماء الأوائل من الصحابة والتابعين ومن سار على منهجهم، متأثرين بنحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤].\nوفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن علي، عن النبي - ﷺ - قال: [من حدَّثَ عني حديثًا وهو يُرَى أنه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذبين] (٤).\nوفيه بإسناد حسن عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول على هذا المنبر:\n_________\n(١) القاسم هذا، هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأم القاسم هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. فأبو بكر جده الأعلى لأمه، وعمر جدّه الأعلى لأبيه، وابن عمر جده الحقيقي لأبيه. ﵃ أجمعين. انظر شرح النووي على صحيح مسلم وتفسير القرطبي.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٣٣)، طبعة دار السلام- الرياض.\n(٣) ذكره القرطبي ج (١) ص (٢٨٦)، وكذلك الأثر الذي بعده.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٣٦)، ورواه مسلم أيضًا.","vol":"1","page":191},{"text":"[إياكم وكثرةَ الحديثِ عني. فَمَنْ قال عليَّ فليقل حقًّا أو صِدْقًا. ومن تقوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فَلْيَتبَوّأ مَقْعَدَهُ من النار] (١).\nوعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (أدركت في هذا المسجد -مسجد رسول الله - ﷺ - مئة وعشرين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ما منهم أحد يُسأل عن حديث أو فتيا إلا ودّ أن أخاه كفاه ذلك).\nوفي لفظ آخر: (كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر، ويردها الآخر إلى الآخر، حتى ترجع إلى الذي سئل عنها أول مرة).\nومثل هذا كثير في حياة الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. قال القرطبي ﵀: (وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسة وعدم الإنصاف في العلم. قال ابن عبد البَرّ: من بركة العلم وآدابه الإنصافُ فيه، ومن لم يُنصف لم يفهم ولم يتفهّم. روى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت ابن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: ما في زماننا شيء أقلّ من الإنصاف. قلت (٢): هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عمّ فينا الفساد وكثر فيه الطَّغام! وطُلِب فيه العلم للرياسة لا للدّراية، بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمِراء والجدال الذي يُقْسِي القلب ويُورث الضِّغن، وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى (٣).\nقلت: فإن كان هذا في زمن القرطبي المتوفى (٦٧١ هـ) فكيف في زماننا اليوم بعد سبعة قرون من زمانه وبعد أربعة عشر قرنًا من زمان النبي - ﷺ -، وقد أظلتنا فتن تجعل والله الحليم حيرانَ، وقد صرنا إلى الزمن الذي أخبر عنه المصطفى - ﷺ - بأنه يصبح الرجل فيه مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. وقد جاءني قبل ساعة من الآن رجل يسأل عن فتيا يشير واقعها إلى الحال الذي وصل إليه المسلمون في زماننا هذا، فهو يقول: إن زوجته يعتريها أوقات تتغير فيه وتضرب نفسها وتكاد تمزق ما حولها -فيما يبدو أنه مسّ من الجن- وتطلب منه الطلاق ولا تهدأ إلا إذا لفظ به، فهي تهدده بحالة مذعرة يخشى من عاقبتها كما يخشى من مقدّمها -مهرها- الكبير الذي كتبه على نفسه ولا يستطيعه إن حاكمته إلى القاضي،\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح ابن ماجة (٣٣)، باب التغليظ وتعمد الكذب على رسول الله - ﷺ -.\n(٢) القائل هو القرطبي.\n(٣) انظر تفصيل وتمام ذلك في تفسير القرطبي (ج ١) ص (٢٨٦).","vol":"1","page":192},{"text":"حتى دُلَّ أو دُلّت على رجل دجال ساحر، زاد بكفره وشعوذته من المشكلة حين أمرها بحمل زوجها على أن يطلقها وكرّهها بالسحر منه بشدة ووعدها وعودًا كاذبة بإخراج هذه القوى الخفية منها وخلا بها وزنى بها ثم طلقها زوجها وطلب ذلك الدجال الزواج منها بدعوى متابعة معالجة المشكلة فتزوجها قبل أن تُنهي عدتها من زوجها ثم ظهر لها كذبه ودجله فهددته حتى طلقها، ثم رجعت إلى زوجها الأول نادمة عما حصل من أمرها، فجاءني زوجها يستفتيني -بعدما دُل عليَّ من كبار أهل العلم- هل تستطيع أن ترجع إليه وقد طلقها ثلاثًا ثم زنى بها ذلك الدجال ثم تزوجها أثناء عدتها ثم طلقها؟؟ فهذا حال زماننا نسأل الله السلامة والعافية.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.\nقال ابن عباس: ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي قد كمل في علمه، و﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي قد كمل في حُكمهِ).\nوقيل: معنى الحكيم: الحاكم، كما أن العليم بمعنى العالم، والخبير بمعنى الخابر.\nقال ابن كثير: (أي العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك من تشاء، ومنعك من تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل التام).\nوقوله تعالى: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾.\nقال ابن عباس: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾، يقول: أخبرهم بأسمائهم- ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيها الملائكة خاصة ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولا يعلمه غيري).\nوقال زيد بن أسلم: (قال: أنت جبرائيلُ، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدَّدَ الأسماء كُلَّها، حتى بلغ الغُراب).\nوقال مجاهد: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ قال: اسم الحمامة، والغراب واسم كل شيء).\nقال الحافظ ابن كثير: (فلما ظهر فضلُ آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سَرْده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء، قال الله تعالى للملائكة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: ألم أتقدَّم","vol":"1","page":193},{"text":"إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفيَّ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧]. وكما قال تعالى إخبارًا عن الهُدْهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٥ - ٢٦]).\nوقد ذكر غير ذلك من تأويل في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، وتفصيل ذلك:\nالتأويل الأول: عن ابن عباس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ قول: ما تظهرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يقول: أعلم السرّ كما أعلم العلانية. يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار).\nوقال سعيد بن جبير: (ما أسر إبليس في نفسه).\nوقال سفيان: (ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر ألا يسجد لآدم).\nالتأويل الثاني: عن الحسن بن دينار، قال للحسن -ونحن جلوس عنده في منزله-: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله للملائكة: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، ما الذي كتمت الملائكة؟ فقال الحسن: (إن الله لما خلق آدم رأت الملائكة خلقًا عجيبًا فكأنهم دخلهم من ذلك شيء، فأقبلَ بعضهم إلى بعض، وأسرّوا ذلك بينهم، فقالوا: وما يُهمكم من هذا المخلوق! إن الله لن يخلق خلقًا إلا كنا أكرمَ عليه منه).\nوقال قتادة: (أسرّوا بينهم فقالوا: يخلق الله ما يشاء أن يخلقُ، فلن يخلُقَ خلقًا إلا ونحن أكرم عليه منه).\nالتأويل الثالث: عن الربيع بن أنس: (﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فكان الذي أَبْدَوا حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لن يخلق ربنا خلقًا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم. فعوفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم).\nالتأويل الرابع: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قصة الملائكة وآدم، فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمتُه ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني","vol":"1","page":194},{"text":"ومن يطيعني، قال: وقد سبق من الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه، فقال: فلما رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا له بالفضل).\nاختار ابن جرير قول ابن عباس، قال: (والذي أظهروه بألسنتهم. . قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ـ، والذي كانوا يكتمونه، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره، والتكبر عن طاعته).\nوهذا يصح في كلام العرب، أن يخرجوا الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤]، وذكر أن الذي نادى كان واحدًا من بني تميم. ومثله قوله تعالى: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\nقلت: والذي أميل إليه أن تبقى الآية عامة دون تخصيص لقول دون قول، أو موقف دون آخر، فهو سبحانه يخبر الملائكة بعد هذا المشهد الذي وضعهم فيه أمام آدم أنه جل ذكره يعلم ما يظهرونه بألسنتهم وما كانوا يخفونه في أنفسهم. ولا شك أن هذا المشهد يدل الله به على فضل العلم وأهله، ومن ثم فإن الملائكة بعد ذلك لتضع أجنحتها رِضًا لطالب العلم، أي تخضع وتتواضع، وإنما تفعل ذلك خاصة لأهل العلم.\nفقد أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من سَلَكَ طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع] (١). وفي لفظ: [بما يطلب].\nوفي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني بإسناد جيد واللفظ له عن صفوان بن عَسَّالٍ المُرادي ﵁ قال: [أتيت النبي - ﷺ - وهو في المسجد مُتكئٌ على بُردٍ له أحمرَ، فقلت له: يا رسول الله! إني جئتُ أطلبُ العلمَ. فقال: مرحبًا بطالب علم،\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٠٩٦)، وصحيح سنن الترمذي (٢١٥٩)، وكذلك الحديث (٢١٣٤)، (٢٣٤٨) من حديث أبي هريرة. وانظر صحيح الترغيب (١/ ٦٨).","vol":"1","page":195},{"text":"إن طالِبَ العلم تَحُفُّه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضُهم بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يَطلُبُ] (١).\nقلت: وأما إن كان من العلماء فتشريفه عند الملائكة أكبر من تشريف طلاب العلم، فهم يستغفرون له، ويحفون مجلسه بالسكينة والرحمة، ويُصلون عليه وعلى أمثاله من معلمي الناس الخير، ويُشاركهم في ذلك أهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحيتان في البحر.\nففي حديث الترمذي من طريق أبي الدرداء: [وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحِيتانُ في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل الفمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما وَرَّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ] (٢).\nوفي جامع الترمذي أيضًا عن أبي أُمامة الباهلي قال: [ذُكِرَ لرسول الله - ﷺ - رجلان: أحدُهما عابِدٌ، والآخر عالمٌ، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: فَضْلُ العالم على العابد، كفضلي على أدناكم. ثم قال رسول الله - ﷺ -: إن الله وملائكته وأهلَ السماوات والأرض حتى النملةَ في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليصَلُّون على معلمي الناسِ الخيرَ] (٣).\nورواه البزار من حديث عائشة مختصرًا قال: [مُعلم الخير يستغفر له كلُّ شيء، حتى الحيتانُ في البحر].\nقال القرطبي ﵀: (وفي الحديث \"وإن الملائكَة لتضع أجنحتها رِضًا لطالب العلم\" أي تخضع وتتواضع، وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة من بين سائر عيال الله، لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم ﵇ فتأدّبت بذلك الأدب. فكلما ظهر لها عِلْمٌ في بشر خضعت له وتواضعت وتذلَّلت إعظامًا للعلم وأهله، ورضىً منهم بالطلب\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد والطبراني. انظر صحيح الترغيب (١/ ٦٩).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح الترغيب (١/ ٦٨)، وصحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢١٥٩)، وصحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣٠٩٦).\n(٣) حديث حسن صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢١٦١)، وكذلك (٢١٥٩) من حديث أبي الدرداء، وانظر له ولرواية البزار بعده صحيح الترغيب (١/ ٧٨)، (١/ ٧٩).","vol":"1","page":196},{"text":"له والشغل به. هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم! جعلنا الله منهم وفيهم، إنه ذو فضل عظيم) (١).\nقلت: وأما ما خاض به بعض الناس من أن الآية تدل على أن آدم أفضل من الملائكة وكذلك الأنبياء والرسل والعلماء، أو أن الملائكة أفضل منهم، فلا دليل على أي من المذهبين، بل ليست هذه القضية معروضة للبحث فعل مها متروك إلى الله سبحانه، وإنما الآية كما أسلفنا تدل على شرف العلم وفضل أهله.\n٣٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.\nفي هذه الآية: يمتن الله سبحانه مرة أخرى على ذرية آدم بذكر كرامة عظيمة اختص بها أباهم آدم ﵇، إذ أمر ملائكته الكرام بالسجود له، فامتثلوا الأمر الكريم، إلا إبليس اللعين، اعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة، فأبى السجود وكان من المستكبرين.\nفقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ - أي سجود تكريم وتقدير.\nففي الصحيحين والمسند وأكثر السنن عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهمْ!] الحديث (٢).\nوفي لفظ: [قال موسى: ربِّ أرني آدم الذي أخرجنا ونفسَه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته].\nوأما إبليس فأبى السجود كبرًا وتعززًا، فسخط الله عليه وأنزل به لعنته إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]\nقال الحافظ ابن كثير: (والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل\n_________\n(١) انظر تفسير الإمام القرطبي، ج (١)، ص (٢٨٨ - ٢٨٩).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٣٤٠٩)، (٦٦١٤)، (٧٥١٥)، وانظر صحيح مسلم (٢٦٥٢) ح (١٣)، (١٤)، (١٥)، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى صلى الله عليهما وسلم. ورواه أحمد. انظر صحيح الجامع الصغير، حديث رقم (١٨٢).","vol":"1","page":197},{"text":"إبليس في خطابهم، لأنه -وإن لم يكن من عنصرهم- إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذُمَّ في مخالفة الأمر).\nوأما مفهوم هذا السجود ففيه أقوال:\nالأول: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته.\nالثاني: كان هذا سجودَ تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].\nالثالث: وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].\nقلت: أما الثالث فبعيد ولا دليل عليه، وأما الثاني فهو كان مشروعًا في الأمم الماضية ثم نسخ في ملتنا، ويبقى التأويل الأول هو الأنسب للسياق. واختاره الحافظ ابن كثير وقال: (والسجدة لآدم إكرامًا وتعظيمًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله ﷿، لأنها امتثال لأمره تعالى).\nوقوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾:\nقال قتادة: (حَسَدَ عدوُّ الله إبليسُ آدمَ ﵇ على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني).\nوإبليس \"إفعيل\" من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن. والعرب تقول: أبْلسَ فلان من رحمة الله أي يئِس والعياذ بالله.\nقال الرازي: (ومنه سمي \"إبليس\" وكان اسمه عَزَازيل (١). و\"الإبلاس\" أيضًا الانكسار والحُزْن يقال: أبْلس فلان إذا سكت غمًا).\nقال ابن عباس: (إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته).\nوقال السدي: (كان اسم إبليس \"الحارث\"، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا).\nوفي التنزيل: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ يعني: آيسون من الخير، نادمون حزنًا.\n_________\n(١) قلت: لا دليل على ذلك يحتج به.","vol":"1","page":198},{"text":"وقوله ﴿أَبَى﴾ أي امتنع من السجود لآدم ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي تعظَّمَ وتكبَّر عن طاعة الله في أمره بذلك، وهذا الاستكبار هو أول ذنب عُصِيَ الله به، وهو من أقبح الأفعال التي تسخط الله سبحانه وتُهَدِّدُ العبد في مصيره.\nففي صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة منْ كان في قلبه مِثْقال ذرَّة من كبْرٍ. قال رجل: إنَّ الرجل يُحِبُّ أن يكونَ ثَوْبُه حَسَنًا، ونَعْلُهُ حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس] (١).\nقال ابن جرير: (وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه جبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقياد لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق. وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله، والتذلل لطاعته، والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم -اليهودُ الذين كانوا بين ظهراني مُهَاجَرِ رسول الله - ﷺ -، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله - ﷺ - وصِفته عارفين، وبأنه لله رسولٌ عَالِمين. ثم استكبروا -مع علمهم بذلك- عن الإقرار بنبوّته، والإذعان لطاعته، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرّعهم الله بخبره عن إبليس الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدًا له وبغيًا، نظيرَ فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله - ﷺ - ونبوته، إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدًا وبغيًا).\nوفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا قرأ ابنُ آدم السَّجْدَة فسَجَدَ، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا وَيْلَهُ (وفي رواية: يا وَيْلي)! أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبَيْتُ فلِيَ النار] (٢). وفي لفظ: (فعصيت فلِيَ النار).\nوقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال عبد الله بن بُريدة: (من الذين أبوا، فأحرقتهم النار).\nوقال أبو العالية: (يعني من العاصين).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٩١) - كتاب الإيمان. باب تحريم الكبر وبيانه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨١) - كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، ورواه أحمد وابن ماجة، انظر صحيح الجامع (٧٤٠).","vol":"1","page":199},{"text":"وقال السدّي: (﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ يكونون بعد).\nوقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ: (ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصَيَّرَهُ الله إلى ما أبدى عليه خلقه على الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال القرطبي ﵀ في تفسيره: (وقال جمهور المتأولين: المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقةً والمؤمن حقيقةً هو الذي قد علم الله منه الموافاة).\nقلت: ويشهد لهذا التأويل الجيد من السنة الصحيحة ما رواه الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: [لا تعجبوا بعمل عامل، حتى تنظروا بمَ يختَمُ له] (١).\nوله تفصيل أكبر عن الإمام أحمد وابن أبي عاصم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تعجبوا بعمل أحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من دهره، أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا، وإن العبد ليعمل زمانًا من دهره بعمل سيِّئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملًا صالحًا، وإذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله قبل موته فوفقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه] (٢).\nوقد ذكر العلماء في هذا المعنى: أنه لا نَقْطَعُ لمن أجرى الله على يديه الخوارق أن يوافي الله بالإيمان، فالخوارق قد تكون من الولي وغير الولي، فإن كانت من الولي الصالح فهي كرامات وإن كانت من الدجال الجاهل فهي فتنة له ولمن تبعه.\nقال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: (قلت للشافعي ﵀: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغترّوا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال الشافعي: قصَّر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة. انظر صحيح الجامع الصغير (٧٢٤٣)، وأصله في المسند والصحيحين بلفظ مقارب. وانظر الحديث بعده،\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٢٠، ١٢٣، ٢٣٠)، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٣٤٧ - ٣٥٣)، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (١٣٣٤).","vol":"1","page":200},{"text":"٣٥ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تكريم الله تعالى آدم وزوجته في جنة النعيم، وتحذيرهما من شجرة إن يقرباها يكونا من الظالمين. فما زال يوسوس إليهما فيها الشيطان الرجيم، حتى أكلا منها فأهبطهم الله تعالى إلى الأرض حتى حين.\nفقوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية.\nقال ابن جرير: (وفي هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال: إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم، وأُسكنها آدم قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض).\nوإلى ذلك ذهب المفسرون، وذكر القرطبي أنه لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: اسكن.\nوهناك روايتان في ذلك عن أرباب التفسير:\nالأولى: عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (أن عدو الله إبليس أقسم بعزة الله ليُغويَنَّ آدم وذريته وزوجَه إلا عباده المخلصين منهم، بعد أن لعنه الله، وبعد أن أخرِج من الجنة، وقبل أن يهبط إلى الأرض. وعلّم الله آدم الأسماء كلها).\nالثانية: عن ابن إسحاق، قال: (لما فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبى إلا المعصية وأوقع عليه اللعنة، ثم أخرجه من الجنة، أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها، فقال: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾).\nوقوله: ﴿اسْكُنْ﴾ من السكينة: وهي الوَداع والوقار. حكاه الرازي.\nوالمقصود: لازم الإقامة واتخذ الجنة مسكنًا، وهو محل السكون. يقال: سَكَنَ إليه يَسْكُنُ سكونًا. والسَّكَنُ: كل ما سُكن إليه.","vol":"1","page":201},{"text":"وأما عن الحال التي خلقت لآدم زوجته، والوقت الذي جعلت له سكنا فهناك روايتان: الرواية الأولى: عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (فأُخْرِجَ إبليسُ من الجنة حين لعن، وأسكِنَ آدم الجنة. فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدةٌ خلقها الله من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ. قالت له الملائكة -ينظرون ما بلغ علمه-: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء. قالوا: ولم سُميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ. فقال الله له: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾).\nفهذا الخبر يُنبئ أن حواء خلقت بعد أن سكن آدم الجنة، فجعلت له سكنًا.\nالرواية الثانية: قيل بل خلقت حواء قبل أن يسكن آدم الجنة.\nفعن ابن إسحاق، قال: (لما فرغ الله من مُعاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال: ثم ألقى السِّنَةَ على آدم -فيما بلغنا عن أهل الكتاب من التوراة، وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن عباس وغيره- ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شِقِّهِ الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها. فلما كُشِف عنه السِّنة وهبَّ من نومته، رآها إلى جنبه، فقال -فيما يزعمون والله أعلم-: لحمي ودمي وزوجتي، فسكن إليها. فلما زوّجه الله ﵎، وجعل له سكنًا من نفسه، قال له قَبيلًا: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾).\nقال أبو جعفر: (ويقال لامرأة الرجل: زَوْجُه وزوْجَتُه، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء. والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْدِ شنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب، فهو زوجُ المرأة).\nوالخلاصة من أقوال المفسرين: لَقد أسكن الله آدم الجنة، وأخذ من ضلع من أضلاعه وهو نائم ضلعًا من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وخلق له من ذلك الضلع زوجة يسكن إليها، والله أعلم. وقد أشارت السنة الصحيحة إلى بعض ذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال:","vol":"1","page":202},{"text":"[إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن سمرة عن النبي - ﷺ - قال: [إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها، فدارها تَعِشْ بها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند حسن عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقومها كسرتها، وإن تدعها ففيها أودٌ وبُلغَةٌ] (٣).\nأي فيها عوج، ولكن فيها كفاية لحصول الأنس والسكن رغم ذلك.\nوآدم ﵊ هو أول الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقد كلمه الله قبلًا.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في الكبير، بسند حسن عن أبي أمامة قال: [قلت: يا نبي الله فأي الأنبياء كان أول؟ قال آدم ﵇. قال: قلت: يا نبي الله! أو نبي كان آدم؟ قال: نعم، نبي مكلّم، خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم قال له: يا آدم قِبَلًا. قال: قلت: يا رسول الله! كم وفى عدد الأنبياء؟ قال: مئة ألف وأربعة عشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر، جمًّا غفيرًا] (٤).\nوله شاهد عند الحافظ أبي بكر بن مَرْدَوَيه من حديث أبي ذر، قال: [قلت\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٣٦٤٣) - طبعة دار السلام، الرياض- كتاب الرضاع. باب الوصية بالنساء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد والحاكم وابن حبان. انظر صحيح الجامع الصغير- حديث رقم - (١٩٤٠)، وتخريج الترغيب (٣/ ٧٢).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد والنسائي من حديث أبي ذر. انظر صحيح الجامع الصغير- حديث رقم - (١٩٣٨)، وتخريج الترغيب (٣/ ٧٣).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٦٥)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٥٩): رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\"، ومداره على عليّ بن يزيد وهو ضعيف، لكن للحديث شواهد يتقوى بها. انظر مسند الطيالسي (٤٧٨)، ومسند أحمد (٥/ ١٧٨)، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة عقب الحديث (٢٦٦٨).","vol":"1","page":203},{"text":"يا رسول الله؛ أرأيت آدم، أنبيًّا كان؟ قال: نعم، نبيًّا رسولًا كلَّمة الله قبلًا - يعني عيانًا - فقال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾] (١).\nوشاهد آخر أخرجه أبو جعفر الرزّاز في \"مجلس من الأمالي\" بإسناد صحيح عن أبي أمامة: [أن رجلًا قال: يا رسول الله! أنبيًّا كان آدم؟ قال: نعم، مُكلّم. قال: كم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: يا رسول الله! كم كانت الرسل؟ قال: ثلاث مئة وخمسة عشر] (٢).\nوقوله: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾.\nالرَّغَد في كلام العرب: الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعنِّي صاحبه.\nوعِيشَةٌ رَغْدٌ: أي واسعة طيِّبة، وأرغد فلان: إذا أصاب سعة من العيش. وقد ورد في الآية أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ قال: الرغد: الهنيء).\nالتأويل الثاني: عن مجاهد: (﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ أي لا حساب عليهم).\nالتأويل الثالث: عن الضحاك، عن ابن عباس: (الرغد: سَعة المعيشة).\nوهي تفاسير متقاربة متشابهة تفيد أن الله سبحانه قال لآدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رزقًا واسعًا هنيئًا في عيش لا حساب فيه ولا عتاب.\nوقوله ﴿رَغَدًا﴾ إما نعت لمصدر محذوف، أي أكْلًا رَكَدًا. وإما نصب على الحال.\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.\nالشجرة في كلام العرب كل ما قام على ساق. قال الرازي: (الشَّجَرُ والشجَرة ما كان على ساق من نبات الأرض).\n_________\n(١) إسناده لا بأس به. انظر صحيح ابن حبان (٣٦١)، والبيهقي في \"السنن\" (٩/ ٤) وكذلك أخرج نحوه أبو نعيم (١/ ١٦٨). وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير. انظر الحديث (٤٢١) في تفسير ابن كثير - تحقيق عبد الرزاق المهدي.\n(٢) إسناده صحيح. أخرجه أبو جعفر الرزّاز في \"مجلس من الأمالي\" (ق ١٧٨/ ١)، وانظر صحيح ابن حبان (٢٠٨٥ - موارد)، وابن مندة في \"التوحيد\" (ق ١٠٤/ ٢). وانظر معجم الطبراني الكبير (٨/ ١٣٩ - ١٤٠)، والأوسط (١/ ٢٤/ ٢/ ٣٩٨)، ومستدرك الحاكم (٢/ ٢٦٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٦٦٨).","vol":"1","page":204},{"text":"وفي التنزيل ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. يعني بالنجم ما نَجم من الأرض من نَبت، وبالشجر ما استقل على ساق، كلاهما يخضعان وينقادان لله فيما خلقا له.\nوالمقصود أن النجم هو النبات الذي ينجم ولا ساقَ له كالعشب والبقل، وأما الشجر فهو ما قام على ساق.\nواختلف في عين الشجرة التي نُهي آدم عن أكل ثمرها، وفي ذلك أقوال: الأول: السُّنبلة. قال ابن عباس: (الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، هي السنبلة).\nوقال وهب بن منبه: (هي البُرُّ، ولكن الحبة منها في الجنة كُكُلَى البقر، ألين من الزبد وأحلى من العسل. وأهل التوراة يقولون: هي البُرّ).\nالثاني: الكرمة. قال ابن عباس: (هي الكرمة). وفي رواية: (وتزعم اليهود أنها الحنطة).\nوقال السدي: (الشجرة هي الكَرْم). وقال الشعبي: (هم العِنب).\nوقال جعدة بن هُبيرة: (الشجرة التي نُهي عنها آدم، شجرة الخمر).\nالثالث: التِّينة. قال ابن جريج: (تينة).\nالرابع: شجرة الخلد. قال يعقوب بن عتبة: (حُدِّث أنها الشجرة التي تحتكُّ بها الملائكة للخلد).\nوكلها أقوال لا يصح رفع شيء منها إلى النبي - ﷺ -، ولو شاء الله سبحانه لعيّنها بعينها، ولكنه سبحانه ما أراد ذلك، إذ المقصود من الآية إدراك أثر المخالفة لأمره سبحانه لا الخوض في مسميات ليست هي المرادة بذلك.\nوقد أجاد شيخ المفسرين العلامة ابن جرير ﵀ بقوله: (فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها، من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به. ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة).","vol":"1","page":205},{"text":"وقوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nالظلم: أصله وضع الشيء في غير موضعه. وقوله ﴿فَتَكُونَا﴾ عطف على ﴿تَقْرَبَا﴾ لذلك حذفت النون. ومعنى الآية: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي ظالمين لأنفسكما.\nوقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾.\n﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ من الزَّلة وهي الخطيئة، أي استزلهما وأوقعهما فيها. وهي قراءة الجمهور.\nوقرأها حمزة \"فأزالهما\" من التنحية، أي نحّاهما.\nقال ابن كَيْسان: (فأزالهما من الزوال، أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية).\nوقراءة الجمهور أقوى كما أشار ابن جرير والقرطبي وغيرهما.\nقال القرطبي: (وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى، إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى. يقال منه: أزْلَلْتُهُ فزَلّ. ودلّ على هذا قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾، وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية، وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان، إنما قدرته على إدخاله في الزلل، فيكون ذلك سببًا إلى زواله من مكان إلى مكان قدرته).\nوقوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾.\nأي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة ورغد العيش.\nوقد أضاف الله إخراجهما من الجنة إلى الشيطان لأن ذلك كان بسبب إغوائه وإن كان المخرج هو الله تعالى. قال ابن عباس: (﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾: قال: أغواهما).\nقال ابن مفلح: (فآدم ﵇ لم يخرج من الجنة إلا بالتأويل، فالتأويل لنص الله أخرجه، وإلا فهو لم يقصد المعصية، والمخالفة، وأن يكون ظالمًا مستحقًا للشقاء) ذكره القاسمي.\nوقال أبو محمد بن حزم في الملل والنحل: (لا براءة من المعصية أعظم من حال من ظن أن أحدًا لا يحلف حانثًا. وهكذا فعل آدم ﵇، فإنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيًا لنص القرآن، ومتأولًا وقاصدًا إلى الخير، لأنه قدّر أنه يزداد حظوة عند الله فيكون مَلَكًا مقربًا أو خالدًا فيما هو فيه أبدًا. فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله","vol":"1","page":206},{"text":"به، وكان الواجب أن يحمل أمر ربه على ظاهره، لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه. ولو فعل هذا عالم من علماء المسلمين لكان مأجورًا، ولكن آدم لما فعل وأخرج عن الجنة إلى الدنيا، كان بذلك ظالمًا لنفسه. وقد سمى الله تعالى قاتل الخطأ قاتلًا، كما سمى العامد. والمخطئ لم يعمد معصية. وجعل في مثل الخطأ عتق رقبة، وهو لم يعمد ذنبًا) انتهى.\nوقد أجاد شيخ الإسلام في تفصيل هذا الحدث بقوله: (الصواب أن آدم ﵇، لما قاسمة عدو الله أنه ناصح، وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات: أحدها القسم. والثاني: الإتيان بجملة اسمية لا فعلية. والثالث تصديرها بأداة التأكيد. الرابع: الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس الإتيان به اسم فاعل لا فعلًا دالًا على الحدث. السادس تقديم المعمول على القليل فيه. ولم يظن آدم آن أحدًا يحلف بالله كاذبًا يمين غموس، فظن صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل، وإن كان فيه مفسدة، فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة، كما تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية).\nوقوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.\nهبط - في لغة العرب -: نزل والهُبُوطُ: الحُدُور. وفي المقصود بالهبوط أقوال:\nالأول: آدم وحواء والحية والشيطان، قاله ابن عباس.\nالثاني: آدم وحواء والوسوسة. قاله الحسن.\nالثالث: بنو آدم وبنو إبليس. قاله مجاهد.\nقلت: والراجح عندي أن الأمر بالهبوط كان لآدم وزوجته والشيطان إذ لا دليل على ذكر الحية في السياق ولا في السنة الصحيحة.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [خيرُ يوم طلعت فيه الشمس يومُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرجَ منها] (١).\nوقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.\nفقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ جملة اسمية، مبتدأ وخبر، أي موضع استقرار. والمتاعُ: ما يستمتع به من أكل ولُبْس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك، ومنه سميت\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (٨٥٤)، ومسند أحمد (٢/ ٤٠١) وغيرهما.","vol":"1","page":207},{"text":"مُتعة النكاح لأنها يُتَمتَّعُ بها. وقد جاء غير ذلك في معنى ﴿مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ عند المفسرين.\nوتفصيل ذلك:\nأولًا: المستقر.\n١ - قال أبو العالية: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قال: (هو قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]).\n٢ - وقال السدي: (﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ يعني القبور).\n٣ - وقال ابن زيد: (﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قال: مقامهم فيها).\nثانيًا: المتاع.\n١ - قال السدي: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ قال يقول: بلاغ إلى الموت).\n٢ - قال ابن عباس: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، قال: الحياة).\n٣ - قال مجاهد: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ قال: إلى يوم القيامة، إلى انقطاع الدنيا).\nقلت: ولا شك أن الآية تتسع لكل هذه المفاهيم، وكأنه يقول: فإن لكم في الأرض منازل ومساكِن تستقرون فيها استقراركم، ثم تدفنون في بطنها من بعد وفاتكم، فتكون الأرض منزلًا وقرارًا وكِفاتًا لأجسادكم. وإن لكم في الأرض متاعًا بما أخرج الله منها لكم، وبما جعل لكم فيها من المعاش والرياش والزَّين والملاذِّ، وبما أعطاكم سبحانه على ظهرها أثناء حياتكم، ثم بما هيأ فيها من أجداثكم بعد وفاتكم، فتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن يبدلكم غيرها.\nوقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾.\nقال الربيع: إلى أجل.\nقال الرازي: (وعن فتح المُوصلي أنه قال: كنا قومًا من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهمّ والحزن حتى نُرَدّ إلى الدار التي أخرجنا منها).","vol":"1","page":208},{"text":"٣٧. قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآية: لجوء آدم ﵇ إلى ربه تعالى راجيًا عفوه ومغفرته، فغفر له وعفا عنه، إنه هو الغفور الرحيم.\nوالتلقي في لغة العرب: أصله التَّفَعُّل من اللقاء، كما يتلقى الرجلُ الرجلَ مُستقبله عند قدومه من غيبته أو سفره. قال الرازي: (تلقّاه: أي استقبله). وقيل هو بمعنى أخذ وقَبِل، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي يأخذ بعضٌ عن بعض.\nوكان ﵇ يتلقى الوحي أي: يستقبله ويأخذه ويتَلقَّفُه.\nوأصح ما قيل في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه هي تلك المُفسَّرَة بآية الأعراف: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nفعن ابن زيد في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية. قال: (لقّاهما هذه الآية: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾).\nقال ابن جرير: (فمعنى ذلك إذن: فلقّى الله آدمَ كلمات توبة، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا، فتاب الله عليه بقيله إياها، وقبوله إياها من ربه).\nوأما من قرأها: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ فجعل الكلمات هي المتلقية آدم، فهو جائز لغة، إذ كل ما تلقاه الرجل فهو له مُتَلقّ، وما لقيه فقد لَقيه، فصار للمتكلم أن يوجه الفعل إلى أيهما شاء، إلا أن الجمهور ليس على هذه القراءة بل على القراءة الأولى، على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات.\nوقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.\nأي: قبل توبته، أو وفّقه للتوبة، فإنه سبحانه يتوب على من تاب إليه وأناب. وفي التنزيل:\n﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة: ١٠٤].","vol":"1","page":209},{"text":"﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].\n﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١].\nقلت: وهذا سرّ العبادة، الوقوف على بابه سبحانه عقب الزلل والوقوع، فإن الذنب كائن لا محالة، إذ الضعف يحيط بابن آدم وهو جزء من كيانه وهو من طبيعة تركيبه وخلقه. ففي صحيح مسلم عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [لما صَوَّرَ الله تعالى آدمَ في الجنة تركه ما شاء الله أن يَتْرُكَه، فجعل إبليس يُطيفُ به، يَنْظُرُ إليه، فلما رآه أجوفَ، عرف أنه خَلْقٌ لا يَتمالك] (١).\nومن ثم فالسعيد من ألهمه الله التوبة وعَلَّمه حسن الكلام، وأعانه على سرعة الأوبة والإنابة.\nوفي سنن الترمذيِ ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [لما خلقَ الله آدا ونَفَخَ فيه الروحَ عطَسَ، فقال: الحمدُ لله، فحمدَ اللهَ بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمُكَ الله يا آدم! اذهبْ إلى أولئك الملائكةُ، إلى ملأٍ منهم جلوس، فقل: السلام عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمةُ الله، ثم رجَع إلى ربه، فقال: إن هذه تَحِيَّتُكَ وتحيَّةُ بنيكَ بينَهم، فقال الله له، ويداه مقبوضتان: اخْتَر أيَّهما شِئْتَ، قال: اخترت يمينَ ربي، وكِلْتا يَدَيْ ربي يمينٌ مباركةٌ، ثم بسطها فإذا فيها آدمُ وذُرِّيَتُه، فقال: أي رب! ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذُرِّيَتُك، فإذا كلُّ إنسان مكتوبٌ عُمُرُهُ بينَ عينيه، فإذا فيهم رجلٌ أضوَؤهُم أو مِنْ أضوئِهم، قال: يا ربِّ مَنْ هذا؟ قال: هذا ابنُك داودُ، وقد كتبتُ له عُمْرَ أربعين سنَةً. قال: يا ربِّ زِدْ في عُمْره، قال: ذاك الذي كتبتُ له، قال: أي ربَّ فإني قد جَعَلْتُ له من عُمري ستين سنة، قال: أنتَ وذاكَ، ثم أُسكِنَ الجنةَ ما شاءَ الله، ثم أهْبِطَ منها، فكان آدمُ يَعُدُّ لنفسِه، فأتاه مَلَكُ الموت، فقال له آدمُ: قد تعجَّلتَ، قد كُتِبَ لي ألفُ سنةٍ. قال: بلى، ولكنك جعلت لابنكَ داودَ ستينَ سنة، فجَحَدَ، فجحدت ذُرِّيَّتُه، ونَسِيَ فنسيت ذُرِّيَّتُه، فمِنْ يومَئذٍ أُمِرَ بالكتابِ والشُّهود] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦١١) - كتاب البر والصلة. باب خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٨٣) - كتاب التفسير. وانظر تخريج المشكاة (٤٦٦٢)، ورواه الحاكم وغيره. انظر صحيح الجامع الصغير (٥٠٨٥).","vol":"1","page":210},{"text":"والخلاصة: إن آدم ﵇ قد تلقى من ربه كلمات، التوبة والإنابة كما تلقى منه الحمد عند العطاس وكما تلقى منه سبحانه السلام - تحيته وتحية بنيه من بعده -، فقبل منه سبحانه توبته ورضي عن إنابته وعفا عما كان منه.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nو﴿التَّوَّابُ﴾: هو أن يقبل توبة عبده إليه، ويؤوب له من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه.\nوأما ﴿الرَّحِيمُ﴾: فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة.\nقال ابن جرير: (ورحمته إياه، إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جُرمه).\nوقال النسفي: (التواب: الكثير القبول للتوبة).\nوقال القاسمي: (في الجمع بين الاسمين - التواب الرحيم - وعد للتائب بالإحسان مع العفو).\nوفي الصحيحين عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [للهُ أفْرَحُ بِتَوْبةِ عَبْدِهِ من أحدِكُمْ سَقَطَ على بعيره وقد أَضلَّه في أرض فلاة] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله تعالى يَبْسُطُ يدَه بالليل ليتوبَ مسيءُ النَّهار، ويبسط يدَه بالنهار ليتوبَ مسيءُ الليل حتى تطلعَ الشمس من مَغْرِبها] (٢).\nوفيه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تابَ قبل أن تَطْلُعَ الشمس من مَغْرِبها تاب الله عليه] (٣).\nوفي جامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله ﷿ يقبل توبةَ العبد ما لم يُغَرْغِر (٤)] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٩١)، (١١/ ٩٢)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٤٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٥٩) - كتاب التوبة. باب قبول التوبة من الذنوب.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٧٠٣) - كتاب الذكر والدعاء. باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه.\n(٤) الغرغرة: هي تردد الروح في الحلق.\n(٥) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٥٣٧)، وأحمد (٦١٦٠) (٦٤٠٠)، وأخرجه ابن ماجة (٤٢٥٣)، وصححه ابن حبان (٢٤٤٩)، والحاكم (٤/ ٢٥٧)، وله شواهد كثيرة.","vol":"1","page":211},{"text":"٣٨ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر سبحانه وتعالى عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة. ثم خاطب الذرية موضحًا لهم سبل السلام في الدنيا والآخرة، وذلك باتباع الهدى: الكتب والرسل، وأما الإعراض والجحود فمآله العذاب والخلود في النار.\nفعن أبي العالية، في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ قال: (الهدى: الأنبياء والرسل والبيان).\nوقال الحسن: (الهدى: القرآن). وقال مقاتل: (الهدى: محمد - ﷺ -).\nوقول أبي العالية أعم وأشمل.\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، يعني: فمن اتبعَ بياني الذي آتيتُه على ألسن رسلي، أو مع رسلي). وهو قول أبي العالية: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، قال: يعني بياني).\nوقوله: (﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾.\nقال ابن زيد: (يقول: لا خوف عليكم أمامكم).\nأي لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم في أمور الدنيا. وفي التنزيل أيضًا: ﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].\nقال ابن عباس: (فلا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة).\nقال ابن جرير: (وليس شيء أعظمَ في صدر الذي يموت ممّا بعد الموت، فأمَّنَهم منه وسلَّاهم عن الدنيا فقال: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nيعني: الذي جحدوا آيات الله وكذبوا رسله. كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤].","vol":"1","page":212},{"text":"ولا شك أن آيات الله تشمل كلَّ حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته، وما جاءت به الرسل من الأعلام والشواهد على ذلك، وعلى صدقها فيما أخبرت عن ربها. وقد بسطنا القول في معنى الكفر فيما مضى، وأن أصله التغطية على الشيء.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ من الصحبة، وهي الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما. قال القرطبي: (فإن كانت الملازمة والخُلطة فهي كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها).\nوقال النسفي: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي أهلها ومستحقوها).\nولا شك أن المراد بقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أنهم أهل النار الذين لا يموتون فيها ولا يخرجون، ولا محيد لهم عنها ولا محيص.\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أقوام أصابتهم النار بخطاياهم، أو بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أُذِنَ في الشفاعة] (١).\n٤٠ - ٤١. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: يوجه الله جل ثناؤه الخطاب إلى بني إسرائيل ويأمرهم بالدخول في الإسلام، ومتابعة النبي محمد ﵊، ويدعوهم إلى ذلك بنسبهم إلى إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، فيذكرهم بذلك بعراقة نسب النبوة في تاريخهم، ويحذرهم مغبة مواجهة الوحي بالكفر والاستهزاء والعناد.\nوإسرائيل يعني عبد الله وصفوته من خلقه، فإن \"إسرا\" هو العبد، و\"إيل\" هو الله. قال ابن عباس: (إسرائيل كقولك: عبد الله). وقال عبد الله بن الحارث: (\"إيل\" الله بالعبرانية). وقال أبو جعفر: (كما قيل: \"جبريل\" بمعنى عبد الله).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٥)، وكذلك مسند أحمد (٣/ ١١).","vol":"1","page":213},{"text":"قال الحافظ ابن كثير: (وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحقِّ. كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا. يا ابنَ الشجاع، بارزِ الأبطال. يا ابن العالِم، اطلب العلم، ونحو ذلك).\nأخرج الطيالسي عن عبد الله بن عباس قال: [حضرت عصابة من اليهود نبيَّ الله - ﷺ -، فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوبُ؟ قالوا: اللهم نعم. فقال النبي - ﷺ -: اللهم فاشهد] (١).\nولا شك أن هذا الخطاب من الله سبحانه لليهود إنما يتوجه أولًا لأحبارهم وعلمائهم، فهم قدوة أقوامهم وأسوتهم. فعن ابن عباس: (قوله: \"يا بني إسرائيل\"، قال: يا أهل الكتاب، للأحبار من يهود).\nوقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾،\nفيه أقوال:\n١ - عن ابن عباس قال: (أي آلائي عندكم وعند آبائكم، لما كان نجّاهم به من فرعون وقومه).\n٢ - عن أبي العالية قال: (نعمتهُ أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب).\n٣ - عن مجاهد قال: (يعني نعمتَه التي أنعم على بني إسرائيل، فيما سمّى وفيما سوَى ذلك: فجَّر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون).\n٤ - عن ابن زيد قال: (نعمه عامة، ولا نعمةَ أفضلُ من الإسلام، والنعم بعدُ تبع لها، وقرأ قول الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].\nوكلها أقوال تصب في حقيقة المعنى، ومفادها أن الله سبحانه يمتن على بني إسرائيل بما أحاطهم به من جميل نعمه وفضله كاصطفاء الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم، واستنقاذه إياهم مما نزل بهم من المصيبة من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم\n_________\n(١) إسناده لا بأس به. وانظر مسند أحمد (١/ ٢٧٨)، (١/ ٢٧٣)، ومعجم الطبراني (١٣٠١٢). وتفسير ابن كثير، سورة البقرة، آية (٤٠)، وسورة آل عمران، آية (٩٣).","vol":"1","page":214},{"text":"في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المنّ والسلوى. فذكّر الذرية بِما تفضل به على الأجداد وحذرهم بذلك من دورة الزمن وحلول النقم. وهذا التذكير من محمد - ﷺ - لهم، نظير تذكير موسى ﵊ لأجدادهم.\nففى التنزيل: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠].\nوقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.\nالعهد هو الميثاق، وهو ما أخذه الله عليهم في التوراة أن يبيِّنوا للناس أمر محمد - ﷺ - أنه رسولٌ من عند الله، وأنه الذي يجدونه مكتوبًا عندهم، وأن عليهم نصره واتباعه، وأن نتيجة ذلك الوفاء وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال في الدنيا وجنة الخلد في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢].\nوقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nوفي تفسير الآية أقوال متشابهة متقاربة ذكرها المفسرون:\n١ - عن ابن عباس: (﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي أخذت في أعناقكم للنبي محمد إذا جاءكم، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، أي أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصْر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم).\n٢ - عن أبي العالية قال: (عهدُه إلى عباده، دينُ الإسلام أن يتبعوه، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، يعني الجنة).\n٣ - عن السدي قال: (أما ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، فما عهدت إليكم في الكتاب. وأما","vol":"1","page":215},{"text":"﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فالجنة، عهدتُ إليكم أنكم إن عملتم بطاعتي أدخلتكم الجنة).\n٤ - عن ابن جريج قال: (ذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] إلى آخر الآية.\nفهذا عهدُ الله الذي عهد إليهم، وهو عهد الله فينا، فمن أوفى بعهد الله وفَى الله له بعهده).\n٥ - عن الضحاك، عن ابن عباس: (يقول: أوفوا بما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي - ﷺ - وفي غيره، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، يقول: أَرْضَ عنكم وأدخلكم الجنة).\n٦ - عن ابن زيد قال: (أوفوا بأمري أوفِ بالذي وعدتكم، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]، قال: هذا عهده الذي عهده لهم).\nوكل هذه الأقوال تصب في المعنى المرأد من آفاق هذه الآية الكريمة.\nوقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، من باب الترهيب بعد الترغيب، أي: وإياي فاخشوا، وإياي فاحذروا، ما أحللت بمن خالف أمري وكذب رسلي، وما أنزلت بالأمم السالفة من النِّقم. وقد جاء تفصيل ذلك في أقوال أئمة التفسير:\n١ - عن ابن عباس: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمات التي قد عرفتم، من المسخ وغيره).\n٢ - عن السدي وأبي العالية: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يقول: وإياي فاخشون).\nوالرُّهْبُ والرَّهْبُ والرَّهْبَة: الخوف. وقد جاء في صيغة الأمر ﴿فَارْهَبُونِ﴾ أي: خافون.\nولا شك أنه أمر يتضمن معنى التهديد. ويجوز أن يكون التقدير: وإياي ارهبوا فارهبون، فيكون إيايَ منصوبًا بإضمار فعل، كما يجوز أن يكون التقدير: وأنا فارهبون على الابتداء والخبر.\nوقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.\nأمر الله اليهود بالإيمان بالقرآن الذي أنزله على محمد - ﷺ -، وأخبرهم سبحانه أن في","vol":"1","page":216},{"text":"تصديقهم بالقرآن تصديقًا منهم للتوراة، فإن التوراة تحفل بهذا الأمر كما يحفل به القرآن.\nقال مجاهد: (﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، يقول: إنما أنزلت القرآن مصدقًا لما معكم التوراة والإنجيل).\nوقال أبو العالية: (يقول: يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقًا لما معكم. يقول: لأنهم يجدون محمدًا - ﷺ - مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل).\nوقوله ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الضمير في أنزلت، والتقدير: بما أنزلته مصدقًا، أو يكون حالًا من ما، والتقدير: آمنوا بالقرآن مصدقًا.\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.\nفيه أكثر من تأويل حسب عودة الضمير في \"به\". وتفصيل ذلك:\n١ - قيل الضمير يعود على محمد - ﷺ -.\nقال أبو العالية: (يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد - ﷺ -).\n٢ - قيل بل الضمير يعود على القرآن.\nقال ابن جريج: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾، بالقرآن).\n٣ - وقيل بل الضمير يعود على التوراة: إذ تضمنها قوله ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾.\nقال بعضهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ يعني: بكتابكم. ويتأول أنّ في تكذيبهم بمحمد - ﷺ - تكذيبًا منهم بكتابهم، لأن في كتابهم الأمرَ باتباع محمد - ﷺ -).\nواختار ابن جرير أن الضمير في \"بهِ\" عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾.\nوقال ابن كثير: (وكلا القولين صحيح، لأنهما متلازمان، لأن من كفرَ بالقرآن فقد كفر بمحمد - ﷺ -، ومن كفر بمحمد - ﷺ - فقد كفر بالقرآن).\nقلت: بل الأقوال الثلاثة متلازمة، فالإيمان بالقرآن يقتضي الإيمان بمحمد - ﷺ - والإيمان بالتوراة، والكفر بالقرآن يعني الكفر بمحمد والكفر بالتوراة التي تأمر بالإيمان بمحمد - ﷺ - والقرآن.","vol":"1","page":217},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.\nيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشَرٌ كثير.\nقال بعض المفسرين: (أول فريق كافر به).\nوقال ابن عباس: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم). فالمقصود بالخطاب هم أهل الكتاب الذين سمعوا بالنبي - ﷺ - وبمبعثه.\nوقوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.\nفيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: عن أبي العالية قال: (يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا. قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابنَ آدم، عَلِّمْ مجّانًا كما عُلِّمْتَ مَجَّانًا).\nالتأويل الثاني: عن السدي قال: (يقول: لا تأخذوا طمعًا قليلًا وتكتموا اسمَ الله، وذلك الثمن هو الطمع).\nالتأويل الثالث: قال بعضهم: (معناه، لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللَّبس، لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب). قال القرطبي: (وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم. فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرًا فقد دخل في مقتضى الآية. والله أعلم).\nقلت: وكل هذه المعاني مقصودة وداخلة في مفهوم قوله تعالى ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وقد جاءت السنة الصحيحة بذلك:\n١ - أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن أولَ الناس يُقْضى يوم القيامة عليه، رجل استُشْهِد، فَأُتِيَ به فعرَّفَهُ نِعْمَتَه فَعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فيك حتى اسْتُشْهِدْتُ، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّكَ قاتَلْتَ لأَنْ يُقالَ جريءٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقِيَ في النار، ورجلٌ تعلَّم العِلْمَ وعَلَّمه وقرأ القرآن، فأتيَ به، فعرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفها. قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: تعلمْتُ العلمَ وعَلَّمْتُهُ وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ ولكنَّكَ","vol":"1","page":218},{"text":"تعلمتَ العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى ألقِيَ في النار، ورجلٌ وسَّعَ الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتِيَ به فعرَّفه نِعَمَهُ فَعَرَفها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: ما تَركْتُ من سبيل تحِبُّ أن يُنْفَقَ فيها إلا أَنْفَقْتُ فيها لك، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّك فعلْتَ ليُقال هو جَوادٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه، ثم أُلقيَ في النار] (١).\n٢ - أخرج أبو داود في السنن، بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تَعَلَّمَ علمًا مما يُبتغى به وجْهُ الله، لا يتعلَّمه إلا ليصيبَ به عَرَضًا من الدنيا لم يُرَحْ رائحةَ الجنَّةَ يومَ القيامة].\nوفي لفظ: [لم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يوم القيامة] (٢) يعني ريحها.\n٣ - أخرج الترمذي عن كعبِ بن مالك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء (٣)، ويصرفَ به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار] (٤).\nوله شاهد عن ابن ماجة من حديث ابن عمر بلفظ. [من طلب العلم ليُباهيَ به العلماءَ، أو ليماريَ به السفهاءَ، أو ليصرفَ به وجوهَ الناس إليه فهو في النار].\nوشاهد آخر عند الحاكم وابن ماجة وابن حبان من حديث جابر بلفظ: [لا تعلموا العلمَ لِتُباهوا به العلماء، ولا تُماروا به السفهاءَ، ولا تَخَيَّروا (٥) به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار] (٦).\n٤ - أخرج عبد الرزاق في المصَنَّف، والدارمي والحاكم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (كيف بكم إذا لَبِسَتْكُم فتنة، يربو فيها الصغير، ويهرَمُ فيها الكبير، وتُتَّخَذُ سنة، فإن غُيِّرَتْ يومًا قيلَ: هذا منكر! قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قَلَّتْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩٠٥) - كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة.\n(٢) حديث صحيح. انظر سنن أبي داود (٣٦٦٤)، وصححه الألباني في الترغيب (١/ ١٠٠).\n(٣) أي يجادل به ضعفاء العقول.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢١٣٨)، وصحيح الجامع (٦٢٥٩)، وكذلك (٦٢٥٨) للشاهد بعده، وإسناده حسن.\n(٥) \"ولا تخيروا\" أي: لتقصدوا خير المجالس وأفضلها.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٨٦)، وصححه الألباني في الترغيب (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":219},{"text":"أُمناؤُكم، وكثُرَت أمراؤكم، وقَلَّتْ فقهاؤكم، وكثُرَت قراؤُكم، وتُفقِّهَ لغير الدين، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة) (١).\nقلت: وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم فقد اختلف فيه. فذهب بعضهم إلى التحريم والمنع كالزُّهري وأصحاب الرأي وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.\nوأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله ﵇ في حديث ابن عباس - حديث الرُّقْيَة -: [إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله] (٢). قال القرطبي: (وهو نصٌّ يرفع الخلاف، فينبغي أن يعوّل عليه).\nوقال ابن كثير: (فأما تعليم العلم بأجرة، فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله بأجرة، فإن لم يحصُل له منه شيءٌ، وقطعَهُ التعليم عن التكسب، فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعيَّن عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء).\nوالذي يرجح في المسألة أنه يجوز للمعلم العلم والقرآن أخذ الأجر والراتب لقاء التفرغ والانشغال بتعليم الناس، كما يجوز للإمام أخذ الراتب لقاء تفريغ وقته لإقامة الصلاة وخطبة الجمعة ودروس العلم في المسجد لا مقابل الصلاة وتلاوة القرآن.\nوقد يستشهد لذلك بما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن النبي - ﷺ - قال - في قصة المخطوبة -: [اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن] (٣).\nوفي لفظ: (زوجتكها بما معك من القرآن).\nأي يكون مهرها مقابل تعليمك لها ما معك من القرآن.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنّف (١١/ ٣٥٢) وفيه انقطاع، ووصله الدارمي والحاكم بإسناد صحيح كما ذكر الألباني في الترغيب (١/ ١٠٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس- ورواه مسلم، وقد تقدم.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٢٣١٠) من حديث سهل بن سعد، كتاب الوكالة، باب وكالة المرأة الإمام في النكاح، ورواه النسائي وغيره. انظر صحيح الجامع (٨٧٤).","vol":"1","page":220},{"text":"وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.\nقال طَلْق بن حبيب: (التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقابَ الله) ذكره ابن كثير من طريق أبي العالية.\nوقال سهل بن عبد الله: (قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ قال: موضع علمي السابق فيكم. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ قال: موضع المكر والاستدراج، لقول الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فما استثنى نبيًّا ولا صديقًا) ذكره القرطبي.\nوكأن المقصود أن التقوى تكون بعد العلم بالحلال والحرام ومواضع الزلل التي قد يُستدرج بها العبد، في حين الرهبة تكون بعد الإيمان وصدق اليقين. ولذلك جاءت العبارة في البحر لأبي حَيَّان بلفظ: (وقال سهل: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ موضع اليقين بمعرفته، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ موضع العلم السابق وموضع السكر والاستدراج).\nقال ابن جرير: (﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ يقول: فاتقون - في بيعكم آياتي بالخسيس من الثمن، وشرائكم بها القليل من العَرَض، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيِّي - أن أُحِلَّ بكم ما أحللتُ بأسلافكم الذين سلكوا سبيلكم من المَثُلات والنَّقِمات).\n٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: الخطاب لليهود الذين كانوا يتعمدون تلبيس الحق بالباطل، وكتمان الحق وإظهار الباطل، فنهاهم سبحانه عن الشيئين معًا وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به. وقد كان من لَبْسِ بعضهم إقراره بمحمد - ﷺ - وزعمه أنه مبعوث إلى غيرهم. ثم أمرهم سبحانه بمتابعة هذا النبي والصلاة معه في الجماعة ودفع زكاة أموالهم إليه. ثم حذرهم من التناقض في السلوك بأمر الناس بطاعة الله ومخالفة ذلك بأعمالهم. وتفصيل ذلك:","vol":"1","page":221},{"text":"اللَّبْسُ في لغة العرب الخلط. قال الرازي: (لَبَسَ عليه الأمر خلط).\nومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. وفي الأمر لُبْسَةٌ: أي شبهة، يعني ليس بواضح. وعن ابن عباس: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ يقول: لخلطنا عليهم ما يخلطون).\nومن أقوال أئمة التفسير في ذلك:\n١ - عن ابن عباس: (﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب).\n٢ - عن أبي العالية قال: (يقول: لا تخلطوا الحق بالباطل، وأدّوا النصيحة لعباد الله في أمر محمد - ﷺ -).\n٣ - عن مجاهد: (﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ قال: اليهودية والنصرانية بالإسلام).\n٤ - عن ابن زيد: (﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، قال: الحقّ، التوراة الذي أنزل الله على موسى، والباطل الذي كتبوه بأيديهم).\nوكلها أقوال متقاربة في المعنى مفادها نَهْيُ بني إسرائيل عن كتمان الحق وإظهار الباطل. وقد حذّر الله أمة محمد - ﷺ - من تقليد اليهود في تلك الصفة المشينة، وفي ذلك أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلجِمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار] (١).\nوفي رواية لابن ماجة بلفظ: [ما من رجلٍ يحفظُ علمًا فيكتمهُ إلا أتى يوم القيامة ملجومًا بلجامٍ من نار].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٨٠٠). انظر صحيح سنن الترمذي (٢١٣٥)، وصحيح سنن أبي داود (٣١٠٦)، ورواه ابن ماجة وغيرهم.","vol":"1","page":222},{"text":"الحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عَمروٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: [من كَتَمَ علمًا ألجمَهُ الله يومَ القيامة بلجامٍ من نار] (١).\nوله شاهد عن ابن عدي في الكامل بسند صحيح من حديث ابن مسعود ولفظه: [من كتم علمًا عن أهله، أُلجِمَ يوم القيامة لجامًا من نار].\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني في الأوسط، وأحمد في المسند، بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [مثلُ الذي يتعلَّمُ العلمَ ثم لا يحدِّث به، كمثل الذي يَكنِزُ الكنزَ ثم لا يُنْفِق منه] (٢).\nوقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: نهاهم أن يكتموا الحق كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل، والتقدير: ولا تكتموا الحق، فيكون معطوفًا على مجزوم، فهو مجزوم مثله.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، يقول: ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون).\nالتأويل الثاني: قوله ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ خبرٌ منه سبحانه عنهم، وقد جاء منصوبًا بإضمار أن، والتقدير: لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه، أي وأن تكتموه.\nقال أبو العالية: (كتموا بعث محمد - ﷺ -).\nوأما الحق الذي كتموه وهم يعلمونه فهو نبوة محمد - ﷺ - وإرساله إلى الناس كافة.\nوفي ذلك أقوال متكاملة:\n١ - عن ابن عباس: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، يقول: إنكم قد علمتم أن محمدًا رسول الله، فنهاهم عن ذلك).\n٢ - عن مجاهد قال: (يكتم أهل الكتاب محمدًا - ﷺ -) وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل).\n٣ - عن السدي قال: (الحقُّ هو محمد - ﷺ -).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵁، ورواه الحاكم وقال: (صحيح لا غبار عليه). وصححه الألباني في الترغيب (١/ ١١٧). وانظر للشاهد بعده: صحيح الجامع الصغير- حديث رقم - (٦٣٩٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٩٩)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١/ ١١٨).","vol":"1","page":223},{"text":"٤ - عن أبي العالية قال: (كتموا بعثَ محمد - ﷺ -، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم).\nوالخلاصة: لقد حذّر الله سبحانه أحبار اليهود خاصة وأهل الكتاب عامة من كتم أمر محمد - ﷺ - على الناس أو زعم أنه مبعوث إلى غيرهم، فإنهم يعلمون أنه مبعوث إلى الناس كافة ويجدون نعته وصفاته في كتبهم، ويقرؤون فيها عهد الله الذي أخذ عليهم بالإيمان به وتصديقه ونصره.\n﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة في محل نصب حال. قال ابن كثير: (ومعناه: وأنتم تعلمون الحق. ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار، إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لترؤجوه عليهم. والبيان: الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل).\nوقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.\nقال قتادة: (﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: فريضتان واجبتان، فأدوهما إلى الله).\nوذكر ابن جرير ﵀ أنه: (ذُكر أن أحبار اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه، فأمرهم الله بإقام الصلاة مع المسلمين المصدِّقين بمحمد وبما جاء به، وإيتاء زكاة أموالهم معهم، وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا).\nفأمرهم ﷾ بالصلاة مع النبي - ﷺ - ودفع زكاة أموالهم إليه.\nقال الحسن: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها وبالصلاة).\nوقال ابن عباس: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ما يوجب الزكاة؟ قال: مئتان فصاعدًا).\nوروي عنه أنه قال: (يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص).\nوالزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد. قال القرطبي: (وسُمِّيَ الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكَّي. قال: وقيل: أصلها الثناء الجميل، ومنه زكَّى القاضي الشاهد. فكأن من يُخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء الجميل. وقيل: الزكاة مأخوذة من التطهير، كما يقال: زكا فلان، أي طهر من دَنس الجَرْحة والإغفال. فكأن الخارج من المال يطهّره من تبعة الحق الذي","vol":"1","page":224},{"text":"جعل الله فيه للمساكين. ألا ترى أن النبي - ﷺ - سمّى ما يخرج من الزكاة أوساخَ الناس، وقد قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]) انتهى.\nوقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.\nأي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أحوالهم ولا شك أن الصلاة من أخص ذلك.\nوالركوع في لغة العرب الانحناء. ولا يكون إلا لله. وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ يفيد وجوب الجماعة عند كثير من العلماء، فإن \"مَعَ\" تقتضي المعية والجمعية، فكأنه أمرهم بقوله \"مع\" بشهود الجماعة.\nوقد حثت السنة الصحيحة على صلاة الجماعة وبينت أجرها وحذرت من تركها دون عذر.\nونبدأ أولًا بأحاديث الترغيب:\nالحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [صلاةُ الجماعة أفضلُ من صلاة أحدِكُمْ وَحْدَهُ بِخمْسَةٍ وعِشْرين جُزءًا] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [تَفْضُلُ صلاةٌ في الجميع على صلاة الرجل وحْدَهُ خمْسًا وعِشرين درجة. قال: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]].\nالحديث الثالث: روى مسلم كذلك عن ابن عمرَ أن رسول الله - ﷺ - قال: [صلاةُ الجماعة أفضلُ من صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجةً] (٢).\nوأما أحاديث الترهيب من ترك حضورها لمن سمع مناديها فقد مضى ذكر بعضها، وأذكر هنا ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: [أن رسول الله - ﷺ - فَقَدَ ناسًا في بعض الصلوات فقال: لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ رجُلًا يُصلي بالناس، وثم أخالفَ إلى رجال يتخلفون عنها، فآمُرَ بهم فيحرِّقُوا عليهم، بِحُزَمِ الحطب، بيوتَهم، ولو عَلِمَ أحدُهم أنه يجدُ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٦٤٩) - كتاب المساجد - ح (٢٤٣). (بابُ فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها وأنها فرض كفاية). وانظر للحديث بعده ح (٢٤٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (٦٥٠) - كتاب المساجد - الباب السابق.","vol":"1","page":225},{"text":"عظمًا سمينًا لشهِدَها. يعني صلاةَ العشاء] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾.\nالبر: هو كل طاعة لله ﷿. وهو لغة ضد العقوق. وفلان (يَبَرُّ) خالقه و(يتبرَّره) أي يُطيعه.\nوفي صحيح مسلم وجامع الترمذي عن النَّوَّاس بن سَمْعانَ الأنصاري قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن البر والإثم؟ فقال: [البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ وكَرِهْتَ أن يطّلِعَ عليه الناسُ] (٢).\nوفي مسند أحمد بسند صحيح عن أبي ثعلبة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [البِرُّ ما سكنت إليه النفسُ، واطمأنَّ إليه القلبُ، والإثم ما لمْ وتسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المُفتون] (٣).\nوقد ورد في مفهوم البر الذي كان المخاطبون بهذه الآية يَأمُرون الناسَ به وينسون أنفسهم الأقوال التالية:\n١ - عن ابن عباس قال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعُهْدَةِ من التوراة وتتوكون أنفسكم، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عَهْدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون مِيثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي).\nوعنه قال فيا أيضًا: (أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد - ﷺ -، وغير ذلك مما أُمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم)،\n٢ - عن السدي قال: (كانوا يأمرون الناس بطاعة اللة وبِتقواه، وهم يعصونه).\n٣ - عن قتادة قال: (كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون، فعيّرهم الله).\n٤ - عن ابن جريج قال: (﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾، أهل الكتاب والمنافقون،\n_________\n(١) صحيح مسلم (٦٥١). كتاب المساجد: باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم - حديث رقم - (٢٥٥٣) - كتاب البر والصلة. باب تفسير البرّ والإثم.\n(٣) حديث صحيح. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (٢٧٧٤)، وصحيح الجامع الصغير (٢٨٧٨).","vol":"1","page":226},{"text":"كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، ويدَعون العملَ بما يأمرون به الناس، فعيَّرهم الله بذلك. فمن أمرَ بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة).\nوقال: (كان الأحبار يحضّون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي).\n٥ - عن ابن زيد قال: (هؤلاء اليهود، كان إذا جاء الرجل يسألُهم ما ليس فيه حقٌّ ولا رِشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال الله لهم: (﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾).\n٦ - وعن أبي قِلابَة، في قولِ الله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: (قال أبو الدرداء: لا يفْقَهُ الرجل كلَّ الفقه حتى يمقُتَ الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا).\nوكل هذه الأقوال متقاربُ المعنى مفادها توبيخ هذا التناقض في السلوك الذي كان يعيشه اليهود وأمثالهم من المنافقين من أمر الناس بطاعة الله ومخالفة ذلك بأعمالهم.\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: تدرسون الكتاب بذلك. ويعني، بالكتاب التوراة).\nوأصل التلاوة في لغة العرب الاتباع. و(تَلَوْتُ) الرجلَ: تبعتُه، حكاه الرازي. قال القرطبي: (ولذلك استعمل في القراءة، لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى يأتيَ على نَسَقه. يقال: تلوتُه إذا تبعته تُلُوًّا، وتلوت القرآن تلاوة).\nوقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: أفلا تفهمون؟ ينهاهم عن هذا الخلُق القبيح).\nوقال النسفي: (أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وهو توبيخ عظيم).\nوأصل العَقْل في لغة العرب: المنع والحجر والنُّهى. ومنه عِقال البعير: لأنه يمنع عن الحركة، والعقل أيضًا: الدية، لأنه يمنع وليّ المقتول عن قتل الجاني. ومنه يقال للحصن: مَعْقِل. قال الشافعي. (العقل آلة التمييز). وؤال المحاسبي: (العقل أنوار وبصائر) أو قال: (العقل غريزة).\nوخلاصة المعنى: أفلا تفقهون وتفهمون قبح هذا التناقض المسلكي من أمركم الناس طماعة الله واجتناب معصيته ثم وقوعكم في حبائل ذلك.","vol":"1","page":227},{"text":"قال الحافظ ابن كثير: (وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالِم، ولكن الواجب والأولى بالعالِم أن يفعله مع مَنْ أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب ﵇: ﴿قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].\nقلت: ولا يحول الوقوع والزلل دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذ كان الزلل والوقوع من العالِم لا يشبهه مثله من عامة الناس، فإن زلة العالم مضروب لها الطبل، ولكن إن حصل منه شيء من الزلل فلا يعني الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nقال مالك، عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: (لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر). قال مالك: (وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء؟).\nقلت: بل إن استمرار العالم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعينه بإذن الله على النهوض من زلة الشيطان وضعف النفس، ويحمله ذلك المنهج على الخجل من الله سبحانه ومن نفسه فيسارع إلى ضبط أعمال لسانه وجوارحه وقلبه. وأما المذموم فهو منهج النفاق الذي اتخذه بعض القصاص والخطباء لهم سلوكًا وتشبهوا به بأحبار بني إسرائيل.\nففي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].\nوقد حفلت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أسامةَ بن زيدٍ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [يُؤتى بالرجل يومَ القيامة فَيُلْقى في النار، فتندلق أقتابُ بطْنِه، فيدور بها كما يدور الحِمارُ بالرَّحى، فيجتمِعُ إليه أهل النار، فيقولون: يا فلانُ! ما لك؟ ألم تَكُنْ تأمُرُ بالمعروف وتنْهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩)، وأحمد (٥/ ٢٠٥).","vol":"1","page":228},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والبيقي في الشُّعب - واللفظ له - بسند حسن عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أتيتُ ليلة أُسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريضَ من نار، كلما قُرِضت وفَتْ، فقلتُ يا جبريلُ من هؤلاء؟ قال: خطباءُ أمتِكَ الذينَ يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتابَ الله ولا يعملون به] (١).\nوفي لفظ أحمد: [مررت ليلة أسري بي على قوم تُقْرَضُ شفاههم بمقاريضَ من نار. قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني والبزار بسند جيد عن جندب بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مثَلُ العالِم الذي يُعَلِّمُ الناس الخيرَ، ولا يعمل به (وفي رواية: وينسى نفسه)، كمثل السراج يضيء للناس، ويُحْرِقُ نَفْسَه] (٣).\nوأما الآثار في ذلك فكثيرة، منها:\n١ - يروي ابن مَرْدَوَيه في تفسيره عن الضحاك، عن ابن عباس: (أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: إن لم تخش أن تُفْتَضَحَ بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف]. أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ [هود: ٨٨]. أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك).\n٢ - يروي الحافظ ابن كثير الدمشقي في تفسيره عن إبراهيم النَّخَعي قال: (إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله:\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح الجامع (١٢٨) وهذا لفظ البيهقي، ورواه أحمد بلفظ مشابه.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٢٠ - ١٨٠ - ٢٣١ - ٢٣٩)، وهو حسن لغيره.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطبراني كما في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٨٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير- حديث رقم - (٥٧٠٧).","vol":"1","page":229},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾، وقوله إخبارًا عن شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾).\n٣ - وقال أبو الأسود الدؤلي:\nلا تَنْهَ عن خُلُق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\nفابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nفهناك يُقْبَلُ إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم\n٤ - وقال بعضهم: جلس أبو عثمان الحيري الزاهد يومًا على مجلس التذكير فأطال السكوت، ثم أنشأ يقول:\nوغير تقِيٍّ يأمر الناس بالتُّقَى ... طبيبٌ يُداوي، والطبيب مريض\nقال: فضج الناس بالبكاء.\nوقال أبو العتاهية الشاعر:\nوصفت التقى حتى كأنك ذو تُقىً ... وريحُ الخطايا من ثيابك تسطَعُ\n٥ - وقال سَلْمُ بن عمروٍ:\nما أقبحَ التزهيدَ من واعظٍ ... يُزَهِّدُ الناس ولا يَزْهَدُ\nلو كان في تَزْهِيدِهِ صادقًا ... أضحى وأمسى بيته المسجدُ\nإن رَفَض الناسَ فما باله ... يستمنحُ الناسَ ويَسْتَرْفِدُ\nوالرزقُ مقسومٌ على من ترى ... يسعى له الأبيض والأسودُ\n٤٥ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.\nفي هذه الآيات: يرشد الله جل ثناؤه عباده إلى الاستعانة على الوفاء بالعهد على طاعته - جل ذكره - واتباع أمره وأمر نبيّه - ﷺ -، وترك ما تهواه النفس من حب الرياسة والشهوات والدنيا، بالصبر والصلاة، ويخبرهم أن ذلك ثقيل إلا على الخاشعين الخائفين من ربهم والوقوف بين يديه يوم القيامة.\nفإن الصبر في لغة العرب: الحبس. وقُتِل فلان صَبْرًا: أي أُمْسِكَ وحُبِسَ حتى","vol":"1","page":230},{"text":"أتلف. قال الرازي: (الصَّبْرُ: حبس النفس عن الجَزَع). وقيل لشهر رمضان \"شهر الصَّبر\" لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارًا.\nوأما الصلاة ففيها تلاوة كتابِ الله الداعيةِ آياتُه إلى رفض الدنيا والتقلل منها والاستعداد للرحيل، والمسليةِ النفوسَ عن زينتها وغُروراها، المذكرة الآخِرةَ ونعيمها وجحيمها، فلا شك أن فيها أكبر عون على الثبات على طاعة الله، فإن أضيف إليها الصبر عن المعاصي وضغط الشهوات كان العون من الله أكبر.\nوفي ذلك أحاديث من السنة العطرة:\nالحديث الأول: في مسند الإمام أحمد وصحيح أبي داود بسند حسن عن حذيفة قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا حَزَبَهُ أم صَلّى] (١).\nوفي لفظ: [فزع إلى الصلاة].\nالحديث الثاني: في سنن أبي داود عن حذيفة قال: [رجعت إلى النبي - ﷺ - ليلة الأحزاب، وهو مشتمل في شملة يُصَلِّي، وكان إذا حزبه أمرٌ صلى] (٢).\nالحديث الثالث: في مسند أحمد وصحيح ابن حبان بسند حسن عن علي ﵁ يقول: [لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم، غير رسول الله - ﷺ - يصلي ويدعو حتى أصبح] (٣).\nوأما الآثار فكثيرة، منها:\n١ - يروي ابن جرير بسنده إلى عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: (أن ابنَ عباس نُعِيَ إليه أخوه قُثَم، وهو في سفر، فاسترجع. ثم تنخّى عن الطريق، فأناخ فصلّى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾).\n٢ - وجاء في سير أعلام النبلاء عن وَهْب بن منبه أن عيسى ﵇ قال للحواريين: (أشدُّكم جزعًا على المصيبة، أشدّكم حُبًّا للدنيا).\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح الجامع (٤٥٧٩)، وتفسير ابن جرير (٨٥٠)، ومسند أحمد (٥/ ٣٨٨)، واللفظ بعده أخرجه الطبري - حديث رقم - (٨٤٩).\n(٢) حسن لغيره. أخرجه أبو داود في السنن (١٣١٩). وانظر صحيح سنن أبي داود (١١٧١).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٢٥)، وابن حبان (٢٢٥٧)، وغيرهما.","vol":"1","page":231},{"text":"٣ - عن ابن جريج في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: (إنهما معونَتان على رحمة الله). وقال أبو العالية: (يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، واعلموا أنهما من طاعة الله).\n٤ - قال ابن القيم: (الصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش. قال: وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر).\n٥ - وسئل الجنيد عن الصبر؟ فقال: (تجرع المرارة من غير تعبس). وقيل: (هو تعويد النفس الهجوم على المكاره). وفيل: (هو الثبات مع الله، وتلقي بلاءه بالرحب والدعة).\nوقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾\nأي: الصلاة. قاله مجاهد.\nوعن الضحاك: (﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده).\nوفي تفسير ﴿الْخَاشِعِينَ﴾ أقوال متقاربة:\n١ - عن ابن عباس: (﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، يعني: المصدّقين بما أنزل الله).\n٢ - عن أبي العالية: (قال: يعني الخائفين).\n٣ - عن مجاهد: (قال: المؤمنين حقًّا).\n٤ - قال ابن زيد: (الخشوع الخوف والخشية لله، وقرأ قول الله: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾، قال: قد أذلها الخوف الذي نزل بهم، وخشعوا له).\n٥ - قال مقاتل بن حيَّان: (﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، بعني المتواضعين).\nوأصل الخشوع في كلام العرب: الخضوع، وخشع ببصره أي غضّه. فالخشوع يضم في مفهومه التواضع والتذلل والاستكانة.\nقال ابن جرير: (فمعنى الآية: واستعينوا، أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة الله، وكفّها عن معاصي الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقرِّبة مِن مَراضي الله، العظيمةِ إقامتُها إلا على المتواضعين لله، المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته).","vol":"1","page":232},{"text":"ولا شك أن الآية تبقى عامة في بني إسرائيل وغيرهم، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.\nالظن هنا بمعنى: اليقين، وله في كلام العرب شواهد كثيرة. قال ابن جرير: (إن العرب قد تسمي اليقين \"ظنًّا\"، نظيرَ تسميتهم الظُّلمة \"سُدْفة\"، والضياء \"سُدْفَة\"، والمغيث \"صَارخًا\"، والمستغيث \"صارخًا\"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيءَ وضدَّه. ومما يدل على أنه يسمى به اليقين، قولُ دُرَيد بن الصِّمَّة:\nفقلت لهم ظُنُّوا بألفي مُدَجَّحٍ ... سَراتُهُمُ في الفارِسيِّ المُسَرَّدِ\nيعني بذلك: تيقَّنُوا ألفي مُدَجَّح تأتيكم. وقولُ عَمِيرة بن طارق:\nبأن تَغْتَزُوا قومي وأقعُدَ فيكُمُ ... وأجْعَلَ مني الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا\nيعني: وأجعل مني اليقين غيبًا مرجَّمًا).\nوفي التنزيل: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]. أي: أيقنوا أنهم داخلوها.\nوقد جاء بذلك تفسير المفسرين:\n١ - عن أبي العالية: (﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال: إن الظن هاهنا يقين).\n٢ - عن مجاهد قال: (كل ظن في القرآن يقين، ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾، ﴿وَظَنُّوا﴾). وقال أيضًا: (كل ظن في القرآن فهو عِلْم).\n٣ - عن السدي: (أما ﴿يَظُنُّونَ﴾ فيستيقنون).\n٤ - قال ابن جريج: (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، علموا أنهم ملاقو ربهم، هي كقول، ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. يقول: علمت).\n٥ - عن ابن زيد: (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، قال: لأنهم لم يعاينوا، فكان ظنهم يقينًا، وليس ظنًّا في شك، وقرأ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾).\nوفي السنة الصحيحة ما يشهد على هذا المعنى:\nففي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند صحيح، عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: [يُؤتى بالعبد يوم القيامة، فيُقال له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأسُ وتَرْبَعُ، فكنت تظنَّ أنك","vol":"1","page":233},{"text":"مُلاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).\nوله شاهد في الصحيح: [أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوِّجكَ، ألم أكْرِمْكَ، ألم أُسَخِّرْ لك الخيل والإبل، وأذركَ تَرْأسُ وتَرْبع؟ فيقول: بلى. فيقول الله تعالى: أفظننت أنك ملاقِيّ؟ فيقول: لا. فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني].\nوالآية من تمام الكلام الذي قبله، أي وإن الصلاة أو الوَصاةَ لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم. قال ابن كثير: (أي يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه، وأنهم إليه راجعون، أي أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فِعْلُ الطاعات وترك المنكرات).\nوقال القرطبي: (ومعنى ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ جزاء ربّهم).\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.\nإقرار بالبعث والجزاء والعَرْض على الملك الأعلى. فالهاء والميم في ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ تعود على الخاشعين، والهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ ترجع إلى الرب تعالى.\nقال أبو العالية: (يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة).\nوقال آخرون: (معنى ذلك: أنهم إليه يرجعون بموتهم).\nواختار ابن جرير قول أبي العالية، وهو المفهوم من السياق، إذ الرجوع إليه سبحانه يكون بعد الموت وانتهاء حياة البرزخ والنشر والبعث.\nأخرج الحاكم من حديث معاذ بن جبل ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [تعلمونَ المعادَ إلى الله، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجساد لا تموت] (٢).\n٤٧ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٥٨)، أبواب صفة القيامة، وكذلك رواه أحمد. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (١٩٧٨)، وكذلك صحيح الجامع (٧٨٧٤). وانظر للشاهد بعده صحيح مسلم (٨/ ٢١٦)، ومختصر صحيح مسلم (١٩٣٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٨٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٦٨).","vol":"1","page":234},{"text":"عَلَى الْعَالمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الله اليهود بين ظهراني رسول الله مذكرًا لهم سالفَ نعمه على آبائهم وأسلافهم، ثم محذرًا بطشه وحلول نقمته فيهم إن هم أغفلوا هذه النعم واتبعوا أهواءهم.\nوأما نعمه عليهم فكثيرة، منها: إرسال الرسل منهم، ومنها: إنزال الكتب عليهم وتفضيلهم على سائر الأمم من أهل زمانهم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠].\nوقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ﴾.\nفيه أقوال متكاملة:\n١ - عن قتادة قال: (فضلهم على عالم ذلك الزمان).\n٢ - عن أبي العالية قال: (بما أُعْطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم مَنْ كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عَالمًا).\n٣ - عن مجاهد قال: (على من هم بين ظَهْرانيه).\nقلت: ولا شك أن هذا التفضيل مرحلي يخص ذلك الزمان، وإلا فأمة محمد - ﷺ - أفضل منهم لقوله جل ذكره: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nويؤيد هذا ما روى ابن جرير بسنده عن ابن وهب قال: (سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ﴾، قال: عالم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. قال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فيهم القردةُ، وهم أبغض خلقه إليه، وقال لهذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ","vol":"1","page":235},{"text":"لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: هذه لمن أطاع الله، واتبع أمره، واجتنب محارمه).\nوفي المسند وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة بسند صحيح عن معاوية بن حَيْدَة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنتم تُوَفّونَ سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿] (١).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.\nتحذير من الله تعالى عباده المخاطبين بهذه الآية، والمقصود: لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئًا. قال السدي: (أما ﴿تَجْزِي﴾، فتغني).\nفإن أصل الجزاء في لغة العرب: القضاء والتعويض. قال الرازي: (\"جزى\" عنه هذا أي قضى ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾).\nفالآية عطف على التذكير بالنعم، وذلك عن طريق التحذير من حلول النقم. فإن أكبر المصائب هو موقف الحساب بين يدي الله ﷿ يوم القيامة، حيث لا يغني أحد عن أحد، ولا يقضي والد عن ولد.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، وهذا أبلغ المقامات: أن كلًّا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا.\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].\nوإنما القضاء بين الناس يوم القيامة بالحسنات والسيئات، فليس ثمَّ دينار ولا درهم، وإنما تُقَوَّمُ الحقوق بما يكافئها من قيمة الثواب والعقاب. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك:\n١ - أخرج البخاري فيِ كتاب الرقاق من صحيحه عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: [من كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ لأخيه فليتحلَّلْهُ مِنها، فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درْهَمٌ مِنْ قَبْلِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٤٧)، والترمذي (٣٠٠١) وابن ماجة (٤٢٨٧)، وهو صحيح بشواهد.","vol":"1","page":236},{"text":"أَنْ يُؤْخَذَ لأخيه مِن حسناتِه، فإن لم يكُنْ له حسناتٌ أُخِذَ من سيئاتِ أخيه فَطُرِحت عليه] (١).\n٢ - وأخرج البخاري فيه عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يَخْلُصُ المؤمنون من النار فيُحْبَسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقْتَصُّ لبعضهم من بعض مظالِمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا وَنُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدُهُم أهدى بِمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا] (٢).\n٣ - وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [أتدرون ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فينا من لا دِرْهَمَ له ولا متاعَ، فقال: إن المفلسَ من أُمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دمَ هذا، وضربَ هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتُه، قبلَ أن يُقضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار] (٣).\n٤ - أخرج الحاكم وابن ماجة وأحمد - واللفظ للحاكم - بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [من مات وعليه دين، فليس ثمَّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات] (٤).\nورواه الطبراني في الكبير بلفظ: [الدَّين دينان، فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه، فذاك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينار ولا درهم] (٥).\nوله شاهد عند البيهقي من حديث أبي هريرة ولفظه: [من كانت عنده مَظْلَمةٌ لأخيه من عوضه أو ماله، فليؤدها إليه، قبل أن يأتي يوم القيامة لا يقبل فيه دينار ولا درهم،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٥٣٤) - كتاب الرقاق - باب القصاص يوم القيامة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦٥٣٥) - كتاب الرقاق - الباب السابق، من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\n(٣) حديث صحيح، رواه مسلم في صحيحه (٢٥٨١) - كتاب البر والصلة - باب تحريم الظلم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٧)، وأحمد في المسند (٢/ ٧٠ - ٨٢)، وصححه الألباني في أحكام الجنائز فقرة (٤) ص ٥.\n(٥) صحيح بما قبله. رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" وانظر أحكام الجنائز فقرة (٤) ص (٥).","vol":"1","page":237},{"text":"إن كان له عمل صالح أُخذ منه، وأُعطي صاحبه، وإن لم يكن له عمل صالح، أُخِذَ من سيئات صاحبه فحملت عليه] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾.\nالشفاعة في كلام العرب مصدر من شَفَعَ، والشَّفْعُ ضدُّ الوَتْر. و\"استَشْفَعَهُ\" إلى فلان سأله أن يشفع له إليه. قال أبو جعفر: (وإنما قيل للشفيع \"شفيعٌ وشافع\"، لأنه ثنَّى المستشفِعَ به فصار به شَفعًا، فكان ذو الحاجة - قبل استشفاعه به في حاجته - فَردًا، فصار صاحبُه له فيها شافعًا، وطلبُه فيه وفي حاجته شفاعة).\nفالشفاعة طلب من المستشفِع في قضاء حاجته، وقد كذّب الله سبحانه بهذه الآية يهود الذين كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه وسيشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم سبحانه بأن نفسًا يومئذ لا تجزي عن نفس، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها، حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه.\nوفى صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لَتُؤَدَّنَ الحقوقُ إلى أهلها يومَ القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء من الشاةِ القَرْناء] (٢).\nقال ابن جرير: (فآيسهم جل ثناؤه مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم، من النجاة من عذاب الله - مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق، وخلافِهم أمر الله في اتباع محمد - ﷺ - وما جاءهم به من عنده - بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم، وأخبرهم أنه غيرُ نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم، والإنابة من ضلالهم. وجعل ما سَنَّ فيهم من ذلك إمامًا لكل من كان على مِثل منهاجِهم، لئلا يطمعَ ذو إلحاد في رحمته).\nقلت: والآية خاصة بمن كفر بالله وخرج من الدنيا على ذلك وهو يظن أن تناله شفاعة يوم القيامة، وأما المؤمنون فقد تظاهرت الآيات والأحاديث النبوية الصحيحة على بلوغ الشفاعة إليهم فهم نائلوها بأحد أشكالها إن شاء الله تعالى.\nففي مسند أحمد وجامع الترمذي بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي، عن النبي - ﷺ - قال: [أتاني آتٍ من عند ربي، فخيرني بين أن يدخلَ نصفَ أمتي الجنة، وبين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البيهقي (٣/ ٣٦٩)، ورواه البخاري كما مضى بلفظ مشابه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٥٨٢) - كتاب البر والصلة. باب تحريم الظلم، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":238},{"text":"الشفاعة، فاخترت الشفاعةَ، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئًا] (١).\nوأخرج ابن أبي عاصم في كتاب السنة بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [\"إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي] (٢).\nقال ابن عمر: (ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من في نبينا - ﷺ - يقول: \"إن الله ﵎ لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء\" قال: فإني أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة. فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا) (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.\nالعَدْل: ضد الجَوْر. والعرب تقول رَجُلٌ \"عَدْلٌ\" أي رِضًا ومَقْنَع في الشهادة.\nقال الرازي: (والعَدْل الفِدية ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أي: وإن تَفْد كلَّ فِداء. وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي: فِداء ذلك).\nوبنحو ذلك أخبر أهل العلم بالتفسير، كما يتضح من النقول التالية:\n١ - عن أبي العالية: (﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، قال: يعني فداء).\n٢ - عن السدي قال: (أما عَدل: فيعدلها، من العدْل. يقول لو جاءت بملء الأرض ذهبًا تفتدي به ما تُقبِّل منها). وقال قتادة: (لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها).\n٣ - وقال مجاهد: قال ابن عباس: (﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، قال: بَدَل، والبدل: الفدية).\nوقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾:\nأي: لا سبيل لأحد إلى إنقاذهم من عذاب الله الذي حقّ عليهم، فلا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا ينصرهم ناصر من أنفسهم أو من غيرهم، ولا يقبل منهم فداء.\nقال ابن جرير: (بطلت هنالك المُحاباة، واضمحلت الرُّشَى والشفاعات، وارتفع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٧١)، وأحمد من حديث عوف بن مالك. وانظر صحيح سنن الترمذي (١٩٨٦). وكذلك صحيح الجامع الصغير (٥٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب \"السنة\" (٨٣١) - وصححه الألباني.\n(٣) حديث حسن. أخرجه ابن أبي عاصم. انظر المرجع السابق (٨٣٠)، وإسناده حسن.","vol":"1","page":239},{"text":"بين القوم التعاون والتناصر، وصار الحُكم إلى العَدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنُّصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦].\nقال الضحاك عن ابن عباس: (في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ ما لكم اليوم لا تُمانعونَ منا؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨].\n٤٩ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\nفي هذه الآيات: يُذَكِّرُ الله سبحانه بني إسرائيل فَيُفَصِّلُ بعض ما أجمل مِنْ قبل في قوله تعالى: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ من فنون النعماء وألوان السراء. فإن ﴿وَإِذَ﴾ في موضع نصب عطف على ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾.\nقال القاسمي: (أي واذكروا وقت تنجيتنا إياكم، أي آباءكم. فإن تنجيتهم تنجية لأعقابهم. والمراد بالآل، فرعون وأتباعه، فإن الآل يطلق على الشخص نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه).\nوقال القرطبي: (أي اذكروا نعمتي بإنجائكم من عدوّكم وجعل الأنبياء فيكم. والخطاب للموجودين والمراد من سَلَفَ من الآباء، كما قال: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ أي حملنا آباءكم. وقيل: إنما قال: ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾ لأن نجاة الآباء كانت سببًا لنجاة هؤلاء الموجودين. ومعنى \"نجيناكم\" ألقيناكم على نَجْوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها. هذا هو الأصل، ثم سُمِّيَ كل فائز ناجيًا. فالنّاجي مَن خرج من ضيق إلى سَعة).","vol":"1","page":240},{"text":"وأصل \"آل\" في لغة العرب مختلف فيه:\nقال النحاس: (أصله أهل، ثم أبدل من الهاء ألفًا، فإن صغّرته رددته إلى أصله فقلت: أُهَيْل) وقال المهدَوي: (أصله أوْل). وقيل: أهل، قُلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفًا.\nوقال الكسائي: (وجمعه آلون، وتصغيره أُوَيْل).\nوقد ذهب ابن جرير إلى ما ذكره النحاس من أن أصل، \"آل\" أهل. قال: (وأحسن أماكن \"آل\" أن يُنْطَق به مع الأسماء المشهورة، مثلُ قولهم: آل النبي محمد - ﷺ -، وآل علي، وآل عباس، وآل عَقِيل. وغيرٌ مُستحسن استعمالهُ مع المجهول).\nوقد تجاوز العرب النسبة في الآل إلى الأتباع، فآل فرعون قومه وأتباعه وأهل دينه.\nوكذلك آل الرسول - ﷺ - من هو على دينه وملته في زمانه ومن بعده، سواء كان نسيبًا له أو لم يكن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي آل دينه، فإن فرون لم يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخٌ ولا عَصَبَة.\nوفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - جِهارًا غَيْرَ سِرٍّ يقول: [ألا إن آل أبي يعني فلانًا، ليسوا لي بأولياء، إنما وَلِيِّيَّ اللهُ وصالح المؤمنين] (١). وفي لفظ: (ألا إن آل أبي فلان).\nقال النووي: (هذه الكناية هي من بعض الرواة،: خشي أن يسميه فيترتب عليه مفسدة وفتنة ... قال القاضي عياض: قيل إن المكنى، عنه ها هنا هو الحكم بن أبي العاص). وقد كان الحَكَمُ هذا من النفر الذين يؤذون رسول الله - ﷺ - في بيته.\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوْفى قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: اللهم صلِّ عليهم. فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته، فقال: اللهم! صلِّ على آلِ أبي أوفى] (٢).\nوأما \"فرعون\" فهو اسم تسمى به ملوك عمالقة مصر، كما كانت ملوك الروم يسمّى\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٢١٥) - كتاب الإيمان. باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم. ورواه البخاري كذلك من حديث عبد الله بن عمرو.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (١٠٧٨) - كتاب الزكاة. باب الدعاء لمن أتى بصدقة.","vol":"1","page":241},{"text":"بعضهم \"قيصر\"، وبعضهم \"هِرَقْل\"، وكما كانت ملوك فارس تسمّى \"الأكاسرة\" واحدهم \"كسرى\"، وملوك اليمن تسمى \"التبابعة\" واحدهم \"تُبَّع\"، وكذلك واحد ملوك الحبشة: النجاشي.\nوالعرب تقول: كل عاتٍ فرعون. والعتاة الفراعنة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي دهاء ونكر.\nوعند الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود ﵁ - في مصرع أبي جهل يوم بدر- قال: [فلما وقف عليه - ﷺ - قال: هذا فرعون هذه الأمة] (١).\nوقوله \"يسومونكم\" أصله من السوم. والعرب تقول: سامه خسْفًا أي أولاه إياه وأراده عليه. وجملة \"يسومونكم\" في محل نصب حال، والتقدير: وإذ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب. وأما مفهوم اللفظ في الآية:\n١ - قيل: المعنى يذيقونكم ويلزمونكم إياه. ذكره القرطبي.\n٢ - قيل: يوردونكم، ويذيقونكم، ويولونكم. اختاره ابن جرير. وقال أبو عبيدة: (يولونكم).\n٣ - وقيل: يديمون تعذيبكم. والسَّوْم: الدوام، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرَّعْي.\nقلت: وكل هذه المعاني يشملها اللفظ القرآني الجامع.\nوأما قوله ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ يعني أشده وأسوأه. وفي تفصيل ذلك أقوال متكاملة:\n١ - قال ابن إسحاق: (كان فرعون يعذِّبُ بني إسرائيل، فيجعلهم خَدَمًا وخَوَلًا، وصنَّفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصِنْفٌ يحرثُون، وصنف يَزرعون له، فهم في أعماله. ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله: فعليه الجزية - فسامهم - كما قال الله ﷿، سوءَ العذاب).\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود. انظر \"الدلائل\" للبيهقي (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢). وكذلك كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: ج (١) ص (٥٦٤).","vol":"1","page":242},{"text":"٢ - قال السدي: (جعلهم في الأعمال القذرة، وجَعل يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم).\n٣ - قيل: فسر العذاب هنا بذبح الأبناء، ذكره ابن كثير.\nوقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.\nفيه عند المفسرين أقوال متقاربة:\n١ - عن السدي قال: (كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القِبْطَ وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر. فدعا السَّحَرة والكهنة والعَافَة والقافَةَ والحازَة فسألهم عن رؤياه، فقالوا له: يخرجُ من هذا البلد - يعنون بيت المقدس - رجلٌ يكون على وجهه هلاك مصر. فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تُركت، وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجًا فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يَلُون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلوا غلمانهم. فذلك حين يقول الله ﵎: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ - يقول: تَجَبَّر في الأرض - ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ - يعني: بني إسرائيل، حين جعلهم في الأعمال القذرة - ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤]. فجعل لا يُولد لبني إسرائيل مولودٌ إلا ذُبح، فلا يكبر الصغير وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم. فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه، فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت، فيوشِك أن يقع العمل على غلماننا! نذبح أبناءهم، فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار! فلو أنك كنت تُبقي من أولادهم! فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها، وُلد هارون فترك. فلما كان في السنة التي يذبحون فيها، حملت بموسى).\n٢ - عن ابن عباس قال: (قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهبُ بملكك، قال: فجعل فرعون على كل ألف امرأة مئة رجل، وعلى كل مئة عشرة، وعلى كل عشرة رجلًا، فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حَمْلَها فانظروا إليه، فإن كان ذكرًا فاذبحوه، وإن كان أنثى فخلُّوا عنها. وذلك قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾).","vol":"1","page":243},{"text":"٣ - عن أبي العالية قال: (إن فرعون ملكهم أربع مئة سنة، فقالت الكهنة إنه سيولد العامَ بمصر غلامٌ يكون هلاكُكَ على يديه. فبعث في أهل مصر نساءً قوابل، فإذا ولدت امرأة غلامًا، أتي به فرعون فقتله، ويستحيي الجواري).\nوفي رواية ابن إسحاق: (فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قَتَلتُنَّه. فكن يفعلن ذلك. وكان يذبحُ مَنْ فوق ذلك من الغلمان، ويأمر بالحبالى فيعذَّبن حتى يطرحنَ ما في بطونهن).\n٤ - عن مجاهد قال: (لقد ذُكِرَ لي أنه كان ليأمُرُ بالقصب فَيُشَقّ حتى يُجعل أمثال الشِّفار، ثم يُصَفُّ بعضه إلى بعض، ثم يأتي بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهنّ عليه، فيحزّ أقدامهن. حتى إن المرأة منهن لتمصَع بولَدها فيقع من بين رجليها، فتظل تطؤه تتّقي به حدَّ القصب عن رجلها، لِما بلغ من جَهدِها، حتى أسرف في ذلك وكاد يُفنيهم. فقيل له: أفنيت الناس وقطعت النسل! وإنهم خَوَلك وعُمَّالك! فأمر أن يُقتل الغلمانُ عامًا ويُستحيوا عامًا. فوُلد هارون في السنة التي يُسْتَحْيا فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون).\nوقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.\nأي: نعمة من ربكم كبيرة أعقبت الاختبار والمحنة.\nقال ابن عباس: (نعمة). وقال السدي: (أما البلاء فالنعمة). وقال مجاهد: (نعمة من ربكم عظيمة). وقال ابن جريج: (نعمة عظيمة).\nقال ابن جرير: (يعني: وفي الذي فعلنا بكم، من إنجائناكم -مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم- على ما وصفتُ - بلاءٌ لكم من ربكم عظيم. قال: وأصل \"البلاء\" - في كلام العرب - الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر. لأن الامتحانَ والاختبارَ قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال ربنا جل ثناؤه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] ثم تسمي العرب الخيرَ \"بلاءً\" والشر \"بلاءً\". قال: غير أن الأكثر في الشر أن يقال: \"بلوته أبلوهُ بلاءً\"، وفي الخير: \"أبليْتُهُ أبْلِيه إبلاءً وبلاءً\"، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى:\nجزى الله بالإحسان ما فَعَلا بِكمْ ... وأبلاهُما خَيْرَ البلاء الذي يَبْلو","vol":"1","page":244},{"text":"فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النِّعم التي يختبر بها عبادَه) انتهى.\nوفي التنزيل أيضًا: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]. قال أبو الهيثم: (البلاء يكون حسنًا ويكون سيئًا، وأصله المِحنة، والله ﷿ يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره، فقيل للحسن بلاء، وللسَّيِّئ بلاء).\nوالخلاصة في المسألة:\n١ - قيل: الإشارة بـ \"ذلكم\" إلى التنجية، فيكون البا، ء على هذا في الخير، أي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. وهو اختيار ابن جرير.\n٢ - قيل: بل الإشارة إلى الذبح. قال القرطبي: (وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان).\nقلت: ولا مانع من اشتمال اللفظ القرآني على المفهومين معًا على ما تم تفصيله من معنى البلاء.\nفائدة: لقد نسب الله تعالى الفعل في هذه الآية - من العذاب والذبح وغيره - إلى آل فرعون، مع أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك بأمر فرعون وسلطانه. قال الشافعي: (إذا أمر السلطان رجلًا بقتل رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظُلمًا كان عليه وعلى الإمام القَوَد كقاتلَيْن معًا، وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلمًا كان على الإمام القَود).\nقلت: ولا شك أن الواجب على المسلم التباعد من أهل الظلم حتى لا تناله سيئاتهم، فإن أهمل نفسه في صحبتهم فلربما أشركوه في آثامهم.\nأخرج أبو داود بسند حسن عن العرس بن عميرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا عُملِت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمنْ غاب عنها، ومنْ غاب عنها فرضِيَها كان كمن شهدَها] (١).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٤٣٤٥) - من حديث العرس بن عميرة. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٥١)، وصحيح الجامع الصغير (٧٠٢).","vol":"1","page":245},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾.\nمعناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، خرجتم مع موسى ﵇، فلحقكم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، ففرقنا بكم البحر. فالآية معطوفة على ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ التي قبلها.\nقال السدي: (لما أتى موسى البحر ... وضرَبه فانفلق، فكان كل فِرْق كالطَوْد العظيم، فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقًا، في كل طريق سِبْط).\nوأصل الفَرْق في كلام العرب الفصل، ومنه فَرْق الشعر، ومنه الفرقان، لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل، ومنه سمي يوم بدر يوم الفرقان، لأن الله سبحانه فرق به بين الحق والباطل.\nقال القرطبي: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ \"إذ\" في موضع نصب. و\"فَرَقْنا\" فلقنا، فكان كل فِرق كالطوّد العظيم، أي الجبل العظيم).\nوقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\nيعني: أخرجناكم منه وكتبنا الغرق والشقاء على فرعون وملئه وأنتم تشهدون.\nأخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [لما أغرق الله فرعون قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد! فلو رأيتَني وأنا آخِذٌ من حالِ البحر فأدسُّهُ في فيه، مخافةَ أن تُدركه الرحمةُ] (١).\nوفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: [قدِمَ رسولُ الله - ﷺ - المدينة، فوجَدَ اليهود يصومون يوْمَ عاشوراء، فَسُئِلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليومُ الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيمًا له، فقال النبي - ﷺ -: نحن أَوْلى بموسى منكم. فأمر بصَوْمه] (٢).\nوفي لفظ: [فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا هذا يوم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣١٠٧)، وأحمد من حديث ابن عباس. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٨٣)، وكذلك صحيح الجامع (٥٠٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١١٣٠). ورواه البخاري (٢٠٠٤) بنحوه.","vol":"1","page":246},{"text":"عظيم، (وفي رواية: هذا يوم صالح)، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله - ﷺ -: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله - ﷺ - وأمر بصيامه] (١).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي موسى ﵁ قال: [كان أهلُ خَيْبَرَ يصومون يومَ عاشوراءَ، يتَخذونه عيدًا، ويُلبِسونَ نِساءَهم فيه حُلِيَّهُم وشَارَتَهُمْ، فقال رسول الله - ﷺ -: فصوموه أنتم] (٢).\nوأما تفصيل النجاة والغرق، ففي روايات المفسرين التالية:\n١ - عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: (لقد ذُكر لي أنه خرج فرعونُ في طلب موسى على سبعين ألفًا من دُهْمِ الخيْل، سوى ما في جنده من شُهْب الخيل. وخرج موسى، حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه مُنصرَف، طلع فرعون في جنده من خلفهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، أي للنجاة، وقد وعدني ذلك، ولا خُلف لوعْده).\n٢ - عن ابن إسحاق قال: (أوحى الله إلى البحر -فيما ذُكر لي-: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضًا فَرَقًا من الله وانتظاره أمرَه. فأوحى الله ﷿ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سُلطان الله الذي أعصاه، فانفلق فكان كل فِرْق كالطَّوْد العظيم، أي كالجبل على نشَرٍ من الأرض. يقول الله لموسى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ، سلك فيه موسى ببني إسرائيل وأتْبَعَهُ فرعون بجنوده).\n٣ - عن ابن عباس قال: (أوحى الله جل وعز إلى مواسى أن أسر بعبادي ليلًا إنكم مُتَّبعون. قال: فسرى موسى ببني إسرائبل ليلًا، فاتّبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى في ست مئة ألف ... فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقًا، كل طريق كالطود العظيم ..).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١١٣٠) ح (١٢٨) - كتاب الصيام. باب صوم يوم عاشوراء، من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (١١٣١) ح (١٣٠) - كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، من حديث أبي موسى ﵁.","vol":"1","page":247},{"text":"وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (أي: وأنتم تنظرون إلى فَرْق الله البحر لكم، والتطام أمواج البحر بآل فرعون، في الموضع الذي صيَّر لكم في البحر طريقًا يبسًا. وذلك كان، لا شك، نظرَ عِيانٍ لا نظرَ علم).\n٥١ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكْرُ الله تعالى مواعدته نبيه موسى ﵇، وذكر إعطائه الكتاب والفرقان هدى لبني إسرائيل، وانتكاس بني إسرائيل في عبادة العجل وعفوه تعالى عنهم.\nقرأ القراء ﴿وَاعَدْنَا﴾ و\"وَعَدْنا\"، أما القراءة الثانية \"وعَدْنا\" فهي قراءة أبي عمرو، واختاره أبو عبيد. قال النحاس: (وقراءة \"واعدنا\" بالألف أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي).\nو\"موسى\" بالقبطية كلمتان يُعنى بهما: ماء وشجر. \"فمو\"، هو الماء، و\"شا\" هو الشجر. قال ابن جرير: (وإنما سمي بذلك - فيما بلغنا - لأن أمه لما جعلته في التابوت - حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليَمِّ، كما أوحى الله إليها، وقيل: إن اليَمَّ الذي ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواج اليم حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسيةَ امرأة فرعون يغتسلنَ، فوجدن التابوت فأخذنه. فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه، وكان ذلك بمكان فيه ماء وشجر. فقيل موسى، ماء وشجر) ذكره عن السدي.\nوقال أبو جعفر: (وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فيما زعم ابن إسحاق).\nوأما مفهوم الآية فيما ذكر أهل التفسير:\n١ - عن أبي العالية: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، قال: يعني ذا القَعْدة وعشرًا من","vol":"1","page":248},{"text":"ذي الحِجَّة. وذلك حين خلَّف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح - وكانت الألواح من بَرَد - فقربه الربّ إليه نجِيًّا وكلّمه ...).\n٢ - عن ابن إسحاق قال: (وعد الله موسى- حين أهلك فرعون وقومَه، ونجَّاه وقومَه - ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربِّه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء. واستخلف موسى هارونَ على بني إسرائيل، وقال: إني متعجِّلٌ إلى ربي، فاخلفني في قومي ولا تتَّبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلًا لِلُقِيِّهِ شوقًا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامريّ، يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به).\n٣ - عن السدي قال: (انطلق موسى، واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر).\nوالخلاصة: كأن الله سبحانه يقول لبني إسرائيل: اذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، إذ عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢].\nقال القرطبي: (والأربعون في قول أكثر المفسرين: ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة. وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل، وصعِدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، فعدّوا - فيما ذكر المفسرون - عشرين يومًا وعشرين ليلة، وقالوا قد أخلفنا موعده. فاتخذوا العجل. وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فاطمأنوا إلى قوله. ونهاهم هارون وقال: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفًا فيما رُوي في الخبر. وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف، فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال، ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد وهو الحلال والحرام وما يحتاجون، وأحرق العجل وذراه في البحر، فشربوا من مائه حُبًّا للعجل، فظهرت على شفاههم صفرة وورِمَت بطونهم، فتابوا ولم تُقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لَدُن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، فقتل بعضهم بعضًا، لا يسأل والد عن ولده","vol":"1","page":249},{"text":"ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد، كل من استقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله، حتى عجَّ موسى إلى الله صارخًا: يا ربّاه، قد فنيت بنو إسرائيل! فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله، فقبل توبةَ من بقي وجعل من قُتل في الشهداء).\nثم قال: (إن قيل: لم خصّ الليالي بالذكر دون الأيام؟ قيل له: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nقال أبو العالية: (يعني: من بعد ما اتخذتم العجل).\nوقال ابن جرير: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فإنه يعني به: لتشكروا. ومعنى \"لعل\" في هذا الموضع معنى \"كي\". قال: فمعنى الكلام إذن: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلهًا، لتشكروني على عفوي عنكم، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللبّ والعقل).\nروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفُرقة عذاب] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\nالمراد بالكتاب: التوراة. وبالفرقان: الفصل بين الحق والباطل. والمعنى: (واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل إذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل). وتفصيل ذلك من أقوال أهل التفسير:\n١ - عن أبي العالية: (﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، قال: فَرَق به بين الحق والباطل).\n_________\n(١) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٥/ ٢١١ - ٢١٢)، وسنن أبي داود (٢/ ٢٩٠)، وصحيح ابن حبان (٢٠٧٠)، و\"الأدب المفرد\" - للبخاري (٣٣)، ومسند الطيالسي (ص ٣٢٦) رقم (٢٤٩١)، ومسند أحمد (٢/ ٢٩٥)، (٢/ ٣٠٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٧).","vol":"1","page":250},{"text":"٢ - قال مجاهد: (الكتاب هو الفُرقان، فرق بين الحق والباطل).\n٣ - قال ابن عباس: (الفرقان جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والفُرقان).\n٤ - قال ابن زيد: (أما \"الفرقان\" الذي قال الله جل وعز: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فذلك يومُ بدر، يومَ فَرَق الله بين الحق والباطل، والقضاءُ الذي فرق بين الحق والباطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان، فرق الله بينهم، وسلَّمه وأنجاه، فَرَق بينهم بالنصر. فكما جعل الله ذلك بين محمد - ﷺ - وبين المشركين، فكذلك جعله بين موسى وفرعون). وقال: (الفرقان انفراق البحر له حتى صارَ فِرَقًا فعبروا).\n٥ - وقيل: (الفرقان الفرج من الكرب، لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: فرجًا ومخرجًا. ذكره القرطبي.\n٦ - وقيل: (إنه الحجة والبيان) قاله ابن بحر.\nقلت: وتوجيه الآية إلى التوراة وما نعتت به من الفصل بين الحق والباطل أقرب للسياق وأنسب، وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير، والحافظ ابن كثير.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\nيعني: لكي تهتدوا بها - أي التوراة - وتمتثلوا الحق الذي جاء فيها، فقد جعلها الله كذلك هدى لمن اهتدى بها واتبع ما فيها.\n٥٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.\nفي هذه الآية: ما زال الخطاب لبني إسرائيل: واذكروا أيضًا قول موسى لقومه - حين ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل ربّا بعد فراق موسى إياهم - يأمرهم بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلى الله من ردّتهم، والتوبة إليه سبحانه مما ركبوه بقتل أنفسهم.\nوقد استجاب القوم وقاموا بما أُمروا. فإلى تفصيل ذلك من أقوال أهل التفسير:\n١ - عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن أنه قال في هذه الآية: ﴿فَاقْتُلُوا","vol":"1","page":251},{"text":"أَنْفُسَكُمْ﴾، قال: (عَمَدوا إلى الخناجر فجعل يطعن بعضهم بعضًا).\n٢ - عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا: (قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتُل بعضهم بعضًا، لا يَحنُّ رجلٌ على رجل قريب ولا بعيد، حتى ألْوَى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فتكشَّفَ عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى: أن حَسْبي، فقد اكتفيت! فذلك حين ألوى بثوبه).\n٣ - عن ابن عباس قال: (قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال: أمر موسى قومَه - عن أمر ربه ﷿- أن يقتلوا أنفسهم، قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، وأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجْلوْا عن سبعين ألف قتيل، كلّ من قُتل منهم كانت له توبة، وكل من بقِيَ كانت له توبة).\n٤ - عن السدي قال: (فَصَفُّوا صَفَّين، ثم اجتلدوا بالسيوف. فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثُر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قُتل بينهم سبعون ألفًا، حتى دعا موسى وهرون: ربَّنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم. فكان من قتل شهيدًا، ومن بقي كان مكفَّرًا عنه. فذلك قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾).\n٥ - قال ابن جريج: (وكان قتلُ بعضهم بعضًا: أن الله علم أن ناسًا منهم علموا أن العجل باطل، فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال، فلذلك أمر أن يقتُل بعضهم بعضًا).\n٦ - عن ابن إسحاق قال: (لما رجع موسى إلى قومه - وأحرق العِجل وذرّاه في اليمّ وخرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا - سأل موسى ربَّه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبرُ لأمر الله! فأمر موسى من لم يكن عَبَدَ العجلَ أن يَقْتُلَ من عَبَدَه. فجلسوا بالأفنية، وأصْلتَ عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وبَهِشَ إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف).\n٧ - قال ابن زيد: (لما رجع موسى إلى قومه وكان سبعون رجلًا قد اعتزلوا مع","vol":"1","page":252},{"text":"هارون العجلَ لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربِّكم. فقالوا: يا موسى، أما من توبة؟ قال: بلى! ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. فاخترطوا السيوف والجِرَزَةَ والخناجِرَ والسكاكين. قال: وبعث عليهم ضبابةً. قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا. قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري، ويتنادون فيها: رحم الله عبدًا صبَرَ نفسَهُ حتى يبلغ الله رضاه. وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣]. قال: فقتلاهم شُهداء، وتِيبَ على أحيائهم، وقرأ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾).\nوقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾.\nأي: ارجعوا إلى طاعة خالقكم وما يرضيه عنكم.\nقال أبو العالية: (﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، أي: إلى خالقكم).\nوقال سفيان بن عيينة: (التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل).\nقال القرطبي في هذه الآية: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه، وإنما اعتزلوا، وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده. وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يُغَيَّرْ عوقب الجميع).\nأخرج الإمام أحمد في المسند وأبو داود وابن ماجة في السنن بسند صحيح عن جرير قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما مِنْ قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعزُّ وأكثر ممن يعملُه، ثم لم يغيّروه، إلا عمهم الله تعالى منهُ بعقاب] (١).\nولفظ ابن ماجة: [ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي هم أعزُّ منهم وأمْنَعُ، لا يغيّرون، إلا عمهم الله بعقاب].\nوأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله - ﷺ - قام خطيبًا. فكان فيما قال: \"ألا، لا يَمْنَعَنَّ رجُلًا، هَيْبَةُ الناس، أن يقول بحقٍّ، إذا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٣٣٨/ ١)، (٤٣٣٨)، وابن ماجة (٤٠٠٩). انظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٢٤) (٣٦٤٥)، وصحيح الجامع (٥٦٢٥). وانظر تخريج المشكاة (٥١٤٢)، وصحيح سنن ابن ماجة (٣٢٣٨).","vol":"1","page":253},{"text":"عَلِمَه\". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nالمعنى: إن توبتكم إلى الله بقتلكم أنفسكم خير لكم عند ربكم، فهي نجاة لكم من عذابه في الآخرة، أمَا وقد فعلتموه وامتثلتم ما أُمرتم به فتبتم فتاب عليكم، إنه هو الراجع لمن أناب إليه بما يحب من العفو عنه والتجاوز عن ذنبه.\nقال ابن جرير: (ويعني بـ \"الرحيم\"، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته).\n٥٥ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول تعالى: واذكروا أيضًا نعمتي عليكم إذ بعثتكم بعد الصعق، بعدما سألتم رؤيتي جَهْرة عيانًا، وهو أمر لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم ولا ينبغي سؤاله.\nقال ابن عباس: (﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، قال: علانية). وقال الربيع: (عِيانًا).\nوقال ابن زيد: (حتى يطلعَ إلينا). وجَهْرَة: مصدر في محل نصب حال. وأصل الجَهْر: الظهور. ومنه الجهر بالقراءة: إظهارها. فذكّرهم الله بذلك سوء استقامة أجدادهم لأنبيائهم، وتقلب آبائهم في إيمانهم رغم تتابع الحجج عليهم، وكثرة معاينتهم آيات الله ﷿ وعبره، فمرة يعبدون العجل، ومرة يطلبون رؤية الله، وتارة يقولون: اذهب أنت وربك فقاتلا، وتارة يستهزئون فيقولون حِنطة في شعير وقد أمروا أن يقولوا حِطّة، ويدخلون البابَ من قبل أستاههم إلى غير ذلك من إيذائهم لأنبيائهم وتوثبهم على نبيهم موسى ﵊، مع عظيم ما أحاطهم الله به من النعم والآلاء والخيرات.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر سنن ابن ماجة (٤٠٠٧) - كتاب الفتن. باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٣٧).","vol":"1","page":254},{"text":"وقوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾.\nقال قتادة: (ماتوا). وقال الربيع: (سمعوا صوتًا فصعِقوا، يقول: فماتوا). وقال السدي: (والصاعقة نار). وقال ابن إسحاق: (أخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا).\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\nقال عُرْوة بن رُويم: (صعق بعضهم وبعضٌ ينظرون، ثم بُعِث هؤلاء وصُعِقَ هؤلاء). وقال السدي. (﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: ربِّ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجلًا رجلًا، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nوقال الربيع بن أنس: (كان موتهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nقال القرطبي: (ما فعل بكم من البعث بعد الموت).\nوأما سبب قيلهم لموسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فهناك قولان ذكرهما شيخ المفسرين ابن جرير ﵀، ونقلهما عنه الحافظ ابن كثير.\nالقول الأول: عن محمد بن إسحاق قال: (لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرَّق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا الخَيِّر فالخَيِّر، وقال: انطلقوا إلى الله ﷿ وتوبوا إليه مما صنعتم، وسَلُوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّتَه له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا للقاء الله، قالوا: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تَغَشَّى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه،","vol":"1","page":255},{"text":"وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلَّمه الله وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام، وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قد سَفِهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك. واخترتُ منهم سبعين رجلًا، الخيِّرَ فالخيِّرَ، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فلما يزل موسى يناشد ربه ﷿ ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم).\nوفي رواية إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّي الكبير: (لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضًا كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناسٍ من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومه سبعين رجلًا على عَينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا). وساق البقية.\nالقول الثاني: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح، قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى! وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصَعَقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله، فقالوا: لا. فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنّا متنا ثم حَيينا. قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم).\nقال الحافظ ابن كثير: (وهذا السياق يدلّ على أنهم كُلِّفوا بعد ما أُحيوا).\nوقال الماوردي: (واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينة الأحوال","vol":"1","page":256},{"text":"المضطرة إلى المعرفة على قولين: أحدهما - بقاء تكليفهم لئلا يخلو عاقل من تعبّد. الثاني: سقوط تكليفهم معتبرًا بالاستدلال دون الاضطرار).\nقال القرطبي: (والأول أصح، فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطًا عليهم والنار محيطة بهم، وذلك مما اضطرهم إلى الإيمان، وبقاء التكليف ثابت عليهم، ومثلهم قوم يونس. ومحال أن يكونوا غير مكلفين. والله أعلم).\nقلت: ولا شك أن التكليف قائم على كل بالغ عاقل، فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام شاهدوا أمورًا أعظم من أتباعهم، وعاينوا الخوارق والأمور العظام، ولم يسقط عنهم التكليف.\nوفي المسند وصحيح أبي داود والحاكم من حديث عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: [رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المُبْتلى حتى يبرَأ، عن الصبي حتى يكبر] (١).\n٥٧. قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾.\nفي هذه الآية: شرع الله سبحانه يعدّد نعمه الكثيرة على بني إسرائيل بعدما ذكر جل ذكره ما دفعه عنهم من النقم، فمنها تظليل الغمام عليهم، وذلك أنهم كانت تظلهم سحابة إذا ارتحلوا. لئلا تؤذيهم حرارة الشمس، ومنها إنزال المن والسلوى تكرمة لهم.\nوالغمام جمع غمامة، كسحابة وسحاب. قال الفراء: (ويجوز غمائم وهي السحاب، لأنها تغمّ السماء أي تسترها، وكل مغطّى فهو مغموم، ومنه المغموم على عقله).\nقال مجاهد: (﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾، قال: هو بمنزلة السحاب). وقال: (ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم).\nوقال السدي: (الغمام السحاب الأبيض).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في أحاديث في السنن (٤٣٩٨)، (٤٤٠١) - (٤٤٠٣). وانظر صحيح الجامع (٣٥٠٧). والإرواء (٢٩٧). وصحيح أبي داود (٣٧٠١ - ٣٧٠٣)، (٣٦٩٨).","vol":"1","page":257},{"text":"وقال ابن عباس: (هو غمامٌ أبردُ من هذا وأطيبُ، وهو الذي يأتي الله ﷿ فيه يوم القيامة في قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال: وكان معهم في التيه).\nوقال قتادة: (كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس).\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾.\nأما المن فمختلف فيه على أقوال:\n١ - عن مجاهد: (﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾، قال: المن صمغة).\n٢ - عن قتادة قال: (كان المنّ ينزل عليهم مثل الثلج).\n٣ - وعن الربيع بن أنس قال: (المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه).\n٤ - وقال ابن زيد: (المنّ، عسل كان ينزل لهم من السماء). وقال عامر (١): (عسلُكم هذا جزءٌ من سبعين جزءًا من المن).\n٥ - وقال وهب: (خُبْزُ الرُّقاق، مثل الذرة ومثل النَّقِيِّ).\n٦ - قال السدي: (المن كان يسقط على شجر الزنجبيل).\n٧ - وقال ابن عباس: (كان المنّ ينزل على شجرهم، فيغدون عليه، فيأكلون منه ما شاؤوا).\n٨ - وقيل: المنّ هو الترنجبين.\n٩ - وقيل: المنّ هو الذي يسقط على الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل وإياه عنى الأعشى -ميمون بن قيس- بقوله:\nلَوْ أُطْعِمُوا المنَّ والسَّلْوى مكانَهُمُ ... ما أبصر الناس طُعْمًا فيهم نَجَعا\n١٠ - وقال عكرمة: (المنّ شيء أنزله الله عليهم مثل الظل، شبه الرُّبِّ الغليظ).\nووقع في شعر أمية بن أبي الصلت، حيث قال:\nفَرَأى الله أنهم بِمَضِيعٍ ... لا بِذي مَزْرَعٍ ولا مَعمورًا\n_________\n(١) هو عامر الشعبي التابعي الجليل.","vol":"1","page":258},{"text":"فسَناها عليهم غَادياتٍ ... ومَرَى مُزْنَهم خلايا وخُورًا\nعَسَلًا ناطفًا وماء فراتًا ... وحليبًا ذا بهجة مَثْمورًا\nفالناطف: هو السائل، والحليب المثمور: الصافي منه.\nقال ابن جرير: (فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلًا ناطفًا، والناطف: هو القاطر).\nوقال ابن كثير: (عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسّره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم، أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إنْ أُكِلَ وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مُزج معه الماء صار شرابًا طيبًا، وإنْ رُكِّبَ مع غيره صار نوعًا آخر).\nوقد ورد المنّ في السنة الصحيحة بذكر ما يستخرج منه من الكمأة التي ماؤها شفاء للعين. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن زيد - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: [الكَمْأةُ من المَنّ وماؤها شفاء للعين] (١).\nوفي رواية لمسلم: [الكمأة من المنّ الذي أَنْزَلَ الله تعالى على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين].\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة وأحمد بسند حسن - واللفظ للترمذي - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [العَجْوَةُ من الجنة، وفيها شفاء من السُّمِّ، والكمْأةُ من المَنِّ، وماؤها شفاء للعين] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن مردويه عن أنس: [أن أصحاب النبي - ﷺ - تذاكروا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه الكمأة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩)، ومعظم أصحاب السنن.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٠٦٦)، وابن ماجة (٣٤٥٥)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٠١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٠٥).","vol":"1","page":259},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السُّم] (١).\nوأما السلوى فهو طائر يشبه السُّمَاني، كانوا يأكلون منه. وأقوال المفسرين في ذلك متقاربة:\n١ - عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (السلوى طائر يشبه السُّمّاني).\nوعن السدي قال: (كان طيرًا أكبرَ من السُّمّاني).\n٢ - عن قتادة قال: (السلوى طائر كانت تحشُرها عليهم الريح الجنوبَ).\n٣ - عن مجاهد قال: (السلوى طائر). وقال ابن عطية: (السلوى طير بإجماع المفسرين).\n٤ - عن ابن وهب قال: (طير سمين مثلُ الحَمام).\n٥ - عن عامر الشعبي قال: (السلوى السُّماني). وعن الضحاك: (السماني هو السلوى).\nوأما سبب تظليل الله الغمام وإنزاله المنَّ والسلوى على هؤلاء القوم ففيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: عن السدي قال: (لما تاب الله على قوم موسى، وأحيَا السبعين الذين اختارهم موسى بعدما أماتهم، أمرهم الله بالسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس. فساروا، حتى إذا كانوا قريبًا منهم، بعث موسى اثني عشر نقيبًا. فكان من أمرهم وأمر الجبَّارين وأمر قوم موسى، ما قد قص الله في كتابه. فقال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. فغضب موسى فدعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. فكانت عَجْلَةً من موسى عَجِلها، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. فلما ضُرب عليهم التِّيه، ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم، أوحى الله إليه: أنْ لا تأسَ على القوم الفاسقين - أي لا تحزنْ على القوم الذين سميتهم فاسقين - فلم يحزن، فقالوا:\n_________\n(١) حسن بشواهده. أخرجه ابن مردويه كما ذكر ابن كثير في التفسير، وإسناده لا بأس به، وله شاهد عند ابن عدي (٢/ ٣٧٠)، والمتن حسن بشواهده المتقدمة.","vol":"1","page":260},{"text":"يا موسى كيف لنا بماء ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ - فكان يسقط على شجر التُّرَنْجبين - والسلوى، وهو طير يشبه السُّماني، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، إن كان سمينًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأُمر موسى فضوب بعصاه الحجرَ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كل سِبْطٍ من عين. فقالوا: هذا الطعام والشراب، فأين الظّل؟ فظلَّل عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطولُ معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرّق لهم ثوب، فذلك قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُم﴾ [البقرة: ٦٠]).\nالتأويل الثاني: عن ابن إسحاق قال: (لما تاب الله ﷿ على بني إسرائيل، وأمر موسى أن يَرْفَع عنهم السيف من عبادة العجل، أمر موسى أن يسيرَ بهم إلى الأرض المقدسة، وقال: إني قد كتبتُها لكم دارًا وقرارًا ومنزلًا، فاخْرج إليها، وجاهِدْ من فيها من العدو، فإني ناصركُم عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله ﷿. حتى إذا نزل التِّيه -بين مصر والشام، وهي أرض ليس فيها خَمَرٌ ولا ظلٌّ- دعا موسى ربَّه حين آذاهم الحر، فظلّل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرزق، فأنزل الله لهم المنّ والسلوى).\nالتأويل الثالث: قال ابن جريج: قال عبد الله بن عباس: (خُلِقَ لهم في التِّيه ثيابٌ لا تَخْلَقُ ولا تدْرن). وقال ابن جريج: (إن أخذ الرجل من المن والسلوى فوق طعام يومٍ فَسَدَ، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت، فلا يصبح فاسدًا).\nوقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.\nقيل: \"كلوا\" فيه حذف والتقدير: وقلنا لهم كلوا. قال ابن كثير: (أمر إباحة وإرشاد وامتنان).\nوالمراد بالطيبات: قيل الشهيات من الرزق الذي رُزقوه. وقيل بل من حلاله المباح. واختار ابن جرير الأول الذي هو بمعنى اللذة، وقال: (لأنه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم).","vol":"1","page":261},{"text":"قلت: ولا مانع من اشتمال الكلمة على المعنيين معًا: اللذة والحلال. وإليه ذهب القرطبي بقوله: (والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ). وقال النسفي: (﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ لذيذات أو حلالات ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾).\nوقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\nقيل: هناك اختصار في الكلام دلّ عليه ما بعده. والتقدير: قلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا وعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر بل بالمعاصي والبطر، فظلموا بذلك أنفسهم. فإن النعم تقابل بالعبادة والشكر، كما قال جل ثناؤه في سورة سبأ: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ..﴾.\nقال القاسمي: (أي فظلموا بأن أكثروا من التضجر والتذمر على ربهم وشكوى سكناهم في البرية وفراقهم مصر).\nوقال ابن كثير: (ومن ههنا تتبين فضيلة أصحاب محمد - ﷺ - ورضي الله عنهم، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على النبي - ﷺ -، لكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مَبْرك الشاة، فَدعا الله فيه، وأمرهم فملؤوا كل وعاء معهم، وكذلك لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أسقيتهم. ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول - ﷺ -).\nقلت: وقد أجاد الحافظ ابن كثير ﵀ بهذا المفهوم، فإن الله سبحانه يحب من عباده مباشرة الأمر والامتثال، ومتابعة رسله بالأفعال والأقوال، ثم إن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسر يُسْرَين.\nففي المسند وصحيح الحاكم عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [النصر مع الصبر، والفَرَج مع الكرب، وإن مع العسر يُسرًا، (وإن مع العسر يسرا)] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند (١/ ٣٠٧)، والحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢). وانظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٦٦٨٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٣٨٢)، والزيادة من رواية الخطيب في \"التاريخ\" والديلمي.","vol":"1","page":262},{"text":"وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يضرّون).\nقال ابن جرير: (وكذلك ربُّنا جل ذكره، لا تضرُّه معصية عاص، ولا يتحيَّف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد في ملكه عَدْلُ عادل، بل نفسَه يظلمُ الظالمُ، وحظَّها يبَخَسُ العاصي، وإياها ينفَعُ المطيع، وحظَّها يُصيب العادلُ).\n٥٨ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى أمره بني إسرائيل دخول بيت المقدس تائبين متذللين. فقابلوا الأمر بالسخرية فأذاقهم سوء العذاب فأصبحوا خاسرين.\nوأما القرية التي أمروا بدخولها فالراجح أنها بيت المقدس. فإلى أقوال المفسرين:\n١ - قال السدي: (أما القرية، فقرية بيت المقدس). وقال قتادة: (بيت المقدس).\n٢ - قال ابن زيد: (هي أريحا، وهي قريبة من بيت المقدس).\n٣ - قال ابن كيْسان: (الشام).\n٤ - قال الضحاك: (الرَّملة والأرْدُنُّ وفلسطين وتَدْمُر).\nواختار ابن جرير أنها بيت المقدس، وهو قول الجمهور، وأكّده الحافظ ابن كثير حيث قال: (يقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد ودخول الأرض المقدسة، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇، فَأُمِروا بدخول الأرض المقدسة، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضَعُفُوا واستحسروا، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس).\nوقال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ","vol":"1","page":263},{"text":"الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾.\nوالقرية قد تطلق على المدينة، فهي كل مكان اتصلت به الأبنية واتُّخذَ قرارًا. وسميت بذلك لأنها تقرّت أي اجتمعت، والعرب تقول: قَرَيت الماء في الحَوض أي جمعته، واسم ذلك الماء قِرَىً. وكذلك ما قُرِيَ به الضيف. والمقاري الجِفان الكبار.\nوقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾. أي: عيشًا واسعًا هنيًا بغير حساب.\nوقوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.\nفإنّ هذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حُبست لهم الشمس يومئذ قليلًا حتى أمكن الفتح. ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد سجدًا. ذكره الحافظ ابن كثير وقال: (أي: شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، وردّ بلادهم إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال).\nوأما \"الباب\" الذي أمروا أن يدخلوه سجدًا، فإنه قيل: هو باب الحِطَّة من بيت المقدس. وإليك أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - عن مجاهد: (﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾)، قال: باب الحطّة، من باب إيلياء، من بيت المقدس).\n٢ - عن السدي قال: (أما الباب، فباب من أبواب بيت المقدس).\n٣ - عن ابن عباس: (أنه أحد أبواب بيت المقدس، وهو يدعى باب حطَّة). وأما قوله: ﴿سُجَّدًا﴾، فإن ابن عباس كان يتأوله بمعنى الرُّكَّع. ويقول: (ركَّعًا من باب صغير). وقال: (أمروا أن يدخلوا ركَّعًا). أو قال: (منحنين ركوعًا).\n٤ - وقال الثوري: (فدخلوا من قبل أستاههم).\n٥ - وقال الحسن البصري: (أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم) واستبعده الرازي، وحكي عن بعضهم: أن المراد بالسجود ها هنا الخضوع، لتعذر حمله على حقيقته. ذكره ابن كثير، وقال القرطبي: (وقيل: متواضعين خضوعًا لا على هيئة معينة).\n٦ - وقال عكرمة، قال ابن عباس: (كان الباب قِبَل القبلة).","vol":"1","page":264},{"text":"٧ - ورُوي عن ابن مسعود: (قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم، أي رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا).\nقلت: وبالجمع بين هذه الأقوال فإن السجود الذي أمروا به - عند دخولهم الباب المخصص لذلك الأمر من أبواب بيت المقدس - يشمل الانحناء والتواضع والشكر لله العظيم الذي أنعم وتفضّل بالنصر بعد الكرب وباليسر بعد العسر. قال أبو جعفر: (وأصل \"السجود\" الانحناء لمن سُجد له معظَّمًا بذلك. فكلّ مُنحنٍ لشيء تعظيمًا له فهو \"ساجد\". قال: فلذلك تأويل ابن عباس قوله: \"سجّدًا\" ركّعًا. لأن الراكع مُنحنٍ وإن كان الساجدُ أشدّ انحناءً منه).\nوقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. عطف على ادخلوا، و\"حِطّةٌ\" بالرفع قراءة الجمهور، فهي خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: مسألتنا حطة. فهي فِعلة، من قول القائل: حطّ الله عنك خطاياك فهو يَحُطّها حِطَّة. قال الأخفش: (وقرئت \"حِطّةً\" بالنصب، على معنى احطط عنا ذنوبنا حِطة). وإليك أقوال أهل التفسير في مفهوم ذلك:\n١ - قال الحسن وقتادة: (أي احطط عنا خطايانا). وقال ابن زيد: (﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، يحط الله بها عنكم ذنوبكم وخطيئتكم). وقال ابن عباس: (يُحطّ عنكم خطاياكم). وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: \"حطة\"، مغفرة.\n٢ - عن عكرمة: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، قال: (قولوا: \"لا إله إلا الله\").\n٣ - عن ابن عباس: (﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، قال: أمِروا أن يستغفروا).\n٤ - عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، قال: (قولوا: هذا الأمر حق كما قيل لكم).\nقلت: والأَوْلى أن يقال: إن الله سبحانه قد تعبّدهم، بذكر هذا اللفظ بعينه أثناء دخولهم، ولا شك أنهم بقولهم إياه وامتثالهم الأمر يحط الله عنهم بذلك أَوزارهم كما قال جل ثناؤه: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وقد دلت السنة الصحيحة على ذلك، كما في الأحاديث التالية:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه - في كتاب التفسير - عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: [قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾","vol":"1","page":265},{"text":"فدخلوا يزحفون على أسْتاهِهِمْ، فبدّلوا وقالوا: حِطّةٌ: حَبَّةٌ في شعيرة] (١).\nوفي رواية: [فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبّةٌ في شعْرَة].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه -في كتاب التفسير- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سُجَّدًا وقولوا حِطّةٌ نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا، فدخلوا الباب يزحفون على أستاهِهمْ، وقالوا: حَبَّةٌ في شَعرَه] (٢). وفي غير الصحيحين: (حنطة في شعَر).\nالحديث الثالث: أخرج الطبري بإسناد لا بأس به، عن محمد بن إسحاق بسنده إلى ابن عباس: [أن رسول الله - ﷺ - قال: دخلوا الباب -الذي أُمِرُوا أن يدخلوا فيه سجّدًا- يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة] (٣).\nقاق القرطبي: (استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبُّد بلفظها أو بمعناها، فإن كان التعبُّد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها، لذم الله تعالى من بدّل ما أمره بقوله. وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه).\nوذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي ﵏ إلى أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله، وهو قول الجمهور. في حين منع ذلك ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حَيْوةَ.\nقلت: ولا شك أن ما لا يتعبد بلفظه يجوز نقله بالمعنى - وإن كان الأوْلى نقله كما جاء في مواضعه ومصادره -، فقد نقل الصحابة السيرة بألفاظ متشابهة وعبارات متقاربة، وكان وكيع يقول: (إن لم يكن المعنى واسعًا فقد هلك الناس). وقال قتادة عن زُرارة بن أوفى: (لقيت عدّة من أصحاب النبي - ﷺ - فاختلفوا عليّ في اللفظ واجتمعوا في المعنى). وكان النّخَعِيّ والحسن والشعبي ﵏ يأتون بالحديث على المعاني. وقال الحسن: (إذا أصبت المعنى أجزأك). وأما إن كان اللفظ يتعبد به\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه -حديث رقم- (٤٤٧٩). وانظر للرواية الثانية صحيح البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء -حديث رقم- (٣٤٠٣).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - كتاب التفسير (٣٠١٥). باب في تفسير آيات متفرقة.\n(٣) أخرجه الطبري (١٠٢١) و(١٠٢٢)، وإسناده لا بأس به، ويتأيد بشواهده. ففي جامع الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: [دخلوا مُتَزَحِّفينَ على أوْراكهم أيْ منحرفين]. صحيح الترمذي (٢٣٥٦).","vol":"1","page":266},{"text":"فلا يجوز أن يُروى قريبًا منه، بل تجب الدقة في تتبع ألفاظه. فلا يجزئك أن تقول في السجود \"سبحان ربي العلي\" بدل الأعلى، أو أن تقول في الركوع \"سبحان ربي العليم\" بدل العظيم. وكذلك أوراد الطعام والشراب والنوم وأدعية الاستفتاح في الصلاة، وأدعية دخول المسجد والخروج منه، وما يقال عند تشميت العاطس وعند السلام وعند التعزية أو الدفن وعند رؤيه الهلال وعند اشتداد الرياح ... إلى غير ذلك من مواضع الذكر والدعاء الذي لا بد فيه من الدقة. وخير دليل على هذا الحديثان الآتيان:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: [قال لي النبي - ﷺ -: \"إذا أتيت مَضْجَعَكَ فتوضأ وضوءَك للصلاة، ثم اضطجع على شِقِّكَ الأيمن، ثم قُل: اللهم أسْلَمْت وجهي إليك، وفَوَّضْتُ أمري إليك، وألْجَأْت ظهري إليك، رَغْبَة ورَهْبَةً إليك، لا ملجأ ولا مَنْجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أَنْزلْت، ونَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ، فإن مُتَّ من لَيْلَتِكَ، فأَنْتَ على الفطرة، واجْعَلهن آخِرَ ما تتكلم به\". قال: فَردَّدْتُها على النبي - ﷺ -، فلما بلغتُ: \"اللهم آمنت بكتابك الذي أنْزلت\" قلْتُ: وَرَسولكَ، قال: لا، ونبيِّكَ الذي أرْسَلْتَ] واللفظ للبخاري (١).\nوفي رواية مسلم: [قال: فَرَدَّدْتُهُنَ لأَسْتَذْكِرَهُنَّ فقُلْتُ: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: \"قل آمنت بنبيك الذي أرسلتَ\"] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [نَضَّرَ الله امرأً سمع منا شيئًا، فبلَّغَهُ كما سَمِعَه، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامع] (٣).\nوفي لفظ آخر -من طريق جبير بن مطعم-: [نَضَّرَ الله عبدًا سمع مقالتي، فوَعاها وحفِظَها، ثم أدّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرُبَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيه، ورُبَّ حامِل فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه ...] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في كتاب الوضوء. باب فضل من بات على الوضوء (٢٤٧).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٧١٠)، كتاب الذكر والدعاء، باب الدعاء عند النوم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٦٥٧). وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢١٤٠)، وكذلك (٢١٣٩) من حديث زيد بن ثابت. وصحيح الجامع (٦٦٤٠)، وانظر تخريج الترغيب (١/ ٦٣)، ورواه أحمد وابن حبان وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد وابن ماجة والحاكم، من حديث جبير بن مطعم. انظر صحيح ابن ماجة (٢٤٨٠)، وصحيح الجامع (٦٦٤٢)، وانظر المصدر السابق - صحيح الترغيب - (١/ ٦٣).","vol":"1","page":267},{"text":"وقوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nأصل \"الغفر\" التغطية والستر، ومنه قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جنّة للرأس \"مِغْفَر\" لأنها تغطي الرأس وتُجِنُّه. و\"الخطايا\" جمع \"خطية\".\nقال ابن عباس: (﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، من كان منكم مُحسنًا زيدَ في إحسانه، ومن كان مخطئًا نغفر له خطيئته).\nقال النسفي: (أي من كان محسنًا منكم كانت تلك الكلمة سببًا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئًا كانت له توبة ومغفرة).\nوقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\nفيه أقوال تؤكدها الأحاديث الصحيحة السابقة:\n١ - قال ابن عباس: (أمِروا أن يدخلوا رُكَعًا ويقولوا: حِطَّة. قال: أمروا أن يستغفروا، قال: فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم من باب صغير ويقولون: حِنْطة - يستهزئون. فذلك قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾).\n٢ - قال قتادة والحسن: (دخلوها على غير الجهة التي أمروا بها، فدخلوها مُتَزَحِّفِين على أوراكهم، وبدّلوا قولًا غير الذي قيل لهم، فقالوا: حبَّة في شعيرة).\n٣ - قال مجاهد: (أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجَّدًا ويقولوا: حِطَّة، وطوطِئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حِنْطَة).\n٤ - قال ابن زيد: (﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، يحطّ الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم، قال: فاستهزؤوا به - يعني بموسى - وقالوا: ما يشاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا، حِطَّةٌ حِطَّةٌ! أي شيء حطة؟ وقال بعضهم: حنطة).\nوقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.\nالرِّجز في لغة العرب العذاب. قال ابن عباس: (كل شيء في كتاب الله من \"الرجز\"، يعني به العذاب). وقال الفراء: (الرجز هو الرجس). وأما أقوال أهل التفسير في ذلك:\n١ - الرجز: العذاب. فعن ابن عباس ومجاهد: (أنه العذاب). وعن قتادة: (\"رجزًا\"، قال: عذابًا).","vol":"1","page":268},{"text":"٢ - الرجز: الغضب. قال أبو العالية: (الرجز، الغضب،).\n٣ - الرجز: الطاعون. قال ابن زيد: (لما قيل لبني إسرائيل: - ادخلوا الباب سجدًا، وقولوا: حطّة، فبذل الذين ظلموا منهم قولًا غير الذي قيل لهم - بعث الله جل وعزّ عليهم الطاعون، فلم يُبْقِ منهم أحدًا. وقرأ: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، قال: وبَقي الأبناء، ففيهم الفضلُ والعبادةُ - التي توصف في بني إسرائيل - والخيرُ، وهلك الآباء كلُّهم، أهلكهم الطاعون).\n٤ - الرجز: البرد. قال الشعبي: (الرجز إما الطاعون، وإما البرد).\nقلت: وقد صحّ تسمية الطاعون بالرجز والرجس في صحيح السنة. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أسامةَ بن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الطاعون (١) رِجْزٌ أو عذابٌ أُرْسِلَ على بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض، فلا تَقْدموا عليه، وإذا وَقَعَ بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فِرارًا منه] (٢). وفي لفظ: [الطاعون آية الرِّجْز].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أسامة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الطاعون رِجْسٌ أُرسل على طائفة من بني إسرائيل -أو على من كان قبلكم- ...] الحديث (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أسامة بن زيد -أيضًا- عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [إن هذا الوَجَعَ أو السَّقَمَ رِجْزٌ عُذِّبَ به بعضُ الأمم قبلكم، ثم بَقِيَ بعد بالأرض، فيذهب المرَّةَ ويأتي الأخرى، فمن سَمع به بأرض، فلا يَقْدَمَنَّ عليه، ومن وقع بأرض وهو بها، فلا يخرِجَنَّهُ الفِرار منه] (٤).\nوفي لفظ: [الطاعون بقيَّةُ رِجزٍ أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا\n_________\n(١) هو قروح تخرج في المرافق والآباط وغيرها في مواضع من البدن، ويكون معه ورم وألم، ويسود ما حواليه أو يحمرّ أو يخضر، ويحصل خفقان القلب والقيء.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٢١٨) - كتاب السلام. باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، من حديث أسامة بن زيد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٧٣) - كتاب أحاديث الأنبياء. ورواه مسلم بنحوه.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٥٧٧٧) - طبعة دار السلام - الرياض. كتاب السلام، الباب السابق، من حديث أسامة بن زيد - ﵁ -.","vol":"1","page":269},{"text":"وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فِرارًا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها] (١).\nقلت: ولا دلالة في الآية وما شابهها في القرآن أن المراد في \"الرجز\" الطاعون حصرًا، بل قد يشمل ذلك ألوانًا أخرى من العذاب، وإن كانت الأحاديث السابقة تفيد ذلك بعمومها.\nوقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\nأي: بما كانوا يعصون ويخالفون ويظلمون.\nوالفِسْق: الخروج كما تقدّم. قال النسفي: (﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسبب فسقهم).\n٦٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآية: يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم إذ أَجَبْتُ نبيَّكم موسى - ﷺ - حين سألني أن أسقيكم ماء فأوحيت إليه أن اضرب بعصاك الحجر، فضربه فإذا بالماء يتفجر من ثنتي عشرة عينًا، لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء، واشكروا ربكم الذي ذَلَّلَ هذه النعم لكم.\nفمتى كان ذلك وما تفاصيل حدوثه؟ هذا ما سنبيّنه من أقوال المفسرين:\n١ - عن قتادة قوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الآية، قال: (كان هذا إذْ هم في البرِّيَّة، اشتكوا إلى نبيهم الظمأ، فأُمروا بحجر طُوريٍّ -أي من الطور- أن يضربه موسى بعصاه. فكانوا يحملونه مَعَهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سِبْطٍ عينٌ معلومة مستفيض ماؤها لهم).\n٢ - عن ابن عباس قال: (ذلك في التيه، ظلّل عليهم الغمامَ، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلى ولا تتّسخ، وَجُعل بين ظهرانيهم حَجر مُرَبَّع،\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٢١٨) ح (٩٣) - كتاب السلام، وكذلك ح (٩٧). وانظر صحيح الجامع (٣٨٤٠)، وهو في صحيح البخاري بلفظ مقارب.","vol":"1","page":270},{"text":"وأُمِرَ موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية منه ثلاثُ عيون، لكل سبط عين، ولا يَرْتحلون مَنقلةً إلا وجدُوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في المنزل الأول).\n٣ - قال مجاهد: (خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا، فانفجرَ لهم الحجر اثنتي عشرة عينًا، ضربه موسى. قال ابن جريج: قال ابن عباس: \"الأسباط\" بنو يعقوب، كانوا اثني عَشَر رجلًا، كل واحد منهم ولد سِبْطًا، أمةً من الناس).\nوفي سورة الأعراف: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. قال القرطبي: (والانبجاس أضيق من الانفجار، لأنه يكون انبجاسًا ثم يصير انفجارًا). وقال ابن كثير: (وأخبر هناك بقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وهو أول الانفجار، وأخبر ها هنا بما آل إليه الحال آخرًا وهو الانفجار، فناسب ذكر الانفجار ها هنا، وذاك هناك، والله أعلم).\nوقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾.\nأي: كلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعه لكم سبحانه بلا سعي ولا تعب.\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\nأي: لا تطغوا ولا تسعوا بالفساد في الأرض، بل قابلوا النعم بالشكر وإقامة الحق والعدل في الأرض.\nقال أبو العالية: (يقول: لا تسعوا في الأرض فسادًا). وقال قتادة: (أي لا تسيروا في الأرض مفسدين). وقال ابن زيد: (لا تعثَ، لا تَطغَ).\nوأصل \"العَثا\" في كلام العرب شدة الإفساد. وعثا في الأرض أفسد. قال الأزهريُّ: (القُرَّاءُ كلهم مُتَّفِقون على فتح الثاء).\nوقوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة. قال النسفي: (أي لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه).\n٦١. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ","vol":"1","page":271},{"text":"الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾.\nفي هذه الآية: يتابع سبحانه في استعراض النعم على بني إسرائيل فيقول: واذكروا كذلك نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى، وهو طعام لذيذ طيب نافع وهنيء، فضاق الأمر بكم حتى سألتم موسى استبدال الأطعمة الدنيئة من البقول وبعض نبات الأرض بذلك بطرًا وتنطعًا وضجرًا. فنالكم ما تستحقون من العقاب والآلام، نتيجة هذا التنطع وما صاحبه من الكفر وقتل الأنبياء والعصيان.\nوقد تقاربت أقوال المفسرين في ذلك، فإلى استعراض أهمها:\n١ - قال قتادة: (كان القوم في البريّة قد ظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملُّوا ذلك، وذكروا عيشًا كان لهم بمصر، فسألوه موسى. فقال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.\n٢ - قال أبو العالية: (كان طعامهم السلوى وشرابهم المن، فسألوا ما ذكر، فقيل لهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾).\n٣ - قال الحسن البصري: (فبطروا ذلك فلم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقول وفوم، فقالوا: ﴿يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾).\nقال الحافظ ابن كثير: (وإنما قالوا على طعام واحد وهم يأكلون المنَّ والسلوى، لأنه لا يتبدل ولا يتغيّر كل يوم، فهو مأكل واحد).\nوالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معرفة، وأما الفوم فقد اختُلِفَ فيه على أقوال:\n١ - قيل هو الحِنْطة والخبز. قال عطاء: (الفومُ، الخبز). وقال مجاهد: (\"وفومها\": خبزها). وقال قتادة والحسن: (الفُوم، هو الحب الذي تختبزه الناس).\nوقال السدي: (الحِنطة). وقال ابن عباس: (الحنطة والخبز).","vol":"1","page":272},{"text":"٢ - الحِنْطَةُ. قال ابن عباس: (\"وفومها\": هو البُرُّ بعينه، الحنطة).\n٣ - الثوم. قال مجاهد: (هو هذا الثوم). وقال الربيع: (الفوم، الثوم). وهو في بعض القراءات \"وثُومها\".\nقال ابن جرير: (وقد ذُكر أن تسمية الحِنطة والخبز جميعًا \"فومًا\" من اللغة القديمة. حُكي سماعًا من أهل هذه اللغة: \"فوِّموا لنا\"، بمعنى: اختبزوا لنا. وذُكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود: \"ثُومها\" بالثاء).\nوقوله: ﴿قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.\nتقريع وتوبيخ لهم على استبدالهم هذه الأطعمة الدنيئة بما هو خير منها وأفضل.\nقال قتادة: (\" ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، يقول: أتستبدلون الذي هو شرٌّ بالذي هو خير منه). وعن مجاهد: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ قال: أردأ).\nوقوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.\nفيه إجابة دعوة موسى ﵇، والتأويل عند ابن جرير: فدعا لهم موسى ربَّه أن يعطيهم ما سألوه، فاستجاب الله له دعاءه، فأعطاهم ما طلبوا، وقال الله لهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.\nوالهبوط النزول من مكان إلى مكان والحلول به. وأما مِصْر فقد اختلف فيها على قولين:\n١ - عن قتادة: (﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾، أي مِصْرًا من الأمصار، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾). وقال السدي: (﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ من الأمصار، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾. فلما خرجوا من التيه، رُفع المنّ والسلوى وأكلوا البقول). وقال مجاهد: (مِصرًا من الأمصار. زعمُوا أنهم لم يرجعوا إلى مصر). وقال ابن زيد: (مصرًا من الأمصار. و\"مصرُ\" لا تُجرى في الكلام. فقيل: أيُّ مِصْرٍ. فقال: الأرض المقدسة التي كتبَ الله لهم، وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١].\n٢ - عن أبي العالية قال: (يعني به مصرَ فرعون).\nقال أبو جعفر: (فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومَه ما سألوه من نبات الأرض -على ما بيّنَهُ الله جل وعز في كتابه- وهم","vol":"1","page":273},{"text":"في الأرض تائهون، فاستجاب الله لموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارًا من الأرض التي تُنْبتُ لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تُنبته إلا القُرى والأمصار، وأنه قد أعطاهم ذلك إذْ صارُوا إليه. وجائز أن يكون ذلك القرار \"مصرَ\" وجائز أن يكون \"الشأم\").\nوالجمهور على قراءتها بالتنوين \"اهبطوا مصرًا\" فقد وردت هكذا في المصاحف. قال ابن كثير: (هكذا هو منوّن مصروف، مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف).\nوقوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.\nالضرب هنا الإلزام، والعرب تقول: ضرب الحاكم على اليد: أي حمل وألزم. والذِّلة: الذّل والصغار. والمسكنة: الفقر. والمعنى: وُضعت عليهم الذلة والمسكنة وألزموا بها قدرًا وشَرْعًا، فلا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وهم في أنفسهم كذلك أذلاء مستكينون. فإلى أقوال المفسرين:\n١ - قال قتادة والحسن: (\" ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، قالا: يُعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون).\n٢ - وقال أبو العالية: (\"والمسكنة\": الفاقة). وقال السدي فيها: (الفقر). وقال عطية: (الخراج).\n٧ - وقال ابن زيد: (هؤلاء يهود بني إسرائيل).\nقال ابن جرير: (فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يُبْدلهم بالعز ذُلًا، وبالنعمة بؤسًا، وبالرِّضا عنهم غضبًا، جزاءً منه لهم على كُفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءَه ورسلَه، اعتداءً وظلمًا منهم بغير حق، وعصيانهم له، وخلافًا عليه).\n٤ - وقال الحسن: (أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية).\nوقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾.\nأي: رجعوا وانصرفوا وقد استوجبوا سخطًا. قال الربيع: (فحدث عليهم غضب من الله). وقال الضحاك: (استحقوا الغضب من الله).","vol":"1","page":274},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.\nتعليل لما أنزله الله بهم من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب، فقد استكبروا في الأرض عن اتباع الحق، وكفروا بآيات الله، وأهانوا حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم، وما زالوا ينتقصوهم حتى أقدموا على قتلهم، منكرين رسالتهم، جاحدين نبوتهم.\nوقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال القرطبي: (تعظيم للشُّنْعة والذنب الذي أتوه).\nوقال القاسمي: (وقوله ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ لم يخرج مخرج التقييد، حتى يقال إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال، لمكان العصمة. بل المراد نعي هذا الأمر عليهم، وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر، حملهم عليه اتباع الهوى، وحب الدنيا، والغلو في العصيان، والاعتداء، كما يفصح عنه قوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: جرّهم العصيان والتمادي في العدوان إلى ما ذكر من الكفر، وقتل الأنبياء ﵈.\nوقيل: كررت الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم، كما أنه بسبب الكفر والقتل، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي، واعتدائهم حدود الله تعالى. وعليه فيكون ذكر علل إنزال العقوبة بهم في نهاية حسن الترتيب. إذ بدئ أولًا بما فعلوه في حق الله تعالى وهو كفرهم بآياته. ثم ثُنِّي بما يتلوه في العظم، وهو قتل الأنبياء. ثم بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم. ثم بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير، مثل الاعتداء. وهذا من لطائف أسلوب التنزيل).\nقلت: ولا شك أن الكبر أقبح ذنب عُصي الله به في الأرض، فهو الذنب الأول الذي اقترفه إبليس وحقت به عليه اللعنة إلى يوم القيامة، ومن ثَمَّ فهو بريد الكفر والشرك والكبائر والمعاصي وسائر الآثام. وقد جاءت السنة الصحيحة بما يدل على هذا في أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود: [عن النبي - ﷺ - قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثْقال ذرَّة من كِبْر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثَوْبُه حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٩١) - كتاب الإيمان - باب تحريم الكبر وبيانه، من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.","vol":"1","page":275},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: الكبرياء رِدائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار] (١). وفي لفظ عند الحاكم: [الكبرياء رِدائي، فمن نازعني في ردائي قصمته].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: [كنتُ لا أُحجَبُ عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، فأتيت رسول الله - ﷺ - وعنده مالك بن مرارة الرّهاوي، فأدركته من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله، قد قُسِمَ لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحدًا من الناس فَضَلني بشراكين فما فوقهما، أفليس ذلك هو البغي؟ فقال: لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي مَنْ بطر، أو قال: سَفِهَ الحق وغمطَ الناس] (٢). يعني: ردّ الحق وانتقاص الناس والازدراء بهم والتعاظم عليهم.\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أن رسول الله - ﷺ - قال: [أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبيّ أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، ومُمَثِّل من الممثلين] (٣).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.\nأي: فُعِل بهم ما فُعِل بسبب عصيانهم وتجاوزهم الحد. قال الأخفش: (أي بعصيانهم)، فالباء في \"بما\" باء السبب. والاعتداء تجاوز الحد في كل شيء.\n٦٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.\nفي هذه الآية: يبين سبحانه حال الأمم التي سلفت وكانت على الحق والإيمان والعمل الصالح، بأن جزاءها الحسنى، وهو شأن كل من اتبع الرسل ومضى على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٠٩٠)، والحاكم نحوه. انظر صحيح الجامع الصغير (٤١٨٥) - (٤١٨٧)، وصحيح سنن أبي داود (٣٤٤٦)، ورواه أحمد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٣٨٥) ورجاله ثقات، ويشهد له الحديث الأول.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٤٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، ورجاله ثقات.","vol":"1","page":276},{"text":"منهاج النبوة إلى قيام الساعة، بعكس حال مَنْ مضى ذكره ممن عصى وآثر الهوى على الحق وانتهك المحارم.\nأما \"الذين آمنوا\" فهم الذين صدّقوا محمدًا ﵊ وعظّموا ما جاء به من عند ربه ﷿. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].\nوذهب النسفي إلى أن المراد الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون، وهو كما قال سفيان: (المراد المنافقون). قال القرطبي: (كأنه قال: الذين آمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بيّن حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم).\nقلت: والراجح القول الأول بأنهم المؤمنون بنبوة محمد - ﷺ - المتابعين لهديه وشرعه وإلا فلا يسمى المنافقون بالذين آمنوا، وهذا المعنى هو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير ﵀.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود، يقال: هاد القوم يهودون هَودًا وَهَادَة. ومعنى هادوا: تابوا. قال ابن جريج: (إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]). وقال النسفي: (يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية وهو هائد والجمع هود).\nوقال القرطبي: (﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ معناه صاروا يهودًا، نُسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب ﵇، فقلبت العرب الذال دالًا، لأن الأعجمية إذا عُرِّبت غُيِّرت عن لفظها). وقال القاسمي: (وإنما لزمهم هذا الاسم، لأن الإسرائيليين الذين رجعوا من جلاء سبعين سنة، ومن سبي بابل إلى وطنهم القديم، كان أكثرهم من نسل يهوذا بن يعقوب). وقيل: (سُمّوا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل).\nقال ابن كثير: (واليهود من الهوادة وهي المودة، أو التهود وهي التوبة، لقول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا. فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض).\nوقال أبو عمرو بن العلاء: (لأنهم يتهوّدون، أي يتحركون عند قراءة التوارة).","vol":"1","page":277},{"text":"قلت: والراجح عندي ما جاء به النص، وهو قوله تعالى عنهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ فسمّوا بذلك لرجوعهم آنذاك وتوبتهم، ومثله قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ أي تابوا.\nوقوله: ﴿وَالنَّصَارَى﴾.\nجمع، واحدهم نَصْران، كما واحد السَّكارى سكران، ولكن اشتهر في كلام العرب في واحد \"النصارى\" نصْراني، وفيه أقوال:\n١ - قال ابن جريج: (إنما سُمّوا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها \"ناصرة\"). وقال قتادة: (إنما سُمّوا نصارى، لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى بن مريم، فهو اسم تسمَّوا به، ولم يُؤمروا به).\nقال الجوهري: (ونصران قرية بالشام ينسب إليها النصارى، ويقال ناصرة).\nوجاء في الإنجيل \"يسوع الناصري\" نسبة إلي ناصرة، لأنه رُبِّي بها ﵇.\n٢ - وقيل: سُمّوا بذلك لنصرة بعضهم بعضًا.\nقال ابن كثير: (فلما بعث عيسى ﵇ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم).\n٣ - وقيل: سمّوا بذلك لنصرتهم عيسى ﵊.\nوفي التنزيل: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقد يقال لهم: أنصار أيضًا. قال النسفي: (سموا نصارى لأنهم نصروا المسيح).\nقلت: والراجح عندي القول الأول، وإن كان القول الثالث يصدق عليهم أحيانًا، كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾، أي: ومن الذين ادّعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم ﵇ وينصرونه وليسوا كذلك.\nوقوله: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾.\nجمع صابئ، وهو المستحدث سِوى دينه دينًا، كالمرتد عن دينه من أهل الإسلام، والعرب تسمي كل خارج من دين كان عليه إلى آخر صابئًا، وقد اختلف في المقصود بهم على أقوال:\n١ - قال مجاهد: (الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى ولا دين لهم).","vol":"1","page":278},{"text":"وقال أيضًا: (الصابئون بين المجوس واليهود، لا تُؤكل ذبائحهم، ولا تُنكح نساؤهم).\nوعن ابن أبي نجيح: (﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ بين اليهود والمجوس، لا دين لهم).\nوقال ابن جريج: (قلت لعطاء: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾، زعموا أنها قبيلة من نحو السواد، ليسوا بمجوس ولا يهود ولا نصارى. قال: قد سمعنا ذلك، وقد قال المشركون للنبي - ﷺ -: قد صَبَأ).\nوقال ابن زيد: (الصابئون، أهل دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عملٌ ولا كتاب ولا نبي، إلا قول لا إله إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول الله، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي - ﷺ - وأصحابه: \"هؤلاء الصابئون\"، يشبهونهم بهم).\n٢ - قال قتادة: (الصابئون قوم يعبدون الملائكة، يُصلُّون إلى القبلة، ويقرؤون الزبور). وعن الحسن قال: حدثني زياد: (أن الصابئين يُصلون إلى القبلة، ويصلونَ الخمسَ. قال: فأراد أن يضَعَ عنهم الجزية. قال: فَخُبِّرَ بَعد أنهم يعبدون الملائكة).\nوقال أبو العالية: (الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. قال أبو جعفر الرازي: وبلغني أيضًا أن الصابئين قومٌ يعبدون الملائكة، ويقرؤون الزبور، ويصلون إلى القبلة).\n٣ - وعن سفيان قال: سئل السدّي عن الصابئين، فقال: (هم طائفة من أهل الكتاب). ولهذا قال أبو حنيفة: (لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم).\n٤ - وعن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: (إنهم كالمجوس).\n٥ - وقال الخليل: (هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مَهَبِّ الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇).\n٦ - وقال بعض العلماء: (الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي).\nقال القرطبي: (والذي تَحَصَّل من مذهبهم - فيما ذكره بعض العلماء - أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم، وأنها فعّالة، ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم).","vol":"1","page":279},{"text":"واختار الحافظ ابن كثير: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه. قال: (ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئ، أي إنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك).\nوقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك تفصيلًا جميلًا، فقال في كتابه - في الردّ على المنطقيين -: (إن حرّان كانت دار هؤلاء الصابئة، وفيها ولد إبرإهيم ﵇ \"أو انتقل إليها من العراق. على اختلاف القولين\" وكان بها هيكل العلة الأولى. هيكل العقل الأول، هيكل النفس الكلية، هيكل زحل. هيكل المشتري. هيكل المريخ، هيكل الشمس. وكذلك الزهرة وعطارد والقمر. وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم. ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين، حتى جاء الإسلام. ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت. ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها، أطباء وكتابًا، وبعضهم لم يُسلم. وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور النصرانية. وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي. وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء. فإن الصابئة نوعان: صابئة حنفاء موحّدون، وصابئة مشركون. فالأول هم الذين أثنى الله عليهم بهذه الآية. فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا. من هذه الملل الأربع: المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين. فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل، وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل. والصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين ملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل. وهذا بخلاف المجوس والمشركين، فإنه ليس فيهم مؤمن. فلهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]. فذكر الملل الست هؤلاء، وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيامة. لم يذكر في الست من كان مؤمنًا، وإنما ذكر في الأربعة فقط. ثم إن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين. والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين. وأما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئًا، ويؤمنون بأن الله محدِثٌ لهذا العالمَ، ويقرون بمعاد الأبدان، فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين أثنى الله عليهم. ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب يقرون بحدوثه. وكذلك المشركون من الهند. وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ظهر","vol":"1","page":280},{"text":"عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين، هو أرسطو) انتهى (١).\nوقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.\nأي: من صدّق وأقر بالبعث بعد الموت، ومضى في طاعة الله والتماس العمل الصالح ثابتًا على منهج الإيمان فلم يبدل ولم يغير حتى توفاه الله، فله ثواب عمله وأجره عند ربه.\nقال القاسمي: (قوله تعالى ﴿مَنْ آمَنَ﴾ من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، مصدقًا بقلبه بالمبدأِ والمعاد، عاملًا بمقتضى شرعه، وذلك كأهل الكتابين أو كان من الصابئة الموحدين. وذهب آخرون إلى أن معنى قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ من أحدث من هذه الطوائف، إيمانًا خالصًا بما ذكر. قالوا: لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإسلام. وأما بيان حال من مضى على دين آخر قبل انتساخه، فلا ملابسة له بالمقام، والصابئون ليس لهم دين يجوز رعايته في وقت من الأوقات).\nوجمع الضمير في قوله ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ وأفرد اللفظ في قوله ﴿آمَنَ﴾ لأن (مَنْ) يقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائز أن يرجع الضمير مفردًا ومثنّىً وجمعًا، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، ذكره القرطبي.\nوقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (ولا خوف عليهم فيما قدِموا عليه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعدّ الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده).\nوعن مجاهد قال: (سأل سلمانُ الفارسيّ النبي - ﷺ - عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم، قال: لم يموتوا على الإسلام. قال سلمان: فأظلمتْ عليّ الأرضُ، وذكرت اجتهادهم، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾. فدعا سلمان فقال: نزلت هذه الآية في أصحابك. ثم قال النبي - ﷺ -: من ماتَ على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي، فهو على خير، ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هَلك).\nوعن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ إلى قوله:\n_________\n(١) وانظر مزيدًا من التفصيل في تفسير القاسمي ج (١) ص (١٤٠ - ١٤٨).","vol":"1","page":281},{"text":"﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فأنزل الله تعالى بعد هذا ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].\nقلت: ولا تعارض بين القولين، فإن من مات على التوحيد من أهل الكتاب وكان على شريعة عيسى أو موسى ﵉ ولم يسمع بِمحمد - ﷺ - فإنه يدخل في مفهوم الآية الأولى - آية البقرة - ومن أدرك النبي - ﷺ - فلا ينجيه إلا الإيمان به والتزام شريعته فيكون داخلًا في الآية الثانية - آية آل عمران -.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار] (١).\nوكذلك روى مسلم من حديث أبي موسى أن رسول الله - ﷺ - قال: [ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وأدرك النبي - ﷺ - فآمن به واتَّبعَهُ وصَدَّقه فله أجران ..] الحديث (٢).\n٦٣ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يُذَكِّرُ ﷾ بني إسرائيل بالعهود والمواثيق التي أخذها عليهم من الإيمان به وحده واتباع رسله، وقد رفع الجبل فوق رؤوسهم ليقروا بالعهد والميثاق ويأخذوه بقوة وعزيمة، كما قال جل ثناؤه في آية الأعراف: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾. ثم إنهم أعرضوا بعد البرهان وأخذ الميثاق، ولولا رحمته تعالى وتفضله عليهم بالتوبة لهلكوا، والخطاب لأحفادهم ليسمعوا ويعتبروا.\nوالطور هو الجبل في كلام العرب، وقيل هو جبل بعينه، وهو الذي ناجى الله عليه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (١٥٣)، كتاب الإيمان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٥٤) - كتاب الإيمان، ورواه في كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها، عقب الحديث (١٣٦٥).","vol":"1","page":282},{"text":"موسى، وقيل هو من الجبال ما أنبت. فإلى أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - قال مجاهد: (أمر موسى قومَه أن يدخلوا الباب سُجَّدًا ويقولوا ﴿حِطَّةٌ﴾، وطُوطئ لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهِم، وقالوا: حِنْطة. فنتق فوقَهم الجبل -يقول: أخْرَجَ أصْلَ الجبل من الأرض فرفعَه فوقهم كالظُّلة- و﴿الطُّورَ﴾، بالسريانية، الجبل- تخويفًا، أو خوفًا، شك أبو عاصم، فدخلوا سجدًا على خوف، وأعينهم إلى الجبل. هو الجبل الذي تجلّى له ربّه).\nوقال مجاهد: (رفع الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمنُنَّ أو ليقعَنَّ عليكم. فآمنوا. والجبل بالسريانية ﴿الطُّورَ﴾).\nوقال قتادة: (الطورُ الجبل. اقتلعه الله فرفعه فوقهم، فقال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ فأقروا بذلك). وقال: (الطور الجبل، كانوا بأصله، فرُفع عليهم فوق رؤوسهم، فقال: لتأخُذُنَّ أمْري، أوْ لأرمِيَنَّكم به).\nوقال أبو العالية: (رفع فوقهم الجبل، يخوِّفهم به).\nوقال السدي: (لما قال الله لهم: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة. فأبوا أن يسجدوا، أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سُجدًا على شق، ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم فذلك قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور﴾).\n٢ - قال ابن جريج، قال ابن عباس: (الطور، الجبل الذي أنزلت عليه التوراة -يعني على موسى-، وكانت بنو إسرائيل أسفلَ منه. قال ابن جريج. وقال لي عطاء: رُفع الجبل على بني إسرائيل، فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم. فذلك قوله: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾).\n٣ - وقال الضحاك: قال ابن عباس: (الطور من الجبال ما أنبت، وما لم ينُبت فليس بطور).\nوقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.\nيعني: التوراة. وقوله ﴿بِقُوَّةٍ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: بطاعة. قال أبو العالية: (﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾، قال: بطاعة).","vol":"1","page":283},{"text":"التأويل الثاني: بجد. قال قتادة: (القوة: الجد، وإلا قذفته عليكم. قال: فأقروا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة).\nوقال السدي: (﴿بِقُوَّةٍ﴾، يعني: بجدّ واجتهاد).\nالتأويل الثالث: بعمل. قال مجاهد: (﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. قال: تعملوا بما فيه). وقال أيضًا: (بقوة: بعمل بما فيه).\nالتأويل الرابع: بصدق وحق. قال ابن زيد: (خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وحق).\nقلت: ولا شك أن القوة تشمل العمل بالطاعة بجد وعزيمة وصدق وحق.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾.\nقال الربيع: (يقول: اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به). قال: (أُمروا بما في التوراة).\nوقال ابن زيد: (اعملوا بما فيه بطاعة لله وصدق، وقال: اذكروا ما فيه، لا تنسوه ولا تُغفلوه).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾.\nقال ابن عباس: (تنزِعون عما أنتم عليه).\nقال ابن جرير: (يعني: واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد، وترغيب وترهيب، فاتلوه، واعتبروا به، وتدبّروه إذا فعلتم ذلك، كي تتقوا وتخافوا عقابي، بإصراركم على ضلالكم، فتنتهوا إلى طاعتي، وتنزعوا عما أنتم عليه من معصيتي).\nوقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.\nأي: أعرضتم. ومثل هذا التولي مذموم في القرآن:\nقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦].\nوقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥].\nوفي لغة العرب: \"ولّى فلان فلانًا دبره\" إذا استدبر عنه وخلّفه خلف ظهره.","vol":"1","page":284},{"text":"قال القرطبي: (وأصله الإعراض والإدبار عن الشي بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر والأديان والمعتقدات اتساعًا ومجازًا).\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.\nأي: من بعد البرهان، وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل، فنبذتموه وراء ظهوركم.\nوقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nأي: ولولا تفضّله سبحانه عليكم بالتوبة بعد نكثكم العهد وتجاوز ما كان منكم لهلكتم، والخطاب وإن كان لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله - ﷺ - من أهل الكتاب، فإنما هو خبر عن أسلافهم، ويحمل في ثناياه تهديدًا للسامعين إن مضوا على سنة آبائهم.\nوعن أبي العالية: (﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، قال: \"فضل الله\"، الإسلام، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾، القرآن).\n٦٥ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يُذَكِّرُ الله سبحانه اليهود ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله باحتيالهم على ما أمروا به من تعظيم السبت وترك الصيد فيه، فتحيّلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوه لها من الحبائل والشصوص والبرك قبل يوم السبت، ليجمعوها بعد انقضاء السبت بغيًا ولعبًا على الشرع والأمر. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله في صورة القردة، وجعلهم عبرة إلى يوم القيامة.\nقال الحافظ ابن كثير: (وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر، وليست بإنسان حقيقة. فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم).\nوقد ذكر الله سبحانه القصة أيضًا في سورة الأعراف حيث قال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ","vol":"1","page":285},{"text":"شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فإلى ذكر بعض أقوال المفسرين:\n١ - عن الضحاك، قال ابن عباس: (﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ يقول: ولقد عرفتم. وهذا تحذير لهم من المعصية. يقول: أحذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني، اعتدوا - يقول: اجترؤوا - في السبت. قال: لم يبعث الله نبيًّا إلا أمره بالجمعة، وأخبره بفضلها وعِظَمها في السماوات وعند الملائكة، وأن الساعة تقوم فيها. فمن اتبعَ الأنبياء فيما مضى، كما اتبعت أمةُ محمد - ﷺ - محمدًا، قبِل الجمعة وسَمع وأطاع، وعرف فصلها وثبت عليها، كما أمر الله تعالى به نبيّه - ﷺ -. ومن لم يفعل ذلك، كان بمنزلة الذين ذكر الله في كتابه فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وذلك أن اليهود قالت لموسى - حين أمرهم بالجمعة، وأخبرهم بفضلها -: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها، والسبت أفضل الأيام كلها، لأن الله خلق السماوات والأرض والأقوات في ستة أيام، وسَبَتَ له كل شيء مطيعًا يوم السبت، وكان آخر الستة؟ قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى بن مريم - حين أمرهم بالجمعة - قالوا له: كيف تأمُرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيِّدها، والأول أفضل، والله واحد، والواحد الأولى أفضل؟ فأوحى الله إلى عيسى: أن دعهم والأحدَ، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا.- مما أمرهم به. فلم يفعلوا، فقص الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم. قال: وكذلك قال الله لموسى - حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت -: أن دعهم والسبت، فلا يصيدوا فيه سمكًا ولا غَيره، ولا يعملون شيئًا كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء، فهو قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾، يقول: ظاهرة على الماء، ذلك لمعصيتهم موسى - وإذا كان غير يوم السبت، صارت صيدًا كسائر الأيام فهو قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله. فلما رأوها كذلك، طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة، فتناول بعضهم منها فلم تمتنع عليه، وحذِرَ العقوبَة التي حذّرهم موسى من الله تعالى. فلما رأوا أن العقوبة لا تحلّ بهم، عادوا، وأخبرَ بعضهم بعضًا بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء، فكثَّروا في ذلك، وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلًا. وهو قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ - يقول: لهؤلاء الذين صادوا السمك - فمسخهم الله قردة بِمعصيتهم).","vol":"1","page":286},{"text":"٢ - وعن عكرمة، قال ابن عباس. (وكانوا في قرية بينَ أيْلة والطور يقال لها: \"مَدْين\". فحرّم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدَها وأكلها. وكانوا إذا كان يومُ السبت أقبلت إليهم شُرَّعًا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن. قال: حتى إذا طال عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتان، عمد رجلٌ منهم فأخذ حوتًا سرًّا يوم السبت، فخرمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوْتَدَ له وتدًا في الساحل فأوثقه، ثم تركه، حتى إذا كان الغدُ، جاء فأخذه - أي: إني لم آخذه في يوم السبت - ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناسُ ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريحَ الحيتان! ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا سرًّا زمانًا طويلًا، لم يعجل الله عليهم بعقوبة، حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق. وقالت طائفة منهم من أهل البقية (١): ويحكم! اتقوا الله! ونَهَوْهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفةٌ أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لسخطنا أعمالهم - ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم، وفقدوا الناس فلا يَرونهم. فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنًا! فانظروا ما هو! فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوا ليلًا فغلّقوها على أنفسهم، كما يُغَلِّقُ الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: فلولا ما ذكر الله أنّه أنجى الذين نَهَوْا عن السوء، لقلنا أهلك الجميع منهم. قالوا: وهي القرية التي قال الله لمحمد - ﷺ -: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾).\n٣ - وقال قتادة: (أحلت لهم الحيتان، وحُرِّمت عليهم يوم السبت بلاءً من الله، ليعلمَ من يطيعه ممن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونْهى عن المعصية، وأما صنف فأمسك عن حُرْمة الله، وأما صنف فانتهك حُرْمَة الله ومرد على المعصية. فلما أبوا إلا الاعتداء إلى ما نهوا عنه، قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فصاروا قردة لها أذنابٌ، تَعاوى، بعد ما كانوا رجالًا ونساءً).\n٤ - وقال السدي - في الذين اعتدوا في السبت -: (فاشتهى بعضهم السمك، فجعل\n_________\n(١) هم أهل التمييز والفهم، يبقون على طاعة الله والتمسك بأمره.","vol":"1","page":287},{"text":"الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرًا إلى البحر. فإذا كان يومُ السبت فتح النهر، فأقبل الموجُ بالحيتان يضربُها حتى يلقيها في الحفيبرة. ويريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر. فيمكث فيها. فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه. فجعل الرجل يشوي السَّمك، فيجد جارُه ريحَه، فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جارُه).\nوقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.\nقال مجاهد: (صاغرين). وقال الربيع: (أي أذلة صاغرين). وقال الضحاك عن ابن عباس: (خاسئًا، يعني ذليلًا).\nوقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾.\nفيه قولان عن ابن عباس وثلاثة أقوال عن غيره:\n١ - عن الضحاك، عن ابن عباس: (﴿فَجَعَلْنَاهَا فجعلنا تلك العقوبة - وهي المَسخة - ﴿نَكَالًا﴾).\n٢ - عن ابن عباس: (﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾، يعني الحيتان).\n٣ - قيل: فجعلنا القرية التي اعتدى أهلها في السبت.\n٤ - قيل: فجعلنا القردة الذين مُسخوا ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.\n٥ - قيل: فجعلنا الأمة التي اعتدت في السبت ﴿نَكَالًا﴾.\nوكلها أقوال متقاربة تفيد الاعتبار بما نزل بهؤلاء القوم المكرة العصاة.\nوقوله: ﴿نَكَالًا﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: عقوبة).\nوقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.\nفيه تفاسير متقاربة:\n١ - عن ابن عباس: (﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ يقول: ليحذرَ مَنْ بعدهم عُقوبتي. ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ يقول: الذين كانوا بقُوا معهم).\nوقال الربيع: (﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾، لما خَلا لهم من الذنوب، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: عبرة لمن بقِيَ من الناس).\n٢ - قال ابن عباس: (﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، أي: من القُرَى).","vol":"1","page":288},{"text":"٣ - قال قتادة: (قال الله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ - من ذنوب القوم - ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾، أي: للحيتان التي أصابوا). وفي رواية: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾، من ذنوبها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من الحيتان). وقال مجاهد: (﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾، ما مضى من خطاياهم إلى أن هلكوا به).\nوقال: (يقول: ﴿بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ ما مضى من خطاياهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ خطاياهم التي هلكوا بها).\n٤ - وقال السدي: (أمّا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ فما سلف من عملهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾، فمن كان بعدهم من الأمم، أن يعصوا فيصنع الله بهم مثل ذلك).\n٥ - وقال ابن عباس: (يعني الحيتان، جعلها نكالًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، من الذنوب التي عملوا قبل الحيتان، وما عملوا بعد الحيتان. فذلك قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾).\nواختار ابن جرير في قوله \"نكالًا\" أنه عنى به العقوبة، والتأويل: (فجعلنا عقوبتنا لهم بالمسخ عقوبة لذنوبهم السالفة ولمن خلفهم ألا يعمل عملهم فيعاقب بمثل عقوبتهم).\nواختار ابن كثير أن الضمير في جعلناها عائد على القوية، أي فجعل الله هذه القرية، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾ أي: عاقبناهم عقوبة، فجعلناها عبرة، لما حولها من القرى.\nوهذا كما قال تعالى في آية الأحقاف: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وكما ذكر سبحانه في آية الرعد: ﴿وَلَا يَزَال الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ...﴾. وكما قال في آية الأنبياء: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..﴾.\nقلت: وكلا التأويلين منسجم مع السياق ما قبله وما بعده.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: وتذكرة وعبرة للمتقين).\nوقال: (يقول: للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون طاعتي). وقال: (﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى يوم القيامة). وقال قتادة: (﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: بعدهم). وقال","vol":"1","page":289},{"text":"السدي: (أما ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، فهم أمة محمد - ﷺ -). وقال الربيع: (فكانت موعظة للمتقين خاصة).\nو﴿وَمَوْعِظَةً﴾ وزنها مَفْعِلة، من الاتعاظ والانزجار. والوعظ: التخويف.\nقال الخليل: (الوعْظ: التذكير بالخير فيما يرق له القلب).\nولا شك أن اللفظ يعم كل متّق بعدهم إلى يوم القيامة.\nيروي ابن بطة بسند حسن عن محمد بن عمرو عن أبي مسلمة، عن أبي هريرة: [أنّ رسول الله - ﷺ - قال: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فَتَسْتَحِلّوا محارمَ الله بأدنى الحِيَل] (١).\nفائدة (١): لم يجعل الله لذلك المسخ من بني إسرائيل نسلًا.\nففي صحيح مسلم ومسند أحمد عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى لم يجعلْ لمسخٍ نسْلًا، ولا عَقِبًا، وقد كانت القِردة والخنازير قبلَ ذلك] (٢).\nفائدة (٢): هذه الأمة مهدّدة بمسخ إذا ظهرت فيها القيان والمعازف وشربت الخمور.\nفقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن عمران بن حصين، عن النبي - ﷺ - قال: [في هذه الأمة خسْفٌ، ومسْخٌ، وقذْف، إذا ظهرت القِيانُ والمعازِفُ، وشربت الخُمور] (٣).\n٦٧. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾.\nفي هذه الآية: ابتداء ذكر قصة البقرة التي أمِر بنو إسرائيل بذبحها والتي سميت بها هذه السورة.\n_________\n(١) إسناده حسن، رجاله ثقات، إلا أنه ليس على شرط الصحيح، لأن محمد بن عمرو روى له الشيخان متابعة، وهو حسن الحديث. انظر تفسير ابن كثير (٤٧٦) - تحقيق المهدي.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٦٣) - كتاب القدر، ح (٣٢)، وهو جزء من حديث طويل.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٢١٢)، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٨٠١).","vol":"1","page":290},{"text":"قال ابن جرير: (وهذه الآية مما وبّخ الله بها المخاطبين من بني إسرائيل، في نَقْض أوائلهم الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالطاعة لأنبيائه، فقال لهم: واذكروا أيضًا من نكْثكم ميثاقي، ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ - وقومه بنو إسرائيل، إذ ادّارؤوا في القتيل الذي قُتل فيهم إليه - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾).\nوقال ابن كثير: (يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصه على من قتله منهم).\nقال القرطبي: (البقرة اسم للأنثى، والثَّور اسم للذكر، مثل ناقة وجمل، وامرأة ورجل. وقيل: البقرة واحد البقر، الأنثى والذكر سواء. وأصله من قولك: بقَرَ بطنه، أي شقّه، فالبقرة تشق الأرض بالحرث وتثيره. ومنه الباقر لأبي جعفر محمد بن علي زين العابدين، لأنه بقَرَ العلم وعرف أصله، أي شقّه).\nوالقصة في ذلك - كما رواها ابن جرير - عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني قال: (كان في بني إسرائيل رجلُ عقيم - أو عاقر - قال: فقتله وليُّه، ثم احتمله فألقاه في سِبْط غير سبطه. قال: فوقع بينهم فيه الشر حتى أخذوا السلاح. قال: فقال أولوا النُّهى: أتقتتلون وفيكم رسول الله؟ قال: فأتوا نبي الله. فقال: اذبحوا بقرة).\nوعن أبي العالية قال: (كان رجل من بني إسرائيل، وكان في غنيًّا ولم يكن له ولد، وكان له قريبٌ وارثَه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى فقال له: إن قريبي قُتل وأُتي إليّ أمرٌ عظيم، وإني لا أجد أحدًا يبيّن لي مَنْ قتله غيرك يا نبي الله. قال: فنادى موسى في الناس: أنشُدُ الله مَنْ كان عنده من هذا علم إلا بيّنَه لنا. فلم يكن عندهم علمه. فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نبي الله، فاسأل لنا ربك أن يبيِّنَ لنا. فسأل ربه، فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فعجبوا وقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ - يعني: لا هَرمة - ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ - يعني ولا صغيرة - ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ - أي: نَصف، بين البكر والهرمة - ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي: صاف لونها - ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ - أي: تعجب الناظرين - ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ - أي: لم يُذللها العمل - ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ - يعني: ليست بذلول فتثير الأرض- ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ - يقول: ولا تعمل في الحَرْث -","vol":"1","page":291},{"text":"﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ - يعني مسلَّمة من العيوب - ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ - يقول: لا بياض فيها- ﴿قَالوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها، لكانت إياها، ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، لما هُدوا إليها أبدًا. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نُعِتَتْ لهم، إلا عند عجوز عندها يتامى، وهي القيِّمة عليهم. فلما علمت أنهم لا يَزْكو لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن. فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها. فقال لهم موسى: إن الله قد كان خفف عليكم فشدّدتم على أنفسكم، فأعطوا رضَاها وحُكمها. ففعلوا، واشتروها فذبحوها. فأمرهم موسى أن يأخذوا عَظْمًا منها فيضربُوا به القتيل. ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمّى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان. فأخذوا قاتله - وهو الذي كان أتى موسى فشكى إليه - فقتله الله على أسوأ عمله).\nوفي رواية السدي: (فقال: اذبحوها. فذبحوها فقال: اضربوه ببعضها. فضربوه بالبَضعةِ التي بين الكتفين، فعاشَ، فسألوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي، قال: أقتله، وآخُذ ماله، وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه).\nوفي رواية عبيدة السابقة: (فضُرب، فأخبرهم بقاتله. قال: ولم تؤخذ البقرةُ إلا بوزنها ذهبًا، قال: ولو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم. فلم يُورَّث قاتل بعد ذلك).\nوفي رواية للسدي فيها تفصيل، قال: (كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله. ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته. فأتاه الفتى وقد قدم تجّار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم، انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله. فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو! فلم يجده. فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي، فأدّوا إليّ دِيَتَه، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه، وينادي: واعمّاه. فرفعهم إلى موسى ﵇ فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه،","vol":"1","page":292},{"text":"فيؤخذ صاحب الجريمة، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحيي أن نُعَيَّر به، فذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فقال لهم موسى ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذبحوا بقرة. أتهزأ بنا! ﴿قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾).\nقال القرطبي: (في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد).\n٦٨ - ٧١. قوله تعالى: ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.\nفي هذه الآيات: وصف جدال بني إسرائيل موسى ﵇ في شأن البقرة، وتعقيد أمرها حتى قابلهم الله تعالى بتعقيد أشد في شأنها.\nقال ابن عباس: (لما قال لهم موسى: ﴿قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا له يتعنّتونه: ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾).\nفلما تكلفوا جهلًا منهم ما تكلفوا، وكانوا أظهروا لموسى من سوء الظن به بقولهم ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ عاقبهم الله سبحانه بحصر نوع خاص من البقر ليذبحوا منه واحدة، وما زالوا يسألونه دقائق من التفصيل وهو يحصرها لهم ويزيدهم بذلك عناء.\nفقال جل ذكره: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾.\nوقوله: ﴿لَا فَارِضٌ﴾ أي: لا مُسِنَّةٌ هرمة. من (فرضت البقرة تفرِضُ فُروضًا) إذا أسنَّتْ. فإلى أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - عن مجاهد: (﴿لَا فَارِضٌ﴾، قال: لا كبيرة).","vol":"1","page":293},{"text":"٢ - عن ابن عباس: (يقول: ليست بكبيرة هرمة). وقال: (الفارض: الهَرِمة).\n٣ - عن قتادة قال: (\"الفارض\" الهرمة. يقول: ليست بالهرمة ولا البكر، عَوانٌ بين ذلك).\n٤ - عن السدي: (\"الفارض\"، الهرمة التي لا تلد).\nوقوله: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾.\nأي: صغيرة. قال أبو جعفر: (و\"البِكرُ\" من إناث البهائم وبني آدم، ما لم يفتَحِلْه الفَحْل). قال مجاهد: (﴿وَلَا بِكْرٌ﴾، صغيرة. قال: \"البِكْر\"، الصغيرة).\nوقال ابن عباس: (ولا صغيرة ضعيفة). وقال السدي: (لم تلدْ إلا ولدًا واحدًا).\nوقوله: ﴿عَوَانٌ﴾.\nأي: بين الصغيرة والكبيرة. قال أبو جعفر: (\"العَوان\" النَّصَفُ التي قد ولدت بطنًا بعد بطن، وليست بنعت للبكر). وقد تواترت أقوال المفسرين بنحو ذلك:\n١ - عن مجاهد: (﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، وسَطٌ، قد ولدت بطنًا أو بطنين).\nوقال: (\"العَوان\"، العانِسُ النَّصَف). وقال: (\"العوان\"، النَّصَف).\n٢ - عن عكرمة: (﴿عَوَانٌ﴾، قال: بين ذلك).\n٣ - عن ابن عباس: (﴿عَوَانٌ﴾، قال: بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما تكون من البقر والدواب، وأحسنُ ما تكون). وقال ابن زيد: (\"العوان\"، بين ذلك، ليست ببكر ولا كبيرة).\n٤ - عن خصيف، عن مجاهد: (﴿عَوَانٌ﴾، التي تُنْتج شيئًا بشرط أن تكون التي قد نُتِجَت بَكْرة أو بَكْرَتين). وقال السدي: (\"العوان\"، النصف التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولَدُها).\nوقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾.\nأي بين البكر والهرمة. قاله أبو العالية.\nوقوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾.\nتجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت.\nقال القرطبي ﵀: (وهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله","vol":"1","page":294},{"text":"الفقهاء، وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه، وعلى أن الأمر على الفَوْر، وهو مذهب أكثر الفقهاء أيضًا. ويدلّ على صحة ذلك أنه تعالى استقصرهم حين لم يبادروا إلى فِعْل ما أمِروا به فقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.\nالآية تشير إلى استمرار بني إسرائيل في التعنت وفلسفة الأمر الإلهي بدلًا من الاستسلام والمباشرة بالتنفيذ. و﴿مَا﴾ استفهام في محل رفع مبتدأ، و﴿لَوْنُهَا﴾ الخبر، والتقدير: أي شيء لونُها؟ واللون واحد الألوان.\nوفي قوله ﴿صَفْرَاءُ﴾ أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: سوداء شديدة السواد، قال الحسن: (﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، قال: سوداء شديدة السواد).\nالتأويل الثاني: صفراء القَرْن والظِّلف. فعن الحسن في قوله: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، قال: (كانت وحشية). وقال: (صفراء القَرن والظِّلف). وهو قول سعيد بن جبير.\nالتأويل الثالث: صفراء اللون. قال القرطبي: (جمهور المفسرين أنها صفراء اللون، من الصُّفرة المعووفة. قال مكيّ عن بعضهم: حتى القَرْن والظِّلف).\nقلت: والتأويل الثالث هو الراجح، فهو المشتهر عند العرب بالفقوع، وقد أكدّ الله سبحانه بذلك بقوله: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي: خالصًا لا لون فيها سوى لون جلدها. قال مجاهد: (لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم).\nوقوله: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال قتادة: (هي الصافي لونها). وقال أبو العالية: (أي صاف لونها).\n٢ - قال السدي: (نَقِيٌّ لونها).\n٣ - قال ابن عباس: (شديدة الصفرة، تكاد من صُفرتها تبيضُّ).\n٤ - وقال عطية العوفي: (تكاد تسود من صفرتها).","vol":"1","page":295},{"text":"وقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.\nأي: تعجبهم. يعني تعجب الناظر إليها في حُسن خَلقها ومَنْظرها وهيئتها.\nقال وهب: (إذا نظرت إليها يخيَّل إليك أنّ شُعاع الشمس يخرج من جلدها). وقال قتادة والسدي: (أي تعجب الناظرين).\nوقوله تعالى: ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.\nفقد سألوا سؤالًا رابعًا، ولم يمتثلوا الأمر بعد البيان، وتشدّدوا فشدّد الله عليهم. ولذلك حذر الله ورسوله المؤمنين من أمة محمد - ﷺ - من اتباع طريقة اليهود مع أنبيائهم.\nفقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].\nقال ابن كثير: (ولهذا قال: \"رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر\". وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي - ﷺ - أو يوصِلوه أذىً) (١).\nقلت: وفي هذه الأمة تقليد مقيت لأهل الكتاب حذّر منه النبي - ﷺ - بقوله: [لتتبعن سُنَنَ الذين من قبلكم، شِبرًا بشبر، أو ذِراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحْرَ ضَبٍّ لسلكتموه، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فَمَنْ؟] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثره سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منْه ما استطعتم، وإذا لهيتكم عن شيء فدعوه] (٣).\nقال المناوي: (أي اتركوني من السؤال ﴿مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ أي مدة تركي إياكم من الأمر بالشيء والنهي عنه، فلا تتعرضوا لي بكثرة البحث عما لا يعنيكم في دينكم مهما أنا\n_________\n(١) تفسير ابن كثير. سورة الصف. آية ٦١.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٥٦)، و(٧٣٢٠)، وأخرجه مسلم (٢٦٦٩) - كتاب العلم.\nوأخرجه أحمد وغيره من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(٣) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (١٣٣٧) - كتاب الحج. ورواه بعض أهل السنن. انظر صحيح الجامع (٣٤٢٤).","vol":"1","page":296},{"text":"تارككم لا أقول لكم شيئًا، فقد يوافق ذلك إلزامًا وتشديدًا، وخذوا بظاهر ما أمرتكم ولا تستكشفوا كما فعل أهل الكتاب ..).\nفهؤلاء اليهود تابعوا في التنطع والسؤال عن تفاصيل ودقائق من الأمر كان أولى بهم أن لا يخوضوا بها.\nقال ابن عباس: (لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، لكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم).\nوقال عبيدة: (لو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم).\nوقال عكرمة: (ولولا قولهم: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، لما وجدوها).\nوقال أبو العالية: (ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، لما هُدوا إليها أبدًا).\nوقوله: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ - يعني التبس علينا لكثرته.\nقال النسفي: (إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا).\nوقوله: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.\nأي لمعرفتها بنعتها.\nقال القرطبي: (استثناء منهم، وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابةٌ ما وانقياد، ودليل ندم على عدم موافقة الأمر).\nوقوله تعالى: ﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.\n﴿لَا ذَلُولٌ﴾ أي: لم يذللها العمل وإثارة الأرض بأظلافها، ولا سُني عليها الماءُ فيُسقى عليها الزرع.\nقال قتادة: (قوله: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾، يقول: صَعبة لم يُذِلها عملٌ). وقال السدي: (يقول: بقرة ليست بذَلول يُزْرع عليها، وليست تسقي الحرث). وقال أبو العالية: (﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾، أي لم يذللها العمل. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ يعني: ليست بذلول فتثير الأرض).\nوإثارة الأرض في لغة العرب قَلْبُها للزرع ولاستئناف العمل فيها.","vol":"1","page":297},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾.\nقال الربيع: (لا تعمل في الحرث).\nوقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. فيه أقوال متقاربة:\n١ - عن مجاهد: (يقول: مسلمة من الشِّيَة، و﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾، لا بياضَ فيها ولا سواد).\n٢ - عن قتادة: (أي مسلّمة من العيوب). وقال: (لا عيب فيها).\n٣ - عن ابن عباس: (لا عوار فيها).\nواختار ابن جرير قول ابن عباس وقتادة على قول مجاهد، وقال: (لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سِوى لون جلدها، لكان في قوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ مكتفى عن قوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾). وهو اختيار قوي ذهب إليه أيضًا ابن كثير والقرطبي.\nوقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.\nقال قتادة: (أي لا بياض فيها). وقال مجاهد: (أي لا بياض فيها ولا سواد). وقال عطية: (لونها واحد، ليس فيها سِوى لونها).\nوقال السدي: (﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ من بياض ولا سَواد ولا حمرة).\nوقال ابن زيد: (هي صفراء، ليس فيها بياض ولا سواد).\nوقوله: ﴿قَالوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.\nقال قتادة: (أي الآن بيَّنت لنا). وقال ابن زيد: (وقبل ذلك والله قد جاءهم بالحق).\nوقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.\nأي: قاموا بذبحها ولكنهم قاربوا أن لا يفعلوا.\nوفيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: كادوا أن يُضيعوا فرض الله عليهم بذبحها لغَلاء ثمنها.\nقال محمد بن كعب القرظي: (﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: من كثرة قيمتها).\nوفي لفظ: (لغلاء ثمنها). ونفى ذلك ابن كثير بحجة أن روايات غلاء ثمن البقرة لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل. وذكر رواية عن عكرمة قال: (ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير) وقال: إسنادها جيد.","vol":"1","page":298},{"text":"التأويل الثاني: كادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة بكشف القاتل. ذكره ابن جرير دون سند واختاره مع الذي قبله.\nالتأويل الثالث: بل أرادوا التعنت والتنطع ومخالفة الأمر.\nقال الضحاك، عن ابن عباس: (كادوا أن لا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها).\nواختاره الحافظ ابن كثير وقال: (يعني أنهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة، والأجوبة، والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذمّ لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها).\nقلت: والذي ذهب إليه ابن كثير ﵀ يتناسب مع حال بني إسرائيل وسلوكهم مع أنبيائهم، فإنهم كانوا يحبون الجدل والفلسفة للهروب من الأمر والتكليف. قال القرطبي: (وهذا إخبار عن تثبيطهم في ذبحها وقلة مبادرتهم إلى أمر الله).\nفائدة: في الآية دليل على جواز السَّلَم في الحيوان إذا حصرت صفاته وضبطت، وهو مذهب مالك والشافعي والأوزاعي. فإن الوصف الدقيق يقوم مقام التعيين. وفي الحديث: [لا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها]. وفي لفظ: [لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها] (١). فجعل النبي - ﷺ - الصفة تقوم مقام الرؤية. في حين ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز السَّلَم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله، والرأي الأول أرجح ويدعمه الدليل.\n٧٢ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.\nفي هذه الآيات: هذا الكلام مقدّم على أول القصة، وبسبب هذا القتل أمرهم الله بذبح البقرة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٢٤٠)، وأخرجه مسلم برقم (٣٣٨)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٤٠)، وغيرهم.","vol":"1","page":299},{"text":"فقوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.\nيعني: فاختلفتم وتنازعتم. قال البخاري: (﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾: اختلفتم).\nوقال مجاهد: (اختلفتم فيها). وقال الضحاك: (اختصمتم فيها). وقال ابن جريج: (قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه). وقال ابن زيد: (اختلفتم، وهو التنازع، تنازعوا فيه. قال: قال هؤلاء: أنتم قتلتموه، وقال هؤلاء: لا).\nقال ابن جرير: (وإنما أصل ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ فتدارأتم، ولكن التاء قريبة من مخرج الدال. قال: فأدغمت التاء في الدال، فجعلت دالًا مشددة).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\nأي: مظهر ما كنتم تُسِرّون.\nقال مجاهد: (ما كنتم تُغَيِّبُون). والمقصود معرفة القاتل.\nوقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾.\nأي اضربوا القتيل ببعض البقرة التي أمرتم بذبحها. وفيه أكثر من تأويل:\n١ - ضُرب بفخذ البقرة. قال مجاهد: (ضُرِبَ بفخذ البقرة فقام حيًّا فقال: قتلني فلانٌ. ثم عاد في ميتته). وقال قتادة: (ذُكرَ لنا أنهم ضربوه بفخذها، فأحياه الله فأنبأ بقاتله الذي قتله، وتكلم ثم مات).\n٢ - ضُرب بالبَضْعَة التي بين الكتفين. قال السدي: (فضربوه بالبَضْعَة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه: من قتلك؟ فقال: لهم. ابن أخي).\n٣ - ضُرب بعظم من عظامها. قال أبو العالية: (أمرهم موسى أن يأخذوا عَظْمًا منها فيضربوا به القتيل. ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمّى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان. فأخِذ قاتله، وهو الذي أتى موسى فشكا إليه، فقتله الله على أسوأِ عمله).\n٤ - ضُرب ببعض آرابها. قال ابن زيد: (ضربوا الميت ببعض آرابها فإذا هو قاعد - قالوا: من قتلك؟ قال: ابن أخي. قال: وكان قتله وطرحه على ذلك السِّبط، أراد أن يأخذ دِيَته).\nقلت: ولا شك أنه لا دلالة في الآية أو بخبر تقوم به الحجة على ترجيح قول على قول، وإنما الأمر يبقى على إطلاقه، وهو ضرب الميت ببعض أجزاء البقرة ليحيا المقتول بإذن الله فيُعَيِّن قاتله.","vol":"1","page":300},{"text":"وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ - أي فضربوه فحيي.\nوالآية رد على مشركي العرب المكذبين بالبعث بعد الموت، فجعل سبحانه إحياء القتيل حجة على المعاد، إذ كانوا يعلمون ذلك من علم بني إسرائيل وكتبهم رغم العناد.\nوقوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\nقال القاسمي: (لتكونوا برؤية تلك الآيات على رجاء من أن يحصل لكم عقل، فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره، مما تخبر به الرسل عن الله تعالى).\nفائدة: استدل الإمام مالك ﵀ بالآية السابقة على صحة القول بالقَسَامة بقول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني لوثًا. والمقصود باللوث: أمارة تغلب على الظن صدق مدعي القتل، كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل. أو يرى المقتول يتشحط بدمه، والمتهم نحوه أو قربه عليه آثار القتل - ذكره القرطبي -. وقال الذين ذهبوا مذهب مالك أن القتيل - في القصة السابقة - لما حَيِي سُئِل عمن قتله فقال: فلان قتلني. فكان ذلك مقبولًا منه، لأنه لا يخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يُتَّهَمُ والحالة هذه.\nورجّحوا ذلك بما جاء في الصحيحين عن أنس: [أن يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان أو فلان؟ حتى سُمي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمر به النبي - ﷺ - فرُضَّ رأسه بالحجارة] (١).\n٧٤. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.\nفي هذه الآية: المقصود كفار بني إسرائيل الذين شاهدوا من آيات الله العظيمة ما يُليِّن القلوب ويُثَبِّت الإيمان، ومن ذلك إحياؤه تعالى الموتى وتكلمهم بإذن الله، ثم مع ذلك قست قلوبهم أي جَفَّت وغلظت وعَسَتْ. والقسوة الصلابة والشدة واليُبْس، وقلوب العباد في ليتها وقسوتها أنواع.\n_________\n(١) متفق عليه. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٦٨٧٦)، وصحيح مسلم (١٦٧٢).","vol":"1","page":301},{"text":"قال قتادة: (﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، يقول: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، وبعد ما أراهم من أمر القتيل - ما أراهم، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾).\nوقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾.\nأي: لا تلين أبدًا، ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ من الحجارة، وذلك بالعطف على معنى الكاف. أو على معنى تكرير ﴿هِيَ﴾ عليه، والتقدير: فهي كالحجارة، أو هي أشد قسوة من الحجارة -ذكره ابن جرير-.\nقال ابن كثير: (ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾).\nوفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن قلوبَ بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد، يصرِّفه حيث شاء] (١).\nوفي المسند أيضًا عن عائشة - ﵂ - قالت: [دعوات كان رسول الله - ﷺ - يُكْثِرُ أن يدعوَ بها: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: فقلت: يا رسول الله! إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء. فقال: إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله ﷿ فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه] (٢).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.\nقال القاسمي: (بيان لأشدية قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر بالعظات والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور، يعني أن الحجارة ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياه العظيمة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ أي: يتشقق ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ أي العيون التي هي دون الأنهار ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: يتردّى من رأس الجبل من خشية الله، انقيادًا لما سخره له من الميل إلى المركز بالسلاسة، قاله القاشاني).\nوذكر ابن جرير بسنده عن مجاهد قال: (كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقّق عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٥١)، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٥١)، ورواه أحمد.\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٢/ ١٦٨)، (٢/ ١٧٣)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٨٩).","vol":"1","page":302},{"text":"ماء، أو يتردَّى من رأس جبل، فهو من خشية الله ﷿، نزل بذلك القرآن).\nوقال قتادة: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، ثم عَذَرَ الحجارة ولم يعذِر شقيَّ ابن آدم. فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾)\nوقال ابن جريجٍ: (كل حجر انفجر من ماء، أو تشقق عن ماء، أو تردّى من جبل، فمن خشية الله. نزل به القرآن).\nوقد اختلف في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله على أقوال:\nالقول الأول: قيل إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيُّؤ ظلاله.\nالقول الثاني: قيل بل ذلك الجبل الذي صار دكًّا إذ تجلّى له ربه.\nالقول الثالث: قيل ذلك كان منه ويكون، بأن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم، فعقل طاعة الله فأطاعه، كحنين الجذع إلى النبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه.\nالقول الرابع: قيل بل المراد أنه من عظم أمر الله، يرى كأنه هابط خاشع. فقوله: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، ولا إرادة له. وكقول جرير بن عطية:\nلما أتى خبرُ الرسول تَضَعْضَعَت ... سُور المدينة والجبال الخشَّعُ\nالقول الخامس: قيل بل معنى قوله ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، أي: يُوجب الخشية لغيره.\nالقول السادس: قيل: هو سقوط البَرَد من السحاب. ذكره أبو علي الجُنائي، واستبعده القاضي الباقلاني.\nالقول السابع: قيل بل هو بكاء القلب من غير دموع العين. واستبعده الرازي والقرطبي.\nقلت: وقد ثبت في التنزيل خشية الجمادات من عظمة الله سبحانه وشرعه وأمره مما يكون تفسيرًا للآية السابقة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، ومن ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].","vol":"1","page":303},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].\n٣ - وقال جل ثناؤه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].\n٤ - وقال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢].\n٥ - وقال جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].\n٦ - وقال ﷿: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].\n٧ - وقال تعالى: ﴿وَقَالوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].\nوكذلك فقد حفلت السنة الصحيحة بتحرك الحجر أو الشجر من خشية الله وتعظيم أمره مما شاهده النبي - ﷺ - والمسلمون، وإن كانت الآية تبقى عامة حتى فيما لم يشاهد.\nوتفصيل ذلك:\n١ - يروي البخاري وأحمد - واللفظ له - عن جابر قال: [كان رسول الله - ﷺ - يقوم في أصل شجرة أو قال إلى جذع ثم اتخذ منبرًا. قال: فحَنَّ الجذع. قال جابر: حتى سمعه أهل المسجد حتى أتاه رسول الله - ﷺ - فمسحه فسكن. فقال بعضهم: لو لم يأته لحنّ أبدًا إلى يوم القيامة] (١).\n٢ - يروي الإمام مسلما في صحيحه عن جابر بن سَمُرَة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إني لأعْرف حجرًا بمكة كان يُسَلِّم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعْرِفُهُ الآن] (٢).\n٣ - وفي سنن ابن ماجة والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [ليأتِيَنَّ هذا الحجر يوم القيامة له عينان يُبصر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد على من استلمه بحق] \" (٣). وقوله: \"هذا الحجر\" يعني الحجر الأسود.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩١١٨)، وأحمد (٣/ ٣٠٦)، وغيرهما.\n(٢) صحيح مسلم (٢٢٧٨) - كتاب الفضائل. \"باب تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق\".\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي، في السنن وابن ماجة (٢٩٤٤)، والبيهقي. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٣٨٢). وانظر رسالتي: \"الحج والعمرة\" (٢٧).","vol":"1","page":304},{"text":"٤ - وفي صحيح مسلم من حديث أنس قال: [فكنت أخدُمُ رسول الله - ﷺ - كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقبل، حتى إذا بدا له أحُدٌ قال: هذا جبل يُحبنا ونحِبُّه] (١).\n٥ - أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أنس قال: [جاء جبريل ﵇ ذات يوم إلى رسول الله - ﷺ - وهو جالس حزين قد خُضِّبَ بالدماء، قد ضربَهُ أهل مكة، فقال: مالك؟ قال: فعل بي هؤلاء وفعلوا. قال: أتحبُّ أن أرِيكَ آية؟ قال: نعم أرني، فنظر إلى شجرة من وراء الوادي قال: ادْعُ تلك الشجرة، فدعاها فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. قال: قل لها فلترجع فقال لها، فرجعت حتى عادت إلى مكانها، فقال رسول الله - ﷺ - حَسْبي] (٢).\n٦ - أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [المؤذن يُغفر له مدى صوتِه، ويشهد له كلُّ رطب ويابس ..] الحديث (٣).\nوقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nالخطاب للمكذبين بالقرآن، والجاحدين نبوة محمد ﵊، من بني إسرائيل وأحبار اليهود. قال ابن جرير: (فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساه عنها، بل هو لها مُحْصٍ، ولها حافظ).\nوفي التنزيل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة].\n٧٥ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٦٥) - كتاب الحج، ورواه البخاري.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٠٢٨) - كتاب الفتن. انظر صحيح ابن ماجة (٣٢٥٤).\n(٣) حسن صحيح. انظر صحيح أبي داود (٥٢٨)، وصحيح سنن ابن ماجة (٥٩٢)، ورواه أحمد.","vol":"1","page":305},{"text":"لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.\nفي هذه الآياتِ: الخطاب لأصحاب محمد - ﷺ -، يا أصحاب محمد! أفترجون أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل ويتابعوا نبيكم ويحتكموا لقرآنكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يغيرونه من بعد ما فهموه وهم يعلمون أنهم مفترون. وإذا لقي منافقو اليهود أصحاب محمد قالوا آمنا، وإذا رجع بعضهم إلى بعض قالوا أتكشفون لهؤلاء صفة نبيهم في التوراة ليخاصموكم عند ربكم أفلا تعقلون، أولا يعلم هؤلاء المنافقود أنّ الله يعلم سرهم ونجواهم ويعلم ما يكسبون.\nقال الربيع: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، يعني أصحاب محمدٍ - ﷺ -، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، يقول: أفتطمعون أن يؤمن لكم اليهود).\nوقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.\nيعني من بني إسرائيل - إشارة إلى الآباء - إذا هم فرع عنهم باتباع منهاجهم في التكذيب.\nوقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال مجاهد: (فالذيق يحرِّفونه، والذين يكتمونه، هم العلماء منهم).\n٢ - قال السدي: (هي التوراة، حرَّفوها).\n٣ - قال ابن زيد: (التوراة التي أنزلها عليهم، يحرِّفونها، يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرامَ فيها حلالا، والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المُحِقّ برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محقّ. وإذا جاء أحد يسألهم شيئًا لس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾).\n٤ - قال أبو العالية: (عمدوا إلى ما أنزل الله في نص كتابهم، من نعت محمد - ﷺ -، فحرفوه عن مواضعه).","vol":"1","page":306},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا﴾.\nفيه قولان:\n١ - قال ابن عباس: (وذلك أن نفرًا من اليهود كانوا إذا لقوا محمدًا - ﷺ - قالوا: ﴿آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾).\nوفي قول آخر له في الآية قال: (يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد - ﷺ - قالوا: آمنا).\n٢ - قال السدي: (﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا ...﴾ الآية، قال: هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا).\nوروي نحوه عن ابن عباس: (﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا ...﴾ الآية، قال: هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا).\nوقوله: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾.\nالمقصود: إذا خلا بعض هؤلاء اليهود الموصوفين آنفًا إلى بعض منهم.\nوقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.\nفيه أكثر من تأويل:\n١ - عن الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: بما أمركم الله به. فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم ونضحك).\n٢ - عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا﴾، أي: بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضُهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، أي: تُقِرُّون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخِذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا؟ اجحدوه ولا تقروا لهم به. يقول الله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾).\nوقال أبو العالية: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، أي: بما أنزل الله عليكم في كتابكم من نعْت محمد - ﷺ -). وقال قتادة فيها: (أي: بما مَنَّ الله عليكم في (كتابكم من","vol":"1","page":307},{"text":"نعت محمد - ﷺ -، فإنكم إذا فعلتم ذلك احتجُّوا به عليكم، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n٣ - عن مجاهد: (﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قال: قولُ يهود بني قريظة، حين سبَّهم النبي - ﷺ - بأنهم إخوة القردة والخنازير، قالوا: من حدَّثك؟ - هذا - حين أرسل إليهم عليًّا فآذوا محمدًا، فقال: يا إخوةَ القردة والخنازير).\nوفي رواية أخرى، قال مجاهد: (قام النبي - ﷺ - يَوْمَ قُريظة تحت حُصونهم فقال: يا إخوانَ القردة، ويا إخوانَ الخنازير، ويا عبدةَ الطاغوت. فقالوا: من أخبر هذا محمدًا؟ ما خرج هذا إلا منكم! ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾! بما حكم الله، للفتح، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريجٍ، عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذوا محمدًا - ﷺ -).\n٤ - في السدي: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ - من العذاب - ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يُحَدِّثون المؤمنين من العرب بما عُذِّبوا به. فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أحبُّ إلى الله منكم، وأكرمُ على الله منكم؟).\n٥ - وقال الحسن البصري: (هؤلاء اليهود، فَإنوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بِما فتح الله عليكم مما في (كتابكم، فيحاجوكم به عند ربكم فيخصِموكم).\nقلت: وهي أقوال متقاربة تفيد أن اليهود كانوا يكتمون نَعْتَ رسول الله - ﷺ - في التوراة وأمر الله لهم باتباعه وتصديقه، وتاريخهم الحافل بالظلم والقتل والمعاصي والجحود والآثام، وما تبع ذلك من غضب الله عليهم.\nوقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\nقال أبو العالية: (يعني ما أَسَرُّوا من كفرهم بمحمد - ﷺ - وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم).\nوقال الحسن: (كان ما أسَرّوا أنهم كانوا إذا ما تولوا عن أصحاب محمد - ﷺ - وخلا بعضهم إلى بعض، تناهَوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد - ﷺ - بما فتح الله عليهم مما في (كتابهم، خشية أن يحاجَّهم أصحاب محمد - ﷺ - بما في (كتابهم عند ربهم. قال: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يعني: حين قالوا لأصحاب محمد - ﷺ -: آمنا).","vol":"1","page":308},{"text":"٧٨ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أن من اليهود من لا يحسن الكتابة، ولا يعلمون ما أنزل الله في التوراة من الأحكام والشرائع، وإنما هي أكاذيب يأخذونها عن رؤسائهم وكبرائهم يظنونها حقًّا وهي باطل. فويل للذين حرفوا التوراة واتبعوا أهواءهم وكتبوا كذبًا على الله بأيديهم.\nوالأميون: جمع أمي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة. قال إبراهيم النخعي: (منهم من لا يحسن أن يكتب). وقال أبو العالية: (يعني: من اليهود). وقال ابن زيد: (أميون لا يقرؤون الكتاب من اليهود). وقيل: (﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: من أهل الكتاب) ذكره مجاهد.\nقال ابن جرير: (وأرى أنه قيل للأمي \"أمي\" نسبة له بأنه لا يكتب إلى\"أمه\"، لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء، فنُسب من لا يكتب ولا يَخُطُّ من الرجال - إلى أمه - في جهله بالكتابة، دون أبيه).\nوفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"إنا أُمَّةٌ أُمِّيَةٌ، لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا - وعقد الإبهام في الثالثة - والشهر هكذا وهكذا وهكذا - يعني تمام الثلاثين] (١).\nوقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.\nفهم لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله عليهم ولا يدرون ما أودع الله فيه من الحدود والشرائع والأحكام.\nقال قتادة: (﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، يقول: لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٠٨٠) - كتاب الصيام. ورواه البخاري (١٩١٣) - كتاب الصوم - باب قول النبي - ﷺ -: \"لا نكْتُبُ ولا نَحْسُبُ\".","vol":"1","page":309},{"text":"إنما هم أمثال البهائم، لا يعلمون شيئًا). وقال ابن عباس: (لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله).\nقال أبو جعفر: (وإنما عنى بـ ﴿الْكِتَابَ﴾ التوراة، ولذلك أدخلت فيه \"الألف واللام\"؛ لأنه قصد به كتاب معروف بعينه).\nوقوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.\nأي: إلا أحاديث يتمنون فيها على الله ما ليس لهم. وقد جاءت أقوال المفسرين حول هذا المعنى، وتفصيل ذلك:\n١ - قال ابن عباس: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، يقول: إلا قولًا يقولونه بأفواههم كذبًا).\nوقال مجاهد: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ إلا كذبًا).\n٢ - قال قتادة: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، يقول: يتمنون على الله ما ليس لهم). وقال: (يتمنون على الله الباطل وما ليس لهم). وقال ابن عباس: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، يقول: إلا أحاديث). وقال أبو العالية: (يتمنون على الله ما ليس لهم).\nوقال مجاهد: (أناس من يهود، لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، يقولون: هو من الكتاب. أماني يتمنونها).\n٣ - قال ابن زيد: (تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم).\nواختار ابن جرير القول الأول.\nوقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.\nأي: يشكون.\nقال ابن عباس: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن). وقال مجاهد: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: يكذبون).\nوقال أبو العالية وقتادة: (يظنون الظنون بغير الحق).\nوقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ...﴾.\nقال الإمام البخاري ﵀ في كتابه خلق أفعال العباد: حَدثنا يحيى ثنا وكيع عن","vol":"1","page":310},{"text":"سفيان عن عبد الرحمن بن علقمة عن ابن عباس ﵄: [﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في أهل الكتاب] (١).\nوقوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾.\nقد اختلف فيه على أقوال:\n١ - قال ابن عباس: ﴿فَوَيْلٌ﴾، يقول: فالعذاب عليهم). وقال: (الويل: المشقة من العذاب).\n٢ - قال أبو عياض: (الوَيْلُ: ما يسيل من صديدٍ في أصل جهنم). وقال أيضًا: (صهريج في أصل جهنم، يسيل فيه صديدهم). وقال أيضًا: (الويل: وادٍ من صديد في جهنم).\n٣ - وقيل: الويل جبلٌ في النار. أو واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ إلى قعره. ولا يصح ما ذكر في ذلك مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\n٤ - قال الخليل: (الويل شدة الشر). وقال الأصمعي: (الويل تفجُّعٌ، والوَيْحُ ترحُّمٌ).\n٥ - قال ابن عرفة: (الويل: الحزن).\n٦ - قال سيبويه: (وَيْلٌ، لمن وقع في الهلكة، وَوَيحٌ زجرٌ لمن أشرف على الهلكة).\nقلت: والذي يجمع هذه الأقوال أن كلمة (ويل) هي كلمة عذاب وهلاك أوعد الله به من هددهم في كتابه. والعرب تقول وَيْلٌ لزيد وَوَيْلًا لزيد فالرفع على الابتداء والنَّصْب على إضمار الفعل، والتقدير: ألزمهم الله وَيْلًا.\nوقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.\nيقصد به: الذين حرَّفوا التوراة من يهود بني إسرائيل، وكتبوا كتابًا على ما تأَوَّلوه من تأويلاتهم وأهوائهم ثم باعوه من قوم جهال بعرض من الدنيا خسيس.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" ص (٥٤).","vol":"1","page":311},{"text":"فقد أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه، وتركوا التوراة] (١).\nوكذلك أخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية بسند صحيح عن خباب، عن النبي - ﷺ - قال: [إن بني إسرائيل لما هلكوا قصّوا] (٢).\nقال المناوي: (أي لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص، وعوّلوا عليها، واكتفوا بها).\nوقال الألباني: (ولينظر المؤمن العاقل في حال كثير من المسلمين اليوم، فقد أصابهم ما أصاب من قبلهم، فقد أخلد وعاظهم إلى القصص، وأعرضوا عن العلم النافع والعمل الصالح، مصداقًا لقوله ﵇: (لتتبعن سنن من كان قبلكم ..]).\nوأما أقوال المفسرين في هذه الآية فمتشابهة. فإلى شيء من تفصيلها:\n١ - قال السدي: (كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنًا قليلًا).\n٢ - قال ابن عباس: (الأميون قوم لم يصدِّقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سِفْلة جُهّال: هذا من عند الله، . قال: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: عَرَضًا من عَرَضِ الدنيا).\n٣ - قال مجاهد: (هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله، ثم يحرّفونه).\n٤ - قال قتادة: (وهم اليهود. كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابًا بأيديهم، ليتأكّلُوا الناس، فقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله).\n٥ - قال أبو العالية: (عَمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نَعْت محمد - ﷺ - فحرّفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عَرَضًا من عرض الدنيا، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.\nوقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.\nأي: العذاب في جهنم لأولئك اليهود الذين حرّفوا الكتاب كلام الله.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني بإسناد حسن. انظر صحيح الجامع (٢٠٤٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (رقم - ٣٧٠٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٦٢)، وانظر صحيح الجامع (٢٠٤١)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦١٨).","vol":"1","page":312},{"text":"وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. قال أبو العالية: (يعني: من الخطيئة).\nوقال ابن عباس: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، يقول: فالعذاب عليهم. قال يقول: من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب\"، يقول: مما يأكلون به من السِّفْلة وغيرهم ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.\nقلت: وفيه تحذير لهذه الأمة من سؤال اليهود أو اعتماد ما في كتابهم المحرّف وقد أبدل الله هذه الأمة بالقرآن وحفظ تفسيره وفهمه إلى يوم القيامة.\nقال الزهري: (أخبرني عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على نبيه أحدثُ أخبار الله، تقرؤونه محضًا لم يُشَبْ؟ وقد حدَّثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أُنزل إليكم) (١).\n٨٠ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾\nفي هذه الآياتِ: يخبر تعالى عن اليهود فيما ادعوه من النجاة من النار بعد أن تلاقي أجسامهم أيامًا معدودة لا تزيد عن أربعين يومًا، فطالبهم سبحانه بإخراج وثيقة الضمان وإلا فهم كاذبون. بلى من كان على الشرك والتكذيب بالنبوة ومات على ذلك فالنار موعده خالدًا فيها. وأما المؤمنون أهل العمل الصالح فهم أصحاب الخلود في الجنان.\nفإلى تفصيل ذلك من أقوال أئمة التفسير:\n_________\n(١) رواه البخاري من طرق عن الزهري. وانظر تفسير ابن كثير، سورة البقرة آية ٧٨ - ٧٩.","vol":"1","page":313},{"text":"١ - قال ابن عباس: ﴿وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، قال ذلك أعداء الله اليهود، قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا تحلّة القسم، الأيامَ التي أصبنا فيها العجلَ: أربعين يومًا، فإذا انقضت عنّا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب والقسم).\n٢ - قال السدي: (قالت اليهود: إن الله يُدْخلنا النار فنمكث فيها أربعين ليلة، حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقتنا، نادى منادٍ: أخرجوا كُلَّ مختون من ولد بني إسرائيل.\nفلذلك أمِرنا أن نختن. قالوا: فلا يَدَعون منا في النار أحدًا إلا أخرجوه).\n٣ - قال أبو العالية: (قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا، فأقسم ليعذِّبنا أربعين ليلة، ثم يخرجنا. فأكذبهم الله).\n٤ - قال قتادة: (قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم، عدد الأيام التي عَبَدْنا فيها العجل).\n٥ - قال الضحاك: قال ابن عباس: (زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي ثابتة في أصل الجحيم. وقال أعداء الله: إنما نعذَّب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتَهْلِك. فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.\nفي حين خفّض آخرون من يهود المكر والكفر مكوثهم في جهنم إلى سبعة أيام، كما:\n٦ - قال مجاهد: (كانت اليهود تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذَّب مكان كل ألف سنة يومًا). قال: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة من الدهر. وسمّوا عِدّة سبعة آلاف سنة، من كل ألف سنة يومًا).\n٧ - وقال ابن عباس: (قدم رسول الله - ﷺ - المدينةَ، ويهودُ تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يُعَذَّبُ الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا، يومًا واحدًا في النار من أيام الآخرة، فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب. فأنزل الله ﷿ في ذلك من قولهم: ﴿وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية).\nوقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nالتأويل: قل يا محمد لمعشر اليهود الذين يزعمون أنهم ناجون من النار بعد عدة","vol":"1","page":314},{"text":"أيام، أأخذتم بهذا من الله ميثاقًا وعقدًا والله لا يخلف ميثاقه ولا ينقض عهده وعقده، أم تجترئون بالباطل على ربكم؟ !\nوقد جاءت أقوال أهل التفسير على ذلك:\n١ - قال ابن عباس: (لما قالت اليهود ما قالت، قال الله جل ثناؤه لمحمد، قل: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، يقول: أدَّخرتم عند الله عهدًا؟ يقول: أقلتم لا إله إلا الله، لم تشركوا ولم تكفروا به؛ فإن كنتم قُلتموها فأرجوا بها، وإن كنتم لم تقولوها، فلم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ يقول: لو كنتم قلتم لا إله إلا الله، ولم تشركوا به شيئًا، ثم مُتُّم على ذلك، لكان لكم ذُخْرًا عندي، ولم أخلفْ وعدي لكم: أنَّي أجازيكم بها).\n٢ - قال مجاهد: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، أي: مَوْثِقًا من الله بذلك أنه كما تقولن).\n٣ - قال قتادة: (قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تَحِلَّة القسم، عدَّةَ الأيام التي عبدنا فيها العجل، فقال الله: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، بهذا الذي تقولونه؟ ألكم بهذا حُجَّة وبرهان؟ فلن يُخلف الله عهده، فهاتوا حجتكم وبرهانكم، أم تقولون على الله ما لا تعلمون).\n٤ - قال السدي: (لما قالت اليهود ما قالت: قال الله ﷿: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ وقال في مكانٍ آخر: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، ثم أخبر الخبر فقال: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.\nوقوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.\nتكذيبٌ لليهود بما زعموا، وتأكيد لمنهج النجاة في الآخرة: لا إله إلا الله، ووعيد للآثمين المعاندين لله ورسله بالخلود في النار.\nقال ابن عباس: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط كُفره بما لهُ من حسنة، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).","vol":"1","page":315},{"text":"وأما السيئة التي ذكرت في النص فلها تأويلان:\n١ - التأويل الأول: السيئة بمعنى الشرك.\nقال قتادة: (أما السيئة فالشرك). وقال مجاهد: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: شركًا).\n٢ - التأويل الثاني: السيئة بمعنى الكبيرة من الذنوب.\nقال السدي: (أما السيئة: فهي الذنوب التي وعد عليها النار).\nوقال الحسن: (السيئة: الكبيرة من الكبائر).\nفائدة: أمّا ﴿بَلَى﴾ فهي إقرار في كل كلام في أوله جَحْد، كما \"نعم\" إقرار في الاستفهام الذي لا جحد فيه. وأصلها \"بل\" التي هي رجوع عن الجحد المحض نحو قولك: \"ما قام عمرو بَلْ زيد\". فزيدت فيها الياء لِيَصلح عليها الوقوف. فتصير \"بلى\" رجوعًا عن الجحد فقط، وإقرارًا بالفعل الذي بعد الجحد. قال ابن جرير: (فدلّت \"الياء\" منها على معنى الإقرار والإنعام. ودل لفظ \"بل\" على الرجوع عن الجحد).\nوقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.\nالتأويل: اجتمعت عليه تلك الخطيئة فمات عليها ولم يتدارك نفسه بالتوبة والإنابة.\nوقد جاءت أقوال المفسرين على ذلك:\n١ - قال ابن عباس: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: يحيط كفرُه بما له من حسنة).\n٢ - قال مجاهد: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: ما أوجب الله فيه النار).\n٣ - قال الضحاك: (مات بذنبه). وقال الربيع: (مات عليها). وقال: (هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب).\n٤ - قال قتادة: (أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة).\n٥ - قال الحسن: (كل آية وعد الله عليها النار، فهي الخطيئة).\n٦ - قال السدي: (فمات، ولم يتب).\n٧ - قال ابن جريجٍ: قلت لعطاء: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، قال: الشرك، ثم تلا ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.","vol":"1","page":316},{"text":"أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [إياكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنَه، كرجُل كان بأرضٍ فلاةٍ فحضر صنيعُ القوم، فجعل الرجل يجيءُ بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا من ذلك سَوادًا وأجَّجُوا نارًا فأنضجوا ما فيها] (١).\nوله شاهد عندهما وعند البيهقي من حديث سهل بن سعد ﵁ بلفظ: \"إياكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنما مثلُ محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعُود، وجاء ذا بعودٍ، حتى حملوا ما أنضَجُوا به خبزهم، وإن محقّرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه] (٢).\nوقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nالتأويل: لقد صار هؤلاء الذين آثروا ما يسخط الله من القول والعمل على ما يحبّ أصحابًا للنار لملازمتهم لأعمال أهلها الذين سيقيمون فيها.\nقال ابن عباس: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: خالدون أبدًا). وقال السدي: (لا يخرجون منها أبدًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجَنَّة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير - والشرِّ مقيم على أهله أبدًا، لا انقطاع له أبدًا). ولا شك أن أول من خوطب بهذه الآية هو النبي - ﷺ - وأصحابه.\nوفي الصحيحين والمسند وبعض السنن عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا دخل أهل الجَنَّة الجَنَّة، وأهل النار النار، يُجاء بالموت كأنه كبش أملحُ، فيوقف بين الجَنَّة والنار، فيقال: يا أهل الجَنَّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئِبُّون، فينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، فينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيؤمر به\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، وأخرجه الطبراني (١٠٥٠٠). وانظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٢٦٨٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد والطبراني والبيهقي من حديث سهل بن سعد. انظر مسند أحمد (٥/ ٣٣١) والطبراني في الصغير (٩٠٤)، والمرجع السابق (٢٦٨٣).","vol":"1","page":317},{"text":"فيذبح، ويقال: يا أهل الجَنَّة خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت\" (١).\n٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.\nفي هذه الآية: ذكر الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل أن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والقرابة والأرحام واليتامى والمساكين ويتخيروا القول الحسن لسائر الناس، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فما وفى منهم إلا قليل.\nوالميثاق مِفْعال من التوثّق وتأكيد القول بيمين ونحوه، والمعنى: واذكروا أيضًا يا معشر بني إسرائيل إذ أخذنا ميثاقكم أن تخلصوا العبادة لله وحده، ولا تشركوا به شيئًا. فهذا حق الله سبحانه عليكم وعلى جميع العباد كما قال جل ذكره في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.\nوكذلك في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ....﴾.\nثم عطف على أعلى الحقوق وأعظمها - وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له - حق الوالدين وذوي القربى ثم اليتامى والمساكين، كما قال جل ذكره في سورة لقمان: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. وكذلك في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ....﴾.\nويشمل حق الوالدين فعل المعروف لهما، والقول الجميل، وخفض جناح الذّلّ رحمةً بهما، والتحنُّن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء بالخير لهما، ونحو ذلك مما هو فيه شريعة الرسل جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁: [قلت: يا رسول الله، أي العمل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٦٥٤٤)، (٦٣٤٨) - كتاب الرقاق، وأخرجه مسلم (٢٨٤٩) - كتاب الجَنَّة ونعيمها. ح (٤٠)، ح (٤١)، ورواه أحمد.","vol":"1","page":318},{"text":"أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (١).\nوفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجلٌ إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، من أحقّ بِحُسْنِ صحابتي؟ قال: أُمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثمَّ أمُّكَ، قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ثمَّ أمُّكَ، قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ثم أبوك\" (٢).\nفائدة: قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قيل: خبرٌ بمعنى الطلب، وهو أَكد، حكاه الزمخشري. وقيل: أصله \"أن لا تعبدوا إِلَّا اللَّهَ\" كما بقراءة بعض السلف، فحذفت \"أن\" فارتفع. وقيل بل هو في قراءة أبيّ وابن مسعود: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وقيل ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مرفوع على أنه قسم، والتقدير: والله لا تعبدون إلا الله. ذكره القرطبي عن سيبويه.\nو﴿الْقُرْبَى﴾ بمعنى القرابة، وهو مصدر، والمعنى: وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم. و\"اليتامى\" جميع يتيم ويدخل في ذلك المذكور والإناث.\nقال القرطبي: (واليُتْم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم).\nو﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو المتخشِّع المتذلِّل من الفاقة والحاجة، والمَسْكَنَة هي ذُل الحاجة والفاقة. فيكون المعنى كما قال ابن جرير: (وبذي القربى: أنَّ تصلوا رحمه، وتعرفوا حقه، وباليتامى: أنْ تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة، وبالمساكين: أن تُؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم).\nوفي المسند وجامع الترمذي بسند جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: [تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر] (٣).\nوله شاهد عند الطبراني بسند صحيح من حديث عمرو بن سهل بلفظ: [صِلة القرابة\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٥٢٧) (٥٩٧٠) (٧٥٣٤)، وصحيح مسلم (٨٥).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٥٩٧١) - كتاب الأدب، وصحيح مسلم -حديث رقم- (٢٥٤٨) - كتاب البر والصلة والأدب.\n(٣) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٢/ ٣٧٤)، وجامع الترمذي (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٧٦).","vol":"1","page":319},{"text":"مثراةٌ في المال، محبَّةٌ في الأهل، منسأة في الأجل] (١).\nوفي الصحيحين عن زينبَ الثقفيَّة امرأةِ عبد الله بن مسعود ﵄ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [تصدَّقْنَ يا معشر النساء! ولو من حُلِيِّكُنَ. قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله - ﷺ - قد أمرنا بالصدقة، فائته فسله، فإن كان ذلك يُجْزي عني، وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد الله: بل ائتيه أنت فانطلقْتُ، فإذا امرأةٌ من الأنصار بباب رسول الله - ﷺ -، حاجتها حاجتي، وكان رسول الله - ﷺ - قد أُلقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسولَ الله - ﷺ - فأخبره أن امرأتين في الباب، يسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ ... فقال رسول الله - ﷺ -: لهما أجر القرابة وأجر الصدقة\" (٢).\nوفي المسند بسند صحيح عن سلمانَ بن عامرٍ ﵁، عن النبي - ﷺ -. قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة] (٣).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [الساعي على الأَرْمَلَة والمِسْكين، كالمجاهد في سبيل الله - وأحْسِبُهُ قال: - وكالقائم لا يَفتُرُ وكالصائم لا يُفطرُ] (٤).\nوقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.\nالتقدير: قولوا للناس قولًا ذا حسن، وإنما نُصب \"حُسْنًا\" على المصدر. وقد قرأها قراء الكوفة غير عاصم \"حَسَنًا\"، في حين قرأها قراء المدينة \"حُسْنًا\". قال الأخفش: هما بمعنىً واحد، مثل البُخْل والبَخَل، والرُّشْد والرَّشَد. وأما أقوال أئمة التفسير فيها فمتقاربة يزيد أحدهم في تفسيره وضوحًا على الآخر:\n١ - قال ابن عباس: (أمرهم أيضًا بعد هذا الخُلُق: أنْ يقولوا للناس حسنًا، أن يأمروا بـ \"لا إله إلا الله\" من لم يقُلها ورغب عنها، حتى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (٣٦٦٢)، ورواه أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (١٤٥٦) - كتاب الزكاة، وصحيح مسلم -حديث رقم- (١٠٠٠) - كتاب الزكاة.\n(٣) حديث صحيح. رواه أحمد (٤/ ١٧)، ورواه النسائي (٥/ ٩٢)، والترمذي (٦٥٨)، وابن خزيمة (٢٣٨٥)، انظر صحيح الترغيب (١/ ٨٨٣)، كتاب الصدقات.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢٩٨٢) - كتاب الزهد. باب فضل الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم.","vol":"1","page":320},{"text":"قُرْبةٌ من الله جل ثناؤه. وقال: الحسن أيضًا، ليِّن القول، من الأدب الحسن الجميل والخُلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه).\n٢ - قال أبو العالية: (قولوا للناس معروفًا). وقال سفيان الثوري: (مُروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر).\n٣ - قال ابن جريجٍ: (قولوا للناس صدقًا في شأن محمد - ﷺ - ولا تغيِّروا نعته).\n٤ - قال أبو العالية: (قولوا لهم الطيِّب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به).\nوالخلاصة كما قال القرطبي ﵀: (وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليِّنًا ووجهه منبسطًا طَلْقًا مع البَرِّ والفاجر، والسُّنيّ والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أن يُرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُوْلَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، قال رسول الله - ﷺ -: [لا تُحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق] (١).\nوقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.\nالمعنى: أقيموا الصلاة المكتوبة بحقوقها: بأركانها وواجباتها. وأدوا الزكاة المفروضة عليكم: طاعةً لله وإخلاصًا له طيبة بها أنفسكم.\nقال ابن مسعود: (إقامة الصلاة تمامُ الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها).\nقال ابن عباس: (الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاس). وقال: (إيتاء الزكاة، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سُنَّة كانت لهم غير سُنّة محمد - ﷺ -. كانت زكاة أموالهم قربانًا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبُّله. ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبَّل، وكان الذي قرّب، منْ مكسب لا يحلُّ: من ظُلْم أو غَشْم، أو أَخْذٍ بغير ما أمره الله به وبيّنه له).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢٦٢٦). ورواه أحمد في المسند -حديث رقم- (٢١٠٠٨). وانظر صحيح الجامع (٧١٢٢).","vol":"1","page":321},{"text":"قلت: الله أعلم بصحة ذلك فليس لدينا تفصيل من ديننا تقوم به الحجة. والخلاصة كما قال القاسمي ﵀: (المراد الصلاة التي كانوا يصلونها، والزكاة التي كانوا يخرجونها).\nوقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\nالمقصود نكث يهود بني إسرائيل العهد السابق ونقضهم الميثاق، فبدّلوا وغيّروا وتركوا. قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يقول: \"أعرضتم عن طاعتي، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي عمّن تولى وأعرض عنها، يقول: تركها استخفافًا بها).\nوقيل: بل الخطاب للأحفاد الذين كانوا بين ظهراني مُهاجر رسول الله - ﷺ - من يهود بني إسرائيل لنقضهم العهد الذي أخذ عليهم في التوراة وركوبهم المعاصي والآثام.\n٨٤ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾.\nفي هذه الآياتِ: المراد بنو إسرائيل ومَنْ بعدهم، فإن الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - لم يكونوا أحسن حالًا من آبائهم، بل كانوا متورِّطين في تحالفات قتال مع الأوس والخزرج ضد بعضهم. فبنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو قريظة والنضير حلفاء الأوس، فإذا نشبت الحرب قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال. ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكَّوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكم التوراة.","vol":"1","page":322},{"text":"فقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.\nفيه دلالة أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة.\nقال قتادة: (لا يقْتُلْ بعضكم بعضًا ... ونفسك يا ابن آدم أهل ملَّتك).\nوقال أبو العالية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾، يقول: لا يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، يقول: لا يخرج بعضكم بعضًا من الديار).\nوقال قتادة: (لا يقتل بعضكم بعضًا بغير حق ... فتسفك يا بن آدم دماء أهل ملَّتك ودعوتك).\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾.\nقال أبو العالية: (يقول: أقررتم بهذا الميثاق، وأنتم شهود). وقيل المراد: وأنتم شهداء بقلوبكم على هذا. وقيل: بل الشهادة بمعنى الحضور، أي تحضرون سفك دمائكم، وإخراج أنفسكم من دياركم.\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.\nالتقدير: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم. قال ابن عباس: (أَنَّبَهُم الله بذلك من فعلهم، وقد حُرِّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقي: طائفة منهم بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة وهم حلفاء \"الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يُظَاهر كلّ واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بيمهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شِرْكٍ يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنَّة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا، ولا حلالًا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة وأخذًا به، بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم، وقتلوا مَنْ قَتَلوا منهم فيما بينهم، مظاهرةً لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أنبأهم بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ","vol":"1","page":323},{"text":"بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونه بحكم التوراة، وتقتلونه وفي حكم التوراة أن لا يُقتَل، ولا يُخْرَج من داره، ولا يُظاهَر عليه من يشرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا؟ ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة).\nوقال السُّدّي: (كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يَقْتَتِلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم النضير وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، ويغلبونهم، فيخربون ديارهم، ويخرجونهم منها، فإذا أُسِرَ رجلٌ من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه، فتعيَّرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أُمِرْنا أن نفديهم، وحُرّم علينا قتالهم. قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تُسْتَذَل حلفاؤنا. فذلك حين عيّرهم الله ﵎، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية).\nوقال أبو العالية: (كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قومًا أخرجوهم من ديارهم. وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم).\nوقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.\nفالعدوان مِنَ التَعدِّي والظلم ومجاوزة الحد.\nوأما ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ فمعناها تتعاونون، مشتق من الظَّهر، لأن بعضهم يقوي بعضًا فيكون له كالظَّهر. والإثم: الفعل المستحق صاحبه للذم.\nوقد قرأ أهل المدينة وأهل مكة ﴿تظَّاهرون﴾ بالتشديد، والأصل تتظاهرون.\nفي حين قرأ أهل الكوفة ﴿تظاهرون﴾ بالتخفيف. وكلاهما بمعنى واحد.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.\nقال مجاهد: (يقول: إن وَجَدْتَه في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك). وكان قتادة يقول في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: (فكان إخراجهم كفرًا، وفداؤهم إيمانًا).\nوهذه الآية تدل على خيانة اليهود لميراثهم ونقضهم عهود التوراة عليهم، ومن ثمَّ","vol":"1","page":324},{"text":"فلا يؤتمنون على النقل منها ولا التحدث بما فيها، فهم متّهمون بذلك الكذب والمكر إلى يوم القيامة.\nوقد حذَّر النبي - ﷺ - هذه الأمة أن تسلك طريقهم وتشابه مسلكهم.\nفقد أخرج البيهقي بسند حسن عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [أتيتُ ليلةَ أُسريَ بي على قومٍ تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلَّما قرضتْ وفَتْ، فقلتُ يا جبريلُ من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتِكَ الذين يقولون ما لايفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به\" (١).\nوقد قرأ حمزة \"أَسْرى\"، في حين هي في قراءة الجماعة ﴿أُسَارَى﴾ وهي في محل نصب حال. وقرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿تُفادوهم﴾، في حين قرأها الباقون \"تَفْدوهم\" من الفداء. والأسير مشتق من الإسار، وهو القِدّ الذي يشُدّ به المحمل فَسمِّيَ أسيرًا؛ لأنه يشد وثاقه، ومن ثم فإن العرب تسمي كل أَخيذ أسيرًا، وإن لم يؤسر.\nوقوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾\nوالخزي الذي أصابهم في الدنيا بسبب معصيتهم على ثلاثة أنواع:\n١ - هو حُكم الله الذي أنزله إلى نبيه محمد - ﷺ -: من أخذ القاتل بمن قتَل، والقَوَد به قصاصًا، والانتقام للمظلوم من الظالم.\n٢ - هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلَّةً لهم وصَغارًا.\n٣ - وهو إخراج رسول الله - ﷺ - النضيرَ من ديارهم لأول الحشر، وقتل مقاتلة قُريظة وسبي ذراريهم.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nفقد وعدهم الله النار في الآخرة مقابل تماديهم بالبغي والعناد والكفر، فهو سبحانه يحصي عليهم ما اقترفوه ليجدوه في صحفهم يوم القيامة.\n_________\n(١) حديث حسن. رواه البيهقي بسند حسن من حديث أنس بن مالك ﵁، انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٢٨).","vol":"1","page":325},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾.\nقال قتادة: (استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة).\nفلا يُفَتَّرُ عنهم العذاب ساعة واحدة يوم يُقْتَصُّ منهم في نار جهنم، وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب المستمر ولا يجيرهم منه.\n٨٧ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر سبحانه أنه آتى موسى التوراة ثم أردف الرسل بعده على منهاجها - منهاج الدين الحق -، وأَتى عيسى الحجج وأظهر على يديه دلائل النبوة وأيده بجبريل ﵇، ثم هؤلاء اليهود كلما جاءهم رسول بغير ما تهواه أنفسهم لجؤوا إلى البغي والتكبر والقتل. وقالوا: قلوبنا في أغطية بل ختم الله عليها وحجب عنها الإيمان. ولما جاءهم القرآن على لسان محمد - ﷺ - وكانوا يستطيلون على المشركين باقتراب نبي يبعث يقتلونهم معه تنكروا له وكفروا به، فلعنة الله على الكافرين.\nفقوله: ﴿وَآتَيْنَا﴾ بمعنى: أنزلنا، وقوله: ﴿وَقَفِيِّنَا﴾ بمعنى: وأردفنا. من قَفَوْتُ فلانًا: إذا صرت خلف قفاه. قال ابن جرير: (وإنما يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، أي: أتبعنا بعضهم بعضًا على منهاج واحد وشريعة واحدة. لأنَّ كلَّ من بعثه الله نبيًّا بعد موسى - ﷺ - إلى زمان عيسى بن مريم، فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة، والعمل بما فيها، والدعاء إلى ما فيها).","vol":"1","page":326},{"text":"وقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾.\nأي: أعطيناه الحجج وما أظهر الله على يديه مما يدلى على نبوته: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، وغير ذلك.\nقال ابن عباس: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات التي وضع على يديه: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب ممّا يدّخرون في بيوتهم، وما ردَّ عليهم من التوراة، مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه).\nوقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.\nأي: قوّيناه، وأعنّاه بجبريل ﵇.\nقال الضحاك: (﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ يقول: نصرناه). ومنه قولهم رجل ذو أيْد: أي ذو قوة. ولقد اختلف في روح القدس على أقوال:\n١ - القول الأولى: جبريل ﵇. قال قتادة: (هو جبريل). وقال الضحاك: (روح القدس: جبريل). وقال الربيع: (أيد عيسى بجبريل، وهو روح القدس).\n٢ - القول الثاني: الإنجيل.\nقال ابن زيد: (أيد الله عيسى بالإنجيل رُوحًا، كما جعل القرآن روحًا، كلاهما روح الله، كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.\n٣ - القول الثالث: هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.\nقال ابن عباس: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى).\nولا شك أن القول الأولى هو أصح هذه الأقوال. فروح القدس هنا هو جبريل ﵇. ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ... (١١٠)﴾ فلو كان الروح الذى أيَّده به هو الإنجيل لكان ما بعده تكرير قول لا معنى له كما ذكر ابن جرير.\nوقد سمى الله جبريل روحًا لأنه كان بتكوين الله له روحًا من عنده من غير ولادة والد","vol":"1","page":327},{"text":"ولدَه (١)، ثم أضافه إلى القدس وهو الطهر. وإن كان في أقوال المفسرين أقوال أخرى للقدس.\nفقد روي عن السُّدي قوله: (القدس: البركة). وقال أبو جعفر: (القدس: وهو الرب تعالى ذكره). وقال ابن زيد: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، قال: الله، القُدُس. وأيّد عيسى بروحه، قال: نَعْتُ الله، القُدُس. وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ... (٢٣)﴾، قال: القدس والقدُّوس، واحد). وقال كعب: (الله، القدس).\nوالخلاصة: إن روح القدس هو جبريل ﵇، وعليه تدل السنة الصحيحة:\nفقد أخرج الحاكم بسند صحيح عن البراء، عن النبي - ﷺ - قال: [إن روحَ القدس معك ما هاجَيْتَهُم] (٢).\nوهو في الصحيحين والمسند عنه بلفظ: [اهْجُ المشركين فإن روح القدس معك] (٣).\nوالخطاب لحسان بن ثابت شاعر الإسلام الأول. وفي لفظ من طريق عائشة: [اهج قريشًا فإنه أشد عليهم من رشق النبل] (٤).\nورواه مسلم عنها بلفظ: [إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافَحْتَ عن الله ورسوله. قاله لحسان] (٥).\nوعند أبي نعيم في الحلية بسند صحيح عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: [إن روح القدس نفث في روعي، أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتَسْتَوْعِبَ رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ...] لحديث (٦).\n_________\n(١) وكذلك عيسى ﵊ سُمي روح الله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٣/ ٤٨٧) وصححه الألباني في السلسة الصحيحة (٨٠١) باللفظ السابق، وبلفظ: [اهج المشركين، فإن جبريل معك]. وانظر مسند أحمد (٤/ ٢٨٦).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٣٢١٣)، كتاب بدء الخلق، وصحيح مسلم -حديث رقم- (٢٤٨٦)، كتاب فضائل الصحابة.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٤٩٠) في الفضائل، وصحيح الجامع (٢٥٢٠).\n(٥) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٤٩٠) في فضائل الصحابة، وصحيح الجامع (٢٠٨٢).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أبو نعيم عن أبي أمامة ﵁. انظر المرجع السابق (٢٠٨١).","vol":"1","page":328},{"text":"وقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.\nالخطاب موجه إلى اليهود من بني إسرائيل، وقد آتى الله موسى التوراة نعمة عظيمة منه سبحانه ليبين لهم طريق النجاة وسعادة الدنيا والآخرة، ثم تابع عليهم من بعده بالرسل، وآتى عيسى بن مريم البينات والحجج وأيَّده بروح القدس، ثم هؤلاء اليهود كلما جاءهم رسول بغير ما تهواه أنفسهم لجؤوا إلى البغي والتكبر والقتل.\nقال الزمخشري: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: إنما لم يقل وفريقًا قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي - ﷺ - بالسم والسحر).\nففي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان النبي - ﷺ - يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما أزال أجدُ ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوانُ وجدتُ انقطاعَ أبهَري من ذلك السُّم] (١).\nوأصل الهوى الميل إلى الشيء، ويجمع على أهواء. قال القرطبي: (وسمّيَ الهوى هوىً لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه، وهذه الآية من ذلك. وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر ﵁ في أسارى بدر: فَهَوِيَ رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت. وقالت عائشة للنبي - ﷺ - في صحيح الحديث: والله ما أرى ربك إلا يُسارع في هواك. أخرجهما مسلم).\nوقوله: ﴿وَقَالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.\nقرأها عامة القراء ﴿غُلْفٌ﴾ بتسكين اللام، في حين قرأها ابن عباس والأعرج وابن مُحَيْصِن ﴿غُلُفٌ﴾ وبضم اللام.\nوالمعنى إذا قرئت بسكون اللام كأنهم قالوا: قلوبنا في أكنَّةٍ وأغطية، فهي جمع أغلف، وهو الذي في غلاف وغطاء. فإلى ذكر من قال ذلك:\n١ - قال ابن عباس: ﴿وَقَالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: في أكنة). وقال: (أي: في غطاء).\nوقال: (فهي القلوب المطبوع عليها). وقال السدي: (عليها غلاف، وهو الغطاء).\n٢ - قال مجاهد: ﴿وَقَالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غشاوة).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٤٤٢٨) - كتاب المغازي.","vol":"1","page":329},{"text":"٣ - وقال قتادة: (أي لا تفقه). وقال: (هو كقوله: ﴿قُلُوبُنُا فِي أَكِنَّةٍ﴾).\nو\"أما إذا قرئت ﴿غُلُفٌ﴾ فالمعنى كما تأولوها: قلوبنا غُلُفٌ للعلم، بمعنى أنَّها أوعية. والغلف بهذا التأويل جمع غلاف. قال عطية: (أوعية للذكر). وقال: (أوعية للعلم).\nوقال ابن عباس: (مملوءة علمًا، لا تحتاج إلى محمد - ﷺ - ولا غيره).\nوقيل بل المعنى: (قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم قول محمد) ذكره القرطبي.\nواختار ابن جرير القراءة الأولى فهي أشهر بين القراء وأهل التأويل. في حين سكت عن الترجيح القرطبي وابن كثير.\nوقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾.\nيعني أقصاهم وأبعدهم وطردهم وأهلكهم وأخزاهم سبحانه بما جحدوا آياته وكتبه وقتلوا رسله وأنبياءه. وأصل اللَّعن في كلام العرب الطرد والإبعاد. أي ليس الأمر كما ادّعوا، بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها فلا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا.\nوقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالحق. وفيه أكثر من معنى:\n١ - قليل منهم من يؤمن. قال قتادة: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: فلعمري لمن رَجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب، إنما آمن من أهل الكتاب رَهْطٌ يَسير). وقال: (لا يؤمن منهم إلا قليل).\n٢ - لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم. قال مَعْمَر: (المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره). قال ابن كثير: (وقيل: فقليل إيمانهم. بمعنى أنهم يؤمنون بما جاء به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمانٌ لا ينفعهم؛ لأنه مغمورٌ بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد - ﷺ -).\n٣ - لا يؤمنون بشيء أبدًا. قال الواقدي: (معناه لا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، كى، تقول: ما أقلَّ ما يفعل كذا، أي لا يفعله البتّة). وقال الكسائي: (تقول العرب مَرَرْنا بأرض قلَّ ما تُنبت الكراث والبصل، أي لا تنبت شيئًا).\nونصب قوله: ﴿فَقَلِيلًا﴾ لأنه نعت للمصدر المحذوف، والتقدير: فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون.","vol":"1","page":330},{"text":"وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾.\nالمعنى: لما جاء اليهودَ من بني إسرائيل - الذين تقدم وصفهم - القرآن الذي نزّله الله على محمد - ﷺ - وهو مصدّق لما معهم من الكتب.\nقال الربيع: (وهو القرآن الذي أنزل على محمد - ﷺ -، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل).\nوقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\nأي كانوا قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهلَ شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله - ﷺ - أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدونا به، فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل الآياتِ من البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾) (١).\nقال ابن جرير: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: فَخِزْيُ الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه، المنكرين لما قد ثَبَت عندهم صحته من نبوة محمد - ﷺ -).\n٩٠ - قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ\n_________\n(١) حديث حسن. انظر الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - البقرة (آية ٨٩). فإن ابن إسحاق إذا صرح بالتحديث فحديثه حسن كما في الميزان للذهبي.","vol":"1","page":331},{"text":"مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾.\nفي هذه الآية: يخبر تعالى عن خسارة صفقة اليهود بشرائهم الحق بالباطل وكتمانهم خبر محمّد - ﷺ - كبرًا وحقدًا وحسدًا، ليجمعوا بين تحريفهم التوراة وكفرهم بالقرآن ثم ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم.\nفقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾.\nأي: ساء ما اشتروا به أنفسهم، فقد شروا الحق بالباطل وكتموا خبر محمد - ﷺ - ظلمًا وحسدًا، لأن الله اختاره من العرب.\nقال مجاهد: (يهود شروا الحق بالباطل، وكتمانَ ما جاء به محمد - ﷺ - بأن يُبَيِّنوه).\nوقال السدي: (بَغَوْا على محمد - ﷺ - وحسدوه، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل؟ فحسدوه أن يُنَزِّلَ الله من فضله على من يشاء من عباده).\nوقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (فالغضب على الغضب، غضبُه عليهم فيما كانوا ضيّعوا من التوراة وهي معهم، وغضبٌ بكفرهم بهذا النبي الذي أحدثَ الله إليهم).\n٢ - قال عكرمة: (كفرٌ بعيسى، وكفرٌ بمحمد - ﷺ -).\n٣ - قال الشَّعْبي: (الناس يوم القيامة على أربعة منازل: رجل كان مؤمنًا بعيسى وآمن بمحمد صلى الله عليهما، فله أجران. ورجل كان كافرًا بعيسى فآمن بمحمد - ﷺ -، فله أجْر. ورجل كان كافرًا بعيسى، فكفر بمحمد، فباء بغضب على غضب. ورجل كان كافرًا بعيسى من مشركي العرب، فمات بكفره قبل محمد - ﷺ -، فباء بغضب).\n٤ - قال قتادة: (غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وبعيسى، وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد - ﷺ -).\n٥ - قال مجاهد: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ اليهود، بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي - ﷺ -، ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾، جحودهم النبي - ﷺ -، وكفرهم بما جاء به).","vol":"1","page":332},{"text":"٦ - قال السدي: (أما الغضب الأول فهو حين غضب الله عليهم في العجل، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد - ﷺ -).\nوقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\nالمعنى: إن للجاحدين نبوة محمد - ﷺ - عذابًا من الله إما في الآخرة، أو يضاف له عذاب في الدنيا. قال القرطبي: (و﴿مُهِينٌ﴾ مأخوذ من الهوان، وهو ما اقتضى الخلود في النار دائمًا بخلاف خلود العصاة من المسلمين، فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير، كرجم الزاني وقطع يد السارق).\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن خزيمة بن ثابت رضي إلله عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: [أيُّما عبدٍ أصاب شيئًا مما نهى اللهُ عنه، ثم أقيمَ عليه حَدُّه، كفِّر عنه ذلك الذَّنْبَ]- ورواه أحمد (١).\nويشهد له ما أخرجه الطبراني في الكبير عن خزيمة بن معمر الأنصاري قال: [رجمت امرأة في عهد النبي - ﷺ -، فقال الناس: حبط عملها، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: هو كفارة ذنوبها، وتحشر على ما سوى ذلك] (٢).\nوأما الكفار الذين تكبّروا على الحق، وقابلوا أهله بالكبر والبغي والحسد، فأولئك يحشرون ذليلين صاغرين مهانين.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي في الجامع بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّرِّ في صُوَرِ الناس، يعلوهم كلُّ شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنّم، يقال له: بُولَس، فيعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخَبَال: عصارة أهل النار] (٣).\n٩١ - ٩٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٨٨)، وأحمد (٥/ ٢١٤ - ٢١٥)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٥٥). وله شواهد كثيرة في الصحيحين وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في الكبير (٣٧٩٤)، وانظر السلسلة الصحيحة (٤/ ص ٣٤٩).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩)، والترمذي (٢٤٩٢)، وإسناده حسن رجاله ثقات.","vol":"1","page":333},{"text":"قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾.\nفي هذه الآياتِ: وإذا قيل لليهود ونظرائهم من أهل الكتاب آمنوا بالوحي النازل على محمد واتبعوه قالوا بل نؤمن بالتوراة والإنجيل - الكتابين اللذين أنزل علينا - مع أن القرآن يصدق الكتب السابقة قبل تحريفها. فوبخهم الله بقوله لهم: فَلِمَ تتولون قتلة الأنبياء من أجدادكم إن كنتم مؤمنين حقًّا. ولقد جاء موسى أجدادكم بالحق ثم غافلوه وعبدوا العجل ظلمًا وبغيًا وأنتم على منهاجهم.\nفقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾. يعني اليهود وأمثالهم من أهل الكتاب. ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: على محمد - ﷺ -، فصدقوه واتبعوه. ﴿قَالوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني التوراة والإنجيل. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾. قال قتادة: (يقول: بما بعده).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾.\nأي: أنَّ القرآن الذي أنزل على محمد - ﷺ - يصدق التوراة والإنجيل قبل تحريفها، فَكُتُبُ الله يُصدِّق بعضها بعضًا، فنُصب ﴿مُصَدِّقًا﴾ على الحال.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nقال السدي: (يعيّرهم الله ﵎). والخطاب لليهود الذين أدركوا رسولَ الله - ﷺ - وأسلافهم، وإنما قال ﴿تَقْتُلُونَ﴾ لأن اليهود المتأخرين كانوا على منهاج أسلافهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، فكانوا متولين لأوائلهم قتلة الأنبياء، فخوطِبَ الأحفاد بصفة الآباء نفسها. والتقدير: إن كنتم مؤمنين - كما تزعمون - فلم تتولّون قتلة أنبياء الله؟ أي: ترضون أعمالهم ومسلكهم.\nثم قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.\nفمن البينات التي جاء بها موسى مما يدل بها على صحة نبوته: العصا التي تحولت ثعبانًا، ويده التي أخرجها بيضاء للناظرين، وفَلْق البحر ومصير أرضه له طريقًا يبسًا، والمن والسلوى، والغمام، والجراد والقُمَّل والضفادع، وغير ذلك.\nولكنهم مع ذلك استزلهم الشيطان فاتخذوا العجل معبودًا من دون الله بعدما ذهب","vol":"1","page":334},{"text":"موسى عنهم إلى الطور لمناجاة ربه ﷿. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ....﴾ [الأعراف: ١٤٨].\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.\nأي: في اتخاذ العجل تعبدونه دون الله وحده لا شريك له، وقد ظهرت لكم الآياتِ الواضحات التي تدلكم على وجوب تنزيهه سبحانه وإفراده بالتعظيم والعبادة.\nقال القرطبي: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ توبيخ، و﴿ثُمَّ﴾ أبلغ من الواو في التقريع، أي بعد النظر في الآياتِ والإتيان بها اتخذتم. وهذا يدلّ على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآياتِ، وذلك أعظم لجرمهم).\nوفي التنزيل: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩].\n٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.\nفي هذه الآية: يخاطب الله سبحانه يهود بني إسرائيل ويعدّد عليهم مخالفاتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع سبحانه الطور عليهم فقبلوا ذلك ثم عتوا وتمردوا كما مضى ذكره. و﴿قَالوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ استكبارًا منهم وسوء اتباع. ثم ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي: أشربوا حبّه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.\nفعن قتادة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: (أشربوا حُبَّه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم). وقال أبو العالية: (أشربوا حُبَّ العجل بكفرهم).\nفقال سبحانه: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل: بئس الأمر يأمركم به إيمانكم، من قتل الأنبياء والتكذيب بالكتب وكفركم بمحمد - ﷺ - خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تجدونه في التوراة وتجحدون أمره وتشوهون معالمه وصفاته بالتغطية والكذب والافتراء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: تهكّم بهم وتوبيخ لشأنهم، فالتوراة لا تأمر بهذا المنهج الفاسد الذي ارتضوه صفة لهم على مر الزمان.","vol":"1","page":335},{"text":"٩٤ - ٩٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يحتج الله سبحانه على اليهود الذين عاصروا رسول الله - ﷺ - بهذه البيِّنة التي تفضح سرائرهم ومنهاج أحبارهم وعلمائهم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فإنه بتمنيكم الموت بصدق وحصولكم عليه، تصيرون بعده إلى الراحة من تعب الدنيا ونَصَبها وكدَر عيشها، والفوز بجوار الله ورضوانه ونعيم جنانه كما تدّعون! فامتنع اليهود من الإجابة لذلك كما امتنع النصارى عن المباهلة خشية الخزي والفضيحة. فإنهم لن يتمنوا الموت، بل هم من أشد الأمم حرصًا على الحياة.\nفعن ابن عباس: (لو تمنى اليهود الموت لماتوا). وقال: (لو تمنوا الموت لشرق أحدُهم بريقه).\nوقال أيضًا: (لو تمنوه يوم قال ذلك لهم، ما بقي على ظهر الأرض يهودي إلَّا مات).\nوأما سبب سؤالهم تمني الموت ففيه أقوال:\n١ - القول الأول: أمروا أن يتمنوه على وجه الدعاء على الفريق الكاذب منهما.\nقال ابن عباس: (قال الله لنبيّه - ﷺ -: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذبُ).\n٢ - القول الثاني: قيل لهم ذلك حين ادّعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ولا يدخل الجَنَّة إلا من كان هودًا أو نصارى.\nفَعن قتادة: (قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ","vol":"1","page":336},{"text":"النَّاسِ، وذلك أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فقيل لهم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nوقوله: ﴿خَالِصَةً﴾ أي: صافية. قال ابن عباس: (خاصة لكم). وفي قوله: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ قال: (يقول: من دون محمد - ﷺ - وأصحابه الذين استهزأتم بهم، وزعمتم أن الحق في أيديكم، وأن الدار الآخرة لكم دونهم). وفي قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ قال: (فسلوا الموت)،\nثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.\nقال ابن عباس: (فأبوا ذلك على رسول الله - ﷺ -، أي: بعلمهم بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك). وقال أيضًا: (لأنهم يعلمون أنهم كاذبون. ولو كانوا صادقين لتمنَّوه ورغبوا في التعجيل إلى كرامتي، فليس يتمنَّونه أبدًا بما قدمت أيديهم). قال ابن جريج: (وكانت اليهود أشدَّ فرارًا من الموت، ولم يكونوا ليتمنَّوه أبدًا).\nوقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.\nأي: بما أسلفت أيديهم وبما عرفوا عن نبوة محمد - ﷺ - وكتموا. قال ابن جريجٍ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: إنهم عرفوا أن محمدًا - ﷺ - نبيٌّ، فكتموه).\nثم قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. أي: بهم.\nقال القاسمي: (تذييل للتهديد. والتنبيه عاى أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن سواهم).\nوهذه الآية تشبه الآية التي في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.\nثم قال سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني اليهود).\nوالخطاب للنبي - ﷺ -، فإنك يا محمد لتجدن هؤلاء اليهود أكثر الناس حرصًا على الدنيا وأشدهم كراهية للموت. قال ابن جرير: (لعلمهم بما لهم في الآخرة من الخزي والهوان الطويل).","vol":"1","page":337},{"text":"وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.\nيعني: هم على الدنيا أشد حرصًا من المشركين وكذلك كراهيتهم للموت أشد. والسّر أن اليهود يؤمنون بالبعث والعذاب الذي أعدّ لهم ولأمثالهم، وأما المشركون لا يؤمنون ببعث ولا عقاب.\nوعني بالمشركين في هذه الآية المجوس أو الذين ينكرون البعث، فإلى ذكر أقوال أهل التفسير:\n١ - قال أبو العالية: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: يعني: المجوس).\n٢ - قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، قال: يهود، أحرصُ من هؤلاء على الحياة).\n٣ - وقال سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: (﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما لَه في الآخرة من الخزي، بما ضيّعَ مما عنده من العلم).\nوقوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.\nيخبر تعالى عن هؤلاء اليهود الخاطئين بأن أحدهم يتمنى لو يعمر ألف سنة، فقد حَبّبَتْ إليهم الخطيئة طول العمر، حتى جعل من تأسّى بهم من المشركين في ذلك تحية بعضهم لبعض: \"عشرة آلاف عام\" حرصًا منهم على الحياة. فإلى أقوال أئمة التفسير في ذلك:\n١ - قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قال. (هو قول الأعاجم: \"سال زه نوروز مهرجان حر\"). وقال سعيد بن جبير: (هو قول أهل الشرك بعضهم لبعض إذا عطس: \"زه هزار سال\". يقول: عشرة آلاف سنة).\n٢ - وقال قتادة: (حَبَّبَتْ إليهم الخطيئة طولَ العمر).\n٣ - وقال ابن زيد: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ حتى بلغ ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، يهودُ، أحرص من هؤلاء على الحياة وقد ودّ هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة).","vol":"1","page":338},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.\nالتفسير: وما طول العمر بمبعدِه من عذاب الله، ولا منحِّيه منه، فإنه لا بد للعمر من الفناء، وهذه الدنيا لا تدوم لأحد، ثم المصير إلى الله الواحد الأحد. وتفصيل ذلك:\n١ - فعن ابن عباس: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾، أي: ما هو بمنحِّيه من العذاب).\nوقال أبو العالية: (يقول: وإن عُمِّر، فما ذاك بمُغيثه من العذاب ولا منجيه).\n٢ - قال ابن عباس: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فهم الذين عادَوا جبريل ﵇).\n٣ - وقال ابن زيد: (ويهود أحرصُ على الحياة من هؤلاء. وقد ودّ هؤلاء لو يعمَّر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب، لو عُمِّر كما عمّر إبليس لم ينفعه ذلك، إذ كان كافرًا، ولم يزحزحه ذلك من العذاب).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.\nأي: خبير ذو إبصار بما يعمل عباده، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وهو لها حافظ ذاكر حتى يوافيهم جزاءها يوم القيامة.\n٩٧ - ٩٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلان يهود السافر عداءهم لجبريل ﵇ صاحب الوحي الذي فيه حياة البِشر والسعادة في الدارين، وبراءة الله تعالى ممن عاداه وملائكته ورسله وجبريل وميكال.\nقال ابن جرير: (أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدُوٌّ لهم، وأن ميكائيل وليٌّ لهم).","vol":"1","page":339},{"text":"قلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة نزول هذه الآياتِ بعد مناظرة جرت بين اليهود وبين رسول الله - ﷺ - في أمر نبوته، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسندٍ حسن عن ابن عباس قال: [أقبلت يهودُ إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنَّ عرفنا أنك نبي واتَّبَعْناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال: \"هاتوا\". قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ . قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه. قالوا: أخبرنا كيف تُؤنِّثُ المرأة وكيف تذكر؟ قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذكرت، وإذا علا ماءُ المرأة ماء الرجل أنثت. قالوا: أخبرنا ما حرَّم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عِرْقَ النَّسا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا - قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل - فحرَّم لحومها، قالوا: صدقتَ. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قالْ مَلَكٌ من ملائكة الله ﷿، موكَّلٌ بالسحاب، بيده - أو في يده - مِخْراقٌ من نار يَزْجُرُ به السحاب، يسوقُه حيث أمره الله تعالى. قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: صوته. قالوا: صدقت. قالوا: إنما بقيت واحدة، وهي التي نبايعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عَدُوُّنا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقَطْرِ والنبات لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية\" (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والطيالسي والبيهقي بسند حسن عن شهر بن حوشب عن ابن عباس، أنه قال: [حضرتْ عصابة من اليهود رسولَ الله - ﷺ -، فقالوا: يا أبا القاسم، حدّثنا عن خِلالٍ نسألك عنهنّ، لا يعلمهن إلا نبيّ. فقال رسول الله - ﷺ -: سَلُوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمّة الله وما أخذ يعقوبُ على بنيه، لئن أنا حدَّثتُكم شيئًا فعرفتموه لتتابِعنّي على الإسلام. فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله - ﷺ -: سلوني عما شئتم. فقالوا: أَخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا أيّ الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف\n_________\n(١) حسن لغيره. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٤) والترمذي (٣١١٧)، وله طرق عند الطيالسي وابن جرير وابن سعد. فهو حسن لغيره لكثرة شواهده، وبعض أجزائه في صحيح البخاري.","vol":"1","page":340},{"text":"يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأميّ في التوراة، ومن وليه من الملائكة؟ . فقال النبي - ﷺ -: عليكم عهدُ إلله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنِّي؟ فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق. فقال: نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل: يعقوب، مَرِض مرضًا شديدًا، فطال سُقْمه منه، فنذر لله نذرًا لئن عافاه الله من سقمه ليُحَرِّمَنَّ أحبّ الطعام والشراب إليه، وكان أحبَّ الطعام إليه لحم الإبل، وأحبُّ الشراب إليه ألبانها. فقالوا: اللهمَّ نعم. فقال رسول الله - ﷺ -: اللهم أُشهدك عليهم. وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيّهما علا كان له الولدُ والشَّبَهُ بإذن الله ﷿، فإذا علا ماء الرجل ماءَ المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل كان الولد أنثى بإذن الله ﷿. قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهدْ، قال: وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبيّ الأميّ تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ . قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قالوا: أنت الآن، فحدِّثنا من وليُّكَ من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: فإن وليِّي جبريل، ولم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليّه. قالوا: فعندها نفارقُك، ولو كان وليّك سواه من الملائكة تابعناك وصدّقناك. قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا. فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فعندها باؤوا بغضب على غضب] (١).\nوفي رواية عن ابن جرير عن شهر بن حوشب مرسلًا: [قالوا: فأخبرنا عن الروح. قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهم نعم، ولكنه عدو لنا، وهو ملك إنما يأتي بالشدَّة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nوله شاهد عند ابن جرير عن مجاهد قال: (قالت يهود: يا محمد ما ينزل جبريل إلا\n_________\n(١) حديث حسن. انظر مسند أحمد (١/ ٢٧٣ - ٢٧٨)، وأخرجه الطيالسي (٢٧٣١) والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٢٦٦) ورجاله ثقات. فإن شهر بن حوشب صدوق يخطئ، وقد توبع من روايات ابن جرير. انظر تخريج أحاديث تفسير ابن كثير - عبد الرزاق مهدي. (ج ١/ ص ٢٩٧)، ويشهد له ما قبله.\n(٢) أخرجه الطبري في \"التفسير\" -حديث رقم- (١٦٠٩)، وهذا مرسل، ولكنه ورد موصولًا.","vol":"1","page":341},{"text":"بشدَّة وحرب وقتال، وإنه لنا عدوّ. فنزل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ...﴾ الآية).\nالحديث الثالث: وقال البخاري: (قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾، قال عكرمة: جَبْر، ومِيك، وسَرافِ: عبد. وإيل: الله (١). حدثنا عبد الله بن منير، سَمِعَ عبد الله بن بَكْر، حدثنا حُميدٌ، عن أنس بن مالك، قال: سَمعَ عبد الله بن سلام بمَقْدِم رسول الله - ﷺ - وهو في أرض يَخْتَرِفُ (٢). فأتى النبي - ﷺ - فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبيٌّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجَنَّة؟ وما يَنْزِعُ الولدَ إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفًا. قال: جبريلُ؟ قال: نعم. قال: ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾. أما أول أشراط الساعة، فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أَوَّل طعام يأكلهُ أهل الجَنَّة، فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة، نزع الولدُ، وإذا سبق ماءُ المرأة ماء الرجل نزعتْ. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهُت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يَبْهَتُوني. فجاءت اليهود، فقال النبي - ﷺ -: أيّ رجل عبد الله بن سَلام فيكم؟ قالوا: خيرُنا وابن خيرنا، وسَيِّدُنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام! فقالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالوا: هو شرُّنا وابن شرِّنا. وانتقصوه. فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله] (٣).\nومفهوم الآية: انتصار من الله سبحانه للروح الأمين جبريل ﵇ ضدّ يهود المكر والكفر، فإن من عادى جبريل - وهو الذي نزل بالذكر الحكيم على قلب رسول الله - ﷺ - فقد عادى جميع الملائكة، كما أن من عادى رسولًا فقد عادى جميع الرسل، فإن الإيمان بالملائكة يستلزم توقيرهم جَميعهم، كما أن الإيمان بالرسل يستلزم الإيمان بجميع الرسل.\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(١) أسند الطبري (١٦٣١)، عن عكرمة قوله: \"جبر\" عبد، \"إيل\" الله، و\"ميكا\" عبيد، \"إيل\" الله. وأسند (١٦٢٤) عن ابن عباس: جبريل عبد الله، وميكائيل عُبيد الله، وكل اسم\"إيل\" فهو \"الله\".\n(٢) خَرْف الثمار: جناها.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٣٣٢٩)، ومسند أحمد (٣/ ١٠٨)، وروى مسلم نحوه.","vol":"1","page":342},{"text":"الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥١].\nوعن الربيع: (﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ يقول: نزل الكتاب على قلبك جبريل).\nوقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\nيعني أن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه.\nوفي التنزيل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤].\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: [قال النبي - ﷺ - لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ...﴾ [مريم: ٦٤] (١).\nوأخرج البخاري وابن حبان وغيرهما عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب] (٢). وفي لفظ: [فقد آذنته بالحرب].\nوقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.\nيعني: القرآن يصدق ما سل من الكتب أمامه بموافقة معانيه معانيها في الأمر باتباع محمد - ﷺ - وما جاء به من عند الله وهي تصدّقه.\nقال ابن عباس: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، يقول لما قبله من الكتب التي أنزلها الله، والآيات، والرسل الذين بعثهم الله بالآيات، نحو موسى ونوح وهود وشعيب وصالح، وأشباههم من الرسل صلى الله عليهم).\nوقال قتادة: (﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: من التوراة والإنجيل).\nوقوله: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي دليل وبرهان للمؤمنين ويحمل البشرى بالسعادة في الدارين لهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٧٣١)، كتاب التفسير. سورة كهيعص.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٥٠٢)، كتاب الرقاق - باب التواضع، وأخرجه ابن حبان (٣٤٧)، وهو جزء من حديث طويل.","vol":"1","page":343},{"text":"قال ابن جرير: (وإنما سَمَّاه الله جل ثناؤه ﴿وَهُدًى﴾ لاهتداء المؤمن به. و\"اهتداؤه به\" اتخاذه إيَّاه هاديًا يتبعه، وقائدًا ينقاد لأمره ونهيه وحلاله وحرامه).\nوالهادي من كل شيء: ما تقدم أمامه. ومنه قول العرب لأوائل الخيل \"هواديها\" لتقدمها أمامها وكذلك قيل للعنق: \"الهادي\" لتقدمها أمام سائر الجسد.\nقال قتادة: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. لأن المؤمن إذا سمع القرآن حَفظه ووعاه، وانتفع به واطمأن إليه، وصدَّق بموعود الله الذي وعد فيه، وكان على يقين من ذلك).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.\nالتأويل: من كان عدوًا لله عاداه وعادى جميع ملائكته ورسله. وقوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ هو من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، في عموم الرسل، ثم خُصِّصا بالذكر لاقتضاء السياق ذلك، فإن الآية في معرض الانتصار لجبريل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل لزعم اليهود أنه وليهم، فأخبرهم تعالى بذلك أن معاداة أحدهما معاداة للآخر، بل وهي معاداة لله ولجميع ملائكته ورسله فإن الله لا يحب الكافرين.\nفائدة: لعلماء اللسان في جبريل ﵇ لغات:\n(١ - جِبريل: لغة أهل الحجاز. ٢ - جَبْرِيل: قراءة الحسن وابن كثير. ٣ - جَبْرَئِل: قراءة أبي بكر عن عاصم. ٤ - جَبْرَئيل: قراءة أهل الكوفة. ٥ - جبرائِل: قراءة عكرمة. ٦ - جبرييل: قراءة الأعمش.٧ - جَبْرَئين. ٨ - جِبرين: قراءة بني أسد). وبنحوه قرئ: (ميكاييل، وميكائيل، وميكال، وميكئيل، وميكاءَل). ذكره القرطبي.\n٩٩ - ١٠١. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾.\nقال ابن جرير: (يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي:","vol":"1","page":344},{"text":"أنزلنا إليك يا محمد علاماتٍ واضحات دالّات على نُبوّتك. وتلك الآياتِ ما حَواه كتابُ الله الذي أنزله إلى محمد - ﷺ - من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدّلوه، من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد - ﷺ -. فكان، في ذلك من أمره، الآياتِ البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدْعُهُ إلى إهلاكها الحسدُ والبغي. إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديقُ من أتى بمثل الذي أتى به محمد - ﷺ - من الآياتِ التي وصفتُ، من غير تعلُّم تعلَّمه من بشر، ولا أخذ شيء منه عن آدمي).\nقال ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبِرُهم به غدُوةً وعشيةً وبين ذلك، وأنت عندهم أميّ لم تقرأ كتابًا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله: ففي ذلك لهم عبرة وتبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾.\nيعني: ما يجحد بهذه الدلائل البينات على صدقك ونبوتك إلا الخارج من هؤلاء الأحبار عن دينه.\nوقوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (قال مالك بن الصيف - حين بعث رسول الله - ﷺ -، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد الله إليهم فيه -: والله ما عهد إلينا في محمد - ﷺ -، وما أخذ له علينا ميثاقًا! فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾).\nقال القرطبي: (أوكلما: الواو واو عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾. وعلى ثُمّ كقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ هذا قول سيبويه). والتقدير: وَإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ... قالوا: سمعنا وعصينا، وكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم.\nوقال ابن جرير: (وأما \"النَّبْذُ\" فإن أصله - في كلام العرب - الطَّرْح ... ومنه سمي","vol":"1","page":345},{"text":"النبيذ \"نبيذًا\" لأنه زبيب أو تَمْر يُطرح في وعاء ثم يعالج بالماء). والمعنى طرحه فريق منهم وتركه ونقضه ورفضه.\nوعن قتادة: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ يقول: نقضه فريق منهم).\nقال ابن جريجٍ: (لم يكن في الأرض عهد يعاهِدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدًا).\nوقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال القاسمي: (دفع لما يتوهم من أن النابذين هم الأقلون). ففي الآية أن الكثرة في الغالب مذمومة، والقلة المؤمنة خير من كثرة لا يستقيم إيمانها.\nوقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾.\nقال السدي: (لما جاءهم محمد - ﷺ -).\nوقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾.\nيعني: يصدق بما معهم مما أنزل عليهم من التوراة.\nوقوله: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ﴾.\nالفريق الجماعة، لا واحدَ له من لفظه. يعني جحدوه وكذبوه بغيًا وحسدًا.\nوقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة. وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: التوراة.\nوقوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.\nيعني: أعرضوا عنه ورفضوه. والعرب تقول لكل رافض أمرًا: جعله وراء ظهره، أو جعله منه بِظَهْر. ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قال السدي: (لما جاءهم محمد - ﷺ - عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت. فذلك قول الله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾).\nوقال قتادة: (أي أن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم أفسدوا علمهم، وجحدوا وكفروا وكتموا).\n١٠٢ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا","vol":"1","page":346},{"text":"كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾.\nفي هذه الآياتِ: إن الفريق من أحبار اليهود وعلمائها الذين مضى وصفهم بأنهم نبذوا التوراة وراء ظهورهم تجاهلًا ومكرًا، وجحدوا ما يعلمون فيها من نبوة محمد - ﷺ - ونعته، فرفضوا القرآن الذي نزل إليه وقد أخذ عليهم الميثاق بالعمل بما فيه وتصديقه، هؤلاء أخبر الله عنهم أنهم اتبعوا السحر أيضًا، وما كانت الشياطين تتلو في عهد سليمان وتدعو إليه من اتباع الشهوات، وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، يعلمهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت، ليفرقوا بالسحر بين المرء وزوجه، وليفسدوا في الأرض ويضيعوا الإيمان.\nقال السّدّي: (عارضت اليهود محمدًا - ﷺ - بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحرِ هاروت وماروت) ذكره القرطبي.\nوقال ابن عباس: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآية: وكان حين ذهب مُلْكُ سليمان ارتد فئام من الجن والإنس، واتبعوا الشهوات، فلما أرجَعَ الله إلى سليمان ملكَه، وقام الناس على الدين كما كان أوان سليمان، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه. وتوفي سليمان ﵇ حِدْثَان ذلك، فظهر الإنس والجنّ على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتابٌ من الله نزل على سليمان أخفاه عنّا. فأخذوا به فجعلوه دينًا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي: واتبعوا الشهوات التي كانت تتلو الشياطين، وهي المعازف واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله) ذكره ابن كثير.","vol":"1","page":347},{"text":"ثم ذكر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: (كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل به. قال: فأكفره جُهَّال الناس وسبّوه، ووقَفَ علماؤهم، فلم يزل جُهَّال الناس يسبُّونه حتى أنزل الله على محمد - ﷺ -: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\nقال ابن جرير: (و﴿عَلَى﴾ ههنا بمعنى \"في\" أي: تتلو في ملك سليمان).\nثم أورد ابن جرير بإسناد على شرط البخاري عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: (كان سليمان ﵇، إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه، أعطى الجرادة - وهي امرأته - خاتمه. فلما أراد الله أن يبتلي سليمان - ﵇ - بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة (١) ذات يوم خاتَمَهُ، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي. فأخذه ولَبِسَهُ. فلما لَبِسَهُ دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فقالت: كذبتَ، لست سليمان. قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين، فكتبتْ في تلك الأيام كتبًا فيها سِحْرٌ وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرؤوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب. قال: فبرئ الناس من سليمان ﵇ وكفروه، حتى بعث الله محمدًا - ﷺ - فأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾).\nوقوله: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.\nقال السدي: (على عهد سليمان). والمقصود: أنَّ اليهود بعد إعراضهم عن التوراة وكفرهم بالقرآن اتبعوا أخبار الشياطين التي كانت تحدث بها من عهد سليمان.\nوقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\nقال السدي: (كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم. فتحَدِّثُ الكهنةُ الناس فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أَمِنتَهم الكهنة\n_________\n(١) اسم امرأة سليمان ﵇، وهذا الإسناد على شرط البخاري، فيكون ابن عباس بذلك قد حدث به عن كتب الأقدمين. انظر تحقيق تفسير ابن كثير - المهدي - البقرة (١٠٢).","vol":"1","page":348},{"text":"كذبوا لهم، وأدخلوا فيه غيوه، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجنّ تعلم الغيب، فبعث سليمانُ في الناس، فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه. ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق. وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربتُ عنقه. فلما مات سليمان ﵇، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخَلَفَ من بعد ذلك خلفٌ، تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفِروا تحت الكرسي. وذهب معهم فأراهم المكان، وقام ناحية، فقالوا له: فادن، فقال: لا، ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا فوجدوا تلك الكتب. فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السِّحر، ثم طار وذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب. فلما جاء محمد - ﷺ - خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾).\nوقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.\nقال الحسن البصري ﵀: (وكان السحر قبل زمان سليمان بن داود).\nوذلك أن السحرة كانوا في زمان موسى ﵇، وسليمان بن داود بعده. وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ [البقرة: ٢٤٦].\nوقال قوم صالح لنبيهم: ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]. وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇.\nوالسحر لغة: ما خفي ولطُف سببه. قال الرازي: (السِّحر: الأُخْذَةُ وكل ما لطف مأخذه ودقَّ فهو سحر).\nوقال أبو عبيد: (أصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره). والسحر في الاصطلاح الشرعي: هو ما كان من عمل فيه اتصال بالشياطين بقصد الفتنة أو الاعتماد على غير الله سبحانه في الدواء وجلب الشفاء.\nقال الليث: (السحر عمل يتقرب فيه إلى الشيطان، وبمعونة منه).","vol":"1","page":349},{"text":"وفي التنزيل: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ يعني: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن. ولو لم يكن للسحر حقيقة لما أمر الله تعالى بالاستعاذة منه. وقد حرّم الله السحر في كل الأديان، قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].\nوقد نص أصحاب أحمد أنه يكفر بتعلمه وتعليمه. وذهب إلى كفر الساحر مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏.\nوقال الشافعي: (إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته كفر).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.\nوذلك أن اليهود كانوا يزعمون أن السحر نزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله، فيكون تأويل الآية: وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، يعلمهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت. فتكون (ما) نافية. قال عطية: (ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر).\nقال مجاهد: (كانت الشياطين تسمع الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مئتين مثلها. فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك فجمعه. فلما توفي سليمان وجدته الشياطيق فعلمته الناس وهو السحر).\nأخرج البخاري في صحيحه من حديث عكرمة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: [إن نبي الله - ﷺ - قال: إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كانه سلسلة على صفوان (١)، فإذا فزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ونشر سفيان أحد رواة الحديث بيده فحرفها ونشر بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن\n_________\n(١) أي: تجر على حجر أملس.","vol":"1","page":350},{"text":"يدركه فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء] (١).\nقلت: وهذا هو أفضل التفاسير وأقواها في شأن هاروت وماروت، وقد وردت أخبار عند المفسرين مفادها أن هاروت وماروت ملكان أذن الله لما بتعليم الناس السحر، أو هما قبيلان من الجن، إلى غير ذلك مما ينافي الشريعة أو لا تقوم به الحجة.\nوقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.\nقال ابن عباس: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾: وذلك أنهما عَلِما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر).\nوقال ابن جريجٍ: (لا يجترئ على السحر إلا كافر). وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار.\nوعن قتادة: (﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: بلاء).\nوفي صحيح مسلم عن بعض أمهات المؤمنين أن النبي - ﷺ - قال: [من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا] (٢).\nوفي مسند أحمد عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد] (٣).\nوفي لفظ: [من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا، أو أتى امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد] (٤).\nوقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.\nقال المقدسي: (السِّحر عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٧٠١)، كتاب التفسير، وكذلك (٧٤٨١)، كتاب التوحيد.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢٢٣٠)، كتاب السلام، ورواه أحمد وغيره، انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٥٨١٦).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (٥٨١٣)، وكتابي أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٤٧٦) لتفصيل البحث.\n(٤) حديث صحيح. ورواه أهل السنن، انظر تخريج المشكاة (٥٥١)، والمرجع السابق (١/ ٥٢٦).","vol":"1","page":351},{"text":"وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول ما صنعتَ شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١).\nوله شاهد عند ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري بإسناد صحيح عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أصبح إبليس بث جنوده، فيقول: من أضلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرج هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقَّ والديه، فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويلبسه التاج] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\nقال سفيان الثوري: (إلا بقضاء الله). وقال محمد بن إسحاق: (إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد).\nوقال الحسن البصري: (نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يُسلط، ولا يستطيعون ضرَّ أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى). وفي رواية عن الحسن قال: (لا يضر هذا السحرُ إلا من دخل فيه).\nوقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾.\nقال القرطبي: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ يريد في الآخرة وإن أخذوا بها نفعًا قليلًا في الدنيا. وقيل: يضرهم في الدنيا، لأن ضرر السحر والتفريق يعود على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه؛ لأنه يُؤدَّب ويُزجَر، ويلحقه شؤم السحر).\nوقوله: (﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.\nقال ابن عباس: (من نصيب). وقال قتادة: (وقد علم أهل الكتاب فيما عهد إليهم: أن الساحر لا خلاق له في الآخرة). وقال الحسن: (ليس له دين). وقال ابن جريجٍ:\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٨١٣)، ومسند أحمد (٣/ ٣١٤)، (٣/ ٣٣٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في صحيحه (رقم - ٦٥)، وانظر صحيح الجامع -حديث رقم- (١٥٢٢)، وكتابي أصل الدين والإيمان (٢/ ١٣٤٥) لتفصيل البحث في أساليب الشيطان.","vol":"1","page":352},{"text":"(من قِوام). قلت: فدل هذا على تحريم السحر في كل الأديان التي نزلت على الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].\nوفي صحيح البخاري عن بَجالة بن عَبَدة قال: (كتب عمر بن الخطّاب أن اقتلوا كلَّ ساحر وساحرة) (١). قال: (فقتلنا ثلاث سواحر) (٢).\nوالمشهور عن أحمد أنَّه يقتل دون استتابة، وهو قول مالك، لأنَّ علم السحر لا يزول بالتوبة. وفي رواية عن أحمد أنَّه يستتاب فإن تاب قبلت توبته وهو قول الشافعي، قالوا: لأنَّ ذنبه لا يزيد عن الشرك، والشرك تقبل توبة صاحبه، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم.\nوقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nقال ابن جرير: (ولبئس ما باع به نفسه من تعلم السحر، لو كان يعلم سوء عاقبته).\nثمَّ ذكر قول السدي: (يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم).\nوقال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول لو كان لهم علمٌ بما وُعظوا به).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣].\nالمعنى: لو أنهم صدقوا الله الإيمان والتقوى، فعظموا أوامره واجتنبوا نواهيه، لكان مثوبة الله على ذلك خيرًا لهم مما رضوا لأنفسهم من السقوط في معصيته، نحو قوله سبحانه في سورة القصص: ﴿وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠].\nوعن قتادة: (قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يقول: ثوابٌ من عند الله).\nوقال السدي: (أما \"المثوبة\" فهو الثواب). وقال الربيع: (يقول: لثَواب من عند الله).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٦/ ١٨٤)، (٦/ ١٨٥) - في فرض الخمس، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب. وانظر مسند أحمد (١/ ١٩٠).\n(٢) لم يذكرها البخاري. وانظر سنن الترمذي (١٥٨٦)، ومسند أحمد (١/ ١٩٠ - ١٩١)، و\"الأموال\" - لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص ٤٠)، وسنن أبي داود (٣٠٤٣).","vol":"1","page":353},{"text":"١٠٤ - ١٠٥ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الله سبحانه عباده المؤمنين محذرًا لهم أن يتشبهوا بالكافرين في طريقة كلامهم أو فعالهم. فإن الكفرة لا يتمنون بالمؤمنين أن يختصهم الله بفضل منه ورحمة.\nقال ابن كثير: (وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا. يقولون: راعنا. ويورون بالرّعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]. وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سلّموا إنما يقولون: السام عليكم. والسام هو: الموت. ولهذا أمرنا أن نَرُدّ عليهم بـ\"وعليكم\").\nوحقيقة \"راعنا\" في اللغة أَرْعِنا ولْنَرْعَك، أي احفظنا ولنحفظك، وارقبنا ولنرقبك، وربما كانت من أرعنا سمعك والمراد فرّغ سمعك لنا ولا شك أن في هذا جفاء، فأمر الله المؤمنين بمخالفتهم واختيار أحسن الألفاظ وأرقها.\nقال ابن عباس: (كان المسلمون يقولون للنبي - ﷺ -: راعنا. على جهة الطلب والرّغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سَبًّا، أي اسمع لا سمِعتَ، فاغتنموها وقولوا: كنا نَسُبُّهُ سِرًّا فالآن نَسُبُّهُ جهرًا، فكانوا يخاطبون بها النبي - ﷺ - ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي - ﷺ - لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونُهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه) ذكره القرطبي.","vol":"1","page":354},{"text":"وقد وردت تفاسير متنوعة في معنى \"راعنا\" ذكرها ابن جرير، منها:\n١ - عن مجاهد: (﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]: لا تقولوا خِلافًا).\n٢ - عن ابن عباس: (أرْعِنا سمعك). وقال مجاهد: (اسمع منا ونسمع منك). وقال الضحاك: (كان الرجل من المشركين يقول: أرعِني سمعك).\n٣ - عن قتادة: (قول كانت تقوله اليهود استهزاءً، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم).\nوقال عطية: (كان أناس من اليهود يقولون: أرعنا سمعك! حتى قالها أناس من المسلمين. فكره الله لهم ما قالت اليهود فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، كما قالت اليهود والنصارى).\n٤ - قال ابن زيد: (هذا الراعن - والراعن: الخطّاء - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا: خطّاء، كما قال القوم، وقولوا: ﴿انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ قال: كانوا ينظرون إلى النبي - ﷺ - ويكلِّمونه، ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم).\n٥ - قال عطاء: (كانت لُغَةً في الأنصار في الجاهلية). وقال أبو العالية: (إن مشركي العرب كانوا إذا حدّث بعضهم بعضًا يقول أحدهم لصاحبه: أرْعِني سمعك! فنهوا عن ذلك). قال ابن عباس: (وإنما ﴿رَاعِنَا﴾ كقولك: عاطنا).\n٦ - وقال ابن جريج: (﴿رَاعِنَا﴾، قولُ الساخر. فنهاهم أن يسخروا من قول محمَّد - ﷺ -).\nقال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه - ﷺ - راعنا. لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولوها لنبيّه - ﷺ -، نظير الذي ذكر عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"لا تقولوا للعنب الكَرْمُ ولكن قولوا: الحَبَلَة. ولا تقولوا: عبدي ولكن قولوا: فتايَ).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن التشبه بالكفار في طريقة كلامهم ولباسهم وحياتهم.\nففي المسند للإمام أحمد، بسند حسن، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [بُعِثْتُ بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبدَ الله وحده لا شريك له.","vol":"1","page":355},{"text":"وجُعِلَ رِزْقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلَّة والصَّغار على من خالف أمري، ومن تَشبَّه بقوم فهو منهم] (١).\nوفي سنن أبي داود عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به: [من تشبّه بقوم فهو منهم] (٢).\nوفي الصحيحين والمسند عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [المرءُ معَ من أحَبّ] (٣).\nوذكر ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المبارك، عن مسعر، عن مَعْن وعون - أو أحدهما - أن رجلًا أتى عبد الله بنِ مسعود، فقال: اعْهَدْ إليّ. فقال: (إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِها سمعك، فإنَّه خير يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه).\nوقوله: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.\nقال مجاهد: (فهِّمنا، بَيِّن لنا يا محمَّد).\nقال ابن جرير: (قولوا أيها المؤمنون لنبيِّكم - ﷺ -: انْظرْنا وارقبنا، نفهم ونتبين ما تقول لنا، وتُعَلِّمنا).\nوقوله: ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤].\nأي: اسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم، وافهموه، واعلموا أن العذاب الموجع سينزل بالكافرين الجاحدين.\nقال السدي: (﴿وَاسْمَعُوا﴾: اسمعوا ما يقال لكم).\nوقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥].\nيخبر تعالى المؤمنين عن شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذّر سبحانه من مشابهتهم، وأمر المؤمنين أن يقطعوا المودة بينهم وبينهم، فهم يتمنون لو لم ينزل الله الفرقان عليكم، حسدًا وبغيًا منهم لكم.\nثمَّ قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٥٠)، و(٢/ ٩٢). ورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٣١٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٤٠٣١) بإسناد فيه لين، لكن له شواهد تقويه.\n(٣) حديث صحيح. رواه أحمد والشيخان، ورواه أكثر أهل السنن. انظر صحيح الجامع (٦٥٦٥).","vol":"1","page":356},{"text":"لقد اختصكم الله - أيها المؤمنون - بشرع الكمال والجمال دون غيركم، رحمة منه بكم وتفضيلًا وتكريمًا، فاحرصوا على هذا الدين وأقيموه في حياتكم فهو سرّ سعادتكم.\nقال ابن جرير: (تعريضٌ من الله تعالى ذكره بأهل الكتاب: أن الذي آتى نبيه محمدًا - ﷺ - والمؤمنين به من الهداية، تَفَضُّل منه، وأنّ نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهبُ منه يختص بها من يشاء من خلقه).\n١٠٦ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧].\nفي هذه الآيات: إثبات نسخ بعض الآيات بحكمة الله تعالى، فهو الملك الحكيم العلم القدير، وما لكم معشر المؤمنين من دون الله من ولي ولا نصير.\nقال ابن عباس: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، يقوله: ما نبدِّل من آية). وقال السدي: (أما نَسخها، فقبضها). وقال مجاهد: (نثبت خَطَّها، ونبدل حكمها).\nوأصل النسخ من \"نسخ الكتاب\"، وهو نقله من نُسخة إلى أخرى غيرها. ومثله يكون نسخ الحكم إلى غيره، وهذ المعنى يشمل التفاسير الثلاثة السابقة.\nقال ابن جرير: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما ننقُلْ من حُكْم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ).\nوقوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.\nقرئ على وجهين: \"نَنسأَها\" و\"نُنْسها\". فالأولى قراءة جماعة من الكوفة والبصرة.\nوالثانية قراءة أهل المدينة والكوفة.\n١ - فعلى القراءة الأولى يكون المعنى: نؤخرها. قال ابن عباس: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدّلها).","vol":"1","page":357},{"text":"وقال مجاهد: (﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نثبت خطها ونبدل حكمها). وقال عطاء: (﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نؤخِّرُها ونُرْجئها). وقال عطية: (نؤخرها فلا ننسخها).\nوقال أبو العالية: (أي نؤخرها عندنا). وقال الضحاك: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾: يعني الناسخ من المنسوخ).\nويروي ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس قال: خطبنا عمر - ﵁ -، فقال: يقول الله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي: نؤخرها) ذكره ابن كثير.\n٢ - وعلى القراءة الثانية: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال قتادة: (كان الله ﷿: يُنسي نبيّه - ﷺ - ما يشاء، وينسخ ما يشاء). وقال الحسن: (إن نبيكم - ﷺ - أقرئ قرآنًا ثمَّ نَسِيه).\nيروي ابن جرير بإسناده إلى القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيِّب يقرأ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيِّب ولا على آل المسيّب، قال الله جل ثناؤه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ. . .﴾ [الكهف: ٢٤].\nأخرج البخاري عن ابن عباس قال: قال عمر (أقرؤنا أُبيّ، وأقضانا عليّ، وإنا لندَعُ من قول أُبيّ، وذاك أن أبيًّا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١).\nوفي رواية: (قال عمر: أبيٌّ أقرؤنا وإنا لنَدَعُ من لَحْنِ أُبَيٍّ، وأُبَيٌّ يقول: أَخذْتُهُ مِنْ في رسول الله - ﷺ - فلا أَتْرُكُهُ لِشيءٍ، قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾) (٢).\nوقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.\nأي: في الحكم والمنفعة والرفق والتخفيف. وتفصيل ذلك:\n١ - عن ابن عباس: (﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم).\n٢ - وقال قتادة فيها: (يقول: آية فيها تخفيف، فيها رحمة، فيها أمر، فيها نَهي).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٤٨١) - كتاب التفسير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٠٠٥) - كتاب فضائل القرآن.","vol":"1","page":358},{"text":"٣ - وقال السدي: (يقول: نأت بخير من التي نسخناها، أو مثل التي تركناها).\n٤ - وقال مجاهد: (كان عبيد بن عمير يقول: ﴿نُنْسِهَا﴾: نرفعها من عندكم، نأت بمثلها أو خير منها).\nو﴿نَأْتِ﴾ جواب الشرط، و﴿نُنْسِهَا﴾ عطف على ﴿نَنْسَخْ﴾، وحذفت الياء للجزم.\nقال القرطبي: (وهذه آية عظمى في الأحكام. وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك، وقالوا: إن محمدًا يأمر أصحابه بشيء ثمَّ ينهاهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من جهته، ولهذا يناقض بعضه بعضًا، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ وأنزل ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾).\nثمَّ قال: (معرفة هذا الياب أكيدة وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. روى أبو البَخْتَرِيّ قال: دخل عليّ - ﵁ - المسجد فإذا رجل يخوّف الناس، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجلٌ يُذكّر الناس، فقال: ليس برجل يذكّر الناس! لكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ ! فقال: لا، قال: فاخرج من مسجدنا ولا تُذَكِّر فيه. في رواية أخرى: أعلمتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكتَ وأهلكتَ).\nثمَّ ذكر خلاصة مَفهوم النسخ في كلام العرب وأنه على وجهين:\nالوجه الأوّل: النقل، كنقل كتاب من آخر. وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخًا، أي من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العِزّة في السماء الدنيا، وهذا لا مدخل له في هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] أي نأمر بنسخه وإثباته.\nالوجه الثاني: الإبطال والإزالة، وهو المقصود هنا، وهو منقسم في اللغة على ضربين: أحدهما: إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخَتِ الشمسُ الظلَّ إذا أذهبته وحلّت محله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. وفي صحيح مسلم: [لم تكن نبوة قط إلا تناسخت]، أي: تحولت من حال إلى حال، يعني أمر الأمّة. قال ابن فارس: النسخ نسخ الكتاب، والنسخ أن تزيل أمرًا","vol":"1","page":359},{"text":"كان من قبل يُعمل به ثمَّ تنسخه بحادث غيره، كالآية تنزل بأمر ثمَّ ينسخ بأخرى. وكل شيء خلف شيئًا فقد انتسخه، يقال: انتسخت الشمس الظلَّ، والشيبُ الشباب. وتناسخُ الورثة: أن تموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم، وكذلك تناسخُ الأزمنة والقرون.\nالثاني: إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه، كقولهم: نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] أي: يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nأي: من نسخ الأحكام وتبديلها واختيار أنفع منها وما هو أخف على العباد.\nوقوله قعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧].\nيرشد سبحانه عباده بهذا إلى أنَّه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الإيجاد والاختراع، والملك والسلطان، ونفوذ الأمر والإرادة، فكما أنَّه تعالى يخلق ما يشاء، ويُسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويُصِحّ من يشاء، ويُمرِض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويَخْذُلُ من يشاء، فكذلك فإنَّه سبحانه يحكم في عباده بما يشاء، فيحلّ ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.\nوالآية ردّ على اليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - وقد وقع النسخ في الكتب المتقدمة والشرائع الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرّم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثمَّ نسخ حِلَّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباحًا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها.\nوأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثمَّ نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عَبَدَ العجل منهم، ثم رَفَعَ عنهم القتل، كيلا يستأصلهم القتل. وفي القرآن من النسخ ما اتفقت عليه كلمة أهل العلم: كنسخ العدة بالحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكذلك أمر تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، وكذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، وكذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول - ﷺ - وغير ذلك من الأمور.","vol":"1","page":360},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\nأي: ليس لكم، أيها المؤمنون، بعد الله من قيّم بأمركم، ولا نصير فيؤيدكم ويقوّيكم، فيعينكم على أعدائكم. ذكره ابن جرير.\n١٠٨. قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨].\nفي هذه الآية: ينهى الله سبحانه عباده المؤمنين عن كثرة سؤال النبي - ﷺ - عن الأشياء قبل حدوثها، وعن تقليد اليهود الذين أكثروا السؤال لموسى ﵇ تنطعًا وشعورًا بالترف وقلة المسؤولية.\nقال القرطبي: (﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ هذه \"أمْ\" المنقطعة التي بمعنى بل، أي بل تريدون، ومعنى الكلام التوبيخ).\nيروي ابن جرير عن ابن عباس: (قال رافع بن حُرَيْملة ووهب بن زيد لرسول الله - ﷺ -: ائتنا بكتاب تنزِّله علينا من السماء نقرؤه، وفجِّر لنا أنهارًا، نَتَّبِعكَ ونصدقك! فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، الآية).\nوعن قتادة قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال: (وكان موسى يُسأل، فقيل له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾).\nقال ابن كثير: (والمراد أن الله ذمّ من سأل الرسول - ﷺ - عن شيء على وجه التعنّت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا).\nقلت: ولا شك أن الخطاب بهذه الآية يمتد إلى الكافرين ولا يقتصر على المؤمنين. ففي التنزيل: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. أي: إن تسألوا عنها بعد نزولها وحدوثها.","vol":"1","page":361},{"text":"وقد استفاضت السنة الصحيحة بهذا المعنى، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأوّل: أخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [إن الله كَرِهَ لكم ثلاثًا: قيلَ وقال، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السؤال] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: [إن أعظمَ المسلمين جُرْمًا مَنْ سألَ عن شيءٍ لمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ من أجل مسألتهِ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [دعوني ما تَرَكْتُكُمْ، فإنما هلكَ من كان قبلكم سؤالهُم واختلافُهُم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم] (٣).\nوأصله في صحيح مسلم عنه قال: [خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: أيها الناس! قد فُرِض عليكم الحجُّ فحُجُّوا. فقال رجل: أكُلَّ عام؟ يا رسول الله! فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: لو قلتُ: نَعَمْ، لوجَبَتْ، ولما استطعتم، ثمَّ قال: ذروني ما تركْتُكُمْ، فإنما هَلَكَ من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه] (٤).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سهل بن سعد: [أن عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ جاء إلى عاصم بن عديٍّ الأنصاريِّ فقال له: أرأيت يا عاصمْ! لو أن رجلًا وجد مع امرأته رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فتقتلونَهُ؟ أم كيف يفعل؟ فاسْئَل لي عن ذلك - يا عاصم! رسول الله - ﷺ -. فسأل عاصمٌ رسول الله - ﷺ - فكَرِهَ رسولُ الله - ﷺ - المسائل وعابها. .] (٥).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم أيضًا في صحيحه عن أنس قال: [نُهينا أن\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (١٤٧٧)، كتاب الزكاة، ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٧٢٨٩)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ورواه مسلم (٢٣٥٨)، وأحمد (١/ ١٧٦)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٧٢٨٨)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٣٣٧) - كتاب الحج. باب فرض الحج مرة في العمر.\n(٥) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٤٩٢) - كتاب اللعان، وانظر صحيح البخاري (٥٢٥٩).","vol":"1","page":362},{"text":"نَسْأَل رسولَ الله - ﷺ - عن شيءٍ، فكان يُعْجِبنا أن يجيءَ الرجل من أهل البادية، العاقِلُ، فَيَسْألَهُ ونحن نسمع] (١).\nوله شاهد عند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال: [إن كان ليأتي عليَّ السنة، أريد أن أسأل رسول الله - ﷺ - عن الشيء، فَأتهيَّبُ منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب] (٢).\nالحديث السادس: أخرج البزّار بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: [ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمَّد - ﷺ -، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. . .﴾ [البقرة: ٢١٩]. و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ. . .﴾ [البقرة: ٢١٧]، و﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى. . .﴾ [البقرة: ٢٢٠]. يعني هذا وأشباهه] (٣).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾.\nقال أبو العالية: (يقول: يتبدل الشدة بالرخاء).\nواستبعد ابن جرير هذا التفسير وقال: (إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويله ﴿الْكُفْرَ﴾ بمعنى الشدة في هذا الموضع، وبتأويله ﴿بِالْإِيمَانِ﴾ في معنى الرخاء: ما أعدّ الله للكفار في الآخرة من الشدائد، وما أعدّ الله لأهل الإيمان فيها من النعيم).\nوالمعنى: ومن يختر الكفر بديلًا عن الإيمان فقد عدل عن الصراط المستقيم إلى الجهل والضلال. لذلك قال تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال الراغب: (فإن قيل ما فائدة قوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ﴾ إلخ ومعلوم أنَّه بدون الكفر يضل الإنسان سواء السبيل فكيف بالكفر؟ قيل معنى ذلك: من يتبدل الكفر بالإيمان يعلم أنَّه قد ضل، قبلُ، سواء السبيل، وفي ذلك تنبيه أن ضلاله سواء السبيل قاده إلى الكفر بعد الإيمان. ومعناه: لا تسألوا رسولكم كما سئل موسى فتضلوا سواء السبيل فيؤدي بكم إلى تبديل الكفر بالإيمان. قال: ووجه آخر، وهو أنَّه سمى معاندة الأنبياء ﵈، بعد حصول ما تسكن النفس إليه، كفرًا، إذ هي مؤدية إليه) ذكره القاسمي.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٢) كتاب الإيمان. باب السؤال عن أركان الإيمان.\n(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم وله شواهد كثيرة. أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده.\nانظر تفسير ابن كثير - تحقيق المهدي - حديث رقم (٥٥٩).\n(٣) رواه البزار، وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير. انظر المرجع السابق.","vol":"1","page":363},{"text":"١٠٩ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nفي هذه الآيات: يوجّه الباري ﷿ عباده المؤمنين إلى أخذ الحذر من مداخل الكفار من أهل الكتاب، ويكشف لهم عن ما تنطوي عليه أنفسهم من العداوة والبغضاء والغل والمكر والحسد، ثمَّ يأمر سبحانه عباده المؤمنين بالصفح والعفو حتى ينزل الفرج من الله بالنصر والظفر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاستعداد للقاء الله جل ذكره.\nوقوله: ﴿وَدَّ﴾. أي: تمنى.\nو﴿كُفَّارًا﴾ مفعول به ثان لـ ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾.\nوقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. أي: من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمروا به، وإنما فاضت به نفوسهم المريضة.\nقال ابن عباس: (إن رسولًا أميًّا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثمَّ يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا، وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقوله: من بعد ما أضاء لهم الحق، لَمْ يَجْهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فَعَيَّرهم ووبَّخَهم ولامهم أشدَّ الملامة).\nوقال الربيع بن أنس: (﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: من قِبَلِ أنفسهم).\nوقال أبو العالية: (﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: من بعد ما تبيّن أن محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا وبغيًا، إذ كان من غيرهم).\nوالحسد نوعان: مذموم ومحمود. فالمذموم ما كان فيه تمني زوال نعمة الله عن","vol":"1","page":364},{"text":"أخيك المسلم، لتعود إليك أو لا تعود، وقد ذمّ الله هذا النوع بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nقال القرطبي: (وإنما كان مذمومًا لأنَّ فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم على من لا يستحق).\nوأما المحمود فهو بمعنى الغبطة. وهو تمني الحصول على النعمة التي على أخيك دون أن تزول عنه. فإن كان في العمل الصالح والمعالي فهو من المنافسة المحمودة كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] فيجوز تسميته بالمنافسة. وقد صنف الإمام البخاري في صحيحه بابًا سمّاه: \"باب الاغتباط في العلم والحكمة\"، وبابًا سماه: \"باب اغتباط صاحب القرآن\"، روى فيه عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا حَسَدَ إلا على اثنتين، رجُلٌ آتاه اللهُ الكتابَ وقام به آناءَ الليل، ورجلٌ أعطاه الله مالًا فهو يتصدّق به آناء الليل وآناء النهار] (١).\nوكذلك روى البخاري عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رَجُلٌ عَلّمَهُ الله القرآنَ فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمِعَهُ جارٌ له فقال: ليتني أُوتيتُ مِثْلَ ما أوتِيَ فلانٌ فَعَمِلْتُ مِثلَ ما يَعْمَلُ، ورجل آتاه الله مالًا فهو يُهلِكُهُ في الحق، فقال رجل: لَيْتَني أوتيتُ مِثلَ ما أوتيَ فلانٌ، فعملتُ مثلَ ما يعمل] (٢).\nوقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nيشبه قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبرهُ، قال: [كان رسول الله - ﷺ - وأصحابُه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان رسول الله - ﷺ - يتأول من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٥٠٢٥)، كتاب فضائل القرآن. باب اغتباط صاحب القرآن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح من حديث أبي هريرة. انظر صحيح البخاري - حديث رقم - (٥٠٢٦)، كتاب فضائل القرآن. الباب السابق.\n(٣) صحيح الإسناد، أورده ابن كثير في التفسير (٥٦٤) في سورة البقرة، آية (١٠٩). من حديث عروة.","vol":"1","page":365},{"text":"والحديث السابق أورده البخاري في صحيحه ضمن حديث طويل عن أسامة بن زيد وفيه: [وكان النبي - ﷺ - وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا. . .﴾ الآية. [آل عمران: ١٨٦]، وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، وكان النبي - ﷺ - يتأول العَفْو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله - ﷺ - بدرًا فقتل الله به صناديدَ كفار قريش قال ابنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجّه. .] (١). أي ظهر وجهه، فأظهروا الإِسلام وأبطنوا النفاق والكفر.\nقلت: وقد صحت رواية في أسباب نزول هذه الآية عن الزهري من رواية ابن أبي عاصم، عن عروة عن أسامة بن زيد أنَّه أخبره: [أن رسول الله - ﷺ - ركب على حمار فقال لسعد: ألم تسمع ما قال أبو الحباب - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا، فقال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح. فعفا عنه رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - وأصحابه يعفون عن أهل الكتاب والمشركين، فأنزل الله ﷿: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾] (٢).\nولا شك أن هذا الأمر بالعفو والصفح عن المشركين كان في أول الإِسلام، أيام غربته الأولى، ثمَّ أكرم الله المؤمنين بالشوكة ونزول آية السيف.\nقال ابن عباس: (﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: نسخ ذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. . .﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. .﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فنسخ هذا عفوَه عن المشركين).\nوقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي وقتادة: (إنها منسوخة بآية السيف).\nولا ريب أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ يرشد إلى ذلك.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٤٥٦٦) كتاب التفسير، ضمن حديث طويل عن آية آل عمران (١٨٦).\n(٢) الحديث في الصحيح من طريق شعيب بن أبي حمزة بهذا السند، لكن ليس في الصحيح سبب النزول. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٤٥٦٦)، وانظر للرواية السابقة: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة البقرة، آية (١٠٩).","vol":"1","page":366},{"text":"وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠].\nفيه توجيه من الله سبحانه للمؤمنين للاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم بخير العاقبة في الدار الآخرة، حتى يأذن الله سبحانه لهم بالنصر والتمكين. فإن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لمن أجَلِّ الأعمال أيام غربة الإِسلام. كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ. . .﴾ [النساء: ٧٧].\nوعن الربيع: (قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعني: تجدوا ثوابه عند الله). وفي بعض الآثار: (إن العبد إذا مات قال الناس ما خَلّف! وقالت الملائكة ما قدَّم!؟).\nوفي صحيح البخاري وسنن النسائي عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أيُّكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله، ما منّا من أحد إلا ماله أحبُّ إليه من مال وارثه، قال رسول الله - ﷺ -: ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله. مالُك ما قدَّمت ومالُ وارثك ما أخّرت].\nهذا لفظ النسائي، ولفظ البخاري: [قال عبد الله: قال النبي - ﷺ -: أيّكم مال وارثِه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله، ما منّا أحدٌ إلا ماله أحبُّ إليه، قال: فإن ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخَّر] (١).\nقال أبو العتاهية:\nاسعَدْ بِمالِكَ في حياتك إنما ... يبقى وراءك مصلحٌ أو مفسدُ\nوإذا تركت لمفسدٍ لم يبقه ... وأخو الصلاح قليله يتزيّد\nوإن استطعت فكن لنفسك وارثًا ... إن المورّث نفسه لمسدّد\nوقال آخر:\nوَلَدَتْكَ إذْ وَلَدَتْكَ أمُّك باكيًا ... والقومُ حَوْلَكَ يضحكون سرورًا\nفاعمل ليومٍ تكون فيه إذا بَكَوْا ... في يوم موتك ضاحكًا مسرورًا\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nفيه وعد ووعيد وأمر وزجر.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري - (٦٤٤٢) - كتاب الرقاق. باب ما قدّم من ماله فهو له.","vol":"1","page":367},{"text":"قال ابن جرير: (وذلك أنَّه أعلم القوم أنَّه بصير بجميع أعمالهم، ليجدّوا في طاعته، إذ كان ذلك مذخورًا لهم عنده حتى يُثيبهم عليه، كما قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وليحذروا معصيته، إذ كان مطّلعًا على راكبها، بعد تقدُّمه إليه فيها بالوعيد عليها، وما أوْعَدَ عليه ربُّنا جل ثناؤه فمنهي عنه، وما وَعَدَ عليه فمأمور به. أما قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾، فإنَّه \"مُبْصر\" صُرِفَ إلى ﴿بَصِيرٌ﴾، كما صُرِفَ \"مُبْدع\" إلى \"بديع\" و\"مؤلم\" إلى \"أليم\").\n١١١ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر ﷾ عن غرور اليهود والنصارى حين ادّعت كل طائفة منهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها فأكذبهم الله بغرورهم، كما أكذبهم حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. . .﴾ [المائدة: ١٨]، ثمَّ الفصل بينهم يوم القيامة.\nوالهود: جم هائد، وهو التائب الراجع إلى الحق. أو أن يكون مصدرًا عن الجميع، وقيل: المراد إلا من كان يهودًا. وهذا ما عناه القوم وحلّقوا فيه بأمانيهم. قال قتادة: (﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: أماني يتمنَّونها على الله كاذبة).\nوقال الربيع: (تمنوا على الله بغير الحق).\nقال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. قال قتادة: (هاتوا بَيِّنَتَكُمْ). وقال السدي: (هاتوا حُجَّتَكُم). وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني: في دعواكم.\nقال الرازي: (دلت الآية على أن المدعي سواء ادّعى نفيًا أو إثباتًا، فلا بد له من الدليل والبرهان، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد).","vol":"1","page":368},{"text":"وقال الزمخشري: (وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل عليه، فهو باطل غير ثابت).\nثمَّ قال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾\nأي: أخلص دينه لله تعالى. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبع فيه لرسول الله - ﷺ - ومنهاجه.\nوقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني: القبول وتلقي العمل ورفعه. فإن للعمل المتقبل شرطين: الأوّل: أن يكون خالصًا لله وحده. والثاني: أن يكون موافقًا لمنهاج الشريعة.\nففي صحيح مسلم عن عائشة - ﵂ -، عن النبي - ﷺ - قال: [من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد] (١). ورواه البخاري وأحمد عنها بلفظ: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] (٢). وقوله \"بلى\" تكذيب وردّ لهم. أي ليس الأمر كما تقولون وتدّعون.\nومعنى ﴿أَسْلَمَ﴾: استسلم وخضع. وقيل: أخلص عمله. قال القرطبي: (وخصّ الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يُرى من الإنسان، ولأنه موضع الحواس، وفيه يظهر العِزُّ والذُّل. والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء، ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد). وجملة ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في محلّ نصب حال.\nقال ابن جرير: (يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، فللمسلم وجْهَه لله محسنًا، جزاؤه وثوابه على إسلامه وطاعته ربه، عند الله في معاده).\nوقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾.\nيعني: على المسلمين وجوههم لله وهم محسنون، من عقاب وعذاب جهنم، بل هم آمنون بإخلاصهم وصواب توجههم إلى الله سبحانه. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٧١٨) كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور. ورواه أحمد. انظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٦٢٧٤).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٢٦٩٧) ومسند أحمد (٦/ ٢٤٠). ورواه مسلم أيضًا في الباب السابق بهذا اللفظ. وانظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٥٨٤٦).","vol":"1","page":369},{"text":"ما خلّفوا وراءهم في هذه الحياة الدنيا، ولا أن يمنعوا من النعيم المقيم الذي أعدّه الله لأوليائه وأهل طاعته.\nوقوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.\nيبين ﷾ في هذه الآية تناقض الفريقين من أهل الكتاب وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم.\nقال مجاهد: (قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء). وقال قتادة: (﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾، قال: بلى، قد كانت أوائل النصارى على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. ﴿وَقَالتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: بلى، قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا).\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.\nقال ابن عباس: (أي كلٌّ يتلو في كتابه تصديق ما كفر به، أي يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم من الميثاق على لسان موسى بالتصديق بعيسى ﵇، وفي الإنجيل مما جاء به عيسى تصديقُ موسى وما جاء به من التوراة من عند الله، وكلٌّ يكفر بما في يد صاحبه).\nثمَّ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.\nوفيه عند المفسرين أقوال:\n١ - عن الربيع: ﴿قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، قال: (وقالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم).\n٢ - عن ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: (أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل).\n٣ - وقال السدي: (هم العرب، قالوا: ليس محمَّد - ﷺ - على شيء).\nوقال ابن جرير: (وقال بعضهم: عنى بذلك مُشركي العرب؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، فنسبوا إلى الجهل، ونُفي عنهم من أجل ذلك العلم).\nوبالجمع بين الأقوال: فإن أهل الكتاب قد أتوا من قِيل الباطل والافتراء على الله","vol":"1","page":370},{"text":"وجحود نبوة الأنبياء والرسل مثل ما قال أهل الجهل بالله وكتبه ورسله ممن لم يبعث الله لهم رسولًا ولا أنزل عليهم كتابًا. وهو اختيار ابن جرير.\nوقوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العَدْل، الذي لا يجورُ فيه ولا يظلم مثقال ذرة).\nقال تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].\nوقال في سورة سبأ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦].\n١١٤. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nفي هذه الآية: تهديد ووعيد لمن منع مساجد الله أن يُعَظَّم فيها ويذكر فيها وتعلّم فيها علوم كتابه وهدي نبيّه - ﷺ -، وهؤلاء سيبقون على خوف عند دخولها مما يمكن أن ينزل بهم، فلهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم.\nالمساجد: جمع مسجد، وهو كل موضع عُبِد الله فيه، وفي الآية أكثر من تأويل:\nالتأويل الأوّل: المقصود النصارى، والمسجد بيت المقدس.\nقال مجاهد: (﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: النصارى، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يُصَلّوا فيه). وقال ابن عباس: (إنهم النصارى). وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير ﵀،\nالتأويل الثاني: قيل بل هو بُخْتَنَصَّر وجنده ومن أعانهم من النصارى، والمسجد مسجد بيت المقدس. فعن قتادة في تفسير الآية قال: (أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بُغض اليهود على أن أعانوا بُخْتَنَصَّر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس). وفي رواية: (هو بختنصَّر وأصحابه، خرّب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى).","vol":"1","page":371},{"text":"وقال السدي فيها: (الرُّوم، كانوا ظاهروا بختنصَّر على خراب بيت المقدس حتى خرّبه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه، من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا).\nالتأويل الثالث: قيل بل المقصود مشركو قريش إذ منعوا رسول الله - ﷺ - من المسجد الحرام.\nقال ابن زيد فيها: (هؤلاء المشركون، حيث حالوا بين رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة، حتى نحر هديه بذي طُوىً وهادنهم، وقال لهم: ما كان أحد يُرَدُّ عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصدُّه! وقالوا: لا يدخل علينا مَنْ قَتَلَ آباءنا يوم بدر وفينا باقٍ!). وهو اختيار ابن كثير. واستبعد ابن جرير هذا القول، واحتج بأن قريشًا لم تسعَ في خراب الكعبة، ورجح القول الأوّل.\nقلت: والآية عامة، والأولى أن تبقى كذلك عامة في حق كل من منع مساجدَ الله أن يعظَّم فيها ويذكَر فيها وتُعَلَّم فيها علوم كتابه وهدي نبيّه - ﷺ -، وكذلك اختار القرطبي ﵀، أن المراد مَنْ منع مِن كل مسجد إلى يوم القيامة، لأنَّ اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف، والله تعالى أعلم. ثمَّ قال: (خراب المساجد قد يكون حقيقيًّا كتخريب بُخْتَ نَصَّر والنصارى بيت المقدس على ما ذُكر أنهم غَزَوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل: اسمه نطوس بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنَوِيّ - فقتلوا وسَبَوْا، وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس العَذِرة وخربوه. ويكون مجازًا كمنع المشركين المسلمين حين صدّوا رسول الله - ﷺ - عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإِسلام فيها خراب لها).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.\nخبرٌ من الله سبحانه بأن عقوبة أولئك المخربين لبيوته المانعين فيها ذكره أن حرّم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها، إلا على خوف ووجل من العقوبة أن تنزل بهم.\nفعن قتادة: (﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾، وهم النصارى، فلا يدخلون المسجد إلا مُسارقةً، إنْ قُدِر عليهم عوقبوا). قال السدي: (فليس في الأرض روميٌّ","vol":"1","page":372},{"text":"يدخلها اليوم إلا وهو خائف أن تُضربَ عنقه، أو قد أخِيف بأداء الجزية، فهو يؤدِّيها).\nوقال ابن زيد: (نادى رسول الله - ﷺ -: \"لا يَحُجُّ بعد العام مشوك، ولا يطوف بالبيت عُريان\". قال: فجعل المشركون يقولون: اللهم إنا منعنا أن نَنْزِل).\nوقوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nيعني: القتل والسباء في الدنيا، أو الذلة والصغار بأداء الجزية، ونار جهنم في الآخرة.\nقال قتادة فيها: (يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون). وقال السدي: (أما خِزيهم في الدنيا، فإنهم إذا قام المهديُّ وفتحت القسطنطينية قتلهم. فذلك الخزي. وأما العذاب العظيم، فإنَّه عذاب جهنم الذي لا يخفّف عن أهله، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا. وتأويل الآية: لهم في الدنيا الذّلة والهوانُ والقتل والسَّبْي - على منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيهم في خرابها، ولهم، على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم في الأرض فسادًا، عذابُ جهنم، وهو العذاب العظيم).\n١١٥. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nفي هذه الآية: يُسَلّي الله سبحانه رسوله - ﷺ - وأصحابه وقد أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد مكثوا بمكة يصلون إلى بيت المقدس والكعبة أمامهم، وكذلك مكثوا ستة عشر شهرًا تقريبًا يصلون إليه بالمدينة حتى حولهم ربهم سبحانه إلى الكعبة.\nقال ابن عباس: (أول ما نُسِخَ من القرآن فيما ذكر لنا - والله أعلم - شأن القِبلة. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فاستقبل رسول الله - ﷺ -، فصلّى نحو بيت المقدس، وتَرَك البيت العتيق، ثمَّ صرفه إلى البيت العتيق ونسخها. فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾) (١).\n_________\n(١) ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ بإسناد حسن، رجاله ثقات. انظر تحقيق تفسير ابن كثير - المهدي - آية البقرة (١١٥).","vol":"1","page":373},{"text":"وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا﴾. يعني: حيثما. وقوله ﴿فَثَمَّ﴾. يعني هنالك. وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. قال مجاهد: (قبلة الله). وقيل: فثم الله ﵎. وقيل: يعني رضا الله. وقيل: وجه الله صفة له.\nوقد اختلف في سبب نزول هذه الآية على عدة أقوال:\nالقول الأوّل: استنكار اليهود تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فأنزل الله الآية.\nقال ابن عباس: (فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾).\nفيكون تأويل الآية: (يقول سبحانه: المشارقُ والمغارب كلها لي، أصْرفُ وجوهَ عبادي كيف أشاء منها، فحيثما تُوَلوا فثم وجه الله).\nالقول الثاني: أنزلت قبل أن يفرض الله القبلة على نبيّه - ﷺ - نحو البيت الحرام، فكان لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب.\nقال قتادة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: هي القبلة، ثمَّ نسختها القبلة إلى المسجد الحرام).\nالقول الثالث: أنزلت في التطوع، إذْنًا من الله تعالى لنبيه - ﷺ - أن يصليها حيث توجه في مسيره في سفره، وحال المسايفة، وفي شدة الخوف والتقاء الزحوف في الفرائض.\nففي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: [كان رسول الله - ﷺ - يصلي، وهو مُقْبِلٌ مِنْ مكَّةَ إلى المدينة، على راحلته حيثُ كان وجْهُه. قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾] (١).\nالقول الرابع: قيل بل نزلت في قوم عُمِّيت عليهم القبلة فصلوا على أنحاءٍ مختلفة.\nأخرج ابن ماجة والترمذي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: [كنا مع رسول الله - ﷺ -، في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدًا يصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذ نحن قد صلينا إلى غير القبلة. فقلنا: يا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٧٠٠) ح (٣٣). كتاب صلاة المسافرين. باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت. ورواه أحمد والنسائيُّ والترمذي.","vol":"1","page":374},{"text":"رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾] (١).\nوعند ابن مَرْدُويه عن ابن عباس: (أن رسول الله - ﷺ - بعث سرية فأخذتهم ضبابة فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة. ثمَّ استبان لهم بعدما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة، فلما جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ - حدثوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾) (٢).\nالقول الخامس: قيل بل نزلت في النجاشي مات قبل أن يصلي إلى القبلة.\nقلت: والراجح عندي القول الثالث والرابع من الأقوال، فإن القول الثالث ثبت البيان فيه في خبر السنة الصحيحة، وقد صنف بذلك الإمام مسلم في صحيحه بابًا لذلك، وروى فيه خبر نزول الآية، ثمَّ روى عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: [كان رسول الله - ﷺ - يسبِّح على الراحلة قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويوتِرُ عليها، غيرَ أنَّه لا يصلي عليه المكتوبة] (٣).\nفيدل على جواز صلاة النافلة أينما توجه العبد وهو راكب في السفر أو الغزو، كما أن القول الرابع يدلّ على أنَّه لا إعادة على من بذل وسعه لمعرفة القبلة في الفريضة فصلاها لغير القبلة، فصلاته صحيحة، ويؤيد ذلك ما أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: [ما بين المشرق والمغرب قبلة] (٤). وفي لفظ:\n[ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة، وأهل الشام، وأهل العراق] (٥).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٤٥) وابن ماجة (١٠٢٠) والطبري (١٨٤٣)، وفي سنده ضعيف وهو أشعث بن سعيد السمان، ولكن كثرت شواهده من طرق مختلفة وإن كانت لا تخلو من نظر، والحديث بمجموعها حسن أو يقرب من الحسن والله أعلم.\n(٢) إسناده واه لأجل الكلبي، ولكنه والذي قبله كما قال الحافظ ابن كثير: (وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشدّ بعضها بعضًا). وانظر تفسير ابن كثير - تحقيق عبد الرزاق المهدي. البقرة (١١٥).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٧٠٠) ح (٣٩). كتاب صلاة المسافرين.\n(٤) حديث حسن. انظر سنن الترمذي -حديث رقم- (٣٤٤). وصحيح الجامع (٥٤٦٠).\n(٥) حسن بشواهده. انظر سنن الترمذي -حديث رقم- (٣٤٢)، وسنن ابن ماجة -حديث رقم- (١٥١١) والمرجع السابق، وذكره ابن كثير في التفسير. سورة البقرة: الآية (١١٥).","vol":"1","page":375},{"text":"قال ابن عمرة (إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة) (١). وقال مجاهد: (﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: قبلةُ الله، فأينما كنتَ من شرق أو غرب فاستقبلها). وقال: (حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها. قال: الكعبة). أي أن التوجه إليها ممكن من كل بقاع الأرض. وروي عنه أيضًا أن الدعاء داخل في مفهوم هذه الآية، أي: أينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي، أستجيب لكم دعاءكم. قال ابن جريج: (قال مجاهد: لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن جرير: (يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير. وأما قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ فإنه يعني: أنَّه عليم بأفعالهم، لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم).\n١١٦ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nفي هذه الآيات: ردٌّ على النصارى، ومن أشبههم من اليهود ومشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم بدعواهم الكذب أن لله ولدًا. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزه وتقدس وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا. فهو المبدع لكل شيء في السماوات والأرض، وأمره لا يزيد على قوله ﴿كُنْ﴾ فيكون.\nوفي التنزيل: ﴿وَقَالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَال هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨: ٩٥].\n_________\n(١) المرجع السابق. قال الترمذي: (وقد روي عن غير واحد من الصحابة: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\").","vol":"1","page":376},{"text":"وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.\nفأخبر بذلك سبحانه أنَّه السيد العظيم الأحد الذي لا نظير له ولا شبيه، وكل ما سواه مخلوق له، فكيف يكون له منها ولد، وله ما في السماوات وما في الأرض.\nقال ابن جرير: (ومعنى ذلك: وكيف يكون المسيح لله ولدًا، وهو لا يخلو: إما أن يكون في بعض هذه الأماكن، إمّا في السماوات، وإمّا في الأرض، ولله ملِك ما فيهما، ولو كان المسيح ابنًا كما زعمتم، لم يكن كسائر ما في السماوات والأرض من خلقه وعبيده، في ظهور آيات الصنعة فيه).\nأخرج البخاري في تفسير هذه الآية من سورة البقرة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله ﵎: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولدٌ فسبحاني أن أتخذ صاحِبةً أو ولدًا] (١).\nوكذلك أخرج البخاري ﵀ في تفسير سورة الإخلاص، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: [قال الله تعالى: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوَّل الخلق بأهْوَنَ عَليَّ من إعادتِه، وأما شتْمُهُ إيَّايَ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصَّمد، لم ألِدْ ولمْ أُولدْ، ولم يَكُنْ لي كُفُوًا أحد] (٢).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [لا أحدَ أصبرُ على أذى سَمِعَه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم] (٣).\nوقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال مجاهد: (مطيعون. قال: طاعة الكافر في سُجود ظلّه). وفي رواية: (بسجود ظله وهو كاره).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٤٤٨٢) - كتاب التفسير، سورة البقرة (١١٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٤٩٧٤) - كتاب التفسير، سورة الإخلاص.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٦٠٩٩)، وصحيح مسلم -حديث رقم- (٢٨٠٤)، والبيهقيُّ في \"الأسماء والصفات\" (١٠٦٤).","vol":"1","page":377},{"text":"٢ - قال السدي: (كل له مطيعون يوم القيامة).\n٣ - قال عكرمة: (كل مقرٌّ له بالعبودية).\n٤ - وقال الربيع: (كل له قائم يوم القيامة).\nقال ابن جرير: (ولـ ﴿القنوت﴾ في كلام العرب معانٍ: أحدها: الطاعة، والآخر: القيام، والثالث: الكف عن الكلام والإمساك عنه). ثمَّ اختار أن المعنى في الآية هنا الطاعة والإقرار لله ﷿ بالعبودية، بشهادة أجسامهم، بما فيها من آثار الصنعة والدلالة على وحدانية الله ﷿، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها.\nوكذلك ذهب الحافظ ابن كثير حيث قال: (القنوت هو الطاعة والاستكانة إلى الله، وذلك شرعي وقَدَري، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾) [الرعد: ١٥]).\nوقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: مبدعها.\nوإنما هو \"مُفْعِل\" أي مُبْدع، فصرف إلى \"فعيل\" أي بديع. كما صرف المؤلم إلى الأليم، والمسمع إلى سميع. قال الربيع: (﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول: ابتدع خلقها، ولم يشركه في خلقها أحد). وقال السدي: (ابتدعها، فخلقها، ولم يُخْلق قبلها شيء فيتمثَّل به).\nوالمبدع هو المحدث ما لم يسبق إليه. ومنه سمي المبتدع في الدين مبتدعًا، وما أحدثه يسمى بدعة، كما في صحيح مسلم: [فإن كل محدثة بدعة] (١).\nقال الحافظ ابن كثير في التفسير: (والبدعة على قسمين، تارة تكون بدعةً شرعية، كقوله: \"فإن كلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (٢). وتارة تكون بدعةً لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - ﵁ - عن جَمْعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نِعْمَت البدعة هذه).\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو بعض حديث أخرجه الإمام مسلم، وسيأتي بتمامه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (٤٦) بسند صحيح، وسيأتي.","vol":"1","page":378},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nبيان من الله سبحانه لكمال قدرته وعظيم سلطانه. فيقول للأمر: كن، أي: مرة واحدة، فيكون كما أراد سبحانه ووفق ما أراد.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].\nوقد خلق سبحانه عيسى ﵇ من قبل بكلمة: كنْ. فكان كما أمره الله تعالى، قال جل ذكره: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].\n١١٨. قوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.\nفي هذه الآية: ظهور العتو والعناد وسؤال ما لا حاجة فيه من كفار العرب كما ظهر ذلك في أمم أهل الكتابين، فقد تشابه القوم في الضلال.\nوقد اختلف المفسرون في المقصود بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ على أقوال:\n١ - قال مجاهد: (﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: النصارى). واختاره ابن جرير.\n٢ - قال ابن عباس: (هم اليهود). وعن محمَّد بن إسحاق بسنده إلى ابن عباس قال: (قال رافع بن حُرَيملة لرسول الله - ﷺ -: إنْ كنت رسولًا من عند الله كما تقول، فقل لله ﷿ فليكلِّمنا حتى نسمع كلامه! فأنزل الله ﷿ في ذلك من قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ الآية كلها).\n٣ - وقال قتادة: (هم كفار العرب). وهو اختيار ابن كثير.","vol":"1","page":379},{"text":"وقوله: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾.\nأي: فهلاّ يكلمنا الله ويؤتينا آية كما أوتي الرسل. وقيل المعنى: (أي يخاطبنا بنبوتك يا محمَّد) حكاه القرطبي.\nثمَّ اختلفوا بناء على ما سبق في قوله: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ على أقوال:\n١ - قال مجاهد: (هم اليهود).\n٢ - قال قتادة: (يعني اليهود والنصارى وغيرهم). وبنحوه قال السدي: (قالوا: - يعني العرب - كما قالت اليهود والنصارى من قبلهم).\n٣ - قيل بل هم الأمم السالفة. وعني بالذين لا يعلمون: اليهود والنصارى.\nقلت: ويبدو أن المقصود بـ ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم مشركو العرب، فإن طلبهم الذي طلبوه قد تكرر في القرآن في آيات كثيرة:\n١ - قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤].\n٢ - وقال في سورة الإسراء: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].\n٣ - وقال في سورة الفرقان: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا. . .﴾ [الفرقان: ٢١].\n٤ - وقال في سورة المدثر: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢].\nفهذه الخصال من العتو والعناد وسؤال ما لا حاجة فيه قد تكررت من كفار العرب ومشركيهم، كما ظهرت قبلهم في الأمم الخالية من أهل الكتابين، كما قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. . .﴾ [النساء: ١٥٣]\nوقوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].\nأي: في الكفر والعناد والتنطع.","vol":"1","page":380},{"text":"قال الفراء: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في اتفاقهم على الكفر). وقيل: (في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان) ذكره القرطبي. وقال ابن كثير: (أي أشْبَهَتْ قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].\nوقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. أي: يتعظون بأخبار من سبقهم فيؤمنون بالله ورسله بصدق ويقين لئلا ينزل بهم ما نزل بالمكذبين والمعاندين.\n١١٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.\nفي هذه الآية: إعلام الله تعالى نبيّه - ﷺ - أنَّه مرسل بالحق بالبشارة والنذارة، وإنما الهداية بيد الله، ولا عليك شأن المتكبرين والمعاندين.\nأخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة. فقال: [أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وحِرْزًا للأميّين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُك المتوكل، ليس بفَظّ ولا غليظٍ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يَدْفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيمَ به المِلَّةَ العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويُفْتَحُ بها أعينٌ عُمْيٌ، وآذانٌ صُمٌّ، وقلوب غُلْف] (١).\nوفي لفظ: (فيفتح به أعينًا عُمْيا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلْفًا).\nوقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.\nأي: إنما عليك البلاغ والإنذار، ولست مسؤولًا عمن كفر وعن مصير من كفر.\nوقرأ بعض أهل المدينة: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ جزمًا، في حين قرأها أُبيّ بن كعب: \"وما\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٢١٢٥) كتاب البيوع، و(٤٨٣٨) كتاب التفسير، ورواه أحمد في المسند (٢/ ١٧٤).","vol":"1","page":381},{"text":"تُسْأَلُ\"، وذكر ابن جرير أنها في قراءة ابن مسعود: \"ولن تُسألَ\"، والقراءة المشهورة هي قراءة قرّاء الأمصار: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾.\n١٢٠ - ١٢١. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله سبحانه نبيّه - ﷺ - والمؤمنين عن طبيعة اليهود والنصارى، بأنهم لا يرضون عنك أبدًا حتى توافق طريقتهم وأهواءهم، وتترك ما أنت عليه من الحق لأجلهم، ومن ثمَّ فإن الخير لك ولأمتك في خلافهم وعدم مشابهتهم، وتعظيم الوحي والهدى الذي اختصك الله به لجمع الخلق كلهم ولو كره المبطلون.\nقال القرطبي: (المعنى: ليس غرضهم يا محمَّد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإِسلام واتباعهم).\nوالملة: اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله، فالملة هي الدين، وجمعها المِلَل.\nوقوله: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.\nأي: بيان الله هو الحجة وهو القضاء الفصل وإليه التحاكم، وفي ذلك تكذيب لادعائهم أنَّه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى.\nوقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\nهو تهديد ووعيد، وتحذير شديد، من الله سبحانه للأمة إذا اتبعت طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة، والخطاب وإن كان للرسول - ﷺ -، إلا أن الأمة به مرادة.\nقال ابن كثير: (وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، حيث أفردَ الملّة، على أن الكفر كلّه ملّة واحدة، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾).","vol":"1","page":382},{"text":"فقد ذهب أبو حنيفة والشافعيُّ وأحمد إلى ذلك، وكذلك استدلوا بالحديث: [لا يتوارث أهل ملتين] (١) على أن المراد به الإِسلام والكفر. بدليل قوله ﵇: [لا يرث المسلم الكافر] (٢)، فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار.\nوفي قوله تعالى: ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾.\nسُئل أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر، قيل: بم كفَّرته؟ فقال: (بآيات من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والقرآن من علم الله. فمن زعم أنَّه مخلوق فقد كفر).\nقال الرازي: (في الآية دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلًا. فمن هذا الوجه تدل على بطلان التقليد).\nوختام الآية: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾. يلي أمرك ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنك عقابه.\nقال القاسمي: (وإنما أوثِر خطابه - ﷺ - ليدخل دخولًا أوليًّا مَن اتبع أهواءهم بعد الإِسلام من المنافقين تمسكًا بولايتهم، طمعًا في نصرتهم).\nوفي فتح البيان ما نصّه: (وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتنصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه - ترك الدهان لتاركي العمل بالكتاب والسنة، المؤْثرين لمحض الرأي عليهما).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾.\nقال قتادة: (هؤلاء أصحاب نبيّ الله - ﷺ - آمنوا بكتاب الله وصدقوا به).\nوقيل: بل المراد علماء بني إسرائيل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، فأقرّوا بحكم التوراة وامتثلوا ما جاء بها من الأمر باتباع محمَّد - ﷺ - وتصديقه. قال ابن زيد في الآية: (من كفر بالنبي - ﷺ - من يهود، فأولئك هم الخاسرون). وهو اختيار ابن جرير.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الترمذي في السنن عن جابر، والنسائيُّ والحاكم عن أسامة. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٤٨٩).\n(٢) جزء من حديث في الصحيحين والسنن عن أسامة بلفظ: [لا يرث الكافرُ المسلم، ولا المسلم الكافر] ورواه أحمد أيضًا. انظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٧٥٦٢).","vol":"1","page":383},{"text":"وقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (يتبعونه حق اتباعه). قال: (يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرِّفونه).\n٢ - وقال ابن مسعود: (والذي نفسي بيده، إنّ حقَّ تلاوته: أن يُحل حلاله ويحرِّم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرِّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوّل منه شيئًا على غير تأويله). وعن مجاهد: (﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: عملًا به). قال: (يعملون به حقّ عمله). وقال عطاء: (يتبعونه حق اتباعه، يعملون به حق عمله).\n٣ - عن قيس بن سعد: (﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، قال: يتبعونه حق اتباعه، ألم تر إلى قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يعني الشمسَ إذا تبعها القمر).\n٤ - وقال الحسن: (يعملون بمُحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكِلون ما أشكل عليهم إلى عالمه).\n٥ - وقال آخرون: (يقرؤونه حق قراءته).\nأخرج ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطّاب: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: (إذا مَرَّ بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مرّ بذكر النار تعوذ بالله من النار). ذكره ابن كثير.\nقلت: ويؤيده ما في صحيح الإمام مسلم من حديث حذيفة قال: [كان إذا مرَّ بآية خوفٍ تعوَّذ، وإذا مرَّ بآية رحمة سألَ، وإذا مرّ بآيةٍ فيها تنزيهُ الله سبّح] (١).\nوقال أبو موسى الأشعري: (من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة) ذكره القرطبي.\nقلت: وكل هذه الآثار والتفاسير تتدفق من مفهوم قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.\nخبر عن ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٧٧٢) - كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. ورواه أحمد وأصحاب السنن. انظر صحيح الجامع (٤٦٥٨).","vol":"1","page":384},{"text":"قال ابن زيد: (من آمن برسول الله - ﷺ - من بني إسرائيل وبالتوراة، وإن الكافر بمحمد - ﷺ - هو الكافر بها الخاسر، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾).\nوفي التنزيل: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. . .﴾ [المائدة: ٦٨].\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ. . .﴾ [المائدة: ٦٦].\n﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. . .﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢: ٥٤].\nوفي الصحيح: [ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجُلٌ من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي - ﷺ - فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران. .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (من كفر بالنبي - ﷺ - من يهود، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾).\nوفي التنزيل نحوه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ. . .﴾ [هود: ١٧].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثمَّ يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار] (٢).\n١٢٢ - ١٢٣. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والشيخان وأكثر أهل السنن. انظر صحيح مسلم (١٥٤) من حديث أبي موسى، كتاب الإيمان، وقد مضى بتمامه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٥٣) - كتاب الإيمان، ومسند أحمد (٢/ ٣٥٠).","vol":"1","page":385},{"text":"فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\nفي هذه الآيات: توجيه الله تعالى بني إسرائيل لذكر نعمته عليهم وعلى آبائهم وكيف فضلهم على عالمي أهل زمانهم. وتنبيه لهم لسلوك طريق التقوى والاستعداد ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.\nلقد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة، ثمَّ كررت هنا ليختم بها الأوامر والوصايا مرة أخرى.\nقال القاسمي: (قال القاضي: ولما صدّر قصتهم بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها، والحذر من إضاعتها والخوف من الساعة وأهوالها - كرر ذلك وختم به الكلام معهم، مبالغة في النصح وإيذانًا بأنّه فذلكة القضية والمقصود من القصة).\nوقال ابن كثير: (وكررت هاهنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعته واسمه وأمْرَه وأمته. فحذّرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عَمِّهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم. ولا يحمِلهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه، والحيدة عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين).\n١٢٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.\nفي هذه الآية: اختبار الله تعالى خليله إبراهيم ﵇ ببعض التكاليف الشرعية، وأختياره لمقام الإمامة في الدين، وتقريره تعالى أنَّه لا تكون النبوة والإمامة للظالمين.\nفقوله: ﴿ابْتَلَى﴾.\nأي: اختبر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]. يعني: اختبروهم.\nقال ابن جرير: (وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارًا بفرائض فرضها","vol":"1","page":386},{"text":"عليه، وأمرٍ أمره به. وذلك هو \"الكلمات\" التي أوْحَاهنّ إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانًا منه له واختبارًا).\nوأما صفة هذه \"الكلمات\" موضع الابتلاء، ففي ذلك أقوال عند المفسرين:\nالقول الأوّل: هي شرائع الإِسلام، وهي ثلاثون سهمًا.\nقال ابن عباس: (ما ابتُلي أحدٌ بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم، ابتلي بالإِسلام فأتمه، فكتب الله له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، فذكر عشرًا في \"براءة\" فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، وعشرًا في \"الأحزاب\": ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، وعشرًا في \"سورة المؤمنين\" (١ - ٩) إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، وعشرًا في ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [٢٢ - ٣٤]: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾).\nالقول الثاني: هي خصال عشر من سُنن الإِسلام.\nفعن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: (﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمسٌ في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قصُّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسِّواك، وفَرْق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحَلق العانة، والخِتان، ونتف الإبط، وغَسل أثر الغائط والبول بالماء).\nوذكر ابن جرير أثرًا آخر بسنده عن مطر، عن أبي الجلد قال: (ابتلي إبراهيم بعشرة أشياءَ، هن في الإنسان، سُنَّة: الاستنشاق، وقصّ الشارب، والسِّواك، ونتْف الإبط، وقَلْم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحَلْقُ العانة، وغسل الدبر والفرج).\nقلت: وهذه الأمور مذكورة في السنة الصحيحة. ففي صحيح مسلم عن عائشة - ﵂ -، قالت: [قال رسول الله - ﷺ -: عَشْرٌ من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغَسْلُ البَراجم، ونَتْفُ الإبط، وحَلْقُ العانة، وانتقاص الماء. قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٦١)، وسنن أبي داود (٥٣)، وسنن الترمذي (٢٧٥٨).","vol":"1","page":387},{"text":"وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [الفطرة خمس: الخِتان، والاستحداد، وقصُّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط] (١).\nالقول الثالث: قيل بل الكلمات التي ابتلي بهنّ عشرُ خِلال، بعضهُنّ في تطهير الجسد، وبعضهن في مناسك الحج.\nقال الربيع: (فالكلمات: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ الآية. قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتُلي بهن إبراهيم).\nقال ابن عباس: (فمنهن: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ومنهن الآيات في شأن النسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرِّزق الذي رُزق ساكنو البيت، ومحمد - ﷺ - في ذريتهما ﵉).\nالقول الرابع: قيل بل هي مناسك الحج خاصة.\nقال ابن عباس: (إن الكلمات التي ابتُلي بها إبراهيم، المناسك). قال: (مناسك الحج). وفي رواية: (منهن مناسك الحج).\nالقول الخامس: قيل بل هي أمور، منهن الختان.\nفعن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي: (﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: منهن الختان).\nالقول السادس: قيل بل ذلك الخلال الستّ: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهن فصبر عليهن.\nقال الحسن: (إي والله، ابتلاه بأمرٍ فصَبَرَ عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسنَ في ذلك، وعَرَف أن ربَّه دائم لا يزول، فوجَّه وجهَه للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين، ثمَّ ابتلاه بالهجرة، فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثمَّ ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك، فابتلاه الله بذبح ابنه وبالختان، فصبر على ذلك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٨٩١)، وأخرجه مسلم (٢٥٧).","vol":"1","page":388},{"text":"القول السابع: عن السدي: (الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيمَ ربُّه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ. . .﴾).\nقلت: وكل هذه الأقوال لا مانع من دلالتها على الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ﵊ فقام بمقتضاها أحسن القيام حتى استحق ثناء الله عليه وعلو ذكره بين الملائكة والمؤمنين.\nوقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾.\nقال ابن عباس: (أي فأدّاهن). وقال قتادة: (أي عمل بهنّ فأتمهن).\nوقوله: ﴿قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.\nقال الربيع: (ليؤتم به ويقتدى به).\nوقوله: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.\nقال الربيع: (يقول: فاجعل من ذريتي من يُؤتم به، ويقتدى به).\nيعني: فاجعل مثل الذي جعلتني به، من الإمامة للناس، يكون كذلك من ذريتي. قال ابن كثير: (سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك، وأُخبرَ أنَّه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يُقتدى بهم).\nقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. . .﴾.\nفاستجاب الله سبحانه له، فكل نبي أرسله أو كتاب أنزله بعد إبراهيم، ففي ذريته عليه وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه.\nوقوله: ﴿قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.\nيعني أن الظالم لا يكون إمامًا لأهل الخير.\nقال ابن جرير: (لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به). فهو خبر من الله سبحانه عن أن الظالم لا يكون إمامًا يَقتدي به أهل الخير.\nوأما العهد الذي حرمه الله على الظالمين ففيه أقوال:\nالقول الأوّل: (العهد) النبوة. يعني لا ينال النّبوةَ أهلُ الظلم والشرك.","vol":"1","page":389},{"text":"فعن السدي: (﴿قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، يقول: عهدي، نبوّتي).\nالقول الثاني: ﴿العهد﴾ عهد الإمامة. يعني لا أجعل من كان من ذريتك ظالمًا، إمامًا لعبادي يُقتدى به.\nفعن مجاهد: (قال الله: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، قال: لا يكون إمامٌ ظالمًا).\nوفي رواية: (قال: لا يكون إمامٌ ظالم يقتدى به) أو قال: (لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به). وفي رواية: (قال: لا يكون إمامًا ظالم). وقال عطاء: (فأبى أن يجعل من ذريته ظالمًا إمامًا). وقال ابن جُريج لعطاء: ما عهده؟ قال: (أمره).\nالقول الثالث: قيل بل المعنى: لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه.\nفعن ابن عباس فيها قال: (يعني: لا عهدَ لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه).\nوقال: (ليس للظالمين عهدٌ، وإن عاهدتهُ فانقضه). وقال ابن عباس: (ليس لظالم عهدٌ).\nالقول الرابع: ﴿العهد﴾ في هذه الموضع: الأمان.\nفتأويل الكلام حينئذ: لا ينال أماني أعدائي، وأهل الظلم لعبادي. أي: لا أؤمنهم من عذابي في الآخرة.\nفعن قتادة: (﴿قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، ذلكم عند الله يوم القيامة، لا ينال عَهده ظالم\"، فأما في الدنيا، فقد نالوا عهد الله، فوارثوا به المسلمين وَغازَوْهم وناكحوهم به. فلما كان يوم القيامة قَصَرَ الله عهده وكرامته على أوليائه).\nوقال أيضًا: (لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم، وأكل به وعاش). وعن إبراهيم نحوه وقال في آخره: (فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمِن به، وَأكل وأبصر وعاش).\nولا شك أن الآية فيها إعلام من الله لإبراهيم: أن من ولده من يشرك به، ويجور عن قصد السبيل، ويظلم نفسه وعباده. كما قال مجاهد فيها: (إنه سيكون في ذريتك ظالمون).\nالقول الخامس: قيل بل ﴿العهد﴾ هنا دين الله.\nفعن الربيع قال: (قال الله لإبراهيم: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فقال: فعهد الله الذي عهد إلى عباده، دينُه. يقول: لا ينال دينُه الظالمين. ألا ترى أنَّه قال: ﴿وَبَارَكْنَا","vol":"1","page":390},{"text":"عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق).\nوقال الضحاك فيها: (لا ينال عهدي عدوٌّ لي يَعْصيني، ولا أَنْحَلُها إلا وليًّا لي يطيعني).\nوخلاصة القول: إن الآية تحتمل في مفهومها كل ما سبق، فلا ينال النبوة أهل الظلم والشرك، كما لا يكون ظالم إمامًا للمسلمين يقتدى به، فإن ظهر وتغلب فلا طاعة إلا بالمعروف، ولا أمان لظالم في الآخرة، ودين الله لا ينال الظالمين.\nقلت: وفي الآية نكتة بديعة من نكت علم السياسة الشرعية. فقوله تعالى: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ دليل على أن العدل والعلم بالكتاب والسنة شرط من شروط اختيار المسلمين للإمام الأعظم، فلا بد للحاكم أو الخليفة من العلم بالعدل الذي دلّ عليه الكتاب والسنة الصحيحة، وأن يكون ممن يمتثلون ذلك في حياتهم وسيرتهم ورعايتهم.\nفإن حصل وتغلب الظالم وظهر على الأمة فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ﷿.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث علي - ﵁ -: [أن النبي - ﷺ - بعثَ جيشًا وأمَّرَ عليه رجلًا، فأوقد نارًا وقال: ادخلوها، فأرادوا أن يدخلوها. وقال آخرون: إنما فررنا منها. فذكروا للنبي - ﷺ - فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة. وقال للآخرين: لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف] (١).\nقال ابن خُوَيْزٍ مَنْداد المالكيّ: (الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكمًا ولا مفتيًا ولا إمام صلاة ولا شاهدًا ولا راويًا).\nوأصل \"الذّرية\" من الذَّر. قال القرطبي: (لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم ﵇ كالذَّرِ حين أشهدهم على أنفسهم). وقيل: بل هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا خَلَقهم، ومنه الدرية وهي نسل الثقلين. وقال الخليل: (إنما سُمُّوا ذُرِّية، لأنَّ الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٧٢٥٧) كتاب أخبار الآحاد، ورواه مسلم (١٨٤٠) في كتاب الإمارة بلفظ آخره: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف).","vol":"1","page":391},{"text":"وأما نصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ فلأن العهدَ هو الذي لا ينال الظالمين. وذُكر أنَّه في قراءة ابن مسعود: \"لا ينال عهدي الظالمون\" يعني: لا ينال الظالمون عهدَ الله. حكاه ابن جرير.\n١٢٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.\nفي هذه الآية: إخباره تعالى عن جَعْله البيت للحج، يحج الناس إليه ويتخذون من مقام إبراهيم مصلى، وقد طهره إبراهيم وإسماعيل من ألوان الشرك بأمر الله.\nفقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾.\nأي: مرجِعًا للناس ومعاذًا، يأتونه كلّ عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرًا.\nوحول هذا المعنى مدار أقوال المفسرين. وتفصيل ذلك:\n١ - قال مجاهد: (﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: لا يقضون منه وَطَرًا).\nوقال: (يثوبون إليه، لا يقضون منه وطرًا).\n٢ - قال ابن عباس: (لا يقضُون منه وَطرًا، يأتونه، ثمَّ يرجعون إلى أهليهم، ثمَّ يعودون إليه).\n٣ - قال السدي: (أما المثابة، فهو الذي يثوبون إليه كل سنة، لا يدعه الإنسان إذا أتاه مرّةً أن يعود إليه).\n٤ - قال أبو عمرو: حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: (لا ينصرِف عنه منصرف وهو يرى أنَّه قد قضى منه وطرًا).\n٥ - وقال سعيد بن جبير: (يَحُجُّون ويثوبون). وقال: (يحجّون ثمَّ يحجّون، ولا يقضون منه وطرًا).\n٦ - وقال قتادة: (مجمعًا). وقال ابن زيد: (يثوبون إليه من البلدان كلِّها ويأتونه).\nوقوله: ﴿وَأَمْنًا﴾.\nيعني: مَعاذًا لمن استعاذ به. كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ","vol":"1","page":392},{"text":"النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ. . .﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وأما أقوال أئمة التفسير فيها:\n١ - قال ابن زيد: (من أمّ إليه فهو آمن، كان الرجل يلقى قاتلَ أبيه وأخيه فلا يعرضُ له).\n٢ - وقال السدي: (من دخله كان آمنًا). وقال مجاهد: (تَحْريمُه، لا يخافُ فيه من دخله).\n٣ - وقال الربيع: (أمنًا من العدو أن يَحمل فيه السلاح، وقد كان في الجاهلية يتخطف الناسُ من حولهم وهم آمنون لا يُسبَوْن).\nوقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nالقراءة المشهورة الراجحة لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ هي بكسر الخاء، وهي قراءة عامة قراء الكوفة والبصرة ومكة، وبعض قراء المدينة. وأما القراءة بفتح الخاء فبعيدة تخالف الأمر الإلهي للمؤمنين باتخاذ مقام إبراهيم مصلى.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه، عن أنس قال: [قال عُمَرُ - ﵁ -: وافَقْتُ اللهَ في ثلاثٍ - أو وافقني ربي في ثلاث - قلتُ يا رسول الله لو اتَّخَذْتَ من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله يَدْخُلُ عليك البَرُّ والفاجِر فلو أَمَرْت أمَّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني مُعَاتَبَةُ النبي - ﷺ - بعضَ نسائه فدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ: إن انْتَهَيْتُنَّ أو لَيُبَدِّلَنَّ الله رسولَهُ - ﷺ - خيرًا منكنَّ، حتى أتيت إحدى نسائه قالت: يا عُمَرُ، أما في رسول الله - ﷺ - ما يَعِظُ نِساءَهُ حتى تَعِظَهُنَّ أنتَ؟ فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾] (١).\nورواه البخاري أيضًا في كتاب الصلاة من حديث أنس بلفظ: [قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله! لو اتَّخَذْنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله! لو أمرت نساءك أن يَحْتَجِبْنَ فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساءُ النبي - ﷺ - في\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٤٨٣)، كتاب التفسير. باب: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. ﴿مَثَابَةً﴾: يثوبون: يرجعون. وروى نحوه في كتاب الصلاة.","vol":"1","page":393},{"text":"الغَيْرَةِ عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية] (١).\nورواه مسلم عن عمر بلفظ: [وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم] (٢).\nوأما مفهوم: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ففيه أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (الحج كله مقامُ إبراهيم). وقال مجاهد: (الحج كله).\n٢ - قال مجاهد: (مقامه: جمعٌ وعَرفة ومِنىً).\n٣ - وقال الشَّعبي: (نزلت عليه وهو واقف بعرفةَ، مقام إبراهيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾). وقال عطاء، عن ابن عباس: (مقامه، عرفة).\n٤ - وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، قال: الحرمُ كله ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾).\n٥ - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (جعل إبراهيم يبنيه، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلما ارتفع البنيان، وضعُف الشيخ عن رفع الحجارة، قام على حجر، فهو ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾).\n٦ - عن السدي: (﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وهو الصلاة عند مَقامه في الحج). وقال الربيع: (فهم يصلون خلف المقام).\nوالراجح من هذه الأقوال هو أن مقام إبراهيم هو المقام المعروف بهذا الاسم، في المسجد الحرام، والذي أمر الله المؤمنين باتخاذه مصلى، وبذلك ثبت في أسباب نزول هذه الآية كما ورد في الصحيحين.\nوفي صحيح البخاري عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: [قَدِمَ رسول الله - ﷺ - فطاف بالبيت سبعًا، وصلّى خلف المقام ركعتين] (٣).\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر - في حجة النبي - ﷺ - قال: [حتى إذا أتينا البَيْتَ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٠٢) كتاب الصلاة. باب ما جاء في القبلة.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢٣٩٩)، كتاب فضائل الصحابة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر. انظر صحيح البخاري (١٦٢٧)، كتاب الحج. باب من صلى ركعتي الطواف خَلْفَ المقام.","vol":"1","page":394},{"text":"مَعَهُ، استلم الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثلاثًا ومشى أربعًا، ثمَّ تَقَدَّمَ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فجعل المَقَامَ بينه وبين البيت. .] (١).\nقال الحافظ ابن كثير: (المراد بالمقام: إنما هو الحَجَرُ الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة، فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلّما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فَرَغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم جدران الكعبة، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عباس عند البخاري. وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها).\nثمَّ ساق أثرًا عن أنس بن مالك قال: (رأيت المقام فيه أثر أصابعه ﵇، وأخمص قدميه، غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم).\nثمَّ قال: (وقد كان هذا المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب).\nوإنما أخّره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - ﵁ -، كما قال مجاهد: (أوّل من أخّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطّاب - ﵁ -).\nوروى الحافظ أبو بكر البيهقي عن عائشة - ﵂ -: [إنَّ المقام كان في زمان رسول الله - ﷺ -، وزمان أبي بكر - ﵁ -، ملتصقًا بالبيت، ثمَّ أخَّرَه عمر بن الخطاب - ﵁ -] (٢).\nوقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.\nالتأويل: أمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت الحرام للطائفين من الأصنام وعبادة الأوثان وألوان الشرك بالله سبحانه.\nفعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما عَهده؟ قال: (أمره). وقال ابن زيد:\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٢١٨)، كتاب الحج. باب حجة النبي - ﷺ -.\n(٢) حسن الإسناد، وله شواهد، ولذلك صححه ابن كثير في التفسير - سورة البقرة - آية (١٢٥).","vol":"1","page":395},{"text":"(﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، قال: أمرناه). فإن قال قائل هل كان في زمانهما شرك وعبادة أوثان؟ ! فالجواب من أحد وجهين:\nالوجه الأوّل: يعني ابنيا بيتي مطهرًا من الشرك والرَّيب. كما في التنزيل: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ. . .﴾ [التوبة: ١٠٩].\nوبنحوه جاء عن السدي: (﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾، يقول: ابنيا بيتي للطائفين).\nالوجه الثاني: قيل بل الأمر بتطهير مكان البيت قبل بنائه مما كان لحق به من أوثان أهل الشرك على عهد نوح ومن قبله.\nقال ابن زيد: (﴿أَنْ طَهِّرَا﴾، قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها).\nوقال مجاهد: (من الشرك). وقال عطاء، عن عبيد بن عمير: (من الأوثان والرَّيب). وعن مجاهد أيضًا: (﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، قال: من الأوثان). وقال قتادة: (من الشرك وعبادة الأوثان وقول الزور).\nقلت: ولكن هذا الوجه من التأويل لا دليل عليه من التنزيل أو السنة الصحيحة. فالراجح الوجه الأوّل، وملخصه أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵉ أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين عنده والمصلين إليه من الركع السجود.\nوقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ فيه قولان\nالقول الأوّل: هم الغرباء الذين يأتون البيت الحرام من غُرْبَةٍ.\nفعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾، قال: (من أتاه من غُرْبة).\nالقول الثاني: قيل بل \"الطائفون\" هم الذين يطوفون به، غرباء كانوا أو من أهله. واختاره ابن جرير.\nقال عطاء: (إذا كان طائفًا بالبيت فهو من الطائفين).\nوقوله: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ يعني المقيمين به. ومنه قيل للمعتكف \"معتكف\" لأجل مقامه في الموضع الذي حبس فيه نفسه. ثم المعني بالعاكفين عند المفسرين على أقوال:","vol":"1","page":396},{"text":"القول الأوّل: عني به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة.\nقال عطاء: (إذا كان طائفًا بالبيت فهو من الطائفين، وإذا كان جالسًا فهو من العاكفين).\nالقول الثاني: ﴿العاكفون﴾ هم المعتكفون المجاورُون.\nقال مجاهد: (﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾، قال: المجاورُون).\nالقول الثالث: ﴿العاكفون﴾، هم أهل البلد الحرام.\nقال سعيد بن جبير: (﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾، قال: أهل البلد). وقال قتادة: (العاكفون، أهلُه).\nالقول الرابع: ﴿العاكفون﴾. هم المصلُّون.\nقال ابن جريج، قال ابن عباس: (العاكفون، المصلون).\nواختار ابن جرير القول الأوّل، يعني الجالس المقيم في البيت مجاورًا فيه بغير طواف ولا صلاة. ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، قال: قلت لعبد الله بن عُبيد بن عُمير: ما أراني إلا مُكَلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يُجْنِبُون ويُحْدِثون. قال: (لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون) (١).\nوفي صحيح البخاري عن نافع قال: (أخبرني عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أنَّه كان ينام وهو شابٌّ أعزَبُ لا أهل له في مسجد النبي - ﷺ -) (٢).\nوقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.\nيعني: الجماعة الراكعين فيه والساجدين فيه لله ﷿.\nوقيل بل المقصود المصلون. قال عطاء: (إذا كان يصلي فهو من \"الركع السجود\").\n_________\n(١) ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، قال: ورواه عبد بن حميد. سورة البقرة (آية ١٢٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه من حديث نافع عن ابن عمر. انظر صحيح البخاري - حديث رقم - (٤٤٠)، كتاب الصلاة، باب نوم الرجال في المسجد.","vol":"1","page":397},{"text":"وقال قتادة: (﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أهل الصلاة). ولا تعارض بين القولين.\nوفي التنزيل: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].\nوقد استدلّ الشافعي وأبو حنيفة بهذه الآية على جواز الصلاة الفرض والنفل داخل البيت. قال الشافعي ﵀: (إن صلى في جوفها مستقبلًا حائطًا من حيطانها فصلاته جائزة، وإن صلى نحو الباب والباب مفتوح فصلاته باطلة، وكذلك من صلى على ظهرها، لأنه لم يستقبل منها شيئًا). وقال مالك: (لا يصلي فيه الفرض ولا السنن، ويصلي فيه التطوع، غير أنَّه إن صلّى فيه الفرض أعاد في الوقت).\nقلت: ولا دليل يمنع من الصلاة داخل الكعبة، أو التفريق بين الفرض والنافلة، فقد صلى رسول الله - ﷺ - داخلها ولم ينقل عنه أنَّه فرّق بين فريضة أو نافلة لمن صلى فيها.\nففي صحيح مسلم عن ابن عمر - ﵄ - قال: [قدم رسول الله - ﷺ - يوم الفتح فنزل بِفِنَاءِ الكعبة، وأرسل إلى عثمان بن طلحة، فجاء بالمِفْتَحِ، ففتح البابَ، - قال -: ثمَّ دخل النبي - ﷺ - وبلالٌ وأسامةُ بنُ زَيْدٍ وعُثْمانُ بنُ طلحة، وأمر بالباب فأغلِقَ، فلبثوا فيه مَلِيًّا ثمَّ فَتَح الباب. قال عبد الله: فبادرت الناس، فَتَلَقَّيْتُ رسول الله - ﷺ - خارِجًا، وبلالٌ على إِثْرِه، فقلت لبلال: هل صلّى فيه رسولُ الله - ﷺ -؟ قال: نعم، قلت: أين؟ قال: بين العمودَيْنِ تلِقاء وجهِه، قال: ونسيت أن أَسْأَلَهُ: كم صلّى] (١).\nوقد اختلف العلماء أيّما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك: (الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل). وذُكر عن ابن عباس وعطاء ومجاهد. والجمهور على أن الصلاة أفضل. حكاه القرطبي.\n١٢٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٣٢٩)، كتاب الحج. باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها. وهناك أحاديث في الباب أخرى تثبت صلاته - ﷺ - فيها.","vol":"1","page":398},{"text":"مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nفي هذه الآية: دعا إبراهيم ﵊ لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش، وفي أن يبقى البلد المبارك - مكة - آمنًا من الجبابرة وأهل الظلم أن يسلّطوا عليه، وآمنًا من عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان، من خسف وائتفاك وغرق، وغير ذلك من سخط الله وَمَثُلاته التي يُنزلها بسائر البلاد غيره.\nفلم تزل مكة بعد ذلك حرمًا من الجبابرة والمتسلطين، ومن الخسوف والزلازل، وسائر المثلات التي تصيب البلاد. قال القرطبي: (وجعل في النفوس المتمرّدة من تعظيمها والهيبةِ لها ما صار به أهلها متميّزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى. ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها، فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يهيج الكلب الصيدَ ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب).\nثمَّ إن مكة كانت حلالًا قبل دعوة إبراهيم ﵇ كسائر البلاد، فصارت بدعوته حرامًا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله - ﷺ - أمْنًا بعد أن كانت حلالًا. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأوّل: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن زيد بن عاصم، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن إبراهيم حرَّم مكةَ ودعا لأهلها، وإني حرّمت المدينةَ كما حرَّم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدِّها بمِثْلَي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر قال: قال النبي - ﷺ -: [إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمت المدينة ما بينَ لابتَيْها، لا يُقْطع عِضَاهُهَا (٢) ولا يُصادُ صيدها] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس، يقول: [قال رسول الله - ﷺ - لأبي طلحةَ: التَمِسْ لي غلامًا من غِلمانِكُمْ، يَخْدُمُني، فخرج بي أبو طلحة يُرْدِفُني\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٣٦٠)، كتاب الحج. باب فضل المدينة، ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة، وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها، وبيان حدود حرمها.\n(٢) العِضاهة: أعظم الشجر، أو الخمط. أو كل ذات شوك.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٣٦٢)، كتاب الحج - الباب السابق.","vol":"1","page":399},{"text":"وراءه، فكنت أخدُم رسول الله - ﷺ - كلما نزل، وقال في الحديث: ثمَّ أقبل، حتى إذا بدا له أُحُدٌ قال: هذا جبل يُحِبُّنا ونُحِبُّه. فلما أشرف على المدينة قال: اللهم! إني أُحَرِّمُ ما بين جَبَلَيْها مثلَ ما حرّم به إبراهيم ﵊ مكة، اللهم! بارِك لهم في مُدِّهم وصاعهم] (١).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة: [إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحِلَّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضَدُ شوكه، ولا يُنَفَّرُ صيدُه، ولا تُلتقط لُقَطَتُه إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاها. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذْخر فإنَّه لقَينهم ولبيوتهم. فقال: إلا الإذخِرَ] (٢).\nولا منافاة بين الحديث الرابع وما قبله، فإنَّه جاء فيه أن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، في حين جاء في الأحاديث قبله أن إبراهيم حرّمها. ووجه الجمع: إن إبراهيم ﵇ بلَّغ عن الله حُكمه فيها وتحريمه إياها منذ خلق السماوات والأرض.\nقال ابن كثير: (لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇ لها، كما أنَّه قد كان رسول الله - ﷺ - مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدمَ لَمُنْجَدِلٌ في طينته، ومع هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، الآية، وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره).\nوقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.\nأي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله. وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا. كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. وفي سورة العنكبوت: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك. انظر صحيح البخاري (٣٨٩٣)، وصحيح مسلم (١٣٦٥) واللفظ له، الباب السابق.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (١٨٣٤)، وصحيح مسلم (١٣٥٣)، ومسند أحمد (١/ ٣١٥ - ٣١٦). والإذخر: نبات عشبي من فصيلة النجيليات له رائحة ليمونية عطرة.","vol":"1","page":400},{"text":"وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [لا يحلُّ لأحَدِكُمْ أن يحمِلَ بمكةَ السلاح] (١).\nوقوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nقال القاسمي في التفسير: (إنما سأل إبراهيم ﵊ ذلك، لأنَّ مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر، فاستجاب الله تعالى له، فصارت يُجْبى إليها ثمرات كل شيء ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بدل من ﴿أَهلَهُ﴾ وبدل البعض، يعني: ارزق المؤمنين من أهله خاصة. وإنما خصّهم بالدعاء إظهارًا لشرف الإيمان، واهتمامًا بشأن أهله، ومراعاة لحسن الأدب في المسألة. حيث ميّز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين، في باب الإمامة، في قوله: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾).\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾.\nاختلف فيه أهل التفسير من قائله:\nالقول الأوّل: هو قول ربنا تعالى ذكره. والتأويل: من كفَرَ فأمتعه قليلًا برزقي من الثمرات في الدنيا، إلى أن يأتيه أجله. وقرأها أصحاب هذا القول: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾.\nفعن أبي بن كعب في قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾، قال: (هو قول الرب تعالى ذكره). وقال ابن إسحاق فيه: (وعَدَلَ الدَّعْوة (٢) عمن أبى الله أن يجعل له الولاية، انقطاعًا إلى الله ومحبة، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنَّه كائن منهم ظالمٌ لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ - فإني أرزق البرّ والفاجر - ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾).\nالقول الثاني: بل هو قول إبراهيم ﵊. قيل هو على وجه المسألة منه ربّه أن يرزق الكافر أيضًا من الثمرات بالبلد الحرام كما يرزق المؤمن ويُمتعه قليلًا.\nوقرأها هؤلاء ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ وكذلك ﴿ثُمَّ اضْطَرَّهُ﴾ على وجه الدعاء من إبراهيم لهم والمسألة. حكاه الطبري.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٣٥٦)، كتاب الحج، باب النهي عن حمل السلاح بمكة، من غير حاجة.\n(٢) يعني إبراهيم ﵊.","vol":"1","page":401},{"text":"قال أبو العالية: (كان ابن عباس يقول: ذلك قولُ إبراهيم، يسأل ربَّهُ أنَّ من كفر فأمْتِعه قليلًا).\nواختار ابن جرير قول أبي بن كعب والقراءة الأولى فهي المشهورة التي قامت بها الحجة بالنقل المستفيض. قال: (فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبتُ دعوتكَ، ورزقت مُؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم، متاعًا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثمَّ أضْطر كفارهم بعد ذلك إلى النار).\nوقوله: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾.\nأي: أجعل رزقي له من ذلك متاعًا مؤقتًا إلى وقت مماته. وقيل: فأمتعه بالبقاء في الدنيا. وقيل: فأمتعه في كفره قليلًا بمكة حتى أبعث محمدًا - ﷺ - فيقتله أو يجليه. والتأويل الأوّل أصوب ويدل عليه السباق.\nقال مجاهد: (﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، يقول: ومن كفر فأرزقه أيضًا).\nوفي الصحيحين من حديث أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: [ليس أحدٌ أصبرَ على أذىً سمِعَهُ مِن الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم] (١).\nوفي لفظ: [ما أحدٌ أصبرَ على أذى سمعه من الله، يَدَّعون له الولدَ ثمَّ يعافيهم ويرزقهم] (٢).\nوفي لفظ لمسلم: [لا أحدَ أصبرُ على أذىً يسمعه من الله ﷿، إنه يُشْرَكُ به، ويُجْعَلُ له الولد، ثمَّ هو يعافيهم ويرزقهم].\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لَيُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلتْهُ. قال: ثمَّ قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٦٠٩٩)، كتاب الأدب، واللفظ له، ورواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٨٠٤) في صفات المنافقين.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٧٣٧٨)، كتاب التوحيد، وانظر صحيح مسلم (٢٨٠٤) ح (٥٠)، كتاب صفات المنافقين، الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٦٨٦)، كتاب التفسير، ورواه مسلم برقم (٢٥٨٣).","vol":"1","page":402},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾.\nقال ابن جرير: (ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها). وهو من الاضطرار: أي الإكراه.\nوفي التنزيل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج].\nوفيه أيضًا: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨].\nوقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nقال النسفي: (المرجع الذي يصير إليه النار فالمخصوص بالذم محذوف).\n١٢٧ - ١٢٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر رفع إبراهيم وإسماعيل -﵉- قواعد البيت يرجون القبول بذلك من الله السميع العليم. وهم يدعونه الثبات على الإسلام والذرية الصالحة، وأن يبين لهم أمر مناسك دينهم ويتوب عليهم إنَّه هو التواب الرحيم.\nوالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس.\nقال البخاري ﵀ في صَحيحه: باب: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿الْقَوَاعِدَ﴾: أساسُه، واحدَتها قاعدة. ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ [النور: ٦٠]. واحِدَتُها قاعِدُ.\nثم روى عن عائشة ﵂ زوج النبيِّ - ﷺ -: [أن النبي - ﷺ - قال: ألم تَرَيْ أنَّ قومك بَنَوا الكعبةَ واقتصروا عَنْ قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله، ألا تَرُدّها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حِدْثانُ قومِك بالكفر. فقال عبد الله بن عُمَرَ: لئن كانت عائشة","vol":"1","page":403},{"text":"سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -، ما أرى رسولَ الله - ﷺ - تَرَك استِلامَ الرّكْنين اللّذين يليان الحِجْرَ إلا أن البيت لم يتمَّم على قواعد إبراهيم] (١).\nوفي صحيح البخاري عن عائشة -أيضًا﵂ قالت: [قال لي رسول الله - ﷺ -: [لولا حداثَةُ قومِكِ بالكفر لنقضتُ البيتَ ثمَّ لبَنَيْتُهُ على أساس إبراهيم ﵊، فإن قُرَيشًا استَقْصَرَتْ بناءَه وجعلت له خَلْفًا. قال أبو معاوية: حَدَّثنا هشام: خلْفًا يعني بابًا] (٢).\nوفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عُروة، عن عائشة ﵂: [أن النبي - ﷺ - قال لها: \"يا عائشةُ، لولا أن قومَك حديثُ عهدٍ بجاهلية لأمَرتُ بالبيت فَهُدِمَ فأدخلت فيه ما أُخرِج منه، وألزقته بالأرض، وجعلتُ له بابين، بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم\". فذلك الذي حمل ابنَ الزبير على هدْمه. قال يزيد: وشهدت ابنَ الزبير حين هدمه وبناه، وأدْخَلَ فيه من الحِجْرِ، وقد رأيت أساسَ إبراهيمَ حجارة كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين مَوضِعُهُ؟ قال: أُريكَهُ الآن، فَدَخَلْتُ معه الحِجْرَ فأشار إلى مكانٍ فقال: ها هُنا. قال جرير: فَحَزَرْتُ من الحِجر ستَّةَ أذرُع أو نحْوها] (٣).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.\nفهما في عمل صالح، ومع ذلك فهما يخافان الله ألا يتقبل، فيلجآن إليه بالدعاء أن يمتن سبحانه بالقبول.\nيروي ابن أبي حاتم عن وُهَيْب بن الورد: (أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقَبَّلَ منك).\nوهذه الآية كقوله تعالى في سورة \"المؤمنون\": ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات وقلوبهم خائفة أن لا يتقبل منهم.\n_________\n(١) حديثٌ صحيحٌ. انظر صحيح البخاري (٤٤٨٤)، كتاب التفسير. وانظر (١٢٦) كتاب العلم.\n(٢) حديثٌ صحيحٌ. انظر صحيح البخاري (١٥٨٥)، كتاب الحج، وانظر (١٥٨٤)، (١٥٨٣).\n(٣) حديثٌ صحيحٌ. انظر صحيح البخاري (١٥٨٦)، كتاب الحج. وانظر صحيح مسلم (١٣٣٣).","vol":"1","page":404},{"text":"أخرج الإمام أحمد فيِ المسند عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: [سألت رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرفون؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات] (١).\nفهذه صفات المؤمنين كما وصفهم بذلك ربهم ﷿، وإمامهم بذلك الأنبياء والرسل من قبل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهذا إبراهيم وإسماعيل يرفعان أعمدة البيت ويؤسسان قواعده ويسألان الله سبحانه الرضى والقبول.\nأخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير: قال ابن عباس: [أوَّلَ ما اتَّخَذَ النساءُ المِنْطَقَ من قِبَلِ أُمِّ إسماعيل، اتخَذَتْ مِنْطقًا لِتُعَفِّيَ أثَرَها على سارَة، ثم جاء بها إبراهيمُ وبابنِها إسماعيلَ وهيَ تُرضِعُهُ حتى وضعَهُما عند البيت عِندَ دَوحَةٍ فوق الزمزَمِ في أعلى المسجد وليس بمكةَ يومئذ أحَدٌ، وليس بها ماءٌ فَوَضَعَهُما هُنالك، ووضَعَ عنْدَهُما جِرابًا فيه تَمْرٌ وسِقاءً فيه ماءٌ ثمَّ قَفَّى إبراهيم مُنطَلِقًا، فتَبِعَتْهُ أمُّ إسماعيلَ فقالت: يا إبراهيمُ، أين تذهَبُ وتترُكُنا في هذا الوادي الذي ليسَ فيه أنيسٌ ولا شيءٌ؟ فقالت له ذلك مِرارًا، وجعل لا يَلْتَفِتُ إليها فقالت له: آللهُ أمركَ بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يُضَيّعُنا، ثم رَجَعَتْ، فانطلق إبراهيمُ حتى إذا كان عند الثَّنِيةِ حيثُ لا يرَوْنَهُ استقبل بوجهِه البيتَ ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾.\nوجعلت أمُّ إسماعيلَ تُرْضِعُ إسماعيلَ وتَشرَبُ من ذلك الماء حتى إذا نفِدَ ما في السِّقَاء عطِشَتْ وِعَطِشَ ابنُها فجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلَبط- فانطلقت كراهية أن تَنْظُرَ إليه، فوَجدَتِ الصفا أقربَ جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تَنْظُرُ هل ترى أحدًا فلم ترَ أحدًا، فهَبَطَتْ من الصَّفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَفَ دِرْعِها ثم سَعَتْ سَعْيَ الإنسانِ المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا فلم تَرَ أحدًا، ففعلت ذلك سَبْعَ مرّات. قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: \"فذلك سَعْيُ الناس بينهما\"، فلما أشرفت على المَرْوَةِ سَمِعَتْ صوتًا فقال: صَهٍ، تريدُ نَفْسَها، ثم تَسَمعَتْ فَسَمِعَتْ أيضًا، فقالت: قد أسمعت إنْ كان عِندكَ غُواثٌ، فإذا هِيَ بالمَلَكِ عندَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقبهِ -أو قال: بجناحِه-\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٥٩، ٢٠٥)، ورواه الترمذي (٣١٧٥) وسنده حسن.","vol":"1","page":405},{"text":"حتى ظهر الماء فجعلت تُحَوِّضُهُ وتقول بيدها هكذا، وجَعَلتْ تَغْرِفُ من الماء في سِقائِها وهوَ يفورُ بَعْدَما تَغْرِفُ. قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: \"يَرْحَمُ اللهُ أمَّ إسماعيلَ لو تركتْ زمزم -أوْ قال: لوْ لمْ تَغْرِف من زَمْزَمَ- لكانت زمزمُ عَينًا مَعِينًا\"، قال: فشربَتْ وأرضَعَتْ ولدَها، فقال لها المَلَكُ: لا تخافوا الضيْعَةَ، فإن هذا بيتُ الله يبني هذا الغلامُ وأبُوه، وإن الله لا يُضِيعُ أهْلَه. وكان البيت مُرْتَفِعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيولُ فتأخُذُ عن يمينهِ وشمالهِ، فكانت كذلك حتى مَرتْ بهم رُفْقَة من جُرْهُمَ -أوْ أهل بَيْتٍ من جُرْهم- مقبلين من طريق كَدَاءً فنزلوا في أسفل مكَّةَ فَرَأوْا طائرًا عائِفًا فقالوا: إنّ هذا الطائرَ ليدورُ على ماءً، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّيْن فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا -قال: وأم إسماعيل عِنْدَ الماء- فقالوا: أتَأذَنِينَ لنا أن نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قالت: نَعَمْ، ولكِنْ لا حَقَّ لكم في الماء، قالوا: نَعَمْ. قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: \"فألْفى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تُحِبُّ الأنْسَ\" فنزلوا وأرسلوا إلى أهْلِيهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهلُ أبياتٍ مِنْهُم، وشبَّ الغلام وتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ منهم، وأنْفسَهُمْ وأعْجَبَهُمُ حين شَبَّ، فلما أدْركَ زَوَّجوه امرأةً منهم، وماتت أمُّ إسماعيلَ فجاء إبراهيمُ بعدما تَزَوَّجَ إسماعيل يُطالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إسماعيلَ، فسألَ امرأتَهُ عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عَيْشِهِمْ وهيئتهِمْ، فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحنُ في ضيقٍ وشِدَّة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجُكِ اقرَئي ﵇ وقولي له يُغيِّرُ عَتبَةَ بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنَسَ شيئًا فقال: هل جاءكم مِنْ أحد؟ قالت: نَعم، جاءنا شيخٌ كذا وكذا فَسَألنا عنكَ فأخْبَرْتُهُ، وسألني كيف عَيْشُنا، فأخْبَرْتُه أنّا في جَهْدٍ وشِدَّة، قال:\nفهَلْ أوصاكِ بشيءٍ؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأَ عليكَ السَّلامَ ويقول: غَيِّرْ عَتبَةَ بابِك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحَقِي بأهلك فطلَّقها.\nوتزوج منهم امرأة أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أَتاهُم بَعْدُ فلم يَجِدْهُ، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عَيْشِهم وهيئتِهم، فقالت: نحن بِخيْرٍ وسَعَة، وأثْنَتْ على الله ﷿، فقال: ما طَعامُكم؟ قالت: اللحْمُ، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماءُ، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي - ﷺ -: \"ولم يكُنْ لهم يومئذ حَبٌّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه\".\nقال: فهُما لا يخْلو عليهما أحَدٌ بغير مكّةَ إلا لمْ يوافِقاه، قال: فإذا جاء زوجُك","vol":"1","page":406},{"text":"فاقْرئي ﵇ ومُريه يُثْبِتُ عَتبَةَ بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخٌ حَسَنُ الهيئة -وأثْنَتْ عليه- فسألني عَنكَ فَأخْبَرْتُهُ، فسألني كيف عَيْشُنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليكَ السَّلامَ ويأمرك أن تُثْبِتَ عَتبةَ بابك، قال: ذاك أبي وأنت العَتبَةُ، أَمَرَني أن أمْسِكَكِ، ثم لبثَ عَنْهُم ما شاءَ اللهُ ثم جاءَ بعد ذلك وإسماعيلُ يَبْرِي نَبْلًا له تحت دَوْحةِ قريبًا من زَمْزَمَ، فلمَّا رآه قام إليه فصَنَعَا كما يصنعُ الوالِدُ بالوَلَدِ والولَدُ بالوالدِ، ثم قال: يا إسماعيلُ، إن الله أمرني بأمْرٍ، قال: فاصْنَعْ ما أمَرَكَ ربُّكَ، قال: وتُعِينُنِي؟ قال: وأعِينُكَ، قال: فإن الله أمرني أن أبْنِيَ هاهُنا بَيْتًا -وأشارَ إلى أكمَةٍ مُرْتَفِعَةِ على ما حَوْلها- قال: فَعِنْدَ ذلك رَفَعا القواعِدَ من البيتِ، فجعل إسماعيلُ يأتي بالحجارة وإبراهيمُ يبنِي حتى إذا ارتفع البناءُ جاء بهذا الحَجَر فَوَضَعَهُ له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوِلُهُ الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nقال: فجعلا يبنِيَان حتى يَدُورَا حول البيت وهما يقولان:\n﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾] (١).\nوفي رواية: [فقال: يا إسماعيل: إن ربَّك أمَرَني أن أَبْنِيَ له بيتًا، قال: أطِعْ ربَّكَ، قال: إنَّه قد أمرني أن تُعينَني عليه، قال: إذَنْ أفعلَ، أو كما قال: قال: فقاما فجعل إبراهيمُ يبني، وإسماعيل يناوِلهُ الحجارةَ ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: حتى ارتفعَ البناءُ وضَعُفَ الشَّيخُ عن نَقْلِ الحِجارة فقام على حَجَر المَقام فجعل يناولُهُ الحِجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن أبي ذر ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرض أوّلُ؟ قال: المسجدُ الحرامِ، قال: قلت: ثمَّ أيُّ؟ قال: المسجدُ الأقصى، قلت: كم كانَ بينَهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلهْ فإن الفَصلَ فيه] (٣).\nوبقيت الكعبة كذلك من أيام إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، إلى قُبيل مبعث النبي - ﷺ -. فيوم كان ﵊ في الخامسة والثلاثين من عمره، قامت\n_________\n(١) حديثٌ صحيحٌ. انظر صحيح البخاري (٣٣٦٤) -كتاب أحاديث الأنبياء. وانظر (٣٣٦٥) أيضًا.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٣٣٦٥) - في آخر الحديث، كتاب أحاديث الأنبياء.\n(٣) حديثٌ صحيحٌ. انظر صحيح البخاري (٣٣٦٦) -كتاب أحاديث الأنبياء، وانظر (٣٤٢٥).","vol":"1","page":407},{"text":"قريش بتجديد بناء الكعبة حيث لم يكن لها سقف يغطيها، فاعتدى عليها نفر من اللصوص فسرقوا كنزها الذي كان في جوفها، كما كان قد جرف مكة سيل عرم قبل البعثة بخمس سنين، انحدر إلى البيت الحرام، أوشكت معه الكعبة على الانهيار، فرأت قريش تجديد بنائها، وتحديث إنشائها، واتفقوا ألا يُدخلوا في بنائها إلا طيبًا، فلا يدخلوا فيها مهرَ بغي، ولا بيعَ ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها.\nقال ابن إسحاق: (فلما بلغ رسول الله - ﷺ - خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يَهُمُّون بذلك ليَسْقُفوها، ويهابون هَدمَها، وإنما كانت رَضْمًا (١) فوق القامة، فأرادوا رَفْعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سَرَقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جَوْف الكعبة، وكان الذي وُجِدَ عنده الكنز دُوَيكَ -مولى بني مُليح بن عمرو من خزاعة- فقطعت قريش يده. ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دُوَيك).\nأخرج الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، من حديث أبي الطفيل ﵁ قال: [كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم، وكانت قدر ما يفتحها العناقة، وكانت غير مسقوفة، إنما توضع ثيابها عليها ثم تسدل سدلًا عليها، وكان الركن الأسود موضوعًا على سورها تأدبًا، وكانت ذات ركنين كهيأة الحلقة.\nفأقبلت سفينة من أرض الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدَّة، تكسرت السفينة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا روميًا عندها، فأخذوا الخشب أعطاهم إياه.\nوكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الرومي الذي في السفينة نجارًا، فقدموا، وقدموا بالرومي، فقالت قريش: نبني بهذا الخشب الذي في السفينة بيت ربنا.\nفلما أرادوا هدمه، إذا هم بحية على سور البيت مثل قطعة الحائر، سوداء الظهر، بيضاء البطن، فجعلت كلما دنا أحد إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته، سعت إليه فاتحة فاها.\nفاجتمعت قريش عند المقام، فَعَجُّوا إلى الله -﷿- فقالوا: رَبَّنا لم ترع، أردنا تشريف بيتك، فإن كنت ترضى بذلك، وإلا فافعل ما بدا لك. فسمعوا خوارًا في\n_________\n(١) أي حجارة فوق بعضها دون ملاط يلحم بعضها على بعض.","vol":"1","page":408},{"text":"السماء، فإذا بطائر أسود الظهر، أبيض البطن والرجلين، أعظم من البشر، فغرز مخاليبه في رأس الحية، حتى انطلق بها يجر ذنبها، أعظم من كذا وكذا ساقطًا، فانطلق نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا.\nفبينما النبي - ﷺ - يحمل حجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فتُرى عورتُه من صغر النمرة، فنودي يا محمد، خمِّر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك، وكان يرى بين بناء الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين، وبين مخرجه وبنيانها خمس عشرة سنة] (١).\nوكان الوليد بن المغيرة المخزومي هو الذي ابتدأ في هدمها ثم تبعه الناس لما رأوا أنه لم يصبه شيء، ولم يزالوا في الهدم حتى نقضوها واستأنفوا بناءها من جديد، فجزؤوا البناء وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها، فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة وأخذوا يبنونها وقد تولّى البناء بَنَّاءٌ روميّ اسمه باقوم.\nأخرج البخاري من حديث جابر قال: [إن رسول الله - ﷺ - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك، فجعلته على منكبك، دون الحجارة، قال: فحلَّهُ، فجعله على منكبه، قال: فسقط مغشيًا عليه، فما رُئيَ بعد ذلك اليوم عريانًا] (٢).\nولما بلغوا موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا حتى كاد أن يتحول إلى قتال: إلا أن أبا أميَّة بن المغيرة المخزومي اقترح تحكيم أول داخل من باب الصفا، وشاء الله أن يكون محمدًا، فلما رأوه هتفوا هذا الأمين، ارتضيناه حكمًا.\nأخرج الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، من حديث عليّ قال: [لما أرادوا أن يرفعوا الحجر \"يعني قريشًا\" اختصموا فيه، فقالوا: يحكم بيننا أول رجل\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\"، وأحمد طرفًا منه، ورجالهما رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٨٩). وانظر صحيح السيرة- إبراهيم العلي- ص ٤٧. والرضم: الصخور. والنمرة: الكساء المخطط. وانظر الحديث الذي بعده.\n(٢) حديثٌ صحيحٌ. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٣٦٤) كتاب الصلاة، باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها. ورواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٣٤٠) في الحيض، باب الاعتناء بحفظ العورة، وأحمد في المسند (٣/ ٣١٠ - ٣١٣).","vol":"1","page":409},{"text":"يخرج من هذه السكة، قال: وكان رسول الله - ﷺ - أول من خرج عليهم، فجعلوه في مرط، ثم رفعه جميع القبائل كلها، ورسول الله يومئذ رجل شاب يعني قبل البعثة.\nوفي رواية قال: لما رأوا النبي - ﷺ - قد دخل قالوا: قد جاء الأمين] (١).\nوفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن] (٢).\nقال ابن إسحاق: (وكانت الكعبة على عهد النبي - ﷺ - ثمانية عشر ذراعًا، وكانت تُكسى القباطيّ، ثم كسيت بعدُ البرودَ، وأوّلُ من كساها الديباج الحجاج بن يوسف).\nولم تنزل الكعبة كذلك على بناء قريش حتى احترقت في أول إمارة عبد الله بن الزبير بعد سنة ستين، في آخر ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل فيها الحجر، وجعل لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا ملصقين بالأرض، كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين ﵂ عن رسول الله - ﷺ -، ولم تزل كذلك مُدّة إمارته حتى قتله الحجاج، فردّها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك.\nففي صحيح مسلم عن عطاء قال: [لما احترقَ البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشَّام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدِمَ النَّاسُ الموسم يريد أن يُجَرِّئهم -أو يُحَرِّبهم- على أهل الشَّام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أُصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: إنَّه قد فُرِقَ لي رأي فيها، أرى أن تُصلِحَ ما وَهى منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبُعِثَ عليها النبي - ﷺ -. فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رَضِيَ حتى يُجَدّده، فكيف بيت ربكم ﷿؟ إني مستخير ربي ثلاثًا، ثم عازم على أمري. فلما مضت ثلاث، أجمع رأيه على أن ينقُضَها. فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمْر من السماء، حتى صَعِدَه رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدةً يُسَتَّر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة رضي\n_________\n(١) انظر المطالب العالية (٤٢٦٧)، ومجمع الزوائد (٨/ ٢٢٩). ومسند أحمد (٣/ ٤٢٥).\n(٢) حديثٌ صحيحٌ. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢٢٧٧)، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.","vol":"1","page":410},{"text":"الله عنها تقول: إن النبي - ﷺ - قال: \"لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحِجْر خمسة أذرع، ولجعلت له بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه\". قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى له أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء. وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عَشْرة أذرع، وجعل له بابين، أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير، كتب الحجّاج إلى عبد الملك يُخْبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العُدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فَأقِرَّه. وأما ما زاد فيه من الحِجر فَرُدَّهُ إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه] (١).\nوأما قريش فقد كانت رفعت بابها كبرًا وبغيًا وتحكمًا بالبيت ألا يدخلها إلا من أرادوا. ففي رواية للحديث السابق: [قال النبي - ﷺ -: وهل تدرينَ لم كان قومُكِ رفعوا بابها؟ قالت: قلت: لا، قال: تَعَزُّزًا أن لا يدخلَها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أرادَ أن يدخُلَها يدعُونَه يرتقي، حتى إذا كادَ أن يدخُلَ دفعوه فسقط].\nثم إن عبد الملك ندم على ما فعل، لما جاءه من يؤكد له حديث عائشة، وكان عبد الملك يزعم أن ابن الزبير لم يسمع ذلك من عائشة.\nففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عُبيد قال: [وَفَدَ الحارثُ بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خِلافته، فقال عبد الملك: ما أظنُّ أبا خُبَيْبٍ يعني ابن الزبير سمعَ من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى! أنا سَمِعْتُهُ منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن قومك استقصروا من بُنْيان البيت، ولولا حداثَةُ عَهْدِهم بالشِّرك أعدْتُ ما تركوا منه، فإن بدا لِقومك، مِن بعدي، أن يبنُوه فَهَلُمِّي لأُرِيك ما تركوا منه\". فأراها قريبًا من سبعة أذرع.\nقال عبد الملك للحارث: أنت سَمِعْتَها تقولُ هذا؟ قال: نَعَم، قال: فنكت ساعةً بعصاه ثم قال: وَدِدْتُ أني تَرَكْتُهُ وما تَحمَّل] (٢).\nوفي رواية: (قال: لو كنتُ سَمِعْتُهُ قبل أن أهْدِمَهُ، لتركتُهُ على ما بنى ابن الزبير).\n_________\n(١) حديثٌ صحيحٌ. أخرجه مسلم (١٣٣٣) -كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها.\n(٢) حديثٌ صحيحٌ. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٣٣٣) ح (٤٠٣). كتاب الحج.","vol":"1","page":411},{"text":"وقد كره بعض العلماء تغيير الحال مرة أخرى في شأن الكعبة، كما ذُكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد أو أبيه المهدي -أنه سأل الإمام مالكًا عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله ابن الزبير. فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله مَلْعَبَةً للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها. فترك ذلك الرشيد. نقله عياض والنَّووي- كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير، ثم قال: (ولا تزال -والله أعلم- هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخرِّبَها ذو السُّوَيقتين من الحبشة. كما ثبث ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُخرِّب الكعبة ذو السُّوَيقتين من الحبشة] (١). أخرجاه. وعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -: [كأنى به أسودَ أفحَجَ، يقلعها حجرًا حجرًا] (٢). رواه البخاري).\nوالحديث السابق له شاهد في مسند أحمد ومعجم الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [يُخَرِّبُ الكعبة ذو السُّوَيقتين من الحبشة، ويسلبها حِلْيَتَها، ويُجَرِّدُها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أُفَيْدَع يضرب عليها بمسحاته ومعْوَلِه] (٣).\nوالفَدَعُ: زيغٌ بين القدم وعظم الساق. والمسحاة: المجرفة من الحديد. والمعول: الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر. ورجّح ابن كثير أن هذا الخراب للكعبة إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج، محتجًا بما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لَيُحَجَّنَ البيت وَلَيُعْتَمرَنّ بعد خروج يأجوجَ ومأجوج] (٤).\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: تقبل منا إنك سميع الدعاء).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.\nقال ابن جرير: (يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري، (١٥٩١) ومسلم (٢٩٠٩)، وأحمد (٢/ ٣١٠).\n(٢) حديثٌ صحيحٌ. أخرجه البخاري -حديث رقم- (١٥٩٥) - والأفحج: الذي في رجليه اعوجاج. وقيل: الفحج: تباعد ما بين الساقين.\n(٣) حسن لشواهده. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٢٠)، والطبراني كما في المجمع (٧/ ٢٩٨).\n(٤) حديثٌ صحيحٌ. أخرجه البخاري في الصحيح (١٥٩٣) في كتاب الحج، ورواه أحمد (٣/ ٢٧).","vol":"1","page":412},{"text":"لا نُشْرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك).\nوقيل: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ يعني: مخلصين لك. ذكره ابن أبي حاتم عن معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم. وذكر عن سلام بن أبي مطيع قوله فيها: (كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات).\nوقال السدي: (﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان: العرب) واستبعده شيخ المفسرين الإمام ابن جرير وقال: (والصَّواب أن يعمَّ العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل). واختار الحافظ ابن كثير أن تخصيص العرب كما ذكر السدي لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب. ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ والمراد بذلك محمد - ﷺ - وقد بعث فيهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.\nقال القرطبي ﵀: (﴿وَمِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ للتبعيض، لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين).\nوالأمة هنا الجماعة من الناس. قال القاسمي: (وإنما خصّا الذرية بالدعاء، لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع).\nوقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.\nأي: أظهرها لأعيننا حتى نراها. وفيه أكثر من تأويل.\nالتأويل الأول: هي مناسك الحج ومعالمه.\nفعن قتادة: (﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال: فأراهما الله مناسكهما: الطَّوافَ بالبيت، والسعيَ بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جَمعٍ، ورَميَ الجمار، حتى أكمل الله الدين- أو: دينه). وقال: (أرنا نُسكنا وحجنا).\nوروى أبو داود الطيالسي عن ابن عباس قال: (إن إبراهيم لما أريَ أوامر المناسك، عرضَ له الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به مِنى، فقال: هذا مُنَاخ الناس. فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرّض له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، ثم أتى به الجمرة الوسطى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى الجمرة القصوى، فعَرَض له الشيطان، فرماه","vol":"1","page":413},{"text":"بسبع حَصَيات حتى ذهب، فأتى به جمعًا، فقال: هذا المشعر. ثم أتى به عرفة، فقال: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت؟).\nالتأويل الثاني: أرنا كيف نُنْسِكُ لك يا ربنا نَسائكنا، فنذبحها لك.\nفعن عطاء: (﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال: ذبحنا). أو قال: (مذابحنا). وقال عبيد بن عمير: (أرنا مذابحنا).\nالتأويل الثالث: علمنا مناسكنا.\nقال ابن جريج: (أخرجها لنا، علمناها).\nوروى ابن جرير من طريق ابن المسيب قال: قال علي بن أبي طالب: (لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: \"فعلتُ أي رب، فأرنا مناسِكنا\" -أبرزها لنا، علّمناها- فبعث الله جبريل، فحجّ به).\nقال مجاهد: فأتاه جبريل فأتى به إلى البيت، فقال: ارفع القواعد، فرفع القواعد، وأتَمَّ البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه، فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله. ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله. ثم انطلق به نحو منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبِّر وارْمِه. فكبَّر ورماه، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما حاذى به جبريل وإبراهيم، قال له: كبِّرْ وارْمِه. فكبَّر ورماه، فذهب الخبيث إبليس. وكان الخبيث أراد أن يُدْخِلَ في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام. وأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرات، قال: نعم).\nوأصل ﴿المنسِك﴾ في لغة العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل. قال ابن جرير: (ولذلك سميت \"المناسكُ\" \"مناسكَ\"، لأنها تُعتاد، ويتردد إليها بالحج والعمرة، وبالأعمال التي يتقرب بها إلى الله). وقال القرطبي: (يقال: إن أصل النُّسك في اللغة الغسل، يقال منه: نسك ثوبه إذا غسله. وهو في الشرع اسم للعبادة، يقال: رجل ناسك إذا كان عابدًا).\nوقوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nأصل التوبة الأوبة من مكروه إلى محبوب. وتوبة العبد إلى ربه تعني أوبته مما","vol":"1","page":414},{"text":"يسخط الله بالإقلاع عن الذنب، والندم على ما حصل منه من التقصير والزلل، والعزم على ألا يعود. وتوبة الرب سبحانه صفحه من عبده وعفوه عن جرمه.\nوقد قيل في دعاء إبراهيم وإسماعيل وسؤالهما التوبة هنا في مقام رفع قواعد البيت، أنه ليتخذ سنة من بعدهما، في تلك البقعة الطاهرة، أو عنيا بقولهما ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ أي: على الظلمة من أولادنا وذريتنا. ذكره ابن جرير.\nوقال القاسمي: (هذا الدعاء استتابة لما فرط من التقصير. فإن العبد، وإن اجتهد في طاعة ربه، فإنّه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه، إما على سبيل السَّهو والنسيان، أو على سبيل ترك الأَوْلى. فالدعاء منهما، ﵉، لأجل ذلك).\nقلت: وهذا معنى بديع، وهو أقرب للسياق، وخاصة أنَّهما قدَّما القول أثناء رفع قواعد البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فهما في عمل صالح ومع ذلك يخافان أن لا يتقبل منهما، فالعبد الصالح ينظر في أعماله بمنظار دقيق هو منظار الصديقين والأولياء، أهل الخشية والرقة والرجاء.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nأي: العائد على عبادك بالفضل والمغفرة والعفو رحمة منك وكرمًا.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر ﵁ قال: [إنا كنا لنعدُّ لرسول الله - ﷺ - في المجلس الواحد مئة مرة \"رب اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم\"] (١).\n١٢٩. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾.\nفي هذه الآية: إخبارٌ من الله سبحانه عن تمام دعوة إبراهيم لهذه الأمة، في أن يبعث فيهم رسولًا من ذريته ﵊، يقيم فيهم الحق ويدعوهم إلى دين التوحيد الذي كان عليه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، فوافقت هذه الدعوة المستجابة قدَر الله في إرسال محمد - ﷺ - إلى الناس كافّة وإلى سائر الإنس والجن.\n_________\n(١) حديثٌ صحيحٌ. رواه الترمذي من حديث ابن عمر. انظر سنن الترمذي (١/ ١٨٣) - تحقيق الألباني.","vol":"1","page":415},{"text":"وقد جاء ذلك في السنة الصحيحة في أحاديث، منها:\n١ - أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال: [قلت: يا نبي الله! ما كان أول بدء أمرك قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشَّام] (١).\n٢ - أخرج ابن عساكر في \"التاريخ\" عن عبادة بن الصامت: [قيل: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: نعم. أنا دعوة أبي إبراهيم، وكان آخر من بشَّرَ بي عيسى بن مريم ﵊] (٢).\n٣ - أخرج الإمام أحمد وابن حبان عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسَأُنبِّئُكُم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرَين] (٣).\nقال الحافظ ابن كثير في التفسير: (قيل كان منامًا رأته حين حملت به، وقصَّته على قومها، فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئةً. وتخصيص الشَّام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشَّام، ولهذا تكون الشَّام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها. ولهذا جاء في الصحيحين: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\". وفي صحيح البخاري: \"وهم بالشام\") (٤).\nوعن قتادة: (﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، قال: ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولًا عن أنفسهم يَعرفون وجهه ونَسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد). وقال الربيع: (هو محمد - ﷺ -، فقيل له: قد استجيب ذلك، وهو في آخر الزمان).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٢). وانظر السلسلة الصحيحة (١٥٤٦).\n(٢) حديث حسن لما قبله. انظر المرجع السابق، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٤٧٦).\n(٣) حديثٌ صحيحٌ بشواهده. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٢٧ - ١٢٨)، وابن حبان (٦٤٠٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٠٩). وله شواهد كثيرة.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير. سورة البقرة، آية (١٢٩).","vol":"1","page":416},{"text":"وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.\nيعني: يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه.\nوقوله: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.\nيعني: القرآن والسنة.\nقال ابن زيد: (﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، القرآن). وقال قتادة: (﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: أي السُّنة). وذكر ابن جرير عن ابن وهب قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: (المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له).\nثم ذكر قول ابن زيد: (﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الدين الذي لا يعرفونه إلا به - ﷺ -، يعلمهم إياها. قال: و(﴿وَالْحِكْمَةَ﴾، العقلُ في الدّين وقرأ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وقال عيسى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، قال: وقرأ ابن زيد: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، قال: لم ينتفع بالآيات، حيث لم تكن معها حكمة. قال: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ شيء يجعله الله في القلب، ينوِّر له به).\nقلت: ولا منافاة بين القولين، فالفقه في الدين لا يكون إلا عن طريق السنة، ففيها بسط الأحكام والقواعد الشرعية وفهم مجمل القرآن.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، من حديث المقدام بن معديكرب، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [ألا إني أوتيتُ الكتاب ومثله معهُ، ألا يوشكُ رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالِ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا لا يحلُّ لكم لحمُ الحمار الأهلي، ولا كل ذي نابٍ من السَّبُعِ، ولا لُقطةُ معاهَدٍ، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يُقروه، فإن لم يُقروه فله أن يغصبهم بمثل قراه] (١).\nفاشتمل هذا الحديث العظيم على بيان بعض الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا من الحكمة، وهي سنة النبي - ﷺ -، وهي الوحي الثاني من الله رب العالمين.\n_________\n(١) حديثٌ صحيحٌ. أخرجه أبو داود في السنن (٤٦٠٤) -كتاب السنة، باب في لزوم السنة، وانظر صحيح أبي داود (٣٨٤٨)، ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (١٦٣)، وصحيح الجامع (٢٦٤٠).","vol":"1","page":417},{"text":"وقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني بالزكاة، طاعةَ الله والإخلاص).\nوقال ابن جريج: (يطهّرهم من الشرك، ويخلِّصهم منه). وهي من التزكية: أي التطهير.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾\nأي: القوي لا يعجزه شيء، والغالب على أمره، والحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\n١٣٠ - ١٣٢. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تعظيم الله تعالى ملة إبراهيم، ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم، وتسفيه من رغب عنها وتوعده بالهلاك المبين. وإخبار الله تعالى عن وصية إبراهيم لبنيه بإقامة الدين والموت على الإسلام واليقين.\nفقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾.\nيعني: يزهد بها وهي الدين الحق.\nقال قتادة: (قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، رغب عن ملته اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعةً ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم -يعني الإسلام- حنيفًا، كذلك بعث الله نبيه محمدًا - ﷺ - بملة إبراهيم).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.\nيعني: إلا من أخطأ حظ نفسه. قال ابن زيد: (إلا من أخطأ حظّه).\nقال أبو العالية: (نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه). وبه قال قتادة.","vol":"1","page":418},{"text":"وفي التنزيل: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨].\nوقوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾.\nيعني: اخترناه واجتبيناه للخُلّة، وجعلناه إمامًا لمن بعده إلى يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nيعني: أهل الدرجات العلا. فالصالح المؤدي حقوق الله تعالى.\nقال القاسمي: (وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح، حيث جعله من المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة، لعلو رتبته عند الله في الدارين، ففي ذلك أعظم ترغيب في أتباع دينه والاهتداء بهديه، وأشدّ ذمّ لمن خالفه).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١)﴾.\nقال النسفي: (﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾: أذعن أو أطع أو أخلص دينك لله. ﴿قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: أخلصت أو انقدت).\nوقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾.\nفيه تأويلان:\nالتأويل الأول: وصى بهذه الكلمة: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: عهد إليهم بذلك وأمرهم به.\nقال ابن عباس: (وصّاهم بالإسلام، ووصّى يعقوبُ بمثل ذلك). وقال قتادة: (يقول: ووصى بها يعقوبُ بنيه بعد إبراهيم). واختاره ابن جرير.\nالتأويل الثاني: قيل المراد أنه وصى بهذه الملة، وهي الإسلام لله.\nقال القرطبي: (﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾، أي: بالملّة).\nوبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمه هاجر القبطية، وهو أكبر ولده، نقله إبراهيم إلى مكة وهو رضيع. قيل: كان له سنتان. ووُلد قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة، وقيل: مات وله مئة وسبع وثلاثون سنة. وقيل: مئة وثلاثون، وكان سنّه لما مات أبوه إبراهيم ﵉ تسعًا وثمانين سنة. وإسحاق أمه سارة، قيل: عاش إسحاق مئة وثمانين","vol":"1","page":419},{"text":"سنة، ومات بالأرض المقدسة ودُفن عند أبيه إبراهيم الخليل ﵉. وأما يعقوب: فقيل وُلد بعد موت جدّه إبراهيم. والراجح أنه ولد في حياته لتتم البشرى التي بشره الله فيها بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. وقيل: عاش يعقوب ﵇ مئة وسبعًا وأربعين سنة ومات بمصر.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ...﴾ [الأنبياء: ٧٢]. قال ابن كثير: (وهذا يقتضي أنه وجد في حياته).\nوقوله: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾.\nيعني: اختار واجتبى لكم هذا الدين.\nوقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\nيعني: الزموا الإسلام ولا تفارقوه فإنكم لا تدرون متى تكون مناياكم. قال ابن جرير: (فلا تفارقوا الإسلام، فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم، فتموتوا وربكم ساخط عليكم، فتهلكوا).\nوقال ابن كثير: (أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويُبعث على ما مات عليه. وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قَصَد الخير وُفِّقَ له ويُسِّر عليه. ومن نوى صالحًا ثُبِّتَ عليه).\nقلت: ويستثنى من ذلك النفاق والرياء، فإنه قد يكشف الله حال صاحبه آخر أيام حياته أو عند الغرغرة والاحتضار.\nففي الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث عبد الله، قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق قال: [إنّ أحدكم يُجْمَعُ في بطنِ أمه أربعين يومًا، ثم علقةً مثلَ ذلكَ، ثم يكون مضغةً مثلَ ذلك، ثم يَبْعَثُ الله ملكًا فيُؤْمر بأربعة: برزقِهِ، وأجَلِهِ، وشقِيٌّ أو سعيدٌ، ثم يُنْفَخُ فيه الروح. فوالله إِن أحدَكم أو الرجلَ ليعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكونُ بينه وبينها غيرُ ذِراع أو باع، فيَسْبقُ عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخُلُها، وإن الرَّجُلَ ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها غيرُ ذراع أو","vol":"1","page":420},{"text":"ذِراعين، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها] (١).\nوقد جاءت رواية مفسرة لمجمل هذا الحديث موضحة مُبَيِّنة ذكرها البخاري من حديث سهل بن سعد وفيها: [إن الرجل ليعمل عملَ أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عملَ أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة] (٢).\nولا شك أن المقصود هو النفاق والرياء، فلا يطلع على ذلك ولا يعلمه إلا الله. فهي أمراض أصابت القلب وتركها صاحبها وأهملها، حتى إذا ترعرعت وغطت على القلب صارت عقبة أمام صاحبها عند الاحتضار، فعجز عن المنطق أثناء النزع بلا إله إلا الله.\nوفي التنزيلِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].\n١٣٣ - ١٣٤. قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾.\nفي هذه الآيات: توبيخ لأهل الكتاب في تكذيبهم، فقد مات يعقوب على الدين الحق، دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام، ومضى أبناؤه على وصيته لهم بذلك، ثم لكل أمة ما كسبت ولا تسألون عما كانوا يعملون.\nفعن الربيع: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾، يعني: أهل الكتاب). والمراد: أكنتم معشر اليهود والنصارى حاضرين احتضار يعقوب وما أوصى به!؟ وهو على جهة التوبيخ لهم في افتراءاتهم وتكذيبهم. قال القاسمي: (أي ما كنتم حاضرين حينئذ، فـ \"أم\" منقطعة مقدّرة بـ \"بل\" والهمزة، وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٦٥٩٤) كتاب القدر، وصحيح مسلم- حديث رقم- (٢٦٤٣)، ومسند أحمد (١/ ٣٨٢).\n(٢) حديث صحيح انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٢٨٩٨)، كتاب الجهاد والسير، وصحيح مسلم -حديث رقم- (١١٢)، ومسند أحمد (٥/ ٣٣٥).","vol":"1","page":421},{"text":"وقال النسفي: (أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار .... أو متصلة ويقدر قبلها محذوف، والخطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون ما مات نبي إلا على اليهودية، كأنه قيل أتدّعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت). وشهداء: جمع شاهد، أي حاضر.\nوقوله: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾.\nيعني: مقدماته وأسبابه، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئًا.\nوقوله: ﴿إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾.\nأي: من بعد وفاتي. ﴿قَالوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾. قال ابن كثير: (وهذا من باب التغليب، لأن إسماعيل عمه). قال النحاس: (والعرب تسمي العَمَّ أبًا) نقله القرطبي.\nفكان أبناء يعقوب ﵇ حالة احتضار والدهم عند أحسن الظن، قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ فأروه ثبوتهم على الدين الحق دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام، وأقروا عينه بمعرفتهم بالله تعالى.\nوذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أنه استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجَدَّ أبا وحجب به الإخوة، وهو قول الصديق ﵁ حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير. ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري، وطاووس، وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من علماء السلف والخلف. وقال مالك والشافعي وأحمد - في المشهور عنه -: أنه يقاسم الإخوة، وحكي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود يزيد بن ثابت، وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن.\nوقوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾.\nيعني: نفرده بالعبادة والتعظيم. قيل ﴿إِلَهًا﴾ بدل من ﴿إِلَهَكَ﴾. وقيل: حال.\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.\nأي: مطيعون خاضعون. الجملة مبتدأ وخبر، وهي على الحال من فاعل نعبد.","vol":"1","page":422},{"text":"والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا. وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخوة، والأنبياء إخوة لِعَلاّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (١). وبنو العلاّت: هم أبناء الرجل الواحد من أمهات شتى.\nوقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾.\nيعني: مضت. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فلا يفيدكم الانتساب إلى الأنبياء والصالحين ما لم تكونوا على منهاجهم. ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nأخرج الإمام أحمد والنسائي والبيهقي بسند صحيح عن أُبَيّ، عن النبي - ﷺ - قال: [انتسب رجلان على عهد موسى، فقال أحدهما: أنا فلان بنُ فلانٍ، حتى عَدَّ تسعةً فمن أنتَ لا أمَّ لك؟ قال: أنا فلانُ بنُ فلانٍ ابنِ الإسلام. فأوحى الله إلى موسى أن قل لهذين المنتسبين: أما أنت أيها المنتسب إلى تسعةٍ في النار فأنت عاشرهم في النار، وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين في الجنة فأنت ثالثهما في الجنة] (٢).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: [ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه] (٣).\n١٣٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾.\nفي هذه الآية: إثبات الله تعالى الهداية في ملة إبراهيم ﵇، ملة التوحيد ونبذ الشرك والآثام.\nقال ابن عباس: (قال عبدُ الله بن صُوريا الأعور لرسول الله - ﷺ -: ما الهُدى إلا ما نحن عليه! فاتّبِعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله ﷿\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٣٤٤٣)، كتاب أحديث الأنبياء، ورواه مسلم في الصحيح برقم (٢٣٦٥) في الفضائل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٢٨)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٨٨/ ١)، وقال الألباني: وهذا إسناد صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٧٠).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٦٩٩) ومسند أحمد (٢/ ٢٥٢)، وهو جزء من حديث طويل.","vol":"1","page":423},{"text":"فيهم: ﴿وَقَالوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾).\nوقوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.\nأي: مستقيمًا. قال مجاهد: (مخلصًا). وقال ابن عباس: (حاجًّا). وقال أبو العالية: (الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته. ويرى أن حجّه عليه إن استطاع إليه سبيلًا). وقال الربيع: (حنيفًا: أي متبعًا).\nوقال أبو قلابة: (الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم).\nوقال قتادة: (الحنيفية شهادة أن لا إله إلا الله، يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات، والخالات والعمات، وما حرّم الله ﷿، والختان).\nقلت: والذي ذكره قتادة شامل واسع، يدلس على ملة إبراهيم ملة التوحيد وإفراد الله سبحانه بالتعظيم والتوحيد والعبادة والطاعة.\n١٣٦. قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾.\nفي هذه الآية: دعوة الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان به وبجميع أنبيائه ورسله، وعدم التفريق في ذلك بين أحد منهم.\nقال قتادة: (أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرقوا بين أحد منهم).\nوفي التنزيل: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: [كان أهل الكتاب يقرؤون التوراةَ بالعبرانية ويفسِّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -:","vol":"1","page":424},{"text":"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية] (١).\nوفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ -: [كان يقْرأ في ركعتي الفجر: في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التي في البقرة. وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢]﴾] (٢).\nوأما الأسباط فهم اثنا عشر رجلًا من ولد يعقوب ﵇. وَلَدَ كُلُّ رجل منهم أمّة من الناس، فسموا \"أسباطًا\". وفي التنزيل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ...﴾ [الأعراف: ١٦٠].\nقال قتادة: (الأسباط: يوسف وإخوته، بنو يعقوب. ولد اثني عشر رجلًا، فولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا \"أسباطًا\").\nوقال الخليل بن أحمد: (الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل).\nوقال القرطبي: (وسمّوا الأسباط من السَّبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون).\nقال: (والسِّبْطُ الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد). وقيل: أصله من السَّبَط: الشجر، فهم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدةُ سَبطة. وفي الأثر عن ابن عباس: (كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد عليهم الصلاة والسلام).\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.\nأي: منقادون. قال النسفي: (لله مخلصون).\n١٣٧ - ١٣٨. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات منهاج الرسل في الإيمان، وأن المعرضين عنه قد شقوا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٤٨٥) كتاب التفسير، ورواه في كتاب التوحيد (٧٥٤٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٧٢٧)، كتاب صلاة المسافرين، ورواه أبو داود (١٢٥٩).","vol":"1","page":425},{"text":"طريقًا من طرق الشيطان، فإن الدين الحق هو دين الفطرة الذي فطر الله الناس عليه وهو دين الإسلام.\nقال ابن عباس: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنَّه لا يقبل عملًا إلا به، ولا تحرُم الجنة إلا على من تَركه).\nوالمعنى: إن صدّق الكفار من أهل الكتاب وغيرهم بجميع كتب الله ورسله دونما تفريق بين أحد منهم فقد أصابوا الحق ورشدوا. وإن تولوا وأعرضوا ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. قال قتادة: (أي: في فراق). يعني في مخالفة ومنازعة. قال زيد بن أسلم: (الشقاق المنازعة). وقيل: الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي. قال القرطبي: (وأصله من الشِّق وهو الجانب، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شِقّ صاحبه).\nوقيل: بل الشقاق مأخوذ من فِعل ما يشق ويصعب، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشقّ على صاحبه.\nقلت: وبالجمع بين هذه الأقوال يكون المعنى: إن من أعرض عن منهاج الرسل في الإيمان فقد شق طريقًا غير طريقهم وفارقهم إلى طرق وسبل الشياطين.\nوقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾.\nيعني: سيكفي الله رسولَه عدوَّه، وسيخذل من عانده وخالفه.\nقال ابن جرير: (ففعل الله بهم ذلك عاجلًا، وأنْجز وعده، فكفى نبيّه - ﷺ - بتسليطه إياه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجاز بعضًا، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار).\nوقال القرطبي: (وكان ذلك في قتل بني قَيْنُقَاع وبني قُريظة وإجلاء بني النضير).\nوقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nأي: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ سبحانه لما يقولون لك بألسنتهم وما يخرج من أفواههم من الجهل والكفر والدعوة إلى الضلال، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما انطوت عليه قلوبهم من الغسل والمكر والحسد.\nوقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾.\nقيل دين الله، وقيل فطرة الله. وتفصيل ذلك:","vol":"1","page":426},{"text":"١ - فعن قتادة: (﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال: دين الله). وقال أبو العالية: (﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: دين الله. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، قال: ومن أحسن من الله دينًا).\n٢ - وعن مجاهد: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، قال: فطرة الله التي فطر الناسَ عليها). وقال: (الصبغة: الفطرة). وقال: (الإسلام، فطرة الله التي فطر الناس عليها). وقال ابن جريج: (دين الله، ومن أحسن من الله دينًا. قال: هي فطرة الله).\nوبالجمع بين القولين يكون المعنى: بل نتبع فطرة الله وملته التي خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم. قال بعض أهل اللغة: \"صبغة\" بدلٌ من\"ملّة\". وقال الكسائي: (وهي منصوبة على تقدير اتبعوا. أو على الإغراء أي الزموا. ولو قرئت بالرَّفع لجاز، أي هي صبغة الله).\nقال ابن جرير: (الصبغة: صبغة الإسلام. وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تُنَصِّرَ أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنزلة غسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية). وقد جاءت بذلك الآثار:\n١ - روى شيبان عن قتادة قال: (إن اليهود تصبغ أبناءهم يهودًا، وإن النصارى تصبغ أبناءهم نصارى، وإن صبغة الله الإسلام).\n٢ - قال ابن عباس: (هو أن النصارى كانوا إذا وُلد لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودِيّة، فصبغوه بذلك ليطهّروه به مكان الخِتان، لأن الختان تطهر، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًّا حقًّا).\nفرد الله عليهم بأن صبغةَ الله أحسن صبغة، وهي الإسلام. قال القرطبي: (فَسمِّيَ الدين صبغة استعارة ومجازًا من حيث تظهر أعماله وسِمته على المتديِّن، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب).\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.\nأمرٌ من الله لنبيّه أن يقول للذين قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. والتقدير: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفًا، صبغَةَ الله، لا نستكبر عن أمره أو الإقرار برسالته رسله، كما استكبرت اليهود والنصارى فكفروا بمحمد - ﷺ - استكبارًا وبغيًا وحسدًا، وضيّعوا أعمالهم باستكبارهم.\nأخرج البخاري عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [مثل المسلمين واليهود والنصارى","vol":"1","page":427},{"text":"كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل فعمِلوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك، فاستأجر آخَرين فقال: أَكْمِلوا بقية يومِكم ولكم الذي شرطت، فَعَمِلوا حتى إذا كان حين صلاة العَصرِ قالوا: لكَ ما عملنا، فاستأجر قومًا فعمِلوا بقيةَ يومهم حتى غابت الشَّمس، واستكملوا أَجْر الفريقين] (١).\nوفي رواية: (فذلك مثلهم ومثَلُ ما قبلوا من هذا النور).\n١٣٩ - ١٤١. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: تكذيبُ الله المعاندين المغرورين من أهل الكتاب، الذين ادَّعوا أن الأنبياء كانوا على دينهم وطريقتهم، وتأكيده تعالى أن رسله جميعًا كانوا على ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم، وأن الانتساب النافع هو أتباع سبيل المرسلين.\nفقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾.\nقال مجاهد: (قل: أتخاصموننا). وقال ابن عباس: (أتجادلوننا). قال الحسن: (كانت المحاجة أن قالوا: نحن أولى بالله منكم، لأنّا أبناء الله وأحباؤه). وقيل: لتقدّم آبائنا وكتبنا، ولأنا لم نعبد الأوثان. فكان الجواب من الله: قل يا محمد لهؤلاء المغرورين أنه لا تأثير لقدم الدين، بل لا بد من متابعة أوامر الله المتجددة والإيمان بكلِّ رسله وأنبيائه، فهو ربنا وربكم، ولا يستكبر عن عبادته إلا هالك.\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (تزعمون أنكم أولى بالله منا، لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم، ونحن\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٥٥٨)، كتاب مواقيت الصلاة، والرواية الأخرى (٢٢٧١) كتاب الإجارة.","vol":"1","page":428},{"text":"مخلصون له العبادة، لم نشرك به شيئًا، وقد أشركتم في عبادتكم إياه، فعبد بعضكم العجلَ، وبعضكم المسيحَ، فأنّى تكونون خيرًا منا، وأولى بالله منا؟).\nأخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي سعيد بن أبي فضالة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا جمع الله الأولين والآخرين، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عملهُ لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك] (١).\nوقال الجنيد: (الإخلاص سِرٌّ بين العبد وبين الله، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوىً فيميله).\nوقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.\nالتقدير: أتحاجوننا في الله، أم تقولون في هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام: إنهم كانوا على دينكم وملتكم وطريقتكم. ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾: تقرير وتوبيخ لهم في زعمهم وادعائهم، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يكونوا هودًا أو نصارى بل على ملة التوحيد وإفراد الله سبحانه بالتعظيم، دون تعصب أو كبر أو جدل.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.\nقال الحسن البصري: (كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين الإسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك).\nوقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾.\nتهديد ووعيد وتحذير شديد، فإن الله سبحانه قد أحاط بكلِّ شيء علمًا، وهو عليم بأعمالكم وما تخفي صدوركم.\nوقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. يعني: مضت.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣١٥٤)، وابن ماجه (٤٢٠٣). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٢١). ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (٥٣١٨)، وصحيح الجامع (٤٩٦).","vol":"1","page":429},{"text":"وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (لهم أعمالهم ولكم أعمالكم. وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا منقادين مثلهم لأوامر الله واتباع رسله، الذين بعثوا مبشِّرين ومنذرين، فإنّه من كفر بنبيّ واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين).\nوقال القرطبي في هذه الآية: (كرّرها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أخرى، فوجب التأكيد، فلذلك كرّرها).\n١٤٢ - ١٤٣. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nفي هذه الآيات: استنكار اليهود تحول القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، وإثبات منهاج الوسطية لأمة محمد ﵊، وأن الله تعالى لا يضيع أجر أهل الإيمان.\nوالسفهاء: الجهال، سموا كذلك لأنهم سفهوا الحق. وهم المشركون واليهود والمنافقون. وتفصيل ذلك من أقوال المفسرين:\n١ - عن مجاهد: (﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾، قال: اليهود تقوله، حين تَرَك بيتَ المقدس). وقال البراء: (أهل الكتاب). وقيل: (أحبار يهود).","vol":"1","page":430},{"text":"٢ - عن السدي قال: (نزلت: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، في المنافقين).\n٣ - قال الزجّاج: (المراد بالسفهاء ها هنا مشركو العرب).\nواختار ابن جرير أنها في اليهود وأهل النفاق. قال: (وإنما سمّاهم الله ﷿ ﴿سُّفَهَاءُ﴾ لأنهم سفِهوا الحق. فتجاهلت أحبارُ اليهود، وتعاظمت جهالهم وأهل الغباء منهم، عن أتباع محمد - ﷺ -، إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، وتحيّر المنافقون فتبلَّدوا). في حين اختار ابن كثير أنها عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم.\nقلت: وقد جاء في السنة الصحيحة ما يدل على سبب نزول هذه الآية:\n١ - قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن البراء قال: [كان رسول الله - ﷺ - يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فقال رجال من المسلمين: وَدِدْنا لو علمنا علم من مات قبل أن نصرف إلى القبلة، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وقال السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخر الآية] (١).\n٢ - وفي صحيح البخاري عن البراء ﵁: [أن رسول الله - ﷺ - صَلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنَّه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي - ﷺ - قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّلَ قِبَلَ البيت رجالًا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾] (٢).\n٣ - أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن أبي إسحاق، عن البراء قال: [كان رسول الله - ﷺ - قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحبّ أن\n_________\n(١) لباب النُّقول في أسباب النزول للحافظ السيوطي. وإسناده حسن ورجاله ثقات. انظر الصحيح المسند من أسباب النزول -الوادعي- سورة البقرة (١٤٢). وأورده الحافظ ابن كثير بلفظ قريب.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٤٨٦) كتاب التفسير، وانظر رقم (٤٠) كتاب الإيمان.","vol":"1","page":431},{"text":"يُوَجَّهَ نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: فَوُجهَ نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس -وهم اليهود -: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] (١).\n٤ - أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄، أنه قال: [بينما الناس بِقُباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أُنزل عليه الليلة قرآن وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشَّام فاستداروا إلى الكعبة] (٢).\nقال الحافظ ابن كثير: (وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدَّم نزوله وإبلاغه، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم).\nوقوله: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.\nرُوي عن ابن عباس: أن القائلين هم اليهود، وعن الحسن: أنهم مشركو العرب، وعن السدّي: أنهم المنافقون.\nقال الراغب: (ولا تنافي بين أقوالهم، فكلٌّ قد عابوا، وكل سفهاء).\nوقال القاسمي: (ومدار الإنكار، إن كان القائلون هم اليهود، كراهتهم للتحويل عنها لأنها قبلتهم. وإن كان غيرهم، فمجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في أحكامه).\nوقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nمفهومه: إنّ الحكم والتصرف والأمر لله، فحيثما وجَّهنا سبحانه توجّهنا، فنحن عبيده وخدّامه وفي تصرفه فله الأمر وعلينا الامتثال.\nقال القرطبي: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم، والله تعالى أعلم. والصراط: الطريق. والمستقيم: الذي لا اعوجاج فيه).\nوفي المسند عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [إنهم لا يحسدوننا على شيء\n_________\n(١) إسناده حسن، ورجاله ثقات. وأورده ابن كثير في التفسير، ويشهد له ما قبله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠٣)، (٤٤٩١)، ومسلم (٥٢٦)، ورواه أحمد (٢/ ١٦).","vol":"1","page":432},{"text":"كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين] (١).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.\nالوَسَط: العدْل. فوصفت هذه الأمة به لأنها جانَبَت الغلو والتقصير، فلم تَغْلُ غُلُوَّ النصارى في أنبيائهم، ولم تُقَصِّر تقصير اليهود في أنبيائهم. ومنه الصلاة الوسطى -صلاة العصر- توسطت الصلوات، ومنه الكعبة في وسط الأرض. فكما أن الكعبة التي حُوِّلتم إليها وسط الأرض، فكذلك أنتم وسط الناس، ووسط الأمم، جعلناكم أمة وسطًا، أي دون الأنبياء وفوق الأمم، لتشهدوا للأنبياء يوم القيامة عند تكذيب الأمم لهم.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بلَّغكم بهذا؟ فيقولون: لا، فَيُقال له: من يشهدُ لكَ؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى محمدٌ وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيُقال: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بلّغوا فصدّقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (٢).\nوأخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري -أيضًا- قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغْتَ؟ فيقولُ: نعم يا ربِّ، فتسْألُ أمَّتُهُ: هل بَلغَكُم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: مَنْ شهودُكَ؟ فيقول؟ محمدٌ، وأمَّتُهُ، فَيُجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (٣).\nوفي رواية أحمد: [يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد. فيقال\n_________\n(١) حديث حسن. رواه أحمد في المسند (١/ ١٣٥ - ١٣٦) بأتم منه. وبعضه في الصحيح.\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٣/ ٣٨)، وصحيح الجامع (٧٨٨٩)، ورواه النسائي.\n(٣) حديث صحيح. رواه البخاري (٧٣٤٩)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ورواه أحمد (٣/ ٥٨).","vol":"1","page":433},{"text":"لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: الوسطُ. العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، قال: ثم أشهد عليكم].\nقلت: وهذه الصفة لهذه الأمة بالشهادة على الناس هي في الدنيا كما هي في الآخرة، وفي ذلك أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: [مر على النبي - ﷺ - بجنازة، فأثني عليها خيرًا، فقال نبي الله - ﷺ -: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وجبتْ، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا، فقال نبي الله - ﷺ -: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ. فقال عمر: فِدىً لك أبي وأمي! مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا، فقلت: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي الأسود أنه قال: [أتيت المدينة فوافقتها، وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرّت به جنازة، فَأُثْنِيَ على صاحبها خيرًا، فقال: وَجَبَتْ وَجَبَتْ. ثم مُرَّ بأخرى فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر ﵁: وَجَبَت. ثم مُرَّ بالثالثة فأُثْنِيَ عليها شرًا، فقال عمر: وجبتْ. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله - ﷺ -: أيّما مسلم شَهِدَ له أربعة بخير أدخله الله الجنة. قال فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال: وثلاثة. قال فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأَدْنَيْنَ أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى وتبارك: قد قبلت قولكم، أو قال: بشهادتكم، وغفرت له ما لا تعلمون] (٣).\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري (٣/ ١٧٧ - ١٧٨)، وصحيح مسلم (٩٤٩)، كتاب الجنائز، واللفظ له.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢١، ٤٥)، وأخرجه البخاري (١٣٦٨) وغيره.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٤٢)، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٧٨)، وصححه الألباني في أحكام الجنائز ص (٤٦).","vol":"1","page":434},{"text":"الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة وأحمد، عن أبي بكر بن أبي زهير الثَّقفيُّ، عن أبيه، قال: [سمعت رسول الله - ﷺ - بالنباوَة يقول: يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيِّئ، أنتم شهداء الله في الأرض] (١). والنَّباوة من الطائف.\nالحديث الخامس: أخرج الحافظ أبو بكر بن مَرْدَويه عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: [أنا وأمتي يوم القيامة على كَوْم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحدٌ إلا وَدَّ أنه مِنّا. وما من نبي كذّبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه ﷿] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.\nإن تشريع تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فيه اختبار الصدق في طاعة الله من النفاق والكذب، ليظهر حال من يمتثل أمر الله ويتابع رسوله، ممن يكبِّر عليه الأمر فيخالف أو يرتد عن دينه. ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: تحويل القبلة. ذكره ابن عباس ومجاهد.\nوالتقدير في العربيّة: وإن كانت التحويلة. قال الأخفش: (أي وإن كانت القِبْلة أو التحويلة أو التَّوْلية لكبيرة).\nوقوله: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.\nقال القرطبي: (أي خلق الهدى الذي هو الإيمان في قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾). والتقدير: آمنوا وصدقوا الله فهداهم وزادهم إيمانًا. وفي التنزيل: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ...﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال جل ذكره: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه في السنن (٤٢٢١)، وأحمد في المسند (٣/ ٤١٦). وصحح إسناده البوصيري في \"الزوائد\". وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٤٠٠).\n(٢) إسناده فيه راو لم يسمَّ، إلا أن له طرقًا أخرى وشواهد. وانظر الأحاديث قبله.","vol":"1","page":435},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.\nيعني: صلاتكم إلى القبلة السابقة -بيت المقدس-.\nقال ابن عباس: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى القبلة الأخرى). أي ليُعْطِيَنَّكم أجرهما جميعًا.\nوقال الحسن: (أي: ما كان الله ليضيع محمدًا - ﷺ - وانصرافكم معه حيث انصرف).\nخرّج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لما وُجّه النبي - ﷺ - إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يُصَلّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية] (١).\nقال القرطبي: (فسمّى الصلاة إيمانًا لاشتمالها على نيّة وقول وعمل. وقال مالك: إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾.\nقال أبو عمرو بن العلاء: (الرأفة أكثر من الرحمة). وقال ابن جرير: (﴿الرأفة﴾ أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة. وأما ﴿الرحيم﴾: فإنّه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة).\nأخرج البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁: قدم على النبي - ﷺ - سَبْي، فإذا امرأة من السَّبيَّ تَحْلُبُ ثَدْيَها تَسْقي، إذا وَجَدَتْ صبيًّا في السبي أخَذَتْهُ، فألصَقَتْهُ ببطنها وأرضَعَتْهُ، فقال لنا النبي - ﷺ -: أتُرَون هذه طارِحةً ولدَها في النار؟ قلنا: لا، وهي تَقْدِرُ على أن لا تَطْرَحَهُ، فقال: للهُ أَرْحَمُ بعباده من هذه بولدها] (٢).\nأخرج الحافظ العراقي في \"المجلس من الأمالي\" عن أنس بن مالك مرفوعًا: [والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافّة] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٦٥)، ورواه البخاري كما مضى نحوه.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٥٩٩٩). كتاب الأدب. باب رحمة الولد وتقبيله ومُعَانقته.\n(٣) حديث صحيح. وله شاهد أخرجه ابن المبارك في الزهد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧).","vol":"1","page":436},{"text":"١٤٤. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾.\nفي هذه الآية: إخبارُ الله تعالى عن رغبة النبي - ﷺ - التوجه إلى الكعبة في الصلاة وموافقة الله رغبته بذلك. وتهديد ووعيدٌ لمن جحد ذلك من أهل الكتاب أو استكبر عنه فأنكره بغيًا وحسدًا.\nقال قتادة: (كان - ﷺ - يقلّب وجهه في السماء، يحب أن يصرفه الله ﷿ إلى الكعبة، حتى صرفه الله إليها). وفي رواية: (فكان نبي الله - ﷺ - يُصَلّي نحو بيت المقدس، يَهوَى ويشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام، فوجَّهَهُ الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها ويشتهيها).\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: [كان رسول الله - ﷺ - صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله - ﷺ - يحب أن يوجّه إلى الكعبة فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها! ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فصلى مع النبي - ﷺ - رجل ثم خرج بعدما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - وأنَّه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة] (١).\nقال ابن عباس: (كان أول ما نُسِخَ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله - ﷺ - بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتابت من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي\n_________\n(١) حديث صحيح. ورواه ابن ماجه وأحمد. انظر الصحيح المسند من أسباب النزول. البقرة (١٤٤).\nوانظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٦٣) -كتاب التفسير- عند هذه الآية.","vol":"1","page":437},{"text":"كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾).\nأخرج الحافظ أبو بكر بن مَرْدَويه عن نويلة بنت مسلم قالت: [صلينا الظهر -أو العصر- في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء (١) فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله - ﷺ - قد استقبل البيت الحرام، فتحوّل النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السَّجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي - ﷺ - قال: أولئك رجال يؤمنون بالغيب] (٢).\nوله شاهد عنده عن عُمارة بن أوس، قال: [بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ونحن ركوع، إذ نادى منادٍ بالباب: إن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمَامنا أنه انحرف فتحوَّل هو والرِّجال والنساء والصبيان -وهم ركوع- نحو الكعبة] (٣).\nوقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.\nالشطر: النحو والقصد والتِّلقاء.\nقال الحافظ ابن كثير: (أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض، شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء، سوى النافلة في حال السفر، فإنّه يصليها حيثما توجه قالبه، وقَلْبُه نحو الكعبة. وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال. وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفس الأمر، لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.\nقال السدي: (أنزل ذلك في اليهود). وقال القرطبي: (يريد اليهود والنصارى). ثم ذكر جوابين عن كيفية علمهم بتحويل القبلة.\n_________\n(١) أي المسجد الأقصى. وإيلياء هي بيت المقدس.\n(٢) أخرجه الحافظ ابن مردويه كما ذكر ابن كثير في التفسير. وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٤/ ٥٣٠) وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٤): ورجاله موثقون.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو يعلى (١٥٠٩)، والطبراني في \"المعجم الكبير\"، انظر المرجع السابق.","vol":"1","page":438},{"text":"الأول: أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدًا - ﷺ - نبيّ علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا به.\nالثاني: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم، فصاروا عالمين بجواز القبلة.\nقلت: وقد يكون تحويل القبلة مذكورًا في كتبهم أنه سيكون في حياة النبي محمد - ﷺ - ولكنهم يتكاتمونه بغيًا وحسدًا. فإن الآية تحتمل مثل هذا التأويل.\nوقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.\nتهديد ووعيد لمن جحد وأنكر منهم واستكبر. فهو إعلام بأن الله تعالى لا يغفل عن أعمال العباد ولا يُهملها وسيكشفها لهم يوم يلقونه.\n١٤٥. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.\nفي هذه الآية: الكفر والعناد والمكر متأصل في يهود، لأنهم كفروا وقد تبيّن لهم الحق. فلا تنفعهم الآيات والعلامات ولو جئتهم بكلِّ دليل على النبوة والوحي والحقُّ. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. وفي الآية تحذير شديد من أتباع أهواء أهل الكتاب.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ].\nإخبار عن صدق متابعة الرسول - ﷺ - لأوامر الله وشدة تمسكه بها. قال ابن كثير: (كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم، فهو أيضًا مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنَّه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وما كان متوجهًا إلى بيت المقدس لكونها قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى).","vol":"1","page":439},{"text":"وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.\nالخطاب للرسول والمراد به الأمة. فإن زلة العالم ليست كزلة غيره.\nقال الراغب: (نبه أن اتباع الهوى بعد التحقق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة. قال: فذو المنزلة الرفيعة إلى تحذير الإنذار عليه أحوج، حفظًا لمنزلته وصيانة لمكانته).\nوقال القاسمي: (دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم. لأن قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يدل على ذلك. ذكره الرازي).\nأخرج الدارمي في سننه بسند جيد عن زياد بن حُدَيْر قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدمُ الإسلام؟ قال: قلتُ: لا. قال: (يهدمه زلّةُ العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين).\n١٤٦ - ١٤٧. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: المراد علماء اليهود وأحبارهم، وعلماء النصارى، يعرفون صحة ما جاء به محمد - ﷺ - كما يعرف أحدهم ولده، فالحذر كل الحذر من تقليدهم في اتباعهم الهوى.\nقال قتادة: (﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، يقول: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلة). وقال السدي: (يعرفون الكعبة هي قبلة الأنبياء، كما يعرفون أبناءهم).\nقال ابن كثير: (والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا). يعني هو صحيح كمعرفة الأب بولده. قال القرطبي: (ورُوي أن عمر قال لعبد الله بن سَلام: أتعرفُ محمدًا - ﷺ - كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينَه في سمائه إلى","vol":"1","page":440},{"text":"أمينه في أرضه بنعته فعرفتُه، وابني لا أدري ما كان من أمّه).\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن عن أبي رمثة التَّيميّ قال: [أتيت النبي - ﷺ - ومعي ابن لي، فقال: ابنك هذا؟ قلت: أشهد به. (وفي رواية: فقال: ابنك هذا؟ قلت: إي ورب الكعبة، قال: ابن نفسك؟ قلت: أشهد به) قال: فإنّه لا يجني عليك ولا تجني عليه] (١).\nوقد يكون المعنى: يعرفون خبر رسول الله - ﷺ - وصفاته وقبلته كما يعرفون أبناءهم من بين جميع الناس، فلا أحد يمتري في معرفة ابنه من بين ألوف الناس، ومع هذا: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال مجاهد: (يكتمون محمدًا - ﷺ -، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). وقال الربيع: (يعني القبلة).\nوقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.\nقال الربيع: (يقول: لا تكنْ في شك، فإنها قبلتك وقبلةُ الأنبياء من قبلك). أي لا تكونن من الشاكين. والخطاب للنبي - ﷺ - والمراد أمّته.\nوأصل المِرْية في لغة العرب: الشك. يقال: امترى فلان في كذا إذا اعترضه اليقين مرة والشك أخرى، فدافع إحداهما بالأخرى. ومنه المِراء في الشيء، لأن كل واحد منهما يشك في قول صاحبه.\nقال الراغب: (ليس هذا بنهي عن الشك لأنه لا يكون بقصد من الشاكّ، بل هو حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها. وعلى ذلك قوله: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾).\n١٤٨. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.\nفي هذه الآية: تقديرُ الله تعالى أن لكل ملة قبلة ووجهة، وأن الهداية بيد الله فاستبقوا الخيرات، وإليه سبحانه المرجع والحساب.\nفقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n_________\n(١) حسن الإسناد. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٢٧) (٢/ ٢٢٨)، (٥/ ٨١). وهو حديث حسن.","vol":"1","page":441},{"text":"١ - قال ابن عباس: (﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني بذلك أهل الأديان. يقول: لكل قبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون). وقال أبو العالية: (لليهودي وجهةٌ هو مولِّيها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة إلى القبلة التي هي القبلة).\n٢ - وقال الحسن: (أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة).\nقال القرطبي: (والمراد القبلة، أي إنهم لا يتبعون قبلتك وأنت لا تَتَّبعُ قبلتهم، ولكل وجهةٌ إما بحق وإما بِهوىً).\nوقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.\nقال الربيع: (يقول: فسارعوا في الخيرات).\nوقال قتادة: (يقول: لا تُغْلَبُنَّ على قبلتكم). وقال ابن زيد: (﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، قال: الأعمال الصالحة).\nوالمعنى: سارعوا أيها المؤمنون إلى الامتثال وفعل الصالحات وتزوّدوا لآخرتكم ولا تستهوينكم يهود فتضيعوا كما ضاعوا وكما ضاعت الأمم قبلكم، وحافظوا على قبلتكم التي هداكم الله لها وضل عنها أهل الكتاب.\nوفي التنزيل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ...﴾ [المائدة: ٤٨].\nوقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.\nقال السدي والحسن: (يعني يوم القيامة). فهو القدير سبحانه على جمعكم وحشركم وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.\n١٤٩ - ١٥٠. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ","vol":"1","page":442},{"text":"حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيد جديد لأمر تحويل القبلة ليغيظ أكثر من استكبر عن طاعة الله من أهل الكتاب، وليعلن نسخ القبلة إلى يوم القيامة.\nقال القرطبي: (قيل: هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها، لأن موقع التحويل كان صعبًا في نفوسهم جدًّا، فأكّد الأمر ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه. وقيل أراد بالأول: وَلِّ وجهك شطر الكعبة، أي عاينها إذا صلّيت تلقاءها. ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. ثم قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني: وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمرًا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض).\nفخلاصة ما ذكر القرطبي في الآية: أن الأول لمن هو بمكة، والثَّاني لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار. ورجحه القرطبي.\nفي حين وجّه المعنى فخر الدين الرازي إلى أن الأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثَّاني لمن هو في مكة غائب عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان.\nقال ابن جرير: (﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾: ومن أي موضع خَرَجْت إلى أي موضع وجَّهت، فولّ يا محمد وجهك -يقول: حوِّل وجهك. قال: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: وإن التوجه شطرَه للحق الذي لا شك فيه من عند ربك، فحافظوا عليه، وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله). وأما قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فالمعنى: ليس الله بساهٍ عن أعمالكم ولا يغفل عنها، بل هو محصيها لكم، حتى يوافيكم بها يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nيعني: من أي بقعة شخصت ومن أي مكان خرجت فقبلة صلاتك إلى البيت العتيق.\nوكذلك أنتم أيها المؤمنون: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.\nوقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.\nالتأويل: لئلا يحتج عليكم أحد في التولي إلى غيره. فإن اليهود يقولون: يجحد","vol":"1","page":443},{"text":"ديننا ويتبع قبلتنا. والمشركون يقولون: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته.\nقال قتادة: (قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، يعني بذلك أهل الكتاب. قالوا - حين صُرف نبيُّ الله - ﷺ - إلى الكعبة البيت الحرام-: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه).\nوقوله: ﴿لَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.\nقال الربيع: (يعني مشركي قريش). وقال مجاهد: (هم مشركو العرب). قال: (حجتهم قولهم: قد راجعتَ قبلتنا). أو قال: (قد رجَعت إلى قبلتنا). وقال قتادة وابن نجيح، عن مجاهد: (هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم! قال الله ﷿: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.\nوقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾.\nيعني: الناس ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ أي: أفردوا الله تعالى بالخوف والتعظيم، ولا تخشوا شبه المبطلين والظَلَمَة المتعنتين.\nوقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.\nقال الزجاج: (إتمام النعمة الهداية إلى القبلة).\nوقال سعيد بن جبير: (ولم تتم نعمة الله على عبد حتى يدخلَه الجنة).\nوقال ابن كثير: (أي: ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها).\nوقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.\nيعني: إلى ما خصصناكم به من بين الأمم وشرفناكم به.\nقال النسفي: (ولكي تهتدوا إلى قبلة إبراهيم). وقال ابن جرير: (وكي ترشدوا للصواب من القبلة). وقال القاسمي: (﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ للصراط المستقيم بالتوجه إليها، فتهتدون بهذه القبلة هداية كاملة).","vol":"1","page":444},{"text":"١٥١ - ١٥٢. قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يُذكِّر سبحانه المؤمنين ببعض نعمه الجليلة عليهم، فإن بعثة محمد - ﷺ - في حياتهم هي من أكبر هذه النعم، وقد عادت عليهم بالرفعة والشرف، كيف لا والمشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد لغيرهم، فامتن الله تعالى عليهم وبعثه من بينهم ومن واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.\nوقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾.\nيعني: يقرأ عليكم القرآن العظيم، وهو أكبر معجزة باقية في هذا الوجود.\nقال القاسمي: (ولأنَّه يتلى فتتأدى به العبادات ويستفاد منه جميع العلوم، ومجامع الأخلاق الحميدة، فتحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة).\nوقوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾.\nأي: يطهركم من دنس الشرك والجاهلية والأخلاق الذميمة والأفعال المشينة.\nوقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾.\nيعني: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني السنة (١).\nوقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾.\nقال ابن كثير: (فكانوا في الجاهلية الجَهْلاء يُسَفَّهون بالقول الفَرِيّ، فانتقلوا ببركة رسالته، ويُمْنِ سفارته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء. فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وأصدقم لهجة).\nوفي التنزيل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران].\n_________\n(١) قال الشافعي ﵀: (الحكمة هي سنة الرسول - ﷺ -).","vol":"1","page":445},{"text":"فائدة: ليس في الآية تكرار، فالتلاوة غير التعليم. ومن ثَمَّ فإن الحكمة تشتمل على العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها.\nوقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.\nيعني: اذكروني بالطاعة أذكركم بالرحمة والمغفرة. وفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال سعيد بن جبير: (اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي). وفي رواية: (برحمتي).\n٢ - قال الحسن البصري: (اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي).\n٣ - قال ابن عباس: (ذِكْرُ الله إياكم أكبر من ذكركم إياه).\n٤ - قال الربيع: (إن الله ذاكرُ من ذكره، وزائدُ من شكره، ومعذِّبُ من كفره).\n٥ - قال السدي: (ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمة، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بروائع في هذا المعنى، ومن ذلك هذه الأحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم -واللفظ للبخاري- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: [يقول الله تعالى: أنا عِنْدَ ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرتهُ في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرب شِبْرًا إليَّ تَقَربْتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّبَ إلي ذِراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرْولة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: عبدي إذا ذكرتني خاليًا ذكرتُكَ خاليًا، وإذا ذكرتني في ملأٍ ذكرتك في ملأٍ خيرٍ منهم وأكبر] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٧٤٠٥)، كتاب التوحيد، وصحيح مسلم -حديث رقم- (٢٦٧٥)، كتاب الذكر والدعاء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد والبزار من حديث أنس. وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة كما مضى. انظر صحيح الجامع (٤٢٠٠).","vol":"1","page":446},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن معاذ بن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: لا يذكرني عبدٌ في نفسه إلا ذكرتهُ في ملأٍ من ملائكتي، ولا يذكرني في ملأٍ، إلا ذكرتُه في الرفيق الأعلى] (١).\nوقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.\nالشكر: معرفة الإحسان والتحدث به. وأصله في اللغة الظهور. ومفهومه: نطق العبد باللسان وإقرارٌ بالقلب بإنعام الرب سبحانه مع التقرب إليه بالطاعات.\nولذلك جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ...﴾ [آل عمران: ١٠٢]. عن بعض السلف قوله: (هو أن يُطاع فلا يُعْصى، ويذكر فلا ينسى، ويُشْكر فلا يُكْفَر).\nوفي التنزيل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\nأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النُّعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب] (٢).\nوعند ابن ماجه بسند صحيح عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٣).\nوفي المسند وسنن النسائي عن والد أبي الأحوص، قال رسول الله - ﷺ -: [إذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ أثَرُ نعمةِ الله عليك وكرامته] (٤).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث زهير بن أبي علقمة ولفظه: [إذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج الترغيب (٢/ ١٢٧)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٤٢١١).\n(٢) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٥/ ٢١١)، (٢/ ٢٩٥)، وصحيح ابن حبان (٢٠٧٠)، وانظر السلسلة الصحيحة (٤١٧)، وكتابي أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٢٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٥) في السنن، باب فضل الحامدين، انظر صحيح ابن ماجة (٣٠٦٧)، وانظر صحيح الجامع (٥٤٣٩)، وكتابي أصل الدين والإيمان (١/ ٣١٨).\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (٢٥٢)، والمرجع السابق (١/ ٣١٨).","vol":"1","page":447},{"text":"عليك، فإن الله يحب أن يرى أثره على عبده حسنًا، ولا يحب البؤس ولا التباؤس] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.\nنهيٌ عن ستر النعمة، أي لا تكفروا نعمتي وأياديَّ.\n١٥٣ - ١٥٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يحث الله سبحانه عباده المؤمنين على طاعته واحتمال الأذى والمكروه على الأبدان والأموال، فإن القائم على أوامر الله وتعظيمها لا بد أن يُبتلى، ومن ثم فلا بد له من الصبر، وخير الأعمال التي تعين علي الصبر الصلاة والذكر والدعاء. وفي الآيات إثبات لحياة الشهداء عند رب العالمين.\nقال الربيع: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، واعلموا أنها عون على طاعة الله).\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حذيفة: [أن رسول الله - ﷺ - كان إذا حَزَبَهُ أمر صلى] (٢).\nوالعبد إما أن يكون في نعمة فيشكرها، أو يكون في نازلة فيصبر عليها.\nففي صحيح مسلم من حديث صُهَيْب، أن رسول الله - ﷺ - قال: [عجبًا لأمر المؤمن، إن أمْرَه كلَّهُ له خير، وليسَ ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شَكَرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرّاء صَبَر، فكان خيرًا له] (٣).\nوالصبر أنواع:\n١ - صبر على ترك المحارم والآثام.\n٢ - صبر على الطاعات والقربات ولوازم الإيمان.\n٣ - صبر على المصائب والآلام والأسقام.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر: \"مجمع الزوائد\" (٥/ ١٣٢) ورجاله ثقات كما قال الهيثمي. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٣٢٠)، والمرجع السابق (١/ ٣١٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٣١٩)، وأحمد (٥/ ٣٨٨)، وله شواهد.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٩٩٩)، كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير.","vol":"1","page":448},{"text":"قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (الصبر في بابين: الصبر لله بما أحبَّ وإن ثَقُلَ على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء).\nوالصبر على الطاعات له مكانة كبيرة لأنه هو المقصود. قال شيخ الإسلام: (الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة: أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية. ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية).\nوفي المسند للإمام أحمد، بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخطأ إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\nيعني: ينصرهم ويعينهم ويثبتهم.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - قال: [... وَمَنْ يَستَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله، ومن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، ومن يتصَبَّر يُصَبِّره الله. وما أعطي أحدٌ عطاء خيرًا وأوسعَ من الصبر] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾.\nخبر من الله سبحانه أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون وينعمون. و﴿أَمْوَاتٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره \"هم\". وكذلك الأمر في \"أحياء\".\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح من حديث عبد الله بن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [لما أصيب إخوانكم بأُحد، جعل الله أرواحهم في جوف طير خُضْرٍ ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب، معلقةٍ في ظل العرش ..] الحديث (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد بإسناد صحيح. انظر صحيح الجامع (٢٦١٥)، وهو في صحيح مسلم (٢٥١) -كتاب الطهارة- باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٥٥٥) وهو جزء من حديث طويل، ورواه البخاري.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند، وأبو داود في السنن -حديث رقم- (٢٥٢٠). وانظر =","vol":"1","page":449},{"text":"وفي الموطأ عن كعب بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: [إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه] (١).\nورواه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أيضًا عن رسول الله - ﷺ - بلفظ: [نسَمَةُ المؤمن طائر تَعَلَّقَ في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه] (٢).\nقال الحافظ ابن كثير: (ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خُصِّصُوا بالذكر في القرآن، تشريفًا لهم وتكريمًا وتعظيمًا).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (ولكنكم لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياء، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به).\nوقال النسفي: (لا تعلمون ذلك لأن حياة الشهيد لا تعلم حسًّا).\nوعن الحسن: (أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًا وعشيًّا فيصل إليهم الوجع).\nوعن مجاهد قال: (يرزقون ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها).\nوقيل: إن هذه الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلًا.\n١٥٥ - ١٥٧. قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.\nفي هذه الآيات: أراد الله ﷾ أن تكون الحياة الدنيا اختبارًا لعباده\n_________\n= صحيح الجامع (٥٠٨١) وهو جزء من حديث أطول، وسيأتي بتمامه إن شاء الله.\n(١) حديث صحيح. انظر موطأ مالك (١/ ٢٤٠) ومسند أحمد (٣/ ٤٥٥)، وهو حديث صحيح.\n(٢) انظر المرجع السابق، وكتابي أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٧٩) لمزيد من التفصيل في البحث.","vol":"1","page":450},{"text":"وامتحانًا وابتلاءً، فهو يُقَلّبهم جل ثناؤه بين ألوان من السراء والضراء، فتارة بالخوف وتارة بالجوع، وتارة بنقص الأموال والأنفس والثمرات، ثم إن العقبى للصابرين المسترجعين.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.\nقال الراغب: (هذه الآية مشتملة على محن الدنيا كلها).\nوفي التنزيل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].\nقال ابن عباس: (أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء، وأنَّه مبتليهم فيها، وأمرَهم بالصبر، وبشّرهم فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصفوته، لتطيب أنفسهم، فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾.\nوقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾.\nأي: لنختبرنكم. ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ قال ابن عباس: (أي خوف العدو والفزع في القتال). ﴿وَالْجُوعِ﴾، قال ابن عباس: (يعني المجاعة بالجدب والقحط). ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: ذهاب بعضها، إما بسبب الاشتغال بقتال الكفار أو بالجوائح المتلفة أو الخسارة في التجارة.\n﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ قال ابن عباس: (بالقتل والموت في الجهاد). وقال الشافعي: (يعني بالأمراض). وقال ابن كثير: (كموت الأصحاب والأقارب والأحباب).\n﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ قال ابن عباس: (المراد قلة النبات وانقطاع البركات). وقال الشافعي: (المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه). وقال ابن جرير: (جُدوب تحدُث فتنقص لها ثماركم). وقال ابن كثير: (أي: لا تُغِلّ الحدائق والمزارع كعادتها).\nوقوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.\nأي: بالثواب العظيم والأجر الكريم.\nوالصبر أصله الحبس. قال القرطبي: (لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى. كما روى البخاري عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).","vol":"1","page":451},{"text":"قال: (أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدلس على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك، ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بدّ للأحمق منه بعد ثلاث).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.\nالمصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر. والخطاب للمؤمنين، فهذه صفتهم إذا نزل بهم مكروه تَسَلّوا بقولهم هذا عمّا أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف بهم كيف يشاء، ويقلبهم في أحوال شتى من الاختبار كما يريد.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بجزيل الثواب لمن استرجع عند المصيبة، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، والبيهقي في سننه، عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم اؤْجُرْنِي في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير عن أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله - ﷺ -؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله - ﷺ -. قالت: أرسل إلي رسول الله - ﷺ - حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور، فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغَيْرَةِ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أم سلمة قالت: [أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله - ﷺ - فقال: لقد سمعتُ من رسول الله - ﷺ - قولًا سُرِرْتُ به. قال: \"لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم اؤجُرْني في مصيبتي، وأخْلفْ لي خيرًا منها، إلا فُعِلَ ذلك به\". قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم اؤجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدّتي استأذن عليّ رسول الله - ﷺ - وأنا أدبغُ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرَظ، وأَذِنْتُ له، فوضعت له وسادة أدَم حشْوها ليفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٣/ ٣٧)، ومسند أحمد (٦/ ٣٠٩)، والبيهقي (٤/ ٦٥).","vol":"1","page":452},{"text":"من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا تكون بك الرغبة فيَّ، ولكني امرأة فِيَّ غَيْرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قَدْ دَخَلْتُ في السنّ، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يُذهبها الله ﷿ عنك. وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي. قالت: فقد سَلَّمْتُ لرسول الله - ﷺ -، فتزوجها رسول الله - ﷺ -. فقالت أم سلمة بعدُ: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه: رسول الله - ﷺ -] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي سنان قال: [دفنت ابنًا لي، فإنى لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة - يعني الخولاني - فأخرجني، وقال لي: ألا أُبَشِّرُك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرْزب، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله - ﷺ -: قال الله: يا ملك الموت، قبضتَ ولد عبدي؟ قبضتَ قُرَّة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال: فما قال؟ قال: حَمِدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتًا في الجَنَّة، وسمُّوه بيت الحمد] (٢).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.\nقال القرطبي: (هذه نعم من الله ﷿ على الصابرين المسترجعين. وصلاة الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة).\nقال سعيدِ بن جبير: (ما أُعطي أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب ﵇، ألم تسمع إلى قوله: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾).\nوقال الزجاج: (الصلاة من الله ﷿ الغفران والثناء الحسن).\nوفي صحيح البخاري: (وقال عمر ﵁ نِعم العِدلان ونِعم العِلاوة: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾).\n_________\n(١) جيد. أخرجه أحمد (٤/ ٢٧ - ٢٨) وإسناده قوي رجاله ثقات. وأخرجه أبو داود (٣١١٩) وله شواهد، انظر ما قبله. والإهاب: الجلد ما لم يدبغ، والقرظ: ورق السَّلَم يدبغ به.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤١٥)، والترمذي في الجامع (١٠٢١)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٠٨).","vol":"1","page":453},{"text":"أراد بالعِدلين الصلاة والرحمة، وبالعِلاوة الاهتداء. قيل: إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر، وقيل: إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن.\nفائدة: المصيبة في الدين هي من أعظم المصائب، وقد جاء في الحديث: [إذا أصاب أحدَكم مصيبةٌ فليذكر مصيبتَهُ بي، فإنها من أعظم المصائب] (١).\nقال ابن عبد البر: (وصدق رسول الله - ﷺ -، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوَحْيُ وماتت النبوة).\nوقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (المصيبون طريق الحق، والقائلون ما يُرْضي عنهم، والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب).\nقال ابن عباس: (أخبر الله أن المؤمن إذا سَلّم الأمرَ إلى الله، ورجع واسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاةُ من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى).\n١٥٨.- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾.\nفي هذه الآية: تأكيد أمر السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، ومن زاد من عمل مما لم يجب عليه من طواف وغيره فإن الله يجزي على العمل القليل بالكثير فضلًا منه وكرمًا.\nو﴿الصَّفَا﴾ في كلام العرب جمع \"صَفاة\": وهي الصخرة الملساء. و﴿وَالْمَرْوَةَ﴾: الحصاة الصغيرة، يجمع قليلها \"مَرَوات\"، وكثيرها \"المرْو\".\nوالمراد بالصفا والمروة في الآية الجبلان المسمّيان بهذين الاسمين اللذين في الحرم، دون غيرهما من الأصفاء والمرْو.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن عدي والبيهقي من طريق ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في صحيح الجامع -حديث رقم- (٣٤٤).","vol":"1","page":454},{"text":"قال مجاهد: (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من الخبر الذي أخبركم عنه).\nوالمقصود: إن السعي بين الصفا والمروة من مشاعر الحج التي أمر الله بها عباده المؤمنين. وقد جاء تفصيل ذلك في أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن عاصم بن سُليمان قال: سألت أَنَسَ بنَ مالكٍ ﵁ عن الصفا والمروة، فقال: [كنا نَرى أنهما من أمر الجاهلية فلما كان الإسلامُ أمْسَكْنا عنهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن الزُّهري: قال عُروة: سَألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيتِ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جُناح أن لا يطوفَ بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلتَ يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوَّلْتَها عليه كانت لا جُناحَ عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أُنْزِلتْ في الأنصار، كانوا قبلَ أن يُسلموا يُهِلُّون لمناةَ الطاغيَةِ التي كانوا يعبدونها بالمُشَلَّل، فكان مَنْ أهَلَّ يَتَحَرَّجُ أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما أسْلموا سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنّا نتحَرَّجُ أن نطوفَ بينَ الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: وقد سَنَّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما فليس لأحدٍ أن يتركَ الطواف بينهما. قال: ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا العِلم ما كنت سَمِعْتُه، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون: أنَّ الناس - إلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عائشةُ - مِمَّنْ كان يُهِلُّ بمناةَ، كانوا يطوفون كلُّهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يَذْكُرِ الصفا والمَرْوة في القرآن، قالوا: يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة، وإنّ الله أنزلَ الطواف بالبيت فلما يذكر الصفا فهل علينا من حَرَج أنْ نطوفَ بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسْمَعُ هذه الآية نزلت في الفريقين كِلَيْهِما، في الذين كانوا يتحرّجون أن يَطَّوَّفُوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوَّفون، ثم تَحرّجوا أن يطّوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا،\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٤٤٩٦)، كتاب التفسير. ورواه الإمام مسلم.","vol":"1","page":455},{"text":"حتى ذكر ذلك بعدَ ما ذكر الطواف بالبيت] (١).\nالحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه من حديث جابر - في حجة الوداع - وفيه - أن رسول الله - ﷺ - لما فرغ من طوافه بالبيت وصلى عند مقام إبراهيم -: [ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، \"أبدأ بما بدأ اللهُ به\" فبدأ بالصفا، فرقي عليه ...] الحديث (٢).\nوفي رواية عند النسائي: (ابدؤوا بما بدأ الله به) (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، قالت: [رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعى يدورُ به إزارُه، وهو يقول: \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\"] (٤).\nوله شاهد عنده عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنَّها سمعت النبي - ﷺ - بين الصفا والمروة يقول: [كتِبَ عليكم السعي، فاسعوا] (٥).\nفائدة: استدل بهذا الحديث من يرى أن السعى بين الصفا والمروة ركنٌ من أركان الحج. كما هو مذهب الشافعي والمشهور عن مالك ورواية عن أحمد.\nالحديث الخامس: روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: [رأيت النبي - ﷺ - يَرْمي على راحلته يوم النَّحر، ويقول: لِتأخذوا مناسِكَكُم، فإني لا أدري لَعَلِّي لا أحُجُّ بعد حَجَّتي هذه] (٦).\nفكل ما فعله النبي - ﷺ - ليأخذه الناس عنه في مناسكهم فهو واجب، وقد سعى - ﷺ - بين الصفا والمروة. وقد تقدم أن أصل السعي بين الصفا والمروة هو فعل هاجر أم\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (١٦٤٣)، كتاب الحج. باب وجوب الصفا والمروة، وَجُعِلَ من شعائر الله.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٢١٨)، كتاب الحج. باب حجة النبي - ﷺ -.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٢٩٦٧) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر به. وانظر صحيح مسلم (١٢١٨) لتفصيل السعي بين الصفا والمروة.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٢١)، ورواه الحاكم (٤/ ٧٠)، وله شواهد.\n(٥) حديث صحيح. رواه أحمد. وانظر مستدرك الحاكم (٤/ ٧٠)، والحديث الذي قبله.\n(٦) صحيح مسلم (١٢٩٧) كتاب الحج، في بيان قوله - ﷺ -: \"لتأخذوا عني مناسككم\".","vol":"1","page":456},{"text":"إسماعيل حين تركها إبراهيم ﵊ - امتثالا لأمر ربه - عند البيت، وليس بمكة يومئذ أحد ولا ماء، فقامت تسعى حين نفد ماؤها سعي الإنسان المجهود متذللة خائفة وجِلة مضطرة فقيرة إلى الله سبحانه، حتى فرّج الله كربتها، وآنس وحشتها، وكشف مصابها (١). قال الحافظ ابن كثير: (فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذُلّه وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه).\nوقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قيل: زاد في طَوافه بينهما على قدر الواجب، ثامنة وتاسعة. قلت: وهذا قول بعيد.\n٢ - قيل: يطوف بينهما في حجَّةِ تطوع أو عُمْرة تطوع.\nقال ابن زيد: (من تطوع خيرًا فاعتمر فإن الله شاكر عليم. قال: فالحج فريضة، والعمرة تطوع، ليست العمرة واجبةً على أحد من الناس).\n٣ - قيل: السعي بينهما تطوع ومستحب. وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين. وَرُوِيَ عن أنس وابن عمر وابن عباس. قال القرطبي: (واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾). قال مجاهد: (من تطوع خيرًا فهو خيرٌ له، تطوّعَ رسول الله - ﷺ - فكانت من السنن).\n٤ - قيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات. ذكره الرازي.\nقال القاسمي: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: من فعل خيرًا فإن الله يشكره عليه ويثيبه به).\nقلت: والراجح من الأحاديث المتقدمة أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة، فيكون قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ محمولًا على زيادة الطاعات والقربات هناك وذلك في سائر العبادات.\n_________\n(١) قال طُليب: (رأى ابن عباس قومًا يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أم إسماعيل) ذكره القرطبي.","vol":"1","page":457},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.\nأي: يثيب ولا يظلم مثقال ذرة، عليم بفعل عباده وما أعدَّ لهم من الثواب على الطاعات والقربات.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يَظْلِمُ مؤمنًا حسنةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعَمُ بحسنات ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بها] (١).\nوفي لفظ: [إن الكافر إذا عملَ حسنة أُطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمنُ فإن الله يَدَّخِرُ له حسناته في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا، على طاعته].\n١٥٩ - ١٦٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يهدّد الله تعالى ويتوعَّد من كتم ما جاء به الرسل من الحق والهدى من بعد ما بَيَّنَهُ للناس في كتبه، ويخبر أن أولئك تنالهم لعنة الله ولعنة اللاعنين. إلا من تدارك نفسه بإصلاح ما أفسد وعاد فبَيَّنَ الحق المبين. وقد كتب الله الشقوة في النار والخلود على الكافرين.\nفقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾.\nقال مجاهد: (هم أهل الكتاب). وقال الربيع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٨٠٨) كتاب صفات المنافقين - باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.","vol":"1","page":458},{"text":"وَالْهُدَى﴾. قال: كتموا محمدًا - ﷺ -، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم، فكتموه حسدًا وبغيًا). وقال قتادة: (أولئك أهل الكتاب، كتموا الإسلام وهو دين الله، وكتموا محمدًا - ﷺ - وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل).\nوقال أبو العالية: (نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد - ﷺ -).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.\nفيه أقوال في تأويل اللاعنين:\n١ - القول الأول: الدواب والبهائم.\nقال مجاهد: (تلعنهم دوابُّ الأرض، وما شاء الله من الخنافس والعقارب تقول: نُمْنَعُ القطرَ بذنوبهم). وفي رواية: (مُنِعْنا القطرَ بخطايا بني آدم). قال: (اللاعنون: البهائم). وقال: (البهائم: الإبل والبقر والغنم، فتلعن عُصاة بني آدم إذا أجدبت الأرض). وقال عكرمة: (هم الحشرات والبهائم ثم يصيبهم الجدْب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعثونهم).\n٢ - القول الثاني: الملائكة والمؤمنون.\nقال قتادة: (يقول: اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين).\n٣ - القول الثالث: كل ما عدا بني آدم والجن.\nقال الضحاك: (الكافر إذا وضع في حفرته، ضُرب ضربة بمطرق، فيصيح صيحة، يسمع صوتَه كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه).\nواختار ابن جرير القول الثاني: أنَّ المقصود باللاعنين \"الملائكة والمؤمنون\" واستدل بالآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ولكن يبدو أن الآية تشمل أكثر من ذلك كما ذكر ابن كثير فقال: (وهم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال أو الحال، أو لو كان له عقل، أو يوم القيامة، والله أعلم). وفي الحديث: [إن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر] (١).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٩٦)، وأخرجه أبو داود في السنن (٣٦٤١) بسند حسن عن أبي الدرداء مرفوعًا ضمن حديث طويل.","vol":"1","page":459},{"text":"وقد استفاضت السنة الصحيحة بنحو هذا مما يخص تفسير هذه الآية. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان وابن ماجة - واللفظ له - عن أبي هريرة قال: [والله! لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدّثت عنه (يعني عن النبي - ﷺ -) شيئًا أبدًا. لولا قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِن الْكِتَابِ﴾. إلى آخر الآيتين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [ما مِن رَجُلٍ يحفَظُ عِلمًا فَيَكْتُمُهُ، إلا أُتِيَ به يوم القيامة مُلجَمًا بلجامٍ من النار] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من سُئِل عن علمٍ فكتمه، ألجمَهُ الله يوم القيامة بلجامٍ من نار] (٣).\nوفي رواية: [من سُئِلَ عن علم يعْلَمُهُ فكتَمَهُ، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار].\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.\nقال قتادة: (يقول: أصلحوا فيما بينهم وبين الله، وبيّنوا الذي جاءهم من الله فلم يكتموه ولم يجحدوا به، أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم).\nفهو استثناء لمن رجع عن ذلك الكتمان، وأصلح حاله وصلته بالله سبحانه، وبيَّن للناس ما علّمه الله من العلم والفهم والبيان، فإن الله تعالى يتلقاه بتوبته وعفوه.\nقال الحافظ ابن كثير: (وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة، إذا تاب إلى الله تاب الله عليه).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\nيخبر تعالى عن حال من كَفَرَ ومات على كفره وجحوده الحق أو نبوّة محمد - ﷺ -،\n_________\n(١) انظر: صحيح سنن ابن ماجة، (٢١١). باب من سئل عن علم فكتمه. وهو في الصحيحين.\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٢١٠). الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (٦١٦٠)، وصحيح سنن ابن ماجة (٢١٢)، (٢١٣).","vol":"1","page":460},{"text":"بأنه ينال من لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفي قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: المراد أهل الإيمان بالله ورسوله دون سائر البشر.\nفعن قتادة: (يعني بـ ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: المؤمنين).\nالتأويل الثاني: قيل بل ذلك يوم القيامة، يُوَقَّفُ على رؤوس الأشهاد الكافرُ فيلعنه الناس كلهم.\nقال أبو العالية: (إن الكافر يُوقَفُ يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون).\nالتأويل الثالث: قيل بل هو قول كل قائل: \"لعن الله الظالم\" فيلحق ذلك كل كافر، لأنه من الظلمة.\nقال السدي: (فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: \"لعن الله الظالم\"، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه).\nواختار ابن جرير قول من قال: عنى بذلك جميع الناس، وهو قول قوي يقتضيه السياق. فالناس تلعن الظالم والظالمين. قال القرطبي: (والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرّر ويتألّم قلبه، فيكون ذلك جزاء على كفره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].\nقلت: ولا خلاف بين العلماء في لسْ الكفار جملة من غير تعيين. وأما الكافر المعين فاختلفوا فيه. قال ابن العربي: (قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعَيَّن لا يجوز لعنه، لأن حاله عند الموافاة لا تُعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة: الموافاة على الكفر). وقالت طائفة أخوى: بل يجوز لعن الكافر المعيق. واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، واحتج بحديث ضعيف: [اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني] (١).\nقلت: والراجح أنه يجوز لعن الكافر المعين الذي يجاهر بالكفر والمعصية وإشاعة المنكر أو الباطل في الأرض. ويستدل لهذا بالحديث التالي:\n_________\n(١) حديث منكر. قال البخاري: (حديث مقلوب)، رواه الروياني في مسنده وفيه متروك.","vol":"1","page":461},{"text":"أخرج البخاري في صحيحه عن عمرَ بن الخطاب: [أنَّ رجلًا على عهد النبي - ﷺ - كان اسمُه عبدَ الله، وكان يُلَقَّبُ حِمارًا، وكان يُضحِكُ رسول الله - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - قد جَلَدَه في الشراب، فَأُتيَ به يومًا فأمَرَ به فَجُلِدَ، قال رجل من القوم: اللهم العَنْهُ، ما أكثرَ ما يُؤْتى به، فقال النبي - ﷺ -: لا تلعنوه، فوالله ما علِمْتُ، أنه يُحِبُّ الله ورسولَه] (١).\nقالوا: فعلّة المنع من لعنه بأنه يحب الله ورسوله. قال ابن كثير: (فدلَّ على أن من لا يحب الله ورسوله يُلْعَنُ، والله أعلم).\nوقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.\nقال أبو العالية: (خالدين في جهنم، في اللعنة، لا يُنْظرون فيعتذرون، كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦].\n١٦٣. قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾.\nفي هذه الآية: يخبر ﷾ عن نفسه، بأن الإله الحق الواحد الأحد، لا شريك له ولا عديل له، ولا يوصف غيره بهذين الاسمين. الرحمن الرحيم.\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر الغفاري عن النبي - ﷺ - قال: [ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجَنَّة] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٦٧٨٠) كتاب الحدود، باب ما يُكره من لعن شارب الخمر، وإنه ليس بخارج من المِلَّة.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٩٤). ورواه البخاري برقم (٢٣٨٨)، (٣٢٢٢) بنحوه.","vol":"1","page":462},{"text":"وفي مسند أحمد وسنن أبي داود من حديث معاذ مرفوعًا: [من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجَنَّة] (١).\n١٦٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.\nفي هذه الآية: يذكر الله سبحانه بعض الأدلة على تفرده بالإلهية، بعد أن أخبر في الآية السابقة أنه الإله الواحد الأحد الرحمن الرحيم لا شريك له، فبين جل ثناؤه أن خلق السماوات والأرض، وما فيهما، مما ذرأ وبرأ، يدل على وحدانيته جل ذكره.\nفقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال ابن كثير: (تلك في ارتفاعها واتساعها وكواكبها السّيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقِفارها ووِهادها وعمرانها وما فيها من المنافع).\nوقال القرطبي: (فآية السماوات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها، ودلّ ذلك على القدرة وخرق العادة. ولو جاء نبيٌّ فتُحدِّي بوقوف جبل في الهواء دون علاقة كان معجزًا. ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة نَيِّرة وممحوَّة آية ثانية. وآية الأرض: بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها).\nوقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.\nقال ابن جرير: (تعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس).\nقلت: والمعنى: يجيء هذا ثم يذهب، ويخلفه الآخر ويعقبه. هذا مع اختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر. والليل جمع ليلة، ويجمع أيضًا ليالي وليال.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣١١٦)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٣٣)، (٥/ ٢٤٧).","vol":"1","page":463},{"text":"وفي التنزيل: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠].\nوقوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾.\nوآية ذلك: تسخير الله لهذه السفن حتى تجري على وجه الماء وتقف عليه رغم ثقلها وأثقالها، ينفع الله الناس بها في سفرهم وسياحتهم وتجارتهم.\nوالفلك: السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، ويُذَكر ويؤنث. وأول من صنعها نوح ﵇ بأمر الله ﵎.\nوفي الآية دليل على جواز ركوب البحر مطلقًا للتجارة أو العبادة - كالحج والجهاد، وللرجال والنساء، وقد أجاز الله ورسوله التطهر بمائه والأكل من لحمه والانتفاع بزينته.\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].\nأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد والشافعي ومالك وغيرهم عن أبي هريرة قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتَتُه] (١).\nوفي الصحيحين والمسند، واللفظ للبخاري، عن أم حرام بنت ملحان قالت: [نام النبي - ﷺ - يومًا قريبًا مني ثم استيقظ يتبسم فقلت: ما أضحكك؟ قال: ناس من أمتي عُرِضوا عليّ يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة. قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم نام الثانية، ففعل مثلها، فقالت مثل قولها، فأجابها مثلها، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنَّتِ من الأولين. فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية فلما انصرفوا من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٨٣) والترمذي (٦٩) والنسائي (١/ ٥٠) وابن ماجة (٣٨٦) وأحمد (٢/ ٢٣٧) والشافعي (١/ ١٩) ومالك (١/ ٢٢).","vol":"1","page":464},{"text":"غزوهم قافلين فنزلوا الشام فقربت إليها دابة لتوكبها فصرعتها فماتت] (١).\nقلت: أما عند هيجان البحر واشتداد تلاطم أمواجه فإن ركوبه غير جائز.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي عمران الجوني عن بعض أصحاب محمد مرفوعًا: [من بات فوق بيت ليس له إجّار - أي سور - فوقع فمات فبرئت منه الذمة، ومن ركب البحر عند ارتجاجه فمات فقد برئت منه الذمة] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.\nإن في المطر النازل من السماء آية عظيمة توجب تعظيم الله وحده المنعم المتفضل.\nقال ابن جرير: (وإحياؤها عمارتها، وإخراج نباتها).\nوفي التنزيل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦].\nوقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾.\nقال القاسمي: (من العقلاء وغيرهم).\nوقال ابن جرير: (والدابة: اسم لكل ذي رُوح كان غير طائر بجناحيه، لدبيبه علي الأرض). وفي التنزيل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].\nوقوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ يعني: هبوبها باختلاف مهابِّها.\nقال ابن كثير: (أي: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشِّرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تُفَرِّقُه، وتارة تُصَرِّفه، ثم تارة تأتي من الجنوب - وهي الشامية - وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارةً صَبَا وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دَبُورًا، وهي غربية تنفذ من ناحية دُبُر الكعبة، والرياح كلها تسمى بحسب مرورها على الكعبة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٩٩) و(٢٧٨٨). ومسلم (١٩١٢)، وأحمد (١/ ٣٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٧٩)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٨٢٨).","vol":"1","page":465},{"text":"وقوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.\nيعني: السائر بين السماء والأرض إلى حيث يشاء الله ويأمر من الأراضي والأماكن. وسُمي السحاب سحابًا لانسحابه في الهواء. والسحاب جمع سحابة. وفي التنزيل: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ ...﴾ [فاطر: ٩]. وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [بَيْنا رجُلٌ بفلاةٍ من الأرض، فسَمع صوتًا في سَحَابة: اسْقِ حديقة فلان. فتنحّى ذلك السَّحَابُ، فأفرَغ ماءَه في حَرّة، فإذا شَرْجَةٌ من تلك الشِّراج قد استوعبتْ ذلك الماءَ كلَّه، فتتبَّعَ الماءَ، فإذا رجل قائم في حديقته يُحَوِّلُ الماء بِمِسْحاتِه، فقال له: يا عبدَ الله! ما اسمُكَ؟ قال: فلانٌ، للاسم الذي سَمعَ في السَّحابة، فقال له: يا عبدَ الله! لم سَأَلْتني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السَّحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسْقِ حديقة فلان، لاسمك، فما تصنَعُ فيها؟ قال: أمّا إذْ قُلْتَ هذا، فإني أنْظُرُ إلى ما يخرج مِنْها، فأتَصَدَّقُ بِثُلثه، وآكُلُ أنا وعِيالي ثلُثًا، وأَرْدُّ فيها ثُلُثَه] (١).\nوفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله - ﷺ - إذا رأى مَخيلَةً في السماء أَقْبل وأدْبر، ودخل وخرج، وتَغَيَّرَ وجهه، فإذا أمطرت السماء سُرِّيَ عَنْه، فَعَرَّفَتْهُ عائشةُ ذلك، فقال النبي - ﷺ -: ما أدري لعلَّه كما قال قَوْمٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية\" (٢).\nقلت: ومن السنة إذا هاجت الريح أن يسأل المسلم الله تعالى من خيرها ويستعيذ من شرها. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [الريحُ من رَوْحِ الله (قال سلمة: فرَوْحُ الله) تأتي بالرحمة، وتأتي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٨٤) كتاب الزهد. باب فضل الإنفاق على المساكين وابن السبيل.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٣٢٠٦) كتاب بدء الخلق. و(٤٨٢٩) كتاب التفسير. ورواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٨٩٩).","vol":"1","page":466},{"text":"بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة ﵂: [أن النبي - ﷺ - كان إذا رأى ناشئًا في أفق السماء ترك العمل وإن كان في صلاة، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من شرِّها. فإن مطر قال: اللهم صَيِّبًا هنيئًا\" (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسالكَ من خير هذا الريح، وخيرِ ما فيها، وخير ما أُمرتْ به، ونعوذ بك من شرِّ هذا الريح، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أمرت به] (٣).\nوقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nقال المهايميّ: (وكيف ينكرون وجود الله، وتوحيده، ورحمانيته، ورحيميته، وقد دَلَّ عليها دلائل العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات؟ ثم قال: أما دلالة السماء والأرض على وجود الإله فلأنهما حادثان ... فلا بد لهما من محدِث ... والمحدث لا بد أن يكون قديمًا قطعًا للتسلسل. وعلى التوحيد، فلأن إله السماوات لو كان غير إله الأرض دم يرتبط منافع أحدهما بالآخر. ثم قال: وأما دلالة اختلاف الليل والنهار على وجود الإله فلحدوثهما من حركات السماوات ولا بدَّ لهما من محرك ... وعلى التوحيد، فلأن إله الليل لو كان غير إله النهار لأمكن كل واحد أن يأتي بما هو له في وقت إتيان الآخر بما هو له، فيلزم اجتماعهما وهو محال. ثم قال: وأما دلالة الفلْكِ على وجود الإله، فلأنها أثقل من الماء فحقها الرسوب فيها، فإمساكها فوق الماء من الله. ثم قال: وعلى التوحيد: فلأن إله الفلك لو كان غير إله البحر لربما منع أحدهما الآخر من التصرف في ملكه. وهو يفضي إلى اختلال نظام العالم لاختلاف المنافع المنوطة بالفلك، قال: وعلى الرحمتين: فلأنه رحم المسافرين بالتجارات، والمسافَر إليهم بالأمتعة التي يحتاجون إليها. وأما دلالة إنزال الماء على وجود الإله، فلأنه أثقل من الهواء، فوجوده في مركزه لا يكون إلَّا من الله. وعلى التوحيد: فلأن إله\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود (٤٢٥٠)، باب ما يقول إذا هاجت الريح. ورواه ابن ماجة.\n(٢) حديث صحيح. انظر المرجع السابق -حديث رقم- (٤٢٥٢)، والكلم الطيب (١٥٥).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (٧١٩٢) وتخريج \"مشكاة المصابيح\" (١٥١٨)، ورواه أحمد.","vol":"1","page":467},{"text":"الماء لو كان غير إله الهواء، لمنع من التصرف في ملكه. وعلى الرحمتين: فلأنه أحيا به الأرض معاشًا للحيوانات، وبثّ به الدواب تكميلًا لمنافع الإنسان. وأما دلالة تصريف الرياح على وجوه الإله، فلأنها حادثة تحدث هذه مرَّة وهذه أخرى، وقد يعدم الكلّ، فلا بد من محدث، فإن كان حادثًا افتقر إلى قديم. وعلى التوحيد: فلأنه لو كان لكل ريح إله لأمكن للكل أن يأتي بما له، فيلزم اجتماع الرياح المختلفة وهو مخلّ بالنظام. وعلى الرحمتين: فلأنها تحرك الفلك والسحب وتنمي الأشجار والثمار. وأما دلالة السحاب على وجود الإله، فلأنه لو كان ثقيلًا لنزل، أو كان خفيفًا لصعد، لكنه يصعد تارة وينزل أخرى فهو من الله تعالى، وأما على التوحيد فلأن إله السحاب لو كان غير إله السحاب الآخر، لأمكن لكل واحدٍ أن يجعل سحابه في مكان سحاب الآخر، فيلزم تداخل الأجسام أو العجز. وعلى الرحمتين فلأنّ منها الأمطار ..) ذكره القاسمي.\nقلت: ولا شك أن الآياتِ الدالة على وحدانيته سبحانه والتي تستلزم إفراده بالعبادة والتعظيم لا حصر لها، وإنما خصَّ تعالى هذه الثمانية بالذكر لأنَّها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعمًا على العباد تلتصق بحياتهم ولا تنفك عنها.\n١٦٥ - ١٦٧. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يخبر تعالى عن حال من أشرك به في الدنيا، فجعلوا له أشباهًا وأمثالًا يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه.\nوالنِّد: العدل. وفي الأنداد أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.\nقال مجاهد: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: مباهاةً ومضاهاةً للحق بالأنداد، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، من الكفار لأوثانهم). وقال الربيع: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ","vol":"1","page":468},{"text":"اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، قال: هي الآلهة التي تُعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب الله، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، أي: من الكفار لأوثانهم). وقال ابن زيد: (هؤلاء المشركون. أندادُهم: آلهتهم التي عبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله من حبهم هم آلهتهم).\nالتأويل الثاني: قيل بل الأنداد سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى.\nقال السدي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، قال: الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوا الله).\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: [قلت: يا رسول الله، أي الذَّنْبَ أعظم؟ قال: أنْ تجعل لله ندًّا وهو خلقك] (١).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.\nلتمام معرفتهم بالله سبحانه وأسمائه وصفاته.\nوقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.\nالتقدير: لو عاينوا العذاب لعلموا أن القوة لله جميعًا، أي الحكم له والأمر تحت سلطانه وقهره لا شريك له. قال الزهري وقتادة: (الإضمار أشد للوعيد). وهي في قراءة أهل المدينة والشام: ﴿ولو ترى﴾. وفي قراءة أهل مكة والكوفة ﴿ولو يرى﴾.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾.\nالتأويل: أي لو يعلمون ما سيعاينونه وما سيحل بهم من الأهوال والفظائع المؤلمة لانتهوا عن كفرهم وشركهم.\nوقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال قتادة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ وهم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشرك، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، وهم الأتباع الضعفاء. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٤٤٧٧) و(٤٥٢٠). وأخرجه مسلم في الصحيح (٧٦)، ورواه أحمد في المسند (١/ ٤٣٤).","vol":"1","page":469},{"text":"وقال الربيع: (تبرأت القادة من الأتباع يوم القيامة).\nوقال عطاء: (تبرأ رؤساؤهم وقادتهم وساداتهم من الذين اتبعوهم).\n٢ - قال السدي: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، أما ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ فهم الشياطين تبرؤوا من الإنس).\n٣ - قال الحافظ ابن كثير: (تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في دار الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]، ويقولون: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]. والجن أيضًا تتبرأ منهم، ويتنصَّلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].\nقلت: والراجح أن الآية عامة في كل متبوع يعظم من دون الله، ويُطاع على حساب شريعة الله وأوامره. وفي التنزيل:\n١ - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢].\n٢ - ﴿وَقَال الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢].\n٣ - ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ [العنكبوت: ٢٥]. قاله الخليل لقومه.\n٤ - ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ","vol":"1","page":470},{"text":"اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣].\nأخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي في الجامع بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّرِّ في صُور الرجال، يغشاهم الذُّلُّ من كل مكان، يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يُسمى بُولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَوْنَ من عُصَارة أهل النار، طينة الخبال] (١).\nوأخرج الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي عن أبي سعيد بن أبي فضالة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا جمع الله الأولين والآخرين، ليوم لا ريبَ فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عملهُ لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك] (٢).\nوقوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.\nفيه أكثر من تأويل:\n١ - قال مجاهد: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الوصال الذي كان بينهم في الدنيا).\nقال: (تواصلهم في الدنيا). وقال: (المودّة). وقال أيضًا: (تواصلٌ كان بينهم بالمودة في الدنيا).\n٢ - قال قتادة: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، أسبابُ الندامة يوم القيامة، وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها، ويتحابّون بها، فصارت عليهم عداوةً يوم القيامة، ثم يوم القيامة يكفر بعضُكم ببعض، ويلعن بعضُكم بعضًا، يتبرأ بعضُكم من بعض. وقال الله تعالى ذكره: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، فصارت كل خُلّة عداوة على أهلها إلا خُلة المتقين).\n٣ - قال ابن عباس: (يقول: تقطعت بهم المنازل). وقال الربيع بن أنس: (الأسباب: المنازل)،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند، والترمذي في السنن (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥). وانظر صحيح الجامع (٧٨٩٦)، وتخريج المشكاة (٥١١٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٢٠٣)، والترمذي في الجامع (٣١٥٤). انظر صحيح الترمذي (٢٥٢١). وانظر صحيح الجامع (٤٩٦)، وتخريج المشكاة (٥٣١٨).","vol":"1","page":471},{"text":"٤ - وقال ابن عباس: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الأرحام).\n٥ - قال السدي: (أما ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، فالأعمال). يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا. وقال ابن زيد: (أسباب أعمالهم، فأهل التقوى أعطوا أسبابَ أعمالهم وثيقةً، فيأخذون بها فينخون، والآخرون أعطوا أسبابَ أعمالهم الخبيثة، فتقطَّعُ بهم فيذهبون في النار).\nقلت: وبالجمع بين هذه الأقوال، فإن الكفار حين عاينوا عذاب الله، تقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص كما تقطعت بهم المودة والمنازل والأعمال، فلم يجدوا عن النارَ مَعْدِلًا ولا مفرًا ولا مَصْرِفًا.\nوقوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾.\nقال قتادة: (أي: لنا رجعة إلى الدنيا). وقال الربيع: (قالت الأتباع: لو أن لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا).\nوالمعنى: تمنى هؤلاء الأتباع عودة إلى الدنيا ليتبرؤوا من ساداتهم ورؤسائهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله، كما تبرأ منهم رؤساؤهم حين عاينوا عذاب الله، وليفردوا الله بالتوحيد والتعظيم والعبادة، ولكنهم كاذبون في ذلك، فلو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه كما أكد الله ذلك في سورة الأنعام.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾.\nقال الربيع: (فصارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة).\nوقال السُّدي: (الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجَنَّة).\nو﴿حَسَرَاتٍ﴾ في محل نصب حال، والحسْرة أعلى درجات الندامة. والتحسُّر: التلَهُّف.\nقال القرطبي: (ويحتمل أن يكون من رؤية القلب، فتكون ﴿حَسَرَاتٍ﴾ المفعول الثالث).\nوهي من حَسِرَ في لغة العرب من الشيء الحسير الذي انقطع وذهبت قوته. أو من حَسَرَ: كشف، والانحسار: الانكشاف.","vol":"1","page":472},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.\nدليل على خلود الكفار فيها، وهو قول أهل السنة والجماعة. وفي التنزيل: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ...﴾ [الأعراف: ٤٠].\n١٦٨ - ١٦٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨، ١٦٩].\nفي هذه الآياتِ: يمتن الله سبحانه على الناس -بعد أن بيّن لهم أنه لا إله إلا هو، وأنه وحده المستحق للتعظيم، وأن من عظّم ما سواه فإن مصيره إلى الحسرة والندامة- بأن أباح لهم أن يتمتعوا بما أخرج لهم من نبات الأرض والرزق الطيب الحلال، وحذّرهم من اتباع مسالك الشيطان وأساليبه، فهو العدو المبين في عداوته الذي يدعو إلى الشرك والفحشاء.\nوقوله: ﴿حَلَالًا﴾ حال، وقيل مفعول. قال القرطبي: (وسُمِّي الحلال حلالًا لانحلال عقدة الحَظْر عنه). وقال سهل بن عبد الله: (النجاة في ثلاثة: أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي - ﷺ -). وقال أبو عبد الله الساجي واسمه سعيد بن يزيد: (خمس خصال بها تمام العلم، وهي: معرفة الله ﷿، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السُّنة، وأكل الحلال). وقال سهل: (ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم، ولا يكون المال حلالًا حتى يصفُوَ من ستّ خصال: الربا والحرام والسُّحت والغُلول والمكروه والشبهة).\nأخرج النسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يأتي على الناس زمانٌ ما يبالي الرجل من أين أصاب المال؟ من حلال أو حرام] (١).\nورواه البخاري عنه بلفظ: [ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِنْ حلال أمْ مِنْ حرام] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في السنن. انظر صحيح سنن النسائي -حديث رقم- (٤١٤٩).\nوأخرجه أحمد وغيره. انظر صحيح الجامع (٧٨٨٠)، وتخريج الترغيب (٣/ ١٤).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٢٠٨٣)، كتاب البيوع، وانظر -حديث رقم- (٢٠٥٩) منه.","vol":"1","page":473},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾\nفيه أكثر من تأويل:\n١ - خطوات الشيطان: عمله. قال ابن عباس: (قوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، يقول: عمله).\n٢ - خطوات الشيطان: خطاياه. قال مجاهد: (خطيئته). وقال: (خطاياه). وقال الضحاك: (خطايا الشيطان التي يأمر بها).\n٣ - خطوات الشيطان: طاعته. قال السدي: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، يقول: طاعته).\n٤ - خطوات الشيطان: النذورُ في المعاصي. قال أبو مجلز: (هي النذور في المعاصي).\nقلت: ولا شك أن اللفظ عام في كل مسالك الشيطان وطرائقه وأساليب ضلاله ودعوته إلى كل ما عدا السُّنن والشرائع من البدع والمعاصي.\nكما قال قتادة: (كل معصية دئه فهي من خطوات الشيطان). وقال عكرمة: (هى نَزَغات الشيطان).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حِمَارٍ المُجَاشِعيِّ، أن رسول الله - ﷺ - قال ذات يوم في خُطَبته: [ألا! إنّ ربي أمَرَني أَنْ أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُم مما عَلَّمَني، يومي هذا، كُلُّ مال نَحلْتُهُ عبدًا، حلالٌ، وإني خلقت عبادي حُنَفاء كُلَّهم، وإنهم أتَتْهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أَحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِل به سلطانًا] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nأي: شديد العداوة يريد الفساد لكم.\nوفي التنزيل:\n١ - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢٨٦٥)، كتاب الجَنَّة ونعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجَنَّة وأهل النار، وهو جزء من حديث طويل.","vol":"1","page":474},{"text":"٢ - ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].\n٣ - ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].\n٤ - ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].\nقلت: والتحصن من هذا العدو الماكر يكون بذكر الله ﷿ واللهفة إلى طاعته، فإن ذكر الله تعالى حصن المؤمن الحصين، والعمل الصالح سور متين.\nأخرج الترمذي بسند صحيح من حديث الحارث الأشعري أن النبي - ﷺ - قال في حديث طويل: [وآمركم أن تذكروا الله، فإن مَثَلَ ذلك كمثل رجل خرج العدوّ في أثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله] الحديث (١).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾.\nقال السدي: (أمّا \"السوء\"، فالمعصية، وأما \"الفحشاء\"، فالزنا).\nوسميّ السوء سوءًا لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه. وأما لفظ \"الفحشاء\" فأصله قبح المنظر، ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني.\nقال القرطبي: (والشرع هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء). وقال مقاتل: (إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى، إلا قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ فإنه منع الزكاة).\nوقيل: السوء ما لا حدّ فيه، والفحشاء ما فيه حد.\nقلت: ويبدو أن لفظة الفحشاء في الآية في عطفها على السوء يدل على أنَّها تشير إلى ما هو أقبح من السوء وأغلظ، وقد اشتهرت في القرآن بدلالتها على الزنا ونحوه.\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾.\nيدل على ما هو أخطر من السوء والفحشاء. قال ابن كثير: (وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في السنن (٢٨٦٣) وقال: حسن صحيح غريب. وانظر صحيح الجامع (١٧٢٤).","vol":"1","page":475},{"text":"أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ] (١).\nورواه أبو داود بلفظ: [من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو ردٌّ] (٢).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي بَرْزَة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [إنما أخشى عليكم شهوات الغَيِّ في بطونكم وفروجكم، ومُضِلات الهوى] (٣).\n١٧٠ - ١٧١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾.\nفي هذه الآياتِ: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتركوا ما أنتم عليه من الضلال وأذعنوا للحق، قالوا بل نأتم بآبائنا فنمضي على ما وجدناهم عليه، مع أن آباءهم كانوا على جاهلية وليس لهم فهم ولا هداية. إن مثل الذين كفروا في جهلهم وضلالهم وغيهم كمثل الدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها فإذا نعق بها راعيها ودعاها إلى ما يرشدها فإنها تسمع صوتًا ولا تمْقه قولًا ولا معنى.\nقال ابن عباس: (دعا رسول الله - ﷺ - \"اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام ورغَّبَهُم فيه، وحذرهم عقاب الله ونقمته، فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فإنهم كانوا أعلم وخيرًا منا! فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٧١٨)، كتاب الأقضية. وفي لفظ: [من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ]. من حديث عائشة ﵂.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٦٠٦). وانظر تخريج الترغيب (١/ ٤٧) كتاب السنة.\nالترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء. ورواه ابن ماجة في السنن (١٤).\n(٣) حديث صحيح. رواه أحمد، ورواه الطبراني في \"معاجمه الثلاثة\". انظر صحيح الترغيب (١/ ٥٠).","vol":"1","page":476},{"text":"وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾.\nفيه تأويلان:\n١ - قال مجاهد: (﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾، الراعي ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ من البهائم).\nوعن عكرمة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، قال: مَثَلُ البعير أو مثل الحمار، تدعوه فيسمع الصوت ولا يفقه ما تقول).\nوقال الربيع: (هو مثل الكافر، يسمع الصوت ولا يعقل ما يقال له).\nوقال قتادة: (مَثل هذا الكافر مثل هذه البهيمة التي تسمع الصوت ولا تدري ما يقال لها. فكذلك الكافر لا ينتفع بما يقال له).\n٢ - قال ابن زيد: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، قال: الرجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيبه فيها صوت يُراجعه يقال له \"الصدى\". فمثل آلهة هؤلاء لهم، كمثل الذي يُجيبه بهذا الصوت، لا ينفعه، لا يسمع إلا دعاءً ونداءً).\nقال ابن جرير: (وقد تحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا آخر غير ذلك. وهو أن يكون معناها: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءَهم، كمثل الناعق بغنم له من حيث لا تسمعُ صوتَه غنمُه، فلا تنتفع من نَعقِه بشيء، غير أنه في عَناء من دعاء ونداء. فكذلك الكافر في دعائه آلهته، إنما هو في عناء من دعائه إياها وندائه لها، ولا ينفعه شيء).\nقلت: وكلا التأويلين يحتملهما البيان الإلهي وإن كان ابن جرير وابن كثير قد اختارا التأويل الأول.\nوقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\nهو مثل لهؤلاء الكفار.\nقال قتادة: (يقول: صم عن الحق فلا يسمعونه، ولا ينتفعون به ولا يعقلونه، عُمي عن الحق والهدى فلا يبصرونه، بُكم عن الحق فلا ينطقون به). وقال ابن عباس: (لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه).\nفائدة: في الآية ذم للتقليد، فالتقليد ليس سبيلًا للعلم. قال القرطبي: (التقليد","vol":"1","page":477},{"text":"ليس طريقًا للعلم ولا مُوصّلًا له، لا في الأصول ولا في الفروع، وهو قول جمهور العقلاء والعلماء).\nقلت: أما العامي فيقصد أعلمَ أهل زمانه في بلده فيسأله عن نازلته، وهذا طرف من الاجتهاد يجب على العامي الذي لا قدرة له على طلب العلم أو الاستنباط. وأما طالب العلم فيجب عليه معرفة أصول دينه وفروعه الضرورية بالدليل، وقد يحتاج العالم أحيانًا إلى تقليد عالم مثله في أمر خفي عليه دليله، وخشي فوات الوقت وضياع الحكم.\nوقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\nأي: لا يعلمون ولا يفهمون، فقد أعماهم الضلال. وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩].\n١٧٢ - ١٧٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يأمر الله تعالى عباده بالأكل من الطيبات والامتناع عن المحرمات، وأن يشكروه سبحانه على ما أنعم به عليهم، فإن الحمد والشكر أفضل عنده سبحانه من النعم. وأن يجتنبوا ما حرم عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر اسم غير الله عليه، فمن وقع في الضائقة فلا حرج عليه والله غفور رحيم.\nأخرج الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فحمدَ الله عليها، إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلك النعمة] (١).\nوعند ابن ماجة بسند حسن عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله تعالى\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بسند حسن. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥٤٣٨)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣١٨) لتفصيل الحديث.","vol":"1","page":478},{"text":"على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (١).\nوفي الآية مخالفة لما كانوا عليه في الجاهلية من اعتقاد تحريم بعض الطيبات طاعة منهم للشيطان، واتباعًا لمنهج الآباء دون علم. فبيّن لهم سبحانه أنه أطاب لهم الحلال من المطاعم والمشارب وحرّم عليهم الخبيث منها، وربط استجابة الدعاء بامتثال أمره في ذلك.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل لطيل السفر أشعثَ أغبرَ يَمُدُّ يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمُهُ حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذّي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك] (٢).\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين، فكلوا مما أباح لكم أكله وحلله وطيَّبَه لكم، ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان).\nثم فصل سبحانه في بيان أهم المحرمات التي لا بد من العلم بها فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.\nوالميتة: هي التي تموت حَتْفَ أنفها من غير تَذْكيةٍ، سواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة، أو قد عدا عليها السَّبُع.\nقال القرطبي: (الميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يُذبح، وما ليس بمأكول فذكاته كموته، كالسباع وغيرها).\nقلت: وقد دخل التخصيص على هذه الآية من السنة المطهرة، فاستثني الحوت والجراد من الميتة، واستثني الكبد والطحال من الدم.\nففي سنن ابن ماجة والبيهقي ومسند أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا:\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٨٠٥)، باب فضل الحامدين. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٦٧)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٥٤٣٩).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٠١٥)، وسنن الترمذي (٢٩٨٩)، ومسند أحمد (٢/ ٣٢٨).","vol":"1","page":479},{"text":"[أُحِلّت لنا مَيْتَتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال] (١).\nوأما لحم الخنزير فحرام وشحمه كذلك مثله، سواء ذُكّي الخنزير أو مات حَتْفَ أنفه.\nوقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ فيه أقوال متقاربة:\n١ - عن ابن عباس، قال: (ما أهل به للطواغيت). وقال: (يعني: ما أهل للطواغيت كلها. يعني: ما ذبح لغير الله من أهل الكفر).\n٢ - عن قتادة، قال: (ما ذبح لغير الله).\n٣ - عن الربيع، قال: (ما ذكر عليه غير اسم الله). وقال ابن زيد: (ما يذبح لآلهتهم، الأنصابُ التي يعبدونها ويسمون أسماءها عليها. قال: يقولون: \"باسم فلان\"، كما تقول أنت: \"باسم الله\").\nويستثنى بذلك أهل الكتاب لمجيء النص بالإذن بالأكل من ذبائحهم. وقد أورد ابن جرير بسنده إلى حيوة، عن عقبة بن مسلم التُّجيبي وقيس بن رافع الأشجعي أنهما قالا: (أحِلّ لنا ما ذُبح لعيد الكنائس، وما أهدي لها من خبز أو لحم، فإنما هو طعام أهل الكتاب). قال حيوة: (قلت: أرأيت قول الله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟ قال: إنما ذلك المجوس وأهلُ الأوثان والمشركون).\nوالإهلال: رفع الصوت والجهر به عند الذبح، ومن ذلك قيل للملبِّي في حجّه أو عمرته \"مُهِلّ\".\nوقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.\nقال ابن جرير: (فمن حلت به ضرورة مجاعة إلى ما حرَّمت عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فلا إثم عليه في أكله إن أكله). وفيه أقوال متقاربة عند أئمة التفسير:\n١ - قال مجاهد: (قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، قال: الرجل يأخذه العدو فيدعونه إلى معصية الله).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (٢٠٨)، وسنن البيهقي (٢٥٤/ ١). ورواه أحمد وابن ماجة.","vol":"1","page":480},{"text":"وقال: (غير قاطع سبيل، ولا مفارق جماعة، ولا خارج في معصية الله، فله الرخصة).\n٢ - وعن سعيد: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، قال: (هو الذي يقطع الطريق، فليس له رخصة إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشربَ الخمر).\n٣ - وقال قتادة: (غير باغ في أكله، ولا عادٍ: أنَّ يتعدى حلالًا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة).\n٤ - وقال السدي: (أما ﴿باغ﴾، فيبغي فيه شهوته. وأما ﴿العادي﴾، فيتعدى في أكله، يأكل حتى يشبع، ولكن يأكل منه قدر ما يمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته).\nفائدة: لو وجد المضطر ميتة وطعام غيره بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فله أن يأكل طعام غيره ويحرم عليه أكل الميتة. ذكره القرطبي، وأما ضمان الطعام ففيه روايتان عن مالك.\nوفي مسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجة بسند جيد عن عبَّاد بن شُرَحبيل الغُبَريّ قال: [أصابنا عامٌ مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا، فأخذت سنبلًا ففركتُه وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته، فقال للرجل: ما أطعمته إذْ كان جائعًا - أو ساغبًا - ولا عَلَّمته إذ كان جاهلًا. فأمره فردَّ إليه ثوبه، وأمر له بوسْق من طعام أو نصف وَسْق] (١).\nوفي سنن أبي داود والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: [سُئل رسول الله - ﷺ - عن الثمر المعلَّق، فقال: من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خُبْنَةً، فلا شيء عليه ... \" (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nيعني: فيما أكل من اضطرار.\nقال سعيد بن جبير: (غفور: لما أكل من الحرام. رحيم: إذ أحلَّ له الحرام في الاضطرار).\n_________\n(١) إسناده جيد. رواه أحمد في المسند (٤/ ١٦٦)، وأبو داود في السنن (٢٦٢٠)، وابن ماجة (٢٢٩٨)، ورواه البيهقي والحاكم. وانظر صحيح أبي داود (٢٢٨١).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٧١٠)، وأخرجه الترمذي (١٢٨٩)، ورواه النسائي وله شواهد.","vol":"1","page":481},{"text":"١٧٤ - ١٧٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.\nفي هذه الآياتِ: الخطاب لأحبار اليهود الذين كتموا أمر محمد - ﷺ - وصفته ونبوته، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة، وقد توعدهم الله سبحانه مقابل تحريفهم لكتبه وأخذهم على ذلك المال والسحت نار جهنم يأكلونها في بطونهم يوم القيامة إضافة إلى سخط الله عليهم. فالله نزل الكتاب بالحق والذين كتموا هذا الوحي وشوهوه هم في عداوة وبغي وظلم.\nفعن قتادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنزل الله عليهم وبين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد - ﷺ - وأمره).\nوقال السدي: (فهؤلاء اليهود، كتموا اسم محمد - ﷺ -).\nوقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.\nقال السدي: (وأخذوا عليه طعمًا قليلًا، فهو الثمن القليل). قال الحافظ ابن كثير: (فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل لهم من ذلك).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾.\nقال الربيع: (ما أخذوا عليه من الأجر).\nوالمعنى: إن هؤلاء اليهود قد رضوا بالخسيس من الرشوة يُعْطَونها مقابل كتمان الحق وأمر النبوة، فهم بذلك يأكلون في بطونهم ما يوردهم نار الجحيم والعذاب الأليم. وفي الصحيحين عن أم سلمة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [إن الذي يأكل أو","vol":"1","page":482},{"text":"يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾.\nيعني: لا يكلمهم كلام تشريف ومدح وثناء، بل كلام إهانة وتوبيخ وتجريح، هم وأمثالهم.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: [ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذاب، وعائل مستكبر] (٢).\nوفي سنن النسائي وصحيح ابن خزيمة عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجَنَّة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nيعني: موجع.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾.\nيعني: اعتاضوا عن الهدى وبيان الحق والعلم الذي في كتبهم من صفة النبي - ﷺ - وبيان بعثته ورسالته والأمر باتباعه إلى التكذيب به والكفر بنبوته. فاعتاضوا عن المغفرة بالعذاب.\nوقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال قتادة: (فما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار). وقال: (فما أجرأهم عليها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٦٣٤)، وأخرجه مسلم برقم (٢٠٦٥)، واللفظ لمسلم، ورواه مالك في الموطأ.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٧)، والنسائي (٥/ ٨٦)، وأحمد (٢/ ٤٣٣)، وغيرهم.\n(٣) إسناده جيد. رواه النسائي (١/ ٣٥٧)، وأحمد (٢/ ١٣٤)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" (٢٣٥)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٦٧٤).","vol":"1","page":483},{"text":"٢ - قال مجاهد: (ما أعملهم بالباطل). يعني: ما أعملهم بأعمال أهل النار.\n٣ - قال السدي: (هذا على وجه الاستفهام. يقول: ما الذي أصبرهم على النار).\n٤ - قال الحسن: (والله ما لهم عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على النار). على وجه التعجب.\nوقوله تعالى: . ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.\nالمعنى: إن الله تعالى أنزل الكتب على رسله بالحق، وهؤلاء كتموا العلم الذي فيها بغيًا وظلمًا.\nقال السدي: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، يقول: هم اليهود والنصارى. يقول: هم في عَداوة بعيدة).\n١٧٧. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.\nفي هذه الآية: لما شقّ على طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين الأمر بالتحول إلى القبلة الجديدة، أنزل الله بيان المراد بذلك، الا وهو طاعة الله ﷿، فإنها فوق كل شيء، فامثتال أوامره سبحانه أعز لديه من التوجه إلى المشرق أو المغرب.\nقال ابن عباس: (ليس البر أن تصلوا ولا تَعملوا، فهذا منذ تحوّل من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، وحدَّ الحدود. فأمر الله بالفرائض والعمل بها). وقال مجاهد: (ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله).\nوقال الربيع: (كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق، فنزلت: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾). واختاره ابن جرير.","vol":"1","page":484},{"text":"وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...﴾ قال الثوري: (هذه أنواع البر كلها).\nوقوله: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾، قال عبد الله بن مسعود: (أي: يؤتيه وهو صحيح شحيح، يأمل العيش ويخشى الفقر) (١).\nوذكر ابن جرير بسنده إلى إسماعيل بن سالم، عن الشعبي، سمعته يُسأل: هل على الرجل حق في ماله سوى الزكاة؟ قال: نعم! وتلا هذه الآية: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.\nوقد حفلت السنة الصحيحة من ذلك المعنى بالسيل الوفير، ومن ذلك:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة] (٣).\nورواه الطبراني في الأوسط بِسند حسن عنه ولفظه: [صدقة ذي الرحم على ذي الرحم صدقة وصلة].\nوقوله: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.\nيعني: المسافر المجتاز الذي انقطع وفرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى بلده، ويدخل في ذلك الضيف.\nقال مجاهد: (﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: الذي يمر عليك وهو مسافر).\nوقال ابن عباس: (ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين).\nوقال ابن كثير: (وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه).\n_________\n(١) حديث موقوف. رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٢٥)، وأكثر أهل السنن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٧)، والترمذي (٦٥٨)، والنسائي (٥/ ٩٢)، وابن ماجة (١٨٤٤). ورواه ابن خزيمة (٢٣٨٥)، ورواه الطبراني في \"الأوسط\". انظر تخريج \"الإرواء\" (٨٧٥).","vol":"1","page":485},{"text":"وقوله: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾.\nقال عكرمة: (الذي يسألك). والمقصود الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات.\nوقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.\nالمقصود فك الرقاب من العبودية، وهم المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها ساداتهم.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتَبُ الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف] (١).\nوقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.\nأي: أقام الصلاة بحدودها وأركانها، وأعطى الزكاة كما فرضها الله وبينها، وكما جاء تفصيل ذلك في سنة النبي - ﷺ -.\nوقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.\nقال الربيع بن أنس: (فمن أعطى عهد الله ثم نقضه، فالله ينتقم منه. ومن أعطى ذمة النبي - ﷺ - ثم غدر بها، فالنبي - ﷺ - خصمه يومَ القيامة).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤْتُمِنَ خان] (٢).\nوقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - عن السدي، عن مرّة، عن عبد الله قال: (البأساء الجوع، والضراء المرض).\n٢ - قال قتادة: (كنا نُحدَّث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السُّقم).\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الترمذي في السنن -حديث رقم- (١٦٥٥)، ورواه النسائي وابن ماجة والحاكم.\nانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٠٤٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣)، (٢٦٨٢)، وأخرجه مسلم (٥٩)، وأحمد (٢/ ٣٥٧).\nورواه أكثر أهل السنن. وله رواية أخرى وفيها: (وإذا خاصم فجر).","vol":"1","page":486},{"text":"٣ - عن الربيع قال: (البؤس: الفاقة والفقر، والضراء: في النفس، من وجع أو مرض يصيبه في جسده).\nوالنصب في لفظ: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ على المدح أو الاختصاه. والتقدير: وأمدح الصابرين أو أخصّ الصابرين بالثناء.\nوقوله: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.\nقال قتادة: (أي عند مواطن القتال). وقال الربيع: (عند لقاء العدو). فهم الصابرون في وقت البأس، وقت شدة القتال في الحرب.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.\nقال الحسن: (هذا كلام الإيمان، وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عملٌ فلا شيء).\nفلما اتصفوا بهذه الصفات التي مدحها الله كانوا من الصادقين في إيمانهم، إذ حققوا ذلك بأقوالهم وأفعالهم، فاتقوا المحارم وفعلوا الطاعات فكانوا بصدق هم المتقين.\n١٧٨ - ١٧٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾.\nفي هذه الآياتِ: أَمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين بوجوب القصاص في الدماء، فالحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فإن حصل شيء من العفو فهو خير وإحسان، ومن اعتدى فله عذاب اليم. وإن في إقامة منهج القصاص حفظ حياة العباد، فاتقوا الله يا أولي الالباب.\nومعنى القصاص: الاتِّباع، فهو مأخوذ من قصِّ الأثر أي اتِّباعه، ومنه القاصّ: لأنه يتبع الآثار والأخبار. قال القرطبي: (فكأن القاتل سلك طريقًا من القتل فقُصَّ أثره فيها ومشي على سبيله في ذلك، ومنه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] وقيل:","vol":"1","page":487},{"text":"القصّ القطع، يقال: قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القِصاص، لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به).\nأخرج البخاري والنسائي والدَّارقطني عن ابن عباس قال: [كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفْوُ أن يقبل الدية في العمد، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان قبلكم، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قتل بعد قبول الدية] (١).\nوقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.\nيعني: العدل في القصاص دون تجاوز أو اعتداء. فقد كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضريُّ القرظي لا يُقْتل به، بل يفادى بمئة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضريَّ قُتل به، وإن فادَوْه فَدَوْه بمئتي وسق من التمر ضعف دية القُرَظي، فأمر الله بالعدل في القصاص.\nوعن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾: (يعني إذا كان عمدًا، الحر بالحر. وذلك أن حَيّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعفهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحرّ منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزل فيهم: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ منها منسوخة، نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (٢).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم\n_________\n(١) موقوف صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٤٩٨)، والنسائي في الكبرى (٦٩٨٣)، والدارقطني (٣/ ١٩٩).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم، وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير.","vol":"1","page":488},{"text":"ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس، رجالهم ونساؤهم).\nفائدة (١): المسلم لا يقتل بالكافر.\nففي صحيح البخاري عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ولا يقتل مسلم بكافر] (١).\nولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وإن كان ذهب أبو حنيفة إلى أنه يقتل به، محتجًا بعموم آية المائدة، ولكن الحديث مخصص لذلك وهو الحجة عند الفقهاء.\nفائدة (٢): الجماعة يقتلون بالواحد.\nوهو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وعن عمر بن الخطاب ﵁ في غلام قتله سبعة فقتلفم، وقال: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم). قلت: ولا شك أنه يرجع إلى تقدير الإمام.\nفائدة: (٣): لا يقتل الوالدُ بالولد.\nوالحجة في ذلك ما رواه أبو داود عن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يُقتل الوالدُ بالولد\" (٢). وله شاهد في المسند وجامع الترمذي من حديث عمر أيضًا بلفظ: [لا يُقاد الوالدُ بالولد] (٣).\nوقوله: ﴿عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.\nقال ابن عباس: (هو العمد، يرضى أهله بالدية، واتباع بالمعروف: أمر به الطالب، وأداء إليه بإحسان من المطلوب). وقال: (أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان). وقال الحسن: (أخذ الدية عفوٌ حسن).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.\nيعني: الدية.\nقال ابن عباس: (كان من قبلكم يقتلون القاتل بالقتيل، لا تقبل منهم الدية، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إلى آخر الآية، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه البخاري (١١١)، ومسلم (١٣٧٠)، وأحمد (١/ ٨١)، وأهل السنن.\n(٢) حديث صحيح. ورواه الترمذي عن ابن عباس. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (١١٣٠)، وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٦٢٦).\n(٣) حديث صحيح. انظر المرجع السابق، رقم (٧٦٢١). وانظر صحيح سنن الترمذي (١١٢٩).","vol":"1","page":489},{"text":"مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يقول: خفف عنكم، وكان على مَنْ قبلكم أنَّ الدية لم تكن تقبل، فالذي يقبل الدية ذلك منه عفوٌ).\nوقال قتادة: (لم يكن لمن قبلنا دية، إنما هو القتل، أو العفو إلى أهله).\nفائدة: ذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي أنه إذا قُتل الرجل أو المرأة وله أولاد كبار وصغار أن للكبار أن يقتلوا القاتل ولا ينتظر بلوغ الصغار.\nوقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nأي: اعتدى بالقتل وغيره بعد أخذه الدية.\nقال مجاهد: (﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾، بعد أخذ الدية، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾).\nوقال قتادة: (هو القتل بعد أخذ الدية).\nوأما العذاب الأليم، فهو القتل في عاجل الدنيا. وقيل هو عذاب الآخرة. وقيل هي عقوبة يقدرها السلطان. فالأول قاله عكرمة، والثاني ذكره ابن كثير، والثالث ذكره ابن جريج.\nوقال الحسن: (تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يُقتل به). وذلك في رجل قَتل فأخذت منه الدية ثم إن وليه قتل القاتل.\nوقال مالك والشافعي: هو كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة. وقال قتادة والسُّدي: عذابه أن يُقتل البتة، ولا يمكِّن الحاكمُ الوليَ من العفو.\nفائدة: إذا عفا ولي الدم عن القصاص والدية أطلق القاتل كما ذهب الشافعي وأحمد. أما إن كان مشهورًا بالقتل فللحاكم أن يؤدبه بشيء يزجره. ويه قال أبو ثور وأشار إلى حبسه - واستحسنه القرطبي.\nوقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.\nقال مجاهد: (نكالٌ، تَناهٍ).\nوقال قتادة: (جعل الله هذا القصاص حياة، ونكالًا، وعظةً لأهل السفه والجهل من الناس. وكم من رجل قد هَمَّ بداهية، لولا مخافة القصاص لوقع بها، ولكن الله حَجز بالقصاص بعضهم عن بعض، وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة، ولا نهى الله عن أمرٍ قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين، والله أعلم بالذي","vol":"1","page":490},{"text":"يُصلح خلقَه). وقال: (قد جعل الله في القصاص حياة، إذا ذكره الظالم المتعدي كفّ عن القتل). وقال ابن جريجٍ: (حياةٌ: مَنعةٌ).\nوقال السدي: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، يقول: بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\nأي: تتقون القصاص، فتنتهون عن القتل.\nقال ابن زيد: (لعلك تتقي أن تقتله، فتقتل به).\n١٨٠ - ١٨٢. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾.\nفي هذه الآياتِ: وجوب الوصية للقرابة المحتاجين الذين لا يرثون، ومن بدّل الوصية فإنما إثمه على نفسه، ومن أصلح ما أفسده غيره في وصيته فلا إثم عليه، والله غفور رحيم.\nقال الحافظ ابن كثير: (اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين. وقد كان ذلك واجبًا - على أصح القولين - قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخَتْ هذه، وصارت المواريث المقدّرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل مِنَّة الموصي).\nقلت: والراجح أنَّها غير منسوخة، فيجب على المريض المحتضر أن يوصي لأقربائه الذين لا يرثون منه لعموم هذه الآية، فيوصي من ضمن الثلث ولا يجوز الزيادة عليه، بل الأفضل أن ينقص منه.\nفقد أخرج الإمام أحمد والشيخان والبيهقي عن ابن عباس ﵁ قال:","vol":"1","page":491},{"text":"[وددت أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع في الوصية، لأن النبي - ﷺ - قال: الثلث كثير] (١).\nوأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون من الموصي، فلا تجوز؛ لأنَّها منسوخة بآية الميراث، وقد بيّن ذلك رسول الله أتمّ البيان في خطبته في حجة الوداع فقال: [إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: (كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع).\nوقال ابن عباس والحسن: (نُسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة \"النساء\" وثبتت للأقربين الذين لا يرثون). وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين وجماعة من أهل العلم.\nقلت: والخلاصة أن الآية هي الناسخة للحديث إن صحّ ادعاء النسخ، وإلا فلا تعارض بينهما، فالحديث يشير إلى الورثة والآية تشير إلى الوالدين أو الأقريين إن لم يكونوا من الورثة. قال الضحاك: (إن أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية).\nوقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل: (من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين فبئسما صنع! وفعله مع ذلك جائز ماضٍ لكل من أوصى له من غني وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر).\nوقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.\nقال ابن عباس: (يعني مالًا).\nقال شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير ﵀ -: (فكلّ من حضرته منيَّتُه وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجب عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف، كما قال الله جل ذكره وأمرَ به).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢٠٢٩، ٢٠٧٦)، والشيخان، والبيهقي (٦/ ٢٦٩) وغيرهم.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٣٥٦٥)، وأحمد (٤/ ١٨٦)، والترمذي (٢١٢١)، والنسائي (٦/ ٢٤٧)، وابن ماجة (٢٧١٢) من حديث عمرو بن خارجة.","vol":"1","page":492},{"text":"وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nيعني: بالرفق والإحسان.\nقال الحسن: (أن يوصي لأقربيه وصيّة لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير).\nوفي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: [مَرِضت بمكة مرضًا فأشفيت منه على الموت فأتاني النبي - ﷺ - يعودني، فقلت: يا رسولَ الله، إن لي مالا كثيرًا وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدَّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنك إن تركْتَ ولدكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَتْرُكَهُم عالة يتكففون الناس ....] (١).\nوقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.\nيعني: حقًّا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به.\nوقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.\nقال قتادة: (من بدّل الوصية بعدما سمعها، فإثم ما بدَّل عليه).\nوقال ابن عباس: (وقد وقع أجر الموصي على الله وبرئ من إثمه، وإن كان أوصى في ضرار لم تجز وصيته، كما قال الله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nيعني: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وعلم ما أراده المبدل وما أخفاه في صدره من الجور والحيف.\nوقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال مجاهد: (هذا حين يُحْضَرُ الرجل وهو في الموت، فإذا أشرف على الجور أمروه بالعدل، وإذا قصر عن حق قالوا: افعل كذا، أعطِ فلانًا كذا).\n٢ - قال ابن عباس: (يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته أو حاف فيها، فليس على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٧٣٣)، كتاب الفرائض، باب ميراثِ البنات.","vol":"1","page":493},{"text":"الأولياء حرجٌ أن يردوا خطأه إلى الصواب). وكان قتادة يقول: (من أوصى بجورٍ أو حيْف في وصيته فردها وَليّ المتوفى أو إمام من أئمة المسلمين، إلى كتاب الله وإلى العدل، فذاك له).\n٣ - قال ابن جريجٍ: (قلت لعطاء قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾، قال: الرجل يحيف أو يأثم عند موته، فيعطي ورثته بعضَهم دون بعض، يقول الله: فلا إثم على المصلح بينهم).\n٤ - عن ابن طاووس، عن أبيه قال: (هو الرجل يوصي لولد ابنته). والمقصود ليزيد ابنته من الإرث. والجنف، كما قال ابن عباس والضحاك: الخطأ، والإثم: العمد. وفي الأثر الموقوف عن ابن عباس: (الجنف في الوصية من الكبائر) (١).\nوقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.\nأي: أعاد الأمر إلى العدل في الوصية على الوجه الشرعي، وهذا ليس من التبديل في شيء، لذلك قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقد يغفر للموصي ما حدثته نفسه من الجنف والإثم، رحيم بالمصلح بما قام فيه من عمل لإعادة الأمر إلى حدوده الشرعية.\n١٨٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾.\nفي هذه الآية: يوجه الله سبحانه الخطاب إلى المؤمنين - الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا وامتثلوا - إلى فريضة الصيام، التي كتبها الله على من قبلهم من الأنام، لينالوا بذلك تقوى الله ﷿.\nوقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.\nأي: فرض عليكم صيام شهر رمضان كل عام.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١١٠٩٢) عن ابن عباس موقوفًا. وأخرجه عبد الرزاق (١٦٤٥٦) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":494},{"text":"والصوم في لغة العرب: الإمساك. قال الخليل: (الصوم قيام بلا عمل). والعرب تقول: صام الفرس، إذا قام على غير اعتلاف. وصام النهار، إذا قام قائم الظهيرة واعتدل. والصوم أيضًا ركود الرياح.\nقال أبو عبيدة: (كل ممسك عن طعام أو كلام أو سَيْر فهو صائم).\nوفي التنزيل: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال ابن عباس: (صمتًا).\nوأما الصوم في الاصطلاح الشرعي: فهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع والمفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية.\nويدخل في ذلك اجتناب الغيبة والفحش والكذب وغير ذلك من سيِّيء الأخلاق.\nفقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: [من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامَهُ وشرابَهُ] (١).\nوروى ابن خزيمة بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تسابَّ وأنت صائم، فإن سابك أحد فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس] (٢).\nوكذلك في صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ربّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظه من قيامه السهر] (٣).\nوقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال مجاهد: (كتب الله ﷿ صومَ شهر رمضان على كل أمة).\n٢ - قال السدي: (أما الذين من قبلنا: فالنصارى، كتب عليهم رمضان، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء شهر رمضان).\nوقال الربيع: (كتب عليهم الصوم من العتمة إلى العتمة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩٠٣) كتاب الصوم. ورواه في كتاب الأدب (٦٠٥٧) بلفظ: [من لم يدع قول الزور والعمل به، والجَهْلَ، فليس لله حاجةٌ أن يدعَ طعامه وشرابَه].\n(٢) حديث حسن. انظر تخريج صحيح الترغيب (١/ ١٠٧٥)، كتاب الصوم. ترهيب الصائم من الغيبة والفحش. وروى نحوه ابن حبان والحاكم بسند صحيح.\n(٣) حديث صحيح. رواه ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم والبيهقي. انظر المرجع السابق (١/ ١٠٧٦).","vol":"1","page":495},{"text":"٣ - قال مجاهد: (أهل الكتاب). يعني هم المقصود بالذين من قبلكم.\n٤ - قال قتادة: (كتب شهرُ رمضان على الناس، كما كُتب على الذين من قبلهم. قال: وقد كتب الله على الناس قبل أن ينزل رمضانُ صَوْمَ ثلاثة أيام من كل شهر).\n٥ - وروي عن معاذ وابن مسعود: (أن الصيام كان أولًا كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهرٍ ثلاثةُ أيام).\nقال الضحاك: (لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\nترجّ في حقهم. وفيه عندي أربعة تفاسير:\nالأول: لعلكم تضعفون. فكلما قل الأكل ضعفت الشهوة وقلت المعصية.\nففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: [يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء] (١).\nالثاني: لتتقوا المعاصي والوقوع بها أثناء صومكم، فيَستفيد المتقون من ذلك دائمًا.\nالثالث: قيل بل المعنى: لتتقوا أكل الطعام وشرب الشراب وجماع النساء فيه. قال ابن جرير: يقول: (فرضت عليكم الصوم والكف عما تكونون بترك الكف عنه مفطرين، لتتقوا ما يُفطركم في وقت صومكم). ثم ذكر قول السدي: (يقول: فتتقون من الطعام والشراب والنساء مثل ما اتقوا - يعني: مثل الذي اتقى النصارى من قبلكم).\nالرابع: قيل بل هي على العموم، فإن التقوى لا حدود لها، ولا لآفاقها.\nروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله ﷿: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، مرتين. والذي نفس محمد بيده، لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٩٠٥)، وأخرجه مسلم (١٤٠٠)، ورواه أحمد في المسند (١/ ٣٧٨)، وأصحاب السنن.","vol":"1","page":496},{"text":"يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه] (١).\nوكلها تفاسير يحتملها البيان الإلهي، وإن كان التفسير الرابع أشملها.\n١٨٤. قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾.\nفي هذه الآية: الصيام أيام معدودات، فمن منعه المرض أو السفر فعدة من أيام أخر، ومن أطاقه بمشقة هرم أو عجز أو شيخوخة ففدية طعام مسكين، ولهم ترك الصيام ولا قضاء عليهم، فمن زاد في الإطعام فهو خير، كما أن الصيام خير من الإفطار والفدية التي كانت أول الإسلام.\nوقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.\nيعني: أيام شهر رمضان.\nقال ابن جرير: (وأما \"المعدودات\"، فهي التي تعدّ مبالغها وساعاتُ أوقاتها. ويعني بقوله: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾، محصيات).\nوقوله: ﴿أَيَّامًا﴾، قيل: مفعول به ثان لـ: ﴿كُتِبَ﴾، قاله الفراء، وقيل: بل نُصب على الظرف، والتقدير: كتب عليكم الصيام في أيام. وقيل: بل نصب بفعل محذوف، والتقدير: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا.\nوقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.\nأما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، أي: يستطيعونه بمشقة. فقد كان المريض والمسافر لا يصومان للمشقة بل يفطران ويقضيان. وأما الصحيح الذي يطيق الصيام\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٠٤)، طبعة دار السلام - الرياض. كتاب الصيام. باب فضل الصيام، ورواه البخاري وابن خزيمة وكثير من أهل السنن.","vol":"1","page":497},{"text":"فكان مخيَّرًا بين الصيام والإطعام، وذلك في بداية الإسلام. ورجح الله سبحانه أن الصيام أفضل الاختيارين بقو له: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.\nقال مجاهد: (من الإفطار والفدية).\nويبدو أن حكم الفدية لمستطيع الصوم قد نستن بالقرآن، بقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وبقيت الآية الأولى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ دون نسخ في حق من لا يستطيع الصوم. وقد عرف ذلك ابن عباس من السنة لا من القرآن.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن عطاء: أنَّه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: [ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا] (١).\nوفي رواية عزرة، فصّل ابن عباس بقوله: [أن الآية نزلت في الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان (٢) - أي يستطيعان - الصوم ثم نسخت. قال: وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينًا].\nإذن، يبدو في التحقيق الحديثي أن الآية تعرضت لنسخ جزئي، فمن استطاع الصيام صغيرًا كان أو كبيرًا، شيخًا أو عجوزًا، ذكرًا أو أثنى، وجب عليه الصيام ولا رخصة، وأما من عجز عنه فله الفدية.\nويؤيد هذا ما أخرج الستة إلا ابن ماجة عن سلمة بن الأكوع قال: [لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يُفطرَ ويفتدي فعل حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها] (٣).\nقلت: وهذه خلاصة مفيدة جدًّا في فهم هذه الآية وعلاقتها بما بعدها، فإن صفحات كثيرة جدًّا قد ضمتها كتب الفقه والتفسير لا تكاد تصل معها إلى مخرج وفهم يريح من عناء الاختلاف، فلله الحمد والمنة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٠٥)، كتاب التفسير.\n(٢) فالشيخ المستطيع والعجوز المستطيعة يجب الصيام في حقهما ولا رخصة.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٥٠٧)، كتاب التفسير. ورواه مسلم وأكثر أهل السنن.","vol":"1","page":498},{"text":"وقوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم الواحد نصف صاع من قمح. ذكره الدارقطني عن ابن عباس.\n٢ - الواجب لذلك مدّ قمح أو غيره من سائر الأقوات.\n٣ - كان ذلك نصف صاع من قمح، أو صاعًا من تمر أو زبيب.\nقال أبو حنيفة: (كفارة كل يوم صاع تمر أو نصف صاع برّ). ذكره القرطبي.\nوروى الشافعي عن نافع: أنَّ ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها؟\nقال: [تُفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًّا من حنطة].\nقلت: الراجح أنه يكفي مدّ قمح، والمدّ ربع صاع، وهو ما تحمله كفيّ الرجل المعتدل الخلقة، وبه قال مالك والشافعي. قال مالك: (مدُّ بمدّ النبي - ﷺ - عن كل يوم أفطره). ورُوي عن أبي هريرة قال: (من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم فعليه لكل يوم مُدٌّ من قمح). وروي عن أنس بن مالك: (أنه ضَعُفَ عن الصوم عامًا فصنع جَفْنَةً من طعام ثم دعا بثلاثين مسكينًا فأشبعهم) ذكره والأثر الذي قبله القرطبي. والجفنة: كالقصعة، وعاء يوضع فيه الطعام.\nوأما التمر والزبيب فعادة يضاعف ذلك باستقراء النصوص المختلفة في الأحوال الأخرى، فيكفي نصف صاع، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، فزاد طعامَ مسكين آخر، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾).\n٢ - عن مجاهد: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، قال: من أطعم المسكين صاعًا).\n٣ - قال السدي: (فإن أطعم مسكينين فهو خير له).\n٤ - عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: (إطعامُ مساكين عن كل يوم، فهو خير له).\n٥ - قال ابن شهاب: (يريد أن من صام مع الفدية فهو خير له).\nقلت: وكلها تفاسير يحتملها البيان الإلهي المعجز في كلامه ومفهومه.","vol":"1","page":499},{"text":"وقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nيعني: الصيام خير من الإفطار والفدية التي كانت في أولى الإسلام. قال السدي: (ومن تكلف الصيام فصامه فهو خيرٌ له). وقال ابن شهاب: (أي: إن الصيام خير لكم من الفدية). وبنحوه قال مجاهد.\n١٨٥. قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾.\nفي هذه الآية: شهر رمضان شهر نزول القرآن كتاب الله العظيم، فيه الهدي والتشريع الكريم، فمن أدرك الشهر فليصمه ومن عذره السفر أو المرض فعدة من أيام أخر، وما جعل الله عليكم من حرج، فأكملوا العدة واشكروا الله العظيم.\nقال ابن عباس: (أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزّة، ثم أنزل على رسول الله - ﷺ - في عشرين سنة لجواب كلام الناس). وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس، قال: (نَزَل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر، إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيّه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣].\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]: . ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣].\nقلت: والذي قاله ابن عباس ليس بالمرفوع إلى النبي - ﷺ -، فيبقى مفهوم النزول للقرآن في ليلة القدر في علم الله، فهو تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾.\nيعني: رشادًا للناس إلى سبيل الحق ومنهج النجاة.","vol":"1","page":500},{"text":"وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.\nقال السدي: (فبينات من الحلال والحرام). والفرقان: الفصل بين الحق والباطل، والبينات: الواضحات. والهدى: حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه وتفاصيل شرعه الحكيم.\nوقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - عن ابن عباس: (هو إهلاله بالدار. يريد: إذا هلَّ وهو مقيم).\nوقال: (فإذا شهده وهو مقيم فعليه الصوم، أقام أو سافر. وإن شهده وهو في سفر، فإن شاء صام وإن شاء أفطر).\n٢ - قال أبو حنيفة وأصحابه: (من دخل عليه شهر رمضان وهو صحيح عاقل بالغ فعليه صومه).\n٣ - عن عبيدة، قال: (من شهد أول رمضان فليصم آخره).\n٤ - عن إبراهيم: (إذا أدركك رمضان فلا تسافر فيه، فإن صمت فيه يومًا أو اثنين ثم سافرت، فلا تفطر، صمه).\nقلت: لا دليل على استحباب الإقامة في رمضان، فله أن يسافر بتجارة أو سياحة أو أمر يحتاجه، ومن ثمّ فإن الرخصة قائمة في حق المسافر للإفطار. ويبقى معنى الآية: من شهد إثبات رمضان وهو صحيح مقيم وجب عليه الصوم، وقد مضى القول أن هذه الآية نسخت الإباحة المتقدمة في الإفطار والفدية لمستطيع الصوم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nقال الحسن: (إذا لم يستطع المريضُ أن يصلي قائمًا أفطر. قال: إذا جهده الصوم).\nوذهب الشافعي إلى أن ذلك كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة.\nقلت: فإن صام المريض صح صومه، ولكن يكره إذا كان يشق عليه ويزيد من مرضه، كما يكره هنا إعراضه عن الرخصة، وقد ثبت في الحديث: [إن الله تعالى يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه]. وفي رواية: [كما يكره أن تؤتى","vol":"1","page":501},{"text":"معصيته] (١). وكذلك المسافر يصح صومه، لكن يكره عند المشقة والتعرض للتهلكة. ورأى أبو حنيفة ومالك والشافعي أن الصيام أفضل لمن قوي عليه، ولكن لا دليل على هذا التفضيل بل تبقى رخصة يقدرها صاحبها. فإلى ذكر بعض أدلة ذلك:\nالدليل الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [غَزَوْنا مع رسول الله - ﷺ - لِسِت عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رمضان، فَمِنّا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائمُ على المفطر، ولا المفطر على الصائم] (٢).\nوفي رواية: [كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر. على الصائم، يرون أن مَنْ وجد قوةً فصام، فإن ذلك حسن، ويَرون أن من وجد ضعفًا فأفطر، فإن ذلك حسن].\nالدليل الثاني: روى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أنَّها قالت:\n[سأل حمزةُ بن عمرٍو الأسلَمِيُّ رسولَ الله - ﷺ -: عن الصيام في السفر؟ فقال: إنْ شئْتَ فَصُمْ، وإن شِئْتَ فأفْطِر] (٣).\nوفي رواية: [هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه].\nالدليل الثالث: روى مسلم عن أبي الدرداء ﵁ قال: [خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان، في حرٍّ شديد، حتى إن كان أحدُنا ليضَعُ يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائمٌ، إلا رسولُ الله - ﷺ - وعبد الله بنُ رواحة] (٤).\nوأما إن كانت مصلحة الجماعة أو الجيش في الإفطار فيجب ذلك في السفر للإجهاز بقوة على العدو وحماية مستقبل بلاد المسلمين ودينهم.\nففي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: [سافرنا مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا مَنْزِلًا، فقال رسول الله - ﷺ -: إنكم دنوتم من عدوكم، والفِطر\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد (٢/ ١٠١)، وابن حبان (٢٧٤٢)، من حديث ابن عمر. وله شاهد من حديث ابن عباس عند ابن حبان (٣٥٤)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٨٨٠) بإسناد صحيح. ورواه البيهقي. انظر صحيح الجامع (١٨٨١)، (١٨٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١١١٦)، كتاب الصيام.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٢٢١)، كتاب الصيام.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١١٢٢)، كتاب الصيام. باب التخير في الصوم والفطر في السفر.","vol":"1","page":502},{"text":"أقوى لكم، فكانت رُخْصَةً، فمنّا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: إنكم مُصَبِّحو عَدُوِّكم، والفِطْرُ أقوى لكم، فأفطروا. وكانت عَزْمَةً، فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيْتُنَا نصوم مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك، في السفر] (١).\nوفي غير ظروف الجهاد والغزو، فإن للمفطر في السفر الأجر الأكبر إذا تولى العمل وخدمة أصحابه ومن خرج معه صائمًا.\nففي صحيح مسلم عن أنس قال: [كنا مع النبي - ﷺ - في السَّفر، فمنّا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا مَنْزِلًا في يوم حار، أكثَرُنا ظِلًا صاحبُ الكِساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُّوَّامُ، وقام المفطرون، فضَربوا الأبنية وسَقَوا الرِّكاب، فقال رسول الله - ﷺ -: ذهب المفطرون اليوم بالأجر] (٢).\nوقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nلا يجب فيها التتابع، وهو قول الجمهور. ويشهد له قوله تعالى بعده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.\nقال ابن عباس: (اليسر الإفطار في السفر، والعسر الصيام في السفر).\nوقال مجاهد: (هو الإفطار في السفر، وجعل عدةً من أيام أخر).\nوعن أبي حمزة قال: سألت ابن عباس عن الصوم في السفر؟ فقال: يسرٌ وعُسرٌ. فخذ بيسر الله). وقال قتادة: (فأريدوا لأنفسكم الذي أراد الله لكم).\nوفي الصحيحين والمسند عن أنس عن مالك، عن رسول الله - ﷺ - قال: [يسِّروا ولا تُعَسِّروا، وسَكِّنُوا ولا تُنَفِّروا] (٣).\nوفي الصحيحين أيضًا أن رسول الله - ﷺ - قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: [بَشِّرا ولا تُنَفِّرَا، ويسّرا ولا تعسّرا، وتطاوعا ولا تختلفا] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١١٢٠)، كتاب الصيام. باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (١١١٩)، كتاب الصيام، الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩)، وأخرجه مسلم (١٧٣٤)، ورواه أحمد (٣/ ١٣١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦١٢٤)، ومسلم (١٧٣٣)، وأخرجه أحمد (٤/ ٤١٧).","vol":"1","page":503},{"text":"وفي المسند من حديث أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي - ﷺ - يقول: [إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسرُهُ] (١).\nوقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾.\nقال الضحاك: (عدة ما أفطر المريض والمسافر).\nوقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.\nقال سفيان: (بلغنا أنه التكبير يوم الفطر). وقال ابن زيد: (ينبغي لهم إذا غدوا إلى المصلّى كبروا، فإذا جلسوا كبروا، فإذا جاء الإمام صمتوا، فإذا كبر الإمام كبروا، ولا يكبرون إذا جاء الإمام إلا بتكبيره، حتى إذا فرغ وانقضت الصلاة فقد انقضى العيد).\nفالتكبير هنا فيه تعظيم الله بما أنعم سبحانه من الهداية إلى أجمل الشرع وأكمله، وبما كتب فيه من صوم شهر رمضان وأعان عليه، فله الثناء والتعظيم وحده لا شريك له، وله الحمد والشكر والمنة، وهو مفهوم قوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فاشكروه وأفردوه بكمال الحمد فهو البر الشكور.\n١٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾.\nفي هذه الآية: تنبيه الله العباد لقربه منهم، فإنه يجيب دعوة داعيهم، فليستجيبوا لأمره لعلهم يفلحون.\nأخرج الإمام أحمد والشيخان واللفظ لأحمد، عن أبي موسى الأشعري قال: [كنّا مع رسول الله - ﷺ - في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفًا، ولا نعلو شرفًا، ولا نهبط واديًا، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير. قال: فدنا منا، فقال: يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٧٩)، وصحح إسناده الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٩٤).","vol":"1","page":504},{"text":"أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. يا عبد الله بن قيس! ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله] (١).\nقيل: نزلت الآية في قوم سألوا رسول الله - ﷺ - أين ربنا؟ أو في قوم سألوه أي ساعة يدعون الله فيها. فأخبرهم الله سبحانه أنه قريب من عباده وهو معهم إذا دعوه.\nوفي المسند عن أنس ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: [يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني] (٢).\nوالمراد أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، حيي كريم يستحي من عبده أن يرده خائبًا وقد رفع إليه يديه.\nأخرج أبو داود والترمذي وأحمد عن سلمان الفارسي، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين] (٣).\nوفي رواية: [إن الله تعالى حييٌّ كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفرًا خائبتين].\nوفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي سعيد: أن النبي - ﷺ - قال: [ما مِنْ مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يُعَجِّلَ له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذن نكثر؟ قال: الله أكثر] (٤).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي] (٥).\nقال السدي: (ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٦١٠)، ومسلم (٢٧٠٤)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٠٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢١٠). وأخرجه مسلم (٢٦٨٦)، والترمذي (٢٣٨٨)، وأحمد أيضًا (٢/ ٤٤٥) و(٢/ ٣٣٩) من حديث أبي هريرة.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥١)، وابن ماجة (٣٨٦٣)، ورواه أحمد في المسند (٣/ ٤٣٨).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ١٨)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧١٠)، ورواه البزار.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٤٠)، وأخرجه مسلم (٢٧٣٠)، ورواه أحمد.","vol":"1","page":505},{"text":"هو له رزق في الدنيا أعطاه الله، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ذَخره له إلى يوم القيامة، ودفع عنه به مكروهًا).\nوقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾.\nيعني: بالطاعة. قال مجاهد: (فليطيعوا لي. قال. الاستجابة: الطاعة). وذهب أبو رجاء الخراساني: (﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾، قال: فليدعوني. ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾، قال: أني أستجيب لهم).\nقال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾. فإنه يعني: وليصدِّقوا. أي: وليؤمنوا بي، إذا هم استجابوا لي بالطاعة، أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزالي الكرامةَ لهم عليها).\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.\nقال الربيع: (لعلهم يهتدون).\nقال الحافظ ابن كثير: (وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر).\nثم ذكَر حديثًا رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن غير أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين] (١).\n١٨٧. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ\n_________\n(١) حديث حسن بشواهده. أخرجه الترمذي (٣٥٩٨)، وابن ماجة (١٧٥٢)، وأحمد (٢/ ٣٠٥)، وله شاهد عند البيهقي من وجه آخر عن عطاء عن أبي هريرة بنحوه.","vol":"1","page":506},{"text":"عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾.\nفي هذه الآية: إباحة النساء ليلة الصيام، والأكل والشرب حتى الفجر ثم الإمساك إلى الغروب، وتعظيم حرمات الله في المساجد.\nوالرفث هنا: الجماع، وكان في بدء الإسلام إذا أفطر الصائم حلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، فمتى نام أو صلى العشاء حَرُم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فنزلت هذه الآية تخفيفًا من الله ودفعًا للمشقة.\nأخرج البخاري في صحيحه عن البراء ﵁ قال: [كان أصحاب محمد - ﷺ - إذا كان الرجل صائمًا فَحَضَرَ الإفطارُ فنام قبل أن يفطرَ لم يأكل ليلته ولا يَوْمَهُ حتى يُمسيَ، وإنَّ قَيْسَ بن صِرْمَةَ الأنصاريَّ كان صائمًا، فلما حضَرَ الإفطار أتى امرأتَه فقال لها: أعندك طعامٌ؟ قالت: لا، ولكنْ أنْطلقُ فاطلُبُ لكَ -وكان يَوْمَهُ يَعْمَلُ فغلبته عَيْناه- فجاءتْه امرأتُه فلما رأته قالت: خَيْبَةً لك، فلما انتصف النّهار غُشيَ عليه فَذُكر ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١).\nوقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (يعني هنَّ سَكَنٌ لكم، وأنتم سكنٌ لهن). وقال الربيع بن أنس: (هن لحافٌ لكم، وأنتم لحاف لهن).\nوقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.\nفيه سبب صحيح للنزول: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن البراء ﵁ قال: [لما نزل صومُ رمضانَ كانوا لا يقربون النساء رمضان كُلَّه، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩١٥)، كتاب الصوم، ورواه أحمد (٤/ ٢٩٥)، والترمذي (٢٩٦٨)، وأبو داود (٢٣١٤)، والنسائي (٤/ ١٤٧ - ١٤٨)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٤٥٠٨)، في كتاب التفسير، عند هذه الآية، من حديث البراء ﵁. وانظر الحديث السابق نحوه.","vol":"1","page":507},{"text":"قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: (كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلّوا العشاء، حَرُم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية) (١).\nوقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني الولد). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (يعني الجماع). وقال قتادة: (وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم. أو قال: ما أحل الله لكم). وقال ابن عباس في رواية: (ليلة القدر).\nقال ابن جرير: (وإنما يريد الله تعالى ذكره: اطلبوا الذي كتبتُ لكم في اللوح المحفوظ أنه يباحُ فيطلق لكم. وطلب الولد إنْ طلبه الرجل بجماعه المرأة، مما كتب الله له في اللوح المحفوظ. وكذلك إن طلب ليلة القدر، فهو مما كتب الله له. وكذلك إن طلب ما أحل الله وأباحه، فهو مما كتبه له في اللوح المحفوظ).\nقلت: والراجح من السياق صرف الآية إلى الجماع وطلب الولد ومباشرة الرخصة بذلك.\nوقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.\nأخرج البخاري عن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال: [أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصَّوْمَ ربطَ أحَدُهُمْ في رجْليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسودَ، ولا يزال يأكُلُ حتى يتبَيَّنَ له رؤيتُهُما. فَأنزَلَ الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنما يعني الليلَ من النهار] (٢).\nوأخرج البخاري عن عَدِيِّ بن حاتمٍ رضي الله تعالى عنه قال: [قلت: يا رسول الله، ما الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخَيْطانِ؟ قال: إنك لَعَرِيضُ القفا إن أَبْصَرتَ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢٩٤٨)، وفيه إرسال، لكن له شواهد ترقى به للحسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٥١١)، كتاب التفسير. وانظر الأحاديث قبله.","vol":"1","page":508},{"text":"الخيطين، ثم قال: لا، بل هو سوادُ الليل وبياضُ النهار] (١).\nوفي رواية عن الشَّعبيّ عن عدي قال: [أخذ عَدِيٌّ عِقالًا أبيضَ وعِقالًا أسْوَدَ، حتى كان بعض الليل نظرَ، فلم يَسْتَبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله، جعلت تحت وسادتي، قال: إن وسادَك إذًا لعريض: أن كان الخيطُ الأبيضُ والأسود تحت وسادتكَ].\nوالمعنى: إنْ كان ليسع الخيطين: الأسود والأبيض المرادين هنا وهما بياض النهار وسواد الليل، فإنّ وسادك بعرض المشرق والمغرب.\nقلت: والآية تدل على استحباب السحور، فإن إباحة الأكل إلى طلوع الفجر يقتضي ذلك، وقد جاءت السنة الصحيحة بالحث على السحور وبيان أنه بركة. والبركة هنا -كما تشير النصوص- أربعة أنواع:\nالأول: بركة امتثال أمر النبي - ﷺ -.\nففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [تسحّروا فإن في السحور بركة] (٢).\nالثاني: بركة مخالفة أهل الكتاب.\nففي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ فَصْلَ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر] (٣).\nالثالث: بركة يجعلها الله في هذا الطعام يعين بها الصائم.\nففي صحيح أبي داود عن العرباض بن سارية، قال: [دعاني رسول الله - ﷺ - إلى السحور في رمضان، فقال: هُلُمَّ إلى الغَداء المبارك] (٤).\nالرابع: بركة صلاة الله والملائكة على المتسحرين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥١٠)، كتاب التفسير، وانظر الحديث الذي قبله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥)، وأحمد (٣/ ٢١٥) وأكثر أهل السنن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٠٩٦)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٠٢)، وأبو داود (٢٣٤٣)، والترمذي في السنن -حديث رقم- (٧٠٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٣٤٤)، باب من سمى السحور الغداء، ورواه أحمد (٤/ ١٢٧)، والنسائي (٤/ ١٤٥)، وانظر صحيح أبي داود (٢٠٥٤).","vol":"1","page":509},{"text":"ففي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [السَّحور بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلّون على المتسحرين] (١).\nويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر.\nففي الصحيحين عن زيد بن ثابت قال: [تسحّرنا مع رسول الله - ﷺ -، ثم قمنا إلى الصلاة. قال أنس: قلت لزيد: كما كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية] (٢).\nكما يستحب تعجيل الإفطار مجرد غياب الشمس.\nففي صحيح البخاري عن سهل بن سعد، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر] (٣).\nوقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾.\nيعني: حتى يطلع الفجر.\nففي الصحيحين عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذّن حتى يطلعَ الفجر] (٤).\nفائدة (١): الفجر الذي يحرّم هو الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال وينتشر، وليس الفجر الذي يسطع في السماء.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس يقول: (هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحلّ ولا يحرّم شيئًا، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرّم الشراب. قال عطاء: فأما إذا سطع سطوعًا في السماء، وسطوعه أن يذهب في السماء طولًا، فإنه لا يحرّم به شراب\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه أحمد (٣/ ٤٤)، وكذلك (٣/ ١٢)، وله شواهد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٩٢١) عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت، ورواه مسلم في صحيحه برقم (١٠٩٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٩٥٧)، كتاب الصوم. باب تعجيل الإفطار.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٢٣)، وكذلك (٩١٩)، ورواه مسلم (١٠٩٢).","vol":"1","page":510},{"text":"للصائم ولا صلاة، ولا يفوت به الحج، ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال، حَرُم الشراب للصيام وفات الحج) (١).\nوقد جاءت السنة الصحيحة توضح هذا المعنى وتدل على الفجر الصحيح، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم وعنه البيهقي بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الفَجْرُ فَجْران، فَجْرٌ يُقال لَهُ: ذَنَبُ السِّرْحَانِ، وهو الكاذِبُ يذهبُ طولًا، ولا يذهب عَرْضًا، والفجرُ الآخرُ يذهب عَرْضًا، ولا يذهب طولًا] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والتومذي وابن خزيمة والدارقطني من طريق عبد الله بن النعمان السُّحَيمي قال: [أتاني قيس بن طَلْق في رمضان في آخر الليل، بعدما رفعت يدي من السحور لخوف الصبح، فطلب مني بعض الإدام، فقلت له: يا عماه! لو كان بقي عليك من الليل شيء لأدخلتك إلى طعام عندي وشراب، قال: عندك؟ فدخل، فقربت إليه ثريدًا ولحمًا ونبيذًا، فأكل وشرب، وأكرهني فأكلت وشربت، وإني لوجل من الصبح، ثم قال: حدثني طلق بن علي أن نبي الله - ﷺ - قال: \"كلوا واشربوا، ولا يَهيدَنَّكُم الساطِعُ المُصَعَّدُ، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر\"] (٣).\nوقوله: \"ولا يهيدَنَّكُم\": أي لا تنزعجوا للفجر المستطيل فتمتنعوا به عن السحور، فإنه الصبح الكاذب. وأصل \"الهيد\" لغة: الحركة.\nالحديث الثالث: روى مسلم عن سَمُرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يمنعكم من سَحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق] (٤).\nفائدة (٢): الوقت الاحتياطي لمن احتاج السحور وقد غلبه أذان الفجر.\n_________\n(١) ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير وقال: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٩١)، وعنه البيهقي (١/ ٣٧٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٠٠٢).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، والترمذي (٧٣٣)، وابن خزيمة (١٩٣٠)، وحسّنه الألباني في المرجع السابق السلسلة الصحيحة- (٢٠٣١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٠٩٤)، وأبو داود في السنن (٢٣٤٦)، والترمذي في الجامع (٧٠٦)، وأحمد في المسند (٥/ ١٣).","vol":"1","page":511},{"text":"هناك مخصصات من السنة الصحيحة لعموم الآية: \"وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر\"، كمن استيقظ متأخرًا على سماع أذان الفجر، أو غُلبت امرأة خلال إيقاظها أهلها وتحضير طعامها لأولادها، أو احتاج متسحر أن يكمل ما في فمه ويشرب عليه الماء، ونحو ذلك، فإن السنة الصحيحة قد أعطته فرصة أخرى إلى وقت إقامة صلاة الفجر. فإلى ذكر بعض أدلة ذلك.\nالدليل الأول: أخرج ابن جرير بسند حسن عن أبي أمامة قال: [أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر، قال: أشربها يا رسول الله؟ قال: نعم. فشربها] (١).\nالدليل الثاني: أخرج الطيالسي والطبراني بسند جيد عن ابن عمر قال: [كان علقمة بن علاثة عند رسول الله - ﷺ -، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة. فقال رسول الله - ﷺ -: رويدًا يا بلال! يَتَسحَّرُ علقمة، وهو يتسحّر برأس] (٢).\nالدليل الثالث: أخرج الطحاوي عن حبان بن الحارث قال: [تسحرنا مع علي بن أبي طالب ﵁، فلما فرغنا من السحور أمر المؤذن فأقام الصلاة] (٣).\nالدليل الرابع: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه] (٤).\nقال عمار -أحد رواة الحديث عن أبي هريرة-: (وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر).\nوقال هشام بن عروة: (كان أبي يفتي بهذا). وإسناده صحيح على شرط مسلم.\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.\nيعني: المسارعة إلى الإفطار عند غروب الشمس.\n_________\n(١) إسناده حسن. أخرجه ابن جرير (٣/ ٥٢٧/ ٣٠١٧) بإسنادين عنه، وهو حديث حسن.\n(٢) حسن في الشواهد. أخرجه الطيالسي (٨٨٥)، والطبراني في \"الكبير\" كما في \"المجمع\" (٣/ ١٥٣).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ١٠٦)، والمخلص في \"الفوائد المنتقاة\" (٨/ ١١/ ١)، ورجاله ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة عقب الحديث (١٣٩٤).\n(٤) أخرجه أبو داود (١/ ٥٤٩)، وأحمد (٢/ ٤٢٣)، والحاكم (١/ ٤٢٦)، والبيهقي (٤/ ٢١٨)، وابن جرير في \"التفسير\" (٣/ ٥٢٦)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٩٤).","vol":"1","page":512},{"text":"ففي الصحيحين عن عمر، قال رسول الله - ﷺ -: [إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم] (١).\nوفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة قال: [قال رسول الله - ﷺ -: لا تواصلوا. قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل. قال: فإني لست مثلكم، إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.\nالمعنى: لا تجامعوا نساءكم في حال عكوفكم في المساجد، وهو الحال الذي حبستم فيه أنفسكم على عبادة الله في مساجدكم. وفيه أقوال:\n١ - عن ابن عباس: (هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرّم الله عليه أن ينكح النساء ليلًا أو نهارًا، حتى يقضي اعتكافه).\n٢ - قال الضحاك: (كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد، جامعَ إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره).\n٣ - قال مجاهد: (نُهوا عن جماع النساء في المساجد، حيث كانت الأنصار تجامع).\n٤ - قال مالك بن أنس: (لا يمس المعتكف امرأته، ولا يباشرها، ولا يتلذذ منها بشيء، قبلةٍ ولا غيرها).\nواختار ابن جرير أن المقصود الجماع، وكذلك القرطبي وقال. (وسمّي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه). وأما المباشرة دون جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة، قاله الحسن البصري والزهري. وإن لم يقصد لم يكره، لأن عائشة كانت تُرَجِّل (٣) رأس رسول الله - ﷺ - وهو معتكف، وهو قول الشافعي وابن المنذر.\nوقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.\nقال السدي: (أما ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾، فشروطه). وقال الضحاك: (﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠)، وأحمد (١/ ٢٨)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩٦٦)، ومسلم (١١٠٣)، وأحمد (٢/ ٣١٥)، وغيرهم.\n(٣) تُرَجِّلُ رأس رسول الله - ﷺ -: أي تُسَرِّح شعره - ﷺ -.","vol":"1","page":513},{"text":"يقول: معصية الله- يعني المباشرة في الاعتكاف). قلت: والآية أعم من ذلك، فيما يخص جميع الأحكام، من الصيام والاعتكاف وشرائِع ذلك، وحدوده وتفاصيله، كما قال الحافظ ابن كثير: (أي: هذا الذي بيّناه، وفرَضْناه، وحدَّدناه، من الصيام وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرمنا، وذكرنا غاياته ورُخَصه وعزائمه ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شَرَّعها الله وبَيَّنها بنفسه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: لا تجاوزوها وتتعدوها).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\nيعني: ليتجنّبوا الوقوع في ما يسخط الله سبحانه ويغضبه، مما أمر بهجره وتركه.\n١٨٨. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾.\nفي هذه الآية: جعل سبحانه الآكل مال أخيه بالباطل، كالآكل مال نفسه بالباطل. فحرَّم ذلك وحذَّر من الاختصام إلى الحكام للظلم وجحد الحقوق.\nقال ابن عباس: (هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بَيِّنة، فيجحدُ المال ويخاصِمُ إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل حرامًا).\nوقال مجاهد: (لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم).\nوقال قتادة: (اعلم -يا ابن آدم- أن قضاء القاضي لا يحل لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قُضيَ له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحقّ بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا).\nقلت: وأصل هذا المعنى في الصحيحين عن أم سلمة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألْحنَ بِحُجَّتِهِ من بعض","vol":"1","page":514},{"text":"فأقضي له، فمن قضيت له بحقّ مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فَليحملْها أو ليذرها] (١).\nقال قتادة: (﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: لا تدلِ بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يُحل لك شيئًا كان حرامًا عليك).\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nأي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم.\nقال القرطبي: (أجمع أهل السنة على أنّ من أكل مالًا حرامًا ولو ما يصدُق عليه اسم المال أنه يُفسَّقُ).\n١٨٩. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾.\nفي هذه الآية: في علم الأهلة علم المواقيت للمناسك والشرائع المختلفة المرتبطة بالزمن، والبر بتقوى الله وإتيان البيوت من أبوابها.\nسئل رسول الله - ﷺ - عن زيادة الأهلة ونقصانها، واختلاف أحوالها! فنزلت هذه الآية.\nقال ابن عباس: (سأل الناس رسول الله - ﷺ - عن الأهلة؟ فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، يعلمون بها حِلّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم). وقال السدي: (فهي مواقيت الطلاق والحيض والحج).\nوقال قتادة: (فجعلها لصوم المسلمين ولإفطارهم، ولمناسكهم وحجّهم، ولعدة نسائهم، ومحلّ دينهم، في أشياء. والله أعلم بما يُصلح خلقه).\nأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣)، وأحمد (٦/ ٢٠٣)، وأكثر أهل السنن، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٥٠٧٠).","vol":"1","page":515},{"text":"[جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين يومًا] (١).\nقلت: وانتفاخ هذه الأهلة هو من علامات اقتراب الساعة.\nفقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة، وأن يرى الهلال الليلة، فَيُقال: هو ابن ليلتين] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: [نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حَجّوا فجاؤوا لم يَدْخُلوا من قِبَلِ أبوابِ بُيوتِهم ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبَلِ بابه، فكأنَّه عُيِّرَ بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾] (٣).\nوكذلك أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن أبي إسحاق، عن البراء قال: [كانوا إذا أحْرموا في الجاهلية، أتوا البيتَ من ظَهْرِه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾] (٤).\nورواه الطيالسي عن البراء- أيضًا - قال: [كانت الأنصار إذا قدموا من سَفَر، لم يدخل الرجل من قِبَلِ بابه، فنزلت هذه الآية] (٥).\nقلت: ولا شك أن ذلك كان من عادات الجاهلية التي ضحك بها عليهم الشيطان، كما ذكر الربيع بن أنس: (كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، وخرج من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه عبد الرزاق (٧٣٠٦)، والحاكم (٤/ ٤٢٣)، وصححه على شرطهما، وقال الذهبي: صحيح،\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٣٠/ ١/ ٧٠٠٧). انظر السلسلة الصحيحة (٢٢٩٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٨٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٨٠٣)، كتاب العمرة. وروى نحوه في كتاب التفسير. انظر الحديث الذي بعده.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥١٢)، كتاب التفسير. وانظر الكتاب السابق.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه الطيالسي (٧١٧). وإسناده صحيح على شرطهما.","vol":"1","page":516},{"text":"بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بَعْدَ خروجه أن يقيم ويَدَعَ سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوّرُه من قِبَلِ ظهره، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ... الآية). وقال عطاء بن أبي رباح: (كان أهل يثربَ إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها، وَيَرَوْنَ أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\nأي افعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه، وذروا بقايا الجاهلية وسفسافها، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا إذا وقفتم بين يديه سبحانه، لتنالوا الخلود في جناته ونعيمه الذي تطمحون إليه.\n١٩٥ - ١٩٣. قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾.\nفي هذه الآيات: مشروعية قتال المعتدين دون مجاوزة الحدود، والنهي عن القتال في المسجد الحرام إلا لمن قاتل فيه ابتداء، والأمر بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.\nقال الربيع: (﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: هذه أول (١) آية نزلت في القتال بالمدينة. فلما نزلت كان رسول الله - ﷺ - يقاتل من يقاتله، ويكف عمن كفّ عنه، حتى نزلت ﴿بَرَاءَةٌ﴾).\nوبعضهم يقول هي منسوخة بآية التوبة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.\nقلت: ولا دليل على النسخ، فأمر الله بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما النهي هو في الاعتداء بقتل النساء والذراري ومن لم ينهض لقتال المسلمين. قال مجاهد: ﴿وَقَاتِلُوا\n_________\n(١) الراجح أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ...﴾ الآية.","vol":"1","page":517},{"text":"فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، لأصحاب محمد - ﷺ -، أمروا بقتال الكفار).\nوقال ابن عباس: (﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، يقول: لا تقتلوا النساء، ولا الصبيان، ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى السَّلَمَ وكفَّ يده. فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم).\nوكتب عمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطأة: (إني وجدت في كتاب الله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، أي: لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني: النساء والصبيان والرُّهبان).\nفنهى الإسلام عن الاعتداء أثناء القتال بارتكاب المناهي: من المَثُلة، والغُلول، وقتل من لا يقاتل أو يتدخل كالنساء والصبيان والشيوخ والرهبان، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة. وقد جاءت السنة الصحيحة بذلك في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن بريدة: أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: [اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: [وُجِدت امرأة مقتولةٌ في بعض مغازي رسول الله - ﷺ -، فنهى رسولُ الله - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان]. وفي رواية: [فأنْكرَ رسول الله - ﷺ - قتل النساء والصبيان] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تَغُلّوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوِلْدان، ولا أصحابَ الصوامع] (٣).\nوقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.\nأي: انبعثوا إلى قتالهم وإخراجهم كما انبعثوا إلى قتالكم وإخراجكم. ولا شك أن المهاجرين الأوائل هم أول من خوطب بهذه الآية في المدينة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٣١)، وأحمد (٥/ ٣٥٢)، وأخرجه أبو داود (٢٦١٢)، والترمذي (١٤٠٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٥٨٦)، وابن ماجة (٢٨٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٠١٤)، (٣٠١٥)، كتاب الجهاد والسير.\n(٣) حسن لشواهده. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٠٠)، والبيهقي (٩/ ٩٥)، وأبو يعلى (٢٥٤٩).","vol":"1","page":518},{"text":"وقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.\nيعني: أن الشرك هو أخطر من القتل.\nقال مجاهد: (ارتداد المؤمن إلى الوَثن أشدُّ عليه من القتل). وقال قتادة: (الشرك أشد من القتل). وقال ابن زيد: (فتنة الكفر). وقال مجاهد: (الفتنة الشرك).\nوقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.\nالآية عامة ولا دليل على ادّعاء النسخ فيها، فمن بدأ المسلمين بالقتال في الحرم، فإنه يقاتل دفعًا له ولأمثاله، وقد بايع النبي - ﷺ - أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، حين ظهرت بوادر الغدر من قريش والأحابيش.\nوهذه الآية مُخَصِّصَةٌ لعموم ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ - يوم افتتح مكة: [لا هجرة ولكنْ جهادٌ وَنِيّةٌ، وإذا استُنْفِرْتُم فانْفِروا، فإن هذا بلدٌ حَرَّمَ الله يومَ خلق السماوات والأرضَ، وهو حرامٌ بِحُرْمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لا يحل القتال فيه لأحدٍ قبلي ولمْ يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهار، فهو حرامٌ بِحُرمةِ الله إلى يوم القيامة لا يُعضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صيدُه، ...] الحديث (١).\nفالقاتل في الحرم يقتل فيه، والقاتل في الحل ثم التجأ إلى الحرم يُخرج إلى الحل ليقتل فيه. فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: [من سَرَقَ أو قتَلَ في الحِلِّ ثم دخل الحرم، فإنه لا يُجالسُ ولا يُكَلَّمُ، ولا يُؤوى، ولكنه يُناشَدُ حتى يخرجَ، فيؤخَذَ، فيقامَ عليه الحدُّ، وإن سَرَقَ أو قتَلَ في الحرم أقيم عليه في الحرم] (٢).\nوبنحوه روى الأثرم عن ابن عباس قال: [من أحدث حدثًا في الحرم، أُقيم عليه مما أحدث فيه من شيء] (٣).\nقال ابن القيم: (هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يُباح في غيرها،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٣٤)، كتاب جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة.\n(٢) إسناده صحيح. انظر تخريج أحاديث زاد المعاد (٣/ ٤٤٧)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين، القرآن والسنة الصحيحة (٣/ ١٣١٢) لمزيد من التفصيل.\n(٣) حديث صحيح. انظر المرجع السابق.","vol":"1","page":519},{"text":"ويُحرم فيها لكونها حرمًا، كما أن تحريم عَضْدِ الشجر بها، واختلاء خلائها، والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص) (١).\nوقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال مجاهد: (فإن تابوا- ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظَمُه ذنْبٌ أن يَغْفِرَهُ لمن تاب منه إليه).\nوقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾.\nأمْرٌ من الله بقتال الكفار حتى لا يظهر في الأرض شرك. قال ابن عباس: (يقول: قاتلوا حتى لا يكون شرك). ويكون دين الله هو الظاهر في الأرض على كل مناهج وأديان البشر.\nوفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ...]. وفي لفظ: [أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى قال: [جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتِل غضبًا، ويُقاتل حَمِيَّةً، فرفَعَ إليه رأسه قال: وما رفَعَ إليه رأسَه إلا أنه كان قائمًا فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هيَ العليا، فهو في سبيل الله ﷿] (٣).\n_________\n(١) انظر زاد المعاد (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣)، وكتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٣١٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (١/ ٧٠ - ٧١)، كتاب الإيمان، وصحيح مسلم (٢٢)، كتاب الإيمان. من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٢٣) في كتاب العلم، وانظر صحيح مسلم (١٩٠٤)، ومسند أحمد (٤/ ٣٩٢)، والحديث رواه أهل السنن، وكذلك رواه ابن حبان.","vol":"1","page":520},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\nقال قتادة: (والظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله). وقال الربيع: (هم المشركون).\nوقال مجاهد: (لا تقاتلوا إلا من قاتلكم). وعلى هذا فلقوله \"انتهوا\" تقديران:\nالتقدير الأول: إن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين، فمن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين. وهو معنى قول مجاهد.\nالتقدير الثاني: إن انتهوا فقد تخلّصوا من الظلم وهو الشرك، فلا معاقبة ولا مقاتلة لهم، وهو معنى قول قتادة.\nأخرج البخاري في صحيحه عن نافع، عن ابن عمرَ ﵄: [أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد ضُيِّعُوا وأنت ابنُ عمرَ وصاحِبُ النبي - ﷺ -، فما يَمْنَعُكَ أن تخرجَ؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دمَ أخي، قالا: ألمْ يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكنْ فِتْنه، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تُقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله] (١).\n١٩٤. قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾.\nهذه الآية: نزلت في صد المشركين رسول الله - ﷺ - عن البيت يوم الحديبية، فاقتص الله له منهم في الشهر نفسه من العام المقبل.\nقال ابن عباس: (هم المشركون، حبسوا محمدًا - ﷺ - في ذي القَعْدة، فرجعه الله في ذي القَعدة فأدخله البيت الحرام، فاقتص له منهم). وقال مجاهد: (فخرت قريش بردِّها رسولَ الله - ﷺ - يوم الحديبية محرِمًا في ذي القَعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل من ذي القعدة، فقضى عُمرته، وأقصَّه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية).\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: [لم يكن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٥١٣)، كتاب التفسير، وانظر كذلك (٣١٣٠).","vol":"1","page":521},{"text":"يغزو في الشهر الحرام، إلا أن يُغْزى أو يُغْزَوا، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ] (١).\nوقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.\nقال مجاهد: (فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nفيه الأمر بالحرص على طاعته سبحانه، وفيه الإخبار بأن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.\n١٩٥. قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾.\nفي هذه الآية: التهلكة بالخلود إلى الدنيا وترك الإنفاق على الجهاد في سبيل الله، والإحسان ثوابه عند الله عظيم.\nيروي البخاري عن حذيفة: [﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نَزَلتْ في النَّفقة] (٢).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: [كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيمًا من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم، حتى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يُلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه. فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله - ﷺ -: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﵎ على نبيّه - ﷺ - يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. فما زال\n_________\n(١) رجاله رجال الصحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٣٤)، (٤/ ٣٤٥)، وهو على شرط مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٥١٦)، كتاب التفسير، آية البقرة (١٩٥)، من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ مرفوعًا.","vol":"1","page":522},{"text":"أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله، حتى دفن بأرض الروم] (١).\nقال الحسن: (أمرهم الله بالنفقة في سبيل الله، وأخبرهم أن ترك النفقة في سبيل الله لتهلكة). وعن أبي إسحاق قال: (سمعت البراء، وسأله رجل فقال: الرجل يحمل على كتيبة وحده فيقاتل، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال: لا، ولكن التهلكة أن يُذنب الذنبَ فيلقي بيده ويقول: لا تقبل لي توبة).\nوفي لفظ آخر عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء بن عازب: يا أبا عمارة، الرجل يلقى ألفًا من العدو فيحمل عليهم، وإنما هو وحده، أيكون ممن قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ فقال: لا، ليقاتل حتى يقتل! قال الله لنبيّه - ﷺ -: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤].\nقلت: ويشهد لهذه المعاني التي ذكرها البراء حديثان من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: يروي الطبراني في الكبير والأوسط بسند صحيح عن النعمان بن بشير في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: [كان الرجل يذنب فيقول لا يغفر الله لي فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾] (٢).\nالحديث الثاني: يروي الطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح، عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: [كانت الأنصار يتصدقون ويعطون ما شاء الله، فأصابتهم مصيبة فأمسكوا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾] (٣).\nقلت: فالآية تشمل من ترك الجهاد، وبخل، ومن أذنب وظن عدم المغفرة، وربما نزلت بالجميع.\nوقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nفيه أقوال متقاربة متكاملة:\n١ - أحسنوا في أداء الفرائض واجتناب المعاصي، ولينفق أحدكم في سبيل الله وليعد القوي منكم على الضعيف ذي الخَلَّة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣١٦٥). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٧٣) - تحقيق الألباني.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح. انظر الصحيح المسند من أسباب النزول- سورة البقرة، آية (١٩٥) - الوادعي.\n(٣) حديث صحيح. زاد الطبراني في الأوسط: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. المرجع السابق.","vol":"1","page":523},{"text":"فعن أبي إسحاق، عن رجل من الصحابة في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، قال: (أداء الفرائض). ذكره ابن جرير.\n٢ - أحسنوا الظن بالله. قال عكرمة فيها: (أحسنوا الظن بالله، يبرَّكم).\n٣ - أحسنوا بالعَوْد على المحتاج. قال ابن زيد: (عودوا على من ليس في يده شيء).\n١٩٦. قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾.\nفي هذه الآية: شرع الله سبحانه ببيان أحكام الحج والعمرة، وذلك بعد ذكر أحكام الصيام والجهاد.\nوقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.\nفيه أقوال كثيرة، منها:\n١ - أتموا الحج بمناسكه وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسننها. قال ابن عباس: (من أحرَم بحجّ أو بعُمْرة، فليس له أن يحلّ حتى يتمّها. تمام الحجّ يوم النَّحر، إذا رمَى جمرةَ العقبة وزار البيت فقد حَلَّ من إحرامه كلّه. وتمامُ العمرة، إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حلّ).\n٢ - تمامُها أن تحرِمَ بهما مفردين من دُوَيرة أهلِك. قال طاووس: (تمامُها إفرادهما مُؤْتَنَفتين من أهلك).\n٣ - إتمامهما إذا دخل فيهما. قال ابن وهب، قال ابن زيد: ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال فقلت له: قولُ الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؟ قال: (ليس من الخلق أحد ينبغي له إذا دخل في أمر إلا أن يتمَّه، فإذا دخل فيها لم يَنْبَغ له أن يهلّ يومًا أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يومًا، لم ينبغ له أن يفطر في نصف النهار).","vol":"1","page":524},{"text":"٤ - إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات. قاله مكحول. قال القرطبي: (وكره مالك ﵀ أن يحرم أحدٌ قبل الميقات).\nقلت: والراجح أن المراد إقامة العمرة بتمام وكمال أحكامها التي شرعت لها، كما هو في إقامة مناسك الحج بحدودها وأركانها وواجباتها.\nفقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - وقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فقال رسول الله - ﷺ -: من السائل عن العمرة؟ فقال: أنا. فقال: ألق ثيابك واغتسل واستنشق ما استطعت، وما كنت صانعًا في حجتك فاصنع في عمرتك] (١).\nوأصله في صحيح البخاري عن عطاء قال: حذَثني صفوانُ بنُ يَعْلى بنِ أميَّة عن أبيه: [أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - وهو بالجِعْرانَةِ، وعليه جُبَّة وعليه أثر الخَلُوق، أو قال: صُفْرَةٌ، فقال: كيف تأمرني أن أصنعَ في عُمْرَتي؟ فأنزل الله على النبي - ﷺ - فَسُتِرَ بثوب وَوَدِدْتُ أني قد رأيت النبي - ﷺ - وقد أنزلَ عليه الوحيُ، فقال عمر: تعال، أيَسُرُّكَ أن تَنْظُرَ إلى النبي - ﷺ - وقد أنْزَلَ الله عليه الوحي؟ قلت: نعم، فرفَعَ طَرَف الثوب فنظرتُ إليه له غَطيطٌ - وأَحْسِبُهُ قال-: كغطيط البَكْرِ، فلما سُرِّي عنه قال: أين السائِلُ عن العمرة؟ اخلَعْ عنك الجُبَّةَ واغْسِلْ أثرَ الخَلُوق عنك وأنْقِ الصُّفْرة، واصنَعْ في عمرتك كما تَصْنَعُ في حَجِّكَ] (٢).\nوقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.\nالإحصار: هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائقِ بأي عذر، سواء كان بمرض أو عدو أو جور سلطان أو غير ذلك.\nقال مجاهد: (الحصر: الحبس كله. أيُّما رجل اعتُرِضَ له في حجّته أو عمرته، فإنه يبعث بهديهِ من حيث يُحْبَسُ. قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: يَمرض إنسان، أو يُكْسَر، أو\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ٢٢٤)، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\"- الوادعي- سورة البقرة- آية (١٩٦).\n(٢) حديث صحيح. رواه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٧٨٩)، كتاب العمرة. باب: يَفْعَلُ بالعمرة ما يفْعَلُ بالحج، من حديث يعلى بن أمية.","vol":"1","page":525},{"text":"يحبسه أمرٌ، فغلبه كائنًا ما كان، فليرسل بما استيسر من الهَدْي، ولا يحلق رأسه، ولا يحل، حتى يوم النحر).\nوقال قتادة: (هو الخوفُ والمرضُ والحابس. إذا أصابه ذلك بعث بهديه، فإذا بلغ الهدي مَحِله حَلّ). وقال ابن عباس: (من أحرم بحج أو بعمرة، ثم حُبس عن البيت بمرض يُجْهده أو عذر يحبسه، فعليه قضاؤها).\nأخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح عن الحجاج بن عمرو بن غَزِيّة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [مَنْ كُسِرَ أو عَرَج فقد حَلّ، وعليه حَجّةٌ أخرى]. وفي رواية: [مَنْ كُسِرَ، أو مَرِضَ، أو عَرَج، فقد حَل، وعليه حجّةٌ أخرى من قابلٍ] (١).\nوفي الصحيحين عن عائشة: [أن رسول الله - ﷺ - دخل على ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحجَّ وأنا شاكِيَةٌ. فقال: حُجِّي واشترطي: أن مَحِلِّي حيث حَبَسْتَني] (٢).\nوقد ذهب الفقهاء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث.\nوهذه الآية -آية الإحصار- نزلت في سنة ست، عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسول الله - ﷺ - وبلوغ البيت، ونزلت سورة الفتح، ونزلت هذه الرخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا من إحرامهم، فاستبطؤوا، فخرج النبي - ﷺ - فحلق رأسه فتابعوه.\nففي صحيح البخاري من حديث المسور ومروان قالا: [فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رَجلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحبُّ ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وتدعوَ حالقَك فَيَحْلِقَكَ، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نَحَرَ بُدْنَهُ، ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم تقْتُلُ بعضًا غمًا] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٠)، وأخرجه أبو داود (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي (٣/ ١٩٩)، وابن ماجة (١٨٦٢). وانظر صحيح الجامع (٦٣٩٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٠٨٩)، كتاب النكاح، ورواه مسلم (١٢٠٧)، وأحمد في المسند (٦/ ١٦٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٣١)، (٢٧٣٢)، كتاب الشروط، ورواه أحمد وغيره.","vol":"1","page":526},{"text":"وروى أحمد والبخاري -واللفظ لأحمد- عن ابن عمر: [أن النبي - ﷺ - قال يوم الحديبية: اللهم اغفر للمحلقين، فقال رجل: والمقصرين. فقال: اللهم اغفر للمحلقين. فقال: وللمقصرين، حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا. ثم قال: وللمقصرين] (١).\nوقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.\nقال ابن عباس: (شاة فما فوقها).\nوقال: (الهَدْي من الأزواج الثمانية: من الإبل، والبقر، والمعز، والضأن).\nففي الصحيحين عن جابر قال: [أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بقرة]. وفي لفظ لمسلم: [نحرنا مع رسول الله - ﷺ - بالحديبية البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة] (٢).\nوقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: [أهدى النبي - ﷺ - مرة غنمًا]. وفي لفظ للبخاري: [كنتُ أفْتِلُ قلائدَ الغنم للنبي - ﷺ - فيبعثُ بها، ثم يمكث حلالًا] (٣).\nوالخلاصة: يجوز ذبح الشاة في الإحصار فإنه يجزئ، لأن الله سبحانه أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهدي كما ذكرنا من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.\nمعطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فإنه حالة الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ويفرغ الناسك من أعمال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فِعْل أحدهما إن كان مُفْرِدًا أو متمتعًا.\nففي الصحيحين عن حفصة أنها قالت: [يا رسول الله، ما شأن الناس حلّوا من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٤، ١٥١)، وأخرجه البخاري في الصحيح- حديث رقم- (١٧٢٧)، ورواه مسلم برقم (١٣٠١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٣١٨)، وأبو داود في السنن (٢٨٠٩)، والترمذي في الجامع (٩٠٤)، وابن ماجة في السنن (٣١٣٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٧٠٣)، كتاب الحج. وانظر صحيح مسلم (١٣٢١)، ورواه الترمذي من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":527},{"text":"العمرة، ولم تَحِلَّ أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبّدت رأسي وقلّدت هَدْيي، فلا أَحِلُّ حتى أنحر] (١).\nوقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\nأخرج البخاري عن كَعْب بن عُجْرَة قال: [وقف على رسول الله - ﷺ - بالحديبية ورأسي يتهافَتُ قمْلًا. فقال: يؤذيك هَوَامُّك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك. أو قال: احْلقْ. قال: فِيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ إلى آخرها. فقال النبي - ﷺ -: صُمْ ثلاثة أيام، أو تصدق بِفَرَقٍ بينَ سِتَّةٍ، أو نُسُكٍ مما تيسَّر] (٢).\nوفي لفظ: [احلق رأسَك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسُكْ بشاة].\nوفي لفظ آخر من طريق عبد الله بن مَعْقِل قال: [جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصّة وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول الله - ﷺ - والقمل يتناثَرُ على وجهي فقال: ما كنْتُ أُرَى الوجَعَ بلغ بك ما أَرَى، أوْ: ما كنْتُ أُرى الجَهْدَ بلغ بك ما أرى، تجدُ شاةً؟ فقلت: لا، قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصفَ صاع].\nوالأئمة الأربعة على التخيير، إن شاء صام وإن شاء تصدّق بفَرْق (٣)، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أيّ ذلك فعل أجزأه.\nقال الحافظ ابن كثير: (ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. ولما أمر النبي - ﷺ - كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل فالأفضل، فقال: انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام، فكل حسب مقامه).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.\nقال الربيع: (إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه). وقال علقمة: (فإذا برأتم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٥٦٦)، وأخرجه مسلم (١٢٢٩)، ورواه أحمد في المسند (٦/ ٢٨٣)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. رواه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٨١٥)، كتاب المحصر، وانظر (١٨١٤)، وانظر كذلك (١٨١٦) لما بعده.\n(٣) الفرق: ثلاثة آصع، لكل مسكين نصف صاع وهو مدّان.","vol":"1","page":528},{"text":"والمعنى: فإن تمكنتم من أداء المناسك، وقمتم بحج التمتع الذي هو الحج الأكمل الذي استقر عليه الإسلام، وفرغتم، فليذبح المتمتع ما قدر عليه من الهدي وأقله شاة، وله أن يذبح البقر، لأن رسول الله - ﷺ - ذبح عن نسائه بقرة وكن متمتعات.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة زوج النبي - ﷺ -: [أن رسول الله - ﷺ -، نحر عن آل محمد في حجة الوداع، بقرة واحدة] (١).\nوله شاهد عنده عن أبي هريرة: [أن رسول الله - ﷺ -، ذبح عمن اعتمر من نسائه، بقرة بينهن].\nقلت: وقد استفاضت الأدلة على استقرار الإسلام على حج التمتع، وهو الحج الأفضل والأكمل، وقد أمر به النبي - ﷺ - أصحابه ونساءه، ومنعه منه سوق الهدي.\nففي صحيح مسلم وسنن أبي داود من حديث جابر - في حجة النبي - ﷺ -: [أنه قال: \"إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فَلْيَحْلل وليجعلها عمرة\". فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي - ﷺ -، ومن كان معه هدي.\nفقام سُراقة بن جَعْشَمٍ فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد، فشبك رسول الله - ﷺ - أصابعه في الأخرى ثم قال:\n\"دخلت العمرة في الحج \" هكذا مرتين \"لا، بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ، لا بَلْ لأبَدِ أَبَدٍ\"] (٢).\nورواه أحمد من حديث ساقة بلفظ: [دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة] (٣).\nوقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.\nالمعنى: من لم يجد هديًا لزمه الصيام: ثلاثة أيام في الحج -غير يوم عرفة والنحر- وسبعة أيام أخرى تتمة العشرة إذا رجع إلى أهله وبلده.\nوالدليل على جواز الصيام للحاج -الذي لم يجد الهدي- أيام التشريق، هو\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١٥٣٩)، كتاب المناسك، باب في هدي البقر، وكذلك (١٥٤٠) للحديث بعده.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في حجة النبي - ﷺ -، وانظر صحيح أبي داود (١٦٧٦) - واللفظ له.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٧٥) وإسناده صحيح من حديث سراقة ﵁. وانظر صحيح مسلم (١٢١٨)، والمرجع السابق.","vol":"1","page":529},{"text":"ما أخرج البخاري عن عائشة وابن عمر قالا: [لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي] (١).\nوعن مجاهد: (﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: هي رخصة، إن شاء صامها في الطريق).\nقلت: والأولى أن يصومها بعد الوصول إلى بلده لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال عطاء: (إذا رجعت إلى أهلك. قال: يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله أحبُّ إلي).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، يعني: التمتع ليس لأهل مكة. قال الربيع: (يعني المتعة، أنها لأهل الآفاق، ولا تصلح لأهل مكة).\nومذهب الشافعي: أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، فهو بذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، واختاره ابن جرير شيخ المفسرين.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.\nيعني: بالحرص على طاعته كما أمر، وبامتثال فرائضه بحدودها وأركانها دون تجاوز أو تقصير.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nتهديد ووعيد لمن حاول انتهاك محارمه سبحانه، وغامر في ركوب معاصيه.\n١٩٧. قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾.\nفي هذه الآية: النهي عن اللغو والجدال والرفث والفسوق في الحج، والأمر بالتزوّد بخير الزاد وهو التقوى.\nوأشهر الحج ثلاثة: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. قاله ابن عباس وابن عمر.\nقال ابن عباس: (﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وهن شوال، وذو القعدة، وعشر من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٩٩٧)، (١٩٩٨)، من حديث ابن عمر، وعائشة ﵃.","vol":"1","page":530},{"text":"ذي الحجة، جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يُحرم أحدٌ بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرةُ يُحرم بها في كل شهر) ذكره ابن جرير.\nقال البخاري: (قال ابن عمر: هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة).\nيروي الشافعي بسنده عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن يُحْرِمَ بالحج إلا في شهور الحج، من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾).\nثم ذهب الشافعي ﵀ إلى عدم صحة الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به.\nوقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.\nقال ابن جرير: (أجمعوا على أن المراد من الفَرْض ههنا الإيجاب والإلزام). وقال ابن عباس: (الفرض: الإحرام). وقال طاووس: (هو التلبية). وقال ابن عباس: (من أحرم بحج أو عمرة).\nوالمقصود أن من أوجب على نفسه الحج وألزمها إياه في أشهر الحج المعلومات ﴿فَلَا رَفَثَ﴾: أي فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، وكذلك فليجتنب دواعيه من التقبيل والمباشرة أو التكلم به في حضرة النساء. وقد دارت أقوال المفسرين حول هذا المعنى، وتفصيل ذلك:\n١ - قال ابن عباس: (هو التعريض بذكر الجماع، وهي \"العِرابة\" من كلام العرب، وهو أدنى الرفث). وقال: (الرفث غشيان النساء والقُبَل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام).\n٢ - قال نافع عن ابن عمر: (الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم).\n٣ - قال عطاء: (الرفث ما دون الجماع). وقال: (الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش).\nوقوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.\nيعني: المعاصي بجميع أشكالها.\nقال ابن عباس: (الفسوق المعاصي). وقال مجاهد: (الفسوق المعاصي كلها).\nوقال ابن عمر: (الفسوق السباب). وقال ابن زيد: (الفسوق: الذبح للأنصاب). فقد","vol":"1","page":531},{"text":"قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. وقال الضحاك: (الفسوق التنابز بالألقاب). والراجح أن كل أنواع المعاصي مما ذكر ومما لم يذكر داخل في مفهوم الفسوق.\nوقوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾.\nفيه قولان عند المفسرين:\n١ - المجادلة في وقت الحج ومناسكه بعدما بينه الله. قال مجاهد: (قد بيّن الله أسْهر الحج، فليس فيه جدال بين الناس). وقال عطاء: (المراء في الحج). وقال مالك: (قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج -والله أعلم- أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمؤدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون، يقول هؤلاء: نحن أصوب. ويقول هؤلاء: نحن أصوب).\n٢ - الجدال: المخاصمة. قال ابن مسعود: (أن تماري صاحبك حتى تغضبه). وقال ابن عباس: (الجدال: المراءُ والملاحاة، حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك). وقال ابن عمر: (الجدال: السباب والمنازعة). وقال عكرمة: (الجدال: الغضب، أن تغضب عليك مسلمًا، إلا أن تستعتب مملوكًا فتعظه من غير أن تغضبه، ولا إثم عليك إن شاء الله تعالى في ذلك).\nقلت: فكل ما كان فيه جدال وأخذ وردّ يفسد صفاء الحج، أو خصومات وسباب وغضب ومنازعات توصل إلى الظلم واقتراف الآثام، داخل ذلك في الجدال الذي نهى الله عنه في الحج.\nوقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.\nفيه حث على التماس بديل ما سبق، وهو فعل الخيرات والصالحات التي توصل إلى عالي الدرجات ورفيع المقامات.\nوقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: [كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٥٢٣)، وأبو داود في السنن (١٧٣٠)، وغيرهما.","vol":"1","page":532},{"text":"فنزلت في قوم كانوا يحجون بغير زاد، وكان بعضهم إذا أحرم رمى بما معه من الزاد واستأنف غيره من الأزودة، فأمر الله جلّ ثناؤه من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد أن يتحفظ بزاده فلا يرمي به.\nفعن مجاهد: (﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، قال: كانوا لا يتزودون، فأمروا بالزاد، وخيرُ الزاد التقوى).\nوعن الحسن: (إن ناسًا من أهل اليمن كانوا يحجون ويسافرون ولا يتزودون، فأمرهم الله بالنفقة والزاد في سبيل الله، ثم أنبأهم أن خير الزاد التقوى).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.\nيعني: يا أهل العقول والأفهام، فإن طاعة الله سبحانه هي سر سعادة الأنام، وبدونها يتردى المرء إلى دون مرتبة الأنعام.\n١٩٨. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾.\nفي هذه الآية: تشريع ذكر الله عند المشعر الحرام -وهو جبل بالمزدلفة- بعد الإفاضة من عرفات والمبيت بمزدلفة.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس، قال: [كانت عكاظُ ومَجَنَّةُ وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج].\nوفي رواية: [فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] (١).\nوعن مجاهد، عن ابن عباس، قال: (كانوا يتَّقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيامُ ذِكْر، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾) رواه أبو داود وغيره.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٧٧٠)، كتاب الحج، وانظر (٢٠٥٠)، (٢٠٩٨)، (٤٥١٩).","vol":"1","page":533},{"text":"ويروي ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال -في هذه الآية-: (لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده).\nوقال مجاهد فيها: (التجارة في الدنيا، والأجر في الآخرة). قال: (التجارةُ، أحِلت لهم في المواسم. قال: فكانوا لا يبيعون أو يبتاعون في الجاهلية بعرفة).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾.\nيعني: إذا أفضتم فرجعتم من حيث بدأتم. وصرف \"عرفات\" وإن كان علمًا على مؤنث لأنه في الأصل جَمْع كمسلمات ومؤمنات، سمي به بقعة معينة فَرُوعي فيه الأصل فصرف. ذكره ابن كثير واختاره ابن جرير.\nوعن ابن عباس قال: (إنما سميت عرفات، لأن جبريل ﵇ كان يقول لإبراهيم: هذا موضع كذا، هذا موضع كذا. فيقول: قد عرفت، فلذلك سميت عرفات).\nوعن عطاء قال: (إنما سميت عرفة، أن جبريل كان يُري إبراهيم ﵉ المناسك، فيقول: عرفت، عرفت. فسمي عرفات). والله تعالى أعلم.\nوالوقوف بعرفة أهم أركان الحج، فمن لم يقف بعرفة فلا حجّ له. وهو قول الشافعي وأحمد رحمهما الله. ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر.\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن يَعْمُر الديلي قال: [أتيت النبي - ﷺ - وهو بعرفة، فجاء ناس، أو نفر، من أهل نجد، فأمروا رجلًا، فنادى رسول الله - ﷺ -: كيف الحج؟ فأمر رسول الله - ﷺ - رجلًا فنادى: الحج، الحج يوم عرفة، (وفي رواية: الحج عرفة)، من جاء قبل صلاة الصبح (وفي رواية: قبل طلوع الفجر) من ليلة جَمْعٍ (١) فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه] (٢).\nوفي رواية أخرى عنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [الحج عرفات -ثلاثًا-\n_________\n(١) ليلة جمع: هي ليلة المبيت بمزدلفة، وهي ليلة النحر، وظاهره أنه يكفي الوقوف في أي جزء من عرفة ولو لحظة. وانظر تفصيل ذلك في كتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٧٣٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٣٥)، وأخرجه أبو داود (١٩٤٩)، وغيرهما.","vol":"1","page":534},{"text":"فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك ...].\nوهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي ﵏، وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة. ولا شك أن النبي - ﷺ - وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال: [لتأخذوا عني مناسككم].\nأخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن والدارمي بسند صحيح من حديث عُرْوة بن مُضَرّس الطائي قال: [يا رسول الله! إني جئت من جَبَلي طيِّئٍ، أكْلَلْتُ راحِلتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركْتُ من جَبَل إلا وقَفْتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ؟ قال رسول الله - ﷺ -: من شَهِدَ صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد أتمَّ حَجَّهُ، وقضى تفثَه] (١).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن عكرمة، عن ابن عباس قال: [كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوسِ الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال، دفعوا، فأخّر رسول الله - ﷺ - الدفعة من عَرَفةَ حتى غربت الشمس] (٢).\nوأخرج الطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك، ورجاله رجال الصحيح، عن المسور بن مَخْرَمة قال: [خطبنا رسول الله - ﷺ - وهو بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد -وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد- فإن هذا اليوم الحجّ الأكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال، كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هَدْيُنَا هَدْي أهل الشرك] (٣).\nوقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.\nالمشعر: هو ما بين جبلي المزدلفة. قال ابن عمر: (المشعر الحرام المزدلفة كلها).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ١٥)، وسنن الترمذي (٨٩١)، والنسائي (٥/ ٢٦٣)، وابن ماجة (٣٠١٦)، وسنن أبي داود (١٩٥٠)، ورواه ابن حبان.\n(٢) حسن الإسناد. أورده الحافظ ابن كثير في التفسير، وحسنه، وهو كما قال.\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٢٨)، والحاكم (٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤) وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي. انظر تخريج تفسير ابن كثير -المهدي- البقرة (١٩٨).","vol":"1","page":535},{"text":"وقال: (هو الجبل وما حوله). وقال قتادة: (هو ما بين الجبلين).\nوالمشاعر هي المعالم، والمشعر: من معالم الحج، لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء.\nروى مسلم من حديث جابر -في حجة النبي - ﷺ - قال: [فلم يزل واقفًا -يعني بعرفة- حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلًا حتى غاب القُرصُ، وأردف أسامة خَلفَه، ودفع رسول الله - ﷺ - وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَوْرِك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة السكينة. كلما أتى حَبْلًا (١) من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعدَ، حتى أتى المزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسَبِّح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس] (٢).\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن الوقوف والمبيت بالمزدلفة ركن من أركان الحج، وهو قول قوي تؤيده النصوص الكثيرة، وقد بسطت القول في ذلك في كتابي السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، فلله الحمد والمنّة.\nأخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عن جبير بن مطعم، عن النبي - ﷺ - قال: [كُلّ عرفات موقفٌ، وارفعوا عن عُرَنَةَ، وكل مزدلفة موقفٌ، وارفعوا عن بطن مُحَسِّرٍ، وكلُّ فِجَاج مِنىً منحرٌ، وكل أيام التشريق ذبْحٌ] (٣).\nوله شاهد عند أبي داود والحاكم بسند صحيح من حديث جابر، قال رسول الله - ﷺ -: [كلُّ عرفةَ موقفٌ، وكل منىً منحَرٌ، وكلُّ المزدلفةِ موقِفٌ، وكلُّ فِجاج مكةَ طريق ومنحر] (٤).\n_________\n(١) الحبل: التل من الرمل، والجبل يكون من الحجارة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢١٨) - في حجة النبي - ﷺ - وهو جزء من حديث طويل.\n(٣) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند (٤/ ٨٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٥٨٣)، وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٤٤١٣).\n(٤) حديث صحيح. انظر المرجع السابق (٤٤١٢)، وتخريج المشكاة (٢٥٩٦).","vol":"1","page":536},{"text":"وقوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (تنبيهٌ لهم على ما أنْعَمَ الله به عليهم، من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدى، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح).\nقلت: إن الوقوف بعرفة هو سنة أبينا إبراهيم ﵊ ورثته منه هذه الأمة، ثم إن الله سبحانه قد تفضل على الحجاج في عرفة ومزدلفة بالمغفرة، رحمة منه وكرمًا، وهذا من أفضل الهداية التي تستحق شكره سبحانه.\nففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن مِرْبع الأنصاري قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: [قِفُوا على مشاعركم هذه، فإنكم على إرْثٍ من إرْثِ أبيكم إبراهيم] (١).\nوفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن بلال، أن النبي - ﷺ - قال له غداة جمع: [يا بلال أسكت الناس أو أنْصِت الناس. ثم قال: إن الله تَطَوَّلَ عليكم في جمعكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسِنِكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله] (٢).\n١٩٩. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.\nفي هذه الآية: الخطاب لقريش لحملها على الوقوف بعرفة مع الناس والإفاضة منها، إذ كانوا في الجاهلية يقفون في طرف الحرم عند أدنى الحِلّ، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطّان بيته.\nروى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂: [أن هذه الآية نزلت في الحمس:\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر تخريج المشكاة (٢٥٩٥)، وصحيح الجامع (٤٢٧٠).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٤٥٠)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٣/ ١٧٣٥) لمزيد من التفصيل.","vol":"1","page":537},{"text":"\" ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قالت: كانوا يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات] (١).\nورواه البخاري عنها بلفظ: [كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمَّون الحُمْسَ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه - ﷺ - أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يُفيض منها، فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾].\nوالحمس: من التحميس، وهو التشديد، والمراد تلك القبائل المتنطعة في دينها.\nوقيل المراد بالإفاضة هنا الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، والمراد بالناس كما قال الضحاك: (إبراهيم ﵇). وقيل: الإمام. وقال عطاء: (من حيث تُفيض جماعة الناس).\nقلت: والراجح أن ﴿ثُمَّ﴾ ليست في هذه الآية للترتيب وإنما هي لعطف جملة كلام هي منها منقطعة -كما ذكر القرطبي-، ومن ثم فإن الخطاب لقريش كما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم: أفيضوا مع جملة الناس واتركوا هذا التكبر والتنطع.\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.\nقال ابن جرير: (يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا أفضتم من عرفاتٍ منصرفين إلى منى، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وادعوه واعبدوه عنده، كما ذكركم بهدايته فوفقكم لما ارتضى لخليله إبراهيم، فهداه له من شريعة دينه، بعد أن كنتم ضلالًا عنه).\n٢٠٠ - ٢٠٢. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (١٢١٩)، وانظر رواية البخاري بعده (٤٥٢٠)، ورواه أبو داود (١٩١٠)، والنسائي (٥/ ٢٥٤)، كلهم من حديث عائشة بألفاظ متقاربة.","vol":"1","page":538},{"text":"حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله سبحانه عباده إذا فرغوا من مناسك الحج وأدوا ما عليهم أن يذكروه بأحسن الذكر وجوامعه، ويكثروا من ذكرهِ جل ثناؤه.\nوعن مجاهد: (﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ قال: المناسك الذبائح وهِراقة الدماء).\nوقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال قتادة: (كان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم بمنى، قعدوا حِلَقًا فذكروا صنيعَ آبائهم في الجاهلية وفعالهم، به يخطب خطيبهم ويُحدِّث محدثهم، فأمر الله ﷿ المسلمين أن يذكروا الله كذكر أهل الجاهلية آباءهم أو أشد ذكرًا).\n٢ - قال مجاهد: (تفاخرت العرب بينها بفعل آبائها يوم النحر حين فرغوا، فأمروا بذكر الله مكان ذلك).\n٣ - قال عطاء: (﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: هو قول الصبيّ: يا أباه).\nوقال في تفسيرها: (كالصبي يلهج بأبيه وأمه). وقال الربيع: (كذكر الأبناء الآباء أو أشد ذكرًا).\n٤ - قال السدي: (كانت العرب إذا قضت مناسكها، وأقاموا بمنى، يقوم الرجل فيسأل الله ويقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت أبي! !، ليس يذكر الله، إنما يذكر آباءه، ويسأل أن يُعطى في الدنيا).\nورجّح ابن جرير أن الذكر المقصود هو التكبير المذكور بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الذي أوجبه بعد قضاء النسك.\nقلت: والمقصود الحث على كثرة ذكر الله بعد أداء المناسك أكثر من التزامهم ذكر آبائهم في الجاهلية. وذمّ من يكون همه في سؤاله أمر دنياه دون أمر أخراه، ولذلك قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. يعني: من نصيب وحظ.","vol":"1","page":539},{"text":"قال أبو وائل: (كانوا في الجاهلية يقولون: هب لنا غنمًا! هب لنا إبلًا).\nوقال السدي: (كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقامت بمنى، لا يذكر الله الرجل منهم، إنما يذكر أباه، ويسأل أن يعطى في الدنيا).\nوقال مجاهد: (﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ نصرًا ورزقًا، ولا يسألون لآخرتهم شيئًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال قتادة: (في الدنيا عافية، وفي الآخرة عافية).\n٢ - وقال الحسن: (الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة). وقال: (الحسنة في الدنيا الفهم في كتاب الله والعلم).\n٣ - قال سفيان الثوري: (الحسنة في الدنيا العلم والرزق الطيب، وفي الآخرة حسنة الجنة).\n٤ - وقال السدي: (أما حسنة الدنيا فالمال، وأما حسنة الآخرة فالجنة).\nقلت: ولا شك أن الحسنة في الدنيا تشمل كل أنواع الخير فيها، من العلم والعبادة والعافية وسعة الرزق والدار وهناءة العيش مع الزوجة والولد والأهل والأحباب والجيران، كما تشمل حسنة الآخرة الخلود في ألوان نعيم الجنة وملذاتها.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [كان النبي - ﷺ - يقول: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم عن قتادة أنه سأل أنسًا: أي دعوة كان أكثر ما يدعو بها النبي - ﷺ -؟ قال: يقول: [﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٥٢٢)، وأخرجه مسلم برقم (٢٦٩٠)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٠٩).","vol":"1","page":540},{"text":"النَّارِ﴾ وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها] (١).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن عبد السلام بن شداد قال: (كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبّون أن تدعو لهم، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وتحدثوا ساعة، حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة (٢)، إن إخوانك يريدون القيام، فادعُ الله لهم، فقال: أتريدون أن أُشقِّقَ لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كلّه).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد عن أنس: [أن رسول الله - ﷺ - عادَ رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفَرْخ، فقال له رسول الله - ﷺ -: هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا، فقال رسول الله - ﷺ -: سبحان الله! لا تطيقُه -أو لا تستطيعه- فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال: فدعا، فشفاه الله] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nالمقصود أولئك الذين يقولون ما سبق ذكره بعد قضاء مناسكهم رغبة فيما عند الله، لهم نصيب وحظ من حجهم ومناسكهم، وثواب جزيل على أعمالهم، والله يحصي للفريقين ويجازي كلًا منهم بأسرع الحساب.\n٢٠٣. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾.\nفي هذه الآية: يوجه تعالى عباده إلى ذكره بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصيات، وهي أيام التشريق: أيام رمي الجمار. فَيَأمر عباده بالتكبير في تلك الأيام وعند الرمي مع كل حصاة.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٦٩٠)، ورواه أحمد (٣/ ٢٠٩)، ورواه أبو داود (١٥١٩).\n(٢) أبو حمزة: كنية أنس بن مالك ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٨٨)، وأحمد (٣/ ١٠٧)، والترمذي (٣٤٨٧)، وغيرهم.","vol":"1","page":541},{"text":"قال ابن عباس: (الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العَشْر).\nوقال: (يعني بالأيام المعدودات، أيامَ التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر).\nأخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عند عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يومُ عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، هُنَّ عيدُنا أهل الإسلام، وهنَّ أيام أكلٍ وشرب] (١).\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن نُبَيْشَةَ الهذلي قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أيام التشريق أيام أكلٍ وشرب وذكر الله] (٢).\nوفي المسند من حديث عبد الرحمن بن يَعْمَر الديلي: [وأيام منى ثلاثة، فمن تَعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه]، وقد مضى بتمامه.\nوعن عطاء، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، قال: (لا إثم عليه في تعجيله، ولا إثم عليه في تأخيره).\nوقال قتادة: (رخّص الله في أن ينفروا في يومين منها إن شاؤوا، ومن تأخر في اليوم الثالث فلا إثم عليه).\nوقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾.\nقيل: اللام متعلقة بالغفران، والتقدير: المغفرة لمن اتقى.\nقال قتادة: (ذكر لنا أن ابن مسعود قال: إنما جعلت المغفرة لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي). وقال الأخفش: (التقدير: ذلك لمن اتقى).\nوقال بعضهم: لمن اتقى يعني قتل الصيد في الإحرام وفي الحَرَم. وقيل: التقدير الإباحة لمن اتقى، وقيل: السلامة لمن اتقى. وقيل: هي متعلقة بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ أي الذكر لمن اتقى. ذكر ذلك القرطبي.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\nتأكيد على التقوى، ففيها النجاة يوم الحشر من أهوال القيامة ونار جهنم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٤١٩)، والترمذي في الجامع (٧٧٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٥٢)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١١٤١)، وأحمد (٥/ ٧٥)، وأبو داود (٢٨١٣)، وغيرهم.","vol":"1","page":542},{"text":"٢٠٤ - ٢٠٧. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ينعت الله للمؤمنين بعض المنافقين، فهو يعجبك في ظاهر قوله وعلانيته، ويستشهد الله على ما في قلبه، وهو ألدُّ الخصام، جدِلٌ بالباطل. وإذا خرج من عندك مضى إلى انفساد والإفساد في الأرض، فإنْ ذُكِّرَ بالله تعزَّزَ بباطله وفساده وغروره والنار موعده. ويقابل هذا الشقي مؤمن يبذل الدنيا ومالها ومتاعها من أجل علو المقام عند الله وربح الآخرة.\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.\nفي سبب النزول روايات مختلفة:\n١ - قال السدي: (نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي -وهو حليف لبني زهرة- وأقبل إلى النبي - ﷺ - بالمدينة فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبي - ﷺ - ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أني صادق!، وذلك قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾، ثم خرج من عند النبي - ﷺ - فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وحُمُر، فأحرق الزرع وعقر الجُمُرَ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. وأما ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ فأعوجُ الخصام، وفيه نزلت: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، ونزلت فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾).\n٢ - وقيل: بل نزل ذلك في قوم منافقين، تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله - ﷺ - في الرجيع، فعابوا على خبيب وأصحابه، فأنزل الله بذلك، وبمدح خبيب وأصحابه. ذكره ابن عباس.\n٣ - وقيل: بل المعنيّ بذلك جميع المنافقين ممن يظهرون علانية مخالفة للسريرة. وفي المؤمنين كلهم. ورجّحه ابن كثير.","vol":"1","page":543},{"text":"قلت: والظاهر أن الآية عامة في نعت طائفة من المنافقين تتكرر صورتهم عبر الزمان، ويتلونون حسب مصالحهم.\nقال عطاء: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾، قال: يقول قولًا في قلبه غيره، والله يعلم ذلك).\nوقال السدي: (﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾، يقول: الله يعلم أني صادق أني أريد الإسلام). وقال مجاهد: (ويشهد الله في الخصومة أنما يريد الحق).\nقلت: والقراءة بالضم ﴿وَيُشْهِدُ﴾ هي الأشهر والأرجح، لإجماع الحجة من القرأة عليها.\nوقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.\nأي: شديد الخصومة. وفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، أي: ذو جدال، إذا كلمك وراجعك).\n٢ - قال قتادة: (شديد القسوة في معصية الله، جَدِلٌ بالباطل، وإذا شئت رأيتَه عالم اللسان جاهلَ العمل، يتكلم بالحكمة، ويعمل بالخطيئة).\n٣ - وقال مجاهد: (ظالم لا يستقيم). وقال السدي: (أعوج الخصام). أي لا يستقيم على خصومة.\n٤ - وقال الحسن: (الكاذب القول).\nوالألد في لغة العرب: الأعوج. ولدّه: خصمه. ورجل ألَدُّ بيّن اللَّدد أي شديد الخصومة. وكل ما سبق من صفات الألد المنافق.\nيروي البخاري عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم] (١).\nوقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾: يعني: وإذا خرج من عندك). وقال ابن جريج: (إذا غضب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٥٢٣)، (٢٤٥٧)، وأخرجه مسلم برقم (٢٦٦٨)، ورواه أحمد في المسند (٦/ ٥٥).","vol":"1","page":544},{"text":"وقوله: ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾.\nقال ابن جريج: (قطع الرحم، وسفك الدماء دماء المسلمين. فإذا قيل: لم تفعل كذا وكذا! قال: أتقرب به إلى الله ﷿).\nقلت: ولا شك أن الآية عامة تشمل كل أنواع الإفساد الذي يكون من المنافق فاسد السريرة.\nوقوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.\nالحرث: الزرع. والنسل: العقب والولد.\nقال ابن عباس: (الحرث حرثكم، والنسل نسل كل دابة). وقال: (نسل كل دابة والناس أيضًا). وقال مجاهد: (نبات الأرض، والنسل من كل دابة تمشي من الحيوان، من الناس والدواب). وقال مجاهد أيضًا: (إذا سعى في الأرض إفسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.\nقال ابن جرير: (والله لا يحب المعاصي، وقطع السبيل، وإخافة الطريق).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\nيعني: إذا ذُكِّر بالله وهو يشتد في فساده وإفساده، ليمتنع عن المتابعة ويكفّ، أخذته الحمية والغضب بالإثم. فإن جهنم تكفيه عقوبة الكبر والعناد والإفساد.\nوقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.\nمدح للمؤمنين الذين يبذلون الدنيا ومالها ومتاعها من أجل علو المقام عند الله وربح الآخرة.\nأخرج الحاكم في المستدرك، بسند صحيح على شرط مسلم، عن عكرمة قال: [لما خرج صهيب مهاجرًا تبعه أهل مكة، فنثل كنانته فأخرج منها أربعين سهمًا، فقالي: لا تصلون إليَّ حتى أضع في كل رجل منكم سهمًا، ثم أصير بعده إلى السيف فتعلمون أني رجل، وقد خلفت بمكة قينتين فهما لكم، ونزلت على النبي - ﷺ -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ","vol":"1","page":545},{"text":"مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية، فلما رآه النبي - ﷺ - قال: أبا يحيى ربح البيع، قال: وتلا الآية] (١).\nقلت: والآية باقية في حق كل مجاهد في سبيل إعلاء دين الله في الأرض، يبذل ماله ودنياه من أجل ذلك، ويرخص أمامه كل ثمين لرؤية أمر الله يعلو في أرجَاء هذه الدنيا.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.\nيعني: والله ذو رحمة وحسن استقبال لمن كان همّه الآخرة والجهاد في سبيل الله وتحكيم شرعه في الأرض.\n٢٠٨ - ٢٠٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتزام شرائع الإسلام جملة، واجتناب خطوات الشيطان وَسُبُله كلها، فإنه عدو بيِّنُ العداوة للمؤمنين. ثم يحذر سبحانه من العدول عن الحق بعد بيان حججه وبراهينه، بأنه عزيز في نقمته، حكيم في أمره وقدره.\nفعن ابن عباس: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ قال: يعني الإسلام). وقال الربيع: (يعني الطاعة).\nوقال قتادة: (الموادعة). وقال مجاهد: (﴿كَافَّةً﴾: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البرِّ).\nوقوله: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.\nيعني: طرائقه وسبله وآثاره.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nقال مطرِّف: (أغشُّ عباد الله لعبيد الله الشيطان).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مستدرك الحاكم (٣/ ٢٠٠)، وانظر كذلك: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة البقرة، آية (٢٠٧).","vol":"1","page":546},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.\nيعني: جنحتم عن الطريق، وخرجتم عنه، وعدلتم عن الحق من بعد ما قامت عليكم الحجج والآيات. قال ابن عباس: (الزلل: الشرك). وقال السدي: (فإن ضللتم). وقال ابن جريج: (البينات: الإسلام والقرآن). وقال السدي: (محمد - ﷺ -).\nوقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nأي: عزيز في انتقامه ممن عانده، وحكيم في أحكامه وشرائعه. قال الربيع: (عزيزٌ في نققه، حكيم في أمره).\nوقال محمد بن إسحاق: (العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده).\n٢١٠. قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾.\nفي هذه الآية: تهديد من الله سبحانه وتوعد بالكافرين بنبيّه محمد - ﷺ - وما جاء به. وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، يعني: يوم القيامة، يوم يجيء الله سبحانه لفصل القضاء ومجازاة الأعمال.\nوفي المنزيل: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣].\nقال أبو العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، يقول: والملائكة يجيئون في ظلَل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما شاء).\nوفي التنزيل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].\nوقوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\nفي فصل القضاء وأخذ كل ذي حق حقه.","vol":"1","page":547},{"text":"ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء] (١).\nوله شاهد عند الإمام أحمد عنه مرفوعًا بلفظ: [يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة] (٢).\n٢١١ - ٢١٢. قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر سبحانه عن بني إسرائيل كم توالت عليهم الآيات والحجج القاطعات مع موسى ﵇ مما يؤكد صدق نبوته: من العصا وفلق البحر وضربه الحجر، وتظليل الغمام عليهم شدة الحر، وإنزال المن والسلوى، وغيرها من الآيات والخوارق التي تجاوزوها وأعرضوا وبدلوا نعمة الله كفرًا، فقتلوا الأنبياء وبدلوا العهود وخالفوا الأوامر، وينتظرهم عذاب شديد. لقد فُتِنَ الكفار بزينة هذه الحياة الفانية، وسلكوا سبيل الهزء بالمؤمنين، والمؤمنون فوقهم في المنازل والدرجات يوم القيامة، والله يعطي الذين اتقوا من النعيم يومئذ والتكريم بغير حساب.\nفعن مجاهد: (﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ قال: يكفرُ بها). وقال السدي: (يقول: من يبدلها كفرًا). وقال الربيع: (يقول: ومن يكفر نعمته من بعد ما جاءته، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾).\nوقوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nخبر عن نعت الكفار في هيئتهم في الحَياة الدنيا، فهم عبيد اللذات العاجلة والحطام الفاني، يبتغون بذلك المكاثرة والمفاخرة، ويطلبون فيها الرياسات والمباهاة\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٥٨٢)، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٦٧).","vol":"1","page":548},{"text":"والوجاهة، ويسخرون من المؤمنين الذين يرجون ما عند الله، والمؤمنون بذلك فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، وقد أكرمهم الله بعلو المنزلة في الآخرة فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، في حين خلد أولئك الطغاة في الدركات في أسفل سافلين.\nقال ابن جريج: (﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، قال: الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها، ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، في طلبهم الآخرة. قال ابن جريج: لا أحسبه إلا عن عكرمة، قال: قالوا: لو كان محمد نبيًّا كما يقول، لاتبعه أشرافنا وساداتنا! والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود).\nوقال قتادة: (﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، قال: ﴿فَوْقَهُمْ﴾، في الجنة).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\nقال ابن جرير: (والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه، بغير محاسبة منه لهم على ما منّ به عليهم من كرامته).\nقلت: والآية عامة في رزق الدنيا والآخرة، فإن الله ينعيمِ علبم المتقين في الدارين لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما من يوم يصبِح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الاخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا] (٢).\nوله شاهد عن ابن حبان في صحيحه بلفظ: [إن ملكًا بباب من أبواب الجنة يقول:\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٦٠)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٥٧).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٣/ ٨٣ - ٨٤)، وصحيح الترغيب (١/ ٩٠٥) للشاهد بعده.","vol":"1","page":549},{"text":"من يُقرض اليوم يُجْزَ غدًا. وملك بباب آخر يقول: اللهم أعط منفقًا خلفًا وأعط ممسكًا تلفًا].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن الشخير، عن النبي - ﷺ - قال: [يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك، يا ابن آدم! مِن مالِكَ إلا ما أكلتَ فأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبليت، أو تصدَّقت فأمضيت] (١).\n٢١٣. قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.\nفي هذه الآية: سنة الله في الأمم، كلما تفرقوا واختلفوا وابتعدوا عن منهاج الرسل بعث الله لهم رسولًا يُفَرِّقُ كلمة الكفر ومنهج الشهوات الذي وَحّدهم.\nوفي التفاسير أكثر من تأويل لهذه الآية:\n١ - قال ابن عباس: (كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين). فالأمة هنا: الدين والملة.\nوقال قتادة: (كانوا على الهدى جميعًا فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أولَ نبي بعث نوحٌ).\n٢ - وعن مجاهد: (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، قال: آدم. قال: كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال مجاهد: آدم أمة وحدَه).\n٣ - عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: (كانوا أمة واحدة حيث عُرضوا على آدم، ففطرهم يومئذ على الإسلام، وأقرّوا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم، ثم اختلفوا من بعد آدم، فكان أبي يقرأ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ إلى ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتب عند الاختلاف).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٢٩٥٨)، كتاب الزهد، وانظر -حديث رقم- (٢٩٥٩).","vol":"1","page":550},{"text":"٤ - قال ابن زيد: (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: حين أخرجهم من ظهر آدم، لم يكونوا أمة واحدة قطُ غيرَ ذلك اليوم، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾، قال: هذا حين تفرقت الأمم).\n٥ - قال ابن عباس: (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، يقول: كان دينًا واحدًا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين).\nورجح ابن كثير القول الأول عن ابن عباس فهو أصح سندًا ومعنى، وقال: (لأن الناس كانوا على ملة آدم - ﵇- حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض).\nقلت: والآية عامة في الأمم، كلما تفرقوا واختلفوا وابتعدوا عن منهاج الرسل بعث الله لهم رسولًا يفرق كلمة الكفر ومنهج الشهوات الذي وحدهم واجتمعوا عليه.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.\nقال الطبري: (الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوارة). وقال القرطبي: (﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾: اسم جنس بمعنى الكتب). قال: (قيل: ليحكم كل نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتابُ).\nوقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾.\nقال الربيع: (يقول: إلا الذين أوتوا الكتاب والعلم). وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. قال الربيع: (يقول: بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وزخرفها وزينتها، أيُّهم يكون له الماك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضُهم رقاب بعض).\nوقوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.\nأخرج عبد الرزاق في \"التفسير\"، والإمام أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁، في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ ... الآية قال: قال النبي - ﷺ -: [نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما","vol":"1","page":551},{"text":"اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود وبعد غدٍ للنصارى] (١).\nوروى ابن جرير بسنده إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ قال: (فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد - ﷺ - ليوم الجمعة.\nواختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة. واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد - ﷺ - للحق من ذلك).\nقلت: وما ذكره ابن زيد قد جاء ذكره في القرآن وفي السنة الصحيحة في مواضع شتى ومن ذلك هداية الله سبحانه هذه الأمة ليوم عيدها تكرمة لها من بين الأمم.\nيروي ابن ماجة والبزار بسند صحيح عن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [أضل الله ﵎ عن الجمعة من كان قبلنا، كان لليهود يومُ السبت، والأحد للنصارى، فهم لنا تبع إلى يوم القيامة، نحن الآخِرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق] (٢).\nوفي لفظ البزار: [نحن الآخرون في الدنيا، الأولون يوم القيامة، المغفورُ لهم قبل الخلائق].\nوقال الربيع بن أنس: (﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه عبد الرزاق في \"التفسير\" (٢٤٧)، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٧٤)، وأخرجه البخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥)، والنسائي (٣/ ٨٥)، وابن ماجة (١٠٨٣)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. رواه ابن ماجة والبزار ورجالهما رجال الصحيح. انظر صحيح الترغيب (١/ ٧٠١).","vol":"1","page":552},{"text":"الإخلاص لله ﷿ وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، شهداء على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون أن رسلهم قد بلغوهم، وأنه قد كذبوا رسلهم). وكان أبو العالية يقول: (في هذه الآية المَخْرَجُ من الشبهات والضلالات والفِتَن).\nوقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.\nقال ابن جرير: (بعلمه، بما هداهم له). وقال النحاس: (بأمره). وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nفهو وحده يملك القلوب وتوجيهها إلى تعظيمه، وتنويرها بذكره ونور شرعه.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة: [أن رسول الله -ﷺ- كان إذا قام من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم] (١).\n٢١٤. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾.\nفي هذه الآية: يخبر سبحانه عباده عن بعض سننه فيهم، فلا بد من الابتلاء والتمحيص ليميز الصادق من المنافق، ولا بد من الشدائد والمحن والآلام، فهي أسئلة الامتحان، ثم الدرجات بيد الله تعالى.\nقال ابن عباس ومجاهد: ﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الفقر. ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: السقم).\nوقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾.\nيعني: بالخوف من الأعداء وشدة البأس. قال القرطبي: (خوِّفوا وحُرِّكوا). وأصل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٧٠)، وأبو داود (٧٦٧)، وأحمد (٦/ ١٥٦)، وغيرهم.","vol":"1","page":553},{"text":"الزلزلة: شدة التحريك، والزلازل: الشدائد. قال الزجاج: (أصل الزلزلة من زَلّ الشيء عن مكانه).\nوفي التنزيل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].\nوقد عاش الصحابة رضوان الله عليهم شيئًا من ذلك يوم الأحزاب. قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١].\nأخرج البخاري في صحيحه عن خباب قال: [أتيت النبي -ﷺ- وهو متوسِّدٌ بُرْدَةً وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شِدَّةً، فقلت: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فقال: لقد كان من قبلكم لَيُمْشَطُ بمِشَاط الحديد ما دون عِظامه من لَحْمٍ أو عَصَب، ما يَصْرِفُهُ ذلك عن دينه، ويوضَعُ الميشارُ على مَفْرِقِ رأسه، فَيُشَقُّ باثنين ما يصْرفهُ ذلك عن دينه، وليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صَنْعاء إلى حضرموتَ ما يخاف إلا الله] (١). وفي رواية: (أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).\nوأخرج ابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- قال: [أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجدُ إلا العباءة يجوبُها فيلبسها، ويُبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشدَّ فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء] (٢). يجوبها: أي يقطع وسطها ليلبسها.\nوأخرج الترمذي بسند حسن عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [إن عظمَ الجَزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (٣).\nوفيه دليل على أن البلاء يكون خيرًا، وأن صاحبه محبوب عند الله تعالى إذا صبر واحتسب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣٨٥٢)، كتاب مناقب الأنصار، وكذلك أخرجه برقم (٣٦١٢)، ورواه أحمد في المسند (٥/ ١٠٩).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (١٠٠٦)، وكذلك (١٠٠٥)، (١٠٠٧). وهو في سنن ابن ماجة برقم (٤٠٢٤)، ورواه ابن سعد (٢/ ٢٠٨)، والحاكم (٤/ ٣٠٧).\n(٣) حديث حسن. رواه الترمذي (٢/ ٦٤)، وابن ماجة في السنن (٤٠٣١)، وانظر السلسلة الصحيحة -حديث رقم- (١٤٦). قال الألباني: وسنده حسن.","vol":"1","page":554},{"text":"وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس -لما سأل هرقل أبا سفيان: فهل قاتلتموه- قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجَالٌ يَنالُ منا وننالُ منه. وفي رواية: يدال علينا ونُدال عليه. قال: [كذلك الرسل تُبْتلَى، ثم تكون لها العاقبة] (١).\nوقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾\nأي: بلغ الجهد بهم حتى استبطؤوا النصر وهم واثقون به، فلم يقولوا: أين نصر الله، لإيمانهم أن النصر وعده الله المؤمنين. ولذلك أجابهم سبحانه بهذا المعنى فقال: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ فكلما كانت الشدة اقترب النصر والفرج. وفي التنزيل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾.\nأخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: [النصر مع الصبر، والفرجُ مع الكرب، وإنّ مع العسر يسرا] (٢).\n٢١٥. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾.\nفي هذه الآية: تعريف الله عباده مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات، وأن كل عمل في طاعته فهو سبحانه به عليم.\nقال السدي: (يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها، فنسختها الزكاة). وهذا ممكن، وممكن غيره.\nقال ابن جرير: (ولا دلالة في الآية على صحة ما قال -يعني السدي بادعاء النسخ-، لأنه ممكن أن يكون قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء ومن سمى معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عبادَه مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٧)، كتاب بدء الوحي، وهو جزء من حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (١/ ٣٠٧)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٥٤١)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٦٨٢) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":555},{"text":"وفي التنزيل: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nوفي سنن النسائي بسند جيد من حديث طارق المحاربي، قال رسول الله -ﷺ-: [أُمّك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك] (١).\nوله شاهد في المسند وسنن أبي داود بسند حسن عن معاوية بن حيدة، عن النبي -ﷺ- قال: [أمّك، ثم أمّك، ثم أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب] (٢).\nوفي المسند وجامع الترمذي بسند صحيح عن سلمان بن عامر، عن النبي -ﷺ- قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرّحم اثنتان: صدقة وصلة] (٣).\nوعند الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن عمرو بن سهل، قال رسول الله -ﷺ-: [صِلةُ القرابة مثراةٌ في المال، محبَّةٌ في الأهل، منسأة في الأجل] (٤).\nقال ابن زيد: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: هذا من النوافل. قال: (يقول: هم أحق بفضلك من غيرهم).\nوتلا ميمون بن مهران هذه الآية، ثم قال: (هذه مواضع النفقة، ما ذكر فيها طبلًا ولا مزمارًا، ولا تصاوير الخشب، ولا كُسوة الحيطان).\nوقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.\nأي: يحصيه عليكم ثم يجازيكم به.\n٢١٦. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا\n_________\n(١) إسناده جيد. رواه النسائي (١٥/ ٦١)، والدارقطني (٣/ ٤٤). وانظر تخريج تفسير ابن كثير- المهدي. البقرة (٢١٥). وله شاهد في الحديث الذي يليه. رواه أحمد.\n(٢) حديث حسن. انظر الإرواء (٨٢٩)، (٢٢٣٢)، وصحيح الجامع الصغير (١٣٩٥).\n(٣) حديث صحيح. رواه أحمد، والترمذي (٦٥٨). ورواه النسائي والحاكم. انظر تخريج المشكاة (١٩٣٩)، والمرجع السابق (٣٧٥٢). وصحيح سنن الترمذي (٦٦١).\n(٤) حديث صحيح. رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" من حديث عمرو بن سهل. ويشهد له ما في المسند وجامع الترمذي عن أبي هريرة. انظر صحيح الجامع (٣٦٦٢).","vol":"1","page":556},{"text":"شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.\nفي هذه الآية: إيجاب الله الجهاد على المسلمين، فقد فرض فيها على الأمة قتال المشركين، وإقرار بأن القتال كريه على النفوس ولكن العزّ كل العز فيه، ولا يعلم حقيقة المنافع والمصالح إلا العزيز العليم.\nقال الزهري: (الجهاد واجب على كل أحد، غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استُعين أن يُعين، وإذا استغيث أن يُغيث، وإذا استُنفر أن ينفر، وإن لم يُحْتَجْ إليه قعد). وقال ابن كثير في هذه الآية: (هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين: أن يكُفّوا شرَّ الأعداء عن حَوزة الإسلام).\nوردّ ابن جرير قول من ادّعى النسخ فيها، وصوّب رأي من ذكر أن الجهاد فرض على الكفاية، كالصلاة على الجنائز، وغسل الموتى ودفنهم.\nقلت: وهذه الآية تظهر فرضية الجهاد الذي سيبقى إلى قيام الساعة، ويبدو أنها الآية التي نزلت لتحسم الأمر بعد نزول الآيات التي تمهد بالإذن بالقتال، وقد فصلت ذلك في كتابي السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، فلله الحمد والمنة (١).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال رسول الله -ﷺ-: [من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية] (٢).\nويروي الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ- قال: [عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغمّ] (٣).\nفإذا غاب الجهاد عن حياة أمة الإسلام، والتفت أبناؤها إلى الدنيا، وإلى إصلاح الدرهم والدينار، وإلى الأراضي والمزارع والعقارات، وشغلت بذلك عن الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبطن الأرض خير لها من ظهرها.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا تبايعتم بالعينة،\n_________\n(١) انظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ٥٢٤ - ٥٢٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩١٠)، وأبو داودة (٢٥٠٢)، والنسائي (٦/ ٨)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. رواه الطبراني بإسناد صحيح من حديث أبي أمامة. ورواه أبو داود والنسائي. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٠٨٥).","vol":"1","page":557},{"text":"وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم] (١).\nوقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.\nأي: فيه شدة ومشقة عليكم، لما قد يعقبه من جراح ودماء وآلام، مع عذاب السفر ومجالدة الأعداء.\nوقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.\nسنّة إلهية عامة، فقد يتعلق قلب العبد بما هو شر عليه في دينه أو دنياه أو كليهما. وقد يبتعد عن أمر يحتاج إلى مشقة يعقبها عز وقوة وفرج ورزق كبير. وكذلك القتال، ففيه ألم المجالدة وملاقاة العدو، وخطر وأهوال الحديد، لكن لا سبيل إلى ما بعده من النصر والظفر إلا بتجاوز تلك الشدائد -والكل بتوفيق الله وعونه-، وكذلك القعود: فقد يعقبه الذل والهزيمة واستيلاء العدو على البلاد والممتلكات والحُكم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي: بحكمة كثير من التشريع، وعواقب الأمور، فاستجيبوا له فإن في طاعته سبحانه عز الدنيا وسعادة الآخرة.\n٢١٧ - ٢١٨. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار عن حرمة الأشهر الحرم والمسجد الحرام عند الله، وتحذير من الردة بعد الإسلام، وترغيب في الإيمان والهجرة والجهاد لنصر دين الرحمان.\nسبب نزول هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ ....﴾: أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٤٦٢). وانظر صحيح الجامع (٤١٦).","vol":"1","page":558},{"text":"رسول الله -ﷺ- كان قد بعث في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة عبد الله بن جحش في ثمانية من المهاجرين، ليهدد طريق تجارة قريش مع اليمن كما هدّده مع الشام، وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين، وقد جاء فيه كما يروي البيهقي في السنن وابن هشام في السيرة بسند صحيح إلى عروة: (امض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصَّد بها قريشًا، وتعلَّمْ لنا من أخبارهم) (١). فقال عبد الله: سمعًا وطاعة، وأطلع أصحابه على كتاب الرسول -ﷺ- قائلًا: إنه نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق معي، ومن كره ذلك فَليَرْجِع ... فلم يتخلف منهم أحد، غير أن البعير الذي كان يعتقبه سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، ندَّ منهما فشغلا بطلبه.\nقال ابن إسحاق فيما يرويه عن عروة: (ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عيرٌ لقريش تحمل زبيبًا وأدَمًا -الأدم: الجلد-، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي. فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن مِحْصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عُمَّار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلةَ ليدخُلنّ الحرم، فليمتَنعُنّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنَّهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخْذِ ما معهم. فرمى واقدُ بن عبد الله التَّميمي عمرو بنَ الحضرمي بسهم فقتله، واستَأسر عثمانَ بن عبد الله، والحكمَ بن كيسان، وأفلتَ القومَ نوفلُ بنُ عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله -ﷺ- المدينة (٢).\nوقال عبد الله لأصحابه: (إن لرسول الله -ﷺ- مما غنمنا الخمس). وذلك قبل أن يفرض الخمس. قال ابن القيم: (وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام) (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البيهقي (٩/ ١١ - ١٢)، ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) انظر المرجع السابق، وسيرة ابن هشام (١/ ٦٠١ - ٦٠٤)، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٥٢٥).\n(٣) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ١٦٨)، وانظر المرجع السابق (١/ ٥٢٦).","vol":"1","page":559},{"text":"قال ابن إسحاق: (فلما قدموا على رسول الله -ﷺ- المدينة، قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام. فوقَفَ العير والأسيرين. وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا. فلما قال ذلك رسول الله -ﷺ- سُقِط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعَنَّفَهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهرَ الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال ... فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله -ﷺ-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١).\nلقد أنزل الله في القرآن ما يخرس المشركين ويسوّغ صنيع المسلمين، فإن كل الحرمات المقدسة قد انتهكها طغاة مكة في البلد الحرام، وقد استباحوا لأنفسهم قتل النبي -ﷺ- وسلب أموال المسلمين بعد هجرتهم وإخراجهم، وقد أذاقوا ضعفاءهم شر ألوان التعذيب على الرمال المنصهرة وتحت الشمس الحارقة، فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها وحرمتها فجأة؟\nوقوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nقال ابن القيم: (والمقصود: أن الله سبحانه قد حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأنّ ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحقُ بالذم والعيب والعقوبة، ولا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:\nوإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍ ... جاءتْ محاسِنُه بألف شفيع\nفكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍّ جاء بكل قبيح، ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن) (٢).\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٦٠١ - ٦٠٤)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ٥٢٦).\n(٢) انظر: زاد المعاد (٣/ ١٧٠ - ١٧١)، والمرجع السابق (١/ ٥٢٦ - ٥٢٧) - لمزيد من التفصيل.","vol":"1","page":560},{"text":"وقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.\nقال مجاهد وغيره: (الفتنة هنا الكفر).\nوالمعنى: إن كفركم أكبر من قتلنا أولئك. قال القرطبي: (وقال الجمهور: معنى الفتنة هنا فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا، أي إن ذلك أشد اجترامًا من قتلكم في الشهر الحرام).\nوقوله: ﴿وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.\nقال الزهري، عن عروة بن الزبير: (أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غيرُ تائبين ولا نازعين، يعني: على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردوهم إلى الكفر، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة) ذكره ابن جرير. وقال مجاهد في المقصود بالآية أنهم: (كفار قريش).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nتهديد ووعيد على من يرجع عن دينه دين الإسلام بعدما أنعم الله به عليه، فيموت قبل أن يتوب من كفره، بأن تحبط أعمالهم ويخلدوا في نار جهنم وبئس المصير. وقد بينت أنواع وأحكام الردة بالتفصيل في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بما يغني عن التفصيل هنا، ولله الحمد والمنة.\n٢١٩ - ٢٢٠. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات إثم الخمر والميسر، والترغيب في العفو وبذل المال في وجوه الخير، والحث على إصلاح مال اليتامى في وجوه البر.","vol":"1","page":561},{"text":"والخمر: كل شراب خمَّر العقل فستره وغطى عليه، والميسر: القمار.\nقال مجاهد: (الميسر: القمار، وإنما سمّي \"الميسر\" لقولهم: أيْسروا واجْزُرُوا. كقولك: ضع كذا وكذا). وقال: (كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز). وعن أبي الأحوص، عن عبد الله: (إياكم وهذه الكِعاب الموسومة التي تزجرون زجرًا، فإنهن من الميسر). وقال ابن سيرين: (كل قمار ميسر، حتى اللعب بالنَّرد على القيام والصياح والريشة يجعلها الرجل في رأسه). وقال: (كل لعب فيه قمار من شُرب أو صياح أو قيام، فهو من الميسر).\nوقال ابن عباس: (الميسر القمار. كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله).\nوقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.\nقال السدي: (فإثم الخمر أن الرجل يشرب فيسكر فيؤذي الناس. وإثم الميسر أن يُقامر الرجلُ فيمنع الحق ويظلم).\nوقال مجاهد ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾: هذا أوّل ما عيبت به الخمر).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، يعني: ما ينقص من الدين عند من يشربها).\nوخلاصة القول: إن زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه لهو من أعظم الآثام. وبنحوه الانشغال في الميسر عن ذكر الله وعن الصلاة، فضلًا عن وقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه.\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].\nوقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾:\nمنافع مادية وجسدية واجتماعية. فالمادية هي أثمانها قبل تحريمها، والجسدية: هي لذتها حين شربها، والاجتماعية: اجتماعهم عليها واستئناسهم مع بعضهم على موائدها. هذا بالنسبة للخمر. وأما الميسر فمنافعه فيما يصيبون فيه من أنصباء الجزور. قال مجاهد: (المنافع هاهنا ما يصيبون من الجَزور). وقالما السدي: (أما منافعهما، فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه، ومنفعة الميسر فيما يُصاب من القمار). وقال ابن","vol":"1","page":562},{"text":"عباس: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: يقول فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها).\nقال ابن جرير: (وأما منافع الميسر، فما يصيبون فيه من أنصباء الجزور. وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموا أعشارًا على عدد القداح).\nوقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.\nقال الضحاك: (يقول: إثمهما بعد التحريم، أكبر من نفعهما قبل التحريم). وقال ابن كثير: (أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فَدُنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذّة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:\nونَشْرَبُها فتتركُنا ملوكًا ... وأسْدًا لا يُنَهْنِهُنَا اللقاءُ\nوكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وكان يُقَمِّشُه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله. ولكن هذه المصالح لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.\nوهذه الآية مهّدت لتحريم الخمر، حتى نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم جاء التحريم القطعي بنزول آية المائدة.\nقال مجاهد: (إن هذه أول آية نزلت في الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثم نزلت التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في المائدة فحرمت الخمر).\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: [لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانا شِفاء، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية، قال: فدُعِيَ عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّنْ لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ... (٤٣)﴾، فكان منادي رسول الله -ﷺ-، إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقْرَبَنَّ الصلاة سَكْرانُ. فَدُعي عمر فقرئت عليه، فقال:","vol":"1","page":563},{"text":"اللهم بين لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. قال عمر: انتهينا] (١).\nوأخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ نسختها التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ ...﴾ الآية] (٢).\nوقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - عن ابن عباس قال: (العفو ما فضل عن أهلك). وقال قتادة: (أي الفضل).\n٢ - عن طاووس قال: (اليسير من كل شيء). قال ابن عباس: (ما لا يتَبَيَّنُ في أموالكم).\n٣ - عن عطاء، قال: (العفو في النفقة: أن لا تجهدَ مالك حتى ينفد فتسأل الناس). وقال: (العفو ما لم يسرفوا ولم يقتروا في الحق). وقال مجاهد: (العفو صدقة عن ظهر غنى). والمقصود الوسط من النفقة، ما لم يكن إسرافًا ولا إقتارًا.\n٤ - عن ابن عباس: (يقول: ما أتوك به من شيء قليل أو كثير فاقبله منهم].\n٥ - عن الربيع، قال: (يقول: الطيِّبَ منه، يقول: أفضلَ مالك وأطيَبَه).\n٦ - عن مجاهد: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: الصدقة المفروضة).\nورجّح ابن جرير أن معنى العفو: الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله في مؤونتهم ما لا بدلهم منه.\nوالذي ذهب إليه شيخ المفسرين قد جاءت به السنة الصحيحة، في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر، قال رسول الله -ﷺ-: [ابْدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإنْ فَضَلَ شيء فلأهلِكَ، فإن فَضَلَ عن أهلِكَ شيء فلذي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٦٧٠). انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣١١٧)، كتاب الأشربة، ورواه الترمذي (٣٠٤٩).\n(٢) حسن الإسناد. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣١١٩) - من حديث ابن عباس.","vol":"1","page":564},{"text":"قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا. يقول: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وعن يمينك وعن شِمالك] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم وأبو داود -واللفظ له- عن أبي هريرة، قال: [أمر النبي -ﷺ- بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على ولدك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على زوجتك. أو قال: زوجك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على خادمك. قال: عندي آخر. قال: أنت أبصر] (٢).\nالحديث الثالث: روى مسلم والترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [يا ابن آدم! إنك إن تَبْذُل الفضل خيرٌ لك، وأن تمسكه شَرٌّ لك، ولا تُلام على كفاف. وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى] (٣).\nوله شاهد عند البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: أخيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غِنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول] (٤).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [كفى بالمرء إثمًا أن يُضيعَ منْ يقوت] (٥).\nوالآية ليست منسوخة بآية الزكاة، وإنما هي إعلام من الله سبحانه عن ما يرضيه من النفقة مما يسخطه، جوابًا منه لمن سأل نبيه محمدًا -ﷺ- عما فيه له رضًا. أفاده ابن جرير.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾.\nيعني جل ذكره: كما بينت لكم آياتي وحججي في كل أمر يخصكم في دينكم، من\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٩٩٧)، كتاب الزكاة، ورواه النسائي (٧/ ٣٠٤)، ورواه أحمد في المسند (٣/ ٣٦٩).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١٤٨٣)، باب في صلة الرحم. وأخرجه مسلم في الصحيح (٩٩٥) بمعناه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٣٦)، كتاب الزكاة، وأخرجه الترمذي في السنن (٢٣٤٤).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣٥٥)، والنسائي (٥/ ٦٩)، وأحمد (٢/ ٢٧٨) عن أبي هريرة.\n(٥) حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود (١٤٨٤)، باب في صلة الرحم من حديث ابن عمرو.","vol":"1","page":565},{"text":"أمور: التوحيد، والحدود والفرائض والوعد والوعيد، فكذلك أبين لكم في سائر كتابي.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها). وقال قتادة: (لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا). قال: (فكونوا ممن يَصْرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة).\nوقال ابن جريج: (أما الدنيا، فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء، فتتفكرون فتعملون للباقية منهما).\nوقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.\nأخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [لما أنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، الآية- انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُلُ من طعامه فَيُحْبَسُ له، حتى يأكله، أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله -ﷺ-، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامه، وشرابهم بشرابه] (١).\nقال السدي: (كانت العرب يشددون في اليتيم حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة، ولا يركبوا له بعيرًا، ولا يستخدموا له خادمًا، فجاؤوا إلى النبي -ﷺ- فسألوا عنه، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، يصلح له ماله وأمره له خير، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه ويركب راحلته ويحمله ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجودُ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. أي: من يقصد الإفساد من الإصلاح.\nقال ابن زيد: (الله يعلم حين تخلط مالك بماله: أتريد أن تصلح ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق).\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح أبي داود (٢٤٩٥)، باب مخالطة اليتيم في الطعام. ورواه النسائي (٦/ ٢٥٦)، وابن جرير في التفسير (٤١٨٦)، والحاكم (٢/ ٢٧٨).","vol":"1","page":566},{"text":"وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.\nأي: ضيّق عليكم وأحرجكم، ولكنه برحمته وكرمه وسَّع عليكم بإباحته مخالطتهم. قال ابن عباس: (يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيّق عليكم، ولكنه وسَّع ويسَّر فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]).\nوقال: (ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا).\nوقال قتادة: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾، يقول: لجهدكم، فلم تقوموا بحق ولم تؤدوا فريضة).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nأي: عزيز في سلطانه، حكيم في قدره وشرعه.\n٢٢١. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾.\nفي هذه الآية: تحريم الله نكاح المشركات على المؤمنين، ويستثنى نكاح نساء أهل الكتاب بقوله في سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ...﴾. ثم بيان فضل المؤمنة على المشركة. وتحريم تزويج المشركين من المؤمنات وبيان فضل المؤمن على المشرك، فالمشركون يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة.\nقال الربيع: (حرم الله المشركات في هذه الآية، ثم أنزل في \"سور المائدة\"، فاستثنى نساء أهل الكتاب). وقال قتادة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، يعني: مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه). وقال: (المشركات، من ليس من أهل الكتاب، وقد تزوج حذيفة يهودية أو نصرانية). وقال زيد بن وهب، قال عمر: (المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة) وإسناده صحيح، ذكره ابن جرير. ثم روى بسنده إلى شقيق قال: (تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خلِّ","vol":"1","page":567},{"text":"سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن).\nوقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.\nفيه تفضيل المؤمنة الأمة على المشركة الحرة.\nأخرج ابن جرير بسنده عن السدي قال: (نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمَةٌ سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله -ﷺ- فأخبره خبرهما، فقال له: \"ما هي\"؟ قال: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: يا أبا عبد الله، هذه مؤمنة. فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنَّها ولأتزوجنَّها. ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (١).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفَرْ بذات الدين، تربت يداك] (٢).\nوفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله -ﷺ- قال: [الدنيا متاع، وخَيْرُ متاع الدنيا المرأة الصالحة] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾.\nقال عكرمة: (حرم المسلمات على رجالهم- يعني رجال المشركين). وقال قتادة: (لا يحل لك، أن تنكح يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غير أهل دينك). ثم بيّن الله تعالى فضل العبد المؤمن على المشرك الحر: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: ولرجل مؤمن، لو كان عبدًا حبشيًا، خير من مشرك، وإن كان رئيسًا سريًا).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤٢٢٨) عن السدي مرسلًا، ووصله الواحدي في \"أسباب النزول\" (١٣٦)، ورجاله ثقات. انظر تخريج أحاديث تفسير ابن كثير- المهدي. البقرة (٢٢١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦)، وأحمد (٢/ ٤٢٨)، وأكثر أهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٦٧)، وأحمد (٢/ ١٦٨)، والنسائي (٦/ ٦٩)، وغيرهم.","vol":"1","page":568},{"text":"وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾\nقال القرطبي: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة للمشركين والمشركات. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: إلى الأعمال الموجبة للنار، فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النَّسْل. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾ أي: إلى عمل أهل الجنة).\nوقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. قال الزجاج: (أي بأمره).\nوقوله: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾.\nيعني: حججه وأدلته في كتابه وعلى لسان نبيّه لعباده، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: ليعتبروا ويتذكروا ويميزوا بين السبيلين: سبيل أهل النار وسبيل أهل الجنة.\nفائدة: في الآية دليل بالنص على أنه لا نكاح إلا بولي. قال محمد بن علي بن الحسين: (النكاح بولي في كتاب الله، ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. وقال ابن المنذر: (ثبت أن رسول الله قال: [ألا نكاح إلا بولي] .. روي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة).\nقلت: وبه قال مالك والشافعي وأحمد.\n٢٢٢ - ٢٢٣. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تحريم إتيان النساء أثناء محيضهن، ثم إباحة إتيانهن من كل وجه بعد الطهر إذا كان في قُبُلِهِن- يعني موضع الولد.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس: [أن اليهود كانوا، إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكِلوها ولم يجامعوهُنَّ في البيوت، فسأل أصحابُ النبي -ﷺ-، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول الله -ﷺ-: اصنَعُوا كُلَّ شيءٍ إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يُريد هذا الرجل أن يدعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن حُضَيْر وعَبَّادُ بنُ","vol":"1","page":569},{"text":"بشرٍ فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول: كذا وكذا. أفلا نجامِعُهُنَّ؟ فتغَيَّر وجْهُ رسول الله -ﷺ- حتى ظنَنّا أن قد وَجَدَ عليهما، فخرجا فَاسْتَقْبَلَهُما هديةٌ من لبن إلى النبي -ﷺ-. فأرسل في آثارهما، فَسقاهما، فعرفا أنْ لم يجد عليهما] (١).\nفالاعتزال المقصود هو في الجماع. فال ابن عباس: (اعتزلوا نكاح فروجهن). وقال: (إذاجعلت الحائض على فرجها ثوبًا أو ما يكف الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدُها زوجَها).\nأخرج البخاري ومسلم عن ميمونة قالت: [كان رسول الله -ﷺ- يباشِرُ نساءَه فوق الإزار، وهُنَّ حُيَّضٌ] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: [كانت إحدانا، إذا كانت حائضًا، أمَرَها رسول الله -ﷺ- فتأتَزِرُ بإزارٍ، ثم يباشرها] (٣).\nوفيه عنها قالت: [كنت أغسِلُ رأس رسول الله -ﷺ- وأنا حائض] (٤).\nوفي صحيح مسلم وسنن النسائي عنها قالت: [كنتُ أتعرّق العَرْق وأنا حائض، فأعطيه النبي -ﷺ-، فيضع فمه في الموضع الذي وضعتُ فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه] (٥).\nوالعَرْق: العظم عليه بقايا من اللحم، وتعرّقه: إذا أكل باقي اللحم الذي عليه.\nوروى أبو داود بسند جيد عن عائشة قالت: [كنت أنا ورسولُ الله -ﷺ- نبيتُ في الشعار الواحد وإني حائض طامِث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصابه -يعني ثوبه- شيء غسل مكانه، لم يَعْدُه، وصلّى فيه] (٦).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٣٠٢) كتاب الحيض، وأحمد (٣/ ١٣٢)، ورواه أصحاب السنن: رواه أبو داود (٢٥٨)، والترمذي (٢٩٧٧)، والنسائي في \"التفسير\" (٥٧)، وابن ماجة (٦٤٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٠٣)، ومسلم (٢٩٤) -واللفظ له- وأحمد (٦/ ٥٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٣)، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٩٧)، والروايات بعده، كتاب الحيض، من حديث عائشة.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٣٠٠)، وأبو داود في السنن (٢٥٩)، والنسائي (١/ ١٩٠)، وأحمد في المسند (٦/ ٦٢).\n(٦) إسناده جيد. رواه أبو داود (٢٦٩)، وأحمد (٦/ ٤٤)، والنسائي (١/ ٣٧٢)، من حديث عائشة.","vol":"1","page":570},{"text":"وأما كفارة إتيان الحائض فهي دينار أو نصف دينار، وتفصيل ذلك:\nأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد بسند حسن عن ابن عباس: [عن النبي -ﷺ- في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدّق بدينار أو نصف دينار].\nوفي لفظ للترمذي: [إذا كان دمًا أحمر فَدينارٌ، وإن كان دمًا أصفرَ فنصف دينار] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.\nوهو نزول الطهر: ماء أبيض تعرفه النساء، يُعرف به انتهاء الحيض والنفاس. قال مجاهد: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: انقطاع الدم). وقال عكرمة: (حتى ينقطع الدم).\nوقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - التطهر: هو الاغتسال بالماء. قال مجاهد: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: فإذا اغتسلن). وقال ابن عباس: (يقول: فإذا طهرت من الدم وتطهرت بالماء). وعن إبراهيم: (أنه كره أن يطأها حتى تغتسل -يعني المرأة إذا طهرت). وعن الحسن: (في الحائض ترى الطهر، قال: لا يغشاها زوجها حتى تغتسل وتحلَّ لها الصلاة).\nفقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني بالماء، على مذهب مالك والشافعي والطبري وأهل المدينة.\n٢ - التطهر: هو الوضوء للصلاة. فعن طاووس: (إذا طهرت المرأة من الدم فشاء زوجها أن يأمرها بالوضوء قبل أن تغتسل- إذا أدركه الشَّبَق فليصب). وقال عكرمة: (انقطاع الدم يحلّها لزوجها ولكن بأن تتوضأ).\n٣ - التطهر: التيمّم. قال يحيى بن بُكَيْر ومحمد بن كعب القُرظي: (إذا طهرت الحائض وتيمّمت حيث لا ماء حلَّت لزوجها وإن لم تغتسل).\n٤ - التطهر: ولو بغسل موضع الدم. قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: (إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام له أن يطأها قبل الغسل).\nقلت: فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: يشمل غسل موضع الدم، والوضوء، والتيمم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢٦٤)، والنسائي (١/ ١٥٣)، والترمذي (١٣٦)، (١٣٧)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٣٠)، وابن ماجة (٦٤٠)، والحاكم والدارمي والطبراني وغيرهم.","vol":"1","page":571},{"text":"إن عدمت الماء، والغسل، كما سبق ذكره. ومن ثم فالاقتصار على تفسير الآية بالغسل لا دليل عليه تقوم به الحجة. فإذا طهرت الحائض وغسلت موضع الدم منها، جاز لزوجها أن يجامعها ولو لم تغتسل، وبهذا أفتى كبار علماء التابعين كمجاهد وعطاء وقتادة، وهو مذهب الأوزاعي وابن حزم وأبي سليمان وجميع أهل الظاهر.\nوأما قول ابن كثير في التفسير: (وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضُها لا تحلُّ حتى تغتسل بالماء، أو تتيمّم إن تعذر ذلك عليها بشرطه). فدعوى الاتفاق غير صحيحة، بعد أن علمت أن كبار علماء التابعين على خلاف هذا الاتفاق.\nوقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (في الفرج، لا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدى). وقال مجاهد: (أمروا أن يأتوهن من حيث نُهوا عنه). وقال: (إذا تطهرن فأتوهن من حيثُ نهي عنه في المحيض). وقال: (من حيث نهيتم عنه، واتقوا الأدبار).\n٢ - قال عكرمة: (يقول: إذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله. يقول: طواهر غير حُيَّض). وقال الضحاك: (ائتوهن طاهرات غير حُيَّض).\n٣ - عن ابن الحنفية: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، قال: من قِبل الحلال، من قِبل التزويج).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾.\nأي: من الذنب والمعصية وإن تكرر الوقوع والزلل.\nوقوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نُهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتي). قال مجاهد: (من أتى امرأته في دبرها فليس من المتطهرين).\nوقال ابن جرير: (إن الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة).\nوذكر قول عطاء: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، من الذنوب، لم يصيبوها، ﴿وَيُحِبُّ","vol":"1","page":572},{"text":"الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ بالماء للصلوات). وقال ابن جريج: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من الذنوب، لا يعودون فيها).\nقلت: وكل هذه الأقوال يحتملها البيان الإلهي، وهي اختلافات تنوع لا اختلافات تضاد.\nقال القاسمي: (وفي ذكر التوبة إشعارٌ بمساس الحاجة إليها -بارتكاب بعض الناس لما نُهوا عنه- وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهّر).\nوقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾.\nيعني: هن مُزْدَرَعُ أولادكم. قال ابن عباس: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُم﴾: منبت الولد). وقال السدي: (أما الحرث: فهي مزرعة يحرث فيها).\nقال ابن جرير: (والحرث هو الزرع، ولكنهن لما كن من أسباب الحرث، جعلهن حرثًا).\nوقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يأتيها كيف شاء، ما لم يكن يأتيها في دبرها أو في الحيض). وقال عكرمة: (يأتيها كيف شاء، ما لم يعمل عمل قوم لوط). وقال الضحاك: (يقول: متى شئتم). وقال سعيد بن المسيب: (إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بتفسير آفاق معنى هذه الآية، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: [كانت اليهود تقول إذا جَامَعَها من ورائها جاء الولد أحْوَلَ، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾] (١). وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج وسفيان الثوري عن ابن المنكدر. قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله -ﷺ-: \"مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج\" (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥)، وأبو داود (٢١٦٣)، والترمذي (٢٩٨٢)، وابن ماجة (١٩٢٥)، وأخرجه أبو يعلى (٢٥٨)، وغيرهم.\n(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. انظر تخريج تفسير ابن كثير- المهدي. البقرة (٢٢٣).","vol":"1","page":573},{"text":"الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند حسن عن بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: [حَرْثك، ائت حرثك أنّى شئت، غير أن لا تضربَ الوجه، ولا تُقَبِّح ولا تهجر إلا في البيت] (١). وفي لفظ آخر: [ائت حرثك أنّى شئت، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه ولا تضرب].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أم سلمة ﵂ قالت: [لما قدم المهاجرون المدينة على الأنصار تزوجوا من نسائهم، وكان المهاجرون يُجِبُّون، وكانت الأنصار لا تُجَبِّي (٢)، فأراد رجل من المهاجرين امرأته على ذلك، فأبت عليه حتى تسأل رسول الله -ﷺ-. قال: فأتته فاستحيتْ أن تسأله، فسألته أم سلمة، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وقال: لا، إلا في صمامٍ واحد] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن ابن عباس، قال: [جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: يا رسول الله هلكت، قال: وما الذي أهلكك؟ قال: حَوَّلْتُ رَحْلي البارحة، قال: فلم يردَّ عليه شيئًا. قال: . فأوحى الله إلى رسول الله -ﷺ- هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. \"أَقْبِلْ وأَدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ والحَيْضَة\"] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند حسن عن مجاهد، عن ابن عباس قال: [إن ابن عمر -والله يغفر له- أوْهَمَ وإنما كان أهل هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من يَهودَ، وهم أهل كتاب، وكانوا يرَوْن لهم فَضْلًا عليهم في العِلم، فكانوا يقتدون بكثير من فِعْلِهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حَرْف، وذلك أستر ما تكون المرأةُ، فكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا بذلك\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢١٤٣)، وأحمد (٥/ ٥)، والنسائي (٩١٦٠) في \"الكبرى\"، وانظر صحيح الجامع الصغير وزيادته (١٧) للرواية الثانية.\n(٢) أجْبى الرجل امرأته: إذا أتاها وهي منكبة على وجهها.\n(٣) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٦/ ٣٠٥)، وكذلك (٦/ ٣١٨)، وأخرجه الدارمي (١/ ٢٥٦)، والترمذي (٢٩٧٩). وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول- الوادعي. البقرة (٢٢٣).\n(٤) حديث حسن. أخرجه الترمذي -حديث رقم- (٢٩٨٠)، وأحمد (١/ ٢٩٧). ولأصله شواهد.","vol":"1","page":574},{"text":"من فِعلهم، وكان هذا الحيّ من قريش يَشْرَحُون النساء شَرْحًا مُنكرًا، ويتلذَّذون بهن مُقبلات ومُدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، تَزَوَّجَ رجُلٌ منهم امرأةً من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فشري أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله -ﷺ-، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد] (١).\nقلت: ولا مانع من نزولها في جميع ما ذكر، فقد تتعدد أسباب النزول، وأما ما ورد عن ابن عمر أنها نزلت في إتيان النساء في أدبارهن فردّه العلماء، ولا يصح بأسانيده.\nوأما أدبار النساء فقد جاء تحريم إتيانهن من أعجازهن بالأحاديث الصحيحة:\n١ - أخرج النسائي وأحمد بسند حسن عن خُزيمة بن ثابت، أن رسول الله -ﷺ- قال: [استحيوا، إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن] (٢). وفي لفظ: [لا تأتوا النساء في أدبارهن].\nوفي لفظ آخر: [استحيُوا فإن الله لا يستحي من الحق، لا يحلُّ مأتى النساء في حشوشهِنّ] (٣).\n٢ - وأخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [ملعون من أتى امرأة في دبرها] (٤). وفي حديث آخر: [ملعون من وقع على بهيمة، وملعون من عمل بعمل قوم لوط].\n٣ - أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢١٦٤)، والحاكم (٢/ ٢٧٩)، والطبري (٤٣٤٠)، والواحدي (١٤٢)، من طريق ابن إسحاق وقد صرح بالسماع عند الحاكم والبيهقي (٧/ ١٩٥). ويشهد لهذا الحديث حديث أم سلمة- الحديث الثالث. وله شواهد أخرى.\n(٢) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٨٩٨٢)، وأحمد (٥/ ٢١٥)، ورواه ابن ماجة.\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح الجامع الصغير (٩٤٧) من حديث جابر، وكذلك (٩٤٦).\n(٤) حديث صحيح. انظر المرجع السابق- حديث رقم (٥٧٦٥)، ورقم (٥٧٦٧) للذي بعده.","vol":"1","page":575},{"text":"رسول الله -ﷺ-: [من أتى كاهنًا فصدّقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا، أو أتى امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد] (١).\nوقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.\nقال السدي: (فالخير). وقال ابن عباس: (يقول: \"باسم الله\"، التسمية عند الجماع). وقال القرطبي: (أي قدموا ما ينفعكم غدًا).\nوقال ابن كثير: (أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما نهاكم عنه من ترك المحرمات).\nواختار ابن جرير قول السدي، بتقديم الخير والصالح من الأعمال ليوم المعاد.\nوفي التنزيل: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ...﴾ [البقرة: ١١٠].\nقلت: ويمكن الجمع بين القولين: بتقديم الخير والعمل الصالح يوم المعاد، وتقديم ذكر الله عند الجماع ومقدمات إتيان الحرث قبل إتيانه.\nففي الصحيحين عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: [لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال: باسم الله اللهم جنِّبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رَزَقْتَنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ لم يضرّه شيطان أبدًا] (٢).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾.\nيعني: يوم الحساب فيجازيكم.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: [إنكم ملاقو الله حُفاة عُراة مُشاةً غُرْلًا] (٣).\nورواه مسلم وأحمد وبعض أهل السنن، وفي لفظ: (ثم تلا رسول الله -ﷺ-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد، وأبو داود في السنن (٣٩٠٤). وغيرهما. انظر تخريج المشكاة (٥٥١)، وتخريج الإرواء (٢٠٦٦)، وصحيح الجامع (٥٨١٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥١٦٥)، ومسلم (١٤٣٤)، وأبو داود (٢١٦١)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٥٢٤)، كتاب الرقاق. وأخرجه مسلم برقم (٢٨٦٠)، ورواه أحمد في المسند (١/ ٢٢٠)، وغيرهم.","vol":"1","page":576},{"text":"وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعني بكرامة الآخرة، والخلود في الجنة.\nقال القرطبي: (تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى).\n٢٢٤ - ٢٢٥. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عباده كيف يتحللون من أيمانهم ويأتون الذي هو خير، فإن الاستمرار على اليمين آثمُ لصاحبها من الخروج منها بالتكفير، ومن ثم فإن الأيمان لا تمنع من البر وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم يخبر تعالى عباده أنه لا يؤاخذهم في لغو الأيمان وإنما فيما كان فيه تعقيد وتأكيد، إنه بعباده غفور حليم.\nقال ابن عباس: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾: هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته ولا يتصدق، أو أن يكون بينه وبين إنسان مغاضبة فيحلف لا يُصلح بينهما ويقول: \"قد حلفت\". قال: يكفر عن يمينه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾).\nوقال إبراهيم: (يحلف أن لا يتقي الله، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين، فلا يمنعه يمينه).\nوقال الربيع: (ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. فأمره الله أن يدع يمينه، ويصل رحمه، ويأمر بالمعروف، ويصلح بين الناس).\nوفي التنزيل: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢].\nوأما السنة الصحيحة فقد حفلت بآفاق رائعة لهذه الآية الكريمة، فإلى ذكر بعض هذه الأحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال:","vol":"1","page":577},{"text":"[مَنْ حلفَ على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خيرٌ وتَحلَّلْتُها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة، قال رسول الله -ﷺ-: [والله لأَنْ يَلِجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يُعْطِيَ كفارته التي افترض الله عليه] (٣). وله شاهد في الباب بلفظ: [من اسْتَلَجَّ في أهله بيمين فهو أعظم إثمًا لِيَبَرَّ. يعني الكفارة].\nومفهوم الحديث: إن من يلج -من الإلجاج- وهو أن يقيم على يمينه ولا يحنث بها، (في أهله) الذين يتضررون بعدم حنثه، (آثم) يعني أكثر إثمًا من الحنث الذي يمحى بالكفارة.\nالحديث الرابع: أخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي -ﷺ-: [يا عبد الرحمن بن سمُرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإنْ أوتيتها من غير مسألة أعِنْتَ عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها فَكَفِّرْ عن يمينك وائت الذي هو خير] (٤).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nأي: يسمع حلف الحالف ويعلم مقصده.\nوقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (هي: \"بلى والله\" و\"لا والله\"). وقالت عائشة: (هو قول\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (١٦٥٠)، وأحمد (٢/ ٣٦١)، والترمذي (١٥٣٠)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٢٣)، ومسلم (١٦٤٩)، وأحمد (٤/ ٣٩٨)، وأكثر أهل السنن، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٢٥)، كتاب الأيمان والنذور. وانظر (٦٦٢٦) للشاهد بعده.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٦٢٢)، الكتاب السابق. وانظر صحيح مسلم (١٦٥٢)، ومسند أحمد (٥/ ٦٢)، ورواه أكثر أهل السنن.","vol":"1","page":578},{"text":"الرجل: \"لا والله\" و\"بلى والله\"، ما لم يعقد عليه قلبه). ذكره ابن جرير بسنده إلى عطاء وعبيد بن عمير.\n٢ - قال الشعبي: (هو الرجل يقول: \"لا والله، وبلى والله\"، يصل حديثه).\n٣ - قال مجاهد: (الرجلان يتبايعان، فيقول أحدهما: \"والله لا أبيعك بكذا وكذا\"، ويقول الآخر: \"والله لا أشتريه بكذا وكذا\"، فهذا اللغو، لا يؤاخذ به).\n٤ - قال ابن عباس: (واللغو: أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقًّا، وليس بحق).\n٥ - قال مكحول: (اللغو الذي لا يؤاخذ الله به، أن يحلف الرجل على الشيء الذي يظن أنه فيه صادق، فإذا هو فيه غير ذلك، فليس عليه فيه كفارة، وقد عفا الله عنه).\n٦ - قال طاووس: (لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان). ذكره عن ابن عباس.\n٧ - قال سعيد بن جبير: (لغو اليمين: أن يحلف الرجل على المعصية لله، لا يؤاخذه الله بإلغائها).\nوالخلاصة كما قال الحافظ ابن كثير: (أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صَدَر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بنحو هذا المعنى:\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ قالت: (أنزلت في قوله: لا والله، وبلى والله) (١).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: [من حلف فقال في حلْفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله] (٢).\nوهذا في شأن قوم أسلموا وألسنتهم قد اعتادت على حلف الجاهلية من غير قصد، فأمروا بالتلفظ بكلمة التوحيد لتمحو أثر ما علق من أيام الجهل.\nوفي سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب: أن أخوين من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٦٣)، كتاب الأيمان والنذور. وانظر (٤٦١٣) أيضًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٦٠)، (٦١٠٧)، ومسلم (١٦٤٧)، وأحمد (٢/ ٣٠٩).","vol":"1","page":579},{"text":"الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدُهما صاحبَه القسمة، فقال: إن عُدْتَ تسألني عن القِسْمَةِ فكلُّ مالٍ لي في رِتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غَنيّةٌ عن مالِك، كَفِّرْ عن يمينك، وكلِّمْ أخاك، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب ﷿، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك] (١).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. يعني: ما تعمدت به الكذب.\nقال مجاهد: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ما عقدت عليه). وقال: (وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. وقال ابن عباس: (هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب). قال عطاء: (لا تؤاخذ حتى تُصْعِدَ للأمر، ثم تحلف عليه بالله الذي لا إله إلا هو، فتعقد عليه يمينك). وقال قتادة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، يقول: بما تعمدت قلوبكم، وما تعمدت فيه المأثم، فهذا عليك فيه الكفارة).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\nأي: غفور لعباده ما لَغَوْا من أيمانهم، حليم في تركه معاجلة العصاة بعقوبتهم.\n٢٢٦ - ٢٢٧. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاق فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nفي هذه الآيات: بيان حكم الإيلاء وما يلزم صاحبه من الفيئة أو الطلاق، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، والله سميع عليم.\nوالإيلاء: الحلف والقسم. قال سعيد بن المسيب: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: يحلفون).\nوالمقصود: حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة. فإذا حلف الرجل على ذلك فله مدة أقصاها أربعة أشهر، وعليها أن تَصْبِرَ، وليس لها مطالبته بالفَيئة في هذه المدة. فإن زاد الأمر عن أربعة أشهر فللزوجة حق المطالبة بالرجعة أو الطلاق. وللحاكم أو\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٢٧٢)، والحاكم (٤/ ٣٠٠)، ورواه ابن حبان. ويشهد له حديث (٣٢٧٣) من سنن أبي داود. انظر صحيح أبي داود (٢٨٠١)، (٢٨٠٢).","vol":"1","page":580},{"text":"القاضي أن يجبره على اختيار أحد الأمرين، خشية الإضرار بالزوجة. قال ابن عباس: (كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقّت لهم أربعة أشهر).\nأخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن رسول الله -ﷺ- آلى من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: [الشهر تسع وعشرون] (١).\nوقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.\nدليل عند الجمهور على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء.\nوقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.\nقال إبراهيم: (كل يمين منعت جماعًا حتى تمضي أربعة أشهر، فهي إيلاء).\nفللزوج أن ينتظر أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يطالب بعدها بالفيئة أو الطلاق.\nولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾. قال ابن عباس: (الفيء الجماع). وقال سعيد بن جبير: (لا عذر له حتى يغشى). والمقصود رجعوا إلى ما كانوا عليه.\nوقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال الحسن: (إذا فاء فلا كفارة عليه)، فكفارته فيؤه. قلت: والراجح وجوب الكفارة لقوله ﵊- فيما روى مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة: [من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه] (٢).\nفالأولى لمن حلف ألا يطأ زوجته مدة دون الأربعة أشهر أن يكفر عن يمينه ويطأها. قال ابن عباس: (فإن هو نكحها كفر يمينه بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام).\nويكون حينئذ تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: غفور للمولين فيما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٢٦٨)، ومسلم (١٤٧٩)، وأحمد (١/ ٣٣)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٦٥٠)، ومسند أحمد (٢/ ٣٦١)، وسنن الترمذي (١٥٣٠)، وسنن النسائي (١١/ ٧)، وكذلك سنن ابن ماجة (٢١٠٨). وصحيح الجامع (٦٢٠٨).","vol":"1","page":581},{"text":"حنثوا فيه من إيلائهم بأن رجعوا وكفَّروا عن أيمانهم، رحيم بإسقاطه العقوبة عنهم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾.\nدليل أن الطلاق لا يقع بمجرد انتهاء الأربعة أشهر. روى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: [إذا آلى الرجلُ من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يُوقف، فإما أن يُطَلِّقَ وإما أن يفيء].\nورواه البخاري عنه بلفظ: [إذا مضت أربعة أشهر يوقَفُ حتى يُطَلِّقَ ولا يقعُ عليه الطلاقُ حتى يُطلِّقَ] (١). وهو مروي عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة وغيرهم.\nوروى البخاري عن نافع: [أن ابن عمرَ ﵄ كان يقول في الإيلاء الذي سمّى الله تعالى: لا يحلّ لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزِمَ بالطلاق كما أمر الله ﷿] (٢).\nفإن طلّق فالطلقة تكون رجعية، له رجعتها في العِدَّة. وهو قول مالك والشافعي.\nروى مالك في الموطأ عن عمرو بن دينار، قال: [خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول:\nتطاولَ هذا الليلُ واسْوَدَّ جانِبُه ... وأرَّقني أنْ لا خليلَ ألاعِبُه\nفوالله لولا الله أني أراقِبُه ... لَحُرِّكَ من هذا السرير جوانِبُهْ\nفسأل عمرُ ابنته حفصة ﵂: كم أكثرُ ما تصبرُ المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر، أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبسُ أحدًا من الجيوش أكثرَ من ذلك].\nوقد ذكره الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر، وهو من المشهورات، ورواه محمد بن إسحاق من حديث السائب بن جبير مولى ابن عباس قريبًا مما سبق، وذكره بطوله الحافظ ابن كثير في التفسير.\nوقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال أبو حنيفة: (سميع لإيلائه، عليم بعزمه الذي دلّ عليه مضيّ أربعة أشهر) - ذكره\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٩١)، كتاب الطلاق. وانظر تخريج الإرواء (٢٠٨٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٢٩٠)، كتاب الطلاق.","vol":"1","page":582},{"text":"القرطبي. وقال ابن جرير: (سميع لطلاقهم إياهن إن طلقوهن، عليم بما أتوا إليهن، مما يحل لهم ويحرُم عليهم).\n٢٢٨. قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾.\nفي هذه الآية: تشريع الله سبحانه للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء بتربص ثلاثة قروء ثم تتزوج بعد ذلك إن شاءت، ووجوب الإخبار بدقة وأمانة عن الرحم بحقيقة ما فيه، وتأكيد حق الزوج الذي طلّق بِرَدِّ زوجته ما دامت في عدتها، ووجوب العشرة بالمعروف.\nواختلف المفسرون في المقصود من \"القرء\" على قولين:\n١ - الحيض. عن مجاهد: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، قال: حِيَضٍ).\nوقال الربيع: (تعتد ثلاث حِيض). وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، والثوري.\n٢ - الطهر. عن الزهري، عن عائشة قالت: (الأقراء الأطهار). وقال زيد بن ثابت: (إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلّت للأزواج). وهو مذهب مالك والشافعي وأبي ثور، ورواية عن أحمد.\nروى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت: [انتقلتْ (١) حفصةُ بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها\n_________\n(١) انتقلت: أى تحولت حين بدأت في الحيضة الثالثة، والشاهد أن المعتبر عند عائشة ﵂ في القروء الطهر لا الحيض.","vol":"1","page":583},{"text":"في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار].\nقال ابن جرير: (وأصل القرء في كلام العرب: الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم).\nقلت: والراجح أن القرء هو الحيضة، لثبوت ذلك من حديث النبي -ﷺ-.\nففي صحيح سنن أبي داود عن عائشة: [أن أم حبيبة كانت تستحاض، فسألت النبي -ﷺ- فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها] (١).\nوروى عن عائشة موقوفًا: [المستحاضة تترك الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل]. ثم روى عن أبي جعفر: [أن سودة استحيضت فأمرها النبي -ﷺ-، إذا مضت أيامها اغتسلت وصلت، \"المستحاضة تجلس أيام قرئها\"] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.\nقال مجاهد: (الحمل والحيض).\nوقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nوعيد شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه، فسبيل المؤمنات ألا يكتمن الحق.\nووجه ذلك: لما كان لا اطلاع على أمر الحيض والأطهار -من أجل العدة- إلا من جهة النساء، جُعل القول قولها إذا ادّعت انقضاء العدة أو عدمها، وجعلن مؤتمنات على ذلك. قال القرطبي: (ومعنى النهي عن الكتمان النهيُ عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة: حِضت، وهي لم تحض، ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت: لم أحض، وهي قد حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألا تُرتَجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل لتقطع حقه من الارتجاع. قال قتادة: كانت عادتهنّ في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليُلحقن الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية).\n_________\n(١) صحيح لغيره. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٥٢)، (٢٥٣)، وأصله في صحيح مسلم.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٥٧)، وكذلك (٢٥٤) لحديث عائشة قبله.","vol":"1","page":584},{"text":"وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.\nقال قتادة: (أحق برجعتهن في العدة). والمقصود: أن الزوج الذي طَلَّقَ زوجته أحقّ بردها ما دامت في عدتها، إذا كان يبغي في ذلك الإصلاح والخير.\nوقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ولهن على الرجال من الحق مثلُ ما للرجال عليهن، فليؤد كلُّ واحدٍ منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف).\nقلت: ويشمل ذلك أداء الرجل لزوجته ما أمره الله به من حسن الصحبة والنفقة والعشرة بالمعروف، مقابل ما أمرها الله به أن تؤديه من الطاعة وحسن القيام على حقه وخدمته ورعاية شؤون بيته وولده. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله -ﷺ- قال في خطبته في حجة الوداع: [فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْن فُرُشَكُم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، ولهنّ رزقهن وكسوتهن بالمعروف] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند حسن عن بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدَة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: [يا رسول الله، ما حقُ زوجة أحدنا؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقَبِّح، ولا تَهْجُرْ إلا في البيت] (٢).\nالحديث الثالث: يروي الطحاوي في \"المشكل\" بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: [خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن أبي أوفى، عن النبي -ﷺ- قال: [والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر، وهو جزء من حديث طويل.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢١٤٣)، وأحمد (٥/ ٥)، والنسائي (٩١٦٠) في\"الكبرى\".\n(٣) صحيح الإسناد. رواه الطحاوي في \"المشكل\" (٣/ ٢١١) من حديث عبد الله بن عباس ﵄، وصححه الألباني في \"آداب الزفاف\" (٤٠).","vol":"1","page":585},{"text":"حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قَتب لم تمنعه نفسها] (١).\nالحديث الخامس: أخرج ابن أبي شيبة والنسائي بإسناد صحيح عن حصين بن محصن قال: [حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله -ﷺ- في بعض الحاجة فقال: أي هذه! أذات بعل؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه (٢) إلا ما عجزت عنه، قال: فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك] (٣).\nوالخلاصة: إن للنساء على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فلا بد أن يؤدي كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، وقد تألق فهم السلف الصالح لهذه الآية فعاملوا زوجاتهم برفيع المعاملة، حتى إن ابن عباس كان يقول: (إني لأحبُّ أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة، لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾) - رواه ابن جرير عن وكيع عن بشير بن سليمان عن عكرمة عن ابن عباس.\nوقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال مجاهد: (فَضْلُ ما فضله الله به عليها من الجهاد، وفَضْل ميراثه على ميراثها، وكل ما فُضِّلَ به عليها).\n٢ - قال ابن زيد: (﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾: طاعة، قال: يطعن الأزواج الرجال، وليس الرجال يطيعونهن).\n٣ - قال الشعبي: (بما أعطاها من صداقها، وأنه إذا قذفها لاعنَها، وإذا قذفته جُلدت وأُقِرَّتْ عنده).\n٤ - وقال حميد: (﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قال: لحية). وقيل غير ذلك، كما فصّل ابن جرير.\n_________\n(١) حديث صجح. رواه ابن ماجة (١/ ٥٧٠)، وأحمد (٤/ ٣٨١)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٧٣).\nوالقَتب والقِتب هو الرحل الصغير على قدر السنام. والمراد حملهن على المسارعة لتلبية رغبة أزواجهن، وأنه لا يسعهن الامتناع في مثل هذه الحال، فكيف في غيرها.\n(٢) أي: لا أقصر في طاعته وخدمته.\n(٣) حديث صحيح. رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٧/ ١) والنسائي في \"عشرة النساء\"، وأحمد في المسند (٤/ ٣٤١) من حديث حصين بن محصن عن عمته ﵂.","vol":"1","page":586},{"text":"قلت: والراجح أنها عامة في أشياء كثيرة، فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته وبالإنفاق وبالدية والميراث والجهاد والصداق وطاعة الأمر والقيام بالمصالح وتلبيته إلى فراشه وغير ذلك.\nففي التنزيل: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ...﴾ [النساء: ٣٤].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال رسول الله -ﷺ-: [أيّما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح] (١).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nأي: منيع السلطان لا معترض عليه، حكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه، فهو عالم مصيب فيما يفعل ويشرع.\n٢٢٩ - ٢٣٠. قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات أن الطلاق مرتان، وتحريم المضايقة والظلم في ذلك، وتحريم نكاح الرجل مطلقته المبتوتة إلا بعد نكاحها غيره ثم مفارقتها مفارقة رغبة.\nيروي ابن جرير بسنده إلى ابن زيد قال: (كان الطلاق -قبل أن يجعل الله الطلاق ثلاثًا- ليس له أمد، يطلق الرجل امرأته مئة، ثم إن أراد أن يراجعها قبل أن تحلّ، كان ذلك له. وطلق رجلٌ امرأته، حتى إذا كادت أن تحلّ ارتجعها. ثم استأنف بها طلاقًا بعد ذلك ليضارّها بتركها، حتى إذا كان قبل انقضاء عدتها راجعها. وصنع ذلك مرارًا،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٣٢٣٧) و(٥٢٩٣)، ومسلم في الصحيح (١٤٣٦)، وأبو داود في السنن (٢١٤١).","vol":"1","page":587},{"text":"فلما علم الله ذلك منه جعل الطلاق ثلاثًا: مرتين، ثم بعد المرتين إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان).\nفكانت هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر أول الإسلام، من أن الرجل أحق برجعة امرأته، وإن طلقها مئة مرة ما دامت في العدة، فقصر الله الطلاق على ثلاث طلقات دفعًا للضرر عن المرأة، فأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال جل ذكره: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\nأخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ ... الآية: وذلك أن الرجل كان إذا طلّق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ .. الآية] (١).\nوقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\nقال ابن عباس: (إذا طلّق الرجل امرأته تطليقتين، فليتّق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يُسَرِّحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا).\nوالمقصود أن الزوج مخيّر فيها إذا طلقها واحدة أو اثنتين، ما دامت عِدّتها باقية، إما يردّها لنفسه يريد الإصلاح أو يتركها حتى تنقضي عدتها، فتبيق منه فيطلق سراحها محسنًا إليها.\nوقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: لا يحل لكم أن تُضَاجِروهُنَّ وتضيّقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهُنَّ من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ...﴾ [النساء: ١٩]، فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ... الآية).\n_________\n(١) إسناده حسن. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٢١٩٥)، ورجاله ثقات.","vol":"1","page":588},{"text":"قلت: وأما إن كان بغضها له عن هوى، دون سبب شرعي تقوم به الحجة، ففي سؤالها له الطلاق مخالفة شرعية تستوجب الوعيد الشديد. وقد جاءت السنة الصحيحة بذلك في أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن ثوبان: أن رسول الله -ﷺ- قال: [أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عقبة بن عامر، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ المختلعات والمنتزعات هُنَّ المنافقات] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو نعيم في الحلية بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، أن النبي -ﷺ- قال: [المختلعات والمتبرجات هنّ المنافقات] (٣).\nوله شاهد صحيح أخرجه البيهقي عن أبي أذينة الصدفي أن رسول الله -ﷺ- قال: [خير نسائكم الودودُ الولودُ، المواتيةُ، المواسية، إذا اتّقَيْنَ الله، وشرُّ نسائكم المُتَبرِّجاتُ المتخيلات، وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهق إلا مثلُ الغراب الأعصم] (٤).\nوالأعصم: هو أحمر المنقار والرجلين، وهو كناية عن قلة من يدخل الجنة من النساء، لأن هذا الوصف في الغربان قليل، ويدل على هذا الشاهد الثاني:\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، بسند صحيح عن عمارة بن خزيمة قال: بينا نحن مع عمرو بن العاص في حج أو عمرة، فإذا نحن بامرأة عليها حبائر لها -يعني أسورة- وخواتيم، وقد بسطت يدها على الهودج، فقال: بينما نحن مع رسول الله -ﷺ- في هذا الشِعب إذ قال: انظروا! هل ترون شيئًا؟ فقلنا: نرى غربانًا فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين، فقال رسول الله -ﷺ-: [لا يدخل\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٢٧٧)، والترمذي (١١٨٧)، وقال: حديث حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في الكبير، والطبري في التفسير. انظر صحيح الجامع (١٩٣٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٣٢).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البيهقي في \"السنن\" (٧/ ٨٢) من حديث أبي أذينة الصدفي ﵁، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٨٤٩).","vol":"1","page":589},{"text":"الجنة من النساء إلا من كان منهن مثل هذا الغراب في الغربان] (١).\nوقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\nترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بحق زوجها، وسوء طاعتها إياه. قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء. وقال الحسن بن أبي الحسن: (إذا قالت المرأة لا أطيع لك أمرًا، ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أبرّ لك قسمًا، حل الخلع). وقال الشعبي: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ألا يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة). وقال عطاء بن أبي رباح: (يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها: إني أكرهك ولا أحبك، ونحو هذا ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس: [أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلُق ولا دين، ولكن لا أطيقه! فقال رسول الله -ﷺ-: أتردّين عليه حديقته؟ قالت: نعم] (٢).\nوأخرجه ابن ماجة بسند جيد من حديث عكرمة عن ابن عباس: [أن جميلة بنت سَلُول أتت النبي -ﷺ- فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خُلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقهُ بغضًا! فقال لها النبي -ﷺ-: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فأمره رسول الله -ﷺ- أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد] (٣).\nوأخرجه الإمام مالك في الموطأ: [عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، أنها أخبرته عن حَبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شمّاس، وأن رسول الله -ﷺ- خرج إلى الصُّبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغَلس، فقال رسول الله -ﷺ-: من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنتُ سهل. فقال: ما شأنك؟ فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس -لزوجها-، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله -ﷺ-: هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر. فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله -ﷺ-:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٩٧)، والحاكم (٤/ ٦٠٢)، وانظر المرجع السابق (١٨٥٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٧٣)، (٥٢٧٤)، (٧٢٧٦)، والنسائي (٦/ ١٦٩)، والبيهقي (٧/ ٣١٣) من حديث ابن عباس، ورواه ابن ماجة بلفظ قريب.\n(٣) حديث إسناده جيد. أخرجه ابن ماجة في السنن (٢٠٥٦) بهذا اللفظ من حديث ابن عباس.","vol":"1","page":590},{"text":"خُذْ منها. فأخذ منها وجلست في أهلها] (١).\nوقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس وزوجته، وروى بسندٍ حسن عن عَمْرة، عن عائشة: [أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شمّاس، فضربها فكسر بعضها -وفي رواية أبي داود: نُغْصَها (٢) -، فأتت رسول الله -ﷺ- بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله -ﷺ- ثابتًا، فقال: خُذْ بعض مالها وفارقها. قال: ويصلحُ ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فإني أصدَقْتُها حديقتين، فهما بيدها. فقال النبي -ﷺ-: خذهما وفارقها. ففعل] (٣).\nوقد روى ابن جرير نحوه من حديث جميلة -وهي حبيبة نفسها بالاسم المشهور-: [أنها كانت تحت ثابت بن قيس، فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي -ﷺ- فقال: يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟ قالت: والله ما كرهت منه دينًا ولا خُلُقًا، إلا أني كرِهْتُ دمامته! فقال لها: أتردين الحديقة؟ قالت: نعم. فردّت الحديقة، وفرَّق بينهما] (٤).\nويبدو أنّ ذلك كان أول خُلْعٍ في الإسلام، كما ذكر ابن عباس وغيره.\nفقد أخرج ابن جرير بسنده عن أبي جرير، أنه سأل عكرمة: هل كان للخُلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: [إن أول خُلْعٍ كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبيّ، أنها أتت رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعتُ جانب الخباء، فرأيته قد أقبل في عِدّة، فإذا هو أشدّهم سوادًا، وأقصرهم قامةً، وأقبحهم وجهًا. فقال زوجها: يا رسول الله، إني قد أعطيتها أفضل مالي، حديقةً لي. فإن ردَّت علي حديقتي. قال: ما تقولين؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته. قال: ففرّق بينهما] (٥).\nفائدة (١): الراجح أن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٥٦٤)، وأحمد في المسند (٦/ ٤٣٣)، وأبو داود في السنن حديث رقم- (٢٢٢٧)، وغيرهم.\n(٢) النُّغْصُ: أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه.\n(٣) إسناده حسن. أخرجه أبو داود (٢٢٢٧)، والطبري (٤٨١٢) ورجاله ثقات.\n(٤) إسناده حسن. أخرجه الطبري في التفسير (٤٨١٤)، رجاله ثقات، وله شواهد وطرق.\n(٥) حديث حسن. أخرجه ابن جرير في التفسير (٤٨١١)، ورجاله ثقات، وله شواهد وطرق.","vol":"1","page":591},{"text":"قال الشافعي: (وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق). وقال الشافعي: (اختلف أصحابنا في الخُلْع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت بعد منه: يتزوجها إن شاء الله، لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾).\nقال ابن كثير: (وروى غير الشافعي، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال: رجل طلّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: فعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾). وهو المأثور (١) عن عثمان بن عفان، وابن عمر. وهو قول طاووس، وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل، والشافعي في القديم.\nقال ابن القيم ﵀: (والذي يدل على أنه ليس بطلاق: أن الله ﷾ رتّب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام، كلها منتفية عن الخلع:\nأحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه.\nالثاني: أنه محسوب من الثلاث، فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج وإصابة.\nالثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء.\nوقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع. وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة. وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين، ووقوع ثالثة بعده. وهذا ظاهر جدًّا في كونه ليس بطلاق، فإنه سبحانه قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ...﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوهذا وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين، فإنه يتناولها وغيرها، ولا يجوز أن يعود الضمير إلى من لم يُذكر، ويُخلى منه المذكور، بل إما أن يختص بالسابق أو يتناوله\n_________\n(١) المقصود أن الخلع فسخ وليس بطلاق. انظر تفسير ابن كثير- سورة البقرة (٢٢٩).","vol":"1","page":592},{"text":"وغيره، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهذا يتناول من طلقت بعد فدية وطلقتين قطعًا لأنها هي المذكورة، فلا بد من دخولها تحت اللفظ، وهكذا فهم ترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله -ﷺ- أن يعلمه الله التأويل، وهي دعوة مستجابة بلا شك. وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق، دلّ على أنها من غير جنسه، فهذا مقتضى النص، والقياس، وأقوال الصحابة) (١).\nفائدة (٢): عدة المختلعة حيضة واحدة.\nذهب مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد -في الرواية المشهورة عنه- إلى أن عدة المختلعة عدة المطلقة بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، والسبب أنهم رأوا الخلع طلاقًا.\nوالصحيح أن الخلع فسخ ويلزمه حيضة واحدة للعدة، وقد ثبت هذا في التحقيق: فقد أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن ابن عباس: [أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي -ﷺ-، فأمرها النبي -ﷺ- أن تعتدَّ بحيضة] (٢).\nوأخرج الترمذي بسند جيد عن الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ بن عفراء: أنها اختلعَتْ على عهد رسول الله -ﷺ-، فأمرها النبي -ﷺ- أو أُمِرَت- أن تعتدَّ بحيضة] (٣).\nوله شاهد عند ابن ماجة عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء قال: قلت لها: حدثيني حديثَك. قالت: [اختلعتُ من زوجي، ثم جئت عثمان، فسألت عثمان: ماذا عليَّ من العدة؟ قال: لا عِدَّة عليك، إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة. قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله -ﷺ- في مَرْيمَ المَغَالِيَّة، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه] (٤).\nوقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\nالمقصود: تعظيم شرائع الله التي ذكرها، والوقوف عند حدودها وعدم تجاوزها.\n_________\n(١) انظر زاد المعاد (٥/ ١٩٩).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢٢٢٩)، والترمذي (١١٨٥)، ورجاله ثقات.\n(٣) إسناده جيد. أخرجه الترمذي (١١٨٥)، وقال: الصحيح أنها أُمرت أن تعتدَّ بحيضة.\n(٤) إسناده جيد. أخرجه النسائي (٦/ ١٨٦)، وابن ماجة (٢٠٥٨)، ورجالهم ثقات.","vol":"1","page":593},{"text":"أخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إن الله فرض فرائضَ فلا تُضَيّعوها، وحرَّم حُرمات فلا تنتهكوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها] (١).\nوقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أنس بن مالك: [أن رسول الله -ﷺ- سُئِلَ عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثًا، فتزوجت بعده رجلًا، فطلّقها قبل أن يدخل بها: أتحِلّ لزوجها الأول؟ فقال رسول الله -ﷺ-: لا، حتى يكون الآخر قد ذاق من عُسَيْلَتِها وذاقت من عُسَيْلَتِه] (٢).\nوالمقصود: لا بد لمن طلق امرأته طلقة ثالثة أنها قد حرمت عليه حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، ودخول بها.\nوفي الصحيحين عن عائشة: [أن رجلًا طَلّقَ امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا، فطلقها قبل أن يَمَسَّها، فَسُئِل رسول الله -ﷺ- أتحلُّ للأول؟ فقال: لا، حتى يذوق من عُسَيْلتها كما ذاق الأول] (٣).\nوأخرج أبو داود من طريق أخرى عن عائشة قالت: سئل النبي -ﷺ- عن رجل طَلّقَ امرأته، فتزوّجت رجلًا غيره، فدخل بها ثم طلّقها قبل أن يواقِعَها: أتحِلُّ لزوجها الأول؟ فقال رسول الله -ﷺ-: [لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق عُسَيْلتها وتذوق عُسَيْلته] (٤).\nفإن امتنع الرجل -الزوج الثاني- من جماعها فلا يغيّر ذلك من المسألة شيئًا، إذ لا يجوز لها الرجوع للزوج الأول حتى يطلقها الزوج الثاني بعد الدخول بها.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة: [أنّ رفاعة القُرَظي تزوّج امرأة ثم طلقها، فتزوجت آخر فأتت النبي -ﷺ- فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مِثْلُ\n_________\n(١) حسن بشاهده. أخرجه الدارقطني ص (٥٠٢) ورجاله ثقات. انظر تخريج أحاديث مشكاة المصابيح (١٩٧)، كتاب الإيمان، باب الاعتصام بالكتاب والسنة.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٢٨٤)، وأبو يعلى (٤١٩٩)، ورواه الطبراني وغيره.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٦١)، ومسلم (١٤٣٣)، وأحمد (٦/ ١٩٣)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٣٠٩)، والنسائي (٦/ ١٤٦)، وأحمد (٦/ ٤٢)، وغيرهم.","vol":"1","page":594},{"text":"هُدْبة الثوب، فقال: لا، حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسيلتك] (١).\nورواه أحمد عنها بلفظ: [دخلت امرأة رفاعةَ القُرَظي، وأنا وأبو بكر عند النبي -ﷺ-، فقالت: إن رفاعة طَلَّقني البتَّة، وإن عبد الرحمن بن الزُّبير تزوَّجني، وإنَّ ما عنده مثل الهُدْبَة، وأخَذَتْ هُدْبَة من جلبابها -وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له- فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تَجْهَرُ به بين يدي رسول الله -ﷺ-! فما زاد رسول الله -ﷺ- على التَّبَسُّم، فقال رسول الله -ﷺ-: كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عسيلتك] (٢).\nقلت: وقد ذمّ الله التلاعب بهذا الحكم ولعن من كان قصده من النكاح المؤقت أن يعيدها للأول، فإن اشترك الأول بذلك الاحتيال أصابه اللعن أيضًا، إذ لا بد من الزوج الثاني أن يكون راغبًا في المرأة، قاصدًا لدوام عشرتها، كما هو مقصود التزويج.\nفقد أخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود، عن رسول الله -ﷺ- قال: [لعن الله المُحَلِّلَ والمُحَلَّل له] (٣).\nوله شاهد في سنن النسائي من حديث الحارث الأعور، عن عبد الله بن مسعود قال: [آكل الربا ومُوكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتد على عقبيه أعرابيًا بعد هجرته، والمحلِّل والمحلِّل له، ملعونون على لسان محمد -ﷺ- يوم القيامة] (٤).\nوأخرج الحاكم في المستدرك بسند حسن عن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: [جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طَلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوّجَها أخ له من غير مؤامرة منه لِيُحِلَّها لأخيه، هل تحلُّ للأول؟ فقال: لا، إلا نكاح رَغْبَةٍ، كنا نَعُدُّ هذا سفاحًا على عهد رسول الله -ﷺ-] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣١٧)، كتاب الطلاق. باب: إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوَّجت بعد العِدَّة زوجًا غيره فلم يمسِّها. وانظر حديث رقم (٢٦٣٩) منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣٤)، وانظر صحيح البخاري (٢٦٣٩)، وصحيح مسلم (١٤٣٣). من حديث امرأة رفاعة القرظي ﵁.\n(٣) حسن بشواهده. أخرجه أحمد (١/ ٤٥٠ - ٤٥١)، وانظر سنن الترمذي (١١٢٠).\n(٤) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٨٧١٩)، (٩٣٨٩)، وأحمد (١/ ٤٠٩).\n(٥) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٢/ ١٩٩)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨)، ورواه الطبراني. وإسناده حسن.","vol":"1","page":595},{"text":"وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر أنه قال: (لا أوتى بِمحلِّل ولا محلَّلٍ له إلا رجمتهما). وروى البيهقي عن سليمان بن يسار: (أن عثمان بن عفانَ رُفِعَ إليه رجل تزوّج امرأة لِيُحِلَّها لزوجها، ففرّق بينهما) ذكرهما الحافظ ابن كثير.\nوقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.\nأي: الزوج الثاني رغبة منه بذلك بعد دخوله بها كما نكحها رغبة منه بالنكاح، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ أي: المرأة والزوج الأول بعقد ومهر جديدين. قال ابن عباس: (إذا تزوجت بعد الأول فدخل الآخر بها، فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها، فقد حلّت له).\nوقوله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.\nقال مجاهد: (إن ظنا أن نكاحهما على غير دُلْسَةٍ). وقال ابن كثير: (أي: يتعاشرا بالمعروف). وهو قول طاووس: (إن ظنا أن كل واحد منهما يُحسن عشرة صاحبه). وقيل: حدود الله فرائضه. وقيل: يدخل في ذلك خدمة المرأة زوجها وقيامه بالنفقة والرعاية. قال القرطبي: (وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا -يعني أمر خدمة المرأة زوجها-، ألا ترى أن أزواج النبي -ﷺ- وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك، ويأخذونهن بالخدمة، فلولا أنها مستحقة لما طالبوهنّ ذلك).\nقلت: ومما يؤيد وجوب خدمة المرأة زوجها وبيته وذريته بالمعروف، ما أخرج النسائي في \"عشرة النساء\"، وأحمد في المسند بسند صحيح عن حصين بن محصن قال: [حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله -ﷺ- في بعض الحاجة فقال: أي هذه! أذات بعل؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه (١)، إلا ما عجزت عنه، قال: فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك] (٢).\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾.\nأي: شرائعه وفرائضه وأحكامه. ﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يوضحها لأهل العلم.\n_________\n(١) أي لا أقصر في طاعته وخدمته والقيام على أمره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"عشرة النساء\"، وأحمد (٤/ ٣٤١)، والبيهقي (٧/ ٢٩١).","vol":"1","page":596},{"text":"قال القرطبي: (وإنما قال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لأن الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده. والعالم يحفظ ويتعاهد، فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال).\n٢٣١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾.\nفي هذه الآية: النهي عن الإضرار بالزوجة حالة الطلاق، والأمر بذكر نعمة الله وما أنزل من الكتاب والحكمة، والحث على التقوى فهي عماد الفلاح.\nقال مجاهد: (نهى الله عن الضرار، أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الأجل، حتى يفي لها تسعة أشهر، ليضارها به).\nوقال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية: (هذا أمر من الله ﷿ للرجال، إذا طلَّق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عِدَّتُها، ولم يبْقَ منها إلا مقدار ما يُمكنه فيه رجْعَتُها، فإما أن يُمسكَها، أي يرتجعها إلى عِصْمَةِ نكاحه بمعروف، وهو أن يُشْهِدَ على رجعتها، وينوي عِشْرَتَها بالمعروف، أو يسرِّحَهَا، أي يتركها حتى تنقضي عِدَّتها ويُخْرِجُها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شِقاق ولا مخاصمة ولا تقابُح).\nوقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.\nإنكار لما كانوا عليه أيام الجاهلية في شأن الطلاق. قال ابن عباس: (كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها. يفعل ذلك يضارُّها ويعضُلها، فأنزل الله هذه الآية). وقال الضحاك: (هو الرجل يطلق امرأته واحدة ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها، ليضارها بذلك، لتختلع منه).\nومقصود الرجل بذلك أن يضرها لئلا تذهب لغيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول علمها العدة، وهذا هو الضرر الذي نهى الله عنه وتوعد","vol":"1","page":597},{"text":"فاعله بقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. قال ابن جرير: (يعني: فأكسبها بذلك إثمًا، وأوجب لها من الله عقوبة بذلك).\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.\nيعني: أحكامه وشرائعه وأمره ونهيه. أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [ثلاث جِدُّهن جدّ، وهَزْلُهُنَّ جدّ: النكاح والطلاق والرجعة] (١).\nوروي عن علي وابن مسعود: (ثلاث لا لعب فيهن واللاعب فيهن جاد: النكاح والطلاق والعتاق).\nوقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.\nأي: بالإسلام، وبيان الأحكام، وترك أمور الجاهلية.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾.\nقال القرطبي: (والحكمة: هي السنة المبيِّنة على لسان رسول الله -ﷺ- مرادَ الله فيما لم ينص عليه في الكتاب).\nوقوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾.\nأي: يخوفكم مغبة المخالفة والمعصية.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nأمر بمراقبة الله سبحانه في السر والعلانية وتعظيم شرعه ودينه، فإنه لا يخفى عليه شيء من أموركم وسيحاسبكم بها يوم ترجعون إليه.\n٢٣٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجة (٢٠٣٩).","vol":"1","page":598},{"text":"أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾.\nفي هذه الآية: النهي عن التضييق على المطلقات بمنعهن من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد.\nأخرج البخاري في صحيحه عن معقل بن يسار قال: [كانت لي أختٌ تُخْطَبُ إليَّ. وعن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجُها، فتركها حتى انقضت عِدَّتُها فخطبها، فأبى مَعْقِلٌ، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾] (١).\nقال ابن عباس: (كان الرجل يطلق امرأته فتبين منه وينقضي أجلها، ويريد أن يراجعها وترضى بذلك، فيأبى أهلها، قال الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ذكره ابن جرير.\nوقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾:\nيعني: لا تضيّقوا عليهن بمنعكم إياهن أيها الأولياء من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد، تبتغون بذلك مُضَارّتهن.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nيعني: هذا النهي عن عضل النساء في عودتهن لأزواجهن بعقد ومهر جديدين إنما يوعظ به من كان يؤمن بشرع الله ويخاف عذابه.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾\nقال ابن كثير: (أي: اتباعكم شرْعَ الله في ردّ المولياتِ إلى أزواجهن، وترك الحمِيّة في ذلك، أزكى لكم وأطهر لقلوبكم).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nيعني بذلك الحكمة من الأمر والنهي التي لا يعلمها إلا هو، فلا يظهر على كامل مصالح التشريع إلا الله ﷿.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٢٩)، (٤٣٣٠)، وأبو داود (٢٠٨٧)، والترمذي (٢٩٨١).","vol":"1","page":599},{"text":"٢٣٣. قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾.\nفي هذه الآية: يخبر ﷾ عباده عن المدة المثلى للرضاعة، فيرشد الوالدات أن يرضعن أولادهن كمال المدة، وهي سنتان. وعلى الوالدِ رزق المرضع والكسوة بالمعروف، وعلى وارث المولود ما كان على الوالدِ من أجر الرضاع، إذا كان الوالد لا مال له، ولا حرج عليكم في استرضاع أولادكم خشية الضياع.\nقال ابن عباس: (فجعل الله سبحانه الرضاع حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، ثم قال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده). وكان ابن عمر وابن عباس يقولان: (لا رضاع بعد الحولين).\nأخرج الترمذي بسند جيد عن أم سلمة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: [لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام] (١).\nوله شاهد عن ابن ماجة من حديث الزبير بلفظ: [لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء].\nوفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال: [لما مات إبراهيم ابن النبي -ﷺ-، قال رسول الله -ﷺ-: إنّ له مُرضعًا في الجنة] (٢). يعني تكمل له رضاعه، وذلك أن إبراهيم - ابن النبي -ﷺ- توفي وله سنة وعشرة أشهر.\nوعند الدارقطني موقوفًا على ابن عباس: [لا يُحَرّم من الرضاع إلا ما كان في\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه الترمذي (١١٥٢). باب ما جاء أن الرضاعة لا تُحَرمُ إلا في الصغر دون الحولين، وانظر صحيح الجامع الصغير (٧٣٧٢) من أجل الشاهد بعده.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٨٢)، وأحمد (٤/ ٣٠٠)، وابن حبان (٦٩٤٩)، وغيرهم.","vol":"1","page":600},{"text":"الحولين] (١). وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومالك في رواية عنه.\nوأما رضاع الكبير فقد جاء في حادثة عين، وهي في شأن سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي -ﷺ- امرأة أبي حذيفة أن ترضعه، وكان كبيرًا، يُحتاج لدخوله وخدمته المستمرة، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة.\nففي صحيح مسلم عن عائشة قالت: [جاءت سَهْلَةُ بنتُ سُهَيْلٍ إلى النبي -ﷺ-. فقالت: يا رسول الله! إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالِمٍ -وهو حَلِيفُهُ- فقال النبي -ﷺ-: أرضعيه. قالت: وكيف أُرْضِعُهُ؟ وهو رجل كبير، فتبسّم رسول الله -ﷺ- وقال: قد علمتُ أنه رجل كبير] (٢).\nوفي رواية: [قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلامُ الأيْفَعُ الذي ما أُحِبّ أن يدخل عليَّ. فقالت عائشة: أما لك في رسول الله -ﷺ- أُسوَةٌ حسنة؟ قالت: إنّ امرأةَ أبي حذيفةَ قالت: يا رسول الله! إن سالمًا يدخُلُ عليَّ وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء. فقال رسول الله -ﷺ-: أرضعيه حتى يدخُلَ عليك].\nوقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nقال سفيان: (على الأب طعامها وكسوتها بالمعروف). وقال الضحاك: (إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدًا، فتراضيا على أن تُرضع حولين كاملين، فعلى الوالد رزق المرضع والكسوة بالمعروف على قدر الميسرة، لا تُكلف نفسًا إلا وسعها).\nوالمقصود أن على والد الطفل النفقة على الوالدات وكسوتهن بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن دون إسراف وإقتار، وهو مفهوم قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nوفي التنزيل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧].\nوقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال سفيان: (إلا ما أطاقت).\n_________\n(١) حديث موقوف في حكم المرفوع، أخرجه الدارقطني (٤/ ١٧٤)، ومالك (٢/ ٦٠٢).\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (١٤٥٣) في الرضاع، باب رضاعة الكبير. وسالم هو سالم بن عبيد بن ربيعة تبناه أبو حذيفة على عادة العرب. ولما نزل ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ بطل حكم التبني فشق عليهما أن يمنعاه من الدخول لسابق الألفة، فسألته سهلة ذلك.","vol":"1","page":601},{"text":"وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾\nقال مجاهد: (لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على أبيه، ولا يضار الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه ليحزُنَها).\nوقال قتادة: (نهى الله تعالى عن الضِّرار وقدَّم فيه، فنهى الله أن يضار الوالد فينتزع الولد من أمه، إذا كانت راضية بما كان مسترضِعًا به غيرها، ونهيت الوالدة أن تقذف الولد إلى أبيه ضرارًا). وقال الضحاك: (لا تضار أم بولدها فتقذفه إليه إذا كان الأب حيًّا، أو إلى عصبته إذا كان الأب ميتًا. ولا يضارّ الأبُ المرأةَ إذا أحبت أن ترضع ولدها ولا ينزعه).\nوقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.\nقال قتادة: (على وارث المولود ما كان على الوالد من أجر الرضاع، إذا كان الوالد لا مال له، على الرجال والنساء على قدر ما يرثون).\nأخرج أبو داود وأحمد بسند حسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله -ﷺ-: [مَنْ ملكَ ذا رحِم مَحْرَمٍ فهو حرّ] (١). وفي لفظ: [عُتِقَ عليه].\nمما يدل على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض في العسر والضيق، وهو مذهب الجمهور.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.\nقال مجاهد: (التشاور فيما دون الحولين، ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى). والمقصود بالفصال: فصال ولدهما من اللبن. قال السدي: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾، يقول: إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين). وفي التنزيل: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].\nوقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nيعني: كما قال ابن جرير: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم مراضعَ غير أمهاتهم،\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣٣٤٢)، وصحيع سنن ابن ماجة (٢٠٤٦)، ومسند أحمد (٥/ ١٥).","vol":"1","page":602},{"text":"إذا أبت أمهاتهم أن يرضعنهم بالذي يرضعنهم به غيرهن من الأجر، أو من خيفة ضيْعة منكم على أولادكم بانقطاع ألبان أمهاتهم، أو غير ذلك من الأسباب، فلا حرج عليكم في استرضاعهن، إذا سَلَّمتم ما آتيتم بالمعروف).\nوقوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nقال السدي: (إن قالت - يعني الأم -: \"لا طاقة لي به، فقد ذهب لبني\"، فسترضع له أخرى، وليسلَّم لها أجرها بقدر ما أرضعت).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nأمر بالرجوع في كل الأحوال إلى سرّ النجاة وأصل القبول وهو التقوى، فإن الله لا تخفى عليه خافية.\n٢٣٤. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾.\nفي هذه الآية: بيان الله تعالى عدّة المتوفى عنها زوجها، وهي أربعة أشهر وعشر ليال.\nقال ابن عباس في هذه الآية: (فهذه عدة المتوفّى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملًا، فعدتها أن تضع ما في بطنها).\nولا شك أن اعتداد المرأة المتوفى عنها زوجها - أربعة أشهر وعشر ليال - يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، لعموم هذه الآية ولثبوت ذلك في السنة الصحيحة.\nفقد أخرج أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عتبة بن مسعود: [أن عبد الله بن مسعود أُتي في رجل - بهذا الخبر -: (في رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق). فقال: لها الصداق كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث. فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله - ﷺ -، قضى به في بَزوَعَ بنتِ واشق].","vol":"1","page":603},{"text":"وفي رواية: [فاختلفوا إليه شهرًا، أو قال: مرات، قال: فإني أقول فيها: إن لها صداقًا كصداق نسائها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، وإنّ لها الميراث، وعليها العدة، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان. فقام ناس من أشجع فيهم الجراح، وأبو سنان فقالوا: يا ابن مسعود! نحن نشهد: أن رسول الله - ﷺ - قضاها فينا، في بَروعَ بنتِ واشق، وإن زوجها هلال بن مرة الأشجعي، كما قضيت. قال: ففرح عبد الله بن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله - ﷺ -] (١).\nويستثنى في هذه العدة المذكورة بالآية: الأمَةُ والحامل.\nفإن الزوجة إذا كانت أمة، فإن عِدَّتها حيضة. قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: (عدتها حيضة)، وهو قول ابن عمر. فإن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ قد علّق وجوب ذلك بكون المتربصة زوجة، فدل على أن الأمة بخلافها. ثم إن الأمة موطوءة بمِلْك اليمين فكان استبراؤها بحيضة.\nفقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد أن النبي - ﷺ - قال في سبي أوطاس: [لا توطأ حامل حتى تضمع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة] (٢).\nوأخرج البخاري تعليقًا عن ابن عمر ﵄ قال: [إذا وهبت الوليدة التي توطأ، أو بيعت، أو عتقت، فليستبرأ رحمها بحيضة، ولا تستبرأ العذراء] (٣).\nوأما الحامل فعدتها بوضع الحمل. قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فإن وضعت ولو بعد لحظة فقد انقضت عدتها. وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربَّصَ بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين.\nوقد ثبت انقضاء العدة بوضع الحمل في السنة الصحيحة: فقد أخرج البخاري ومسلم عن المسور بن مخرمة: [أن سُبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال،\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١٨٥٧)، (١٨٥٨)، باب فيمن تزوج ولم يُسَمِّ صداقًا حتى مات. وانظر سنن النسائي (٦/ ١٢١)، والترمذي (١١٤٥)، وابن ماجة (١٨٩١)، ومسند أحمد (٣/ ٤٨٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢١٤٣)، وانظر صحيح سنن أبي داود (١٨٨٩).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٢٣/ ٤) تعليقًا، وتخريج أحاديث الإرواء (٢١٣٩).","vol":"1","page":604},{"text":"فجاءت النبي - ﷺ - استأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت] (١).\nوقد جاء تفصيل آخر لهذا الحديث في رواية جامعة مفيدة في ذلك:\nففي صحيح البخاري من حديث سُبَيْعَة: [أنها كانت تحت سَعْدِ بنِ خولةَ - وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرًا - فتوفي عنها في حَجَّةِ الوداع وهي حامل، فلم تَنشَبْ أنْ وضعت حَمْلَها بعد وفاتِه، فلما تَعَلَّتْ من نِفاسها تَجَمَّلتْ للخُطّاب، فدخل عليها أبو السَّنابل بنُ بَعْكَكٍ، رجل من بني عَبْد الدّار، فقال لها: ما لي أراك تَجَمَّلْت للخُطّاب؟ تُرَجِّين النكاح؟ فإنك والله ما أنت بناكح حتى تَمُرَّ عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سُبيعة: فلمّا قال لي ذلك جَمَعْتُ عليَّ ثيابي حين أمسيت وأتيتُ رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حَلَلْتُ حين وضَعْتُ حملي وأمَرَني بالتّزوُجِ إن بدا لي] (٢).\nويبدو أن الحكمة من جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا استبراء الرحم من الحمل. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود: [إن خَلْقَ أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغة مثل ذلك، ثم يُبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح] (٣).\nقال الحافظ ابن كثير: (فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد تنقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم).\nويروي ابن جرير بسنده عن قتادة: سألت سعيد بن المسيّب: ما بال العشر؟ قال: (فيه ينفخ الروح). وبنحوه ذكر الربيع بن أنس عن أبي العالية: (لأنه ينفخ فيها الروح).\nوقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\nفيه وجوب الإحداد على المرأة التي توفي عنها زوجها.\nففي الصحيحين عن أم حبيبة وزينب بنت جحش، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يحل\n_________\n(١) متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٥٣٢٠)، وأخرجه مسلم برقم (١٤٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣٩٩١)، كتاب المغازي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأحمد (١/ ٣٨٢)، وغيرهم.","vol":"1","page":605},{"text":"لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشْرًا] (١).\nوفي الصحيحين عن أم سلمة: [أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينُها أفَنكحُلُها؟ فقال: لا. كل ذلك يقول - لا - مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعَشْرٌ، وقد كانت إحداكُنَّ في الجاهلية تمكث سنة. قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجُها، دخلت حِفْشًا ولبست شَرَّ ثيابها، ولم تمسَّ طيبًا ولا شيئًا حتى تمرَّ بها سنة، ثم تخرج فَتُعْطى بَعْرَةً فترمي بها، ثم تُؤتى بدابّة حمارٍ أو شاةٍ أو طيرٍ فتَفْتَضُّ به. فقلّما تَفْتَضُّ بشيء إلا مات] (٢).\nقلت: وترك الزينة من الطيب والثياب والحلي واجب في الإحداد. وقد جاءت النصوص الصحيحة بذلك في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أم عطية قالت: [كنا ننهى أن نُحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحل، ولا نطيّب، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نُبذة من كُسْتِ أظفارٍ، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أم سلمة، أن النبي - ﷺ - قال: [المتوفى عنها زوجها لا تلبَسُ المعصفَر من الثياب، ولا الممشَّقة، ولا الحُليَّ، ولا تختضِبُ، ولا تكتحِلُ] (٤).\nوقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾.\nقال الضحاك: (أي انقضت عدتهن).\nوقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.\nقال الزهري: (أي على أوليائها). ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال مجاهد:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣٣٤)، و(٥٣٤٥)، ومسلم (١٤٨٦)، وأحمد (٦/ ٣٢٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨)، وأبو داود (٢٢٩٩)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣٤١)، ومسلم (٩٣٨)، (١١٢٨). وأخرجه النسائي (٦/ ٢٠٣)، وأبو داود (٢٢٨٥)، وابن ماجة (٢٠٨٧) بنحوه.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود (٢٠٢٠)، وسنن النسائي (٢٠٣/ ٦) \"دون ذكر الحلي\".","vol":"1","page":606},{"text":"(النكاح الحلال الطيب). وقال ابن عباس: (إذا طلِّقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عِدَّتها فلا جناح عليها أن تتزيّن وتتصنَّع وتتعرّض للتزويج، فذلك المعروف).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أيها الأولياء، في أمر من أنتم وليُّه من نسائكم، من عَضْلهِنَّ وإنكاحهنّ ممن أردن نكاحَه بالمعروف، ولغير ذلك من أموركم وأمورهم، \"خبير\"، يعني ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء).\n٢٣٥. قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾.\nفي هذه الآية: الخطاب للرجال فيما يعرّضون به من خطبة النساء - للنساء المعتدات من وفاة أزواجهن في عِددهن - دون تصريح بعقد النكاح، فإنه لا جناح في ذلك.\nيروي البخاري تعليقًا، عن مجاهد، عن ابن عباس: (﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾، هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولَوَدِدْتُ أن ييسر الله لي امرأة صالحة).\nويروي ابن جرير بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس قال: (التعريض أن يقول: إني أريد التزويج، وإني لأحب امرأة من أمرها وأمرها، يعرض لها بالقول المعروف). وقال أيضًا: (التعريض أن يقول للمرأة في عِدَّتها: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله). وقال نحوه: (إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك، ولوددت أن الله قد هيّأ بيني وبينك).\nوفي صحيح مسلم عن فاطمة بنت قيس: [أن أبا عمرو بنَ حَفْصٍ طَلَّقها البتّة وهو غائب، ... فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدّي عند ابنِ أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حَلَلْتِ فآذنيني. قالت: فلما حَلَلْتُ ذكرت له، أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جَهْمٍ خطباني،","vol":"1","page":607},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -. أما أبو جَهْمٍ فلا يضَعُ عصاه عن عاتِقِه، وأما معاوية فصُعْلوكٌ (١) لا مال له، انكِحي أسامةَ بنَ زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة، فنكحته. فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت (٢) به] (٣).\nوالحديث يدل على جواز التعريض أيضًا للمطلقة المبتوتة، وأما المطلقة الرجعية فلا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها أو التعريض لها.\nوقو له: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.\nأي: أخفيتم في أنفسكم من خطبتهن وعزم نكاحهن فأسررتم ذلك ولم تعزموا عقدة النكاح، فهو مباح لكم أيضًا.\nقال مجاهد: (الإكنان: ذكر خِطبتها في نفسه، لا يُبديه لها. هذا كله حِلٌّ معروف).\nوفي لغة العرب: كنَّ الرجل الأمر إذا ستره وأخفاه. ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، أي مخبوء. وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩].\nوقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾.\nأي: في أنفسكم. قال مجاهد: (ذكرك إياها في نفسك).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.\nفيه أقوال:\n١ - عن قتادة: (﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال: الزنا). وقال الحسن: (الفاحشة).\n٢ - عن ابن عباس: (﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، القول: لا تقل لها: إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا). وقال عكرمة: (لا يأخذ ميثاقها في عدتها أن لا تتزوج غيره).\n_________\n(١) أي فقير في الغاية.\n(٢) الغبطة أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه، وليس هو بحسد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٨٠)، كتاب الطلاق. باب المطلقة البائن لا نفقة لها.","vol":"1","page":608},{"text":"٣ - قال مجاهد: (قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك، فإني ناكحك. هذا لا يحل).\n٤ - قال ابن زيد: (لا تنكحوهن سرًّا، ثم يمسكها، حتى إذا حلّت أظهرتَ ذلك وأدخلتَها). واختار ابن جرير القول الأول، والظاهر أن الآية عامة في كل ما سبق ونحوه، ويدل على ذلك قوله تعالى بعده: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال مجاهد: (يعني التعريض).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.\nقال قتادة: (حتى تنقضي العدة).\nيعني: لا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة. وهو قول ابن عباس ومجاهد والربيع وغيرهم.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾.\nقال ابن كثير: (توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يُؤْيِسْهُم من رحمته، ولم يُقْنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾).\n٢٣٦. قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾.\nفي هذه الآية: إباحة طلاق المرأة ما لم يسمّ لها صداقًا أو يمسّها إذا عَيّن لها شيئًا من المتعة بالمعروف.\nقال ابن عباس وطاووس وإبراهيم والحسق البصري: (المسُّ: النكاح). وفي لفظ لابن عباس: (المسّ الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء). وقال: (الفريضة الصداق).\nوالآية تدل على إباحة طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها، بل وقبل","vol":"1","page":609},{"text":"الفرض لها، ولكن عليه مقابل ذلك - جبرًا لكسر قلبها - أن يعوضها لتطيب نفسها بشيء تعطاه.\nقال ابن عباس: (فهذا الرجل يتزوج المرأة ولم يُسمِّ لها صداقًا، ثم يطلقها من قبل أن ينكحها، فأمر الله سبحانه أن يمتعها على قدر عُسره ويُسره. فإن كان موسرًا متَّعها بخادم أو شبه ذلك، وإن كان معسرًا متعها بثلاثة أثواب أو نحو ذلك) ذكره ابن جرير.\nوقال الشَّعبي: (وَسَطٌ من المتعة ثياب المرأة في بيتها، درعٌ وخمار وملحفة وجلباب). وقال الربيع بن أنس في الآية: (هو الرجل يتزوج المرأة ولا يسمّي لها صداقًا، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، فلها متاع بالمعروف ولا صداق لها. قال: أدنى ذلك ثلاثة أثواب، درع وخمار، وجلبابٌ، وإزار).\nوقال الشافعي في الجديد: (لا يُجْبر الزوج على قدر معلوم، إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إليّ أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة). وقال في القديم: (لا أعرف في المتعة قدرًا، إلا أني أستحسن ثلاثين درهمًا، كما روي عن ابن عمر ﵄).\nوفي صحيح البخاري عق سهل بن سعد وأبي أسيد، أنهما قالا: [تزوج رسول الله - ﷺ - أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسَيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازِقِيَّين] (١).\nويبدو من الآية أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها، ولم يفرض لها، فإن كان دخل بها وجب لها مهر مثلها، وإن لم يدخل وكان قد فرض لها وطلقها وجب لها عليه نصف المهر، وبغير ذلك فهو على الاستحباب.\nأخرج البيهقي بسند حسن عن جابر قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة، فأتت النبي - ﷺ - فقال لزوجها: متعها، قال: (لا أجد ما أمتعها، قال: فإنه لا بد من المتاع، قال: [مَتِّعْها ولو نصف صاع من تمر]. وفي رواية: [مَتِّعْها، فإنه لا بُدَّ من المتاع، ولو نِصْفَ صاعٍ من تَمْرٍ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٥٦)، كتاب الطلاق. والرازقية: ثياب بيض طوال من كتان.\n(٢) حديث حسن. أخرجه البيهقي (٧/ ٢٥٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٢٨١). قال الألباني: وهذا إسناد حسن.","vol":"1","page":610},{"text":"٢٣٧. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾.\nفي هذه الآية: دلالة على ما سبق ذكره، إذ أوجب الله نصف المهر على من طلق قبل الدخول ولا شيء آخر، فالمتعة أمر يخص الحالة السابقة حيث لم يسمّ المهر.\nقال الشافعي: (أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جُرَيج، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاووس، عن ابن عباس، أنه قال - في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها -: ليس لها إلا نصف الصداق، لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. وقال الشافعي: (بهذا أقول، وهو ظاهر الكتاب).\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾.\nيعني: النساء: فتتجاوز عن حقها الذي يجب لها.\nقال الربيع: (المرأة تدع لزوجها النصف).\nوقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - عن ابن عباس: (أذن الله في العفو وأمر به، فإن عفت فكما عفت، وإن ضَنّت وعفا وليُّها جاز وإن أبت). وقال أيضًا: (﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وهو أبو الجاريه البكر، جعل الله سبحانه العفو إليه، ليس لها معه أمر إذا طُلقت، ما كانت في حِجره). وقال علقمة: (هو الولي).\n٢ - وعن الحسن قال: (هو الذي أنكحها).\n٣ - وعن شريح قال: (﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: الزوج يتمّ لها الصداق).\nيروي الدارقطني عن جبير بن مطعم: [أنه تزوج امرأة من بني نصر - بطن من هوازن - فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصداق كاملًا وقال: أنا أحق بالعفو","vol":"1","page":611},{"text":"منها، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وأن أحق بالعفو منها].\nقلت: والراجح القول الأول والثاني، وأما الثالث فبعيد عن مفاد السياق. ويمكن القول: إنه معلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما، فبيّن الله القسمين فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: إن كنّ لذلك أهلًا، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الولي، لأن الأمر فيه إليه. وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر. وقال عكرمة: (يجوز عفو الذي عقد عقدة النكاح بينهما، كان عمًا أو أبًا أو أخًا، وإن كرهت).\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.\nقال ابن عباس: (أقربهما للتقوى الذي يعفو). والخطاب للرجال والنساء، وقال مجاهد: (المفضل - هاهنا - أن تعفو المرأة عن شطرها، أو إتمام الرجل الصداق لها).\nوقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.\nيعني: الإحسان قال قتادة: (يرغبكم الله في المعروف ويحثكم على الفضل).\nوقال سعيد: (لا تنسوا الإحسان).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nأي: لا يخفى عليه أمر وحال، وسيجزي كل محسن بإحسانه، وكل مسيء بإساءته.\n٢٣٨ - ٢٣٩. قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرٌ من الله سبحانه بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، والتأكيد على الصلاة الوسطى. ومراعاة الأحوال لصلاة القتال حتى يحصل الاستقرار في حالة الأمن.","vol":"1","page":612},{"text":"أخرج الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن زيد بن ثابتا قال: [كان رسول الله - ﷺ - يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشدَّ على أصحاب رسول الله - ﷺ - منها، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين] (١).\nورواه أحمد من وجه آخر: [كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان والناس في قائلتهم وفي تجارتهم فنزلت] ذكره الحافظ في الفتح.\nقلت: وهذا الحديث يأمر بالمحافظة على الصلوات كما تأمر الآية، وليس فيه تحديد لصلاة الوسطى.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: [سألت رسول الله - ﷺ -: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة في وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: حدثني بهن رسول الله - ﷺ - ولو استزدته لزادني] (٢).\nوالصلاة الوسطى على الراجح أنها صلاة العصر، وبه قال أكثر الصحابة والتابعين.\nقال ابن عبد البر: (هو قول أكثر أهل الأثر).\nوقد جاءت السنة الصحيحة بهذا التحديد، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن علي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال يوم الخندق: [ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند عن سمرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [صلاة الوسطى صلاة العصر] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد عن علي، قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٨٣)، وأبو داود (٤١١)، ورجاله ثقات.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٢٧)، (٥٩٧٠)، (٧٥٣٤)، وأخرجه مسلم برقم (٨٥)، وأحمد (١/ ٤٥١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٩٣١)، كتاب الجهاد والسير.\n(٤) صحيح لشواهده. أخرجه أحمد (٥/ ٢٢)، وانظر كتابي: السيرة النبوية (٢/ ٩٢٥) لتفصيل البحث.","vol":"1","page":613},{"text":"الأحزاب: [شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا] (١). ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء.\nالحديث الرابع: يروي ابن أبي حاتم في التفسير، وكذلك ابن جرير عن عاصم، عن زر، قال: قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: [كنا نراها الفجر أو الصبح، حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم نارًا] (٢).\nوقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.\nيعني: خاشعين مخبتين غير متبادلين للكلام.\nقال الشعبي: (﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: مطيعين). وقال السدي: (القنوت، في هذه الآية، السكوت). وقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: [كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت] (٣).\nوأخرج الإمام أحمد، والطبراني - ورجاله رجال الصحيح - من حديث ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: [كانوا يتكلمون في الصلاة يجيء خادم الرجل إليه فيكلمه بحاجته وهو في الصلاة، فنهوا عن الكلام] (٤).\nوفي صحيح مسلم أنه - ﷺ - قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة: [إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله] (٥).\nولذلك امتنع النبي - ﷺ - من الرد على ابن مسعود حين سلّم عليه وهو في الصلاة - كما يروي البخاري عنه - قال: [كنا نُسَلّم على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة فيردّ علينا، فلما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٨١)، وانظر صحيح مسلم (٦٢٧) من حديث محمد بن حازم.\n(٢) رواه ابن جرير في التفسير. وذكره الحافظ ابن كثير - في التفسير - سورة البقرة (٢٣٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٣٤)، ومسلم (٥٣٩)، وأحمد (٤/ ٣٦٨)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - البقرة (٢٣٨).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٥٣٧)، وابن حبان (٢٢٤٨)، والبيهقي (٢/ ٢٤٩).","vol":"1","page":614},{"text":"رجعنا من عند النجاشي سَلَّمْنا عليه فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا] (١).\nوقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.\nأي: إن خفتم العدو أثناء القتال، فصلوا مشاة أو على ظهور دوابكم، إن خشيتم الصلاة قيامًا على الأرض.\nقال إبراهيم: (عند المطاردة، يصلي حيث كان وجهه، راكبًا أو راجلًا، ويجعل السجود أخفضَ من الركوع، ويصلي ركعتين يومئ إيماء).\nوكان قتادة يقول: (إن استطاع ركعتين وإلا فواحدة، يومئ إيماء، إن شاء راكبًا أو راجلًا، قال الله تعالى ذكره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾).\nوفي صحيح البخاري عن نافع عن ابن عمر - في صفة صلاة الخوف - قال: [فإن كان خَوْفٌ هو أشدَّ من ذلك صَلّوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها] (٢). قال مالك: قال نافع: (لا أُرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله - ﷺ -).\nوأما دليل الركعة الواحدة - عِند اشتداد الالتحام - فهو ما روى مسلم عن ابن عباس قال: [فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة] (٣). وإلى ذلك ذهب الإمام أحمد في أن صلاة الخوف تُفْعل أحيانًا ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان وحمي الوطيس.\nوقد ذكر البخاري تحت: \"باب: الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو\": (وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح، ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماءٌ، كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٩٩)، باب ما يُنهى من الكلام في الصلاة، ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٥٣٥)، كتاب التفسير، ورواه مسلم برقم (٨٣٩)، ومالك في الموطأ (١/ ١٨٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٦٨٧)، وأحمد في المسند (١/ ٢٣٧)، وأبو داود في السنن (١٢٤٧)، والنسائي (٣/ ١٦٨).","vol":"1","page":615},{"text":"فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا) (١).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.\nقال مجاهد: (خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة). وقال ابن زيد: (فإذا أمنتم فصلوا الصلاة كما افترض الله عليكم - إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة). يعني أتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها حالة الأمن والاستقرار والانتهاء من الخوف والسفر.\nوقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: مثل ما أنعم عليكم وهداكم للإيمان وعلّمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد ذكر صلاة الخوف: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾).\n٢٤٠ - ٢٤٢. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾.\nفي هذه الآيات: كانت المتوفى عنها زوجها تجلس ببيت المتوفى عنها حولًا حتى نسخ الحول بأربعة أشهر وعشر ليال. ومتعة الطلاق لا بدّ منها.\nالجمهور على نسخ الآية الأولى بالتي قيلها، فقد كانت المتوفى عنها زوجها تجلس في بيت المتوفّى عنها حولًا، وينُفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها، ثم نُسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقةُ بالرُّبُع والثُّمن في سورة النساء كما ذكر ابن عباس وقتادة\n_________\n(١) ذكره البخاري في الصحيح (١/ ٢٨٣) في \"كتاب الخوف - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو\" بإثر حديث (٩٤٤).","vol":"1","page":616},{"text":"والضحاك وابن زيد والربيع. وفي السكنى خلاف للعلماء كما ذكر القرطبي وابن كثير.\nأخرج البخاري عن ابن الزبير قال: [قلت لعثمان: هذه الآية التي في \"البقرة\": ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إلى قوله ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تَدَعُها؟ قال: يا ابن أخي لا أغيّر شيئًا منه من مكانه] (١).\nوذكر ابن جرير عن مجاهد: (إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدّة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرًا، ثم جعل الله لهن وصية منه سُكْنَى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله ﷿: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾).\nويؤيد هذا ما أخرج البخاري عن مجاهد: [﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه العدة تعتدّ عند أهل زوجها واجبة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾. قال: جعل الله لها تمام السّنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾] (٢).\nقلت: والجمع بين القولين ممكن، فالعدة الواجبة أربعة أشهر وعشرة أيام، وينفق عليها من ماله وتجب السكنى في منزله الذي مات عنه، فإن رأت إتمام السنة في بيت الزوجية فلها السكنى وصية من الله لأهل الميت، وأما النفقة فلا تجب. ويدل على ذلك الأحاديث التالية:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن زينب قالت: وسَمِعْتُ أمَّ سلمةَ تقول: [جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي تُوفِّيَ عنها زوجها وقد اشتكت عَيْنَها أَفَنكْحُلُها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: لا، مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: لا. ثم قال رسول الله - ﷺ -: إنما هي: أربعة أشهر وعشرًا وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبَعرة على رأس الحول] (٣).\nقال البغوي في شرح السنة (٢٣٨٩): (أي كان جلوسها في البيت وحبسها نفسها سنة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٥٣٠) و(٤٥٣٦) عن عثمان به.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٥٣١) عن مجاهد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٣٣٦)، كتاب الطلاق، وانظر كذلك: (٥٣٣٨)، (٥٧٠٦).","vol":"1","page":617},{"text":"على زوجها أهون عليها من رمي هذه البعرة، أو هو يسير في جنب ما يجب في حق الزوج).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن زينب ابنةِ أم سلمة عن أمها: [أن امرأة توفي زوجها، فَخَشُوا على عَينَيْها، فأتَوا على رسول الله - ﷺ - فاستأذنوه في الكحل، فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكُنَّ تمكثُ في شَرِّ أحلاسِها أو شرِّ بيتها، فإذا كان حَوْلٌ فمرَّ كَلْبٌ رمَتْ بِبَعْرَة، فلا حتى تمضي أربعةٌ أشهر وعَشْرٌ] (١).\nقال البخاري: [قال حُمَيْدٌ: فقلت لزينب: وما تَرْمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجُها دخلتْ حِفْشًا ولَبِسَتْ شَرَّ ثيابها ولم تمَسَّ طيبًا حتى تمرَّ بها سَنَةٌ، ثم تُؤْتى بدابّةٍ حمارٍ أو شاةٍ أو طائر فتَفْتَضُّ به، فقلّما تَفْتَضُّ بشيء إلا مات، ثم تَخْرُجُ فَتُعطى بَعْرةً فترمي بها ثم تُراجِع بعدُ ما شاءت من طيبٍ أو غيره. سُئل مالكٌ ﵀: ما تَفْتَضُّ به؟ قال: تَمْسَحُ به جلدها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مالك في الموطأ عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عُجْرة: [أن الفُرَيْعَةَ بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري، ﵄، أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله - ﷺ - تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعْبُدٍ له أَبَقُوا، حتى إذا كانوا بطرف القَدُوم لَحِقَهم، فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله - ﷺ - أن أرجع إلى أهلي في بني خُدْرةَ، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نَفَقَة. قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: نعم. قالت: فانصرفتُ، حتى إذا كنتُ في الحُجْرة ناداني رسول الله - ﷺ - أو أمَرَ بي فَنُوديتُ له فقال: كيف قُلتِ؟ فَرَدَّدْتُ عليه القصَّة التي ذكرت له من شأن زوجي. فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا. قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسلَ إليَّ فسألني عن ذلك، فأخبرتُه، فاتَّبَعَهُ وقضى به] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٥٣٣٨)، كتاب الطلاق، وانظر (٥٣٣٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٣٣٧)، كتاب الطلاق. باب: تُحِدّ المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا.\n(٣) إسناده حسن. أخرجه مالك (٢/ ٥٩١)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤). وأخرجه النسائي (٦/ ٩٩)، وابن ماجة (٢٠٣١)، وأحمد (٦/ ٣٧٠).","vol":"1","page":618},{"text":"قلت: والحديث يدل على وجوب السكنى في منزل الزوج الذي توفي عنه حتى انقضاء العدة.\nوقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.\nيعني: لا يمنعن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك فهي وصية الله بهن. فأما إذا انقضت عدتهن بأربعة الأشهر والعشر، أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.\nوقوله: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾.\nوهو ما يوافق الشرع. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدّى حدوده من الرجال والنساء. قال القرطبي: (صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحدّ في هذه النازلة، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. ﴿حَكِيمٌ﴾ أي محكم لما يريد من أُمور عباده).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.\nقال الشافعي في أحد قوليه: (إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثمَّ مَسيسٌ ولا فرض، لأن من استحقت شيئًا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة).\nثم قال: (والمفروض لها المهر إذا طلقت قبل المسيس لا مُتعة لها، لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء).\nقلت: وهذا القول يتلاءم مع قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].\nويحمل عندئذ قول الله تعالى في زوجات النبي - ﷺ -: ﴿فَتَعَاليْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] على تطوع من النبي - ﷺ - لا وجوب له. وقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] يحمل على غير المفروضة أيضًا.","vol":"1","page":619},{"text":"وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾.\nيعني: أحكام شرعه وحدوده وحلاله وحرامه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: تفهمون وتتدبرون.\n٢٤٣ - ٢٤٥. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: قصة قوم أهل بلدة في زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم لوباء نزل بهم فخرجوا فرارًا من الموت فنزلوا واديًا أفيح، فأرسل الله إليهم ملكين صاحا بهم فماتوا عن آخرهم ودفنوا وفنوا وتمزقوا، فلما كان بعد دهر مرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزِقيل، فسأل الله أن يحييهم، فأحياهم بعد رقدتهم الطويلة ليكونوا عبرة لكل من أنكر المعاد والبعث يوم القيامة. ذكره المفسرون. وفي الآيات كذلك حث على الجهاد والصدقة.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾.\nأي: في إظهار آياته الباهرة وحججه الدامغة.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.\nأي: ما أنعم الله به عليهم من أمر دنياهم ودينهم.\nوقيل خرجوا فرارًا من الجهاد. قال ابن عباس: (قوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، فرارًا من عدوهم، حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه، فأمرهم فرجعوا، وأمرهم أن يقاتلوا في سبيل الله).\nوسواء كان سبب خروجهم فرارًا من الجهاد أو الطاعون أو غيره، فإن الآية عبرة ودليل على أنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ ومنجا من الله إلا إليه، فإن الهروب لا يطيل الحياة، وهؤلاء قوم عوملوا بنقيض قصدهم.","vol":"1","page":620},{"text":"وفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ...﴾ [النساء: ٧٨].\nأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس: [أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بِسَرْغَ (١) لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام. قال ابن عباس: قال عمر: ادعُ لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم ... فاختلفوا .. ثم قال: ادعُ لي الأنصار (٢)، ... ثم قال: ادعُ لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مُهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تُقْدِمَهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مُصَبِّحٌ على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفِرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غَيْرُكَ قالها يا أبا عبيدة؟ نَعَم نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل هَبَطَتْ واديًا له عُدْوتان، إحداهما خصيبةٌ والأخرى جَدْبة، أليس إن رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان مُتَغَيِّبًا في بعض حاجته، فقال: إنّ عندي في هذا عِلْمًا، سمعت وسول الله - ﷺ - يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. قال: فحمدَ اللهَ عمرُ ثم انصرف] (٣).\nوفي لفظ: أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر - وهو في الشام - عن النبي - ﷺ -: [إن هذا السُّقْمَ عُذِّبَ به الأمم قبلكم، فإذ سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. قال: فرجع عمر من الشام] (٤).\nوجاء في ترجمة أمير الجيوش، ومقدم العساكر وحامي حوزة الإسلام، وسيف الله المسلول على أعدائه: أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁، أنه قال - وهو في\n_________\n(١) موضع قرب الشام، بين مغيثة وتبوك.\n(٢) فدعاهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا أيضًا.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٧٢٩)، كتاب الطب، ورواه مسلم برقم (٢٢١٩)، ورواه أحمد في المسند (١/ ١٩٤).\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٥٧٣٠)، (٦٩٧٣)، ومسلم (٢٢١٩)، ومسند أحمد (١/ ١٩٣). من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁.","vol":"1","page":621},{"text":"سياق الموت (١) -: (لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضوٍ من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العَيْر! ! فلا نامت أعين الجُبناء).\nوقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.\nقال قتادة: (يستقرضكم ربكم كما تسمعون، وهو الولي الحميد ويستقرض عباده).\nوقال ابن زيد: (هذا في سبيل الله، ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾: بالواحد سبع مئة ضعف). وقيل: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾: هو النفقة في سبيل الله. وقيل: هو النفقة على العيال، وقيل: هو التسبيح والتقديس. وقد جاءت السنة الصحيحة بنحو هذا في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن زيد بن خالد، عن النبي - ﷺ - قال: [من جهّز غازيًا دي سبيل الله، كان له مثلُ أجره، من غير أن ينقُصَ من أجر الغازي شيئًا] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود، قال رسول الله - ﷺ -: [من أقرض ورِقًا مرَّتين، كان كعدلِ صدقة مرّةً] (٣).\nوله شاهد عند الإمام أحمد وأبي يعلى بلفظ: [إن السَّلف يجري مجرى شطْرِ الصّدقة].\nمما يدل على فضل القرض الحسن، وأنه يعدل التصدق بنصفه.\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن خُرَيْم بن فاتك عن النبي - ﷺ -: [من أنفق نفقة في سبيل الله، كُتبت له سبع مئة ضعف] (٤).\nوفي التنزيل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي\n_________\n(١) يتألم أن يموت على فراشه، وقد كان يأمل أن يموت في ساحة القتال أثناء الملاحم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢٧٥٩) - كتاب الجهاد - باب من جهز غازيًا. انظر صحيح ابن ماجة (٢٢٢٩). وانظر صحيح الجامع (٦٠٧٠)، وتخريج الترغيب (٢/ ٩٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البيهقي (٣/ ٣٥٣)، وانظر مسند أحمد (١/ ٤١٢) للشاهد بعده. ومسند أبي يعلى (٣/ ١٢٩٨)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٥٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد، والترمذي (١٦٢٥). ورواه النسائي والحاكم. انظر صحيح الجامع (٥٩٨٦)، وصحيح سنن الترمذي (١٣٢٦)، وصحيح النسائي (٢٩٨٥).","vol":"1","page":622},{"text":"كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].\nالحديث الرابع: أخرج الشيخان وأحمد عن أبي مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة] (١).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [ينزل الله تعالى في السماء الدنيا لِشَطْرِ الليل، أو ثلُثِ الليل الآخر، فيقولُ: مَنْ يدعوني فأسجيبَ له! أو يسألني فأعطِيَه، ثم يقول: من يُقْرِض غيرَ عديمٍ ولا ظلوم] (٢).\nالحديث السادس: أخرج الإمام أحمد والترمذي يسند حسن عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتًا في الجنة] (٣).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾.\nيعني: هو الموسع والمضيق بيده الرزق والخير، فيبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده ورحمته، ويمسكه عنهم بلطفه، فهو الجامع بين العطاء والمنع.\nوفي التنزيل: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ...﴾ [الرعد: ٢٦]. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠].\nوفي المسند والسنن إلا النسائي عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى هو الخالق، القابضُ، الباسطُ، الرّازق، المسَعِّرُ، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه البخاري في الصحيح (١/ ٢٠)، والنسائي في السنن (١/ ٣٥٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٧٢٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧٥٨) ح (١٧١)، كتاب صلاة المسافرين. باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه.\n(٣) حديث حسن. رواه الترمذي، (٣٤٢٨)، انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٧٧٦). ورواه ابن ماجة (٢٢٣٥)، والحاكم. انظر صحيح الجامع (٦١٠٧).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٥٤١)، وابن ماجة (٢٢٠٠)، ورواه أحمد. انظر صحيح الجامع (١٨٤٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣٨٦) لتفصيل أدلة الأسماء والصفات.","vol":"1","page":623},{"text":"وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يعني: يوم القيامة، فاتقوا الموقف بين يديه سبحانه.\n٢٤٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَال هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَال تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾.\nفي هذه الآية: قصة قوم من بني إسرائيل سألوا نبيهم الجهاد في سبيل الله، فلما كتب عليهم تولوا وتخاذلوا.\nقال وهب بن مُنبِّه: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعَبَدَ بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهاج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعداءهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقًا كثيرًا، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة والتابوت الذي كان في قديم الزمان، وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم ﵊، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذ التوراة من أيديهم، ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها العل الله يرزقها غلامًا يكون نبيًّا لهم، ولم تزل المرأة تدعو الله ﷿ أن يرزقها غلامًا، فسمع الله لها ووهبها غلامًا، فسمته شمويل، أي: سمع الله دعائي. ومنهم من يقول: شمعون، وهو بمعناه، فشب ذلك الغلام، ونشأ فيهم، وأنبته الله نباتًا حسنًا، فلما بلغ سنّ الأنبياء أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكًا ألا تفوا بما التزمتم من القتال معه، ﴿قَالوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ","vol":"1","page":624},{"text":"دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ أي: وقد أُخذت منا البلاد وسُبيت الأولاد؟ قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَال تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا، بل نكل عن الجهاد أكثرهم، والله عليم بهم. ذكره ابن جرير والحافظ ابن كثير.\nقلت: لقد علّل هؤلاء القوم من بني إسرائيل قبولهم للقتال في سبيل الله لما نالهم من إخراج من الديار وسبي للذرية، وهي نظرة قاصرة فيها تضييق لمعاني الجهاد الرفيعة التي هدفها الأسمى إعلاء كلمة الله في الأرض والحكم بشرعه ومنهاجه، ومن ثم يكون ما دون هذه الغاية بمثابة تحصيلٍ حاصلٍ. فإذا كان همّ المؤمنين من جهادهم هو كسر رؤوس الكفر ومناهجه في الأرض حتى يوحد الله ويعبد لا شريك له، كانت بقية الغايات تبعًا لذلك يشفي بها الله غيظ المؤمنين المجاهدين ويثلج صدورهم.\nيروي الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم] (١).\nوفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: [إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًا لا ينزعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم] (٢).\n٢٤٧. قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالوتَ مَلِكًا قَالوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾.\nفي هذه الآية. كشف سلوك بعض بني إسرائيل وتنطعهم.\nفإنه لما طلبوا من نبيهم تعيين ملك منهم، عيّن لهم رجلًا من أجنادهم اسمه طالوت، قيل: ولم يكن من سبط يهوذا أهل الملك فيهم، بل كان فقيرًا لا مال له يقوم\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الطبراني من حديث أبي أمامة، والحاكم (٢/ ٧٤ - ٧٥). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٤١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٤٦٢). انظر صحيح سنن أبي داود (٢٩٥٦).","vol":"1","page":625},{"text":"بالملك، فاعترضوا وكان أولى بهم طاعة نبيهم وترك مجادلته، فأجابهم نبيهم: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: اختاره من بينكم ليقودكم، ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: وأعطاه مع ذلك علمًا يقضي به ونبلًا وصلابة في الجسم لتحمل مشاق الحروب. ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: قال مجاهد: (سلطانه). وقال وهب بن منبه: (الملك بيد الله يضعه حيث يشاء، ليس لكم أن تختاروا فيه).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nأي: واسع الفضل يعلم حيث يضع الملك والقوة والعلم والسلطان في عباده.\n٢٤٨. قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾.\nفي هذه الآية: أخبرهم نبيهم أن علامة بركة ملك طالوت عليهم استرداد التابوت الذي سُلب منهم، وبقية من آثار موسى وهارون تجيء به الملائكة.\nوقوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nقال قتادة: (أي: وقار)، وقال الربيع: (رحمة)، وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال ابن عباس: (عصاه، ورضاض الألواح).\nقال عكرمة: (والتوراة). وقال عطية بن سعد: (عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح). وقال الثوري: (ومنهم من يقول: العصا والنعلان).\nوقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾.\nقال ابن جريج: قال ابن عباس: (جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون). وقال السدي: (أصبح التابوت في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾.\nأي: تثبت النبوة لنبيهم، ووجوب طاعته في اختياره لهم طالوت على الجيش والقيادة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: بالله واليوم الآخر.","vol":"1","page":626},{"text":"٢٤٩. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالوتُ بِالْجُنُودِ قَال إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾.\nفي هذه الآية: إخبار طالوت جنوده حين خرج فيهم بأن الله مختبرهم بنهر، فمن نجح في ذلك الاختبار كان من الفئة القليلة التي تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله.\nقال ابن عباس: (وهو نهر بين الأردن وفلسطين). ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ يعني: لا يصحبني اليوم في هذا الوجه. ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: فلا حرج عليه. قال ابن عباس: (من اغترف منه بيده رَوِي، ومن شرب منه لم يروَ).\nقال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. قال السدي: (كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف).\nقلت: والصحيح في ذلك ما روى البخاري عن البراء قال: [كنا - أصحاب محمد - ﷺ - نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عِدّة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن، بضعة عشر وثلاث مئة] (١).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالوتَ وَجُنُودِهِ﴾.\nقيل: إن الذين قالوا ذلك هم أهل النفاق الذين عصوا طالوت وشربوا من النهر، فاستقلوا أنفسهم حينئذ عن لقاء عدوهم لكثرتهم. فشجعهم علماؤهم وهم أهل العلم بوعد الله ونصره: ﴿قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٩٥٧)، (٣٩٥٨)، (٣٩٥٩)، وانظر تفسير الطبري (٥٧٢٦).","vol":"1","page":627},{"text":"قال السدي فيهم: (الذين يستيقنون). يعني: أنهم ملاقو الله.\nوقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\nهو سنة إلهية قضاها الله في حياة الرسل وأتباعهم المؤمنين، فإن النصر ليس عن كثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ، بل هو تفضل من الله سبحانه يمتن به على المجاهدين إذا رضي عن دينهم وإعدادهم.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\nيعني: الحابسين أنفسهم على رضاه والجهاد في سبيله.\nأخرجه الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [النصرُ مع الصبر، والفرجُ مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا] (١).\n٢٥٠ - ٢٥٢. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالوتَ وَجُنُودِهِ قَالوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى ذكره: أنه لما برز أهل الحق والإيمان بقيادة طالوت، لعدوهم من أصحاب جالوت، - وهم كثير، في حين كان أهل الحق بعدد قليل - استغاثوا بالله منزل النصر أن يمتن به عليهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ يعني: أنزل علينا صبرًا وقوِّ قلوبنا على جهادهم، لئلا نفر إذا لاقيناهم. فكان النصر بإذن الله، وكذلك سنة الله تعالى في دفع الناس بعضهم ببعض ليظهر دينه وأولياءه على الدين الباطل وأعوانه.\n_________\n(١) حديث صحيح. وأخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧) بتكرار \"وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا\". والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٣٨٢)، وصحيح الجامع الصغير (٦٦٨٢).","vol":"1","page":628},{"text":"أخرج البزار في مسنده، وابن عدي في الكامل، بسند صحيح عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [إن المعونة تأتي من الله على قَدْر المُؤْنَة، وإن الصَّبْرَ يأتي من الله على قدْر البلاء] (١).\nوفي لفظ آخر: [إن الله تعالى يُنزل المعونة على قدر المؤنة، وينزل الصبر على قدر البلاء] (٢).\nوفي مسند أحمد بسند حسن من حديث ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا لقي العدو يقول في القتال: [اللهم بك أصول وأجول] (٣).\nوله شاهد في المسند أيضًا عن صهيب - في خبر حنين - قال رسول الله - ﷺ -: [فأنا أقول الآن حيث رأى كثرتهم: اللهم بك أحاول وبك أصاول وبك أقاتل].\n(وفي رواية: اللهم يا رب بك أقاتل وبك أصاول ولا حول ولا قوة إلا بالله) (٤).\nوأخرج أبو داود والنسائي بسند حسن من حديث أبي موسى - كان - ﷺ - يقول إذا لقي العدو -: [اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم] (٥).\nوقوله: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\nالذين كفروا بك وجحدوا الألوهية والعبودية خالصة لوجهك، وأشركوا بك.\nوقوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\nيعني: فلّوهم بقضاء الله وقدره وغلبوهم وقهروهم وكسروا شوكتهم.\nوقوله: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالوتَ﴾.\nقال القرطبي: (وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلًا قصيرًا مِسقامًا مِصفارًا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البزار ص (١٥٦)، وابن عدي (١/ ٢٠٦) بسند صحيح، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٦٦٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن عدي في الكامل بهذا اللفظ، انظر تخريج الترغيب (٣/ ٨١)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٩١٥).\n(٣) حديث حسن، أخرجه أحمد (٦/ ١٦)، والديلمي (١٨١٩)، من حديث ابن عباس.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٣٣)، (٦/ ١٦)، بسند حسن من حديث صهيب.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (١٥٣٧)، ورواه النسائي في \"الكبرى\" (٨٦٣١)، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":629},{"text":"يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده).\nقيل: هو داود بن إيشَا. وقيل: داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سِبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوة والملك.\nوقوله: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾.\nقال السدي: (آتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون).\nوالحكمة: الفهم والنبوة، وقوله: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ قال ابن جرير: (يعني: علمه صنعة الدروع والتقدير في السَّرْد، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ...﴾ [الأنبياء: ٨٠]).\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.\nقال مجاهد: (يقول: ولولا دفع الله بالبَرِّ عن الفاجر، ودفعه ببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض، ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ بهلاك أهلها). وقال ابن كثير: (أي: لولا الله يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود، لهلكوا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ الآية).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾.\nأي: منّ عليهم بالدفع. قال القاسمي: (ولذلك قوّى سبحانه هؤلاء الضعفاء وأعطى بعضهم الملك والحكمة ومن سائر العلوم، ليدفع فساد الأقوياء بالسيف). وقال النسفي: (﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾: بإزالة الفساد عنهم، وهو دليل على المعتزلة في مسألة الأصلح).\nوقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾.\nيعني: القصص التي اقتصها سبحانه من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت وإظهاره على الجبابرة، ودفع الفساد برحمته سبحانه والمفسدين، وإعزاز المؤمنين والصالحين.\nوقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nتوكيد وتوطئة للقسم، والخطاب للنبي محمد - ﷺ -، إذ يخبر بها من غير معرفة بقراءة كتاب أو سماع من أهله.","vol":"1","page":630},{"text":"٢٥٣. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾.\nفي هذه الآية: تفضيل الله تعالى بعض الرسل على بعض، واقتتال الناس واختلافهم على حطام الدنيا، والحكمة التامة لله في كل أمر وخلق.\nفقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾.\nيعني: الرسل الذين قصّ الله خبرهم في هذه السورة.\nقال مجاهد في هذه الآية: (يقول: منهم من كلّم الله، ورفع بعضهم على بعض درجات. يقول: كلم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافة).\nوفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قال: [أُعطيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصرت بالرُّعْب مسيرةَ شهرٍ، وجُعلِتْ لِيَ الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجُلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِي الغنائم ولم تحلَّ لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعَثُ إلى قومه خاصةً وبُعِثْتُ إلى الناس عامَّة] (١).\nوأما قوله ﵇: [لا تفضلوني على الأنبياء]، وفي لفظ: [لا تُفَضِّلوا بين الأنبياء].\nوهو بتمامه في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: [استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قَسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيثُ، وعلى محمد - ﷺ -! فجاء اليهودي إلى رسول الله - ﷺ - فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يُصْعَقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥) كتاب التيمّم. وانظر (٤٣٨)، ورواه مسلم (٥٢١).","vol":"1","page":631},{"text":"فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزيَ بِصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء] (١).\nفقد أجاب العلماء عن الجمع بينه وبين الآية السابقة بإجابات كثيرة، منها:\n١ - أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا نظر.\n٢ - أن هذا قاله من باب الهَضْمِ والتواضُع.\n٣ - أن هذا نهيٌ عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.\n٤ - لا تفضلوا بمجرد الأهواء والعصبية.\n٥ - ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله - ﷿ - وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾.\nيعني: الآيات والمعجزات والحجج القاطعة الدالة على صدق النبوة والعبودية لله، وأنه عبد الله ورسوله.\nوقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. يعني: جبريل ﵇.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾.\nيعني: ما اقتتل الناس بعد كل نَبيّ إلا بمشيئة الله، وهو بسبب الاختلاف في هذه الحياة الدنيا والتكالب على حطامها. قال القرطبي: (وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي، فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيًا وحسدًا وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر، وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان، ولكنه المستأثر بِسِرِّ الحكمة في ذلك الفعل لما يريد).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.\nفكل ما يجري في هذا الكون بحكمته وإرادته وعلمه وعدله.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٧/ ١٠٠ - ١٠١)، وهو في مختصر صحيح مسلم (١٦١٢) من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه البخاري.","vol":"1","page":632},{"text":"٢٥٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾.\nفي هذه الآية: دعوة الله المؤمنين إلى الإنفاق من طيب مارزقهم لمواجهة يوم الحسرة والندامة وانعدام الصاحب والمعين، وتصنيف أهل الكفر في الظالمين.\nقال ابن جريج: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾: من الزكاة والتطوع).\nوقال قتادة: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: قد علم الله أن ناسًا يتحابون في الدنيا ويشفع بعضهم لبعض. فأما يوم القيامة، فلا خُلة إلا خُلة المتقين).\nوقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾، إنما هو مرادٌ به أهل الكفر، فلذلك أتبع قوله ذلك: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فدل بذلك على أن معنى ذلك: حرَمنا الكفار النصرةَ من الأخلاء، والشفاعة من الأولياء والأقرباء، ولم نكن لهم في فعلنا ذلك بهم ظالمين، إذ كان ذلك جزاءً منا لما سلف منهم من الكفر بالله في الدنيا، بل الكافرون هم الظالمون أنفسهم بما أتوا من الأفعال التي أوجبوا لها العقوبة من ربهم).\n٢٥٥. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.\nهذه الآية هي أعظم آية في القرآن الكريم، وهي كالنار الحارقة تنزل على الشياطين، وما بين العبد ودخول الجنة إلا قراءتها عقب الصلوات المكتوبات. فما السرّ في ذلك!؟ .\nلقد أخبر سبحانه في أولها أنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق، الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القيم لغيره، ثم ذكر أنه سبحانه لكمال صفاته وعدم شبهها لخلقه، فهو لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما","vol":"1","page":633},{"text":"كسبت، شهيد لا يغيب عنه شيء، ولا تأخذه سنة وهي الوسن والنعاس.\nروى مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه، عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات فقال: إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفِض القِسطَ ويرفعُه، ويرفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (١).\nثم أخبر ﷾ أن كل ما في السماوات وما في الأرض خلق له، وفي ملكه وتحت تصرفه وقهره وجبروته وسلطانه، ومن ثم لا يتجاسر أحد أن يشفع عنده إلا أن يأذن له بذلك، وهو الذي يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، فقد أحاط علمه بجميع مخلوقاته، بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، ولا يطلع أحد على علمه سبحانه إلا بما شاء هو سبحانه أن يُطْلِعَهم عليه، ومن ثم فما آتاهم من العلم هو قليل لا حقّ لأحد منهم أن يفخر به، فهو لا يساوي في علم الله ﷿ قطرة من بحار الكون، لقد وسع كرسيه السماوات والأرض.\nيروي ابن أبي شَيبة بإسناد صحيح عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي - ﷺ - عن آية الكرسي، فقال رسول الله - ﷺ -: [والذي نفسي بيده، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (أي: لا يثقله ولا يكترثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، ...، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد).\nثم ختمها بقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.\nأي: الكبير المتعال والجبار القهار، فله الكبرياء وحده في هذا الكون ولا يليق ذلك إلا بوجهه الكريم، فتبارك الله رب العرش العظيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٩)، وأحمد في مسنده (٤/ ٣٩٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه محمد بن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١١٤/ ١). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٠٩)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣٠٦) لتفصيل البحث.","vol":"1","page":634},{"text":"فإلى ذكر فضائل هذه الآية العظيمة في هذا السيل العطر من أحاديث النبي - ﷺ -:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في معلقاته، وابن خزيمة في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: [وكلني رسول الله - ﷺ - بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ -. قال: إني مُحتاجٌ، وعليّ دينٌ ولي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي - ﷺ -: يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمتُه فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود. فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله - ﷺ -: إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ -، قال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال، لا أعود. فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - ﷺ -: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالًا، فرحمته وخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ -، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود. قال: دعني أُعْلِمْكَ كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: ما هُنَّ؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يَقْرُبكَ شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله - ﷺ -: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربُك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي - ﷺ -: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تَعْلمُ من تُخاطب منذ ثلاث ليال\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٩٦)، من حديث أبي بن كعب ﵁.","vol":"1","page":635},{"text":"يا أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: ذاك الشيطان] (١).\nالحديث الثالث: يروي الإمام النسائي في سننه بإسناد صحيح، والطبراني في معجمه بإسناد جيد، واللفظ له، عن أبي بن كعب ﵁: [أنه كان له جُرن من تمر، فكان ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابّة شِبه الغلام المحتلم، فسلم عليه، فردّ ﵇، فقال: ما أنت؟ جني أم إنسي؟ قال: جني. قال: فناولني يدك، فناوله يده، فإذا يده يدُ كلب، وشعره شعر كلب. قال: هذا خَلْقُ الجن؟ قال: قد علمت الجن أن ما فيهم رجلًا أشدُّ مني، قال: فما جاء بك؟ قال: بلغنا أنك تحب الصدقة فجئنا نصيب من طعامِك. قال: فما يُنْجينا منكم؟ قال: هذه الآية التي في سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. من قالها حين يُمسي أُجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يُصبح أُجير منا حتى يمسي. فلما أصبح أتى رسول الله - ﷺ - فذكر ذلك له فقال: صدق الخبيث] (٢).\nالحديث الرابع: يروي الإمام النسائي في سننه، وابن حبان في صحيحه، عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: [من قرأ آية الكرسي دُبُرَ كل صلاة مكتوبة، لم يَمْنَعْهُ من دخول الجنة إلا أن يموت] (٣). وفي لفظ: [لم يحل بينه وبين دخول الجنة إلا الموت].\nالحديث الخامس: روى أحمد والنسائي عن أبي ذر ﵁ قال: [أتيت النبي - ﷺ - وهو في المسجد فجلست، فقال: يا أبا ذر، هل صليت؟ قلت: لا. قال: قم فصل. قال: فقمت فصليت، ثم جلست، فقال: يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن. قال: قلت: يا رسول الله، أو للإنس شياطين؟ قال: نعم. قال: قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: خير موضوع، من شاء أقل ومن شاء أكثر. قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: فرض مجزي وعند الله مزيد. قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: أضعاف مضاعفة. قلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: جهد مِنْ مقل، أُوسِرَ إلى فقير. قلت: يا رسول اللهِ، أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم. قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: نعم نبي مكلم. قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاث مئة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٣١١) تعليقًا، ووصله النسائي في الكبرى (١٠٧٩٥).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح الترغيب (١/ ٦٥٨)، كتاب النوافل. الترغيب في آيات وأذكار يقولها إذا أصبح. والجرن: البيدر. وانظر كتابي: منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن ص (٢٥٢) لتفصيل في البحث.\n(٣) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (١٠٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٧٥٣٢).","vol":"1","page":636},{"text":"وبضعة عشر جمًّا غفيرًا. وقال مرة: وخمسة عشر قلت: يا رسول الله، أي: ما أنزل عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾] (١).\nالحديث السادس: يروي الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: [سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إن فيهما اسم الله الأعظم] (٢).\nوله شاهد عند ابن مردويه من حديث أبي أمامة مرفوعًا: [اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه].\nوقال هشام بن عمار خطيب دمشق: (أما البقرة فـ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وفي آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾).\nوشاهد آخر عند ابن ماجة والحاكم عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة مرفوعًا: [اسم الله الأعظم في سورٍ من القرآن ثلاث: في \"البقرة\" و\"آل عمران\" و\"طه\"]. قال القاسم أبو عبد الرحمن: (فالتمست في \"البقرة\" فإذا هو آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي \"آل عمران\" فاتحتها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي \"طه\": ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾] (٣).\n٢٥٦. قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾.\nهذه الآية: نزلت في قوم من الأنصار كان لهم أولاد قد هوّدوهم أو نصّروهم، فلما\n_________\n(١) يرقى للحسن. أخرجه أحمد (٥/ ١٧٨ - ١٧٩)، والبزار (١٦٠)، والنسائي في الكبرى (٧٩٤٤).\n(٢) حديث حسن، أخرجه أبو داود (١٤٩٦)، وأحمد (٦/ ٤٦١)، والترمذي (٣٤٧٨) وحسنه، وانظر تفسير ابن كثير، سووة البقرة، آية (٢٥٥).\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٧٦٤)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٤٦).","vol":"1","page":637},{"text":"جاء الإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام.\nأخرج أبو داود وابن حبان بسند صحيح عن ابن عباس قال: [كانت المرأة تكون مِقْلاتًا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّده، فلما أُجلِيَت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله ﷿: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾] (١).\nوقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.\nنهي عن إجبار أحد على دين الإسلام، فإن هذا الدين العظيم بين واضح لا يدخله إلا من شرح الله صدره له، ونوّر بصيرته، وأما من كان قلبه أعمى متخبطًا تائهًا قد ختم الله عليه كما ختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا.\nأخرج البخاري عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل] (٢).\nوقوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.\nقال ابن عباس: (وذلك لما دخل الناس في الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية).\nوقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾.\nفيه أقوال في المراد بالطاغوت:\n١ - الطاغوت: الشيطان. قال مجاهد: (الطاغوت الشيطان).\n٢ - الطاغوت: الساحر. قال أبو العالية: (الطاغوت الساحر).\n٣ - الطاغوت: الكاهن. قال سعيد بن جبير: (الطاغوت الكاهن).\nقلت: والراجح أن الطاغوت يشمل كل ما عبد من دون الله، وصرف له شيء من\n_________\n(١) حديث صحيح. ورواه ابن جرير في التفسير (٣/ ٥٨)، ورجاله رجال الصحيح. وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة البقرة، آية (٢٥٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٠١٠)، وأحمد (٢/ ٣٠٢)، وأبو داود (٢٦٧٧)، وغيرهم. والحديث يعني الأسارى الذين يؤتى بهم في الأغلال إلى بلاد الإسلام بعد الحروب، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فكأنهم بهذه الصورة قد سيقوا إلى الجنة بالأغلال والقيود.","vol":"1","page":638},{"text":"التعظيم الذي لا يليق إلا لله. قال ابن جرير: (والصواب من القول عندي في \"الطاغوت\"، أنه كل ذي طغيان على الله، فعُبِدَ من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وَثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء).\nوقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال مجاهد: (الإيمان).\n٢ - قال السدي: (﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، هو الإسلام).\n٣ - قال سعيد بن جبير: (﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: لا إله إلا الله).\n٤ - وقال أنس بن مالك: (العروة الوثقى: القرآن).\n٥ - وقال سالم بن أبي الجَعْد: (هو الحب في الله، والبغض في الله).\nوقوله: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾.\nيعني: لا انكسار لها. قال مجاهد: (﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وقال السدي: (لا انقطاع لها).\nأخرج الإمام أحمد في المسند من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [إن نبي الله نوحًا - ﷺ - لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ \"لا إله إلا الله\" فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر] (١).\nوأخرج البخاري عن قَيْسِ بن عُبَاد قال: [كنت جالسًا في مسجد المدينة فدخل رجلٌ على وجهه أثرُ الخشوع فقالوا: هذا رجلٌ من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوّز فيهما، ثم خرج وتَبِعْتُهُ فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٤٨).","vol":"1","page":639},{"text":"قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقولَ ما لا يَعْلَمُ، فَسَأُحَدِّثُكَ لم ذاكَ، رأيتُ رؤيا على عَهْد النبي - ﷺ - فقصصتها عليه، ورأيت كأني في رَوْضَة -ذَكَرَ من سَعَتِها وخُضْرَتِها- وَسْطها عمودٌ من حديد أسفلُهُ في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عُرْوةٌ، فقيل لي: ارْقَ، فقلتُ: لا أستطيع، فأتاني مِنْصَفٌ - قال ابن عون: هو الوصيف. يعني: الخادم - فرفع ثيابي من خلفي، فَرَقِيتُ حتى كنتُ في أعلاها، فأخذت بالعروةِ، فقيل لي: استمسكْ، فاستيقظتُ وإنها لفي يدي، فَقَصَصْتُها على النبي - ﷺ - فقال: تلك الرَّوضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة الوثقى فأنت على الإسلام حتى تموت. وذلك الرجل عبد الله بن سلام] (١).\nورواه أحمد من طريق خَرَشَةَ بن الحُرّ قال: [قدمت المدينة فجلست إلى مَشيَخَةٍ في مسجد النبي - ﷺ -، فجاء شيخٌ يتوكأ على عصا له، فقال القوم: من سَرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين، فقمت إليه فقلت له: قال بعض القوم: كذا وكذا. فقال: الجنة لله يُدْخِلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول الله - ﷺ - رؤيا، رأيت. كأن رجلًا أتاني فقال: انطلق. فذهبت معه، فسلك بي منهجًا عظيمًا، فعَرَضَتْ لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق، فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارّ ولم أتماسك، فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك، فقلت: نعم. فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله - ﷺ -. فقال: رأيت خيرًا، أما المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزَّلَق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت. قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: وإذا هو عبد الله بن سلام] (٢).\nفائدة: وأما الحديث الذي رواه أحمد عن أنس: [أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٨١٣)، (٧٠١٠)، وأخرجه مسلم (٢٤٨٤)، ورواه أحمد في المسند (٢٣٢٧٥) من حديث عبد الله بن سلام.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٥٣)، ورواه مسلم في الصحيح (٢٤٨٤).","vol":"1","page":640},{"text":"أسلم، قال: إني أجدني كارهًا. قال: وإن كنت كارهًا] (١). قال ابن كثير: (فإنه لم يكرهه النبي - ﷺ - على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: أسلمْ وإن كنت كارهًا، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال القرطبي: (ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات \"سميع\" من أجل النطق \"عليم\" من أجل المعتقد).\n٢٥٧. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾.\nفي هذه الآية: تقرير ولاية الله تعالى للمؤمنين، يخرجهم من ظلمات الجاهلية والكفر إلى نور العلم والإيمان، والذين كفروا في ظلمات الكفر وعبادة الطاغوت وفي النار هم خالدون.\nقال الخطابي: (الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين). وفي التنزيل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].\nوقال قتادة: (الظلمات الضلالة، والنور الهدى). وقال الحسن: (الطواغيت: الشياطين).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.\nقال ابن القيم: (فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه، منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات).\nأخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، بسند صحيح، عن عبد الله بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٠٩) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وهو من عوالي أحمد. إذ رواه عن يحيى عن حميد عن أنس، فهو ثلاثي صحيح.","vol":"1","page":641},{"text":"عمرو، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل] (١).\nوالظلمة هي ظلمة الطباع والأهواء والجهل والخضوع للشهوات، والنور هو نور الوحي والعلم والفطرة والميثاق والنبوة والرسالات، فالخروج من الظلام لا يكون إلا بالوحي والتزام الشريعة، فَمَنْ حرمه الله من نور السنة بقي في الظلمة، وقلبه وعمله وقوله وأحواله وقبره في ظلمة.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nيعني: الذين كفروا، يخلدون في نار جهنم دون غيرهم من أهل الإيمان، إلى غير غاية ولا نهاية أبدًا.\nفائدة: لقد وحّد الله تعالى لفظ النور وجمع الظلمات، لأن سبيل الحق واحد، وسبل الشياطين كثيرة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ...﴾ [الأنعام: ١].\nوقال أيضًا: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ...﴾ [النحل: ٤٨].\nوفي سنن ابن ماجة عن ابن مسعود قال: [خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًّا وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره ثم قال هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعى إليه ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾] (٢).\n٢٥٨. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٧٦)، وابن حبان في صحيحه (١٨١٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٧٦).\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد وابن ماجة وغيره من أهل السنن. انظر صحيح سنن ابن ماجة (١١)، وكتابي أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٨٣) لتفصيل البحث.","vol":"1","page":642},{"text":"اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾.\nفي هذه الآية: ذكر محاججة إبراهيم ﵇ النمرود المتجرئ على صفات الإلهية بحقائق كونية توجب إفراد الله تعالى بالتعظيم.\nقال الفراء: (﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى: هل رأيت). أي: هل رأيت الذي حاجّ إبراهيم، وهو النُّمْروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحبُ النار والبعوضة - كما ذكر ابن عباس ومجاهد -. وقيل هو نمروذ بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. قال مجاهد: (وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمروذُ وبختنصَّر) والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.\nأي: وجود ربه، إذ أنكر أن يكون ثم إله غيره كما قال بعده فرعون لملئه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وإنما حمله على ذلك الطغيان والكبر وطول المدة في الملك، وهو مفهوم قوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، فطلب من إبراهيم الدليل على وجودِ الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فمن يفعل ذلك يستحق وحده العبادة، فأجابه النمروذ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾.\nقال قتادة: (وذكر لنا أنه دعا برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر، فقال: أنا أحيي هذا! أنا أستحيي من شئت، وأقتل من شئت! قال إبراهيم عند ذلك: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾).\nقال محمد بن إسحاق: (﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة، لما هم عليه من الضلالة).\n٢٥٩. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَال أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ","vol":"1","page":643},{"text":"إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾.\nفي هذه الآية: التنبيه على قدرة الله تعالى في إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم بعد فنائهم.\nفقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.\nعطف على ما سبق: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ يعني: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه، ومثل الذي مرّ على تلك القرية: قيل هو عُزير. ذكره ابن جرير عن ابن عباس وقتادة.\nوقيل هو أورميا بن حلقيا - وقيل: هو الخضر -، وقيل اسمه: حزقيل بن بورا.\nوقيل بل هو رجل من بني إسرائيل، والله أعلم. قال ابن كثير: (وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها).\nوقوله ﴿خَاوِيَةٌ﴾: أي: ليس فيها أحد. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾. أي: ساقطة سقوفها وجدرانها ومهدّمة أركانها. فنظر إليها متأملًا فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.\nفامتحنه الله سبحانه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾.\nقال وهب بن منبه: (ثم ردّ الله من ردّ من بني إسرائيل على رأس سبعين سنة من حين أماته، يعمرونها ثلاثين سنة تمام المئة، فلما ذهبت المئة ردّ الله روحه، وقد عمِّرت على حالها الأولى، فجعل ينظر إلى العظام كيف تلتام بعضها إلى بعض، ثم نظر إلى العظام كيف تكسى عصبًا ولحمًا).\nوقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾.\nقال قتادة: (ذكر لنا أنه مات ضحى، ثم بعثه قبل غيبوبة الشمس، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، فقال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾).\nوقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.\nقال قتادة: (لم يتغير).","vol":"1","page":644},{"text":"قلت: وإنما خاطبه الله تعالى عن طريق الملك. وقال مجاهد: (﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم ينتن).\nوقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾.\nقال وهب بن منبه: (فنظر إلى حماره ياتصل (١) بعضٌ إلى بعض، وقد كان مات معه، بالعروق والعصب، ثم كسا ذلك منه اللحم حتى استوى، ثم جرى فيه الروح فقام ينهق، ونظر إلى عصيره وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير، فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾).\nوقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.\nأي: عبرة وحجة. قال الأعمش: (شابًّا وولده شيوخ).\nوقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.\nقال ابن عباس: (كيف نخرجها). وقال السدي: (نحرِّكها). وقال مجاهد: (انظر إليها حين يحييها الله).\nوقوله: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.\nأي: العظام نُلبسها لحمًا ونواريها به.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾.\nأي: أنا عالم بهذا فقد رأيته عيانًا.\n٢٦٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾.\nهذه الآية في سياقها تناسب ما سبق قبلها: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾، ﴿قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، فأحبَّ إبراهيم ﵊ أن يبصر علم اليقين بأم عينيه ليزداد إيمانًا ويقينًا.\n_________\n(١) قوله \"ياتصل\" أصلها \"يفتعل\" من \"وصل\"، لغة عند العرب.","vol":"1","page":645},{"text":"أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أو لم تؤمِنْ؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي] (١).\nقال البغوي في تفسيره (١/ ١٨٦): (أي: ليسكن قلبي بالمعاينة والمشاهدة).\nوقال ابن خزيمة: (لم يشك النبي - ﷺ - ولا إبراهيم في أن الله قادر على أن يحيي الموتى وإنما شكّا في أنه هل يجيبهما إلى ما سألا).\nقال ابن عباس: (﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ما في القرآن آية أرجى عندي منها. قال: فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان).\nوقوله: ﴿قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.\nقال ابن عباس: (أي: قَطِّعْهُنَّ).\nوقال في رواية: (أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا).\nوقوله: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾.\nفدعاهن فركبهن الله في صورتهن الأولى.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nأي: لا يغلبه شيء، وهو الحكيم في أمره وقدره.\n٢٦١. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾.\nفي هذه الآية: تمثيل رائع لتضاعف الإنفاق والبذل في سبيل الله وبعض الحسنات عند الله إلى سبع مئة ضعف.\nقال ابن عباس: (الجهاد والحج، يضعف الدرهم فيهما إلى سبع مئة ضعف).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٧٢)، (٤٥٣٧)، وأخرجه مسلم (١٥١)، وغيرهما.","vol":"1","page":646},{"text":"وقال مكحول: (﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني به: الإنفاق في الجهاد، من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك). وقال سعيد بن جبير: (يعني: في طاعة الله). وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي مسعود قال: [جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والإمام مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كل عمل ابن آدم يُضاعِفُ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْف، إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن خزيم بن فاتك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من أنفق نفقة في سبيل الله، كُتبت له سبع مئة ضعف] (٣).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\nقال ابن جرير: (والله يضاعف على السبع مئة (٤) إلى ما يشاء من التضعيف، لمن يشاء من المنفقين في سبيله). وقال ابن كثير: (أي: بحسب إخلاصه في عمله).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن زيد: (﴿وَاسِعٌ﴾ أن يزيد من سعته، ﴿عَلِيمٌ﴾ عالم بمن يزيده).\n٢٦٢ - ٢٦٤. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٩٢)، وأحمد في المسند (٤/ ١٢١)، والنسائي في السنن (٤٩١٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٩٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١١٥١)، وأحمد (٢/ ٤٤٣)، وابن ماجة (١٦٣٨)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١٨٥٥٩)، والترمذي (١٦٢٥)، والنسائي (٦/ ٤٩)، وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٥٩٨٦)، وأخرجه الحاكم.\n(٤) الأصحّ لغة أن يقال: والله يضاعف على سبع المئة إلى ما يشاء من التضعيف.","vol":"1","page":647},{"text":"آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: بيان أثر المنّ والأذى في إفساد وإبطال الصدقة.\nقال الضحاك: (﴿لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾: أن لا ينفق الرجل ماله، خيرٌ من أن ينفقه ثم يتبعه منًّا وأذىً).\nقال قتادة: (علم الله أن أناسًا يمنّون بعطيتهم، فكره ذلك وقدّم فيه فقال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾).\nقال ابن كثير: (﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: عفوٌ وغفر عن ظُلم قولي أو فعلي).\nفمدح الله ﵎ المنفقين من المؤمنين دون منٍّ ولا إساءة، ووعدهم على ذلك جزيل الثواب، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الأولاد والذرية، ولا على ما فاتهم من زينة هذه الدنيا، فإن ما أفضوا إليه من النعيم خير لهم من هذه الفانية المتقلبة.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث كثيرة منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّانُ بما أعطى، والمُسْبِلُ إزاره، والمُنْفِقُ سلعته بالحَلِفِ الكاذب] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة عاق، ولا منَّان، ولا مدمن خمر، ولا مكذِّب بقدر] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج النسائي وأحمد بسند جيد عن سالم بن عبد الله بن عمر،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٦)، وأبو داود (٤٠٨٧)، وأحمد (٥/ ١٤٨)، وغيرهم.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٤١) من حديث أبي الدرداء، ورواه البزار (٢١٨٢)، واتظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٥٥٠).","vol":"1","page":648},{"text":"عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى] (١).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾.\nيعني: والله غني عما يتصدقون به، حليم بتأخير العقوبة عمن يمتن بصدقته ويؤذي، فيعطيه الفرصة ليستعتب من إساءته وظلمه.\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.\nإخبار أن المنّ بالصدقة والأذى بها يبطل ثوابها. ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾: أي: كما يبطل الرياء الصدقة إذا ما أريد بها المدح بالكرم وطلب الشهرة والدنيا، ولذلك أتبعها بقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nوقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾.\nوهو الصفا، أي: الحجارة الملس، والصفوان واحدٌ وجميع، فمن جمعه جعل الواحدة \"صفوانة\". ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: أملس يابسًا قد ذهب ما عليه من التراب، وهو تمثيل رائع لذهاب أعمال أهل الرياء. ولهذا قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لا ينتفعون بأعمالهم يوم القيامة إذ لم تكن خالصة لوجه الله فأحبطها.\n٢٦٥. قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾.\nفي هذه الآية: ذكر مثل طريقة إنفاق أهل الصدق والتقوى يريدون بإنفاقهم وبذلهم رضوان الله ومغفرته.\nقال الشعبي: (﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: تصديقًا ويقينًا).\nوقال قتادة: (احتسابًا من أنفسهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٥/ ٨٠)، وأحمد (٢/ ١٣٤)، والحاكم (٤/ ٦٤٦) وسنده جيد.","vol":"1","page":649},{"text":"وقال مجاهد: (يتثبتون أين يضعون أموالهم). وهو تأويل بعيد، فالأول أقرب للسياق. ونظيره في الصحيحين عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه] (١).\nوقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾.\nقال مجاهد: (﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾: الربوة المكان الظاهرُ المستوي). وقال الحسن: (هي الأرض المستوية التي تعلو فوق المياه).\nوقوله: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾.\nأي: مطر شديد. ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾: أى: أضعفت ثمرها ضعفين حين أصابت الوابل من المطر. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قال الضحاك: (هو الرَّذاذ، وهو اللين من المطر). وقال الربيع: (أي: طشّ).\nوالمعنى: إن هذه الجنة بهذه الربوة لا تصحر أبدًا، فإنه إن لم يصبها مطر شديد فرذاذ وطش يكفي لاستمرار ثمرتها وبهجتها، وكذلك المؤمن لا يبور عمله أبدًا، فإنه لا يزال يرفع له عمل صالح، يتقبله الله وينميه له، مهما كان ضئيلًا طالما بذل ما في وسعه وأراد به وجه الله خالصًا لا شريك له، ولذلك ختم سبحانه الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربِّيها كما يُرَبّي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم] (٢).\n٢٦٦. قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣٨)، وأخرجه مسلم برقم (٧٦٠)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٢٣٢)، وكثير من أهل السنن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤)، ورواه الترمذي في الجامع (٦٦١)، ورواه بقية أهل السنن.","vol":"1","page":650},{"text":"فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عبيد بن عمير، قال [قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب النبي - ﷺ -: فيمن ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل ولا تَحْقِرْ نفسك. قال ابن عباس ﵄: ضربت مثلًا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله] (١).\nوقال مجاهد في الآية: (أيود أحدكم أن يكون له دنيا لا يعمل فيها بطاعة الله، كمثل هذا الذي له جنات تجري من تحتها الأنهار، ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾، فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير لا يغني عنها شيئًا، وولده صغار لا يغنون عنها شيئًا، وكذلك المفرِّط بعد الموت، كل شيء عليه حَسْرة).\nفالآية تمثيل بديع لحال من أحسن العمل أولًا ثم انعكس بعد ذلك منهجه، فبدل الحسنات بالسيئات، فأبطل بعمله الجديد ما كان أحسن أول شبابه، فقدم يوم القيامة وقد فرّط بالعمل الصالح أحوج ما يكون إليه للنجاة من عذاب الجحيم والعياذ بالله.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني: في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها).\nوقال مجاهد: (لعلكم تتفكرون: تطيعون).\n٢٦٧ - ٢٦٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ\n_________\n(١) حديث موقوف. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٥٣٨)، عن عبيد بن عمير عن عمر بن الخطاب به.","vol":"1","page":651},{"text":"بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالصدقة والبذل والإنفاق من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها والزروع والثمار التي أخرجها لهم من الأرض، ويحذرهم مغبة طاعة الشيطان الذي يأمر بالفحشاء ويعد بالفقر، ويرغبهم في التماس الحكمة من الله الذي بيده الرزق والنصر.\nفعن ابن عباس: (﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، يقول: تصدَّقوا). وقال السدي: (من هذا الذهب والفضة).\nوعن مجاهد في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾،\nقال: (من التجارة). وقال أيضًا: (التجارة الحلال).\nوقوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.\nقال مجاهد: (من الثمار). وقال السدي: (هذا في الثمر والحب). وقال مجاهد أيضًا: (من ثمر النخل).\nقال شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀: (يعني بذلك جل ثناؤه: وأنفقوا أيضًا مما أخرجنا لكم من الأرض، فتصدّقوا وزكّوا من النخل والكرم والحنطة والشعير، وما أوجَبْتُ فيه الصدقة من نبات الأرض).\nقلت: والآية دليل قوي على زكاة عروض التجارة ومنتوجات الأرض عمومًا، مما لم يأت النص بوجوب الزكاة فيه، فإن في المال حقًّا سوى الزكاة، فالإنفاق واجب آخر حتى تحصل بذلك كفاية الأمة وينقطع التسول والحاجة.\nأخرج الإمام الشافعي في \"الأم\" بسند صحيح عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: (ليس في العروض زكاة، إلا ما كان للتجارة).\nوالحديث موقوف صحيح، وليس فيه بيان نصاب زكاتها، ولا ما يجب إخراجه منها، فيمكن حمله على زكاة مطلقة، غير مقيدة بزمن أو كمية، وإنما بما تطيب به نفس صاحبها، فيدخل ذلك في عموم النصوص الآمرة بالإنفاق، كقوله تعالى:","vol":"1","page":652},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.\nأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن جريج: (قال لي عطاء: لا صدقة في اللؤلؤ، ولا زبرجد، ولا ياقوت، ولا فصوص، ولا عرض، ولا شيء لا يدار، \"أي: لا يتاجر به\"، وإن كان شيئًا من ذلك يدار ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع) (١).\nوالشاهد منه قوله: \"ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع\"، فإنه لم يذكر تقويمًا، ولا نصابًا، ولا حَولًا (٢).\nوأخرج ابن زنجويه في كتابه \"الأموال\" بسند حسن، عن إبراهيم الصائغ: (سئل عطاء: تاجر له مال كثير في أصناف شتى، حضر زكاته، أعليه أن يقوِّم متاعه على نحو ما يعلم أنه ثمنه، فيخرج زكاته؟ قال: لا، ولكن ما كان من ذهب أو فضة أخرج منه زكاته، وما كان من بيع أخرج منه إذا باعه) (٣).\nوالخلاصة: يجب على المسلم الإنفاق في سبيل الله إضافة إلى الزكاة، ويجب عليه أن يتصدق في عروض التجارة التي هي من الأصناف التي لم يرد بها النص.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تَلَفًا] (٤).\nوقوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.\nقال قتادة: (لا تعمَّدوا).\nوقال ابن جرير: (لا تعمّدوا الرديء من أموالكم في صدقاتكم فتصدّقوا منه، ولكن تصدقوا من الطيب الجيد). وقيل معناه: (لا تعدلوا عن المال الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه)، والقول الأول أقرب.\nأخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن البراء ﵁: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٨٤/ ٧٠٦١)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٤٤). وسنده صحيح.\n(٢) وانظر تفصيل ذلك في كتاب: \"تمام المنة في التعليق على فقه السنة\" (ص ٣٦٥).\n(٣) إسناده حسن. أخرجه ابن زنجويه في الأموال (٣/ ٩٤٦/ ١٧٠٣)، وانظر المرجع السابق.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٣٧)، وكذلك أخرجه مسلم (٣/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"1","page":653},{"text":"مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: [نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نَخْلِهِ على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاء أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر، فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشِّيص والحَشَف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: لو أن أحدكم أُهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده] (١).\nوأخرج أبو داود بسند حسن عن الزهري عن أبي أمامة قال: [نهى رسول الله - ﷺ - عن الجُعْرور ولون الحُبَيْق، أن يُؤخذا في الصدقة] (٢).\nوالجعرور: ضرب من الدقل، وهو أسوأ التمر، والحبيق: تمر أغبر صغير مع طول فيه.\nوفي مسند الإمام أحمد عن عائشة قالت: [أتي رسول الله - ﷺ - بِضَب، فلم يأكله ولم يَنْهَ عنه. قلت: يا رسول الله، ألا نطعمه المساكين؟ قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.\nقال ابن عباس: (لو كان لكم على أحد حق، فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تُنْقصوه).\nوقال الحسن: (لو وجدتموه في سوق يُباع، ما أخذتموه حتى يُهضَمَ لكم من ثمنه).\nوقال السدي: (لو أهدي لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه، أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة) رواه عن البراء بن عازب من طريق عدي بن ثابت كما ذكر ابن جرير.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٩٨٧)، وابن ماجة (١٨٢٢)، والطبري (٦١٣٩)، وإسناده حسن.\n(٢) أخرجه أبو داود (١٦٠٧)، والحاكم (١/ ٤٠٢)، (٢/ ٢٨٤)، والطبري، وهو حديث حسن.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٠٥ - ١٢٣ - ١٤٤) من حديث عائشة، وإسناده حسن.","vol":"1","page":654},{"text":"وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\nقال البراء: (عن صدقاتكم).\nفهو سبحانه واسع الفضل لا ينفد ما عنده، وهو الحميد: أي المحمود دومًا في شأنه كله.\nوقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.\nأخرج الترمذي والنسائي موقوفًا على ابن مسعود قال: [إن للشيطان لَمَّةً بابن آدم، وللملَكِ لَمة، فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق. وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان. ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ الآية] (١).\nوعن عكرمة عن ابن عباس، قال: [اثنان من الله، واثنان من الشيطان: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، يقول: لا تنفق مالك وأمسكهُ عليك، فإنك تحتاج إليه، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾، على هذه المعاصي، ﴿وَفَضْلًا﴾ في الرزق).\nوقال قتادة: (يقول مغفرة لفحشائكم، وفضلًا لفقركم).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nأي: واسع الفضل الذي يعدكم، وخزائنه لا تنفد، عليم: بصدقاتكم ونفقاتكم يحصيها عليكم مع أعمالكم.\nوقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (يعني: المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٩٨٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٠٥١)، والطبري في التفسير (٦١٦٩)، وهو لا شك في حكم المرفوع، وإن كان الوقف إسناده أصح من الرفع، ورواه ابن حبان وغيره.","vol":"1","page":655},{"text":"ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله).\n٢ - قال مجاهد: (يعني بالحكمة: الإصابة في القول). فقال: (ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن). وقال أبو العالية: (الحكمة الكتاب والفهم).\n٣ - قال أبو العالية: (الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة).\n٤ - قال إبراهيم النخعي: (الحكمة الفهم). وقال أبو مالك: (الحكمة: السنة).\n٥ - قال زيد بن أسلم: (الحكمة العقل). وقال مالك: (الحكمة الفقه في دين الله).\n٦ - قال السدي: (الحكمة: النبوة).\nقلت: والصحيح أن الحكمة تشمل كل ما سبق، وأعلاها النبوة، وينال أتباع الأنبياء منها حسب اتباعهم، ولذلك قال بعدها: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.\nأخرج الشيخان وأحمد عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\nيعني: لا يتعظ بهذه الآيات إلا أصحاب العقول: ممن يعي آفاق هذا الخطاب.\n٢٧٠ - ٢٧١. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أن جميع ما ينفقه العبد أو ينذره تقربًا لله مما يوجبه على نفسه فهو في علم الله. وأنّ الأصل إخفاء الصدقة إلا لمصلحة شرعية، وضابط ذلك كله هو صحة النية.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣)، (١٤٠٩)، ومسلم (٨١٦)، وأحمد (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":656},{"text":"قال مجاهد: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، ويحصيه).\nثم توعد سبحانه من تجاوز أمره وعصاه، بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.\nويشمل الظلم هنا من أنفق ماله رئاء الناس أو نذر نذرًا في معصية الله، كما يشمل كل ظلم يجترحه العبد ثم لا يتوب منه، فإنه لا نصير له يوم القيامة.\nوقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.\nقال قتادة: (كلٌّ مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السّر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفى الماء النار).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [سبعةٌ يُظلِّهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل قلبُه معلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [صنائعُ المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السِّر تُطْفِئُ غضب الرّب، وصلة الرحم تزيد في العمر] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة عن النبي - ﷺ - قال: [صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خَفيًّا تُطْفِئُ غضبَ الربِّ، وصلةُ الرحم زيادةٌ في العُمُرِ، وكلُّ معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)، وأحمد (٢/ ٤٣٩) وغيرهم.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٤٢١)، وفي الأوسط كما في المجمع (٣/ ١١٥) بنحوه، وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٦٩١).","vol":"1","page":657},{"text":"المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح من حديث عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ - قال: \"الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسرُّ بالقرآنِ كالمُسرّ بالصدقة] (٢).\nولا شك أن الأصل بالصدقة الإسرار إلا لمصلحة شرعية، مع التأكد من سلامة القصد والنية.\nوقوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: بدل الصدقات، ولا سيما إذا كانت سرًّا، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات).\nوهناك من قرأها: \"ونكفِّرْ\" بالجزم، عطفًا على محل جواب الشرط، وهو قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾، كقوله ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾. وهي قراءة عامة أهل المدينة والكوفة والبصرة.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\nيعني: يعلم الإسرار والعلن والنية والقصد، فهو محيط بكل شيء، يحصي لكم أعمالكم ثم يوافيكم إياها ويجازيكم عليها يوم القيامة.\n٢٧٢ - ٢٧٤. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير، حديث رقم (٣٦٩٠)، وكذلك حديث رقم (٣٦٨٩)، وانظر تخريج الترغيب (٢/ ٣١)، وله شاهد في مستدرك الحاكم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٥١ - ١٥٨)، وأبو داود (١٣٣٣)، والترمذي (٢٩١٩)، والنسائي (٣/ ٢٢٥)، وانظر صحيح الجامع الصغير، حديث رقم (٣١٠٠).","vol":"1","page":658},{"text":"وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الهداية لله وحده، وعودة نفع الصدقات على أهلها، والحث على الإنفاق بالليل والنهار.\nأخرج النسائي والحاكم وابن جرير - ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس قال: [كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾] (١).\nوفي رواية: [كانوا يكرهون أن يَرْضَخُوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا، فرخص لهم، فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.\nويروي ابن جرير في التفسير، وكذلك ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: [أنه كان يأمُرُ بأن لا يُتَصَدَّقَ إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ .... إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كلِّ دين] (٢).\nوقال الربيع: (كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابةٌ وهو محتاج، فلا يتصدق عليه، يقول: ليس من أهل ديني! ! فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾، الآية).\nوقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (هو مردودٌ عليك، فما لك ولهذا تؤذيه وتمنّ عليه؟ إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله، والله يجزيك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٧٢)، والحاكم (٢/ ٢٨٥)، (٤/ ١٥٦)، والطبري (٦٢٠٢)، (٦٢٠٣)، وهو صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(٢) إسناده حسن إلى ابن عباس، وانظر تفسير الطبري (٧٢٠٦) عن سعيد بن جبير مرسلًا.","vol":"1","page":659},{"text":"وقال الحسن البصري: (نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن - إذا أنفق - إلا ابتغاء وجه الله). وقال عطاء الخراساني: (يعني: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله).\nقال ابن كثير: (وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدّق ابتغاء وجه الله، فقد وقع أجرُه على الله، ولا عليه في نفس الأمر من أصاب: أَلِبَرٍّ أو فاجر أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال رجل: لأتصدقنَّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ على زانية! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على غني! قال: اللهم لك الحمد، على غني! لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على سارق! فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، وعلى غني، وعلى سارق. فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعِفّ بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعِفّ بها عن سرقته] (١).\nوقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nقال مجاهد: (مهاجري قريش بالمدينة مع النبي - ﷺ -، أمَرَ بالصدقة عليهم). وقال السدي: (حصرهم المشركون في المدينة).\nوالمقصود بالآية: المهاجرون الذين تركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا إلى المدينة امتثالًا لأمر رسول الله - ﷺ - وليس لهم ما يغنيهم، ولا يتمكنون من السفر في طلب المعاش.\nقال قتادة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: حبسوا أنفسهم في سبيل الله للعدو، فلا يستطيعون تجارة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٢١)، كتاب الزكاة، باب: إذا تصدق على غني وهو لا يعلم. ورواه مسلم (١٠٢٢)، وأحمد (٢/ ٣٥٠)، والنسائي (٥/ ٥٥).","vol":"1","page":660},{"text":"وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.\nيعني: يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء من شدة تعففهم عن المسألة وترك التعرض لما في أيدي الناس، صبرًا منهم على البأساء والضراء، واحتسابًا لذلك عند الله تعالى.\nوقد جاء مدحهم بذلك في السنة الصحيحة: ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تردّه التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنِىً يغنيه، ولا يُفطن له فَيُتَصدَّق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا] (١).\nوقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾.\nقال مجاهد: (التخشّع). وقال السدي: (بسيما الفقر عليهم). وقال الربيع: (تعرف في وجوههم الجَهد من الحاجة)، وقال ابن زيد: (السيما رثاثة ثيابهم. والجوع خفي على الناس، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها أن تخفى على الناس).\nوقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.\nأي: لا يلحون في المسألة، وهي صفة مدح لهم، بنفي الشّره والضراعة التي تظهر في الملحين من السؤال. قال ابن زيد: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: هو الذي يلح في المسألة).\nأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺيلى: [ليس المسكين الذي ترُدُّهُ التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفّف. اقرؤوا إن شئتم - يعني قوله - ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾] (٢).\nوأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مُزينة: [أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله - ﷺ - كما يسأله الناس؟ فانطلقتُ أسألهُ، فوجدته قائمًا يخطب، وهو يقول: من استعفّ أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدْل خمس أواق، فقد سأل الناس إلحافًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٧٩)، وأخرجه مسلم (١٠٣٩)، وابن حبان (٣٣٥١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٣٩)، وأخرجه مسلم (١٠٣٩)، والبيهقي (٤/ ١٩٥).","vol":"1","page":661},{"text":"فقلت بيني وبين نفسي: لناقةٌ له هي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق. فرجعت ولم أسأل] (١).\nقلت: فإن كان السؤال لتكثير المال دونما حاجة فقد جاء الوعيد الشديد بذلك، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من سأل الناس أموالًا تكثُّرًا، فإنما يسألُ جمر جهنم، فليستقل منه أو لِيَسْتَكْثِر] (٢). وفي لفظ: [فإنما يسأل جَمْرًا، فليستقل أو ليستكثر].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن حبشي بن جنادة قال، قال رسول الله - ﷺ -: [من سأل من غير فقرٍ فكأنما يأكلُ الجمرَ] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [من سأل وله أربعون دِرْهمًا فهو الملحِفُ] (٤).\nوله شاهد عند أبي داود وابن حبان من حديث أبي سعيد بلفظ: [من سأل وله قيمة أوقيّةٍ، فقد ألحفَ]. والأوقية أربعون درهمًا.\nوقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.\nأي: كل ما أنفقتم في علمه، وسيوافيكم بثوابه الجزيل يوم تلقونه، فإنه سبحانه يحصيه لكم ويبارك فيما بذلتموه.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nهو ثناء ومدح من الله سبحانه للمؤمنين المنفقين بالليل والنهار وفي السر والعلانية،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٣٨)، ورجاله ثقات، وجهالة الصحابي لا تضر. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٤٥١٧): رجاله رجال الصحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٤١)، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، ورواه أحمد وأبو داود. انظر صحيح الجامع الصغير رقم (٦١٥٤).\n(٣) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند من حديث حبشي بن جنادة، ورواه ابن خزيمة في صحيحه.\nانظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٦١٥٧)، وتخريج الحلال (٥٣).\n(٤) حديث صحيح. انظر سنن النسائي (١/ ٣٦٣)، وموطأ مالك (٢/ ٩٩٩/ ١١)، وسنن أبي داود (١٦٢٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٧١٩).","vol":"1","page":662},{"text":"وهو ضمان منه سبحانه بالأمن والطمأنينة لهم يوم يخاف الناس وترجف قلوبهم.\nوقد امتلأت السنة الصحيحة بالإخبار عن رفيع الدرجات للمنفقين في سبيل الله، وقد تضمن ذلك الإنفاق على الزوجة وأهل البيت.\nوفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنك لن تُنْفِقَ نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تجعلُ في فم امرأتك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند عن خُرَيم بن فاتك، عن النبي - ﷺ - قال: [من أنفق نفقة في سبيل الله، كتبت له سبع مئة ضعف] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الشيخان وأحمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من أنفق زوجين في سبيل الله نوديَ من أبواب الجنة: يا عبدَ الله هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة، دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دُعِيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام، دُعِيَ من باب الرَّيان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، قال أبو بكر: هل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كُلِّها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم] (٤).\n٢٧٥. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥)، كتاب الإيمان، ومسلم (١٠٠٢)، وأحمد (٤/ ١٢٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٦)، كتاب الإيمان، وأخرجه مسلم (١٦٢٨)، في أثناء حديث.\n(٣) حديث صحيح. ورواه الترمذي (١٦٢٥)، والنسائي والحاكم. انظر تخريج الترغيب (٢/ ١٥٦)، وصحيح سنن الترمذي (١٣٢٦)، وصحيح الجامع (٥٩٨٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٩٧)، كتاب الصوم، وكذلك (٢٨٤١). ورواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي. انظر صحيح الجامع الصغير، حديث رقم (٥٩٨٥).","vol":"1","page":663},{"text":"وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾.\nفي هذه الآية: عطف سبحانه على ذكر أصحاب القربات والصدقات، بذكر أصحاب الربا وأموال الشبهات.\nقال ابن عباس: (آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يُخْنق) رواه ابن أبي حاتم. وعن سعيد بن جبير: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يعني: لا يقومون يوم القيامة). وقال: (ذلك حين يبعث من قبره).\nوالمقصود أن أكلة الربا لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صَرْعِه، وتخبّط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا.\nقلت: والآية دليل على إمكانية تلبس الشيطان بالعبد ومسّه، ودخوله فيه والتأثير عليه، ولا يرده إلا صدق الالتجاء والاستعاذة منه بالله تعالى.\nففي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص، قال: [قلتُ: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يَلْبِسُها عليّ، فقال رسول الله - ﷺ -: ذلك شيطان يُقال له خِنْزَب، فإذا أحْسَسْتَهُ فتعوذ بالله منه، واتْفُل عن يسارك ثلاثًا. ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني] (١).\nوعن عثمان بن أبي العاص قال: (استعملني رسولُ الله - ﷺ - وأنا أصغَرُ السِّتة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة، فقلت: يا رسول الله! إن القرآن يتفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: يا شيطان اخْرُج من صدر عثمان. قال: فما نسيت شيئًا بعده أريد حفظه) (٢)،\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾.\nأي: هو نظيره، اعتراضٌ منهم على الشرع، أي: لم حَرّم هذا وأباح هذا، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا حلّ مالُ أحدهم على غريمه، يقول الغريم لغريم الحق:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٠٣)، كتاب السلام. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٣/ ١٤٤٢) لتفصيل الخبر.\n(٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٦٠٠)، والمرجع السابق (٣/ ١٤٤١)، والحديث السابق. ورواه الطيالسي.","vol":"1","page":664},{"text":"\"زدني في الأجل وأزيدك في مالك\". فإذا قيل لهما هذا ربا لا يحل، قالوا: \"سواء علينا زدنا في أول البيع، أو عند مَحِلّ المال\" فكذبهم الله في قيلهم فقال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.\nوقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾.\nيعني بالموعظة: التذكير والتخويف الذي ذكّرهم الله به وخوّفهم كما جاء في وعيد القرآن وآياته.\nوقوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.\nقال السدي: (فإنه ما كان أكل من الربا قبل التحريم).\nوالمقصود: عفا الله عما سلف بعد وصول بلاع الشرع، كما قال النبي - ﷺ - يوم فتح مكة: [وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضَعُ رِبانا، رِبا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله] (١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾.\nأي: إلى الربا بعدما بلغه النهي والوعيد، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nأخرج البخاري عن ابن عباس قال: (آخر ما نزل على رسول الله - ﷺ -، آية الربا) (٢).\nوله شاهد في مسند أحمد عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: (من آخر ما نزل، آيةُ الربا، وإن رسول الله - ﷺ - قُبِضَ قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة) (٣).\nوفي سنن النسائي عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [آكل الربا وموكِلهُ، وكاتبُه، وشاهِداه، إذا علموا ذلك، والواشمة والموشومة للحسن، ولاوي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٢١٨)، كتاب الحج، في حجة النبي - ﷺ - التي رواها جابر ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٥٤٤) عن ابن عباس به.\n(٣) أخرجه ابن ماجة (٢٢٧٦)، والطبري (٦٣٠٥) بسند صحيح إلى ابن المسيب، واختلف في سماع ابن المسيب من عمر، ولكن مراسيل ابن المسيب جياد بكل حال.","vol":"1","page":665},{"text":"الصدقة، والمرتد أعرابيًّا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد يوم القيامة] (١).\nوفي مسند أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن حنظلة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [درهم ربا يأكله الرجل، وهو يعلم، أَشَدُّ عند الله من ستة وثلاثين زنية] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: [لعن رسول الله - ﷺ - آكِلَ الربا وموكِلَه] (٣).\nوقد أخبر النبي - ﷺ - عن كثرة أبواب الربا وكثرة طرقه، وحذّر من مغبة التورط بذلك، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة عن ابن مسعود، قال رسول الله - ﷺ -: [الربا ثلاثة وسبعون بابًا] (٤). وفي رواية البزار: [الربا سبعون بابًا والشرك مثل ذلك].\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم في المستدرك بإسند صحيح عن ابن مسعود أيضًا، عن النبي - ﷺ - قال: [الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها مِثلُ أن ينكحَ الرجُل أمَّهُ، وإن أربى الربا عِرضُ الرجُل المسلم] (٥). وفي لفظ عند الطبراني: (وإن أربى الربا استطالةُ الرجل في عرضِ أخيه).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [الربا سبعونَ حُوْبًا أيسرها أن ينكح الرجل أمَّه] (٦).\n٢٧٦ - ٢٧٧. قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه النسائي في السنن. انظر صحيح النسائي (٤٧٢١). ورواه ابن خزيمة والحاكم.\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٥/ ٢٢٥)، والمعجم الأوسط للطبراني (١/ ١٤٢). وانظر المرجع السابق (٣٣٧٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٣٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٩٧)، والترمذي (١٢٠٦)، وزاد: \"وشاهديه وكاتبه\"،\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٢٢٧٥). انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٨٤٥). ورواه البزار. انظر تخريج الترغيب (٣/ ٥٠)، وصحيح الجامع (٣٥٣٢).\n(٥) حديث صحيح. انظر تخريج الترغيب (٣/ ٥٠)، والمرجع السابق، حديث رقم (٣٥٣٣).\n(٦) حديث صحيح - أخرجه ابن ماجة في السنن (٢٢٧٤) - كتاب التجارات - باب التغليظ في الربا. انظر - سنن ابن ماجة (١٨٤٤)، وصحيح الجامع (٣٥٣٥).","vol":"1","page":666},{"text":"لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله تعالى أن مصير الربا إلى هلاك وإفلاس، وذهاب بالبركة، وعذاب في الآخرة، في حين ينمي الله الصدقات ويطرح فيها البركة في حياة صاحبها في الدنيا ثم يسعده بثوابها في الآخرة. إنّ أهل الإيمان والعمل الصالح وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لهم جزيل الثواب عند ربهم ولا يعترضهم خوف يومئذ ولا هم يحزنون.\nأخرج الإمام أحمد والحاكم بسند جيد عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قُلٍّ] (١).\nورواه ابن ماجة عنه بلفظ: [ما أحد أكثرَ من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبَّلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلُوه، حتى يكون مثل الجبل] (٢).\nورواه الترمذي وفيه زيادة: (وتصديقُ ذلك في كتاب الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (أي: لا يحب كَفُور القلب أثيمَ القولِ والفعل، ولابُدَّ من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكَسُّب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جَحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعدّ لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون: فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٩٥ - ٤٢٤)، وإسناده لا بأس به، وانظر صحيح الجامع - حديث رقم - (٣٥٣٦). ورواه ابن ماجة (٢٢٧٩)، والحاكم (٢/ ٣٧)، بسند حسن، كما في الحديث بعده.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٤١٠)، و(٧٤٣٠)، ومسلم (١٠١٤)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٥٣٨). وانظر سنن الترمذي -حديث رقم- (٦٦٢).","vol":"1","page":667},{"text":"الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾].\n٢٧٨ - ٢٨١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾.\nفي هذه الآيات: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يجتثوا آخر جذور الربا من حياتهم ويخبتوا لأمره، وإلا فالوعيد الشديد ينتظرهم. ويرغب سبحانه في التيسير على المعسر عند قبض رؤوس الأموال، كما يرغب في الصدقة والاستعداد ليوم الحساب.\nقال الضحاك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: كان ربًا يتبايعون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمِروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم).\nوقال ابن عباس: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزعُ عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزَعَ وإلا ضرب عنقه).\nوقال الربيع: (أوعد الآكل الربا بالقتل). وقال قتادة: (أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون، فجعلهم بَهْرجًا أينما ثقفوا).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.\nقال الضحاك: (وضع الله الربا، وجعل لهم رؤوس أموالهم). وقال قتادة: (ما كان لهم من دين، فجعل لهم أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزدادوا عليه شيئًا).\nوقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (لا تنقصون من أموالكم، ولا تأخذون باطلًا لا يحل لكم). وقال ابن عباس: ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: فتُربون، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾: فتنقصون).","vol":"1","page":668},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.\nقال مجاهد: (يؤخّره، ولا يزدْ عليه. وكان إذا حلّ دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه، زاد عليه وأخّره).\nوقوله: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾.\nمرفوع بكان، والخبر محذوف. والتقدير: وإن كان ممن تقبضون منه من غرمائكم رؤوس أموالكم، ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: معسرًا برؤوس أموالكم التي كانت لكم عليهم قبل الإرباء: فأنظروهم إلى ميسرتهم. أو كما قال ابن جرير: (فيكون تأويل الكلام عند ذلك: وإن وُجد ذو عسرة من غرمائكم برؤوس أموالكم، فنظرة إلى ميسرة). فوجّهت كان هنا إلى معنى الفعل التام دون الحاجة إلى خبر.\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين). وروى ابن جرير هذا المعنى عن قتادة: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾: أي: برأس المال، فهو خير لكم).\nوقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي اليَسَر، عن النبي - ﷺ - قال: [من أنظر مُعْسِرًا، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظِلِّه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [منْ أنْظَرَ مُعْسِرًا، أو وضَعَ له، أظَلَّهُ الله يومَ القيامة تحت ظلِّ عرشه، يوم لا ظل إلا ظلّه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن بريدة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من أنظر معسرًا فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حلّ الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٣٠٠٦)، كتاب الزهد، ورواه ابن حبان (٥٠٤٤)، وانظر مسند أحمد (٤٢٧١٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤٢٧١٣)، وابن ماجة (٢٤١٩)، وبنحوه الطبراني (١٩/ ٣٧٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٠)، والحاكم (٢/ ٢٩)، وانظر السلسلة الصحيحة (٨٦).","vol":"1","page":669},{"text":"الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي قتَادة، أن أبا قتَادة: طلب غريمًا له فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني مُعْسِرٌ. قال: آلله؟ قال: الله، قال: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من سَرّه أن يُنجِيَهُ الله من كُرَب يوم القيامة فَلينفِّسْ عن مُعْسرٍ، أو يضَعْ عنه] (١).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري في صحيحه عن حذيفة، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [إن رجلًا كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبضَ روحَه، فقيل له: هل عَمِلْتَ من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلمُ شيئًا غير أني كنت أُبايعُ الناس في الدنيا وأجازيهم فأُنْظِرُ الموسِرَ وأتجاوزُ عن المُعْسِر، فأدخله الله الجنة] (٢).\nثم ذكَّر سبحانه عباده نهاية المطاف، بأن الرجوع إليه، وترك الأموال والعقارات والدنيا وزينتها، ووضع الأعمال على الميزان، فمن رجحت كفة حسناته فقد فاز، ومن رجحت كفة سيئاته فقد هلك، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\nوهذه الآية هي آخر ما نزل من القرآن. قال البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، باب: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. حدثنا قبيصة بن عُقبة: حدثنا سفيانُ عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ قال: (آخر آيةٍ نزلت على النبي - ﷺ - آيةُ الربا).\nوقال ابن جريج عن ابن عباس: (آخر آية نزلت من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال ابن جريج: يقولون إن النبي - ﷺ - مكث بعدها تسع ليال، وبُدئ يوم السبت، ومات يوم الاثنين).\nقال ابن جرير: (يعني بذلك جل ثناؤه: واحذورا أيها الناس، ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، فتلقونه فيه، أن تردوا عليه بسيئات تهلككم، أو بمخزيات تخزيكم، أو بفاضحات تفضحكم فتهتك أستاركم، أو بموبقات توبقكم فتوجب لكم من عقاب الله ما لا قِبَلَ لكم به، وإنه يوم مجازاة بالأعمال، لا يوم استعتاب، ولا يوم استقالة وتوبة وإنابة، ولكنه يوم جزاء وثواب ومحاسبة، توفّى فيه كل نفس أجرَها على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٥٦٣)، كتاب المساقاة. باب فضل إنظار المعسر، ورواه أحمد في المسند (٥/ ٣٠٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٥١)، كتاب أحاديث الأنبياء، وانظر حديث رقم (٢٠٧٧).","vol":"1","page":670},{"text":"ما قدَّمت واكتسبت من سَيِّيءٍ وصالح، لا تُغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من خير وشر إلا أحضِرت، فوفّيتْ جزاءها بالعدل من ربها، وهم لا يظلمون.\nوكيف يُظلم من جوزي بالإساءة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها؟ ! كلَّا، بل عَدَل عليك أيها المسيء، وتكرم عليك فأفضل وأسبغَ أيها المحسن. فاتقى امرؤ ربه، وأخذ منه حذره، وراقبه، أن يهجم عليه يومُه وهو من الأوزار ظهرُه ثقيل، ومن صالحات الأعمال خفيف، فإنه ﷿ حَذّر فأعذَر، ووعظ فأبلغ).\n٢٨٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾.\nفي هذه الآية: ضرورة توثيق العهود وكتابتها، وحفظ الأموال بالإشهاد عليها، وحماية العلاقات والذرية من الضياع.\nأخرج ابن جرير بسنده عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسيب: (أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين).\nوهذه الآية هي أطول آية في كتاب الله ﷿، وفيها أحكام جليلة، وأوامر عظيمة تحتاجها الأمة في حياتها وخلال معاملاتها، وإن مخالفتها سبب فساد كثير من أحوال الناس وعلاقاتهم.","vol":"1","page":671},{"text":"أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس أنه قال: [لما نزلت آية الدين: قال رسول الله - ﷺ -: إن أول من جحد آدم ﵇، إن الله لما خلق آدم مَسَحَ ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر، فقال: أي ربّ، من هذا؟ قال: ابنُك داود. قال: أي رب، كم عمُرُه؟ قال: ستون عامًا، قال: ربّ، زِدْ في عمره. قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمرُ آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتُضِرَ آدم وأتته الملائكة قال: إنه بقي من عمري أربعون عامًا، فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود. قال: ما فعلت. فأبرز الله عليه الكتاب، وأشهد عليه الملائكة. وفي رواية: فأتمها الله لداود مئة، وأتمها لآدم ألف سنة] (١).\nوالحديث مع الآية يدل كل منهما على ضرورة كتابة العقود وتوثيقها، وعلى وجوب الكتابة أثناء قرض الأموال، حفظًا للحقوق وحماية للذرية من الضياع.\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثةٌ يدعونَ الله ﷿ فلا يستجابُ لهم: رجُلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلقُ فلم يطلّقها، ورجل كان له على رجل مالٌ فلم يُشهِدْ عليه، ورجُل آتى سفيهًا مالهُ، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾.\nيعني: إذا تبايعتم بدين، أو اشتريتم به، أو تعاطيتم أو أخذتم به، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: إلى وقت معلوم، فيدخل بذلك القرض والسَّلَم. والآية إرشاد من الله لضرورة الكتابة في المعاملات المالية المؤجلة والديون والقروض وغير ذلك. قال ابن عباس: (أنزلت في السلم إلى أجل معلوم) ذكره ابن جرير.\nوروى البخاري عن قتادة، عن أبي حَسّان الأعرج، عن ابن عباس قال: (أشهد أن السَّلَفَ المضمونَ إلى أجل مسمّى أن الله أحَلّهُ وأذن فيه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٥١ - ٢٥٢ - ٢٩٩ - ٣٧١)، ورواه أبو يعلى (٢٧١٠)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٩٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٠٢)، والديلمي (٢/ ٥٨): وانظر السلسلة الصحيحة (١٨٠٥)، وصحيح الجامع الصغير برقم (٣٠٧٠)، ورواه أبو نعيم والطحاوي.","vol":"1","page":672},{"text":"وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [قدم النبي - ﷺ - المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول الله - ﷺ -: من أَسْلَفَ فَلْيُسْلِف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجلٍ معلوم] (١).\nوقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.\nأمر بالكتابة والتوثيق والحفظ.\nقال ابن جريج: (من ادّان فليكتب، ومن ابتاع فَليُشهد). وقال الضحاك: (من باع إلى أجل مسمى، أُمر أن يكتب، صغيرًا كان أو كبيرًا إلى أجل مسمى).\nوقوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾.\nقال قتادة: (اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يزيدن فيه باطلًا).\nوقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾.\nيعني: لا يمتنع من سئل الكتابة أن يكتب ما دام يعلم الكتابة، وليتصدق بذلك على غيره ممن لا يعرف الكتابة.\nقال مجاهد: (واجب على الكاتب أن يكتب).\nوفي سنن أبي داود بسند جيد عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [من كتم عِلْمًا يعْلمُهُ أُلجم يوم القيامة بلجام من نار] (٢).\nوقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾.\nأي: ليتولّ المدين إملالَ كتاب ما عليه من دين ربّ المال على الكاتب. قال الربيع: (﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، يقول: لا يظلم منه شيئًا). وقال ابن زيد: (لا ينقص من حق هذا الرجل شيئًا إذا أملى).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٣٩)، (٢٢٤١)، وأخرجه مسلم (١٦٠٤)، وأحمد (١/ ٢١٧)، والترمذي (١٣١١)، وأبو داود (٣٤٦٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٠)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٦٥٨)، والترمذي في الجامع (٢٦٤٩)، وابن ماجة في السنن (٢٦١)، ورواه الحاكم (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":673},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.\nقال السدي: (أما السفيه، فهو الصغير). وقال الضحاك: (هو الصبي الصغير، فليملل وليُّه بالعدل). وقال مجاهد: (أما السفيه، فالجاهل بالإملاء والأمور)، واختاره ابن جرير. وقال ابن كثير. (سفيهًا: محجورًا علبه بتبذير ونحوه). وهذا المعنى أشمل.\nوقوله: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾.\nأي: صغيرًا أو مجنونًا أو عاجزًا. ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ لجهل أو مانع: كحبسٍ أو خرسٍ أو غيابٍ بسبب ما. ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾. قال ابن عباس: (إن كان عجز عن ذلك، أملَّ صاحبُ الدين بالعدل).\nوقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.\nأمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثيق. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وهذا الأمر في الأموال والديون، فإنَّ عَقْلَ الرجل أكمل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل.\nففي صحيح مسلم وسنن أبي داود عن ابن عمر، قال رسول الله - ﷺ -: [ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلبَ لذي لبٍّ منكنَّ، أما نقصان العقل فشهادة امرأتين بشهادة رجل، وأما نقصان الدين، فإن إحداكنَّ تفطرُ رمضان، وتقيم أيامًا لا تصلي] (١).\nوقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.\nفيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا الأمر يعمّ كل شهادة. قال الربيع: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، يقول: عُدولٌ).\nوقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.\nقال الضحاك: (إنْ تَنْسَ إحداهما ذكَّرَتْها الأخرى).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ٦١)، وأحمد (٢/ ٦٦ - ٦٧)، وانظر صحيح الجامع (٥٥٠٠).","vol":"1","page":674},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.\nقال ابن عباس: (يعني: من احتيج إليه من المسلمين شهد على شهادة إن كانت عنده، ولا يحل له أن يأبى إدا ما دُعي).\nوفي صحيح مسلم عن زيد بن خالد: أن رسول الله - ﷺ - قال: [ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها] (١).\nوأما ما أخرج البخاري عن عبد الله ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوامٌ تسبقُ شهادة أحدهِم يمينَهُ ويمينُه شهادته] (٢).\nوكذلك روى نحوه عن عمران بن حصين، ثم ذكر عمران: قال النبي - ﷺ -: [إن بعدَكم قومًا يخونون ولا يُؤْتَمَنون ويشهدون ولا يستشهدون ويَنْذِرون ولا يَفُون، ويظهرُ فيهم السِّمن].\nفالمقصود قوم لهم مصلحة بشهادة ما، فالحديث في موضع ذمٍّ لهم ولأمثالهم لا في موضع مدح، وقيل هؤلاء شهود الزور، ولذلك قال إبراهيم - عقب حديث عبد الله -: (وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد).\nوقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾.\nإرشاد إلى دقة الكتابة وعدم التهاون بتفاصيلها، أي: ولا تملّوا أن تكتبوا الحق بكل ما فيه من صغيرة وكبيرة. يقال: سئمت، أي: مللت. وقوله: ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾، إلى أجل الحق.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.\nأي: هذا الذي أمرتم به من الكتابة والدقة أعدل عند الله وأثبت لأمر الشهادة، فإن الشاهد إذا رآه تذكر خطه فربما يكون قد نسيه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧١٩)، وأحمد (٥/ ١٩٣)، وأبو داود (٣٥٦٩)، والترمذي (٢٢٩٦). من حديث زيد بن خالد ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٣٥٢)، كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جَور إذا أشهد. وانظر (٢٦٥١) للحديث بعده. وكذلك (٣٦٥١).","vol":"1","page":675},{"text":"وقوله: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.\nأي: أقرب إلى عدم الريبة، وأبعد عن الشك.\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.\nقال السدي: (يقول: معكم بالبلد ترونها، فتأخذ وتعطي، فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها). أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا حرج بترك الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.\nوقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.\nالجمهور حمله على الندب لا على الوجوب.\nقال الشعبي: (إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. وقال الضحاك: (ما كان من بيع حاضر فإن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد. وما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله أن يكتب ويُشْهد عليه. وذلك في المقام).\nقلت: والذي ذهب إليه الضحاك هو الأقرب، ويتوافق مع ما أخرجه الحاكم عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دَفَعَ مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يشهد] (١).\nومع ما أخرجه الإمام أحمد بسند جيد عن عُمارة بن خزيمة الأنصاري، أنّ عمَّه حدّثه - وهو من أصحاب النبي - ﷺ -: [أن النبي - ﷺ - ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي - ﷺ - ليقضيَه ثمن فرسه، فأسرع النبي - ﷺ -، وأبطأ الأعرابي، فطفِقَ رجالٌ يَعْتَرِضُون الأعرابي فيساومُونَهُ بالفرس، ولا يشعرون أن النبي - ﷺ - ابتاعه، حتى زاد بعضُهم الأعرابيَّ في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي - ﷺ -، فنادى الأعرابي النبي - ﷺ -، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتَعْه، وإلا بعتُه، فقام النبي - ﷺ - حين سمع نداء الأعرابي، قال: أو ليس قد ابتعتُه منك؟ قال الأعرابي: لا، والله ما بعتك،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٠٢)، والديلمي (٢/ ٥٨)، وقد مضى برواية أخرى.","vol":"1","page":676},{"text":"فقال النبي - ﷺ -: بل قد ابتعتُهُ منك. فطفق الناس يلوذون بالنبي - ﷺ - والأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هَلُمّ شهيدًا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي - ﷺ - لم يكن يقول إلا حقًّا. حتى جاء خزيمةُ فاستمع لمراجعة النبي - ﷺ - ومراجعة الأعرابي، فطفق الأعرابي يقول: هَلُمّ شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي - ﷺ - على خزيمة فقال: بِم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله - ﷺ -، فجعل رسول الله - ﷺ - شهادة خزيمة بشهادة رجلين] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.\nيعني: لا يُضَرَّ بهما، ولا يضُرّا بكتابة خلاف ما يملي، فالتأويلان محتملان.\nقال ابن زيد: (لا يضار كاتب فيكتب غير الذي أملي عليه. قال: والشهيد يضار فيحوِّل شهادته، فيبطل حقهم). وقال عطاء: (لا يضار: أن يؤديا ما عندهما من العلم).\nوقال الضحاك: (هو الرجل يدعو الكاتب أو الشاهدَ وهما على حاجة مهمة، فيقولان: إنا على حاجة مهمة فاطلب غيرنا! فيقول: والله لقد أمركما أن تجيبا! فأمره أن يطلب غيرهما ولا يضارهما، يعني: لا يشغلهما عن حاجتهما المهمة وهو يجد غيرهما). واختاره شيخ المفسرين.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.\nيعني: إن خالفتم ما أمرتم به فقد وقعتم في الفسوق. قال ابن عباس: (والفسوق المعصية). وقال ابن زيد: (الفسوق الكذب. قال: هذا فسوق، لأنه كذب الكاتبُ فحوَّل كتابه فكذَب، وكذَبَ الشاهد فحوّل شهادته، فأخبرهم الله أنه كذب).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nأمْرٌ بالتقوى وإخبار بنتائجها من النور والعلم والثواب، وتشمل التقوى الأخذ بأسباب العلم والتَّثَبُّت، ثم الله يبارك سبحانه.\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه أحمد (٥/ ٢١٦)، وأبو داود (٣٠٦٧)، والنسائي (٦٢٤٣)، والحاكم (٢/ ١٨)، وله شاهد عند البخاري (٤٧٨٤) يشهد لبعضه.","vol":"1","page":677},{"text":"قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ...﴾ [الأنفال: ٢٩]. وقال في سورة الحديد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ...﴾ [الحديد: ٢٨].\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله - ﷺ - من قبلك: [أوصيك بتقوى الله تعالى فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض] (١).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nأي: يعلم كل شيء من أعمالكم، فهو يحصيها عليكم، ليجازيكم بها.\n٢٨٣. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾.\nفي هذه الآية: الترغيب في أخذ الرهان عند غياب الكاتب في السفر، ثم أداء الأمانات عند الرجوع إلى الحضر، والترهيب من كتم الشهادة، فإن في ذلك أعظم الضرر.\nقال الضحاك: (فمن كان على سفر فبايع بيعًا إلى أجل فلم يجد كاتبًا، فرخص له في الرهان المقبوضة، وليس له إن وَجد كاتبًا أن يرتهن).\nوقال ابن عباس: (أو وجدوه ولم يجدوا قرطاسًا أو دواة أو قلمًا، فرهان مقبوضة). قال: (ربما وجد الرجل الصحيفة ولما يجد كاتبًا).\nوفي صحيح البخاري عن أنس: [أن رسول الله - ﷺ - تُوفِّيَ ودِرْعُهُ مرهونة عند يهودي على ثلاثين وَسْقًا من شعير، رهنها قوتًا لأهله] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٨٢)، وله شاهد عن الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ٨٢/ ٢). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٥٥٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٠٦٩)، و(٢٥٠٨)، وأحمد (٣/ ١٣٣)، ومسلم (١٦٠٣)، =","vol":"1","page":678},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.\nقال الضحاك: (إنما يعني بذلك: في السفر، فأما الحضر فلا، وهو واجد كاتبًا، فليس له أن يرتهن ولا يأمن بعضهم بعضًا). وقال الشعبي: (إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تُشهدوا).\nقال القرطبي: (شَرْط رُبط به وصية الذي عليه الحق بالأداء وترك المطل. يعني: إن كان الذي عليه الحق أمينًا عند صاحب الحق وثِقةً فليؤدِّ له ما عليه اؤتمن).\nوقوله. ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.\nقال الربيع: (فلا يحل لأحد أَن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ركب إثمًا عظيمًا). وقال السدي: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾: فاجر قلبه).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\nأي: عليم بشهادتكم وإظهارها أو كتمانها، وبكل سرائركم وعلانيتكم، يحصي عليكم ما أخفيتم وما أعلنتم ليجازيكم به.\n٢٨٤. قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾.\nلما نزلت هذه الآية وما بعدها اشتد ذلك على أصحاب النبي - ﷺ -، وخافوا من دقة ما يمكن أن تشمل، من الأعمال الظاهرة والباطنة، ومن موقف الحساب والمحاسبة، وما يمكن أن يوضع على الميزان يوم القيامة.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: [لما أُنْزِلَتْ على رسول الله - ﷺ -:\n_________\n= لكن من حديث عائشة. ورواه الترمذي (١٢١٥)، وابن ماجة (٢٤٣٧)، وغيرهم.","vol":"1","page":679},{"text":"﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾. قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -. قال: فأتوا رسول الله - ﷺ - ثُمَّ بَرَكُوا على الرُّكَب فقالوا: أي رسولَ الله! كُلِّفْنا من الأعمال ما نُطيق: الصلاةُ والصيامُ والجهادُ والصَّدقةُ وقد أُنزلتْ عليك هذه الآية ولا نطيقُها. قال رسول الله - ﷺ -: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سَمِعْنا وعَصَيْنا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلَّتْ بها ألسنتهم، فأنزل الله ﷿ في إثْرِها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، قال: نعم. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، قال: نعم] (١).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسَها ما لم تكلَّم أو تعمل] (٢).\nوفي صحيح مسلم عنه قال: [جاء ناسٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدُنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان] (٣).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله قال: [سئل رسول الله - ﷺ - عن الوسوسة. قال: تلك صريح الإيمان] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢٥)، كتاب الإيمان، باب بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، وبيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يُطاق، وبيان حكم الهم بالحسنة والسيئة. ورواه أحمد (٢/ ٤١٢)، وذكره ابن جرير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧)، وأحمد (٢/ ٣٥٥)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٢)، وأخرجه أبو داود (٥١١١)، وابن حبان (١٤٨) وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٣)، والمراد مدافعة الوسوسة وما يجده من ذلك في النفس.","vol":"1","page":680},{"text":"وفي صحيح البخاري عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أحسبُه ابنَ عمر -: [﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها] (١).\nوقد جاءت الأحاديث الصحيحة بأن الهمّ بالحسنة يكتب حسنة وإن لم يعملها، والهمّ بالسيئة لا يكتب حتى يعملها صاحبها فتكتب واحدة، وذلك من فضل الله وكرمه على عباده المؤمنين.\nوفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله: إذا همَّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا همَّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: [قال الله: إذا هَمَّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتُها له عشر حَسنات إلى سبع مئة ضعف، وإذا همَّ بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله - ﷺ - قال: [قال الله: إذا تحدَّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها. وقال رسول الله - ﷺ -: قالت الملائكة: ربِّ ذاك عبدك، يريد أن يعمل سيئة، - وهو أبصر به - فقال: ارقُبُوه، فإن عملها فاكتبُوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جَرَّاي. وقال رسول الله - ﷺ -: إذا أحسن أحدكُم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٥٤٥)، (٤٥٤٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٢)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢٨) ح (٢٠٤)، وابن حبان (٣٨٣)، وغيرهما.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢٩)، وأحمد (٢/ ٣١٥)، وابن حبان (٣٧٩)، وغيرهم.","vol":"1","page":681},{"text":"وذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك أن الآية محكمة لم تنسخ، واختاره ابن جرير، وذكر أن المحاسبة لا يلزم منها المعاقبة.\nوعن ابن عباس: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، مما لم يطلع عليه ملائكتي، وأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. أي: من الشك والنفاق).\n\nوهذا مذهب قوي في أن الآية محكمة، وإنما المنسوخ منها هو المحاسبة بالوسوسة والخواطر، وما يدور في حديث النفس وتأملاتها، ويؤيد هذا ما في الصحيحين عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الله يُدْني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى قَرَّره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هَلَكَ، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناتِهِ، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] (١).\n٢٨٥ - ٢٨٦. قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾\nفي هذه الآيات الرسول والمؤمنون صدقوا الله تعالى منهج الإيمان، فآمنوا بالله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٢٤٤١)، كتاب المظالم، وكذلك (٤٦٨٥)، (٧٥١٤)، وأخرجه مسلم برقم (٢٧٦٨).","vol":"1","page":682},{"text":"وملائكته وكتبه ورسله ولم يفرقوا بين رسول وآخر، وأخبتوا إلى ربهم بالسمع والطاعة. إن الله لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها وقد استجاب دعاء المؤمنين في ذلك وغفر لهم ووعدهم النصر على أعدائهم.\nقد جاء ذكر فضل هاتين الآيتين في السنة الصحيحة، فإلى ذكر بعض هذه الأحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من قرأ بالآيتين - من آخر سورة البقرة - في ليلة كفتاه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله قال: [لما أُسْرِيَ برسول الله - ﷺ -، انتُهِيَ به إلى سِدْرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعْرَجُ من الأرض فَيُقْبَضُ منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به من فوقها فيقبَضُ منها، قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، قال: فراش من ذهب، قال: وأعطي رسول الله - ﷺ - ثلاثًا: أُعطي الصلواتِ الخمسَ، وأُعطِيَ خواتيم سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لم يشرك بالله من من أمته شيئًا المُقحمات] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي ذر قال: قال رسىول الله - ﷺ -: [أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبيّ قبلي] (٣).\nوله شاهد عنده من حديث حذيفة بلفظ: [فُضِّلنا على الناس بثلاث ... أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يُعطها أحد قبلي. ولا يُعطاها أحدٌ بعدي].\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي - واللفظ للترمذي - بإسناد حسن، عن النعمان بن بشير، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، وهو عند العرش، وإنه أنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاثَ ليال فيقربها الشيطان] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه، عن ابن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٠٩)، (٩٠٥١)، ومسلم (٨٠٧)، وأحمد (٤/ ١٢١)، وغيرهم. من حديث أبي مسعود ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٣)، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٣١٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٥١)، وانظر (٥/ ٣٨٣)، للشاهد بعده.\n(٤) حديث حسن. أخرجه الترمدي (٢٨٨٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٠٢)، وأحمد (٤/ ٢٧٤).","vol":"1","page":683},{"text":"عباس قال: [بينما رسول الله - ﷺ - وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: \"هذا باب قَدْ فُتِحَ من السماء، ما فُتح قط\". قال: فنزل منه مَلَكٌ، فأتى النبي - ﷺ -، فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته] (١).\nفإلى تفصيل معاني هاتين الآيتين العظيمتين:\nقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾.\nإخبار من الله سبحانه عن النبي - ﷺ - بذلك.\nوقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.\nعطف على الرسول، فالجميع جاؤوا بأركان الإيمان، وبذلك أخبر عنهم سبحانه بقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. قال ابن زيد: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، كما صنع القوم - يعني: بني إسرائيل - قالوا: فلان نبيّ، وفلان ليس نبيًّا، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به).\nوقوله: ﴿وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.\nأي: سمعنا قولك يا ربنا وفهمنا، وقمنا بمقتضاه من العمل فاغفر لنا وارحمنا وتجاوز عنا حين نلقاك.\nوقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\nقال ابن عباس: (هم المؤمنون، وسَّعَ الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾).\nوقال السدي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وسعها: طاقتها، وكان حديث النفس مما لم يطيقوا).\nوقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.\nقال ابن عباس: (عمل اليد والرجل واللسان).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٦)، والنسائي (٢/ ١٣٨)، والحاكم (١/ ٥٥٨).","vol":"1","page":684},{"text":"وقال السدي: (﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾، يقول: ما عملت من خير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، يقول: وعليها ما عملت من شر).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.\nقال ابن زيد: (إن نسينا شيئًا مما افترضته علينا، أو أخطأنا، فأصبنا شيئًا مما حرمته علينا).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: [قال الله: نعم]. ولحديث ابن عياس: [قال الله: قد فعلت] (١).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.\nقال قتادة: (لا تحمل علينا عهدًا وميثاقًا، كما حملته على الذين من قبلنا، يقول: كما غُلِّظَ على من قبلنا). وقال مجاهد: (إصرًا: عهدًا). وقال الربيع: (الإصر: العهد. ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾. قال: عهدي). وقال الضحاك: ﴿إِصْرًا﴾: المواثيق).\nوقال ابن جُريج: (عهدًا لا نطيقه ولا نسمتطيع القيام به، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، اليهود والنصارى فلم يقوموا به، فأهلكتهم). وقال عطاء: (لا تمسخنا قردة وخنازير).\nوقال ابن زيد: (لا تحمل علينا ذنبًا ليس فيه توبة ولا كفارة).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.\nقال الضحاك: (لا تحملنا من الأعمال ما لانطيق).\nوقال ابن زيد: (لا تفترض علينا من الدين ما لا طاقة لنا به فنعجز عنه).\nوالمعنى: لا تكلفنا من ألأعمال ما لا نطيق القيام به، ولا من العهود التي لا طاقة لنا بالوفاء بها.\nوقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾.\nقال ابن زيد: (اعف عنا إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به). قال: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ إن انتهكنا شيئًا مما نهيتنا عنه).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (١٢٥)، كتاب الإيمان، ورواه أحمد (٢/ ٤١٢)، وقد مضى بتمامه.","vol":"1","page":685},{"text":"وقوله: ﴿وَارْحَمْنَا﴾.\nقال ابن وهب، قال ابن زيد: (يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا تركَ ما نهيتنا عنه إلا برحمتك. قال: ولم ينج أحدٌ إلا برحمتك).\nوقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\nأي: أنت ولينا ومؤيدنا وناصرنا، وعليك اتكالنا، فنستعين بك أن تنصرنا على القوم الطغاة المجرمين الذين جحدوا دينك، وعطلوا الحكم بشرعك، واستهزؤوا بأمرك ونهيك، فاشدد عزيمتنا سبحانك بتوفيقك ونصرك حتى نقيم دينك في الأرض، ونحكم بشرعك في أرجاء المعمورة، حتى تُعبدَ وحدك لا شريك لك.\nيروي ابن جرير عن أبي إسحاق: (أن معاذًا كان إذا فرغ من هذه السورة: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، قال: آمين).\nتم تفسير سورة البقرة بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه","vol":"1","page":686},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الحروف المقطعة أوائل السور تفيد الإعجاز لهذا القرآن العظيم.\n٢ - الإيمان بالغيب نَعْتٌ رفيع للمؤمنين، والغيب يغطي معظم شرائع هذا الدين.\n٣ - النفاق نوعان: نفاق أصلي ونفاق عملي، فالأول نفاق في أصل الدين، والثاني: نفاق في السوك والعمل.\n٤ - القرآن معجزة الله الخالدة في الأرض، وهو يتحدى أن يأتي بسورة من مثله أهل الإبطال والرفض.\n٥ - الإنسان مفتقر دومًا إلى الله، ولا يصلح خليفة في الأرض عن الله، فالله تعالى يستحيل أن يغيب عن ملكه، ولعبد يغيب فهو يرتحل أو يعزل أو يموت، ومن ثم فمفهوم الخلافة هو الاستخلاف في الأرض جيلًا بعد جيل يخلف بعضهم بعضًا.\n٦ - خلقت الملائكة من نور. وخلق إبليس من مارج من نار.\n٧ - الكلمات التي توسل بها آدم إلى ربه بعد الذنب: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n٨ - تفضيل بني إسرائيل إنما كان على عالمي زمانهم، فلما استكبروا حوله الله إلى غيرهم.\n٩ - على الداعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اؤتمر به أو لم يؤتمر.\n١٠ - الصبر والصلاة من أكبر العون للعبد في الثبات على الحق.\n١١ - أهل (الحلول والوحدة والاتحاد) يشفقون على فرعون لأنه ادعى الربوبية، فهم يقولون بحلول الرب في كل شيء أو ببعض خلقه.\n١٢ - رؤية المعجزات والخوارق لا تسقط التكليف.","vol":"1","page":687},{"text":"١٣ - تفضيل أصحاب محمد على أصحاب موسى والأنبياء جميعًا - صلوات الله وسلامه عليهم - بصبرهم وطاعتهم.\n١٤ - أمة محمد هم من آمن به قبل بعثته وبعدها.\n١٥ - التنطع والغلو والجدل صفات قديمة لليهود، وهي سبب تشديد الله عليهم.\n١٦ - اليهود قتلة الأنبياء، وهم أمكر بني البشر.\n١٧ - الإيمان بنبي واحد، يقتضي الإيمان بجميع الأنبياء.\n١٨ - معاداة ملائكة الله ورسله، معاداة لله تعالى وأمره.\n١٩ - السحر كفر، وتعلمه حرام، وفيه ما يفرق بين المرء وزوجه، والساحر عقوبته القتل ولا يستتاب.\n٢٠ - أشد الناس عداوة للمؤمنين اليهود والمشركون.\n٢١ - النهي عن التشبه باليهود في كثرة السؤال تعنّتًا.\n٢٢ - عمارة المساجد بالصلاة والعلم والإيمان، لا بالزخرفة وتزيين البنيان والجدران.\n٢٣ - نسخ استقبال بيت المقدس في الصلاة، والأمرُ باستقبال الكعبة، ومن اجتهد وسعه لمعرفة القبلة فلم يصب فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.\n٢٤ - لا يسمع بمحمد - ﷺ - يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا كان من أصحاب النار.\n٢٥ - الظالمون الكافرون لا يكونون أئمة ولا قادة للمسلمين.\n٢٦ - مقام إبراهيم هو الحجرُ الذي كان يقوم عليه إبراهيم - ﷺ - لبناء الكعبة.\n٢٧ - حرّم إبراهيم مكة ودعا لأهلها، وحرّم محمد المدينة ودعا لأهلها.\n٢٨ - الحجر الأسود من الجنة، سلّمه جبرائيل لإبراهيم، فوضعه في مكانه القويم.\n٢٩ - ملة إبينا إبراهيم، هي ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم، ولا يرغب عنها إلا ظالم لنفسه أثيم.\n٣٠ - محمد أفضل الخلق لا أول الخلق، وإنما أول الخلق القلم.\n٣١ - لا ينفع الانتساب للأنبياء دون اتباع منهاجهم، ولا يجوز التفريق بين الرسل بل يجب الإيمان بهم جميعًا.","vol":"1","page":688},{"text":"٣٢ - أول صلاة صليت إلى الكعبة كانت صلاة العصر.\n٣٣ - أمة محمد - ﷺ - أمة الوسط في العالمين، وهي التي تشهد للرسل بالبلاغ يوم تكذب الأمم رسلها يوم الدين.\n٣٤ - استقبال الكعبة من كل جهات الأرض شرط لصحة صلاة المسلمين.\n٣٥ - الصلاة خير عون على الصبر على المحرمات وضغط الشهوات، وعلى الثبات والاحتساب عند نزول النائبات.\n٣٦ - السعي بين الصفا والمروة أحد أركان الحج والعمرة.\n٣٧ - تقبل الدعاء منوط بإطابة المطعم والملبس.\n٣٨ - القصاص واجب، ولا يقتل مسلم بكافر، ويقتل الجماعة بالواحد، ومن قَتل بعد أخذه الدية يقتل حتمًا.\n٣٩ - الوصية للوالدين والأقربين ممن يرث منسوخة بآية الميراث.\n٤٠ - الوصية الشرعية واجبة، ويحرم تبديلها، ورفع الجنف مستثنى.\n٤١ - صيام رمضان واجب على كل مسلم، ويستثنى المريض والمسافر، يفطران ويقضيان، والسحور سنة، وتعجيل الفطر واجب، ولا وصال في الصوم.\n٤٢ - وجوب خفض الصوت في الذكر، ودعاء غير الله شرك، وتصفية التوجه إلى الله ورد المظالم متصل بإجابة الدعاء.\n٣٤ - الحاكم يحكم في الظاهر، ولهُ أجره، وعلى المحتال وزره.\n٤٤ - تشريع القتال في الحرم من قاتل فيه، والاعتداء يقابل بمثله.\n٤٥ - التهلكة بترك الجهاد، وبالإقامة في الأهل والولد، وإصلاح الأموال والدنيا على حساب إقامة الدين في الأرض.\n٤٦ - الإحرام بالحج إنما هو بأشهر الحج.\n٤٧ - حج التمتع هو الحج الأمثل، والذي استقر عليه الإسلام، وهو للآفاقيين لا لأهل الحرم.\n٤٨ - صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة في الوطن عند الرجوع من لم يجد الهدي.\n٤٩ - هدي الشاة لواحد، والإبل والبقر لسبعة.","vol":"1","page":689},{"text":"٥٠ - المتأخر لليوم الثالث - أيام المبيت بمنى - أفضل، والمتعجل لا إثم عليه، ويحرم في الحج الرفث والفسوق والجدال، وخير الزاد التقوى.\n٥١ - وجوب المبيت بمزدلفة وصلاة الفجر فيها، والدفع منها بعد الإسفار الشديد، والرخصة بالمغادرة بعد نصف الليل للعجزة والضعفة والنساء خشية حطمة الناس.\n٣٢ - من السنة الإكثار من التكبير للحاج إلى عصر آخر أيام التشريق.\n٥٣ - المؤمن الكامل من يأخذ بكافة الأوامر، ويترك كافة الزواجر.\n٥٤ - سنة الله ابتلاء المؤمنين، وتمتع الكافرين في الدنيا، والمؤمنون فوقهم يوم القيامة.\n٥٥ - الجهاد فريضة، ومن لم يجاهد أو يحدث نفسه بالجهاد ماتَ ميتة جاهلية.\n٥٦ - تحريم المصاهرة بين المؤمنين والمشركين، وكفارة إتيان الحائض دينار، وتحريم الوطء في الدبر ولَعْنُ من فعل ذلك.\n٥٧ - الحلف بغير الله شرك، ولا يجوز جعل الأيمان مانعة للبر والصلة.\n٥٨ - لا يجوز الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، ولا تصبر المرأةُ على فراق زوجها أكثر من أربعة أشهر.\n٥٩ - الخلع فسخ لا طلاق، ولا رجعة في الخلع، وعدة المختلعة حيضة واحدة، وليس للمختلع أن يطلقها في العدة لأنها بانت عنه.\n٦٠ - المحلِّل والمحلَّل لهُ ملعونان، وعملية \"التجحيش\" زنى صريح.\n٦١ - الطلاق والعتاق والنكاح، لا هزل فيهن، بل هزلهن جد.\n٦٢ - لا رضاع إلا في الحولين، ورضاع مولى أبي حذيفة من الخصائص.\n٦٣ - عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر في بيت الزوج، ويشمل ذلكَ المدخول بها وغير المدخول بها، وعدة الحامل حتى تضع، وعدة الطلاق ثلاثة قروء. والأمة والحرة متساويتان في العدة.\n٦٤ - الحداد على الزوج أربعة أشهر وعشر، وعلى سواه ثلاثة أيام فحسب.\n٦٥ - تحريم عقد النكاح على المرأة في عدة وفاة زوجها، وجواز التلميح بالخطبة.","vol":"1","page":690},{"text":"٦٦ - لا تخطب المطلقة في عدتها، والمتعة للمطلقة التي لم يُدخل بها ولم يُفرض لها مهر.\n٦٧ - وجوب نصف المهر، للطلاق قبل المسّ، ولا عدة لها.\n٦٨ - صلاة العصر هي الصلاة الوسطى، وجواز ردّ السلام في الصلاة.\n٦٩ - النهي عن دخول بلد حلّ به الوباء، والنهي عن الخروج منه فرارًا من الوباء.\n٧٠ - عدد جنود طالوت كعدد المؤمنين يوم بدر، والنصر وعده الله المؤمنين، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.\n٧١ - آية الكرسي أعظم آية في القرآن، وهي رقية من السحر ومسّ الشيطان.\n٧٢ - إبداء الصدقات للاقتداء حسن، وإخفاؤها على العموم أحسن.\n٧٣ - جواز الصدقة للمحاويج من كل دين، ويبتغي بذلكَ وجه الله.\n٧٤ - ملعون آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهداه.\n٧٥ - السلف أو السلم: يجب أن يكون معلوم الكيل والوزن والأجل.\n٧٦ - من أنظر معسرًا فله بكل يومٍ مثله صدقة قبل حلول الدَّين، فإذا حَلَّ الدين فانظره فله بكل يوم مثلاه صدقة، وهو في ظل عرش الرحمن يوم القيامة.\n٧٧ - وجوب الإشهاد والكتابة عند الدين حفظًا للحقوق. وشهادة امرأتين بشهادة رجل.\n٧٨ - تحريم الإضرار بالكاتب أو الشهود.\n٧٩ - إباحة ترك الكتابة في أعمال التجارة اليومية المضبوط أمرها.\n٨٠ - تجاوز الله تعالى عن الخطأ والنسيان، والتكاليف الشرعية مناسبة لفطرة الإنسان.\n* * *","vol":"1","page":691},{"text":"التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون\nتفسير القرآن الكريم على منهاج الأصلين العظيمين\n-الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة-\nعلى فهم الصحابة والتابعين\nتفسير منهجي فقهي شامل معاصر\nالجزء الثاني\nتأليف الأستاذ الدكتور\nمأمون حمُّوش","vol":"2","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"2","page":2},{"text":"التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون","vol":"2","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م\nموافقة وزارة الإعلام\nرقم: ٩١٠٩٢\nورقم: ٩١٤٥١\nتاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م\nدمشق- سورية\nيطلب من المؤلف\nدمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١\nالمدقق اللغوي\nالدكتور أحمد راتب حموش","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>٣ - سورة آل عمران</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٢٠٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد في فضل هذه السورة الكثير، كما ذكرناه في أول سورة البقرة، فالبقرة وآل عمران هما الزهراوان، وقد اشتركتا بالفضل الكبير.\nقيل: سميتا بالزهراوين لما يزهر لصاحبهما من أنوارهما، أو لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة. أو لاشتمالهما على اسم الله الأعظم.\nففي صحيح مسلم عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [اقرؤوا القرآن، فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقان من طير صواف يحاجّان عن أهلهما] الحديث (١).\nوفي صحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث النواس بن سمعان يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تَقْدُمُهم سورة البقرة وآل عمران] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٤)، وأحمد (٥/ ٢٤٩ - ٢٥٤)، وابن حبان (١١٦)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٥)، والترمذي (٢٨٨٣)، ورواه أحمد (٤/ ١٨٣) وغيرهم.","vol":"2","page":5},{"text":"وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أسماء بنت يزيد، أن النبي - ﷺ - قال: [اسمُ الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>موضوع السورة</span>\nاصطفاء آل عمران على العالمين والثناء على المجاهدين الصابرين على منهاج المرسلين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-73> منهاج السورة </span>-\n١ - ذكر اسم الله الأعظم بعد افتتاح السورة.\n٢ - تعظيم القرآن الذي هو الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال.\n٣ - العزيز العليم الخبير المصور في الأرحام هو الإله الحق المستحق للعبادة.\n٤ - القرآن محكم ومتشابه، ومنهاج المؤمنين ردّ المتشابه إلى المحكم لفهمه، وليس في القرآن اختلاف ولا تعارض، وإنما العلم بالوحيين يضيء السبيل.\n٥ - قلوب العباد بيد الله، والمؤمنون يسألون الله الهداية والثبات على الحق.\n٦ - أموال الكفار وقود أهلها في جهنم، وفي أخذ الله فرعون وجنوده عبرة لكل معتبر.\n٧ - اليهود لم يعتبروا بوقعة بدر، وستدور الدوائر عليهم حيث لا مناص ولا مَفَرّ.\n٨ - الشهوات من النساء والأولاد والذهب والفضة والخيل والأنعام والحرث فتنة الحياة الدنيا، فما ابتغي به وجه الله من ذلك لقي صاحبه حسن المآب.\n٩ - الثناء على المؤمنين الصابرين القانتين المتححدقين والمستغفرين بالأسحار.\n١٠ - شهادة الله لنفسه بالوحدانية، وكذلك الملائكة وأهل العلم شهدوا وأقرّوا له بالألوهية، فأفردوه بالعبادة والتعظيم.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في جامع الدعوات. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٧٦٤). ورواه ابن ماجة في السنن (٣٨٥٥)، وإسناده حسن.","vol":"2","page":6},{"text":"١١ - إن الدين عند الله الإسلام، والتصديق بمحمد ومتابعته فرض على الأنام، وإنما أعرض اليهود والنصارى عما في كتابيهما من الإيمان بمحمد ﵊.\n١٢ - تحويل النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي محمد - ﷺ -.\n١٣ - النهي عن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين، والله يعلم السرائر والعلائن في جميع العالمين.\n١٤ - ذكر مشهد المحشر وتوزيع الصحف، وتحذير الله عباده هول الموقف.\n١٥ - تعليق الله محبته من عباده، على متابعة نبيه محمد - ﷺ - على شريعته.\n١٦ - مريم البتول، تنذرها أمها لخدمة بيت المقدس.\n١٧ - حمل زوجة زكريا وولادتها بيحيى وهي عجوز عاقر، وبشارة الملائكة مريم بعيسى، الذي سيخلق الطير ويحيي الميت ويشفي الأبرص والأعمى بإذن الله.\n١٨ - مسؤولية اليهود عن وشايتهم لصلب عيسى قائمة، ولو المصلوب شبيهه.\n١٩ - أنام الله المسيح ورفعه إليه مكرمًا، وأنقذه من أيدي اليهود القذرة.\n٢٠ - ذلك هو عيسى قول الحق، وحاشا لله أن يتخذ ولدًا سبحانه، وإن كان تأليه المسيح لدى الضالين لأنه بلا أب، فآدم بلا أم ولا أب.\n٢١ - امتناع وفد نجران عن المباهلة، لتأكدهم من نبوة محمد - ﷺ -.\n٢٢ - تكذيب دعوى اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينهم، بل كان حنيفًا على ملة الإسلام، وفضح الله يهود في كتمانهم صفة محمد - ﷺ - في التوراة ووجوب الإيمان به.\n٢٣ - تكذيب الله اليهود في دعواهم حِلّ أكل أموال العرب لديهم.\n٢٤ - الرسل: لم يأمروا بعبادة أحد إلا الله تعالى وحده لا شريك له.\n٢٥ - النهي عن سؤال أهل الكتاب عن شيء، فليس عندهم هداية إلى الحق وقد ضلوا عنه، والله لا يقبل من أحد دينًا إلا الإسلام، ولا يغفر الشرك والكفر إلا من تدارك نفسه بالتوبة منهما قبل الموت.\n٢٦ - إثبات ميثاق الله على النبيين التبشير بمحمد والتصديق به.","vol":"2","page":7},{"text":"٢٧ - الكعبة أول بيت وضع لعبادة الله وحده، ومن دخل الحرم كان آمنًا، ووجوب الحج على من استطاع إليه سبيلًا.\n٢٨ - تعنيف الله أهل الكتاب لصدهم عن سبيل الله، ونهيه عن طاعتهم.\n٢٩ - حق التقوى: طاعته تعالى وذكره وشكره وتعظيم حرماته وشعائر دينه.\n٣٠ - امتنان الله على العرب بتأليف قلوبهم على الإسلام، بعد أن كانوا أعداء تمزقهم الحروب والفتن عبر الأيام.\n٣١ - وصية الله هذه الأمة بعدم الفرقة واجتناب الاختلاف، وإقامة منهاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٣٢ - من اليهود من آمن برسول الله واستقاموا فاستحقوا من الله الثناء.\n٣٣ - الكفر بالله والرسل واليوم الآخر يمنع الكفار من الاستفادة مما بذلوه من الأموال في أعمال الخير والبر.\n٣٤ - نهي المؤمنين عن اتخاذ بطانة من المنافقين أو الكافرين، والله يحفظ المؤمنين من كيد المنافقين.\n٣٥ - القلة المؤمنة الصابرة، تغلب الكثرة الكافرة الفاجرة.\n٣٦ - بدء الخروج إلى معركة أحد، واستعداد الملائكة وآمال النصر، وصلة ذلك اليوم بيوم بدر.\n٣٧ - تحذير المؤمنين من الربا وأمرهم بالطاعة.\n٣٨ - ذكر ما أصابهم يوم أحد وتعزيتهم، وحثهم على طلب الجنة بذكر شجاعة المجاهدين مع أنبيائهم.\n٣٩ - تحذيرهم من إطاعة الكفار، وتأنيبهم لفرارهم عن نبيّهم.\n٤٠ - فضح المنافقين والثناء على الشهداء.\n٤١ - رعب المشركين وهربهم، لعلمهم بلحوق المؤمنين بهم.\n٤٢ - إخلاف المشركين موعدهم ببدر، وحضور المؤمنين ورجوعهم بنعمة الله.\n٤٣ - البخل بزكاة المال شر مستطير، ويمثل كنزه ثعبانًا يأخذ بشدقي صاحبه يوم القيامة.","vol":"2","page":8},{"text":"٤٤ - تطاول اليهود وافتراؤهم بقولهم: الله فقير وهم أغنياء، وسيلقون وبال ذلك عليهم.\n٤٥ - الموت حق على كل نفس، وإنما السعيد من زحزح عن النار وأدخل الجنة، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.\n٤٦ - تهديد أهل الكتاب لكتمانهم نبوته - ﷺ -، وتحذير علماء هذه الأمة من كتم العلم.\n٤٧ - المخلوقات في السماء والأرض دالة لأهل العقول على الخلَّاق العظيم، والتفكر في خلق السماوات والأرض يورث الإيمان واليقين.\n٤٨ - الإيذاء في الله، والهجرة إليه، جزاؤه الجنة. والمؤمن لا يغتر بما عليه أهل الكفر من الترف فالعاقبة للمتقين ولهم تمام المنة.\n٤٩ - من آمن من أهل الكتاب بنبيّه ثم أدرك محمدًا - ﷺ - وآمن به فله أجران.\n٥٠ - دعوة المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والرباط ولزوم منهاج التقوى ليحظوا بالنصر والفلاح.","vol":"2","page":9},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: توحيد الله العظيم، وانتصار لقرآنه الكريم، المصدق للتوراة والإنجيل، وفيه كالكتب التي قبله هدى للعالمين، وهو الفرقان بين الحق والباطل، والناسخ لكل الشرائع قبله، والكافرون لهم عذاب أليم.\nأما ﴿الم﴾ فهي تفيد الإعجاز، كما مضى في أول سورة البقرة.\nوقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ - قد بسطنا معناه أثناء تفسير آية الكرسي.\nوقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ خطاب للرسول - ﷺ -، بأن القرآن منزّل من عند الله كالكتب التي قبله. قال ابن جرير: (بالحق: يعني بالصدق فيما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل، وفيما خالفك فيه محاجّوك من نصارى أهل نجران وسائر أهل الشرك غيرهم).\nوقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه﴾. قال مجاهد: (لما قبله من كتاب أو رسول).\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾. قال قتادة: (هما كتابان أنزلهما الله، فيهما بيانٌ من الله، وعصمةٌ من أخذ به وصدّق به، وعمل بما فيه).\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ فيه تأويلان:\n١ - قال محمد بن جعفر بن الزيير: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾، أي: الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره) واختاره ابن جرير.","vol":"2","page":10},{"text":"٢ - قال قتادة: (هو القرآن، أنزله على محمد، وفرّق به بين الحق والباطل، فأحلّ فيه حلاله وحرّم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وحذ فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبيّن فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته).\nقلت: ولا شك أن الفرقان من أسماء القرآن الكريم، وبه يفرق الله بين الحق والباطل.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: (أي: إن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها).\nوقد ذكر ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق أن صدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران، وكانوا نصارى وفدوا على رسول الله - ﷺ - بالمدينة في ستين راكبًا، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلًا، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم: العاقب أميرُ القوم وذو آرائهم واسمه عبد المسيح، والسَّيِّدُ ثِمالهم وصاحب مُجْتَمَعهم واسمه الأيْهم، وأبو حارثة بن عَلْقَمَةَ أخو بني بكر بن وائل أُسقُفْهم وعالمهم، فدخلوا على رسول الله - ﷺ - إثر صلاة العصر، عليهم ثياب الحِبَرات جُبَبٌ وأرْدية. فقال أصحاب النبي - ﷺ -: ما رأينا وفدًا مثلهم جَمالًا وجلالة. وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبي - ﷺ - إلى المَشْرِق. فقال النبي - ﷺ -: دَعُوهم. ثم أقاموا بها أيامًا يُناظرون رسول الله - ﷺ - في عيسى ويزعمون أنه ابن الله، إلى غير دْلك من أقوال شنيعة مضطربة، ورسول الله - ﷺ - يردّ عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صَدْر هذه السورة إلى نَيِّف وثمانين آية، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله - ﷺ - إلى المباهلة (١).\n٥ - ٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عباده أنه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في السماوات\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٥١ - ١٥٥) عن ابن إسحاق مطوّلًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير. وذكره الواحدي في أسباب النزول (١٩٠)، وانظر تفسير القرطبي، (سورة آل عمران آية (٢».","vol":"2","page":11},{"text":"وما في الأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك.\nقال قتادة: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: قادر والله ربُّنا أن يصوِّرَ عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تام خلقه وغير تام).\nوفى الآية تعريض بل تصريح أن عيسى بن مريم عبد مخلوق كغيره من سائر البشر.\nقال الربيع: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، أي: أنه صوّر عيسى في الرحم كيف شاء). والمقصود: كيف يكون إلهًا كما زعمت النصارى وقد تقلّب في الأحشاء، وتنقّل من حال إلى حال.\nوقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. تأكيد وتنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ندّ أو مِثل، أو أن تجوز الألوهة لغَيره، وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا. قال الربيع: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره).\n٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يبين سبحانه لعباده أن في القرآن آيات محكمات، هن أمّ الكتاب، أي: أصله وثوابته، فإليها المرجع عند التحاكم، وآيات أخرى تحتمل التأويل، فيها اشتباه على كثير من الناس أو بعضهم، وإنما منهج المؤمنين أهل العلم برد المتشابه إلى المحكم لفهمه استنادًا إلى ثوابت الدين ومقاصده وأركانه وقواعده، وسؤال الله الثبات على الحق والهداية والبعد عن الزيغ والفتن، والنجاة يوم يجمع الله عباده ويفصل بينهم، إنه الحق ووعده الحق وهو أرحم الراحمين.","vol":"2","page":12},{"text":"أخرج البخاري في صحيحه عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: [تلا رسول الله - ﷺ -، هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم] (١).\nوفي لفظ لأحمد: (إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله، فاحذروهم) (٢). وفي لفظ عند الترمذي: (فإذا رَأَيْتيهم فاعْرِفيهم).\nوقد ورد في تفسير المحكم والمتشابه أقوال متقاربة، منها:\n١ - قال ابن عباس: (المحكمات ناسخه، وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وأحكامه، وما يُؤمر به ويُعمل به). وقال: (المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ والآيات بعدها. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى ثلاث آيات بعدها).\n٢ - قال سعيد بن جبير: (﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: أصل الكتاب، وإنما سماهنَّ أم الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب). وقال مقاتل بن حيان: (لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن).\n٣ - وقال يحيى بن يعمر: (الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام).\n٤ - قال قتادة: (المحكمات: الناسخ الذي يعمل به، ما أحلّ الله فيه حلاله وحرّم فيه حرامه، وأما المتشابهات: فالمنسوخ الذي لا يُعمل به ويُؤمن به).\n٥ - قال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، فيهن حجّة الرب، وعصمةُ العباد، ودفعُ الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عمّا وضعت عليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يُصرفن إلى الباطل ولا يحرّفن عن الحق).\n٦ - قال مجاهد: (المتشابهات يصدق بعضهن بعضًا). وهذا كما ذكر في تفسير قوله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥)، وأبو داود (٤٥٩٨)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٨). قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢١٠): (سمع ابن أبي مُليكة من عائشة كثيرًا. وكثيرًا أيضًا ما يدخل بينهما واسطة).","vol":"2","page":13},{"text":"تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، فالمتشابه الكلام يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين، كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار وحال الفجار، ونحو ذلك. وأما ها هنا فالمتشابه الذي يقابل المحكم.\nوقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. قال مجاهد: (شك). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي: ميل عن الهدى). وقال ابن جريج: (﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، المنافقون). والمقصود: أهل الضلال والخروج عن الحق ومنهاجه إلى سبل الباطل والأهواء والشبهات.\nوقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾. يعني ما تشابهت ألفاظه وتصرّفت معانيه بوجوه التأويلات، بهدف التلبيس على ضعاف العلم والمعرفة بالدين.\nقال ابن عباس: (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبِّسون، فلبَّس الله عليهم). وقال مجاهد: (الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه ابتغاء تأويله). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، أي: ما تحرّف منه وتصرف، ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا، ليكون لهم حجة على ما قالوا وشُبْهة). وقال السدي: (يتبعون المنسوخ والناسخ فيقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مكان هذه الآية، فتركت الأولى وعُمل بهذه الأخرى؟ هلّا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نُسخت؟ وما باله يعد العذابَ مَنْ عمل عملًا يعذبه في النار، وفي مكان آخر: مَنْ عمله فإنه لم يُوجب النار).\nوقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ فيه أقوال:\n١ - قال السدي: (إرادة الشرك).\n٢ - قال مجاهد: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: الشبهات، بها أُهلكوا). أو قال: (والشبهات ما أهلكوا به).\n٣ - قال محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، أي: اللَّبْس). واختاره ابن جرير مع ما قبله. قال الحافظ ابن كثير: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجّة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وغير ذلك من","vol":"2","page":14},{"text":"الآيات المحكمة المصرحة بأنه خَلْقٌ من مخلوقات الله، وعبدٌ، ورسولٌ من رسل الله).\nوقوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. يعني: ابتغاء تحريفه على ما يريدون. وقال السدي: (يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن). أو قال: (متى يأتي الناسخ منه فينسخ المنسوخ). والمقصود: أنهم يريدون بذلك ما يوافق أهواءهم.\nوقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فيه معنيان:\nالأول: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه من الحقائق الغيبية.\nكقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وكقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. والمقصود: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد.\nفبمثل هذه الحقائق التي لا يعلم حقيقة كنهها وظهورها إلا الله، فالوقف هنا على لفظ الجلالة، ثم يستأنف القول: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.\nيروي ابن جرير بسنده عن هشام بن عروة قال: (كان أبي يقول في هذه الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وكذلك روى عن عمر بن عبد العزيز يقول: (انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾).\nأخرج الطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله - ﷺ - قال: [إن القرآن لم ينزل ليكذّب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به] (١).\nالثاني: التأويل بمعنى التفسير والبيان والإيضاح.\nكقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] والمراد بتفسيره. وهذا التعبير عن فهم الآيات مما يعلمه الراسخون في العلم، فهم يدركون فهم ما خوطبوا به، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه. وهنا يسوغ الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.\n_________\n(١) حديث حسن. رجاله ثقات، انظر مجمع الزوائد (١/ ١٧١)، وتفسير ابن كثير (١٣٦١).","vol":"2","page":15},{"text":"قال ابن عباس: (التفسير على أربعة أنحاء، فتفسير لا يُعْذَرُ أحدٌ في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله ﷿).\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [سمع رسول الله - ﷺ - قومًا يتدارَؤون، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تُكذِّبوا بعضه بعضًا، فما علِمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه] (١).\nوفي المسند عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر - قالها ثلاثًا - ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه] (٢).\nوروى ابن جرير بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: (أنا ممن يعلم تأويله).\nوقال مجاهد: (يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به). وقال الضحاك: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، قال: المحكم والمتشابه).\nوقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. قال الربيع: (يقولون: المحكم والمتشابه من عند ربنا).\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا] (٣).\nوقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال ابن جرير: (وما يتذكر ويتعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به، إلا أولوا العقول والنهى).\nثم روى عن محمد بن جعفر بن الزبير: (وما يذكر في مثل هذا، يعني: في ردّ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٨٥)، وابن ماجة (٨٥)، ورجاله ثقات، وله شواهد.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٠)، وأبو يعلى (٦٠١٦)، والطبري (١/ ١١)، وله شواهد.\n(٣) حديث صحيح. انظر تفسير الطبري (١/ ٣٠)، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١١١٥) لتفصيل البحث.","vol":"2","page":16},{"text":"تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم، حتى يتسقا على معنى واحد، ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. أى: لا تصرفها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه إلى الضلال والهوى. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تقوي بها إيمان قلوبنا، فلا تهتز أمام الفتن، ولا تضعف أمام الشهوات.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. يعني: المعطي، فالثبات والتوفيق والسداد والتصديق بيده سبحانه يهب من ذلك من يشاء.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أم سلمة: [أن رسول الله - ﷺ - كان يُكثر في دعائه: اللهم مُقَلِّبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك. قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلّب؟ قال: نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين أُصبعين من أصابع الله ﷿، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه] (١).\nوله شاهد عند ابن جرير عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، أن النبي - ﷺ - كان يقول: [يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. ثم قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم. قال القرطبي: (وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة. قال الزجاج: هذا هو التأويل الذي عَلِمه الراسخون وأقرّوا به، وخالف الذين اتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه).\n١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾\nفي هذه الآيات: يخبر الله سبحانه عن مصير من جحد الحق بعدما تبيّن من أمر نبوة محمد - ﷺ -، من يهود بني إسرائيل ومنافقيهم ومنافقي العرب وكفارهم، وأن ما أوتوه\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣٠٢)، والطبري في التفسير (٦٦٤٨)، وله شواهد.\n(٢) حسن الإسناد. أخرجه الطبري في التفسير -حديث رقم- (٦٦٤٧)، ويشهد له أحاديث أخرى.","vol":"2","page":17},{"text":"في هذه الحياة الدنيا من أموال وبنين ليس بدافع عنهم عذاب الله يوم القيامة، كما لم يدفع ذلك عن فرعون وقومه والطغاة من قبله.\nوفى التنزيل: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]. وقد أخبر النبي - ﷺ - عن مصير بعض المرائين المنافقين من هذه الأمة الذين اتخذوا القرآن وسيلة للكبر والغرور ومصالح الدنيا، بمثل ما أخبر عن الجاحدين السابقين.\nفقد أخرج الطبراني في الكبير بسند حسن عن أم الفضل: [أن رسول الله - ﷺ - قام ليلة بمكة، فقال: \"هل بلّغت\"، يقولها ثلاثًا - فقام عمر بن الخطاب وكان أواهًا، فقال: اللهم نعم، وحَرَصتَ، وجَهِدتَ، ونصحْتَ، فاصبر. فقال النبي - ﷺ -: ليظهَرَنّ الإيمان حتى يُرَدَّ الكفر إلى مواطنه، وليخوضَنّ رجالٌ البحار بالإسلام، وليأتينّ على الناس زمانٌ يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا، وقد علمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير. قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: أولئك منكم وأولئك هم وقود النار] (١).\nوقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال السدي: (ذكر الذين كفروا وأفعال تكذيبهم، كمثل تكذيب الذين من قبلهم في الجحود والتكذيب).\nوالدأب: المثابرة في العمل والتعب فيه، ثم استخدمته العرب في الشأن والأمر والعادة. قال الربيع: (﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، يقول: كسنتهم). وقال الضحاك: (كعمل آل فرعون). وقال مجاهد: (كفعل آل فرعون، كشأن آل فرعون). وقال ابن عباس: (كصنع آل فرعون). والمقصود أن الكافرين لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون والأمم المكذبة قبلهم، فإن الله ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ والأخذ والعذاب لمن سلك طريقتهم.\n١٢ - ١٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٥/ ٢٧ - ٢٨)، وانظر تفسير ابن كثير - سورة البقرة - آية (١٠)، وانظر: \"صحيح الترغيب\" (١/ ١٣٣)، كتاب العلم.","vol":"2","page":18},{"text":"اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: قل يا محمد للذين كفروا - من اليهود والمشركين - ستغلبون في الدنيا وتحشرون إلى جهنم يوم القيامة. فقد كان لكم عبرة وتفكر في فرقتين التقتا للحرب: فرقة الإيمان يوم بدر، وفرقة الكفر التي تظهر للعين مثلي قوة المسلمين، ومع ذلك فقد نصر الله المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار.\nأخرج ابن هشام وابن جرير بسند مرسل عن عاصم بن عمر بن قتادة: [أن رسول الله - ﷺ - لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يُصيبكم الله بما أصاب قريشًا. فقالوا: يا محمد لا يغُرنَّك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾] (١).\nوروى ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: (قال فِنْحاص اليهودي في يوم بدر: لا يغرَّن محمدًا أن غلب قريشًا وقتلهم! إن قريشًا لا تُحسنُ القتال، فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾).\nوعن مجاهد: (﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، قال: بئسما مَهدُوا لأنفسهم).\nوقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾. قال قتادة: (عبرة وتفكر). ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ يعني فرقتين وحزبين، ﴿الْتَقَتَا﴾ للحرب. ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم رسول الله - ﷺ - ومن كان معه ممن شهدَ يوم بدر. ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش.\nقال مجاهد: (ذلك يوم بدر، التقى المسلمون والكفار).\n_________\n(١) أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٢/ ٤٢٧)، وابن جرير في \"التفسير\" (٦٦٦٤)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ١٧٤) عن قتادة مرسلًا، ويشهد له ما بعده، فقد أخرجه ابن هشام (٢/ ٤٢٦) والطبري (٦٦٦٣) والبيهقي (٣/ ١٧٣ - ١٧٤) عن ابن عباس وفي سنده محمد بن أبي محمد. قال الذهبي في الميزان: لا يُعرف.","vol":"2","page":19},{"text":"وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ فيه تأويلان بناء على قراءتين:\nالقراءة الأولى: قراءة أهل المدينة \"ترونهم\". والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين مِثْلي المسلمين رأي العين، ومع ذلك نصر الله المؤمنين لتعتبروا.\nالقراءة الثانية: قراءة أهل الكوفة والبصرة وبعض المكيين: \"يرونهم مثليهم\". أي يرى المسلمون الكفار مثليهم في القدر. وهذه القراءة الأشهر.\nوفي الواقع كان المشركون أكثر من ذلك، كما في المسند وسنن أبي داود من حديث علي - في يوم بدر -: [قال: ثم إن النبي - ﷺ - سأله: كم ينحرون من الجزر؟ قال: عشر كل يوم، فقال رسول الله - ﷺ -: القوم ألف كل جزور لمئة ونيفها] (١).\nورواه ابن إسحاق بلفظ: [قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا، فقال رسول الله - ﷺ -: القوم ما بين التسع مئة والألف] (٢).\nوأما وجه الجمع بين ذلك وبين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]. فالجواب - كما ذكر الحافظ ابن كثير - أن هذا كان في حالة والآخر كان في حالة أخرى.\nفقد أخرج ابن جبير عن السدي عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، قال: (هذا يوم بدر. قد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضْعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلًا واحدًا، وذلك قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾).\nوقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: (لقد قُلِّلُوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة. قال: فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا). فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي: أكثر منهم بالضعف، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم، ﷿. ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد (١/ ١١٧)، وأبو داود (٢٦٦٥)، في أثناء حديث طويل.\n(٢) رواه ابن إسحاق في \"السيرة\". وانظر مسند أحمد (٢/ ١٩٣)، وصححه أحمد شاكر برقم (٩٤٨)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٥٤٤).","vol":"2","page":20},{"text":"والخوف والجزع والهلع. ثم لما حصل التصافُّ والتقى الفريقان، قلّلَ الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، لِيُقْدِمَ كل منهما على الآخر ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليفرّق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقال هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: إن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله، وقَدَره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد (١).\n١٤ - ١٥. قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾\nفي هذه الآيات: أخبر سبحانه عن أنواع الملاذ التي جعلها في هذه الحياة الدنيا نعمة وفتنة لبني آدم، من النساء والولد والمال والخيل والأنعام والأرض، فإن استمتع بها في طاعة الله ووجهها لإعلاء كلمته كان ذلك سعادة له في الدارين، وما عند الله خير وأبقى.\nفبدأ بالنساء، لأنهن أشد فتنة على الرجال من سائر الملذات الأخرى. وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما تَرَكْتُ بعدي فتنة، هي أضَرُّ، على الرجال، من النساء] (٢).\n_________\n(١) انظر تفسير ابن كثير، سورة آل عمران، الآيتان (١٢، ١٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٤٠)، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء.","vol":"2","page":21},{"text":"وفي لفظ: [ما تَرَكْتُ بعدي في الناس، فِتْنةٌ أضَرَّ على الرجال من النساء].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن ابن عباس قال: قال محمدٌ - ﷺ -: [اطلعت في الجنة فرأيت أكثرَ أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء] (١).\nوله شاهد عنده من حديث عِمرانَ بن حُصَيْن، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنَّ أقل ساكني الجنة النساء].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإن الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها، فَيَنْظُرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أوّلَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء] (٢).\nوأما إن كان القصد الزواج والإكثار من الذرية الصالحة وحصول الإعفاف بهن فهذا أمر قد ندب إليه الشرع في أحاديث، منها:\nالحديث الرابع: أخرج الإمام البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابنُ عَبّاس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: [فتزوَّج فإن خيرَ هذه الأمة أكثرُها نساء] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: [الدنيا متاعٌ وخيرُ متاع الدنيا المرأة الصالحة] (٤).\nالحديث السادس: أخرج الإمام أحمد والنسائي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، قال: قيل لرسول الله - ﷺ -: أي النساء خير؟ قال: [خير النساء التي تسره إذا نظر، وتُطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالِها بما يكره] (٥).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث عبد الله بن سلام بلفظ:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٣٧)، كتاب الرقاق. الباب السابق. وانظر كذلك -حديث رقم- (٢٧٣٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٤٢)، كتاب الرقاق، الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٦٩)، كتاب النكاح، باب كثرَةِ النساء.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٦٩)، كتاب الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة.\n(٥) حديث حسن. رواه النسائي (٢/ ٧٢)، والحاكم (٢/ ١٦١)، وأحمد (٢/ ٢٥١). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٣٨)، وصحيح الجامع الصغير (٣٢٩٣).","vol":"2","page":22},{"text":"[خير النساء مَنْ تُسِرُّكَ إذا أبْصَرْتَ، وتُطيعكَ إذا أَمَرْتَ، وتَحْفَظُ غَيْبَتَكَ في نفسها ومالك] (١).\nالحديث السابع: أخرج النسائي وأحمد بسند حسن، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [حُبِّبَ إليَّ من دُنياكم: النساء والطيب، وجُعلتْ قرّةُ عيني في الصلاة] (٢).\nالحديث الثامن: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث أنس، قال رسول الله - ﷺ -: [تزوجوا الودودَ الولودَ، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة] (٣).\nوله شاهد عند البيهقي من حديث أبي أمامة بلفظ: [تزوجوا فإني مكاثرٌ بكمُ الأممَ، ولا تكونوا كرهبانية النصارى].\nوقوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾. قال الضحاك: (يعني المال الكثير من الذهب والفضة).\nوقوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ فيه أقوال:\n١ - قال سعيد بن جبير: (الراعية، التي ترعى). وقال الحسن: (المسرَّحة في الرعي).\n٢ - قال مجاهد: (﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: المطهَّمة). أو قال: (المطهّمة الحسان). وقال عكرمة: (تسويمها: حُسنها). وقال السدي: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ﴾، الرائعة). واختاره ابن جرير.\n٣ - قال ابن عباس: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، يعني المعلَمة). وقال قتادة: (وسيماها شِيَتُها). وقال قتادة: (شِيَةُ الخيل في وجوهها).\n٤ - قال ابن زيد: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: المعدّة للجهاد).\nوالظاهر أن الراجح ما ذهب إليه ابن جرير من أن الخيل المسومة هي المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسنًا من رآها. والمطهمة والمعلمة والرائعة هي معان\n_________\n(١) حديث صحيح، رجاله ثقات. انظر صحيح الجامع (٣٢٩٤)، والسلسلة الصحيحة (١٨٣٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه النسائي (١/ ٦٧)، وأحمد (٣/ ١٢٨)، وصحيح الجامع الصغير (٣١١٩).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ١٥٨)، والبيهقي (٧/ ٨١ - ٨٢)، وانظر صحيح الجامع الصغير (٢٩٣٨)، للشاهد بعده، و(٢٩٣٧) لرواية أبي داود والنسائي.","vol":"2","page":23},{"text":"متقاربة. ويدُل على هذا أن السياق في الآية يقتضي المدح وحسن الوصف لهذه الخيول التي جعلت من الزينة التي يحبها الناس في الحياة الدنيا.\nوقوله: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾. يعني: الإبل والبقر والغنم، فهي ثروة في كل زمان، وللناس ميل إليها لمنافعها الكثيرة في الطعام والشراب واللباس والركوب.\nوقوله: ﴿وَالْحَرْثِ﴾. يعني الأرض المتخذة للزرع والغرس وما ينتج عن ذلك من زينة ومصالح واستمتاع.\nوفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن سُويد بن هُبيرة، عن النبي - ﷺ - قال: [خيرُ مال امرئ له مُهْرَةٌ مأمورة، أو سِكّةٌ مأبورة] (١).\nوالمأمورة: الكثيرة النَّسلِ، والسِّكَّةُ: النخل المصطف، والمأبورة: المُلْقَحَة.\nوفي المسند وجامع الترمذي بسند صحيح عن أبي قتادة، عن النبي - ﷺ - قال: [خيرُ الخيلِ الأدهمُ، الأقرَحُ الأرثمُ، المحجَّلُ ثلاثٌ، مطلَقُ اليمين، فإن لم يكن أدْهَمَ فَكُمَيْتٌ على هذه الشِّية] (٢).\nالأدهم: أي الأسود. والأقرح: ما كان في جبهته قرحة، وهو بياض يسير دون الغرة، والمحجل: الذي في قوائمه بياض. الأرثم: الذي أنفه أبيض وشفته العليا. مطلق اليمين: أي يده اليمنى ليس فيها تحجيل. (فكميت) هو الذي لونه بين السواد والحمرة. والشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره.\nوفي جامع الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُمْنُ الخَيْلِ في الشُّقْرِ] (٣).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أي: كل ذلك مما يُستمتع به في هذه الدنيا الفانية ويحرص عليه الناس لقضاء شهواتهم، وقليلٌ مَنْ يَصْرِفُهُ في طاعة الله والتقوي على إقامة دينه في الأرض.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٨)، والطبراني في الكبير (٦٤٧٠)، ورجال أحمد ثقات.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع -حديث رقم- (١٧٦٣)، باب ما يستحب من الخيل. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٢٦٨).\n(٣) حسن صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٣٨٦) الباب السابق، وصحيح المشكاة (٣٨٧٩).","vol":"2","page":24},{"text":"قال عمر: (تمعْدَدوا (١) واخْشَوشِنوا واقطعوا الرّكُبَ (٢) وثبوا على الخيل وَثْبًا لا تغلبنّكم عليها رعاة الإبل).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. أي حسن المنقلب، وهي الجنة.\nوقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. أي: قل يا محمد للناس: هل أخبركم عن بديل هذه الزينة الزائلة التي سترحلون عنها بين عشية وضحاها، إنه هذا النعيم الخالد في جنات الله المستقرة التي تَتَخَرَّقُ الأنهار بين جوانبها وأرجائها وتحت أشجارها وثمارها، والتي فيها ما لذّ وطاب من كل بهجة وسرور، وشراب من لبن وعسل وماء وخمور، ولطيف العيش في جوار النساء الحور، فهن ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الدنس والخبث والأذى، والحيض والنفاس وما يعتري نساء الدنيا من الأمور، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فهو غاية سعادة الدنيا والآخرة، أن يحظى المؤمن برضوان ربه فلا يسخط عليه بعده أبدًا.\nوفي التنزيل: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. أي: أكبر من كل سعادة ولذة.\nأخرج الحاكم وابن حبان بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﷿: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ قال: فيقول: رضواني أكبر] (٣).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ قال القرطبي: (وعد ووعيد).\n١٦ - ١٧. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا\n_________\n(١) تمعدد الغلام: إذا شب وغلظ.\n(٢) هي كل ما يركب من دابة. أو هي الرواحل من الإبل. فأمرهم بملازمة الخيل ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٨٢)، وابن حبان (٢٦٤٧) من حديث جابر بن عبد الله، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٣٦).","vol":"2","page":25},{"text":"وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتٌ للمتقين أهل السعادة في الدارين. فهم يقولون: ربنا إننا صدّقنا بك وبنبيك وما جاء من عندك، فاستر علينا ذنوبنا، بعفوك عنها، وتجاوزك عن عقوبتنا عليها، وادفع عنا عذاب النار فنجنا منها إلى دار الخلود والنعيم. وهم الصابرون، والصادقون، والقانتون، والمنفقون أموالهم في طاعة الله، والمستغفرون بالأسحار.\nوعن قتادة: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ﴾. \"الصادقين\" قوم صدقت أفواههم واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السرّ والعلانية، و﴿الصَّابِرِينَ﴾ قوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه، والقانتون هم المطيعون لله).\nوأما ﴿المنفقون﴾ فهم الباذلون من أموالهم في ألوان الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، ومواساة ذي الحاجات، وسدّ الخلات، من الزكوات والصدقات.\nوقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال قتادة: (هم أصل الصلاة. قال: يصلون بالأسحار). وقال زيد بن أسلم: (هم الذين يشهدون الصبح).\nقال ابن جرير: (هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها). وقال: (وقد يحتمل أن يكون معناه: تعرّضُهم لمغفرته بالعمل والصلاة. غير أن أظهر معانيه ما ذكرناه من الدعاء).\nقلت: والأسحار: جمع \"سَحَر\"، وهو وقت مبارك للدعاء والاستغفار والصلاة، وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر ذلك، في أحاديث، نذكر منها:\nالحديث الأول: يروي البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: [يَنْزِلُ ربنا ﵎ كُلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخِرُ يقول: مَنْ يدعوني فأستجيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغْفِرَ له] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١١٤٥)، كتاب التهجد، وأخرجه مسلم برقم (٧٥٨)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٣٨٧).","vol":"2","page":26},{"text":"الحديث الثاني: يروي البخاري عن الأسود قال: سألت عائشة ﵂ كيف صلاةُ رسول الله - ﷺ - بالليل؟ قالت: [كان ينامُ أوَّلَهُ ويقومُ آخِرَهُ فيصلّي، ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذَّنَ المؤذن وَثَبَ، فإن كانَتْ به حاجةٌ اغتسل وإلا توضأ وخرج] (١)\nقال البخاري: (وقال سلمانُ لأبي الدرداء ﵄: نَمْ، فلما كان من آخِر الليل قال: قمْ، قال النبي - ﷺ -: صدقَ سلمان).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عمرو بن عبسة، عن النبي - ﷺ - قال: [أقرب ما يكونُ الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الشيخان وأحمد وأصحاب السنن عن عائشة ﵂ قالت: [مِن كُلِّ الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ - من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحَر] (٣).\nوروى ابن أبي حاتم عن نافع قال: (وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح). وروى ابن جرير بسنده عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: (سمعت رجلًا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: ربِّ أمرتني فأطعتك، وهذا سحرٌ فاغفر لي. فنظرت فإذا هو ابن مسعود ﵁).\n١٨ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٤٦)، كتاب التهجد، باب من نام أول الليل وأحْيا آخره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٥٧٩). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٨٣٣). وانظر صحيح الترغيب (٢/ ٢٧٦)، وصحيح الجامع الصغير (١١٨٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩٩٦) ومسلم (٧٤٥)، وأحمد (٦/ ٤٦)، وأبو داود (١٤٣٥) والنسائي (٣/ ٢٣٠)، والترمذي (٤٥٦)، وابن ماجة (١١٨٥)، ورواه ابن حبان والبيهقي.","vol":"2","page":27},{"text":"بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: شهد الله سبحانه أنه المتفرد بالإلهية، الغني عما سواه، وأن جميع الخلق عبيد محتاجون لرحمته. وأن الدين عنده هو الإسلام، ومن ابتغى غيره فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.\nقال السدي: (﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ إلى ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، قال: الله يشهد هو والملائكة والعلماء من الناس: أنَّ الدين عند الله الإسلام).\nوقوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾. خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام، وبيان لفضل أهل العلم، ومكانة العلم والعلماء.\nوقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ في محل نصب على الحال، قال مجاهد: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل). والمقصود أنه سبحانه هو الذي يلي العدل بين خلقه.\nوقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تأكيد لما سبق من تفرده سبحانه بالألوهية وكمال التعظيم، وهو العزيز في كبريائه وعظمته، فلا يرام جَنابُه، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\nوقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. إخبار منه سبحانه أنه لا يقبل من أحد إلا الإسلام، كما قال جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nقال قتادة: (﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، والإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه، لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به).\nوقال أبو العالية: (الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تَبَعٌ).","vol":"2","page":28},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. قال الربيع: قال أبو العالية: (إلا من بعد ما جاءهم الكتاب والعلم، بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، من بعد ما كانوا علماءَ الناس).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. أي: سريع الإحصاء. قال مجاهد: (إحصاؤه عليهم).\nوقوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. قال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: بما يأتونك به من الباطل، من قولهم: \"خلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا\"، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾). وقال ابن جرير فيها: (فإن حاجَّك، يا محمد، النفر من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه، فخاصموك فيه بالباطل، فقل: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي، وإنما خصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه).\nوقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي. وأسلم من اتبعني أيضًا وجهه لله معي.\nوقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. يعني: وقل يا محمد لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والأميين: الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب، هل أسلمتم وأفردتم التوحيد والتعظيم لله سبحانه وتركتم الأوثان والأنداد فكفرتم بها، فإن انقادوا لذلك فقد أصابوا سبيل الحق والمؤمنين، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. يعني: إن أعرضوا فقد أعذرت من أنذرت والله يتولى الأمر، فيعلم من يستحق الهداية ممن يستحق الغواية والضلال.\nفائدة: هذه الآية تشير إلى عموم دعوته - ﷺ - إلى سائر الأمم.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾\nوقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.","vol":"2","page":29},{"text":"وقد حفلت السنة الصحيحة بذلك المعنى في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم، واللفظ له، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أُعطيت خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحدٌ قبلي: كان كُلُّ نَبيٍّ يُبْعثُ إلى قومه خاصة، وَبُعِثْتُ إلى كلِّ أحمرَ وأسودَ. وأُحِلَّتْ لِيَ الغنائمُ، ولم تُحَلَّ لأحدٍ قبلي. وجُعِلتْ لي الأرضُ طيبةً طهورًا ومسجدًا، فَأيُّما رَجُلٍ أدركتْهُ الصلاةُ صلّى حيث كان، ونُصِرْتُ بالرعب بين يَديْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وأعطيت الشفاعة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [فُضِّلْتُ على الأنبياء بِسِتٍّ: أُعطيت جوامِعَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْب، وأُحِلَّتْ لي المغانم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومَسْجدًا، وأُرسِلْتُ إلى الخلق كافة، وَخُتِمَ بي النبيون] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس ﵁: [أن غلامًا يهوديًّا كان يضع للنبي - ﷺ - وضوءه، ويناوله نَعْلَيه، فَمَرِضَ فأتاه النبي - ﷺ - فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي - ﷺ -: يا فلان، قل: لا إله إلا الله. فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي - ﷺ -، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فخرج النبي - ﷺ - وهو يقول: الحمد لله الذي أخرجه بي من النار] (٤).\n٢١ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٥٣)، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٢١)، وأخرجه البخاري (٣٣٥)، (٣١٢٢)، وأحمد (٣/ ٣٠٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٢٣)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٥٦)، وأحمد (٣/ ٢٨٠)، وأبو داود (٣٠٩٥).","vol":"2","page":30},{"text":"حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إن الكفرة الذين جمعوا إلى كفرهم بآيات الله قتل الأنبياء والعلماء والصالحين لهم عذاب أليم. فهم الذين أحبط الله أعمالهم في الدارين، وما لهم من أولياء ولا ناصرين.\nيروي ابن جرير بسنده عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: (ثم جمع أهل الكتابين جميعًا، وذكر ما أحدثوا وابتدعوا، من اليهود والنصارى، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾).\nفالآية ذمٌّ لأهل الكتاب فيما صدر منهم من اجتراح للمحارم وارتكاب للآثام، ومن أشد ذلك قتلهم النبيين بغير حق.\nأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - قال: [أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتله نبي، أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين] (١).\nورواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" بلفظ: [أشد الناس عذابًا يومَ القيامة رجلٌ قتلَ نبيًّا أو قتله نبيٌّ، أو رجلٌ يضلُّ الناس بغير علم، أو مصور يصوّر التماثيل].\nوقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال قتادة: (هؤلاء أهل الكتاب، كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكِّرونهم، فيقتلونهم).\nوهذا شأن الطغاة على مدار الزمان، يرون في رجال الحق مصدر قلق عليهم، وموضع ضرر على شهواتهم وكبرهم في الأرض، فيقتلونهم لئلا يكشف أمرهم وينفض الناس عنهم، وهذا هو غاية البغي والكبر والعلو في الأرض بالظلم.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٤٠٧)، وانظر معجم الطبراني \"الكبير\" (٣/ ٨٠/ ٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٨١)، وصحيح الجامع الصغير، حديث رقم (١٠١١).","vol":"2","page":31},{"text":"أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من كِبر. قال رجل: إن الرجل يحبُّ أن يكون ثوبُه حسنًا، ونَعْلُهُ حسنةً. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\nفقابلهم الله بكبرهم وطغيانهم أن هيأ لهم عذابًا موجعًا بعد أن أحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة، ولا سبيل لهم إلى النجاة من عذابه وعقابه.\n٢٣ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: فَضْحُ سبيل اليهود في كذبهم، وتأكيد عذاب النار الواقع بهم.\nقال قتادة: (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، الآية، قال: هم اليهود، دُعوا إلى كتاب الله وإلى نبيه، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم، ثم يتولون وهم معرضون).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. قال الربيع: (قالوا لن نعذب في النار إلا أربعين يومًا. قال: يعني اليهود. وقال: هي الأيام التي نصبوا فيها العجل). وقال قتادة: (قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا، قال الله ﷿: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أي قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾).\nوقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: كيف يكون حالهم وقد سقطوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٩١)، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه.","vol":"2","page":32},{"text":"في قبضة العدل، لينالوا نصيبهم لقاء كذبهم وظلمهم وقتلهم للأنبياء والمؤمنين، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الملك كله لله، وأن العطاء والمنع بيد الله، فهو المعزّ المُذِلّ مولج الليل في النهار والنهار في الليل، وهو المحيي والمميت والرزاق بغير حساب.\nفقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد، مقدسًا ربك معظمًا له ولقدرته في جبروته. يروي ابن جرير بسنده عن محمد بن جعفر بن الزبير: (قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، أي: ربَّ العباد الملكَ، لا يقضي فيهم غيرك).\nوالمعنى: الملك كله بيد الله، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويأتي بملوك بعد ملوك.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [لا تسبوا الدهر، فإن الله ﷿ قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك] (١). وفي لفظ لمسلم: [قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما].\nوأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، من حديث عُبيد الله بن رُفاعة عن أبيه قال: [لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله - ﷺ -: استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسطَ لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت،\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٨١٣)، (١٨١٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٨٢) لتفصيل هذا البحث.","vol":"2","page":33},{"text":"ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، ....] الحديث (١).\nوقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾. أي: بإعطائه الملك والسلطان، وبسط القدرة له، أو بسلبه الملك وتسليط العدو والذل عليه.\nوجاء في قنوت الوتر الذي علمه رسول الله - ﷺ - الحسن بن علي ﵁: [وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت]. أخرجه ابن خزيمة بسند صحيح.\nوفي المسند وصحيح ابن حبان عن المقداد بن الأسود، عن النبي - ﷺ - قال: [ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عِزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر] (٢).\nوقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يعني: إن ذلك بيدك لا إلى غيرك، إذ لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].\nوقوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. أي: تزيد في طول هذا وتنقص من طول هذا فيعتدلان، على مدار السنة في الفصول الأربعة.\nقال ابن عباس: (ما نقص من النهار يجعله في الليل، وما نقص من الليل يجعله في النهار). وقال قتادة: (هو نقصان أحدهما في الآخر). وقال الضحاك: (يعني أنه يأخذها أحدُهما من الآخر، فيكون الليل أحيانًا أطول من النهار، والنهار أحيانًا أطول من الليل).\nوقال ابن زيد: (هذا طويل وهذا قصير، أخذ من هذا فأولجه في هذا، حتى صار هذا طويلًا وهذا قصيرًا).\nوقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. يعني: النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حيًّا وهي ميتة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤)، ورجاله رجال الصحيح. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، البحث (٤١) (ج ٢/ ص ٧٤٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٦٣١ - ١٦٣٢). ورواه أحمد والطبراني من حديث المقداد بن الأسود ﵁. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٣) ص ٧.","vol":"2","page":34},{"text":"قال مجاهد: (الناس الأحياء من النُّطف والنُّطف ميتة، ويخرجها من الناس الأحياء، والأنعام).\nوهناك تفاسير أخرى تصب في المعنى:\n١ - قال عكرمة: (النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة). وقال: (هي البيضة تخرج من الحي وهي ميتة، ثم يخرج منها الحي).\n٢ - قال الحسن: (﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، يعني المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والمؤمن عبد حيُّ الفؤاد، والكافر عبدٌ ميتُ الفؤاد).\n٣ - قال ابن زيد: (النطفة ميتة، فتخرج منها أحياء. قال: تخرج النطفة من هؤلاء الأحياء، والحبُّ ميتٌ تخرج منه حبًّا. قال: تخرج من هذا الحيّ حبًا ميتًا).\nوخلاصة المعنى: تخرج الحياة من النطفة الميتة، وتخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الكائنات والأشياء.\nوقوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. أي: تغدق المال والخير على من تشاء مما لا قدرة على إحصائه، وتقتّر على آخرين كيف شئت، فلك الحكمة الكاملة في القبض والبسط.\nأخرج الإمام أحمد عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى هو الخالق، القابضُ، الباسطُ، الرازق، المُسَعِّرُ، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إياه في دمٍ ولا مال] (١).\n٢٨. قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد بسند صحيح. انظر صحيح الجامع (١٨٤٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣٨٦)، ورواه أهل السنن إلا النسائي. انظر صحيح أبي داود (٢٩٤٥).","vol":"2","page":35},{"text":"ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآية: نهي من الله سبحانه المؤمنين أن يتخذوا أعوانًا لهم من الكافرين أو أنصارًا وظهورًا، ومن يفعل ذلك يبرأ من الله ﷿.\nقال ابن عباس: (نهى الله سبحانه المؤمنين أن يُلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفارُ عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللُّطف، ويخالفونهم في الدين. وذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾). قال: (التقاة التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان). وقال مجاهد: (إلا مصانعةً في الدنيا ومخالفة).\nوقال أبو العالية: (التقيَّة باللسان وليس بالعمل). وقال عكرمة: (ما لم يُهرق دم مسلم، وما لم يستحل ماله).\nقال البخاري: (قال الحسن: التقيَّةُ إلى يوم القيامة). وكذلك حكى البخاري عن أبي الدرداء، أنه قال: (إنا لَنكشرُ في وُجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم).\nوقال قتادة: (﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، الرحم من المشركين، من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يصل رحمًا له في المشركين). وقال الحسن فيها: (صاحبهم في الدنيا معروفًا، الرحم وغيره. فأما في الدين فلا).\nقلت: والأول أظهر، فالرحم يستثنى منه الوالدان بحسن الصحبة مع مخالفة الشرك إذا كانا عليه، والسياق يدل أكثر على المعنى الأول.\nوقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. أي: يخوفكم بطشه وغضبه إن واليتم الكفار.\nوقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. أي لله مرجعكم ومصيركم إذا خرجتم من قبوركم للحساب.\n٢٩ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ","vol":"2","page":36},{"text":"مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إن الله يعلم السر من عباده وأخفى. ويكشف لكل امرئ يوم الحساب ما ترك لنفسه من العمل وأبقى، والله تعالى يحذر عباده مغبة مخالفة التقوى.\nقال السدي: (أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾).\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: فكيف يخفى عليه موالاتكم لأعدائه أو ما أخفيتم في صدوركم لهم من الميل والمودة والمحبة، وهو يعلم السر في السماوات والأرض ولا يخفى عليه من ذلك شئ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فلو شاء عاجلكم بالعقوبة على ما ظهر من موالاتكم لأعدائه الكافرين، فانتبهوا وانتهوا.\nوقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. قال قتادة: (موفَّرًا).\nوقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. قال الحسن: (يسر أحدَهم أن لا يلقى عمله ذاك أبدًا، يكون ذلك مُناه. وأما في الدنيا فقد كانت خطيئة يستلذّها).\nوقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال الحسن: (من رأفته بهم أن حذّرهم نفسه).\n٣١ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إن صدق محبة الله تعالى تعني اتباع نبيّه - ﷺ - واتخاذه أسوة، فذلك الذي يورث محبة الله عباده ومغفرة ذنوبهم. إن طاعة الله وطاعة رسوله فيهما النجاة كل النجاة، والكافرون لهم عذاب أليم.","vol":"2","page":37},{"text":"قال الحسن البصري: (زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾).\nوالمقصود أن من ادّعى محبة الله تعالى، فالحَكَمُ هو التزامه منهج السيرة النبوية العطرة، والسنة المحمدية المطهرة، وإلا فما أكثر الادعاء والكذب.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ] (١). وفي لفظ: [من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ].\nوجاء في الشرح والإبانة (١٥٣) عن الفضيل بن عياض يقول: (أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة ينهون عن أصحاب البدع).\nوذكر اللالكائي (١/ ٦٥): قيل لأبي بكر بن عياش (ت ١٩٤ هـ): من السني؟ قال: (الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب إلى شيء منها).\nوعند الدارمي عن الحسن البصري قال: (فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الأتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا).\nوجاء في مقدمة صحيح مسلم (١/ ١٥) عن ابن سيرين (ت ١١٠ هـ) يقول: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم).\nوقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. أي ببركة صدق اتباعكم لرسوله - ﷺ - يتجاوز الله عما مضى من زلاتكم ومعاصيكم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. تأكيد للأمر، وبيان لسبيل النجاة.\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. تهديد ووعيد لمن ارتضى غير ذلك. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فيه وصف بالكفر لمخالفة طريق النبوة، والله لا يحب الكفر ولا الكافرين.\n٣٣ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٧١٨)، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، وردّ محدثات الأمور.","vol":"2","page":38},{"text":"عَلَى الْعَالمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن المصطفين الأخيار: آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران في ذرية الأبرار.\nقال قتادة: (ذكر الله أهل بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين، فكان محمدٌ من آل إبراهيم). وقال الحسن: (فضلهم الله على العالمين بالنبوّة، على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المصطفين لربهم).\nوقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. يعني في الموالاة في الدين وتعظيم الحق.\nقال قتادة: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾، يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له). وفي نصب \"ذرية\" وجهان أو أكثر، فهي إما منصوبة على الحال، أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض. أو هي بدل، والتقدير: اصطفى ذرية بعضها من بعض. أو هي منصوبة على القطع، والتقدير: إن الله اصطفى آل إبراهيم وآل عمران ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾.\nوالمراد بعمران والد مريم بنت عمران، أم عيسى بن مريم ﵊. وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يعني بذلك: والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذرت له ما في بطنها محررًا).\n٣٥ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: لجوء أم مريم ﵍ إلى الله تعالى بالدعاء، ليتقبَّل ما في بطنها خالصًا للعبادة وخدمة بيت المقدس، وليعيذ المولودة مريم وذريتها من الشيطان الرجيم.\nوقوله: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. هي أم مريم ﵍، وهي حنَّةُ بنت فاقوذ جدّة عيسى ﵇. زوجها عمران. قال محمد بن إسحاق: (تزوج زكريا وعمران","vol":"2","page":39},{"text":"أختين، فكانت أمّ يحيى عند زكريا، وكانت أم مريم عند عمران، فهلك عمران وأم مريم حاملٌ بمريم). قال: (وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يومًا طائرًا يَزُقُّ فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يَهَبَها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محررًا أي: خالصًا مفرغًا للعبادة ولخدمة بيت المقدس، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾). أي: السميع لدعائي، العليم بنيتي.\nوقال مجاهد: (﴿مُحَرَّرًا﴾: خادمًا للبِيعة). أو قال: (خادمًا للكنيسة). وقال الشعبي: (جعلته في الكنيسة، وفرّغته للعبادة). وقال الضحاك: (جعلت ولدها لله، وللذين يدرسُون الكتاب ويتعلَّمونه).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ يعني ولدتها. ﴿قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ أي: ولدت النذيرة أنثى.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فيه قراءتان: الأولى: \"وضعتُ\". والثانية: \"وضعتْ\" وهي الأشهر عند القراء.\nوقوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾. أي في القوة والخدمة والجَلَد في العبادة والقيام بشؤون المسجد الأقصى. قال ابن إسحاق: (لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى). وقال عكرمة: (﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾: يعني: في المحيض، ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال، أمها تقول ذلك).\nوقوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾. قال ابن كثير: (فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق، لأنه شرع من قبلنا، وقد حُكي مقررًا).\nوقد جاء في السنة الصحيحة ما يؤيد ذلك، في أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسم أبي، إبراهيمَ - ﵇] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ له - من حديث جابر قال: [ولد لرجل منا غلامٌ، فسماه محمدًا، فقال له قومه: لا نَدَعُكَ تُسَمِّيَ باسمِ رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٣١٥)، وأبو داود (٣١٢٦)، وأحمد (٣/ ١٩٤).","vol":"2","page":40},{"text":"فانطلق بابنه حاملَهُ على ظهره، فَأتى به النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، وُلِدَ لي غلامٌ، فَسَمَّيْتُه مُحمّدًا، فقال لي قومي: لا نَدَعُكَ تُسَمِّي باسم رسول الله - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: تَسَمَّوْا باسمي ولا تَكْتَنُوا بِكُنْيتي، فإنما أنا قاسم، أقسِمُ بينكم] (١).\nولفظ البخاري: [يا رسول الله: وُلد لي الليلة وَلَدٌ، فما أسمِّيه؟ قال: أسْمِ ابنك عبد الرحمن].\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان وأحمد وأبو داود عن أنس بن مالك قال: [ذَهَبْتُ بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله - ﷺ - حين وُلِدَ، ورسولُ الله - ﷺ - في عَبَاءة يَهْنَأُ (٢) بعيرًا له، فقال: ها معك تمرٌ؟ فقلت: نعم، فناولته تَمَرات، فألقاهن في فيه، فَلاكَهُنَّ ثم فَغَرَ فا (٣) الصبي فمجَّهُ في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظُهُ، قال رسول الله - ﷺ -: حُبُّ الأنصار التَّمْرُ. وسمّاه عبدَ الله] (٤).\nقلت: وأما حديث سَمُرَة بن جُندب: أن رسول الله - ﷺ -، قال: [كُلُّ غلام رهين بعقيقته، يُذْبح عنه يوم سابعه، ويُسَمَّى، ويُحْلَقُ رأسه] (٥). فيحمل عندئذ على إشهار الاسم بين الناس إن كان قد سَمّاه.\nوقوله: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. يعني: إني أجعل مَعاذها ومَعاذ ذريتها من الشيطان الرجيم، بك. فاستجاب الله دعاءها فأعاذها من الشيطان، وأعاذ ذريتها، وهو ولدها عيسى ﵇.\nففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما من مولود يولَدُ إلا مسّه الشيطان حين يولد، فيستَهِلُّ صارخًا من مَسّه إياه، إلا مريم وابنها. ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾] (٦).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٣٣)، كتاب الآداب، وأخرجه البخاري (٦١٨٦).\n(٢) أي: يطليه بالقطران، ويصح يَهْنِئ بكسر النون أيضًا.\n(٣) أي: فتح فم الصبي.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٤٤) واللفظ له، والبخاري (٥٤٧٠)، وأحمد (٣/ ١٠٦).\n(٥) حديث حسن. رواه أحمد وأهل السنن. وصححه الترمذي. انظر سنن النسائي (٤٥٤٦) \"الكبرى\"، وانظر سنن أبي داود -حديث رقم- (٢٨٣٧).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٣١)، (٤٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٣).","vol":"2","page":41},{"text":"وفي لفظ: [كُلُّ بني آدم يَطْعُن الشيطان في جنبه حين تَلِدُه أمُّهُ، إلا عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعَنَ في الحجاب] (١).\n٣٧. قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآية: تقبُّل الله تعالى مريم وكفالة زكريا لها، وَبَسْطُ الله الرزق لها بغير حساب.\nقال ابن جريج: (تقبل من أمها ما أرادت بها للكنيسة، وأجرَها فيها، ﴿وَأَنْبَتَهَا﴾، قال: نبتت في غذاء الله).\nقال ابن كثير: (﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: جعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، ويَسَّرَ لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده، تتعلم منهم العلم والخير والدين).\nوقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. أي جعله كافلًا لها. وكان زوج خالتها. قال ابن إسحاق: (وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة). فقدّر الله كون زكريا كفلها لسعادتها، لتقتبس منه علمًا جَمًّا نافعًا وعملًا صالحًا.\nوقد جاء في حديث الإسراء: [فإذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة] رواه مسلم. وكذلك ثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قضى في عُمَارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: [الخالة بمنزلة الأم] (٢).\nوقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. إخبار من الله عن تولّيه لها بالكرامة وحسن الضيافة والرعاية، وعن سيادتها وجلالتها في محلّ عبادتها.\nقال مجاهد: (وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف).\nوقال قتادة: (وجد عندها ثمرة في غير زمانها).\nوقوله: ﴿قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. أي: من أي وجه لك هذا الرزق؟ ! .\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٢٨٦)، والبغوي في التفسير (٣٨١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٩٩)، وابن حبان (٤٨٧٣) من حديث البراء مطوّلًا.","vol":"2","page":42},{"text":"فقالت مجيبة له: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، الذي ساقه لها وأنعم به وتكرّم عليها.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. خبرٌ من الله أنه يسوق الرزق إلى من يشاء من عباده بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبده، فعنده خزائن السماوات والأرض.\n٣٨ - ٤١. قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: طمع زكريا ﵇ حين رأى ما رأى من كرم الله على مريم من الرزق والفضل دون تسبب أو تدخل أحد من الآدميين بذلك، فرجا الله أن يرزقه الولد، رغم كبر سنه، وكون امرأته عاقرًا. فنادته الملائكة بالبشرى وهو في محرابه.\nقال السدي: (فلما رأى زكريا من حالها ذلك، يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، قال: إن ربًّا أعطاها هذا في غير حينه، لقادر على أن يرزقني ذرية طيبة! ورغب في الولد، فقام فصلى، ثم دعا ربه سرًّا فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٤ - ٦]. وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾). وقال: (طيبة: يقول مباركة).\nوقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال السدي: (وهو جبريل، أو: قالت الملائكة، وهو جبريل، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾). فإن العرب تخبر أحيانًا عن الواحد بمذهب الجمع.\nوقوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾. أي: حالة قيامه في محراب عبادته، ومحل خَلْوَتِه، ومجلس مناجاته وصلاته، فبشرته بولد من صلبه اسمه يحيى.","vol":"2","page":43},{"text":"قال قتادة: (إنما سمي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان).\nوقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال قتادة: (مصدّقًا بعيسى بن مريم، وعلى سنته ومنهاجه). وقال الضحاك: (كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى).\nوقوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال سعيد بن جبير: (السيد التقي). وقال قتادة: (أي: والله، لسيد في العبادة والحلم والعِلم والوَرَع). وقال مجاهد: (السيد الكريم على الله). وقال ابن زيد: (السيد الشريف). وقال سعيد بن المسيب: (السيد الفقيه العالم). وقال عكرمة: (السيد الذي لا يغلبه الغضب).\nوخلاصة المعنى: إن الله أخبر أنه يبشره بيحيى مصدقًا بهذا، وسيدًا: أي شريفًا في العلم والورع والحلم والعبادة.\nوقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾. يروي ابن جرير عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: (الحصور: الذي لا يأتي النساء). وقال الربيع: (هو الذي لا يولد له). وقال الضحاك: (هو الذي لا يولد له ولا ماء له). وقال السدي: (الحصور الذي لا يريد النساء).\nقال الحافظ ابن كثير: (وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه كان حصورًا ليس كما قال بعضهم: إنه كان هَيُوبًا، أو لا ذَكَرَ له، بل قد أنكر هذا حُذّاق المفسرين، ونُقّاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعيب، ولا يليق بالأنبياء ﵈. وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِرَ عنها. وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء. وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم قمعها: إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله ﷿ كيحيى ﵇، ثم هي في حق من قدر عليها، وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه، درجةٌ عليا، وهي درجة نبينا - ﷺ - الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة، بتحصينهن، وقيامه عليهن واكتسابه لهن، وهدايته إياهن. بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره).\nثم قال ابن كثير: (والمقصود أن مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قال هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء","vol":"2","page":44},{"text":"زكريا المتقدم حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله ﷾ أعلم).\nوقوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فيه بشارة بالنبوة ليحيى بعد البشارة بولادته، وقد وصفه الله بالصلاح ثناء منه سبحانه عليه.\nوقوله: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. تَعَجُّبٌ من زكريا ﵇ مع إيمانه بالبشارة، إذ كيف يكون الولد ممن بلغ من السن ما بلغ وامرأته عاقر لا تلد. فأجابه الله تعالى على لسان المَلَك: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ إذ لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر، وهو على كل شيء قدير.\nقال السدي: (﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا).\nوقوله: ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾. أي ليزول الشيطان عني بوسوسته، وأزداد إيمانًا وبصيرة بأن ما بُشِّرت به هو من ملائكتك وهو بأمرك.\nفأجابه سبحانه: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ أي: إلا إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح تنطق، وذلك ثلاثة أيام.\nقال قتادة: (فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار).\nوقال الضحاك: (الرمز أن يشير بيده أو رأسه، ولا يتكلم).\nوقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. هو أمر الله له بتسبيحه وتعظيمه في هذه الحال، التي أوقف بها عن تكليم الناس بغير خرس ولا عاهة ولا مرض - آية من آيات الله ﷿.\nقال مجاهد: (الإبكار أول الفجر، والعشيّ مَيْلُ الشمس حتى تغيب).\n٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ","vol":"2","page":45},{"text":"الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تبشيرُ الملائكة مريم باصطفاء الله تعالى لها، وَحَثُّها على الإقبال على شكره سبحانه والركوع له والسجود.\nقال مجاهد: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾: جعلك طيبة إيمانًا). والمقصود أن الله سبحانه قد اختارها واجتباها لطاعته وخصّها بكرامته، فقد عرفت بكثرة عبادتها وزهادتها وطهارتها من الأكدار والوساوس.\nوقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾. قال ابن جريج: (ذلك للعالمين يومئذ).\nقلت: وقد ثبتت كرامتها على نساء العالمين، هى وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وابنتها فاطمة، في السنة الصحيحة، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن علي ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [خير نسائها مريم بنت عِمْران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران - زاد ابن مردويه: (وخديجة بنت خويلد) - وإن فضل عائشة علي النساء كفضل الثريد على سائر الطعام] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [خير نساء العالمين أربع: مريمُ بنتُ عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون] (٣). ورواه الترمذي بلفظ: [حَسْبُك من نساء العالمين مريم ........].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٣٢)، ومسلم (٢٤٣٠)، وأحمد (١/ ٨٤ - ١٣٢)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخارى (٣٤١١)، (٥٤١٨)، وصحيح مسلم (٢٣٣١)، ومسند أحمد (٤/ ٣٩٤)، (٤/ ٤٠٩) وصحيح ابن حبان (٧١١٤)، وصحيح الجامع (٤٤٥٤).\n(٣) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٣/ ١٣٥)، ومستدرك الحاكم (٣/ ١٥٧)، وانظر صحيح الجامع (٣٣٢٣)، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ١٠٢) في فضائل خديجة.","vol":"2","page":46},{"text":"الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾. قال: وكان أبو هريرة يحدِّث عن رسول الله - ﷺ -: [خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صِغَرِه، وأرعاه على زَوْجٍ في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط] (١).\nوقوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. هو اختصاصٌ من الله لها إذ أمر الملائكة أن يأمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل لها، لما في ذلك من رفعة لها في الدارين.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. أي: حجة لك أمام خصومك من أهل الكتابين، وتحقيقًا لصدقك، إذ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.\nقال قتادة: (كانت مريم ابنة إمامهم وسيّدهم، فتشاحَّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها، فقرعهم زكريا، وكان زوجَ أختها، ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، يقول: ضمّها إليه).\nوقال الضحاك: (اقترعوا بأقلامهم أيّهم يكفل مريم، فقرعهم زكريا).\nوعن محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: ما كنت معهم إذ يختصمون فيها. يخبره بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم لما يأتيهم به مما أخفوا منه).\n٤٥ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: بشَّرت الملائكة مريم ﵍ بولد عظيم يوجد منها، سيكون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٥٢٧)، من طريق عبد الرزاق (٢٠٦٠٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":47},{"text":"له شأن كبير وأمر عظيم، وسيكون ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ سبحانه، يعني بأمره كن فيكون، واسمه المسيح عيسى بن مريم، فهذه شهرته بين الناس في الدنيا وهو في الآخرة من الصالحين.\nوفي تأويل: ﴿الْمَسِيحُ﴾ أقوال عند المفسرين:\n١ - أي مَسَحَهُ الله فطهّره من الذنوب. قال ابن جرير: (ولذلك قال إبراهيم: ﴿الْمَسِيحُ﴾: الصّدّيق).\n٢ - قيل بل المراد مُسحَ بالبركة. قال سعيد: (إنما سمي المسيح لأنه مُسِحَ بالبركة).\n٣ - قيل بل سمي المسيح لكثرة سياحته. ذكره بعض السلف.\n٤ - وقيل: لأنه كان مسيح القدمين، لا أخْمَصَ لهما. ذكره والذي بعده ابن كثير.\n٥ - وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات بَرئ بإذن الله تعالى.\nوقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. نسبه إلى أمه، حيث لا أب له. وإلا فالناس ينسبون إلى آبائهم في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nوفي صحيح مسلم عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا جمع الله الأولين والآخِرين يوم القيامة، يُرْفَعْ لكل غادر لواءٌ، فقيل: هذه غَدْرَةُ فُلانِ بنِ فلان] (١).\nوقوله: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. أي: له وجاهة ومنزلة ومكانة رفيعة عند الله في الدنيا بما يوحيه إليه من الشريعة وأحكام الكتاب الذي نزله عليه، وشفيعًا في الآخرة بإذن الله لمن ارتضى سبحانه، فيقبل منه كإخوته الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. قال الربيع: (من المقربين عند الله يوم القيامة).\nوقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾. قال ابن عباس: (مضجع الصبي في رَضاعه).\nوقوله: ﴿وَكَهْلًا﴾. قال الحسن: (كلمهم في المهد صبيًّا، وكلمهم كبيرًا).\nوقال قتادة: (يكلمهم صغيرًا وكبيرًا). وقال مجاهد: (الكهل الحليم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٣٥)، كتاب الجهاد، باب تحريم الغدر.","vol":"2","page":48},{"text":"وقوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يعني في عدادهم وأوليائهم، لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل.\nوفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر].\nورواه مسلم بلفظ: [لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جُريج، . . . وبَيْنا صبي يَرْضَعُ من أمه، فَمرَّ رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت أمه اللهم! اجعل ابني مِثْل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظرَ إليه، فقال: اللهم! لا تجعلني مثله. . . .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾. أي: كيف لي بولد يوجد مني ولست بذات زوج، ولا أعزم على الزواج، ولست بغيًّا؟ فأجابها الملك يؤكد لها البشرى التي عجبت لها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر، ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: مما يشاء وكيف يشاء، ﴿فَيَكُونُ﴾ ما أراد سبحانه ولا يتأخر شيئًا، بل هو كلمح البصر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].\n٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾.\nفي هذه الآيات: يُكْمِلُ الله البشري لمريم ﵍، بأن ما عَلِمت فيما نزل من\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٥٥٠)، كتاب البر والصلة، وصحيح البخاري (٢٤٨٢)، ومسند أحمد (٢/ ٤٣٣) عن أبي هريرة مطوّلًا.","vol":"2","page":49},{"text":"الكتب أن الله باعثٌ نبيًّا يوحى إليه بكتابه الإنجيل، هو الولد الذي وهبه لها وبشّرها به، وسيجري على يديه من المعجزات ما ينصر به الدين الحق.\nوقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾. قال ابن جرير: (وهو الخط الذي يخطه بيده). يعني الكتابة.\nقال ابن جريج: (﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾، قال: بيده). وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. قال قتادة: (الحكمة: السنة). والمراد السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب.\nوقوله: ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾. المراد التوراة التي أنزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى.\nوقوله: ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾. يعني إنجيل عيسى ولم يكن قبله، ولكن الله أخبر مريم قبل خلق عيسى أنه مُوحيه إليه.\nوقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعني: ونجعله رسولًا إلى بني إسرائيل بأنه نبي الله وحجته على خلقه، معه علامة من الله تصدق خبره.\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم).\nوقوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. معجزة له من الله: كان يُصَوِّر من الطين شكلَ طير، ثم ينفخ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله.\nوقوله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾. وهو الذي يبصر نهارًا ولا يُبصر ليلًا، وقيل بالعكس. وقيل: الأعشى، وقيل: الأعمش. وقيل: الذي يولد أعمى. وتفصيل ذلك من أقوال المفسرين:\n١ - قال مجاهد: (الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، فهو يتكمَّه).\n٢ - قال قتادة: (كنا نُحدّثُ أن الأكمه الذي ولد وهو أعمى مغموم العينين).\n٣ - قال السدي: (هو الأعمى). وقال ابن عباس: (الأكمه: الذي يولد وهو أعمى).\n٤ - قال عكرمة: (﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾، قال: الأعمش).\nواختار ابن جرير وابن كثير أنه الأعمى الذي لا يبصر شيئًا لا ليلًا ولا نهارًا.","vol":"2","page":50},{"text":"قال ابن جرير: (لأن علاج مثل ذلك لا يدّعيه أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرص).\nوقوله: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن كثير: (قال كثير من العلماء: بعث الله كُلَّ نبي من الأنبياء بمعجزة تُناسب أهلَ زمانه، فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سَحّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى ﵇، فبعثه في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه. إلا أن يكون مُؤيّدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعثِ من هو في قَبْرِه رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد - ﷺ -، بعثه الله في زمن الفصحاء والبُلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله ﷿، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب ﷿ لا يشبه كلام الخلق أبدًا).\nوقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. قال مجاهد: (بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه. عيسى بن مريم يقوله). وقال عطاء بن أبي رباح: (الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم، غيبًا علمه الله إياه).\nوالمقصود: يخبرهم عيسى بإذن ربه ما أكل أحدهم وما هو مدّخر للغد.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعني ما سبق ذكره من معجزات وآيات، فيها عبرة لهم، إن كانوا يصدقون بحجج الله ويقرون بتوحيده.\nوقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. يعني يوافق ما جاءهم في التوراة مما قرّرته من أصول الدين ومقاصده. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾: قال قتادة: (كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثروب (١)، وأشياء من الطير والحيتان).\nوقال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته).\n_________\n(١) الثروب: جمع ثَرْب، وهي الشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء من الذبائح والأنعام.","vol":"2","page":51},{"text":"وقال الحسن: (كان حرّم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحل لهم الذي حرّم عليهم، يبتغي بذلك شُكْرهم).\nولا شك أن الآية تدل عند أهل العلم على نسخ بعض أحكام التوراة أيام عيسى ﵇.\nوقوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال مجاهد: (ما بيّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه).\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يعني: التمسوا تقوى الله سبحانه، فأنا وأنتم مشتركون في عبادة الله ومأمورون بتوحيده وتعظيمه وحده لا شريك له، فهذا صراط النجاة في الدنيا والآخرة.\n٥٢ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.\nفي هذه الآيات: لما وجد عيسى ﵇ من بني إسرائيل محاولات التكذيب والصد والجحود، نادى: من أعواني على المكذبين بحجة الله، ومن ينصرني ويعاونني على الدعوة إلى الله؟ فأجابه الحواريون، ومكر الملأ الطغاة الماكرون.\nقال مجاهد: (﴿قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: أي من يَتْبَعُني إلى الله). فأجابه الحواريون - وهم الأنصار لكل نبي - نحن أنصار الله وحملة لواء دينه بايعنا على ذلك. قال الضحاك: (الحواريون: أصفياء الأنبياء).\nوقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن جابر بن عبد الله، قال: [كان رسول الله - ﷺ - يعرض نفسه على الناس في الموسم. فيقول: ألا رجلٌ يحملني إلى","vol":"2","page":52},{"text":"قومِه، فإن قريشًا قد منعوني أن أُبِلِّغَ كلامَ ربي] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخارى ومسلم وأحمد عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير رضي الله عليه، فقال النبي - ﷺ -: [إنَّ لكل نبي حواريًا وحواريَّ الزبير] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله - ﷺ - قال: [ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حَواريُّون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخْلُفُ من بَعْدهم خُلوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل] (٣).\nوقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. هو قولهم الذي أصابوا به الفضل من ربهم.\nوقوله: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال محمد بن جعفر بن الزبير: (لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه - يعني وفد نصارى نجران).\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. قال عكرمة: (مع أمة محمد - ﷺ -). قال ابن جرير: (أي صدقنا بما أنزلت على نبيك عيسى من كتابك، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، يعني بذلك: صرنا أتباع عيسى علي دينك الذي ابتعثته به، وأعوانه على الحق الذي أرسلته به إلى عبادك، وقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرّوا لك بالتوحيد، وصدقوا رسلك).\nوقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.\nإخبار من الله سبحانه عن الملأ من بني إسرائيل حين همّوا بقتل عيسى ﵇ وصلبه، عندما وشوا لملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، أن رجلًا يضل الناس عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن - حديث رقم .. (٢٠١)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٣٩ - ٤٤٠)، وهو على شرط مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٤٦)، وأخرجه مسلم (٢٤١٥)، وأحمد (٣/ ٣١٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٥٠)، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان من حديث عبد الله بن مسعود.","vol":"2","page":53},{"text":"طاعتك، ويفسد عليك رعاياك، حتى أحاط الطغاة بمنزله، فرفعه الله إلى السماء، وأخذوا رجلًا شبهًا له فقتلوه وصلبوه.\n٥٥ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾.\nفي هذه الآيات: رَفْعُ الله تعالى عيسى ﵇ إليه، ورَفْعُ الذين اتبعوه في الدرجات ثم المرجع إليه، فالكفار هم أصحاب الجحيم، والمؤمنون في جنات النعيم.\nوقوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ فيه أقوال:\n١ - قال الربيع: (يعني وفاةَ المنام، رفعه الله في منامه).\n٢ - قال مطر الورّاق: (متوفيك في الدنيا، وليس بوفاه موت). والمعنى: قابضك من الأرض حيًّا ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك إلى جواري في السماء. قال الحسن: (متوفيك من الأرض). قال: (رفعه الله إليه، فهو عنده في السماء).\n٣ - قال ابن عباس: (يقول: إني مميتك). أي إني متوفيك وفاة موت.\n٤ - قيل بل هو من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم. أي: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.\nوالراجح المعنى الثاني، إني قابضك من الأرض حيًّا ورافعك إلى جواري لتعود يومًا إلى الدنيا، فتنزل في سماء دمشق عند المنارة البيضاء، وتحكم في بقية أمة محمد - ﷺ - بالقرآن والسنة المحمدية المطهرة. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث النواس بن سمعان، قال ﵊: [فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة","vol":"2","page":54},{"text":"البيضاء، شرقيّ دمشق بين مهروذتين (١)، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدّر منه مثل جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح، عن أوس بن أوس، عن النبي - ﷺ - قال: [ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة] (٤).\nوقوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nقال قتادة: (هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة).\nوقد وقع ذلك، فإن النصارى كانوا أقرب إلى الحق من اليهود، فلما رفع الله المسيح ﵇ تفرقت أصحابه شيعًا بعده، منهم من آمن به أنه عبد الله ورسوله، ومنهم من غلا فيه، واستمروا على ذلك قريبًا من ثلاث مئة سنة. قال ابن كثير: (ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسدَه، فإنه كان فيلسوفًا، وقيل: جهلًا منه، لأنه بدّل لهم دين المسيح وحَرَّفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين، والأمانة الكبيرة - التي هي الخيانةُ الحقيرةُ - وأحلَّ في زمانه لحم الخنزير، وصَلَّوا له إلى المشرق، وصَوَّروا له الكنائس، والمعابد والصوامع، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه - فيما يزعمون - وصار دين المسيح دينَ قسطنطين، إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة\n_________\n(١) أي يلبس ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. ذكره النووي.\n(٢) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل، انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٤٨).\n(٣) حديث صحيح. رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\". انظر صحيح الجامع الصغير (٨٠٢٥).\n(٤) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (١/ ٩٥). وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٦١)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٠٤٧) لتفصيل الحدث.","vol":"2","page":55},{"text":"المنسوبة إليه، واتبعه طائفة المَلكيّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارًا، عليهم لعائن الله. فلما بعث الله محمدًا - ﷺ -، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ قد صَدّقوا الرسول النبي الأمي العربي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم على الإطلاق، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على مِلّته وطريقته، مع ما قد حَرَّفوا وبدَّلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخَ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمدًا - ﷺ - من الدين الحق، الذي لا يُغيّر ولا يُبدَّل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائمًا منصورًا ظاهرًا على كل دين. فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقَصَروا قيصر، وسلبوهما كُنوزَهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم ﷿ في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] .. الآية، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقًّا، سَلبوا النصارى بلاد الشام وأجلوهم إلى الروم فلجؤوا إلى مدينتهم القُسطَنْطينيَّة، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق - ﷺ - أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية، ويستفِيئُون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جدًّا، لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها. . . .، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أى: يوم القيامة ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه وأطراه من النصاري، عذبهم في الدنيا بالقتل والسَّبي، وأخذ الأموال، وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق) انتهى.\nوقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. أي: وما لهم من عذاب الله من مانع ولا دافع.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. أي: في الدنيا: بالنصر والظفر والتمكين والتأييد، وفي الآخرة: بجنات الخلود والنعيم.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: الذين يبغون في الأرض بغير الحق، ولا يقيمون العدل ويأكلون حقوق الناس بالباطل.","vol":"2","page":56},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.\nأي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من أمر عيسى وميلاده وكيف أوحينا إليه، ونبوته ورفعه، من الآيات التي هي حجج بالغة على من حاجك من نصارى نجران وغيرهم من أهل الكتاب.\nقال ابن عباس: ﴿وَالذِّكْرِ﴾، يقول: القرآن، ﴿الْحَكِيمِ﴾، الذي قد كمل في حكمته). فهو الكتاب ذو الحكمة الفاصلة بين الحق والباطل، وبينك - يا محمد - وبين من ينسب الكذب في قصة عيسى وأمه والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n٥٩ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقرن ﷾ بين خلق عيسى وخلق آدم ﵉، فالله خلق آدم من غير أب ولا أم، فلا عجب في قدرة الله أن يخلق عيسى من غير أب، ومن ثمَّ فجواز ادعاء البنوة في آدم هو أولى منه في عيسى، وهذا باطل باتفاق أهل الأديان، الأمر الذي يقتضي فساد هذا الادعاء في عيسى ﵇.\nوإنما الأمر حقيقته إظهار قدرة الله في الخلق، فإذا أراد شيئًا قال له كن فيكون. فمن حاجك فيه بعد ذلك يا محمد فادعهم إلى المباهلة.\nقال الربيع: (﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: فلا تكن في شك مما قصصنا عليك أن عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه وروح، وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون).\nوقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أي: جادلك في شأن المسيح عيسى بن مريم، يا محمد. ﴿فَقُلْ تَعَالوْا﴾ هلموا فلندع: ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ يقول: ثم نلتعن.","vol":"2","page":57},{"text":"والمعنى: نحضرهم في حال المباهلة ثم نلتعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ منا أو منكم.\nأخرج الحاكم من حديث يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده، قال يونس: (فلم تزل به وبهم - يعني وفد نجران - المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ﵇؟ فإنا نرجع إلى قومنا، ونحن نصارى، فيسرّنا إن كنت نبيًّا أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ما عندي فيه شيءٌ يَوْمي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يُقال لي في عيسى ﵇، فأصبح الغد وقد أنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسولُ الله - ﷺ - الغد بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملًا على الحسن والحسين ﵄ في خميل له، وفاطمة ﵂ تمشي عند ظهره للمُباهلة .... فخافوا وتشاوروا فقال كل من العاقب والسيد للآخر: لا تفعل فوالله لئن كان نبيًّا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك ...) (١).\nوله شاهد عند الترمذي عن سعد قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ الآية، دعا رسول الله - ﷺ - عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: \"اللهم هؤلاء أهلي\"].\nوأخرج البيهقي بسند صحيح إلى ابن مسعود: [أن السيد والعاقب أتيا رسول الله - ﷺ -، فأراد أن يُلاعنهما، فقال أحدُهما لصاحبه: لا تُلاعِنْهُ، فوالله إن كان نبيًّا فلاعنتَه لا نُفْلِحُ نحن، ولا عَقِبُنَا من بعدنا، قالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال رسول الله - ﷺ -: لأبعَثَنَّ معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمين. فاستشرف لها أصحابه، فقال: قُمْ يا أبا عبيدة بنَ الجراح. فلما قام، قال: هذا أمين هذه الأمة] (٢).\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٣ - ٥٨٤)، والحديث السابق فيه ضعف، لجهالة سلمة بن يسوع فما فوقه، لكن ذكره ابن كثير في السيرة (٤/ ١٠١ - ١٠٦)، وفي التفسير (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠). وأخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ٣٨٤ - ٣٩٢)، وأكثره له شواهد، وفي بعضه نكارة قد حذفتها، وانظر تفصيل ذلك في كتابي: السيرة النبوية (١/ ١٦٣١ - ١٦٣٣)، وصحيح الترمذي (٢٣٩٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البيهقي، ويشهد له ما بعده في الصحيحين، وانظر زاد المعاد (٣/ ٦٣٧).","vol":"2","page":58},{"text":"ورواه مسلم عن حذيفة ﵁ قال: [جاء أهل نجران إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله ابعث لنا رجلًا أمينًا، فقال: لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حقَّ أمين، حقَّ أمين، قال: فاستشرف لها الناس، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح] (١).\nوفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁: [أن رسول الله - ﷺ - قال: إن لكل أمة أمينًا، وإنَّ أمينَنا، أيَّتُها الأمةُ، أبو عبيدة بن الجراح] (٢).\nوفي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة قال: [بعثني رسولُ الله - ﷺ - إلى نجران، فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما يقرؤون \"يا أخت هارون\"، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت النبي - ﷺ -، فأخبرتُه، قال: أفلا أخبرتَهُمْ أنهم كانوا يُسَمُّون بأسماء أنبيائهم والصالحين الذين كانوا قبلهم] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾. قال ابن عباس: (إن هذا الذي قلنا في عيسى، هو الحق، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، الآية).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: العزيز في انتقامه ممن عانده وعصاه وخالف أمره، وادعى معه إلهًا غيره، أو عبد ربًا سواه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره وقدره وشرعه.\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. أي: إن أعرضوا رغم البيان والحجج الدامغة فإن الله يعلم من عدل عن الحق إلى الباطل واتبع سبيل المفسدين والمبطلين وسيجازيه على عمله يوم يلقاه.\n٦٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٤٢٠)، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح ﵁. وانظر صحيح البخاري (٤٣٨٠) وكذلك (٣٧٤٥)، وأحمد (٥/ ٣٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٧/ ٧٤) في فضائل أصحاب النبي - ﷺ -. باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح، من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢١٣٥)، كتاب الآداب: باب النهي عن التكني بأبي القاسم، من حديث المغيرة بن شعبة.","vol":"2","page":59},{"text":"نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾.\nفي هذه الآية: دعوة أهل الكتاب إلى توحيد الله ونبذ الشرك والتحاكم إلى الدين الحق دين الإسلام.\nوقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾. يشمل أهل التوراة وأهل الإنجيل. ﴿تَعَالوْا﴾ أي: أقبلوا وهلمّوا. ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. قال قتادة: (عدل بيننا وبينكم). وقال أبو العالية: (كلمة السواء: لا إله إلا الله).\nوقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾. يعني نفرده بالتعظيم والدعاء، فلا ندعو وثنًا، ولا صليبًا، ولا صنمًا، ولا طاغوتًا، ولا نارًا، ولا شيئًا.\nوقوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال ابن جريح: (لا يُطع بعضنا بعضًا في معصية الله. ويقال إنّ تلك الرّبوبية: أن يطيعَ الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يصلّوا لهم). وقال عكرمة: (﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: سجود بعضهم لبعض).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. يعني: إن تولى بعد ذلك أهل الكتاب وأصروا على الشرك بالله فقولوا أيها المؤمنون لهم: اشهدوا علينا بأنا على التوحيد قائمون، وعلى إفراد الله سبحانه بالتعظيم عاكفون.\nأخرج البخارى في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس - في قصة هرقل مع أبي سفيان وسؤاله لهم -: [ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - الذى بعث به دِحْيةُ إلى عظيم بُصرى فدفَعَهُ إلى هِرقل فقرأه فإذا فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم: من محمدٍ عبد الله ورسوله إلى هِرَقْلَ عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسْلِم تَسْلَم يُؤتك الله أجْرَك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيِّين، و: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخارى في الصحيح (٧)، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، وهو جزء من حديث طويل.","vol":"2","page":60},{"text":"٦٥ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يا أهل التوراة والإنجيل، لم تجادلون في إبراهيم وتخاصمون فيه، ويدعي كل فريق منكم أنه كان منكم ولم ينزل الإنجيل والتوراة إلا بعد حين من موت إبراهيم ﵇ ووفاته؟ ! أفلا تفقهون خطأ قيلكم. إنما كان إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين، وإن أولى الناس به هذا النبي وأهل الحق المؤمنين.\nقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد مولي زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: (اجتمعت نصارى نجران وأحبارُ يهود عند رسول الله - ﷺ - فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا! وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا! فأنزل الله ﷿ فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قالت النصاري: كان نصرانيًّا! وقالت اليهود: كان يهوديًّا! فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية).\nثم عاب عليهم سبحانه هذا الحكم منهم بغير علم، فقال جل ذكره: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال السدي: (أما الذي لهم به علم: فما حرّم عليهم وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم: فشأن إبراهيم).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي: يعلم ما غاب عنكم وأنتم لا تعلمون إلا ما عاينتم وشاهدتم أو أدركتم علمه بالإخبار والسماع.\nثم أكذبهم سبحانه فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾، فأدحض حجتهم يعني اليهود -في ادعائهم أن إبراهيم مات يهوديًّا، أو نصرانيًّا- يعني في ادعاء النصارى.\nثم قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.","vol":"2","page":61},{"text":"أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر: [أن زيدَ بنَ عمرو بن نُفَيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبَعُهُ، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لَعَلِّي أن أدينَ دينَكُم فأخْبرني فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أَفِرُّ إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيعه، فهل تَدُلّني على غيره، قال: ما أعلمُهُ إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفِرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا وأنا أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيْدٌ قولَهُم في إبراهيم ﵇، خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾.\nالمعنى: إن أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته الذين سلكوا طريقه ومنهاجه، في التوحيد والعبادة وإفراد الله بالتعظيم، من سائر الأديان، والله مؤيد جميع المؤمنين وناصرهم.\nأخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح من حديث ابن مسعود ﵁: [أن رسول الله - ﷺ - قال: إن لكل نبيّ ولاة من النبيين، وإن وَليّي منهم أبي وخليل ربي ﷿، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ .. الآية] (٢).\n٦٩ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٨٢٧)، كتاب المناقب، وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ١١٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٩٩٥)، والحاكم (٢/ ٢٩٢)، (٢/ ٥٥٣) وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي. وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٣٩٤).","vol":"2","page":62},{"text":"تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾.\nفي هذه الآيات: اليهود أمكر من دبّ على وجه الأرض، فهم أهل بغي وظلم وحسد، والله تعالى يخبر في هذه الآية: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني جماعة من أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل من النصارى، ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ أي: يصدونكم عن الإسلام إلى ما كنتم عليه من الكفر لتهلكوا به، والله تعالى يحذركم طاعتهم ويكشف لكم مكرهم، ويُبَيِّنُ اختصاصه تعالى برحمته من يشاء من المؤمنين.\nوقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: ما يهلكون بمحاولتهم هذه إلا أنفسهم وأهل ملتهم بِحلول سخط الله عليهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أي: وهم لا يدرون ولا يعلمون.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. قال قتادة: (تشهدون أن نَعْتَ محمد نبي الله - ﷺ - في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾).\nوقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. قال قتادة: (يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيرَه، الإسلام، ولا يجزي إِلّا به).\nوقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال الربيع: (يقول: تكتمون شأن محمد - ﷺ -، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.","vol":"2","page":63},{"text":"قال ابن عباس: (وذلك أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد - ﷺ - أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا! لعلهم ينقلبون عن دينهم. ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم).\nوقال مجاهد: (يهودُ تقوله. صلَّت مع محمد صلاة الصبح، وكفروا آخرَ النهار، مكرًا منهم، ليُروا الناس أن قد بدت لهم منهم الضلالة، بعد أن كانوا اتّبعوه). وقال: (قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلوا معهم آخر النهار، لعلكم تستزلّونهم بذلك).\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال قتادة: (لعلهم يدعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه). وقال ابن عباس: (لعلهم ينقلبون عن دينهم). وقال السدي: (لعلهم يشكّون).\nوقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. قال السدي: (لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية). ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ وسط الكلام، وهو خبر من الله عن أن البيان بيانه والهدى هُداه.\nوقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. قال مجاهد: (حسدًا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة أن يُتَّبعوا على دينهم).\nوقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قال ابن جُريج: (قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بيّن الله لكم في كتابه، ليحاجّوكم -قال: ليخاصموكم- به عند ربكم).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾، يعني التوفيق والهداية للإيمان والدين الحق. ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ بحكمته وعلمه، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: ذو سعة بفضله يعلم من يستحق الهداية والنور والإيمان ممن لا يستحق ذلك.\nوقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال مجاهد: (النبوة يخصّ بها من يشاء).\nوقال ابن جريج: (القرآن والإسلام).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يعني في اختصاص المؤمنين بالإيمان ومتابعة محمد - ﷺ -، وهدايتهم إلى أشرف الشرائع والتأسي بسيد الخلق.\n٧٥ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَيْسَ","vol":"2","page":64},{"text":"عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن طائفة من يهود هم أهل أمانة يؤدونها ولا يخونونها، وعن طائفة أخرى: أهل خيانة للأمانة واستحلال للمحرمات.\nفمنهم من إن تأمنه بقنطار من المال يؤده إليك، وهذا يشمل ما دونه بطريق الأولى. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. قال قتادة: (إلا ما طلبته واتبعته). وقال السدي: (يعترف بأمانته ما دمت قائمًا على رأسه، فإذا قمتَ ثم جئت تطلبُه كافرك- الذي يؤدِّي، والذي يجحد (١».\nفالمعنى: لا يؤديه إليك إلا بالمطالبة والاقتضاء والملازمة والإلحاح لاستخلاص حقك منه، فإذا كان هذا صنيعه في الدينار، فنكوله لما فوقه من باب أولى. قال مالك بن دينار: (إنما سُمِّيَ الدينار لأنه دِين ونار) (٢). وقيل: (معناه أنه من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار).\nأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ -: [أنه ذكرَ رجلًا من بني إسرائيل: سأل بعضَ بني إسرائيل أن يُسْلِفَهُ ألفَ دينار فقال: ائْتِني بالشهداء أُشْهِدُهُمْ، فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: فأتني بالكفيل قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صَدقت، فدفَعَها إليه إلى أجَل مسمّى، فخرج في البحر فقضى حاجَتَهُ ثم التمسَ مَرْكبًا يركَبُها يَقْدَمُ عليه للأجل الذي أجَّله فلم يجدْ مَرْكبًا، فأخذ خَشَبَةً فنقرها فأدْخَلَ فيها ألفَ دينار وصحيفةً منه إلى صاحبه ثم زَجَّجَ مَوْضِعَها ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تَعْلَمُ أني كنْتُ تَسَلَّفْتُ فلانًا ألفَ دينار فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضِيَ بكَ، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا فرضِيَ بذلك، وإني جَهَدْتُ أن أجِدَ مَرْكبًا أبْعَثُ إليه الذي له فلم أَقْدِرْ، وإني أسْتَوْدِعُكَها، فرمى بها في البحر حتى وَلَجَتْ فيه، ثم انصرفَ، وهو في ذلك يلتمس مَرْكَبًا يخرجُ إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسْلَفَهُ ينظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قد جاء بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حَطَبًا، فلما نَشَرها وَجَدَ المال والصحيفة، ثم قَدِمَ الذي كان أسْلَفَهُ فأتى بالألف دينار، فقال: والله\n_________\n(١) بيان عن ذكر الفريقين. أي: هذا الذي يؤدي، وهذا الذي يجحد.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم من طريق زياد بن الهيثم. ذكره والذي بعده الحافظ ابن كثير في التفسير.","vol":"2","page":65},{"text":"ما زِلْتُ جاهدًا في طلب مَرْكَبٍ لِآتيَكَ بِمالِكَ فما وجدتُ مَرْكبًا قبل الذي أتيتُ فيه. قال: هل كنتَ بَعَثْتَ إليَّ بشيء؟ قال: أُخْبِرُكَ إني لم أجدْ مَرْكبًا قبل الذي جئتُ فيه، قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بَعَثْتَ الخَشَبَةَ وانْصَرِف بالألف الدينارِ راشدًا] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. يعني -قال الذين استحلوا الخيانة من اليهود-: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب ولا إثم، لأنهم على غير الحق، وأنهم مشركون.\nقال قتادة: (قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل).\nوقال: (قال: ليس علينا في المشركين سبيل، يعنون من ليس من أهل الكتاب).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جريج: (يعني ادّعاءهم أنهم وجدوا في كتابهم قولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾).\nوالمعنى: يقولون على الله الكذب، ويفترون وهم يعلمون أنهم يكذبون.\nوقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\nالمعنى: ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكذبة منَ اليهود، أنه ليس عليهم حرج ولا إثم في أموال الأميين، ولكن الأمر أنه من أوفى بعهده وأدى الأمانة، واتقى الميثاق الذي عقده الله بالإيمان بمحمد ورسالته، فصدق بذلك وقام بمقتضى هذا العهد والميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء والأمم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\n٧٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾.\nفي هذه الآية: إن الذين ارتضوا أن يستبدلوا الذي هو أدنى: الأثمان الزهيدة والعروض الفانية، والزينة البالية، بالذي هو أعلى: تصديق عهد الله باتباع محمد - ﷺ - والإيمان بما جاء به، لا نصيب لهم في خيرات الآخرة، ولا يكلمهم الله كلام تشريف ومدح، بل كلام إهانة وتوبيخ، ثم ينتظرهم بعد ذلك عذاب أليم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٩١) تعليقًا، بصيغة الجزم. كتاب الكفالة. وانظر (١٤٩٨).","vol":"2","page":66},{"text":"وفي أسباب النزول لهذه الآية أحاديث صحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن شفيقٍ، عن عبد الله ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ حَلَفَ على يمين يَقْتَطِعُ بها مال امرئٍ مُسلمٍ هو عليها فاجر، لقِيَ الله وهو عليه غَضْبَانُ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، فجاء الأشعثُ فقال: ما حَدَّثكم أبو عبد الرحمن؟ فِيَّ أُنْزِلتْ هذه الآية، كانت لي بِئْرٌ في أرض ابنِ عَمٍّ لي، فقال لي: شهودَك. قلتُ: ما لي شهودٌ، قال: فَيَمينَهُ، قلت: يا رسول الله إذن يَحْلِفَ، فذكرَ النبيُّ - ﷺ - هذا الحديثَ، فأنزل الله ذلك تصديقًا له] (١).\nورواه أحمد وفيه: (فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني أرضي، فقدمته إلى رسول الله - ﷺ -. فقال لي رسول الله - ﷺ -: ألك بينة؟ قلت: لا. فقال لليهودي: احلف. فقلت: يا رسول الله إذن يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ... الآية).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما: [أن رجلًا أقام سِلْعَةً في السوق، فحلف فيها لقد أُعْطِيَ بها -ما لم يُعْطَهُ- لِيُوقِعَ فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية] (٢).\nقلت: ولا مانع من نزول الآية في السببين السابقين معًا. وقد جاءت أحاديث أخرى في بيانها:\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن رجاء بن حَيْوَة والعُرُس بن عَمِيرة، عن أبيه عَدِيّ -هو ابن عميرة الكندي- قال: [خاصم رجل من كندة يقال له- امرؤ القيس بن عابس، رجلًا من حَضْرَمَوْت إلى رسول الله - ﷺ - في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة، فقضى على امرئ القيس\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٣٥٦)، كتاب المُسَاقاة، باب الخصومة في البئر والقضاء فيها. وانظر (٢٦٧٣)، وصحيح مسلم (١٣٨)، ومسند أحمد (١/ ٤٤)، (١/ ٢١١)، (٥/ ٢١٢) للرواية الأخرى، ورواه ابن ماجة (٢٣٢٣)، والبيهقي (١٠/ ٤٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٥٥١)، كتاب التفسير، سورة آل عمران، آية (٧٧)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁.","vol":"2","page":67},{"text":"باليمين. فقال الحضرمي: أمكنته من اليمين يا رسول الله؟ ذهبت -ورب الكعبة- أرضي. فقال النبي - ﷺ -: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان. قال رجاء: وتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: الجنة. قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها] (١).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة لا يَنْظُرُ الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم: رجُلٌ كان لهُ فَضْلُ ماءٍ بالطريق فمنعَهُ من ابن السبيل، ورجلٌ بايع إمامَهُ لا يُبايِعُهُ إلا لِدُنيا، فإن أعطاه منها رَضِيَ وإنْ لمْ يُعْطِهِ منها سَخِطَ، ورجلٌ أقام سِلْعَتَهُ بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيرُهُ لقد أعطيتُ بها كذا وكذا، فصَدَّقه رجلٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾] (٢).\nالحديث الخامس: روى الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قلت: يا رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا. قال: وأعاده رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات قال: المُسْبلُ، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان] (٣).\nالحديث السادس: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن أبي مُلَيْكَةَ: [أنَّ امرأتين كانتا تَخْرِزانِ في بيتٍ وفي الحُجْرَةِ، فَخَرَجَتْ إحداهما وقد أُنْفِذَ بإشفَى في كَفِّها، فادَّعَتْ على الأخرى فرُفِعَ إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول الله - ﷺ -: لو يُعْطى الناسُ بِدَعْواهُمْ لَذهَبَ دِماءُ قَوْمٍ وأموالهُم، ذَكِّروها بالله واقرؤوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ فَذَكَّروها فاعْتَرَفَتْ. فقال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: اليمين على المدَّعى عليه] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٩٢) بإسناد صحيح، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٥٩٩٦) من حديث عدي بن عميرة الكندي.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٣٥٨) كتاب المساقاة، باب إثم مَنْ مَنَعَ ابنَ السبيل من الماء.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٦)، وأحمد (٥/ ١٤٨)، ورواه أبو داود (٤٠٨٧)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٥٢)، كتاب التفسير، سورة آل عمران، آية (٧٧).","vol":"2","page":68},{"text":"٧٨. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾.\nفي هذه الآية: وإن من اليهود قومًا يحرِّفون كلام الله ويبدلون مواضعه ليزيلوه عن المراد به كذبًا على الله وهم يعلمون.\nقال مجاهد: (﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾، قال: يحرفونه). وقال قتادة: (هم أعداء الله اليهود، حَرّفوا كتاب الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله).\nوروى البخاري عن ابن عباس: (أنهم يحرِّفون ويزيلون).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يعني: يتعمدون الكذب على الله، والشهادة عليه بالباطل، والإلحاق بكتاب الله ما ليس منه، طلبًا للرياسة والخسيس من حطام الدنيا. ذكره ابن جرير.\n٧٩ - ٨٠. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى ذكره عن استحالة دعوة نبيّ -اصطفاه الله واختاره- لنفسه ليتخذه العباد ربًّا من دون الله، ولكن يدعو الناس ليكونوا أسوة يُقتدى بهم في العلم والدين. وكذلك ما ينبغي له أن يأمر الناس بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، فإن هذا أمْرٌ بالكفر بعد الإسلام.\nفقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.","vol":"2","page":69},{"text":"قال قتادة: (يقول: ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، يأمر عباده أن يتخذوه ربًّا من دون الله).\nوقال ابن جريج: (كان ناس من يهود يتعبّدون الناس من دون ربهم، بتحريفهم كتابَ الله عن موضعه، فقال الله ﷿ ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه).\nوفي جامع الترمذي بسند حسن: [أن النبي - ﷺ - تلا هذه الآية -اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله- على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلّون لكم ما حرّم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي - ﷺ -: فتلك عبادتهم] (١).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.\nقال البخاري في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل. وقال ابن عباس: (﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: حُلماء، فُقهاء، عُلماء، ويقال: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّي الناس بصغار العلم قبل كباره). وقال مجاهد: (وهم فوق الأحبار) - أي العلماء. وعليه: فالربانيون هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، فالرباني الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم.\nوقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.\nقال الضحاك: (حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا). وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: من التعليم. وقرأها عاصم: ﴿بما كنتم تَعْلَمونَ الكتاب﴾ قال: القرآن، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، قال: الفقه).\nوالقراءة الأولى أشهر ﴿تُعَلِّمون﴾ وهي قراءة عامة قرّاء الكوفة،\nفالمعنى: بل كونوا سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربّانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراسَتِكموه. ذكره ابن جرير.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، من حديث عدي بن حاتم ﵁.","vol":"2","page":70},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾. يعني: ولا كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، أي: لا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب.\nوقد قرأها قراء الحجاز والمدينة على وجه الابتداء: ﴿ولا يأمُرُكم﴾ بالخبر عن النبي - ﷺ - أنه لا يأمركم. في حين قرأها قرّاء الكوفة والبصرة، بنصب الراء: ﴿ولا يأمرَكم﴾، عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾، وهي القراءة الأشهر في الأمة.\nوقوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. يعني إن ذلك غير كائن من النبي - ﷺ - أبدًا. إذ كيف يأمركم بعبادة آلهة غير الله بعد انقيادكم لله بالطاعة وتذللكم له بالعبادة.\n٨١ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن أخذه ميثاق الأنبياء أَنْ يُصَدِّق اللاحق السابق، وأن يمضي على منهاج النبوة في الإيمان وحراسة الدين، حتى يأتي خاتم الرسل والأنبياء محمد - ﷺ - فيصدقوه وينصروه إن أدركوه، وإلا أوصوا أقوامهم بذلك، فعاهدوا الله جميعهم على ذلك، وقد شهد عليهم بذلك جلّت عظمته. فمن نقض هذا العهد أو أعرض عنه بعد توثيقه فأولئك هم العاصون الآثمون.\nفقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.\nقال طاووس: (أخذ الله ميثاق الأُوَل من الأنبياء، ليصدقن وليؤمنن بما جاء به الآخِرُ منهم). وقال قتادة: (هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضُهم بعضًا، وأن يُبلِّغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم -فيما بلَّغتهم رُسلهم- أن يؤمنوا بمحمد - ﷺ - ويصدقوه وينصروه). وقال السدي: (لم يبعث الله ﷿ نبيًّا قط من لدُنْ نوح، إلا أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد","vol":"2","page":71},{"text":"ولينصرنَّه إن خَرَج وهو حي، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به ولينصرُنَّه إن خرج وهم أحياء).\nوخلاصة المعنى: أن الله أخذ الميثاق على كل نبي من لدن آدم إلى عيسى ﵈، مهما أوتي أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ بإذن الله أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنن به ولينصرنه، فإن هذا من ميثاق النبوة. ذكره ابن كثير.\nقلت: ولا شك أن الرسول محمدًا - ﷺ - هو خاتم الرسل والأنبياء، وهو الإمام الأعظم في الأمة، والقائد الأعلى إلى يوم القيامة، ونبوته قديمة وعريقة. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، عن عبد الله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله متى كُتِبْتَ نبيًّا؟ قال: [كُتِبتُ نبيًّا وآدمُ بين الروح والجسد] (١).\nوفي لفظ: [كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد] (٢).\nوله شاهد عند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، قوله - ﷺ -: [إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدمَ لمنجدِلٌ في طينته] (٣).\nوقوله: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (يعني: عهدي). وقال محمد بن إسحاق: (إصري أي: ثقل ما حُمِّلْتُم من عهدي). أي ميثاقي الشديد المؤكد.\nوقوله: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾. يعني، قال الأنبياء: أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتبك، وبنصرتهم.\nوقوله: ﴿قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.\nقال علي ﵁: (يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك، ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، عليكم وعليهم).\nوالمعنى: إن هذا العهد يتطلب منكم نقله إلى أممكم أيضًا، فالكل مطالب بتصديق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٥٣)، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة ص (١١١). انظر السلسلة الصحيحة (١٨٥٦).\n(٢) رواه أحمد في السنة. انظر المرجع السابق، وصحيح الجامع الصغير (٤٤٥٧).\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٧)، والطبري (٣٤٠٥٤)، والحاكم (٢/ ٤١٨). وقوله: \"لمنجدل\": أي لملقي على الأرض، وانظر البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١١٨).","vol":"2","page":72},{"text":"رسل الله والإيمان بالوحي النازل إليهم، والله يشهد على الجميع بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: من أعرض ونقض عقد هذا الإيمان الواجب فهو منعوت عند الله بالفسق والخروج عن الطاعة.\nقال علي بن أبي طالب: (فمن تولى عنك، يا محمد، بعد هذا العهد من جميع الأمم، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، هم العاصون في الكفر) ذكره ابن جرير بسنده.\n٨٣ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ينكر ﷾ على من يلتمس منهجًا ودينًا غير دين الله العظيم، الذي استسلم لأمره من في السماوات ومن في الأرض، إما طائعًا وإما كارهًا، والكل إليه يرجعون. ثم يأمر نبيّه - ﷺ - أن يصرح بإيمانه بالله وهذا القرآن الذي أنزل عليه، وما أنزل على الأنبياء والرسل قبله من الصحف والوحي، وأن أمته - ﷺ - مؤمنون بهذا النهج النبوي العظيم. إنه من يطلب منهجًا غير دين الإسلام ليكونن من الخاسرين.\nفقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.\nقال مجاهد: (الطائع المؤمن، و﴿وَكَرْهًا﴾، ظل الكافر). وقال: (سجود المؤمن طائعًا، وسجود ظلّ الكافر وهو كارهٌ).\nوقال الربيع عن أبي العالية: (كل آدمي قد أقرّ على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده. فمن أشركَ في عبادته فهذا الذي أسلم كَرْهًا، ومن أخلص له العبودة، فهو الذي أسلم طوعًا).\nوفي التنزيل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾","vol":"2","page":73},{"text":"[الرعد.١٥]. وفيه أيضًا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لنحل: [٤٨ - ٤٩].\nقلت: والآية تشمل استسلام بعض الكفار لسلطان الإسلام وقهر رجاله الفاتحين، وقودهم في الأسر ثم يُعْجَبُون بدين الله ويؤمنون. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [عَجِبَ الله من قَوْمٍ يَدْخُلونَ الجنة في السَّلاسل] (١).\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. يعني يوم المعاد، فيقفون بين يديه للحساب والجزاء.\nوقوله: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾. يعني: القرآن. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: من الصحف والوحي.\nوقوله: ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾. هم ولد يعقوب الاثنا عشر، يعني بطون بني إسرائيل.\nوقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾. يعني: ما أنزل عليهما من التوراة والإنجيل.\nوقوله: ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. يشمل جميع الأنبياء. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بالإيمان، بل نؤمن بهم جميعهم ونوقرهم، ولا نفعل كما فعل أهل الكتاب من الإيمان ببعضهم والكفر ببعضهم.\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. خبرٌ عن المؤمنين من هذه الأمة أنهم يؤمنون بالله وما أنزل من الوحي على جميع رسله وأنبيائه، وأنهم منقادون له سبحانه بالطاعة كما يحب ويرضى.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. يعني: من يطلب دينًا غير دين الإسلام ليدين به فهو مرفوض في منهاجه الذي ارتضى عند الله، ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: الباخسين أنفسهم حظوظها، ومن الهالكين النادمين.\n٨٦ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٠١٠)، كتاب الجهاد والسير. باب الأُسارى في السلاسل.","vol":"2","page":74},{"text":"أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾.\nفي هذه الآيات: المرتد عن دين الله بعد الإيمان به يستحق عند الله اللعنة -منه ومن ملائكته ومن الناس أجمعين-. إلا من تدارك نفسه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى منهاج الإيمان فإن الله غفور رحيم.\nأخرج ابن جرير -ورجاله رجال الصحيح- وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: [كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتدّ ولحق بالشرك، ثم نَدِمَ فأرسل إلى قومه: أن سلوا لي رسول الله - ﷺ - هل لي من توبة؟ قال: فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فأرسل إليه قومه فأسلم] (١).\nفقد استثنى الله تعالى الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدقوا وأصلحوا ما فاتهم فعملوا من الصالحات ما ينجيهم عند الله الغفور الرحيم.\n٩٠ - ٩١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن مصير المرتدين عن الإيمان وقد ارتضوا الكفر منهجًا بدلًا عنه حتى وافتهم المنية، فإنه لن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا -لو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٨٥)، وأحمد (١/ ٢٤٧)، والحاكم (٢/ ١٤٢)، والطبري (٧٣٥٨)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":75},{"text":"استطاع ذلك- على سبيل الفدية، بل مأواهم النار خالدين فيها مع شر البريّة.\nأخرج البزّار بسند جيد عن عكرمة، عن ابن عباس: [أن قومًا أسلموا ثم ارتدوا، ثم أسلموا ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (١).\nقال ابن جريج: (﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، يقول: إيمانهم أوّلَ مرة لن ينفعهم).\nوقال السدي: (فعند موته، إذا تاب لم تقبل توبته).\nوفي التنزيل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.\nوقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾. أي: الذين أخطؤوا منهج النجاة وطريق الحق حيرة منهم وعمى في قلوبهم.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾. قال الحسن: (هو كل كافر).\nأخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، أن نبي الله - ﷺ - كان يقول: [يُجاء بالكافر يوم القيامة فيُقال له: أرأيتَ لو كانَ لكَ مِلءُ الأرض ذهبًا أكُنْتَ تفتدي به؟ فيقول: نَعَمْ، فيقال له: قد كنْتَ سُئِلتَ ما هو أيْسَرُ من ذلك] (٢). وفي لفظ: [فقد سألتك ما هو أهونُ من هذا وأنت في صُلْبِ آدم، أن لا تشركَ بي فأبَيْتَ إلا الشرك].\nوأخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب، خير منزل. فيقول: سل وتمنَّ. فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا، فأقتل في سبيلك عشر مرات. لما يرى من فضل الشهادة. ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب، شر منزل. فيقول له: تفتدي مني بطلاع الأرض ذهبًا؟ فيقول: أي رب، نعم. فيقول: كذبت،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو بكر البزّار، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، وقال: وإسناده جيد. وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول -الوادعي- سورة آل عمران، آية (٩٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٣٨)، كتاب الرقاق، وكذلك (٣٣٣٤)، كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم (٢٨٠٥)، وأحمد (٣/ ٢١٨)، وغيرهم.","vol":"2","page":76},{"text":"قد سألتك أقلَّ من ذلك وأيسرَ فلم تفعل، فيُرَدّ إلى النار] (١).\nوفي صحيح مسلم عن مسروقٍ، عن عائشةَ قالت: [قلتُ: يا رسول الله! ابْنُ جُدْعانَ كان في الجاهلية يَصِلُ الرحم، ويُطْعم المسكينَ، فهل ذاكَ نافِعُهُ؟ قال: لا ينْفَعُهُ، إنه لم يقل يَوْمًا: ربِّ اغفِرْ لي خطيئتي يومَ الدين] (٢).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. إخبارٌ عن سوء المصير الذي ينتظر المرتدين عن دين الله العظيم، لقاء استهتارهم بما عَرَّفهم الله به من هديه الكريم، ومن ثَمَّ فلا نجاة لهم يومئذ وما لهم من قريب ولا حميم ولا صديق يُنْتظر منه النصر أو الاستنقاذ من المكروه والألم المحدق.\n٩٢. قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾.\nفي هذه الآية: إخبار من الله تعالى أن بلوغ الجنة منوطٌ بالإنفاق في سبيل الله من المال الطيب المحبَّب، وما ينفق المؤمنون من شيءٍ إلا وهو محفوظ لهم عن العليم الكريم.\nيروي ابن جرير بسنده عن السدي قال: (أما البر فالجنة). وكذلك رواه عن عمرو بن ميمون. قال قتادة: (يقول: لن تنالوا برَّ ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تَهْوَوْن من أموالكم).\nوقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. قال سعيد عن قتادة: (يقول: محفوظ لكم ذلك، الله به عليمٌ، شاكرٌ له).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بذكر آفاق هذا المعنى العطر، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [كان أبو طَلْحةَ أكثرَ الأنصار بالمدينةِ مالًا من نَخْلٍ، وكان أحبَّ أمواله إليه بَيْرُحاءُ، وكانَتْ مستقبلةَ المسجد، وكان رسول الله - ﷺ - يَدْخُلُها ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيّب. قال أنس رضي الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٩)، والنسائي (٦/ ٣٦)، والحاكم (٢/ ٧٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٤)، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل، ورواه أحمد (٦/ ٩٣)، وابن حبان (٣٣٠).","vol":"2","page":77},{"text":"عنه: فلما أُنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحَبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاء، وإنَّها صَدَقةٌ لله أرجو برَّها وذُخْرَها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: بَخ، ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلِكَ مالٌ رابحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإني أرى أن تَجْعَلَها في الأقربين. فقال أبو طلحةَ: أَفْعَلُ يا رسول الله! فَقَسَمَها أبو طلحةَ في أقاربهِ وبني عَمِّه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عمر ﵄: [أن عُمَرَ تَصَدَّقَ بمال له على عهد رسول الله - ﷺ - وكان يُقال له: ثَمْغٌ، وكان نَخْلًا، فقال عمر: يا رسول الله، إني اسْتَفَدْتُ مالًا وهو عندي نفيسٌ فأردتُ أن أتصدق به. فقال النبي - ﷺ -: تَصَدَّقْ بأصْلِهِ، لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، ولكن يُنْفَقُ ثَمرُه. فتصدَّق به عُمَرُ فَصَدَقَتُهُ تلك في سبيل الله وفي الرقاب والمساكينِ والضَّيفِ وابنِ السبيل ولذي القُرْبى، ولا جُناح على من وَلِيَهُ أن يأكُلَ منه بالمعروف، أو يُؤْكِلَ صديقَهُ غيرَ مُتَمَوِّلٍ به] (٢).\nوفي لفظ: [قال: يا رسول الله لم أصب مالًا قطُّ هو أنفسُ عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: حَبِّس الأصل وسَبِّل الثمرة].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [أفضلُ الصدقات ظِلُّ فسطاطٍ في سبيل الله ﷿، أو منحةُ خادمٍ في سبيل الله، أو طروقةُ فَحْلٍ في سبيل الله] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [أفضل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٦١)، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، وأخرجه مسلم (٩٩٨)، ومالك (٢/ ٥٩٥)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٤١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٦٤)، كتاب الوصايا، باب: وما للوصي أن يَعْمَلَ في مال اليتيم وما يأكُلُ منه بقَدْرِ عُمَالتِه. وأخرجه مسلم (١٦٣٣)، وأحمد (٢/ ١١٤).\n(٣) حديث حسن. أخرجَه الترمذي (١٦٢٧). وانظر صحيح سنن الترمذي (١٣٢٨). ورواه أحمد.\nانظر صحيح الجامع الصغير (١١٢٠)، ورواه الحاكم وغيره. انظر تخريج الترغيب (٢/ ١٥٨)، ورواه الترمذي من حديث عدي بن حاتم أيضًا.","vol":"2","page":78},{"text":"الصدقة ما ترك غِنىً، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول] (١).\nالحديث الخامس: أخرج البزار عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله: [حَضَرتني هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إليّ من جارية لي رُوميَّةٍ، فقلت: هي حُرَّةٌ لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، يعني تزوجتها] (٢).\n٩٣ - ٩٥. قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار من الله سبحانه عن يعقوب ﵇ حين مرض مرضًا شديدًا فنذر إن شفاه الله أن يحرم على نفسه أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان ذلك قبل تنزل التوراة، وقد جاءت التوراة بعد ذلك تصدق ذلك. فمن ادّعى بعد ذلك أن الله شرع -ليهود- السبت أو كذّب بما نزل من الوحي بعد التوراة فقد أعظم على الله الفرية. فقل يا محمد: صدق الله فيما أنزل وأرسل وشرع، وقد أمرَ باتباع ملة إبراهيم، ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم، عليه وعلى نبيِّنا وعلى الرسل أفضل الصلاة والتسليم.\nفقد أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: [حضرت عصابة من اليهود نبي الله - ﷺ - فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي. قال: سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه: لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتُتابعُنّي على الإسلام. قالوا: فذلك لك. قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: أخبرنا على أربع خلال: أخبرنا أيُّ الطعام حَرَّمَ إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليه من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٣٥٥)، كتاب النفقات، باب وجوب النفقة على الأهل والعيال.\n(٢) أخرجه الحافظ أبو بكر البزار من طريق عمرو بن حماس، وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير، سورة آل عمران، آية (٩٢).","vol":"2","page":79},{"text":"الملائكة؟ . فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعُنَّه فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا وطال سقمه، فنذر لله نذرًا لئن شفاه الله من سقمه ليُحَرِّمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحبَّ الطعام إليه لحْمانُ الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها. فقالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد عليهم. وقال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إنْ علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإنْ علا ماءُ المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله. قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد عليهم. وقال: وأَنْشُدُكُم بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن هذا النبيّ الأميَّ تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قالوا: وأنت الآن فحدّثنا من وليُّكَ من الملائكة؟ فعندها نُجَامِعُكَ أو نفارقُكَ. قال: إن وليِّي جبريل، ولم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليّه. قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية] (١).\nوقد جاء بسند أقوى عند الإمام أحمد والطبراني والترمذي -مختصرًا- عن ابن عباس قال: [أقبلت يهود إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال: هاتوا. قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه. قالوا: أخبرنا كيف تُؤْنِثُ المرأةُ، وكيف تُذْكِرُ؟ قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة، أذْكَرَت، وإذا علا ماء المرأة آنثت. قالوا: أخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل- فحرم لحومها. قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: مَلَكٌ من ملائكة الله ﷿ مُوَكَّل بالسحاب بيده -أو في يده- مِخْراقٌ من نار يَزْجُرُ به السحاب، يسوقه حيث أمر الله ﷿. قالوا: فما هذا الصوت الذي يُسمعُ؟ قال: صوته. قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحَرْب والقتال والعذاب، عَدُوُّنا. لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٨)، والطبراني (١٣٠١٢)، ويشهد له الحديث الذي بعده.","vol":"2","page":80},{"text":"والقَطْرِ لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والآية التي بعدها] (١).\nيروي ابن جرير في التفسير عن ابن جُريج والعوفي، عن ابن عباس قال: (كان إسرائيل -وهو يعقوب﵇ يعتريه عرْق النّسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويُقْلِعُ الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عِرْقًا ولا يأكل ولدٌ له عرقًا). قال: (فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنانًا به واقتداء بطريقه).\nوقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. قال ابن عباس: (أي إن هذا قبل التوراة). يعني: حرّم ذلك يعقوب على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.\nقال الحافظ ابن كثير: (ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان: إحداهما: أن إسرائيل ﵇ حرَّمَ أحب الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغًا في شرعهم، فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] الآية.\nالمناسبة الثانية: لما تقدم بيان الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح، وتبيين زيف ما ذهبوا إليه، وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه، وكيف خلقه الله بقدرته ومشيئته، وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دوابِّ الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرّم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها، فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخرى زيادة على ذلك. وكان الله ﷿ قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه. وقد حُرِّمَ ذلك بعد ذلك. وكان التسرِّي على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم ﵇، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرّى بها على سارة، وقد حُرِّم مثل هذا في التوراة عليهم. وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغًا، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثم حُرِّم\n_________\n(١) حديث حسن أخرجه الترمذي (٣١١٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٠٧٢)، وأحمد (٢٤٨٣)، والطبراني (١٢٤٢٩)، وله شاهد وهو ما قبله. وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول آية البقرة (٩٧)، وقد مضى هناك بتمامه.","vol":"2","page":81},{"text":"عليهم ذلك في التوراة. وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح ﵇، في إحلاله بعض ما حُرِّمَ في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا - ﷺ - من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟).\nوقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنها تنطق بما قلناه.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يعني: من ادّعى بعد ذلك أن الله شرع لهم السبت أو تكذيب ما أنزل بعد التوراة فقد أعظم على الله الفرية.\nوِقوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾. أي: قل يا محمد صدق الله فيما أنزل وأرسل وشرع. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فإن ملته هي ملة محمد - ﷺ - وجميع الرسل: التوحيد وإفراد الله بالتشريع والتعظيم.\n٩٦ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عباده أن الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل - ﷺ - هي أول بيت وضع للناس، أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده. وفيه علامات واضحات أنه من بناء إبرإهيم، ومن عاذَ بالبيت كان حرمًا آمنًا له وملاذًا وملجأ، وقد فرض الله الحج على المستطيع من عباده، ومن جحَد وجوبه كان من الكافرين.\nفقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. قال مجاهد وقتادة: (لم يوضع قبله بيت). وقال علي ﵁: (كان قبل البيت بيوت كثيرة، والمعنى أنه أول بيت وضع للعبادة).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: [سألت رسول الله - ﷺ - عن أوّل مسجد وضع في الأرض. قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم","vol":"2","page":82},{"text":"بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل] (١).\nقال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (١/ ٤٩): (أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينهُ وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا جهل من هذا القائل، فإن سليمان إنما جدّد المسجد الأقصى، والذي أسّسه أولًا يعقوب بن إسحاق).\nأخرج النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ -: [أن سليمان بن داود ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله خِلالًا ثلاثة: سأل الله ﷿ حُكْمًا يصادف حكمه فأُوتِيَهُ، وسأل الله ﷿ مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله ﷿ حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا يَنْهَزُهُ (٢) إلا الصلاةُ فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه فأوتيه] (٣).\nقال القرطبي في التفسير بعد إيراده الحديثين: (فجاء إشكالٌ بين الحديثين، لأن بين إبراهيم وسليمان آمادًا طويلة. قال أهل التواريخ: أكثر من ألف سنة. فقيل: إن إبراهيم وسليمان ﵉ إنما جدّدا ما كان أسَّسَه غيرهما. وقد روي أن أوّل من بنى البيت آدم ﵇ كما تقدّم. فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عامًا، ويجوز أن تكون الملائكة أيضًا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله، وكل محتمل، والله أعلم).\nقلت: والتمسك بالنص أولى من التأويل، فهو صريح أن أول بيت وضع للناس بيت الله الحرام، والله أعلم بمن وضع أساسه الأول هل هو آدم أو بعض ولده أو الملائكة، ثم وُضع المسجد الأقصى بعده بأربعين عامًا، والله أعلم بمن وضعه، أهو يعقوب أم إبراهيم ﵉، أم غيرهما، ثم جُدِّد بناء الكعبة والمسجد الأقصى، فأقام الأول إبراهيم، وجدد بناء الثاني سليمان ﵉، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ خبر إن، واللام للتوكيد، وبكّة من أسماء مكة. قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣٣٦٦) و(٣٤٢٥)، وأخرجه مسلم برقم (٥٢٠)، ورواه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠).\n(٢) النهز: الدفع. لا ينهزه: أي لا يدفعه ولا يزعجه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٧٧٢)، وابن حجر في الفتح (٦/ ٤٠٨) بإثر حديث (٣٣٧١)، وذكره القرطبي في التفسير، وقال: إسناده صحيح.","vol":"2","page":83},{"text":"مجاهد: (بكة هي مكة). وقيل: سميت بكّة لأنها تَبُكّ أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلّون بها ويخضعون عندها. قال عبد الله بن الزبير: (لم يقصدها جبار قطّ بسوء إلا وقَصَهُ الله ﷿).\nوقيل: بكّة مشتقة من البَكّ وهو الازدحام. وسميت بذلك لازدحام الناس في موضع طوافهم. قال قتادة: (إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولَا يُفْعَل ذلك ببلد غيرها). أما مكة فسميت بذلك لأنها تمكّ من ظلم فيها أي تهلكه، وقيل: لقلة مائها سميت بذلك، وقيل لأنها تمك المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة.\nقلت: وكل هذه المعاني محتملة، فإن \"بكة\" موضع البيت، ومكة سائر البلد. ومن أسمائها: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رُحْم، وأم القرى، والبلدة، والكعبة وغير ذلك.\nوقوله: ﴿مُبَارَكًا﴾. أي: جعله الله مباركًا لتضاعف العمل فيه، وقد نُصب على الحال.\nوقوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالمِينَ﴾. عطف عليه، يعني: ومآبًا لنسك الناسكين وطواف الطائفين، تعظيمًا لله رب العالمين.\nوقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. أي فيه علامات واضحات أنه من بناء إبراهيم، وهناك قراءة: \"فيه آية بينة\". قال مجاهد: (قدَماه في المقام آية بينة). والقراءة الأولى أشهر. قال قتادة: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال: مقامُ إبراهيم، من الآيات البينات). وقال ابن عباس: (مقام إبراهيم والمشعر). قال ابن كثير: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولدُه إسماعيل، وقد كان مُلْصقًا بجدار البيت، حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّواف منه، ولا يشوّشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال ابن عباس: (من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يُؤوى ولا يُطْعَمُ ولا يُسْقى، فإذا خرج أُخِذَ بذنبه). وقال الحسن وعطاء: (في الرجل يصيب الحدّ ويلجأ إلى الحرم - يخرج من الحرم، فيقامُ عليه الحد).","vol":"2","page":84},{"text":"أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة] (١).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\nاللام في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ لام الإيجاب. ثم أكد الوجوب بقوله: ﴿عَلَى﴾ التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب. وهذه آية وجوب الحج عند الجمهور. والحج أحد أركان الإسلام، ويجب على المستطيع في العمر مرة.\nففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [خَطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجّوا. فقال رجل: كلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: لو قلت نعم لوجبتْ ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه] (٢).\nوروى الحاكم بسند حسن عن أنس: [أن رسول الله - ﷺ - سُئِل عن قول الله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة] (٣).\nقلت: والاستطاعة تشمل عند الفقهاء:\n١ - صحة البدن.٢ - أمن الطريق.٣ - ملك الزاد والراحلة.٤ - المَحْرم للمرأة.\nودليل الصحة: ما في الصحيحين عن ابن عباس: [أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوى على الراحلة، فأحج عنه؟ قال: حجي عنه] (٤).\nودليل الأمن: فلأن إيجاب الحج مع عدم ذلك ضرر، والنبي - ﷺ - يقول: [لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضاره الله، ومن شاق شاقّه الله] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم، وقد تقدم في سورة البقرة (آية: ١٢٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٣٧)، وأحمد ٢/ ٥٠٨. وابن حبان (٣٧٠٤)، وغيرهم.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الحاكم (١/ ٤٤٢)، ورواه الدارقطنى (٢/ ٢١٦)، وله شواهد.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٥١٣) و(١٨٥٥)، وأخرجه مسلم برقم (١٣٣٤)، ورواه أحمد في المسند (١/ ٣٤٦).\n(٥) حديث صحيح. أَخرجه الحاكم (٢/ ٥٧ - ٥٨) بسند صحيح عن أبي سعيد، والبيهقي (٦/ ٩٦ - ٧٠).","vol":"2","page":85},{"text":"ودليل ملك ما يكفيه: فاضلًا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته، قول النبي - ﷺ -: [كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت] (١).\nودليل وجوب المحرم للمرأة: ما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. فقال: انطلق فحجَّ مع أمرأتك] (٢).\nوإلى جعل المحرم للمرأة من الاستطاعة ذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد.\nفإذا تحققت الشروط السابقة وجب الحج على الفور كما ذهب لذلك الإمام مالك وأحمد وأبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وأبو يوسف، محتجين بما روى الإمام أحمد وابن ماجة بسند حسن عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: [من أراد الحج فليتعجَّل، فإنه قد يَمْرَض المريض، وتَضِلُّ الضالة، وتعرُض الحاجة].\nوله طريق آخر عند أحمد بلفظ: [تعجلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يَعْرِض له] (٣).\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾. قال ابن عباس: (من زعم أنه ليس بفرض عليه). وقال الضحاك: (من جحد الحج وكفر به). وقال الحسن: (من أنكره، ولا يرى أن ذلك عليه حقًّا، فذلك كُفْرٌ).\nوروى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عُبيد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غَنْم، أنه سمع عمر بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (١٦٩٢)، من حديث عبد الله بن عمرو، وانظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٩٩٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٠٠٦)، كتاب الجهاد والسير، وكذلك (١٨٦٢)، ورواه مسلم (١٣٤١)، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٢١٤ - ٣١٤)، وانظر صحيح الجامع (٢٩٥٤)، وكذلك (٥٨٨٠)، (٥٨٧٩) للفظ الأول، وانظر تخريج إرواء الغليل (٩٩٠).","vol":"2","page":86},{"text":"الخطاب ﵁ يقول: (من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديًّا مات أو نصرانيًّا) (١).\n٩٨ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريع بكفرة أهل الكتاب ممن كفر بمحمد - ﷺ - وجحد نبوته، وقد علموا الحجج على نبوته من كتبهم، والله يشهد ما يصدون به عن سبيله، يبغون بذلك العوج والميل عن الهوى، وهم يعلمون أنهم يَحْرِفون الطريق الحق والصراط المستقيم، والله سبحانه ليس بغافل عن أعمالهم وتحريفهم ومكرهم.\n١٠٠ - ١٠١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذير من الله سبحانه للمؤمنين أن يسقطوا في الطريق فيطيعوا طائفة من حسّادهم أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. ثم استنكار أن يقع الكفر من أحدهم بعدما سمع الوحي وعاصر النبوة. ثم تقرير أن الاعتصام بالله هو العمدة في الهداية إلى الصراط المستقيم.\nفقوله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾. قال قتادة: (علَمان بيِّنان: وِجْدانُ نبي الله - ﷺ -، وكتابُ الله. فأما نبي الله فمضى - ﷺ -. وأما كتاب الله، فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته).\n_________\n(١) صحيح موقوف. قال ابن كثير: (وهذا إسناد صحيح إلى عمر ﵁). ولا يصح مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، فقد أخرجه الترمذي (٨١٢) من حديث علي، وهو ضعيف جدًّا في إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث الأعور يضعف في الحديث.","vol":"2","page":87},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي يمتنع ويتمسّك بدينة وطاعته.\nقال ابن جريج: (﴿يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾: يؤمن به). وقيل: المعنى يتمسك بحبل الله، وهو القرآن.\nأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح على شرط مسلم، عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإن هذا القرآن سببٌ طرفُه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا] (١).\nوقوله: ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال ابن كثير: (أي: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد).\n١٠٢ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله المؤمنين التزام التقوى بصدق والموت على الإسلام، والاعتصام بالجماعة والقرآن، ونبذ التفرقة والطغيان، وتذكر نعمة الله في صقل القلوب على المحبة وترك العدوان، فإن النجاة من عذاب الله بالهداية والإيمان.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال رسول الله - ﷺ -: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه] (٢).\nوأخرج الحاكم والطبري بسند صحيح موقوف عن مُرّة، عن عبد الله بن مسعود:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ١٦٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١/ ٧٧/ ١)، وأخرجه ابن نصر في \"قيام الليل\" (٧٤)، وانظر السلسلة الصحيحة (٧١٣).\n(٢) حديث صحيح. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (٥٦٨٣)، وصحيح الجامع (٥١٢٦).","vol":"2","page":88},{"text":"﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، قال: (أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر) (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال طاووس: (على الإسلام، وعلى حُرْمة الإسلام). وقال ابن كثير: (أي: حافظوا على الإسلام في حال صحّتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعِثَ عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك).\nوفي مسند أحمد وسنن النسائي بسند صحيح عن حكيم بن حزام قال: [بايعت رسول الله - ﷺ - أن لا أخِرَّ إلا قائمًا] (٢).\nقيل: معناه أن لا أموت إلا مسلمًا. وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مُقْبلًا غير مُدبر.\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بالحث على حسن الظن بالله حتى آخر لحظة عند الاحتضار، وعلى المبادرة بفعل الخيرات من أجل حسن الختام. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول قبل موته بثلاث: [لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله: أنا عند ظن عبدي بي] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي إن ظنّ خيرًا فلَهُ، وإن ظنّ شرًّا فلهُ] (٥).\nوله شاهد عند الطبراني في \"الأوسط\" من حديث واثلة بلفظ: [إن الله تعالى يقول: أنا عند ظنِّ عبدي بي، إن خيرًا فَخَيْرٌ، وإن شرًّا فَشَرٌّ] (٦).\n_________\n(١) حديث موقوف. أخرجه الحاكم (٢/ ٢٩٤)، والطبري (٧٥٣٤)، وسنده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٢)، والنسائي (٢/ ٢٠٥) وإسناده صحيح على شرطهما.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٧٧)، وأبو داود (٣١١٣)، وأحمد (٣/ ٣١٥).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٥٠٥)، كتاب التوحيد. وأخرجه مسلم (٢٦٧٥).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٩١)، وابن حبان (٢٣٩٤)، وانظر صحيح الجامع (٤١٩١).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٨١١٥ - ترقيم الألباني) من حديث واثلة، ورواه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٠٦).","vol":"2","page":89},{"text":"وفي لفظ: [قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند صحيح عن أنس مرفوعًا: [قال الله ﷿: عبدي! أنا عند ظنك بي، وأنا معك إذا ذكرتني] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند حسن عن أنس: [أن النبي - ﷺ - دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف] (٣).\nوقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ - فيه أكثر من تأويل لمعنى \"حبل الله\":\nالتأويل الأول: عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود أنه قال في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ قال: (الجماعة). وفي رواية: (قال: حَبْلُ الله، الجماعة).\nالتأويل الثاني: عن قتادة قال: (حبل الله المتين الذي أمر أن يُعْتصمَ به: هذا القرآن). وقال السدي: (أما \"حبل الله\"، فكتاب الله).\nالتأويل الثالث: عن عطاء: (﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾، قال: العهد). وقال مجاهد: (بعهد الله). وقال قتادة: (بعهد الله وأمره).\nالتأويل الرابع: قال أبو العالية: (يقول: اعتصموا بالإخلاص لله وحده).\nالتأويل الخامس: قال ابن زيد: (الحبل: الإسلام).\nقلت: وهذه التفاسير متقاربة يعضد بعضها بعضًا، فإن حبل الله هو القرآن والمنهج الذي ارتضاه لنبيّه - ﷺ - في فهمه، ولا يستقيم الاعتصام بذلك إلا بالجماعة، وهو مفهوم سيرته - ﷺ - ورحلة البناء التي مضى عليها طيلة حياته، حتى أفرز للأمة جماعة الحق ودولة الإسلام.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٤٠)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٦٣)، وصحيح الجامع (٤١٩٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٧) بإسناد صحيح لغيره. انظر السلسلة الصحيحة (٢٠١٢).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي في الجامع (٩٨٣)، وابن ماجة في السنن (٤٢٦١)، وعبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\" (ص ٢٤/ ٢٥)، وابن أبي الدنيا كما في \"الترغيب\" (٤/ ١٤١)، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز (٢).","vol":"2","page":90},{"text":"وقد جاء في السنة الصحيحة ربط الحبل بالاعتصام، والقرآن بالجماعة. في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الطبراني في \"المعجم الكبير\" بسند صحيح، عن جبير بن مطعم قال: [كنا مع رسول الله - ﷺ - بالجحفة فخرج علينا فقال: أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وأحمد بسند حسن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كتابُ الله، هو حَبْلُ الله الممدود من السماء إلى الأرض] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم عن النبي - ﷺ - قال: [ألا وإني تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله ﷿، وهو حبل الله، ومن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. قال قتادة: (إن الله ﷿ قد كره لكم الفُرقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله).\nوقال أبو العالية: (﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، لا تعادوا عليه، يقول: على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانًا).\nقال الحافظ ابن كثير: (أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة. قال: وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ).\nقلت: وقد أشارت السنة الصحيحة إلى هذا الضمان، فيما أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويدُ الله على الجماعة] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني (١/ ٧٧/ ١)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١٦٥) نحوه.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٣٧٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه أحمد في المسند (٣/ ١٤، ١٧)، وانظر صحيح الجامع (٤٣٤٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٧/ ١٢٣)، وابن حبان (١٢٣ - شاكر).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٢٠٩/ ١)، والحاكم (١/ ١١٥ - ١١٦). وانظر تخريج المشكاة (١٧٣)، وصحيح الجامع (١٨٤٤).","vol":"2","page":91},{"text":"وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. قال ابن جرير: (واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام). والمقصود أن الجاهلية ونعراتها كانت قد أجهزت عليهم وفرقتهم وهي كذلك اليوم تفرق الناس وراء سبل الشياطين، ولا يجمعهم والله إلا هذا الدين.\nقال قتادة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم، وألّف به بينكم. أما والله الذي لا إله الا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب).\nوقال ابن إسحاق: (كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومئة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب ما كان بينهم. ثم إن الله ﷿ أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد - ﷺ -).\nيروي عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب] (١).\nوقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾.\nقال السدي: (يقول: كنتم على طرف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، فبعث الله محمدًا - ﷺ - فاستنقذكم به من تلك الحفرة). وقال حسن بن حيّ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾، قال: عصبية).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. يعني: لتهتدوا إلى سبيل النجاة والرشاد، فتسلموا في الدنيا، وتنجوا في الآخرة.\n١٠٤ - ١٠٩. قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٨)، ورواه عبد الله بن أحمد في \"الزوائد\" (٤/ ٣٧٥)، وإسناده حسن. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٦٧).","vol":"2","page":92},{"text":"الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يأمر سبحانه أن تَنْفِرَ أمةٌ من الأمة لحراسة الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا هلكت الأمة جميعًا. ثم يحذر سبحانه من الفرقة والاختلاف، ومغبة ذلك في الدنيا والآخرة، فإن أهل السعادة تبيَّض وجوههم يوم الحساب، وأهل الشقاوة تسوَّد وجوههم، وإلى الله المَلِكِ ترجع الأمور.\nفقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nقال الضحاك: (هم خاصة أصحابِ رسول الله، وهم خاصة الرواة). قال ابن كثير: (يعني المجاهدين والعلماء).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بهذا الأمر الإلهي المبارك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان] (١). وفي لفظ: \"وليس وراء ذلك من الإيمان حبّةُ خردل\".\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، عن حُذيفة بن اليمان، أن النبي - ﷺ - قال: [والذي نفسي بيده، لتأمُرُنّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكَنّ الله أن يبعث عليكم عِقابًا من عنده، ثم لتَدْعُنَّه فلا يستجيب لكم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بإسناد حسن عن عبيد الله بن جرير عن أبيه قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٩) وأحمد (٣/ ٢٠)، وأبو داود (١١٤٠) والترمذي (٢١٧٢)، والنسائي (٨/ ١١٢)، وابن ماجة (١٢٧٣)، وابن حبان (٣٠٦).\n(٢) حسن صحيح بشواهد: أخرجه الترمذي (٢١٦٩)، وأحمد (٥/ ٣٩١)، وحسنه الترمذي والألباني.","vol":"2","page":93},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: [ما من قوم يُعْمل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب] (١).\nوكذلك روى الإمام مالك في الموطأ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمرَ بن عبد العزير يقول: [كان يُقال: إن الله ﵎ لا يُعَذِّبُ العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جِهارًا استحقوا العقوبة كلهم].\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. نهيٌ عن سلوك سبيل الأمم الماضية التي فشا فيها التفرق في الدين وتشتيت الكلمة وتضييع العلم.\nوفي التنزيل: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. وفي المسند وسنن أبي داود بسند حسن عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ قال: [حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة، قام حين صلّى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين مِلّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلّة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة -وهي الجماعة- وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجَارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخله. والله -يا معشر العرب- لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم - ﷺ - لغَيْرُكُم من الناس أحرى أن لا يقوم به] (٢).\nوقوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يعني في الآخرة لقاء تفرقهم وتضييع دينهم.\nوقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. قال ابن عباس: (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودّ وجوه أهل البدعة والفُرْقة). والمقصود: يوم القيامة.\nوقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال الحسن: (هم المنافقون، كانوا أعطوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤٠٠٩). انظر صحيح ابن ماجة (٣٢٣٨). وانظر تخريج المشكاة (٥١٤٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٨٧) له وللأثر الذي بعده عن عمر بن عبد العزيز.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٤٥٩٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٠٢) وإسناده حسن. وله شواهد كثيرة.","vol":"2","page":94},{"text":"وقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: مقابل النفاق والجحود والاستهزاء بالدين.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال ابن جرير: (يعني: في جنته ونعيمها وما أعدّ الله لأهلها فيها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية).\nوقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾. يعني: مواعظ الله وعبره وحججه، نقرؤها عليك ونقصّها بالصدق واليقين يا محمد. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ﴾ أي: لا يظلم أيًّا من الفريقين، فهؤلاء بَيَّضَ وجوههم وكرّمهم برحمته وفضله لقاء ما أخلصوا له الدين، وهؤلاء سوّد وجوههم وانتقم منهم لقاء ما أجرموا ومكروا، فهو الحكم العدل الذي لا يجور.\nوفي صحيح أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكم] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر، عن رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: [قال الله تعالى: يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ..] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\nتقرير للحقيقة الكبيرة الخالدة، فمردّ الجميع إلى خالقهم وبارئهم ومليكهم الحق، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.\n١١٠ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٩٥٥). انظر صحيح سنن أبي داود (٤١٤٥). وأخرجه النسائي. انظر صحيح الجامع (١٨٤١)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣٨٩) لتفصيل أدلة الصفات.\n(٢) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٨٢٨).","vol":"2","page":95},{"text":"مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن كرامة هذه الأمة، وأنها أفضل الأمم إلى يوم القيامة، إذا قامت بمقتضى التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأنّ أهل الكتاب لو آمنوا بما أَنزل الله على محمد - ﷺ - مصدقًا لما معهم لكان خيرًا لهم، وقليل منهم المؤمنون. إنهم لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم، وهم أجبن الناس عند القتال، فقد كتب الله عليهم الذلة والهزيمة، وأنزل عليهم غضبه لقاء كفرهم وتجرئهم على أنبيائه بالقتل، ونشرهم الفساد والبغي في الأرض.\nفقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. قال مجاهد. (كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله).\nقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن مَيْسَرَة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: (خَيْرَ الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام).\nومفهوم كلام أبي هريرة أن إدخال الناس في الإسلام إنما هو رحمة لهم ونجاة من عذاب الله، فإنهم يقعون في الأسر أولًا بانتصار المسلمين، ثم يرون عظمة الإسلام ورحمته فيدخلون فيه، وكأنهم بهذه الصورة سيقوا إلى الجنة بالسلاسل.\nوفي مسند أحمد وجامع الترمذي بسند حسن عن معاوية بن حَيْدَة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنتم تُوفُّون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿] (١).\nوقد جاء في كثرة الداخلين الجنة من هذه الأمة أحاديث، يبدو منها أنهم يشكلون ثلثي أهل الجنة، وقسم كبير يدخلها بغير حساب ولا عذاب.\nالحديث الأول: في الصحيحين والمسند عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: [عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرُّهَيط، والنبي ومعه الرُّهيط، والنبي ومعه\n_________\n(١) صحيح بشواهد: أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٧)، وأخرجه الترمذي (٣٠٠١)، وقال: حديث حسن.","vol":"2","page":96},{"text":"الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفِعَ لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق. فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلّهم الذين صحبوا رسول الله - ﷺ -، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئًا. وذكرو أشياء، فخرج عليهم رسول الله - ﷺ -، فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه. فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عُكّاشة بن مِحْصَن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عُكَّاشة] (١).\nالحديث الثاني: في المسند وجامع الترمذي بسند جيد، عن أبي أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [وعدني ربي أن يُدخِلَ الجنة من أمتي سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا، لا حسابَ عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حَثَيات ربي ﷿] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: [قال لنا رسول الله - ﷺ -: أما ترضون أن تكونوا رُبُع أهل الجنة؟ . فكبَّرنا. ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة؟ فكبرنا. ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطْرَ أهل الجنة] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، عن ابن بُرَيدة عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: [أهل الجنة عشرون ومئة صف، هذه الأمة من ذلك ثمانون صَفًّا] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢٢٠)، وأحمد (١/ ٢٧١)، ولفظ \"لا يرقون\" تفرد به مسلم دون البخاري وهو غريب، فإن صحّ فالمعنى لا يرقون برقية الجاهلية، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه (٦٤٣٠).\n(٢) حديث إسناده جيد. أخرجه الترمذي (٢٤٣٧)، وأحمد (٥/ ٢٦٨)، وابن أبي عاصم (٥٨٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٢٨)، ومسلم (٢٢١)، وأحمد (١/ ٣٨٦)، وغيرهم.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٥٥) من حديث بريدة، والترمذي في الجامع (٢٥٤٦)، وابن ماجة في السنن (٤٢٨٩)، وغيرهم.","vol":"2","page":97},{"text":"والخلاصة: هذه الأمة هي أمة الخيرية، وأمة الشهادة على الناس، وأمة الوسطية، فمن التزم الشرط الذي ذكره الله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ دخل في هذا الثناء العطر لهذه الأمة. قال عمر بن الخطاب: (من فعل فعلهم كان مثلهم). وقال قتادة: (بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حَجَّة حَجَّها، رأى من الناس دَعَة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها) ذكره ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾. يعني: بما أنزل الله على محمد - ﷺ - مصدقًا لما معهم. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال قتادة: (ذم الله أكثر الناس). والمراد: أن قلة منهم ستؤمن بما أنزل إليكم، وأكثرهم يتابعون على الفسق والضياع والانحراف.\nوقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. قال قتادة: (لن يضروكم، إلا أذى تسمعونه منهم). وقال الحسن: (تسمعون منهم كذبًا على الله، يدعونكم إلى الضلالة). وقال ابن جريج: (إشراكهم في عُزير وعيسى والصَّليب).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. كناية عن انهزامهم وجُبْنهم أثناء القتال، وتولية ظهورهم يركبون الفرار، وقد كتب الله عليهم الذل وأيد المؤمنين بنصره عليهم.\nقال ابن كثير: (وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كَسَرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم مُلْكَ الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى بن مريم، وهم كذلك، وَيَحْكُم بملة الإسلام وشرع محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام).\nوقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.\nقال الحسن: (أذلهم الله فلا مَنْعةَ لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين).\nوقال السدي: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس). قال عطاء: (العهد حبلُ الله).","vol":"2","page":98},{"text":"والمعنى: ألزمهم الله الذلة والصغار فلا يأمنون إلا بذمة من الله -وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم- وذمة من الناس- أي أمان لبعضهم إذا أمّنه واحد من المسلمين، أو ما يكون حال المهادنة والأسر.\nوقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. أي: تحمّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقِّيه.\nوقوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. أي: ألزموها. قال ابن جرير: (ومعنى المسكَنة: ذل الفاقة والفقر وخشوعهما).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: إنما قضى عليهم ما قضى من الذل والهزيمة لقاء كفرهم وتجرئهم على الأنبياء بالقتل حسدًا منهم وبغيًا في الأرض وحبًا للكبر.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. قال قتادة: (اجتنبوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلِكَ مَنْ أُهلك قبلكم من الناس).\n١١٣ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أن من أهل الكتاب أمة قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، آمنوا بمحمد - ﵁ - مع إيمانهم برسلهم وما أنزل من قبل، يقومون الليل ويتلون القرآن وهم من الصالحين. وما يفعلوا من خير فهو محسوب لهم والله عليم بالمتقين. إن أموال الكفار وأولادهم لن تدفع عنهم عذاب النار يوم القيامة. وإنما مثل ما ينفقون في هذه الدنيا من أموال وما يعملون من أعمال ظاهرها البر والصلاح كمثل زرع أهلكته الريح، فإن الله لا يقبل مع الشرك شيئًا.","vol":"2","page":99},{"text":"وقد جاء في أسباب النزول لما تقدم من الآيات في أهل الكتاب حديثان صحيحان:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وابن حبان بسند حسن عن ابن مسعود قال: [أخّر رسول الله - ﷺ - صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم. قال فنزلت هذه الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ -إلى قوله-: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾] (١).\nفوصف الله تعالى أمة محمد - ﷺ - بأنهم يصلُّونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله.\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني ورجاله ثقات، عن ابن عباس ﵁ قال: [لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود أهل الكفر: ما آمن بمحمد وتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله ﷿ في ذلك من قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢).\nقال السدي: (﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قائمة).\nقلت: ولا شك أن من آمن من أهل الكتاب وصدق بمحمد - ﷺ - فقد صار من أمته، وهم بذلك داخلون في الثناء العطر على أهل التلاوة والقيام والإيمان.\nولذلك قال: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. أي: من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها سجود هذه الأمة المعروف في صلاتها.\nوقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٩٦)، وصححه ابن حبان (١٥٣٠)، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٩٣)، وأخرجه أبو يعلى (٥٣٠٦). وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" -الوادعي- سورة آل عمران، آية (١١٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني ورجاله ثقات. انظر المرجع السابق، سورة آل عمران (١١٣).","vol":"2","page":100},{"text":"أي: يقرون بالله ويصدقون بالبعث ويأمرون بالمعروف الذي جاء في الشرع، وأعلاه التصديق بمحمد - ﷺ -، وينهون عن المنكر ومنه التكذيب بمحمد - ﷺ -، وهم مسارعون في العمل الصالح لنيل مرضاة الله سبحانه واللحاق بالصالحين وهم أصحاب محمد - ﷺ - في الجنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.\nأي: وما تفعل هذه الأمة من خير وبر وعمل صالح، فلن يبطل الله ثوابه، فهو أعلم بمن اتقاه وحرص على رضاه.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.\nأي: لن تدفع الأموال والأولاد شيئًا من عذاب الله مقابل الكفر، ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: فإن من مات على الكفر ألزم صحبة النار الدائمة، ولا يقبل الله مالًا ولا رشوة ولا أحدًا يفتدي به من العذاب.\nوقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال مجاهد: (نفقة الكافر في الدنيا).\nوقوله: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾.\nقال السدي: (يقول: كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صر، أصابته فأهلكته، فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شِرْكهم).\nوالصر: شدة البرودة. قال ابن عباس: (برد شديد وزمهرير). وقال الضحاك: (ريح فيها برد). والمقصود: إبطال الله أجر ما ينفق هؤلاء الكفار في هذه الحياة الدنيا من أعمالٍ ظاهرها البر والصلاح ما داموا لم يقروا لله بالتوحيد، وللنبي - ﷺ - بالأسوة والرسالة والمتابعة.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذأ أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٠٨) ح (٥٦)، ح (٥٧). ورواه أحمد في المسند بلفظ مقارب. انظر صحيح الجامع الصغير (١٨٤٩).","vol":"2","page":101},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ردٌّ لما نزل بهم إلى صنيعهم، فإن الله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة، بل الكافر هو الظالم لنفسه، الموردها هلاكها.\n١١٨ - ١٢٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يُحذِّر الله تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسهم من دون أهل دينهم وملتهم، يطلعونهم على سرائرهم ليجهد هؤلاء المنافقون في المكر والخديعة وإلحاق الأذى بالمؤمنين. ها أنتم تحبون التقرب من هؤلاء الكفار، وهم يبادلونكم العداوة والغش والبغضاء، ويتآمرون مع المنافقين عليكم، فيحسدونكم على كل خير ينزل بكم، ويشمتون عند كل نازلة ومصيبة تلحق بكم، وإن تصبروا وتحتسبوا عند الله لا يضركم كيدهم، والله بما تعملون محيط.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. - إنما جعل البطانة مثلًا لخليل الرجل، فهو لشدة قربه منه يشبه ما ولي بطنه من ثيابه، في اطلاعه على أسراره.\nقال قتادة: (نهى الله ﷿ المؤمنين أن يستدخلوا المنافقين، أو يؤاخوهم، أو يتولوهم من دون المؤمنين).\nوقوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. أي: لا يدعون جهدهم لإيقاع الفساد فيكم.\nوقوله: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. قال ابن جريج: (يقول في دينكم، يعني: أنهم يودون أن تعنتوا في دينكم). قال القرطبي: (﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: أي ودوا عنتكم، أي: ما يشق عليكم. والعنت المشقة).","vol":"2","page":102},{"text":"وقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال قتادة: (قد بدت البغضاء من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، من غشهم للإسلام وأهله، وبغضهم إياهم).\nوقوله: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. قال الربيع: (يقول: ما تكنُّ صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم).\nثم قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أيها المؤمنون، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عن الله مواعظه وأمره ونهيه ومواقع النفع لكم.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بالتحذير من بطانة السوء وتوضيح بعض معالم مفاهيم السياسة الشرعية والعلاقات الدولية. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - قال: [ما اسْتُخْلِفَ خليفةٌ إلا لهُ بطانتانِ: بِطانةٌ تأمُرُه بالخير وتحضُّهُ عليه، وبطانةٌ تأمُرُهُ بالشر وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصم الله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: لا تراءى ناراهما] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن سمرة بن جندب: [أما بعد، قال رسول الله - ﷺ -: من جامَعَ المُشْرِكَ، وسَكَنَ مَعَهُ، فإنه مثله] (٣).\nوقوله: \"من جامع المشرك\" أي: بحيث يصير أكيله وقعيده وشريبه، وقوله: \"وسكن معه\" أي في ديار الكفار، فإن كان للكفار وجود في ديار الإسلام، فالحكم يبقى كذلك، لا بد من الولاء والبراء.\nأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن الدهقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٦١١)، كتاب القدر، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٩)، والنسائي (٧/ ١٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود. انظر صحيح أبي داود (٢٣٠٤)، كتاب الجهاد، الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٧٨٧)، كتاب الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك.","vol":"2","page":103},{"text":"إن هاهنا غلامًا من أهل الحيرة، حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبًا؟ فقال: (قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين).\nوقوله: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم، بل يبطنون لكم العداوة والغش).\nوقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾. قال ابن عباس: (أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم، منهم لكم).\nوقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾. قال قتادة: (إذا لقوا المؤمنين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك، ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه. لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، فهم كما نعت الله ﷿).\nوالأنامل: جمع \"أنْمُلَة\". قال السدي: (الأصابع). وقال قتادة: (أطراف الأصابع). والمقصود: عضوا على أصابعهم تغيظًا من قوة المسلمين وتمنيًا لإفساد شوكتهم.\nوقوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء الحُسّاد -من اليهود وأمثالهم من أهل الكتاب والمشركين- موتوا غيظًا لما رأيتموه من شوكة المؤمنين واجتماع كلمتهم وائتلاف جماعتهم، فإن الله مع المؤمنين يؤيدهم بنصره وعونه، وهو ذو علم بما تخفيه صدور العالمين، من المنافقين والمؤمنين.\nوقوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾. قال الربيع: (هم المنافقون، إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظًا شديدًا وساءهم. وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرفٌ من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به. قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.","vol":"2","page":104},{"text":"١٢١ - ١٢٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن يوم أحد حين غدا النبي - ﷺ - يجهز منازل المؤمنين لخوض القتال، وهو سبحانه سميع للحوار الذي جرى بين نبيّه وبين أصحابه، عليم بسداد رأي النبوة في البقاء بالمدينة والتحصن بها. ثم تذكيره -تعالى- بتخاذل المنافقين حتى كادت فئتان من المؤمنين أن تجبنا لولا تثبيت الله لهم. ثم تذكيره -تعالى- المؤمنين بيوم بدر إذ نصرهم وهم قلة ليتقوا الله ولعلهم يشكرون.\nفقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾.\nيخبر تعالى في هذه الآية عن يوم أحد، وكانت يوم السبت من شوال سنة ثلاث للهجرة. قال قتادة: (لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال). وقال عكرمة: (يوم السبت للنصف من شوال)، والله أعلم.\nقال قتادة: (﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، ذلك يوم أحد، غدا نبيُّ الله - ﷺ - من أهله إلى أحد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال).\nوقال مجاهد: (مشى النبي - ﷺ - يومئذ على رجليه يبوئ المؤمنين).\nوقال ابن هشام: (تبوئ المؤمنين: تتخذ لهم مقاعد ومنازل).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: سميع للحوار الذي جرى بينك وبين أصحابك يا محمد، عليم أن رأيك بالبقاء والتحصن في المدينة أصوب وأدق.\nوكان النبي - ﷺ - قد رأى رؤيا تشير إلى هزيمة وقتل يقع في أصحابه، ورأى أنه في درع حصينة فأوَّلَها المدينة.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [رأيت في رؤياي أني هززت سيفًا فانقطع صَدْرُه، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته بأخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا والله خيرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير","vol":"2","page":105},{"text":"وثوابِ الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر] (١).\nوفي رواية أحمد: [ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة] (٢).\nويروي الطبري بسندٍ حسن مرسل عن قتادة: [فقال ناس من أصحابه من الأنصار: يا نبي الله، إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع من الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع منه فابرز إلى القوم، فانطلق رسول الله - ﷺ - فلبس لأمته -وهي الدرع الحصينة وأداة الحرب-، فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله - ﷺ - بأمر وعرضتم بغيره، فاذهب يا حمزة فقل لنبي الله - ﷺ -: أمرنا لأمرك تبع. فأتى حمزة فقال له: يا نبي الله إن القوم قد تلاوموا فقالوا. أمرنا لأمرك تبع. فقال رسول الله - ﷺ -: إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز] (٣).\nثم ذَكَّر سبحانه بتخاذل بعض الجيش من المنافقين حتى كادت فئتان من المؤمنين أن تجبنا وتفكرا في الرجوع، فعصمهم الله وثبتهم، فقال جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال قتادة: (وذلك يوم أحد، والطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار).\nأخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: [نزلت هذه الآية فينا: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: والله وليهما] (٤).\nفهؤلاء همّوا بالرجوع لَمَّا أحدث المنافق عبد الله بن أُبي الخلل في الصفوف، فرجع بأهل النفاق إلى المدينة، فعصم الله بني سلمة وبني حارثة من الوقوع والزلل، وثبتهم حين جَبُنا عن لقاء العدو، وأعطى الله الأمة بذلك درسًا كبيرًا، أن من أصابه ضعف فليتوكل على الله، وليتذكر عظمته وجبروته، فإن ذلك يعينه على تجاوز الضعف والكسل، ويقوي نيّته وعزيمته.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠٨١)، كتاب المغازي. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٢/ ٦٥٨)، لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧١)، وانظر المرجع السابق.\n(٣) حسن لشواهده انظر تفسير الطبري (٧/ ٣٧٢)، وله طرق عند البيهقي وأحمد تقويه، فقد، رواه أحمد ووصله من حديث جابر. انظر كتابي: السيرة النبوية (١/ ٦٥٨ - ٦٥٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠٥١) في المغازي، وأخرجه مسلم (٢٥٠٥) في فضائل الصحابة، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.","vol":"2","page":106},{"text":"ثم ذَكَّرَ الله سبحانه المؤمنين بيوم بدر، إذ كانوا قلة فأضعف أعداءهم، وأمدّهم بالملائكة المسوِّمين، أي المُعْلَمين، وعوض النقص بالعدد والعدة بهم. فقال جلَّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي).\n١٢٤ - ١٢٩. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن يوم بدر وما كان من مشاركة الملائكة المؤمنين النصر، ونزول البشرى والطمأنينة والظفر. ثم وعدهم سبحانه وعدًا مماثلًا، يوم أحد، إن يصبروا ويصدقوا الاتباع والتقوى، فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. ليقطع طرفًا من المشركين فينتقم منهم أو يخزيهم بالخيبة والرجوع أذلاء صاغرين. إنه ليس لك -يا محمد- من الأمر شيء، فلو شاء الله لهداهم أو أخزاهم، فلا تستبعد إنابتهم، فقلوبهم بيد مالك السماوات والأرض العزيز الغفور الرحيم.\nقال الحسن: (﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾، قال: هذا يوم بدر). وقال ابن إسحاق: (كانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضًا). ولا تعارض مع قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ -إلى قوله-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فإن قوله ﴿مُرْدِفِينَ﴾ أي: يَرْدَفُهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم، فالتنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، ذكره ابن كثير. وبعض المفسرين ذهب أن الآية في يوم أحد، والتفسير الأول الذي ذكرناه أقرب، وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير.","vol":"2","page":107},{"text":"ثم وعدهم سبحانه وعدًا مماثلًا يوم أحد، أنهم إن يصبروا ويتقوا الله ويصدقوه الإيمان والقتال، ويأتيهم كفار قريش وتُبّاعهم ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾، وهو ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم ببدر، يمددهم الله بخمسة آلاف من الملائكة الكرام، يقاتلون معهم في سبيل الله، ويقذفون الرعب في صفوف المشركين ويفرقوهم ويمزقوهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ له تأويلان عند المفسرين:\nالتأويل الأول: ما ذكره مجاهد، قال: (من غضبهم هذا). يعني الكفار يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا.\nوالتأويل الثاني: ما ذكره قتادة، قال: (من وجههم هذا) والمراد يوم بدر، إذ همّ كرز بن جابر وأصحابه بنصرة المشركين.\nقال أبو جعفر: (وأصْلُ الفَوْر: ابتداء الأمر يؤخذ فيه ثم يوصل بآخر).\nوفي لغة العرب: فارت القدرُ فورًا وفورانًا إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل.\nويُقال: مضيت إلى فلان من فوري هذا: أي من وجهي الذي ابتدأت فيه.\nولم يحصل المدد يوم أحد لعدم الصبر ومخالفة الأمر، على العكس من يوم بدر، وكنتم أيها المؤمنون يومئذ أحوج ما تحتاجون إلى مدد الملائكة وتأييدهم، لتطمئن بذلك قلوبكم، وتسكن بذلك نفوسكم، فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، ليقطع طرفًا من الذين كفروا (أي طائفة) قتلهم يوم بدر، وكانوا صناديدهم وقادتهم.\nقال قتادة: (فقطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤساءهم وقادتهم في الشر).\nوقأل الحسن: (هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة).\nوقال ابن إسحاق: (أي ليقطع طرفًا من المشركين بقتل ينتقم به منهم).\nوقطع طرفًا آخر منهم يوم أُحد، إذ قُتل منهم بضع وعشرون من قادتهم وفرسانهم. قال السدي: (ذكر الله قتلى المشركين -يعني بأحد- وكانوا ثمانية عشر رجلًا فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ثم ذكر الشهداء فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية). في حين فصّل ابن إسحاق وابن هشام في السيرة أسماء القتلى من مختلف بطون المشركين.","vol":"2","page":108},{"text":"قال ابن إسحاق: (فجميع من قتل الله ﵎ يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلًا).\nثم قال سبحانه: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. أي: يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر بكم أيها المؤمنون سواء يوم بدر إذ رجعوا فَلَّا منهزمين، أو يوم أحد إذ لم يصيبوا شيئًا مما رجوا وكانوا يأملون.\nفعن قتادة: (قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يقول: يخزيهم).\nوقد تجلّى هذا الكبت والخزي لجيش مكة وقادته في الأمور التالية:\nأولًا: إن جيش المدينة بقي صامدًا، إذ لم يلتجئ المقدار الكبير منهم إلى الفرار رغم الارتباك الذي حصل، والفوضى التي عمت وسرت، بل قاوم ببسالة وشجاعة واستماتة حتى تجمع حول مقر قيادته والتف حولها، ولم تسقط كفته إلى حد يطارده جيش المشركين.\nثانيًا: إن جيش المدينة لم يقع أحد منهم في الأسر، رغم الطوق الحديدي الذي فرضه عليهم فرسان مكة وجنودها الغاضبون.\nثالثًا: لم يحصل كفار مكة على شيء من غنائم المسلمين رغم تطور الأحداث لصالحهم في بعض مراحل القتال.\nرابعًا: لم ينهض كفار مكة إلى الصفحة الثالثة من القتال، مع أن جيش المسلمين لم يزل في معسكره أمام أعينهم وعلى مدّ أبصارهم.\nخامسًا: ومغادرة المشركين أرض المعركة فورًا، إذ لم يقيموا بها يومًا أو يومين أو ثلاثة كعادة المنتصر في ذاك الزمان، مما يشير إلى خوف ورعب قد ملأ قلوبهم، وخشية من تطور مفاجئ للأحداث لا يمضي لصالحهم.\nسادسًا: عدم اجترائهم على دخول المدينة لنهب أموالها وسبي ذراريها ونسائها، رغم أنها كانت على خطوات قريبة منهم، وكانت مفتوحة أمام تقدمهم لو أرادوا.\nفكل هذه المعاني والآفاق داخلة في مفهوم قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. فقد انسحب أبو سفيان من ساحة المعركة بسرعة كبيرة، خشية صفحة ثالثة من القتال، تكون فيها المعرة والهزيمة، وتستأنف فيها الفئة المؤمنة شجاعتها وتألقها المعهود.\nومع ذلك يا محمد، ليس لك من الأمر شيء، فلو شاء الله لهداهم أو أخزاهم،","vol":"2","page":109},{"text":"فهو سبحانه أعلم بقلوبهم ومستقبلهم، وقد كان النبي - ﷺ - يستبعد إنابتهم لما أدموه.\nروى مسلم في صحيحه عن أنس: [أن رسول الله - ﷺ - كُسرت رباعيته يوم أحد، وشجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيّهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾] (١).\nوقد جاء في أسباب نزول هذه الآية أحاديث أخرى صحيحة، مما قد يدل على تعدد الحادثة التي تنزل فيها بعض آيات القرآن.\nالحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة: [أن الرسول - ﷺ - كان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا لأحياءٍ من العرب، حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾] (٢).\nوفي لفظ عند مسلم: (اللهم العن رِعْلًا وذكوان وعصية).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في التفسير عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: [كان رسول الله - ﷺ - يدعو على صفوانَ بن أمية، وسهيلَ بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ -إلى قوله- ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن الزُّهري، حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: \"اللهم العَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا\". بعدما يقول: \"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد\". فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ -إلى قوله- ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾] (٤).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: جميع ما بين أقطار السماوات\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٧٩١)، وعلقه البخاري بإثر (٤٠٦٨) ووصله مسلم كما سبق، ورواه أحمد (٣/ ٩٩)، (٣/ ٢٥٣)، والترمذي (٣٠٠٢)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٥٦٠)، وصحيح مسلم (٦٧٥)، ومسند أحمد (٢/ ٢٥٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٠٧٠) - كتاب المغازي، وكذلك (٤٥٥٩) - كتاب التفسير. ورواه أحمد (٢/ ٩٣)، (٢/ ١٠٤)، والترمذي (٣٠٠٥)، وله شواهد كثيرة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٠٦٩)، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" -الوادعي- سورة آل عمران، آية (١٢٨).","vol":"2","page":110},{"text":"والأرض داخل في ملكه سبحانه وتحت تصرفه، وأهلهما عبيد بين يديه. ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فمردّ الأمر له وحده لا شريك له، إن شاء غفر وستر، وإن شاء فضحَ ونشر، فلا يسأل عما يفعل. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن إسحاق: (أي يغفر الذنوب، ويرحم العباد، على ما فيهم).\n١٣٠ - ١٣٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الله تعالى المؤمنين يخبرهم أن الربا من أمر الجاهلية ليحذروه، وأن طاعة الله ورسوله سبيل النجاة والنصر والسعادة في الدارين. ثم يحثهم سبحانه على المسارعة بالاستغفار والإنفاق وكظم الغيظ والإحسان، واجتناب الفواحش والظلم والآثام، ليكونوا من أهل الخلود في الجنان.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.\nقال ابن إسحاق: (أي لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم).\nوقال مجاهد: (قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾، قال: ربا الجاهلية).\nوقال عطاء: (كانت ثقيف تدّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخرون؟).\nوقال ابن زيد: (كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن.","vol":"2","page":111},{"text":"يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حلّ الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوّله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًّا، ثم هكذا إلى فوق، وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين. فإن لم يكن عنده جعلها أربِع مئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.\nوقد يسأل سائل: ما علاقة آية الربا بمعركة أحد، إذ تخللت هذه الآية فجأة بين آيات وصف المعركة!؟\nوالجواب والله المستعان: كأن الله سبحانه يقول للمؤمنين الذين قاتلوا يوم أحد: كما أن الربا من أمر الجاهلية فيه تجاوز للحق، فكذلك ما حصل يوم أحد حينما عصى بعضكما أمر الرسول وغادروا المواقع فيه تجاوز للحد، فالربا فيه تجاوز للحد وكذلك معصية إلرسول، وكلاهما محرم ممنوع.\nوهذا التفسير من ربط الربا بالحديث عن المعركة وآلام بعض مواقفها والحث على الطاعة مما لم أقف عليه في التفاسير، وأظنه من فتح الله وإلهامه وتوفيقه، وهو ﷾ أعلم.\nوقد ذكر الإمام القرطبي في التفسير عند هذه الآية نكتة بديعة أخرى حيث قال: (وإنما خصّ الربا من بين سائر المعاصي، لأنه الذي أذن فيه بالحرب في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والحرب يؤذن بالقتل، فكأنه يقول: إن لم تتقوا الربا هُزِمتم وقتلتم. فأمرهم بترك الربا، لأنه كان معمولًا به عندهم والله أعلم).\nثم أمرهم سبحانه باستئناف حياة الطاعة لله والرسول والمسارعة إلى طلب المغفرة والأعمال الموصلة إلى الجنان ونعيم الآخرة، فإنما ينفعكم أيها المؤمنون أن تسارعوا إلى مغفرة من الله ورضوان وجنات فيها نعيم مقيم، وأن تخبتوا له سبحانه ولا تصروا على الزلل ومعاودة السقوط، وترفقوا بالناس إذا زلوا كما زللتم أو ضعفوا كما ضعفتم.\nفقوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه أكثر من تأويل متقارب في المفهوم:\nالأول: المسارعة إلى الصلوات المفروضة والنوافل. فعن أنس بن مالك ومكحول قالا: (معناه إلى تكبيرة الإحرام).","vol":"2","page":112},{"text":"الثاني: المسارعة إلى المساجد لأداء الفرائض. فعن علي بن أبي طالب قال: (إلى أداء الفرائض).\nالثالث: المسارعة إلى الإخلاص والتقوى. روي ذلك عن عثمان بن عفان.\nالرابع: المسارعة إلى التوبة من الربا. ذكره القرطبي.\nالخامس: المسارعة إلى الصدق والثبات في القتال. ذكره القرطبي.\nثم ذكر سبحانه بعض أبواب الخير الموصلة للنعيم والحور العين والخلود في جنات عدن، فذكر البذل والإنفاق في سبيل الله وكظم الغيظ والعفو عن الناس.\nفعن ابن عباس قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ يقول: (في العسر واليسر). قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه. يقال منه: كظم فلان غيظه، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بمدح الكاظمين الغيظ والخازنين ألسنتهم وغضبهم، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد وأصحاب السنن بسند حسن، عن معاذ بن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [من كظَمَ غَيظًا، وهو قادر على أن يُنْفِذَه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيِّرَه من الحور العين، يزوجه منها ما شاء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، من حديثا ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما تَعُدّون الصرعة فيكم؟ قال: قلنا: الذي لا تَصْرَعُه الرجال. قال: لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩)، وأحمد (٢/ ٢٣٦) وغيرهم.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد، وأبو داود (٤٧٧٧)، كتاب الأدب، ورواه ابن ماجة (٤١٨٦)، وبقية أهل السنن. انظر تخريج المشكاة (٥٠٨٨)، وصحيح الجامع الصغير (٦٣٩٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٣٠)، وأحمد (١/ ٣٨٢)، وإسناده على شرط الشيخين.","vol":"2","page":113},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: [الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعةِ الذي يَغْضَبُ فيشتَدُّ غضبُهُ ويحمرّ وجهُهُ ويقشَعِرّ شعرُهُ فيصرَعُ غضبه] (١).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن جارية بن قُدامة السعدي: [أنه سأل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله قل لي قولًا ينفعني وأَقْلِلْ عليّ، لَعَلّي أعيه. فقال رسول الله - ﷺ -: لا تغضب. فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: لا تَغْضب] (٢).\nالحديث السادس: أخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن عمر: [ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضًا يوم القيامة] (٣).\nوله شاهد عند أبي يعلى من حديث أنس، قال رسول الله - ﷺ -: [من كفّ غضبه كفّ الله عنه عذابه، ومن خَزَنَ لسانَه ستر الله عَوْرتَه، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عُذْرَه] (٤).\nثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال السدي: (أما الفاحشة فالزنا). وقال إبراهيم: (الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم). وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال قتادة: (فإياكم والإصرار، فإنما هلك المصرّون الماضون قُدُمًا، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرَّمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك).\nوقال الحسن: (إتيان العبد ذنبًا إصرارٌ، حتى يتوب).\nوقال السدي: (أما ﴿يُصِرُّوا﴾ فيسكتوا ولا يستغفروا).\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج الترغيب (٣/ ٢٧٨)، وصحيح الجامع الصغير (٣٧٥٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٤)، والحاكم (٣/ ٦١٥)، وابن حبان (٥٦٨٩) من حديث جارية بن قدامة السعدي، وسنده صحيح.\n(٣) حديث حسن. وهو جزء من حديث طويل، رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٢٠٩/ ٢)، وابن أبي الدنيا في \"قضاء الحوائج\" (ص ٨٠) رقم (٣٦). وانظر صحيح الجامع (١٧٤).\n(٤) حديث حسن. انظر مسند أبي يعلى (٤٣٣٨)، والمجمع برقم (١٣٧٠٨) من حديث أنس.","vol":"2","page":114},{"text":"أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين، الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (١).\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري). وقال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه من تاب تاب الله عليه).\nفكأنه يخاطب سبحانه أهل أحد بقوله: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا معصية الرسول والوقوع في مخالفته، وسارعوا إلى المغفرة والصدقة والعمل الصالح لتتجاوزوا ما حصل، وإياكم والإصرار على الذنب، فإن ذلك من الكبائر، وليكن ما حصل لكم يوم أحد مصدر رحمة يحملكم على رحمة الناس إذا ما وقعوا أو زلوا، فتتجاوزون عن هفواتهم، وتكظمون الغيظ عنهم، لتنالوا بذلك عفو الله ورضوانه.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. أي: جزاؤهم على هذه الصفات التي اتصفوا بها المغفرة والجنات، تجري تحتها الأنهار من ألوان المشروبات، ماكثين فيها أبدًا لا يحولون عنها.\nوقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: أي: نعم المستقر للعاملين المجدين، وهي أرض الجنة وما زينها الله به، وما هيأها لأحبابه وأوليائه، ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n١٣٧ - ١٤٣. قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٥)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٨٠). وانظر صحيح الجامع الصغير (٩١٠)، من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا.","vol":"2","page":115},{"text":"الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول تعالى ذكره: يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، قد مضت وسلفت سنن من الله في أقوام نوح وصالح وهود ولوط، وغيرهم من سُلَّاف الأمم قبلكم، من آمن منهم مثلكم ومن كفر، ثم كان الدمار والهلاك على من كذبوا رسلي، وسخروا بوحيي، فذاقوا غِبَّ خلافهم أمري. فلا تضعفوا ولا تهنوا ولا تأسوا على ما فاتكم، فلكم العاقبة والظهور إن صدقتم وآمنتم بنبيي، وإن كان نزل بكم جراح وألم فقد أصاب عدوّكم مثلُ ذلك، وهي السنن يصرفها الله بين عباده، والجنة تحتاج إلى جهاد وصدق لتبلغوها. لقد كنتم تتمنون الموت قبل لقائه فاصدقوا الله إذ رأيتموه ولا تجبنوا فتنقلبوا خاسرين.\nوعن الربيع: (قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ قال: إن كان أصابكم قرح فقد أصاب عدوكم مثله، يعزي أصحاب محمد - ﷺ -، ويحثهم على القتال).\nوقال مجاهد: (القرح: جراح وقتل).\nوفي لغة العرب: أدال الله فلانًا من فلان إذا ظفر به. قال ابن إسحاق: (قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: نصرفها للناس للبلاء والتمحيص).\nوقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال ابن عباس: (في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء).\nوقوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: ليميز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة). أي: ممن يبذلون مُهَجَهُم في سبيل الله ومرضاته.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. أي: الذين ظلموا أنفسهم بمعصيتهم ربهم. قال ابن إسحاق: (أي: المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرة على المعصية).\nوقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال مجاهد: (ليبتلي). وقال ابن إسحاق:","vol":"2","page":116},{"text":"(أي: يختبر الذين آمنوا، حتى يخلّصهم بالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صَبْرهم ويقينُهم).\nوقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (ينقصهم). وقال الحسن: (يمحق الكافر حتى يكذِّبه). والمقصود ينقصهم ويفنيهم.\nوقال سلمة عن ابن إسحاق: (أي: يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. يعني: هل حسبتم أن ترثوا الجنة دون ابتلاء في قتال وجهاد أو شدائد ومصائب، كما قال تعالى في آية البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾. وكقوله في سورة العنكبوت: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. فلا بد من الفتنة ولا بد من الصبر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. تذكير من الله لهم بأيام الرخاء، والتسابق في الحديث عن الجهاد وتمني الموت في سبيل الله، وإنما يظهر الصدق عند اللقاء والتحام الصفوف.\nوفي الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تتمنّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف] (١).\nوقوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. قال مجاهد: (غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر. فلما كان يوم أحد، ولّى من ولّى منهم، فعاتبهم الله).\nوقال ابن إسحاق: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلّى بينكم وبينهم، وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٩٦٦)، ومسلم (١٧٤٢)، وأبو داود (٢٦٣١)، وغيرهم.","vol":"2","page":117},{"text":"١٤٤ - ١٤٨. قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾.\nفي هده الآيات: يقول جل ثناؤه: إنكم إنما تقاتلون من أجل دين الله سواء بقي محمد فيكم أو مات، ومن ثم فإن الشجاعة أثناء القتال لا تقصر الأعمار، وكذلك الجبن والفرار لا يزيد فيها، وأكثر الأنبياء من قبل قاتل معهم أتباعهم وحواريوهم وجنودهم، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا بل كانوا من الصابرينَ، فتأسوا بهم واستغفروا الله واسألوه الثبات والنصر، فإنه ينصركم كما نصرهم على القوم الكافرين، ويؤتيكم ثواب الدنيا والآخرة وهو سبحانه يحب المحسنين.\nأخرج البخاري عن عائشة: [أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس مِن مَسْكَنِه بالسُّنْح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمَّمَ رسول الله - ﷺ - وهو مُغَشَّى بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه وقبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي. والله لا يجمع الله عليك مَوْتَتَيْن، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها. قال الزهري: وحدثني أبو سلمة، عن ابن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يُكلِّم الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ - إلى قوله - ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا","vol":"2","page":118},{"text":"أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلقّاها منه الناس كلُّهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. وأخبرني سعيد بن المسيِّب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقُرت حتى ما تُقِلّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. أي: لا يفارق أحد هذه الدنيا إلا في يومه الذي كتبه الله له، وفي الأجل الذي أراد الله له استيعابه.\nأخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (٢).\nوفي التنزيل: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١].\nقال ابن كثير: (وهذه الآية - يعني آية آل عمران - فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقصُ من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العَبْدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهْبَان قال: قال رجل من المسلمين - وهو حُجْر بن عَدِيّ -: ما يمنعكم أنْ تَعْبروا إلى هؤلاء العدوّ هذه النطفة - يعني دجلة - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرسه دجلة. فلما أقحم أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان. فهربوا).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. قال ابن إسحاق: (أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما وعده، مع ما يُجرى عليه من رزقه في دنياه).\nوقوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. أي: سنعطيهم من رزقتا ورحمتنا وذلك حسب أعمالهم، وذلك في الدنيا وفي الآخرة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٥٣)، (٤٤٥٤)، في كتاب المغازي من صحيحه.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" من حديث أبي أمامة ﵁. انظر تخريج المشكاة (١٥)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٠٨١).","vol":"2","page":119},{"text":"ثم قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.\nالمعنى: أكثر الأنبياء من قبل قاتل معهم أتباعهم وحواريوهم وجنودهم، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا بل كانوا من الصابرين، فتأسوا بهم وبمنهاجهم.\nوالربيون: هم من يعبدون الربّ واحدهم ربِّي، ذكره نحويو البصرة، وأما نحويو الكوفة فقالوا: هم العلماء والألوف، وأما أهل التفسير فقد ذكروا أكثر من معنى:\nالأول: الربيون هم الجموع. قال ابن عباس: (ربيون كثير: جموع كثيرة).\nالثاني: الربيون هم العلماء. قال ابن عباس أيضًا: (ربيون كثير: علماء كثير).\nالثالث: الربيون هم الفقهاء. قال الحسن: (فقهاء علماء).\nالرابع: الربيون هم الأتقياء الصابرون. قال ابن المبارك: (أتقياء صُبُر).\nالخامس: الربيون هم الأتباع. ذكره ابن جرير.\nوجملة القول: إن كثيرًا من الرسل قاتلوا في سبيل الله، وقاتل معهم أتباعهم، من الأتقياء والصابرين والفقهاء والعلماء والجموع الكثيرة المؤمنة، فما عجزوا ولا نكلوا عن جهاد أعدائهم، وما انهزموا حين أصابهم الألم والقتل، بل ثبتوا أثناء القتال وما فروا من عدوهم، فهؤلاء هم الأسوة لكم يا أصحاب محمد من بين الأمم.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال ابن عباس: (خطايانا). وقال مجاهد: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾، خطايانا وظلمنا أنفسنا).\nوقوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. أي: عند لقاء عدونا. ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي وانصرنا على القوم الذين جحدوا وحدانيتك ونبوة نبيك، وارتضوا بتحكيم مناهج الأهواء والشهوات بدلًا من منهاج الحق.\nوقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾. قال ابن جريج: (النصر والغنيمة). أي الظهور على عدوهم.\nوقوله: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾. أي رضوان الله ورحمته. قال ابن إسحاق: (الجنة وما أعدّ فيها).","vol":"2","page":120},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: بأقوالهم وأفعالهم، فيثبتون على منهاج العلم والجهاد إلى حين يلقون ربهم.\n١٤٩ - ١٥٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله سبحانه المؤمنين المصدقين لرسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه، بأنهم إن يطيعوا الجاحدين لنبوته ﵇، المكذبين بهديه وبالقرآن، فإنهم سيحملونهم بذلك على الردة بعد الإيمان، والضلال والهلاك والخسران، ولكن سيلقي الله أيها المؤمنون الرعب والهلع في قلوب من حاربكم بأحد، بشركهم وطاعتهم للشيطان، وبامتثالكم لأوامر نبيكم ﵊، فها أنتم تحسونهم في بداية المعركة حَسًّا. قال مجاهد: (تقتلونهم). وقال الربيع: الحَسُّ القتل). حتى إذا جبنتم (١) وضعفتم واختلفتم في أمر الله وعصيتم نبيكم، أنزل بكم شيئًا من الهزيمة، وقذف عليكم عدوكم، بعدما أراكم من عدوكم ما تحبون، فلما آثرتم الدنيا ردّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم، بعدما طاردتموهم، ليكروا عليكم من جديد مستفيدين من مخالفتكم، ثم عفا الله عنكم رحمة بكم وتقديرًا لإيمانكم.\n_________\n(١) قال ابن جريج: قال ابن عباس: (الفشل: الجُبن). وقال ابن إسحاق: (فشلتم: أي تخاذلتم).","vol":"2","page":121},{"text":"وقد ثبت في السنة الصحيحة إلقاء الله الرعب في قلوب أعداء هذا النبي - ﷺ - في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: [أعطيت خمسًا لم يُعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعب مَسِيرة شَهْرٍ، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحِلَّت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: [نصرت بالرعب على العدو] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البيهقي بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [فُضِّلتُ بأربع: جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ من أمتي أتى الصلاةَ فلم يجدْ ما يصلي عليه وَجَدَ الأرض مسجدًا وطَهورًا، وأُرسلتُ إلى الناس كافة، ونُصرتُ بالرعبِ من مسيرة شهرين يَسيرُ بينَ يديَّ، وأُحِلَّت لي الغنائم] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الطبراني عن السائب بن يزيد عن النبي - ﷺ - قال: أفضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجُعلت ليَ الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحِلّت لي الغنائم، ولم تَحِل لأحد قبلي] (٤).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾. بيان لما كان من النصر أول المعركة.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: [ما نصر الله النبي ﵌ في موطن كما نصره يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك. فقال ابن عباس: بيني وبين مَنْ أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباس: والحسُّ: القتل. ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥) ومسلم (٥٢١)، وأحمد (٣/ ٣٠٤) والنسائي (١/ ٢٠٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٥٢٣) ح ٧ بأتم منه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البيهقي (١/ ٢١٢)، وانظر صحيح الجامع الصغير (٤٠٩٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الطبراني ويشهد له ما قبله، وانظر صحيح الجامع الصغير (٤٠٩٧).","vol":"2","page":122},{"text":"مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. الآية، وإنما عنى بهذا الرماة.\nوذلك أن النبي - ﷺ - أقامهم في موضع، ثم قال: \"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نُقْتَلُ فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا\". فلما غنم النبي - ﷺ -، وأباحوا عسكر المشركين، أكبّ الرماة جميعًا ودخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله - ﷺ - منهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا، فلما أخَلّ الرماة تلك الخَلَّة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر لرسول الله - ﷺ - وأصحابه أول النهار ..] (١).\nوفي صحيح البخاري عن البراء قال: [لقينا المشركين يومئذ، وأجْلَسَ النبي - ﷺ - جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله - يعني ابن جبير - وقال: \"لا تَبْرَحُوا إن رأيتمونا ظَهَرْنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تُعينونا\". فلما لقيناهم هَرَبوا، حتى رأيت النساء يشْتَددنَ في الجبل، رفعن عن سوقهنّ، قد بدت خلاخِلُهُنَّ، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ النبي - ﷺ - أن لا تبرحوا. فأبوا، فلما أبَوا صرف وجوههم، فَأصيبَ سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قُتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال له: كَذَبْتَ يا عدوَّ الله، أبقى الله لك ما يُحْزِنُكَ. فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل. فقال النبي - ﷺ -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجَلّ. قال أبو سفيان: لنا العُزّى ولا عزَّى لكم. فقال النبي - ﷺ -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سِجالٌ، وستجدون مُثْلَة لم آمر بها ولم تسؤني] (٢).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال قتادة: (أي: اختلفتم في الأمر، ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، وذاكم يوم أحد، عهد إليهم نبي الله - ﷺ - وأمَرَهُم بأمر فنسوا العهد، وجاوزوا، وخالفوا ما أمرهم نبي الله - ﷺ -، فقذف\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند من حديث ابن عباس. وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠)، وله شواهد في الصحيح.\n(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري (٣٠٣٩)، (٤٠٤٣)، وأبو داود (٢٦٦٢)، وأحمد (٤/ ٢٩٣).","vol":"2","page":123},{"text":"عليهم عدوّهم، بعدما أراهم من عدوهم ما يحبون). وقال الربيع: (﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾، يقول: جبنتم عن عدوِكم).\nوقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. قال السدي: (فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا، والذين بقوا وقالوا: لا نخالف قول رسول الله - ﷺ -، أرادوا الآخرة).\nوقوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم).\nوالمقصود حين صُرفوا إلى الغنائم والدنيا، فمال عليهم خالد بن الوليد.\nقال الحسن: (صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدّة من أسروا يوم بدر، وقتل عم رسول الله - ﷺ -، وكسرت رباعيّته، وشجّ في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: \"كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربهم\"؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، الآية. فقالوا: أليس كان رسول الله - ﷺ - وعدنا النصر؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾).\nأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: [لما كان يوم أحد هُزِمَ المشركون، فصرخ إبليس لعنةُ الله عليه، أي عبادَ الله أُخْراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبَصُرَ حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي، أبي، قال: فوالله ما احتجزوا -أي ما انفكوا عن بعضهم- حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله ﷿] (١).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جريج: (﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾، قال: لم يستأصلكم). وقال ابن إسحاق: (ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عُدْتُ بفضلي عليكم).\nوقال الحسن: (هؤلاء مع رسول الله - ﷺ -، في سبيل الله، غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غُمُّوا بهذا الغم، فأفسق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٠٦٥)، كتاب المغازي، وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، الأبحاث: (٣٧ - ٤٢) لتفاصيل المعركة والدروس والنتائج والأحكام.","vol":"2","page":124},{"text":"الفاسقين اليوم يَتَجَرْثَمُ (١) كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحبُ عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه! ! فسوف يعلم).\nوقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (صعدوا في أحد فرارًا). وقال: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ إليّ عباد الله ارجعوا، إليّ عباد الله ارجعوا).\nإلا أن المشركين حين سمعوا صوته عرفوه، فمالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من أصحابه، محاولين الإجهاز عليه بكل ما يمكنهم، وكان رسول الله - ﷺ - بين تسعة من رجاله، خاضوا عراكًا عنيفًا، وَأَظْهَرُوا نوادرَ من الحب والتفاني والاستبسال.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس ﵁: [أن رسول الله - ﷺ - أُفرِدَ يومَ أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه - أي غشوه وقربوا منه - قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله - ﷺ - لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا] (٢).\nأي: ما أنصفت قريش الأنصار، لكون القرشيين لم يخرجا للقتال، بل خرج الأنصار واحدًا بعد واحد فقتلوا عن آخرهم، ثم شقّت فئة من المسلمين طريقها عبر الأهوال حتى وصلت إلى مكان القيادة النبوية المحاصر.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي عثمان قال: [لم يبق مع النبي - ﷺ - في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله - ﷺ - غيرُ طلحة وسعد] (٣).\nوقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال قتادة: (كانوا تحدّثوا يومئذ أن نبي الله - ﷺ - أصيب، وكان الغم الآخر قنل أصحابهم والجراحات التي أصابتهم).\n_________\n(١) تجرثم الشيء: أخذ معظمه. وجرثومة كل شيء: أصله ومجتمعه.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٧٨٩)، كتاب الجهاد والسير، وانظر تفصيل الحدث في كتابي: السيرة النبوية (٢/ ٦٨٧) البحث (٣٨): معركة أحد - مرحلة الهزيمة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٧٢٣)، كتاب المغازي، وانظر المرجع السابق (٢/ ٦٨٨).","vol":"2","page":125},{"text":"وقال الربيع: (الغم الأول: الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن رسول الله - ﷺ - قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول الله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: من الهرب أو الإقدام، وهو محص عليكم جميع أعمالكم.\n١٥٤ - ١٥٥. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إنزال الله النعاس أمانًا على أهل الصدق واليقين، وفضح سلوك المنافقين، واختبار الصدق في قلوب المؤمنين.\nفقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾. أي: الأمان، أنزله تعالى على أهل الصدق واليقين، دون أهل الشك والمنافقين. ثم بين أن الأمنة كانت نعَاسًا، بنصب النعاس على البدل من أمنة.\nأخرج النسائي والترمذي بسند صحيح عن أنس، عن أبي طلحة قال: [رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حَجَفَتِه من النعاس، فذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾] (١).\nقال ابن عباس: (أَمَّنَهُم يومئذ بنعاس غشّاهم، وإنما ينعُسُ من يأمن).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٠٠٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٩٨)، والحاكم (٢/ ٢٩٧).","vol":"2","page":126},{"text":"فلقد كان المسلمون مغتمين مهمومين آنذاك لما أصابهم ونبيّهم من الإجهاد والأذى والتعب، فأنزل الله عليهم النعاس فناموا يسيرًا ثم أفاقوا وقد أذهب الله عنهم القلق والخوف وأبدلهم مكانه راحة وسكنًا، وملأ نفوسهم وقلوبهم أمنًا وطمأنينة.\nيروي البخاري عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ قال: [كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه] (١).\nوقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.\nقال ابن إسحاق: (أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوُّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة). وعن قتادة: (﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، قال: ظن أهل الشرك). يشير سبحانه بذلك إلى طائفة المنافقين الذين أهمتهم أنفسهم دون أن يفكروا بمصاب المسلمين وبمصير الإسلام، فذمهم الله في هذه الآية، بعد أن ذكر نعمته على طائفة الحق الذين أهمهم مصير الإسلام وربطوا سعادة قلوبهم بانتصار هذا الدين وزهوه وعلوه في الأرض، فأنزل عليهم أمنة نعاسًا يجلو به الغم عن نفوسهم وينعش قلوبهم. في حين لا يغشى النعاس من أهمتهم أنفسهم بسب القلق والجزع والخوف على مصالح دنياهم.\nوقوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال القرطبي: (لفظه استفهام ومعناه الجحد، أي: ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها).\nفأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ يعني القدر خيره وشره من الله.\nوقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾. مُفَسَّرُ بقوله تعالى بعده يوضح ما أخفوه عن رسول الله - ﷺ -، وهي هذه المقالة: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾.\nقال ابن إسحاق: (فحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله - ﷺ - حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره. قال: فوالله إني لأسمع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخارى في الصحيح (٤٠٦٨)، كتاب المغازي، تعليقًا، لكن وصله برقم (٤٥٦٢)، ورواه أحمد في المسند (٤/ ٤٩)، من حديث أبي طلحة الأنصاري.","vol":"2","page":127},{"text":"قول مُعَتِّب بن قُشَير (١)، ما اسمعه إلا كالحلم يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. فحفظتها منه) (٢).\nوقرأ عامة قراء الحجاز والعراق: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ بنصب الكل على النعت للأمر. وقرأه بعض قراء البصرة ﴿كلُّه﴾ بالرفع على الابتداء، وخبره ﴿لله﴾ والجملة خبر ﴿إن﴾، والقراءة الأولى أشهر عند القراء. وهي اختيار ابن جرير.\nوقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nقل -لهؤلاء المنافقين- يا محمد: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا الموقف والحرب كما تحبّ نفوسكم، لظهر للموضع من قد كتب عليه القتل فيه، ولخرج لينال مصرعه في المكان الذي كُتب عليه أن يصرع فيه.\nوقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: ليكشف الله بالاختبار المؤمن من المنافق فيظهر أمره، فيميز الخبيث من الطيب.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: لا يخفى عليه ما في صدورهم، مما استخفَوْا به منكم - أيها المؤمنون.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾. عتاب من فرّ من المؤمنين بأحد، وإنما دعاهم إلى هذه الزلة الشيطان.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. قال ابن جريج: (إذ لم يعاقبهم). ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عاصم، عن شقيق، قال: (لقي عبد الرحمن بن عوف الوليدَ بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جَفَوْتَ أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفرّ يوم عَيْنَيْن - قال عاصم: يقول: يوم أحد - ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سُنَّة عمر. قال: فانطلق فَخَبَّرَ ذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله إني لم أَفِرَّ يوم عَيْنَيْن، فكيف يُعَيِّرني بذنب وقد عفا الله عنه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ\n_________\n(١) معتب بن قشير: هو أحد المنافقين من أتباع ابن سلول. قيل تاب بعد ذلك، والله أعلم.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبري (٨٠٩٣)، (٨٠٩٤)، والبيهقي (٣/ ٢٧٣)، وإسناد الطبري حسن، رجاله ثقات، وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث.","vol":"2","page":128},{"text":"عَنْهُمْ﴾. وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رُقَيَّةَ بنت رسول الله - ﷺ - حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله - ﷺ - بسهم، ومن ضرب له رسول الله - ﷺ - فقد شَهِدَ، وأما قوله: إني تركت سُنَّةَ عمر، فإني لا أطيقها ولا هو، فائْتِه فحدِّثه بذلك] (١).\nقال القرطبي: (ونظير هذه الآية توبة الله على آدم ﵇. وقوله ﵇: \"فحج آدم موسى\" أي: غلبه بالحجة).\n١٥٦ - ١٥٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾\nفي هذه الآيات: تحذيرٌ من الله سبحانه المؤمنين أن يشابهوا الكفار في سوء يقينهم بالله العظيم، وترغيب لهم في الشهادة في سبيل الله لنيل المغفرة ورحمة الله الكريم.\nقال ابن إسحاق: (أي: لا تكونوا كالمنافقين الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله وَالضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا).\nوأصل الضرب في الأرض الإبعاد فيها سيرًا. قال السدي: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وهي التجارة). وقال ابن إسحاق: (الضربُ في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله).\nقال ابن جرير: (يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار أنهم يقولون من غزا منهم فقتل، أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله، أو تجارة: لو لم يكونوا خرجوا من عندنا وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا، ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٦٨) ح (٤٩٢). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٦): (فيه عاصم، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات).","vol":"2","page":129},{"text":"يعني: أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنًا في قلوبهم وغمًّا، ويجهلون أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده). وقيل: المعنى لا تصدقوهم ولا تلتفتوا لهم، فكان ذلك حسرة في قلوبهم. وقيل: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة لما هم فيه من الخزي والندامة، ولما فيه المسلمون من النعيم والكرامة.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: يقدر على أن يحيي من يخرج إلى القتال، ويميت من أقام في أهله. ومنه قول خالد بن الوليد عند موته: (ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء).\nوجاء في سير أعلام النبلاء عن عاصم بن بهدلة: عن أبي وائل قال: (لما حضرت خالدًا الوفاة، قال: لقد طلبت القتل مظانَّهُ فلم يُقدَّر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد مِن ليلة بتُّها وأنا متترس، والسماء تهلّني ننتظر الصبح حتى نُغير على الكفار. ثم قال: إذا متُّ، فانظروا إلى سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفي، خرج عمر على جنازته، فذكر قوله: ما على آل الوليد أن يَسْفحْنَ على خالد من دموعهن ما لم يكن نَقْعًا أو لَقْلَقَةٌ (١» (٢).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. قال القاسمي: (تهديد للمؤمنين في مماثلة من ذكر).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. إخبار من الله سبحانه أن القتل في سبيله والموت في مرضاته وحيث الدفاع عن دينه خير من جميع هذه الدنيا وزينتها، وهو السبيل الأمثل إلى نيل مغفرته ورحمته ورضوانه.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [مِنْ خير معاشِ الناس لهم، رجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فرَسِهِ في سبيل الله، يطير على مَتْنِه، كُلَّما سمعَ هَيْعَةً أو فَزْعَةً طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه ..] الحديث (٣).\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.\nقال القرطبي: (وَعْظٌ. وعظهم الله بهذا القول، أي لا تَفِرّوا من القتال ومما أمركم\n_________\n(١) اللقلقة: الصوت الشديد المضطرب، والنقع رفع الصوت وشق الجيب.\n(٢) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٣٨١) - الذهبي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٨٩)، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والرباط.","vol":"2","page":130},{"text":"به، بل فِرّوا من عقابه وأليم عذابه، فإن مَرَدّكُم إليه لا يملك لكم أحد ضرًّا ولا نفعًا غيره).\nوالمعنى: من مات أو قُتل فالمآل إلى الله، وهناك الجزاء والثواب، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله - ﷺ -، فيما يرويه عن ربه ﷿: [يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).\n١٥٩ - ١٦٤. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تليينُ الله تعالى جانب وطباع هذا النبي الكريم، وحثه على العفو والاستغفار والمشاورة للمؤمنين، وحسن التوكل على الله الذي بيده النصر المبين، وامتنان من الله تعالى على المؤمنين بهذا النبي وهذا الوحي العظيم.\nفلقد امتن الله على هذه الأمة أن ألان لهم قلب نبيه الكريم، وأطاب لهم لفظه، وجعله بهم رؤوفًا رحيمًا. قال قتادة: (﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، يقول: فبرحمة من الله لنت لهم). و\"ما\" صلة، والعرب تجعل \"ما\" صلة في المعرفة والنكرة، كقوله\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث قدسي طويل رواه مسلم (٨/ ١٧)، وأحمد (٥/ ١٦٠).","vol":"2","page":131},{"text":"تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم. هذا في المعرفة. وقال تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾. والمعنى: عن قليل. وهذا في النكرة.\nوالمقصود: برحمة الله، يا محمد، بك وبمن آمن بك، سهلت أخلاقك ولان جانبك وحسنت طبائعك. وهذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nوفي المسند للإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال: [أخذ بيدي رسول الله - ﷺ - فقال: يا أبا أمامة، إن من المؤمنين من يلين له قلبي] (١).\nوقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.\nالمعنى: لو كنت قاسي القلب شديد الطباع سيِّئ الكلام لتركوك ولم يتبعوك، ولكن الله جمع لك من صفات الرفق واللين حتى كنت مضرب المثل بين قومك في حسن الخلق وجمال الطباع ومحاسن العادات. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.\nوفي صحيح البخاري عن حديث عبد الله بن عمرو. - يحكي عن صفة النبي - ﷺ - في التوراة -: [والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر] (٢).\nوأخرج الحاكم بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [مكتوب في الإنجيل: لا فظٌّ، ولا غليظ، ولا سَخَّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح] (٣).\nوقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.\nقال ابن إسحاق: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، أي: فتجاوز عنهم، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٢١٧)، وأخرجه الطبراني (٧٤٩٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢١٢٥) - كتاب البيوع - باب كراهية السَّخب في السوق. وانظر تخريج المشكاة (٥٧٥٢) باب فضائل سيد المرسلين.\n(٣) حديث صحيح. رواه الحاكم (٢/ ٦١٤)، وابن عساكر (١/ ٢٦٤/ ٢) من حديث عائشة ﵂، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٥٨).","vol":"2","page":132},{"text":"وقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال قتادة: (أمر الله ﷿ نبيه - ﷺ - أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحرب السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم، وأن القوم إذا شاور بعضهم بعضًا وأرادوا بذلك وجه الله، عزم لهم على أرشده).\nوقال الضحاك بن مزاحم: (ما أمر الله ﷿ نبيه - ﷺ - بالمشورة، إلا لما علم فيها من الفضل).\nوقال الحسن: (ما شاور قوم قطّ إلا هُدوا لأرشد أمورهم).\nوفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [المستشار مؤتمن] (١). وقد امتلأت السنة الصحيحة بصور من الشورى في حياة النبي - ﷺ - وأصحابه، مثها:\n١ - مشورته لأصحابه يوم بدر في الذهاب إلى قتال المشركين.\nيروي البخاري من حديث عبد الله بن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مَشهَدًا لأنْ أكونَ صاحِبَه أحَبُّ إليّ مما عُدِلَ به، أتى النبي - ﷺ - وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قومُ موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكنا نقاتِلُ عن يمينك وعن شمالِكَ وبينَ يديك وخَلْفَكَ. فرأيت النبي - ﷺ - أَشْرَقَ وَجْههُ وسَرَّه، يعني قوله] (٢).\n٢ - مشورته ﵊ لأصحابه في قصة الإفك.\nيروي البخاري عن عائشة قالت: [لمّا ذُكِرَ مِنْ شأني الذي ذُكِرَ، وما عَلِمْتُ به، قام رسول الله - ﷺ - فِيَّ خطيبًا فتشَهَّدَ فَحَمِدَ الله وأثنى عليه بما هو أهلهُ ثم قال: أمّا بعد، أشيروا عليَّ في أناس أبَنُوا أهلي، وايمُ الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبَنُوهُمْ بِمَنْ والله ما علمتُ عليه من سوء قَطّ، ...] الحديث (٣).\n٣ - مشورته ﵇ لأصحابه في أسارى بدر.\nروى مسلم عن ابن عباس قال: [فلما أسَروا الأُسارى، قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعُمَرَ: ما ترون في هؤلاء الأُسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العمّ والعشيرة ... فقال رسول الله - ﷺ -: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: لا، والله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٥١٢٨)، والترمذي (٢٨٢٣)، وابن ماجة (٣٧٤٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٩٥٢)، كتاب المغازي، وانظر كذلك الحديث (٤٦٠٩) منه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخارى (٤٧٥٧)، كتاب التفسير، في أثناء حديث طويل. وأَبَنوا: اتهموا.","vol":"2","page":133},{"text":"يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمَكِّنا فنضرب أعناقهم ...] الحديث (١).\n٤ - مشورته ﵇ قبل معركة أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو (٢).\n٥ - مشورته السعدين يوم الخندق - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - لمصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل انصرافهم، فأخذ برأيهما (٣).\n٦ - مشورته أصحابه في حصار الطائف ومشورته عام الحديبية (٤)،\nوأما في حياة أصحابه:\nفقد روى البيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران قال: (كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم، وإن علمه من سنة رسول الله - ﷺ - قضى به، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنة، فإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم) (٥).\nوذكر البخاري في كتاب الاعتصام: (كان القراء أصحاب مشورة عمر كُهولًا كانوا أو شبابًا، وكان وقّافًا عند كتاب الله ﷿) (٦).\nثم قال البخاري: (وكانت الأئمة بعد النبي - ﷺ - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي - ﷺ -).\nوقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. يعني: إن صحّ عزمك -بتثبيت الله لك وتسديده\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٦٣)، كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، وهو جزء من حديث طويل.\n(٢) قد مضى ذكر ذلك، وانظر سيرة ابن هشام (٣/ ٦٧).\n(٣) انظر مصنف عبد الرزاق (٥/ ٣٦٨)، والبداية والنهاية (٤/ ١٠٤).\n(٤) انظر باب غزوة الطائف في كتاب الجهاد والسير - صحيح مسلم (١٧٧٨)، والمسند (٤٥٨٨) تحقيق أحمد شاكر. وانظر في شأن الحديبية سنن البيهقي (١٠/ ١٠٩).\n(٥) أخرجه البيهقي بسند صحيح قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٣٤٢). وانظر: كتاب الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة - الدميجي - (ص ٤٢٩).\n(٦) ذكره البخاري في كتاب الاعتصام باب (٢٨)، قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ١٣/ ٣٣٩).","vol":"2","page":134},{"text":"لك فيما نابك - وقد استشرت أصحابك فامض متوكلًا على الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾.\nيعني: إن أراد سبحانه نصركم وقد اجتمعت أهل الأرض على خذلانكم فلا سبيل لهم عليكم، وإن أراد خذلانكم وقد أجمع أهل الدنيا على نصركم فلا سبيل لنصركم، فعليه سبحانه فتوكلوا، وانصروا دينه وأخلصوا، حتى تنالوا نصره وتأييده. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.\nأخرج الطبرانى بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: أبعث النبي - ﷺ - جيشًا فَرُدّت رايته، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾] (١).\nوأخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [نزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء: فُقِدَت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله - ﷺ - أخذها، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخر الآية] (٢).\nوله شاهد عند البزار بإسناد صحيح عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قال: ما كان لنبي أن يتهمه أصحابُهُ] (٣).\nقال مجاهد: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾: ما ينبغي لنبي أن يخون). وقال ابن عباس: (أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضًا). ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقد جاءت السنة الصحيحة بالتحذير الشديد من الغلول، وفي ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من\n_________\n(١) أخرجه الطبراني ورجاله ثقات. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - آل عمران (١٦١). وانظر تفسير الطبري (٨١٣٥) - (٨١٣٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٩٧١)، والترمذي (٣٠١٢)، وانظر صحيح أبي داود (٣٣٦٠).\n(٣) إسناده صحيح. أخرجه البزار في مسنده (٢١٩٧ - كشف الأستار)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٧٨٨).","vol":"2","page":135},{"text":"ظلم قيد شبر من الأرض طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: [كان على ثَقَلِ النبي - ﷺ - رجلٌ يُقال له: كِرْكَرَةُ، فمات فقال النبي - ﷺ -: هو في النار. فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غَلَّها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: [قام فينا النبي - ﷺ - فذكر الغُلولَ فَعَظَّمَهُ وَعظَّمَ أمره، قال: لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُمْ يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثُغاءٌ، على رَقَبَتِهِ فرسٌ له حَمْحَمَةٌ يقول: يا رسول الله أَغِثْني، فأقولُ: لا أملكُ لك شيئًا، قد أَبْلغْتُك، وعلى رَقَبَتِه بعيرٌ له رُغاءٌ يقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملكُ لك شيئًا قد أبْلَغْتُكَ، وعلى رقبَتِهِ صامِتٌ فيقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبْلَغْتُكَ، على رَقَبتِهِ رِقاعٌ تخْفِقُ فيقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي حميد الساعدي قال: [استعمل رسول الله - ﷺ - رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللُّتْبِيَّةِ على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أُهدِيَ لي. فقام رسول الله - ﷺ - على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثُه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أُهدِيَ لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بَعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَر. ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرَةَ إبطيه ثم قال: \"اللهم هل بَلَّغت\" ثلاثًا] (٤).\nوقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (ثم يُجْزى بكسبه غير مظلوم ولا مُتَعَدّىً عليه).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٥٢)، (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠)، وأحمد (١/ ١٨٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٠٧٤)، كتاب الجهاد والسير، باب القليل من الغلول.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٠٧٣)، كتاب الجهاد والسير، باب الغُلول.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٣ - ٤٢٤) واللفظ له، وانظره في صحيح البخاري (٦٩٧٩) وفي صحيح مسلم (/١٨٣٢)، وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه (٤٥١٥).","vol":"2","page":136},{"text":"المعنى: أفمن ترك الغلول وكل ما نهى الله عنه ومضى يعمل بطاعة الله وامتثال أمره واجتناب ما يسخطه، كمن انصرف متحمِّلًا سخط الله وغضبه، واستحق وعيده بسكنى جهنم وبئس السكن والمأوى؟ يقول: ليسا سواءً.\nوقوله. ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّه﴾. قال ابن عباس: (يقول: بأعمالهم).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (يقول: إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته).\nوقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني: نبيًّا من أهل لسانهم يفقهوا قوله، ولم يجعله بغير لسانهم.\nوقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. أي يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله ويطهرهم من ذنوبهم باتباع ما جاء فيه، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: القرآن والسنة.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. أي: في عمياء من الجاهلية، لا يعرفون حسنة ولا يستغفرون من سيئة، قد أخطؤوا طريق الهدى والنجاة، فهم في غيّ وجهل ظاهر جليّ لكل من له بصو.\n١٦٥ - ١٦٨. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تأنيب لطيف من الله تعالى للمؤمنين لما صدر منهم، وفضح سلوك أهل النفاق وكشف مكرهم.\nقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا أبو نوح قراد أنبأنا عكرمة بن عمار حدثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: [لما كان يوم بدر، قال: نظر النبي - ﷺ - إلى أصحابه وهم ثلاث مئة ونيف، ونظر إلى","vol":"2","page":137},{"text":"المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي - ﷺ - القبلة ثم مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا، قال: فما زال يستغيث ربه ﷿ ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر ﵁ فأخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله ﷿ المشركين فقتل منهم سبعون رجلًا وأسر منهم سبعون رجلًا، فاستشار رسول الله - ﷺ - أبا بكر وعليًّا وعمر ﵃، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريبًا لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا ﵁ من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوي رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ﵁، ولم يهو ما قلت فأخذ منهم الفداء، فلما أن كان من الغد قال عمر ﵁: غدوت إلى رسول الله - ﷺ - فإذا هو قاعد وأبو بكر ﵁ وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما! قال: فقال النبي - ﷺ -: الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الضجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء، ثم أحل الله لهم الغنائم، فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرّ أصحاب النبي - ﷺ - عن النبي - ﷺ -، وكُسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله ﷿: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ بأخذكم الفداء] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال الحسن: (فإنما أصابنا هذا لأنا قبلنا الفداء يوم بدر من الأسارى، وعصينا النبي - ﷺ - يوم أحد).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٣٠) ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابن أبي حاتم مختصرًا.","vol":"2","page":138},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو، قدير).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: ما أصابكم يوم أحد من قتل وجراح فهو بقضائه سبحانه وقدره فيكم، وليميّز أهل الإيمان والصدق من أهل الكذب والنفاق.\nوقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾.\nالمراد: عبد الله بن أبي بن سلول المنافق وأصحابه الذين تخاذلوا ورجعوا، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا.\nوقوله: ﴿قَالوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.\nيروي ابن إسحاق بإسناد مرسل أن عبد الله بن عمرو بن حرام اتبعهم وهو يقول: (يا قوم، أُذكِّركم الله ألا تخذلوا قومَكم ونبيّكم عندما حضر من عدوهم). فقالوا: (لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسْلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال).\nفاحتجوا بما حكته الآية الكريمة عنهم، وقد أظهر الله ما أبطنوه من الجبن والهلع والخوف من خوض القتال في سبيل الله، فعند ذلك قال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام، لما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف: (أبعدكم الله أعداءَ الله، فسيغْني الله عنكم نَبِيَّهُ) (١).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾.\nالمقصود: عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه يقولون: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا ما قتلوا هنالك. قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: (نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه). فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد، إن استطعتم أن تردوا الموت الذي لا محالة سينالكم فردّوه إن كنتم صادقين. قال ابن إسحاق: (أي: إنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا. وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصًا على البقاء في الدنيا، وفرارًا من الموت).\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٩)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (٢/ ٦٦٢) لتفصيل أكبر.","vol":"2","page":139},{"text":"وفي التنزيل. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.\nأخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يسأل ما عنده إلا بطاعته] (١).\n١٦٩ - ١٧٥. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: بيان منزلة الشهادة والشهداء الكرام، وثناء من الله على استجابتهم وخوضهم المعركة ضد الكفار اللئام، وفضح لسلوك ومكر الشيطان عدو أهل الإيمان.\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لما أصيب إخوانكم بأُحد، جعل الله ﷿ أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا يَنْكُلوا عن الحرب، فقال الله ﷿: أنا أُبَلِّغُهُم عنكم. فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" من حديث أبي أمامة ﵁. انظر تخريج المشكاة (١٥)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٢٠٨١).","vol":"2","page":140},{"text":"سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ... وما بعدها] (١).\nوأخرج الترمذي بسند حسن عن جابر ﵁ قال: ألقيني رسول الله - ﷺ - فقال: يا جابر ما لي أراك منكسرًا؟ فقلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالًا ودينًا. فقال: ألا أبشرك بما لقي اللهُ به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: ما يكلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجابه، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا فقال: تمنّ عليّ أعطِك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب ﵎: إنه قد سبق مني القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ الآية] (٢).\nوأخرج ابن جرير بسند صحيح أن سبب نزول الآية قتلى بئر معونة. قال العلامة الشوكاني في تفسيره: (وعلى كل حال فالآية باعتبار عمومها تعم كل شهيد).\nوقد جمع الله للشهداء من الكرامة في حياة البرزخ ما يفوق من الكرامة لبقية المؤمنين فضلًا عما أعدّ الله لهم في الآخرة من رفيع المنازل والمقامات.\nففي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الشهداء على بارقِ نهرٍ بباب الجنة، فيه قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعَشيًّا] (٣).\nفأرواح الشهداء تسرح في الجنة، ولها خصوصية ورود هذا النهر. وأما أرواح بقية المؤمنين: فقد روى الإمام أحمد عن محمد بن إدريس الشافعي، عن مالك بن أنس، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [نَسَمَةُ المؤمن طائر يَعْلَقُ في شجر الجنة، حتى يَرْجِعَهُ الله إلى جسده يوم يَبْعَثُه] (٤). يَعْلَقُ: أي يأكل.\nفالفرق بين الشهداء وبقية المؤمنين أن أرواح الشهداء تطير في حواصل طَير خضر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٦٦)، وأبو داود في السنن -حديث رقم- (٢٥٢٠)، وصححه الحاكم (٢/ ٨٨)، ووافقه الذهبي.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجة (٢٨٠٠)، وابن حبان (٧٠٢٢)، وغيرهم.\n(٣) إسناده جيد. أخرجه أحمد (١/ ٢٦٦)، والطبري (٨٢١٢)، وابن حبان (٤٦٥٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مالك (١/ ٢٤٠)، وأحمد (٣/ ٤٥٥)، والنسائي (٤/ ١٠٨)، وابن ماجة (٤٢٧١)، وابن حبان (٤٦٥٧). وقال الحافظ ابن كثير: (هو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة).","vol":"2","page":141},{"text":"تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، وترد حيث تشاء من أنهار وأشجار الجنة، ولها شرف العبور إلى ذلك النهر في منتهى سيرها، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها.\nوقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nفرحين: في محل نصب حال من المضمر في ﴿يُرْزَقُونَ﴾.\nفهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون بمن لم يلحق بهم.\nقال ابن إسحاق: (أي: ويسرون بلحوق من لحق بهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وأذهب الله عنهم الخوف والحزن).\nوقال ابن جريج: (يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا، يلحقوننا فيصيبون من كرامة الله تعالى مَا أَصَبْنا). وخلاصة المعنى كما أفاد شيخ المفسرين ﵀: قال ابن جرير: (يفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على منهاجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه ... لا خوف عليهم، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، ...، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صَاروا إليه والدعة والزُّلْفة).\nقلت: وقد ثبت لقاء أرواح المؤمنين وتزاورها في حياة البرزخ وفرح بعضها بقدوم بعض - في السنة الصحيحة -: فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا حُضرَ المؤمن أتتْ ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرُجي راضية مرضيًّا عنك، إلى رَوْحِ الله وريحان، وربّ غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليُناوله بعضهم بعضًا، حتى يأتوا به أبوابَ السماء، فيقولون: ما أطيبَ هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدُم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلانٌ، ماذا فعل فلان؟","vol":"2","page":142},{"text":"فيقولون: دعوه، فإنه كان في غمِّ الدنيا ...] الحديث (١).\nوقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. قال ابن إسحاق: (لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: لا يبطل جزاء أعمال من صدّق رسوله واتبعه، وعمل بما جاء من عند الله.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.\nأخرج الطبراني ورجاله رجال الصحيح عن عكرمة عن ابن عباس قال: [لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أحد وبلغوا الروحاء قال أبو سفيان: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شر ما صنعتم. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد -أو بئر بني عينة- الشك من سفيان - فأنزل الله ﷿: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ وذلك أن أبا سفيان قال للنبي - ﷺ - موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة، فأتوه فلم يجدوا به أحدًا وتسوقوا، فأنزل الله ﷿ ذكره: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾] (٢).\nوأخرج البخاري في كتاب المغازي عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. قالت لعروة: (يا ابن أختي كان أَبَوَاكَ منهم الزبيرُ وأبو بكر، لما أصابَ رسولَ الله - ﷺ - ما أصاب يومَ أُحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: من يَذْهَبُ في إثرهم فانتدب منهم سبعون رجلًا. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير).\nفسارع سبعون رجلًا من الصحابة لامتثال رغبة القيادة النبوية، ثم تتابع بقية الجيش خلفهم حتى صار عددهم ست مئة وثلاثين مقاتلًا، كلهم مستعد لخوض معركة دامية\n_________\n(١) حديث صحيح. ورواه الحاكم وابن حبان. انظر صحيح الجامع الصغير (٥٠٤)، وكتابي: تحصيل السعادتين على منهج الوحيين (٣٢١)، لتفصيل أكبر حول تزاور الأرواح في البرزخ.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح - وقال السيوطي في لباب النقول: إن سنده صحيح. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - آل عمران (١٧١ - ١٧٣).","vol":"2","page":143},{"text":"جديدة، ولدخول ساحة الموت مرة أخرى، فأثنى الله سبحانه في كتابه على صدقهم، وجمال مبادرتهم، وعظيم استجابتهم رغم القرح وشدة التعب والجراح.\nقال ابن هشام: (حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أُحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال لهم صَفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا فإن القوم قد حَرَبوا - أي غضبوا - وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا - وفي رواية: فارجعوا والدولة لكم فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم).\nفقال النبي - ﷺ - وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم همّوا بالرَّجعة: \"والذي نفسي بيده، لقد سُوِّمت (١) لهم حجارةٌ، لو صُبِّحوا بها لكانوا كأمس الذاهب\".\nفأثنى الله بذلك على المؤمنين الذين استجابوا لله وللرسول رغم القرح والألم، ومَدَحَهم في قرآن يتلى على ألسنة الأجيال إلى يوم القيامة، فيه ذكر عطر لاستئنافهم مبادرة صفحة جديدة من القتال رغم تخويف الناس لهم، وقولهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس: [﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾.\nقال مجاهد: (والفضل ما أصابوا من التجارة والأجر). وقال ابن جريج: (﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ قال: قتل).\nوقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. قال ابن جريج: (طاعة النبي - ﷺ -).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. قال ابن إسحاق: (لما صرف عنهم من لقاء عدوهم).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَ﴾. قال مجاهد: (يخوف المؤمنين بالكفار). وقال ابن عباس: (الشيطان يخوف المؤمنين بأوليائه).\nوقال السدي: (يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونهم).\n_________\n(١) أي جُعلت لها علامة يعرف بها أنها من عند الله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٦٤)، والنسائي في \"التفسير\" (١٠١)، والحاكم (٢/ ٢٩٨).","vol":"2","page":144},{"text":"أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد عن سبرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام، فقال: تُسلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك ... فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتُقتل فتُنكح المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد ..] (١).\nوقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا عليّ والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم).\nوفي التنزيل: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦].\n﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].\n١٧٦ - ١٨٠. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تثبيتُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - والمؤمنين، بإظهار ما أعدّ من الذل والخزي للمنافقيق، وببيان سنته تعالى في التمحيص لتمييز الصادقين من الكاذبين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٣)، والنسائي (٦/ ٢١ - ٢٢)، وابن حبان (٤٥٩٣)، وإسناده لا بأس به. وانظر صحيح الجامع (١٦٤٨).","vol":"2","page":145},{"text":"قال مجاهد: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ يعني: أنهم المنافقون).\nوقال ابن إسحاق: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾: أن يحبط أعمالهم). ثم أخبر سبحانه أنهم مع حرمانهم ثواب الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ في نار جهنم.\nثم أكدّ ذلك سبحانه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ يعني المنافقين ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ بل إنما يضرون أنفسهم بإيجابهم عليها عقوبة الله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلِته. ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١).\nفلا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله أن تأخيرهم يكفرون في الأرض خير لهم، بل هو من باب المكر بهم حتى إذا نزل بهم الموت دخلوا في جحيم العذاب المتتابع من البرزخ إلى يوم القيامة إلى الخلود في الشقاء والجحيم والعياذ بالله.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.\nقال مجاهد: (ميز بينهم يوم أحد، المنافقَ من المؤمن). وقال ابن جريج: اليبين الصادق بإيمانه من الكاذب).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال مجاهد: (يخلصهم لنفسه).\nوقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾. قال ابن إسحاق: (أي: ترجعوا وتتوبوا، ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١٠٩)، وغيرهم.","vol":"2","page":146},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من آتاه الله مالًا فلم يُؤَدِّ زكاته مُثِّلَ له شجاعًا أقرع له زبيبتان، يُطَوّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْه - يعني بشدْقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إلى آخر الآية] (١).\nوالشجاع: هو الذكر من الحيات، والأقرع: هو الذي ذهب شعره من كثرة السم.\n- وهناك شواهد كثيرة في المسند وبعض السنن للحديث السابق:\nالشاهد الأول: في مسند أحمد بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يُمَثّلُ الله له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان، ثم يُلزمُه يطوِّقه، يقول: أنا مالك أنا كنزك أنا كنزك] (٢).\nالشاهد الثاني: أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: [ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جُعِلَ له شجاع أقرع يتبَعُه، يفِرُّ منه وهو يتبعه، فيقول: أنا كنزك. ثم قرأ عبد الله مِصْداقه من كتاب الله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾] (٣).\nالشاهد الثالث: [خرج الحاكم والطبراني بسند جيد عن ثوبان، عن النبي - ﷺ - قال: [من ترك بعده كنزًا مُثلَ له شجاعًا أقرع يوم القيامة له زبيبتان، يتبعه ويقول: من أنت؟ ويلك. فيقول: أنا كنزك الذي خَلَّفتَ بعدك. فلا يزال يتبعه حتى يُلْقِمهُ يدَه فيقضِمُها، ثم يتبعه سائر جسده] (٤).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فإن الناس تزول عنهم أملاكهم ويصير لله ميراث كل هذه المعمورة: ما في السماوات وما في الأرض.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٦٥)، وأحمد (٢/ ٢٧٩)، والنسائي (٥/ ٣٩) وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٩٨)، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٢٢٦٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٠١٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢٢٢١)، وابن ماجة (١٧٨٤)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٩٨)، وإسناده متصل.\n(٤) إسناده جيد، رواه الحاكم (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، والطبراني (١٤٠٨)، وابن حبان (٣٢٥٧).","vol":"2","page":147},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: فهو سبحانه يعلم أعمالكم ونياتكم.\n١٨١ - ١٨٢. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾.\nفي هذه الآيات: توبيخٌ وتقريعٌ من الله تعالى لليهود الماكرين، وفضح لسلوكم عبر الزمان مع المرسلين، وتوعد لهم بصلي العذاب المهين، وتسلية من الله تعالى لرسوله ليَثْبُتَ على الحق المبين.\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: عن ابن عباس: (لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية).\nوقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالوا﴾ فيه أقوال متشابهة.\n١ - سنجازيهم عليه. ذكره ابن كثير.\n٢ - سنكتبه في صحائف أعمالهم. قال القرطبي: (أي نأمر الحفظة بإثبات قولهم حتى يقرؤوه يوم القيامة في كتبهم التي يؤتونها، حتى يكون أوكدَ للحجة عليهم. وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤].\n٧ - وقيل: مقصود الكتابة الحفظ، أي: سنحفظ ما قالوا لنجازيهم.\nوقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: رضاهم بالقتل. فلما رضي الحفدة بفعل أسلافهم وأجدادهم الذين قتلوا الأنبياء بأيديهم اشتركوا في الحكم والإثم.","vol":"2","page":148},{"text":"أخرج أبو داود بسند حسن عن العُرْس بن عميرة الكندي عن النبي - ﷺ - قال: [إذا عُمِلت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكَرِهها كمنْ غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها] (١).\nوقوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. يعني بذلك: عذاب نار السعير الملتهبة المحرقة.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. أي: ذلك العذاب بما سلف من الذنوب وحصل الرضى بها، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، قال ابن عباس: (كان الرجل يتصدق، فإذا تُقُبِّلَ منه، أنزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته).\nفزعم اليهود أن الله تقدم إليهم في كتبه وعلى ألسن أنبيائه، أن لا يصدقوا رسولًا فيما يقول إنه جاء به من عند الله حتى يجيء بقربان - مما يتقرب به العبد إلى الله من صدقة - تأكله النار يبعثها الله من السماء دلالة على القبول.\nفأكذبهم الله وقال لنبيه: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nيعني: قد جاءتكم الرسل فيما مضى بالحجج القاطعة أنهم من عند الله ثم مع ذلك قتلتموهم؟ ! فأين عهدكم المزعوم إن كنتم صادقين؟ !\nقال ابن جرير: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أن الله عهد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقربان تأكله النار حجة له على نبوته).\nوقوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال الضحاك: (يعزي نبيّه - ﷺ -).\nوقوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾. البينات: الدلالات. والزبر: الكتب المزبورة، يعني المكتوبة. والزُّبُر: جمع زَبور وهو الكتاب. والكتاب المنير: أي الواضح المضيء. والمقصود بالكتاب: التوراة والإنجيل. فإن اليهود كذبت عيسى وما جاء به، وحرّفت ما جاء به موسى ﵇ من صفة محمد - ﷺ -، وبدلت عهده\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٤٣٤٥)، وانظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٧٠٢).","vol":"2","page":149},{"text":"إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته، وغيرت ما أمرهم به في أمره. أفاده شيخ المفسرين.\n١٨٥ - ١٨٦. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارٌ من الله سبحانه عن الفناء المحتوم لكل نفس ثم البعث يوم القيامة لنيل الحساب، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ونجا من العقاب. وبيانٌ أن الابتلاء حق والصبر على أذى المشركين أيام الغربة يُقابل بجميل الثواب.\nأخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾] (١).\nوقوله: ﴿زُحْزِحَ﴾. أي: أبعد. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ أي: ظفر بما يرجو، ونجا مما يخاف.\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. أي تغرّ المؤمن وتخدعه فيظن طول\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٠١٣)، وأحمد (٢/ ٤٣٨)، والحاكم (٢/ ٢٩٩).\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١١٩٩)، ومسند أحمد (٢/ ١٩٢).","vol":"2","page":150},{"text":"البقاء وهي فانية، فلا تركنوا إليها وتسكنوا لها، فإنما أنتم عن قريب عنها راحلون مسافرون، والمستقر الدار الآخرة.\nقال قتادة: (هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها، فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع).\nوفي التنزيل: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠].\nوفي صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد، عن النبي - ﷺ - قال: [والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِسُ أحدُكم أُصبعَهُ في اليمّ، فلينظر بم ترجع إليه] (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: [اضطجع رسول الله - ﷺ - على حصير فأثّر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، فقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ما لي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنّما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (٢).\nوله شاهد في المسند من حديث ابن عباس بلفظ: [ما لي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٣).\nوقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. خطاب من الله لهذه الأمة - أمة محمد - ﷺ - المعنى: لتختبَرُن في أموالكم بالمصائب وبالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع بذلك، ولتمتحنن في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب.\nقال القرطبي: (وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها).\nوفي التنزيل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].\nقال ابن كثير: (أي: لا بد أن يُبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٨)، والترمذي (٢٣٢٣)، وأحمد (٤/ ٢٢٨).\n(٢) حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٠)، والحاكم (٤/ ٣١٠). وانظر: \"الصحيحة\" (٤٣٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٣٠١)، وابن حبان (٢٥٢٦). وانظر المرجع السابق (٤٤٠).","vol":"2","page":151},{"text":"أهله، ويُبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيدَ في البلاء).\nقلت: وهذا المعنى قد جاء في السنة الصحيحة، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي، وابن ماجة بسند جيد، عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت لرسول الله - ﷺ -: أي الناس أشد بلاء؟ قال. أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب (وفي رواية: قدر) دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [دخلت على النبي - ﷺ - وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك، يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر. قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله! ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء] (٢).\nالحديث الثالث: روى أحمد في مسنده عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنها قالت: [أتينا رسول الله - ﷺ -، نعوده في نسائه، فإذا سقاء معلق نحوه يقطر ماؤه عليه من شدة ما يجد من حر الحمى، قلنا: يا رسول الله لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول الله - ﷺ -: إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، وابن ماجة (٤٠٢٣)، وأحمد (١/ ١٧٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (٤٠٢٤)، والحاكم (٤/ ٣٠٧). انظر السلسلة الصحيحة (١٤٤). ورواه ابن سعد (٢/ ٢٠٨). وسنده صحيح.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٩)، وسنده صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٥).","vol":"2","page":152},{"text":"ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي - ﷺ - حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود وكانوا يؤذون النبي - ﷺ - وأصحابه، فأمر الله ﷿ نبيّه - ﷺ - بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...﴾ الآية.\nفلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي - ﷺ - أمر النبي - ﷺ - سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة - وذكر قصة قتله - فلما قتلوه فزعت يهود والمشركون، فغدوا على النبي - ﷺ - فقالوا: طوق صاحبنا فقتل، فذكر لهم النبي - ﷺ - الذي كان يقول، ودعاهم النبي - ﷺ - إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي - ﷺ - بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة] (١).\nقال الحافظ في الفتح: (وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد حسن أنها نزلت فيما بين: \"أبي بكر وبين فنحاص اليهودي\" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ تعالى الله عن قوله - فغضب أبو بكر فنزلت، وذكره السيوطي في اللباب، وقال: إن سنده حسن. ولا تنافي بينهما، فيحتمل أنها نزلت في هذا وهذا).\nوروى ابن أبي حاتم بسند صحيح على شرط الشيخين عن الزُّهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره قال: [كان النبي - ﷺ - وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. قال: وكان رسول الله - ﷺ - يتأوَّلُ في العفو ما أمره الله به، حتى أذِنَ الله فيهم] (٢).\nوفي صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: حدثنا أبو اليمان: [خبرنا شُعيب عن الزّهري: أخبرني عروة بن الزبير: [أن أسامة بن زيد ﵄ أخبره: أن رسول الله - ﷺ - ركِبَ على حِمار على قطيفة فَدَكِيّة، وأرْدَف أسامة بن زيد وراءَه يعودُ سَعْدَ بن عُبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وَقْعَةِ بدر، قال: حتى مَرَّ بمجلس فيه\n_________\n(١) حديث صحيح: انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٢٥٩٣) - باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة. وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥). وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة آل عمران آية (١٨٦). ويبدو أنه أراد بقوله عن أبيه في السند - جدّه كعب بن مالك - فيكون الحديث بهذا مسندًا.\n(٢) إسناده صحيح على شرطهما. انظر تفسير ابن كثير - تحقيق المهدي - سورة آل عمران - آية (١٨٦).","vol":"2","page":153},{"text":"عبدُ الله بن أبيّ بن سلول، وذلك قبل أن يُسْلِمَ عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخْلاطٌ من المسلمين والمشركين: عَبَدةِ الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بنُ رواحةَ، فلما غَشِيَتِ المجلسَ عَجَاجَةُ الدابة خفَرَ عبد الله بنُ أبيّ أنفَه بردائه ثم قال: لا تُغَبِّرُوا علينا، فَسَلَّم رسول الله - ﷺ - عليهم، ثم وَقَفَ فَنَزَل، فدعاهمْ إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ بن سلول: أيها المَرْءُ، إنه لا أحْسَنَ مما تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذِنا به في مجالسنا. ارجِعْ إلى رَحْلِكَ، فمن جاءكَ فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغْشَنَا به في مجالسنا، فإنا نحبّ ذلك، فاستَبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبيّ - ﷺ - يُخَفِّضُهُم حتى سَكنوا، ثم ركِبَ النبي - ﷺ - دابّتَهُ فسار حتى دخل على سعد بن عُبادة، فقال له النبي - ﷺ -: أيا سَعْدُ! ألم تسمع ما قال أبو حُباب؟ - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحيرة على أن يُتوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شَرِقَ بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - وأصحابُه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية، وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، إلى آخر الآية، وكان النبي - ﷺ - يتأوَّل العفو ما أمره الله به حتى أذِنَ الله فيهم، فلما غزا رسول الله - ﷺ - بدْرًا فقتل الله به صناديدَ كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمرٌ قد توجّه، فبايعوا الرسول - ﷺ - على الإسلام فأسلموا] (١).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يعني: إن الصبر والتقوى من أمثل ما التزم المؤمن به، وعزم الله عليه وأمر به.\nوفي الأثر عن عمر: (لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت). وقال أيضًا: (أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا).\nوقال بعض السلف: (لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٤٥٦٦)، كتاب التفسير، وكذلك (٢٩٨٧).","vol":"2","page":154},{"text":"١٨٧ - ١٨٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريعٌ بصنيع أهل الكتاب وتهديد ووعيد من سلك مسلكهم في كتمان الحق والعلم، فإن الله سبحانه أخذ عليهم العهد على ألسنة أنبيائهم أن يؤمنوا بمحمد - ﷺ - وأن يرشدوا أقوامهم إلى الإيمان به ومتابعته، إلا أنهم كانوا عند أسوأ الظن، فكتموا أمرِه وَحَرَّفُوا ما ورد في ذكره وصفاته وشمائله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وفيها فضْحٌ لسلوك المنافقين وَتَوَعُّد لهم من الله الملك القدير بالعذاب الأليم.\nقال الشعبي: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: إنهم قد كانوا يقرؤونه، إنما نبذوا العمل به). وقال ابن جريج: (نبذوا الميثاق).\nوقوله: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال ابن جرير: (وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلًا من عرض الدنيا).\nوقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. قال مجاهد: (تبديل اليهود التوراة).\nوالمعنى: بئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، إذ ارتضوا بالدون الفاني الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، لقاء الكبر في الأرض والغرور، وترك الأهوال تنزل بهم يوم النشور.\nوالآية فيها تهديد ووعيد من سلك سبيل اليهود من هذه الأمة في كتمان العلم أو تحريفه أو استبداله بالقصص المكذوبة والخرافات والأحاديث الموضوعة. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁","vol":"2","page":155},{"text":"قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من سُئِلَ عن عَلمٍ فكتمه، أُلْجِمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار] (١).\nوفي رواية لابن ماجة: [ما من رجل يحفظ علمًا فَيَكْتُمُهُ إلا أتى يومَ القيامة ملجومًا بلجامٍ من نار].\nالحديث الثاني: أخرج ابن حبان والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: [من كتم علمًا ألجمه الله يومَ القيامة بلجام من نار] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني والدارمي بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [مثلُ الذي يتعلَّم العلمَ ثم لا يحدِّثُ به، كمثل الذي يكنِزُ الكنزَ ثم لا ينفِقُ منه] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول، على هذا المنبر: [إياكم وكثْرةَ الحديث عني. فمن قال عَلَيَّ فليقل حَقًّا أو صِدْقًا. ومن تَقَوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فليتبوأ مقعده من النار] (٤).\nوأصل معناه في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: [من كَذَب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار].\nوقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن رِجالًا من المنافقين على عهد الرسول - ﷺ - كان إذا خرج رسول الله - ﷺ - إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - ﷺ -، وإذا قدم رسول الله - ﷺ - اعتذروا إليه وأحبوا أن\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٣٦٦٨)، والترمذي في الجامع - حديث رقم - (٢٦٤٩)، وابن ماجة وابن حبان والحاكم. انظر صحيح الجامع الصغير (٦١٦٠)، وصحيح الترغيب (١/ ١١٦) كتاب العلم، الترهيب من كتم العلم.\n(٢) حديث صحيح. رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: \"صحيح لا غبار عليه\". انظر صحيح الترغيب (١/ ١١٧) الباب السابق، ورواه ابن عدي عن ابن مسعود. انظر صحيح الجامع (٦٣٩٣).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الدارمي في السنن (١/ ١٣٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٩٩) من طريق الطبراني، وأخرجه ابن عبد البر (١/ ١٢٢)، وله شواهد.\n(٤) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٣)، باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله - ﷺ -، وهو في صحيح ابن ماجة برقم (٧٣)، وفي الباب أحاديث أخرى نحوه.","vol":"2","page":156},{"text":"يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾] (١).\nوقال البخاري: حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره: [أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبنّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لك ولهذه الآية: إنما دعا النبي - ﷺ - يهودًا وسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أَتَوْا من كتمانهم ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ كذلك حتى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾] (٢).\nوأخرج أحاكم والطبراني بسند حسن عن محمد بن ثابت الأنصاري: [أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله، والله لقد خشيتُ أن أكون هلكت. قال: ولم؟ قال: نهى الله المرء أن يُحِبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يفعل. وأجدني أحِبُّ الحمدَ، ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحبُّ الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال رسول الله - ﷺ -: أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فعاش حميدًا، وقُتل شهيدًا يوم مسيلمة الكذاب] (٣).\nوقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. قال ابن زيد: (بمنجاة من العذاب).\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: موجع مهين، مع ما لهم من الخزي في الحياة الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nردّ على الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وتكذيب لهم، فكل هذا الكون ملك له سبحانه، والسماوات والأرض وما فيهن تحت أمره، وهو القادر على إهلاك من عاند وطعى وتجبّر متى شاء، فهو الجبار المتكبر وحده لا شريك له.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخارى (٤٥٦٧)، ومسلم (٢٧٧٧)، ورواه ابن جرير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري بإثر (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨)، وأحمد (١/ ٢٩٨).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٣/ ٢٣٤)، والطبراني (١٣١١٠)، من حديث محمد بن ثابت الأنصاري، عن ثابت بن قيس الأنصاري، وسنده حسن.","vol":"2","page":157},{"text":"١٩٥ - ١٩٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾.\nفي هذه الآيات: احتجاج من الله سبحانه على سائر خلقه، أنه الخالق البارئ المدبر لهذا الكون المصرف ليله ونهاره، وسماءه وأرضه، وجباله وبحاره، ومياهه وأنهاره، فكل ما في هذا الكون من آيات تدعو لتوحيده وتعظيمه لا شريك له وهو العلي العظيم. وثناء منه تعالى على المؤمنين في حسن توسلهم ودعائهم وإخباتهم لربهم الكريم.\nقال ابن جرير: (قال جلّ ثناؤه: تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من السماوات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقبت بينه من الليل والنهار فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم، معتبرٌ ومدَّكر وآيات وعظات).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. هو من نعت أولي الألباب ووصف حالهم، فهم يتقلبون في أحوالهم المختلفة ويذكرون ربهم لا يغفلون عنه.\nقال ابن جريج: (هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن). وقال قتادة: (وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا). وخلاصة المعنى لهؤلاء الذاكرين أولي الألباب كما قال ابن جرير - شيخ المفسرين -: (يعني بذلك قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا).\nوفي صحيح البخاري وسنن أبي داود وابن ماجة والترمذي عن عِمران بن حُصين:","vol":"2","page":158},{"text":"أن رسول الله - ﷺ - قال: [صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب] (١).\nوقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي يعتبرون بما فيهما من آيات كبيرة تدل على عظمة الخالق وكمال صفاته، ووجوب تعظيمه.\nقال بشر الحافي: (لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه).\nوقد ذمّ الله تعالى من لا يعتبر بهذه الآيات البديعة، ويمر عليها دون تفكر، فقال جل ذكره: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. أي: لم تخلقه عبثًا ولهوًا، بل إنما يكمن وراءه أمر عظيم، من ثواب وعقاب، ومحاسبة ومجازاة، ونعيم وجحيم، وخلود في أحد المستقرين.\nوقوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. هو نتيجة وثمرة هذا التفكر، فتحركت ألسنتهم يلهجون بذكره وتسبيحه وتنزيهه، ورجوه أن يرضى عنهم وينجيهم من عذابه.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. فهذه حقيقة لا شك فيها، فكل من كتب الله عليه دخول النار ولو إلى فترة فقد ناله من الخزي والعنت والألم.\nوقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. أي: لا نصرة من اختار معصية الله وسخطه، ولا سبيل له لدفع العذاب عنه، فهو خزي لا منقذ له.\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.\nهذه الآية دليل على مشروعية التوسل إلى الله سبحانه بعمل صالح. فإن التوسل إلى الله تعالى مشروع بأحد الأنواع الثلاثة:\n١ - التوسل باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته.\n٢ - التوسل إلى الله بعمل صالح.\n٣ - التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١١١٧)، وأبو داود في السنن (٩٥٢)، والترمذي في الجامع (٣٧٢)، وابن ماجة في السنن (١٢٢٣).","vol":"2","page":159},{"text":"وقد بسطت القول في ذلك في كتابي: \"أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان\" ولله الحمد والمنة.\nوأما المنادي في الآية الذي ينادي للإيمان فهو الرسول - ﷺ -، أو القرآن. قال محمد بن كعب: (هو الكتاب، ليس كلهم لقي النبي - ﷺ -).\nوقال ابن زيد: (ذلك رسول الله - ﷺ -). وقال ابن جريج: زهو محمد - ﷺ -).\nوالمعنى: لقد توسّل هؤلاء المؤمنون إلى الله بتصديقهم كتابه أو رسوله - ﷺ - إذ سمعوا نداءه إلى الإيمان، فسألوه سبحانه المغفرة وتكفير الذنوب والموت على الإسلام.\nوقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. قال القرطبي: (أي أبرارًا مع الأنبياء، أي في جملتهم. واحدهم بَرٌّ وبارٌّ وأصله من الاتساع، فكأن البر متسِع في طاعة الله ومتّسِعة له ﵀).\nوالخلاصة: أنهم سألوا الله اللحاق بالصالحين، الذين برّوا الله ﵎ بطاعتهم إياه وخدمتهم لدينه حتى رضي عنهم وأبرهم.\nوفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعانَ الأنصاري قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن البِرّ والإثم؟ فقال: [البِرُّ حُسْنُ الخُلقِ، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس] (١).\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.\nقال القاسمي ﵀ في التفسير: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي: على تصديق رسلك والإيمان بهم. أو على ألسنة رسلك. وهو الثواب). وهذا حكاية لدعاء آخر لهم، معطوف على ما قبله. وتكرير النداء لما مرّ ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ قصدوا بذلك تذكير وعده تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]. بإظهار أنهم ممن آمن معه).\nوقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ يتلاءم مع سؤالهم ربهم أن يؤتيهم ما وعدهم من أربعة أوجه:\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٢٥٥٣)، كتاب البر والصلة، باب تفسير البر والإثم.","vol":"2","page":160},{"text":"١ - أن الله وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وُعد بذلك دون الخِزي والعقاب.\n٢ - أنهم سألوا ذلك ودعوا على جهة العبادة والخضوع. قال القرطبي: (وهذا كقوله: ﴿قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق).\n٣ - سألوا ما وعدوا من النصر على عدوهم معجّلًا، والمقصود أصحاب النبي - ﷺ - الذين هاجروا وهم يتمنون خزي المشركين عاجلًا. قال ابن جرير: (فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نصرتك عليهم عاجلًا، فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل لهم خزيهم، ولنا الظفر عليهم).\n٤ - أنهم سألوا الله النجاة يوم القيامة دون الخزي فإنهم مؤمنون بالمعاد والوقوف بين يديه سبحانه. قال الحافظ ابن كثير: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رُسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك).\nوقد ثبت أن النبي - ﷺ - كان يخص هذه الآيات العشر من آخر آل عمران بالقراءة إذا قام من الليل لتهجده. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: [بتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله - ﷺ - مع أهله ساعة ثم رقدَ، فلما كان ثلثُ الليل الآخِرُ قعد فنظرَ إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ثم قام فتوضأ واسْتَنَّ، فصلى إحدى عَشْرَة ركعة، ثم أذَّنَ بلالٌ فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح] (١). ذكره البخاري في التفسير - باب قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه - في كتاب التفسير - باب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. عن كُرَيب، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: [بتُّ عند خالتي ميمونةَ فقلتُ لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله - ﷺ -، فَطُرِحَتْ لرسول الله - ﷺ - وِسادَةٌ، فنام رسول الله - ﷺ - في طُولِها، فجعل يَمْسَحُ النّومَ عن وجهه، فقرأ الآيات العشرَ الأواخِرَ من آل عمران، حتى ختمَ، ثم أتى سِقَاءً مُعَلَّقًا، فأخذه فتوضأَ ثم قام يُصَلّي، فقمتُ فصَنَعْتُ مثل ما صنعَ، ثم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٦٩)، كتاب التفسير، ورواه مسلم (٧٦٣) ح (١٩٠).","vol":"2","page":161},{"text":"جئت فقُمت إلى جَنبه، فوضع يده على رأسي، ثم أخذ بأُذُني فجعل يَفتِلُها، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم أوتر] (١).\nالحديت الثالث: روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس قال: [أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله - ﷺ - وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله - ﷺ - بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره قام فمرَّ بي، فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فَمَه؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة. قال: فَالْحَقْ الْحَقْ. فلما أن دخل قال: افرشَنْ عبد الله؟ فأتى بوسادة من مسوح قال: فنام رسول الله - ﷺ - عليها حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه قاعدًا، قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال: \"سبحان الملك القدوس\". ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها] (٢).\n١٩٥. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾.\nفي هذه الآية: استجابةُ الله سبحانه دعاء هؤلاء الداعين، بأنه لا يضيع عمل عامل منهم عمل خيرًا، ذكرًا كان أم أنثى، فإن الله سبحانه أمر بالدعاء ووعد بالإجابة وحسن الثواب للمجاهدين الصادقين.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nوقال جل ذكره: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٧٠)، كتاب التفسير، وكذلك (١٨٣)، ورواه مسلم (٧٦٣) ح (١٨٢)، وأبو داود (١٣٧٦)، وأحمد (١/ ٢٤٢)، ومالك (١/ ١٢١ - ١٢٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧٦٣) ح (١٩١)، وأبو داود (١٣٥٣) من وجه آخر.","vol":"2","page":162},{"text":"وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه] (١).\nوأخرج الطبراني بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: [إذا تمنى أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربّه] (٢).\nوفي رواية: [إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه].\nقال ابن القيم ﵀: (لكن قد يتخلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله، لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة، من أكل الحرام والظلم، ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أم سلمة: [قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله ﵎: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾] (٣).\nوقوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.\nالمعنى: إن المهاجرين الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة، فأوذوا في طاعة الله وفي سبيله، وقاتلوا في سبيل الله وقتلوا فيها، وعدهم الله سبحانه أن يمحو عنهم ذنوبهم ويجزيهم بهجرتهم وجهادهم الجنة نعم الثواب ونعم المستقر. ومن ثم فإن الآية عامة في كل من مضى على منهاج هجرتهم وجهادهم. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثةٌ كلهم ضامِنٌ على الله: رجلٌ خرجَ غازيًا في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخلهُ الجنة، أو يردّه بما نال من أجر أو غنيمة، ورجلٌ راح إلى المسجد فهو\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢/ ٢٦١)، والحاكم (١/ ٤٩٣). وانظر: \"الصحيحة\" (٥٩٤).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (٤٥٠)، وكذلك رقم (٦٠٥) للرواية الثانية.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٢٠) - كتاب التفسير - وانظر كذلك (٢٤١٩) منه.","vol":"2","page":163},{"text":"ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخلَه الجنة أو يردَّه بما نال من أجر، ورجلٌ دخلَ بيتَه بسلام، فهو ضامن على الله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أحد يدخلُ الجنة يحب أن يرجعَ إلى الدنيا، وأن له ما على الأرض من شيء غير الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عَشر مرات، لما يرى من الكرامة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن المقدام، عن النبي ﵊، قال: [للشهيد عند الله سبع خصال: يُغفر له في أول دفعةٍ من دمه، ويَرَى مقعده من الجنة، ويُحَلّى حلَّة الإيمان، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: [قال رجل للنبي - ﷺ - يومَ أُحد: أرأيت إنْ قُتِلتُ فأين أنا؟ قال: في الجنة. فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قُتِل] (٤).\nوفي رواية أخرى: [يا رسول الله: أرأيت إن قُتِلْتُ في سبيل الله صابرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غير مُدْبر، أَيُكَفِّرُ الله عني خطاياي؟ قال: نعم. ثم قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه ما قال: فقال: نعم، إلا الدَّين، قاله لي جبريل آنفًا].\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ يعني حسن الجزاء والتكريم.\n١٩٦ - ١٩٨. قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٤٩٤)، كتاب الجهاد، باب فضل الغزو في البحر. انظر صحيح سنن أبي داود (٢١٧٨)، وانظر تخريج المشكاة (٧٢٧)، وصحيح الجامع الصغير، رقم (٣٠٤٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨١٧)، كتاب الجهاد والسير، ورواه مسلم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد بسند صحيح عن المقدام. انظر صحيح الجامع الصغير (٥٠٥٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٠٤٦)، كتاب المغازي، وأخرجه مسلم برقم (١٨٩٩)، ورواه أحمد في المسند (٣/ ٣٠٨).","vol":"2","page":164},{"text":"قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾.\nفي هذه الآيات: استخفاف الله تعالى بالكافرين الماكرين، ووعده جميل الجنان للأبرار المتقين.\nقال السدي: (﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾، يقول: ضربهم في البلاد). وقال قتادة: (والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وَكل إليهم شيئًا من أمر الله حتى قبضه الله على ذلك).\nوالمعنى: لا تعجبوا إلى ما أُترِف به الكفار في الدنيا من ألوان النعمة والغبطة والسرور، فعمّا قليل يتغير عليهم الحال ويزول، ويدور الزمان فَيُذِلُّ الله من فتنه بالأمس بالحكم والسلطان ليمسوا محمولين إلى القبور، مرتهنين بسيِّئ أعمالهم مستقبلين يوم النشور.\nوقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ هو مدة الغرور بالحكم والسلطان وتحكيم الأهواء والشهوات، ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ بعد مماتهم ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: بئس الفراش والمضجع والمأوى والمستقر.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصَارة أهل النار، طينة الخبال] (١).\nوفي مستدرك الحاكم بسند حسن عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [إن أهل النار ليَبْكون حتى لو أُجْريت السفن في دموعهم جَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم] (٢).\nورواه في شرح السنة عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يا أيها الناس! ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥). ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (٥١١٢)، وصحيح الجامع الصغير (٧٨٩٦).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧٩)، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢/ ٧٦٧) للرواية بعده.","vol":"2","page":165},{"text":"كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرَّح العيون، فلو أن سُفُنًا أُزْجيَتْ فيها لجرت]. وقوله: \"أزجيت\": أرسلت.\nوقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.\nوعد من الله سبحانه للذين اتقوه بتعظيم أوامره واجتناب نواهيه بساتين الخلود والنعيم، إنزالًا من الله إياهم فيها، تكريمًا لهم وتشريفًا. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَار﴾ قال ابن زيد: (لمن يطيع الله).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر قال: (إنما سماهم الله أبرارًا لأنهم بَرّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقًّا، كذلك لولدك عليك حق).\nقلت: ولا شك أن البر كلمة جامعة لكل أبواب الخير، سواء في معاملة الوالدين والأبناء، أو في معاملة الناس جميعًا، وأعلى من ذلك كله صدق طاعة الله ﷿.\nوقد مضى في حديث الإمام مسلم عن النواس، عن النبي - ﷺ - قال: [البِرُّ حُسْنُ الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرِهت أن يطلع عليه الناس] (١).\nوفي المسند للإمام أحمد، بسند صحيح، من حديث أبي ثعلبة، عن النبي - ﷺ - قال: [البِرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون] (٢).\n١٩٩ - ٢٠٠. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء الله تعالى على من صدق من أهل الكتاب وكان بمحمد - ﷺ - من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٥٧)، والترمذي. انظر صحيح الجامع (٢٨٧٧)، وقد مضى.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند بإسناد صحيح من حديث أبي ثعلبة. انظر تخريج المشكاة (٢٧٧٤)، وتخريج الترغيب (٣/ ١٦)، وصحيح الجامع (٢٨٧٨).","vol":"2","page":166},{"text":"المؤمنين، وترغيب لأهل الإيمان بالصبر والمصابرة والمرابطة حتى ينزل نصر الله المبين.\nأخرج البزار والطبراني بسند جيد عن أنس ﵁: [أن النبي - ﷺ - صلى على النجاشي حين نُعِيَ. فقيل يا رسول الله: تصلي على عبد حبشي! فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية] (١).\nفالآية إخبار عن بعض أهل الكتاب أنهم على منهج الإيمان بالله، وما أنزل على محمد - ﷺ -، قد جمعوا ذلك إلى إيمانهم برسلهم وكتبهم مع الخشية لله، ولا يكتمون ما علموا من كتبهم من نبوة محمد - ﷺ - ووجوب اتباعه، فهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، ولهم الجزاء الأوفى يوم القيامة. قال مجاهد: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني مسلمة أهل الكتاب).\nوفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤].\nوفي الصحيحن من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة يؤتون أحرهم مرتين. - فذكر منهم: ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بي] (٢).\nوقوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّه﴾. قال ابن زيد: (الخاشح، المتذلل لله الخائف)، وقد نصب قوله ﴿خَاشِعِينَ﴾ على الحال من ﴿يُؤْمِنُ﴾.\nؤقوله: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: لا يحرفون ما أنزل الله من الحق في نعت محمد - ﷺ - ووجوب اتباعه، من أجل حظ الرياسة وعرض الدنيا البخس.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nقال مجاهد: (يعني: سريعَ الإحصاء).\n_________\n(١) حديث إسناده جيد. رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال الطبراني ثقات. انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة آل عمران، آية (١٩٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤)، وأحمد (٤/ ٤٠٢)، وغيرهم.","vol":"2","page":167},{"text":"وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. قال ابن جريج: (اصبروا على الطاعة، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله). وقال ابن عباس: (المرابطة: انتظار الصلاة بعد الصلاة).\nوأصل الرباط ارتباط الخيل للعدو، ثم استعمل في كل مقيم في ثغر. يدفع عمن وراءه بأس عدوهم، ولا شك أن انتظار الصلاة بعد الصلاة في الجماعة رباط.\nوقد جاء الثناء العطر في السنة الصحيحة على الرباط وأهله، ومن ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن سَهْل بن سعد الساعدي ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: [رباطُ يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن سَلْمان، عن النبي ﵊، أنه قال: [رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجْرِيَ عليه رزقُه، وأمِنَ الفَتَّان] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: [من مات مُرابطًا وُقِيَ فتنةَ القبر، وأمِنَ من الفزع الأكبر، وغُدِيَ عليه ورِيحَ برزقه من الجنة، وكُتِبَ له أجر المرابط إلى يوم القيامة] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي ريحانة عن النبي - ﷺ - قال: [حَرُمَت النار على عين دَمِعتْ -أو بكت- من خشية الله، وحَرُمَتِ النار على عين سهرت في سبيل الله] (٤).\nوله شاهد عند الترمذي من حديث ابن عباس بلفظ: [عينان لا تصيبهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعين باتت تحرُسُ في سبيل الله].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٩٤)، ومسلم (١٨٨١)، وأحمد (٣/ ٤٣٣)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩١٣)، والنسائي (٦/ ٣٩)، والترمذي (١٦٦٥)، وأحمد (٥/ ٤٤٠) من حديث سلمان ﵁.\n(٣) حديث حسن بشواهده. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٠٤). وإسناده حسن، وله شواهد.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٣٤)، والطبراني في \"الأوسط\" (٨٧٣٦). ورجال أحمد ثقات.\nوصححه الحاكم (٢/ ٨٣) ووافقه الذهبي. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٩٩١) من أجل الشاهد بعده، وكذلك الأحاديث: (٣٩٩٠)، (٣٩٩٢).","vol":"2","page":168},{"text":"الحديث الخامس: أخرج الإمام مالك والنسائي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؛ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرّباطُ، فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباطُ] (١).\nوأورد ابن جرير بسنده عن زيد بن أسْلَمَ قال: (كتب أبو عبيدةَ إلى عمر بن الخطاب، يذكُرُ له جُمُوعًا من الروم وما يتخوَّفُ منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدّة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلبَ عُسْر يُسْرَين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).\nوذكر الحافظ ابن كثير في التفسير قال: (وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك، من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملى عليَّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسُوس، وَوَدّعته للخروج، وأنشدها معي إلى الفُضيل بن عياض في سنة سبعين ومئة، وفي رواية سنة سبع وسبعين ومئة.\nيا عابدَ الحرمين لَوْ أَبْصَرْتَنا ... لعلمت أنك في العبادة تَلعَبُ\nمَنْ كان يَخْضِبُ خَدَّه بدمُوعه ... فنُحورُنا بدمائنا تَتَخضَّبُ\nأو كان يُتْعِبُ خَيْلَه في باطل ... فخيُولنا يوم الصبيحة تتْعبُ\nريحُ العبير لكم ونحنُ عَبيرُنا ... رهج السَّنابِكِ والغبارُ الأطْيبُ\nولقد أتانا مِنْ مَقال نَبِيِّنَا ... قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكْذِبُ\nلا يستوي غُبَار خيل الله في ... أنف امرئٍ ودخان نار تَلْهبُ\nهذا كتاب الله يَنْطِقُ بيننا ... ليسَ الشهيدُ بِمَيِّتٍ لا يَكْذِبُ\nقال: فلقيتُ الفُضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذَرِفَت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٦١)، ومن طريقه أخرجه مسلم (٢٥١)، والنسائي (١/ ٨٩)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٧)، وابن حبان (١٠٣٨).\n(٢) حديث موقوف. أخرجه الطبري في \"التفسير\" -حديث رقم- (٨٣٩٣) بإسناد حسن. رجاله ثقات.","vol":"2","page":169},{"text":"قلت: نعم قال: فاكتب هذا الحديث كِرَاءَ حَمْلِك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملى عَلَيَّ الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر؛ عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رجلًا قال. يا رسول الله، عَلِّمني عملًا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله. فقال: هل تستطيع أن تُصَلِّي فلا تَفْتُر، وتصوم فلا تفطر؟ فقال: يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. ثم قال النبي - ﷺ -: \"فوالذي نفسي بيده، لو طُوِّقْتَ ذلك ما بلغتَ المجاهدين في سبيل الله، أوما عَلِمْتَ أن فرس المجاهد ليَسْتَنُّ (١) في طِوَلِهِ، فيكتب له بذلك الحسنات\" (٢» (٣).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. هو أمر من الله لعباده المؤمنين، فلا فلاح لهم بدون منهاج التقوى في كل أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم.\nوفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي ذر، قال رسول الله - ﷺ -: [اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن] (٤).\nوفي مسند الطيالسي وصحيح ابن حبان من حديث جابر بن سليم، عن النبي - ﷺ - قال: [اتق الله، ولا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسطٌ، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، ولا يحبها الله، وإن امرؤٌ شتمك وعيرك بأمر ليس هو فيكَ، فلا تعيره بأمر هو فيه، ودعْهُ يكون وبالُه عليه، وأجرُه لك، ولا تسبنَّ أحدًا] (٥).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أي: لتفلحوا فتخلدوا في نعيم الآخرة، وتتجاوز عقبة الهلاك والشقاء. فإن الفلاح كل الفلاح في التمسك بالإسلام في الدنيا، والفوز برضى الله في الآخرة.\n_________\n(١) يستنّ في طِوَلَهِ: يمرح في الطول. وقال أبو عبيدة: الاستنان أن يُحضر وليس عليه فارس.\n(٢) إسناده لا بأس به، محمد بن إبراهيم، وثقه ابن حبان، ومن فوقه رجال الصحيح، وأصله في الصحيحين. انظر: مختصر صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير -حديث رقم- (١١٤٦).\n(٣) انظر تفسير ابن كثير - آخر سورة آل عمران، تحقيق - عبد الرزاق المهدي.\n(٤) حديث حسن. رواه أحمد في المسند، ورواه الترمذي، في الجامع (١٩٨٧) من حديث أبي ذر. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٩٦).\n(٥) حديث صحيح. رواه الطيالسي (١٢٠٨) من حديث جابر بن سليم وروى أحمد نحوه (٥/ ٦٣). وانظر: السلسلة الصحيحة (٧٧٠).","vol":"2","page":170},{"text":"أخرج الطبراني والحاكم عن فضالة بن عبيد، عن النبي - ﷺ - قال: [أفلح من هُدِي إلى الإسلام، وكان عيشُه كَفَافًا، وَقَنِعَ به] (١).\nوهذا آخر تفسير سورة آل عمران، ولله الحمد والمنة، ونسأله الموت على الكتاب والسنة ... اللهم آمين.\nتم تفسير سورة آل عمران بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ١٢٢)، والترمذي (٢/ ٥٦). وانظر المرجع السابق (١٥٠٦).","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الحروف المقطعة أوائل السور تفيد الإعجاز لهذا القرآن العطيم.\n٢ - اسم الله الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران وفي سورة طه،\n٣ - منهاج المؤمنين في فهم القرآن برد المتشابه إلى المحكم في الكتاب والسنة.\n٤ - حبُّ النساء للإعفاف والأولاد، والخيل أجر ووزر وستر.\n٥ - التوسل بالأعمال الصالحة مشروع، أما بذوات المخلوقين فممنوع.\n٦ - نزول الله تعالى آخر الليل إلى السماء الدنيا حقيقة بلا كيف.\n٧ - لا يقبل الله دينًا غير الإسلام، والسماع بالرسول الأعظم يوجب المتابعة والإيمان، ومن كفر فموعده صلي النيران.\n٨ - التقية باللسان لا بالعمل، وهي باقية إلى يوم القيامة.\n٩ - محبة الله تعالى يصدقها محبة نبيِّه - ﷺ - ومتابعة هديه.\n١٠ - كرامة الأولياء حق، وهي ما وافق نصوص الشريعة الإسلامية.\n١١ - مريم بنت عمران من أكمل نساء العالمين، طهرًا وكرامة وتقوى.\n١٢ - نصارى نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله - ﷺ -.\n١٣ - اليهود يكتمون صفة محمد - ﷺ - في التوراة ووجوب الإيمان به، ويزعمون كذبًا حل أموال العرب، ويكذبون على الله وهم يعلمون.\n١٤ - الكافر لا ينتفع بما عمل من الخير في الآخرة، وإنما يقتصر انتفاعه بذلك على الدنيا. وأما المؤمن فينتفع بالعمل الصالح بالرزق في الدنيا والثواب في الآخرة.","vol":"2","page":172},{"text":"١٥ - الحج ركن من أركان الإسلام، وعلى المسلم المستطيع التعجل إلى الحج، والاستطاعة: صحة البدن وملك الزاد والراحلة وأمن الطريق والمحرم للمرأة.\n١٦ - هذه الأمة خير الأمم، ما أقامت منهاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n١٧ - أمة محمد - ﷺ - ثلثا أهل الجنة، وهم أكثر أتباع الأنبياء.\n١٨ - الولاء والبراء أصل من أصول الإيمان عند المؤمنين، يمنعهم من اتخاذ بطانة من المنافقين أو الكافرين.\n١٩ - تأخير النصر عن المسلمين، هو نتيجة المعاصي ومخالفة أمر الرسول الكريم.\n٢٠ - سنة الله في الرسل أن تُبتلى ولهم العاقبة.\n٢١ - الشهادة في سبيل الله من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم.\n٢٢ - النعاس في الجهاد من الله تعالى، وفي الصلاة من الشيطان.\n٢٣ - أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في الجنة، ونسمة المؤمن طائر فيها.\n٢٤ - استدراج الله الكفار بالخيرات إنما هو شر لهم.\n٢٥ - إفشاء العلم واجب على العلماء، وإنما كتمانه كان صفة للأحبار والرهبان الأشقياء.\n٢٦ - التفكر في خلق السماوات والأرض يثبت الإيمان، ويقوي لدى المؤمن الحجة والبرهان.\n٢٧ - الابتلاء حق، وجزاء الأذى في الله والهجرة إليه الجنة.\n٢٨ - أهل الكفر في الأرض في فتنة ومكر وغرور، وأهل الإيمان في صبر وشكر وأمل بنصر من الله وسرور.\n٢٩ - المؤمن من أهل الكتاب بنبيّه ثم بمحمد - ﷺ - له أجران.\n٣٠ - الصلاة رباط في السلم في السلم، والجهاد رباط على الثغور في الحرب، وجزاء تقوى الله في الرخاء والشدة الجنة.","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>٤ - سورة النساء</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>فضلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: [صَلَّيْتُ مع النبي - ﷺ - ذاتَ لَيْلَةٍ، فافتتح البقرة فقلت (١): يركعُ عندَ المئةِ، ثم مضى، فقلت: يُصَلي بهما في ركعة، فمضى فقُلت: يَرْكَع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مُتَرَسِّلًا، إذا مَرَّ بآية فيها تسبيح سَبَّحَ، وإذا مَرَّ بسؤالٍ سألَ، وإذا مرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثم رَكَعَ فجعل يقول: \"سبحان ربي العظيم\" فكان ركوعه نحوًا من قِيامه ثم قال: \"سمع الله لمن حمده\" ثم قام طويلًا، قريبًا مما ركَعَ، ثم سَجَدَ فقال: \"سبحان ربي الأعلى\" فكان سجوده قريبًا من قيامه] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله قال: [قال لي رسول الله - ﷺ -: \"اقرأ عليَّ\"، قلت: أقرأ عليكَ وعليكَ أنزل؟ قال: \"فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ\n_________\n(١) فقلت: أي في نفسي، يعني ظننت أن يركع عند مئة آية.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٧٢) - كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. ح (٢٠٣)، وانظر كذلك ح (٢٠٤).","vol":"2","page":174},{"text":"وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: \"أَمْسِك\"، فإذا عيناه تَذْرِفان] (١).\nورواه الترمذي وفي آخره: [فَرَأيْتُ عَيْنَي النبي - ﷺ - تهملان].\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله قال: [أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ عليه، وهو على المنبر، فقرأت عليه من سورة النساء، حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] غمزني رسول الله - ﷺ - بيده، فنظرت إليه وعيناه تدمعان] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>موضوع السورة</span>\nالعلاقات الأسرية وبر الوالدين وصلة الأرحام، والأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء، وتشريعات خاصة في الصلاة والجهاد ومنهاج الولاء والبراء.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-78> منهاج السورة </span>-\n١ - أَمْرُ الله تعالى عباده بالتقوى وصلة الأرحام، فهو سبحانه الرقيب علهم، ويحصي أعمالهم.\n٢ - تنبيه الولي إن أراد نكاح يتيمته أن يعطيها مهر مثلها ولا يبخس حقها.\n٣ - وجوب العدل بين الزوجات، ولا زواج فوق أربع، وتحريم أكل المهور.\n٤ - النهي عن جعل الأموال بيد السفهاء يفسدون فيها. والسفهاء هم المجانين والصغار وقليلو الدين والجهلة بمواضع المصالح والمضار.\n٥ - ولي اليتيم الغني، والفقير يأكل بالمعروف.\n٦ - إبطال عادات الجاهلية بعدم توريث النساء والأطفال والأمر بتوريثهم.\n٧ - أقصى الوصية الثلث، وآكل مال اليتيم ظلمًا إنما يأكل نارًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخارى (٤٣٨٢) - كتاب التفسير - سورة النساء، آية (٤١). وانظر صحيح سنن الترمذي عقب الحديث (٢٤٢١) - سورة النساء، آية (٤١).\n(٢) صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٤٢١)، سورة النساء، آية (٤١).","vol":"2","page":175},{"text":"٨ - القسمة الشرعية للميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين، والنساء فوق اثنتين لهن الثلثان، وإن واحدة فلها النصف، وللرجال نصف ما ترك أزواجهم إن لم يكن لهن ولد وإلا فالربع. وللنساء الربع مما ترك الأزواج إن لم يكن لهم ولد وإلا فالثمن، والدَّين مقدم على الوصية.\n٩ - مفهوم الكلالة، ولا وصية لوارث، والإضرار بالوصية من الكبائر.\n١٠ - حد الزنا كان الحبس في البيوت، فنسخ إلى الجلد أو الرجم.\n١١ - حد عمل قوم لوط: قتل الفاعل والمفعول به.\n١٢ - لا توبة عند الغرغرة، ومن مات على كفره لا ينفعه ندم ولا توبة.\n١٣ - النهي عن استرداد المهر بعد المفارقة، والنهي عن نكاح ما نكح الآباء، وعن الجمع بين الأختين، والتحذير من الاقتراب من مدارج الزنى.\n١٤ - الرضاعة المحرّمة: خمس رضعات، وهي تحرم ما يحرّم النسب والولادة.\n١٥ - الربيبة حرام، وزوجات الأبناء من الأصلاب حرام، وذوات الأزواج محرمات، إلا السبايا فحلال بعد الاستبراء.\n١٦ - الحلال من النساء، ما وراء ما ذكر من المحرمات.\n١٧ - تخفيف الله عنا بإباحة نكاح الإماء لضعفنا، ونكاح الأمة بإذن سيدها، وحدّ المملوك نصف حد الحر ولا رجم عليه.\n١٨ - النهي عن أكل الأموال بالحيلة والمكر، والنهي عن ضرب النفس بحديدة أو تحسي السّم انتحارًا أو تدجيلًا، واجتناب الكبائر يكفر الصغائر.\n١٩ - النهي عن تمني ما بيد الآخرين من النعم، والترغيىب بسؤال الله من فضله وعطائه.\n٢٠ - نسخ توارث المهاجري الأنصاري والحليف حليفه، إلى التوارث بالقرابة.\n٢١ - التدرج في معالجة نشوز الزوجة: الوعظ، والهجر، والضرب غير المبرح.\n٢٢ - تنفيذ الحكمين ما يريانه من المصلحة توفيقًا أو تفريقًا.\n٢٣ - الترغيب ببر الوالدين، والإحسان إلى الجار، والتحذير من البخل وقطيعة الرحم، والله يضاعف الحسنات، ويهلك الكفار يوم القيامة بالحسرات والسيئات.\n٢٤ - النهي عن اقتراب السكران الصلاة، تمهيد لتحريم الخمر.","vol":"2","page":176},{"text":"٢٥ - جواز مرور الجنب والحائض في المسجد عبور سبيل.\n٢٦ - إباحة التيمم لفقدان الماء في الحضر والسفر، ولخوف ازدياد المرض.\n٢٧ - المقصود من ﴿لامستم النساء﴾ الجماع، ولمس الأجنبية لا ينقض الوضوء.\n٢٨ - اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتلاعبون بالألفاظ ويقصدون غير ما يتلفظون.\n٢٩ - الشرك أعظم الظلم، والله لا يغفر الشرك وقد يغفر ما دون ذلك.\n٣٠ - الطاغوت ما عبد من دون الله برضاه، واليهود يحسدون العرب على النعمة العظمى - نبوة محمد - ﷺ - الرسول العربي -، والكفار تبدل وجوههم في النار كلما نضجت.\n٣١ - الأمر بأداء الأمانات إلى أصحابها والحكم في الناس بالعدل، والرسول يرد مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة.\n٣٢ - الطاعة في المعروف، وأما المعصية فلا سمع ولا طاعة، ووجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة، وجزاء من بطع الله ورسوله مرافقة الأنبياء والصديقين والصالحين والشهداء في الجنة.\n٣٣ - القتال شرع بالمدينة وقد كانوا يتمنونه أيام الضعف في مكة، فلما كتب عليهم وجد بعض المؤمنين جزعًا فثبتهم الله وأعانهم.\n٣٤ - طاعة رسول الله طاعة لله، ومعصيته معصية لله.\n٣٥ - أمْرُ الله رسوله بتحريض المؤمنين على الجهاد ليكف بأس الكافرين.\n٣٦ - رد السلام على المؤمنين فريضة، وإفشاء السلام دليل المحبة.\n٣٧ - النهي عن اتخاذ المنافقين أولياء، والاستنصار بهم على الأعداء.\n٣٨ - قتل الخطأ فيه تحرير رقبة مؤمنة ودية إلى أهله.\n٣٩ - تفصيل أحكام الديات: المسلم، الكافر، قتل العمد، الكفارة. وأولياء الدم مخيرون بين القتل والعفو والدية.\n٤٠ - إظهار الإيمان يمنع من المسارعة بالقتل، أو الاتهام بالكذب.","vol":"2","page":177},{"text":"٤١ - معذرة أولى الضرر عن الجهاد، وفضيلة المجاهدين على القاعدين.\n٤٢ - النهي عن مساكنة المشركين، والأمر بالهجرة إلى دار الإسلام، واستثناء المستضعفين، وأجرهم إن ماتوا حسب نياتهم.\n٤٣ - تشريع قصر الصلاة في السفر، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.\n٤٤ - تشريع صلاة الخوف: للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.\n٤٥ - وقت الصلاة كوقت الحج، لا تجوز بعد فواته، فويل لمؤخريها.\n٤٦ - الرسول لا يعلم ما في القلوب، بل يحكم بالظاهر، والله يطلع على القلوب، ويغفر الذنوب، فمن تاب تابَ الله عليه، ومن يقترف خطيئة ثم يرم بها بريئًا فله عذاب أليم.\n٤٧ - ترك سنة الرسول ومنهاج المؤمنين، مآل أهله إلى الجحيم.\n٤٨ - المشركون جعلوا لله البنات وعبدوها لتقربهم إليه زلفى، واستحسنوا ما زينه لهم الشيطان.\n٤٩ - الدعوى لا تحق حقًّا ولا تبطل باطلًا إلا ببرهان من الله.\n٥٠ - كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها.\n٥١ - إبراهيم - ﵇ - بلغ مرتبة الخلة، وكذلك نبينا محمد - ﷺ - وصلها، وقد وفّى.\n٥٢ - النهي عن عضل اليتامى اللاتي في حجور المؤمنين، فإما الزواج بهن أو تزويجهن.\n٥٣ - خوف المرأةِ نشوز زوجها فلا جناح عليها أن تسقط عن حقها.\n٥٤ - الأمر بالعدل بين النساء في المعاملة، وأما ميل القلب فيعفى عنه.\n٥٥ - وصية الله بالتوحيد للأولين والآخرين، والأمر بشهادة الحق ولو على النفس والوالدين والأقربين، والموت على الكفر بعد التردد بين الإيمان والكفر مآل صاحبه إلى الجحيم.","vol":"2","page":178},{"text":"٥٦ - النهي عن الجلوس في مجلس يُستهزأ فيه بآيات الله، ومن فعل ذلك فهو مثل المستهزئين، والله سيجمع في العذاب بين المنافقين والكافرين، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا، وما يفعل الله بعذاب عباده إن صدقوه الإيمان والإصلاح والعمل.\n٥٧ - لا يجوز الجهر بالسوء من القول، أو دعاء أحد على أحد، إلا من ظلم، والعفو خير.\n٥٨ - الكفر بنبيٍّ واحد كفر بجميع الأنبياء.\n٥٩ - اليهود سألوا رسول الله نزول كتاب من السماء كما نزلت التوراة، واحتالوا دومًا على ارتكاب ما حرم الله، وقذفوا العذراء، وكفروا بالمسيح، وسعوا ليقتلوه، وارتكبوا كل منكر في الأرض.\n٦٠ - الحواريون شاهدوا رفع المسيح - ﵇ - إلى السماء حيًّا منزهًا مكرمًا، وفداه أحدهم بنفسه ممن شبهه فصلب مكانه، وسينزل عيسى من السماء إلى الأرض في دمشق وسيحكم بالإسلام، ويقتل المسيح الكاذب الأعور الدجال، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام.\n٦١ - الله يشهد وملائكته بما أنزل على محمد - ﷺ -، والزبور نزل على داود - ﷺ -.\n٦٢ - النصارى غلوا في عيسى حتى عَبَدُوه، واعتقدوا في أتباعه العصمة.\n٦٣ - عيسى - ﷺ - خُلِق بكلمة \"كن\"، وهو عبد الله ورسوله، والله تعالى واحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد.\n٦ - المسيح نفسه لن يستنكف أن يكون عبدًا لله فما بال هؤلاء يؤلهونه؟ ! والقرآن هو الدليل القاطع للعذر، والحجة الخالدة المزيلة للشبه المبين الذي يضيء كل ما ظلم.\n٦ - الكلالة من ليس له ولد ولا والد، وقد فصل الله حكم ذلك آخر السورة.\n* * *","vol":"2","page":179},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾.\nفي هذه الآية: يأمر الله سبحانه عباده بالتقوى ويفتتح بذلك كلامه في هذه السورة، كما اختتمه في سورة آل عمران قبلها، حيث ختم كلامه بالأمر بالتقوى فإن فلاح العبد في الدنيا والآخرة منوط بها. ثم ينبه سبحانه على قدرته العجيبة في الخلق إذ خلق العباد كلهم من نفس واحدة، وهي آدم ﵇، وخلق حواء من ضلع منه، ثم بث منهما الذرية رجالًا ونساءً، ثم يؤكد سبحانه مرة أخرى على التقوى التي فيها سِرّ نجاة الخلق، وعلى صلة الأرحام التي تحمل الرزق والسعادة للعباد، والله على كل شيء رقيب.\nفعن قتادة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، يعني آدم صلى الله عليه).\nوقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. قال مجاهد: (حواء، من قُصيرى (١) آدم وهو نائم، فاستيقظ فقال: \"أثا\" - بالنبطية، امرأة).\nوقال قتادة: (يعني حواء، خلقت من آدم، من ضِلَع من أضلاعه).\nوروى ابن أبي حاتم عن قتادة عن ابن عباس قال: (خلقت المرأة من الرجل، فجعلت نَهمَتُها في الرجل وخُلِقَ الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم).\n_________\n(١) القُصيرى والقُصرى: أسفل الأضلاع، أو هي الضلع التي تلي الشاكلة بين الجنب والبطن.","vol":"2","page":180},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن المرأة خُلِقَتْ من ضِلَع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها، وبها عِوَجٌ، وإن ذهبتَ. تُقيمُها كَسَرْتَها، وكَسْرُها طلاقُها] (١).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [استوصُوا بالنِّساء، فإن المرأة خلقت من ضِلَعٍ، وإن أعوجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعلاه، فإن ذهبت تقيمُه كسَرْتَه، وإن تركتَه لم يزلْ أعوجَ، فاستوصوا بالنساء] (٢).\nوقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ يعني: ونشر منهما - من آدم وزوجته حواء - ذرية رجالًا كثيرًا ونساءً على اختلاف أقطارهم وألوانهم وأجناسهم وألسنتهم.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى خلقَ آدم من قُبْضَةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهْلُ والحزْنُ، والخبيث والطيب، وبين ذلك] (٣).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. قال الضحاك: (يقول: اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به). وقال ابن عباس: (تعاطفون به).\nوقوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾. قال مجاهد: (يقول: أسألك بالله وبالرحم). يعني قول الرجل يسأل بالله وبالرحم. ومنه قول أبي سفيان لرسول الله - ﷺ -: [أنشُدُك الله والرحم فقد أكلنا العلهز - يعني الوبر والدم]، ليدعو لهم ويستسقي لهم حين أصابهم ما أصابهم بعد حصار الشعب فأكلوا الجلود والميتة والجيف.\nوقال السدي: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، يقول: اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٦٤٣) طبعة دار السلام - الرياض، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء. من حديث أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٣١)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريّته، وأخرجه مسلم (١٤٦٦) من حديث أبي هريرة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٩٥٥). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٥٥). ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (١٠٠)، وصحيح الجامع الصغير (١٧٥٥).","vol":"2","page":181},{"text":"والمعنى الراجح لهذه الآية: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها. أخرج ابن عساكر بسند حسن عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [اتقوا الله، وصلوا أرحامكم] (١).\nورواه الطبراني عن جابر وزاد: [فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم].\nورواه ابن جرير عن قتادة وزاد: [فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة].\nوأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة، من قطيعة الرحم والخيانة والكذب، وإن أعجل الطاعة ثوابًا لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم إذا تواصلوا] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. قال مجاهد: (حفيظًا). وقال ابن زيد: (رقيبًا: على أعمالكم، يعلمها ويعرفها). وفي التنزيل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.\nوفي حديث الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ وسؤال جبريل للنبي - ﷺ -: أخبرني عن الإحسان؟ قال: [أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك] (٣).\nقال ابن القيم ﵀: (المراقبة هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق ﷾ على ظاهره وباطنه. قال: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور. يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول) (٤).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن عساكر (١٦/ ٧٤/ ٢)، وانظر السلسلة الصحيحة (٨٦٩) وله شواهد، وهو يصلح تفسيرًا مباشرًا لهذه الآية - آية النساء (١).\n(٢) حديث صحيح. وأخرجه ابن حبان (٢٠٣٨)، وبنحوه عند أبي داود (٢/ ٣٠١)، وأحمد (٥/ ٣٦)، وابن ماجة (٢/ ٥٥٢)، وانظر السلسلة الصحيحة (٩١٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ٣٠)، وانظر مختصر صحيح مسلم (٢) من حديث أبي هريرة بلفظ مشابه، ورواه ابن ماجة بلفظ مقارب، وهو جزء من حديث طويل.\n(٤) انظر كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٢٨٠).","vol":"2","page":182},{"text":"وقيل: (علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظم الله، وتصغير ما صغر الله).\nوقيل: (من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه).\nوقيل: (المراقبة خلوص السر والعلانية لله ﷿).\nوفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عباس، قال: [كنت خلف النبي - ﷺ - يومًا فقال: يا غلام إني أعَلِّمُكَ كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدْهُ تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، ..] الحديث (١).\nوالخلاصة: فالمراقبة حالة في القلب المؤمن بأسماء الله وصفاته، تحمله على تعظيم أوامره وحرماته واجتناب معاصيه ومسخطاته، وإيثار رضاه على هوى نفسه وشهواته، وخوفٌ سببه يقينه باطلاعه سبحانه على تصرفاته، يدفعه إلى سياسة عمله بالعلم الذي يوصل إلى مرضاته.\nومن هنا قول بعض الصالحين: (إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب).\nوقول أبي حفص لأبي عثمان النيسابوري: (إذا جلست للناس فكن واعظًا لقلبك ونفسك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك واللِّه يراقب باطنك).\nقلت: وهذه الآية قد كان النبي - ﷺ - يقرؤها في خطبة الحاجة أو خطبة النكاح. ففي صحيح مسلم من حديث المنذر بن جرير، عن أبيه قال: [كنا عند رسول الله - ﷺ - في صدْرِ النّهار، فجاءه قومٌ حفاةٌ عُراةٌ مجتابي النِّمار (٢) أو العَباء، متقلدي السيوف. عامّتُهم من مُضَرَ، بل كُلُّهُمْ من مُضَرَ، فتَمَعَّرَ وجه رسول الله - ﷺ - لِمَا رأى بهم من الفاقَةِ، فدخل ثم خرج، فأمَرَ بلالًا فأذّن وأقام، فصلّى ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ...﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ..] الحديث (٣). ثم حضّهم على الصدقة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٥١٦). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٤٣). وانظر تخريج المشكاة (٥٣٠٢)، والمرجع السابق (١/ ٢٨١) لتفصيل مفهومه.\n(٢) أي خارقي أوساطها.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٠١٧)، كتاب الزكاة، في الحث على الصدقة.","vol":"2","page":183},{"text":"٢ - ٤. قوله تعالن: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: أمر من الله بدفع الأموال المستحقة للأيتام إذا بلغوا الرشد، وتحذير من الاستهتار بها أو ضمها أو التلاعب بها، وترهيب من الوقوع في ظلم اليتامى من النساء بنكاحهن دون القسط في مهورهن، فإن الله أباح غيرهن مثنى وثلاث ورباع، وَرَغَّبَ في الاكتفاء بواحدة خشية الظلم، وأمَرَ بدفع المهور للزجات فما سامَحْنَ به فكلوه هنيئًا مريئًا.\nفقوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال مجاهد: (الحلال بالحرام). وقال إبراهيم: (لا تعط زيفًا وتأخذ جيدا]. وقال الضحاك: (لا تعط فاسدًا، وتأخذ جيدًا].\nوقد جاء تفسير آخر عن مجاهد: (لا تعجِّل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدِّر لك). والأول أرجح واختاره ابن جرير. فالمعنى: لا تستبدلوا أموالهم الحرامَ عليكم بأموالكم الحلال لكم. فقد كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيِّد من ماله ويجعلون مكانه لليتيم الرديء والخسيس.\nوقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. قال مجاهد: (لا تأكلوا أموالكم وأموالهم، تخلطوها فتأكلوها جميعًا). يعني لا تخلطوا أموالهم بأموالكم فتأكلوها مع أموالكم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال ابن عباس: (إثمًا عظيمًا). وقال قتادة: (ظلمًا كبيرًا). يعني خلط أموال اليتامى مع أموال الأوصياء إثم كبير.\nوقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: [أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عِذْقٌ، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: ﴿وَإِنْ","vol":"2","page":184},{"text":"خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ - أحسبه - شك من هشام بن يوسف - قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله] (١).\nوفي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة: عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قالت: [يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حِجْر وليِّها، تَشْرَكُه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وَليّها أن يتزوّجها بغير أن يُقْسِطَ في صَدَاقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهُوا أن ينكحوهُنَّ إلَّا أن يُقْسِطوا إليهن، ويبلُغوا بهنَّ أعلى سُنَّتِهنَّ في الصداق، وأمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهُنّ. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله - ﷺ - بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]. قال عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهُوا أن ينكحُوا مَنْ رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كُنَّ قليلات المال والجمال] (٢).\nوقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. أي: انكحوا ما شئتم من النساء سواهن ولا تقعوا في الظلم، ولكم أن ينكح أحدكم إن شاء ثنتين وإن شاء ثلاثًا وإن شاء أربعًا.\nأخرج البيهقي بسند حسن عن ابن عمر: [أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلَمْنَ معه ما فأمره النبي - ﷺ - أن يختار منهن أربعًا] (٣).\nقال الشافعي: (وقد دلّت سنة رسول الله - ﷺ - المبيِّنَة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله - ﷺ - أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة).\nوقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة، أو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٧٣). والعِذْق: النخلة. ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٧٤)، وأخرجه مسلم (٣٠١٨)، والنسائي في \"التفسير\" (١١٠). من حديث عروة بن الزبير عن خالته عائشة ﵂.\n(٣) حديث حسن. أخرجه البيهقي (٧/ ١٨٣)، ورجال إسناده ثقات. وأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٧١)، وله شواهد، عند النسائي وأحمد وابن حبان.","vol":"2","page":185},{"text":"على الجواري السراري، فإنه لا يجب قَسْمٌ بينهن، ولكن يُستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حَرَج).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال مجاهد: (يقول: لا تميلوا). وقال الحسن: (العَوْل الميل في النساء). والمعنى: ألا تجوروا وتظلموا.\nوقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قال ابن عباس: (يعني بـ \"النحلة\"، المهر). وقال ابن جريج: (﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾: فريضة مسماة).\nوالمعنى كما قال ابن جرير: (وأعطوا النساء مهورهن عطيّة واجبة، وفريضة لازمة).\nوقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال ابن زيد: (بعد أن توجبوه لهنّ وتُحلُّوه)، يعني المهر. والمقصود: إن وهب لكم - أيها الرجال - نساؤكم شيئًا من مهورهن بعد أن عُيِّنَ ذلك لهن، طيبة بذلك نفوسهن، ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. قال قتادة: (ما طابت به نفسًا في غير كَرْه أو هوان، فقد أحَلَّ الله لك ذلك أن تأكله هنيئًا مريئًا).\nومعنى ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أي: دواء شافيًا. من: \"هنأت البعير بالقطِران\" إذا جَرِب فعُولج به. والعرب تقول: أمرأني الطعام أي: انهضم. وقوله: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ منصوب على الحال من الهاء في ﴿فَكُلُوهُ﴾.\n٥ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: نَهْيٌ من الله سبحانه عن تعريض الأموال للتلف والتصرف السيِّئ الهزيل بوضعها تحت تصرف السفهاء، وأمْرٌ باختبار اليتامى قبل دفع أموالهم إليهم عند من الرشد، وأنّ على ولي اليتيم الغني أن يستعفف، وللفقير أن يأكل بالمعروف، وأنه لابد من الإشهاد عند دفع الأموال إليهم لئلا يقع التجاحد يومًا ويدخل الشيطان.","vol":"2","page":186},{"text":"فقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾، المعني بالسفهاء عند المفسرين على أقوال:\n١ - قال سعيد بن جبير: (اليتامى والنساء). وقال الحسن: (لا تعطوا الصغار والنساء).\n٢ - قال مجاهد: (النساء والولدان). وقال قتادة: (أمر الله بهذا المال أن يخزن فتُحسن خِزانته، ولا يملكه المرأة السفيهة والغلامُ السفيه).\n٣ - وقال مجاهد: (نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم، وهنّ سفهاء مَنْ كُنَّ أزواجًا أو أمهات أو بنات).\n٤ - قال أبو هريرة: (هم الخدم، وهم شياطين الإنس) رواه ابن أبي حاتم عن معاوية بن قرّة عنه.\nقلت: والسفيه هنا الضعيف التصرف، المستحق الحجرَ بتضييعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبيره، ويشمل كل من كانت هذه صفته.\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة يدعون الله ﷿ فلا يُستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخُلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهًا ماله، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾] (١).\nوقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال ابن عباس: (بمعنى: قوامكم في معايشكم). وقال الحسن: (قيام عيشك). وقال السدي: (فإن المال هو قيام الناس، قِوام معايشهم. يقول: كن أنت قيم أهلك، فلا تعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك).\nوقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. قال مجاهد: (أمروا أن يرزقوا سفهاءهم - من أزواجهم وأمهاتهم وبناتهم - من أموالهم). وقال ابن عباس: (أنفقوا عليهم). وقال السدي: (يقول: أطعمهم من مالك واكسهم).\nوقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال مجاهد: (أمروا أن يقولوا لهم قولًا معروفًا في البر والصلة). وقال ابن جريج: (عِدَة تعدهم) يعني نحو قولك لهم: إن صلحتم ورشدتم سلمنا لكم أموالكم لتديروها بأنفسكم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٠٢)، وابن جرير في \"التفسير\" (٨٣٤٦). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٠٣)، وصحيح الجامع الصغير (٣٠٧٠)، وله طرق.","vol":"2","page":187},{"text":"وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾. قال ابن زيد: (اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو. إذا عُرف أنه قد أُنِسَ منه رُشد، دفع إليه ماله. قال: وذلك بعد الاحتلام).\nوقال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، قال: عند الحلم).\nوقال الحسن: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ قال: رشدًا في الدين، وصلاحًا، وحفظًا للمال). وقال مجاهد: (العقل). وقال ابن جريج: (صلاحًا وعلمًا بما يصلحه).\nوالخلاصة: سن البلوغ يكون عند الحلم -كما ذهب الجمهور من العلماء- وبه ينتهي اليتم وسن الطفولة.\nأخرج أبو داود بسند حسن عن علي قال: [حفظت من رسول الله - ﷺ -: لا يُتْمَ بعد احتلام، ولا صُمَاتَ يوم إلى الليل] (١).\nويعرف الحُلُم بالاحتلام - وهو أن يرى في منامه الماء الدافق الذي يكون منه الولد -، كما يعرف بالشعر الخشن ينبت حول الفَرْج، كما يعرف بسن الخامسة عشرة.\nوفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: [عُرِضت على النبي - ﷺ - يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة فلم يُجِزْني، وعُرضتُ عليه يومَ الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني] (٢).\nقال عمر بن عبد العزيز - لما بلغه هذا الحديث -: (إن هذا الفرق بين الصغير والكبير).\nوفي لفظ ابن ماجة: (هذا فصل ما بين الصغير والكبير).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن عَطِيَّة القُرَظيِّ قال: [عُرِضنا على النبي - ﷺ - يوم قُريظة، فأمر من ينظر من أنبت، فكَان من أنْبَتَ قُتِل، ومن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٨٧٣) في السنن. انظر صحيح أبي داود (٢٤٩٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨)، وأبو داود (٤٤٠٦)، وغيرهم.","vol":"2","page":188},{"text":"لم يُنْبِتْ خُلِّيَ سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فَخُلِّي سبيلي] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود والنسائي بسند جيد عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال -[رفِعَ القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم - أو يستكمل خمس عشرة سنة - وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفِيقَ] (٢).\nوفي الأثر عند أبي عُبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن إسماعيل بن أميَّة، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن عمر: (أن غلامًا ابتهرَ جارية في شِعْرِه، فقال عمر ﵁: انظروا إليه. فلم يُوجَد أنْبَت، فدَرَأَ عنه الحدَّ. قال أبو عُبيد: ابتهَرَها أي: قذفها، والابتهار أن يقول: فعلت بها، وهو كاذب، فإن كان صادقًا فهو الابتيار\" (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾. قال ابن عباس: (يعني: أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ، فيحول بينه وبين ماله). والتقدير: لا تأكلوها مبادرة كِبرهم، فأنْ في محل نصب. والآية تنهى عن المبادرة بأكل أموال اليتامى قبل بلوغهم للاستفادة منها ومنعهم من ذلك.\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nأخرج الشيخان عن عائشة ﵂: [في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا فإنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف] (٤).\nوفي لفظ مسلم: [أنزلت في والي مال اليتيم الذي يقوم عليه ويُصلحه، إذا كان محتاجًا أن يأكل منه].\nوله شاهد عند الإمام أحمد بسند جيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: [أن رجلًا سأل رسول الله فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: كُلْ من مال يتيمك غير\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٤٤٠٤)، والترمذي (١٥٨٤)، والنسائي (٦/ ١٥٥) وابن ماجة (٢٥٤١). وعطية صحابي صغير. وكان ذلك لما حكم فيهم سعد بن معاذ بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم، فقال له النبي - ﷺ -: لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات.\n(٢) حديث إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، وأحمد (٦/ ١٤٤).\n(٣) انظر تفسير ابن كثير - سورة النساء، آية (٦). وعزاه لأبي عبيد في كتاب الغريب.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٥٧٥) - كتاب التفسير - وأخرجه مسلم (٣٠١٩) فيه.","vol":"2","page":189},{"text":"مُسْرف ولا مُبَذِّر ولا مُتَأَثِّل مالًا، ومن غير أن تَقِيَ مالك - أو قال: تَفْدِي مالك - بماله] (١).\nوشاهد آخر عند أبي داود والنسائي عنه بلفظ: [جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إن عندي يتيمًا له مال وليس لي مال، آكل من ماله؟ قال: كُلْ بالمعروف عْير مُسرف] (٢).\nوقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾: أي: فأشهدوا على الأيتام دفعكم إليهم أموالهم واستيفاءهم ذلك منكم. وهو أمر من الله سبحانه لئلا يقع التجاحد يومًا ويدخل الشيطان.\nقال ابن عباس: (إذا دفع إلى اليتيم ماله، فليدفعه إليه بالشهود، كما أمره الله تعالى).\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. قال السدي: (شهيدًا].\nقال ابن كثير: (أي: وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال، هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مُرَوَّج حسابها مُدَلَّس أمورها؟ الله عالم بذلك كله.\nولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أُحبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنَ على اثنين، ولا تَلِيَنَ مال يتيم\" (٣».\n٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٨٦)، وله شواهد، وانظر ما بعده.\n(٢) إسناده قوي. أخرجه أبو داود في السنن (٢٨٧٢)، والنسائي (٦/ ٢٥٦)، ورواه أحمد (٢/ ٢١٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٢٦)، وأبو داود (٢٨٦٨)، والنسائي (٦/ ٢٥٥).","vol":"2","page":190},{"text":"قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أن للذكور من أولاد الرجل إذا مات حصة من ميراثه، وكذلك للإناث حصة منه، من قليل ما خلّف بعده ووكثيره، وهي حصة مفروضة واجبة معلومة. وإذا حضر هذه القسمة الفقراء ممن لا يرث من القرابة، واليتامى والمساكين، فإن إكرامهم أمر يحبه الله ويجزي به. ثم ليتق الله كل من يوصي أن يضرّ بأحد من الورثة أو بأموال اليتامى فإنه كما يحب لذريته من بعده، كذلك عليه أن يحسن في معاملة من وَليَ أَمْرَه. إن الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من أموال اليتامى إنما يأكلون في بطونهم النار مقابل استهتارهم والعياذ بالله.\nفعن قتادة، قال: (كانوا لا يُوَرِّثون النساء، فنزلت: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾). وقال سعيد بن جبير: (كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورِّثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ...﴾ ... الآية).\nوقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قال الفراء: (هو كقولك: قسمًا واجبًا، وحقًّا لازمًا، فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب). وقال الزجاج: (انتصب على الحال).\nوقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.\nالمعنى -كما قال الحافظ ابن كثير-: (أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون، واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوقُ إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يُعطونه، فأمر الله تعالى، وهو الرؤوف الرحيم: أن يُرْضَخَ لهم شيءٌ من الوسَط يكون برًا بهم وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم، وجَبْرًا لكسرهم).\nقلت: وقد خاض الناس فيما سبق في هذه الآية: مِنْ قائل إنها منسوخة بآية المواريث، ومن قائل: إنها محكمة. والصواب ما ذكر البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة). وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: (هي قائمة يعمل بها). وقال مجاهد: (هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم).\nقلت: والآية تشبه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ","vol":"2","page":191},{"text":"إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. فهذه أيضًا ليست بمنسوخة، إنما الواجب على الموصي أن يترك شيئًا من الثلث لفقراء أرحامه وأقاربه الذين لا يرثون.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن سلمان بن عامر، عن النبي - ﷺ - قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.\nفيه تفسيران: الأول - أن يخاف من يحضر الميت أن يأمره بتفريق ماله فيمن لا يرثه وحرمان مستحقه.\nقال ابن عباس: (هذا في الرجل يَحْضُرُه الموت، فَيَسْمَعُهُ رجل يوصي بوصية تضرّ بورثته، فأمر الله تعالى الذي يَسْمَعُه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضَّيعة). وهو قول مجاهد واختيار شيخ المفسرين.\nأخرج البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: [كنت مع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، فمرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، فعادني رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله إن لي مالًا كثيرًا، وليس يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: \". قلت: بشطر مالي؟ قال: لا. قلت: فثلث مالي؟ قال: الثلث، والثلث كثير. إنك يا سعد! أن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس] (٢).\nوأخرج الإمام أحمد والشيخان عن ابن عباس ﵁ قال: [وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية، لأن النبي - ﷺ - قال: الثلث كثير] (٣).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٦٥٨)، والنسائي (٥/ ٩٢)، وابن ماجة (١٨٤٤)، وابن خزيمة (٢٣٨٥)، ورواه أحمد (٤/ ١٧) من حديث سلمان بن عامر ﵁، وصححه ابن حبان (٣٣٤٤) والحاكم. انظر صحيح الجامع (٣٧٥٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٣٢)، ومسلم (١٦٢٨)، وأصحاب (١٥٢٤)، وأصحاب السنن. من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢٠٢٩)، (٢٠٧٦)، والشيخان، والبيهقي (٦/ ٢٦٩) وغيرهم.","vol":"2","page":192},{"text":"الثاني - قيل المراد بالآية: فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى ولا يأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا. حكاه ابن جرير عن العوفي عن ابن عباس.\nوالمقصود هنا أنه كما تحب لذريتك من بعدك، كذلك فعامل الناس في ذريتهم إذا وليتهم. وهذا تفسير حسن أيضًا، وخاصة أنه مؤيد بالآية التي بعده: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.\nقال الجمهور: (إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم) ذكره القرطبي. وقال ابن زيد: (نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورّثون النساء ولا الصغار).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: [اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكلُ الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات] (١).\n١١. قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾.\nفي هذه الآية: ذكرُ الله تعالى تفصيل القسمة الشرعية في المواريث، وذلك بعد أداء الديون عن الميت، فريضة من الله على عباده لا تجوز مخالفتها، والله هو العليم الحكيم.\nأخرج البخاري في صحيحه عن جابر ﵁ قال: [عادني النبي - ﷺ - وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي - ﷺ - لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رشَّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٦٦)، و(٥٧٦٤)، وأخرجه مسلم برقم (٨٩)، ورواه بعض أهل السنن.","vol":"2","page":193},{"text":"عليَّ، فأفقت فقلت ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله، فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾] (١).\nوأخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن جابر ﵁ قال: [جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدًا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا. فقال: يقضي الله في ذلك. فنزلت آية المواريث، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى عَمِّهِما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأُمَّهُما الثمن وما بقي فهو لك] (٢).\nوالآية أمر من الله بالعدل في القسمة للمواريث، فقد كان أهل الجاهلية يجعلون الميراث للذكور ويحرمون منه الإناث، فعاب الله عليهم هذا الظلم، وبيّن سبحانه القسمة الشرعية العادلة، فقال سبحانه:\n﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال البخاري: عن ابن عباس قال: (كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع).\nفجعل للذكر ضعف ما للأنثى لاحتياج الرجل إلى المال أكثر من الأنثى، أثناء معاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، وتكلف المؤونة وما يقوم به أمر الأسرة.\nوقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.\nالمقصود: إن ترك الميت من البنات أكثر من اثنتين فلبناته الثلثان من التركة، دون سائر ورثته، إذا لم يكن الميت خلّف ولدًا ذكرًا معهن.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾.\nالمعنى: إن كانت المتروكة ابنة واحدة ليس معها غيرها من ولد الميت ذكر ولا أنثى، فإنها تستحق نصف الميراث.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٧٧)، ومسلم (١٦١٦)، وأخرجه ابن جرير (٨٧٣٣).\n(٢) حديث صحيح لغيره. أخرجه أبو داود (٢٨٩١)، والترمذي (٢٠٩٢)، وابن ماجة (٢٧٢٠)، وأحمد (٣/ ٣٥٢). وأخرجه الحاكم (٤/ ٣٣٤) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":194},{"text":"وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.\nالمقصود: إن ترك الميت أولادًا، ذكورأ أو إناثًا، واحدًا أو جماعة، فإنه يعطى كل من والدي الميت السدس من تركته وما خلّف من ماله، سواءٌ فيه الوالدة والوالد، لا يزداد أحد منهما على السدس.\nوقد فصّل هنا الفقهاء في أحوال الأبوين في الميراث:\n١ - أن يجتمعا مع الأولاد، فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنتٌ واحدة، فرض لها النصف، ولكل واحد من الأبوين السدس، وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب، فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب.\n\nأولاد + أبوان\nأم: السدس\nأب: السدس\nالباقي للأولاد\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nبنت واحدة + أبوان\nأم: السدس\nأب: السدس + السدس\nالبنت: النصف\n٢ - أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم الثلث، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض.\nأبوان فقط\nالأم: الثلث\nالأب: الثلثان","vol":"2","page":195},{"text":"فلو كان معهما زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع. وتأخذ الأم ثلث الباقي والأب يأخذ ثلثي الباقي. كما يوضح الجدول الآتي أ - ب.\n\nزوج + أبوان\nالزوج: النصف\nالأم: السدس = الثلث × النصف\nالأب: الثلث = الثلثان × النصف\nزوجة + أبوان\nالزوجة: الربع\nالأم: الربع = الثلث × الثلاثة أرباع\nالأب: النصف = الثلثان × الثلاثة أرباع\nوهذا قول عمر وعثمان وأصح الروايتين عن علي. وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور العلماء ﵏: أن الأم تأخذ ثلث الباقي في الحالتين (أ، ب). ويأخذ الأب ثلثيه.\n٣ - اجتماع الأبوين مع الإخوة، وسواء كانوا من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم. فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيُفْرَض لها مع وجودهم السدس. فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب. أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين كحكم الإخوة عند الجمهور.\nإخوة + أبوان\nالأم = السدس\nالأب: الباقي\nوقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. قال قتادة: (أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الاخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك. وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث لأن أباهم يلي نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم).\nقال ابن جرير: (لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده).","vol":"2","page":196},{"text":"وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. قال مجاهد: (يبدأ بالدين قبل الوصية).\nأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سعد بن الأطول: [أن أخاه مات وترك ثلاث مئة درهم. وترك عيالًا. فأردت أن أنفقها على عياله. فقال النبي - ﷺ -: إن أخاك مُحْتبَسٌ بِدَيْنِهِ. فاقض عنه. فقال: يا رسول الله! قد أديت عنه إلا دينارين، ادعتهما امرأة وليس لها بينة. قال: فأعطها فإنها مُحِقّة] (١).\nوأخرج الترمذي وابن ماجة وأحمد بسند حسن عن علي قال: [قضى رسول الله - ﷺ - بالدَّين قبل الوصية. وأنتم تقرؤونها: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وإن أعيان بني الأم ليتوارثون دون بني العَلَّات] (٢).\nوقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. قال مجاهد: (في الدنيا).\nوقال ابن زيد: (أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا، الوالد أو الولدُ الذين يرثونكم، لم يدخل عليكم غيرهم، فرضَ لهم المواريث، لم يأت بآخرين يشركونهم في أموالكم).\nقال القاسمي في التفسير: (أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم. والمعنى: فرض الله الفرائض، على ما هو، على حكمة. ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم. فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة. والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع. وأنتم لا تدرون تفاوتها. فتولى الله ذلك فضلًا منه. ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير).\nوقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾. يعني ما ذكر من تفصيل المواريث هو فرض الله الذي حكم به وقضى بينكم. ونصب ﴿فريضة﴾ على المصدر المؤكد. إذ معنى ﴿يوصيكم﴾ يَفْرض عليكم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: أي: بكل شيء، من قسمة المواريث وغيرها، ﴿حكيمًا﴾ في قسمته وتقديره وشرعه. والخبر منه سبحانه بالماضي كالخبر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (٢٤٣٣). باب أداء الدين عن الميت. انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (١٩٧٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢١٢٢)، وابن ماجة (٢٧١٥). باب الدين قبل الوصية. وأحمد (١/ ١٣١)، والحاكم (٤/ ٣٣٦)، والبيهقي (٦/ ٢٦٧). وانظر صحيح ابن ماجة (٢١٩٥). وقوله: \"بالدين\" أي: بأدائه قبل إخراج الوصية، و\"أعيان بني الأم\" - الأعيان: الإخوة لأب واحد وأم واحدة. مأخوذ من عين الشيء وهو النفيس منه. و\"بني العلات\" الإخوة لأب، من أمهات شتى.","vol":"2","page":197},{"text":"منه بالاستقبال. قال سيبويه: (إن الله ﷿ كان كذلك لم يزل على ما رأيتم) - أي: من الحكمة والعلم.\n١٢. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾.\nفي هذه الآية: الخطاب للرجال أن لهم نصف ما ترك أزواجهم بعد وفاتهن عن غير ولد، فإن كان لهنَّ ولد ذكر أو أنثى يوم يحدث بهن الموت فللرجال الربع مما تركن من مال وميراث، وذلك بعد قضاء الديون، وبعد إنفاذ وصاياهن الجائزة إن كن أوصين بها. وكذلك فإن للنساء الربع مما ترك الرجال إن لم يكن لهم ولد وإلا فالثمن، وذلك بعد قضاء الديون وإنفاذ الوصايا. وإن كان المتوفى لا ولد له ولا والد وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك اشتركوا في الثلث، وذلك بعد قضاء الديون وإنفاذ الوصايا، وصية الله لكم معشر المؤمنين والله عليم حكيم.\nفائدة: سواء في الربع أو الثمن فإن الزوجة والزوجتين والثلاث والأربع يشتركن فيه.\nفقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. قال مجاهد: (يبدأ بالدين قبل الوصية).\nأخرج الترمذي بسند حسن عن علي أنه قال: [إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله - ﷺ - قضى بالدين قبل الوصية، وأن","vol":"2","page":198},{"text":"أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه] (١).\nوكذلك روى الترمذي في الباب عن علي قال: [قضى رسول الله - ﷺ - أن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات] (٢).\nقال أبو عيسى: (والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم).\nو\"أعيان بني الأم\" - مأخوذ من عين الشيء وهو النفيس منه. والأعيان: الإخوة لأب واحد وأم واحدة، بخلاف \"بني العلات\" الإخوة لأب، من أمهات شتى.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾. - الكلالة: من لا ولد له ولا والد.\nوالكلالة: مشتقة من الإكْليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، قال ابن كثير: (والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق، أنه سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشميطان، والله ورسوله بريئان منه: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما وَلي عمر قال: إني لأسْتَحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. كذا رواه ابن جرير وغيره).\nثم ذكر رواية ابن أبي حاتم في تفسيره عن طاووس قال: سمعت ابن عباس يقول: (كنت آخر الناس عهدًا بعُمر، فسمعته يقول: القولُ ما قلت، وما قلتُ، وما قلتُ. قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد). وبه يقول علي، وابن مسعود وقتادة وأهل المدينة والكوفة والبصرة والفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف.\nوقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾. قال قتادة: (فهؤلاء الإخوة من الأم: إن كان واحدًا فله السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء).\nوقال أيضًا: (والكلالة الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جد، ولا ابن ولا ابنة، فهؤلاء الإخوة من الأم). وكان سعد بن أبي وقاص يقرؤها: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ \"من أمه\"﴾ ذكره ابن جرير.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في أبواب الفرائض. انظر صحيح سنن الترمذي (١٠٧٣) - باب ما جاء في ميراث الإخوة من الأب والأم -، ورواه بنحوه ابن ماجة (٢٧١٥).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (١٧٠٤) - الباب السابق، وإسناده حسن.","vol":"2","page":199},{"text":"وقوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.\nيروي ابن أبي حاتم بسنده عن الزهري قال: (قضى عمر أن ميراث الإخوة من الأم بينهم، للذكر مثل الأنثى. قال: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله - ﷺ -، وله الآية التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾).\nفائدة (١): إخوة الأم لهم اختلاف عن بقية الورثة من وجوه:\n١ - أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم.\n٢ - ذكورهم وإناثهم في القسمة سواء.\n٣ - لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جدّ، ولا ولدٍ ولا ولد ابن.\n٤ - لا يأخذون أكثر من الثلث مهما كثر عدد ذكورهم وإناثهم.\nفائدة (٢): (المسألة المشتركة: زوج، وأم أو جَدّة، واثنان من ولد الأم، وواحد أو أكثر من ولد الأبوين).\nمذهب الجمهور: الزوج: النصف\nالأم أو الجدة: السدس\nولد الأم: الثلث\nويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأم. وهو مذهب عمر وعثمان ومالك والشافعي.\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.\nقال ابن عباس: (الإضرار في الوصية من الكبائر) (١).\nوقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. يعني: عهدًا من الله إليكم، وهو العليم بمصالح خلقه، الحليم في ترك معاجلته عقوبتهم إذا ظلموا في القسمة لمواريثهم.\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني (٤/ ١٥١). وهو موقوف على ابن عباس، ولا يصح رفعه.","vol":"2","page":200},{"text":"١٣ - ١٤. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: بيان من الله أن تلك الأحكام هي حدود الله الواجب تعظيمها، فطاعته تعالى تورث الجنان، ومعصيته وتجاوز حدوده يورث العذاب في النيران.\nفعن ابن عباس: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يعني: طاعة الله، يعني المواريث التي سمى الله).\nوقال قتادة: (﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، التي حدّ لخلقه، وفرائضه بينهم من الميراث والقسمة، فانتهوا إليها ولا تعدَّوها إلى غيرها).\nفإن من أقامها كما أمر الله تعالى وقسم، أدخله بساتين النعيم يوم القيامة تجري تحتها الأنهار فيكون بذلك قد حظي بالفوز العظيم الذي ليس يشبهه فوز ونعيم، وإن عصى أمر الله ورسوله وخالف القسمة الشرعية عرّض نفسه لنار الجحيم والعذاب المهين.\n١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: كانت عقوبة الزنا -الثابت بالبينة التامة- أولى الإسلام حبس المرأة في بيت فلا تمكن من الخروج إلى أن تموت، حتى نسخ الله ذلك بالجلد أو الرجم. وكذلك كانت عقوبة اللواط الإيذاء باللسان والضرب حتى نسخ ذلك بالقتل.\nفعن ابن عباس: (﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً","vol":"2","page":201},{"text":"مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ قال: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم).\nوقال الضحاك بن مزاحم: (﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، قال: الحدّ، نسخ الحدّ: هذه الآية).\nأخرج الإمام مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: [خذوا عني، خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكرُ بالبكرِ جَلْدُ مئة ونفي سنة، والثيِّبُ بالثيِّبِ، جَلْدُ مئةٍ والرجم] (١).\nوفي لفظ عند الإمام أحمد - قال عبادة بن الصامت: [كان رسول الله - ﷺ - إذا نزل عليه الوحي أثَر عليه وكُرِبَ لذلك وتَرَبَّد وجهه، فأنزل الله ﷿ عليه ذات يوم، فلما سُرِّيَ عنه قال: خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، الثيِّبُ بالثيِّب، والبكرُ بالبِكْر، والثيبُ جلد مئة، ورَجْمٌ بالحجارة، والبِكرُ جلد مئة، ثم نفي سنة] (٢).\nوقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾.\nقال مجاهد: (نزلت في الرجلين إذا فعلا، لا يَكْني، وكأنه يريد اللواط).\nوقال عكرمة وعطاء: (نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا).\nوقال السدي: (نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا).\nووجه الجمع بين لفظي ﴿واللاتي﴾، ﴿واللذان﴾ كما قال مجاهد: (الآية الأولى في النساء عامة محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الرجال خاصة). فعقوبة النساء الحبسُ، وعقوبة الرجال الأذى. قال قتادة: (كانت الحرأة تحبس ويؤذيان جميعًا، وهذا لأن الرجل يحتاج إلى السعي والاكتساب).\nوالإيذاء كما قال ابن عباس: (النيل باللسان والضرب بالنعال). وقال السدي: (معناه التوبيخ والتعيير). قال ابن كثير: (وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم).\nقلت: ولا شك أن الآية تشمل الزنا واللواط. ويؤيد ذلك اللفظ، قوله في الأولى:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٦٩٠) كتاب الحدود، باب حد الزنى. وأخرجه أبو داود (٤٤١٥)، والترمذي (١٤٣٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (٧١٤٢)، وأحمد (٥/ ٣١٣)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣١٨) من طريق محمد بن جعفر به. وله شواهد.","vol":"2","page":202},{"text":"﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، وفي الثانية ﴿منكم﴾. قال السدي وقتادة وغيرهما: (الأولى في النساء المحصنات. يريد: ودخل معهنّ من أحصِن من الرجال بالمعنى. والثاني في الرجل والمرأة البِكرين). وقال مجاهد: (الرجلان الفاعلان، لا يَكْني).\nأخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من رأيتموه يعملُ عملَ قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به] (١).\nوفي لفظ: (من وجدتموه) بدل: (من رأيتموه).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. أي: إن تابا من الفاحشة التي سقطا في حبائلها وشباكها وراجعا طاعة الله سبحانه وأصلحا دينهما فاصفحوا عنهما وكفوا عنهما الأذى الذي أمرتم به قبل، فلا تعنفوهما بكلام قبيح بعد التوبة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ يحب التوبة لعباده إذا رجعوا إليه فيغفر لهم ما مضى وهو ذو رحمة ورأفة بهم.\nقلت: ولا شك أن هذا إنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: [إذا زنت الأمةُ فتبيَّن زناها فليجلدها ولا يُثَرِّب ...] الحديث (٢).\n١٧ - ١٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: لا يزال الله يغفر للعبد المنيب ما دامت روحه في جسده، فإذا بلغت الحلقوم ولم يتب فقد فات الأوان. وكذلك الذين يموتون وهم كفار، فإن وراءهم العذاب والخذلان.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجة (٢٥٦١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢١٥٢)، كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني، وانظر (٢٥٥٥).","vol":"2","page":203},{"text":"أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغِرْ] (١).\nوفي المسند وصحيح الحاكم عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أُغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (٢).\nوقد سمى الله تعالى الوقوع بالذنب جهالة. قال مجاهد: (كل من عصى الله خطأ أو عمدًا فهو جاهل حتى يَنزع عن الذنب). وقال ابن عباس: (من جهالته عمل السوء).\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال ابن عباس: (ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت).\nوقال الضحاك: (ما كان دون الموت فهو قريب). وقال قتادة: (ما دام في صحته).\nوقال الحسن: (ما لم يغرغر). وقال عكرمة: (الدنيا كلها قريب).\nوقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.\nفإنه إذا حشرج العبد بنفسه وعاين ملائكة ربه أقبلوا لقبض روحه، وبلغت الروح الحلقوم وضاق بها الصدر، فلا تقبل التوبة عندها فقد فات أوانها.\nوفي التنزيل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ - وذلك لأهل الأرض إذا عاينوا طلوع الشمس من مغربها.\nوقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. قال ابن عباس: (أولئك أبعدُ من التوبة).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: أعددنا لهم عذابًا مؤلمًا موجعًا.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجة (٤٢٥٣)، وأحمد (٢/ ١٣٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦١)، والبيهقي في \"الأسماء\" ص (١٣٤)، وأحمد (٣/ ٢٩) نحوه. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٠٤).","vol":"2","page":204},{"text":"١٩ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: نهي الله المؤمنين عن توارث النساء عند موت أزواجهن، أو الإضرار بهن إلا إن أتين بفاحشة فهناك السبل الشرعية، والأمر بحسن المعاشرة وعدم مكارهة الزوجة لتفتدي بما آتاها إن أراد طلاقها، وتحريم نكاح ما نكح الآباء، فإن ذلك كان فاحشة وساء سبيلًا.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك] (١).\nوعن ابن عباس قال: (كانت المرأة في الجاهلية إذا توفى عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا كان أحق بها، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٧٩)، (٦٩٤٨)، وأبو داود (٢٠٨٩)، والنسائي في \"التفسير\" (١١٤). وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي. النساء (١٩).\n(٢) رواه وكيع عن سفيان عن علي بن بَذِيمَة عن مِقْسَم عن ابن عباس. أورده ابن كثير في التفسير، ورجاله رجال الصحيح. وانظر المرجع السابق. سورة النساء - آية (١٩).","vol":"2","page":205},{"text":"وأخرج الطبري بسند حسن عن أبي أمامة قال: [لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فنزلت] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. قال ابن عباس: (ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مَهْر فَيُضرّها لتفتدي). فهو نهي عن الإضرار في عشرة المرأة ومكارهتها حتى تتنازل عن حقوقها وصداقها.\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. فيه تأويلان:\n١ - قال ابن مسعود: (يعني بذلك الزنا). والمقصود: يحق للزوج إن زنت الزوجة أن يسترجع منها الصداق الذي أعطاها، وأن يضاجرها ويكارهها حتى تترك ذلك له وتخالعه. قال أبو قلابة: (إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة، فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه). وقال السدي: (﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وهو الزنا، فإذا فعلق ذلك فخذوا مهورهن).\n٢ - قال ابن عباس والضحاك: (الفاحشة المُبَيِّنَة: النشوز والعصيان).\nوقال ابن عباس: (﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وهو البغض والنشوز، فإذا فعلت ذلك فقد حلّ له منها الفدية). وقال الضحاك: (فإذا نشزت حل له أن يأخذ خُلْعها منها). وقال: (عدل ربنا ﵎ في القضاء، فرجع إلى النساء فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، و﴿الفاحشة﴾: العصيان والنشوز. فإذا كان ذلك من قِبَلها، فإن الله أمره أن يضربها، وأمره بالهجر. فإن لم تدع العصيان والنشوز، فلا جناح عليه بعد ذلك أن يأخذ منها الفدية).\nواختار شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير - أنه يعمّ ذلك كله: الزنا، والعصيان والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك. وقال ابن كثير: (يعني أن هذا كلّه يبيح مضاجَرَتها حتى تُبْرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم).\nقلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن جرير وابن كثير قوي طيب، وفيه معالجة لكثير من مشاكل التمرد من بعض نساء هذا الزمان لمكارهة الزوج على الطلاق بالإخلال بالطاعة، وهو مذهب الإمام مالك. قال مالك: (للزوج أن يأخذ من الناشز جميع\n_________\n(١) إسناده حسن. كما قال الحافظ في الفتح، والسيوطي في اللباب. وانظر المرجع السابق.","vol":"2","page":206},{"text":"ما تملك). وقيده بعض أهل العلم بأن لا يتجاوز ما أعطاها ركونًا لقوله تعالى: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. ذكره القرطبي.\nقلت: ولفظ الفاحشة وإن كان الأشهر أنه الزنا، إلا أنه يتناول أمورًا مؤذية أخرى. قال ابن عبد البر: (الفاحشة قد تكون البذاء والأذى، ومنه قيل للبذيّ: فاحش ومتفحِّش).\nوقد ثبت ذلك فيما أخرجه الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليس المؤمن بالطَّعَّان، ولا اللّعان، ولا الفاحش، ولا البذيّ] (١).\nوأخرج العقيلي بإسناد حسن عن عائشة مرفوعًا: [يا عائشة إياك والفحش إياك والفحش، فإن الفحش لو كان رجلًا لكان رجل سوء] (٢).\nوقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. أَمْرٌ بحسن الصحبة والعشرة. قال السدي: (يقول: وخالطوهن). وقال محمد بن الحسين: (وهي المصاحبة).\nوتشمل المعاشرة التلطف لهن بالقول والهيئة والفعل كما يحب ذلك له منها. قال بعضهم: (هو أن يتصنّع لها كما تتصنّع له). وقال ابن عباس ﵁: (إني أحِبُّ أن أتزينَ لامرأتي كما أحِبُ أن تتزين لي). وقال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي: (أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في مِلْحَفَةٍ حمراءَ ولحيتُه تَقْطُر من الغالية (٣)، فقلت: ما هذا؟ قال: إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطِّيب، وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بحسن العشرة والمصاحبة للزوجة، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا. ومن الأحاديث في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي والدارمي بسند صحيح عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: [خَيْرُكُمْ خيرُكُم لأهله، وأنا خيركُم لأهلي] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١٩٧٨)، وأحمد في المسند (٣٨٣٩)، والحاكم (١/ ١٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٢٥٩)، وحسنه الألباني. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٣٧)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٢٨٢) لتفصيل البحث.\n(٣) هو نوع من الطيب مركب من عود ومسك وعنبر ودهن.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٨٩٥)، والدارمي (٢/ ١٥٩)، وابن حبان (٤١٧٧).","vol":"2","page":207},{"text":"الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح من حديث عمرو بن الأحوص ﵁، عن النبي - ﷺ - قال - في خطبة حجة الوداع -: [ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة (١) فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إن لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخيارهم خيارهم لنسائهم] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [قدم رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لُعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه] (٤).\nالحديث الخامس: وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح عنها: [أنها كانت مع رسول الله - ﷺ - في سفر، وهي جارية. قال: لم أحمل اللحم ولم أُبَدِّنْ. فقال لأصحابه: تقدموا، فتقدموا. ثم قال: تعالى أسابقك، فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما كان بعد، خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال:\n_________\n(١) قال السندي في حاشيته: (والمراد النشوز وشكاسة الخلق، وإيذاء الزوج وأهله باللسان واليد، لا الزنا، إذ لا يناسب قوله: \"ضربًا غير مبرح\"، وهذا هو الملائم لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ الآية، فالحديث على هذا كالتفسير لها، فإن المراد بالضرب فيها هو الضرب المتوسط لا الشديد). انظر آداب الزفاف - ص (١٥١) - الألباني.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٢٠٤) وقال؛ \"حديث حسن صحيح\". وأخرجه ابن ماجة (١/ ٥٦٨ - ٥٦٩). وله شاهد في المسند (٥/ ٧٢). انظر آداب الزفاف ص (١٥٦).\n(٣) حديث حسن الإسناد. أخرجه الترمذي (٢/ ٢٠٤)، وأحمد (٢/ ٢٥٠)، (٢/ ٤٧٢).\n(٤) إسناده صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ٣٠٥)، وأخرجه النسائي في \"عشرة النساء\" (٧٥/ ١).","vol":"2","page":208},{"text":"تعالى أسابقك، ونسيت الذي كان، وقد حملت اللحم، وبدنت، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذه الحال؟ فقال: لتفعلن، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وقال: هذه بتلك السبقة] (١).\nفهذه بعض الروائع من جمال عشرته ﵊ مع زوجاته، وكان يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء أحيانًا، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان دائم التلطف معهن، دائم البِشْر، وهو الأسوة لكل مؤمن إلى يوم القيامة.\nوقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قال ابن عباس: (والخير الكثير: أن يعطف عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا].\nأخرج الإمام مسلم في صححيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر] (٢).\nوقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. القنطار: المال الكثير. والآية نهي عن الإضرار بالزوجة لتفتدي بما آتاها من أجل إرادته استبدالها بزوجة أخرى، حتى ولو كان آتاها قنطارًا من مال.\nقال مجاهد: (﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: طلاق امرأة مكان أخرى، فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر).\nوقوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. أي: أتأخذونه ظلمًا بغير حق، وإثمًا واضح الإثم.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال ابن عباس: (الإفضاء المباشرة، ولكن الله كريم يَكْني عما يشاء). وقال: (الإفضاء هو الجماع). وقال مجاهد: (مجامعة النساء).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٤)، والنسائي في \"عشرة النساء\" (٢/ ٧٤) والسياق له، وأخرجه أبو داود (١/ ٤٠٣)، وابن ماجة (١/ ٦١٠) مختصرًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٤/ ١٧٨ - ١٧٩)، وقوله: \"لا يفرك\" أي: لا يبغض.","vol":"2","page":209},{"text":"وقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ - فيه أقوال:\n١ - الميثاق الغليظ: [ن يقال للناكح: آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان. قال قتادة: (والميثاق الغليظ الذي أخذه للنساء على الرجال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقد كان في عقد المسلمين عند إنكاحهم: \"آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان\").\n٢ - الميثاق الغليظ: هو كلمة النكاح التي استحلّ بها الفرج.\nقال مجاهد: (كلمة النكاح التي استحل بها فروجهن).\n٣ - الميثاق الغليظ: هو قول النبي - ﷺ -: \"أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله\".\nقال الربيع: (والميثاق الغليظ: أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله).\nقلت: والتأويل الثالث أقرب، لما روى مسلم في صحيحه عن جابر - في خطبة حجة الوداع - أن النبي - ﷺ - قال فيها: [واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستَحْلَلْتُم فروجهن بكلمة الله] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.\nأخرج ابن جرير ورجاله رجال الصحيح - إلا محمد بن عبد الله المخرمي وهو ثقة - عن عكرمة عن ابن عباس قال: [كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ - فيه أقوال:\n١ - قيل معناه: لكن ما قد سلف فدعوه. قال القاسمي في التفسير: (أي سوى ما قد مضى في الجاهلية فإنه معفو لكم ولا تؤاخذون به).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجة (٣٠٧٤)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" -حديث رقم- (٨٩٣٩). وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\". سورة النساء، آية (٢٢).","vol":"2","page":210},{"text":"٢ - قيل بل المعنى: ولا تنكحوا نكاح آبائكم - يعني في الجاهلية - إلا ما قد سلف منكم في جاهليتكم من نكاح، لا يجوز ابتداء مثله في الإسلام، فإنه معفو لكم عنه. ذكره ابن جرير في التفسير. ويدل عليه ذكر \"ما\" في قوله: ﴿مَا نَكَحَ﴾ فإن \"مَنْ\" لبني آدم، و\"ما\" لغيرهم. والتقدير: لا تنكحوا مناكح آبائكم في الجاهلية.\n٣ - قيل بل المعنى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز كان عقده بينهم إلا ما قد سلف منهم من وجوه بالزنا عندهم، فإن نكاحهن لكم حلال، لأنهن لم يكن لهم حلائل. وإنما كان ما كان من آبائكم ومنهن من ذلك فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا. قال ابن زيد: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية، قال: الزنا).\nقلت: وجميعها أقوال يحتملها السياق.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. المقت: البغض، وهذا يشير إلى ما يحصل من مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فغالب من يتزوج بامرأة يمقت من سبقه بزواج إليها. ومنه كان تحريم أمهات المؤمنين على الأمة إضافة إلى مقام النبي - ﷺ - وحقه ومكانته. قال عطاء: (﴿وَمَقْتًا﴾: أي: يمقت الله عليه).\nوقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. قال ابن كثير: (أي: وبئس طريقًا من سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئًا لبيت المال. كما رواهُ الإمام أحمد وأهل السنن من طرق، عن البراء بن عازب، عن خاله أبي بردة - وفي رواية: الحارث بن عمرو، وفي رواية: عن عمه -[أنه بعثه رسول الله - ﷺ - إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله] (١».\n٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا\n_________\n(١) حديث قوي بطرقه. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٩٧)، وأبو داود في السنن (٤٤٥٧). وأورده ابن كثير في التفسير. سورة النساء، آية (٢٢). ورواه النسائي (٦/ ١٠٩ - ١١٠).","vol":"2","page":211},{"text":"جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى المحرمات من النساء، والتأكيد على وجوب دفع المهور عند النكاح، والله عليم حكيم. فإلى تفصيل ذلك:\n\nلقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات ما حَرَّم من النساء، وإن المتأمل فيها يجد أن<span data-type=\"title\" id=toc-79> التحريم قسمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>١ - تحريم مؤبد: </span>وهو الذي يمنع المرآة أن تكون زوجة للرجل في جميع الأوقات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٢ - تحريم مؤقت: </span>وهو الذي يمنع المرأة من التزوج بها ما دامت على حالة خاصة قائمة بها، فإن تغير الحال زال التحريم وصارت حلالًا.\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-82> أسباب التحريم المؤبد </span>فهي:\n١ - النسب.\n٢ - المصاهرة.\n٣ - الرضاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>أولًا: المحرمات بسبب النسب:</span>\n١ - الأمهات.\n٢ - البنات.\n٣ - الأخوات.\n٤ - العمات.\n٥ - الخالات.\n٦ - بنات الأخ.\n٧ - بنات الأخت.\nقال ابن عباس: (حرمت عليكم سبعٌ نسبًا وسبعٌ صهرًا، وقرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ...﴾ الآية) (١).\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم بسنده عن سفيان بن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.","vol":"2","page":212},{"text":"وتفصيل ذلك:\n١ - الأم: اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل بذلك الأم، وأمهاتها، وجداتها، وأم الأب، وجداته، وإن عَلَوْن.\n٢ - البنت: اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، أو كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة، بدرجة أو درجات، فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها.\n٣ - الأخت: اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما.\n٤ - العمة: اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما. وقد تكون العمة من جهة الأم: وهي أخت أبي أمك.\n٥ - الخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما، وقد تكون من جهة الأب: وهي أخت أم أبيك.\n٦ - بنت الأخ: اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة، بواسطة أو مباشرة.\n٧ - بنت الأخت: اسم لكل أنثى لأختك عليها ولادة، كالسابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>ثانيًا: المحرمات بسبب المصاهرة</span>.\n١ - أم زوجته، وأم أمها، وأم أبيها، وإن علت. لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. ومجرد العقد لا الدخول هو الذي يحرمها.\n٢ - ابنة زوجته التي دخل بها: ويدخل في ذلك بنات بناتها وبنات أبنائها وإن نزلن، لأنهن من بناتها. لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.\nوالربائب: جمع ربيبة، وربيب الرجل ولد امرأته من غيره.\nولا يشترط أن يكون في بيته أو لا يكون فالحرمة مطلقة.\nولا تحرم الربيبة بمجرد العقد على أمها حتى يدخل بها، فإن طلق أمها قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بالربيبة.\n٣ - زوجة الابن، وابن ابنه، وابن ابنته، وإن نزل. لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾.\nحلائل: جمع حليلة، وهي الزوجة. والزوج حليل.","vol":"2","page":213},{"text":"يروي ابن أبي حاتم عن أشعث، عن الحسن ومحمد: (أن هؤلاء الآيات مبهمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾). أورده ابن كثير وقال: (معنى مُبْهمات: أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرُم بمجرد العقد عليها وهذا متفق عليه).\n٤ - زوجة الأب: يحرم على الابن التزوج بحليلة أبيه مجرد العقد من الأب عليها، ولو لم يدخل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>ثالثًا: المحرمات بسبب الرضاع</span>.\nيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. أي: (الأم، البنت، الأخت، العمة، الخالة، بنات الأخ، بنات الأخت) المبينة بالآية السابقة.\nوبناء على ذلك فَتُنْزَل المرضعة منزلة الأم، وتحرم على المرضَع، هي وكل من يحرم على الابن من قبل أمِّ النسب، فتحرم:\n١ - المرأة المرضعة، فبإرضاعها تعد أمًا للرضيع.\n٢ - أم المرضعة، لأنها جدة له.\n٣ - أم زوج المرضعة، لأنها جدة كذلك.\n٤ - أخت الأم لأنها خالة الرضيع.\n٥ - أخت زوجها لأنها عمة الرضيع.\n٦ - بنات بنيها وَبناتها: لأنهن بنات إخوته وأخواته.\n٧ - الأخت: سواء أكانت أختًا لأب وأم، أو أختًا لأم، أو أختًا لأب.\nقلت: وأصل إلحاق ما يحرم من الرضاع بما يحرم من النسب، ما في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة]. وفي لفظ لمسلم: [يَحْرُمُ من الرضاعة ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مالك (٢/ ٦٠١)، ومن طريقه أخرجه البخاري (٢٦٤٦) ومسلم (١٤٤٤)، والنسائي (٦/ ٩٩)، وأخرجه أحمد (٦/ ١٧٨)، والبيهقي (٧/ ١٥٩).","vol":"2","page":214},{"text":"والرضاع المعتبر هو ما كان في الحولين، لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.\nقال الإمام مالك: (ما كان من الرضاعة بعد الحولين كان قليله وكثيره لا يحرم شيئًا، إنما هو بمنزلة الماء).\nوالرضعة: هي أن يأخذ الصبي الثدي ويمتص اللبن منه ولا يتركه إلا طائعًا من غير عارض.\nأخرج الترمذي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يُحَرِّمُ من الرضاع إلا ما فتق (١) الأمعاء وكان قبل الفطام] (٢).\nوقد اختلف الفقهاء في عدد الرضعات المحرمة:\n١ - ذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله إلى مطلق الرضاع.\nلما روى البخاري ومسلم عن عقبة بن الحارث قال: [تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فأتيت النبي - ﷺ - فذكرت له ذلك. فقال: كيف وقد قيل؟ ... دعها عنك] (٣).\n٢ - وذهب أبو ثور والإمام أحمد - في رواية عنه - إلى ثلاث رضعات. لما روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تُحَرِّمُ المصة ولا المصتان] (٤). وفي لفظ آخر: [لا تُحرِّمُ الإملاجة ولا الإملاجتان].\nولما روى مسلم عن أم الفضل، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصة أو المصتان].\nومن ثمّ فإن أقله عند هؤلاء ثلاث رضعات.\n٣ - وذهب الشافعي وأحمد إلى القول بخمس رضعات مشبعات.\nوقد احتجوا بما روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: [كان فيما أنزل من القرآن\n_________\n(١) فتق الأمعاء: أي وصلها وغذاها واكتفت به دون غيره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١١٥٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٩٢١). وانظر تخريج المشكاة (٣١٧٣)، والإرواء (٢٢٠٩)، وصحيح الجامع (٧٥٠٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٦٠)، كتاب الشهادات، باب شهادة المرضعة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٥١)، والنسائي (٦/ ١٠٠)، وأحمد (٦/ ٣٤٠)، وغيرهم.","vol":"2","page":215},{"text":"عشرُ رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهن فيما يقرأ من القرآن] (١).\nأي نسخت الآية وبقي العمل بها على خمس رضعات، ويبدو في التحقيق أن هذا هو الذي استقر عليه الإسلام، بوفاة المصطفى ﵊. وهو أن ما يحرم من الرضاع يكون بخمس رضعات مشبعات.\nفائدة: الجمهور على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره. قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.\nوهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وجمهور السلف والخلف.\nولكن هناك أثرٌ عند ابن أبي حاتم بسند قوي عن مالك بن أوس قال: (كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب، فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حِجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك) (٢).\nواختاره ابن حزم، وهي من المسائل التي حيّرت ابن تيمية. فقد ذكر الحافظ الذهبي للحافظ ابن كثير أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين بن تيمية فاستشكله وتوقف في ذلك.\nقلت: والراجح ما ذهب إليه الجمهور من إطلاق الخطاب على الربيبة - ابنة الزوجة - سواء كانت في حجر الرجل أم لم تكن في حجره، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.\nالمعنى: تحريم الجمع بين الأختين في الزواج، وكذا في ملك اليمين، إلا ما كان\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٥٢)، وأبو داود (٢٠٦٢)، ومالك (٢/ ٦٠٨)، والترمذي بإثر (١١٥٠)، وابن حبان (٤٢٢١)، وغيرهم.\n(٢) انظر تفسير ابن كثير. سورة النساء، آية (٢٣). وقال: هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم.","vol":"2","page":216},{"text":"من ذلك منكم في جاهليتكم فيعفى عنه. ومن ثم فمن أسلم وتحته أختان خُيِّرَ، فيمسك منهما من شاء ويطلق الأخرى لا محالة.\nأخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه قال: [أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي - ﷺ - أن أُطلِّق إحداهما] (١).\nوفي لفظ: فقال النبي - ﷺ -: (اختر أيَّتهما شئت).\nيروي ابن عبد البر في \"الاستذكار\" بسنده إلى إياس بن عامر قال: (سألت علي بن أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سُرِّية فولدت لي أولادًا، ثم رغبت في الأخرى، فما أصنع؟ فقال علي ﵁: تعتق التي كنت تطَأُ ثم تطأُ الأخرى. قلت: فإن ناسًا يقولون: بل تزوجها ثم تطأ الأخرى. فقال علي: أرأيت إن طلّقها زوجها أو مات عنها، أليس ترجع إليك؟ لأَنْ تَعْتِقَها أسلمُ لك. ثم أخذ عليٌّ بيدي فقال لي: إنه يَحْرُمُ عليك مما ملكت يمينك ما يَحْرُمُ عليك في كتاب الله ﷿ من الحرائر إلا العدد، أو قال: إلا الأربع، ويَحْرُم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب. ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحْلةٌ، لو لم يُصِب الرجل من أقصى المغرب أو المشرق إلى مكة غَيْره لما خابَتْ رحْلَتُه).\nوقال الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن قَبيصة بن ذُؤَيب: (أن رجلًا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يُجْمع بينهما؟ فقال عثمان: أحَلَّتْهُما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك).\nوقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\nأخرج الإمام مسلم وأكثر أهل السنن عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن رسول الله - ﷺ - يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب الرسول - ﷺ - تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن] (٢).\n_________\n(١) حديث إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٢٢٤٣)، والترمذي (١١٢٩)، وابن ماجة (١٩٥٠)، (١٩٥١)، وأحمد (٤/ ٢٣٢)، والبيهقي (٧/ ١٨٤).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٤٥٦) ح (٣٥)، والترمذي (١١٣٢) و(٣٠١٧)، والنسائي في \"التفسير\" (١١٧)، وأحمد (٣/ ٧٢)، وغيرهم.","vol":"2","page":217},{"text":"ومعنى الآية: تحريم نكاح الأجنبيات المحصنات، وهنّ المتزوجات، إلا ما مَلَكْتُموهُنَّ بالسبي، فإنه يحلّ لكم وطؤهن إذا اسْتَبْرَاتُموهُنّ.\nوقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. أي كل ما سبق تحريمه عليكم قد كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه، وشرعه وأمره، ولا تتجاوزوا حدوده.\nوقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. قال عطاء: (أي: ما عدا مَنْ ذُكِرْنَ من المحارم، هُنَّ لكم حلال).\nوقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. يعني الزواج حتى أربع، أو السراري ما شئتم، بالطريق الشرعي من حضور الولي والشاهدين وبذل المهر وإشادة النكاح.\nقال مجاهد: (السفاح: الزنا). وقال السدي: (﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: يقول: محصنين غير زُناة).\nوقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.\nقال ابن زيد: (هذا النكاح، وما في القرآن إلا نكاح. إذا أخذتها واستمتعت بها، فأعطها أجرها، الصداق).\nوقد ذهب بعضهم إلى أن الآية في نكاح المتعة، وهذا على خلاف فهم الجمهور، فإن المتعة حرام إلى يوم القيامة.\nروى مسلم والطبراني عن الربيع بن سَبْرة الجُهني عن أبيه مرفوعًا: [نهى عن المُتعة زمان الفتح متعةِ النساء، وقال: ألا إنها حرامٌ من يومِكم هذا إلى يوم القيامة] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.\nقال ابن عباس: (والتراضي: أن يوفيها صداقها ثم يخيِّرها).\nوقال ابن زيد: (إن وضعت لك منه شيئًا فهو لك سائغ). فالمعنى: لا حرج عليك ولا عليها إن كنت فرضت لها صداقًا فأبرأتك منه أو من بعضه.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بما يصلح شؤونكم في مناكحكم أيها الناس وفي سائر أمور حياتكم، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يدبره لكم ويشرعه من أمر ونهي يخصكم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤/ ١٣٤)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (١/ ١٧٤/ ٢).","vol":"2","page":218},{"text":"٢٥. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآية: تخفيف الله عن المسلمين بإباحة نكاح الإماء حالة الضيق، ونكاح الأمة بإذن سيدها، وحدّ المملوك نصف حد الحر ولا رجم عليه، والصبر على العزبة خير من نكاح الأمة لأنه يفضي إلى إرقاق الولد.\nقال ابن عباس: (﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ يقول: من لم يكن له سَعة). وقال مجاهد فيها: (الغنى). وقال سعيد بن جبير: (الطول الغنى، الطول السعة). وقال ربيعة: (الطول الهوى. قال: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها). والقول الأول أرجح وهو اختيار شيخ المفسرين.\nوقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال سعيد بن جبير: (أما من لم يجد ما ينكح الحرة، تزوج الأمة). وقال ابن عباس: (﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: فلينكح من إماء المؤمنين).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ جملة اعتراضية، مفادها أن لكم أيها الناس الظاهر من الأمور والله أعلم بحقائقها ودفائنها. فلا تستنكفوا من التزوج بالإماء عند الضرورة. قال القرطبي: (ففي اللفظ تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمَة أفضل من إيمان بعض الحرائر).\nوقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، وفي الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض: هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا. قال القرطبي: (والمقصود بهذا الكلام تَوْطِئة نفوس","vol":"2","page":219},{"text":"العرب التي كانت تستهجن ولد الأمَة وتُعيّره وتسميه الهجين (١)، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الأمة فلم يجز للحرّ التزوّج بها إلا عند الضرورة، لأنها تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأمة لا تَفرُغ للزّوج على الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المَوْلى).\nوقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾.\nذهب الشافعي والأوزاعي إلى أنه إذا نكح العبد بغير إذن سيده فسخ نكاحه. قال ابن كثير: (فدلّ على أن السيد هو وَليُّ أمته لا تُزَوّجُ إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس لعبده أن يتزوج إلا بإذنه).\nأخرج أبو داود وابن ماجة بسند حسن عن ابن عمر، النبي - ﷺ - قال: [أيما عبد تزوَّج بغير إذن مواليه فهو زان] (٢). وفي رواية: (فهو عاهر).\nفإن كان من يملك الأمة امرأة لم يجز لها أن تعقد زواجها، بل يزوجها من يزوج المرأة بإذنها. لما أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تزوِّج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها] (٣).\nوقوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يعني الصداق. لا يجوز أن يبخس منه شيئًا لكونهن إماء غير حرائر، فلابد من دفع مهورهن عن طيب نفس، بالمعروف: أي على ما تراضيتم به.\nوقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في سرّ ولا علانية، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، يعني: أخلاء). وقال: (المسافحات: هن الزواني المعلنات). يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة. وقال مجاهد: (﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ قال: الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. قال ابن عباس: (﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: يعني إذا تزوجن). وقال قتادة:\n_________\n(١) الهجين: أبوه عربي وأُمه أمة. أي: غير عربية.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢٠٧٨)، والترمذي (١١١١)، وابن ماجة، وأخرجه أحمد (٣/ ٣٠١)، وأبو يعلى (٢٠٠٠) من جابر، وله شواهد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة وله شواهد، انظر صحيح الجامع الصغير (٧١٧٥).","vol":"2","page":220},{"text":"(أحصنتهن البعولة). وقال: (﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ قال: خمسون جلدة، ولا نفي ولا رجم). وقال ابن عباس: (ليس على أمة حد حتى تحصن، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات) - رواه الطبراني وهو موقوف صحيح ولا يصح رفعه.\nوقال ابن مسعود: (إسلامها إحصانها). وقال السدي: (﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: إذا أسلمن) (١). والأول أرجح ويدل عليه السياق.\nوفي صحيح مسلم عن علي ﵁ أنه خطب فقال: [يا أيها الناس، أقيموا على أرقَّائكم الحد من أَحْصَنَ منهم ومن لم يُحْصِن، فإن أمةً لرسول الله - ﷺ - زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: أحسنت اتركْها حتى تماثل] (٢).\nوالخلاصة: إن الأمَةَ إذا زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله، وإذا زنت ولم تحصن مجلودة بحديث رسول الله - ﷺ - ولا رجم عليها، لأن الرجم لا يتنصّف.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة وزيدِ بن خالد ﵄: [أن رسول الله - ﷺ - سُئِلَ عن الأمَةِ إذا زنت ولم تُحْصَنْ؟ قال: إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بِضَفِير] (٣).\nقال الزُّهري: (فالمتزوجة محدودة بالقرآن، والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث). وقال ابن عبده البر: (ظاهر قول الله ﷿ يقتضي ألا حدّ على أَمَةٍ وإن كانت مسلمة إلا بعد التزوج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن، فكان ذلك زيادة بيان).\nوقال أبو عبد الله الشافعي ﵀: (ولم يختلف المسلمون في أن لا رَجْمَ على\n_________\n(١) هناك قراءة: ﴿فَإِذَا أَحْصَنَّ﴾ بمعنى: إذا أسلمن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام. وهي قراءة مشهورة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٠٣)، والترمذي في الجامِع (١٤٤١)، وأحمد في المسند (١/ ٨٩). وعند عبد الله بن أحمد، عن غير أبيه: \"فإذا تَعافَتْ من نفاسها فاجلدها خمسين\". انظر زوائد المسند لعبد الله بن أحمد (١/ ١٣٦) ح (ح ١١٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٨٣٧)، (٦٨٣٨)، ومسلم برقم (١٧٠٤) ح (٣٣)، ورواه أحمد في المسند (٤/ ١١٧).","vol":"2","page":221},{"text":"مملوك في الزنا، وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال مجاهد: (الزنا). وقال ابن عباس: (العنت الزنا).\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال السدي: (يقول: وأن تصبر ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين، فهو خير لك). والمقصود: أن الصبر على العُزْبة خير من نكاح الأمة، لأنه يُفضي إلى إرقاق الولد.\nوفي الأثر عن عمر: (أيّما حُرٍّ تزوَّج بأمَةٍ فقد أرقّ نصفه).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: غفور لكم نكاح الإماء وما سلف منكم إن أصلحتم، رحيم بكم إذ أذن لكم بنكاحهن عند الافتقار والحاجة.\n٢٦ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يريد الله سبحانه تبيان حلاله وحرامه، ففي معرفة ذلك والتزام حدوده رضاه جل ذكره، كما يريد إرشاد عباده المؤمنين إلى سبل أهل الإيمان والصلاح في الأمم قبلهم، وإلى مناهج الأنبياء والمرسلين في تحريم نكاح الأمهات والبنات والأخوات، فإن الله ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يصلح أحوال عباده في أديانهم ودنياهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ في قدره وشرعه وأمره ونهيه لهم جميعًا. والله يريد كذلك أن يتجاوز عما سلف منكم أيام الجاهلية ويريد أهل الباطل أن تستمروا على الفواحش. والله يريد اليسر بكم في أمر النكاح وفي كل أمر، فإن الإنسان ضعيف أمام النساء.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ - أي: يتجاوز عما كان في جاهليتكم من الاستهتار بنكاح حلائل الآباء والأبناء وغير ذلك مما يستبيحه أهل الجاهلية.\nوقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قال مجاهد: (أن","vol":"2","page":222},{"text":"تكونوا مثلهم، تزنون كما يزنون). قال: (﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، قال: الزنا، ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾، قال: أن تزنوا).\nوقال ابن زيد: (يريد أهل الباطل وأهل الشهوات في دينهم، أن تميلوا في دينكم ميلًا عظيمًا، تتبعون أمو دينهم، وتتركون أمرَ الله وأمرَ دينكم).\nوقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. قال مجاهد: (في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر).\nوقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال طاووس: (في أمور النساء. ليس يكون الإنسان في شيء أضعفَ منه في النساء)،\n٢٩ - ٣١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾.\nفي هذه الآيات: يعقب الله سبحانه بتذكير عباده بأمور أخرى من أمور الجاهلية يحبهم أن يتنزهوا عنها ويترفعوا عن السقوط في أوحالها، كالربا والقمار، وفاسد العلاقات في الأموال، كما ينهاهم عن قتل النفس المفضي إلى عذاب النار، ثم يقرّر أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر من الأعمال.\nيروي ابن جرير بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: (في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: \"إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهمًا\"، قال: هو الذي قال الله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.\nوقال السدي: (أما أكلهم أموالهم بينهم بالباطل، فبالربا والقمار والبخس والظلم).\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. قال قتادة: (التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرِّها. وقد كنا نحدَّث: أن التاجرَ","vol":"2","page":223},{"text":"الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة). وقال السدي فيها: (﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾، ليربح في الدرهم ألفا إن استطاع).\nوقرأها أكثر أهل الحجاز والبصرة ﴿تِجَارَةً﴾، والتقدير: إلا أن توجد تجارة، وعندها ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾ تامة لا حاجة بها إلى خبر.\nوأما قراء الكوفة فقرؤوها ﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب على الخبر. والتقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة عن تراض منكم. وكلاهما قراءتان مشهورتان عند قراء الأمصار.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [إن المُتَبايعَيْن بالخيار في بيعهما ما لم يتفرّقا، أو يكون البيعُ خِيارًا] (١).\nقال نافع: (وكان ابنُ عمر إذا اشترى شيئًا يُعجبه فارقَ صاحِبَه).\nوفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن حكيم بن حِزامٍ ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [البَيِّعَانِ بالخِيار ما لم يتفرّقا - أو قال: حتى يتفرقا - فإن صدقا وبَيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذّبا مُحِقَت بركةُ بيعهما] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال: [رحم الله رجلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اشترى، وإذا اقتضى] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال السدي: (يقول: أهل ملتكم).\nوقال عطاء: (قتل بعضكم بعضًا). قال ابن جرير: (يعني: ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملة واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضَهم من بعض. وجعل القاتل منهم قتيلًا، في قتله إياه منهم، بمنزلة قتله نفسه، إذ كان القاتل والمقتول أهلَ يد واحدة على من خالف مِلَّتَهما).\nقلت: والآية في سياقها أعم من ذلك، فإن أكل أموال المسلمين بغير حق بمثابة قتل يُعمل فيهم، وإن ارتكاب المنكرات والمحرمات والآثام وتركها تفشو في حياة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢١٠٧)، كتاب البيوع، وأخرجه مسلم برقم (١٥٣١)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٧٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٠٧٩)، كتاب البيوع، وانظر صحيح مسلم (١٥٣١)، وسنن النسائي (٧/ ٢٤٩)، وسنن البيهقي (٥/ ٢٦٩)، وصحيح ابن حبان (٤٩١٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٠٦٧)، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع، ومن طلب حقًّا فليطلبه في عفاف.","vol":"2","page":224},{"text":"المسلمين هو بمثابة إجهاز عليهم وقتل لوجودهم ومصدر إعدام لقوة شوكتهم وكيانهم في الأرض، فإن انتشار الفواحش موت للأمة.\nأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [خمس بخمس: ما نقض قومٌ العهدَ إلا سُلِّطَ عليهم عدوهه، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا مُنعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبِسَ عنهم القطر] (١)\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. أي: في ما أمركم به، ونهاكم عنه، فإنه ما شرع أمرًا إلا رحمة بكم، ولم يقض قضاء إلا كان خيرًا لكم.\nأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند صحيح، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبت للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاء إلا كان خيرًا له] (٢). وفي لفظ: [عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له].\nوقد ورد ذكر هذه الآية على لسان عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل حين تيمّم وصلى بأصحابه - من شدهّ البرد - فأقرّ النبي - ﷺ - فهمه لها.\nفقد أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال لما بعثه النبي - ﷺ -، عام ذات السلاسل قال: [احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أَنْ أهْلِكَ، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. قال: فلما قَدِمنا على رسول الله - ﷺ -، ذكروا ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنُبٌ. قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلِكَ، فذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فتيمّمتُ ثم صَلّيت. فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا] (٣).\nولا شك أن الآية تتناول أيضًا من قتل نفسه بحديدة أو سمٍّ أو أية وسيلة أخرى أراد بها إزهاق روحه ومعاجلة نفسه.\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج الترغيب (١/ ٢٧١)، وصحيح الجامع الصغير (٣٢٣٥).\n(٢) حديث صحيح. رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٥/ ٢٤). وانظر مسند أبي يعلى (٢٠٠/ ٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٤٨).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٣)، وأبو داود (٣٣٤)، والحاكم (١/ ١٧٧). وسنده حسن.","vol":"2","page":225},{"text":"ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يَجَأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مُخلَّدًا شيها أبدًا، ومن قتل نفسه بِسُمٍّ فَسُمُّهُ في يده، يتحسّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو مُتَرد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا] (١).\nوفي الصحيحين عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جُرح، فأخذ سكينًا نَحَرَ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله ﷿: عبدي بادرني بنفسه، حَرَّمت عليه الجنة] (٢).\nوفيهما عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ قَتَل نفسه بشيء عُذِّبَ به يوم القيامة] (٣).\nوقوله قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يخبر الله تعالى عن مصير من عاند أمره أو خالفه عامدًا متكبرًا ظالمًا متجاوزًا غير تائب ولا أواب، بأن له النار وبئس المصير.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [ارحموا تُرحموا، واغفروا يُغفر لكم، ويلٌ لأقماع القول، ويلٌ للمصرِّين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. يروي ابن جرير بسنده عن مسروق، عن عبد الله قال: (الكبائر، من أول \"سورة النساء\" إلى ثلاثين منها).\nوقد وردت أحاديث صحيحة تُعَرِّفُ بالسبع الكبائر أو التسع:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول إلله، وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، وقتل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٧٧٨)، وأخرجه مسلم (١٠٩)، وأحمد (٢/ ٢٥٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٦٤)، ومسلم (١١٣)، وأخرجه البيهقي (٨/ ٢٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٦٣)، ومسلم (١١٠)، وأبو داود (٣٢٥٧)، وغيرهم.\n(٤) إسناده صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٥)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٨٠).","vol":"2","page":226},{"text":"النفس التي حرّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقَذْفُ المحصنات الغافلات المؤمنات] (١).\nالحديث الثاني: أخرج النسائي وأحمد بسند صحيح عن أبي أيوب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من عَبَد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة - أو دخل الجنة. فسأله رجل: ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: [الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين. وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى. قال: قول الزور - أو شهادة الزور -] (٣). وفي لفظ: [ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت].\nالحديث الرابع: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند صحيح، عن طَيْسَلَة بن مَيّاس قال: [كنت مع النَّجَدَات (٤)، فأصبت ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرت ذلك لابن عمر قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا. قال: ليست هذه من الكبائر. هن تسع: الإشراك بالله، وقتل نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد، والذي يستسخر (٥)، وبكاء الوالدين من العقوق. قال لي ابن عمر: أتفرق من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: أي، والله! قال: أحيٌّ والدك؟ قلت: عندي أمي. قال: فو الله! لو ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر] (٦).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: [قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ - وَفي رواية: أكبر - قال: أن تجعل لله ندًّا وهو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" -حديث رقم- (٣٤٧٢)، وأحمد في المسند (٥/ ٤١٣)، ورجال النسائي ثقات.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٧٧) ومسلم (٨٨) وأحمد (٣/ ١٣١)، وانظر الرواية الأخرى، وفيها: وكان متكئًا فجلس. أخرجه البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧).\n(٤) النَّجْدات: أصحاب نَجدة بن عامر الخارجي، وهم قوم من الحروريّة.\n(٥) يستسخر: الاستسخار من السخرية.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" -حديث رقم- (٨). باب لين الكلام لوالديه.","vol":"2","page":227},{"text":"خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك] (١).\nالحديث السادس: أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [الخمر أمُّ الفواحش، وأكبرُ الكبائر، من شَرِبها وقع على أمه وخالته وعمته] (٢).\nالحديث السابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس - شعبةُ الشاكّ - واليمين الغموس] (٣).\nوفيه عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه] (٤).\nالحديث الثامن: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: [ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجلٌ كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعْطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سَخِط، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال، والله الذي لا إله غيره لقد أَعْطيتُ بها كذا وكذا، فصدّقه رجل، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]] (٥).\nوقد استعرضت بقية الكبائر في كتابي: \"منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن\". وفيه ذكر للأمور التي نهى الله عنها وحذر منها، بشيء من التفصيل، ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. قال قتادة: (إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦)، وأحمد (١/ ٤٣١).\n(٢) حديث حسن. رواه الطبراني (١١٣٧٢)، (١١٤٩٨)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٨٥٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٧٥)، وأحمد (٢/ ٢٠١)، والترمذي (٣٠٢١)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠)، وأحمد (٢/ ٢١٤)، وغيرهم.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٣٥٨)، كتاب المساقاة، وأخرجه مسلم برقم (١٠٨)، ورواه النسائي (٧/ ٢٤٦).","vol":"2","page":228},{"text":"وقوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. قال السدي: (\"الكريم\"، هو الحسن في الجنة).\n٣٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.\nفي هذه الآية: النهي عن تمني ما بيد الآخرين من النعم، وما قسم الله لكل من الذكر والأنثى في الأموال والإرث، والترغيب بسؤال الله من فضله.\nقال ابن عباس: (لا يتمنى الرجل يقول: \"ليت أن لي مال فلان وأهلَه\"! فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله).\nوقال الحسن: (تتمنى مال فلان ومال فلان! وما يدريك؟ لعل هلاكه في ذلك المال).\nوقال غيره: (نهيتم عن الأماني، ودُللتم على ما هو خير منه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾).\nوقال عطاء: (نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكنَّ رجالًا فيغزون) رواه ابن جرير.\nقلت: والصحيح المسند في ذلك ما رواه الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: [يغزوا الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله ﵎: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾] (١).\nوقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني: ما ترك الوالدان والأقربون. يقول: للذكر مثل حظ الأنثيين).\nوقال عكرمة فيها: (في الميراث، كانوا لا يورّثون النساء).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤١٩)، كتاب التفسير، سورة النساء، آية (٣٢).","vol":"2","page":229},{"text":"وقال ابن جرير: (للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال).\nوقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فعنده خزائن السماوات والأرض، فلا يشغلكم التمني بل ليشغلكم سؤاله جل ذكره.\nأخرج الطبراني بسند صحيح عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: [إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه] (١). وفي رواية: [إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه].\nوقال ليث - كما يروي ابن جرير -: ﴿فَضْلِهِ﴾: (العبادة، ليس من أمر الدنيا).\nوقال مجاهد: (ليس بعرض الدنيا). وقال السدي: (﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم).\nأخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي - ﷺ - كان يقول: [اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى] (٢).\nوفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: [كان أكثر دعاء النبي - ﷺ -: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار] (٣).\nوروى الطبراني بسند صحيح عن العرباض بن سارية، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه سر الجنة] (٤).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ذا علم. فلا تتمنوا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته، والتسليم لأمره، والرضى بقضائه، ومسألته من فضله).\nقلت: وقد استثنى الحديث نوعًا من التمني، يجوز للعبد في مثله، لا في تمني عين النعمة التي عليها صاحبه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني بإسناد صحيح من حديث عائشة ﵂. انظر صحيح الجامع الصغير حديث رقم (٤٥٠)، وكذلك رقم (٦٠٥) للرواية الثانية.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم وغيره من حديث ابن مسعود. انظر صحيح الجامع (١٢٨٦).\n(٣) حديث صحيح. وفي لفظ مسلم: (كان أكثر دعوة يدعو بها يقول ...). انظر مختصر صحيح مسلم (١٨٧٣). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الطبراني بإسناد صحيح من حديث العرباض. انظر صحيح الجامع (٦٠٦).","vol":"2","page":230},{"text":"ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها].\nوأخرجاه من حديث ابن عمر بلفظ: [لا حسد إلا على اثنين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا، فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار] (١).\nوفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقًّا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أنّ لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء ..] الحديث (٢).\n٣٣. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾.\nفي هذه الآية: لقد جعل الله سبحانه للناس عصبة - لكل منهم - يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. وقد كان لمن تحالفتم معه - أيها المؤمنون - بالأيمان المؤكدة جزء من الميراث ثم نسخ هذا الحكم فصار الميراث في ذوي الرحم.\nفقوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم). والعرب تسمي ابن العم \"مولى\".\nقال ابن عباس: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، قال: ورثة). وقال مجاهد: (الموالي، العصبة). وقال: (هم الأولياء). وقال قتادة: (الموالي، أولياء الأب،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ٤٩١)، ومسلم (٢/ ٢٠١)، وأحمد (٢/ ٩). وانظر للرواية الأولى مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢١٠٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٣٢٥). انظر صحيح سنن الترمذي (١٨٩٤). ورواه أحمد. انظر تخريج الترغيب (١/ ٢٦)، وصحيح الجامع الصغير (٣٠٢١)، وهو جزء من حديث أطول.","vol":"2","page":231},{"text":"أو الأخ، أو ابن الأخ، أو غيرهما من العصبة). وقال السدي: (أما \"موالي\"، فهم أهل الميراث).\nقال البخاري: (وقال مَعْمَر: ﴿مَوَالِيَ﴾ أولياءَ ورثة).\nوقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. أي: من ترِكَة والديه وأقربيه من الميراث.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: تحالفتم معهم بالأيمان المؤكدة فأعطوهم من الميراث. وهذا حكم منسوخ فصار الميراث في ذوي الرحم.\nأخرج البخاري عن ابن عباس: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: وَرَثة، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحِمه، للأخوة التي آخى النبي - ﷺ -، بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر والرِّفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له) (١).\nوقال البخاري: (﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. هو مولى اليمين: وهو الحليف. والمولى أيضًا: ابن العم، والمولى: المُنْعِمُ المُعْتِق، والمولى: المُعْتَقُ، والمولى: المليكُ، والمولى: مَوْلىً في الدين).\nوقرأها قراء الكوفة: ﴿عَقَدَتْ﴾، وقرأها آخرون ﴿عاقَدَتْ﴾ وكلاهما مشهور.\nأخرج الإمام مسلم عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا حِلْفَ في الإسلام، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدَّة] (٢).\nقال الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجَّاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، ويقول: ترثني وأرِثُكَ. وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله - ﷺ -: \"كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عَقْدَ ولا حلف في الإسلام\". فَنَسَخَتْها هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٨٠)، كتاب التفسير، سورة النساء، آية (٣٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٣٠)، وأحمد (٤/ ٨٣)، والبيهقي (٦/ ٢٦٢) وغيرهم.\n(٣) ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير - سورة النساء - آية (٣٣)، وإسناده صحيح.","vol":"2","page":232},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي: فآتوا الذين عقدت أيمانكم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرأي والله خير الشاهدين.\n٣٤. قوله تعالى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾.\nفي هذه الآية: إثبات القيادة للرجل في أهله وولده، فهو الأجدر بضم الأسرة ومعرفة مصالحها، وما ينبغي من الإنفاق فيها، فالرجل قيم على المرأة وهو رئيسها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، يعني: أُمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرَها الله به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنة إلى أهله، حافظةً لماله، وفضّله عليها بنفقته وسعيه).\nوقال السدي: (﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ قال: يأخذون على أيديهن ويؤدّبونهنَّ).\nوقال ابن المبارك: سمعت سفيان يقول: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، قال: (بتفضيل الله الرجال على النساء). قلت: وهذا التفضيل يشمل الإمارة والقضاء.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ - قال: [لَنْ يُفلحَ قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة] (١).\nوقوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.\nقال ابن عباس: (فضله عليها بنفقته وسعيه). وقال سفيان: (بما ساقوا من المهر).\nوقال الشّعبي: (الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها، ولو قَذَفَتْه جُلِدَت).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٢٥)، (٧٠٩٩)، والنسائي (٨/ ٢٢٧)، وأحمد (٥/ ٤٣).","vol":"2","page":233},{"text":"وقوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.\nقال سفيان: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾، يعملن بالخير). وقال ابن جرير: (﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾، المستقيمات الدين، العاملات بالخير).\nوقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾. قال ابن عباس: (مطيعات). وقال قتادة: (مطيعات لله ولأزواجهن).\nوقوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. قال السدي: (تحفظ على زوجها ماله وفرجَها حتى يرجع، كما أمرها الله). وقال قتادة: (حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن). وقال عطاء: (حافظات للأزواج).\nوقد جاءت السنة الصحيحة بالثناء العطر على الزوجات الصالحات القانتات، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [الدنيا كلُّها متاع، وخيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [خيرُ النساء التي تَسُرُّه إذا نَظَرَ، وتُطيعُهُ إذا أمَر، ولا تُخالفُهُ في نفسها ولا مالِها بما يكره] (٢).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث عبد الله بن سلام، بلفظ: [خير النساء من تُسِرُّك إذا أبْصَرْتَ، وتطيعك إذا أمرتَ، وتحفظُ غيبتك في نفسها ومالك].\nالحديث الثالث: أخرج ابن حبان والحاكم بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي - ﷺ - قال: [أربعٌ من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسعُ، والجارُ الصالح، والمركب الهنيء. وأربعٌ من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٦٩) كتاب الرضاع. باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٥١، ٤٣٢، ٤٣٨)، والنسائي (٢/ ٧٢). والشاهد رواه الطبراني كما قال الهيثمي (٤/ ٢٧٣). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٣٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٢٣٢)، وأحمد (١/ ١٦٨) نحوه، والحاكم.","vol":"2","page":234},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.\nالنشوز: استعلاء المرأة على زوجها، بترك فراشه أو مخالفته فيما يلزم طاعته.\nوأصل النشوز: الارتفاع. ويقال للمرتفع من الأرض \"نشْز\" و\"نَشَاز\".\nوأقوال الصحابة والتابعين في ذلك متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، تلك المرأة تنشز، وتستخف بحق زوجها ولا تطيع أمره).\n٢ - قال السدي: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قال: بغضهن).\n٣ - وقال ابن زيد: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، قال: التي تخاف معصيتها. قال: \"النشوز\"، معصيته وخِلافه). وقال عطاء: (\"النشوز\": أن تحب فراقَه، والرجلُ كذلك).\nوقوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال ابن عباس: (يعني: عظوهن بكتاب الله. قال: أمره الله إذا نشزت أن يعظها ويذكّرها الله، ويعظِّم حقّه عليها). وقال سعيد بن جبير: (عظوهن باللسان).\nوقد جاءت السنة الصحيحة بالتحذير الشديد للمرأة من النشوز ومعصية الزوج، والترغيب الكبير في خدمته وطاعته، فإن رضا الله في رضاه. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح] (١).\nورواه البخاري بلفظ: [إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تصبح] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن أبي أوفى قال: [لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عِظَمِ حَقِّهِ عليها] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه، برقم (١٤٣٦) ح (١٢٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦)، وأحمد (٢/ ٤٣٩)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢٣٢٢)، وابن ماجة (١٨٥٣)، وابن حبان (٤١٧١)، وغيرهم.","vol":"2","page":235},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح، عن حصين بن محصن قال: [حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله - ﷺ - في بعض الحاجة فقال: أي هذه! أذات بعل؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، قال: فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك] (١).\nفإن لم ينفع الوعظ مع المرأة، شرع الله له المرحلة الثانية في التأديب: وهي الهجر.\nقال ابن عباس: (عظوهن، فإن أطعنكم، وإلا فاهجروهن).\nوهو قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. وفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (يعني بالهجران: أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها). وقال سعيد بن جبير: (الهجر هجر الجماع).\n٢ - وقال السدي: (أمّا ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، فإن على زوجها أن يعظها، فإن لم تقبل فليهجرها في المضجع. يقول: يرقد عندها ويولِّيها ظهره ويطؤها ولا يكلمها). وقال الضحاك: (يضاجعها، ويهجر كلامها، ويولّيها ظهره).\n٣ - وقال سعيد بن جبير: (﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، يقول: حتى يأتين مضاجعكم). وفي رواية لابن عباس قال: (يعظها، فإن هي قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها، من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد).\n٤ - وقال عكرمة: (إنما الهجران بالمنطق: أن يغلظ لها، وليس الجماع). وقال ابن عباس: (يهجرها بلسانه، ويُغْلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها).\nقلت: وكلها معان محتملة يحتملها البيان الإلهي، وكذلك ما جاء في صحيح السنة. فقد أخرج أبو داود وأحمد وغيره عن معاوية بن حَيْدة القُشَيريِّ أنه قال: يا رسول الله، ما حق امرأةِ أحدنا عليه؟ قال: [أن تُطْعِمها إذا طَعِمْتَ، وتكسوها إذا اكتسيْتَ، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهْجُر إلا في البيت] (٢).\nوقوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.\nهي المرحلة الثالثة من مراحل التأديب، أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة والهجران\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٤١)، وابن أبي شيبة (٧/ ٤٧/ ١)، والنسائي في العِشرة.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢١٤٣)، وأحمد (٥/ ٥)، وابن ماجة (١٨٥٠). وسنده حسن.","vol":"2","page":236},{"text":"فيمكن أن تضربوهُنّ ضربًا غير مُبَرِّح. قال الحسن البصري: (يعني غير مؤثر).\nوقال ابن عباس: (تهجرها في المضجع، فإن أقبلت، وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها صْربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا. فإن أقبلت وإلاّ فقد حلّ لك منها الفدية).\nوعن عطاء قال: (قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: بالسواك ونحوه).\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر، عن النبي - ﷺ - أنه قال في حجة الوداع: [واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يُوطِئن فرشكم أحدًا تكوهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مُبَرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف] (١).\nوفي سنن أبي داود عن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب قال: [قال النبي - ﷺ -: لا تضربوا إماء الله. فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله - ﷺ - فقال: ذَئِرَت النساء على أزواجهنَّ، فَرَخَّصَ رسول الله - ﷺ - في ضربهنَّ، فأطاف بآل رسول الله - ﷺ - نساءٌ كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله - ﷺ -: لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجَهُنَّ، ليس أولئك بخياركم] (٢).\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: (إذا أطاعتك فلا تتجنَّ عليها العلل). وقال سفيان: (إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه، لأن قلبها ليس في يديها). وقال الثوري: (إذا أتت الفراش وهي تبغضه).\nوالخلاصة: إن رجعت إلى الطاعة وامتثلت ما يحب مما أباحه الله له منها فلا يحق له بعد ذلك ضربها أو هجرانها. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾: تهديد للرجال إذا تطاولوا بالضرب بعد الطاعة، فإن الله العلي الكبير وليّهن ينتقم ممن بغى عليهن أو ظلمهن فاحذروا البغي معاشر الرجال.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجة (٣٠٧٤)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢١٤٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩١٦٧)، وابن ماجة (١٩٨٥).","vol":"2","page":237},{"text":"٣٥. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.\nفي هذه الآية: الترغيب في إعادة الوفاق بين الزوجين عند الخلاف، وسدّ السبل على الشيطان، والله يعين على الرفق والإصلاح.\nقال السدي: (إن ضربها. فإن رجعت، فإنه ليس له عليها سبيل. فإن أبت أن ترجع وشاقّته، فليبعث حكمًا من أهله، وتبعث حكمًا من أهلها).\nوذكر ابن جرير بسنده عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس قال: (بعثت أنا ومعاوبة حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان ﵄ بعثهما، وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تُفَرِّقا فرّقتما).\nوقال قتادة: (إنما يبعث الحكمان ليصلحا. فإن أعياهما أن يصلحا، شهدا على الظالم بظلمه، وليس بأيديهما فرقة، ولا يُمَلّكان ذلك).\nقلت: ووجه الجمع بين القولين في هذه المسألة أنّ الخطاب يشمل المسلمين والسلطان في ذلك، فأمر الله المسلمين ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، فإن تعذر الإصلاح فالأمر للقاضي أو السلطان فهو الذي يفرِّق إن شاء.\nوقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. قال سعيد بن جبير: (إن يرد الحكمان إصلاحًا أصلحا). وقال مجاهد: (يوفق الله بين الحكمين).\nيعني: إن أخلص الحكمان وأرادا بعملهما وجه الله تعالى يسدد خطاهما للإصلاح.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بما أراد الحكمان من صدق الإصلاح ﴿خَبِيرًا﴾ بذلك وبغيره من أمورهما وأمور العباد جميعًا، لا يخفى عليه شيء، ثم يجازي كلًّا بنيّته وعمله.","vol":"2","page":238},{"text":"٣٦. قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾.\nفي هذه الآية: يخاطب سبحانه عباده آمرًا لهم أن يفردوه سبحانه بالعبادة والتعظيم، ثم يوصي بالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين خيرًا، ثم يوجه الوصية للعناية بالجار والإحسان إليه، ثم ابن السبيل وما ملكت الأيمان، فإن من لا يشكر الله ولا يقوم بحق أرحامه: الوالدين والأقربين، وجيرانه وما أوصى الله، كان مختالًا متكبرًا يبغضه الله.\nوفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: [كنت رديف النبي - ﷺ - على حمار، فقال لي: يا معاذُ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقّ العباد على الله: أن لا يعذب من لا يُشرك به شيئًا. قلت: يا رسول الله، أفلا أبشِّر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا] (١).\nقال ابن القيم: (\"الإله\" هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالًا وإنابة، وإكرامًا وتعظيمًا، وذلًا وخضوعًا، وخوفًا ورجاء وتوكلًا).\nوقال ابن رجب: (\"الإله\" هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاءً له، ولا يصلح هذا كله إلا لله ﷿. فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله \"لا إله إلا الله\" وكان فيه من عبودية المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك) (٢).\nوقد قرن سبحانه في كتابه كثيرًا بين إفراده بالعبادة والإحسان إلى الوالدين، فقال جل ذكره: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣/ ٣٠٠)، كتاب التوحيد. وأخرجه مسلم (٣٠) في الإيمان.\n(٢) انظر فتح المجيد (٤٧)، وكتابي: أصل الدين والإيمان، (١/ ١٠٠)، وكذلك لقول ابن القيم.","vol":"2","page":239},{"text":"أخرج البخاري في الأدب المفرد، وابن ماجة في السنن، والحاكم في المستدرك، بسند حسن عن أبي الدرداء قال: [أوصاني رسول الله - ﷺ - بتسع: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقْتَ، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومن تركها متعمدًا برئت منه الذمة (١)، ولا تشربنّ الخمر، فإنها مفتاح كل شر، وأطع والديك، وإن أمراك أن تخرجَ من دنياك، فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الأمر، وإن رأيت أنَّك أنت (٢)، ولا تفِرَّ من الزَّحف، وإن هلكت وفرَّ أصحابك، وأنفق من طَوْلك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله ﷿] (٣).\nوأخرج هو والحاكم عن أبي أيوب الأنصاري: [أن أعرابيًا عرض للنبي - ﷺ - في مسيره، فقال: أخبرني ما يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم] (٤).\nوقوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾. أي أَمْرٌ بالإحسان إليهم، وهم ذوو قرابة الرجل من قبل أبيه أو أمه، فأمر بصلتهما سبحانه، فإن الرحم تحتج على صاحبها يوم القيامة.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ﷿ لما خلقَ الخلق قامت الرحم فأخذت بِحقْوِ الرحمن، فقال: مَهْ، قالت: هذا مقامُ العائذِ بكَ من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أَصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب! قال: فذاك لك. قال أبو هريرة: ثم قال رسول الله - ﷺ -: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالهَا﴾] (٥).\nوقد أخبر النبي - ﷺ - عن أثر صلة الأقارب بثراء المال وطول العمر والمحبة في الأهل. فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن عمرو بن سهل، عن\n_________\n(١) أي: أن لكل أحد من الله عهدًا بالحفظ والكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما حرم عليه، أو خالف ما أُمر به خذلته ذمة الله. \"النهاية\". صحيح الأدب المفرد ص ٣٨.\n(٢) أي: أنك أنت وحدك على الحق.\n(٣) حديث حسن. انظر: \"صحيح الأدب المفرد\" للإمام البخاري -حديث رقم- (١٤)، باب يبرُّ والديه ما لم يكن معصية.\n(٤) حديث صحيح. انظر: \"صحيح الأدب المفرد\" للإمام البخاري - (٣٥)، باب صلة الرحم.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٠)، وانظر: \"صحيح الأدب المفرد\" للبخاري - (٣٦).","vol":"2","page":240},{"text":"النبي - ﷺ - قال: [صلة القرابة مثراةٌ في المال، محبّةٌ في الأهل، منسأةٌ في الأجل] (١).\nوقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم. وهو الطفل قد مات والده وهلك.\nوقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ جمع مسكين، وهو من ركبه ذل الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك. فأمر سبحانه بالإحسان إليهم، ووعد على ذلك خيرًا.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [إن أردت أن يلينَ قلبُكَ، فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم] (٢).\nوقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. قال ابن عباس: (يعني الذي بينك وبينه قرابة).\nوقال مجاهد: (جارك، هو ذو قرابتك). وقال قتادة: (إذا كان له جار له رحم، فله حقّان اثنان: حق القرابة، وحق الجار).\nوقوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. قال ابن عباس: (الذي ليس بينك وبينه قرابة). وقال نوف الشامي: (اليهودي والنصراني) ذكره ابن جرير. وقال مجاهد: (﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يعني الرفيق في السفر).\nقلت: والتفريق في الآية بيق الجار ذي القربى والجار الجنب يقتضي قرابة الأول وبعد الآخر حتى لو كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، وفي ذلك اشتمال بالوصية لكل أنواع الجيران. وقد امتلأت السنة الصحيحة بالوصايا بالجار، ومن ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُوَرِّثُه] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [خيرُ الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن عبد الرحمن بن أبي قراد، عن\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٢/ ٣٧٤)، والحاكم (٤/ ١٦١)، وصحيح الجامع (٣٦٦٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٣)، والطبراني في \"مختصر مكارم الأخلاق\" (١/ ١٢٠ / ١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠١٥)، ومسلم (٢٦٢٥)، وأخرجه أحمد (٢/ ٨٥).\n(٤) حديث إسناده جيد. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٧)، والترمذي (١٩٤٤)، ورجاله ثقات.","vol":"2","page":241},{"text":"النبي - ﷺ - قال: [إن أحببتم أن يحبّكم الله تعالى ورسولهُ فأدّوا إذا اؤْتمنتم، واصدُقوا إذا حدَّثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم] (١).\nوقوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال سعيد بن جبير: (الرفيق في السفر).\nوقال مجاهد: (رفيقك في السفر، الذي يأتيك ويده في يدك).\nوقال ابن مسعود: (هي المرأة). قال ابن عباس: (يعني: الذي معك في منزلك).\nوقال زيد بن أسلم: (هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر). وقال سعيد بن جبير: (هو الرفيق الصالح).\nوكلها أقوال يحتملها البيان الإلهي، وقد أوصى سبحانه بالإحسان إلى هذا الصاحب: سواء كان المرأة في البيت أو الرفيق في السفر.\nوقوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال مجاهد: (هو الذي يمر عليك وهو مسافر).\nوقال ابن عباس: (هو الضيف). وقال الربيع: (هو المارّ عليك، وإن كان في الأصل غنيًّا).\nقلت: ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بأن الضيف القادم عليك من سفر وإن كان غنيًّا فقد أوصى الله سبحانه بالإحسان إليه وإكرامه.\nوقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال مجاهد: (مما خوّلك الله، كل هذا أوصى الله به). فهي وصية بالأرقاء بالإحسان إليهم، فإن الرقيق ضعيف الحيلة أسير عند الناس، وقد كان من آخر كلامه ﵊ في مرض موته: [الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم] (٢).\nوقد امتلأت السنة الصحيحة بالتحذير من إيذاء الرقيق واستغلال ضعفه:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن المعرور بن سُويد قال: رأيت أبا ذر الغفاري ﵁ وعليه حُلَّةٌ وعلى غلامه حُلَّةٌ، فسألناه عن ذلك فقال: إني سابَبْتُ رَجُلًا فشكاني إلى النبي - ﷺ -. فقال النبي - ﷺ -: أعَيَّرتَهُ بأمِّه؟ ثم قال: [إن إخوانكم خَوَلُكُم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ولْيُلْبِسْهُ\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الطبراني بإسناد حسن. انظر صحيح الجامع الصغير، حديث رقم، (١٤٢٢).\n(٢) حديث صحيح لشواهده. انظر مسند أحمد (٣/ ١١٧)، وصحيح ابن حبان (٦٦٠٥). وله شواهد.","vol":"2","page":242},{"text":"مما يَلْبَسُ، ولا تُكلّفوهم ما يَغْلِبُهُم، فإن كَلَّفتموهم ما يَغْلِبُهم فأعينوهم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [للمملوك طعامه وكسْوته، ولا يُكَلّف من العمل إلا ما يُطيق] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عنه أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا صنع لأحدكم خادمُه طعامه ثم جاء به، وقد وَليَ حَرَّه ودُخانه فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا فليضع في يده منه أُكْلةً أو أُكْلَتين] (٣). قال داود وهو ابن قيس: يعني لقمة أو لقمتين.\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن المقدام بن مَعْد يَكرب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما أَطْعَمْتَ نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمتَ ولدك فهو لك صدقة، وما أطعَمْتَ زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة] (٤).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. قال مجاهد: (يعني متكبرًا، ﴿فَخُورًا﴾ قال: يعدّ ما أُعطي، وهو لا يشكر الله).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث تحذر الكبر والفخر الجاهلي -أي على طريقة الجاهلية-:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (٥).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٥٤٥)، كتاب العتق، وأخرجه مسلم برقم (١٦٦١)، ورواه أحمد في المسند (٥/ ١٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٦٦٢)، وأحمد (٢/ ٢٤٧)، والبيهقي (٨/ ٦)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٦٦٣)، كتاب العتق. وانظر مختصر صحيح مسلم (٩٠٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٣١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩١٨٥).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨/ ٥٠٧)، (١٠/ ٤٠٨)، وأخرجه مسلم (٢٨٥٣).","vol":"2","page":243},{"text":"يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُه نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَهُ، يختال في مِشْيَتِه، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند صحيح عن مُطَرِّف قال: [كان يَبْلُغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءَه، فلقيته فقلت: يا أبا ذر، بلغني أنك تزعم أن رسول الله - ﷺ - حدثكم: \"إن الله يحب ثلاثة ويبْغض ثلاثة\"؟ فقال: أجل، فلا إخالني أكذب على خليلي، ثلاثًا؟ قلت: مَن الثلاثة الذين يَبْغضُ الله؟ قال: المختال الفخور، أوليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل؟ ثم قرأ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد من حديث أبي تميمة عن رجل من بَلْهُجَيم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: [إياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحبّ المَخيلة] (٤).\n٣٧ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩١)، وأبو داود (٤٠٩١)، وأخرجه الترمذي (١٩٩٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٢٢١)، (١٠/ ٢٢٢)، وأخرجه مسلم (٢٠٨٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٨٨ - ٨٩) ح (٢٤٤٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (٩٥٤٩)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو كما قالا.\n(٤) إسناده صحيح. وجهالة الصحابي لا تضر. وهو جزء من حديث أطول. انظر مسند أحمد (٥/ ٦٣). و(٥/ ٦٤)، ح (٢٠١٠٩) (٢٠١١٠).","vol":"2","page":244},{"text":"الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمّ الله تعالى أهل البخل عن الإنفاق فيما أمرهم الله، من الأرحام واليتامى والمساكين. وفضح أهل الرياء الذين حملهم عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر على فساد نياتهم. ثم التقريع عليهم بأنه ما الذي كان يمنعهم من صدق الله الإيمان والاستعداد للقائه والإنفاق في سَبيله! ! والله تعالى غني عنهم محيط بأعمالهم ونيّاتهم سواء صَدقوا أم كذبوا.\nقال طاووس: (البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشحّ أن يشِح على ما في أيدي الناس. قال: يحبّ أن يكون له ما في أيدي الناس بالحِلِّ والحرام، لا يقنع).\nوقال قتادة: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ وهم أعداء الله أهل الكتاب، بخلوا بحق الله عليهم، وكتموا الإسلامَ ومحمدًا - ﷺ -، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل).\nوهذا تأويل محتمل، وإن كان السياق يدل على التأويل الأول، وهو البخل بالمال.\nوفي التنزيل: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٨ - ١١]. وكذلك قوله تعالى في سورة التغابن: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nوفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nوله شاهد في المسند، للإمام أحمد، من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: [إياكم والشّح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه، برقم (٢٥٧٨)، كتاب البر والصلة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٩٥)، والحاكم (١/ ١١)، والبيهقي (١٠/ ٢٤٣)، وغيرهم.","vol":"2","page":245},{"text":"وقوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. تأكيد لشدة البخل المؤدي لجحود النعمة، فلا تظهر عليهم في مطعم أو ملبس أو إعطاء.\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾.\nأخرج الإمام أحمد والنسائي عن والد أبي الأحوص قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامتِه] (١).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث زهير بن أبي علقمة ولفظه: [إذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ عليك، فإن الله يحب أن يرى أثره على عبده حسنًا، ولا يحب البؤس ولا التباؤس] (٢).\nوسببه أنه أتى النبي - ﷺ - رجل سيِّئ الهيئة، فقال: ألك مال؟ قال: نعم كل أنواع المال. قال: فَلْيُرَ عليك، فذكره ...\nوله شاهد عند البيهقي في \"الشعب\" من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ﷿ إذا أنعم على عبدٍ نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف] (٣).\nوقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\nقال القرطبي: (فَصَلَ تعالى تَوَعُّدَ المؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأولى عدم المحبة والثاني عذابًا مهينًا).\nوقال ابن كثير: (والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه).\nوقال ابن جرير: (وجعلنا للجاحدين نعمة الله التي أنعم بها عليهم، من المعرفة بنبوة محمد - ﷺ -، المكذبين به بعد علمهم به، الكاتمين نعته وصفته مَنْ أمرهم الله ببيانه له من الناس، ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ يعني: العقاب المذل من عُذِّب بخلوده فيه، عَتادًا له في آخرته، إذا قدِمَ على ربه وَجَدَه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٧٣)، والنسائي في السنن (٨/ ١٨٠). وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٢٥٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني رقم (٥٣٠٨)، ورجاله ثقات. انظر مجمع الزوائد (٥/ ١٣٢).\n(٣) أخرجه البيهقي (٢/ ٢٣١/ ١) في \"الشعب\". وله شواهد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٢٠).","vol":"2","page":246},{"text":"قلت: ولا شك أن البخل والشح بريد إلى الكفر بالله ونعمه فأول المطاف البخل والشح، وأوسطه استحلال المحارم وسفك الدماء وقطيعة الأرحام، ونهاية المطاف الكفر بالمنعم سبحانه وجحود نعمه. وهذا يجمع بين الأقوال السابقة، ولله الفضل والمنة.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. يعني: أنهم يقصدون السمعة والمدح وحصول الثناء عليهم من الناس والشهادة لهم بالكرم.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتهُ وشِرْكَهُ] (١).\nوفي صحيح مسلم عن سليمانَ بن يسارٍ قال: تفرَّق الناسُ عن أبي هُريرة. فقال له نَاتِلُ أهل الشام (٢): أيها الشَّيْخُ! حَدِّثْني حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، قال: نعم. سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن أوَّل الناس يُقضى يوم القيامة عليه، رجلٌ استُشهدَ، فَأُتيَ به فَعرَّفَه نِعْمَتَه فَعَرَفها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: قَاتَلْتُ فيكَ حتى استُشهدت، قال: كذبتَ، ولكنَّك قاتَلْتَ لأَنْ يُقال جَرِيءٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحبَ على وجهه حتى أُلقِيَ في النار، ورجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وعَلَّمهُ وقرأ القرآنَ، فأُتِيَ به، فَعَرَّفهَ نِعَمَهُ فَعَرَفها. قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُهُ وقرأت فيكَ القرآنَ. قال: كذبتَ ولكنكَ تَعَلَّمتَ العِلْمَ ليُقال عالِمٌ، وقَرَأْتَ القرآن ليُقال هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقيَ في النار، ورجلٌ وسَّعَ الله عليه وأَعطاهُ من أصناف المال كُلِّه، فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركْتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أن يُنْفَقَ فيها إلا أَنْفَقْتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فَعَلْتَ ليُقَال هو جوادٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهِهِ، ثم أُلقي في النار] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nيعني: ولا يصدقون بوحدانية الله، ولا بالرجوع إليه يوم المعاد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه برقم (٢٩٨٥)، كتاب الزهد والرقائق.\n(٢) وفي رواية: ناتل الشامي، وهو ناتل بن قيس الحزامي الشامي من أهل فلسطين، وهو تابعي، وكان أبوه صحابيًّا، وكان ناتل كبير قومه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٩٠٥)، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار. من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":247},{"text":"أخرج الإمام مسلم عن عائشة قالت: [قلت: يا رسول الله! ابْنُ جُدْعانَ كان في الجاهلية يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكينَ، فهل ذاكَ نافِعُهُ؟ قال: لا يَنْفَعُهُ، إنه لم يَقُلْ يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين] (١).\nوالخلاصة: أنَّ الرياء الذي كان عليه هؤلاء كان بسبب عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، واتخاذهم الشيطان وليًّا فَسَوَّلَ لهم وأملى لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾.\nوالمعنى: من يكن الشيطان له خليلًا وصاحبًا وناصحًا فساء الصاحِب وهلك المصحوب.\nوقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾.\nالمعنى: أي شيء كان يمنع هؤلاء من صدق الإيمان بالله، والتصديق بالدار الآخرة، والاستعداد لها، والإنفاق في وجوه الطاعات مما رزقهم الله.\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. أي: بنياتهم وأعمالهم، فمهما أرادوا فهو محيط به، سواء أرادوا الدنيا والسمعة أو أرادوا الله ورضوانه والدار الآخرة.\n٤٠ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى أنه لا يبخس أحدًا من عباده شيئًا حتى لو كان مثقال ذرة، فيضاعف للمؤمن، ويعطي الكافر من الدنيا ثم يحبط عمله في الآخرة. فكيف - يا محمد - إذا أُحضر من كل أمة من يشهد عليهم وجئنا بك على كل الأمم شهيدًا. يومئذ يتمنى الذين جحدوا الله ونعمه وشكره لو سواهم الله والأرض فصاروا ترابًا شأن مصير البهائم، ولم يكتموا شيئًا بل فضحهم الله وأخزاهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٤)، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل. ورواه أيضًا برقم (٢٧٩١)، وأخرجه أحمد (٦/ ٣٥)، والترمذي (٣١٢١).","vol":"2","page":248},{"text":"فعن ابن عباس: (الذرة: رأس النملة). وقال مرة: (النملة الحمراء).\nوقال يؤيد بن هارون: (زعموا أن الذرة ليس لها وزن).\nقلت: وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فلها وزن عند الله وترجح بها كفة الميزان، كما قال جل ذكره: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوقال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦].\nوقال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].\nوفي صحيح مسلم ومسند الطيالسي عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الله لا يظلم المؤمن حسنته، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة] (١).\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري- في حديث الشفاعة - قال رسول الله - ﷺ -: [فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقالَ دينار من إيمان فأخرجوه، ويُحرِّمُ الله صورَهم على النار، فيأتونهم وبعضُهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقَيْهِ، فَيُخرجون مَنْ عَرَفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقالَ نصفِ دينار فأخرجوه، فيُخرجون مَنْ عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقالَ ذرةٍ من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا. قال أبو سعيد: فإنْ لم تُصَدِّقوا فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]] (٢). وفي رواية: \"أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار، فيُخرجون خلقًا كثيرًا\".\nقال قتادة: (كان بعض أهل العلم يقول: لأن تفضُل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذرّة، أحب إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعًا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨)، والطيالسي (٢٠١١)، وأحمد (٣/ ١٢٣)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٤٣٩)، كتاب التوحيد، وأخرجه مسلم برقم (١٨٣)، ورواه أحمد في المسند (٣/ ١٦).","vol":"2","page":249},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾. يعني: وإن تك زنةُ الذرة حسنة يضاعفها.\nوفي الصحيحين عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال فيما يروي عن ربه ﷿: [إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك في كتابه، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَنْ همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هو همَّ بها فعمِلَها كتبها الله سيئة واحدة. زاد مسلم في رواية: أو محاها، ولا يهلك على الله إلا هالك] (١).\nوقوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال ابن مسعود: (أي: الجنة يعطيها). وقال سعيد بن جبير: (الأجر العظيم: الجنة).\nوقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.\nأخرج البخاري عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: [يجيء نوحٌ وأمته، فيقول الله: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم أي ربِّ! فيقول لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبي، فيقول لنوحٍ: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، والوسط: العدل، فيُدعون، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (٢).\nوصحَّ أن أمة محمد - ﷺ - تشهد لكل نبي أيضًا بالبلاغ حين يكذبه قومه يوم القيامة.\nفقد أخرج الإمام أحمد والبخاري والنسائي عن أبي سعيد ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه، فيُقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: مَنْ يشهدُ لك، فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمدٌ وأمتُه، فيقال لهم: هل بَلَّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فَيُقال: وما عِلْمُكم بذلك؟ فيقولون: جاءَنا نبيّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بلّغوا فصدَّقناه، فذلك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣١) ح (٢٠٧)، (٢٠٨). ورواه بنحوه البخاري. انظر صحيح الجامع (١٧٩٢)، وتفصيل الروايات في كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٢١٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٣٩)، كتاب أحاديث الأنبياء. وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٨٩٠).","vol":"2","page":250},{"text":"قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (١).\nوالخلاصة في المعنى: كيف إذا جئنا من كل أمة بمن يشهد عليها بأعمالها، وتصديقها رسلَها أو تكذيبها، وجئنا بك يا محمد على كل الأمم شهيدًا، بما فيها أمتك.\nقال ابن جريج: (﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، قال: رسولها، فيشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: كان النبي - ﷺ - إذا أتى عليها فاضت عيناه).\nفكل رسول يشهد على أمته، ثم يجيء محمد - ﷺ - وأمته فيشهدون على جميع الأمم، ولا شك أن هذه الآية أبكت نبينا - ﷺ - عندما سمعها تُتلى عليه.\nففي الصحيحين والمسند عن عبد الله بن مسعود قال: [قال لي رسول الله - ﷺ -: اقرأ عليّ. فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: نعم، إني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري. فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: حَسْبُكَ الآن. فإذا عيناه تَذْرِفان] (٢).\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾. أي: يتمنى الذين جحدوا وحدانية الله وتعظيمه وعصوا رسوله. ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ يعني لو سوّاهم الله والأرض فصاروا ترابًا مثلها شأن مصير البهائم.\nوقرأها قراء الكوفة ﴿لَوْ تُسَوَّى﴾. وقراء الحجاز ومكة والمدينة: ﴿لو تَسَّوَّى﴾.\nوقرأها غيرهم: ﴿لو تُسَوى﴾، وكلها قراءات مشهورة.\nوقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فيه أكثر من تأويل:\n١ - قال قتادة: (معناه أنهم لما تبين لهم وحوسبوا لم يكتموا).\n٢ - قال ابن عباس: (لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٦/ ٢٨٦)، ومسند أحمد (٢/ ٣٢)، ورواه النسائي. انظر صحيح الجامع (٧٨٨٩). من حديث أبي سعيد ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٨٠٠)، وأحمد (١/ ٣٨٠)، وأخرجه أبو داود (٣٦٦٨)، وأخرجه النسائي (١٢٥) في \"التفسير\"، وأخرجه الترمذي (٣٠٢٨)، وابن حبان (٧٣٥)، وغيرهم. من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"2","page":251},{"text":"كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثًا).\n٣ - وقال الزجاج: (قال بعضهم: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مستأنف، لأن ماعملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم: هو معطوف، والمعنى: يودّ لو أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثًا لأنه ظهر كذبهم).\nقلت: وكلها معان يحتملها البيان الإلهي المعجز، فإن صدقوا فأعمالهم تدل عليهم، وإن كتموا وكذبوا أنطق الله جوارحهم فشهدت بما كان من مكرهم وصنيعهم وشركهم.\n٤٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾.\nفي هذه الآية: نَهْيُ الله المؤمنين أن يُصَلُّوا حالة سكرهم في تمهيد لتحريم الخمر، ولا جنبًا حتى يغتسلوا، وإباحة التيمم عند فقدان الماء.\nقال مجاهد: (نُهوا أن يصلوا وهم سكارى، ثم نسخها تحريمُ الخمر).\nأخرج الإمام أحمد والإمام مسلم وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال: [نزلت فيَّ أربع آيات: صنع رجل من الأنصار طعامًا، فدعا أناسًا من المهاجرين وأناسًا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجلٌ لَحْيَ بعير ففَزَر به أنف سعد، فكان سعد مَفْزور الأنف، وذلك قبل تحريم الخمر، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ... الآية] الحديث (١).\nوأخرج الترمذي بسند صحيح عن علي بن أبي طالب قال: [صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدّموني فقرأت ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ونحن نعبد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٤٨) ح (٣٤)، و(٤/ ١٨٧٨) ح (٤٤)، وأخرجه أبو داود (٢٠٨)، وأحمد (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، والترمذي (٣١٨٩)، وهو جزء من حديث أطول.","vol":"2","page":252},{"text":"ما تعبدون، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾] (١).\nوقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.\nتحذير مما يكون حالة السكر من التخليط بالقراءة وفقدان التدبر والخشوع في الصلاة. وقد حذرت السنة النعسان المغلوب من استمرار القيام في الليل، فربما يدعو على نفسه من حيث لا يدري.\nأخرج البخاري عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فَلْيَنَمْ حتى يعلم ما يقول] (٢).\nوفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة: [إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع].\nوفي لفظ عنده من حديث عائشة: [إذا نعس أحدكم فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإنه إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه] (٣).\nكما حذرت السنة من كل ما يشوش على المصلي ويشغله عن الإقبال بقلبه على الله كالجوع ومدافعة الأخبثين. ففي سنن أبي داود بسند حسن من حديث أبي هريرة قال: [لا يصلين أحدكم وهو حاقن] (٤). وروى مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافِعهُ الأخبثان] (٥). وروى عنها أيضًا مرفوعًا: [إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشاء] (٦).\nوقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.\nاختلف فيه أهل التأويل على أقوال، أقربها للمعنى الصحيح الموافق للسنة الصحيحة ما يأتي:\n١ - قال ابن عباس: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، يقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٢٢) - كتاب التفسير - سورة النساء، آية (٤٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢١٣)، والنسائي (١/ ٢١٥) ح (٤٤٢)، وأحمد (٣/ ١٠٠).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٢١٢)، وصحيح مسلم (٧٨٦)، ومسند أحمد (٦/ ٥٦).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٩١)، والحاكم (١/ ١٦٨) وصححه، ووافقه الذهبي، وله شواهد.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح برقم (٥٦٠)، وأخرجه أبو داود في السنن برقم (٨٩).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧١)، (٥٤٦٥)، وأخرجه مسلم (٥٥٨)، وأحمد (٦/ ٤٠).","vol":"2","page":253},{"text":"جُنب إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء فقد أحللتُ لكم أن تمسّحوا بالأرض).\n٢ - وقال علي ﵁: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، قال: (إلا أن تكونوا مسافرين فلم تجدوا الماء، فتيمّموا) ذكره ابن جرير.\n٣ - وقال مجاهد: (المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمّم، فيدخلُه فيصلي). وقال: (مسافرين، لا يجدون ماء فيتيممون صعيدًا طيبًا، لم يجدوا الماء فيغتسلوا).\nوأما ما ذكر الحسن: (الجنب يمر في المسجد ولا يقعُد فيه)، وكذلك ما ذكر ابن مجاهد عن أبيه: (لا يمر الجنب في المسجد يتخذه طريقًا) فلا دليل على هذا المنع.\nأضف إلى ذلك أن استنادهم في ذلك إلى أحاديث ضعيفة منها: [إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب] فهو ضعيف عند المحدثين، فيه أفلت العامري - مجهول - قاله الخطابي. وفيه جَسْرة. قال البخاري: عند جسرة عجائب. وفيه محدوج لم يوثق. والحديث في ضعيف سنن أبي داود.\nوكذلك استنادهم لحديث: [يا علي، لا يحل لأحدٍ أن يُجْنِبَ في هذا المسجد غيري وغيرك]. أخرجه الترمذي وهو ضعيف، فيه علتان: عطية العوفي وسالم بن أبي حفصة كلاهما واهٍ.\nوخلاصة المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا عابري سبيل في سفر ولم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدًا طيبًا. وهذا هو المعنى الذي يتوافق مع السنة الصحيحة: ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: [قال لي رسول الله - ﷺ -: ناوليني الخُمْرَة من المسجد. فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضَتَك ليست في يدك] (١).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: [لقِيَني رسولُ الله - ﷺ - وأنا جُنُبٌ، فأخذ بيدي، فمَشَيْتُ معه حتى قَعَدَ، فانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرَّحْلَ فاغْتَسَلْتُ، ثم جئت وهو قاعِدٌ فقال: أين كنتَ يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله يا أبا هريرة! إنَّ المؤمن لا يَنْجُسُ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٨)، وأبو داود (٢٦١)، والنسائي (١/ ١٩٢)، والترمذي (١٣٤)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٦/ ١١٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٨٥)، كتاب الغسل. باب: الجُنُبُ يخرج ويمشي في السوق وغيره. من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":254},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الصعيد الطيّب طَهورُ المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حِجَج، فإذا وجدت الماء فأمسَّهُ بشرتك، فإن ذلك خير] (١).\nويشهد للمعنى السابق أيضًا ما رواه الإمام أحمد عن سعيد بن منصور في سننه بسند صحيح أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه: [حدثنا عبد العزيز بن محمد - هو الدّراورْدِيُّ - عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، يجلسون في المسجد وهم مُجْنِبُون، إذا توضوؤوا وُضوءَ الصلاة]. ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، وقال: وهذا إسناد على شرط مسلم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.\nالمرض المبيح للتيمم مع وجود الماء هو كل مرض لا ينصح معه باستعمال الماء لأنه يزيده أو يؤذي صاحبه. يروي ابن جرير بسنده عن ابن مسعود قال: (المريض الذي قد أرخص له في التيمم، هو الكسير والجريح. فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل، ولم يحلّ جبائره. والجريح لا يحل جراحته، إلا جراحة لا يخشى عليها).\nقال ابن كثير: (أما المرض المبيح للتيمّم، فهو الذي يُخاف معه من استعمال الماء، فوات عضو أو شَيْنه أو تطويل البرء. ومن العلماء من جوز التيمّم بمجرد المرض لعموم الآية).\nوقال الشافعي: (لا يجوز له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف التلف)، وبه قال مالك.\nقلت: وأشمل ما ذكر هو قول ابن كثير ﵀، فكل مرض يخشى معه من استعمال الماء بتأخر البرء أو الإفساد لبعض مناطق الجسم وأعضائه فيباح فيه التيمم.\nوقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. يجوز التيمم بسبب السفر طال أو قصر عند عدم الماء. وهو مذهب مالك.\nقلت: ولا يقتصر التيمم على السفر بل يجوز في الحضر في الحالات التالية:\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٣٣٢)، وأحمد (٥/ ١٥٥)، والترمذي (١٢٤)، وغيرهم.","vol":"2","page":255},{"text":"١ - عند الحاجة للماء للطعام والشراب، وعدم كفاية الماء المتوفر للطهارة.\n٢ - عند البرد الشديد وصعوبة التسخين في الوقت وخشية الأذى من ذلك الماء البارد في الطقس البارد.\n٣ - عند المرض في الحضر وخشية إمرار الماء على العضو المصاب.\nوقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. يعني المقيم إذا عدم الماء تيمم.\nأخرج البخاري عن أبي الجُهَيْم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاري قال: [أقبل النبي - ﷺ - من نحو \"بئر جَمَلٍ\" (١) فلقيه رجل فسلّم عليه فلم يردّ عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجِدار فمسح بوجهه ويديه، ثم ردّ ﵇] (٢).\nورواه الدَّارقُطْنِيّ من حديث ابن عمر وفيه: [ثم ردّ على الرّجل السلام، وقال: إنه لم يمنعني أن أردّ عليك إلا أني لم أكن على طهر] (٣).\nوقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.\nقُرِئ ﴿لَمَسْتم﴾ و\"لامستم\". وفيه قولان:\n١ - عني بذلك كلّ لمس، بيدٍ كان أو بغيرها. وأوجبوا منه الوضوء. وهو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد. وحجتهم أنه ببعض القراءات ﴿لَمَسْتم﴾ والنبي - ﷺ - قال لِمَاعِزٍ حين أقرّ بالزنا: [لعلك قتلت أو لَمَسْت]. وقول ابن مسعود: (اللمس ما دون الجماع) ذكره ابن جرير. وقوله أيضًا: (يتوضأ الرجل من المباشرة ومن اللمس بيده، ومن القُبلة).\n٢ - عني بذلك الجماع دون ما سواه.\nقال ابن عباس: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: الجماع) رواه ابن أبي حاتم.\nويروي ابن جرير بسنده عن سعيد بن جُبير قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع. وقال ناس من العرب: اللمس الجماعُ. قال: فأتيت ابن عباس فقلت له: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس\n_________\n(١) موضع قرب المدينة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٧)، وبنحوه أخرجه مسلم (٣٦٩)، وأخرجه النسائي (١/ ١٦٥)، وكذلك أخرجه ابن حبان (٨٠٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٦)، والدراقطني (١/ ١٧٧) من عدة طرق، وسنده قوي.","vol":"2","page":256},{"text":"بالجماع. وقالت العرب: الجماع. قال: من أيّ الفريقين كنت؟ قلت: من الموالي. قال: (غُلب فريقُ الموالي. إن اللمس والمسَّ والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء).\nقلت: ولا عبرة باستخدامات اللفظ المختلفة في زمن التنزيل، إنما العبرة بفعل النبي - ﷺ - وتشريعه.\nفقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة: [أن النبي - ﷺ -: قَبَّلَ امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ] (١).\nقال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت؟ فضحكت (٢).\nوروى عن عائشة: [أن النبي - ﷺ - قبلها ولم يتوضأ] (٣).\nوله شاهد عند الإمام أحمد والنسائي عنها قالت: [كان يُقَبِّلُ بعضَ أزواجه، ثم يصلي ولا يتوضأ] (٤).\nفالتقبيل مسٌّ وزيادة، وهذه الأحاديث الصحيحة تقطع الخلاف عند من نوّر الله حياته بعلم الحديث، ومن ثمَّ فاللمس المقصود بالآية بعد الاستئناس بالسنة الصحيحة هو الجماع، وهذا يوافق مرونة الشريعة ومقاصدها، فالحرج كل الحرج أن يتوضأ العبد لكل لمس عارض ليد أخته أو أمه أو زوجته أو ما يكون في طريق الناس وازدحام أسواقهم.\nوقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.\nمنه استنبط الفقهاء القاعدة المشهورة: (إذا حضر الماء بطل التيمم).\nأخرج البخاري ومسلم عن عِمْران بن حُصين: [أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تُصَلّي مع القوم؟ ألست برجل مسلم؟\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود (١٦٥)، باب الوضوء من القُبلة.\n(٢) هو عروة بن الزبير، الراوي عن عائشة وهو ابن أختها.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١٦٤)، الباب السابق.\n(٤) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند، والنسائي في السنن. انظر صحيح سنن النسائي (١٦٤).\nورواه الترمذي وابن ماجة والبيهقي. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٤٨٧٣).","vol":"2","page":257},{"text":"قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك] (١).\nوالتيمّم لغة: القصد. والصعيد: كل ما سعد على وجه الأرض. ومن ثمّ فإن كل ما هو من جنس الأرض من التراب والرمل والحجر والجدران داخل في ذلك. والطيب: قيل الحلال، أو الذي ليس بنجس.\nففي صحيح مسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت صُفُوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلُّها مسجدًا، وجُعِلت تربَتُها لنا طَهورًا إذا لم نجدِ الماء]. وفي لفظ: [وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء] (٢).\nوفي مسند أحمد وجامع الترمذي وصحيح الحاكم عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الصعيد الطيِّبَ وَضُوء المسلم وإن لم يجد الماء عشرَ سنين، فإذا وجد الماء فليُمسَّه بشرتهُ، فإنّ ذلك هو خير] (٣).\nوفي لفظ: [إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمِسَّه بشرتَك].\nوقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن عمار بن ياسر ﵁ قال: [أجنبت فلم أصب ماء، فتمعكت (٤) في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: إنما كان يكفيك هكذا. وضرب النبي - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه] (٥).\nوفي المسند عن عمار، عن النبي - ﷺ - قال: [التيمم ضربة للوجه والكفين] (٦).\nوسيأتي سبب نزول آية التيمم في أول سورة المائدة إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٤) و(٣٤٨)، ومسلم (٦٨٢)، وأخرجه أحمد (٤/ ٤٣٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٢٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٠٢٢)، وأحمد (٥/ ٣٨٣).\n(٣) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٥/ ١٥٥)، وسنن الترمذي (١٢٤)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٦٦٣)، وكذلك رقم (١٦٦٢) للفظ الذي بعده.\n(٤) فتمعكت: تمرغت.\n(٥) متفق عليه. أخرجه البخاري (٣٤٧/ ٤٥٥/ ١)، ومسلم (٣٦٨/ ٢٨٠/ ١)، والنسائي (١٦٦/ ١).\n(٦) حديث صحيح. رواه أحمد وغيره. انظر صحيح الجامع (٣٠١٧)، وهو في معنى الحديث السابق.","vol":"2","page":258},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. أي: عفوًا عن ذنوب عباده، ما لم يشركوا به، ﴿غَفُورًا﴾ فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم كما غفر وستر عن صلاتهم في ما مضى سكارى.\n٤٤ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: فضحُ الله اليهود في تكذيبهم محمدًا - ﷺ - وقد عرفوه، وفي سلوكهم الفاسد وتعاملهم المنكر، وطردهم من رحمة الله بكفرهم.\nقال قتادة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، فهم أعداء الله اليهود، اشتروا الضلالة).\nوالمقصود باشترائهم الضلالة: تكذيبهم بمحمد - ﷺ - وتركهم الإيمان به وهم عالمون أن الواجب عليهم كما جاء في كتبهم الإيمان به.\nوقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾. أي: يود هؤلاء اليهود لو تكفرون بما أنزل عليكم فتشابهونهم في الضلال.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾. أي: بعداوة هؤلاء اليهود ومكرهم بكم أيها المؤمنون، فاحذروا الوقوع في أهوائهم.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾. أي: حسبكم الله يحرسكم من أعداء دينكم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: وينصركم عليهم.\nوقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يبدلون معناها ويغيِّرونها عن تأويله. قال مجاهد: (تبديل اليهود التوراة).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. قال ابن زيد: (قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك). وقال مجاهد: (قالت اليهود: سمعنا ما تقول ولا نطيعك). يخاطبون رسول الله - ﷺ -.","vol":"2","page":259},{"text":"وقوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ - فيه قولان:\n١ - قال الحسن: (كما تقول اسمع غيرَ مسموع منك).\n٢ - وقال الضحاك عن ابن عباس: (أي: اسمع ما نقول، لا سمعت)، وهذا استهزاءٌ منهم واستهتار. واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾.\nقال ابن عباس: (فإنهم كانوا يستهزئون، ويلوون ألسنتهم برسول الله - ﷺ -، ويطعنون في الدين).\nفهم يُوهِمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم راعنا، وإنما يريدون الرعونة، وقد مضى الكلام في ذلك في سورة البقرة، آية (١٠٤)، وكيف يستخدمون ذلك في سب النبي - ﷺ -.\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾.\nقال ابن جرير: (ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، قالوا لنبي الله: سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلت ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا ... لكان ذلك خيرًا لهم عند الله، ﴿وَأَقْوَمَ﴾ يقول: وأعدل وأصوب في القول).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nالمعنى: ولكن استمرارهم على صفة التكبر والمكر أبعدهم عن الله، فلا يؤمنون إيمانًا نافعًا ينجيهم، وإنما هو خليط من التشكيك والاستهزاء والكبر والغرور.\n٤٧ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾.\nفي هذه الآيات: الخطاب موجه لأهل الكتاب، يأمرهم به الله سبحانه أن يؤمنوا بالقرآن الكريم المنزل على محمد - ﷺ -، والذي فيه تصديق ما بأيديهم من بشارات","vol":"2","page":260},{"text":"التوراة والإنجيل، وذلك قبل أن ينالهم ما يكرهون من طمس الوجوه واللعن وغير ذلك من أسباب الخزي والهلاك. فإن الله تعالى لا يغفر الشرك به وقد يغفر ما دون ذلك من الأعمال لمن يشاء، فالشرك أكبر الإثم وأعظم الظلم.\nوقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ - فيه أكثر من تفسير:\nالتفسير الأول: محوه آثارها حتى تصير كالأقْفاء، أو نطمس أبصَارها فنصيّرها عمياء، أوْ نجعل أبصارها من قبل أقفائها.\nقال ابن عباس: (وطمسها: أن تعمى. ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفِيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين في قفاه).\nوقال قتادة: (نحول وجوهها قبل ظهورها).\nالتفسير الثاني: أن نعمي قومًا عن الحق فنردهم في الضلالة والكفر.\nقال مجاهد: (﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، فنردها عن الصراط، عن الحق، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، قال: في الضلالة).\nوقال الضحاك: (يعني: أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردَّهم على أدبارهم، فكفروا بمحمد - ﷺ - وما جاء به).\nالتفسير الثالث: أن نمحو آثارهم فنردهم من حيث جاؤوا من الشام.\nقال ابن زيد: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال: كان أبي يقول: إلى الشأم).\nالتفسير الرابع: أن نمحو آثارها فنجعل الوجوه منابت الشعر كالقردة، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم.\nواختار ابن جرير التفسير الأول: أي من قبل أن نطمس أبصار وجوههم ونمحو آثارها فنسويها بالأقفاء، فيمشون القهقرى، فإن السياق يقتضيه.\nوقوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. أي: نحولهم قردة. قاله قتادة والحسن.\nوقال ابن زيد: (هم يهود جميعًا، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت).","vol":"2","page":261},{"text":"وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. أي: لا يُخالف ولا يمانَع.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\nالمعنى: من لقي الله وهو يشرك به لا يغفر له، ويغفر سبحانه ما دون ذلك من الذنوب لمن شاء من عباده.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي ذر قال: [أتيت رسول الله - ﷺ - فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: على رَغْم أنف أبي ذر. قال: فخرج أبو ذر وهو يجرُّ إزاره وهو يقول: وإن رَغِمَ أنف أبي ذر. وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإِمام مسلم عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: يا ابن آدم! مهما عَبَدتني ورجَوتني ولم تشرك بي شيئًا غفرتُ لك على ما كان منك، وإن استقبلتني بملء السماء والأرض خطايا وذنوبًا استقبلتك بملئهنَّ من المغفرة، وأغفِرُ لك ولا أبالي] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البزّار بسند جيد عن نافع، عن ابن عمر قال: [كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا - ﷺ - يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقال أخَّرْتُ سْفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة] (٤).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٨٢٧)، ومسلم (٩٤) ح (١٥٤)، وأحمد (٥/ ١٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٣)، كتاب الإيمان. باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ومن مات مشركًا دخل النار. وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٧٢)، لتمام البحث.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (٤٢١٧)، ومسند أحمد (٥/ ١٥٤)، (٥/ ١٥٣).\n(٤) إسناده جيد. أخرجه البزار -حديث رقم- (٣٢٥٤)، وذكره ابن كثير في التفسير، وله شواهد.","vol":"2","page":262},{"text":"أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله قال: [قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك ..] الحديث (١).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\n٤٩ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: ذم الله الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب، ويفترون على الله الكذب، ويؤمنون بالجبت والطاغوت، ويمدحون المشركين ويطعنون بالمؤمنين، أولئك الذين طردهم الله من رحمته في الملعونين.\nقال قتادة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وهم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وقالوا: لا ذنوب لنا).\nوقال الضحاك: (قالت اليهود: ليست لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون! فإن كانت لهم ذنوب فإن لنا ذنوبًا! فإنما نحن مثلهم، قال الله تعالى ذكره: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾.\nوقال الحسن: (هم اليهود والنصارى، قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾).\nوقيل: تزكيتهم أنفسهم تقديمهم أطفالهم لإمامتهم في الصلاة زعمًا أنه لا ذنوب\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٠٠١)، كتاب الأدب، وأخرجه مسلم برقم (٧٦)، ورواه أحمد في المسند (١/ ٤٣٤)، وغيرهم.","vol":"2","page":263},{"text":"لهم. أو زعمهم أن أبناءهم سيشفعون لهم. وكله مرجوح بالقول الأول المناسب للسياق.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بذم التمادح والتزكية، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن المقداد بن الأسود قال: [أَمرنا رسول اللهﷺ - أن نحثوَ في وجود المداحين التراب] (١).\nوفي لفظ: [إذا رأيتم المداحين، فاحْثوا في وجوههم التراب].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى قال: [سمع النبي - ﷺ - رجلًا يُثني على رجل ويُطريه في المِدْحة، فقال: أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل] (٢).\nوالإطراء المبالغة في المَدْح.\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان من حديث أبي بكرة وفيه: \"إن كان أحدكم مادحًا لا محالة، فليقل: أحْسبُ كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، ولا يزكي على الله أحدًا] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.\n١ - قال ابن عباس: (الفتيل ما خرج من بين إصبعيك). يعني من الوسخ، إذا فتلت إحداهما بالأخرى.\n٢ - وقال عطاء: (الفتِيل، الذي في بطن النواة). وقال مجاهد: (الفتيل، في النّوى).\n٣ - وقال الضحاك: (الفتيل، شق النواة).\nوكلها معان محتملة، مفادها أن الله يزكي من يشاء من خلقه فيوفقه، ويخذل من يشاء من أهل معاصيه، ولا يظلم أحد عنده مقدار الفتيل.\nوقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ يعني الذين يزكون أنفسهم من أهل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠٠٢)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٣٩)، وأحمد (٦/ ٥).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٢٦٦٢)، وصحيح مسلم -حديث رقم- (٣٠٠٠)، ومسند أحمد (٥/ ٤٦)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (١٠/ ٣٩٧)، (١٠/ ٣٩٨)، وصحيح مسلم (٣٠٠٠)، (٣٠٠١)، وكذلك سنن أبي داود (٤٨٠٥)، وسنن البيهقي (١٠/ ٢٤٢).","vol":"2","page":264},{"text":"الكتاب ويقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وأنه لا ذنوب لهم، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، إلى غير ذلك من الزور والكذب.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. قال ابن جرير: (يعني أنه يبين كذبهم لسامعيه، ويوضح لهم أنهم أَفَكَةٌ فجرة).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.\nأخرج الإِمام أحمد وابن حبان بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم، قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية. قال: أنتم خير منه، قال: فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾] (١).\nوفي قوله: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أقوال:\n١ - قال عكرمة: (الجبت والطاغوت صنمان).\n٢ - قال ابن عباس: (الجبت: الأصنام، والطاغوت: الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبّرون عنها الكذب ليضلوا الناس).\n٣ - قال مجاهد: (الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان).\nوقال: (والطاغوت: الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم).\n٤ - قال سعيد بن جبير: (الجبت: الساحر، بلسان الحبشة، والطاغوت: الكاهن).\nوالجمع بين هذه الأقوال: الجبت والطاغوت اسمان لكل معظَّم بعبادة من دون\n_________\n(١) حديث صحيح. ورواه ابن جرير (٩٧٩١) ورجاله رجال الصحيح. وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول -الوادعي- سورة النساء آية (٥٤). والصنبور المنبتر: كناية عن الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولا عقب ولا ناصر.","vol":"2","page":265},{"text":"الله، فيدخل في ذلك الحجر والإنسان والكاهن والساحر والشيطان، ومن دعا إلى عبادة نفسه، ومن عُبد وهو راض، وكل منهج يخالف شريعة الله ومنهجه الذي ارتضى لعباده.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾. يعني: أخزاهم وأبعدهم من رحمته بسبب إيمانهم بالجبت والطاغوت وكفرهم بالله ورسوله. ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. يعني: من يخزه الله ويطرده من رحمته فلا ناصر له ولا منقذ.\n٥٣ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ القوم من أهل الكتاب الموصوفين بالبخل، والحاسدين لمحمد - ﷺ - وأصحابه على النبوة والصحبة، وقد كانت النبوة فيهم من قبل والملك، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وكفى بجهنم سعيرًا.\nقال ابن كثير: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾؟ وهذا استفهام إنكاري، أي ليس لهم نصيب من الملك. ثم وصفهم بالبخل، فقال: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾: أي لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدًا من الناس ولا سيما محمدًا - ﷺ - شيئًا، ولا ما يملأ النقير).\nقال ابن عباس: (﴿نَقِيرًا﴾ يقول: النقطة التي في ظهر النواة). وقال مجاهد: (النقير، حبَّة النواة التي في وسطها).\nوالخلاصة: لقد وَصف الله هؤلاء القوم من أهل الكتاب بالبخل بالشيء اليسير الدنيء، حتى لو كانوا أهل سعة وقدرة. كما قال سبحانه في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. والقتور: البخيل.","vol":"2","page":266},{"text":"وقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nالمعنى: توبيخ من الله لهؤلاء اليهود على حسدهم محمدًا وأصحابه، على اختياره الله سبحانه للنبوة، واختيار الأصحاب للجندية والمتابعة.\nقال مجاهد: ﴿النَّاسَ﴾ محمدًا - ﷺ -). وقال قتادة: (أولئك اليهود، حسدوا هذا الحيَّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله). وقال ابن عباس: (نحن الناس دون الناس).\nوقوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. يعني جعلنا النبوة في ذرية إبراهيم، وأنزلنا عليهم الكتاب والسنن وجعلنا منهم الملوك.\nوقولُه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. يعني بما اصطفينا للنبوة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: كفرَ وأعرض عنه قال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾: بما أنزل على محمد من يهود، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾).\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. أي: كفى بالنار لهيبًا وعقوبة وألمًا لمن كان من أهلها.\n٥٦ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾.\nفي هذه الآيات: آية هي من أشد آيات القرآن هولًا ورهبة ووعيدًا، يخبر بها سبحانه عن حال مقيت لأهل النار، وعن مصير فاجع مؤلم رهيب. وآية تقابل الأولى تَنْعَتُ الحال الهنيء لأهل الإيمان والعمل الصالح، في روضات الجنات حيث الظل الظليل وجريان الأنهار والزوجات المطهرة ذات الجمال.\nفقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ - أي: ندخلهم فيها لتذوق أجسامهم لهيبها.","vol":"2","page":267},{"text":"وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.\nيروي ابن جرير بسنده عن ابن عمر قال: (إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلودًا بيضًا أمثال القراطيس). وقال قتادة: (كلما احترقت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها). أي: هم في عذاب دائم يشبه ديمومة كفرهم في الأرض ومكرهم المتتابع بالرسل والمؤمنين.\nوقوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. أي: ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته، مقابلة لما كانوا يستكبرون ويبغون في الأرض بغير الحق.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. أي: ﴿عَزِيزًا﴾ في انتقامه ممن عانده، ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبيره وقضائه.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بوصف بعض ألوان العذاب للكفار ونعت بعض صفاتهم آنذاك:\nالحديث الأول: أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما بين منكبي الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع].\nوفي رواية: [ضِرسُ الكافر مثل أحد، وغِلظ جلده مسيرة ثلاث] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا، وإن ضِرْسَهُ مثل أحد، وإن مَجْلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإِمام مسلم عن سمرة بن جندب، أن النبي - ﷺ - قال: [منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِه، ومنهم من تأخذه النار إلى تَرْقُوَتِه] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٨٣)، وكتابي: أصل الدين وإلإيمان (٢/ ٧٦٦) لمزيد من تفصيل عن صفة النار وصفة أهلها وأحوالهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣/ ٣٤٢)، والحاكم (٤/ ٥٩٥). وانظر تخريج المشكاة (٥٦٧٥)، والسلسلة الصحيحة (١١٠٥)، وصحيح الجامع (٢١١٠) بزيادة: \"وأربعون ذراعًا بذراع الجبار\" أي: من جبابرة الآدميين ممن كان في القرون الأولى وأحسبه ملكًا من ملوك الأعاجم كان تام الذراع، وكان أعظم خلقًا وأطول أعضاء وذارعا من الناس.\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٩٥٣) في تفصيل أكبر من حديث المقداد. والحجزة: وسط الإنسان، ومعقد إزاره.","vol":"2","page":268},{"text":"الحديث الرابع: أخرج الحاكم في المستدرك بسند حسن عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن أهل النار ليبكون، حتى لو أُجريت السفن في دموعهم جَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم] (١).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.\nهذه هي الصورة المقابلة للصورة الأولى. فجنات الخلود والنعيم والسعادة والاستقرار، وهي تجري من تحتها الأنهار، من ثواب العاملين المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.\nوقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال ابن عباس: (مطهرة من الأقذار والأذى).\nوقال مجاهد: (مطهرةٌ من البول والحيض والنُّخام والبزاق والمني والولد).\nوقال قتادة: (مطهرة من الأذى والمآثم ولا حيض ولا كَلَف).\nوالمقصود أن الله سبحانه هيأ للمؤمنين في الجنة أزواجًا جمعن من الحسن والجمال والأدب والطهارة والفتنة والبهاء أعلى درجاته.\nوقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. أي: ظلًّا كنينًا عميقًا ممدودًا. قال تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن في الجنة لشجرةً يسير الراكبُ الجوادَ المضمَّرَ السريع في ظلها مئة عام ما يقطعها] (٢). زاد ابن جرير في رواية عنده: (اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾).\n٥٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾.\nفي هذه الآية: أَمْرٌ من الله سبحانه بأداء الأمانات إلى أهلها، وإقامة العدل عند الحكم بين الناس، فنعم الأمر هو من المنعم الكبير السميع البصير.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥). انظر السلسلة الصحيحة، حديث رقم (١٦٧٩).\n(٢) حديث صحيح. وانظر صحيح البخاري (٣٢٥١) من حديث أنس، وصحيح مسلم (٢٨٢٨) من حديث أبي سعيد. وانظر اللفظ السابق في صحيح الجامع - حديث رقم (٢١٢١).","vol":"2","page":269},{"text":"أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء] (١).\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك] (٢).\nقال أبو العالية: (الأمانة ما أمروا به ونُهوا عنه). وقال أبيّ بن كعب: (من الأمانات أن المرأة اؤْتُمِنَتْ على فَرْجها). وقال ابن عباس: (يدخل فيه وَعْظُ السلطان النساء، يعني يوم العيد). وقال الربيع بن أنس: (هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس).\nوفي الصحيح: [وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا].\nوقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.\nهذا أمر للولاة بإقامة العدل في الحكم بين الناس، ويدخل في ذلك كل من وُكل إليه أمر الفصل بين الناس في شؤونهم المختلفة، وأمر القضاء.\nأخرج الإِمام أحمد بسند حسن عن معقل بن يسار، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى مع القاضي ما لم يَحِفْ عمْدًا] (٣).\nورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبي أوفى بلفظ: [إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجرْ، فإذا جارَ تبرّأَ منه، وألزمه الشيطان].\nورواه ابن حبان عنه بلفظ: [إن الله مع القاضي ما لم يَجُرْ عمدًا، فإذا جار وكلهُ إلى نفسه].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.\nأي: نعم ما يعظكم الله به من أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل، فهو سبحانه لم يزل سميعًا بما تقولون وتنطقون، بصيرًا بما تعملون وتفعلون فيما وكل إليكم حفظه من الأمانة أو الرعية.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٨٣)، كتاب البر والصلة، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٣٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، وانظر صحيح الجامع (٢٣٨).\n(٣) حديث حسن. ورواه الطبراني عن ابن مسعود. انظر تخريج المشكاة (٣٧٤١)، وصحيح الجامع الصغير (١٨٢٤)، وانظر لرواية الحاكم وابن حبان بعده صحيح الجامع الصغير، الحديث رقم (١٨٢٢)، (١٨٢٣)، ورواه الترمذي وغيره.","vol":"2","page":270},{"text":"أخرج أبو داود وابن خزيمة في الصفات بسند على شرط مسلم، عن المقري، حدثنا حرملة، حدثني أبو يونس، سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: [هكذا سمعت رسول الله - ﷺ - يقرؤها ويضع إصبعيه] (١).\n٥٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾.\nفي هذه الآية: أمْرُ الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأمراء الحق والعلماء من بعدهم، وَبِرَدِّ الأَمْرِ عند الخلاف إلى الأصلين العظيمين: الكتاب والسنة، ذلك هو السبيل القويم لمن آمن بالله واليوم الآخر.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄: [﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عَدِيّ إذ بعثه رسول الله - ﷺ - في سَرِية] (٢).\nوعن عطاء: (﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قال: طاعة الرسول، اتباعُ سنته). أو قال: (طاعة الرسول، اتباع الكتاب والسنة). وقد ورد أكثر من قول في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾:\n١ - قال أبو هريرة: (هم الأمراء) - ذكره ابن جرير.\n٢ - وقال مجاهد: (أولي الفقه منكم). أو قال: (أولي الفقه والعلم).\n٣ - وقال ابن أبي نجيح: (أولي الفقه في الدين والعقل).\n٤ - وقال ابن عباس: (يعني: أهل الفقه والدين).\n_________\n(١) حديث على شرط مسلم. أخرجه أبو داود (٤٧٢٨)، وابن حبان (٢٦٥)، وابن خزيمة في \"الصفات\" ص ٤٢ - ٤٣. وأورده الحافظ ابن كثير. النساء (٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٨٤)، ومسلم (١٨٣٤)، وأبو داود (٢٦٢٤)، وغيرهم.","vol":"2","page":271},{"text":"٥ - قال مجاهد: (أهل العلم). وقال عطاء: (الفقهاء والعلماء).\n٦ - وقال مجاهد في رواية: (أصحاب محمد). وقال عكرمة: (أبو بكر وعمر). واختار ابن جرير أنهم الأمراء والولاة. وقال الحافظ ابن كثير: (والظاهر -والله أعلم- أن الآية عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء).\nقلت: ولا شك أن الأمراء المسلمين من الخلفاء والحكام ومن قام بالأمر منهم على منهاج الكتاب والسيرة النبوية يجب طاعتهم، فإن غابوا أو غاب الحكم بالإِسلام فالواجب طاعة العلماء الربانيين الذين هم يقتفون أثر المنهج النبوي لإعادة بناء جماعة المسلمين واستئناف الخلافة في الأرض والشوكة. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"السمعُ والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ وكَرِه، ما لم يؤمَرْ بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولا طاعة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اسمعوا وأطيعوا، وإن أُمِّرَ عليكم عبدٌ حَبَشيٌ كأن رأسه زبيبة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عُبادة بن الصامت قال: [بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، في مَنْشَطِنا ومكرهنا، وعُسْرنا ويُسْرِنا، وأثرَةٍ علينا، وأن لا نُنازعَ الأمر أهله. قال: إلا أن تروا كُفرًا بَواحًا عندكم فيه من الله برهان] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [أوصاني خليلي أن أسمع وأُطيعَ، وإن كان عبدًا حبشيًا مُجَدَّعَ الأطراف] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم، وأحمد واللفظ له، عن علي قال: [بعث رسول الله - ﷺ - سَرِيَّةً، واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، فلما خرجوا وَجَدَ عليهم في شيء، فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطبًا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخُلُنَّها.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٩٥٥) و(٧١٤٤)، وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه (١٨٣٩)، ورواه أحمد (٢/ ١٧)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٣) و(٧١٤٢)، وابن ماجه (٢٨٦٠)، وأحمد (٣/ ١١٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٠٥٥ - ٧٠٥٦)، ومسلم (١٨٤٠) ح (٤٢)، وأحمد (٥/ ٣٢١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٣٧). وانظر الرواية رقم (١٨٣٨) بمعناه أيضًا.","vol":"2","page":272},{"text":"قال: فَهَمَّ القوم أن يدخلوها. قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله - ﷺ - من النار، فلا تَعْجَلوا حتى تلقوا رسول الله - ﷺ -، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. قال: فرجعوا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبروه، فقال لهم: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعةُ في المعروف] (١).\nالحديث السادس: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [كانت بنو إسرائيل تَسُوسُهم الأنبياء، كلَّما هلك نبي خلفَهُ نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: أوفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم] (٢).\nالحديث السابع: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحدٌ يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية] (٣).\nوله شاهد في صحيح مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: [من خلعَ يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حُجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتة جاهلية].\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال مجاهد: (أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله).\nفهذا منهاج المؤمنين عند التنازع، التجرد من حظوظ النفس والشبهات، والنزول عند حكم الله ورسوله في أصول الدين وفروعه، ولا حياة للأمة ولا قوة ولا شوكة إلا بهذا المنهج العظيم، فهو الذي يوحد القلوب والنفوس ويحيي مجد هذه الأمة من جديد، وغيابه شر عظيم يمزق الأمة ويفرق قلوب أبنائها ويُسلط عليها أعداءها.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nفي هذه الآية تشكيك بإيمان من لا يرضى بالتحاكم لله وسنة رسوله وسيرته العطرة عند التنازع، يشكك الله بها بإيمانه به وبلقائه في الدار الآخرة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠)، وأحمد (١/ ٨٢)، (١/ ١٢٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢)، وأحمد (٢/ ٢٩٧)، وابن ماجه (٢٨٧١)، وأبو يعلى (٦٢١١)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩)، وانظر للشاهد بعده صحيح مسلم -حديث رقم- (١٨٥١).","vol":"2","page":273},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. أي: التحاكم إلى المنهاج الأحكم والأمثل: كتاب الله وسنة نبيه.\nوقوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال مجاهد: (أحسن جزاءً). وقال قتادة: (أحسن ثوابًا وخيرٌ عاقبة). وقال ابن زيد: (وأحسن عاقبة. والتأويل: التصديق).\n٦٠ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرٌ مِنَ الله بالكفر بمناهج الطاغوت واقتراحات الشياطين، وتحكيم شرع الله الحكيم، وفضح لسبل المنافقين والمُبْطلين والمعاندين، وكَشْفٌ لِما في قلوبهم من الزيغ والهوى وما في ألسنتهم من الافتراء والكذب والحلف الباطل.\nيروي الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، عن عكرمة عن ابن عباس قال: [كان أبو بَرْزَةَ الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ -إلى قوله- ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾] (١).\nثم إن الآية عامة في كل من عدل عن الكتاب والسنة ورضي التحاكم إلى منهج من مناهج أهل الدنيا، وهو المراد بالطاغوت في تعريفه العام: كل منهج يخالف منهج الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول -سورة النساء- آية (٦٠).","vol":"2","page":274},{"text":"ورسوله، فيدخل بذلك الشيطان ومناهج الكهنة والسحرة وأهل المناهج الوضعية الأرضية.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. أي: يمتنعون من المجيء إليك لتحكم بينهم، كما يمنعون من المصير إليك غيرهم، فيعرضون عنك كبرًا وعُلوًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.\nأي: كيف بهم يا محمد إذا نزلت بهم نقمة من الله أو مصيبة بما اكتسبوه من ذنوبهم ثم جاؤوك يعتذرون ويحلفون كذبًا وزورًا، أنهم ما ذهبوا ليتحاكموا إلى غيرك إلا مداراة ومصانعة، فإن قلوبهم معك ومع التحاكم إليك.\nفقال سبحانه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. أي: من الكذب وإرادة التحاكم إلى الطاغوت لأنه يناسب أهواءهم وشهواتهم ومنهاج حياتهم الفاسد. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأسَ الله أن يحلّ بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذِّرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، يقول: مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده).\n٦٤ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أن الرسل طاعتهم مرهونة بإذنه سبحانه، فلا أحد يستطيع في هذه الدنيا أن يحدث طاعة لله إلا بإذن الله ومشيئته وتوفيقه، ثم يخبر عن حال العصاة المذنبين زمن النبوة أنهم لو تواضعوا حينئذ وجاؤوك -يا محمد- لتستغفر لهم الله، لوجدوا الله توابًا غفورًا رحيمًا يحب التوبة والاستغفار والندم من المذنبين،","vol":"2","page":275},{"text":"تم يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول - ﷺ - في جميع أموره، ثم ينقاد للحق الذي يحكم به ويستسلم لذلك دون حرج أو مدافعة.\nقال مجاهد: (﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله). وهذا توبيخ من الله للمنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل الله إلى رسوله - ﷺ -. فإن من هداه الله ونوّر قلبه وفقه لطاعة رسله، وإلا تركه متخبطًا تائهًا في ظلمات الهوى.\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.\nإرشاد من الله للعصاة المذنبين أن يأتوا إلى الرسول - ﷺ -، فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، إذن لوجدوا مغفرة الله ورحمته قريبة منهم.\nقلت: وهذه الآية خاصة في حياة النبي - ﷺ -، أما وقد غاب عنا ومات فلا يلجأ العبد عند استغفاره إلا إلى الله العزيز الغفار.\nففي صحيح مسلم عن الأغَرِّ بن يسار المُزَني ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مئة مرة] (١).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها] (٢).\nوفيه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه] (٣).\nقال القرطبي: (هذا الحديث أجري مجرى المثل الذي يُفهم منه قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة، وهو تنزل عن مقتضى الغني القوي القاهر إلى مقتضى اللطليف الرؤوف الغافر).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٧٠٢) (٤٢) دون قوله: \"واستغفروه\"، وبزيادة \"إليه\" بعد \"في اليوم\"، وأخرجه أبو داود (١٥١٥)، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه برقم (٢٧٥٩)، كتاب التوبة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٠٣) -كتاب الذكر والدعاء. باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه.","vol":"2","page":276},{"text":"وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.\nأي: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما تشابه واختلط عليهم والتبس حكمه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. قال مجاهد: (شكًّا). وقال الضحاك: (إثمًا).\nوقوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال الضحاك: (ويُسلّموا لقضائك وحكمك، إذعانًا منهما بالطاعة، وإقرارًا لك بالنبوة تسليمًا).\nأخرج البخاري ومسلم عن عروة قال: [خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شريج (١) من الحَرَّة، فقال النبي - ﷺ -: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري: يا رسول الله، أَنْ كان ابن عمتك؟ فتلوّنَ وجه رسول الله - ﷺ -، ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجعَ إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعى النبي - ﷺ - للزبير حَقَّهُ في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما - ﷺ - بأمر لهما فيه سَعَة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ... الآية] (٢).\nورواه ابن ماجه بسند صحيح عن عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير حدثه: [أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبيرَ عند رسول الله - ﷺ - في شِراج الحَرَّةِ التي يسقون بها النخل. فقال الأنصاري: سرِّح الماء يمر. فأبى عليه. فاختصما عند رسول الله - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: اسْقِ يا زُبَيْر. ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، أَنْ كان ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فتلون وجه رسول الله - ﷺ - ثم قال: يا زُبيرُ، اسْقِ، ثم احبسِ الماء حتى يرجع إلى الجَدْر. قال، فقال الزبير: والله، إني لأحْسِبُ هذه الآية نزلت في ذلك. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾] (٣).\n_________\n(١) أي في مسيل الماء من الحرة إلى السهل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٨٥) (٢٣٦١) مرسلًا، وأخرجه (٢٧٠٨)، ووصله البخاري (٢٣٥٩)، وأخرجه مسلم (٢٣٥٧)، وأحمد (٤/ ٤ - ٥).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجه (١٥) - باب تعظيم حديث رسول الله - ﷺ - والتغليظ على من عارضه. والشراج جمع شرجة، وهي مسايل الماء. والحرة: أرض ذات حجارة سود. والجدر: الجدار. قيل المراد ما رفع حول المزرعة. وقيل أصول الشجر.","vol":"2","page":277},{"text":"٦٦ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن قلوب هؤلاء المتحاكمين للطاغوت وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، فلو أمروا بقتل أنفسهم أو الخروج من ديارهم طاعة لله ما فعلوا ذلك ولا هاجروا، ولو امتثلوا أمر الله لهم لكان لهم عنده ذخرًا وأجرًا ونورًا، فإن من يطع الله والرسول يجعله الله مع مَنْ أنعم عليهم من خير خلقه: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهؤلاء خير الرفقاء، وهذا فضل كبير من الله الكريم العلم.\nقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، لم يفعلوا إلا قليل منهم).\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. قال السدي: (تصديقًا). أي: لو أنهم امتثلوا ما يُذكرونَ به من طاعة الله وتعظيم أمره لكان خيرًا لهم في عاجل دنياهم وآجل معادهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يعني: جزاء وثوابًا كبيرًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. أي: طريقًا لا اعوجاج فيه يسهل فيه الثبات، فهداية الله تحمل الثبات، والصراط المستقيم هو دين الله القويم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.\nأخرج الطبراني في \"الصغير\" بسند جيد، عن عائشة قالت: [جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنك لأحَبَّ إلي من نفسي، وإنك لأحب إلى من أهلي","vol":"2","page":278},{"text":"ومالي، وأحب إلى من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - شيئا حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. يعني في الجنة. فإن مرافقة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ممّا أعظيم يوم القيامة.\nأخرج البخاري عن عائشة قالت: سمعت رسول اللهﷺ - يقول: [ما من نبي يمرَضُ إلا خُيِّرَ بين الدنيا والآخرة. وكان في شكواه الذي قبض فيه فأخذته بُحَّةٌ شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خُيِّرَ] (٢).\nثم قال ﵊ وهو مسند ظهره إلى عائشة: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى. كرّرها ثلاثًا ثم مالت يده.\nفكذلك أخرج البخاري عنها -في قصة وفاته ﵊- قالت: [فجعل يُدخل يديه في الماء فيمسَحُ بهما وجهه يقول: لا إله إلا الله، إن للموت سَكَرات. ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى. حتى قُبِضَ ومالت يَدُه] (٣).\nوفي رواية: [أنها سمعت النبي - ﷺ -، وأصغَتْ إليه قبل أن يموتَ، وهو مسندٌ إليَّ ظهره يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى\". قالت عائشة: [فكانت آخر كلمة تكلم بها: اللهم الرفيق الأعلى].\nوالرفيق: اسم جنس يشمل الواحد والجماعة. أي: أدخلني في جملة الرفقاء الذين\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الصغير\" (٥٢)، و\"الأوسط\" (٤٨٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٧) بص (٧): رجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمران وهو ثقةٌ. وله شاهد من حديث ابن عباس، وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" وله شواهد كما في تفسير ابن كثير تقويه. وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول -سورة النساء- آية (٦٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٨٦)، ومسلم (٢٤٤٤)، وأخرجه أحمد (٦/ ١٧٦)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٤٤٩)، كتاب المغازي، وهو جزء من حديث أطول. وأحمد (٦/ ٤٨). وانظر للروايات الأخرى صحيح البخاري -الحديث السابق-، ومسند أحمد (٦/ ١٢١)، ومسند أبي يعلى (٤٥٨٥).","vol":"2","page":279},{"text":"خصصتهم بالمكانة الرفيعة في أعلى الجنان. وهم المذكورون في آية النساء السابقة.\nوفي صحيح مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: [كنتُ أبيتُ عند النبي - ﷺ - فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود] (١).\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن أهلَ الجنة ليتراءَوْنَ أهل الغُرَف من فوقهم، كما تراءَونَ الكوكب الدُّرِيَّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن أنس: [أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، متى الساعةُ قائمة؟ قال: وَيْلَكَ، وما أعْدَدْتَ لها؟ قال: ما أعددتُ لها إلا أني أُحِبُّ الله ورسوله، قال: إنك مع من أحْبَبْت، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرِحْنا يومئذٍ فرَحًا شديدًا] (٣).\nوفي رواية: [المرء مع من أحب]. قال أنس: (فما فرح المسلمون فَرَحهم بهذا الحديث). في رواية أخرى قال أنس: (إني لأحبُّ رسول الله - ﷺ -، وأحبُّ أبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن يبعثني الله معهم وإن لم أعمل كعملهم).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾. يعني ذلك عطاء الله المؤمنين وفضله عليهم.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. أي: بطاعة المطيع منهم، ومعصية العاصي، ومن يستحق صحبة الذين أنعم الله عليهم من الرفيق الأعلى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٨٩)، والنسائي (٢/ ٢٢٧)، (٢/ ٢٢٨)، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٦)، وأخرجه مسلم (٢٨٣٤)، وابن حبان (٧٣٩٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦١٦٧) كتاب الأدب. وانظر لروايات أنس: صحيح البخاري (٣٦٨٨)، وصحيح مسلم (٢٦٣٩) ح (١٦٤)، ومسند أحمد (٣/ ١٩٢)، وصحيح مسلم (٢٦٣٩) ح (١٦٣)، وكذلك صحيح ابن حبان (٥٥٧).","vol":"2","page":280},{"text":"٧١ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَال قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَاليْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرٌ مِنَ الله تعالى عباده المؤمنين بالتأهب للعدو وأخذ الحذر واستكمال العدة لِقتالِهِ والحثّ على ملاقاته جماعة جماعة وفرقة بعد فرقة وسرية بعد سرية لإنهاكه وتحقيق كسره. ثُمَّ تحْذيرٌ من سبيل المنافقين وأساليب مكرهم وخداعهم، وحث على الصدق في التجارة مع الله سبحانه وشراء الحياة الدنيا بالآخرة، وتذكيرٌ بأجر القتال في سبيل الله في الدنيا والآخرة.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾. كقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. وكقوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢].\nقال القرطبي: (هذا وصاة بالحذر لئلا ينال العدو أمله، ويدرك فرصته).\nوفي معجم الطبراني بسند صحيح من حديث معاذ، عن النبي - ﷺ - قال: [استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود] (١).\nفالآية أمر من الله بأخذ العدة والسلاح الذي ينفع في مواجهة العدو وغزوه وحربه.\nوقوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: عصبًا، يعني سرايا متفرقين). وقال مجاهد: (فرقًا، قليلًا قليلًا). وقال قتادة: (الثبات: الفرق). والثبات: جمع ثُبَة، وقد تجمع على ثُبينَ. والمقصود انفروا جماعة بعد جماعة وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، بما يحصل فيه كسر العدو وقهره.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في المعاجم الثلاثة، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢١٥)، (٦/ ٩٦)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٢٩١/ ١)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٤٥٣).","vol":"2","page":281},{"text":"وقوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. قال ابن عباس: (كلكم). وقال السدي: (مع النبي - ﷺ -). وكل ذلك يرجع إلى قرار الإِمام والقائد. قال القرطبي: (ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإِمام ليكون متجسسًا لهم، عَضُدًا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى دَرْئه).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. قال قتادة: (عن الجهاد والغزو في سبيل الله). وقال ابن جُريج: (المنافق يُبَطِّئُ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله). وكلاهما صحيح.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَال قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. فقوله: ﴿مُصِيبَةٌ﴾. قال ابن زيد: (هزيمة). وقال ابن جريج: (بقتل العدو من المسلمين). فينطق يقول الشامت الكاذب: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. ولم يدر هذا المنافق كم فاته من أجر الشهادة والصبر على القتال وحضور المعركة.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾. أي نصر وظفر وغنيمة. قال ابن جريج: (ظهور المسلمين على عدوهم فأصابوا الغنيمة).\nوقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. قال القرطبي: (أي: كأن لم يعاقدكم على الجهاد).\nوقال ابن كثير: (أي: كأنه ليس من أهل دينكم). وقال القاسمي: (أي: صلة في الدين، ومعرفة بالصحبة). والكلام فيه تقديم وتأخير.\nفالمنافقون كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، ويبغون لهم الغوائل في الباطن، فقولهم هذا: ﴿يَاليْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ -أي: أصيب غنائم كثيرة، وحظًا وافرًا- هو قول من لم تتقدم له معكم موادّة، بل هو قول الحاسد. قال قتادة وابن جريج: ﴿يَاليْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ حسدًا منهم لهم).\nثم حثّ سبحانه المؤمنين على الجهاد -بعد ذم المبطئين المنافقين- فقال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعونها بها. فهناك تأويلان:\n١ - قال السدي: (يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة). وقال ابن زيد: ﴿يشري﴾: يبيع، ﴿يشري﴾: يأخذ، وإن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا).\nفالمعنى هنا: ليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة أعداءَ الله.","vol":"2","page":282},{"text":"٢ - قيل: بل عني بالاسم الموصول ﴿الذين﴾ المنافقين المبطئين. قال القاسمي: (أي الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة، فيكون وعظًا لهم بأن يبدلوا التثبيط بالجهاد).\nوقال ابن كثير: (﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أي: المؤمن النافر ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون دينهم بعَرض قليل من الدنيا، وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم).\nوكلا المعنيين يحتملهما البيان الإلهي، والسياق القرآني.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [تضمّن الله لمن خرج في سبيله لا يُخرجُه إلا جهادٌ في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجِعَهُ إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة] (١).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [مثلُ المجاهد في سبيل الله -والله أعلمُ بمن يجاهدُ في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتوكَّلَ الله للمجاهد في سبيله بأنْ يتوفّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجنة أو يَرْجِعَهُ سالمًا مع أجْرٍ أو غنيمة] (٢).\nوأما حديث عبد الله بن عمرو -رواه مسلم-: [ما من غازية تَغْزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم] (٣).\nفلا تعارض مع الحديث قبله، فالحديث الأول محمول على مجرّد النية والإخلاص في الجهاد، فذلك الذي ضمن الله له إما الشهادة، وإما ردّه إلى أهله مأجورًا غانمًا، ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم، فلما انقسمت نيّته انحط أجره. ذكره القرطبي.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣١٢٣)، (٧٤٥٧)، وأخرجه مسلم (١٨٧٦)، وأحمد (٢/ ٣٩٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٨٧)، كتاب الجهاد والسير.\nوأخرجه مسلم (١٨٧٦) ح (١٠٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، وأحمد (٢/ ١٦٩)، وغيرهم.","vol":"2","page":283},{"text":"٧٥ - ٧٦. قوله تعالى. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يحث تعالى أهل الصدق والإيمان على الجهاد لكسر شوكة الكافرين، واستنقاذ المستضعفين بمكة، -ثم الآية عامة في كل وضع مشابه إلى قيام الساعة- من الرجال والنساء والولدان الذين يقاسون تحت حكم الكفر. فالمؤمنون يقاتلون في سبيل الله العظيم، والكافرون يقاتلون في سبيل الشيطان الرجيم المهين.\nقال مجاهد: (أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين، كانوا بمكة). وقال ابن عباس: (هم أناس كانوا بمكة، لا يستطيعون أن يخرجوا منها ليهاجروا، فعذرهم الله، فهم أولئك).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: (كنت أنا وأمي من المستضعفين) (١).\nوفيه عن ابن مُلَيْكة أن ابن عباس تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قال: (كنت أنا وأمي ممن عذر الله ﷿).\nقال ابن زيد: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، قال: وما لكم لا تفعلون؟ تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوة، فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم الله هؤلاء ودينهم؟ قال: و﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، مكة).\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾.\nأي: هم يسألون الله سبحانه أن سخّر لنا من عندك وليًّا وناصرًا لنخرج مما نحن فيه من الفتنة في الدين.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: في سبيل إعلاء كلمته وإقامة منهاج\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٥٨٧)، والأثر بعده أخرجه أيضًا البخاري (٤٥٨٨).","vol":"2","page":284},{"text":"دينه وشريعه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ -أي: في سبيل طاعة الشيطان وحزبه وفي سبيل نشر منهاجه وطريقه.\nوقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.\nأمْرٌ من الله للمؤمنين بقتال أعدائه الذين يتولون الشيطان وحزبه، ويريدون أن يحكموا في الأرض بمنهاجه، وتهوين لكيد الشيطان وأوليائه، فإنه ضعيف مهزومٌ لا يثبت أمام الصدق مع الله والصدق في الجهاد.\n٧٧ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَال إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَال لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾.\nفي هذه الآيات: لقد كان الأمر في بدء الإِسلام بتمكين إقامة الدين والمجاهدة بالقرآن الكريم، فأُمر المسلمون بمكة بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة -دون نصاب معلوم قد عرف بعد- بمواساة الفقراء والمحتاجين والأرحام، وكان كثير من الصحابة يتمنون لو أُمروا بالقتال ليشفوا صدورهم من جَلّاديهم ومن الطغاة المجرمين الذين كانوا يعيثون في البلاد فسادًا -وهي البلاد أشرف بقاع الأرض وفيها بيت الله الحرام- فلما حوّلهم الله إلى المدينة وصارت للمسلمين دولة وشوكة ونزل الأمر بالقتال خاف بعضهم من سفك الدماء ويتم الأولاد وتأيم النساء ومتاع الحياة الدنيا، فنزلت هذه الآية تقرعهم. إن الموت الذي تفرون منه قادم ولو تحصّنتم في قصور مشيدة، والنصر والهزيمة من عند الله، وإنما ينصر المسلمون لإخلاصهم لربهم، ويهزمون بمعصيتهم وتخاذلهم عن الحق والصبر.\nأخرج النسائي والحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عكرمة عن ابن عباس: [أن عبد","vol":"2","page":285},{"text":"الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي - ﷺ - بمكة، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا، فلما حولنا الله إلى المدينة أمرنا بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ...﴾ الآية] (١).\nوقوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت. قال ابن جريج: (قال: إلى أن نموت موتًا، و\"الأجل القريب\").\nوقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قل يا محمد لهؤلاء: إن عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل لأنها فانية وما فيها فان، وإن نعيم الآخرة هو النعيم الباقي لمن أقام الدين وجاهد في سبيل الله. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: أي لا ينقصكم الله من أجوركم مقدار فتيل -وهو ما يكون في شق النواة.\nوقرأ الحسن: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ فقال: (رحم الله عبدًا صَحِبها على حَسب ذلك، وما الدنيا كلُّها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومةً، فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه) - ذكره ابن كثير بسَنده عند ابن أبي حاتم.\nوقال ابن معين: كان أبو مُسْهر ينشد:\nولا خيرَ في الدنيا لمن لم يكنْ له ... من الله في دار المقام نصيب\nفإن تعجِب الدنيا رجالًا فإنها ... متاعٌ قليل والزّوال قريب\nوقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.\nقال قتادة: (في قصور محصنة). وقال ابن جريج: (قصور مشيدة). وقال السدي: (وهي قصور بيض في سماء الدنيا، مبنية). وقال الربيع: (ولو كنتم في قصور في السماء).\nوالمقصود أن الموت قادم إلى العبد لا محالة ولو تحصن في أعلى أبراج الدنيا وقصورها. وفي التنزيل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٦/ ٣)، وفي \"التفسير\" (١٣٢)، والحاكم (٢/ ٦٦)، والبيهقي (٩/ ١١)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي. النساء (٧٧).","vol":"2","page":286},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾.\nقال ابن جرير: \"وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة \"يقولوا هذه من عند الله\"، يعني: من قبل الله ومن تقديره، \"وإن تصبهم سيئة\"، يقول: وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد: \"هذه من عندك\"، بخطئك التدبير).\nوقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها).\nوقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. أي لا يكادون يعلمون حقيقة ما يجري حولهم في شأن الحسنات والسيئات، وقسمة الله ذلك بين عباده كالأرزاق، فمن ﵁ وفقه لفعل الحسنات، ومن سخط على منهجه ذلل له فعل السيئات، والله وحده أعلم بالشاكرين.\nوقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. المعنى: الحسنة فضل من الله ييسّرها للعبد ليرفعه عنده سبحانه، والسيئة عقاب من الله لتقصير في حياة العبد يبتعد العبد بها عن ربه.\nقال ابن جريج: (﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، قال: عقوبةً بذنبك).\nأخرج الإِمام مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: [ما يصيب المسلمَ من نصب ولا وصب ولا همٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذى ولا غمٍّ حتى الشوكة يُشاكُها إلا كفّر الله بها من خطاياه] (١). والنصب: التعب، والوصب: المرض.\nوأخرج الطبراني بسند صحيح عن البراء، عن النبي - ﷺ - قال: [ما اختلج عِرْقٌ ولا عينٌ إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٧٩٨)، ومسند أحمد (٢/ ٣٠٣)، وسنن البيهقي (٣/ ٣٧٣)، وصحيح مسلم (٢٥٧٣)، وسنن الترمذي (٩٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (رقم ١٠٥٣)، وانظر: الصحيحة (٢٢١٥).","vol":"2","page":287},{"text":"وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.\nالمعنى: وإنما جعلناك يا محمد رسولًا إلى الخلق كافة، تبلغهم رسالة ربك فيما أوحى إليك، وقد أيّدك الله بحجة الوحي وبإثباتات النبوة، فما عليك إلا البلاغ، ثم الله شهيد على أعمال عباده ومطلع على قلوبهم، وهو جامعهم بين يديه يوم يقوم الناس لرب العالمين.\n٨٠ - ٨١. قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾.\nفي هذه الآيات: طاعة رسول الله - ﷺ - واجبة لأنها من طاعة الله، ولا عذر لأحد عند الله في التنكر لمنهاج نبيه وسنته وسيرته، فهو رسوله الذي دعا إلى دينه الذي ارتضى، والله محيط بما يبيِّت المنافقون والكافرون من المكر بدينه ورسوله، فتوكل عليه يا محمد، وكفى بالله وكيلًا.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني] (١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. قال ابن زيد: (هذا أول ما بعثه، قال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]. قال: ثم جاء بعد هذا بأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا).\nوالمقصود أن من أطاعه فقد نجا، ومن عصاه فقد خاب وخسر، فلا عليك منه يا محمد.\nأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كل أمتي يدخلون الجنة إلا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧١٣٧)، ومسلم (١٨٣٥)، وأحمد (٢/ ٢٧٠)، وغيرهم.","vol":"2","page":288},{"text":"من أبى، قيل: ومن يأبى؟ قال: من أَطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى] (١).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ خبر عن المنافقين يظهرون الموافقة ويقولون لنبي الله - ﷺ - أمرك طاعة، وهم الذين ذُكر أنهم يخشون الناس من الجهاد كخشية الله أو أشد خشية.\nوقوله: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.\nأي: إذا خرجوا من لقائك غيّر جماعة منهم ليلًا الذي تقول لهم. قال قتادة: (يغيّرون ما عهد نبي الله - ﷺ -). وقال ابْن عباس: (غَيَّرَ أولئك ما قال النبي - ﷺ -).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾، أي: ما يقولون ويغيرون. قال الضحاك: (هم أهل النفاق). وقال ابن جرير: (والله يكتب ما يغيرون من قولك ليلًا في كُتب أعمالهم التي تكتبها حفظتُه).\nوقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.\nإرشاد من الله لنبيه - ﷺ - بالصفح عنهم وعدم مكاشفتهم، والاعتصام بالله سبحانه وكفى به منتقمًا منهم، ودافعًا عنك ووليًّا وناصرًا ومعينًا.\n٨٢ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يرشد تعالى هؤلاء ويأمرهم بِتَدَبُّرِ هذا الكتاب وتفهم معانيه، ويحذرهم مغبة الإعراض عنه، فإنه لو كان مفتعلًا لوجدوا فيه اضطرابًا كثيرًا. ثم يحذر سبحانه من الإشاعة الكاذبة وبث الأخبار بيّن المسلمين دون تثبت من مصادرها ونقلتها، وأنهم لو ردوها إلى عالميها لكان خيرًا لهم من بثها وخلخلة الصفوف بها، وتدخل الشيطان في محاولات الإفساد والتخريب لمجتمع المسلمين.\nفعن قتادة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٢٨٠)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":289},{"text":"أي: قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف).\nوقال الضحاك: (﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾، النظر فيه).\nوقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ...﴾.\nأخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: [لما اعتزل رسول الله - ﷺ - نساءه قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله نساءه، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب. قال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم -فذكر الحديث، وفيه بعد استئذانه على رسول الله - ﷺ - فقلت: أطلقتهنَّ يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والناس ينكتون بالحصى يقولون: طلّق رسول الله - ﷺ - نساءه، فأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم إن شئت، فذكر الحديث وفيه: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله - ﷺ - نساءه، ونزلت الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. قال: وكنت أنا استنبطت ذلك، وأنزل الله آية التخيير] (١).\nفالآية إنكار على من يبادر بنشر الأمور قبل التحقق منها، فإنه قد لا يكون لها أساس من الصحة.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع] (٢). قلت: والآيتان مترابطتان مع بعضهما في المنهج، فإن العلم بالواقع جزء من العلم بالدين، فكما أن فهم القرآن لا يكون إلا من عالم بتأويله وبتفسير رسول الله - ﷺ - له، وكذلك الواقع لا يؤخذ الخبر فيه إلا من أهل التثبت والدقة. وتفصيل ذلك:\nأ - في أمر الدين وفهم المتشابه من القرآن\nأخرج الإِمام أحمد بسند حسن عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده قال: [لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله - ﷺ - عند باب من أبوابه، فَكَرِهْنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حَجْرَة إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله - ﷺ - مُغْضَبًا\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (١٤٧٩) ح (٣٠) من حديث ابن عباس عن عمر. وهو حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥)، وأخرجه أبو داود (٤٩٩٢)، وابن حبان (٣٠). عن أبي هريرة.","vol":"2","page":290},{"text":"حتى احمرَّ وجهه يرميهم بالتراب ويقول: مهلًا يا قوم، بهذا أُهْلِكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكَذّبُ بعضه بعضًا، إنما نزل يُصَدِّقُ بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه] (١).\nوله شاهد عند ابن ماجه بسند حسن عنه قال: [خرج رسول الله - ﷺ - ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يُفْقَأ في وجهه حَبُّ الرمّان من الغضب. قال: فقال لهم: ما لكم تَضْرِبُون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم. قال: فما غَبَطْتُ نفسي بمجلس فيه رسول الله - ﷺ - ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس، أني لم أشهده] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: [هَجَّرْتُ إلى رسول الله - ﷺ - يومًا، فإنّا لجلوسٌ إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما فقال: إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب] (٣).\nب- في أمر الواقع وفقهه\nأخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي - ﷺ -: [إن الله حَرَّم عليكم عقوق الأمهات، ووأدَ البنات، ومَنَعَ وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (٤).\nفقوله: \"وكره لكم قيل وقال\" يشمل إشاعة الأخبار بين الناس دون تثبت من صحتها، ودون الرجوع إلى مصادرها، وسؤال أهل العلم فيها وبمدلولاتها.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nيعني بفضل الله ورحمته كان حفظ المؤمنين من اتباع سبيل المنافقين والشياطين.\nقال ابن زيد: (هذه الآية مقدَّمة ومؤخرة، إنما هي: أذاعوا به إلا قليلًا منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٨١) ح (٦٦٦٣)، وله شواهد.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه (٨٥)، وأحمد (٢/ ١٧٨). وانظر صحيح ابن ماجه (٦٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٦٦)، وأحمد (٢/ ١٩٢)، والنسائي في الكبرى (٨٠٩٥).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٠٨)، كتاب الاستقراض، وكذلك (٥٩٧٥)، وأخرجه مسلم (٣/ ١٣٤١) ح (١٤)، وأحمد (٤/ ٢٣٣)، وغيرهم.","vol":"2","page":291},{"text":"٨٤ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرٌ مِنَ الله لرسوله - ﷺ - بمجاهدة المشركين أعداء الله وقتالهم، ثم لا عليك يا محمد بمن نكل عنك، وإنما عليك أن تحرض المؤمنين وتحثهم على قتال الكفار لعل الله أن يكف قتال من جحد وعاند، والله أشد نكاية في عدوه من هؤلاء الكفار في المؤمنين. ثم إن من يسعى في أمر فيترتب عليه خير يناله من ذلك نصيب، ومن يسعى في أمر يترتب منه شر يناله من ذلك الوزر والله حفيظ على كل ذلك. ثم مَن سلم عليكم فردوا عليه بمثل ما سلم أو أحسنوا والله حفيظ كذلك على كل ذلك. فهو إلإله المعبود وحده لا شريك له ليبعثنكم بعد مماتكم وليحشرنكم جميعًا إلى موقف الحساب فهو وعْدُه، ومن أصدق من الله حديثًا.\nأخرج الإِمام أحمد بسند صحيح عن أبي إسحاق قال: [قلت للبراء: الرجلُ يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التَّهلُكة؟ قال: لا، إن الله بعث رسوله - ﷺ - وقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، إنما ذلك في النفقة] (١).\nوقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: وحضهم على قتال من أمرت بقتاله.\nوقد امتلأت السنة الصحيحة بكنوز في الحث على الجهاد والترغيب بأجره ومقامه.\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى ألزكاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي وُلد فيها. قالوا:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٨١) بإسناد صحيح. وله شاهد آخر ذكره ابن كثير.","vol":"2","page":292},{"text":"يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: إن في الجنة مئة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفجَّرُ أنهار الجنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإِمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: أيا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولا ونبيًّا، وجَبَتْ له الجنة. قال: فعَجِبَ لها أبو سعيد، فقال: أَعِدها عَليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله - ﷺ -: وأخرى يرفع الله العبد بها مئة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإِمام مسلم عن أنس -في غزوة بدر حين دنا المشركون-: [فقال رسول الله - ﷺ -: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ راح روحةً في سبيل الله، كان له بمثل ما أصابه من الغبار مِسْكًا يوم القيامة] (٤).\nالحديث الخامس: يروي الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم] (٥).\nوقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هِمَمُهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حَوزَةِ الإِسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٩٠)، ورواه ابن حبان (١٧٤٨)، والبيهقي (٩/ ١٥) من حديث أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٨٤)، والنسائي (٦/ ١٩)، وأحمد (٣/ ١٤)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٩٥١)، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ضمن حديث طويل.\n(٤) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه (٢٧٧٥). انظر صحيح سنن ابن ماجه (٢٢٣٩) -كتاب الجهاد- باب الخروج في النفير. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦١٣٦).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة، وأخرجه الحاكم (٢/ ٧٤ - ٧٥)، وانظر مسند أحمد (٥/ ٣٢٦)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٩٤١).","vol":"2","page":293},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾. قال قتادة: (أي عقوبة).\nوقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. قال مجاهد: (شفاعة بعض الناس لبعض).\nوقال الحسن: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، كتب له أجرها ما جرت منفعتها).\nوقال السدي: (أما \"الكفل\" فالحَظّ). وقال الربيع: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ قال: حَظّ منها، فبئس الحظّ).\nوخلاصة المعنى: أنَّ من يسعى في أمر يترتب عليه نفع وخير كان له نصيب من ذلك، كما لو سعى في أمر ترتبت عليه مفسدة في حياة الناس كان له من ذلك الوزر.\nوفي الصحيحين والمسند من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي - ﷺ - قال: [اشفعوا تُؤْجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء] (١).\nوأصل الشفاعة والشّفعة من الشَّفع وهو الزوج من العدد، ومنه الشفيع؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شَفْعًا. والشفاعة تشمل البر والطاعة والدعاء وكل وجوه الخير. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء، قال رسول الله - ﷺ -: [منْ دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكَّلُ به: آمين، ولك بِمثل] (٢).\nوفي لفظ: [دعوة المرء المسلم لأخيه -بِظَهْرِ الغَيْبِ- مستجابة، عند رأسه ملك مُوَكَّلٌ، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكَّلُ به: آمين، ولك بمثل].\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.\nقال ابن عباس: (حفيظًا). وقال مجاهد: (شهيدًا، حسيبًا، حفيظًا).\nوقال السدي: (قديرًا). وقال الضحاك: (المقيت الرزاق).\nوقال عبد الله بن كثير: (المُقيت: الواصب). أي القائم على الأمر أحسن القيام.\nقلت: وكلها معان يحتملها البيان الإلهي، وهي تزيد المعنى ثراء وتوضح آفاقه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٤٣١)، وأخرجه مسلم برقم (٢٦٢٧)، وأخرجه أحمد (٤/ ٤٠٠)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٣٢)، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب.","vol":"2","page":294},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.\nقال ابن زيد: قال أبي: حق على كل مسلم حيِّي بتحية أن يحيِّيَ بأحسن منها، وإذا حيّاه غير أهل الإِسلام أن يردّ عليه مثل ما قال).\nوقال ابن كثير: (أي: إذا سَلّم عليكم المُسَلِّم فرُدوا عليه أفضل مما سلَّم، أو ردوا عليه بمثل ما سَلَّم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة).\nوقال الحسن البصري: (السلام تطوع، والردّ فريضة).\nأخرج الإِمام أحمد بسند صحيح عن عِمْران بن حُصَين: [أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: السلام عليكم يا رسول الله، فرَدَّ عليه ثم جلس. فقال: عَشْرٌ. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرَدَّ عليه ثم جلس، فقال: عشرون. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردَّ عليه، ثم جلس فقال: ثلاثون] (١).\nوفي الصحيحين من حديث ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطرُّوهم إلى أضيقه] (٣).\nقلت: \"السلام\" اسم من أسماء الله تعالى وضعه بين المؤمنين في الأرض ليفشوه بينهم، فإذا فعلوا تحاببوا، وزادت المودة والأخوة بينهم.\nفقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضع في الأرض فأفشوا السلام بينكم] (٤).\nورواه البيهقي من حديث ابن مسعود بلفظ: [السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم]. ورواه البزار وزاد: [فإن الرجلَ المسلمَ إذا مرَّ بقوم فسَلَّمَ عليهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٩)، وأبو داود (٥١٩٥)، والترمذي (٢٦٨٩)، وله شواهد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٢٥٧)، ومسلم (٢١٦٤)، وأحمد (٢/ ١٩)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٦٧)، والترمذي (١٦٠٢)، وأحمد (٢/ ٢٦٦)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٨٩)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٨٤).","vol":"2","page":295},{"text":"فردوا عليه، كان له عليهم فضل درجة، فإن لم يردوا عليه ردّ عليه من هو خير منهم وأطيب] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتُم؟ أفشوا السلام بينكم] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾. قال مجاهد: (حفيظًا). أي حتى يجازيكم بها جزاءه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.\nالمعنى: هو الإله المعبود سبحانه الذي لا تنبغي الألوهية إلَّا له، ولا يليق التعظيم والكبرياء إلا به، ليبعثنكم من بعد مماتكم، ثم ليحشرنكم في مشهد الحساب، ثم يضع الميزان سبحانه ليزن أعمالكم، فيجازي كلًّا حسب عمله، قوله الصدق وخبره الحق وليس في الوجود أصدق من الله حديثًا وخبرًا، سبحانه وتعالى عما يشك المنافقون علوًا كبيرًا.\n٨٨ - ٩١. قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه البزار (رقم- ١٩٩٩)، وانظر معجم الطبراني الكبير (١٠٣٩٢)، والسلسلة الصحيحة (١٨٩٤). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٥٤) كتاب الإيمان. باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها.","vol":"2","page":296},{"text":"فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾.\nفي هذه الآيات: إنكار من الله على المؤمنين اختلافهم في شأن المنافقين الذين تخاذلوا يوم أحد، وهؤلاء المنافقون كانوا يتمنّون أن تجحدوا وحدانية ربكم وتصديق نبيكم كما جحدوا، فإياكم أن توالوهم حتى يهاجروا من دار الشرك إلى دار الإِسلام ابتغاء دين الله ونصره، فإن أبوا الإيمان والهجرة فخذوهم واقتلوهم، إلا من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعة وعهد وميثاق فدخلوا فيهم، أو جاؤوكم ضاقت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، ولو شاء الله لسلط هذين الفريقين عليكم ولكنه كفّهم سبحانه، فإن اعتزلكم هذان الفريقان: مَنْ دخل منهم مع قوم بينهم وبينكم موادعة أو ضاقت نفوسهم عن قتالكم، فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا بالقتل والسبي. وهناك قوم آخرون من المنافقين يظهرون الإِسلام لرسول الله - ﷺ - وأصحابه خوف القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، كُلما خلوا إلى قومهم عبدوا الأوثان معهم وأشركوا بالله، فهؤلاء إن لم يستسلموا إليكم بالصلح ويكفوا أيديهم عن قتالكم فخذوهم أين أصبتموهم فاقتلوهم ولكم عليهم حجة بذلك وسلطان.\nأخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: [لما خرج رسول الله باب إلى أحد رجع ناس ممن خرج، وكان أصحاب النبي - ﷺ - فرقتين: فرقة تقول نقاتلهم وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد] (١).\nوفي لفظ: [إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة].\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال ابن عباس: (أوقعهم). وقال قتادة: (أهلكهم).\nوقال السدي: (أضلهم). أي بسبب عصيانهم رسول الله - ﷺ - وتخاذلهم عنه، والمراد عبد الله بن أبي بن سلول حين رجع بثلث الجيش يوم أحد، وبقي النبي - ﷺ - في سبع مئة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٨٤)، و(٤٠٥٠)، ومسلم (١٣٨٤)، وأحمد (٥/ ١٨٤).","vol":"2","page":297},{"text":"وقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. خطاب من الله للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين، أتريدون هدايتهم وقد أعمى الله قلوبهم بنفاقهم وخشيتهم على دنياهم، ومن يضله الله فلا طريق له إلى الهدى والنور، بل إلى العمى والظلام والأفول.\nوقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول: تمنى هؤلاء المنافقون أنكم نافقتم مثلهم، وجحدتم أمر الله كما جحدوا لتكونوا سواء، وما ذلك إلا لشدة بغضهم لكم وشدة عداوتهم. فإياكم أن توالوهم حتى يخلصوا لله ويهاجروا كما هاجرتم. قال ابن عباس: (يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم، يعني الهجرة في سبيل الله).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾. قال ابن عباس: (فإن تولوا عن الهجرة).\nوقال السدي: (يقول: إذا أظهروا كفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم).\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. أي: لا توالوهم ولا تناصروا بهم على عدوكم.\nوقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. استثناء لبعض هؤلاء القوم. قال السدي: (يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثل ما تجرون على أهل الذمة).\nوقال ابن زيد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاق من القوم، لهم من الأمان مثل ما لهؤلاء).\nوقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾.\nقال السدي: (رجعوا فدخلوا فيكم، ..، ضاقت صدورهم، ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾. فهؤلاء لا لكم ولا عليكم، يبغضون أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أن يقاتلوا قومهم.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾. أي: من رحمته سبحانه بكم كفّهم عنكم. وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: صالحوكم وسالموكم.\nوقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. أي: لم يجعل الله لكم إذنًا بقتل فيهم أو سباء.","vol":"2","page":298},{"text":"قال ابن كثير: (أي: فليس لكم أن تقتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي - ﷺ - يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره).\nوقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.\nهؤلاء منافقون أظهروا الإِسلام حقنًا لدمائهم وأموالهم وذراريهم، وهم يصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون. قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.\nوقوله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. قال قتادة: (كما عرض لهم بلاءً، هلكوا فيه). والفتنة في كلام العرب: الاختبار، والإركاس: الرجوع. والمقصود كما دعاهم قومهم إلى الماضي المشترك المليء بالوثنية والشرك وتعظيم الآبائية في منهجها الجاهلي، ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم. قال مجاهد في هذه الآية: (ناس كانوا يأتون النبي - ﷺ - فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا وها هنا. فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويُصلحوا) ذكره ابن جرير.\nوقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. قال الربيع: (الصلح).\nوالمقصود أن هؤلاء لا بد أن يستسلموا وينقادوا إلى الحق وإلى طريق المؤمنين.\nوقوله: ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾. أي عن قتالكم، فيصالحوكم ويعطوكم المقاد.\nوقوله؛ ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. يعني: خذوهم أين أصبتموهم فاقتلوهم إن لم يفعلوا ما أمروا به. ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. قال السدي: (أما السلطان المبين فهو الحجة). وقال عكرمة: (ما كان في القرآن من \"سلطان\"، فهو الحجة).\n٩٢ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ","vol":"2","page":299},{"text":"لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذير ووعيد أن يقتل مؤمن أخاه المؤمن، فإن حصل فالمسوِّغُ الوحيد هو الخطأ، ومع ذلك ففيه الكفارة والدية. فإلى تفصيل ذلك كما ذكر الفقهاء:\nالقتل ثلاثة أنواع:\n١ - القتل العمد: وهو أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم بأداة يغلب الظن أنه يقتل بها. كالإحراق بالنار، والإغراق بالماء، والإلقاء من شاهق، أو إلقاء حائط عليه، أو خنق الأنفاس، أو حبس الإنسان ومنعه من الطعام والشراب، أو تقديمه لحيوان مفترس، أو تقديم الطعام المسموم له.\nفقد ثبت في صحيح أبي داود أن النبي - ﷺ - أمر بقتل اليهودية التي سمت النبي - ﷺ - في طعام قدّمته إليه فمات منه بشر بن البراء بن معرور.\nأخرج الطبراني بسند صحيح لغيره من حديث عمرو بن حزم مرفوعًا: [العَمْدُ قَوَدٌ، والخطأ دِيَةٌ] (١).\nوله شاهد عند الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: [العمد قود، والخطأ عقل لا قود فيه].\nومعنى: \"قَوَد\": قصاص، وهو مجازاة الجاني بمثل صنيعه.\nوولي المقتول -في القتل العمد- بالخيار بين القود والعفو على الدية، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"الكبير\". انظر مجمع الزوائد (٦/ ٢٨٦)، وأخرجه -كما في الشاهد- الدارقطني في \"سننه\" (ص ٣٢٤). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٩٦).","vol":"2","page":300},{"text":"أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ قُتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُودي وإما أن يقاد] (١).\nوليست هذه الدية هي الواجبة بالقتل، بل بَدل عن القصاص، ومن ثم فإن لهم أن يصالحوا على غير الدية، ولو بالزيادة عليها.\nفقد أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ قتَلَ مُتعَمدًا دُفِعَ إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتَلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّيَة، وهي ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعَةً، وأربعونَ خَلِفَةً، وما صالحوا عليه فهو لهم. وذلك لتشديد العَقْل] (٢).\nوأما العفو مجانًا فهو أفضل عند الله تعالى، لقوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ولقوله - ﷺ -: [وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا] (٣).\n٢ - القتل شبه العمد: وهو أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم بما لا يقتل عادة، كأن يضربه بعصا خفيفة، أو حجر صغير، أو لكزة بيده، أو سوط. فإن مات فشبه عمد، وفيه دية مغلظه: مئة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها.\nوهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وجماهير الفقهاء.\nخالف مالك والليث، قالوا: يعتبر عمدًا وفيه القصاص. إذ الأصل عندهم عدم اعتبار الآلة في إزهاق الروح، فكل ما أزهق الروح أوجب القصاص.\nأخرج الإِمام أحمد بسند صحيح عن ابن عمر: [أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس يوم الفتح فقال: ألا إن دية الخطأِ العمد بالسوط أو العصا مغلظةٌ مئة من الإبل منها أربعون خلِفة في بطونها أولادها] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٨٨٠/ ٢٠٥/ ١٢)، وأخرجه مسلم (١٣٥٥/ ٩٨٨/ ٢).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (١١٢١)، أبواب الديات، وسنن ابن ماجه (٢٦٢٦).\nو\"حِقّة\": من الإبل ما طعن في السنة الرابعة والجمع حقاق. و\"جذعة\" مؤنث جذع، ولد الشاة في السنة الثانية، وولد البقرة في السنة الثالثة. وللإبل في السنة الخامسة. و\"خلفة\" هي الحامل من الإبل.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (١٨٩٤) من طريق أبي كبشة الأنماري، وصحيح مسلم (٢٥٨٨)، وهو جزء من حديث أطول.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند. انظر تخريج \"الإرواء\" (٧/ ٢٥٧). وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٢١٢٧)، باب دية شبه العمد مغلظة.","vol":"2","page":301},{"text":"وأخرج أبو داود بسند حسن من حديث ابن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [عقلُ شبه العمد مُغَلظٌ مثل عقل العمد، ولا يُقْتَلُ صاحبُه] (١).\n٣ - القتل الخطأ: وهو أن يفعل المكلف ما يباح له فعله، كأن يرمي صيدًا، أو يقصد غرضًا، فيصيب إنسانًا معصوم الدم فيقتله، وكأن يحفر بئرًا فيتردى فيها إنسان، أو ينصب شبكة حيث لا يجوز فيعلق بها رجل فيقتل. وكأن يقود سيارة مسرعًا فيقفز طفل إلى الطريق من مدخل بيته أو البناء الذي هو فيه، إلى غير ذلك مما فيه نوع تقصير من الذي رُمي بالقتل الخطأ.\nموجب القتل الخطأ:\n١ - الدية المخففة.\n٢ - الكفارة: (عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، كما بنص الآية السابقة).\nأخرج الإِمام أحمد بسند حسن من حديث ابن عمرو، قال رسول الله - ﷺ -: [منْ قُتل خطأً فديته مئةٌ من الإبل: ثلاثون بنتَ مخاض، وثلاثون بنتَ لبون، وثلاثون حِقّة، وعشرة بني لبون] (٢).\nوالدية تسمى العقل لأن القاتل يجمع الدية من الإبل فيعقلها بفناء أولياء المقتول، أي يشدها بعقالها ليسلمها إليهم.\nفقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. قال قتادة: (ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه، من عهد الله الذي عهد إليه). وقوله: \"إلا خطأ\" استثناء منقطع.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٤٥٦٥) -كتاب الديات. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٨١٩). وانظر صحيح الجامع الصغير- حديث رقم (٣٩٠٤)، وتخريج المشكاة (٣٥٠١).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن ابن ماجه -حديث رقم- (٢١٢٨)، وسنن أبي داود (٤٣١٨)، والنسائي (٤٣/ ٨). من حديث عبد الله بن عمرو.\nوبنت المخاض: الأنثى من الإبل تم لها سنة، وبنت اللبون: الأنثى من الإبل تم لها سنتان، والحِقّة: الأنثى من الإبل تمّ لها ثلاث سنين. والجَذَعَة: حوالي أربع سنين.","vol":"2","page":302},{"text":"يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّبُ الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة] (١).\nفإن وقع المسلم في خصلة مما سبق، فلا يحل لأي واحد أن يقتله، بل إن ذلك راجع إلى الإِمام العام أو نائبه، فلا ينتقل ذلك إلى آحاد المسلمين.\nففي المسند بسند صحيح، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يزال العبدُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني بالمؤمنة: من قد عقل الإيمان وصام وصلى. فإن لم يجد رقبة، فصيام شهرين متتابعين، وعليه دية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا بها عليه).\nوقال قتادة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، لا يجزئ فيها صبي).\nوفي مسند الإِمام أحمد بسند صحيح عن الزُّهري، عن عبد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار: [أنه جاء بأمَةٍ سوداء فقال: يا رسول الله، إنّ عليَّ عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال: أعتقها] (٣).\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ يعني: إلا أن يضعوها. ذكره ابن زيد.\nوقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.\nقال إبراهيم: (هو الرجل يُسْلم في دار الحرب فيقتل. قال: ليس فيه دية، وفيه الكفّارة). وقال عكرمة: (يعني المقتول يكون مؤمنا وقومه كفار. قال: فليس له دية، ولكن تحرير رقبة مؤمنة). وقال ابن زيد: (لا يؤدي إليهم الدية فيتقوون بها عليكم). قلت: فإن أسلم العدو أثناء القتال وجب إيقاف السيف، فإن حصل خطأ وجبت الدية. أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر قال: [بعث رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد إلى بني جُذيمة، فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يُحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صَبَأْنا صَبَأنا، فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فرفع يديه وقال: اللهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، وأخرجه مسلم (٦٨٧٦)، وأحمد (١/ ٤٤٤).\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد، ورواه البخاري، انظر صحيح الجامع الصغير - رقم (٧٥٦٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٢)، ورجاله رجال الصحيح، وجَهالة الصحابي لا تضرّ.","vol":"2","page":303},{"text":"إني أبرأ إليك مما صنع خالد. وبعث عليًّا فوَدى قتلاهم وما أتلف من أموالهم، حتى مِيْلغَةَ الكلب] (١).\nقال الحافظ ابن كثير -وذكر هذا الحديث في التفسير-: (وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإِمام أو نائبه يكون في بيت المال).\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.\nيعني: إن كان المقتول أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم (دية المؤمن كاملة، ودية الكافر نصف دية المسلم)، ويجب على القاتل أيضًا تحرير رقبة مؤمنة.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [دية المعاهدِ نصف ديةِ الحرّ] (٢) أي المسلم، فقد صح من حديث ابن عمر بلفظ: [دية المسلم]. وله شاهد عند الترمذي عنه بلفظ: [ديةُ عَقْلِ الكافرِ نصْفُ معقل المؤمن].\nوقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.\nيعني من لم يجد عتق رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين لا إفطار بينهما، فإن أفطر لعذر: مرض أو حيض أو نفاس، استأنف ولا حرج.\nوقول: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني: تجاوزًا من الله لكم إلى التيسير عليكم، بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها، بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. أي: لم يزل سبحانه \"عليمًا\" بما رفع أمر عباده وما هو الأمثل لهم في التكليف \"حكيمًا\" بما يشرع لهم ويقضي فيهم ويأمر وينهى ويريد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٣٣٩)، و(٧١٨٩)، وأحمد (٢/ ١٥٠ - ١٥١)، وأخرجه النسائي (٨/ ٢٣٦)، وميلغة الكلب: الإناء الذي يشرب منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٥٨٣) -كتاب الديات-، وابن ماجه (٢٦٤٤). انظر صحيح سنن أبي داود (٣٨٣١). وانظر الإرواء (٢٢٥٢)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٣٨٩)، وكذلك -حديث رقم- (٣٣٩١) للشاهد بعده.","vol":"2","page":304},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.\nقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جُبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرَحلْت إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: [نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء] (١).\nوأخرج الطبراني بإسناد حسن عن زيد بن ثابت قال: [لما نزلت هذه الآية التي في \"الفرقان\": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ عَجِبْنا لِلِيْنِها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت ضد التي في \"النساء\": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ حتى فرغ] (٢).\nوروى ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: (إن الرجل إذا عرف الإِسلام وشرائع الإِسلام ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم ولا توبة له). فذكرت ذلك لمجاهد فقال: \"إلا من ندم\".\nوقد جاءت السنة الصحيحة بالتهديد والوعيد لمن أهدر دم مسلم أو أصاب من ذلك.\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم صْ ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي الدرداء: أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث موقوف، أخرجه البخاري (٤٥٩٠)، وغيره. وله شواهد عند ابن جرير في التفسير.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٥/ ١٥٠/ ٤٨٦٩)، وإسناده حسن في المتابعات والشواهد. وأخرجه النسائي (٤٠٠٧)، وابن جرير في \"التفسير\" (٤/ ١٣٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٧٩٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٥٣٣)، وكذلك (٦٨٦٤)، وأخرجه مسلم برقم (١٦٧٩)، وغيرهما. من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"2","page":305},{"text":"قال: [لا يزال المؤمن مُعْنِقًا صالحًا ما لم يُصب دمًا حرامًا، فإذا أصابَ دمًا حرامًا بَلَّحَ] (١). والمعنى: طويل العنق، الذي له سوابق في الخير. وقوله: \"بَلَّحَ\" أي: أعيا وانقطع وتعرض للهلاك.\nالحديث الثالث: وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء أيضًا قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدا] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [لزوال الدنيا أهونُ عند الله من قتل رجل مسلم] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرْفا ولا عدْلا] (٤).\nوروى عن أبي مجلز في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: (هي جزاؤه، فإن شاء الله أن يتجاوز عنه فعل) (٥).\nوعند ابن جرير عن ابن عباس قال: (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وقال ابن مسعود في هذه الآية: (إنها لمحكمة، وما تزداد إلا شدّة).\n٩٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود وغيره. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٥٩٠)، باب: في تعظيم قتل المؤمن. من حديث أبي الدرداء ﵁.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم (٣٥٨٨) - الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي مرفوعًا وموقوفًا، (١٣٩٥)، ورواه النسائي (٧/ ٨٢).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود عن عبادة. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٥٨٩) - الباب السابق.\n(٥) حسن مقطوع. أخرجه أبو داود عن أبي مجلز. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٥٩٥) - الباب السابق.","vol":"2","page":306},{"text":"فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾\nفي هذه الآية: أمْرٌ من الله سبحانه بالتأني أثناء القتال وعدم التعجل بقتل من التبس أمره، وعدم الإسراع في القتل إلا لمن كان حربًا لله ورسوله، فإن ما عند الله أكبر من غنيمة الدنيا بأسرها، وإسلام الناس أحب إلى الله من سفك الدماء حتى لو كان ظاهره الخوف من أهوال السلاح والحرب، فقد كنتم أيها المؤمنون في جاهلية وامتن الله عليكم وأنقذكم منها فتمهلوا والله خبير بنواياكم وأعمالكم.\nأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾. قال: قال ابن عباس: [كان رجل في غُنَيْمةٍ له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمَتَه، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال ابن عباس: عَرَض الدنيا تلك الغنيمة] (١). ولفظ الترمذي: [مرّ رجل من بني سُليم على نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومعه غنم له، فسلم عليهم، قالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا وقتلوه، وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾].\nوأخرج الإِمام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن أبي حدرد ﵁ قال: [بعثنا رسول الله - ﷺ - إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربْعيّ، ومُحَلِّم بن جَثَّامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم، مَرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعود له، معه مُتَيّع له وَوَطْبٌ (٢) من لبن، فلما مرَّ بنا سَلَّم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه مُحلِّم بن جَثَّامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومُتَيِّعه، فلما قدمنا على رسول الله - ﷺ - وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿خَبِيرًا﴾] (٣).\nوأخرج الحافظ أبو بكر البزار بسند جيد عن ابن عباس قال: [بعث رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٩١)، ومسلم (٣٠٢٥)، وأبو داود (٣٩٧٤). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٢٦) -كتاب التفسير- سورة النساء، آية (٩٤).\n(٢) القَعود: البكر من الإبل: متيع: تصغير متاع، والوطب: سقاء اللبن.\n(٣) حديث رجاله ثقات. أخرجه أحمد (٦/ ١١)، والطبري (١٠٢١٧)، والطبراني وغيرهم.","vol":"2","page":307},{"text":"سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجَدُوهم وقد تفرّقوا، وبقي رجل له قال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلتَ رجلًا شهدَ أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرن ذلك للنبي - ﷺ -. فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله، إن رجلًا شهدَ أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد. فقال: ادعوا لي المقداد، يا مقداد: أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فكَيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟ قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾. فقال رسول الله - ﷺ - للمقداد: كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل] (١).\nوله شاهد عند البخاري عن سعيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - للمقداد: [إذا كان رجل مؤمن يُخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل] (٢).\nوقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي من الخير والنعيم والخلود مما هو أجمل وأطيب من كل ما حرصتم عليه من هذه الدنيا الفانية، إذ حملكم ذلك على قتل من شهد أن لا إله، لا الله، واعتبرتموها تقية وتجاوزتم.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ - فيه تأويلان:\n١ - قال سعيد بن جبير: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، تستخفون بإيمانكم، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه). وقال في لفظ: (تكتمون إيمانكم في المشركين). واختاره ابن جرير.\n٢ - قال ابن زيد: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، كفارًا مثله، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾).\nقلت: وكلاهما يحتمله البيان الإلهي.\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه البزار (٢٢٠٢)، والطبراني (١٢٣٧٩)، وانظر ما بعده.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"صحيحه\" برقم (٦٨٦٦) معلقًا، وانظر ما قبله.","vol":"2","page":308},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. قال سعيد بن جبير: (هذا تهديد ووعيد).\n٩٥ - ٩٦. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾.\nفي هذه الآيات: معذرة أولي الضرر من الجهاد، وفضيلة المجاهدين على القاعدين، فالجهاد ذروة سنام الإِسلام، ويترتب عليه الدرجات العظيمة والمغفرة والرحمة، والله هو الغفور الكريم الرحيم.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء ﵁ يقول: [لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله - ﷺ - زيدًا فجاءه بكتف فكتبها وشكى ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١).\nوفي الصحيحين عن البراء قال: [لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي - ﷺ -: ادع فلانًا. فجاءه ومعه الدواةُ واللوحُ والكتف، فقال: اكتب: \"لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله\"، وخَلْف النبي - ﷺ - ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير؟ فنزلت مكانها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ \"] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي: [أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلتُ حتى جلست إلى جنْبهِ، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله - ﷺ - أملى عليَّ: \"لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٥٩٣)، كتاب التفسير، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\"، سورة النساء، آية (٩٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٩٤)، ومسلم (١٨٩٨)، والترمذي (١٦٧٠)، والنسائي (٦/ ١٠). من حديث البراء بن عازب ﵁.","vol":"2","page":309},{"text":"الله\". فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يمليها علي، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدتُ -وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله - ﷺ - وكان فخذه على فخذي، فثقلت عليَّ حتى خفت أن تُرَضَّ فخذي، ثم سُرِّيَ عنه، فأنزل الله: \"غير أولي الضرر\"] (١).\nوقد جاءت رواية صحيحة عند الإِمام أحمد وأبي داود تفصل ما حصل، قال زيد بن ثابت: [إني قاعد إلى جنب النبي - ﷺ - إذ أوحي إليه، قال: وغَشِيته السكينة، قال: فوقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة. قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله - ﷺ - ثم سُرِّيَ عنه فقال: اكتب يا زيد. فأخذت كتفًا فقال: اكتب: \"لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون\" إلى قوله: \"أجرًا عظيمًا\" فكتبت ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم -وكان رجلًا أعمى- فقام حين سمع فضيلة المجاهدين وقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ومن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد: فوالله ما قضى كلامه -أو ما هو إلا أن قضى كلامه- غَشِيَت النبي - ﷺ - السكينةُ، فوقعت فخِذُه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرّة الأولى، ثم سُرِّيَ عنه فقال: اقرأ. فقرأت عليه: \"لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون\" فقال النبي - ﷺ -: \"غير أولي الضرر\". قال زيد: فألحقتُها، فوالله لكأني أنظر إلى مُلْحَقِها عند صَدْع كان في الكتف] (٢).\nوقد جاء تفسير عن ابن عباس للآية رواه البخاري من حديث مِقْسم: [أن ابن عباس أخبره: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر، والخارجون إلى بدر] (٣).\nقال الحافظ ابن كثير: (فقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مُطْلقًا، فلما نزل بوحيٍ سريعٍ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد -من العمى والعَرَج والمَرَض- عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٩٢)، والترمذي (٣٠٣٣)، وأحمد (٥/ ٨٤)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٥٠٧)، وأحمد (٥/ ١٩٠ - ١٩١)، والحاكم (٢/ ٨١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٩٥)، وانظر تفسير ابن كثير، وعزاه أيضًا إلى عبد الرزاق، ثم ذكر له شاهدًا عند الترمذي (٣٠٣٢) والنسائي (١٣٧) في التفسير.","vol":"2","page":310},{"text":"قلت: فالمؤمن قد يبلغ بنيته ما لا يبلغه بعمله، وهؤلاء قوم علم الله في قلوبهم الصدق فأنزل الوحي ليستدرك ما يشمل أعذارهم ويشركهم بالأجر والفضيلة.\nوفي صحيح البخاري عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم من مسير ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه. قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حَبَسَهُم العذر] (١).\nوقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾.\nقال ابن جريج: (على أهل الضرر). وقال ابن جرير: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، على القاعدين من أولي الضرر، درجة واحدة -يعني: فضيلة واحدة- وذلك بفضل جهاده بنفسه، فأما فيما سوى ذلك، فهما مستويان).\nوقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قال السدي: (الجنة).\nوقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. تأكيد لرجوح مباشرة الجهاد وقتال الأعداء، فإن ركوب أهوال الحرب ودخول ساحات الموت له ثوابه الخاص عند الله.\nففي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [إن في الجنة مئة درجة أعدّها الله ﷿ للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة] (٢).\nوقوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nتأكيد لدرجات اختصهم الله بها في الآخرة من درجات الجنة، رفعهم بها سبحانه على القاعدين لقاء ما أبلوا في ذات الله أثناء مواجهة الأعداء في ساحات القتال.\nقال قتادة: (كان يقال: الإِسلام درجة، والهجرة في الإِسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: أيا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولا ونبيًّا، وجَبت له الجنة. قال: فعَجِبَ لها أبو سعيد، فقال: أعِدْها عليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٣٩)، و(٤٤٢٣)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٠٣)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٧٩٠)، ورواه أحمد في المسند، وقد مضى.","vol":"2","page":311},{"text":"رسول الله - ﷺ -: وأخرى يرفع الله العبد بها مئة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (١).\nثم أضاف سبحانه إلى الدرجات، مغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، فهو سبحانه لم يزل ﴿غَفُورًا﴾ لذنوب عباده المؤمنين، يصفح عنهم ما يقلقهم من الخطايا وركام التقصير، ﴿رَحِيمًا﴾ يتفضل عليهم بنعمه، مع ما كان منهم من خلاف أمره ونهيه، ووقوعهم وركوبهم معاصيه.\n٩٧ - ١٠٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nفي هذه الآيات: تَحْذيرٌ من التهاون في الدين بحجة الظروف وتحكّم الطغاة وكثرة الفساد، فإن أرض الله واسعة والهجرة ممكنة إلى حيث الأمن على الدين والإيمان، فمن اختار التهاون والمذلة في الدين فإن سوء المصير ينتظره ويتوعده، ولا استثناء في ذلك إلا للمستضعفين من الرجال الشيوخ أو النساء والولدان لا حيلة لهم، فأولئك عسى أن يصفح الله عنهم. ثم إن في الهجرة خيرًا كثيرًا وأجرًا كبيرًا وَكان الله غفورًا رحيمًا.\nأخرج البخاري في صحيحه عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود قال: [قُطِعَ على أهلَ المدينة بَعْثٌ، فاكتتبتُ فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبَرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثِّرون سوادهم على عهد رسول الله - ﷺ -، يأتي السهمُ يُرْمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٨٤)، والنسائي (٦/ ١٩)، وأحمد (٣/ ١٤)، وغيرهم.","vol":"2","page":312},{"text":"يُضْرَب فيُقْتَل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾] (١).\nوأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن عكرمة، عن ابن عباس قال: [كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا! فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧]، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فكتبوا إليهم بذلك: \"إن الله قد جعل لكم مخرجًا\"، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل] (٢).\nوفي سنن أبي داود بسند حسن عن سَمُرَة بن جندب قال: [أما بعد، قال رسول الله - ﷺ -: من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله] (٣).\nوقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. أي بالمكوث في جو الكفر وترك الهجرة.\nوقوله: ﴿قَالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. أي لا نقدر على إقامة ديننا في بلادنا بسبب تسلط الكفار.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ - استنكار عليهم بعدم خروجهم في أرض وبلاد الله الواسعة يلتمسون فيها أمن دينهم وتوحيد ربهم وتعظيمه لا شريك له.\nوقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يعني مسكنهم ومصيرهم. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: ساءت مسكنًا ومستقرًا لمن كانت مسكنه ومصيره في الآخرة.\nوقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الآية. قال ابن جرير: (وهم العجزة عن الهجرة، بالعُسْرة، وقلّة الحيلة، وسوء البصر والمعرفة بالطريق، من أرضهم أرض الشرك إلى أرض الإسلام).\nوقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾. أي يصفح عنهم لعذرهم في ترك الهجرة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٩٦)، و(٧٠٨٥)، والنسائي في \"التفسير\" (١٣٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبري (١٠٢٦٥)، وإسناده صحيح، رجاله ثقات كلهم.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٢٧٨٧)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٢٤٢٠).","vol":"2","page":313},{"text":"وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. أي ذو صفح سبحانه عن ذنوب عباده، وذو مغفرة وستر لذنوبهم بعفوه عنها.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: [بَيْنا رسول الله - ﷺ - يُصلي العِشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: اللهم أنج عيَّاش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِني يوسف] (١).\nوأخرج عبد الرزاق في \"التفسير\" بسند صحيح عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: (كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان) (٢).\nوذكر البخاري في صحيحه عن ابن أبي مُليكة عن ابن عباس: \"إلا المستضعفين\" قال: (كانت أمي ممن عذر الله ﷿) (٣).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.\nقال ابن عباس: (المُراغَم التحول من أرض إلى أرض). وقال مجاهد: (\"مراغمًا كثيرًا\": يعني مُتَزحزحًا عما يكره). وقال سفيان بن عيينة: (\"مراغمًا كثيرًا\": يعني بروجًا).\nوقال ابن جرير: (\"مراغمًا كثيرًا\": وهو المضطرب في البلاد والمذهب).\nوقال ابن كثير: (والظاهر -والله أعلم - أنه الممتَنَعُ الذي يُتحصَّن به، ويُراغَمُ به الأعداء).\nوالمقصود ترغيب المؤمن بمفارقة دار الكفر والفساد وحياة المشركين، إلى دار الإيمان وأخوة الإسلام، فإنه حيثما اتجه المؤمن يجد بإذن الله مندوحة وملجأ يتحصن فيه ويفرّ بدينه. والمُراغَمُ في كلام العرب المذهَبُ والمَهْرب.\nوقوله: ﴿وَسَعَةً﴾. قال ابن عباس: (السعة في الرزق). وقال قتادة: (إي والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن العَيْلة إلى الغنى).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٩٨)، ومسلم (٦٧٥) ح (٢٩٥)، وأخرجه أبو داود (١٤٤٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه عبد الرزاق في \"التفسير\" (٦٣٢)، وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٥٩٧) من حديث ابن أبي مُليكة عن ابن عباس، وكذلك أخرجه من وجه آخر (١٣٥٧)، (٤٥٨٧).","vol":"2","page":314},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ضمان من الله سبحانه بكامل الأجر ووافي الثواب لمن خرج من منزله بنية الهجرة فمات أثناء الطريق، أي فله أجر من هاجر دون نقصان.\nأخرج ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس قال: [نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، فكان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر، وكان مريضًا فقال لأهله: أخرجوني من مكة فإني أجد الحر، فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخر الآية] (١).\nورواه أبو يعلى وفيها: (فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي - ﷺ -).\nوقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في تمام أجر من خرج مهاجرًا إلى الله ومات في الطريق:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن والمسانيد عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يُخْرِجُهُ إلا إيمانٌ بي وتصديق بِرُسلي أن أرْجِعَهُ بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخِلَه الجنة، ولولا أن أشقَّ على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولودِدْتُ أني أُقتل في سبيل الله، ثم أُحيا، ثم أُقتل، ثم أُحيا ثم أقتل] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: [كان في بني إسرائيل رجلٌ قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا فسأله فقال له: توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قريةَ كذا وكذا، فأدْركه الموت فناءَ بصدْرِه نحوَها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (١٠٢٩٩) ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - سورة النساء، آية (١٠٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧)، وأحمد (١/ ٤٣)، وأبو داود (٢٢٠١) والترمذي (١٦٤٧) والنسائي (٧/ ١٣)، وابن ماجة (٤٢٢٧)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦)، كتاب الإيمان، وانظر كذلك (٧٤٥٧)، كتاب التوحيد.","vol":"2","page":315},{"text":"العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقرّبي، وأوحى إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوُجِدَ إلى هذه أقربَ بشبرٍ فغُفِرَ له] (١).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يعني لم يزل ساترًا ذنوب عباده المؤمنين، يصفح عن ذنوبهم ويتجاوز عن كثير مما سقطوا فيه من الآثام إذا تابوا إليه، \"رحيمًا\" بهم رفيقًا ورؤوفًا وحليمًا.\n١٠١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.\nفي هذه الآية: ترخيصٌ من الله سبحانه في قصر الصلاة لمطلق السفر والضرب في الأرض.\nفقوله: ﴿ضَرَبْتُمْ﴾. أي: سافرتم. وفي التنزيل: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [إن الصلاة فُرضت في الخضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة] (٢).\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن يعلى بن أمية قال: [سألت عمر بن الخطاب قلت له: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمَّنَ الناس؟ فقال لي عمر - ﵁ -: عجبْتُ مما عجِبْتَ منه، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته] (٣).\nفبقيت الرخصة قائمة في مطلق السفر ومطلق الظروف، فالآية تدل على تشريع القصر، وتحدده بالخوف من الكفار، والسنة تطلقه في جميع الأحوال.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٧٠)، كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم (٢٧٦٦)، وأحمد (٣/ ٢٠). من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦٨٧)، وأبو داود (١٢٤٧)، والنسائي (٣/ ١٦٨ - ١٦٩)، وغيرهم. من حديث عبد الله بن عباس - ﵄ -.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦٨٦)، وأبو داود (١١٩٩)، والترمذي (٣٠٣٤)، وابن ماجة (٩٤٥)، وأحمد (١/ ٢٥)، (١/ ٣٦)، والبيهقي (٣/ ١٣٤)، (٣/ ١٤٠).","vol":"2","page":316},{"text":"أخرج الترمذي بسند صحيح عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس: بأن النبي - ﷺ - خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين، فصلى ركعتين] (١).\nوله شاهد عند ابن أبي شيبة عنه بلفظ: [صلينا مع رسول الله - ﷺ - بين مكة والمدينة، ونحن آمنون لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين] (٢).\nوأخرج البخاري عن حارثة بن وَهْب قال: [صلّى بنا رسول الله - ﷺ - آمَن ما كان بمنى ركعتين] (٣).\nوفي الصحيحين عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: [فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فَأُقِرَّت صلاة السفر، وزيدَ في صلاة الحضر] (٤).\nقلت: والورع هو الأخذ بالرخصة في السفر وقصر الصلاة فهو الأحب إلى الله ورسوله، وليس الإتمام.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحبُ أن تؤتى عزائِمه] (٥).\nوفي لفظ: (كما يكره أن تؤتى معصيته).\nويرى مالك أن القصر فرض، في حين أكثر العلماء أنه سنة وهو مذهب الشافعي.\nوقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. أي: قد أبانوا عداوتهم بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله ورسوله، فتمسكوا بدينكم فهو عزّكم وبه تغيظون عدوكم، واحرصوا على رخصة ربكم، ففيها إظهار لجمال شعائركم وهديكم.\n١٠٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٥٤٧)، والنسائي (٣/ ١١٧)، وأحمد (١/ ٢١٥)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٣٧)، والنسائي (٣/ ١١٧ - ١١٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٨٣)، (١٦٥٦)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٦)، وابن حبان (٢٧٥٧). من حديث حارثة بن وهب - رضي الله تعالى عنه -.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٥٠) و(١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥) وأحمد (٦/ ٢٧٢)، وغيرهم.\n(٥) حديث صحيح. وأخرجه البيهقي والطبراني وابن حبان. انظر صحيح الجامع (١٨٨١)، (١٨٨٢).","vol":"2","page":317},{"text":"أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾\nفي هذه الآية: تشريعُ صلاة الخوف أثناء القتال في المعركة: للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة، ولها أيضًا أشكال كثيرة. فإلى تفصيل ذلك التشريع الرهيب.\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي قال: [كنا مع رسول الله - ﷺ - بِعُسْفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله - ﷺ - الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غِرَّتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله - ﷺ - فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا ..] (١).\nقلت: وقد وردت صلاة الخوف في السيرة في أشكال مختلفة، راعى فيها النبي - ﷺ - ظروف القتال.\nقال الخطابي: (صلاة الخوف أنواع صلاها النبي - ﷺ - في أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتوقى فيها كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة).\nوتفصيل ذلك:\nالشكل الأول: صف مع الإمام وصف وُجَاه العدو، فيصلي بالذين يلونه ركعة ثم يقوم قائمًا حتى يصلي الذين معه ركعة أخرى، ثم ينصرفون وجاه العدو، وتجيء الطائفة الأخرى التي دخلت معه بالصلاة ليصلي بهم ركعة، ويثبت جالسًا، فيُتِمُّونَ لأنفسهم ركعة أخرى، ثم يسلم بهم جميعًا.\nوالدليل ما روى البخاري من حديث أبي حثمةَ - ﵁ -: [أن النبي - ﷺ - صلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٥٩ - ٦٠)، وأبو داود (١٢٣٦)، والنسائي (٣/ ١٧٦).","vol":"2","page":318},{"text":"بأصحابه في خوف (١) فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائمًا حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قُدّامَهُمْ، فصلى بهم النبي - ﷺ - ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم] (٢).\nالشكل الثاني: صفان خلف الإمام، يركع بهم جميعًا، ثم يسجد بالصف الأول والآخرون قيام يحرسونهم، فإذا قاموا سجد الآخرون، ثم تأخر الصف الأول لمكان الثاني، وتقدم الثاني لمكان الأول، ثم يركع بهما ويسجد بالأول والآخرون يحرسونهم، فإذا جلس الإمام والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعًا ثم سلم بهم جميعًا.\nوالدليل ما روى أبو داود عن أبي عياش الزرقي قال: [كنا مع رسول الله - ﷺ - بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة. لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر، قام رسول الله - ﷺ -، مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصَفَّ خلفَ رسول الله - ﷺ - صف، وصفَّ بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله - ﷺ - وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذين يلونَهُ، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله - ﷺ - وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم.\nفلما جلس رسول الله - ﷺ - والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، فسلم عليهم جميعًا، فصلاها بعُسْفان، وصلاها يوم بني سليم] (٣).\nالشكل الثالث: صف خلف الإمام وصف وجاه العدو، فيصلي بالأول ركعة ويثبت قائمًا، ويتموا لأنفسهم ركعة ثم يسلموا وينصرفوا وجاه العدو، ثم تجيء الطائفة الأخرى، واختلف في السلام.\n_________\n(١) والمراد كما في رواية: يوم ذات الرقاع.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٣١)، كتاب المغازي، وانظر كتابي: السيرة النبوية (٢/ ١١٥٧) لتفصيل أشكال صلاة الخوف في عهد النبوة.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١٠٩٦)، باب صلاة الخوف.","vol":"2","page":319},{"text":"والدليلَ ما في الصحيحين عن صالح بن خوّات: عمن صلى مع رسول الله - ﷺ - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: [أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم] (١).\nوفي سنن أبي داود عن سهل بن أبي حثمة نحوه قال: [ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم ويسجد بهم، ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون] (٢).\nورواه البخاري دون ذكر التسليم. قال الألباني ﵀: (وهو موقوف، وما قبله مرفوع، وفيه سلام الإمام بالطائفة الثانية وهو الأصح).\nالشكل الرابع: يكبرون معًا وإن كانوا مستدبري القبلة ثم يصلي بمن معه ركعة، ثم يأتون مصاف أصحابهم ويجيء الآخرون فيركعون لأنفسهم ركعة، ثم يصلي بهم ركعة ثم تقبل الطائفة التي كانت مقابل العدو فيصلون لأنفسهم ركعة، والإمام قاعد، ثم يسلم بهم جميعًا.\nفقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن مروان بن الحكم: [أنه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله - ﷺ - إلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، ظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله - ﷺ - فكبروا جميعًا الذين معه والذين مقابلي العدو، ثم ركع رسول الله - ﷺ - ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي معه، ثم لم سجد فسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلي العدو، ثم قام رسول الله - ﷺ -، وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا، ورسول الله - ﷺ - قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله - ﷺ - ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله - ﷺ - قاعد ومن معه، ثم كان\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٢٩)، كتاب المغازي، ورواه مسلم وغيره.\n(٢) حديث إسناده صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١١٠٤)، باب صلاة الخوف.","vol":"2","page":320},{"text":"السلام، فسلم رسول الله - ﷺ - وسلموا جميعًا، فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة] (١).\nالشكل الخامس: يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم، فيقوم كل صف فيصلون لأنفسهم ركعة.\nوالدليل ما في الصحيحين عن ابن عمر: [أن رسول الله - ﷺ - صلّى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا، فقاموا في مقام أولئك، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى، ثم سلم عليهم، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم] (٢).\nالشكل السادس: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون.\nوالدليل ما روى أبو داود بسند صحيح عن ثعلبة بن زهدم، قال: [كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا] (٣).\nوقد مضى حديث ابن عباس عند الإمام مسلم وفيه فرض الله تعالى الصلاة في الخوف ركعة.\nالشكل السابع: يصلي بكل طائفة ركعتين.\nفقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي بكرة قال: [صلّى النبي - ﷺ - في خوف الظهر، فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو، فصلى بهم ركعتين ثم سلّم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فكانت لرسول الله - ﷺ - أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتيان] (٤).\nقال أبو داود: (وبذلك كان يفتي الحسن).\nوجملة القول: فصلاة الخوف تُصلى بأشكال مختلفة، وذلك حسب ما يقرره القائد المسلم.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود، حديث رقم- (١١٠٥) - باب صلاة الخوف.\n(٢) حديث صحيح. رواه الشيخان عن ابن عمر، ورواه أبو داود. انظر المرجع السابق (١١٠٨).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم (١١٥٩) - باب صلاة الخوف.\n(٤) حديث صحيح. انظر المرجع السابق - حديث رقم (١١١٢) - الباب السابق.","vol":"2","page":321},{"text":"قال الحافظ ابن كثير: (وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ورجالًا وركبانًا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة).\nثم ذكر قول الأوزاعي - ﵀ -: (إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا فيصلوا ركعتين).\nوقال: ومن العلماء من قال: (يصلون والحالة هذه ركعة واحدة). وبه قال أحمد بن حنبل. وقال إسحاق بن راهويه: (أما عند المسابقة فيجزيك ركعة واحدة تؤمئ بها إيماء) (١).\nقلت: فَيَا وَيْلَ من ضيّع صلاة الجماعة في الحضر والرخاء دون عذر، وقد أبى الله إلا الجماعة حتى في القتال وأثناء الخوف واقتراب العدو، وقد استدل كثير من الفقهاء من صلاة الخوف وتشريعها على وجوب الصلاة في المسجد مع الجماعة لمن سمع النداء إلا من عذر، كمرض أو سفر.\nوقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.\nالمعنى: تمنى الكفار لو تشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم ليحملوا عليكم حملة واحدة، ولينالوا منكم غِرَّة يكون فيها قتلكم واستباحة عسكركم.\nوقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.\nأخرج البخاري عن ابن عباس - ﵄ -: [﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: عبد الرحمن بن عوف وكان جريحًا] (٢).\nقال الحافظ ابن حجر: (أي فنزلت الآية). قلت: والتصريح بلفظ النزول أخرجه الحاكم (٣).\n_________\n(١) انظر تفسير ابن كثير - سورة النساء، آية (١٠٢) -، وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ١١٦٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة النساء - آية (١٠٢).\n(٣) أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. وانظر المرجع السابق.","vol":"2","page":322},{"text":"وقوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾. أَمْرٌ بأخذ الحذر، لئلا ينال العدو أمله ويدرك فرصته.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. أي: عذابًا مذلًا موجعًا فيه الألم والذل والمهانة.\n١٠٣ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيد على ذكر الله عقب صلاة الخوف مع ورود الترغيب فيه عقب كل صلاة، إلا أنه أثناء المعركة وفي ساحات القتال أمر أبلغ، فإن حاجة المجاهد إلى عون الله ومدده شديدة لإحداث الهزيمة في العدو. ثم تأكيد على وجوب صلاة الجماعة والمحافظة على أوقات الصلوات المكتوبات. ثم حث على تحمل آلام القتال والنزال فإن العدو يألم كما تألمون معشر المسلمين مع أنهم لا يرجون ما ترجون، وكل أمر يمضي بعلمه وحكمته ﷾.\nفقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسّر والعلانية، وعلى كل حال). وقال ابن كثير: (أي في سائر أحوالكم).\nوقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يعني: إذا ذهب الخوف فصلوا صلاتكم بإقامة أركانها وواجباتها وخشوعها وجميع شؤونها، ويشمل ذلك عند انتهاء القتال أو العودة إلى حياة السلم.\nقال قتادة: (يقول: إذا اطمأننتم في أمصاركم، فأتموا الصلاة). وقال السدي: (فإذا اطمأننتم بعد الخوف). وقال ابن زيد: (فإذا اطمأننتم فصلوا الصلاة، لا تصلّها راكبًا ولا ماشيًا ولا قاعدًا).\nوقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال ابن عباس: (أي مفروضًا).","vol":"2","page":323},{"text":"وقال ابن مسعود: (إن للصلاة وقتًا كوقت الحج). وقال زيد بن أسلم: (منجَّمًا، كلما مضى نجم جاء نجْم آخر. يقول: كلما مضى وقت جاء وقت آخر) ذكره ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾.\nقال قتادة: (يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإنكم إن تكونوا تيجعون، فإنهم ييجعون كما تيجعون، وترجون من الله الأجر والثواب ما لا يرجون).\nأي: كما ينزل بكم ألم الجراح والقتل، فإنه ينزل بعدوكم، وأنتم أولى بالصبر منه فإنكم: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ يعني المثوبة والجنة مقابل القتال والجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض.\nوفي التنزيل: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠].\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. أي يعلم أمثل القضاء والتقدير فيمضيه بحكمته الكاملة، فهو أحكم الحاكمين.\n١٠٥ - ١٥٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطاب من الله لرسوله بأن الكتاب المخزل عليه حق من الله ويتضمن الحق في كل أمره وخبره، ليحكم به بين الناس ووفق منهاجه، فلا تدافع به عن خائن. وأَمْرٌ من الله لرسوله باستغفاره عما سلف من خصومته لذلك الخائن أو هَمّ بذلك. ثم تحذير من المجادلة عن الخونة ومرتكبي الخيانة والآثام فإن الله لا يحب أهل الخيانة والإثم. الذين يستخفون في الدنيا والله مطلع على سرائرهم ومكرهم وتنتظرهم فضيحة الآخرة، فإنه إن وجد من يجادل عنهم في الدنيا فمن لهم بين يدي الله يوم القيامة، ومن يتوكل بالدفاع عنهم؟ !","vol":"2","page":324},{"text":"أخرج الترمذي وابن جرير بسند حسن ... حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جدّه قتادة بن النعمان - ﵁ - قال: [كان أهل بيت منا يقال لهم: بَنُو أُبيرق: بِشْر وبُشَير ومُبَشَّر، وكان بُشَير رجلًا منافقًا، يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله - ﷺ -، ثم يَنْحَلُهُ، لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا وقال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله - ﷺ - ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدِمت ضافِطَةٌ (١) من الشام من الدَّرْمَكِ (٢) ابتاع الرجل منها فخصَّ بها نفسَهُ، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافِطةٌ من الشام فابتاع عمي رفاعةُ بن زيد حمْلًا من الدَّرْمَكِ فجعله في مَشْرَبة له، وفي المشربة سلاح ودرع وسيف، فعُدِي عليه من تحت البيت، فنُقِّبت الْمشربة، وأخد الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمّي رفاعة فقال: يا ابن أخي، إنه قد عُدِي علينا في ليلتنا هذه، فَنُقِبَتْ مشربتنا، فذُهِبَ بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحسَّسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أُبَيرقٍ استوقَدوا في هذه الليلة، ولا نُرى فيما نُرى إلا على بعض طعامكم. قال: وكان بنو أُبَيرقٍ قالوا - ونحن نسأل في الدار - والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجلًا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟ ! والله ليخالطنَّكم هذا السيف أو لتُبَينُنَّ هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى لم نَشُكّ أنهم أصحابُها، فقال لي عمّي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عَمَدُوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنَقَبُوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال النبي - ﷺ -: سآمر في ذلك. فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له: أُسير بن عُروة فكلّموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمَّه، عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينةٍ ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت النبي - ﷺ - فكلّمتُه، فقال: عَمَدْتَ إلى أهل بيت ذُكِرَ منهم إسلام وصلاح،\n_________\n(١) الضافطة: الضفاط: القوم الذين يجلبون الميرة والطعام إلى المدن وكانوا يومئذ قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغير ذلك.\n(٢) الدرمك: الدقيق الأبيض.","vol":"2","page":325},{"text":"ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت؟ قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلِّم رسول الله - ﷺ - في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، ما صنعتَ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله - ﷺ -، فقال: الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يعني بني أبيرق، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمًا﴾ أي لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ - إلى قوله - ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فلما نزل القرآن أتى رسول الله - ﷺ - بالسلاح فرده إلى رفاعة. فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخًا قد عشا أو عسا -الشك من أبي عيسى- في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولًا، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. فلما نزل على سلافة بنت سعد، رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به فرمته في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير] (١).\nوقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾.\nقال القرطبي: (معناه على قوانين الشرع، إما بِوَحيٍ وَنَص، أو بنظر جارٍ على سنن الوحي. وهذا أصل في القياس، وهو يدل على أن النبي - ﷺ - إذا رأى شيئًا أصاب، لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العِصْمة، فأما أحدنا إذا رأى شيئًا يظنه فلا قطع فيما رآه).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٣٠٣٦)، والحاكم (٤/ ٣٨٥)، وابن جرير الطبري في التفسير (١٠٤١٦)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وله شواهد. وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٤٣٢) - كتاب التفسير- سورة النساء - الآيات (١٠٥ - ١٠٩).","vol":"2","page":326},{"text":"فهذه الآية تبين أن للنبي - ﷺ - أن يحكم باجتهاده، وقد استدل بها علماء الأصول على ذلك.\nوفي الصحيحين عن أم سلمة: [أن رسول الله - ﷺ - سمع جَلبة خَصْمٍ بباب حُجْرَتِه، فخرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون أَلْحَق بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحقِّ مسلم فإنما هي قطعة من نار فَلْيَحْمِلْها أو لِيَذَرها] (١).\nوتفصيل هذا الحديث في مسند أحمد، قالت أم سلمة: [جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله - ﷺ - في مواريثَ بينهما قد دَرَسَتْ، ليس عندهما بَيّنةٌ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قطعةً من النار، يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة\". فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقِّي لأخي. فقال رسول الله - ﷺ -: أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخَّيا الحق بينكما ثم اسْتهِمَا، ثم ليُحْلِلْ كل واحد منكما صاحبه] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. فيه نهي عن الدفاع عن المبطل والمتَّهم في الجور والخصومة أو عضده والنيابة عنه.\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nقال ابن عطية: (وهذا ليس بذنب، لأن النبي - ﷺ - إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد براءتهم). قيل: فالمعنى استغفر الله للمذنبين، وقيل: أمر بالاستغفار على طريق التسبيح. وقيل: الخطاب للنبي - ﷺ - والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾، ذكره القرطبي.\nوذهب ابن جرير إلى أن المخاطب النبي - ﷺ - ليستغفر من ذنبه في خصام الخائن، وهذا مذهب من جوّز الصغائر على الأنبياء صلوات الله عليهم.\nقلت: والعبد يحتاج إلى الاستغفار في كل أحواله، وكذلك الحاكم والعالم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣)، وأحمد (٦/ ٢٠٣)، وأكثر أهل السنن. من حديث أم سلمة - ﵂ -.\n(٢) إسناده جيد. أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٨) - (٦/ ٣٢٠)، وأبو داود (٣٥٨٣)، والبيهقي (٦/ ٦٦).","vol":"2","page":327},{"text":"والمجتهد ليسلم منهاجه عند الله حتى لو اجتهد فأصاب، فالاستغفار تطهير للنفس من حظوظها، وكلما رقيت مرتبة العبد بين الناس احتاج لذلك الاستغفار أكثر، فالخطاب وإن كان موجهًا للنبي - ﷺ -، فهو للولاة والقضاة والحكام بعده من باب أولى.\nوفي صحيح مسلم عن الأغر بن يسار المزني - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة] (١).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾.\nأي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، والمجادلة المخاصمة. قيل من الجدل: الفتل، أو من الجَدالة وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين يريد أن يُلقي صاحبه عليها. والخوّان: الخائن، إلا أنه في لفظ أبلغ، لعظم خيانته.\nوقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾. أي: يستترون من الناس لئلا يفتضحوا، وقد غفلوا عن رؤية الله لهم ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ أي بعلمه وسمعه وبصره.\nوقوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. أي: يقولون ما لا يرضاه تعالى لأهل طاعته. قاله ابن عباس.\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. أي: محصيًا حافظًا لا يخفى عليه من أمرهم شيء حتى يوافيهم ويجازيهم به يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.\nاستفهام بمعنى التوبيخ والإنكار، فهو يشمل كل من خاصم عن الخونة وقام بتدبير أمورهم والدفاع عنهم في أكلهم أموال الناس وحقوقهم بالباطل، فهم إن عبروا في الدنيا ولم يكشف أمرهم أو ظهروا بمظهر مزيف كاذب، فمن لهم يوم القيامة يقوم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٠٢) (٤١)، وأبو داود في السنن -حديث رقم- (١٥١٥). والغين: ما يتغشى القلب من الغفلات.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٨٥)، وأخرجه الترمذي في السنن (٣٢٥٥)، وغيرهما.","vol":"2","page":328},{"text":"بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلهم النار، ومن يتوكل للدفاع عنهم يومئذ، وقد جُعل الوكيل والموكل له في نقاش الحساب، ومن نوقش الحساب فقد هلك.\nأخرج البخاري ومسلم عن عائشة: [أن النبي - ﷺ - قال: ليس أحد يحاسبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أو ليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (١).\nوفي سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [من أعان على خصومة بظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع] (٢).\nوله شاهد عند أبي داود في السنن، وعند الحاكم والسياق له عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: [من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دينٌ فليس ثَمَّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، حبس في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج مما قال] (٣).\n١١٠ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تَرغيبٌ في التوبة مما اكتسب العبد من الظلم واجترح من الآثام،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٤٩٣٩)، وأخرجه مسلم (٢٨٧٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٢٣٢٠). انظر صحيح ابن ماجة (١٨٧٨). ورواه الحاكم. انظر تخريج الإرواء (٢٣٧٦)، وصحيح الجامع الصغير- رقم (٥٩٢٥).\n(٣) صحيح الإسناد. أخرجه أبو داود (٢/ ١١٧)، والحاكم (٢/ ٢٧)، وأحمد (٢/ ٧٠). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٤٣٨)، وله شواهد.","vol":"2","page":329},{"text":"وتَحْذيرٌ من الإصرار والتعمد، أو الافتراء والظلم ونسب المعصية إلى غير صاحبها، وتَفضُّلٌ من الله على نبينا - ﷺ - بالرعاية والحماية من الزلل، وإنزال الكتاب والسنة عليه وتعليمه الحق والحكم وكان فضل الله عليه عظيمًا.\nقال ابن عباس: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه، وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. المعنى: لا يغني أحد عن أحد، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وهذا من علم الله وحكمته.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. هذا في الذي يرمي بما أتى من المعصية من هو بريء، فقد أتى فرية وكذبًا وهو البهتان، وتحمل وزرًا عظيمًا، يبين عن أمر متحمِّله وجراءته على ربه.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: [أن النبي - ﷺ - قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكْرُكَ أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه] (١).\nوفي لغة العرب: بَهَتَه بَهْتًا وبَهُتًا وبُهْتانًا إذا قال عليه ما لم يفعله. وبُهِتَ: دُهِشَ وتحيّر.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾. قيل: بأن نبهك للحق، وقيل: بالنبوءة والعصمة. ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن الحق، وذلك في شأن سؤالهم رسول الله - ﷺ - أن يبرئ ابن أُبيرق من التهمة ويُلحقها اليهودي.\nوقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ - لأن وبال ذلك راجع عليهم.\nوقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ - لأنك معصوم وقد تكفل الله بحمايتك من الزلل.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. أي: القرآن والسنة. قيل هذا ابتداء، وقيل الواو للحال.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٨٩)، وأبو داود (٤٨٧٤)، وأحمد (٢/ ٢٣٠)، وغيرهم.","vol":"2","page":330},{"text":"قال القرطبي: (فالكلام متصل، أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن. \"والحكمة\" القضاء بالوحي).\nوقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾. أي من التشريع وفصل القضاء والأحكام.\nوقوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ - بكل ما سبق بيانه وبغيره من النعم الكبيرة الأخرى.\n١١٤ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: الندب إلى الصدقة وفعل الخيرات والإصلاح بين الناس والنجوى بنحو ذلك، والتحذير من ترك سنة الرسول - ﷺ - ومنهاج المؤمنين.\nقال ابن جرير: (لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا).\nوقوله: \" ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. المعروف: هو ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير. والإصلاح بين الناس: يعني بين المتخاصمين ليعودوا إلى الألفة ووحدة الكلمة ويسدوا الباب على الشياطين.\nأخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ليس الكذاب الذي يُصْلِحُ بين الناس فَيَنْمي خيرًا أو يقول خيرًا] (١).\nوقالت: [لم أسمعه يرخِّص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها] (٢).\nوفي سنن أبي داود والترمذي بسند جيد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٩٢)، كتاب الصلح. باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس. من حديث أم كلثوم بنت عقبة - ﵂ -.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٠٣)، وأبو داود (٤٩٢٠)، وانظر صحيح مسلم (٢٦٠٥)، ورواه الترمذي (١٩٣٨)، وانظر سنن البيهقي (١٠/ ١٩٧)، وصحيح ابن حبان (٥٧٣٣).","vol":"2","page":331},{"text":"[ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البَيْن. قال: وفساد ذات البين هي الحالقة] (١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nأي: من يأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس يريد بذلك وجه الله سبحانه، فإن الله سبحانه قد تكفل له بأعظم الثواب وأحسن الأجر.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.\nأي: من يفارق طريق رسول الله أو يعاديه، ويمضي على غير سبيل ومنهاج أصحابه المؤمنين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، فإن الله يتوعده أسوأ العذاب في جهنم وبئس المصير.\nوقد عوّل الشافعي - ﵀ - في هذه الآية على الاحتجاج بكون الإجماع حُجّة تَحْرُم مخالفته.\n١١٦ - ١٢٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَال لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: ترهيب من مغبة الشرك وسوء عاقبته عند الله وإمكانية مغفرة ما دونه\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٤٩١٩)، والترمذي (٢٥١٩)، وأحمد (٦/ ٤٤٤)، وغيرهم.","vol":"2","page":332},{"text":"من الكبائر والصغائر، فالشرك ضلال بعيد، إنهم يدعون أوثانًا ويزعمون الملائكة بناتًا، وهم يدعون شيطانًا مريدًا استحق لعنة الله فتوعد بإضلال الذرية من بني آدم، بأمرهم بتغيير خلق الله وتبتيك آذان الأنعام واتباع الجاهلية، فيتوعد الله من يطيعه بصلي نار جهنم. وأما المؤمنون الذين يعملون الصالحات فقد وعدهم ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار فيها نعيم وخلود، والله أصدق القائلين.\nقال السدي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، يقول: من يجتنب الكبائر من المسلمين).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. أي زال بشركه عن قصد السبيل، وطريق الحق زوالًا شديدًا، فالضياع كل الضياع، والضلال كل الضلال في الشرك.\nوقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ - فيه أكثر من تأويل:\n١ - إن يدعون من دونه إلا اللات والعزى ومناة، فسماهن الله إناثًا بتسمية المشركين إياهنّ بتسمية الإناث. قال السدي. (يسمونهم \"إناثًا\": لاتٌ ومناة وعُزَّى).\nوقال أبو مالك: (اللات والعزى ومناة، كلها مؤنث). وقال ابن زيد: (آلهتهم، اللات والعزى ويَسَاف ونائلة، إناث، يدعونهم من دون الله. وقرأ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾).\n٢ - قيل بل المعنى: إن يدعون من دونه إلا مواتًا لا رُوح فيه.\nقال ابن عباس: (﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ يقول: مَيْتًا). وقال قتادة: (إلا ميتًا لا رُوح فيه). وقال الحسن: (و\"الإناث\" كل شيء ميت ليس فيه روح: خشبة يابسة أو حجر يابس).\n٣ - قيل بل عني بذلك قول المشركين: الملائكة بنات الله.\nقال الضحاك: (﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، قال: الملائكة، يزعمون أنهم بنات الله).\n٤ - قيل بل المعنى: (الإناث: الأوثان). قال مجاهد: (\"إناثًا\". أوثانًا).\nوالقول الأول هو الراجح وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير ﵀.","vol":"2","page":333},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. قال قتادة: (تَمَرَّدَ على معاصي الله).\nوالمقصود أنه متمرد على الله بمخالفة أمره وتكبّره وغروره.\nوقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. أي: أخزاه وأقصاه وأبعده من كل خير، فهو ملعون رجيم.\nوقوله: ﴿وَقَال لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قال الضحاك: (معلومًا).\nفالشيطان أخذ على نفسه إذ أبعده الله إغواء ذرية بني آدم حسدًا وعلوًا وبغيًا، بتزيين الضلالة لهم حتى يزيلهم عن منهج طريق الهدى ويركبوا طريق الضلال، فمن اتبع ذلك فهو من نصيبه المعلوم، وحَظِّهِ المقسوم، ويكون قد صدّق بذلك ظن إبليس وأمانيه إذ رضي لنفسه أن يكون جزءًا من حظ أماني إبليس اللعين.\nوقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾. أي: لأصدنهم عن الطريق، ولأزيغنهم بالأماني الكاذبة التي تملأ نفوسهم.\nوقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. قال قتادة: (البتك في البحيرة والسائبة، كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم). وقال السدي: (فيشقونها، فيجعلونها بحيرة).\nوقال عكرمة: (دينٌ شرعه لهم إبليس، كهيئة البحائر والسُّيَب).\nوالمقصود: تشقيق آذان بعض الأنعام وجعلها علامة وَسِمَةً للبحيرة والسائبة والوصيلة. فكانت العرب في الجاهلية إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر شقوا أذنها وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيي المنقطع به لم يركبها. وهذه هي البحيرة.\nوأما السائبة: فهي الناقة تسيّب للأصنام لنحو بُرْء من مرض أو نجاة في حرب.\nوسيأتي تفصيل ذلك في آية المائدة إن شاء الله.\nوقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يعني بذلك خصاء الدواب). وقال الحسن: (الوشم). وقال مجاهد: (الفطرة، دين الله).\nقلت: وكل ما يجري اليوم من عمليات التجميل والوشم والنمص وتغيير لون البشرة وتفليج الأسنان للحسن وغير ذلك مما يشير إلى عدم الرضا عن الله في خلقه داخل في مفهوم هذه الآية ووعيدها.","vol":"2","page":334},{"text":"وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر - ﵁ -: [أن رسول الله - ﷺ - لعن الواصِلَة والمُسْتَوْصِلَة والواشِمة والمُسْتَوشِمة] (١).\nوالواشمة هي التي تغرز إبرًا في الجلد ليخرج الدم وتذرّ بموضعه كحل أو نيل ليتلون به، والمستوشمة من تطلب أن يفعل بها ذلك.\nوالوشر تحديد الأسنان، وقد جاء النهي عن تفليج الأسنان للحسن.\nففي الصحيحين عن ابن مسعود قال: [لعن الله الواشمات والمستوشِمات، والنامِصات والمتنمصات، والمتفلّجات للحُسْن، المغيّرات خلقَ الله] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله ﷿: إني خلقت عبادي حُنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجْتالتهُم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم] (٣).\nوالمقصود أن خلق الله هو الأقوم والأمثل، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. وفطرة الله التي فطر الناس عليها هي الأحسن والأكمل، ومخالفة ذلك اتباع لسبيل الشياطين.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كُلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يمجِّسَانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمْعَاءَ، هل تُحسّون فيها من جدعاء] (٤).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.\nأي: من يطع الشيطان ويرضاه ويواليه نصيرًا من دون الله فقد أورد نفسه موارد العطب والخسارة والهلاك.\nوقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾. قال ابن جرير: (يعد الشيطان المَرِيدُ أولياءَه الذين هم نصيبُه المفروض: أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٣١٧)، ومسلم (٢١٢٤)، وأخرجه الترمذي (٢٧٨٤)، وغيرهم. من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٣١٣)، و(١٠/ ٣١٤)، وأخرجه مسلم (٢١٢٥)، وغيرهما. من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وأحمد (٤/ ٢٦٦)، وابن حبان (٦٥٣)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٥٣)، وغيرهم.","vol":"2","page":335},{"text":"منه ويدافع عنهم، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفَلَج عليهم). وقال ابن كثير: (يعد أولياءه ويمنِّيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك).\nوقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. أي: إلا باطلًا وكذبًا ومكرًا.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾. أي: جهنم مأوى الذين اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله، ولا يجدون عنها مَعْدِلًا يعدلون إليه، ولا مندوحة ولا مناص ولا خلاص. وفي لغة العرب: حاصَ فلان عن أمر فهو يحيص حَيْصًا إذا عدل عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.\nهذه هي الصورة المقابلة لتلك الصورة، بساتين نعيم وجمال وخلود، وأنهار تجري في ربوعها، أعدّها الله نزلًا للقائمين بأمره المتنكرين لسبل الشيطان وغروره ومنهاجه، وَعْدٌ من الله وهو أصدق من وعد ﷾، وأصدق من قال.\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر: [كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صَوْتُه، واشتد غضبُه، حتى كأنه مُنْذِرُ جيش يقول: صبّحكم مَساكُم ... ويقول: أما بعدُ، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد].\nوفي روايات أخرى عند النسائي والبيهقي وابن ماجة وأحمد - واللفظ للنسائي: [إن أصدق الحديث كلام الله، وخيرُ الهَدْي هَدْيُ محمد - ﷺ -، وشرُّ الأمور مُحْدَثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار] (١).\n١٢٣ - ١٢٦. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر للروايات المختلفة صحيح مسلم (٨٦٧)، وسنن النسائي (٣/ ١٨٨)، وابن ماجة (٤٥)، وأحمد (٣/ ٣١٠ - ٣١١ - ٣٣٧ - ٣٣٨ - ٣٧١)، والبيهقي (٣/ ٢١٣).","vol":"2","page":336},{"text":"نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدٌ على مجازاة الذنوب والخطايا في الدنيا والآخرة وما يدفع الله أكثر، وترغيب في اتباع الخطايا بالتوبة والعمل الصالح، فإنّ ذلك من أحسن ما يعالج به الزلل، ثم تنبيه لثواب الإخلاص لله في المنهج واتباع ملة التوحيد ملة أبينا إبراهيم ﵊، فهو أعلى مقامات العمل، والله له كل ما في هذا الكون الفسيح، وهو محيط بكل شيء، قد وسع كل شيء علمًا.\nيروي ابن جرير بسنده عن مسروق قال: (تفاخر النصارى وأهل الإسلام، فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم! وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم! قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.\nوكذلك روى عن قتادة قال: (ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبيُّنا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم! وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، نبيُّنا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله! فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، فأفلج الله حُجَّة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان).\nوذكر عن السدي نحوه وفي آخره: (ثم فضل الله المؤمنين عليهم فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.\nثم قال ابن جرير: (إنما هو خبر من الله عن أماني أولياء الشيطان. وما إليه صائرة أمانيهم، مع سيِّئ أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرة أعمال أولياء الله من حسن الجزاء. وإنما ضمّ جل ثناؤه أهل الكتاب إلى المشركين في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنِّيهموها بقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾).\nوقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. أي كل من عمل سوءًا صغيرًا أو كبيرًا من مؤمن أو كافر، جوزي به. وفي هذا المعنى أحاديث:","vol":"2","page":337},{"text":"الحديث الأول: أخرج سعيد بن منصور بسند حسن عن عُبيد بن عُمير، عن عائشة: [أن رجلًا تلا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقال: إنا لنُجْزى بكل عمل؟ هلكنا إذن. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: نعم يُجْزَى به المؤمن في الدنيا في نفسه وفي جسده فيما يؤذيه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: [لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بلغَتْ من المسلمين مَبْلغًا شديدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: قاربوا وسدِّدوا، ففي كلِّ ما يُصابُ به المسلم كفَّارةٌ، حتى النَّكبَةِ يُنكَبُها، أو الشوكةِ يشُاكها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة: أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول: [ما يُصيبُ المسلم من نصب ولا وصب ولا سَقَمٍ ولا حَزَنٍ، حتى الهمِّ يُهَمُّه إلا كفَّر الله بها من سيئاته] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن زينب بنت كعب بن عُجرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رجل لرسول الله - ﷺ -: أرأيت هذه الأمراض التي تُصيبنا، ما لنا بها؟ قال: كفارات. قال أُبيّ: وإن قَلَّت. قال: وإن شوكة فما فوقها. قال: فدعا أبي على نفسه أنه لا يفارقه الوعكُ حتى يموت، في أن لا يشغله عن حَجّ ولا عُمْرة ولا جهاد في سبيل الله، ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسَّه إنسان إلا وجد حرَّه، حتى مات ﵁] (٤).\nوذكر ابن جرير بسنده عن الربيع بن زياد قال: (قلت لأبيّ بن كعب: قول الله ﵎: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، والله إن كان كل ما عملنا جُزينا به هلكنا! قال: والله إن كنتُ لأراك أفقهَ مما أرى! لا يُصيب رجلًا خدشٌ ولا عثرةٌ إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، حتى اللَّدغة والنَّفْحة).\n_________\n(١) إسناده حسن، رجاله ثقات. انظر تفسير ابن كثير، حديث رقم (٢٢٧٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢٥٧٤)، كتاب البر والصلة، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٤٨).\n(٣) حديث صحيح: أخرجه البخاري (٥٦٤١)، ومسلم (٢٥٧٣)، وأحمد (٣/ ٤)، (٣/ ٤٨)، وغيرهم. من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - ﵄ -.\n(٤) حديث رجاله ثقات. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٣)، ورواه أبو يعلى (٩٩٥)، وله شواهد.","vol":"2","page":338},{"text":"ثم روى عن أبي المهلب قال: دخلت على عائشة كي أسألها عن هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قالت: (ذاك ما يصيبكم في الدنيا).\nوالخلاصة: لَا مَفَرَّ من تذوق أثر الخطايا والذنوب في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وما يدفع الله أكثر، ثم إن من تاب وتاب الله عليه نجّاه يوم القيامة وستر عليه.\nيروى الطبراني بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اختلج عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بذَنْبٍ، وما يدفَعُ الله عنه أكثر] (١)\nوقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. أي لا يجد فاعل المعصية من بعد الله من يحميه من غضب الله وبأسه أو ينصره من عقاب الله وألمه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.\nقال السدي: (أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان).\nوالمقصود: لابد من العمل الصالح مع الإيمان، فإن الإيمان يشمل القول والعمل معًا، والموعد الجنة ولا يظلم أحد نقيرًا. قال مجاهد: (النقير، الذي يكون في ظهر النواة). وقال عطية: (النقير، الذي في وسط النواة).\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.\nفإن شرط القبول: الإخلاص وسلامة المنهج. والمنهج هو ملة إبراهيم ﵊، ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم.\nقال القاسمي - ﵀ -: (\"وهو محسن\" أي آت بالحسنات تارك للسيئات. أو آت بالأعمال الصالحة على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي).\nفخلاصة المعنى: أحسن الدين عند الله ما كان:\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (رقم ١٠٥٣) من حديث البراء بن عازب - ﵁ -، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٢١٥).","vol":"2","page":339},{"text":"١ - على الإخلاص ابتغاء وجهه تعالى لا شريك له. أي على منهاج التوحيد ملة أبينا إبراهيم.\n٢ - على منهج الشريعة التي جاء بها محمد - ﷺ - في العمل الصالح وبلوغ مرتبة الإحسان.\nوقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. أي: وليًّا. والخلة أرفع درجات المحبة، وقد ثبتت لنبينا محمد - ﷺ - أيضًا. ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله - ﷺ - لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: [أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث جُندب بن عبد الله البَجلي وعبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾.\nالمعنى: كل ما في هذا الكون الفسيح: مخلوقاته وجماداته وما في أرجاء سماواته رأرضه تحت تصرفه سبحانه، وعلمُه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية فله الكبرياء وحده لا شريك له.\n١٢٧. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾.\nفي هذه الآية:\n١ - تحذير من نكاح اليتيمة - في حجر صاحبها - دون أن يمهرها مهر مثلها.\n٢ - وتحذير إن لم يكن له رغبة في نكاحها أن يعضلها ويمنعها عن الأزواج خشية\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٣) ح (٦) - واللفظ له. وأخرجه الترمذي (٣٦٦٠)، وابن حبان (٦٨٦١) بلفظ مشابه، وله ألفاظ متقاربة في الصحيحين.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٥٣٢) ح (٢٣)، وانظر النسائي في \"التفسير\" (١٤٣).","vol":"2","page":340},{"text":"أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها.\n٣ - دعوة إلى العدل في القسمة والمواريث.\nأخرج البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير: [أنه سأل عائشة - ﵂ - عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ - فذكرت نحو ما تقدم في أول السورة - قال: قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله - ﷺ - بعد هذه الآية فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾].\nوفي لفظ البخاري عن عائشة - ﵂ -: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليّها ووارثها، قد شركته في ماله حتى في العَذْقِ، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوِّجها رجلًا فيشركه في ماله بما شرِكته، فيعضُلها، فنزلت هذه الآية] (١).\nوقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.\nأخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: [وقول الله ﷿: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حِجْرِه حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن] (٢).\nويلخص معنى الآية ما ذكره علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:\nقال ابن عباس: (كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيُلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها فحَرَّم الله ذلك ونهى عنه).\nوقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾.\nقال السدي: (كانوا لا يورثون جارية ولا غلامًا صغيرًا، فأمرهم الله أن يقوموا لليتامى بالقسط. و\"القسط\": أن يعطى كل ذي حق منهم حقه، ذكرًا كان أو أنثى،\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٤٦٠٠)، وصحيح مسلم (٣٠١٨)، وسنن أبي داود (٢٠٦٨)، والنسائي في \"التفسير\" (١٤٤)، والبيهقي (٧/ ١٤١)، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" للرواية الأولى - سورة النساء - آية (١٢٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٤٩٤)، ومسلم (٣٠١٨) من حديث عائشة مطولًا.","vol":"2","page":341},{"text":"الصغير منهم بمنزلة الكبير). وبنحوه عن ابن عباس وفيه: (كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: \"لا تؤتونهن ما كتب لهن\").\nوقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾.\nدعوة إلى التجارة الرابحة - مع الله سبحانه -، فإن الله لم يزل عالمًا بما يكون منكم، وهو يحصي ذلك ليجازيكم به يوم الحساب.\n١٢٨ - ١٣٠. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إرشاد للمرأة الخائفة من إعراض زوجها عنها لبغض أو كراهة أن تترك له يومها أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه لاستدامة مُقامه على عقدها والصلح خير من الفراق عند المشاحة. وإرشاد للزوج أن يتجاوز ما يجده من كراهية ويحسن لزوجته والله لا يخفى عليه هذا الإحسان ويجزي به. ثم في الآيات تَنْبيه لعدم طاقه الرجال غالبًا في العدل بين النساء في المحبة، وتحذير من الجور عند الميل لواحدة دون أخرى، وإن تصلحوا وتعدلوا يستر عليكم سبحانه ما فات من الجور. فإن أبت المرأة التي أعرض عنها زوجها إلى ضرتها لجمال أو شباب أو شيء مما تميل إليه النفوس الصلحَ بصفحها لزوجها عن يومها وليلتها وطلبت حقها كاملًا بالقَسْم والنفقة وأبى الزوج الإحسان وتفرقا بطلاق فإن الله يغني كلًّا من سعته وكان الله واسعًا لهما في رزقه حكيمًا فيما قضى بينهما من الفرقة والطلاق.\nأخرج البخاري ومسلم عن عائشة - ﵂ -: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها","vol":"2","page":342},{"text":"فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك] (١).\nوأخرج أبو داود والحاكم عن عائشة - قالت لعروة -: [يا ابن أختي كان رسول الله - ﷺ - لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قَلَّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسَنّتْ وفرقت أن يفارقها رسول الله - ﷺ -: يا رسول الله! يومي لعائشة، فقبل رسول الله - ﷺ - ذلك منها. قالت: تقول في ذلك أنزل الله ﷿ وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾] (٢).\nوأخرج الحاكم بسند صحيح عن رافع بن خديج: [أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها فتزوج عليها شابة، فآثر البكر عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقرّ على ذلك، فطلقها تطليقة، حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأمر، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك. قالت: بل راجعني أصبر على الأثرة، ثم آثر عليها فلم تصبر على الأثرة، فطلقها الأخرى وآثر عليها الشابة. قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله قد أنزل فيه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (٣).\nوخلاصة المعنى:\nلو خافت المرأة نفور زوجها عنها فلها أن تُسقط عنه بعض حقها في النفقة أو الكسوة أو المبيت، وله أن يقبل ذلك منها. يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، أي: من الفراق.\nوقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾.\nأي: وأحضرت أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٥٠) و(٥١٣١)، وأخرجه مسلم (٣٠٢١) ح (١٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢١٣٥)، والحاكم (٢/ ١٨٦)، والبيهقي (٧/ ٧٤ - ٧٥).\nوأخرج نحوه الترمذي عن ابن عباس قال: [خشيت سودة أن يطلقها النبي - ﷺ - فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل فنزلت: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز]. صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٤٣٤) - كتاب التفسير - سورة النساء، آية (١٢٨).\n(٣) حديث صحيح. انظر مستدرك الحاكم (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، والصحيح المسند من أسباب النزول - سورة النساء، آية (١٢٨). من حديث رافع بن خديج - ﵁ -.","vol":"2","page":343},{"text":"قال ابن عباس: (﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، قال: نصيبها منه). وقال عطاء: (في الأيام والنفقة). وقال سعيد بن جبير: (المرأة تشحُّ على مال زوجها ونفسه).\nوقيل: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة، الشحَّ بحقه قِبل صاحبه. والأول أرجح واختاره ابن جرير. فتأويل المعنى: وأحضرت أنفس النساء أهواءَهن، من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضرائرهن. قال ابن عباس: (والشح: هواه في الشيء يحرص عليه).\nفالصلح خير من الفراق عند المشاحة، ولذلك صالحت سودة بنت زمعة رسول الله - ﷺ - حين كبرت وعزم على فراقها، على أن يمسكها وتهب يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها.\nففي الصحيحين عن عائشة قالت: [لما كَبرتَ سَوْدَةُ بنت زَمْعة وهبَتْ يومها لعائشة، فكان النبي - ﷺ - يَقْسِمُ لها بيوم سَوْدَةَ] (١).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\nقال ابن كثير: (وإن تَتَجشّموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتَقْسِموا لهنَّ أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء).\nوقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.\nقال مجاهد: (واجب، أن لا تستطيعوا العدل بينهن). وقال عبيدة: (﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال: بنفسه في الحب والجماع).\nوالمقصود: مهما حاول الرجل العدل الظاهر في المبيت والنفقة، فإنه لا بد من التفاوت في أمر المحبة والشهوة والجماع.\nوقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. أي: إن حصل الميل فانتبهوا من المبالغة المؤذية. وقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. أي: فتبقى الأخرى معلقة. قال قتادة: (كالمسجونة). وقال ابن عباس: (تذروها لا هي أيّم، ولا هي ذات زوج). وقال الربيع: (لا مطلقة ولا ذات بعل). وقال الضحاك: (لا تدعها كأنها ليس لها زوج).\nأخرج أبو داود والترمذي والنسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢١٢)، وأخرجه مسلم (١٤٦٣)، وأبو يعلى (٤٦٢١).","vol":"2","page":344},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط] (١). وفي رواية: (وشقّه مائل).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nأي: إن تداركتم ما حصل منكم من ميل أو ظلم فأصلحتم واتقيتم الله عاد عليكم سبحانه بالمغفرة والتوبة والرحمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾.\nيعني إن تعذر كل ما فيه إصلاح وكان الفراق آخر المطاف، فإن الله سبحانه بكرمه يغني كل واحد منهما فيعوضه خيرًا من صاحبه، ويبارك له في حياة جديدة أفضل، إنه سبحانه واسع الفضل والكرم، عظيم المنّ والعطاء، حكيمٌ في كل ما يقدر ويشرع.\n١٣١ - ١٣٤. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أنه الحاكم لهذا الكون، فكل ما في السماوات والأرض ملك له يمضي بأمره، وليس للإنسان في ذلك من شيء إلا أن يتقي الله، فهي وصية الله لكل الأمم والله هو الغني الحميد، وهو الوكيل القائم على كل نفس بما كسبت، ولو شاء أذهبكم وأتى بقوم آخرين يطيعونه ولا يعصونه، فمن أراد هذه الدنيا فليعلم أن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة، فليكن سعيه لهما جميعًا وإن الآخرة خير وأبقى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٧/ ٦٣)، وأحمد (٢/ ٤٧١)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٨)، وغيرهم.","vol":"2","page":345},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nقال ابن جرير: (ولله جميع مُلك ما حوته السماوات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها. وإنما ذكر جل ثناؤه ذلك بعقب قوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾، تنبيهًا منه خلقَه على موضع الرغبة عند فراق أحدهم زوجته، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوَحشة بفراق سكنه وزوجته، وتذكيرًا منه له أنه الذي له الأشياء كلها، وأن من كان له ملك جميع الأشياء، فغير متعذر عليه أن يغنيه وكلَّ ذي فاقة وحاجة، ويؤنس كلَّ ذي وحشة).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.\nالتقوى عماد كل أمر، وعنوان كل عمل، فبدونها يهزل العمل ويصبح صورة وحركة بلا مضمون. قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وقال جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.\nوالتقوى حالة في القلب يرجح بها تعظيم أمر الله ومحابه، فتنعكس بالخوف منه سبحانه على أعمال الجوارح. وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان قول ابن عمر ﵁: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر).\nوأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقِرُه، التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات ...] (١).\nولأهمية التقوى، أوصى الله بها أهل الكتاب قبلنا -أهل التوارة والإنجيل- كما أوصانا بها، \"اتقوا الله\" أي احذروا الوقوع في ما يسخطه ويغضبه.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾.\nأي: إن كفرتم فلا تضرون بخلافكم وصيته سبحانه، ورضاكم بالكفر إلا أنفسكم فالله ملك هذا الكون الفسيح ذي السماوات السبع والأرضين السبع.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢٥٥٩)، كتاب البر والصلة.","vol":"2","page":346},{"text":"وعن علي ﵁: (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، قال: غنيًّا عن خلقه، \"حميدًا\"، قال: مستحمدًا إليهم) ذكره ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. قال قتادة: (حفيظًا).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.\nقال سعيد، عن قتادة: (قادرٌ والله ربنا على ذلك: أن يهلك من يشاء من خلقه، ويأتي بآخرين من بعدهم).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قال ابن كثير: (أي: بيده هذا وهذا، فلا يقتصرَنَّ قاصرُ الهمَّة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن هِمَّتُه ساميةً إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كلِّه إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة، بين الناس وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا وممن يستحق هذا. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾).\nقلت: بل طلب العبد سعادة الآخرة بصدق يورثه سعادة الدنيا والآخرة، وحرصه على الآخرة بصدق يقابله مجيء الدنيا إليه وهي راغمة.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [من كانت الآخرة همَّهُ، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له] (١).\n١٣٥ - ١٣٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٧٦). وله شاهد عند ابن ماجة (٢/ ٥٢٤)، وابن حبان (٧٢) من حديث زيد بن ثابت مرفوعًا. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤٩ - ٩٥٠).","vol":"2","page":347},{"text":"أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرٌ مِنَ الله عباده بإقامة العدل والقسط وأداء الشهادة ابتغاء وجه الله دون تحريف أو كتمان، وإن كانت الشهادة على الوالدين أو الأقربين أو على غني أو فقير، فإياكم والهوى أو التحاكم إلى العواطف وميل النفس فإن فعلتم نالكم الوعيد والتهديد. ثم أَمْرٌ للمؤمنين بالاستمرار على منهج الإيمان والثبات عليه فإن منْ كفر به أو حاد عنه فقد سلك سبيل الضلال يعقبه الهلاك.\nقال قتادة: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ الآية، هذا في الشهادة. فأقم الشهادة، يا ابن آدم، ولو على نفسك، أو الوالدين، أو على ذوي قرابتك، أو شَرَفِ (١) قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يردّ الله من الشديد على الضعيف، ومن الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق).\nوقال ابن زيد: (لا يحملك فقرُ هذا على أن ترحمه فلا تقيم عليه الشهادة. قال: يقول هذا للشاهد).\nوقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾. أي عن الحق، فتجوروا. وفيه ثلاثة أقوال متقاربة:\n١ - إن عدلتم عن الحق كنتم من الجائرين ممن يتبع الهوى.\n٢ - لا تتبعوا أهواء نفوسكم هربًا من القسط في إقامة الشهادة.\n٣ - لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، بمعنى النهي عن ذلك لأجل إقامة العدل.\nوالخلاصة: نهي عن اتباع الهوى وتقديم العصبية والتحاكم إلى العاطفة عند الحكم، فإن ذلك يباعد من القسط وإقامة العدل. وفي التنزيل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.\n_________\n(١) شَرَف: جمع شريف، كما يجمع \"شريف\" على أشراف وشرفاء.","vol":"2","page":348},{"text":"وقوله. ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\nاللَّي: هو التحريف وتعمد الكذب، والإعراض: كتمان الشهادة وتركها. فإلى أقوال أهل التفسير:\n١ - قال ابن عباس: (يقول: تلوي لسانك بغير الحق، وهي اللَّجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. والإعراض: الترك).\n٢ - قال مجاهد: (\"وإن تلووا\"، بتبديل الشهادة، و\"الإعراض\" كتمانها).\nوقال: (إن تحرفوا أَو تتركوا).\n٣ - عن ابن عباس قال: (هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون ليُّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر). فوجه الخطاب هنا إلى الحكام، عندما يميل الحاكم في الحكم لأحد الخصمين على الآخر.\nواختار ابن جرير المعنى الأول والثاني. قلت: والبيان الإلهي يحتمل التأويل الثالث والله تعالى أعلم.\nوفي مسند أحمد بسند حسن عن الشريد بن سويد عن النبي - ﷺ - قال: [ليُّ الواجِدِ يُحِلّ عرضه وعقوبته] (١).\nوقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. أي: مطلع على قضائكم وشهادتكم ليجازيكم بها.\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشُعَبهِ وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه).\nوقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني القرآن. ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ يشمل جميع الكتب المتقدمة. والفرق بين \"نزّل\" و\"أنزل\" أن القرآن نزل منجمًا مفرقًا على الوقائع، بينما أنزلت الكتب السابقة دفعة واحدة.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٣٦٢٨)، وابن ماجة (٢٤٢٧). وأخرجه أحمد والنسائي والحاكم. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٥٣٦٣). قال ابن الأعرابي: (عقوبته حبسه، وعرضه شكايته).","vol":"2","page":349},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. أي: من يخرج عن سبيل المؤمنين في منهاج الإيمان فقد رضي لنفسه الضلال عن قصد الطريق وما يعقبه من الهلاك والعطب.\n١٣٧ - ١٤٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾.\nفي هذه الآيات: تحذيرٌ من سلوك المنافقين في أمر الإيمان، الذين يتقلبون يتذبذبون بين الإيمان والكفر، ثم يختم الله لهم بالكفر مقابل نفاقهم ولا يغفر لهم، ولهم عذاب أليم. ذلك بأنهم اتخذوا الكافرين بطانة لهم من دون المؤمنين يبتغون عزة فارغة جوفاء، والعزة الحقيقية هى بالله ودينه وبالمؤمنين. لقد حذر الله المؤمنين من الجلوس مع قوم يستهزئون بالله أو رسله أو دينه ووعد ليجمعن الكافرين والمنافقين في جهنم جميعًا.\nفقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾.\nأي دخلوا في الإيمان ثم رجعوا ثم عادوا فيه ثم رجعوا واستمروا على الضلال حتى ماتوا. قال ابن عباس: (تمّوا على كفرهم حتى ماتوا).\nوقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾. أي: لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم، بل الأمر غير ذلك، سيفضحهم بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، ولا سبيل لهم إلى هدايته سبيل التوفيق والنجاة.\n١ - قيل: لا يخصهم بالتوفيق كما يخص أولياءه.\n٢ - وقيل: \"لا ليهديهم سبيلًا\": طريقًا إلى الجنة.","vol":"2","page":350},{"text":"يروي ابن أبي حاتم وابن جرير عن عامر الشعبي، عن علي ﵁، أنه قال: (يستتاب المرتد ثلاثًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾).\nوقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: موجعًا في نار جهنم.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، وإذا خلوا بهم قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزئون. يعني بأهل الإيمان، يحرصون على عرض الدنيا ورياستها وزينتها الفانية على حساب نصرة الدين الحق والجهاد في سبيل الله.\nوقوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.\nهل يريد هؤلاء الذين ينافقون للذين كفروا العزة من هؤلاء؟ ! فهؤلاء الكفار هم الأذلاء في الدنيا والآخرة، رغم ما يظهر للناس من سلطانهم وكبرهم وغرورهم، فإن هذا الظاهر من أسباب العلو والبغي سيفنى عما قريب، وتبقى العزة لله جميعًا. كما قال جل ذكره: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وكما قال جل ذكره: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.\nإن فخر الأمة بالانتساب لغير الإسلام والاعتزاز بغير الله هو مصدر ذلها وشقائها، فلا فخر للأمة ولا فرح لها إلا لنصر هذا الدين العظيم، وانهيار كل مناهج النفاق والكفر والانحراف في الأرض، فلا بد أن يرتبط أي فرح للأمة بمعنى من معاني نصر دينها.\nأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونُنَّ أهونَ على الله من الجُعَلِ الذي يُدَهْدِه الخُرْءَ بأنفه، إن الله أذهبَ عنكم عُبِّيَةَ الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من التراب] (١).\nوكذلك أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن أُبيّ، عن النبي - ﷺ - قال: [انتسب رجلان على عهد موسى، فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان، حتى عدَّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٩٥٥). انظر صحيح الترمذي (٣١٠٠). ورواه أحمد.\nانظر تخريج المشكاة (٤٨٩٩)، وصحيح الجامع الصغير- رقم (٥٣٥٨).","vol":"2","page":351},{"text":"تسعة فمن أنت لا أمَّ لك؟ قال: أنا فلانُ بن فلان ابن الإسلام. فأوحى الله إلى موسى، أن قل لهذين المنتسبين: أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار فأنت عاشرهم في النار، وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين في الجنة فأنت ثالثهما في الجنة] (١).\nوقوله. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾.\nهذه الآية العظيمة -آية المفاصلة- أو -آية الولاء والبراء- بين المؤمنين والمنافقين أو الكافرين، فلا يجوز للمسلم أن يجلس في مكان يُستهزأ به في دين الله، ولا يجوز له أن يقعد مع قوم ينالون من أمر الله أو منهاجه أو من رسله، أو يتحاكمون لغير هذا الدين العظيم، الذي ارتضاه سبحانه منهجًا فريدًا للعالمين. فإن استمر في الجلوس معهم وهم على ذلك كان مثلهم، وتوعده الله أن يجمعه معهم في العذاب يوم القيامة.\nوقد كان الوعيد أخف في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وهي مكية. فجاء التهديد الشديد في آية النساء -وهي مدنية-: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. أي في المأثم.\nأخرج الترمذي والدارمي والحاكم بسند حسن عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمّام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخل حليلتَه الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلسْ على مائدة يُدار عليها الخمر] (٢).\nقال الشيخ الإسلام: (فاتباع سنة رسوله - ﷺ - واتباع شريعته باطنًا وظاهرًا هو موجب محبة الله، كما أن الجهاد في سبيل الله، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها) (٣).\nوفي الصحيحين وسنن ابن ماجة عن حذيفة، عن النبي - ﷺ - قال: [تكون دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ من جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٢٨)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٨٨/ ١).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٨٠١)، والدارمي (٢/ ١١٢). وانظر صحيح الجامع (٦٣٨٢).\n(٣) انظر تفصيل ذلك في \"التحفة العراقية\": ص (٧٦).","vol":"2","page":352},{"text":"فالزم جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم تكن جماعة ولا إمام فاعتزل تلك الفرق كُلَّها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموتُ وأنت كذلك] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (أي: كما اشتركوا في الكفر، كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدًا ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال، والقيود والأغلال، وشراب الحميم والغسلين لا الزُلال).\n١٤١ - ١٤٣. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.\nفي هذه الآيات: فَضْحٌ لسلوك المنافقين وطبيعة قلوبهم المريضة الهزيلة، فهم ينتظرون السوء والمصائب أن تحل بالمؤمنين ليفرحوا وليشمتوا، فإن ظهر المسلمون جاؤوا يدّعون النصرة ويطالبون بالاشتراك في الغنيمة. إنهم يخادعون أنفسهم والله يمكر بهم لقاء قيامهم الهزيل إلى الصلاة، ومقابل الرياء الذي شغل عليهم قلوبهم، حتى أصبحوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولا سبيل ولا فلاح لمن أعماه الله عن سواء السبيل.\nقال ابن جريج: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾: المنافقون يتربصون بالمسلمين، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ﴾، قال: إن أصاب المسلمون من عدوهم غنيمة قال المنافقون: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، قد كنا معكم فأعطونا غنيمة مثل ما تأخذون، ﴿وَإِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه البخاري في الفتن (٧٠٨٤)، ورواه مسلم في الإمارة (١٨٤٧)، ورواه ابن ماجة. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٢٩٩١).","vol":"2","page":353},{"text":"كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾، يصيبونه من المسلمين، قال المنافقون للكافرين: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قد كنا نثبِّطهم عنكم).\nوقوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ من الاستحواذ، وهو الغلبة. قال السدي: (نغلب عليكم). وقال ابن جرير: (ألم نبين لكم أنا معكم على ما أنتم عليه). وفي التنزيل: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩].\nوقوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال السدي: (حُجّة). وقال ابن عباس: (ذاك يوم القيامة).\nوقد يكون المعنى في الدنيا، أي: لن تكون العاقبة والغلبة للكفار على المؤمنين وإن كانت لهم جولة، فالنهاية لابد أن تكون بالنصر الأكيد للمؤمنين، لقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾. ولقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.\nقال ابن كثير: (وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصحِّ قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم من الكافر، لما في صحّة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال).\nوقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾.\nقال السدي: (يعطيهم يوم القيامة نورًا يمشون به مع المسلمين كما كانوا معهم في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم، ويُضرب بينهم بالسُّور).\nوالمقصود أن الله سبحانه يستدرجهم في طغيانهم ويخذلهم عن الحق الذي عادوه إلى حيث هلاكهم وهم لا يشعرون، كما قال جل ذكره: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ومن السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث جندب، عن النبي - ﷺ - قال: [من سَمَّعَ سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٩٩)، ومسلم (٢٩٨٧)، وأحمد (٤/ ٣١٣)، وغيرهم.","vol":"2","page":354},{"text":"أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلته] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نَسِيَ ذكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعلَ له وزيرَ سوء، إن نسيَ لم يذكِّره، وإن ذكر لم يُعِنْهُ] (٣).\nوقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾.\nقال ابن زيد: (هم المنافقون، لولا الرياء ما صلوا). وقال قتادة: (والله لولا الناس ما صلّى المنافق، ولا يُصَلي إلا رياء وسُمْعة).\nوقال ابن عباس: (يكرهُ أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طَلْق الوجه عظيم الرَّغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله وإن الله تجاهه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو ابن عباس هذه الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى﴾. رواه ابن مردويه عن عطاء عن ابن عباس.\nوقوله: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال الحسن: (إنما قلَّ لأنه كان لغير الله).\nوقال قتادة: (إنما قلّ ذكر المنافق، لأن الله لم يقبله. وكل ما ردَّ الله قليل، وكل ما قبل الله كثير).\nوالمقصود أن المنافقين هذه صفتهم في أجل الأعمال وأشرفها وهي الصلاة، فقد أفسدت عليهم نيّتهم كل خشية أو خوف من الله، فقاموا بين يديه كسالى مستهترين.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، ومعهم حُزَمٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، والبيهقي في \"الأسماء\" ص (١٥٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (٢٥٨٣)، كتاب البر والصلة. ورواه ابن ماجة والترمذي وغيرهم. انظر صحيح الجامع (١٨١٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٩٣٢). انظر صحيح سنن أبي داود (٢٥٤٤).","vol":"2","page":355},{"text":"من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار] (١).\nوفي رواية للبخاري: [والذي نفسي بيده، لو عَلِمَ أحدهم أنه يجد غَرْقًا سمينًا أو مَرْماتَيْن حَسَنَتين، لشَهِدَ الصلاة] (٢).\nزاد أحمد في رواية: [ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرَّقْتُ عليهم بيوتهم بالنار].\nوفي الموطأ ومسند أحمد عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يَرْقُبُ الشمس حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا] (٣).\nوقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾.\nقال مجاهد: (يقول: لا إلى أصحاب محمد - ﷺ -، ولا إلى هؤلاء اليهود).\nوقال ابن زيد: (بين الإسلام والكفر). وقال ابن جريج: (لم يخلصوا الإيمان فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهل الشرك).\nوفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [مَثَلُ المنافق كمثل الشاة العائِرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذاه مرة، ولا تدري أيتهما تَتْبَع] (٤).\nوفي مسند أحمد بسند صحيح، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: [بينما عُبيد بن عُمَير يقُصُّ وعنده عبد الله بن عمر، فقال عُبيد بن عمير: قال رسول الله - ﷺ -: مثلُ المنافق كالشاة بين رَبيضَين، إذا أتت هؤلاء نطحتها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها. فقال ابن عمر: ليس كذلك قال رسول الله - ﷺ -، إنما قال رسول الله - ﷺ -: كشاة بين غنمين. قال: فاحتفظ الشيخ وغَضِبَ، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردُدْ ذلك عليك] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١) ح (٢٥٢)، وأبو داود (٥٤٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ٤٢٤)، وابن ماجة (٧٩١)، والبيهقي (٣/ ٥٥)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٤). والزيادة لأحمد في المسند (٢/ ٣٦٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مالك (١/ ٢٢١)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٤١٣)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٤٩)، وكذلك أخرجه مسلم (٦٢٢)، والبيهقي (١/ ٤٤٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٤)، وأحمد (٢/ ١٠٢)، والنسائي (٨/ ١٢٤)، وابن جرير.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٢)، والطيالسي (١٨٠٢)، وأورده الحافظ ابن كثير بأسانيد مختلفة يقوي بعضها بعضًا، في سورة النساء، آية (١٤٢).","vol":"2","page":356},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.\nأي: من صرفه الله عن سبيل المؤمنين مقابل النفاق الذي مشى عليه ورضيه لنفسه منهجًا، فلا طريق له ولا منقذ ولا هادي له، قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦].\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).\n١٤٤ - ١٤٧. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: نَهْيٌ عَنْ موالاة الكفار، ومناصحتهم وإطلاعهم على أسرار المؤمنين، ومن فعل ذلك كان من المنافقين، ممن يجعلون لله عليهم حجة يوم القيامة، وقد وعد الله المنافقين أسفل دركات جهنم، إلا من تاب وأصلح وأخلص لله من جديد فإن الله يقبله مع المؤمنين، أصحاب الأجر العظيم، فما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم وتبتم وشكرتم، فإن من شكر شكر الله له، ومن آمن قلبه به علمه، وأحسن جزاءه وثوابه.\nوعن قتادة: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الإمام مسلم وغيره. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٩٩٠).","vol":"2","page":357},{"text":"تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال: إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول: عذرًا مبينًا).\nقال عكرمة: (ما كان في القرآن من \"سلطان\"، فهو حجة).\nوفي التنزيل: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].\nوقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.\nأي في الطبق الأسفل من أطباق جهنم، وبئس المقر وبئس المصير، حيث لا نصير لهم. وقرأها كذلك قراء الكوفة \"الدرْك\" بتسكين الراء، في حين قرأها قراء المدينة والبصرة \"الدَّرَك\" بفتح الراء، وهما قراءتان مشهورتان.\nقال ابن عباس: (﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار﴾، يعني: في أسفل النار). وروى ابن جرير، عن خيثمة، عن عبد الله قال: (توابيت من نار تُطْبَقُ عليهم).\nوفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١).\nوقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: فمن ندم وتاب وأصلح ما كان أفسد من علاقة بالله سبحانه ودينه وعباده المؤمنين -بنفاقه أو موالاته الكفار أو ركوبه معصية الله- فرجع واعتصم بالله وأخلص له السريرة والعمل، فبدل الرياء بالإخلاص فإن الله سبحانه بكرمه يقبله مع المؤمنين ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nوقوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾.\nأي ما يصنع الله بعذاب المنافقين إن تابوا وآمنوا وأحسنوا الرجوع والشكر لله.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن. أبواب صفة القيامة. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٠٢٥). ورواه أحمد. انظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٧٨٩٦).","vol":"2","page":358},{"text":"وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. أي: يشكر سبحانه من يشكر له، ويعلم من آمن وصدق قلبه الإيمان، فيجزيه أحسن الثواب.\n١٤٨ - ١٤٩. قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾.\nفي هذه الآيات: لا يحب الله سوء القول وأن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فالله يسمع ويعلم ما يكون، وإن تقولوا جميلًا من القول أو لا تجهروا به أو تصفحوا فالله يحب العفو ويعفو عن خلقه، وهو ذو قدرة على الانتقام منهم.\nلقد ورد الجهر بسوء القول بمعنيين أو أكثر:\n١ - عند الظلم واسترجاع الحقوق:\nقال ابن عباس: (لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فإنه قد أَرْخَصَ له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، وإن صبر فهو خير له). وقال قتادة: (عذر الله المظلوم كما تسمعون: أن يدعو). وقال السدي: (إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحد من الخلق، ولكن من ظلم فانتصر بمثل ما ظُلم، فليس عليه جناح).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [المُسْتَبّانِ ما قالا، فعلى البادئ، ما لمْ يعتد المظلوم] (١).\nفإن تمكن المظلوم من استرجاع حقه دون تشهير بمن ظلمه، أو عفا عنه فذلك أرفع. ففي صحيح مسلم أيضًا عنه، عن رسول الله - ﷺ - قال: [ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٨٧)، كتاب البر والصلة، باب النهي عن السباب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٨٩)، الكتاب السابق، باب استحباب العفو والتواضع.","vol":"2","page":359},{"text":"٢ - عند التفريط بحق الضيافة.\nفقد روى ابن جرير بسنده إلى مجاهد قال: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الآية. قال: ضاف رجل رجلًا فلم يؤدِّ إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: ضفت فلانًا فلم يؤد حق ضيافتي! فذلك جهرٌ بالسوء إلا من ظلم، حين لم يؤد إليه ضيافته). وقال: (هو في الضيافة، يأتي الرجل القوم، فينزل عليهم فلا يضيفونه، رخَّصَ الله له أن يقول فيهم).\nوفي الصحيحين واللفظ للبخاري، عن عقبة بن عامر قال: [قلنا للنبي - ﷺ -: إنك تَبْعَثُنا فنَنْزِلُ بقومٍ لا يَقْرونَنا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: إن نزلتم بقوم فَأُمِرَ لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف] (١).\nوله شاهد أخرجه أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: [أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محرومًا، فله أن يأخذ بقدر قِراه، ولا حرج عليه] (٢).\nوشاهد آخر أخرجه أحمد عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دينًا له عليه، فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه] (٣).\n٣ - عند اشتداد أذى الجار.\nأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي جحيفة قال: [شكا رجل إلى النبي - ﷺ - جاره، فقال: احمل متاعَكَ فضعه على الطريق فمن مر به يلعنه. فجعل كل من مرَّ به يلعنه. فجاء إلى النبي - ﷺ - فقال: ما لقيت من الناس؟ فقال: إنَّ لعنة الله فوق لعنتهم. ثم قال للذي شكا: كُفيتَ أو نحوه] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧)، وأحمد (٤/ ١٤٩)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٠)، والحاكم. وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ٤٠). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٦٤٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٣٠) من حديث المقدام، وأخرجه أبو داود في السنن (٣٧٥٠)، وإسناده على شرط الشيخين.\n(٤) حسن صحيح. انظر صحيح الأدب المفرد (٩٣)، باب شكاية الجار. وانظر للشاهد بعده مسند البزار (١٩٠٣)، وسنن أبي داود (٥١٥٣)، ومستدرك الحاكم (٤/ ١٦٠).","vol":"2","page":360},{"text":"ورواه البزار من حديث أبي هرِيرة: [أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فقال: إن لي جارًا يؤذيني. فقال له: أخرج متاعك فَضَعْه على الطريق. فأخذ الرجل متاعه فطرَحَهُ على الطريق، فكل من مَرَّ به قال: ما لك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه. قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، والله لا أؤذيك أبدًا].\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.\nأي: كان الله ولم يزل ﴿سَمِيعًا﴾ بما تجهرون به من سوء القول ومن جميع كلامكم، ﴿عَلِيمًا﴾ بما تخفون وما تعلنون من قولكم وكلامكم، وسيجازيكم على إحسانكم أو إساءتكم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾.\nالمعنى: إن إخفاءكم خير القول أو إظهاره، أو عفوكم عمن أساء إليكم، هو مما يقربكم عند ربكم. والله هو العفو القدير: يعفو عن مسيئكم إن تاب ويصفح عنه، وهو ذو قدرة على الانتقام من كل مسيء بقول أو عمل.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثٌ أُقْسِمُ عليهن: ما نقصَ مالٌ قط من صدقة، فتصدقوا. ولا عفا رجل عن مظلمة ظُلِمَها إلا زاده الله تعالى بها عِزًّا، فاعفوا يزدكم الله عِزًّا، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله عليه باب فقر] (١).\n١٥٠ - ١٥٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد والبزار، انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٠٢٢)، وله شاهد عند الإمام مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٥٨٨).","vol":"2","page":361},{"text":"مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تَوَعُّدٌ من الله للذين يكفرون به وبرسله من اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، كما فعلت اليهود بتكذيبهم عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم، فأولئك توعدهم الله عذابًا مهينًا. وأما المؤمنون الذين آمنوا بالله وبجميع رسله دون تمييز في ذلك فأولئك أعد لهم نزلًا كريمًا.\nقال قتادة: (أولئك أعداء الله اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد - ﷺ -)\nوقال السدي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، يقولون: محمد ليس برسولٍ لله، وتقول اليهود: عيسى ليس برسولٍ لله! فقد فرقوا بين الله وبين رسله، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، فهؤلاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض).\nوقال ابن جريج: (آمنت اليهود بُعزيرٍ وكفرت بعيسى، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بعزير، وكانوا يؤمنون بالنبي ويكفرون بالآخر، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، قال: دينًا يدينون به الله).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾.\nإن منهاج الإيمان عند المؤمنين أن يؤمنوا بالله ويعظموه وحده لا شريك له، ولا يفرقوا بين أحد من رسله، بل يقرون أن الجميع جاؤوا بالحق من عند الله، وأن خاتمهم محمدًا - ﷺ - جاء بشرع ناسخ لكل الشرائع قبله فيفردوه بالمتابعة فهو أسوة الأمة إلى يوم القيامة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ يغفر ما سلف من الآثام والتقصير لمن شاء من عباده، ﴿رَحِيمًا﴾ لم يزل كذلك بتفضله على المخلصين بالهداية في الدنيا والنجاة يوم الحساب.","vol":"2","page":362},{"text":"١٥٣ - ١٥٤. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يسألك يا محمد أهل التوراة من اليهود أن تنزل عليهم كتابًا خاصًّا بهم على سبيل التعنت والعناد والكبر والإلحاد، شأن كفار قريش سألوا نحو ذلك، فاعلم يا محمد أن هؤلاء اليهود أحفاد من سلفهم من أجدادهم الذين عاجزوا موسى بالأسئلة ومحاولات التشكيك فسألوا رؤية الله فنالتهم صاعقة من الله سبحانه بتنطعهم، ثم عبدوا العجل وانتكسوا عن عبادة الله بعدما هداهم بالبينات الواضحات، ثم عفا عنهم وأكرم موسى ﵇ بالحجج الدالة على نبوته وصدقه، فلما عادوا إلى التشكيك رفعنا الطور فوقهم بما أعطوا الله الميثاق والعهد بالعمل بالتوراة، وقلنا لهم اختبارًا ادخلوا باب بيت المقدس سجدًا، وألا يأكلوا الحيتان يوم السبت، وواثقناهم على ذلك.\nقال السدي: (﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، قالت اليهود: إن كنت صادقًا أنك رسول الله، فآتنا كتابًا مكتوبًا من السماء، كما جاء به موسى). وقال قتادة: (أي: كتابًا، خاصة).\nوقال محمد بن كعب القرظي: (جاء أناس من اليهود إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك! فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾).\nوقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. يعني أسلاف هؤلاء اليهود.\nوقوله: ﴿فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. أي: عيانًا نعاينه وننظر إليه.\nوقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾. أي: فصعقوا بظلمهم لأن مسألتهم رؤية الله مما لم يكن لهم مسألته.","vol":"2","page":363},{"text":"وفي التنزيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦].\nوقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.\nأي: من بعد ما رأوا من المعجزات الكبيرة كإغراق فرعون وجنوده، وآيات على يد موسى - ﷺ -. فلما مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم: ﴿قَالوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. ثم اتخذوا العجل الذي كان السامري نبذ فيه ما نبذ من القبضة التي قبضها من أثر فرس جبريل ﵇، إلهًا يعبدونه من دون الله، كل ذلك من بعد ما أراهم الله الآيات الواضحات على صدق موسى ووجوب اتباعه ونبذ كل أشكال الهوى.\nوقوله: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. أي: فعفونا عن عبدة العجل صنيعهم بتوبتهم، وعن السائلين رؤية الله حين أنابوا إلى الطريق وأعطينا موسى زيادة من الحجج التي تبين صدقه وحقيقة نبوته.\nوقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾. قال ابن كثير: (وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جَبَلًا، ثم أُلزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقُطَ عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١]).\nوقوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قال قتادة: (كنا نحدّث أنه باب من أبواب بيت المقدس). أمروا أن يدخلوه سجدًا مع قولهم حطة، أي: اللهم حُطَّ عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونُكولنا عنه، حتى تُهنا في التيه أربعين سنة، وكانوا أمروا بتلك الهيئة في الدخول ليظهر منهم التواضع لله سبحانه والشعور الحقيقي بندم التقصير والزلل، إلا أنهم كانوا عند أسوأ الظن، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يستهزئون ويقولون: حِنْطة في شعيرة.\nوقوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾. أي: بترك أكل الحيتان يوم السبت أو صيدها، وكذلك ترك التحايل عليها يوم السبت، فمكروا وتحايلوا ونصبوا لها الشباك ليأخذوها في اليوم التالي.","vol":"2","page":364},{"text":"وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. أي: عهدًا مؤكدًا بالعمل بهذه الأوامر وترك كل ما جاء النهي عنه.\n١٥٥ - ١٥٩. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ومن ذنوبهم وإجرامهم نقض المواثيق والعهود، وإنكار المعجزات والآيات وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا في غطاء لا تعي ما يقال، وإنما ختم الله عليها بكفرهم وعنادهم فَقَلَّ ما آمنوا حق الإيمان، بل كفروا وتجرؤوا على مريم بالبهتان، وادّعوا تطاولًا وغرورًا قتل المسيح ﵇، ولم يفعلوا بل شبه لهم شبهًا له، وقد التبس عليهم وما قتلوه يقينًا، بل رفعه الله إليه، وسيعود قبل يوم القيامة ويؤمن به أهل الكئاب، أو يضرب رقابهم بالسيف، وسيحتج عليهم يوم القيامة ويشهد بما كذبوه أو صدقوه.\nفعن قتادة: (﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعنّاهم، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا نفقه، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، ولعنهم حين فعلوا ذلك).\nوقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. قال ابن عباس: (يعني: أنهم رموها بالزنا).\nوقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾. فكذبهم الله بادعائهم وسفاهتهم وجراءتهم ووقاحتهم فقال جل ذكره: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.\nقال ابن إسحاق: حدثني رجل كان نصرانيًّا فأسلم: (أن عيسى حين جاءه من الله: \"إني رافعك إليّ\" قال: يا معشر الحواريين، أيّكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة، على أن يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه مكاني؟ فقال سرجس: أنا، يا روح الله! قال:","vol":"2","page":365},{"text":"فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورُفِعَ عيسى صلوات الله عليه. فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشُبِّه لهم به) - ذكره ابن جرير بسنده عنه.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. قال ابن جرير: (﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، اليهود الذين أحاطوا بعيسى وأصحابه حين أرادوا قتله. وذلك أنهم كانوا قد عرفوا عدة من في البيت قبل دخولهم، فيما ذكر. فلما دخلوا عليهم، فقدوا واحدًا منهم، فالتبس أمرُ عيسى عليهم بفقدهم واحدًا من العدَّة التي كانوا قد أحصوها، وقتلوا من قتلوا على شك منهم في أمر عيسى).\nوقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. قال ابن عباس: (يعني لم يقتلوا ظنَّهم يقينًا).\nوقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. أي: رفع الله المسيح إليه، وهذه من الآيات العظيمة الدالة على علو الله على جميع خلقه، وأنه على السماء واستوى على العرش، وكل المخلوقات دونه، سبحانه وتعالى عما يضل الجهال به علوًا كبيرًا.\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾. أي: في انتقامه من أعدائه وأعداء رسله وأوليائه.\n﴿حَكِيمًا﴾ في تدبيره وخلقه وقدره وتشريعه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. قال ابن عباس: (يعني: أنه سيدرك أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فيؤمنون به).\nقال الحسن: (قبل موت عيسى. والله إنه الآن لحيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون).\nوقال ابن جريج: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، أنه قد أبلغهم ما أُرسل به إليهم). وقال قتادة: (يكون عليهم شهيدًا يوم القيامة على أنه قد بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه).\nقلت: يحكم عيسى بن مريم ﵊ حين ينزل بالقرآن والسنة، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام فلا يقبل الجزية بل الإسلام أو السيف، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام. فمن أدركه من أهل الكتاب آمن به واتبع منهجه في الحكم بالكتاب والسنة، وإلا كان بينه وبينهم السيف. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:","vol":"2","page":366},{"text":"[والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابنُ مريم، حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قال: [ليس بيني وبينه نبيُّ - يعني عيسى - وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مَرْبوعٌ، إلى الحمرة والبياض، بين ممَصَّرتَيْن - الممصرة: ثياب فيها صفرة خفيفة - كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدقُّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يُتوفى فيصلي عليه المسلمون] (٢).\nالحديث الثالث: يروي ابن ماجة والحاكم وابن خزيمة بسند صحيح من حديث أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [.. فيكون عيسى بن مريم في أمتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مقسطًا، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ... وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها ....] الحديث (٣).\nوقد فصلت كل هذه الأحوال - من صفات عيسى ﵊، ونزوله وأعماله إلى موته - في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فَلِلّه الحمد والمنة.\n١٦٠ - ١٦٢. قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَال النَّاسِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٢٢٢)، (٢٤٧٦). وأخرجه مسلم برقم (١٣٣)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٢٤٠). وأخرجه الترمذي (٢٢٣٣)، وابن ماجة (٤٠٧٨).\nوانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٩٥٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٠٥١) لتفصيل الروايات وصفات عيسى ﵇.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن من حديث أبي هريرة. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٣٥)، والمرجع السابق (٢/ ١٠٥٢).\n(٣) جزء من حديث طويل. رواه ابن ماجة والحاكم وابن خزيمة. انظر صحيح الجامع الصغير (٧٧٥٢).","vol":"2","page":367},{"text":"بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إنه بسبب ظلم اليهود واجتراحهم الذنوب والآثام حرم الله عليهم طيبات كان أحلها لهم، ومن هذه الآثام نقض الميثاق مع ربهم، وكفرهم بآياته وقتلهم الأنبياء وقول البهتان على مريم، والصد عن سبيل الله وأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وفي الآخرة عذاب أليم. واسثتنى الله من أهل الكتاب من آمن بالله واليوم الآخر وما أنزل عليهم وما أنزل على محمد - ﷺ - فأولئك لهم أجر عظيم.\nقال قتادة: (﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية، عوقب القوم بظلم ظلموه وبَغْيٍ بَغَوْه، حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم).\nوعن مجاهد: (﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، قال: أنفسهم وغيرهم عن الحق).\nوقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. يعني: انتشار الربا بينهم وهو محرم يعرفونه.\nوقوله: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾. يعني أخذهم الرُّشا على الحكم، وأخذهم أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم ثم يقولون ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩].\nوفي التنزيل: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢].\nوقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: للكافرين بالله ورسوله محمد - ﷺ - من هؤلاء اليهود، أعد الله لهم عذابًا مؤلمًا موجعًا.\nوقوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.\nقال قتادة: (استثنى الله أُثْبِيَّةً (١) من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم).\n_________\n(١) \"الأثبية\" و\"الثُّبَة\": الجماعة من الناس.","vol":"2","page":368},{"text":"وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾.\nذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾. والراجح أنها ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ وهي كذلك في مصاحف الأئمة، ومصحف أبي بن كعب، والأشهر عند جماهير القراء.\nفيكون التأويل بأحد طريقين:\n١ - وأمدح ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ للصلاة، أو: وأخص ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ الصلاة منهم. فيكون لفظ ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ قد نصب على المدح أو الاختصاص، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. . أي: وأخص الصابرين، أو: وأمدح الصابرين.\n٢ - أن يكون مخفوضًا، أي: في محل جر، والتأويل: (بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة) - أي: بالعطف على ما سبقها، والتقدير: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها ويقرون بكتابتها عليهم.\nوذهب ابن جرير إلى أن المقصود الملائكة، ولا وجه له ولا يدل عليه السياق، بل الأنسب أن يقال: استثنى أهل الرسوخ في العلم من يهود من المؤمنين الذين يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل على محمد - ﷺ - وخاصة الذين يقيمون الصلاة مع المؤمنين ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ - زكاة الأموال، وزكاة النفوس. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: يشهدون لله بالوحدانية ويؤمنون بالبعث بعد الموت والجزاء والحساب.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. أي: الجنة، لقاء هذا التحول في تجديد الإيمان من رسولهم إلى خاتم المرسلين، ﵊، ومتابعتهم له بمنهج الإيمان والعمل الصالح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي بُردة بن أبي موسى عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: [ثلاثة يؤتون أجوهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وأدرك النبي - ﷺ - فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أذّى حق الله ﷿ عليه وحق سَيّده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غِذاءها ثم أدّبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٩٣). وانظر مختصر صحيح مسلم (٢١).","vol":"2","page":369},{"text":"١٦٣ - ١٦٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إنا أرسلنا إليك يا محمد بالنبوة كما أرسلنا إلى نوح وإلى سائر الأنبياء الذين سميتهم من بعده، والذين لم أسمهم لك، واختص الله موسى بالتكليم فكلّمه كما كلّمك يوم المعراج، وأراد الله بإرسال جميع الرسل إقامة الحجة على عباده، لئلا يكون لأحد من خلقه حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا.\nقال الربيع بن خُثَيم: (﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، قال: أوحى إليه كما أوحى إلى جميع النبيين من قبله).\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ - وهو الكتاب المسمى (زبورًا)، .\nوقوله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾. يعني: وأوحينا إلى رسل قد قَصَصْناهُم عليك، ورسل لم نقصصهم عليك.\nوقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. أي: كلامًا مباشرًا دون جبريل ﵇. وهو تشريف لموسى - ﷺ -.\nففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم! قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه وأنزل عليك التوراة، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني؟ فحجّ آدم موسى] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٧٣٨) و(٦٦١٤). وأخرجه مسلم برقم (٢٦٥٢). وأخرجه أبو داود (٧٠١)، وابن ماجة (٨٠)، وأحمد (٢/ ٢٤٨)، وأخرجه ابن حبان (٦١٨٠). وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٨٢).","vol":"2","page":370},{"text":"وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. التقدير: أرسلتهم رسلًا إلى جميع عبادي مبشرين برحمتي وثوابي وجنتي لمن أطاعني، منذرين غضبي وعقابي وناري لمن عصاني، فلا حجة لأحد بعد ذلك.\nوفي الصحيحين والمسند عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا أحد أغْيَرُ من الله، من أجل ذلك حَرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبُّ إليه المدح من الله ﷿، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحبُّ إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين] (١).\nوفي لفظ عند الإمام مسلم: [من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه] (٢).\n١٦٦ - ١٧٠. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾.\nفي هذه الآيات: فإن يكفر هؤلاء -ممن أشرك وكفر من أهل الكتاب وأنكر نبوتك والتنزيل- فالله يشهد بتنزيله إليك بعلم منه بأنك خيرته من خلقه وخليله وصفيّه، وكذلك الملائكة يشهدون بذلك، فلا يحزنك تكذيب من كذب فالله خير الشاهدين. إن جزاء المكذبين بك يا محمد، وبأن الله اصطفاك وأوحى إليك هذا القرآن، هو الحرمان من المغفرة والهداية إلا إلى طريق جهنم، وهو أمر يسير على الله فالخلق خلقه والكل مقهور بإرادته. فأنيبوا أيها الناس إلى ربكم وتابعوا نبيّه وصدقوه خير لكم، فإن أبيتم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٣٤)، (٧٤٠٣)، وأخرجه مسلم (٢٧٦٠)، وأخرجه أحمد (١/ ٣٨١)، (١/ ٤٣٦)، والترمذي (٣٥٣٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٧٣) و(١١١٨٣)، وأخرجه ابن حبان (٢٩٤) من حديث ابن مسعود.\n(٢) رواية صحيحة. رواها مسلم برقم (٢٧٦٠) ح (٣٥)، من حديث عبد الله بن مسعود.","vol":"2","page":371},{"text":"فالله ملك هذا الكون يعلم ما تبيتون وما أنتم صائرون إليه من طاعة أو كفر، وهو الحكيم في إيرادكم المصير الذي ينتظركم، وفي كل أمر قدره وشرعه.\nوعن قتادة: (﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. قال: شهودٌ والله غيرُ مُتَّهمة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. أي: جاروا عن قصد السبيل جورًا أكيدًا شديدًا، حين وضعوا مكرهم أمام تقدم الناس لمتابعة الرسل لإقامة الحق في الأرض وتحكيم شرع الله العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.\nهذه هي الهداية إلى النار يوم القيامة. فمراتب الضلال ثلاثة:\n١ - مرتبة الضياع والانحراف. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨].\n٢ - مرتبة الخذلان والحرمان. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].\n٣ - هداية إلى النار يوم القيامة. قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤].\nوقوله: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (ومن أشبههم من الظلمة). وقال أبو العالية: (الذين ظلموا وأشياعهم).\nوبنحو هذا قوله تعالى في آية النساء السابقة: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ فهي الهداية إلى النار يوم القيامة بعد تجاوز مرحلة الضياع إلى مرحلة الخذلان إلى بئس المصير.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى","vol":"2","page":372},{"text":"بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال] (١)،\nوتفصيل هذا البحث - مراتب الهداية والضلال - في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فَلِلَّه الحمد والمنة وعليه التكلان.\nوقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. قال ابن جرير: (وكان تخليد هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم، على الله يسيرًا، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه، ... لأن الخلق خلقُه، والأمرَ أمرُه).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\nالتأويل -أيها الناس: قد جاءكم محمد - ﷺ - بدين الحق الذي لا يقبل الله سواه، فآمنوا والتمسوا طريق النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تفعلوا فالله غني عنكم وعن إيمانكم ولا يؤثر كفركم على ملكوته، وهو العليم بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الضلال فيضله ويشقيه، وهو الحكيم في أمره ونهيه وقدره وشرعه وفي كل شأنه.\n١٧١. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾.\nفي هذه الآية: نهي الله سبحانه أهل الكتاب عن الغلو والتنطع في الدين، كما أبعدوا الإطراء والوصف في شأن عيسى ﵇، الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ودعوة لهم للإيمان بالله ورسله ونبذ عقيدة التثليث التي خاضوا فيها، فإنما الله إله واحد لا شريك له ولا ولد، له ما في هذا الكون الفسيح، وحسب\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥). ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (٥١١٢)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٨٩٦).","vol":"2","page":373},{"text":"ما في السماوات وما في الأرض بالله قيّمًا ومدبّرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره.\nقال الربيع: (صاروا فريقين: فريق غَلوا في الدين، فكان غلوهم فيه الشك فيه والرغبة عنه، وفريق منهم قصّروا عنه، ففسقوا عن أمر ربهم).\nوأصل الغلو في لغة العرب مجاوزة الحد. وهذا واقع في النصارى إذ تجاوزوا الحد في أمر عيسى فرفعوه من مرتبة النبوة لمرتبة الألوهية، وغلوا في أتباعه فنسبوا العصمة لهم. كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].\nأخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن ابن عباس، عن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم. فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله] (١).\nفحذّر النبي - ﷺ - من سلوك سبيلهم بالغلو في المدح، والمبالغة في الإطراء.\nوأخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أنس بن مالك: [أن رجلًا قال: يا محمد، يا سيدَنا وابن سيِّدنا، وخَيْرَنا وابن خيرنا، فقال رسول الله - ﷺ -: أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينَّكُم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحِبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. أي: لا تتجرؤوا على الله بوصفه بغير صفاته سبحانه، فلا تنسبوا له صاحبة ولا ولدًا ولا غير ذلك مما يسخطه سبحانه، تنزهت أسماؤه وصفاته، وتفرّد با لتعظيم والوحدانية والتقديس والكبرياء.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾.\nقال قتادة: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: هو قوله: \"كن\"، فكان).\nوقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. قال مجاهد: (ورسول منه). وقال غيره: (ومحبة منه).\nوقال غيره: (ورحمة منه).\nوخلاصة المعنى: أي إنَّ عيسى ﵊ مخلوق من روح مخلوقة،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٤٥)، وأحمد (١/ ٢٣، ٢٤)، وأبو يعلى (١٥٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٥٣)، (٣/ ٢٤١)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٠٧٨).","vol":"2","page":374},{"text":"خلقها سبحانه، ثم أرسلها إلى مريم فدخلت بها، فَصَيَّرَها الله تعالى روحَ عيسى ﵇، وقد أضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف.\nأخرج البخاري عن عبادة بن الصامت، عن النبي - ﷺ - قال: [من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل] (١).\nوقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. أي: الزموا منهج الإيمان بالله ورسوله دون تحريف أو تشبيه، فالله واحد أحد، لم يلد ولم يولد، ولم تكن له صاحبة، وعيسى بن مريم عبده ورسوله.\nوقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني: ولا تقولوا: الأرباب ثلاثة. قال: انتهوا أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة، عما تقولون من الزور والشرك بالله، فإن الانتهاء عن ذلك خير لكم من قيله، لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم - على قيلكم ذلك، إن أقمتم عليه).\nوفي التنزيل: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]. وكذلك: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢].\nوقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١].\nأي: تعالى الله وتقدس أن يكون له صاحبة أو ولد، فهو الملك له جميع ما في السماوات والأرض، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. فإن من كان له ولد لا يستحق الإلهية، وكذلك من كان له صاحبة، لا يصح أن يكون إلهًا معبودًا.\nقال تعالى: ﴿وَقَالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَال هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨)، وأحمد (٥/ ٣١٣)، وغيرهم.","vol":"2","page":375},{"text":"وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥].\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وحسب ما في السماوات وما في الأرض بالله قيِّمًا ومدبِّرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره).\n١٧٢ - ١٧٣. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾.\nفي هذه الآيات: لن يأنف المسيح عيسى ﵊ أن يكون عبدًا خاضعًا لله ولن يتكبر عن ذلك، وكذلك الملائكة المقربون، لا يمتنعون من الإقرار لله بالعبادة والتعظيم وحده لا شريك له، فمن يأنف من التذلل لله ويستكبر فالجميع قادمون يوم الحشر لموعده. فيعز المؤمنين الخاضعين ويزيدهم من الثواب ويضاعف لهم أعمالهم الصالحات، ويعذب الذين تكبروا عن عبادته عذابًا مخزيًا لا نصير لهم ولا منقذ ولا سبيل لمنعه عن أنفسهم.\nقال قتادة: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾: لن يحتشم المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة).\nوقوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾. أى: الذين قرّبهم الله ورفع منازلهم واختصهم بمراتب مميزة.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. أي: - كما قال شيخ المفسرين -: (ومن يتعظّم عن عبادة ربه، ويأنف من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك، ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعًا، فيجمعهم لموعده عنده).\nوقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. يعني: يثيبهم على الأعمال الصالحة، ويزيد في بعضها من الثواب ورفع الدرجات مما","vol":"2","page":376},{"text":"لا يعلمه إلا هو سبحانه، فإن الأعمال تتفاوت أحوالها وأوزانها عند الله.\nأخرج الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي ﵊، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لَوَسِعَت، فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١).\nوقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.\nأي: وأما الذين تعظموا عن عبادته سبحانه وإفراده بالإلهية والتعظيم فينتظرهم عذاب موجع لا منقذ منه ولا دافع ولا مانع.\nأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال] (٢).\n١٧٤ - ١٧٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يا أيها الناس من كل الأصناف والملل - التي مضى ذكرها في هذه السورة - قد أتتكم حجة الله عليكم وهي نبوة محمد - ﷺ -، والوحي الذي أنزله الله عليه، فآمنوا بالله واعتصموا بمنهجه وهدي نبيّه، يدخلكم في رحمة منه تنجيكم من عقابه، ويهديكم إلى سبيل النعيم في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).\n(٢) حديث حسن. اْخوجه الترمذي (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥). ورواه أحمد.\nانظر تخريج المشكاة (٥١١٢)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٨٩٦)، وقد مضى.","vol":"2","page":377},{"text":"فعن مجاهد: (﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال: حجة). وقال قتادة: (بينة من ربكم).\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. قال ابن جريج: (القرآن).\nوقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾. قال ابن جريج: (بالقرآن).\nوقوله: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾. قال ابن جرير: (فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحقهم من فضله ما لَحِقَ أهل الإيمان به والتصديق برسله).\nوقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. أي ة في الدنيا والآخرة. أي: طريقًا واضحًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف. قال ابن كثير: (وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات).\n١٧٦. قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾.\nهذه الآية: هي آية الميراث، أو آية الفرائض، وفيها تفصيل لأحكام كثيرة.\nأخرج الإمام مسلم والترمذي وابن ماجة عن محمد بن المنكدر، أنه سمع جابر بن عبد الله قال: [مرضت فأتاني رسول الله - ﷺ - وأبو بكر يعوداني ماشيين فَأُغمي عليَّ، فتوضأ ثم صَبَّ عليَّ من وضوئه فأفقت، قلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئًا حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾] (١).\nوفي لفظ عند الإمام أحمد والبخاري - قال محمد بن المنكدر: سمعت جابر بن عبد الله قال: [دخل علي رسول الله - ﷺ - وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صبَّ عَلَيَّ - أو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٦١٦) ح (٥). وأخرجه الترمذي (٢٠٩٧)، وابن ماجة (٢٧٢٨)، وأحمد (٣/ ٣٠٧)، وأخرجه أبو داود (٢٨٨٦).","vol":"2","page":378},{"text":"قال: صُبّوا عليه - فَعَقَلْتُ فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض] (١).\nقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء قال: [آخر سورة نزلت: \"براءة\"، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾ فيه محذوف، والتقدير: يستفتونك عن الكلالة! ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾. والكلالة مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه. قال ابن كثير: (ولهذا فسَّرَها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا والد. ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾).\nقلت: ولا شك أن فهم الكلالة وأحكامها يحتاج إلى رسوخ في العلم، وصبر في متابعة علم الفرائض وأحكام المواريث، وحسن فقه واستنباط.\nففي الصحيحين عن عمر أنه قال: [ثلاث وَدِدْتُ أن رسول الله - ﷺ -، كان عَهِدَ إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجَدُّ، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا] (٣).\nوفي صحيح مسلم عن مَعْدان بن أبي طلحة قال: قال عمر بن الخطاب: [ما سألت رسول الله - ﷺ - عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طَعَنَ بإصبعه في صَدْري وقال تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء] (٤).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن البراء قال: [آخر آية أنزلت، أو آخر شيء أنزل ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٩)، (٥٦٧٦)، ومسلم (١٦١٦) ح (٨)، وأحمد (٣/ ٢٩٨). من حديث جابر بن عبد الله ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦٠٥)، و(٤٦٥٤)، ومسلم (١٦١٨)، وأخرجه أبو داود (٢٨٨٨)، والترمذي (٣٠٤٤)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٨٨) و(٧٣٣٧)، ومسلم (٣٠٣٢)، وابن حبان (٥٣٥٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٦٧) و(١٦١٧)، وأخرجه أحمد (١/ ١٥)، والنسائي، وغيرهم.\nوقال بعض أهل العلم: سميت هذه الآية بذلك لأن نزولها كان في الصيف.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود والترمذي. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٣٥) - كتاب التفسير، - سورة النساء، آية (١٧٦). وأصله في الصحيحين.","vol":"2","page":379},{"text":"وفيه عن البراء قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾ فقال له النبي - ﷺ -: \"تجزئك آيةُ الصيف\"] (١).\nوذكر ابن جرير بسنده عن قتادة قال: (وذُكِرَ لنا أنّ أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أُولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، مما جَرَّت الرحم من العَصَبَة).\nوقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. أي: مات. قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.\nوقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (تمسَّكَ به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الولد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الوالد. وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه. ولكن الذي يُرْجَعُ إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق أنه الذي لا ولد له ولا والد، ويدلّ على ذلك قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ولو كان معها أب لم ترث شيئًا، لأنه يحجبها بالإجماع، فدلَّ على أنه من لا ولد له بنصِّ القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل أيضًا، لأن الأُخت لا يُفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية).\nوقوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾.\nأخرج البخاري عن هُزيل بن شُرَحبيل قال: [سئل أبو موسى الأشعري عن ابنةٍ، وابنة ابن، وأخحط. فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائْتِ ابن مسعود فَسَيُتابِعُني. فَسُئِل ابن مسعود - وأُخْبِرَ بقول أبي موسى - فقال: لقد ضَلَلْتُ إذن وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي - ﷺ -: للابنة النصف، ولابنة الابن السُّدُسُ تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبْرْ فيكم] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي وأبو داود. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٣٦) -كتاب التفسير- سورة النساء، آية (٧٦)، وأصله في صحيح مسلم من حديث عمر كما تقدم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧٣٦)، (٦٧٤٢)، وأبو داود (٢٨٩٠)، وأحمد (١/ ٤٤٠).","vol":"2","page":380},{"text":"وقد ثقل ابن جرير عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت ترك بنتًا وأختًا: إنه لا شيء للأخت، لقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ قال: (فإذا ترك بنتًا فقد ترك ولدًا فلا شيء للأخت). قال ابن كثير: (وخالفهما الجمهور فقالوا في هذه المسألة: للبنت النصف بالفَرْض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل غير هذه الآية، وهذه الآية نَصَّت أن يُفْرْض لها في هذه الصورة. وأما وراثَتُها بالتعصيب فلما رواه البخاري من طريق سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود قال: [قضَى فينا مُعاذ بن جَبَل على عهد رسول الله - ﷺ -: النصف للبنت، والنصف للأخت] (١».\nوقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾.\nالمعنى: إذا ماتت كلالة فإن الأخ يرث كل مالها، وذلك حالة ليس لها ولد، أي: ولا والد. فإذ الأخ لا يرث مع وجود الوالد.\nقال ابن كثير: (فإن فرض أن معه من له فَرْضٌ صُرِفَ إليه فرضُه، كزوج أو أخ من أم، وصُرِف الباقي إلى الأخ. لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: [أَلحِقُوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأَوْلى رجل ذكر] (٢».\nوقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾.\nأي: إن ترك الميت كلالة أختين فلهما الثلثان، وما زاد على الأختين فهو في حكمهما. ويشبه ذلك حكم البنتين فأكثر، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.\nأي: إن كان المتروكون من إخوته رجالًا ونساءً فيخصص للذكر منهم مثل نصيب اثنتين من أخواته. قال ابن جرير: (وذلك إذا ورث كلالةً، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه، أو: لأبيه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧٤١)، وانظر تفسير ابن كثير، سورة النساء، آية (١٧٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥)، وأحمد (١/ ٢٩٢)، وغيرهم.","vol":"2","page":381},{"text":"وقال ابن كثير: (هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين ومن الإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أُعطي الذكر منهم مثل حظ الأنثيين).\nوقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nأي: يبين الله لكم القسمة الشرعية للمواريث، وحكم الكلالة، وكل ما تحتاجونه من الحق لئلا تقعوا في الجور أو الإثم. قال ابن جريج: (﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، قال: في شأن المواريث). والله عليم بمصالح عباده، وأفضل القسمة لمواريثهم، وبعواقب الأمور في الدنيا والآخرة.\nتم تفسير سورة النساء بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه","vol":"2","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - ربط الله تعالى التقوى بصلة الرحم، فإن الرحم معلقة بالعرش، وهي شجنة من الرحمان، من يصلها يصله، ومن يقطعها يقطعه.\n٢ - تحريم أكل المهور، وخير النكاح أيسره، ولليتيمة مهر مثلها. ولا زواج فوق أربع، ويجب العدل في المبيت والنفقة.\n٣ - تعليق إجابة دعوة واضع ماله بيد السفهاء. والسفهاء هم: الصغار، المجانين، قليل الدين، المفلس.\n٤ - ولي اليتيم الغني يستفف، والفقير يأكل بالمعروف، وآكل مال اليتيم ظلمًا إنما يأكل في بطنه نارًا.\n٥ - ترك توريث النساء والأطفال من عادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام. فللذكر مثل حظ الأنثيين، وللنساء فوق اثنتين الثلثان، فإن كانت واحدة فلها النصف.\n٦ - الدَّين مقدّم على الوصية، وأقصى الوصية الثلث.\n٧ - الكلالة: من لا ولد له ولا والد، ولا وصية لوارث.\n٨ - حدّ الزنا: الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن. وحدّ عَمل قوم لوط: قتل الفاعل والمفعول به.\n٩ - تحريم الجمع بين الأختين، وتحريم نكاح ما نكح الآباء، فذلك من أمور الجاهلية.\n١٠ - العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات.\n١١ - الرضاعة تحرّم ما يحرّم النسب والولادة، ولا تحرّم إلا خمسُ رضعات.","vol":"2","page":383},{"text":"١٢ - الربيبة حرام، سواء كانت في حجر الرجل أم لم تكن.\n١٣ - تحرم زوجات الأبناء من الأصلاب، والجمع بين الأختين حرائر أو إماء.\n١٤ - نكاح الأمة بإذن سيدها، أو بإذن وليِّ سيدتها.\n١٥ - حدّ المملوك نصف حدّ الحر، ولا رجم عليه.\n١٦ - قتل النفس بحديدة أو بِسُمّ مصير صاحبه إلى النار.\n١٧ - نشوز الزوجهّ يُعالج بالوَعظ والهجر والضرب غير المبرّح.\n١٨ - النهي عن اقتراب السكران الصلاة، وكل مسكر حرام.\n١٩ - جواز مرور الجنب والحائض في المسجد، وإباحة التيمم لفقدان الماء، والتيمم ضربة للوجه والكفين، فإن وجد الماء بعد ذلك لزمه أن يمسه بشرته.\n٢٠ - لمس المرأة لا ينقض الوضوء، والمقصود بـ ﴿لَامَسْتُمُ﴾ الجماع.\n٢١ - الطاغوت كل ما عُبد من دون الله، كالأصنام والشيطان والطغاة.\n٢٢ - أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل هو جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة.\n٢٣ - وجوب تولية ولي الأمر على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده.\n٢٤ - إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ﷿.\n٢٥ - التحاكم للكتاب والسنة دليل الإيمان، وإلى سواهما دليل الكفر.\n٢٦ - جواز التوسل بالرسول - ﷺ - أي بدعائه - في حياته، وامتناع ذلك بعد وفاته.\n٢٧ - الجنة وعد الله المجاهد إن قتل، وإن عاد فبالأجر والغنيمة.\n٢٨ - الجهاد لم يشرع بمكة، لقلة عدد المؤمنين وعدم اكتمال بناء الجماعة، فلما اكتمل البناء في المدينة شرع الله الجهاد وأذن بقتال الأعداء.\n٢٩ - الأصل طاعة الله وطاعة رسوله، والتماري بين المؤمنين شر، والجهل بالقرآن يعالج بالرد إلى عالمه.\n٣٠ - إفشاء السلام بين المؤمنين سبيل عظيم إلى تحابب قلوبهم، ورد السلام واجب من الواجبات، وحق من حقوق المسلم على أخيه.","vol":"2","page":384},{"text":"٣١ - الولاء للمؤمنين، والبراء من الكفار والمنافقين: من اتخاذهم أولياء، أو الاستنصار بهم على الأعداء.\n٣٢ - دية قتل الخطأ على العاقلة، وخطأ الإمام أو نائبه يضمنه بيت المال.\n٣٣ - الدية مخففة ومغلظة، فالمخففة تجب في قتل الخطأ، والمغلظه تجب في شبه العمد. وأما دية قتل إلعمد إذا عفا وليّ الدم فهي ما اصطلحوا عليه.\n٣٤ - الدية المغلظة: مئة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها.\n٣٥ - ديةُ المعاهدِ نصفُ ديةِ الحُرَّ المسلم، ودية عَقْل الكافر نِصْفُ عَقْلِ المؤمن.\n٣٦ - النطق بـ \"لا إله إلا الله\" يعصم المال والنفس، وحساب صاحبه على الله.\n٣٧ - المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما، والهجرة واجبة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام.\n٣٨ - المسافر يقصر الصلاة ما دام لم ينو الإقامة ببلد السفر.\n٣٩ - صلاة الخوف تجزئ ركعة واحدة عند المسايفة إيماء.\n٤٠ - إن للصلاة وقتًا كوقت الحج، لا تجوز بعد فواته، فويل لمؤخريها.\n٤١ - سنة الرسول - ﷺ - هي المنهاج، وسبيل المؤمنين هو التفسير والبيان.\n٤٢ - عضل اليتامى اللاتي في حجور المسلمين ظلم، فإما الزواج بهن أو تزويجهن، والمرأة إذا خافت نشوز بعلها فلها أن تسقط عن حقها.\n٤٣ - وجوب العدل بين الزوجات في المبيت والنفقة، وأما ميل القلب فلا ملك للرجل فيه.\n٤٤ - النهي عن الجلوس في مجلس ينتقص فيه من دين الله، ومن فعل ذلك فإنه مثلهم، وكلمة \"مصلحة الدعوة\" قد تكون مزلة من الشيطان، غفل عن ذلك كثير من المسلمين.\n٤٥ - صلاة الجماعة واجبة في المسجد لمن سمع النداء، والمتخلفون عن صلاة الجماعة في المساجد همّ الرسول بتحريق بيوتهم عليهم.\n٤٦ - اليهود أمكر خلق الله، قتلوا الأنبياء، وهموا بقتل عيسى ﵇، فرفعه الله خزيًا لهم.","vol":"2","page":385},{"text":"٤٧ - نزول عيسى بن مريم ﵇ آخر الزمان في مدينة دمشق، وحكمه في المؤمنين بالإسلام، وبيده يكون قتل المسيح الدجال.\n٤٨ - المسيح ﵇ سيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.\n٤٩ - ما من نبي إلا حذر أمته الأعور الكذاب، إنه أعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب.\n٥٠ - المسيح عيسى ﵇ لا يستنكف أن يكون عبدًا لله فما بال هؤلاء القوم يؤلهونه! ! وإنما الحجة الخالدة في البيان القرآن والسنة المطهرة.\n٥١ - الكلالة: من ليس له ولد ولا والد.\n٥٢ - رجوع عمر بن الخطاب إلى قول أبي بكر في تعريف الكلالة.\n* * *","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>٥ - سورة المائدة</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٢٠).\nأخرج الحاكم بسند جيد عن جُبير بن نُفَير قال: [حَجَجْتُ فدخلتُ على عائشة، فقالت لي: يا جُبير! تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرِّموه] (١).\nورواه أحمد عن عبد الرحمن بن مَهْدي، عن معاويةَ بن صالحٍ، وزاد: [وسألتها عن خُلق رسول الله - ﷺ - فقالت: القرآن].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>موضوع السورة</span>\nالعقود والصيد وقصة المائدة والتنطع في الدين، وذم أهل الكتابين في تحريفهم وتركهم العمل بالوحي المبين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-89> منهاج السورة </span>-\n١ - أمْرُ الله تعالى عبادهُ المؤمنين الوفاء بالعقود والعهود والمواثيق.\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١١١٣٨)، والحاكم (٢/ ٣١١) وصححه ووافقه الذهبي، وهو على شرط مسلم، والرواية بعده لأحمد (٦/ ١٨٨).","vol":"2","page":387},{"text":"٢ - إعلام الله تعالى عباده بكون بهيمة الأنعام حلالًا إلا ما استثني بنص تحريم الميتة والدم وما أهل لغير الله وما شابهها.\n٣ - الصيد محرم حالة الإحرام.\n٤ - ما ذبح لغير الله نجس وأكله حرام.\n٥ - يعفى أكل جوارح السباع المعلمة.\n٦ - إكمال الله تعالى هذا الدين، وكل بدعة ضلالة ولو سموها حسنة.\n٧ - إباحة كل المحرمات للمضطر، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه.\n٨ - الصبد بالجوارح المعلمة مع التسمية عند الانطلاق حلال أكله.\n٩ - طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم حلال لنا.\n١٠ - لا يقبل الله صلاة بغير طَهُور، وأركان الوصوء: غسل اليدين إلى المرافق وغسل الوجه ومسح جميع الرأس وغسل القدمين، مع النية والتتابع.\n١١ - العدل واجب حتى على الأعداء والخصوم، فلا يجوز جعل البغض مانعًا من العدل.\n١٢ - تذكير الله المؤمنين بنعمهِ عليهم بأن أنجاهم من غدر اليهود.\n١٣ - أَخْذُ الله الميثاق على بني إسرائيل، وحلول لعنة الله بهم بنقضهم العهد.\n١٤ - أَخْذُ الله الميثاق على النصارى، وحلول العداوة والبغضاء فيهم بإخلافهم.\n١٥ - تِبيانُ الرسول - ﷺ - ما أخفى أهل الكتاب وما بدلوا وما حرّفوا.\n١٦ - إثبات كفر من قال إن الله هو المسيح، وتكذيب اليهود والنصارى في زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه،\n١٧ - قطْعُ الله ببعث محمد - ﷺ - حجة من سيقول: ما جاءنا من نذير. ومحمد - ﷺ - هدى الخلائق وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء.\n١٨ - أَمْرُ الله بني إسرائيل استرداد بيت المقدس من العمالقة، وتحريم الله على اليهود دخول بيت المقدس أربعين سنة لعصيانهم.\n١٩ - اليهود هم المغضوب عليهم من الله، ويزعمون أنهم أحباؤه.\n٢٠ - هابيل أول مقتول، وقابيل أول قاتل، وتَقَبُّل الله قربان هابيل، وسخَطُه على قابيل الذي قتل أخاه حسدًا.","vol":"2","page":388},{"text":"٢١ - قاتِلُ النفس ظلمًا كأنما قتل الناس جميعًا، والحاكم مُحَيَّرٌ في قطاع الطريق بين القتل والقطع والنفي.\n٢٢ - مفهوم التوسل، وإثبات الخلود في النار للكافرين، وعدم الخلود لعصاة الموحدين.\n٢٣ - تشريع قطع اليد في السرقة.\n٢٤ - تحاكم اليهود إلى محمد - ﷺ - بشرط موافقة أهوائهم، والرسول يحكم في زناة يهود بالرجم الذي حرفوه وأخفوه في توراتهم.\n٢٥ - من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.\n٢٦ - تشريع القصاص في الجراح، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.\n٢٧ - الإنجيل تصديق للتوراة، وأهل الإنجيل مأمورون بالتحاكم لما أنزل الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون.\n٢٨ - الأمر بالتحاكم إلى القرآن، فهو أمين وشاهد وحاكم على الكتب قبله، وأحكامه هي النافذة، ولا أحسن من الله حكمًا للمؤمنين الموقنين.\n٢٩ - النهي عن اتخاذ المؤمنين أولياء من غيرهم، ومن يفعل ذلكَ فإنه منهم، ورسول الله والمؤمنون هم حزب الله، وإنهم هم الغالبون.\n٣٠ - غضب الله على بعض اليهود فمسخهم قردة وخنازير.\n٣١ - علماء اليهود ورؤساؤهم لم ينهوهم عن قول الإثم وأكل السحت.\n٣٢ - قول اليهود: يد الله مغلولة -غلت أيديهم- بل يداه مبسوطتان.\n٣٣ - لو اتبع أهل الكتابين كتابيهما لقادهم ذلكَ إلى الحق.\n٣٤ - بلاع الرسول الحق جعله الله له حصانة فاستغنى عن الحراسة.\n٣٥ - إخبار أهل الكتاب أنهم ليسوا على شيء من الدين حتى يتبعوا محمدًا - ﷺ -.\n٣٦ - اليهود حكموا بأهوائهم وشهواتهم وقدموها على ما جاءت به الشرائع.\n٣٧ - إثبات كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم أو إن الله ثالث ثلاثة، وتبرئة عيسى ﵊ من هذا الزيغ والضلال.\n٣٨ - لَعْنُ الكافرين من بني إسرائيل لتآمرهم على فشو المنكر وعدم التناهي عن فعله.\n٣٩ - اليهود والمشركون أشد الناس عداوة للمؤمنين، والنصارى أقربهم مودة لهم.","vol":"2","page":389},{"text":"٤٠ - نهي الله المؤمنين عن تحريم طيبات أحلت لهم، فالحرام ما حرّم الله ورسوله.\n٤١ - لا عبرة للغو اليمين، وإنما العبرةُ باليمين المنعقدة، والكفارة إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.\n٤٢ - آية تحريم الخمر، والخمر ما خامر العقل، وكل مسكر خمر، وكل خمر حرام.\n٤٣ - ما يقتل من الحيوانات المضرة في الحل والحرم.؟\n٤٤ - الحكم بذبح مثل ما قتل يجب أن يصدر عن عدلين مسلمين، فإن لم يجد مثل ما قتل فإطعام أو صيام بحسب نوع الصيد.\n٤٥ - صيد البحر حلال، وصيد البر محرم حالة الإحرام.\n٤٦ - النهي عن السؤال عن أشياء إذا علمت ساءت سائلها.\n٤٧ - الإنكار على أهل الجاهلية أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وتشريع ما لم يأذن به الله استجابة لضلالهم وضلال آبائهم.\n٤٨ - المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم لا يضرهم من ضل إذا اهتدوا.\n٤٩ - جواز استشهاد الذميين في الوصية عند فقدان المسلمين في السفر، وأولياء الميت يحلفون الشاهدين الذميين بعد الصلاة إذا ارتابوا منهما، فإن تبين خيانتهما حلف شاهدان من أولياء الميت ببطلان شهادة الذميين، وعند ذلك يستحقون ما يدعون عليهما.\n٥٠ - الغيب لا يعلمه إلا الله، وعلم المرسلين بالنسبة لِعِلْمِ الرَّبِ كَلا علم.\n٥١ - امتنان الله تعالى على المسيح ابن مريم وعلى والدته.\n٥٢ - طَلَبُ أصحاب عيسى - ﷺ - أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء، ونزول المائدة فعلًا، امتحانًا لهم.\n٥٣ - سؤال الله تعالى عيسى - ﷺ - غدًا: أَأَنْتَ قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، وبراءة عيسى من ذلك.\n٥٤ - شفاعة رسول الله - ﷺ - لا تنال المشركين، بل هي للمؤمنين الموحِّدين.\n٥٥ - الله تعالى جَلَّ عن النظير والعديل والصاحبة والوالدة والولد.\n* * *","vol":"2","page":390},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرٌ من الله لعباده المؤمنين بالوفاء بالعهود والمواثيق. وإعْلامٌ بكون بهيمة الأنعام حلالًا إلا ما استثني بنص تحريم الميتة والدم وما أهل لغير الله وما شابهه، وكذلك حالة الإحرام حرم عليكم الصيد، والله سبحانه له الحكم يحكم ما يشاء. ثم فيها نهي عن تعدي حرمات الله وحدوده، والقتال في الشهر الحرام - إلا حالة الاعتداء - ولا تتركوا الإهداء إلى البيت، ففيه تعظيم لشعائر الله، وكذلك لا تتركوا تقليدها في أعناقها، لِيُعْلَمَ أنها هَدْيٌ إلى الكعبة، ولا تستحلوا قتال القاصدين بيت الله الحرام فمن دخله كان آمنًا، فإذا فرغتم من إحرامكم وحَلَلْتُم حَلَّ لكم الصيد، ولا يَحْمِلَنَّكُم بغض قوم كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام - عام الحديبية - أن تقتصوا منهم ظلمًا، بل أقيموا العدل في كل أحد، وتعاونوا على فعل الخيرات، ولا تعاونوا على فعل الآثام والمنكرات، واتقوا الله واحذروا أن تنزل بكم العقوبات.","vol":"2","page":391},{"text":"وتفصيل ذلك:\nقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.\nقال ابن عباس: (العهود). وقال مجاهد: (ما عقد الله على العباد مما أحل لهم وحرّم عليهم). وقال عبد الله بن عبيدة: (العقود خمس: عُقدة الأَيمان، وعُقدة النكاح، وعقدة العَهد، وعقدة البيع، وعقدة الحِلف).\nوقال ابن زيد: (العقود خمس: عقدة النكاح، وعقدة الشركة، وعقد اليمين، وعقدة العهد، وعقدة الحلف).\nوالعقود: جمع عَقْد. وعقد الشي بغيره هو وصله به. ومنه قولهم: يعقد الحبل بالحبل. وعقد فلان مع فلان عقدًا: إذا واثقه وعاهده على الوفاء بما في العقد.\nقلت: ولا شك أن الآية عامة في الوفاء بجميع العهود والمواثيق ووجوب القيام بمقتضاها.\nوقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.\nقال الحسن: (بهيمة الأنعام، هي الإبل والبقر والغنم)، وهو قول قتادة والربيع. أتي يشمل الأنعام كلها.\nوالجنين يباح أكله إذا وجد في بطن البقرة أو الشاة المذبوحة ولو كان ميتًا.\nوفي ذلك حديثان:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد بسند حسن لغيره عن أبي سعيد قال: [قلنا: يا رسول الله! ! ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه] (١).\nوهو قول ابن عمر، وابن عباس، والشافعي وأحمد.\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم وابن حبان بسند صحيح عن أبي سعيد،\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه أبو داود (٢٨٢٧)، والترمذي (١٤٧٦)، وابن ماجة (٣١٩٩)، وأخرجه أحمد (٣/ ٧١)، (٣/ ٥٣)، والبيهقي (٩/ ٣٣٥)، وغيرهم.","vol":"2","page":392},{"text":"وكذلك أبو داود والحاكم عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: [ذكاة الجنين ذكاةُ أمه] (١).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني بذلك: الميتةَ، والدمَ، ولحمَ الخنزير).\nوقال قتادة: (يعني بذلك: الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه).\nقال ابن كثير: (والظاهر -والله أعلم- أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: منها، فإنه حرام لا يمكن استدراكه، وتلاحقُه. ولهذا قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، أي: إلا ما سَيُتْلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال).\nوقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.\nقال القرطبي: (أي ما كان صيدًا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام، وما لم يكن صيدًا فهو حلال في الحالين). والإحرام يشمل الحج والعمرة.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.\nأي له الحكم يشرع لعباده ما يشاء، كما يشاء. وهذا كقوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾.\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.\nأي لا تتعدوا حدود الله - والخطاب للمؤمنين - والشعائر جمع شعيرة. قال ابن عباس: (يعني بذلك: مناسك الحج). وقال مجاهد: (الصفا، والمروة، والهدي، والبدنُ من شعائر الله).\nقلت: ويبدو أن الآية تعم أكثر من ذلك. كما قال عطاء: (شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه). وقال الحسن: (دين الله كله). فالمراد تعظيم حرمات الله والتحذير من انتهاكها، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٨٢٨)، وأحمد. انظر صحيح أبي داود (٢٤٥٢). ورواه الحاكم عن أبي أيوب وعن أبي هريرة. انظر صحيح الجامع (٣٤٢٥)، والحديث السابق.","vol":"2","page":393},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾.\nالمقصود النهي عن استحلال القتال فيه، إلا إن اعتدى العدو وبادر إلى انتهاك هذه الحرمات. كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.\nقال ابن القيم: (والمقصود: أن الله سبحانه قد حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبْرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:\nوإذا الحبيبُ أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع\nفكيف يُقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح، ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن) (١).\nوقوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.\nنَهْيٌ عن استحلال الهَدْي جملة، ثم خصّ ذوات القلائد تأكيدًا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد. والهديُ ما أُهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة. والقلائد كل ما عُلّق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة أنه لله سبحانه.\nقال ابن كثير: (﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت، فإن فيه تعظيمًا لشعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هَدْي إلى الكعبة، فيجتنبها من يريدُها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثلُ أجور من اتبعه، ومن غير أن ينقص من أجورهم شيئًا).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ١٧٠ - ١٧١)، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٥٢٧).","vol":"2","page":394},{"text":"أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: [أهدى رسول الله - ﷺ - مرّة إلى البيت غَنَمًا فقلّدها] (١).\nوهو قول الشافعي وأحمد، وأنكر ذلك مالك وأصحاب الرأي، وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم. والصواب أن التقليد سنة بالغنم والبقر. وأما البقر إن كان لها أسنمة أُشعرت كالبُدن، وهو قول ابن عمر، وبه قال مالك.\nوقوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾.\nالمعنى: نَهْيٌ عن قتال من قصد البيت الحرام طالبًا فضل الله ورضوانه أو التجارة.\nقال ابن عباس: (﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: يعني من توجه قبل البيت الحرام).\nوقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال مطرف بن الشِّخِّير: (التجارة في الحج، والرضوان في الحج). وقال ابن عباس: (يعني: أنهم يترضّون الله بحجهم).\nوقال مجاهد: (يبتغون الأجر والتجارة).\nوذكر ابن جرير الإجماع أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان، وإن أمّ البيت الحرام أو بيت المقدس، وروى عن قتادة قال: (نسخ من \"المائدة\": ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، نسختها \"براءة\" قال الله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .. (٥)﴾. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ .. (١٧)﴾. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا .. (٢٨)﴾.\nوهو العام الذي حج فيه أبو بكر، فنادى فيه بالأذان).\nولا شك أن من قَصَد البيت بالإلحاد فيه، والشرك عنده، والكفر به، يمنع للآية السابقة.\nوقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.\nفيه إباحة الصيد عند الفراغ من الإحرام والتحلل. قال مجاهد: (هي رخصة). وقال: (إذا حلّ، فإن شاء صاد، وإن شاء لم يصطد). وكان مجاهد لا يرى الأكل من هدي المتعة واجبًا ويتأول الآية السابقة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٧٠١)، (١٧٠٢)، (١٧٠٣)، وأخرجه مسلم (١٣٢١) ح (٣٦٥). من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂.","vol":"2","page":395},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾.\nالشنآن: البُغْض. قال ابن عباس: (لا يحملنكم شنآن قوم) - أي على العدوان.\nوالمقصود: الحكم بالعدل وترك الاقتصاص ممن منع المسلمين يوم الحديبية من الوصول إلى المسجد الحرام. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (٨)﴾. وهو أمر بالعدل في جميع الأحوال.\nأخرج البزار والطبراني بسند حسن عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثٌ مهلكات، وثلاثٌ منجياتٌ، فقال: ثلاث مهلكات: شُحٌّ مطاع، وهوىً مُتَّبَعٌ، وإعجاب المرءِ بنفسه. وثلاث مُنْجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا] (١).\nقال بعض السلف: (ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعَدْلُ به قامت السماوات والأرض).\nوقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.\nأَمْرٌ من الله عباده بالتعاون في فعل الخيرات وأعمال البر والتقوى، وترك المنكرات والمآثم وعدم المعاونة عليها. وفي السنة الصحيحة كنوز كثيرة في هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قيل: يا رسول الله! هذا نصرتُه مظلومًا، فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: تحجُزُه وتمنعه، فإن ذلك نصره] (٢).\nوفي رواية: [تمنعه من الظلم فذاك نصْرك إياه].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن يحيى بن وثّاب، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: أظنه ابن عمر -عن النبي - ﷺ - قال: [المؤمن الذي يُخالط\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البزار (رقم - ٨٠)، وبنحوه الطبراني في \"الأوسط\" (٥٥٨٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٣٢)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٠٤١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤٣)، (٦٩٥٢)، أخرجه أحمد (٣/ ٩٩).","vol":"2","page":396},{"text":"الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم] (١).\nوفي رواية: (خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم وأبو داود من حديث أبي مسعود البدري الأنصاري قال: [جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني أُبْدِعَ بي (٢) فاحملني. فقال: ما عندي. فقال رجل: يا رسول الله! أنا أَدُلُّه على من يَحْمِلُهُ، فقال رسول الله - ﷺ -: من دَلَّ على خير فله مِثْلُ أجرِ فاعِله] (٣).\nوله شاهد عند البزار من حديث ابن مسعود بلفظ: [الدال على الخير كفاعله].\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [من جَهَّزَ غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا] (٤).\nوله شاهد عند ابن خزيمة والنسائي عنه بلفظ: [من جهز غازيًا، أو جهز حاجًّا، أو خلفه في أهله، أو فطّر صائمًا، كان له مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء].\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nأَمْرٌ بالتقوى، وتحذير من عقوبة المتجرئ بالمعصية.\n٣. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٥)، ورجاله رجال البخاري ومسلم، وجهالة الصحابي لا تضر. وانظر للرواية الأخرى المسند (٢/ ٤٣)، وابن ماجة (٤٠٣٢)، وغيرهم.\n(٢) أي هلكت دابتي وهي مركوبي.\n(٣) حديث صحيح. أخرج مسلم (١٨٩٣)، كتاب الإمارة. وأخرجه أبو داود (٥١٢٩)، وغيرهما. وانظر للشاهد مسند البزار (١٥٤)، وصحيح الجامع الصغير- حديث رقم (٣٣٩٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٨٩٥)، كتاب الإمارة. من حديث زيد بن خالد الجهني. وانظر للشاهد بعده صحيح الترغيب (١/ ١٠٧٢).","vol":"2","page":397},{"text":"النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾.\nفي هذه الآية: إخبار من الله عن بعض المحرمات: كالميتة - وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه -، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذبح فذكر عليه اسم غير الله، وما مات خنقًا، أو بالضرب، أو بالتردي من شاهق، أو بسبب نطح غيرها، أو بسبب اعتداء السبع عليها، إلا ما أمكن تداركه من هذه الأنواع بالذبح الشرعي، وكذلك حرّم من الحيوان ما ذبح عند الأصنام أو الآلهة المزيفة ولو ذكر اسم الله عليها، كما يحرم الاستقسام بالأزلام، فإن تعاطيه فسق وغي وضلال وشرك، فاليوم يئس الكفار أن تراجعوا دينهم فأفردوا الله بالخشية، فقد أتم لكم دينكم في هذا اليوم وأكمل بيان تشريعه لكم، فمن وقع في العنت وألجأته الضرورة لأكل بعض ما سبق من المحرمات فبالحد الأدنى ويستغفر الله الغفور الرحيم.\nوتفصيل ذلك:\nقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.\nأي ما مات حَتْف أنفه دون صيد أو ذكاة شرعية، والتحريم خير، لما تتضمن الميتة عادة من المضرّة كالدم المحتقن الفاسد، وإمكانية تجمع الجراثيم وتشكل الأوبئة والأمراض.\nويستثنى من الميتة السمك والجراد. وفي ذلك حديثان:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والبيهقي بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر. ونحمل معنا القليل من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٩٦/ ٢٥٥/ ١)، والبيهقي (١/ ٢٥٤)، وانظر صحيح الجامع (٢٠٨).","vol":"2","page":398},{"text":"الماء. فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هو الطَّهُور ماؤه، الحِلُّ ميتَتُه] (١).\nوقوله: ﴿وَالدَّمُ﴾. يعني به: الدم المسفوح. ويؤيده قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾.\nقلت: والنهي عن أكل الدم لا يعني نجاسة الدم، فنجاسته في الأكل مثل نجاسة الخمر -أي نجاسة معنوية. وإلا فدم مأكول اللحم طاهر غير نجس، وكذلك دم الإنسان طاهر- إلا دم الحيض والنفاس فهو نجس.\nأخرج البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت: [جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع؟ فقال: تحتّه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه، ثم تصلي فيه] (٢).\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁: [أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه؟ قال: فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه. قالت يا رسول الله: إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره] (٣).\nوقوله: ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾.\nيعني: حُرِّم عليكم لحم الخنزير -أهْلِيُّه وبَرِّيُهُ، إِنْسِيُّه وَوَحْشِيُّه. واللحم يعمّ جميع أجزائه حتى الشحم.\nأخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄: [أنه سمع رسولَ الله - ﷺ - يقول وهو بمكةَ عام الفتح: إن الله ورسولَه حَرَّم بَيْعَ الخمرِ والمَيْتَةِ والخِنْزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحومَ المَيْتَةِ فإنَّها يُطْلى بها السُّفُن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مالك (١/ ٤٤ - ٤٥) ومن طريقه أخرجه أصحاب السنن. انظر صحيح أبي داود (٧٦)، وكذلك صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٩)، والسلسلة الصحيحة (٤٨٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٩١/ ٢٤٠/ ١) واللفظ له، وأخرجه البخاري (٣٠٧/ ٤١٠/ ١). والقرص: هو الأخذ بأطراف الأصابع، والحديث أورده الفقهاء في بحث النجاسات - دم الحيض. والنفاس له حكم الحيض.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٦١/ ٢٦/ ٢). انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣٥١)، ورواه البيهقي (٢/ ٤٠٨).","vol":"2","page":399},{"text":"ويُدْهَنُ بها الجلود، ويَسْتَصْبِحُ بها الناس، فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لمّا حرّم شحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكلوه ثمنَه] (١).\nوفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمِيّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من لعبَ بالنَّرْدَشِير (٢) فكأنما صبغَ يده في لحم الخنزير ودمه] (٣). وفي لفظ أحمد: (فكأنما غمس يده في لحم الخِنزير ودمِه).\nقال ابن كثير -في التفسير-: (فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به. وفيه دلالة على شُمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره).\nوقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.\nهو كل ما ذُبح فذكر عليه اسم غير الله، من صنم أو وثن أو طاغوت أو أي مخلوق، فهو حرام لاقترانه بالشرك.\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].\nوفي صحيح مسلم عن علي ﵁ قال: [حدثني رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى مُحْدِثًا، لعن الله من غيَّر منار الأرض] (٤).\nقال شيخ الإسلام: (﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا) (٥).\nوقال الزمخشري: (كانوا إذا اشتروا دارًا أو بنوها أو استخرجوا عينًا ذبحوا ذبيحة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، كتاب البيوع. ومسلم (١٥٨١)، وأحمد (٣/ ٣٢٤).\n(٢) النرد: معرَّب، لعبة معروفة اخترعها أردشير بن بابك، ولهذا يقال النردشير.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٦٠)، وأبو داود (٤٩٣٩)، وأحمد (٥/ ٣٥٢)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - رقم (١٩٧٨) (٤٣)، كتاب الأضاحي.\n(٥) انظر لهذا الأثر وما بعده كتابي: أصل الدين والإيمان - (١/ ٤٥٧). وفتح المجيد (١٥٧).","vol":"2","page":400},{"text":"خوفًا أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك).\nوذكر إبراهيم المروزي: (أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه، لأنه مما أهل لغير الله).\nوفي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [نهى رسول الله - ﷺ -، عن مُعَاقَرَةِ الأعراب] (١).\nقال الخطابي في معالم السنن (٢٧٠٢): (والمعاقرة: هو أن يتبارى الرجلان كل واحد يجادل صاحبه فيعقر هذا عددًا من إبله، ويعقر صاحبه فأيهما كان أكثر عقرًا غلب صاحبه. وكره أكل لحومها لئلا يكون مما أهل لغير الله به).\nأي: كان يتبارى الرجلان في الجود والسخاء، فيعقر هذا إبلًا ويعقر هذا إبلًا حتى يعجز أحدهما رياء وسمعة وتفاخرًا ولا يقصدون به وجه الله، فشبه به ما ذبح لغير الله.\nويشهد لهذا ما روى أبو داود أيضًا بسند حسن عن عكرمة يقول: وكان ابن عباس يقول: [إن رسول الله - ﷺ - نهى عن طعامِ المتبارِيَيْنِ أن يُؤْكَل] (٢).\nوقوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. هي التي تموت خنقًا عمدًا أم دون قصد، فهي حرام.\nوقوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. هي التي تموت بالضرب. قال الضحاك: (﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي تضرب حتى تموت). وقال قتادة: (كان أهل الجاهلية يضربونها بالعِصِيّ، حتى إذا ماتت أكلوها). وقال عبيد بن سليمان: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: (كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بالخشب لآلهتهم، حتى يقتلوها فيأكلوها).\nأخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن المِعْراض فقال: [إذا أصَبْتَ بحَدِّه فكل، فإذا أصاب بعَرْضه فَقَتَلَ فإنه وقيذٌ فلا تأكل] (٣).\n_________\n(١) حسن صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٤٤٦) - باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٣٧٥٤)، بإسناد حسن - لأجل هارون بن يزيد - وباقي رجاله ثقات.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٤٧٦)، (٥٤٨٦)، وأخرجه مسلم برقم (١٩٢٩)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٥٦)، وغيرهم.","vol":"2","page":401},{"text":"وفي لفظ: [قلت يا رسول الله! إني أرمي بالمِعْراض الصيدَ فأصيب. قال: إذا رميت بالمِعْراض فَخَرق فَكُلْه، وإن أصابه بعرضه فإنما هو وقيذٌ فلا تأكله].\nوقوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ - هي التي تسقط من شاهق فتموت.\nقال ابن عباس: (التي تتردّى من الجبل). وقال قتادة: (كانت تتردى في البئر فتموت، فيأكلونها). وقال السدي: (هي التي ترَدّى من الجبل، أو في البئر، فتموت).\nوقوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ - هي التي تموت بسبب نطح غيرها لها. فهي نطيحة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة - أي منطوحة. فهي حرام ولو خرج الدم بسبب النطح. قال ابن عباس: (﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: الشاة تنطح الشاة). وقال الضحاك: (الشاتان تنتطحان فتموتان). وقال السدي: (هي التي تنطحها الغنم والبقر فتموت).\nوقال قتادة: (كان الكبشان ينتطحان، فيموت أحدهما، فيأكلونه).\nوقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ - أي ما عدا عليها حيوان مفترس فأكل بعضها فماتت، ولو سال الدم من افتراس ذلك الحيوان لها، والسَّبُعُ يدخل في اسمه الأسد والفهد والنمر والذئب والكلب ونحو ذلك.\nقال قتادة: (كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئًا من هذا أو أكل منه، أكلوا ما بقي). فجاء التحريم: أي حرَّم عليكم ما أخذ السبع، أو ما أكل السبع غير المُعَلَّم من الصوائد.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.\nأي: إلا ما تداركتم من الأنواع السابقة بالذبح الشرعي قبل خروج الروح منه.\nقال ابن عباس: (يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح، فكلوه، فهو ذَكِيّ).\nوقال أيضًا: (ما أدركت ذكاته من هذا كله، يتحرّك له ذنب، أو تطرِف له عين، فاذبح واذكروا اسم الله عليه، فهو حلال).\nوروى ابن جرير بسنده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب قال: (إذا ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، وحركت ذنبها، فقد أجزأ).\nقال الضحاك: (كان أهل الجاهلية يأكلون هذا، فحرّم الله في الإسلام إلا ما ذُكِّيَ","vol":"2","page":402},{"text":"منه، فما أُدرك فتحرّك منه رجل أو ذنب أو طَرْف، فذكِّي، فهو حلال).\nوخلاصة القول: إن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال، وبه قال الجمهور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل. خالف الإمام مالك وقد سئل عن الضَّبعُ يعدو على الكبش فيَدُق ظهره، أترى أن يذكى قبل أن يموت، فيؤكل؟ فقال: إن كان قد بلغ السُّحرة -وفي لفظ: إن كان بلغ السَّحْر- أي الرئة - فلا أرى أن يؤكل، وإن كان إنما أصاب أطرافه، فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدَقّ ظهره؟ قال: لا يعجبني أن يؤكل، هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ قال: إذا شق بطنها، فلا أرى أن تؤكل. ذكره ابن جرير بسنده عن يونس عن أشهب.\nقلت: ولا دليل على هذا التخصيص، فالآية عامة لا استثناء فيها، والقول قول الجمهور، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة والشافعي وأحمد.\nأخرج البخاري ومسلم عن رافع بن خَدِيج أنه قال: [قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غَدًا، وليس معنا مُدىً، أفنذبحُ بالقصب؟ فقال: ما أنهرَ الدم وذُكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السِّنَ والظفرَ، وسأحدِّثكم عن ذلك، أما السِّنُ فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. هو نوع من الشرك كان عليه أهل الجاهلية.\nقال مجاهد: (كانت النُّصب حجارة حول الكعبة). وقال ابن جريج: (وهي ثلاث مئة وستون نُصُبًا، كان العرب في جاهليتها يذبحون عندها، ويَنْضَحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويُشَرِّحون اللحم ويضعونه على النُّصب).\nقال ابن كثير: (فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحَرَّم عليهم أكل هذه الذبائح التي فُعِلت عند النُّصب حتى ولو كان يُذكر عليها اسم الله في الذبح عند النُّصُب، من الشرك الذي حرّمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا، لأنه قد تمّ تحريم ما أُهِلَّ به لغير الله).\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾.\nنوع آخر من الشرك بالله، والأزلام قداح ثلاثة: مكتوب على أحدها: \"افْعَل\"،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٥٤٣) - كتاب الذبائح والصيد. ورواه مسلم وغيره.","vol":"2","page":403},{"text":"وعلى الآخر: \"لا تَفْعَلْ\"، والثالث غُفْل ليس عليه شيء. وقيل مكتوب على أحدها: \"أمرني ربي\"، وعلى الآخر: \"نهاني ربي\"، والثالث دون شيء. فإذا أجالها فخرَج السهم الآمر فَعَل، أو الناهي ترك، وإن ظهر الذي ليس عليه شيء أعاد الاستقسام.\nوالاستقسام مأخوذ من طلب القَسْم من الأزلام، والأزلام: جمع زَلَم أو زُلَم.\nقال ابن عباس: (والأزلام قِداحٌ، كانوا يستقسِمون بها في الأمور).\nوقال سعيد بن جبير: (﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: القداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحًا للجلوس والخروج. فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا). وقال أيضًا فيها: (حصىً بيض كانوا يضربون بها). وقال مجاهد: (حجارة كانوا يكتبون عليها، يسمونها \"القِداح\").\nأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [إن رسول الله - ﷺ - لما قدِمَ أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فَأُخرِجَتْ، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيلَ في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله - ﷺ -: قاتلهم الله، أمَا والله لقد عَلِموا أنهما لم يستقسِما بها قط] (١).\nوفي صحيح البخاري أيضًا - من حديث سراقة بن مالك في قصة لحاقه بالنبي - ﷺ - وصاحبه أثناء الهجرة -: [فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام، فاستَقْسَمْتُ بها: أضُرّهم أمْ لا؟ فخرَج الذي أكْرَه، فركبت فرسي وعَصَيْتُ الأزلام] (٢).\nوأخرج الطبراني بسند حسن عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لن يلجَ الدرجات العُلا من تكهَّنَ، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيُّرًا] (٣).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني: من أكل من ذلك كله فهو فسق). فيدخل في ذلك أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وكل ما ذكر من المحرمات في الأكل، والاستقسام بالأزلام. فإن الله سبحانه قد حرّم الخبائث واباح الطيبات، ونهى عن كل ألوان الشرك وأمو بالتوكل عليه وإقامة منهاج التوحيد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٦٠١) - كتاب الحج. وكذلك (٣٩٨). ورواه أحمد (١/ ٣٣٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٩٠٦) - كتاب مناقب الأنصار- وهو ضمن حديث طويل.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الطبراني كما في المجمع (٥/ ١١٨) ح (٨٤٨٧). وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٥١٠٢). وإسناده حسن.","vol":"2","page":404},{"text":"فالبديل عن المحرمات هو ألوان الطيبات التي لا تُحصى، والبديل عن الذبح على النصب هو النسك لوجه الله، والبديل عن الاستقسام بالأزلام هو التوكل على الله وطرق باب الاستخارة.\nأخرج الإمام البخاري وأحمد وأهل السنن عن جابر قال: [كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: إذا همّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدِركَ بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر -ويسميه باسمه- خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدُرْه لي ويسِّره لي وبارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلمه شرًّا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرِفْني عنه، واصْرفْه عني، واقْدُر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به] (١).\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ - فيه تفاسير متكاملة، منها:\n١ - الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود من دينكم أن تتركوه فترتدوا عنه راجعين إلى الشرك.\nقال ابن عباس: (﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، يعني: أن ترجعوا إلى دينهم أبدًا).\nوقال السدي: (أظن، يئسوا أن ترجعوا عن دينكم).\n٢ - قيل بل المراد: يئسوا من مشابهة المسلمين، بما تميّز به المسلمون من صفات المخالفة للشرك وأهله.\n٣ - وقيل: بل المراد يئس المشركون من أي تنازل يكون في دينكم لصالحهم.\nوقد صنّف الإمام مسلم في صحيحه بابًا في هذا المعنى: \"باب تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا\".\nروى فيه عن جابر قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٦٢)، (٦٣٨٢)، وأحمد (٣/ ٣٤٤) واللفظ له، وأهل السنن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨١٢)، وأحمد (٣/ ٣١٣)، والترمذي (١٩٣٨).","vol":"2","page":405},{"text":"وروى فيه عن جابر أيضًا، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: [يَبْعَثُ الشيطان سراياه فَيَفْتِنُون الناسَ، فأعْظَمُهُم عنده منزلة أعظمهم فتنة].\nوقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾.\nقال ابن جريج: (فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم).\nوقال ابن جرير: (فلا تخشوا، أيها المؤمنون، هؤلاء الذي قد يئسوا من دينكم أن ترجعوا عنه من الكفار، ولا تخافوهم أن يظهروا عليكم، فيقهروكم ويردوكم عن دينكم، ... ولكن خافون، إن أنتم خالفتم أمري واجترأتم على معصيتي، وتعدّيتم حدودي، أن أُحل بكم عقابي وأنزل بكم عذابي).\nقال ابن كثير: (أي: لا تخافوا منهم في مخالفتكم إياهم واخشوني، أنصرُكم عليهم، وأُبيدُهم، وأُظْفِركُم بهم، وأَشْفي صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة).\nوالخشية تعرف بضدها كما قال الحسن: (عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا).\nقال ابن القيم ﵀: (والوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة).\nوفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. هو وصف لحال قلوب المؤمنين.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، عن عائشة ﵂: [أنها قالت: يا رسول الله! الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ﷿؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات] (١).\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.\nقال ابن عباس: (وهو الإسلام. قال: أخبر الله نبيّه - ﷺ - والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيهُ الله فلا يَسْخَطه أبدًا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ١٥٩)، والترمذي (٢/ ٢٠١)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٢).","vol":"2","page":406},{"text":"وهذه الآية شرف عظيم لهذه الأمة، إذ كمل دينها فلا تحتاج إلى أحد بزيادة أو حذف، ولا إلى نبيّ يقدّم لها بعد وفاة نبيّها، فهو - ﷺ - خاتم الرسل والأنبياء، وقد بعث إلى الجن والإنس، والدِّين هو ما تركنا عليه يوم مات، لا يحيد عن منهاجه إلا هالك، والحلال والحرام هو الذي استقر عليه الأمر بمغادرة النبي - ﷺ -.\nأخرج البخاري عن طارق بن شهاب، عن عمرَ بن الخطاب ﵁: [أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمثين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا مَعْشَر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. قال عمر: قد عَرَفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي - ﷺ - وهو قائم بعرفة يَوْمَ جُمُعَة] (١).\nوأخرج ابن جرير وإسناده على شرط الصحيح - عن عمّار- مولى بني هشام -[أن ابن عباس قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومَها عيدًا. فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيدٍ ويوم جمعة] (٢).\nوقوله. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾، يعني: في مجاعة). وقال السدي: (ذكر الميتة وما فيها، فأحلها في الاضطرار، ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾، يقول: في مجاعة). وقال ابن زيد: (المخمصة: الجوع).\nوقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾.\nقال ابن عباس: (غير متعمد لإثم). وقال ابن زيد: (لا يأكل ذلك ابتغاء الإثم، ولا جراءة عليه).\nوقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nيعني من ألجاته الضرورة لأكل بعض هذه المحرمات فلا حرج والله غفور له رحيم، يتجاوز عن عبده ما أوقعه فيه العنت والهلاك.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧)، والنسائي (٨/ ١١٤)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبري في \"التفسير\" -حديث رقم- (١١١٠٢) - وإسناده على شرط الصحيح، من حديث عمار - مولى بني هاشم - عن ابن عباس.","vol":"2","page":407},{"text":"٤. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾.\nفي هذه الآية: يسألك يا محمد أصحابك عن حلال الطعام فأخبرهم أنه ما كان من الطيبات. يعني الذبائح الحلال الطيبة. وما اصطدتموه بالحوارح المعلمة. فكلوا منه واذكروا اسم الله واشكروه وعظموه.\nقال مقاتل: (فالطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق).\nوقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.\nالجوارح: هنّ الكواسب من سباع البهائم: من الكلاب والفُهود والصُّقور وأشباه ذلك. يعني أحل لكم ما اصطدتموه بهذه الجوارح. سميت كذلك من الجَرْح، وهو الكَسْبُ. والعرب تقول: جر فلان لأهله خيرًا: إذا أكسبهم خيرًا. وفلان جارحةُ أهله: يعني كاسبهم. ولا جارح لفلان، أي: لا كاسب له. وفي التنزيل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]- يعني ما كسبتم وعملتم من خير أو شر.\nوالجمهور على أن صيد الطيور كصيد الكلاب، لأنها تَكْلَبُ الصيدَ بمخالبها، كما تَكْلَبُهُ الكلاب. وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وكذلك الإمام أحمد إلا أنه استثنى صيدَ الكلب الأسود، لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه. وفي ذلك حديثان:\nالحديث الأول: روى مسلم عن أبي ذر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [يقطع الصلاة الحمارُ والمرأة والكلب الأسود. فقلت: ما بالُ الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: الكلب الأسود شيطان] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم وأحمد وأبو داود عن مُطَرِّفِ بن عبد الله يحدث\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٥١٠) - كتاب الصلاة. باب قدر ما يستر المصلي.","vol":"2","page":408},{"text":"عن ابن المُغَفَّل قال: [أمر رسول الله - ﷺ - بقَتْلِ الكلاب. ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ثم رَخَّصَ في كلب الصيد وكلب الغنم] (١).\nوفي حديث أبي داود عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لولا أن الكلاب أُمَّةٌ من الأمم لأمرت بقَتْلِها، فاقتلوا منها الأسود البهيم] (٢).\nقلت: والراجح قول الجمهور، فإن الكلب الأسود المعلّم يَجوز صيده، ولا حرج. فكونه يقطع الصلاة أو يستحب قتله أمر آخر- والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.\nالمعنى: إذا كان الجارح مُعَلَّمًا وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه عند إرساله حلَّ ذلك الصيد وإن قتله بالإجماع. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان وأصحاب السنن عن عدي بن حاتم قال: [سألت النبي - ﷺ -، قلت: إني أرسل الكلاب المُعْلَمة فتمسك عَليَّ أفآكل؟ قال: إذا أَرْسَلْتَ الكلاب المُعْلَمَة، وذكَرْتَ اسمَ الله، فكلْ ممّا أمْسَكْنَ عليك. قلت: وإن قَتَلْنَ؟ قال: وإن قَتَلْنَ ما لم يَشْرَكْهَا كلبٌ ليس منها. قلت: أرمي بالمعراض فأصيب أفآكل؟ قال: إذا رَمَيْتَ بالمِعْرَاضِ وَذَكَرْتَ اسمَ الله، فأصابَ فخَرَّقَ فَكُلْ، وإن أصابَ بِعَرْضِه فلا تأكُلْ] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن عدي بن حاتم قال: [سألت النبي - ﷺ -، قلت: إنا نصيد بهذه الكلاب؟ فقال لي: إذا أرسلت كِلَابَكَ المُعْلَمَةَ وذكرتَ اسم الله عليها فكل مما أمْسَكْنَ عليك، وإن قَتَلَ، إلا أن يأكل الكلبُ، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمْسَكَهُ على نفسه] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن عدي بن حاتم، أن النبي - ﷺ - قال: [إذا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ وذكرتَ اسم الله فوجدتَه من الغد ولم تجده في ماء ولا فيه أثرٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٠)، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٨٤٥) كتاب الصيد: باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٤٧٦)، ومسلم (١٩٢٩)، وأبو داود (٢٨٤٧) واللفظ له، ورواه بقية أهل السنن. والمعراض: سهم بلا ريش ولا نصل. والمزراق: رمح قصير.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الشيخان وأبو داود - واللفظ له. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٤٧٤).\nوصحيح البخاري (١٧٥)، (٥٤٧٧)، وكذلك صحيح مسلم (١٩٢٩).","vol":"2","page":409},{"text":"غَيْرَ سهمك فكلْ، وإذا اخْتَلَط بكلابك كَلْبٌ مِن غيرها، فلا تأكلْ، لا تَدْري لعلَّهُ قَتَله الذي ليس منها] (١).\nوفي رواية: [أرسل كلبي فأجد عليه كلبًا آخر، فقال: لا تأكلْ لأنك إنما سميت على كَلبك].\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا رسول الله، إني أصيد بكلبي المعلم، وبكلبي الذي ليس بمعلم، قال: [ما صدت بكلبك المُعْلَم، فاذكر اسم الله وكُلْ، وما أَصَّدْتَ بكلبك الذي ليس بِمُعْلَمٍ، فأدْرَكت ذكاتَهُ فكل] (٢).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nأي: احذروا مخالفة حدود ربكم، وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلّمة، أو مما أمسكت على نفسها، أو أن تطعموا ذبائح المشركين عبدة الأوثان، فإن الله سريع حسابه، يجازي الشكور والمطيع، ويعاقب العاصي بمعصيته.\n٥. قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾.\nفي هذه الآية: اليوم أحل لكم أيها المؤمنون حلال الطعام وذبائح أهل الكتاب دون غيرهم من سائر أهل الشرك، وذبائحكم أيها المؤمنون حِلّ لأهل الكتاب، وأحل لكم نكاح المحصنات - أي العفيفات - من نسائكم ونساء أهل الكتاب إذا دفعتم لهن مهورهن وأنتم أعفاء لا معالنين بسفاح ولا متخذي أخدان - ذات الخدن، ذات الخليل\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٤٧٥)، (٢٤٧٩) - كتاب الصيد. ورواه الشيخان.\nانظر صحيح البخاري (٥٤٨٦)، وصحيح مسلم (١٩٢٩)، ومسند أحمد (٤/ ٢٥٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٨٥٥) من حديث أبي ثعلبة. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٢٤٨٠) - كتاب الصيد. وأصله في الصحيحين.","vol":"2","page":410},{"text":"الواحد - ومن يجحد ما أمر الله بالإيمان به بطل ثواب عمله وهو في الآخرة من الهالكين.\nفقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾.\nيعني الحلال من الذبائح والمطاعم دون الخبائث منها. ذكره ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.\nقال مجاهد: (ذبائحهم). وقال الضحاك: (أحل الله لنا طعامهم ونساءهم) - وبه قال ابن عباس.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: [لما فُتحت خَيْبَرُ أُهدِيَت للنبي - ﷺ - شاة فيها سُمّ ....] الحديث (١).\nقال ابن إسحاق: (فلما اطمأن رسول الله - ﷺ - أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلاّم بن مِشْكم، شاة مَصْلِيَّة - أي مشوية -، وقد سألت أي عُضْو من الشاة أحبُّ إلى رسول الله - ﷺ -؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السُّم، ثم سمّت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدى رسول الله - ﷺ -، تناول الذراع فلاكَ منها مضغة، فلم يُسغها، ومعه بِشْرُ بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله - ﷺ -، فأما بِشْر فأَساغها، وأما رسول الله - ﷺ - فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليُخبرني أنه مسموم).\nقال ابن كثير: (ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم: هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شَحْمِها أم لا؟ . قال: وفي الحديث الآخر: أن رسول الله - ﷺ - أضافه يهوديٌّ على خُبْزِ شَعير وإهالة سَنِخَةٍ (٢)، يعني: وَدَكًا زَنخًا).\nوقوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾.\nالمعنى: ولكم أن تجازوهم بإطعامهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، فهو من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة. ذكره ابن كثير ثم قال: (فأما الحديث الذي فيه:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٧٧٧) - كتاب الطب. ضمن حديث طويل.\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢١٠ - ٢١١) من حديث أنس، وأخرجه البخاري (٥٤٣٧)، ومسلم (٢٠٤١)، وأخرجه أبو داود (٣٧٨٢)، وأخرجه ابن حبان (٤٥٣٩).","vol":"2","page":411},{"text":"\"لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي\" (١)، فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم).\nوقال القرطبي: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾: دليلٌ على أنهم مخاطبون بتفاصيل شَرْعنا، أي إذا اشتروا منا اللحم يَحِلُّ لهم اللحم ويَحِلّ لنا الثمن المأخوذ منهم).\nوخلاصة المعنى: لكم - أيها المؤمنون - أن تأخذوا ثمن اللحوم التي يشترونها منكم، ولكم أن تكافئوهم على إطعامكم ذبائحهم بإطعامهم من ذبائحكم، ولهم أن يأكلوا من ذبائحكم فهي حل لهم، يعلمون ذلك عندهم.\nوقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.\nيعني أحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات. وقد تقدم المعنى في \"البقرة\" و\"النساء\" ولله الحمد.\nوقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nأي يحل لكم نكاح نساء أهل الكتاب بشروطٍ:\n١ - أن تكون من العفيفات العاقلات.\n٢ - أن تكون تحصن فرجها فلا تزني.\n٣ - أن يكون المؤمن صلبًا في دينه لا يترك دينه لدينها ولا يتأثر بمحاولاتها في ذلك.\n٤ - أن لا يتزوج من نساء أهل الكتاب إلا عندما تلجئه الحاجة إلى ذلك، فالأصل نكاح المؤمنات الطاهرات، والنظر القويم إلى مستقبل أولاده وأسرته.\nفعن مجاهد: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال: العفائف).\nوقال الشعبي: (إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني).\nوعن سعيد بن المسيب والحسن: (أنهما كانا لا يريان بأسًا بنكاح نساء اليهود والنصارى، وقالا: أحلّه الله على علم).\nيروى ابن جرير بسنده عن الحسن - وسأله رجل: أيتزوج الرجل المرأة من أهل\n_________\n(١) حديث إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٥)، وأحمد (٣/ ٣٨)، وغيرهم.","vol":"2","page":412},{"text":"الكتاب؟ - قال: (ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات، فإن كان لا بد فاعلًا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة).\nولا فرق بين الحرة والأمة، فالعفاف أهم شوط في نكاح الذمية، وهو قول الجمهور.\nوقوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال ابن عباس: (يعني: مهورهن).\nوقال ابن جرير: (فإن \"الأجر\": العوض الذي يبذله الزوج للمرأة للاستمتاع بها، وهو المهر).\nوقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة، غير مسافحين متعالنين بالزنا، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ يعني: يسرّون بالزنا).\nقال رجل للحسن: ما المسافحة؟ قال: (هي التي إذا لمح الرجل إليها بعينه اتّبعته).\nوقال ابن كثير: (﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾.، فكما شرط الإحصان في النساء، هي العفة عن الزنا، كذلك شَرَطها في الرجال وهو أن يكون الرجل أيضًا مُحْصِنًا عفيفًا، ولهذ! قال: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ وهم: الزناة الذين لا يرتدِعون عن معصية، ولا يَرُدّون أنفسَهم عمن جاءهم، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾، أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾.\nقال مجاهد: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾، قال: بالله). وقال عطاء: (الإيمان: التوحيد).\nوقال ابن عباس: (أخبر الله سبحانه أن \"الإيمان\" هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملًا إلا به، ولا يحرِّم الجَنَّة إلا على من تركه).\nومن ذلك الإيمان ما أحل الله من تزوج نساء أهل الكتاب على تلك الشروط.\nوقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nأي من الهالكين، نتيجة الكفر بأوامر الله أو بعضها.","vol":"2","page":413},{"text":"٦ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾.\nفي هذه الآية: ذكر أحكام شرعية تتعلق بالطهارة، من أركان الوضوء وأحكام تخص التيمم ومشروعيته، وبيان نعمة الله سبحانه على المؤمنين بهذا التشريع، وغير ذلك.\nأخرج البخاري عن عائشة قالت: [خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذاتِ الجَيْش - انقطع عِقْدٌ لي فأقام رسول الله - ﷺ - على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعتْ عائشة؟ أقامت برسول الله - ﷺ - وبالناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله - ﷺ - واضعٌ رأسه على فخذي قد نام. فقال: حَبَسْتِ رسول الله - ﷺ - والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يَطْعَن بيده في خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك إلا مكانُ رأس رسول الله - ﷺ - على فخذي، فقام رسول الله - ﷺ - حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمُّم، فتيمُّموا. فقال أُسَيْدُ بن الحُضَير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العِقْدَ تحتَه] (١).\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.\nأي على غير طهر. وعليه أقوال المفسرين:\n٤ - سئل عكرمة عن قول الله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧)، والنسائي (١/ ١٦٢ - ١٦٤)، وغيرهم.","vol":"2","page":414},{"text":"الْمَرَافِقِ﴾، فكل ساعة يتوضأ؟ فقال: قال ابن عباس: (لا وضوءَ إلا من حَدَث).\nوقال عكرمة: (كان سعد بن أبي وقاص يُصلي الصلوات بوضوء واحد).\nوقال: (كان سعد بن أبي وقاص يقول: صلّ بطهورك ما لم تحدث) رواه ابن جرير.\n٢ - عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن يزيد بن طريف - أو: طريف بن يزيد: (أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطئ دجلة، فتوضؤوا، فصلَّوا الظهر، فلما نودي بالعصر، قام رجال يتوضؤون من دجلة، فقال: إنه لا وضوء إلا على من أحدث).\n٣ - عن زيد بن أسلم قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ قال: (يعني: إذا قمتم من النوم).\nأخرج الإمام أحمد والبخاري عن أنس قال: [كان النبي - ﷺ - يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلتُ (١): فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوءٍ واحد ما لم نُحْدِث] (٢).\nوقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (قد استدل طائفة من العلماء بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ على وجوب النية في الوضوء، لأن تقدير الكلام: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها).\nقلت: بل النية ركن من أركان الوضوء الذي بيّن الله في هذه الآية، فأركان الوضوء:\n١ - النية: ومحلها القلب، وتعني القصد والإرادة، والتلفظ بها لا أصل له. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمر: [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى] (٣).\n٢ - غسل الوجه: عرضًا من شحمة الأذن اليمنى إلى شحمة الأذن اليسرى، ومن منبت الشعر من الرأس إلى أسفل اللحيين طولًا. لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.\n_________\n(١) هو عمرو بن عامر الأنصاري راوي الحديث عن أنس بن مالك ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٢)، والبخاري في الصحيح (٢١٤)، وأبو داود في السنن (١٧١)، والترمذي في الجامع (٦٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١) - كتاب بدء الوحي، ورواه مسلم وأهل السنن.","vol":"2","page":415},{"text":"أخرج الإمام الترمذي بسند جيد عن أبي وائل قال: [رأيت عثمان توضأ - فذكر الحديث - قال: وخلل اللحية ثلاثًا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - فعل الذي رأيتموني فعلت] (١).\nوأخرج البخاري عن عطاء عن ابن عباس: [أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غَرْفَة من ماء فمَضْمَضَ بها واسْتَنْشَق، ثم أخَذَ غَرْفَةً من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى، فَغَسَل بها وَجْهَهُ، ثم أخذ غَرفَة من ماء فغسل بها يدَه اليمنى، ثم أَخَذَ غَرْفَةً من ماء فغسل بها يده اليُسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غَرْفَةً من ماء فَرَشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غَرْفَةً أُخْرى فغسل بها رِجْلَهُ يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ] (٢).\n٣ - غسل اليدين إلى المرافق.\nالمرفق هو العظم \"المفصل\" الذي بين العضد والساعد. لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.\n٤ - مسح الرأس كله. لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.\nوالباء تفيد الإلصاق - وفعله - ﷺ - يدل على ذلك - ومن ذهب إلى التبعيض فالحديث التالي حجة عليه، إذ فيه وصف مسحه - ﷺ - الذي علينا أن نتابعه فيه.\nأخرج البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد والبيهقي وابن حبان - من حديث عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجُلًا قال لعبد الله بن زيد - وهو جدّ عمرو بن يحيى -: أتستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فَأَفْرَغ على يديه فغسل مرتين، ثم مَضْمَضَ واستنثر ثلاثًا، ثم غَسَل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بِمُقَدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غَسَلَ رجليه] (٣).\n_________\n(١) حديث إسناده جيد. أخرحه الترمذي في السنن (٣١)، وابن ماجة (٤٣٠)، والحاكم (١/ ١٤٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٤٠)، كتاب الوضوء. وأخرجه أحمد (١/ ٢٦٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٥) - كتاب الوضوء. باب مسح الرأس كله. وأخرجه مسلم (٢٣٥)، وأبو داود (١١٨)، والترمذي (٣٢)، والنسائي (١/ ٧١)، وابن ماجة (٤٣٤)، وأخرجه =","vol":"2","page":416},{"text":"فالحديث يدل على وجوب تكميل مسح جميع الرأس، وهو مذهب مالك وأحمد.\n٥ - غسل القدمين إلى الكعبين. لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.\nونصبت ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالعطف على ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (رجعت إلى الغسل).\nوالكعبان هما العظمان الناتئان على جانبي مشط القدم، ويدخل مع القدم العقب وهو العظم الناتئ أسفل القدم آخر المشط الذي يرتكز عليه الإنسان إذا مال إلى الخلف ويسمى عند الناس أحيانًا \"كاحلًا\" فيجب غسله مع القدم.\nففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو قال: [تخلَّف عنا رسول الله - ﷺ - في سَفْرَةٍ سافرناها، فأدرَكَنا وقد أَرْهَقَتنَا الصلاةُ صلاة العصر ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: أَسْبِغُوا الوضوءَ، ويل للأعقاب من النار] (١). وفي لفظ عند أحمد: [ويل للعراقيب من النار].\nوفي لفظ آخر: [ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار] (٢).\n٦ - الموالاة: أي غسل الأعضاء بعضها إثر بعض بلا فارق زمني.\nففي مسند أحمد وسنن داود من حديث خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -: [أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلي، وفي ظَهْر قَدَمِه لُمْعَةٌ قدرُ الدِّرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يعيد الوضوء] (٣).\nزاد أبو داود: [والصلاة].\nوأما واجبات الوضوء وسننه فلها مكان آخر في الفقه سيأتي في موسوعة خاصة به إن شاء الله تعالى.\n_________\n= أحمد (٤/ ٣٨)، والبيهقي (١/ ٥٩)، وابن حبان (١٠٨٤)، (٣٥).\n(١) حديث صحيح. أخرجه جابر في في الصحيح (٦٠)، (٩٦)، ومسلم (٢٤١)، وأحمد (٢/ ١٩٣).\n(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ١٢١)، والحاكم (١/ ١٦٢)، من حديث جابر بن عبد الله.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٢٤)، وأبو داود في السنن (١٧٥)، لكن \"عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -\"، وجهالة الصحابي لا تضر.","vol":"2","page":417},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.\nتقدم الكلام عن تفصيل ذلك في سورة النساء، وبيان أسباب النزول في ذلك.\nوقد أخرج البخاري - حول هذه الآية - عن عائشة ﵂: [سقطت قِلادةٌ لي بالبيداء ونحن داخِلون المدينة، فأناخ النبيُّ - ﷺ - ونَزَلَ، فثنى رأسَهُ في حِجْري راقِدًا، أَقْبَلَ أبو بكر فلكزَني لكْزَةً شديدة وقال: حبست الناس في قِلادَةٍ، فَبِيَ الموتُ، لِمكانِ رسول الله - ﷺ - وقد أوْجَعني، ثم إن النبي - ﷺ - استيقظَ وحَضَرَتِ الصُّبْحُ، فالتُمِسَ الماء فلم يوجدْ، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، فقال أُسيد بن حُضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركةٌ لهم] (١).\nوقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾.\nقال عكرمة: (من ضيق). أي أباح سبحانه لكم التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم ولئلا يعنتكم.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، ولكن الله يريد أن يطهركم، بما فرض عليكم من الوضوء من الأحداث، والغسلِ من الجنابة، والتيمم عند عدم الماء، فتنظّفوا وتطهّروا بذلك أجسامكم من الذنوب).\nأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إذا توضأ العبدُ المسلمُ - أو المؤمن - فغسل وَجْهَهُ، خرج من وجهه كُلُّ خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو: مع آخِر قطْرِ الماء - فإذا غسل يديه خرجَ من يديه كُلُّ خطيئة بطشتها يداه مع الماء - أو: مع آخر قطر الماء - فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو: مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيًّا من الذنوب] (٢).\nوأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٦٠٨)، كتاب التفسير. تفسير سورة المائدة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٤٤)، والترمذي (٢)، ومالك (١/ ٣٢)، وأحمد (٢/ ٣٠٣).","vol":"2","page":418},{"text":"توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سَمْعه وبصره ويديه ورجليه] (١).\nوروى أحمد وأبو يعلى والبزار بسند صحيح عن عثمان بن عفان ﵁، أنه دعا بماء فتوضأ ثم ضحكَ، فقال لأصحابه: ألا تسألوني ما أضحكني؟ فقالوا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: [رأيت رسولَ الله - ﷺ - توضأ كما توضأت، ثم ضحك فقال: ألا تسألوني: مَا أضحكك؟ فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: إن العبد إذا دَعَا بِوَضوءٍ، فغسل وَجْهَهُ، حَطَّ الله عنه كلَّ خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذِراعَيْه كان كذلك، وإذا طَهّرَ قَدَميه كان كذلك. زاد البزار: فإذا مسح رأسَه كان كذلك] (٢).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nأي كي تشكروا الله على هذه النعم الجليلة عليكم، بطاعتكم إياه وتعظيمكم لأوامره، فقد خصّكم بجزيل الثواب على الطاعة والتعظيم.\n٧ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تَوْجِيهٌ من الله سبحانه لذكر نعمته عليكم - أيها المؤمنون - في\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢)، (٥/ ٢٥٦)، والطبري (١١٥٤٨)، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو يعلى. إسناد أحمد جيد، ورواه البزار بسند صحيح. انظر صحيح الترغيب (١/ ١٧٩) - كتاب الطهارة، الترغيب في الوضوء وإسباغه.","vol":"2","page":419},{"text":"ما هداكم له من ميثاق طاعته ونجاتكم من الضلالة والرّدى. وأَمْرٌ منه سبحانه أن تكونوا قائمين بالحق لا يحملكم بُغض قوم على ترك العدل، وهو سبحانه عليمٌ بذات الصدور، خبيرٌ بأعمالكم، وقد وعد المؤمنيمن القائمين بمنهاج العمل الصالح مغفرة وأجرًا عظيمًا، في حين وعد الكافرين عذابًا أليمًا. ثم ذكرهم إذ نجّاهم من مكر قوم من أعدائهم هموا ببسط الأذى لهم - أفلا يحملكم هذا كله على التقوى وصدق التوكل على الله جل ثناؤه. فإلى تفصيل ذلك:\nفعن مجاهد: (﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، قال: النعم، آلاء الله).\nوعن ابن عباس: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية، يعني: حيث بعث الله النبي - ﷺ - وأنزل عليه الكتاب، فقالوا: \"آمنا بالنبي - ﷺ - وبالكتاب وأقررنا بما في التوراة\"، فذكَّرهم الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء به). فالنعمة الإسلام، والميثاق كما قال ابن جرير: (يعني: وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدًا - ﷺ - على السمع والطاعة له في المنَشط والمكره والعُسر واليسر).\nففي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: [بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، في مَنْشْطِنا ومكرهنا، وعُسْرِنَا ويُسْرنا، وأَثرةٍ علينا، وأن لا نُنَازعَ الأمر أهله. قال: إلا أن تَرَوْا كُفرًا بَوَاحًا عندكم فيه من الله برهان] (١).\n- وقيل هو العهد المأخوذ على ذرية آدم يوم استخرجها من صلبه، وقيل بل هو العهد المأخوذ على اليهود في متابعة محمد - ﷺ - والأول أظهر ورجّحه ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nأَمْرٌ بالتقوى، وتَحْذِيرٌ من مخالفة عهد من يعلم السر وأخفى.\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: كونوا قائمين بالحق لله - ﷿ - لا لأجل الناس والسمعة).\nوقوله: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾.\nأَمْرٌ بإقامة العدل وتحذير من انظلم والجَوْر.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٠٥٥)، (٧٠٥٦)، ومسلم (١٨٣٣)، وأحمد (٥/ ٣٢١).","vol":"2","page":420},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.\nأي لا تقحموا حظوظ نفوسكم في القضاء والحكم بين الناس، بل أقيموا العدل على كل أحد، قريبًا كان أم بعيدًا، صديقًا كان أم عدوًا.\nوقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.\nأي مقام العدل هو الذي يحبه الله ويرضاه، وأما الظلم فهو بغيض إليه جلت عظمته.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه الوصية من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أنه قال: [نَحَلني أبي نَحلًا، فقالت أمي عَمْرَةُ بنتُ رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله - ﷺ -. فجاءه لِيُشْهِدَه على صدقتي، فقال: أَكُلَّ ولدك نحلت مثله؟ قال: لا. قال: اتقوا الله، واعدِلُوا في أولادكم. وقال: إني لا أشهد على جَور. قال: فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشّح فإن الشّح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم - أيضًا - من حديث أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاء من الشاة القرناء] (٣).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾.\nأي: احذروا معشر المؤمنين الجور ومغبة الظلم، فإن الله قد اطلع على أعمالكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣)، والنسائي (٦/ ٢٥٨)، ومالك (٢/ ٧٥١). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٧٨) - كتاب البر والصلة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٥٨٢) - الباب السابق، من حديث أبي هريرة ﵁. والجلحاء: الشاة التي لا قَرْنَ لها.","vol":"2","page":421},{"text":"وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾.\nهذا من تمام عدله سبحانه: موافاة المؤمنين نتيجة أعمالهم وإقامة الحق والعدل المغفرة والأجر العظيم، في حين ينتظر الكافرين: الظالمين أنفسهم بالكفر وغيرهم بالظلم والجور، عذاب الجحيم.\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾. فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: قيل نزلت في شأن بني النضير حين همّوا بإلقاء الرّحى على رأس رسول الله - ﷺ -، حين ذهب إليهم ليعينوه في دية الرجلين من بني كلاب اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في أعقاب حادثة بئر معونة، وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة، فكانت نعمة الله بفضحهم وإجلائهم.\nقال مجاهد: (﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: اليهود، دخل عليهم النبي - ﷺ - حائطًا لهم وأصحابُه من وراء جداره، فاستعانهم في مَغْرَمِ دِية غرمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله. فخرج يمشي القهقرى ينظر إليهم، ثم دعا أصحابه رجلًا رجلًا حتى تتاموا إليه) (١).\nويروي ابن جرير في التفسير أن حيي بن أخطب قال لهم: ألا ترون أقرب منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه، ولا ترون شرًّا أبدًا، فجاؤوا إلى رحى لهم عظيمة ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم حتى جاءه جبريل).\nالتأويل الثاني: قيل بل نعمة الله المذكورة هنا إعلام الله نبيّه بطعام قدمه له يهود أرادوا به قتله وقتل أصحابه. قال ابن عباس في الآية: (وذلك أن قومًا من اليهود صنعوا لرسول الله وأصحابه طعامًا، ليقتلوه إذا أتى الطعام، فأوحى الله إليه بشأنهم فلم يأت الطعام، وأمرَ أصحابه فلم يأتوه).\nالتأويل الثالث: قيل بل النعمة هنا إطلاع الله نبيّه - ﷺ - على محاولة عدوه المشرك قتله في بَطْن نَخْل حين استلّ سيفه، وتشريع صلاة الخوف للأمة.\n_________\n(١) انظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين. (٢/ ٨٠٢) - غدْر اليهود وإجلاء بني النضير - وانظر تفسير الإمام الطبري (١١٥٦٠ - ١١٥٦٣)، وأسباب النزول (٣٨٧) - للواحدي.","vol":"2","page":422},{"text":"أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: [أَقْبَلْنَا مع رسول الله - ﷺ -، حتى إذا كنا بذاتِ الرِّقاع قال: كُنَّا إذا أتَيْنَا على شجرة ظَليلةٍ تَركْناها لرسول الله - ﷺ -، قال: فجاء رجل من المشركين وسيفُ رسول الله - ﷺ - مُعَلَّقٌ بشجرة، فأخذ سيف نبيّ الله - ﷺ - فاخترطَه - أي سَلّهُ - فقال لرسول الله - ﷺ -: أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يَمْنَعُني مِنْك. قال: فتهدَّدَهُ أصحاب رسول الله - ﷺ -، فَأَغْمَدَ السيف وعَلّقَهُ، قال: فنودي بالصلاة، فَصَلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله - ﷺ - أربعُ ركعات، وللقوم ركعتان\" (١).\nقال معمر: (وكان قتادة يذكر نحو هذا، وذكر أن قومًا من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله - ﷺ -، فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأوّل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية) ذكره ابن جرير.\nقلت: والراجح التأويل الأول، ورجحه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀، وقد بسطت القول في ذلك في كتابي السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - عند إجلاء بني النضير، فلله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\nأَمْر من الله بالتقوى فهي سرّ كل فلاح، وإِخْبَارٌ عن صفة المؤمنين بتوكلهم على الله واعتمادهم عليه كما عَلَّمَهُم ذلك نبيّهم، فالله يحب المتوكلين، ومن توكل على الله كفاه وعصمه وحفظه.\n١٢ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨٤٣)، كتاب صلاة المسافرين - باب صلاة الخوف.","vol":"2","page":423},{"text":"ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: ذِكْرٌ للعهود والمواثيق التي أخذها الله على أهل الكتابين: اليهود والنصارى، وبيان مغبة نقضهم تلك العهود وما حلّ بهم من ضنك العيش في الدنيا، وما ينتظرهم من شقاء يوم القيامة. فإلى تفصيل ذلك:\nقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾.\nقال الحسن: (اليهود من أهل الكتاب). وقال أبو العالية: (أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له، ولا يعبدوا غيره).\nوالنقيب في لغة العرب كالعريف، بل هو فوقه، وهو الأمين الضامن على القوم.\nيقال: نقَب فلان على بني فلان فهو ينقُبُ نقْبًا. ويقال: عَرُف عليهم يَعْرُف عِرَافة.\nقال قتادة: (﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾، من كل سِبْط رجل شاهد على قومه). وقال الربيع: (النقباء: الأمناء).\nوالمقصود أنهم عرفاء القوم ينوبون عن في قبائلهم بالتمثيل والمبايعة، قال ابن كثير: (يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة، والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه).\nوقال ابن جرير: (إنما كانَ الله عز ذكره أمر موسى نبيه - ﷺ - ببعثة النقباء الاثني عشر من قومه بني إسرائيل على أرض الجبابرة بالشام، ليتحسَّسوا لموسى أخبارَهم، إذْ أراد هلاكهم، وأن يورِّث أرضَهم وديارَهم موسى وقومَه، وأن يجعلها مساكن لبني إسرائيل، بعدما أنجاهم من فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض مصر. فبعث موسى الذين أمره ببعثهم إليها من النقباء).\nوقد بايع رسول الله - ﷺ - ليلةَ العقبة اثنا عشر نقيبًا من الأنصار، هم الذين وَلُوا","vol":"2","page":424},{"text":"المبايعة والمعاقدة عن قومهم للنبي - ﷺ - على السمع والطاعة. منهم عشرة من الخزرج واثنان من الأوس.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت - أحد النقباء - أن رسول الله - ﷺ - قال: [تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال: فبايعته - وفي رواية: فبايعناه على ذلك] (١).\nوكذلك فإن الخلفاء في هذه الأمة الذين هم على منهاج النبوة عددهم اثنا عشر خليفة. ففي الصحيحين والمسند عن جابر بن سَمُرة قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليَهم اثنا عشر رجلًا. ثم تكلم النبي - ﷺ - بكلمة خَفِيَتْ عليّ، فسألت أبي: ماذا قال النبي - ﷺ -؟ قال: كلهم من قريش] (٢).\nوقد مضى منهم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ﵃. وكذلك عمر بن عبد العزيز، وقيل عبد الله بن الزبير أيضًا. ويبدو أن البقية الستة يكونون مع عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة مرّة أخرى كما في حديث حذيفة:\nفقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن النعمان بن بشير قال: [كنا قعودًا في المسجد، وكان بشير رجلًا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله - ﷺ - في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفض خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة يرفعه إلى النبي - ﷺ -: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٨٩٢) - كتاب مناقب الأنصار.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٢٢٢)، - ومسلم (١٨٢١) ح (٦)، واللفظ له، ورواه أحمد في المسند (٥/ ٨٦)، وأخرجه أبو داود (٤٢٧٩)، والترمذي (٢٢٢٣)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٥١٩)، وغيرهم.","vol":"2","page":425},{"text":"تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت] (١).\nوقوله: ﴿وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾.\nأي بحفظي وكَلاءتي، بسمعي وبصري، وإني ناصركم على عدوكم وعدوي الذين أمرتكم بقتالهم.\nوقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾.\nأي حافظتم على إقامة الصلاة وإعطاء الزكاة، وصدقتم بما أتاكم به رسلي من شرائع ديني.\nوقوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾.\nقال مجاهد: (نصرتموهم). وقال ابن زيد: (التعزيز والتوقير: الطاعة والنصرة).\nوقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. أي أنفقتم في سبيله وابتغاء مرضاته.\nوقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\nأي أستر عليكم ذنوبكم، وأتجاوز عنها فأمحوها، وأتحفكم بدخول جنات النعيم التي تجري من تحتها الأنهار.\nوقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.\nأي: فمن جحد هذا الميثاق منكم - يا بني إسرائيل - بعد شدّه وتوكيده، فقد أخطأ طريق النجاة، وَزَلَّ في طريق الهلاك.\nوقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه). وقال قتادة: (فبنقضهم ميثاقهم لعناهم). - أي طردناهم عن الهدى والحق.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.\nأي: فلا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا لغلظتها وقسوتها.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٨٩) لتفصيل البحث.","vol":"2","page":426},{"text":"وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني: حدود الله في التوراة، ويقولون: إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا).\nوالمقصود أنهم حملوا كلام الله في التوراة على غير مراده ومعناه، وأشاعوا فهمًا منحرفًا له يوافق أهواءهم وشهواتهم.\nوقوله: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.\nقال السدي: (يقول: تركوا نصيبًا).\nوقال الحسن: (تركوا عُرَى دينهم، ووظائفَ الله جل ثناؤه التي لا تُقبل الأعمال إلا بها).\nوالمقصود: أنَّهم تركوا العمل بما ذكروا به رغبة عنه إلى دنيا عكفوا عليها.\nوقوله: ﴿وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.\nيعني الغدر من أكثرهم والخيانة.\nقال قتادة: ﴿وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، قال: على خيانة وكذب وفجور).\nوقال مجاهد: (هم يهودُ، مِثْلُ الذي هموا به من النبي - ﷺ - يوم دخل حائطهم).\nوقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾.\nقال ابن كثير: (وهذا هو عينُ النَّصر والظفر، كما قال بعض السلف: \"ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تُطيع الله فيه\". وبهذا يحصُلُ لهم تأليفٌ وجَمْعٌ على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، يعني به: الصفح عمن أساء إليك).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.\nأي: وكذلك الذين زعموا أنهم على دين عيسى ﵊، وأنهم متابعوه على هديه ومناصروه ومآزروه، وقد عقدوا لذلك المواثيق والعهود - كما فعل اليهود من قبل - على الإيمان به وبكل نبي يرسله الله بعده إلى الأرض، إلا أنهم كانوا كسابقيهم عند أسوأ الظن. قال قتادة: (نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهدَ الله الذي","vol":"2","page":427},{"text":"عهده إليهم، وأمر الله الذي أمرهم به). وقال السدي: (قالت النصارى مثل ما قالت اليهود، ونسوا حظًا مما ذكروا به).\nوقوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nيعني: أوقع الله بينهم، فأصبحوا طوائف يأكل البغض والحسد بعضُهم بعضًا.\nقال إبراهيم النخعي: (هذه الأهواء المختلفة والتباغض، فهو الإغراء).\nوقوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾.\nفيه تَوَعُّدٌ من الله بالانتقام منهم إذ كذبوا على الله ورسوله، وجعلوا لله صاحبة وولدًا، ونقضوا العهود والمواثيق، وحرّفوا التنزيل والأمر والنهي، تعالى الله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، وتقدست أسماؤه وجلت عظمته.\n١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾.\nفي هذه الآياتِ: عالمية دعوة محمد - ﷺ -: إلى الناس كافة، إلى الجن والإنس، إلى الأمم جميعها من أهل الكتاب وغيرهم. وبيان ما حصل من التحريف والتبديل في الكتب المتقدمة، وإخبار عن القرآن العظيم وما فيه من النور المبين، وطريق السعادتين في الدنيا والآخرة.\nفعن قتادة: (﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: وهو محمد - ﷺ -).\nوعن عكرمة عن ابن عباس قال: (من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب. قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، فكان الرجم مما أخفوا) رواه ابن جرير والحاكم.","vol":"2","page":428},{"text":"وقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. أي يسكت عن أشياء أخرى مما غيّروا وبدلوا وحرّفوا لا فائدة ببيانها.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني بالنور محمدًا - ﷺ - الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، .. ومن إنارته الحق، تبيينه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من لكتاب. وقوله: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، يقول جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور لذي أنار لكم به معالم الحق، ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد - ﷺ -، يبيِّن للناس جميع ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله).\nوعن السَّدي: (﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا به، لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية).\nقال القرطبي: (قوله ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: ما رضيه. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾: طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمنة من كل مخافة، وهي الجنة).\nوقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.\nأي من ظلمات الجاهلية والكفر إلى نور الحق والإسلام.\nوقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.\nقال ابن جرير: (تحبيبُه إياه الإيمان، برفع طابع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سُبل السلام).\nفمن باشر السير في طريق رضوان الله سبحانه، هيّأَ له سُبلًا من الخير والتوفيق والإلهام، وأسبابًا لسعادة الدنيا والآخرة.\nوأصل الهداية في لغة العرب من الهدى، وهو الرشاد والدلالة، وهو يذكر ويؤنث.","vol":"2","page":429},{"text":"والهداية هنا تعني هداية التوفيق والإلهام، وهي هداية خاصة بالمؤمنين الذين صدقوا الرسل واتبعوهم، وصار لهم قدم صدق في الإسلام والإيمان والإحسان، وتعلقت قلوبهم بالله ومحابه، فهناك يكرمهم ربهم تباركت أسماؤه وصفاته بهداية خاصة بعد هداية الدلالة والإرشاد. فإن مراتب الهداية كما وردت في الكتاب والسنة:\n١ - هداية الخلق العامة.\n٢ - هداية الدلالة والإرشاد.\n٣ - هداية التوفيق والإلهام.\n٤ - هداية إلى طريق الجَنَّة يوم القيامة.\nفقوله هنا: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ كقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وكقوله في سورة مريم: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأُعْطِيَنَّهُ، وإن استعاذني لأعيذنه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١).\nوقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾.\nأي: يرشدهم إلى دين الله القويم، ويسدِّد خُطاهم إليه، وينجيهم من فساد واعوجاج بقية المسالك، فليس بعد الحق إلا الضلال.\n١٧ - ١٨. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١/ ٢٣٤)، والبغوي في شرح السنة (١/ ١٤٢/ ٢)، ويشهد له ما في مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٥٦)، وانظر تمام بحث الهداية في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٠٠).","vol":"2","page":430},{"text":"مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: حكم الله في الذين ادعوا الألوهية في عيسى ﵊، وإثبات عبودية المسيح وأمه لله الملك سبحانه، وتكذيب الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه من أهل الكتابين، وإثبات العذاب على المكذبين بالله ورسله وتوحيده يوم القيامة.\nفقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾.\nقال القرطبي: (وكفر النصارى في دلالة هذا الكلام إنما كان بقولهم: إن الله هو المسيح بن مريم على جهة الدينونة به؛ لأنهم لو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا).\nوقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. أي: أخبر الله المسيح ﵊ أن لو كان إلهًا لقدر على دفع الضرّ عنه مما أصابه، فقد أمات أمه ولم يتمكن من دفع ذلك عنها، وكذلك لو أراد سبحانه إهلاكه وإهلاك جميع أهل الأرض.\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾.\nأي: كل المخلوقات والموجودات في هذا الكون الفسيح تحت تصرفه سبحانه وفي ملكه ينفذ فيها أمره، فلو كان المسيح وأمه إلهين فأين سيكونان؟ إن المسيح وأمه ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أي مخلوقان محصوران بين السماوات والأرض، وما أحاط به الحدّ والنهاية لا يصلح للإلهية، والله وحده على كل شيء قدير.\nوقوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.\nفرأوا لأنفسهم فضلًا وشرفًا. قال ابن عباس: (خوّف رسول الله - ﷺ - قومًا من اليهود العقاب فقالوا: لا نخاف فإنا أبناء الله وأحِبّاؤه، فنزلت الآية).","vol":"2","page":431},{"text":"قال ابن كثير: (أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبُّنا. ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: \"أنت ابني بكري\". فحملوا هذا على غير تأويله وحرّفوه. وقد ردّ عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يُطلَقُ عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني: ربِّي وربِّكم. ومعلوم أنهم لم يدّعوا لأنفسهم من البُنُوَّةِ ما ادعوها في عيسى ﵇، وإنما أرادوا بذلك مَعَزَّتهم لديه وحُظْوَتَهم عنده، ولهذا قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه).\nوقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾. تكذيب لهم من الله في ادعائهم.\nوفيه أكثر من تأويل:\n١ - التأويل الأول: قيل معنى ﴿يُعَذِّبُكُمْ﴾ عَذَّبكم. أي حين مسخهم قردة وخنازير. ذكره القرطبي.\n٢ - التأويل الثاني: قيل فلم أعدّ لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم. ذكره ابن كثير.\n٣ - التأويل الثالث: هو اعتراف اليهود أن الله سيعذبهم أربعين يومًا عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. ذكره ابن جرير.\nقلت: والبيان الإلهي يحتمل بإعجازه كل ما سبق ذكره. والسنة الصحيحة تؤيده في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن حبان في صحيحه، والطبراني في \"المعجم الكبير\" بإسناد صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [الحيَّات مسخُ الجن، كما مُسِخَت القردة والخنازير من بني إسرائيل] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: [لما فُتحت خَيْبَرُ أُهديت للنبي - ﷺ - شاةٌ فيها سُمٌّ، فقال النبي - ﷺ -: اجمعوا إليَّ من كان هاهنا من يهود. فجمعوا له، فقال: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادِقيَّ عنه. فقالوا: نعم، قال لهم النبي - ﷺ -: من أبوكم؟ قالوا: فلان، فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (١٠٨٠)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٩٤٦). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٨٢٤)، وصحيح الجامع الصغير (٣١٩٨).","vol":"2","page":432},{"text":"قالوا: صدقت. قال: فهل أنتم صادِقيَّ عن شيءٍ إن سألْتُ عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عَرَفْتَ كَذِبَنا كما عرفْتَه في أبينا، فقال لهم: مَنْ أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تَخْلفونا فيها، فقال النبي - ﷺ -: اخسؤوا فيها، واللهِ لا نخلفكم فيها أبدًا. ثم قال: هل أنتم صادِقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح، وإن كنت نبيًّا لم يَضُرَّك] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار] (٢).\nوقد استدل قوم بهذه الآية: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أن الحبيب لا يعذب حبيبه. وهذا استدلال طيب، فإن اليهود لو قالوا لا يعذبنا كذّبوا ما في كتبهم من أن الله سيعذب العصاة، ولو قالوا يعذبنا أقرّوا أنهم ليسوا أبناء الله وأحباءه.\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: [مرّ النبي - ﷺ - بأناس من أصحابه، وصبي بين ظهراني الطريق، فلما رأت أمه الدواب خشيت على ابنها أن يوطأ، فسعت والهة، فقالت: ابني! ابني! فاحتملت ابنها، فقال القوم: يا نبي الله! ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، فقال رسول الله - ﷺ -: لا والله، لا يلقي اللهُ حبيبَه في النار] (٣).\nوأخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث عتبان بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: [لن يُوافِيَ عَبْدٌ يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بها وَجْهَ الله، إلا حَرَّمَ الله عليه النار] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في كتاب الجزية من صحيحه. انظر مختصر صحيح البخاري - حديث رقم - (١٢٨١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر - صحيح مسلم - حديث رقم: (٢٠) -، وصحيح مسلم (١/ ٩٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ١٧٧)، وأحمد (٣/ ١٠٤)، وهو على شرط الشيخين.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٤٢٣) - كتاب الرقاق. ورواه أحمد في المسند. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٥١٠٦).","vol":"2","page":433},{"text":"وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.\nقال السدي: (يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.\nأي جميع الخلق في هذا الكون ملك لله، والمرد إليه سبحانه لا محالة. وفيه تهديد ووعيد للمغترين بالأماني وفضائل الآباء والأسلاف كأولئك القائلين: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.\n١٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾.\nفي هذه الآية: الخطاب لأهل الكتابين في أن الله أرسل لهم محمدًا - ﷺ -، وهو خاتم النبيين والمرسلين.\nقال قتادة: (وهو محمد - ﷺ -، جاء بالفرقان الذي فَرَق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه، وعصمةٌ لمن أخذ به).\nوقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾.\nأي على انقطاع من الرسل. وقد روى ابن جرير في التفسير قال: حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: (كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، ذكر لنا أنَّها كانت ست مئة سنة، أو ما شاء من ذلك والله أعلم). ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وهناك أقوال أخرى ولكن ذكرت الراجح، وربما يعود اختلاف الأرقام بين المفسرين لاختلاف السنة الشمسية والقمرية. ثم إنه لم يكن بين عيسى ﵊ ونبينا محمد - ﷺ - بعثة نبي.\nأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياءُ أولادُ عَلّات، ليس بيني وبينه نبيّ] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٤٤٢) - كتاب أحاديث الأنبياء. وانظر كذلك (٣٤٤٣).","vol":"2","page":434},{"text":"قال الحافظ ابن كثير ﵀: (والمقصود أن الله بعث محمدًا - ﷺ - على فترة من الرسل، وطُمُوس من السُّبُل، وتَغَيُّر الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمةُ به أتمَّ النعم، والحاجة إليه أمرٌ عَمَمٌ، فإن الفساد كان قد عمَّ جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهرَ في سائر العباد، إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعُبَّاد النصارى والصابئين).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عياضِ بن حِمَارٍ المُجَاشِعيِّ، أن رسول الله - ﷺ - قال ذات يوم في خُطْبَتِه: [ألا! إن ربي أَمَرَني أن أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُم مِمَّا عَلَّمَني، يَوْمي هذا، كُلُّ مال نَحَلْتُهُ عبدًا، حلالٌ، وإني خَلقْتُ عبادي حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنهم أَتَتْهُم الشياطين فاجْتالتْهُم عن دينهم، وحَرَّمَتْ عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهُم أن يُشركوا بي ما لمْ أُنْزِلْ به سلطانًا، وإن الله نَظَرَ إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُم وعَجَمَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بَعَثْتُك لأبتليك وأَبْتَلِيَ بك، وأَنْزَلْتُ عليك كتابًا لا يَغْسِلُه الماءُ، تَقْرَؤُه نائِمًا ويَقْظانَ، وإن الله أَمَرَني أن أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فقلتُ: ربِّ! إذن يَتْلَغُوا رأسيِ فيَدَعوه خُبْزَةً، فقال: استَخْرِجْهُم كما استخرجوك، واغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وأَنْفِقْ فسَيُنْفقَ عليك، وابْعَث جَيْشًا نبعثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وقاتِلْ بِمَنْ أطاعك من عصاكَ، قال: وأهل الجَنَّة ثلاثة: ذو سُلطان مُقْسِطٌ مُتَصَدِّق مُوَفَّقٌ، ورجُلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب لكل ذي قُربى ومُسْلِم، وعفيفٌ ومُتعففٌ ذو عيال. قال: وأهل النار خَمْسَةٌ: الضعيفُ الذي لا زَبْرَ لَهُ، الذين هم فيكم تَبَعًا لا يَتْبَعونَ أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى لَهُ طَمَعٌ - وإن دَقَّ - إلا خانَهُ، ورجُلٌ لا يُصْبحُ ولا يُمْسي إلا وهو يخادِعُكَ عنْ أهلِكَ ومالِكَ. وذكر البُخْلَ أو الكذِبَ وَالشِّنْظيرُ: \"الفَحَّاشُ\"] (١).\nوقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.\nأي كي لا تقولوا، أو أن لا تقولوا. قال ابن جرير: (كي لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. يعلمهم عزّ ذكره أنه قد قطع عذرهم برسوله - ﷺ -، وأبلغ إليهم في الحجة).\nوالبشير المبشِّر بالثواب لمن أطاع الله وآمن برسوله، والنذير المنذر بالعقاب لمن عصى الله وكذب رسوله.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، كتاب الجَنَّة ونعيمها - باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجَنَّة وأهل النار، ورواه أحمد (٤/ ٢٦٢)، والبيهقي (٩/ ٦٠).","vol":"2","page":435},{"text":"وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nتأكيد لنبوة محمد - ﷺ - وإرساله إلى الأمم كافة، والله لا يعجزه مجازاة من أطاع، ولا معاقبة من كذب وتولى، فهو القادر على كل شيء، والفعال لما يريد.\n٢٠ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَال رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله عن تذكير موسى ﵇ قومه نعم الله المتراكمة عليهم في تتابع الأنبياء فيهم، وجمع الله أسباب الدنيا وخيرها عليهم، وجعلهم أشراف الناس في زمانهم. ثم تحريض موسى ﵇ لبني إسرائيل على الجهاد والدخول في بيت المقدس، الذي كان بأيديهم زمان أبيهم يعقوب ﵇، وبشرهم بالنصر والظفر فنكلوا وعصوا، وتخوفوا قومًا جبارين فيها، حتى حرَّضهم رجلان ممن يخاف أمر الله وحلول عقابه ولهم في مهابة، بأنكم إن توكَّلْتُم على الله وواجهتم عدوكم ينصركم سبحانه، فنكلوا بأشبع وجه وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، فهنالك دعا موسى ربه أن يقضي بينه وبينهم وقال لا أملك إلا نفسي وأخي، فحكم الله عليهم بتحريم دخولها مدة أربعين سنة يقعون في التيه ولا يهتدون للخروج منه. وتفصيل ذلك:","vol":"2","page":436},{"text":"قوله: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (عافية الله ﷿). وقال ابن عيشة: (أيادي الله عندكم وأيامه).\nوقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: كلما هَلَكَ نبيٌّ قام فيكم نبيٌّ، من لَدُن أبيكم إبراهيم وإلى ما بعده وكذلك كانوا، لا يزال فيهم الأنبياء يدعُونَ إلى الله ويُحذرون نقمتَه، حتى خُتموا بعيسى بن مريم - ﵇ - ثم أوحى الله إلى خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ - ﵇ -، وهو أشرف من كل من تقدَّمه منهم، - ﷺ -).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾.\nقال ابن جرير: (سخَّر لكم من غيركم خدمًا يخدمونكم).\nقال قتادة: (كنا نحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدم من بني آدم وملكوا).\nوعن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: (الزوجة والخادم والبيت).\nوقال: (كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكًا). وعن السدي قال: (يملك الرجل منكم نفسه وأهلَه وماله).\nوذكر الطبري بسنده إلى أبي عبد الرحمن الحُبُلي قال: (سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكنٌ تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! فقال: إن لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك) - ورواه مسلم (١).\nأخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن عبيد الله بن محصن، عن النبي - ﷺ - قال: [من أصبح منكم معافىً في جسده، آمِنًا في سِرْبِهِ، عنده قوت يومِه، فكأنما حِيزتْ له الدنيا بحذافيرها] (٢).\nوقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾.\nكانوا أفضل أهل زمانهم، وأشرف من سائر بني آدم. كما قال تعالى في سورة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٧٩) - كتاب الزهد. ورواه ابن جرير.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٣٤٦)، وابن ماجة (٤١٤١)، وقال الترمذي: حَسَن غريب.","vol":"2","page":437},{"text":"الجاثية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٦)﴾. وكذلك قوله في سورة البقرة: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (٤٧)﴾.\nوعن مجاهد: (﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾، قال: المنّ والسلوى والحجر والغمام).\nولكن هذه الأمة أفضل عند الله منهم، وأشرف منزلة يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وذلك لحسن صحبتها لنبيِّها محمد - ﷺ - يوم كان بين ظهرانيهم، ولبشائر استمرار طائفة على الحق في حراسة هذا الدين ومنهاجه في الأرض إلى يوم القيامة. فإلى ذكر بعض الأحاديث الصحيحة في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يَضُرّهم من خَذَلَهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: [قام معاوية خطيبًا فقال: أين علماؤكم؟ أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقوم الساعة إلا وطائفة من أمتي ظاهرون على الناس، لا يبالون من خذلهم وَلا من نصرهم\" (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود وأحمد بسند جيد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أمتي أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابُها في الدنيا الفتنُ والزلازل والقتل].\nوفي لفظ: [أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل والبلايا] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩٢٠) - كتاب الإمارة. وانظر صحيح ابن ماجة (١٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن. انظر صحيح ابن ماجة (٩) - باب اتباع سنة رسول الله - ﷺ - وأصله في صحيح مسلم (١٠٣٧) من حديث عمير بن هانئ.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٢٧٨)، وأحمد (٤/ ٤١٠)، (٨/ ٤١٤)، والحاكم (٤/ ٤٤٤) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وأقره الألباني، انظر السلسلة الصحيحة، حديث (٩٥٩).","vol":"2","page":438},{"text":"وقوله: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فيه أقوال متكاملة، مفادها أن الأرض المقدسة هي بيت المقدس.\n١ - قال مجاهد: (﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾: الطور وما حوله).\n٢ - قال قتادة: (﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾: هي الشأم).\n٣ - قال ابن زيد: (﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: أريحا) - والمراد بيت المقدس.\n٤ - وقيل: إن ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، دمشق وفلسطين وبعض الأرْدن. ذكره ابن جرير، ثم روى عن مجاهد: (﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قال: المباركة).\nقال ابن كثير: (قال تعالى مخبرًا عن تحريض موسى - ﵇ - لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبَنُوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف - ﵇ - ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى، فوجدوا فيها قومًا من العمالقة الجبارين، قد استحوَذُوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى - ﵇ - بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبَشَّرهم بالنصرة والظَّفَر عليهم، فنكَلُوا وعَصَوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سَيْرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجَّهونَ فيه إلى مَقْصِدٍ مُدّةَ أربعين سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى، فقال تعالى مُخبرًا عن موسى أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أي: المُطَهَّرَة).\nوقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nقال القرطبي: (أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم). والقصود أنَّ الله سبحانه قد وعدهم دخولها على لسان أبيهم إسرائيل أنه وراثةُ من آمن منكم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾\nتحذير لهم من تضييع الجهاد وتركه والركون إلى الدنيا. ولذلك قال: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.\nفاعتذروا عن الدخول والقتال بقولهم إن فيها رجالًا عمالقة ذوي خِلَق هائلة وقوى شديدة: ﴿قَالوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. يريدون بذلك أن لا طاقة لهم على الصمود أمامهم ولا مصاولتهم، فإن خرجوا دخلوها آمنين مستقرين. فلما نكلَ بنو إسرائيل عن طاعة الله ورسوله","vol":"2","page":439},{"text":"موسى - ﷺ -: ﴿قَال رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nأي حثّهم على الجهاد رجلان صالحان منهم ممن يخاف بأس الله وعقابه، قد أنعم الله عليهما بالإيمان واليقين والصلاح، فأشارا إلى بني إسرائيل أن لا يهولَنَّكُم عظم أجسامهم فقلوبهم مُلئت رُعبًا وحرصًا على الدنيا، فالأجسام عظيمة والقلوب خاوية ضعيفة، وهذا شأن الكفار على مدار الزمان، فثقوا بالله وأقدموا، وقد وعد الله المؤمنين المتوكلين عليه النصر والظفر.\nفأجابوا مرّة أخرى بالجبن والخوف، وبالموقف المخزي في تاريخهم مع موسى ﵇ الذين قاسى منهم الكثير، ومن ضعف إيمانهم وتردد قلوبهم وظهور النفاق الذي تكشفه الشدائد: ﴿قَالوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.\nومن هنا تدرك أفضلية هذه الأمة - أمة محمد - ﷺ - يوم عُرضت عليها الشدائد كما عرضت على بني إسرائيل قبلها، فأجابوا بقوة الدين والصدق عند اللقاء، النابع من علو الثقة بالله ونصره: (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون). فإلى استعراض هذه الصفحات المشرقة والمواقف المشرفة من تاريخ هذه الأمة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس: [أن رسول الله - ﷺ - شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان (١) قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغُمَاد لفعلنا، قال: فندب رسول الله - ﷺ - الناس فانطلقوا] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أنس: [أن\n_________\n(١) يبدو أن هذه هي المشاورة الأولى في المدينة قبل الخروج إلى بدر، شاور فيها كبار أصحابه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٧٩) - كتاب الجهاد والسير. وانظر كتابي: السيرة النبوية (١/ ٥٣١). وبرك الغماد: موضع بعيد باليمن، وقيل بل هي مدينة بالحبشة.","vol":"2","page":440},{"text":"رسول الله - ﷺ - لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عُمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشرَ الأنصار، إياكم يريدُ رسول الله - ﷺ -. قالوا: إذن لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، والذي بعثك بالحق لو ضَرَبْتَ أكبادها إلى بَرْكِ الغُمَاد لاتبعناك] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والبخاري - واللفظ لأحمد - عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله - هو ابن مسعود - ﵁: [لقد شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون أنا صاحبَه أحبُّ إليّ مما عُدِلَ به: أتى رسول الله وهو يدعو على المشركين، فقال: والله - يا رسول الله - لا نقولُ كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يَسارك، ومن بين يديك ومن خلفِكَ. فرأيت وَجْهَ رسول الله - ﷺ - يُشْرِقُ لذلك، وسَرَّه بذلك] (٢).\nالحديث الرابع: يروي ابن إسحاق بسند صحيح إلى ابن عباس، وكذلك الطبراني بسند حسن، وبنحوه البيهقي وأحمد في خبر أحداث بدر، يقول ابن عباس ﵄: [وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عِيرهم، فاستشار الناس (٣)، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقدادُ بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغُمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تَبْلغه، فقال له رسول الله - ﷺ - خَيْرًا، ودعا له به] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٠٥)، (٣/ ١٨٨)، والنسائي في \"التفسير\" (١٦١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، وانظر صحيح البخاري (٣٩٥٢)، (٤٦٠٩)، بلفظ قريب، وكذلك ما أخرجه النسائي في \"التفسير\" (١٦٠).\n(٣) وهذه هي الاستشارة الثانية من النبي - ﷺ - لأصحابه يوم بدر، وكانت قبل بدء المعركة.\n(٤) حديث صحيح. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٦١٤ - ٦١٥) بإسناد صحيح، فقد صرح ابن إسحاق بالسماع. وأخرجه الطبراني بسند حسن. انظر تفصيل الروايات في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٥٣٠ - ٥٤١).","vol":"2","page":441},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: اقض بيني وبينهم). وقال السدي: (غضب موسى - ﷺ - حين قال له القوم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، فدعا عليهم فقال: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾).\nوالمعنى: لقد غضب موسى ﵊ حين أظهروا الخوار والضعف وعدم الأهلية لحمل الأمانة وراية الجهاد، فقال داعيًا: رب إني لا أقدر على أحد أن أحمله على أمرك لقتال عدوك إلا نفسي وأخي، فافصل بيننا وبين هؤلاء القوم الخارجين عن طاعتك بما تحب وترضى لهم. فأجابه الله سبحانه:\n﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. أي: قضى الله عليهم أن حرَّم عليهم - حين أبوا حَرْب الجبارين - دخول مدينتهم أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وقيل هنا حصل لهم من الخوارق العجيبة: كتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وإخراج الماء الجاري من صخرة صماء تُحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينًا تجري لكل شَعْبٍ عين، والله تعالى أعلم.\nوأصل التِّيه في لغة العرب الحَيرة، يقال: تاه يتيه إذا تَحَيَّرَ، والأرض التَّيْهاء هي الأرض التي لا يُهتدى فيها، فكانت عقوبة من الله لبني إسرائيل مقابل نكولهم عن الجهاد وركونهم إلى الدنيا والشهوات، أن حرّم عليهم دخول مدينتهم أربعين سنة يتيهون، ثم فتحها عليهم وأسكنهموها وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم، بعد انقضاء الأربعين سنة وخروجهم من التيه.\nوعن السدي: (لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى - ﷺ -، فلما ندم أوحى الله إليه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، لا تحزن على القوم الذين سمّيتهم فاسقين، فلم يحزن).\nوهذه الآيات تحمل الدرس البليغ لهذه الأمة أَنَّ تركها الجهاد هو تشبه منها بأمة يهود التي حلّ بها غضب الله سبحانه وعقوبته، عندما جبنوا عن لقاء عدوهم، وخافوا على دنياهم، فالجهاد عِزُّ المسلمين وشوكتهم إلى يوم القيامة.\nأخرج الطبراني في \"الأوسط\" بسند صحيح عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: [عليكم","vol":"2","page":442},{"text":"بالجهاد في سبيل الله ﵎، فإنه باب من أبواب الجَنَّة، يُذهِبُ الله به الهَمَّ والغَمِّ] (١).\n٢٧ - ٣١. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَال لَأَقْتُلَنَّكَ قَال إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَال يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾.\nفي هذه الآياتِ: بيان ما يؤول إليه البغي والحسد، ويوقع الإنسان في شباك الندم، وبيان مرتبة التقوى والصلاح وما تؤول إليه من القبول عند الله، وبيان أثر إحداث المعصية في الأرض وما يؤول إليه من تراكم الآثام على محدث الذَّنْب الأول. كل ذلك يرد في قصة ابن آدم القاتل الأول مع أخيه التقي المقتول.\nفقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾.\nأي: اتل يا محمد على هؤلاء المكرة اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليكم، وعلى أشباههم من الظلمة، وعلى أصحابك كذلك خبرَ ابني آدم - قابيل وهابيل -، وعرِّفهم بذلك ما يعقب الظلم من وخيم العاقبة وسوء المنقلب. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي على اليقين الذي لا يشوبه لبس أو كذب.\nوقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾.\nقال ابن كثير: (وكان من خبرهما، فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى كان قد شرع لآدم - ﵇ - أن يَزَوِّجَ بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\". من طريق أبي أمامة، والحاكم (٢/ ٧٤ - ٧٣) من طريق عبادة بن الصامت. وانظر مسند أحمد (٥/ ٣١٤) \" (٥/ ٣٢٦)، وصحيح الجامع (٣٩٤٢).","vol":"2","page":443},{"text":"قالوا: كان يُولَد له في كل بطن ذكرٌ وأنثى، فكان يزوِّجُ أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيلَ دَمِيمةً، وأخت قابيلَ وضيئةً، فأراد أن يستأثِر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقرِّبا قربانًا، فمن تُقُبِّلَ منه فهي له، فقرَّبا فَتُقُبِّلَ من هابيل ولم يُتَقَبَّل من قابيل، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه).\nوقوله: ﴿قَال لَأَقْتُلَنَّكَ قَال إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾.\nقال قتادة: (ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل. فأما هابيل، فكان صاحب ماشية، فعمدَ إلى خير ماشيته فتقرَّب بها، فنزلت عليه نار فأكلته - وكان القربان إذا تُقبِّلَ منهم، نزلت عليه نار فأكلته. وإذا رُدَّ عليهم أكلته الطّير والسباع - وأما قابيل، فكان صاحب زرع، فعمد إلى أردأ زرعه فتقرب به، فلم تنزل عليه النار.، فحسد أخاه عند ذلك فقال: للأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين) ذكره ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (ما أنا بمنتصر، ولأمسكنَّ يدي عنك). وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: ايم الله، إن كان المقتول لأَشَدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسط إلى أخيه) (١). والتحرج: الورع.\nوقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾. أي: أخاف في بسط يدي إليك لقتلك مالكَ الخلائق كلها عقوبته.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (إثم قتلي، إلى إثمك الذي في عنقك).\nوقال قتادة: (يقول: بقتلك إياي، وإثمك قبل ذلك).\nوقال مجاهد: (إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي، تبوء بهما جميعًا).\nوقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾: شجعته على قتل أخيه).\n_________\n(١) ذكره الطبري في التفسير بإسناده إلى عبد الله بن عمرو. انظر تفسير الطبري (١١٧٣٠).","vol":"2","page":444},{"text":"وقال قتادة: (زينت له نفسه قتل أخيه فقَتله).\nوأصل \"طوّعت\" من الطوع: وهو الانقياد. أي آتته نفسه وساعدته عليه. قيل: قتله بحديدة في يده، وقيل بل وجده نائمًا فشدخ رأسه بصخرة، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nأي في الدنيا والآخرة، فقد وقع في شباك ذنبه فلا رجوع ولا استئناف، إذ ترك نفسه للشيطان فتسلَّط عليها حتى أوقعه.\nوفي القصة فوائد كثيرة أخبرنا بها نبيِّنا - ﷺ -:\nالفائدة الأولى: تحريم التقاء المسلمين بالسلاح.\nفقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي بكرة عن النبي - ﷺ - قال: [إذا تواجَهَ المسلمان بسيفيهما، فانقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه] (١).\nالفائدة الثانية: اعتزال الفتن وعدم المشاركة فيها.\nفقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن بينَ يدي الساعةِ فِتَنًا كَقِطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، القاعدُ فيها خير من القائم، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، فكسروا قسيكم، وقَطعوا أوتاركُمْ، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دُخِل - يعني: على أحد منكم - فليكن كخير ابْنَي آدم] (٢).\nوفي مسند الإمام أحمد عن بُسر بن سعيد، أن سَعْدَ بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنها ستكون فتنة، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي. قال: أفرأيت إن دَخَلَ عليَّ بيتي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣١)، (٧٠٨٣)، وأخرجه مسلم برقم (٢٨٨٨)، ورواه أحمد في المسند (٧/ ٤٦)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣٥٨٢) - باب في النهي عن السعي في الفتنة، وسنن ابن ماجة (٣٩٦١). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"2","page":445},{"text":"فبسط يده إلي ليقتلني؟ ! قال: كن كابن آدم] (١). ورواه أبو داود من طريقه عن يزيد بن خالد الرملي عن المفَضَّل عن عيّاش بن عباس عن بُكير عن بُسر. وقال فيه: [وتلا يزيد: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾].\nالفائدة الثالثة: لزوم الصبر عند اختلاط الأمور، وبيت الرجل خير له من مشاهدة الفتن، والتماس التقوى والعمل الصالح للنجاة.\nأخرج أبو داود وابن ماجة عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: أيا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: كيف أنت إذا أصاب الناسَ موتٌ يكون البيت فيه بالوصيف - وفي لفظ: بالعَبْدِ: يعني القبر -؟ قلت: الله ورسوله أعلم، أو قال: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بالصَّبْر. أو قال: تَصْبر. ثم قال لي: يا أبا ذر! قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذا رأيت أحْجار الزيت (٢)، قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بمن أنت منه. قلت: يا رسول الله أفلا آخذ سيفي وأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القومَ إذنْ. قلت: فما تأمرني؟ قال: تَلْزمُ بيتك. قلت: فإن دُخِلَ على بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يَبْهَرَكَ شعاعُ السيف، فألقِ ثوبك على وجهك، يبوءُ بإثمك وإثمه] (٣).\nوأخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن بين أيديكم فِتنًا كقطع الليل المظلم، يُصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم] (٤).\nوفيه من حديث المقداد بن الأسود قال: ايم الله! لقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٨٥)، والترمذي في الجامع (٢١٩٥)، وقال: حديث حسن، بل هو صحيح لكثرة شواهده، وانظر للرواية بعده سنن أبي داود (٤٢٥٧)، وكذلك مسند أحمد (١/ ١٦٨ - ١٦٩). وصحيح أبي داود (٣٣٨١) - باب النهي عن السعي في الفتنة. ولبعضها شواهد في صحيح الإمام مسلم.\n(٢) موضع في الحرة - خارج المدينة المنورة -، أحجاره فيها لمعان.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٢٦١) - الباب السابق. انظر صحيح أبي داود (٣٥٨٣)، وصحيح ابن ماجة (٣١٩٧)، باب التثبت في الفتنة. والوصيف: القبر. والمعنى: يكون العبد قيمة للقبر بسبب كثرة الأموات، أو يباع البيت بالعبد لقلة من يسكنه من كثرة الموت.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٢٦٢)، وانظر صحيح أبي داود - حديث (٣٥٨٤).","vol":"2","page":446},{"text":"[إن السعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَن، إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبَرَ فواهًا] (١).\nالفائدة الرابعة: تعلّق الآثام بمحدثها ومن سنّ أمرها.\nفهذا ابن آدم الأول القاتل يتحمل تبعة كل قتل ظلم في الأرض إلى يوم القيامة.\nفقد أخرج البخاري ومسلم عن مسروق، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دَمِها؛ لأنه أَوَّل من سَنَّ القتل] (٢).\nوفي لفظ: [ليس من نفس تُقْتَلُ ظُلْمًا إلا كان على ابن آدَمَ الأول كِفْلٌ منها - وفي رواية: من دمها - لأنه سنَّ القتل أولًا].\nوفي صحيح مسلم من حديث المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجْرُها، وأجْرُ من عَمِلَ بها بعدَه، من غيرِ أن ينقُصَ من أجورهم شيءٌ، ومنْ سَنَّ في الإسلام سنَّةً سيئة، كان عليه وزْرُها وَوزْرُ من عمِلَ بها من بعدِه، مِنْ غَير أن يَنْقُصَ من أوزارهم شيءٌ] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَال يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.\nقال السدي: (لما مات الغلام تركه بالعراء، ولا يعلم كيف يُدفن، فبعث الله غرابين أخَوين، فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه).\nوقال ابن عباس: (جاء غراب إلى غراب مَيت، فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٢٦٣)، وإسناده صحيح على شرط مسلم. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٧٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٣٥) - كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلك (٧٣٢١) للرواية الثانية، وأخرجه مسلم (١٦٧٧)، والترمذي (٢٦٧٣)، وأحمد (١/ ٣٨٢)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٠١٧) - كتاب الزكاة، وكذلك في كتاب العلم، ورواه أكثر أهل السنن. من حديث المنذر بن جرير عن أبيه مرفوعًا.","vol":"2","page":447},{"text":"وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.\nقال القرطبي: (حيث رأى إكرام الله هابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة. وقيل: إنما ندمه كان على فقده لا على قتله، وإن كان فلم يكن موفيًا شروطه. أو ندم ولم يستمر ندمه).\nقال ابن عباس: (ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه).\nقلت: ويؤيد هذا ما أخرج الطبراني عن أبي سعيد الأنصاري، عن النبي - ﷺ - قال: [الندم توبة، والتائب من الذَّنْبَ كمن لا ذنب له] (١).\nفلو استوفى العبد لشروط التوبة - وأهمها الندم على ما وقع منه يعقبه الاستغفار والعزم على ألا يعود، تاب الله عليه وقبل منه.\n٣٢ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تشريع القصاص على بني إسىرائيل من أثر جناية ابن آدم القاتل ظلمًا، وَبِأَنَّ سَفْكَ دَمٍ ظلمًا هو بمثابة سفك للدماء وانتشار للفساد والهرج في الأرض إن لم يُردع بحد القصاص، فحياة النفس هي حياة للنفوس جميعًا، ثم في الآياتِ تشريع حد المحاربة والإفساد في الأرض: القتل والصلب وقطع اليد والرِّجل من خلاف\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الكبير\"، وأبو نعيم في الحلية. انظر صحيح الجامع (٦٦٧٩).","vol":"2","page":448},{"text":"أو النفي من الأرض حسب المصلحة التي يراها الحاكم المسلم خزيًا ورعًا للمفسدين، ثم من لم يتب فينتظره في الآخر عذاب عظيم.\nفقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾.\nأي: من جريرة وجناية القاتل الأول من ولد آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا.\nوقوله: (﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ - أي شرعنا القصاص لهم.\nقال الضحاك: (﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلمًا).\nوقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.\nفيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: من قتل نبيًّا أو إمامًا عادلًا فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا.\nقال ابن عباس: (من شدّ على عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا).\nوقال: (يقول: من قتل نفسًا واحدة حَرّمْتُها، فهو مثل من قتل الناس جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ يقول: من ترك قتل نفس واحدة حرمتها مخافتي، واستحياها أن يقتلها، فهو مثل استحياء الناس جميعًا، يعني بذلك الأنبياء).\nالتأويل الثاني: من قتل نفسًا ظلمًا فكأنه ققل الناس جميعًا عند المقتول في الإثم، والعكس بالعكس.\nيروي ابن جرير بسنده عن مرّة الهمداني، عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -: (قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، عند المقتول، يقول في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾، فاستنقذها من هلكة، ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، عند المستنقَذ).\nالتأويل الثالث: قاتل النفس ظلمًا يصلى النار كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا.\nقال مجاهد: (لو قتل الناس جميعًا، كان جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه","vol":"2","page":449},{"text":"ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا). وقال: (يصير إلى جهنم بقتل المؤمن، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنم). وقال: (من لم يقتل أحدًا فقد استراح الناس منه).\nالتأويل الرابع: القصاص الواجب على القاتل للنفس ظلمًا مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعًا.\nقال ابن زيد: (يجب عليه من القتل مثلُ لو أنه قتل الناس جميعًا).\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. أي: من عفا عمن وجب له القِصاص منه فلم يقتله.\nقال الحسن: (مَنْ قُتِلَ حَميمٌ له فعفا عن دمه).\nالتأويل الخامس: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ - أي من أنجاها من غرق أو حرق.\nقال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: من أنجاها من غَرَق أو حَرَقٍ أو هَلَكة). أو قال: (من غَرَقٍ أو حَرَقٍ أو هَدَمٍ).\nوقال الضحاك: (لو لم يقتله لكان قد أحيا الناس، فلم يستحلّ محرمًا).\nقلت: وكلها تدل على آفاق المعنى، وتزيد في بيان أبعاده ومعانيه.\nوإن كان الأظهر منها - كما قال سعيد بن جبير: (من استحل دم مسلم فكأنما استحلّ دماء الناس جميعًا، ومن حَرَّم دمَ مسلم فكأنما حَرّم دماء الناس جميعًا).\nويدل عليه قول النبي - ﷺ -: [المسلمون تتكافأ دماؤهم].\nفقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [المُسلمون تتكافأ دماؤهم: يسعى بذمَّتِهم أدناهم، ويجير عَليهم أقصاهم، وهم يَدٌ على من سواهم، يَرُد مُشِدُّهُمْ على مُضْعِفِهم، ومُتَسرعهم على قاعِدهم، لا يُقْتَلُ مؤمن بكافر، ولا ذو عَهْد في عهده] (١).\nوذكر ابن جرير بإسناده عن سليمان بن علي الربعي قال: (قلت للحسن: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية، أهي لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل! وما جعل دماءَ بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا).\n_________\n(١) حديث حسن صحيح. أخرجه أبو دواد في السنن من حديث عبد الله بن عمرو. انظر صحيح أبي داود (٢٣٩٠) - كتاب الجهاد - باب في السرية. ورواه ابن ماجة (٢٦٨٣).","vol":"2","page":450},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي من حديث عثمان، عن النبي ﵊، قال: [لا يحل دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ: رجل زنى بعدَ إحصان، أو ارتد بعد إسسلام، أو قتل نفسًا بغير حق، فيقتل به] (١).\nوأصله في الصحيحين والمسند والسنن من حديث ابن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النفس بالنفس، والثيِّبُ الزاني، والمفارق لدينه التاركُ للجماعة] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾.\nأي بالآيات الواضحات، والأدلة والحجج والبراهين القاطعات.\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾.\nيعني اليهود من بني إسرائيل كما ذكر ابن جرير.\nقال ابن كثير: (وهذا تقريع لهم وتوبيخٌ على ارتكابهم المحارِمَ بعد عِلْمِهم بها، كما كانت بنو قُرَيظَةَ والنَّضير وغيرهم من بني قَينُقاع ممن حَوْل المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها فَدَوا من أسروه، وَوَدَوا من قتلوه).\nوقد عاب الله عليهم خيانة العهد والميثاق بذلك بقوله في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا\n_________\n(١) حديث صحيح. ورواه أحمد والنسائي من حديث عائشة كذلك. انظر صحيح الجامع (٧٥١٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٨٧٨) - كتاب الديات. وأخرجه مسلم برقم - (١٦٧٦) - كتاب القسامة والمحاربين، باب ما يباح به دم المسلم، وأخرجه أحمد وأهل السنن. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٥١٩).","vol":"2","page":451},{"text":"أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. فيه سببان للنزول:\nالسبب الأول:\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن أنس بن مالك - في حديث العرنيين - قال فيه: [فبعث رسول الله - ﷺ -، في طلبهم قافَة (١)، فأتى بهم، قال: فأنزل الله ﵎ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية] (٢).\nوأصله في الصحيحين من حديث أنس بن مالك: [أن نفرًا من عُكْلٍ ثمانية قدموا على رسول الله - ﷺ - فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة، وسَقِمت أجسامُهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ فقالوا: بلى، فخرجوا، فشربو من أبوالها وألبانها، فَصَحُّوا، فقتلوا الراعِيَ وطردوا الإبل. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فبعث في آثارهم، فأُدْرِكوا، فجيء بهم، فَأَمر بهم فقطْعت أيديهم وأرجلهم، وسُمِرت أعينهم، ثم نُبِذُوا في الشمس حتى ماتوا] (٣). وفي لفظ لهما: [من عُكل أو عُرينة]. وفي لفظ عند البخاري وأبي داود:\nقال أبو قلابة: (فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إِيمانهم، وحاربوا الله ورسوله).\nوقال أنس: (فلقد رأيت أحدهم يَكْدِمُ الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا).\nوفي لفظ لمسلم والنسائي عن أنس قال: (إنما سَمَلَ النبي - ﷺ - أعين أولئك، لأنهم سَملوأ أعين الرعاة) (٤). وفي لفظ لأبي داود عن ابن عمر قال: (ونزلت فيهم آية المحاربة).\nوقوله: (سمل أعينهم): أي فاقأ أعينهم بمسمار أو حديدة محماة. وثبت في صحيح البخاري: أنَّ النبي - ﷺ -[أمر بمسامير فأحميت فكَحلهم].\n_________\n(١) القائف: الذي يعرف الآثار، والجمع: القافَة. يقال: قافَ أثره إذا تبعه، مثل قفا أثره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٣٦٦)، انظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٧٠) - باب في المحاربة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٣٣) و(١٥٠١)، (٤١٩٢)، وأخرجه مسلم (١٦٧١)، وأبو داود (٤٣٦٤)، والنسائي (٧/ ٩٤)، وأحمد (٣/ ١٩٨)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (٣٧٧٣)، ورواه مسلم. وانظر لرواية ابن عمر بعدها - حديث رقم - (٣٦٧٤) من صحيح أبي داود.","vol":"2","page":452},{"text":"السبب الثاني:\nأخرج أبو داود والنسائي واللفط للنسائي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية قال: [نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يُقدر عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست هذه الآية للرجل المسلم، فمن قتل وأفسد في الأرض، وحارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يُقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يُقام فيه الحَدُّ الذي أصاب] (١).\nوالمحاربة: هي المضادّة والمخالفة. قال ابن كثير: (وهي صادِقَةٌ على الكفر، وعلى قَطْعِ الطويق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يُطلق على أنواع من الشر). وقد جاء في تفسيرها أقوال متقاربة ومتكاملة:\n١ - قال قتادة وعطاء: (هذا اللص الذي يقطع الطريق، فهو محارب) - وهو قول الأوزاعي.\n٢ - قال الوليد بن مسلم: وأخبرني مالك: (أن قتل الغيلة عنده بمنزلة المحاربة). قلت: وما قتل الغيلَة؟ قال: (هو الرجل يخدَع الرجلَ والصبيَّ فيدخِله بيتًا أو يخلو به، فيقتله، ويأخذ ماله. فالإمام وليّ قتل هذا، وليس لولي الدم والجرح قَوَد ولا قصاص). وهو قول الشافعي.\n٣ - قال مجاهد: (الزنا، والسرقة، وقتل الناس، وإهلاك الحرث والنسل).\n٤ - قال أبو حنيفة: (لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لِبُعده ممن يُغِيثُه ويُعينه).\nقلت: والراجح أن الحرابة هي خروج طائفة مسلمة في دار الإسلام، لإحداث الفوضى، وسفك الدماء وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، متحدِّية بذلك الدين والأخلاق والنظام والقانون (٢).\nوقوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.\nيبدو أن الأمر للتخيير، وهو يرجع إلى قرار الحاكم المسلم، وبه قال الإمام مالك.\n_________\n(١) صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن النسائي (٣٧٧٦)، وصحيح سنن أبي داود (٣٦٧٥).\n(٢) انظر فقه السنة (٢/ ٣٩٣)، وكتاب \"الوجيز\" ص (٤٤٤) في حدّ الحرابة.","vol":"2","page":453},{"text":"قال ابن عباس: (من شهر السلاح في قبّة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظُفِرَ به وقُدِر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله). وقال الحسن: (ذلك إلى الإمام).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا التخيير. فقد أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يحِلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله، فإنه يقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسًا فيقتل بها] (١).\nوقد وَرَدَتْ \"أو\" في موضع التخيير كثيرًا من القرآن، من ذلك:\n١ - في جزاء الصيد. قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا .......﴾ [المائدة: ٩٥].\n٢ - في كفارة الفدية. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ...﴾ [البقرة: ١٩٦].\n٣ - في كفارة اليمين. قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ...﴾ [المائدة: ٨٩].\nواختلف الفقهاء هل يُصَلَّبُ حيًّا ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب أو يُقتل ثم يُصَلّب تنكيلًا وتشديدًا وعبرة لغيره من المفسدين. والذي يبدو لي أنه راجع إلى قرار الحاكم من خلال رؤيته لطبيعة إفساده أو مماثلته بصنيع مثل صنيعه - والله تعالى أعلم.\nوأما النفي من الأرض فيه أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (نفيُه أن يطلب). وقال الزهري: (نفيه أن يُطلب فلا يقدر عليه، كلما سُمِعَ به في أرض طُلِبَ).\n٢ - قال سعيد بن جبير: (من أخاف سبيل المسلمين، نُفي من بلده إلى غيره، لقول\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن من حديث عائشة. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٥٩) - كتاب الحدود - باب الحكم فيمن ارتد. وصحيح النسائي (٤٤١٨).","vol":"2","page":454},{"text":"الله جل وعز: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾). وقال الضحاك: (إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام).\n٣ - وقيل: (النفي من الأرض هنا الحبس) - وهو قول أبي حنيفة.\nقال ابن جرير: (هو نفيه من بلد إلى بلد غيره، وحبْسُه في السجن في البلد الذي نفي إليه، حتى تظهر توبته من فسوقه، ونزوعه عن معصية ربِّه).\nقلت: وكل ما سبق محتمل، والقرار في اختيار الشكل يعود للحاكم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾.\nأي هو لهؤلاء المحاربين شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة، فإن لم يتوبوا كان ينتظرهم عذاب أشد خزيًا في نار جهنم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nهذه الآية تؤيد أن المحاربة هي من خروج طائفة مسلمة في دار الإسلام لإحداث الفوضى من سفكٍ للدماء أو سلبٍ للأموال، أو هَتْكٍ للأعراض، أو غير ذلك على ما سبق بيانه. قال القرطبي: (ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحوالهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل القدرة. والمرتد يستحق القتل بنفس الردة - دون المحاربة - ولا يُنفى ولا تُقطع يده ولا رجله ولا يخلّى سبيله بل يقتل إن لم يُسلم، ولا يصلب أيضًا).\nوقال القاسمي: (دلَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية. سواء كانوا مشركين أو مسلمين).\nوقال ابن كثير: (أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك، فظاهر). أي: فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم، سقط عنهم جميع الحدود المذكورة. فلا يطالبون بشيء مما أصابوا من مالٍ أو دم. قال: (وأما المحاربون المسلمون، فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم انحتام القَتْل والصَّلْب وقطع الرجل، وهل يسقط قطعُ اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة).\nقال القرطبي: (استثنى جل وعز التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه","vol":"2","page":455},{"text":"عنهم بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط).\nوفي مذهب الشافعي أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصًا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه.\nقلت: وهذا هو الراجح، فالحدود كفارات لأهلها وتبقى حقوق الآدميين.\nأخرج الإمام البخاري عن عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال: [تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال: فبايعناه على ذلك] (١).\n٣٥ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآياتِ: أَمْرٌ من الله سبحانه المؤمنين بلزوم طاعته والخوف منه والتقرب إليه بالتقوى والعمل الصالح والجهاد، وإخبار منه جل ذكره عن خزي موقف الكفار يوم القيامة وهم يتمنون كل ما في الدنيا وأمثاله لو كان لديهم ليفتدوا به من عذاب جهنم وما الله بقابل ذلك، وقد قضى عليهم لزوم عذاب السعير وبئس المصير.\nوقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. يعني القربة.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٣٨٩٢) - كتاب مناقب الأنصار. وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٤٠٢) لتفصيل هذه البيعة.","vol":"2","page":456},{"text":"وفي لغة العرب: توسلت إلى فلان بكذا، أي تقربت منه. وأقوال المفسرين على ذلك:\n١ - قال عطاء: (﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: القربة). وقال أبو وائل: (القربة في الأعمال).\n٢ - وقال قتادة: (أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه).\n٣ - وعن السدي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: فهي المسألة والقربة).\n٤ - وقال ابن زيد: (المحبّة، تحبّبوا إلى الله. وقرأ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾).\nوالوسيلة أيضًا هي منزلة خاصة برسول الله - ﷺ - يوم القيامة، جاءت الأحاديث الصحيحة تحث المؤمنين أن يسألوها لنبيّهم، لتنالهم شفاعته بإذن ربهم.\nالحديث الأول: أخرج البخاري وأحمد وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من قال حين يَسْمَعُ النداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة، والصلاةِ القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، إلا حَلَّت له الشفاعة يوم القيامة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم وأحمد وأكثر أهل السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يَقول، ثم صَلُّوا عليَّ، فإنه مَنْ صَلَّى عليَّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجَنَّة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلَّت عليه الشفاعة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي سعيد، عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦١٤)، وأبو داود (٥٢٩)، والترمذي (٢١١)، والنسائي (٢/ ٢٦)، (٢/ ٢٨)، وابن ماجة (٧٢٢)، وأخرجه أحمد (٣/ ٣٥٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٨٤)، وأبو داود (٥٢٣)، والترمذي (٣٦١٤)، والنسائي (٢/ ٢٥)، وأخرجه أحمد (٢/ ١٦٨)، والبيهقي (١/ ٤١٠)، وغيرهم.","vol":"2","page":457},{"text":"النبي - ﷺ - قال: [الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقَها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة] (١).\nوقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾.\nأي: جاهدوا أيها المؤمنون أعداء الله الذين يحادون الله ورسوله، والذين يعادون دينه وشرعه ويحولون دون ظهوره على الدين كله، لعلكم تبلغون فلاح الدنيا وفلاح الآخرة.\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم وألسنتكم] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أنَّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تُشرك بي].\nوفي لفظ آخر: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت، قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب (وفي رواية: ظهر) آدم، أن لا تشرك بي شيئًا ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار] (٣).\nوفي التنزيل: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. [الحج: ٢٢].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند من حديث أبي سعيد بسند صحيح. انظر صحيح الجامع (٧٠٢٨)، وكذلك صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو (٢/ ٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٥٠٤). انظر صحيح أبي داود (٢١٨٦). ورواه أحمد ورواه النسائي وابن حبان والحاكم. انظر صحيح الجامع (٣٠٨٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٠٥)، وصحيح البخاري (٣٣٣٤)، ومسند أحمد (٣/ ١٢٧).","vol":"2","page":458},{"text":"وكذلك قوله جلت عظمته: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠].\nفلا مندوحة للكافر عن العذاب يوم القيامة ولا محيص له ولا مناص، فقد قضى الله تعالى ليملأن جهنم من المشركين والمجرمين، وأنه سبحانه لا يغفر أن يشرك به، وأَنَّ ذَهَبَ الأرض وكنوزها لا تنفع أحدًا منهم يوم الحساب.\nوقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.\nأي عذاب دائم مستمر ثابت لا يزول عنهم ولا يتحول، هو للذين كفروا بربهم يوم القيامة.\nيروي ابن جرير بسنده عن عكرمة: أنَّ نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﵀: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُمُ أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ فقال ابن عباس: (ويحك، اقرأ ما فوقها! هذه للكفار).\nوفي صحيح مسلم عن سمرة بن جندب، أن النبي - ﷺ - قال: [منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِه، ومنهم من تأخذه النار إلى تَرْقُوَته] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما بين منكبي الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع] (٢).\n٣٨ - ٤٠ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تشريع قطع يد السارق، وأنَّ الله يقبل توبته بعد سرقته إذا أناب\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح من حديث سمرة. انظر تفصيل الروايات في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٦٦). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٠٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ١٥٤)، من حديث أبي هريرة مرفوعًا. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٨٣)، وله شاهد عند الترمذي. انظر صحيح الجامع (٢١١٠).","vol":"2","page":459},{"text":"إلى الله وأصلح، وأن الله له ملك كل شيء وهو الحكم وإليه المرجع في كل تشريع وفي كل أمر، ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، وهو على كل شيء قدير.\nالسرقة: هي أخذ مال الغير على وجه الخفية والاستتار، وهي من الكبائر، وحدّها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nوأما السنة ففيها أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄: [أن رسول الله - ﷺ - قطع سارقًا في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [لَعَنَ الله السارقَ، يَسرِقُ البيضة فَتُقطعُ يده، ويسرِقُ الحَبْلَ فتقطع يده] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تُقطعُ يد السارق إلا في رُبع دينار فصاعدًا] (٣).\nفقه الأحاديث والمسألة:\n١ - قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن قطع يد السارق يجب إذا شهد عليه بالسرقة شاهدان عدلان، مسلمان حرّان) (٤).\nفإذا سرق البالغ العاقل مختارًا فقد وجب عليه الحدُّ بإقراره أو بشهادة عدلين.\n٢ - ويشترط أن يبلغ المسروق نصابًا، وأن يكون محروزًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧٩٥)، (٦٧٩٨)، ومسلم (١٦٨٦)، وأحمد (٢/ ٥٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧٩٩) (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧)، وأحمد (٢/ ٢٥٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤)، وأبو داود (٤٣٦٢)، وغيرهم.\n(٤) انظر الإجماع (٦٢١/ ١٤٠)، وانظر كتاب: \"الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز\" ص (٤٤٣).","vol":"2","page":460},{"text":"قال ابن المنذر: (وأجمعوا أن القطع إنما يجب على من سرق ما يجب فيه قطعٌ من الحرز) (١)،\nوالحرز هو ما يُصَانُ في مثله المال ويحفظُ، كالدار المغلقة، والخزانة، والمحل المغلق، ونحو ذلك.\nقال صاحب \"الروضة الندية\" (٢/ ٢٧٧): (والحرز ما يعدُه الناس حرزًا لمثل ذلك المال، فالمتبن حرزٌ للتبن، والاصطبل للدواب، والمراح للغنم، والجرين للثمار).\nوالجرين: مثل البيدر للقمح، يجفف فيه التمر.\nأخرج أبو داود بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله - ﷺ -: أنَّه سُئِل عن الثَمر المعلق فقال: [من أصابَ بفِيهِ مِن ذي حاجَة، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَة، فلا شيء عليه، ومَنْ خَرَجَ بشيء منه فَعَلَيْه غَرامَةُ مِثْلَيْهِ (٢) والعقوبة، ومَنْ سَرَقَ منه شيئًا بعد أن يؤوِيَه الجَرينُ فبلغ ثمن المجنِّ فعليه القطع] (٣). والمجن: الترس.\n٣ - وللمسروق منه أن يعفو عن السارق قبل رفعه إلى السلطان.\nفقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن صفوان بن أمية قال: [كنت نائمًا في المسجد عَليَّ خميصة لي ثمنُ ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأُخذ الرجلُ فأَتي به رسول الله فأُمِر به ليُقطَعَ. قال: فأتيتهُ، فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال: فهلّا كان هذا قبل أن تأتيني به] (٤).\nوفي سنن النسائي وأبي داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [تعافَوا الحدودَ فيما بينكم، فما بلغني من حَدٍّ فقد وجب] (٥).\n٤ - حكم تكرر السرقة من السارق.\nقال صاحب \"الروضة الندية\" (٢/ ٢٧٩): (اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق\n_________\n(١) انظر الإجماع (٦١٥/ ١٣٩)، والمرجع السابق ص (٤٤٣).\n(٢) وفي رواية: (ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة).\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم (٣٦٨٩) - باب ما لا قطع فيه.\n(٤) حديث صحيح. أخرجد أبو داود في السنن (٤٣٩٤). انظر صحيح أبي داود (٣٦٩٣). وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٢١٠٣) - باب من سرق من الحرز.\n(٥) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٨٠) - باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان، وانظر سنن النسائي (٤٨٨٥)، (٤٨٨٦)، وصحيح سنن النسائي (٤٥٣٨)، (٤٥٣٩).","vol":"2","page":461},{"text":"أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيًا تقطع رجله اليسرى، واختلفوا فيما إذا سرق ثالثًا بعد قطع يده ورجله، فذهب أكثرهم إلى أن تقطع يده اليسرى- قلت: قد صحّ هذا عن أبي بكر وعمر عند البيهقي (٨/ ٢٨٤) - ثم إذا سرق أيضًا تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق أيضًا يعزّر ويحبس).\nوقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾.\nقال قتادة: (لا تَرْثوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نهى عن أمرٍ قطُ إلا وهو فساد).\nوقوله: ﴿نَكَالًا﴾.\nأي: تنكيلًا من الله بهما مقابل ما اقترفاه. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: في انتقامه من السارق والسارقة وأهل المعاصي والآثام. ﴿حَكِيمٌ﴾ في تشريعه وحكمه وقضائه.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾.\nأي: من أناب إلى الله وتاب من هذا الصنيع وأصلح نفسه وزكاها بطاعة الله فإن الله يتوب عليه، ولكن لا بد من ردّ الحقوق إلى أهلها.\nأخرج النسائي بسند صحيح عن ابن عمر: [كانت امرأة مخزومية تَستعِيرُ متاعًا على ألسنة جاراتها وتجحَدُه، فأمر رسول الله -ﷺ- بقطع يدها] (١).\nوفي لفظ آخر: [أن امرأة كانت تستعيرُ الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله -ﷺ-: لتتب هذِه المرأة إلى الله ورسوله وتَرُدَّ ما تأخذُ على القوم، ثم قال رسول الله -ﷺ-: قمْ يا بلال فخذ بيدها فاقطعها] (٢).\nويبدو أن المرأة قد تابت وحسنت توبتها، بعد أن قطعت يدها.\nففي الصحيحين عن عائشة: [أن قُريشًا أهمهم شأنُ المرأة التي سرقت في عهد النبي -ﷺ- في غزوة الفتح، فقالوا: من يُكَلِّم فيها رسول الله -ﷺ-؟ فقالوا: ومَنْ يَجْتَرِئ عليه إلا أسامةُ بن زيد حِبُّ رسول الله -ﷺ-؟ فَأُتيَ بها رسول الله -ﷺ- فكلّمَهُ فيها أسامة بن زيد، فتَلَوَّنَ وجْه رسول الله -ﷺ- فقال: أتشفعُ في حَدٍّ من حدود الله ﷿؟ فقال له أسامة:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٧٣٧٥)، وأبو داود في السنن (٤٣٩٥).\n(٢) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٧٣٧٦)، وله شواهد.","vol":"2","page":462},{"text":"استغفِر لي يا رسول الله. فلما كان العَشِيّ قام رسول الله -ﷺ- فاختَطَبَ، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريف تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمةَ بنت محمد سَرَقَتْ لقطعتُ يدها. ثم أمر بتلك المرأة التي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يدُها. قالت عائشة: فَحَسُنَتْ توبتُها بعدُ، وتزوَّجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتَها إلى رسول الله -ﷺ-] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nأي: الله سبحانه هو المالك لجميع ما في هذا الكون، وهو الحكم يحكم بين عباده، وشرعه أعلى من كل تشريع، والرحمة والمغفرة أو العذاب بأمره وحكمته، فيغفر لمن يشاء أو يعذب من يشاء، وهو القادر على ذلك لا شريك له.\n٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٣٧٥)، ومسلم (١٦٨٨)، وأبو داود (٤٣٧٣)، والترمذي (١٤٣٠)، والنسائي (٨/ ٧٣ - ٧٤)، وابن ماجة (٢٥٤٧)، وغيرهم.","vol":"2","page":463},{"text":"النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾\nفي هذه الآيات: التقريع على اليهود الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المتحاكمين لأهوائهم وما تعارفوا عليه في أقوامهم، المعرضين بذلك عن حدود الله وتعظيمها.\nبيان أسباب النزول:\nالسبب الأول للنزول:\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال: [مُرَّ على النبي -ﷺ- بيهودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلودًا، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حَدَّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أَنْشُدُكَ بالله الذي أَنْزَلَ التوراة على موسى! أهكذا تجدون حَدَّ الزاني في كِتابِكُم؟ قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتني بهذا لم أخبركَ، نَجِدْهُ الرَّجْمَ، ولكنه كثُرَ في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف، أقَمْنا عليه الحَدّ، قلنا: تَعَالوا فلنَجْتَمِعْ على شيءٍ نُقيمُهُ على الشريف والوَضِيع، فجعلنا التحميم والجَلْدَ مكانَ الرَّجم، فقال رسول الله -ﷺ-: اللهم إني أَوَّلُ من أَحْيا أَمْرَك إذ أماتوه. فأمَرَ به فَرُجم، فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾. يقول: ائتوا مُحَمَّدًا -ﷺ-، فإن أَمَرَكُم بالتحميم والجَلْدِ فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجْمِ فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في الكفار كُلُّهَا] (١).\nالسبب الثاني للنزول:\nأخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن ابن عباس، قال: [كان قريظة، والنضير، وكان النضيرُ أشرفَ من قريظة، فكان إذا قَتَل رجل من قريظة رجلًا من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٧٠٠) -كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة، في الزنى، وأخرجه أبو داود في السنن (٤٤٤٧)، والنسائي في الكبرى (٧٢١٨)، ورواه ابن ماجة (٢٥٥٨)، وأحمد (٤/ ٢٨٦).","vol":"2","page":464},{"text":"النضير قُتِلَ به، وإذا قتَلَ رجلٌ من النضير رجلًا من قريظة، فودِيَ بمئة وَسْقٍ من تمر. فلما بعث النبي -ﷺ-، قتلَ رجلٌ من النضير رجلًا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبي -ﷺ-، فائتوه، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾] (١).\nقلت: ولا مانع من اجتماع السببين معًا في نزول الآيات- والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.\nفيه أقوال يفسر بعضمها بعضًا:\nالقول الأول: يروي ابن جرير بسنده عن علقمة ومسروق: (أنهما سألا ابنَ مسعود عن الرَّشوة، فقال: مِنَ السُّحت. قال: فقالا: وفي الحُكم؟ قال: ذاك الكفر! ثم تلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾).\nالقول الثّاني: قار السُّدي: (يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت، فتركَه عمدًا، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين).\nالقول الثالث: قال ابن عباس: (من جَحَد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقرَّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسق).\nقلت: والفصل في هذه المسألة أن من ترك التحاكم لشرع الله جحودًا وعنادًا فهو الكفر المخرج من الملة، ومن تركه لشهوة أو ظلم مع إقراره به فهو كفر دون كفر، قال طاووس: (ليس بكفر ينقل عن المِلّة). وقال ابن عباس: (ليس بالكفر الذي يذهبون إليه). وقال في تفسير الآية: (هي به كفر). وقال عطاء: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق) رواه ابن جرير وقال ابن طاووس: (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله) ذكره ابن كثير. وقد فضلت في هذه المسألة في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، في بحث توحيد التشريع، فلله الحمد والمنة.\nفائدة (١): الحكم بغير ما أنزل الله سبب إلى الفقر.\nفقد أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: [خمسٌ بخمس:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٤٩٤) - كتاب الديات، باب النفس بالنفس، انظر صحيح أبي داود (٣٧٧٢)، وأخرجه النسائي (٨/ ١٨ - ١٩)، والحاكم (٤/ ٣٦٦)، والبيهقي (٨/ ٢٤).","vol":"2","page":465},{"text":"ما نقض قومٌ العهدَ إلا سُلِّطَ عليهم عدوُّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهمُ الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طفَّفُوا المِكيال إلا مُنِعوا النبات، وأُخِذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبِسَ عنهم القَطر] (١).\nفائدة (٢): ترك الحكام التحاكم لشرع الله هو عقوبة الله للأمة عند استهتارها. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩].\nوفي المسند ومعجم الطبراني بسند صحيح عن عابس الغفاري، عن النبي -ﷺ- قال: [بادروا بالأعمال سِتًّا: إمارةَ السفهاء، وكثرةَ الشُّرَط، وبيعَ الحكم، واستخفافًا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوًا يتخذون القرآن مزاميرَ، يقدمون أحدَهم ليغنيهم، وإن كان أقَلَّهم فِقْهًا] (٢).\n٤٥ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيد على العدل في القصاص الذي أنكره اليهود وخالفوا كتابهم التوراة وفي نصه: أن النفس بالنفس، أي: تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة، وكذلك: العين بالعين -تفقأ عين المعتدي بالعين المفقوءة- والأنف بالأنف -يجدع الأنف بالأنف- وتقطع الأذن بالأذن، وتقلع السن بالسن، ويقتص من الجارح غَيْرَهُ ظلمًا للمجروح، فمن تصدق به فهو كفارة -للمجروح- وقيل للجارح، ومن ترك\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الطبراني بإسناد حسن. انظر صحيح الجامع الصغير (٣٢٣٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ٣٢٤) (١ - ٢)، والحاكم (٣/ ٤٤٣)، وانظر مسند أحمد (٣/ ٤٩)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٧٩).","vol":"2","page":466},{"text":"التحاكم لما أنزل الله كان من الظالمين. وفي الآيات: أن عيسى بن مريم جاء بالإنجيل من عند الله يُصَدّق التوراة في المنهج الذي ارتضاه الله لعباده في العبادة والتحاكم، فمن ترك التحاكم له من النصارى كان من الفاسقين. وتفصيل ذلك:\nقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.\n١ - يراعى في القصاص اختلاف الدين فلا يقتل مسلم بكافر.\nأخرج البخاري ومسلم عن علي ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [لا يقتل مسلم بكافر] (١).\n٢ - لا فرق بين الرجل والمرأة في القصاص.\nفقد أخرج النسائي والحاكم: أن رسول الله -ﷺ- كتب في كتاب عمرو بن حزم: [أن الرجل يُقْتَلُ بالمرأة] (٢).\nوقد مضى قوله ﵇: [المسلمون تتكافأ دماؤهم]- أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٣).\n٣ - القصاص من حق الحاكم.\nقال القرطبي: (لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرضٌ عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وغير ذلك).\nوعلة ذلك ما ذكره الصاوي -حاشيته على الجلالين- قال:\n(فحيث ثبت أن القتل عمدًا عدوانٌ، وجب على الحاكم الشرعي أن يمكن ولي المقتول من القاتل، فيفعل فيه الحاكم ما يختاره الولي من القتل، أو العفو، أو الدية، ولا يجوز للولي التسلط على القاتل من غير إذن الحاكم، لأن فيه فسادًا وتخريبًا. فإذا قتله قبل إذن الحاكم عُزِّر) (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١١)، ومسلم (١٣٧٠)، وأحمد (١/ ٨١)، وأخرجه أبو داود في السنن (٢٠٣٥)، وغيرهم. من حديث علي ﵁.\n(٢) حديث حسن. أخرجه النسائي (٨/ ٥٧ - ٥٨)، والحاكم (١/ ٣٩٥)، والبيهقي (١/ ٧٧ - ٧٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٥٣١)، وابن ماجة (٢٦٥٩)، وأحمد (٢/ ١٩١)، وغيرهم.\n(٤) انظر: \"فقه السنة\" (٢/ ٤٥٣)، وكتاب: \"الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز\" ص (٤٥٧).","vol":"2","page":467},{"text":"وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.\nهذا الحكم وإن كان قد كتب على من قبلنا من أمم أهل الكتاب إلا أنه في التحقيق شرع لنا، وذلك لتقرير النبي -ﷺ- له في أمته.\nففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: [أن الرُّبَيِّع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية، ففرضوا عليهم الأَرْش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله تكسر ثنية الربيع! والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال النبي -ﷺ-: يا أنس كتاب الله القصاص. فرضي القوم وعفوا. فقال رسول الله -ﷺ-: إن من عباد الله مَنْ لو أقسم على الله لأبرّه] (١).\nوشروط القصاص فيما دون النفس:\n١ - تكليف الجاني.\n٢ - تعمد الجناية. فالخطأ لا يوجب القصاص في النفس فما دونها أولى.\n٣ - تكافؤ دم المجني عليه والجاني. فلا يقتص من مسلم جرح ذميًّا، ولا من حرّ جرح عبدًا، ولا من والد جرح ولدًا.\nشروط القصاص في الأطراف:\n١ - إمكان الاستيفاء بلا حيف. بأن يكون القطع من مفصل كالمرفق والكوع.\n٢ - المماثلة في الاسم والموضع. فلا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر.\n٣ - استواء طرف الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال. فلا يؤخذ عضو صحيح بعضو أشل، ولا يد صحيحة بيد ناقصة الأصابع، ويجوز العكس.\nوأما دية الأعضاء.\nإذا أتلف إنسان من آخر عضوًا وجبت الدية كاملة، ولو أتلف أحد زوجي العضو وجب نصف الدية. فتجب الدية كاملة في الأنف، والعينين، وفي العين الواحدة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٠٣)، والنسائي في \"التفسير\" (١٦٥٠)، وابن ماجة (٢٦٤٩). ولفظ مسلم مقارب، انظر صحيح مسلم (١٦٧٥)، ومسند أحمد (٣/ ١٢٨)، (٣/ ٢٨٤).","vol":"2","page":468},{"text":"نصفها، وفي أصابع اليدين والرجلين الدية كاملة، وفي كل أصبع عشر من الإبل، وفي الأسنان كامل الدية، وفي كل سن خمس من الإبل.\nففي سنن النسائي والبيهقي بسند صحيح لغيره عن عمر، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: [في الأنف الدية إذا استُوعب جدعُه مئة من الإبل، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي العين خمسون، وفي الآمة ثلث النفس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الموضحة خمس، وفي السنّ خمس، وفي كل أصبع مما هنالك عشر] (١).\nالآمّة أو المأمومة: هي التي لا يبقى بينها وبين الدماغ إلا جلدة رقيقة. وفيها ثلث الدية.\nالجائفة: هي كل ما يصل إلى الجوف: كبطن، وظهر، وصدر، وحلق، ومثانة.\nوفيها ثلث الدية أيضًا.\nالمُنَقِّلَة: هي التي ينقل منها العظم من موضع إلى موضع. وفيها خمس عشرة من الإبل.\nالمُوضِحة: هي الإصابة التي تبلغ إلى العظم، وفيها خمس من الإبل.\nدية المرأة:\nدية المرأة إذا قُتِلت خطأ نصف دية الرجل، وكذلك دية أطرافها وجراحاتها على النصف من دية الرجل وجراحاته.\nفعن شريح قال: [أتاني عروة البارقي من عند عمر أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل] (٢).\nدية أهل الكتاب:\nإن دية أهل الكتاب إذا قتلوا خطأ نصف دية المسلم، فدية الذكر منهم نصف دية المسلم، ودية المرأة من نسائهم نصف دية المرأة المسلمة.\n_________\n(١) حديث صحيح بشواهده. انظر صحيح سنن النسائي (٤٥١٣)، والبيهقي (٨/ ٨٦).\n(٢) إسناده صحيح. انظر: تخريج \"الإرواء\" (٧/ ٣٠٧)، وانظر كذلك كتاب: \"الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز\" ص (٤٦٥).","vol":"2","page":469},{"text":"ففي سنن الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: [أن رسول الله -ﷺ- قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى] (١).\nوقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. أي: مقاصّة.\nقال القرطبي: (ولا قصاص في كل مَخُوف ولا فيما لا يُوصَلُ إلى القصاص فيه إلا بأن يخطئ الضارب أو يزيد أو ينقص).\nوأخرج الترمذي بسند صحيح عن عمران بن حصين: [أنّ رجلًا عضَّ يد رجل فنزع يده فوقعت ثنيتاه فاختصما إلى النبي -ﷺ- فقال: \"يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أخاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ، لا دِيةَ لك\". فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.\nأي: تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي: للمتصدق. وقيل: بل كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة، والقول الأول أظهر وعليه أكثر الصحابة، وهو أحد قولي ابن عباس، والسنة الصحيحة تؤيده:\nفقد أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ- قال: [ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلاّ رفعه الله به درجة وحَطّ عنه به خطيئة] (٣).\nوله شاهد عند النسائي عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [ما من رجل يُجْرَح مِن جسده جراحة، فيتصدَّق بها، إلا كفّر الله عنه مثل ما تَصَدَّق به] (٤).\nوشاهد آخر عند أحمد من حديث أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- قال: [من أصيب بشيء من جسده، فتركه لله، كان كفارة له] (٥).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (١٤٣٤)، وابن ماجة (٢٦٤٤)، والنسائي (٨/ ٤٥) نحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن من حديث عمران بن حصين. انظر صحيح سنن الترمذي (١١٤٤) - أبواب الديات- باب القصاص. وأصله في الصحيحين.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي (١٣٩٣)، وابن ماجة (٢٦٩٣)، والطبري (١٢٠٨٥).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (١٦٦)، وأحمد (٥/ ٣١٦)، وهو صحيح لشواهده.\n(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٤١٢) ح (٢٢٩٨٣). انظر تخريج أحاديث تفسير ابن كثير- (٢٦٦٥) - المهدي.","vol":"2","page":470},{"text":"قال ابن العربي: (والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل، فلا معنى له) (١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\nقال طاووس: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق).\nوالمقصود أن جحود التحاكم إلى الله وإنكاره بالكلية هو الكفر الثاني المخرج من الملة وهو الظلم والفسق الثاني الذي دونه الظلم الأول والفسق الأول.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾.\nأي: أتبعنا عيسى بن مريم على آثار النبيين من قبله، وبعثناه بالإنجيل مصدقًا لكتاب موسى من قبل، وفيه هدى للحق، وهو نور لكشف الشبهات والمعضلات وحل المشكلات.\nوقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وزجرًا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، وتنبيهًا لهم عليه).\nوقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ - أَمْرٌ لأهل الإنجيل أن يعظموا الوحي النازل إليهم من ربهم. وقوله ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ فيه قراءتان:\nالقراءة الأولى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب- قراءة جماعة من قراء الكوفة. والمعنى: وآتيناه الإنجيل كي يحكنمَ أَهلُهُ بِمَا فيه من حكم الله. أو: وآتيناه الإنجيل ليحكمَ أهل مِلّتِه به في زمانهم.\nالقراءة الثانية: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بتَسْكين اللام- قراءة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين. أي: على وجه الأمر. والتقدير: وآتيناه الإنجيل وأمرنا أهله أن يحكموا بما فيه.\nوكلاهما قراءتان مشهورتان، ومن ثمّ فإن الآية تحتمل آفاق المعنيين، وهذا من إعجاز هذا الكتاب الكريم.\n_________\n(١) ذكره القرطبي في التفسير. سورة المائدة- آية (٤٥).","vol":"2","page":471},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (الكاذبون). وقال: (كل شيء في القرآن إلا قليلًا \"فاسق\" فهو كاذب. وقرأ قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾. قال: \"الفاسق\" هاهنا، كاذب).\nقلت: والفسق يشمل أكثر من ذلك، فهو يتضمن جميع أشكال الخروج عن الطاعة وارتكاب المخالفات الشرعية.\nقال ابن كثير: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق).\n٤٨ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ثنَاءٌ من الله سبحانه على القرآن الكريم وَمَدْحٌ له، وَأَمْرٌ منه جل ثناؤه لنبيه محمد -ﷺ- بالتحاكم إليه وإقامة منهاجه في الحكم، وتَحْذِيرٌ من الانحراف عنه إلى مناهج أهل الشبهات والشهوات وطريقة الجاهلية.\nفقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. أي: هذا القرآن.\nوقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾. أي: بالصدق واليقين.\nوقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. أي: يصدق ما جاء في كتب الله المتقدمة.","vol":"2","page":472},{"text":"وقوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - عن ابن عباس: (قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، يقول: شهيدًا). قال: القرآن شاهد على التوراة والإنجيل، مصدقًا لهما).\nوقال السدي: (شهيدًا عليه). وقال قتادة: (أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله).\n٢ - قال مجاهد: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، مؤتمنًا على القرآن، وشاهدًا ومصدِّقًا).\nوقال ابن جريج: وقال آخرون: (القرآن أمين على الكتب فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمر، إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا).\nوقال ابن جريج: (القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل).\n٣ - قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (والمهيمن الأمين. قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله). وقال: (يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب).\nقلت: ولا شك أن اسم \"المهيمن\" يشمل هذه المعاني، فالقرآن أمين وشاهد وحاكم على الكتب قبله. وأما ما جاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، قال: محمد -ﷺ-، مؤتمن على القرآن). فهو صحيح المعنى، لكنه بعيد التفسير والتأويل في هذا الموضع، لذلك استبعده شيخ المفسرين الإمام ابن جرير، وتبعه على ذلك ابن كثير وغيره من المفسرين. فالآية تدل على هيمنة القرآن الكريم على الكتب التي كانت قبله إلى يوم القيامة، وقد تكفل الله سبحانه بحماية فهم هذا الكتاب كما حمى تنزيله.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، عن أبي سعيد الخدري قال: [كنا جلوسًا ننتظر رسول الله -ﷺ-، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، فقمنا معه، فانقطعت نعله، فتخلّفَ عَلَيْهَا عليٌّ يَخْصِفُها، فمضى رسول الله -ﷺ- ومضينا معه، ثم قام ينتظره، وقمنا معه، فقال: إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله.","vol":"2","page":473},{"text":"فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكنه خاصف النعل. قال: فجئنا نبشِّره] (١).\nوقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.\nأَمْرٌ من الله لرسوله -ﷺ- أن يقيم القرآن في الأمة منهاجًا للحكم والتحاكم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.\nأي: آراءهم وأعرافهم التي تعارفوا على تحكيمها وهي مخالفة في هديها لشرع الله.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح لغيره عن أبي ذر قال: كنت مخاصرًا للنبي -ﷺ- يومًا إلى منزله، فسمعته يقول: [غيرُ الدجال أخوفُ على أمتي من الدّجال، الأئمة المضلون] (٢).\nأخرج البزار والبيهقي بسند حسن، عن أنس بن مالك، عن النبي -ﷺ- قال: [ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات. فقال: ثلاث مهلكات: شحٌ مطاع، وهَوىً مُتَّبَعٌ، وإعجاب المرء بنفسه. وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا] (٣).\nوقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.\nقيل المعنى: لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعًا أهواءهم. وقيل التقدير: عادلًا عمّا جاءك. ذكره القاسمي. وقال القرطبي: (ومعنى: \"عمّا جاءك\" على ما جاءك).\nوقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.\nالشريعة في كلام العرب هي الطريق الذي يُتوصل منه إلى الماء. والشريعة أيضًا ما شرع الله لعباده من الدّين. قال الرازي: (\"والشِّرْعة\" الشريعة، ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾). والشارع الطريق الأعظم. وشرعَ لهم: أي: سنَّ. فيكون مفهوم الشرعة والشريعة أنه الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة.\nوالمنهاج: الطريق الواضح. يقال: نَهَجَ الطريق أبانه وأوضحه. ونَهَجَه أيضًا سَلَكه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"خصائص علي\" ص (٢٩)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٣). وسنده صحيح.\n(٢) حديث صحيح لغيره. أخرجه أحمد (٥/ ١٤٥)، وبلفظ قريب - أخرجه أبو داود (٢/ ٢٠٣)، والدارمي (١/ ٧٠)، (٢/ ٣١١)، وأخرجه الترمذي (٣/ ٢٣١)، والحاكم (٤/ ٤٤٩).\n(٣) حديث حسن. أخرجه البزار (رقم-٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان\" (٢/ ٣٨٢/ ١).","vol":"2","page":474},{"text":"قال أبو العباس محمد بن زيد: (الشريعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر).\nقال القرطبي: (والمنهاج الطريق المستمر، وهو النَّهْجُ والمَنْهَج).\nوأما أقوال أهل التأويل في ذلك:\n١ - قال قتادة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، يقول: سبيلًا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل).\n٢ - قال ابن عباس: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، قال: سبيلًا وسنة).\nوفي رواية عنه: (سنة وسبيلًا).\n٣ - قال مجاهد: (الشرعة: السنة، و﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قال: السبيل، لكلكم، من دخل في دين محمد -ﷺ-، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا. يقول: القرآن، هو له شرعة ومنهاج). وقال: (الشرعة والمنهاج دين محمد ﵇، وقد نسخ به كل ما سواه).\nقلت: والراجح عندي أن الشرعة هي الأحكام الشرعية والسنن الخاصة بكل أمة من أمم الأنبياء، والمنهاج هو الكتاب المنزل في ذلك الذي يوضح الله فيه بيان الطريق الكامل لإقامة أمره في كل أمة. فالتوراة منهاج، والإنجيل منهاج، والقرآن منهاج. ويجمع هذه المناهج توحيد الله وإفراده بالتعظيم والعبادة. والله تعالى أعلم.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخْوَةٌ لعلّات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد] (١).\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إنه تعالى شرعَ الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومَعْصِيَتهِ، بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله). وقال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣٤٤٢)، (٣٤٤٣) - كتاب أحاديث الأنبياء، ورواه مسلم وغيره.","vol":"2","page":475},{"text":"عبد الله بن كثير: ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾، يعني: من الكتاب). وقال ابن جريج: (ليبلوكم فيما آتاكم من الكتب).\nوقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.\nأي: سارعوا إلى الطاعات، وبادروا إلى الأعمال الصالحات، فالمرد إلى الله سبحانه وهو يفصل بين عباده يوم القيامة، فيجازي المحسنين بإحسانهم، والعصاة والمجرمين، بآثامهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.\nالمعنى: أقم حكم القرآن في الأمة يا محمد، واحذر أعداءك اليهود الذين يمكرون لئلا تقيم فيهم أمر الله، فإن أعرضوا عن الامتثال للحق فاعلم أن الله قد كتب ذلك وقدّره عقوبة لهم نتيجة تماديهم واستهتارهم ليصرفهم عن الهدى فقد تراكمت ذنوبهم وأقفلت قلوبهم، وإن أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم.\nوفي التنزيل: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].\nوكذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\nوهذه الآيات وأمثالها تفيد أن الكثرة في الغالب ليست في موضع المدح، وأن القلة المؤمنة الصادقة هي الممدوحة في القرآن، سنة الله في عباده، فإن الجنة قد حفت بالمكَاره، وحفت، النار بالشهوات.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.\nقال أبو السعود: (إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم).\nوالمعنى: أيعدلون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية. فليس من حق أحد أن يضع قوانين وتشريعات للناس إلا الخالق سبحانه، ومن ثم فمن جعل من نفسد أو غيره مشرعًا لقوانين وأنظمة لم يأذن بها الله فقد أشرك بالله، ودعا إلى عبادة غير الله. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\nوقال جل ذكره: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.","vol":"2","page":476},{"text":"قال أبو العالية: (أُسِّس الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له).\nأخرج الدارمي بسند صحيح عن زياد بن حُدَير قال: [قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه زَلّةُ العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين] (١).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس: أن النبي قال: [أبغض الناس إلى الله ثلاثة: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبْتَغٍ في الإسلام سُنّةَ الجاهلية، ومُطَّلِبُ دَم امرئٍ بغير حقٍّ لِيُهريقَ دَمَهُ] (٢).\n٥١ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: نَهيٌ عن موالاة اليهود والنصارى، وَتَوَعُّد مِنَ الله مَنْ خَرَقَ ذلك من المسلمين. ثم فيها فضْحٌ لسبيل المنافقين، وَإِنكارٌ لأساليبهم وحججهم الواهية في ذلك، وتوضيحٌ وتأكيدٌ لانهيار أعمالهم وخسارتهم في الآخرة.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾.\nتَحْذيرٌ من تقريبهم ومعاشرتهم ومناصرتهم.\nقال المهايمي: (إذا كان تودّد أهل الكتاب لرسول الله -ﷺ- لقصد افتتانه عن بعض ما أنزل الله مع غاية كماله، فكيف حال من يتودد إليهم من المؤمنين؟).\nوقوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.\nإشارةٌ لعلة النهي. قال القاسمي: (أي: فإنهم متفقون على خلافكم، يوالي بعضهم\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر سنن الدارمي (١/ ٧١)، وتخريج المشكاة (١/ ٢٦٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٨٨٢)، كتاب الديات، وروى نحوه الطبراني (١٠٧٤٩).","vol":"2","page":477},{"text":"بعضًا لاتحادهم في الدين. وإجماعهم على مضادتكم. فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم! !).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.\nقال الزمخشري: (وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله).\nوقال القرطبي: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ شرط وجوابه، أي: لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم، فصار منهم أي: من أصحابهم).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى:\nالحديث الأول أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن جرير عن عبد الله البجلي: [أن رسول الله -ﷺ- بايعه على أن: \"تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر\"] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جرير بن عبد الله قال: [بعث رسول الله -ﷺ- سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود. فأسرع فيهم القتل. قال: فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فأمر لهم بنصف العقل. وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله! لِمَ؟ قال: لا تراءى ناراهما] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن أبي شيبة -والطبراني- عن ابن مسعود مرفوعًا: [أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الطبراني في \"الكبير\" عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله -ﷺ- قال: [أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله] (٤).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٥٧)، (٤/ ٣٥٨)، وله شواهد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، كتاب الجهاد- باب على ما يقاتل المشركون. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٣٠٤) وقال: (صحيح) دون جملة العقل.\n(٣) حديث حسن. انظر كتاب \"الإيمان\" لابن أبي شيبة ص (٤٥)، والمسند (٤/ ٢٨٦).\n(٤) ذكره السيوطي في \"الجامع الصغير\" (١/ ٦٩). وهو حديث حسن. انظر صحيح الجامع (٢٥٣٦).\nوقد أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٥٣٧)، وله شاهد في مسند أحمد (٤/ ٢٨٦) من حديث البراء. انظر الحديث السابق.","vol":"2","page":478},{"text":"الحديث الخامس: أخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس ﵄ قال: [من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾\nالمقصود: إن الله لا يوفق من أعطى الولاية لأعدائه، وكان لهم ظهيرًا ونصيرًا. وقوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾.\nففي المقصود بذلك قولان:\n١ - قيل عني بذلك عبد الله بن أبي بن سلول. قاله عطية بن سعد. وقال: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ (أي: في ولايتهم). أي: لقول ابن أبي: (إني أخشى دائرة تصيبني).\n٢ - قيل بل المعني قوم من المنافقين كانوا يناصحون اليهود ويغشُّون المؤمنين.\nقال مجاهد: (المنافقون، في مصانعة يهود، ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادَهم إياهم. وقول الله تعالى ذكره: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ قال يقول: نخشى أن تكون الدائرة لليهود).\nوكلا التأويلين وارد محتمل، فهو خبر عن المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى ويخدعون المؤمنين بحجة احتمال أن يدور الدهر فيظفر اليهود أو النصارى، أو أهل الشرك، أو تنزل نازلة بهؤلاء المنافقين، فيكون لهم إلى أولئك حاجة.\nوقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.\nالفتح عني به أمران عند المفسرين:\n١ - فتح مكة. فعن السدي: (﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾، قال: فتح مكة).\n٢ - قيل القضاء والفَصْل. فعن قتادة: (﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قال: بالقضاء).\n_________\n(١) انظر: \"حلية الأولياء\" (١/ ٣١٢) عن ابن عباس، و\"جامع العلوم والحكم\" لابن رجب الحنبلي ص (٣٠)، الطبعة الثالثة، سنة (١٣٨٢) هـ.","vol":"2","page":479},{"text":"ويجوز أن يكون القضاء والفصل هو فتح مكة فيجتمع المعنيان. فإن الفتح في لغة العرب القضاء.\nوقوله: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. قال السدي: (الأمر الجزية- يعني ضرب الجِزية على اليهود والنصارى).\nوقوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.\nأي: يصبح المنافقون الذين ارتضوا لأنفسهم موالاة اليهود والنصارى نادمين على ما أقدموا عليه، إذ لم يجنوا من ذلك إلا الضعف والخزي والفضيحة بين المؤمنين.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾.\nفيه تفسيران:\n١ - هو قول بعض المؤمنين لبعض بعد الفتح نزول النصر: أهؤلاء -إشارة إلى المنافقين- الذين حلفوا واجتهدوا في الأيمان وقالوا إنهم لمعكم معشر المؤمنين، فهاهم قد فضحهم الله وأخزاهم وهتك سترهم اليوم. ذكره ابن جرير.\n٢ - هو قول المؤمنين لليهود على جهة التوبيخ: أهؤلاء -إشارة إلى المنافقين- الذين حلفوا بالله غاية أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد. ذكره القرطبي.\nوقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ﴾.\nأي: بطلت بنفاقهم. ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ فيه معنيان:\nالمعنى الأول: قد خسروا الثواب وضيّعوا مستقبلهم بنفاقهم.\nالمعنى الثاني: قد خسروا في موالاة اليهود، فقد أجلى النبي -ﷺ- اليهود وقتل طائفة\nمنهم.\nوالخلاصة: قد خسر هؤلاء المنافقون الصفقة الهزيلة مع اليهود الذين أخزاهم الله بالقتل والإجلاء، وكذلك فقد خسروا رضوان الله، فضيّعوا الدنيا والآخرة.\n٥٤ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ","vol":"2","page":480},{"text":"لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخبَارٌ من الله سبحانه عن استغنائه وقدرته، فمن ترك دين الإسلام أو ارتد عنه فإنه يخلق جلت عظمته لدينه العظيم رجالًا أوفياء ينصرون هذا الدين ويجاهدون في سبيل الله ولا يخافون أحدًا وقف في طريقهم. إنه ليس لكم أيها المؤمنون ناصر إلا الله ورسوله وأهل الإيمان -أهل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتعظيم شرائع الحق- فمن وثق بالله وتولى الله ورسوله وعباده المؤمنين فهؤلاء لهم الدولة والغلبة على فئة الشيطان وحزبه.\nقال ابن عباس: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية، وعيد من الله أنه من ارتَدَّ منكم، أنه سيستبدل خيرًا منهم).\nوقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (أرقَّاء عليهم، رحماءَ بهم).\nوقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nقال علي: (أهل غلظة على من خالفهم في دينهم)\nوقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: لا يردُّهم عَمّا هُم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يَردُّهم عن ذلك رادّ، ولا يصدّهم عنه صادّ، ولا يَحيكُ فيهم لوَمُ لائم، ولا عَذْلُ عاذِلٍ).\nوقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في الأوسط، بسند جيد عن أبي ذرّ قال: [أمرني خليلي -ﷺ- بسبع: أمرني بحبِّ المساكين والدنوِّ منهم، وأمرني أن أَنْظُرَ إلى من هو دُوني، ولا أنظُرَ إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصِلَ الرَّحِمَ وإن أدْبَرَت، وأمرني ألا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحقَّ وإن كان مُرًّا،","vol":"2","page":481},{"text":"وأمرني ألا أخافَ في الله لومة لائم، وأمرني أن أُكثِرَ من قولِ: لا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنْزٍ تحت العرش] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [إن الله ليَسْألُ العبدَ يوم القيامة. حتى يقول: ما منعكَ، إذ رأيت المُنْكَرَ أن تُنكرَهُ؟ فإذا لَقَّنَ الله عبدًا حُجَّتَهُ، قال: يارب! رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ من النَّاس] (٢). وفي لفظ: [وثقت بك، وفرقت من الناس].\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح لغيره عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه (أو شهده أو سمعه)] (٣).\nوروى أحمد نحوه وفيه: [إذا رآه أو شهد، فإنه لا يُقَرِّبُ من أَجَل، ولا يباعِدُ من رِزْق، أنْ يقولَ بِحَقٍّ، أو يُذَكِّرَ بعظيم] (٤).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.\nأي: تلك الصفات والنعوت السابقة هي من فضل الله على المؤمنين الذين اتصفوا بها.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾. أي: جواد بفضله وكرمه ومنّه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بموضع ذلك الجود والعطاء ومن يستحقه من عباده.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nأي: ليس لكم، أيها المؤمنون، ناصر ومعين ومؤيد ومحب إلا الله ورسوله وأهل الإيمان، الذين وصفت خصالهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ١٥٩)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥٦٣٥). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٦٣): وأحد إسنادي أحمد ثقات.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٠١٧)، وابن حبان (١٨٤٥)، وغيرهما.\n(٣) صحيح لغيره. أخرجه الترمذي (٢١٩١)، وابن ماجة (٤٠٠٧)، والحاكم (٤/ ٥٠٦)، وغيرهم.\nوانظر للزيادة مسند أحمد (٣/ ٥٣) بسند صحيح على شرط مسلم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٥٠)، (٣/ ٨٧)، وأبو يعلى (٨٨/ ١ - ٢)، وهو صحيح الإسناد.","vol":"2","page":482},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾.\nقال السدي: (أخبرهم -يعني الرب تعالى ذكره- مَنِ الغالب، فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ و\"الحزب\"، هم الأنصار).\nوفي التنزيل: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾.\nفمن نصر دين الله نصره الله وكتب له الغلبة على عدوه، سنة الله ولن تجد لسنته تبديلًا.\n٥٧ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تَحْذِيرٌ من الله للمؤمنين من موالاة أعداء الإسلام من الكتابيين والمشركين، الذين يستهزئون بأفضل أديان البرية الذي لا يقبل الله غيره بعد بعثة محمد -ﷺ- إلى يوم القيامة. وَتَنْفِيرٌ من صنيع أولئك المستهزئين عند ندائكم لصلاتكم، إذ يرونها من اللهو واللعب، وقد اتهمهم الله بعقولهم مقابل ذلك.\nقرأ جماعة من قراء الحجاز والبصرة والكوفة ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ بكسر الراء. والتقدير: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار أولياء. في حين قرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة بالفتح: ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾. والتقدير: لا تتخذوا -أيها المؤمنون- الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا والكفارَ- أولياء. أي: \"ولا الكفارَ أولياء\". وذلك بالعطف للكفار على الذين اتخذوا.\nقال ابن جرير: (إنهما قراءتان متفقتا المعنى، صحيحتا المخرج، قد قرأ بكل واحدة منهم علماء من القرأة، فبأي ذلك قرأ القارئ فقد أصاب).","vol":"2","page":483},{"text":"وفي التنزيل: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨].\nفالموالاة والمحبة والنصرة والتأييد للمؤمنين، فإنما المؤمنون إخوة.\nأخرج الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [المسلم أخو المسلم] (١).\nوأخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذُله، كل المسلم على المسلم حرام، عِرضه، وماله، ودمُه، التقوى هاهنا -وأشار إلى القلب- بحَسْب امرئٍ من الشر أن يحقِرَ أخاه المسلم] (٢).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: بشرع الله العظيم الذي يحاول هؤلاء المبطلون الاستهزاء به.\nوقوله. ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا أذن مؤذنكم، أيها المؤمنون، بالصلاة سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، ولعبوا من ذلك). وقال ابن كثير: (وهذه صفات أتباع الشيطان الذي إذا سمع الأذان أدبر وله حُصاص -أي: ضُراط- حتى لا يسمع التأذين).\nوَقَدْ جاءت السنة الصحيحة بهذا المفهوم في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: [إذا نُودِيَ للصلاة أدبر الشيطان له ضُراط، حتى لا يسمعَ التأذين، فإذا قُضي النداءُ أقبل، حتى إذا ثُوِّبَ للصلاة أدْبر، حتى إذا قُضيَ التَّثْوِيبُ أقبلَ حتى يَخْطُرَ بين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح- حديث- قم- (٢٤٤٢) -كتاب المظالم. باب: لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يُسْلِمُه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي عن أبي هريرة. انظر صحيح الترمذى (١٥٧٢). باب ما جاء شفقة المسلم على المسلم. وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٥٨٢)، (٦٥٨٣).","vol":"2","page":484},{"text":"المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكرُ حتى يظل الرجل لا يدري كم صَلّى] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إذا أذن المؤذن أدْبَرَ الشيطان، ولهُ حُصَاص] (٢).\nوفي لفظ: [إن الشيطان، إذا نُودي بالصلاة، وَلّى وله حُصَاص].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن جابر قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: [إن الشيطان إذا سمع النداءَ بالصلاة، ذهب حتى يكون مكان الروحاء] (٣).\nقال سليمانُ: فسألتُه عن الرَّوحاء؟ فقال: هي من المدينة سِتَةٌ وثلاثون ميلًا.\nوقوله: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾.\nأي هزوًا بالدعاء إلى الصلاة ولعبًا بذلك. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. أي: ما لهم في إجابة النداء إلى الصلاة، وما عليهم في سخريتهم من العقاب، فلو عقلوا ما فعلوا ذلك.\nولقد تألق مُعَلِّم البشر وعالم النفس الأول في هذه المعمورة رسول الله -ﷺ- حين عالج هذا النقص والعيب في الشخصية، وهو مرض هزال الروح وحب السخرية والاستهزاء الذي ما زال الناس يضربهم الشيطان به من زمان آدم ونوح ﵉، إلى زماننا هذا. فلنصغ معًا كيف عالج النبي -ﷺ- ما اعترى أبا محذورة من هزال النفس والاستهزاء عندما سمع النداء!\nأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة -واللفظ له- عن عبد الله بن مُحيريز، وكان يتيمًا في حِجر أبي مَحذورة بن مِعْيَر، حين جهزه إلى الشام. فقلت لأبي محذورة: أي عم! إني خارج إلى الشام، وإني أُسأل عن تأذينك؟ فأخبرني أن أبا محذورة قال: [خرجت في نفر. فكنا ببعض الطريق. فأذن مؤذن رسول الله -ﷺ- بالصلاة، عند\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٠٨) -كتاب الأذان- باب فضل التأذين. وروى مسلم نحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٣٨٩) -كتاب الصلاة. ابن فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٣٨٨) -كتاب الصلاة. الباب السابق.","vol":"2","page":485},{"text":"رسول الله -ﷺ-. فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون. فصرخنا نحْكيه. نهزأ به. فسمع رسول الله -ﷺ-. فأرسل إلينا قومًا فأقعدونا بين يديه. فقال: أيّكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشارَ إليَّ القوم كُلُّهم، وصَدَقوا. فأرسل كُلَّهُم وحَبَسني. وقال لي: قُمْ فأذِّن. فقُمتُ، ولا شيء أكرهُ إليَّ من رسول الله -ﷺ- ولا مِمَّا يأمُرُني به. فقمتُ بين يدي رسول الله -ﷺ-، فألقى عَلَيَّ رسولُ الله التأذين هو بنفسِه. فقال: قُلْ: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. أشهد أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة. حيَّ على الفلاح، حي على الفلاح. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله. ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صُرَّة فيها شيء من فِضّة. ثم وضع يَدَه على ناصية أبي مَحْذورة. ثم أَمَرَّها على وجهه، ثم على ثدييه، ثم على كبِدِه، ثم بَلَغَتْ يَدُ رسول الله -ﷺ- سُرَّة أبي محذورة. ثم قال رسول الله -ﷺ-: بارك الله لك وبارك عليك. فقلت: يا رسول الله! أمرتني بالتأذين بمكة؟ قال: نعم. قد أمرتُك. فذهب كل شيء كان لرسول الله -ﷺ- من كراهية، وعاد ذلك كُلُّهُ مَحَبَّةً لرسول الله -ﷺ-. فَقَدِمْتُ على عَتّاب بن أَسِيدٍ، عامِل رسول الله -ﷺ- بمكة، فَأَذنتُ مَعَهُ بالصلاة عَنْ أمْرِ رسول الله -ﷺ-] (١).\nلقد عالج رسول الله -ﷺ- مشكلة الهزال والسخرية بالأمور الآتية:\n١ - أرسل رسول الله -ﷺ- على الفور فجمع القوم بين يديه.\n٢ - سأل بقوة وحزم عن صاحب ذلك الصوت.\n٣ - أشار القوم جميعهم إلى مصدر الصوت ذبًّا عن أنفسهم ما يُرى أنه ذمّ.\n٤ - أطلق النبي -ﷺ- القوم وحبس صاحبه ليزيده خوفًا وندمًا على ما فعل.\n٥ - أمره أن يقوم فيؤذن بما استهزأ به، فداواه بالتي كانت هي الداء.\n٦ - ألقى عليه التأذين بحزم ليردّده خلفه، ثم دعاه فكافأه بالمال ليظهر قيمة ما فعل، وليبقى راسخًا في ذهن أبي محذورة إلى الأبد أن هذا التأذين غال وثمين ولا يُهزأ به.\n٧ - ثم وضع رسول الله -ﷺ- يده الشريفة على ناصية ووجه وَصدر وكبد أبي محذورة ودعا له بالعافية والبركة فبرأ مما كان في نفسه بإذن الله.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٥٠٣)، والنسائي (٢/ ٥)، وابن ماجة (٧٠٨). انظر صحيح ابن ماجة (٥٨١) -كتاب الأذان والسنة فيها- باب الترجيع في الأذان. ورواه أحمد في المسند (٣/ ٤٠٩).\nوانظر صحيح مسلم (٣٧٩)، وسنن الترمذي (١٩٢)، وسنن البيهقي (١/ ٣٩٣).","vol":"2","page":486},{"text":"٨ - ثم استعمله بالعمل نفسه على أهل مكة، فبَتَرَ بذلك الاستهزاء بالتأذين من نفسه إلى الأبد، إذْ أصبح قائمًا على هذا العمل فكيف يهزأ بنفسه؟ !\nفهذه لمسات من بعض أساليب التربية النبوية في معالجة أمراض السلوكية، وقد بسطت بذلك القول في كتابي: \"الأمراض النفسية وعوامل الشد إلى الخلف\"، ولله الحمد والمنة.\n٥٩ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين بدينكم من أهل الكتاب: هل يحملكم على ذلك إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنزل إلينا من القرآن، وبما أنزل إلى المرسلين قبلنا، وإلاّ أَنَّ أكثركم عاصون لله خارجون عن طاعته. فهل أنبئكم يا معشر أهل الكتاب بشِرٍّ من جزاء ما تنقمون منا من الإيمان -إنه من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم المُسوخ القردة والخنازير غضبًا من الله وسخطًا وخزيًا عاجلًا في الدنيا قبل الآخرة-. فهؤلاء شر مكانًا ممن نقمتم عليهم من المؤمنين، وأنتم معشر اليهود أضل عن قصد الطريق وَأَجْوَرُ عن سبيل الهدى والرشاد. وإذا جاءكم -أيها المؤمنون- هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا آمنا بألسنتهم، وما تبطن صدورهم هو الكفر والله أعلم بما يبطنون. ثم إن أكثرهم يسارعون بالمعصية والبغي وأكل الرشوة وسيِّيء العمل، فأين علماؤهم لينهوهم عن ذلك ويحذروهم سيِّيء ما كانوا يعملون.","vol":"2","page":487},{"text":"وتفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾.\nقال القاسمي: (أي ما تعيبون وتنكرون منا ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وهو رأس الكمالات ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وهو أصل الاعتقادات والأعمال والأخلاق ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو يشهد لما أنزل إلينا ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر).\nوقال ابن كثير: (أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي خارجون عن الطريق المستقيم).\nوفي التنزيل: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨].\nوفيه أيضًا: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٧٤)﴾ [التوبة].\nوقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾.\nأي: إن من اتصف بهذه الصفات الذميمة هم شر مكانًا، وهم أصحاب الخزي يوم القيامة، لا الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه وصدقوا المرسلين والتزموا العمل الصالح.\nفمن ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي طرده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ فلا يرضى بعدها عنه، ومسخ حاله وهيئته إلى أحوال وهيئات القردة والخنازير خزيًا عاجلًا لهم في الدنيا قبل الآخرة هم ومن مضى على منهاجهم الفاسد من أحفادهم موضع النقص والعيب والعار ومظنة الهلاك في الآخرة.\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: وذكرت عنده القردة -أي عند النبي -ﷺ- وفي لفظ: فقال رجل: يا رسول الله! القردة والخنازير هي مما مُسِخَ؟ فقال النبي -ﷺ-: [إن الله ﷿ لم يُهْلِك قومًا، أو يُعَذِّب قومًا، فيجعلَ لهم نسْلًا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك] (١).\nوفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان بسند صحيح عن ابن عباس، عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٦٣)، كتاب القدر، وأخرجه أحمد (١/ ٤١٣) (١/ ٣٩٠)، ورواه أبو يعلى (٥٣١٣) من طريق مسعر عن علقمة به.","vol":"2","page":488},{"text":"النبي -ﷺ- قال: [الحياتُ مسخ الجن صورةً، كما مُسِخَت القِرَدةُ والخنازيرُ من بني إسرائيل] (١).\nوقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ - فيه قراءتان أو أكثر.\nالقراءة الأولى: قراءة قراء الحجاز والشام والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي: وجعل منهم من عَبَدَ الطاغوت كما جعل منهم القودة والخنازير.\nالقراءة الثانية: قراءة جماعة من الكوفيين: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. والمعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت. أي خدّامه وعبيده.\nوكلاهما قراءتان مشهورتان وإن كانت القراءة الأولى أشهر، واختار ذلك ابن جرير.\nوقد مضى بيان مفهوم كلمة ﴿الطَّاغُوتَ﴾ في مواضع سابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.\nفيه أكثر من تأويل:\n١ - قال الزجاج: (أولئك شر مكانًا على قولك).\n٢ - قال النحاس: (ومن أحسن ما قيل فيه: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانًا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر).\n٣ - وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانًا من الذين لعنهم الله.\n٤ - وقيل: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانًا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر.\n٥ - وقال القرطبي: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ لأن مكانهم النار، وأما المؤمنون فلا شرَّ في مكانهم).\n٦ - وقال ابن كثير: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، أي: مما تظنون بنا).\nقلت: والسياق يقتضي ما ذكره القرطبي وابن كثير، إذ جاء قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ بعد قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٣٤٨) ح (٣٢٥٤)، والطبراني (١١٤٦)، وابن حبان (١٠٨٠).","vol":"2","page":489},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾.\nقال ابن عباس: (وإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق، وتُسِرُّ قلوبهم الكفر، فقال: ﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِه﴾).\nوفي التنزيل: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.\nأي: بما تنطوي عليه سرائر هؤلاء المنافقين.\nوقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾.\nقال السدي: (الإثم: الكفر). وقال قتادة: (﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وكان هذا في حكّام اليهود بين أيديكم).\nقال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾، فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به).\nوالمقصود كشف هؤلاء اليهود في تعاطيهم المآثم والمحرمات والاعتداء على الناس، وكشف خداعهم ولعبهم بدينهم مقابل الرشوة والمال الباطل.\nوقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: مما سبق من المخالفات الشرعية.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.\nالأحبار: العلماء. والربانيون: العلماء العُمَّال أرباب الولايات عليهم، فهم أخص. والآية توبيخ للطرفين مقابل سكوتهم عن انحراف ومخالفات بني إسرائيل في انتشار الآثام والمعاصي بينهم، وانتشار السحت: أي الرشوة والمال الحرام.\nقال ابن عباس: (ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية).\nوقال الضحاك: (ما في القرآن آية أخوف عندي منها: أنا لا ننهى). وقال: (﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم. وما أخوفني من هذه الآية).\nوقال ابن جرير: (وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها).","vol":"2","page":490},{"text":"قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذه الآية.\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق أنه قال: [أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا بيده، أَوْشَكَ أن يعمّهم الله بعقاب منه] (١).\nورواه ابن ماجة بلفظ: [وإنا سمعنا رسول الله -ﷺ- يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر لا يُغَيِّرونه، أوشكَ أن يَعُمَّهُم الله بعقابه] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة -واللفظ له- والحاكم عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله -ﷺ-، قام خطيبًا. فكان فيما قال: [ألا، لا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا، هَيْبَةُ الناس، أن يقول بحقِّ، إذا عَلِمَهُ] (٣). قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا.\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [ما من قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، هُمْ أَعَزُّ مِنهم وأَمْنَعُ، لا يُغَيِّرون، إلا عَمَّهُم الله بعقاب] (٤).\n٦٤ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢٩)، (٥٣)، وأبو داود (٢/ ٢١٧)، والترمذي (٢/ ٢٥) وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٣٦) -باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٣٠)، وابن ماجة (٤٠٠٧)، والحاكم (٤/ ٥٠٦).\n(٤) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (٤٠٠٩)، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٣٨).","vol":"2","page":491},{"text":"وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ جرأة اليهود على ربهم وتطاولهم في الكلام بصفاته دون تأدب أو خجل، وتجاهل نعمه عليهم وكثرة صفحه، وعفوه عنهم، فوصفوه بالبخل كما وصفوه بالفقر عليهم لعائن الله، بل هو الواسع الفضل الجزيل العطاء وعنده خزائن كل شيء. ثم فيها إِخبارٌ من الله لنبيه محمد -ﷺ- أن ما أكرمك الله به من الوحي والحق سيكون نقمة على اليهود وأمثالهم وسيزدادون به حسدًا حقدًا وطغيانًا، كما يزداد به المؤمنون إيمانًا وإحسانًا. ثم لا تجتمع قلوبهم بل سيفتك الحقد والبغي بين فرقهم مقابل كفرهم، وكلما أبرموا حالة اجتماع ليحاربوك فيها يمزقها الله ويبطلها، ومن صفاتهم استمرار إشعال الأرض بنار الفساد والله لا يحب المفسدين. ولو أنهم آمنوا بالله ورسوله وكفوا عن الظلم والآثام وأقاموا التوراة والإنجيل ثم أقاموا القرآن النازل إليهم لبسط الله لهم ألوان البشائر والنعيم في الدنيا والآخرة، ولكن قليل مَنْ آمن واتقى منهم، وأكثرهم فاسقون.\nوتفصيل ذلك:\nقوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.\nقال ابن عباس: (ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا،\nفكذبهم الله بما قالوا ووبّخَهم فقال جل ثناؤه: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.\nقال قتادة: (قالوا: الله بخيل غير جواد! قال الله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾).\nوقال الضحاك: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، يقولون: إنه بخيل ليس بجواد! قال الله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أمسكت أيديهم عن النفقة والخير. ثم قال يعني نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ... (٢٩)﴾ [الإسراء]، يقول: لا تمسك يدك عن النفقة).\nقال القرطبي: (﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا﴾. قيل: المراد أنهم أبخل الخلق، فلا","vol":"2","page":492},{"text":"ترى يهوديًّا غير لئيم. وفي الكلام على هذا القول إضمار الواو، أي قالوا: يد الله مغلولة وغلت أيديهم. واللعن الإبعاد).\nفيكون المعنى: كذب اليهود المتجرئون على صفات الله سبحانه، فهم البخلاء الفاسدون المنعوتون بصفات الشح والبخل والطمع والبغي، والله تعالى هو الواسع الفضل الجزيل العطاء الكثير النعم، فنعمه لا تحصى، وكرمه على عباده لا حدود له، وعنده خزائن السماوات والأرض ينفق كيف يشاء وهو الحكيم الكريم المتعال.\nقال في سورة إبراهيم: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾.\nوقال فيِ سورة لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ... (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].\nقلت: وضلّ قوم أَوَّلوا صفة اليد بالنعمة أو القدرة، فبماذا يستقيم على زعمهم قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾ هل يقال بل قدرتاه أو نعمتاه حينئذ! هذا مما لا يستقيم في لغة العرب. والحق أن هذه الآية تثبت صفة اليدين لله العظيم، كما تثبتها الآية الأخرى في سورة (ص): ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾. وقد جاءت السنة الصحيحة بإثبات ذلك لله كما يليق بجلاله وكماله -أي: دون تشبيه ولا تعطيل- بل كلتا يديه يمين ﷾، كما ثبت في الصحيح.\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ يمين الله مَلأى لا يَغيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ، الليلَ والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقُصْ ما في يمينه، وعَرشُهُ على الماء، وبيده الأخرى الفَيضُ -أو القَبْضُ- يَرْفعُ ويخْفِض] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [احتَجَّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٢٧)، كتاب الإمارة. باب فضيلة الأمير العادل وعقوبة الجائر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٤١٩) كتاب التوحيد. وانظر (٤٦٨٤) منه. وأخرجه مسلم (٩٩٣) ح (٣٧)، وأحمد (٣/ ٣١٢)، وابن حبان (٧٢٥)، والترمذي (٣٠٤٥).","vol":"2","page":493},{"text":"آدمُ وموسى ﵉ عند ربِّهما، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدمُ الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من رُوحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جَنّتِه، ثم أهْبَطْتَ الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ قال آدم ﵇: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تِبْيان كل شيء، وقرّبك نَجِيًّا، فبِكَمْ وَجَدْت الله كتب التوراة قبل أن أُخلقَ؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. قال: نَعَمْ. قال: أفتلومني على أن عَمِلْتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعْمَلَهُ، قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله -ﷺ-: فحجَّ آدم موسى] (١).\nوقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾.\nقال قتادة: (حملهم حسدُ محمد -ﷺ- والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم).\nوفي التنزيل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].\nوقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nقال مجاهد: (أي بين اليهود والنصارى). وقيل: (ألقينا بين طوائف اليهود).\nقال القرطبي: (فهم متباغضون غير متفقين، فهم أبغض خلق الله إلى الناس).\nوفي التنزيل: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر].\nقلت: والراجح أنه من ذكر اليهود، فإن السياق يقتضي ذلك، والمقصود: أن الفرقة والتمزق ستعم طوائف بني إسرائيل، فلا تجتمع قلوبهم، وتسري العداوة بينهم. قال إبراهيم النَّخَعِي: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ قال: الخصومات والجدال في الدين).\nوقوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾.\nقال السدي: (كلما أجمعوا أمرهم على شيء فَرَّقَهُ الله، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، وقذف في قلوبهم الرعب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٥٢) ح (١٥)، كتاب القدر، وانظر صحيح البخاري (٤٧٣٨).","vol":"2","page":494},{"text":"وقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: من سَجِيَّتِهم أنهم دائمًا يَسْعَوْنَ في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾.\nقال قتادة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾، يقول: آمنوا بما أنزل الله، واتقوا ما حرّم الله، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾).\nقال ابن جرير: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، يقول: مَحَوْنا عنهم ذنوبهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها، ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، يقول: ولأدخلناهم بساتين ينعمون فيها في الآخرة).\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني القرآن). أي وعملوا بما أنزل إليهم من ربهم من الفرقان الذي جاءهم به محمد -ﷺ-.\nوقوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يعني من القَطْر والنبات.\nقال ابن عباس: (﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، يعني: لأرسل السماء عليهم مدرارًا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، تخرج الأرض بركتها).\nوقال قتادة: (إذن لأعطتهم السماء بركَتَها، والأرض نباتها).\nوقال السدي: (يقول: لو عملوا بما أنزل إليهم مما جاءهم به محمد -ﷺ-، لأنزلنا عليهم المطر، فلأنبت الثّمر).\nوفي الآية تنبيه لهذه الأمة ألا تسقط كما سقطت أمة يهود، وأن تتمسك بقرآنها فهو فلاحها في الدنيا والآخرة، وقد خشي النبي -ﷺ- على هذه الأمة أن تترك قرآنها والعمل به كما حصل في أمم أهل الكتاب. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح، عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي -ﷺ- شيئًا، فقال: [ذاك عِنْدَ أوانِ ذهاب العِلم. قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونُقْرِئهُ أبناءنا ويُقْرِئهُ أبناؤنا أبناءَهم، إلى يوم القيامة؟ قال: ثَكِلَتْكَ","vol":"2","page":495},{"text":"أُمُّكَ، زيادُ! إن كُنْتُ لأراكَ مِنْ أفقه رجلٍ بالمدينة. أو لَيْسَ هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل، لا يَعْمَلُون بشيءٍ مما فيهما؟] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: [لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب دخلتم، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند يإسناد صحيح عن أبي عامر -عبد الله بن يحيى- قال: [حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله -ﷺ- قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلهما في النار إلا واحدة -وهي الجماعة- وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاءكم به نبيّكم -ﷺ-، لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به] (٣).\nوقوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾.\nيعني: منهم جماعة مقتصدة في القول في عيسى بن مريم، وبعيدة عن الغلو والتنطع.\nقال قتادة: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾، يقول: على، كتابه وأمره. ثم ذمّ أكثر القوم فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾).\nوقال السدي: (﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾، يقول: مؤمنة).\nوقال الربيع بن أنس: (فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جفَوا في الدين ولا هم غَلوا).\nوفي التنزيل: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩].\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٧٢) - باب ذهاب القرآن والعلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٥) من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا، ورجاله ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٣٤٨).\n(٣) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٢/ ٣٣٢)، وسنن أبي داود (٢/ ٥٠٣)، والترمذي (٣/ ٣٦٧)، وابن ماجة (٢/ ٤٧٩)، والحاكم (١/ ١٢٨)، وصحيح الجامع (١٠٩٣)، (١٠٩٤).","vol":"2","page":496},{"text":"هذا في قوم موسى. وقال في أتباع عيسى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧].\nقال ابن كثير: (فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ...﴾ الآية [فاطر: ٣٢ - ٣٣]. والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة يدخلون الجنة).\n٦٧. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾.\nفي هذه الآية: يأمر الله سبحانه نبيّه -ﷺ- بإقامة البلاغ المبين لهذا التنزيل العظيم والوحي الكريم، ومن ثم فإن أحدًا لن يستطيع أن يتسلط عليه بأذى، فهو في عصمة الله وحمايته، والله هو يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو أعلم بمن يستحق الفضل والهداية.\nأخرج ابن حبان في صحيحه، بسند حسن عن أبي هريرة قال: [كان رسول الله -ﷺ- إذا نزل منزلًا نظروا أعظم شجرة يرونها فجعلوها للنبي -ﷺ-، فينزل تحتها وينزل أصحابه بعد ذلك في ظل الشجر، فبينما هو نازل تحت شجرة وقد علق السيف عليها إذ جاء أعرابي فأخذ السيف من الشجرة، ثم دنا من النبي -ﷺ- وهو نائم فأيقظه فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال النبي -ﷺ-: الله. فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾] (١).\nقلت: ولا شك أن البلاغ المبين لهذا الدين عصمة للمؤمن من الله، يجد بركته في حياته، ونوره في قبره، وغبطته وسروره في أهله، ونجاته وفوزه يوم القيامة. وقد بلغ النبي -ﷺ- ولقي هذا الدين أتم البلاغ وجاهد من أجل ذلك أرفع الجهاد، وتحمل في ذات الله\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح ابن حبان (٢٨٨٢) و(٤٥٣٧)، ومسند أحمد (٣/ ٣٦٤) من حديث جابر، وأصله في الصحيحين. انظر صحيح البخاري (٢٩١٣)، ومسلم (٤/ ١٧٨٦) (١٣). وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول -الوادعي- سورة المائدة، آية (٦٧).","vol":"2","page":497},{"text":"﷿ ما أصابه لينقذ الأمة من جحيم مناهج أهل الشهوات والأهواء ومن جحيم النار يوم القيامة، إلى نور الحياة في ظل منهج الله سبحانه في الدنيا وظل روضات الجنان في الآخرة.\nأخرج البخاري عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: [مَنْ حَدَّثك أن محمدًا -ﷺ- كتم شيئًا مما أُنزِلَ عليه فقد كَذَبَ، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية] (١).\nقال البخاري: قال الزهري: (من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم).\nوقد استنطق النبي -ﷺ- أمته في أعظم المحافل، فشهدت له بأتم البلاغ، وفهمت منه الوداع.\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله -ﷺ- خطب الناس يومَ النَّحر فقال: [يا أيها الناس، أيُّ يوم هذا؟ قالوا: يومٌ حرام، قال: فأي شَهْرٍ هذا؟ قالوا: شَهْرٌ حرام، قال: فإن دِماءَكُم وأموالكم وأعراضَكُم عليكم حرامٌ كحُرْمةِ يومِكُم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. فأعادها مِرَارًا، ثم رَفَعَ رأسه فقال: اللهم هل بَلَّغْتُ؟ اللهم هل بَلَّغْتُ؟ - قال ابن عباس ﵄: فوالذي نفسي بيده! إنها لَوَصِيَّتُهُ إلى أُمَّتِه- فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا ترجعوا بعدي كُفّارًا يَضْربُ بعضكم رقابَ بعض] (٢).\nقال البخاري: وقال هِشامُ بنُ الغازِ: أخبرني نافعٌ عن ابن عمرَ ﵄: (وقف النبي -ﷺ- يَوْمَ النَّحْرِ بين الجَمَراتِ في الحَجَّة التي حَجَّ بهذا، وقال: هذا يوم الحج الأكبر. فطفق النبي -ﷺ- يقول: اللهم اشهد. فوَدَّع الناسَ فقالوا: هذه حَجَّة الوداع) (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٦١٢) -كتاب التفسير- باب: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٧٣٩) -كتاب الحج. باب الخطبة أيامَ منى. وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٣٠).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه عقب حديث (١٧٤٢) -كتاب الحج. الباب السابق. وانظر كذلك الحديث (٤٤٠٣) منه.","vol":"2","page":498},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر -في حجة النبي -ﷺ- أن رسول الله -ﷺ- قال في خطبته يومئذ: [أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهدُ أنك قد بَلَّغْتَ وأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فجعل يرفَعُ إصْبَعَهُ إلى السماء وينكتها إليهم ويقول اللهم هل بَلّغت، اللهم هل بلغت. وفي لفظ: فقال بإصبعه السبّابة، يرفعها إلى السماء ويَنْكتُها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد. ثلاث مرات] (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن أبي حاتم عن هارون بن عَنترة، عن أبيه قال: [كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يُبدِه رسِول الله -ﷺ- للناس. فقال: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، والله ما وَرَّثنا رسول الله -ﷺ- سوداءَ في بيضاء] (٢).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nأي: يمنعك من أن ينالوك بسوء أو أذى، فأنت في حفظ الله وكلاءته وتأييده. وقد كان النبي -ﷺ- يُحرس عند وصوله المدينة قبل نزول هذه الآية.\nأخرج الترمذي بسند حسن عن عائشة قالت: [كان النبي -ﷺ- يُحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رسول الله -ﷺ- رأسه من القبة، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله] (٣).\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: [سَهِرَ رسول الله -ﷺ- مَقْدَمَهُ المدينة ليلةً، فقال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة. قالت: فبينا نحن\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر- في حجة النبي -ﷺ-.\n(٢) إسناده جيد، كما ذكر الحافظ ابن كثير في التفسير- سورة المائدة (آية ٦٧). ويشهد له ما في صحيح البخاري من حديث أبي جُحَيفة: [قلت لعلي: هل عندكم شيءٌ من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاكُ الأسير، وألا يُقتلَ مسلم بكافر].\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي بإسناد حسن من حديث عائشة ﵂. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٤٠). أخرجه الحاكم (٢/ ٣١٣)، وأخرجه الطبري (١٢٢٧٩).","vol":"2","page":499},{"text":"كذلك سمعنا خَشْخَشَةَ سلاح، فقال: مَنْ هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص. فقال رسول الله -ﷺ-: ما جاء بك؟ فقال: وقع في نفسي خوفٌ على رسول الله -ﷺ- فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله -ﷺ-، ثم نام] (١).\nورواه أحمد وفيه: [فقال: ما جاء بك؟ قال: جئتُ لأحرُسكَ يا رسول الله. قال: فَسَمعتُ غطيطَ رسول الله -ﷺ- في نومه].\nقال الحافظ ابن كثير: (ومن عصمة الله لرسوله حافظُهُ له من أهل مكة وصناديدها وحُسَّادها ومُعَانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبَغْضَة ونَصبِ المحاربة له ليلًا ونهارًا، بما يَخْلُقُهُ الله تعالى من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة بعمِّه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعيَّة لرسول الله -ﷺ- لا شرعِيَّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارُها وكبارها، ولكن لَمَّا كان بينه وبينهم قَدَرٌ مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أَذىً يسيرًا، ثم قيَّضَ الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحَوَّلَ إلى دارهم -وهي المدينة- فلما صار إليها حَمَوْه من الأحمر والأسود، فكلّما هَمَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله وَرَدَّ كيدَه عليه، لَمَّا كاده اليهود بالسحر حَمَاه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواءً لذلك الداء. ولما سَمَّ اليهود ذراعَ تلك الشاة بِخَيْبَرَ، أعلمَهُ الله به، وحماه منه. ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذكرها).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.\nأي: لا يوفقهم لسلوك سبيل الهداية والرشاد جزاء استهتارهم وردّ شرع الله وبلاغ الرسل.\nقال القرطبي: (أي لا يرشدهم. وقيلَ: أبْلغ أنت فأما الهداية فإلينا. نظيره: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. وقال ابن جرير: (إن الله لا يوَفِّقَ للرُّشْد من حَاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٤١٠) -كتاب فضائل الصحابة- وانظر صحيح البخاري (٢٨٨٥) وكذلك (٧٢٣١)، ومسند أحمد (٦/ ١٤١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٨٦٧). وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ٥٢٢ - ٥٢٣) لتفصيل تلك الأحداث والروايات.","vol":"2","page":500},{"text":"٦٨ - ٦٩. قوله تعالى، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: قل يا محمد لأهل الكتاب إنكم لستم على شيء من الدين الحق حتى تعملوا بما جاءكم في كتبكم فتؤمنوا بما فيها، وبما تضمنته من نبوة محمد -ﷺ- ووجوب متابعته ونصرته، ولكَن يا محمد لن يكون الأمر كما تحب، فإن الكبر والغرور قد أهلك هؤلاء، فلن يزيدهم ما أنزل إليك من القرآن إلا كبرًا وجحودًا وعنادًا وطغيانًا، فلا تحزن عليهم فهُمْ إنما يَرِدونَ بذلك مهالكهم. إنّ من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا من المؤمنين واليهود والصابئين والنصارى والتزم ما أُمِرَ له فلا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا ولا على ما خلّفوا وراءهم فيها من ذرية ودنيا، بعد أن يبصروا نعيم الآخرة وما أعدّ الله لهم من عظيم الثواب والسرور والملذات.\nقال ابن زيد: (﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا﴾، حتى تعملوا بما فيه). أي بما جاء في التوراة والإنجيل دون التحريف. وعن مجاهد: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: القرآن العظيم).\nوعن ابن عباس: (﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ قال: الفرقان، يقول: فلا تحزن). وقال ابن جرير: (وأقسم: ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قصّ قصصهم في هذه الآيات، الكتاب الذي أنْزلته إليك يا محمد، ﴿طُغْيَانًا﴾، يقول: تجاوزًا وغُلوًّا في التكذيب لك، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نزول الفرقان، ﴿وَكُفْرًا﴾، يقول: وجحودًا لنبوتك).\nوقوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال السدي: (لا تحزن).","vol":"2","page":501},{"text":"ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وهم: المسلمون الذين صدقوا بالله ورسوله.\n﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود حملة التوراة. وقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾. قال ابن كثير: (لما طال الفصل حسن العطف بالرفع) - والصابئون: طائفة بين النصارى والمجوس، ليس لهم دين. قاله مجاهد. وعنه: بين اليهود والمجوس. وقال سعيد بن جبير: (بين اليهود والنصارى). وعن الحسن: (إنهم كالمجوس). وقال قتادة: (هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرؤون الزبور). وقال وهْب بن مُنبه: (هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثوا كفرًا). وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.\nوأما النصارى: فهم حملة الإنجيل، الذين بعث فيهم عيسى بن مريم ﵊.\nوقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nيعني: من آمنَ بالله فَصدَقَهُ التوحيد والتعظيم، وآمن باليوم الآخر، واستعدّ له بالعمل الصالح، فكان على منهاج كتابه الذي أنزل إليهم، ثم آمن بمحمد -ﷺ- إن عاصره وأدركه فنصره وتابعه، فأولئك لا خوف عليهم في مشهد المحشر يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا وعلى ما خلّفوا فيها، فالطمأنينة والأمن في الدنيا والآخرة.\n٧٠ - ٧١. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾.\nفي هذه الآيات: تَذْكِيرٌ من الله سبحانه بالمواثيق والعهود التي أخذها على بني إسرائيل بالصدق والسمع والطاعة ومتابعة الرسل، ولكنهم كانوا عند أسوأ الظن، فقد خانوا العهود ونقضوا المواثيق وركبوا أهواءهم، فإن وافق الرسول المرسل إليهم شهواتهم قبلوه وإلا قتلوه. وظنوا أن الأمر هكذا دون امتحان واختبار فعموا عن الحق","vol":"2","page":502},{"text":"والوفاء بالميثاق وصموا عنه ثم تاب الله عليهم ثم عادوا إلى التكذيب والخيانة والله يرى أعمالهم وسيجازيهم بها.\nوقولُه جل ذكره: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق مَحَبَّتَهم، كذّبوا منهم فريقًا.، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا).\nوقوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال ابن عباس: (الشرك). وقال قتادة: (حسب القوم أن لا يكون بلاء). وقال السدي: (حسبوا أن لا يبتلوا).\nوقوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾.\nقال قتادة: (كلما عرض بلاء ابتلوا به، هلكوا فيه).\nوقال السدي: (حسبوا أن لا يبتلوا، فعموا عن الحق وصموا). وهم كما قال مجاهد: (اليهود).\nوقال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: (هذه الآية لبني إسرائيل. قال: والفتنة: البلاء والتمحيص).\nوالمقصود أنهم عموا عن الحق وصموا، فلا يبصرون الحق ولا يصغون له ولا يهتدون إليه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مما كانوا فيه من العمى والصمم. ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ مرة أخرى وعادوا للانتكاس. ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: يبصر أعمالهم ويحصيها عليهم ليجازيهم بها يوم يلقونه.\n٧٢ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ","vol":"2","page":503},{"text":"لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: حُكْمٌ من الله بتكفير الذين ادّعوا ألوهية المسيح ابن مريم من فِرق النصارى: من الملكِيَّةِ واليَعْقوبية والنَّسْطورية، وَتَبرِئَةٌ للمسيح ابن مريم من ذلك وأنه دعا إلى عبادة الله وحده وَحَذَّرَ من الشرك به، وبيّن أن مصير من أشرك بالله تعالى النار ثم لا سبيل ولا نصير.\nثم في الآيات حُكْمٌ بالكفر على من قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وتوعّدٌ لهم من الله بعذاب أليم إن لم يتوبوا ويرجعوا عن قولهم واعتقادهم. ثم بيانٌ من الله لحقيقة عيسى ابن مريم ﵊ بأنه رسول كبقية الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأمه مؤمنة صادقة، يأكلان الطعام كسائر الناس، فأين يذهب هؤلاء بضلالهم!\nفقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾.\nكقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nوقال ابن جرير: (قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية. كانوا فيما بلغنا يقولون، \"الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعةً بينهما). فكذبهم الله بقوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nيشمل قائلي المقالتين، ولذلك قال: ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ ولم يقل \"ليمسَّنهم\" كما ذكر شيخ المفسرين.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nدَعْوَةٌ لهم طيبة كريمة من الله ليستأنفوا التوحيد بعد الشرك والإيمان بعد الكفر، والله بمنّه وكرمه يتجاوز عن ذلك مما سلف منهم، كيف لا وهو سبحانه لم يزل يعافيهم ويرزقهم مع ما يسمعه من شركهم.","vol":"2","page":504},{"text":"فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله -ﷺ-: [لا أَحَدَ أَصْبَرُ على أذىً يَسْمَعُهُ من الله ﷿، إنه يُشرك به، ويُجْعلُ له الولد، ثم هو يعافيهم ويرزقهم] (١).\nوفي لفظ: [ما أحَدٌ أصبرَ على أذىً يَسْمَعُه من الله تعالى، إنهم يجعلون له نِدًّا، ويجعلونَ له وَلَدًا، وهو مع ذلك يَرْزقُهم ويُعَافيهم وَيُعطيهم].\nوقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾.\nقال القرطبي: (أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل، فإن كان إلهًا فليكن كل رسول إلهًا، فهذا ردّ لقولهم واحتجاج عليهم).\nوفي التنزيل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف].\nوقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي مؤمنة صادقة، آمنت بالله وصدقته بآياته.\nوعن الحسن: (إنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به).\nقلت: والآية لا تدل أنها كانت نبيّة. فإن الله لم يبعث بالنبوة والرسالة إلا الرجال.\nقال الحافظ ابن كثير -في التفسير-: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدَلّ على أنها ليست بنبيّة، كما زعمه ابن حزم وغيره، ممن ذهب إلى نبوة سارَّة أُمِّ إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالًا منهم بخطاب الملائكة لسارَّة ومَرْيم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]. وهذا معنى النبوة. والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًّا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ...﴾ [يوسف: ١٠٩].\nوقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾.\nأي هما كسائر البشر لا تقوم حياتهما دون غذاء، ومن كان هذا شأنه فلا يصلح إلهًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٠٤) -كتاب صفات المنافقين. باب في الكفار.","vol":"2","page":505},{"text":"وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾\nأي: نظهر لهم الدلالات الواضحات والحجج الدامغات.\nوقول: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾\nأي: كيف يصرفون عن الحق وإلى أي ضلال يذهبون.\n٧٦ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾.\nفي هذه الآيات: زيادة توبيخ لصنيع هؤلاء، والذين يعبدون ما يعبدون من الأوثان والأصنام والأنداد، وتَحْذيرٌ من اتباع الأهواء وأصحاب الضلال.\nقال القرطبي: (أي أنتم مقرون أن عيسى كان جَنينًا في بطن أمه، لا يملك لأحد ضرًّا ولا نفعًا، وإذ أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، فكيف اتخذتموه إلهًا؟ ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي لم يزل سميعًا عليمًا يملك الضرّ والنفع، ومن كانت هذه صفته فهو الإله على الحقيقة).\nوقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾. الآية.\nقال ابن كثير: (أي: لا تُجاوزوا الحدَّ في اتباع الحق، ولا تُطْروا من أُمْرِتُم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حيّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتُم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلَفُكم ممن ضل قديمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلالة).\nقلت: وقد حذّر النبي -ﷺ- من الغلو في الدين، وتقليد أهل الكتاب فيما سلكوه،","vol":"2","page":506},{"text":"كما حذّر من أئمة الجهل والضلال الذين يقودون الأمة إلى المهالك. وفي ذلك أحاديث من السنة الصحيحة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، ولكن قولوا عبد الله ورسوله] (١).\nوالإطراء: مجاوزة الحد في المدح، أي لا تمدحوني بالباطل.\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [هلك المتنطعون- قالها ثلاثًا] (٢). وهم المتعمقون المتشددون.\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبيِ هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إنّ الدين يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحَدٌ إلا غَلبَهُ، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدْوةِ والرَّوحة وشيءٍ من الدُّلْجَةِ] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في المعجم الكبير عن أبي الدرداء، وأبو نعيم في الحلية عن كعب عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون] (٥). قال كعب: (فقلت والله ما أخاف على هذه الأمة غيرهم). ولفظ أحمد: [إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلّون].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٣٥٥) -كتاب أحاديث الأنبياء.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٨٢٤). وصحيح مسلم (٢٦٧٠)، كتاب العلم. من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢١٥)، وانظر تحقيق: \"فتح المجيد\" (٢٤٩ - ٢٥٠).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٩)، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، ورواه النسائي. انظر صحيح سنن النسائي -حديث رقم- (٤٦٦١).\n(٥) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٤٦)، وأحمد في المسند (٦/ ٤٤١). وسنده حسن.","vol":"2","page":507},{"text":"٧٨ - ٨١. قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله سبحانه عن لعن الكافرين المغالين في الإثم والمعصية واستحلال المنكر من بني إسرائيل، بسبب اجترائهم في المعصية وبغيهم وإشاعة المنكر والفواحش في الأرض. فقد كانوا لا ينتهون عن منكر أتوه، ويتولون المشركين أعداء الله ويعادون أولياء الله ورسله، ولو كانوا موحدين صادقين في تعظيمهم لله ووحيه وما أنزل على نبيه محمد -ﷺ- ما اجترؤوا على كل ذلك ولكن كثيرًا منهم أهل خروج عن طاعة الله إلى ما يسخطه وإلى ما يغضبه، وأهل استحلال لما حرم من القول والفعل.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، قال: لعنوا بكل لسان: لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد -ﷺ- في القرآن).\nوقال قتادة: (لعنهم الله على لسان داود في زمانه، فجعلهم قردة خاسئين، وفي الإنجيل على لسان عيسى، فجعلهم خنازير).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: بسبب مخالفاتهم الشرعية وتجاوزهم حدود الله سبحانه.\nوقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾\nقال ابن جريج: (لا يتناهون أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر).\nأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن في الشواهد عن أبي عبد الله بن مسعود قال: قال","vol":"2","page":508},{"text":"رسول الله -ﷺ-: [إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذَّنْب نهاه عنه تعذيرًا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيلَه وخليطه وشريَكه -وفي لفظ: وشريبه-، فلما رأى الله ذلك منهم ضَرَب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. ثم قال رسول الله -ﷺ-: والذي نفسي بيده لتأمُرُن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد المسيء ولتأطرُنَّهُ على الحق أطرًا، أو ليضربَن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنهم] (١).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن قيس، قال: [قال أبو بكر، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ...﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإنا سمعنا النبي -ﷺ- يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أَوْشَكَ أن يعمَّهم الله بعقاب وإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: ما مِنْ قومٍ يُعْملُ فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [مرُوا بالمعروف، وانْهوا عن المنكر، قَبْل أن تَدْعُوا فلا يُسْتَجابُ لكم] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله -ﷺ- قام خطيبًا، فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا، هيْبَةُ الثاني، أن\n_________\n(١) حسن بشواهده. أخرجه أبو داود (٤٣٣٧)، وأبو يعلى (٥٠٣٥)، والطبري (١٢٣٠٩) والبغوي في \"التفسير\" (٨١٦) بإسناد منقطع، لكن له شواهد يتقوى بها، منها ما أخرجه الطبراني كما في \"المجمع\" (١٢١٥٣) من حديث أبي موسى، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٤٤) -كتاب الفتن، باب الأمر والنهي. وسنن ابن ماجة (٤٠٠٥). من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٣٥) - كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂.","vol":"2","page":509},{"text":"يقول بحقٍّ، إذا عَلِمَهُ. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [مَنْ رأى منكم مُنكرًا فليُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطِعْ فبقلبِه، وذلك أضعف الإيمان] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-: [أن النبي -ﷺ- قال: لن يَهْلِكَ الناس حتى يَعْذِرُوا، أو يُعْذِرُوا، من أنفسهم] (٣).\nورواه أحمد بلفظ: [لن يهلِكَ الناس حتى يُعْذَروا من أنفسهم].\nوقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: في تركهم الانتهاء عن معاصي الله وركوب محارمه- والذي سيوردهم المهالك والآلام.\nوقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\nقال مجاهد: (يعني بذلك المنافقين).\nوقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (يعني بذلك مُوالاتهم للكافرين، وتركهم موالاةَ المؤمنين التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سُخطًا مُسْتمرًا إلى يوم مَعادِهم، ولهذا قال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وفَسّر بذلك ما ذَمَّهُم بِه. ثم أخبر عنهم أنهم ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ يعني يوم القيامة).\nوقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.\nقال مجاهد: (المنافقون).\nأي: لو كان هؤلاء المنافقون الذين يتولون كفار يهود يصدقون الله ويؤمنون به حق الإيمان ويوحّدونه، ويصدّقون نبيّه محمدًا -ﷺ- بما أُنزل إليه من القرآن العظيم، ما اتخذوهم أصحابًا وأنصارًا من دون المؤمنين.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. أي خارجون عن طاعة الله إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٠٠٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، الباب السابق. وانظر صحيح ابن ماجة -حديث رقم- (٣٢٣٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٩) -كتاب الإيمان، باب بَيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٣٤٧)، وانظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٥١٠٧).","vol":"2","page":510},{"text":"معصيته، سالكون في سبيل ما يغضبه ويسخطه، أهل استحلال لما حرّم الله عليهم من القول والفعل.\n٨٢ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه محمد -ﷺ-: لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة للمؤمنين -من أهل الإسلام الذين صدقوك واتبعوك- اليهود وعبدة الأوثان والطواغيت، ولتجدنّ أقرب الناس مودة ومحبة لأهل الإسلام الذين زعموا أنهم نصارى (١) على منهاج عيسى ﵇، فقرُبت مودة هؤلاء لأهل الإيمان من أجل أن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون. وأنهم إذا سمعوا الوحي الكريم يُتلى فاضت أعينهم مما عرفوا من صدق هذا التنزيل، يسألون ربهم بإيمانهم أن يكتبهم مع الشاهدين وفي القوم الصالحين. وقد تكرم الله على هؤلاء الصادقين الذين آمنوا بالإنجيل ثم آمنوا بالقرآن بأن أثابهم بصدقهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها جزاء الإحسان والصدق والإيمان، في حين هيأ للكافرين صلي السعير والجحيم والنيران.\n_________\n(١) أي أنصار الله ودينه ورسوله. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران: ٥٢].","vol":"2","page":511},{"text":"قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عنادٌ وجحودٌ ومباهتةٌ للحق، وغَمْطٌ للناس وتَنَقُّصٌ بحملة العلم. ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتى هَمُّوا بقَتْلِ الرسول - ﷺ - غير مَرَّةٍ وسَحَرُوه وأَلَّبُوا عليه أشباههم من المشركين، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة).\nوقال القرطبي: (بيَّن الله سبحانه في هذه الآياتِ أنّ أشدّ الكفار تمردًا وعتوًّا وعداوة للمسلمين اليهود، ويضاهيهم المشركون، وبيّن أن أقربهم مودة النصارى).\nوقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى﴾.\nقال عطاء: (هم ناس من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجِرَةُ المؤمنين).\nوقال قتادة: ونزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى، فله، بعث الله محمدًا - ﷺ - آمنوا به فأثنى الله عليهم).\nوفي التنزيل: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧].\nفصدق الإيمان بالوحي جعل في قلوبهم رأفة ورحمة ومودة لأهل الإيمان على اختلاف الكتب المنزلة إليهم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.\nالقسيسون: جمع قِسِّيس وقَسّ. والرهبان: جمع راهب.\nقال ابن زيد: (﴿القسيسين﴾ عبّادهم). قلت: ولكن لفظ القسيسين يشمل أيضًا علماءهم وخطباءهم وحكماءهم. في حين يدل لفظ الرهبان على العبّاد. فهو مشتق من الرهبة وهي الخوف.\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود. وفي الآية دليل على أن الإقبال على العلم، والإعراض عن الشهوات، والبراء من الكبر - محمود. وإن كان ذلك من كافر).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.","vol":"2","page":512},{"text":"أخرج البزار والنسائي وابن جرير بسند صحيح عن عبد الله بن الزبير قال: [نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الآية] (١).\nقال القرطبي: (وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتموّتون، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].\nوقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]).\nوقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.\nأي: مع محمد - ﷺ - وأمته الذين يشهدون بالحق، وهم أمة الشهادة على الناس في الدنيا والآخرة.\nوفي التنزيل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال الحسن: (الذين يشهدون بالإيمان). وقيل: الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك.\nوقال ابن عباس: (﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، قال: محمد - ﷺ - وأمته، إنهم شهدوا أنه قد بَلَّغ، وشهدوا أن الرسل قد بلغت).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى:\nأولًا - في الدنيا: هم أمة الشهادة على الناس يقبل الله شهادتهم.\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأحمد وأهل السنن عن أنس ﵁ قال: [مُرَّ على النبي - ﷺ - بجنازة، فأثني عليها خيرًا، وتتابعت الألسن بالخير، فقالوا: كان - ما علمنا - يحب الله ورسوله، فقال نبي الله - ﷺ -: وجبت وجبت وجبت، ومُرَّ بجنازة فأُثني عليها شرًّا، وتتابعت الألسن لها بالشر، فقالوا: بئس المرء كان في دين الله، فقال نبي الله - ﷺ -: وجبت وجبت وجبت، فقال عمر: فدىً لك أبي وأمي، مُرَّ\n_________\n(١) أخرجه البزار ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عثمان وهو ثقة، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (١٦٨)، وابن جرير (١٢٣٣٠)، وإسناده صحيح إلى عروة. وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة المائدة - آية (٨٣).","vol":"2","page":513},{"text":"بجنازة فأُثني عليها خيرًا، فقلت: وجبت وجبت وجبت، وَمُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًّا، فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجَنَّة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، (وفي رواية: والمؤمنون شهداء الله في الأرض)، إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري وأحمد والنسائي عن أبي الأسود الديلي قال: [أتيت المدينة، وقد وقع بها مرض، وهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁، فمرت جنازة، فأثني خيرًا، فقال عمر: وجبت، فقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي - ﷺ -: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجَنَّة، قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. قلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله في الواحد] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: [ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل جيرانه الأَدْنِينَ أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى وتبارك: قد قبلت قولكم، أو قال: بشهادتكم، وغفرت له ما لا تعلمون] (٣).\nوفي لفظ: [قد قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون].\nثانيًا - في الآخرة: هم أمة الشهادة على أقوام الرسل، يشهدون للرسل بالبلاغ.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد مرفوعًا: [يجيء النبيُّ ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثرُ من ذلك وأقلُّ، فيُقال له: هل بلّغت قومَك؟ فيقول: نعم، فيُدْعى قومُهُ، فيُقال: هل بلّغَكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال: من شهِدَ لك؟\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٧٧ - ١٧٨)، ومسلم (٣/ ٥٣)، والنسائي (١/ ٢٧٣)، والترمذي (٢/ ١٥٨)، وابن ماجة (١/ ٤٥٤)، وأبو داود (٢/ ٧٢)، وأحمد (٣/ ١٧٩)، و(٣/ ١٨٦) من طرق، وهذه مجموع روايات من الصحيحين والمسند والسنن. وانظر أحكام الجنائز (٢٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري والنسائي والترمذي وصححه البيهقي (٤/ ٧٥)، وأحمد (١٢٩) (٢٠٤). من حديث أبي الأسود الديلي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٤٢) من حديث أنس ﵁، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٧٨)، وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":514},{"text":"فيقول: محمدٌ وأمته، فتُدْعى أمةُ محمدٍ، فيُقال: هل بَلَّغَ هذا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وما عِلْمُكُمْ بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبيُّنا بذلك أن الرسل قد بلَّغوا، فَصدَّقناه، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ....﴾] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾.\nقال ابن زيد: (القوم الصالحون: رسولُ الله - ﷺ - وأصحابه).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nقال القرطبي: (دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالتهم، فأجاب الله سؤالهم وحقّق طمَعَهم - وهكذا من خَلصَ إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجَنَّة).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\nأي: الذين جحدوا توحيد الله وأنكروا نبوة محمد - ﷺ -، فأولئك هم سكان جهنم ذات الجحيم، وهو ما اشتد حرّه من النار والعياذ بالله.\nقال ابن جرير: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، هم سكّانها واللابثون فيها).\n٨٧ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: نَهْيٌ من الله سبحانه المؤمنين أن يتشبهوا بالقسيسين والرهبان من أهل الكتاب الذين حرموا على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم، وتَرْغِيبٌ بالاستمتاع بالرزق الحلال الطيب مع شكر الله المنعم المتفضل.\nقال ابن جرير: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني بـ ﴿الطيبات﴾، اللذيذات\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٥٨)، وأخرجه ابن ماجة (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤)، وغيرهما.","vol":"2","page":515},{"text":"التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إيّاها، كالذي فعله القسِّيسون والرُّهبان، فحرّموا على أنفسهم النساء والمطاعِمَ الطيِّبة، والمشارِبَ اللذيذة، وحَبَس في الصَّوامِع بعضُهم أنفسَهم، وساحَ في الأرض بعضهم).\nوقد دلت السنة الصحيحة على آفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: [جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ -، فلما أُخْبروا كأنهم تقالّوها فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ -؟ قد غَفَرَ الله له ما تقدَّمَ من ذنبهِ وما تأخَّرَ، فقال أحدهم: أمّا أنا فأنا أصلّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدَّهْرَ ولا أُفْطِر، وقال آخَرُ: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء إليهم رسول الله - ﷺ - فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفْطِر، وأصلِّي وأَرْقُدُ، وأتزوج النساء، فمن رَغِبَ عن سنتي فليس مني] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: [كنا نَغْزو مع النبي - ﷺ - وليْسَ معنا نِساءٌ فقلنا: ألا نَخْتصي؟ فنهانا عن ذلك، فرَخَّصَ لنا بعد ذلك أن نتزَوَّجَ المرأة بالثوب، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند حسن لغيره، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [النِّكاح من سُنَّتِي، فمنْ لم يَعْمَلْ بسنتي فليس مني، وتزوّجوا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم، ومن كان ذا طَوْلٍ فَلْيَنْكِح، ومنْ لمْ يَجِدْ فعليه بالصيام، فإن الصومَ له وِجاءٌ] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - أي لا تحرموا ما أحلّ الله وشرع - فالمراد التأكيد. ذكره السدي وعكرمة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٠٦٣)، كتاب النكاح، ورواه مسلم برقم (١٤٠١)، ورواه أحمد في المسند (٣/ ٢٤١)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٦١٥)، كتاب التفسير، وأخرجه مسلم برقم (١٤٠٤)، ورواه البيهقي (٧/ ٧٩).\n(٣) صحيح في الشواهد. أخرجه ابن ماجة (١٨٤٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٣٨٣)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٦٨٣)، وكذلك أخرج نحوه البزار (ص ١٤٦ - زوائده).","vol":"2","page":516},{"text":"٢ - أي لا تعتدوا فتحلوا حرامًا، ولا تشدّدوا فتحرموا حلالًا. ذكره الحسن البصري، واختاره القرطبي.\n٣ - لا تبالغوا في التضييق على أنفسكم في تحريم المباحات عليكم - قاله بعض السلف. ٤ - أي: كما لا تُحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقَدْر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوزوا الحدَّ فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وكقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. ذكره الحافظ ابن كثير وقال: (فشَرْعُ الله عدلٌ بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط).\nوقوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾.\nقال عكرمة: (يعني: ما أحل الله لهم من الطعام).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: خافوا الله معشر المؤمنين من الاعتداء بتحليل الحرام أو تحريم الحلال أو التنطع في الدين، فإن هذا الدين متين، ولن يشاده أحد إلا غلبه، فخافوا الله واتقوه حق تقاته.\n٨٩. قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.\nفي الآية: تَمْييزٌ بين لغو اليمين، واليمين المنعقدة. فالأولى لا حرج فيها، والثانية في مخالفتها الكفارة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. ثم تَنْبِيهٌ من الله سبحانه عباده أن يحفظوا أيمانهم ولا يستخدموها في كل أمر، تعظيمًا لأسماء الله تعالى وصفاته.","vol":"2","page":517},{"text":"وتفصيل ذلك:\nأولًا - تعريف الأيمان.\nالأَيمان - بفتح الهمزة - جمع يمين. وأصل اليمين في لغة العرب: اليد. وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه.\nوهي في الشرع: توكيد الشيء بذكر اسمٍ أو صفةٍ لله.\nثانيًا: بم تنعقد اليمين.\nلا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى. أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته.\nأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄: [أن رسول الله - ﷺ - أدرك عمر بن الخطاب وهو يسيرُ في رَكْبٍ يَحْلِفُ بأبيه فقال: الا إن الله ينهاكم أن تَحْلِفُوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو لِيَصْمُت] (١).\nقال عمر: (فوالله ما حلفْتُ بها مُنْذُ سمعت النبي - ﷺ - ذاكِرًا ولا آثِرًا).\nوفي الصحيحين وجامع الترمذي عن أنس بن مالك، قال النبي - ﷺ -: [لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد، حتى يضع ربّ العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويُزوى بعضها إلى بعض] (٢).\nثالثًا: الحلف بغير الله شرك.\nفقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك] (٣).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من حلف منكم فقال في حلفه: باللات. فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك. فليتصدق] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٦٤٦) - كتاب الإيمان والنذور، وكذلك (٦٦٤٧)، ورواه مسلم (١٦٤٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٦١)، ومسلم (٢٨٤٨)، والترمذي (٣٣٢٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (١٥٧٤)، أبواب النذور والأيمان. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٢٠٤).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٦٥٠) بزيادة \"باللات والعزى\"، ورواه مسلم (١٦٤٧)، ورواه النسائي (٧/ ٧).","vol":"2","page":518},{"text":"رابعًا: من حلف بملة غير الإسلام.\nأخرج البخاري ومسلم عن ثابت بن الضحاك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من حلف بملّة سوى الإسلام كاذبًا متعمِّدًا، فهو كما قال] (١).\nوفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يَعُد إليه الإسلامُ سالمًا] (٢).\nخامسًا: مَنْ حُلِفَ له بالله فليرض.\nأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: [رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق، فقال: أسرقت؟ قال: لا. والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله، وكذّبت بصري] (٣).\nوفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: [سمع النبي - ﷺ - رجلًا يحلف بأبيه فقال: لا تحلفوا بآبائكم. مَنْ حَلَفَ بالله فليصدق. ومَنْ حُلِفَ له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله] (٤).\nسادسًا: أقسام اليمين:\nتنقسم الإيمان أقسامًا ثلاثة:\n١ - اليمين اللغو.\n٢ - اليمين الغموس.\n٣ - اليمين المنعقدة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٥٢)، ومسلم (١١٠) (١٧٧) واللفظ له، وأبو داود (٣٢٤٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٢٤١)، والنسائي (٦/ ٧)، وابن ماجة (٢١٠٠)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٤٤)، ومسلم (٢٣٦٨)، والنسائي (٨/ ٢٤٩)، وابن ماجة (٢١٠٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٢١٠١)، وانظر صحيح ابن ماجة -حديث رقم- (١٧٠٨). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"2","page":519},{"text":"١ - اليمين اللغو وحكمها:\nلغو اليمين: هو الحلف من غير قصد اليمين، كقول الرجل: والله لتأكلن، أو لتشربن ونحو ذلك، لا يريد به يمينًا. أو هو كلام المرء دون قصد: لا والله، وبلى والله، وهو مذهب الشافعي.\nقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾.\nقال القاسمي ﵀: (إنه ما يسبق إليه اللسان بلا قصد الحلف، كقول الإنسان: لا، والله! وبلى والله! والمراد بالمؤاخذة: مؤاخذة الإثم والتكفير، أي: فلا إثم في اللغو ولا كفارة).\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة ﵂: [﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ قالت: أنزلت في قوله: لا والله، وبلى والله] (١).\n٢ - اليمين الغموس وحكمها:\nهي اليمين الكاذبة التي تُهضَم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الفسق والخيانة. وسميت بذلك لأنَّها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.\nوهي من أكبر الكبائر، ولا كفارة فيها، لأن الله يقول: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وهذه يمين غير منعقدة، لأن المنعقد ما يمكن حقه، ولا يتأتى في اليمين الغموس البرُّ أصلًا (٢).\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾ [النحل: ٩٤].\nقال الطبري ﵀: (معنى الآية: لا تجعلوا أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم توفون بالعهد لمن عاهدتموه، دخلًا أي خديعة وغدرًا، ليطمئنوا إليكم وأنتم تضمرون لهم الغدر).\nأخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال: [جاء أعرابي\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود (٢٧٨٩)، وكذلك صحيح البخاري (٦٦٦٣).\n(٢) انظر تفصيل ذلك كله في بحث الإيمان - كتاب الإيمان والنذور - الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز ص (٣٨٥).","vol":"2","page":520},{"text":"إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين. قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغَمُوس. قلت: وما اليمينُ الغَمُوس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئٍ مُسلمٍ هو فيها كاذب] (١).\nوفي رواية: [الكبائر: الإشراك بالله، وعُقوق الوالدين، وقَتْلُ النفس، واليمين الغموس].\nوفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله ﷿، وقتل النفس بغير حق، أو نهب مؤمن، أو الفرار من الزحف، أو يمين صابرة يقتطع بها مالًا بغير حق] (٢).\n٣ - اليمين المنعقدة وحكمها.\nاليمين المنعقدة هي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمِّم عليها، توكيدًا لفعل شيء أو تركه. وبعبارة أخرى: هي عقد القلب في المستقبل ألا يفعل أمرًا أو ليفعلَنَّه.\nفإن برّ بيمينه فلا شيء عليه، وإن حنث فعليه الكفارة، لقوله تعالى:\n- ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ....﴾ [البقرة: ٢٢٥].\n- ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ....﴾ [المائدة: ٨٩].\nأي يؤاخذكم بما صَمَّمْتُم عليه من الإيمان وقصدتموها، ثم حنثتم بعد توثيقكم لها. وفي الكلام محذوف، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم.\nوقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.\nأي: محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه. قال سعيد بن جبير: (الرجل يحلف على المعصية ثم يقيم عليها، فكفارته إطعام عشرة مساكين).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٩٢٠) - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، وكذلك (٦٦٧٥).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢٢٠/ ٦٨/ ١٤) (الفتح الرباني)، وانظر صحيح الجامع (٣٢٤٧).","vol":"2","page":521},{"text":"وقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (أي من أعدل ما تطعمون أهليكم). وقال عطاء: (من أمثل ما تطعمون أهليكم).\nوقال ابن جرير: (أي: في القلّة والكَثْرة). وروى بإسناده عن ابن سيرين عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: (الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم: الخبز واللحم).\nوأما مقدار ما يطعمهم ففيه أقوال:\n١ - قال الحسن ومحمد بن سيرين: (يكفيه أن يُطْعِمَ عشرة مساكين أكلة واحدة خبزًا ولحمًا).\nزاد الحسن: (فإن لم يجد فخبزًا وسمنًا ولبنًا، فإن لم يجد فخبزًا وزيتًا وخلًا حتى يشبعوا).\n٢ - قال علي ﵁: (يغديهم ويعشيهم). ذكره ابن أبي حاتم بإسناده عن الشعبي عن الحارث عنه.\n٣ - الإطعام عند مالك مُدٌّ لكل واحد من المساكين العشرة، وبه قال الشافعي.\n٤ - قال أبو حنيفة: (يُخْرجُ من البرّ نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعًا).\n٥ - وقال آخرون: (يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من برّ أو تمر ونحوهما).\nوهو قول عمر وعلي وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعي.\nقلت: والراجح أنه يشبعهم من أوسط طعامه ولا فرق هنا بين مقدار البرّ والتمر والشعير في كون البرّ نصف صاع والتمر والشعير كامل الصاع. فإن الفرق قد ثبتَ فقط في زكاة الفطر. لما أخرج الطحاوي عن عروة بن الزبير: [أن أسماء بنت أبي بكر كانت تخرج على عهد رسول الله - ﷺ - عن أهلها - الحر منهم والمملوك - مُدَّين من حنطة أو صاعًا من تمر، بالمد أو الصاع الذي يقتاتون به] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطحاوي (٢/ ٤٣) من حديث عروة بن الزبير ﵁.","vol":"2","page":522},{"text":"وأما كيفية إطعامهم ففيه أقوال:\n١ - قال مالك: (إن غَدَّى عشرة مساكين وعشّاهم أجزأه).\n٢ - قال الشافعي: (لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة، لأنهم يختلفون في الأكل، ولكن يعطي كل مسكين مدًّا).\n٣ - قال القرطبي: (لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد، وبه قال الشافعي. وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة، ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة، فمنهم من أجاز ذلك وأنه إذا تعدّد الفعل حسن أن يقال في الفعل الثاني لا يُمنع من الذي دُفعت إليه أوّلًا، فإن اسم المسكين يتناوله).\n٤ - وقال آخرون: (يجوز دفع الكفارة إلى مسكين واحد في أيام، وإن تعدّد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين). وقال أبو حنيفة: (يجزئه ذلك، لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم، فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه).\nقلت: والراجح في المسألة إمكان جمع المساكين على مائدة واحدة، والأفضل أن يكونوا مختلفين - أي عشرة مساكين مختلفين - لعموم الآية في ذلك، فإن دعا عائلة مؤلفة من عشرة أشخاص - من الفقراء - جاز ذلك، فإن كانوا خمسة أشخاص ودعاهم مرتين على طعام مشبع حصل المقصود. فإن لم يتيسر له ورأى إطعام مسكين واحد عشر مرات حصل المقصود، فإن تعذر عليه وقدّر قيمة ذلك من المال وأعطاها لذلك المسكين أو لتلك العائلة فهذا من البدائل للتيسير، والأفضل الإطعام لصراحة الآية في ذلك، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال مجاهد: (في كسوة المساكين في كفارة اليمين: أدناه ثوب). أو قال: (أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت). وكذا قال الحسن: (ثوب لكل مسكين). وقال مجاهد: (يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التُّبَّان (١».\n_________\n(١) التُّبَّان: سروال قصير إلى الركبة أو ما فوقها، يستر العورة.","vol":"2","page":523},{"text":"٢ - قال منصور: (القميص، أو الرِّداء، أو الإزار).\n٣ - قال ابن عباس: (ثوب ثوب لكل إنسان، وقد كانت العباءة تقضي يومئذ من الكسوة). وقال: (الكسوة: عباءة لكل مسكين، أو شِمْلة) ذكره ابن جرير.\n٤ - قال سعيد بن المسيب: (عباءة وعمامة لكل مسكين).\n٥ - قال ابن عمر: (في الكسوة في الكفارة: إزار ورداء وقميص) ذكره ابن جرير.\n٦ - قال الشافعي: (لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يَصْدُقُ عليه اسمُ الكُسْوَةِ من قميص أو سراويل، أو إزار أو عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك).\n٧ - وقال مالك وأحمد: (لا بُدَّ أن يدفعَ إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصحُّ أن يصلي فيه، إن كان رجلًا أو امرأة، كل بحسبه).\n٨ - وقال إبراهيم النَّخَعِيِّ: (ثوب جامع كالمِلْحَفَةِ والرِّداء). ولا يرى الدرع (١) والقميص والخمار ونحوه جامعًا.\nقلت: والراجح في ذلك ما يصدق عليه اسم الكسوة: (إزار وقميص مثلًا)، مما يكسى به بدن المسمكين، كأن كان عاريًا ثم كساه، وهو قويب من كلام الشافعي ﵀.\nأما قول مالك وأحمد مما يصح الصلاة فيه، فإن الصلاة تصح بما يغطي العورة - بين السرة والركبة - ولا شيء على بقيَّة الجسد، ولكن هذا ليس كسوة.\nوقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.\nقال ابن جرير: (أو فك عبد من أسر العبودة وذلها). واختار الشافعي ﵀ تقييدها بالإيمان. وقال: (لا بد أن تكون مؤمنة). قال ابن كثير: (وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل، لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب. ومن حديث معاوية بن الحكم السّلمي الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم: أنَّه ذكر أن عليه عِتْقَ رقبة، وجاء معه بجارية سوداء، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة).\n_________\n(١) الدرع: قميص المرأة. والملحفة: لباس فوق سائر اللباس من دِثار البرد ونحوه.","vol":"2","page":524},{"text":"وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.\nأي يبدأ بالإطعام وهو الأسهل الذي اختاره الله سبحانه، ثم الكسوة التي هي أيسر من العتق، فرُقيَ بالكفارة من الأدنى إلى الأعلى، فإن تعذر ذلك مما سبق كفَّر عن يمينه بصيام ثلاثة أيام، ولا يلزمه أن يصومها متتابعات، فإن السياق يدل على ذلك - كما قال تعالى في قضاء صوم رمضان في حق المريض والمسافر: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ - وهو أحد قولي الشافعي وإليه ذهب الإمام مالك.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾.\nأي: الإطعام أو الكسوة أو العتق فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام - وهي الكفارة الشرعية التي شرعها الله تعالى عند الحنث في اليمين.\nوقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾.\nأي: بتعظيم أمر الحلف وعدم الخوض والإقحام له في كل شأن. ثم يتناول الحفظ أيضًا المبادرة إلى التكفير دون تأخير.\nقال القرطبي: (﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. أي: بالبِدار إلى ما لزمكم من الكفّارة إذا حَنِثتم. وقيل: أي بترك الحَلِف، فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.\nقال ابن جرير: (كما يبيّن لكم كفارة أيمانكم، كذلك يبين الله لكم جميع آياته - يعني أعلام دينه فيوضِّحُها لكم - لئلا يقول المضيع المفرِّط فيما ألزمه الله: \"لم أعلم حكم الله في ذلك! \" ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول: لتشكروا الله على هدايته إياكم وتوفيقه لكم).\n٩٠ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى","vol":"2","page":525},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.\nفي هذه الآياتِ: أَمْرُ الله سبحانه عباده المؤمنين باجتناب الخمر والقمار والأنصاب التي يُذبح عندها والأزلام التي يستقسم بها في الجاهلية إذا ما أرادوا الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة. ثم تَوْضِيحٌ لمحاولات الشيطان استخدام تلك المسكرات وألوان القمار للصد عن الذكر والصلاة وضياع الدين. ثم أَمْر منه جل ذكره بطاعته وطاعة رسوله - ﷺ - وتَحْذِيرٌ من مغبة المخالفة وركوب الأهواء. ثم بَيانُ عفو الله عما مضى من التعاطي من تلك المحرمات إذا ما حصل الانتهاء والتماس التقوى والعمل الصالح والله يحب المحسنين.\nأخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا ثملوا عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقال ناس من المتكلفين: هى رجس وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وقتل فلان يوم أحد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية] (١).\nوفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: [كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ (٢)، فأمر رسول الله - ﷺ - مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة. فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾] (٣).\nالخمر: هو الشراب الذي خامر العقل أي خالطه فستره. ذكره القاسمي. وهو يطلق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ١٤١ - ١٤٢)، والبيهقي (٨/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، وأخرجه الطبراني كما ذكر الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٨) وقال: ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) وفي رواية: وما شرابُهم إلا الفضيخ: البسرُ والتمر.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٦٤)، (٤٦٢٠)، ومسلم (١٩٨٠)، وأحمد (٣/ ٢٢٧)، وغيرهم. من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.","vol":"2","page":526},{"text":"على كل مسكر، فكل مسكر خمر، وكل خمر حرام.\nوأما الميسر فهو: القمار. وهو يضيع المال، كما يضيع الخمر العقل، فجاء تحريمهما. والأنصاب: حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. وقيل هي الأصنام المنصوبة للعبادة. والأزلام: قِداحٌ كانوا يستقسمون بها، وهي من أمر الجاهلية، وتنافي الإيمان بالقدر.\nقلت: والعطف بين هذه الأمور في التحريم يقتضي أن النجاسة في كل منها معنوية لا حسية، فالأنصاب حجارة، والأزلام قداح، فدَلَّ هذا أن نجاسة الخمر والميسر نجاسة معنوية.\nقال ابن عباس: (﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، يقول: سَخَط). وقال ابن زيد: (الرجس: الشر).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سليمانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَشِير، فكأنما صَبَغَ يَدَهُ في لَحْمِ خنزيرٍ ودمِه] (١).\nقال العلماء: النردشير هو النرد. فالنرد عجميّ معرّب، وشير معناه حلو.\nوأخرج أحمد وأبو داود بسند حسن عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من لعب بالنَّرْدِ فقد عصى الله ورسوله] (٢).\nفعطف التحريم على التحريم، لا التحريم على النجاسة، فإنه لا يُعطف التحريم على النجاسة، أي تحريم النرد على تحريم أكل لحم الخنزير أو بيعه، وكنّى عن ذلك بصبغ الرجل يده في لحم الخنزير ودمه.\nوقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه).\nوقال القرطبي: (يريد أبعدوه واجعلوه ناحية، فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر). ثم قال: (قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوُهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٦٠)، كتاب الشعر. باب تحريم اللعب بالنردشير.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٧)، وأبو داود (٤٩٣٨)، وأبو يعلى (٧٢٩٠)، وغيرهم.","vol":"2","page":527},{"text":"الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه، لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث تبيّن مفاسد الخمر كما تبين تحريم الانتفاع بها.\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [إنَّ رَجُلًا أهدى لرسول الله - ﷺ - راويةَ خَمْرٍ، فقال له رسول الله - ﷺ -: هل عَلِمْتَ أنَّ الله تعالى قَدْ حَرَّمَها؟ قال: لا، فَسَارَّ إنسانًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: بِمَ سارَرْتَهُ؟ فقال: أمَرْتُهُ ببَيْعِها، فقال: إنَّ الذي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ بَيْعَها. قال: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حتى ذهب ما فيها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في المعجم، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله ﷿ لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومستقيها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني في \"الأوسط\" بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الخمر أم الخبائث، فمن شربها لم تُقْبَل صلاتُه أربعين يومًا، فإن مات وهي في بطنه مات ميتةً جاهلية] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الطبراني في \"الأوسط\" بسند حسن عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، مَنْ شَربَها وقع على أمه وخالته وعمته] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٥٧٩) - كتاب المساقاة. باب تحريم بيع الخمر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣١٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٤٥)، ورواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ١٥٠/ ١).\n(٣) حديث حسن. رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٣٨١٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٥٤).\n(٤) حديث حسن. رواه الطبراني (رقم ١١٣٧٢ - ١١٤٩٨)، وفي \"الأوسط\" (٣٢٨٥).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٧٧).","vol":"2","page":528},{"text":"قلت: ووجه الارتباط بين الخمر والشرك: أنَّ المشرك يعبد حجرًا أو صنمًا، وشارب الخمر المدمن عليه يعبد كأسًا، وكلاهما يصرف العبادة والخضوع لغير الله.\nالحديث السادس: أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يدخل الجَنَّة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم] (١).\nفقرنها رسول الله - ﷺ - مع السحر وقطيعة الرحم، فنعوذ بالله من هذا الشراب الخبيث، ومن مجالسة أهله وعشاقه، الذين استذلتهم الكأس حتى ذهبت عقولهم وهانت عليهم المعصية.\nأخرج البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على مِنْبَر رسول الله - ﷺ -: [أيها الناس، إنه نزل تحريمُ الخَمْرِ وهي من خمسة: من العِنَب، والتَّمر، والعَسَل، والحِنْطَةِ، والعثمعير. والخمرُ ما خامر العقل] (٢).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\nفعلّق الفلاح باجتناب تلك المحرمات.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾.\nتَحْذيرٌ من مسلك الشيطان في تحبيب شرب الخمر والمياسرة بالقداح وتحسين ذلك حتى يوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ويصدهم بسكرهم ولهوهم عن ذكر الله الذي فيه سعادة دنياهم وأخراهم، وكذلك عن الصلاة الواجبة عليهم التي فيها صلتهم بربهم ومناجاتهم له، فهل أنتم منتهون - أيها المؤمنون - عن هذا الشراب الخبيث وذلك القمار المشين، ومقبلون على ما فيه صلاح دنياكم وأخراكم.\nأخرج الإمام مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: [نزلت فيَّ آيات من القرآن. وفيه قال: وأتيت على نفر من الأنصار، فقالوا: تعال نُطْعِمك ونسقيك خمرًا، وذلك فبل أن تُحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حَشٍّ - والحَشُّ البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزقٌ من خمر. قال: فأكلتُ وشربتُ معهم، قال: فذكرت\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في صحيحه - برقم (١٣٨١) - وانظر المرجع السابق (٦٧٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٨١)، (٥٥٨٨)، ومسلم (٣٠٣٢)، وأبو داود (٣٦٦٩)، والترمذي (١٨٧٤)، والنسائي (٨/ ٢٩٥)، وابن حبان (٥٣٥٣).","vol":"2","page":529},{"text":"الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خيرٌ من الأنصار، قال: فأخذ رجل لَحْيَي جمل فضربني به فجرح أنفي (وفي رواية: ففزره وكان أنف سعد مفزورًا) فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته، فأنزل الله تعالى فيّ - يعني نفسه شأن الخمر - ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾.\nقال القرطبي: (تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال للأمر، وكف عن المنهيّ عنه).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾.\nأي: إن أعرضتم عن الامتثال وركبتم المخالفة فقد قامت عليكم الحجة، وانتهت الأعذار، ولم يبق إلا العقاب ونزول العذاب.\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.\nالمعنى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات حرج فيما شربوا قبل التحريم إذا ما اتقى الله الأحياء منهم فخافوه وامتثلوا أمره في اجتناب ما حرّم عليهم، وصدقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم واكتسبوا من الأعمال الصالحة التي ترضيه سبحانه. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ أي: ثم خافوا الله وثبتوا على الإيمان واجتناب ما حرّم عليهم ولم يغيروا ولم يبدلوا، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ أي تابعوا الترقي في منهاج التقوى والخوف من الله حتى بلغوا أعلى المراتب في ذلك وهي مرتبة الإحسان: وهي أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، والله يحب المحسنين.\nقال ابن جرير: (فالاتقاء الأول: هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق، والدينونة به والعمل. والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير. والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال).\nقال مجاهد: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، لمن كان يشرب الخمر ممن قتل مع محمد - ﷺ - ببدر وأحد).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٧٤٨) (٣٤)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٢/ ٨٢٧) لتفصيل نزول تحريم الخمر.","vol":"2","page":530},{"text":"وقال ابن عباس: (ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرمها، إذا كانوا محسنين متقين، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾). وقد مضى ذكر أسباب نزول هذه الآية في ذلك بالأسانيد الصحيحة.\n٩٤ - ٩٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾.\nفي هذه الآياتِ: اختبارُ الله للمؤمنين ببعض الصيد حالة إحرامهم ليعلم أهل طاعته والإيمان به والمعظمين لحدوده وشعائره، وَتَوَعُّدٌ للمخالفين بعذاب موجع مؤلم. ثم نَهْيٌ صريح عن قتل صيد البر حالة الإحرام، وإعلامٌ من الله تعالى ذكره عبادَه حكم القاتل من المحرمين الصيد الذي نهاه عن قتله متعمدًا.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله تعالى ذكره به عباده في إحرامهم، حتى لو شاؤوا نالوه بأيديهم. فنهاهم الله أن يقربوه).\nوقال مجاهد: (النَّبْل، ﴿رماحكم﴾، تنال كبير الصيد، ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ تنال صغير الصيد، أخذ الفرخ والبيض). وقال: (الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفرّ).\nوقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.\nقال ابن كثير: (يعني: أنَّه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكّنون من أخذه بالأيدي والرماح سِرًّا وجهرًا، لتظهر طاعةُ من يُطيع منهم في سرّه وجَهْره. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك]).\nوقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nقال السدي: (يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم).","vol":"2","page":531},{"text":"وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.\nخطاب عام لكل مسلم ذكر وأنثى.\nقال القرطبي: (وهذا النهي هو الابتلاء المذكور في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية).\nوهناك استثناء من السنة الصحيحة لعموم هذه الآية، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [خَمْسُ فواسِق يُقْتَلْنَ في الحلِّ والحَرَم: الغُراب، والحِدَأةُ، والعقرب، والفأرة، والكلبُ العقور] (١).\nورواه النسائي من طريق أيوب، وأخرجه أبو يعلى من طريهق جرير عن نافع عن ابن عمر وفيه: (قال جرير: وقال لي أيوب: قلت لنافع: فالحيةُ؟ قال: تلك لا يختلف فيها اثنان).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم والنسائي عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: [خمسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِم: الحَيَّةُ، والفأرة، والحِدَأةُ، والغراب الأبقعُ، والكلب العقور] (٢).\nوالغراب الأبقع: هو الذي في بطنه وظهره بياض، دون الأدْرَع وهو الأسود، والأعصم هو الأبيض. والكلب العقور هو الجارح المفترس. وأما الحدأة فهي أخس الطيور، تخطف أطعمة الناس من أيديهم.\nقال الإمام مالك: (لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه).\nوألحق الإمام مالك وأحمد بالكلب العقور الذئبَ، والسبع، والنَّمِر، والفهد لأنها أشدّ ضررًا منه. قال القاضي إسماعيل: (الكلب العقور مما يعظم ضرره على الناس. قال: ومن ذلك الحية والعقرب؟ لأنه يخاف منهما، وكذلك الحِدَأة والغراب، لأنهما يخطفان اللحم من أيدي الناس).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٢٩)، (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨)، والنسائي (٥/ ٢٠٨)، ومالك (١/ ٣٥٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٢٢)، (٦/ ٢٦١) من حديث عائشة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١١٩٨) ح (٦٧)، وأخرجه النسائي (٥/ ١٨٦ - ١٨٨). من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.","vol":"2","page":532},{"text":"وقال ابن بُكير: (إنما أُذِنَ في قتل العقرب لأنَّها ذات حُمَة (١)، وفي الفأرة لقرضها السِّقاء والحذاء اللذين بهما قوام المسافر. وفي الغراب لوقوعه على الظهر (٢) ونَقْبه عن لحومها).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: [أنبأنا صعب بن جَثَّامَةَ قال: مرّ بي رسول الله - ﷺ - وأنا بالأبواء أو بوَدّان. فأهديت له حمار وحش. فرده عليّ. فلما رأى في وجهي الكراهية قال: إنه ليس بنا ردٌّ عليك. ولكنّا حُرُمٌ] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن علي بن أبي طالب، قال: [أتي النبي - ﷺ - لحم صيد، وهو مُحْرِمٌ، فلم يأكله] (٤).\nوقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.\nفيه وجوب الجزاء على فاعل ذلك من مثل ما قتله ذلك المحرم.\nقال القرطبي ﵀: (ما يُجْزِئ من الصيد شيئان: دوابٌ وطيرٌ، فيُجْزِئ ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة، ففي النّعامة بَدَنة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة، وفي الظبي شاة، وبه قال الشافعي. وأقل ما يجزئ عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية، وذلك كالجذع من الضأن والثني مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام).\nقلت: والمِثْل يقتضي حسب ظاهر النص المثل الخِلْقي الصوري، ويدل عليه قوله: ﴿من النّعم﴾، فبَيّنَ بذلك سبحانه جنس المثل. وقد قضى الصحابة في النعامة ببدَنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بِعَنزٍ، ونحو ذلك.\nأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن جابر، فال: [جعل رسول الله - ﷺ - في الضبع، يصيبه المحرم، كبشًا. وجعله من الصيد] (٥).\n_________\n(١) الحمة: السم أو الإبرة تضرب بها العقرب والزنبور ونحو ذلك.\n(٢) أي على الابل التي يحمل عليها ويركب.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٢٥) - كتاب جزاء الصيد. وكذلك (٢٥٧٣)، ورواه مسلم، ورواه ابن ماجة (٣٠٩٠) - باب ما ينهى عنه المحرم من الصيد. وانظر ما بعده.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٠٩١) - الباب السابق. صحيح ابن ماجة (٢٥٠٨).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٠١٥) - باب جزاء الصيد يصحبه المحرم. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٥٠٤). من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.","vol":"2","page":533},{"text":"وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (يعني أنه يحكم بالجزاء في المثل، أو القيمة في غير المثل، عدلان من المسلمين).\nوقال ابن جرير: حدّثنا ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن مُخارق، عن طارق قال: (أَوْطأ أربدُ ظَبيًا فقتله وهو مُحْرِم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي. فحكما فيه جَدْيًا، قد جَمَعَ الماء والشجر. ثم قال عمر: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾).\nوفي هذا الأثر دلالة عند الشافعي وأحمد على جواز كون القاتل أحد الحكمين.\nوفي أثر عنه مشابه قال عمر: (ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك. قال: فأتيت عبد الرحمن وسعدًا، فحكما عليَّ بِتيسٍ أعفر) رواه ابن جرير.\nوقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.\nأي: يصل إلى الكعبة ليُذبح هناك ويوزع على مساكين وفقراء الحرم.\nوقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.\nقال ابن عباس: (إذا قتل المحرم شيئًا من الصيد، حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيًا أو نحوه، فعليه شاة تذبح بمكة. فإن لم يجد، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإن قتل أيِّلًا أو نحوه فعليه بقرة. فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكينًا. فإن لم يجد، صام عشرين يومًا. وإن قتل نعامة أو حمارَ وحش أو نحوه، فعليه بَدَنة من الإبل. فإن لم يجد، أطعم ثلاثين مسكينًا. فإن لم يجد، صام ثلاثين يومًا. والطعام مدٌّ مدٌّ، شِبَعَهم) ذكره بسنده ابن جرير.\nقال ابن كثير: (إذا لم يجد المحرمُ مثل ما قتل من النعَم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام من الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قولُ مالك، وأبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن، وأحدِ قولي الشافعي، والمشهور عن أحمد - ﵏ - لظاهر الآية ﴿أو﴾ فإنها للتخيير. والقول الآخر أنَّها على الترتيب. فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوّم الصيد المقتول عند مالك، وأبي حنيفة وأصحابه، وحماد، وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجودًا، ثم يشترى به طعام ويتصدَّق به، فيصرف لكل مسكين مُدٌّ منه عند الشافعي، ومالك، وفقهاء الحجاز، واختاره ابنُ جرير. وقال أبو حنيفة","vol":"2","page":534},{"text":"وأصحابه: يُطعم كلَّ مسكين مُدَّين، وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مُدٌّ من حنطة، أو مُدَّان من غيره. فإن لم يجد، أو قلنا بالتخيير، صام عن إطعام كل مسكين يومًا).\nقلت: ويبدو من الآية أنه عند تعذر وجُود مثل ما قتل من النعم، فالكفارة إطعام مساكين بقدر قيمة الصيد المقتول يَتصدق به على الفقراء، يُفرق بما يطعم كل فقير أو مسكين على حدة، فإن لم يجد أو ذهبنا إلى التخيير صام عن إطعام كل مسكين يومًا.\nوقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ﴾.\nأي: مغبة المخالفة والعصيان لأمر الله.\nوقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾.\nأي: مما كان من قتل الصيد في الجاهلية - قاله عطاء. أو قبل نزول الكفارة. قاله آخرون.\nوقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾.\nقال سعيد بن جبير: (معناه فينتقم الله منه بالكفارة). وقال ابن عباس: (من قتل شيئًا من الصيد خطأ وهو محرم، يحكم عليه فيه كلما قتله، وإن قتله عمدًا يحكم عليه فيه مرّة واحدة، فإن عاد يقال له: \"ينتقم الله منك\" كما قال الله ﷿). وقال عطاء: (من عاد في الإسلام، فينتقم الله منه وعليه مع ذلك الكفارة).\nقلت: ويبدو أن هذا الوعيد ترهيب من التهاون في تعظيم حرمات الله وشعائره، فإنه لا يعني وجود الكفارة التهاون أبدًا، ولذلك هدّد سبحانه وتوعّد من سلك سبيل التهاون، وهذا ينطبق على كل أمر شرعي وعلى كل مخالفة - والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾.\nأي: منيع في ملكه، له الكبرياء والجبروت وهو الواحد القهار، ولو شاء انتقم ممن عصاه أو أعطاه فرصة ليستعتب، فليتنبه المؤمن من ذلك إلى وجوب تعظيم حرمات الله وأوامره وشرعه.\n٩٦ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ","vol":"2","page":535},{"text":"الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾.\nفي هذه الآياتِ: حِلُّ صيد البحر وطعامه، وتَحْرِيمُ صيد البر على المُحْرِمِ، وَأَمْرٌ بالتقوى والاستعداد للقاء الله تعاالى. ثم بيان أن الكعبة صيّرها الله قوامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم، وكذا الشهر الحرام والهدي والقلائد يحجز الله بكل واحد من ذلك الناس بعضهم عن بعض، وهي معالم لدينهم، ومصالح أمورهم، والله عليم بكل ما يجري في هذا الكون، شديد العقاب لمن عاند أمره، غفور رحيم لمن استعتب واستغفر من إساءته، وقد أرسل رسوله بالبلاغ المبين، وهو سبحانه يعلم ما تبدون وما تكتمون.\nفقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.\nقال ابن عباس: (صيده، ما صيد منه). وقال: (صيده، الطريّ). وقال سعيد بن جبير: (السمك الطري). وقال السدي: (أما ﴿صيد البحر﴾ فهو السمك الطري، هي الحيتان). قالت مجاهد: (يصطاد المحرم والمحلُّ من البحر، ويأكل من صيده). وقال ابن عباس: (طعامه ما قذف). أو قال: (كل ما ألقاه البحر). أو قال: (ما لفظ من ميتتة). وقال أيضًا: (ما وجد على الساحل ميتًا).\nأخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول - ﷺ - إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ من البحْر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه] (١).\nوأخرج ابن ماجة بسند جيد عن ابن الفِرَاسِيِّ، قال: [كنت أصيد وكانت لي قِرْبَةٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٧)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١/ ٥٠)، وابن ماجة (٣٨٦). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":536},{"text":"أجعل فيها ماء، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: هو الطَّهُورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه] (١).\nوله شاهد عنده من حديث جابر، أن النبي - ﷺ - سئل عن ماء البحر، فقال: [هو الطَّهُور ماؤه، الحِلُّ مَيتَتُهُ] (٢).\nوقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾.\nأي: منفعة للمقيمين وللسائرين المسافرين.\nقال عكرمة: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ لمن كان بحضرة البحر\" ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، السَّفر).\nوقال مجاهد: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾، قال: أهل القرى، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، وأهل الأمصار). والسيّارة جمع سيّار. والمقصود: منفعة لمن كان مقيمًا حاضرًا في بلده، ومنفعة أيضًا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: [بعث رسول الله - ﷺ - بَعْثًا قِبَلَ الساحل، فأَمَّرَ أبا عُبيدة بنَ الجَرَّاح وهم ثلاثُ مئةٍ وأنا فيهم، فخرجْنا حتى إذا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّريق فَنِيَ الزَّادُ، فأمَرَ أبو عُبيدة بأزوادِ ذلك الجيش فَجُمِعَ ذلك كُلُّهُ، فكان مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فكان يُقَوِّتُنَا كُلَّ يومٍ قليلًا قليلًا حتى فَنِيَ، فلِم يكن يُصيبُنا إلا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فقلت: وما تغني تَمْرَةٌ؟ فقال: لقد وَجَدْنا فَقْدَها حين فنِيَتْ، قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حُوتٌ مثلُ الظَّرْبِ فأكل منه ذلك الجيشِ ثمانيَ عَشْرَة لَيْلَة، ثم أمر أبو عبيدة بِضِلْعَينِ من أضلاعِهِ فَنُصِبا، ثم أَمَرَ براحلةٍ فَرُحِلتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُما فلم تُصِبْهُما] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: [بعثنا رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) صحيح بما قبله. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٨٧)، باب الوضوء بماء البحر. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣١٠). من حديث ابن الفِراسِيّ.\n(٢) حسن صحيح. أخرجه ابن ماجة في سننه (٣٨٨) - الباب السابق - وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣١١). من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٤٨٣) - كتاب الشركة، وكذلك (٤٣٦٠)، وأخرجه مسلم (١٩٣٥) ح (٢١)، وأخرجه مالك (٢/ ٩٣٠)، والبيهقي (٩/ ٢٥٢)، والنسائي (٧/ ٢٠٧)، وأحمد (٣/ ٣٠٨). من حديث جابر ﵁.","vol":"2","page":537},{"text":"وأمَّرَ علينا أبا عُبيدة، نَتَلَقَّى عِيرًا (١) لقريش، وَزَوّدَنا جِرابًا مِنْ تَمْرٍ لم يَجِدْ لنا غَيْرَه، فكان أبو عُبيدة يعطينا تَمْرَةً تَمْرةً، قال: فقلت: كيف كُنْتُم تَصْنَعون بها؟ قال: نَمَصُّها كما يَمَصُّ الصَّبي، ثم نَشْربُ عليها من الماء، فَتَكْفِينا يَوْمَنَا إلى الليل، وكنا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الخَبَطَ، ثم نَبُلُّهُ بالماء فنأكُلُه، قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فَرُفِعَ لنا على ساحلِ البحر كهيئة الكثيب الضَّخم، فأتيناهُ فإذا هي دابَّةٌ تُدعى العَنْبَرَ. قال: قال أبو عبيدة: مَيْتَةٌ، ثم قال: لا، بل نحن رُسُلُ رسولِ الله - ﷺ -، وفي سبيل الله، وقد اضْطُرِرْتُم فكلوا، قال: فأقَمْنا عليه شهرًا، ونحن ثلاثُ مئةٍ حتى سَمِنَّا، قال: ولقد رأيْتُنا نَغْتَرِفُ من وَقْبِ عَيْنِهِ، بالقلال (٢)، الدُّهْنَ، ونَقْتَطِعُ مِنْهُ الفِدَرَ كالثَّورِ - أي: كَقَدْرِ الثَّوْر - فلقد أخذَ منا أبو عبيدة ثلاثة عشرَ رجلًا، فأقْعَدَهُم في وَقْبِ عينه، وأخذ ضِلْعًا من أضلاعه، فأقامها، ثم رَحَلَ أعظم بعير مَعَنا فَمَرَّ من تحتِها، فتزوَّدْنا من لحمه وَشَايِقَ (٣)، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله - ﷺ -، فَذكَرْنا ذلك له، فقال: هو رِزْقٌ أخرجَهُ الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فَتُطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله - ﷺ - مِنْه، فأكَلَهُ] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدَّمان فالكبدُ والطِّحال] (٥).\nويستثنى الضفدع، فقد ورد النهي عن قتله، مع أنه يعيش في الماء. فقد أخرج أبو داود والنسائي بسند جيد عن عبد الرحمن بن عثمان التَّيمي: [أن رسول الله - ﷺ - نهى عن قَتْلِ الضِفْدع] (٦).\n_________\n(١) العير: هي الإبل التي تحمل الطعام وغيره. وفي رواية أنه بعثهم - ﷺ - إلى سيف البحر لذلك.\n(٢) القلال: جمع قلة، وهي الجرة الكبيرة التي يقلها الرجل بين يديه أي يحملها.\n(٣) قال أبو عبيد: هو اللحم يؤخذ فيُغلى إغلاء، ولا ينضج، ويحمل في الأسفار. يقال: وشقت اللحم فاتشق، والواحدة منه: الوشيقة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩٣٥) - كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة ميتات البحر.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٩٧)، وابن ماجة (٣٣١٤)، والبيهقي (١/ ٢٥٤)، والحاكم، وغيرهم. من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٦) حديث إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٣٨٧١)، (٥٢٦٩)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، والحاكم (٤/ ٤١٠). من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي مرفوعًا.","vol":"2","page":538},{"text":"وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.\nأي: ما كنتم محرمين، لم تحِلوا من إحرامكم، فإن صيد البر يَحْرُمُ عليكم.\nفائدة (١): لو اصطاد الحلال من أجل المحرم لم يجز للمحرم أكله.\nفقد أخرج البخاري عن الصَّعْبِ بن جَثامَةَ اللَّيثي: [أنه أهدى لرسول الله - ﷺ - حِمارًا وَحْشِيًّا وهو بالأبواء أو بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نَرُدَّه إلا أنا حُرُمٌ] (١).\nوهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق - في رواية - قالوا: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد، لم يجز للمحرم أكله، للحديث السابق.\nفائدة (٢): لو لم يقصد الحلال المحرم بالاصطياد، ولا أشار إليه، ولا أعانه، جاز له أن يأكل من ذلك الصيد.\nفقد أخرج البخاري عن أبي قتادة ﵁: [أنه كان مع رسول الله - ﷺ -، حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له مُحْرِمين وهو غيرُ مُحْرِم، فرأى حمارًا وَحْشيًا فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يُناولوه سَوْطه فأبوا، فسألهم رُمْحَهُ فأبوا، فأخذه ثم شدَّ على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي - ﷺ -، وأبى بعضٌ، فلما أدركوا رسولَ الله - ﷺ - سألوه عن ذلك؟ قال: إنما هي طُعْمَةٌ أطعمكموها الله] (٢).\nوفي رواية: (قال: هل معكم من لحمه شيء).\nوقد أورد البخاري رواية أخرى فيها تفصيل أكبر لما جرى، من حديث عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره: [أن رسول الله - ﷺ - خرج حاجًّا فخرجوا معه فصرف طائفةً منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحلَ البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحلَ البحر، فلما انصرفوا أحْرَمُوا كُلُّهم إلا أبو قتادةَ لم يُحْرمْ، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وَحْشٍ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٨٢٥) - كتاب جزاء الصيد. باب: إذا أَهْدَى للمحرم حمارًا وحشيًا حَيًّا لم يقبل. وأخرجه مسلم (١١٩٣)، والنسائي (٥/ ١٨٣)، ومالك (١/ ٣٥٣)، وأحمد (٤/ ٧٢). من حديث الصعب بن جثامة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٢١ - ١٨٢٢) - كتاب جزاء الصيد. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٢/ ٩٨٠)، (٢/ ٩٨٥)، لتفصيل هذه الأحكام.","vol":"2","page":539},{"text":"فحمل أبو قتادة على الحُمُرِ فَعَقَر منها أتانًا فنَزَلوا فأكلوا من لَحْمِها وقالوا: أنأكل لحم صَيْدٍ ونحن محرمون! فَحَمَلْنا ما بقي مِنْ لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله إنا كنا أحْرَمنا وقد كان أبو قتادة لم يُحْرِم، فرأينا حُمُرَ وَحْشٍ فحمل عليها أبو قتادة فعَقَر منها أتانًا فنزَلْنا فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحْمَ صيدٍ ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها. قال: أمِنْكم أحدٌ أمَرَهُ أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها] (١).\nفالذى أشكل على الصحابة أنهم حرم وقد اصطاد لهم أبو قتادة حمارًا وحشيًا فأكل بعضهم وامتنع بعض، فلما التقوا بالنبي - ﷺ - في موضع يُقال له (السقيا) على مئة وثمانين كيلًا من المدينة، سألوه فأذن لهم بأكله ما داموا لم يشتركوا في صيده ولم يشيروا أو يعينوا عليه.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\nقال القرطبي: (تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم، ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير).\nوقوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾.\nوفيه أقوال متكاملة:\n١ - قال ابن عباس: (قيامها، أن يأمن من توجّه إليها). وقال: (يعني قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم).\n٢ - وقال مجاهد: (إنما سميت ﴿الْكَعْبَةَ﴾ لأنَّها مربعة، ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ قال: قوامًا للناس). وقال: (حين لا يَرْجون جنة ولا يخافون نارًا، فشدّد الله ذلك بالإسلام).\n٣ - وقال قتادة: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يُقرب. وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (١٨٢٤) - كتاب جزاء الصيد. وأخرجه مسلم برقم (١١٩٦)، ووراه أحمد في المسند (٥/ ٣٠٢).","vol":"2","page":540},{"text":"الناس. وكان إذا نفر تقلّدَ قلادة من الإِذْخِر أو من لِحاء السمُر، فمنعته من الناس حتى يأتي أهله، حواجِزُ أبقاها الله بين الناس في الجاهلية).\n٤ - وقال ابن عباس: (كان ناس يتقلّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ، فيعرفون بذلك).\n٥ - وقال ابن زيد: (كان الناس كلهم فيهم ملوك تدفع بعضهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى ذكره لهم البيت الحرام قيامًا، يُدْفَعُ بعصهم عن بعض به، والشهر الحرام كذلك، يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرام، والقلائد. قال: ويلقى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نُسخ).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بقوله ﴿ذَلِكَ﴾، تصييره الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد. يقول تعالى ذكره: صيّرت لكم، أيها الناس، ذلك قيامًا، كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث، مما به قوامكم، علمًا منه بمنافعكم ومضاركم، أنه كذلك يعلم جميع ما في السماوات وما في الأرض مما فيه صلاحُ عاجلكم وآجلكم، ولتعلموا أنه بكل شيء ﴿عَلِيمٌ﴾، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم، وهو محصيها عليكم، حتى يجازي المحسن منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته).\nوقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nتخويف وترجية، ترهيب وترغيب، لا صلاح للعبد بدونهما، فهو بحاجة للخوف من الله ومن عقابه وعذابه، وللثقة بمغفرته وعفوه، حتى يستقيم توجهه إليه.\nوقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.\nأي: ليس للرسول إلا البلاغ فأمر الهداية والتوفيق والعفو والثواب بيد الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى، فهو الذي يطلع على القلوب ويعلم ما تخفونه من الكفر والنفاق، أو من الصدق والإيمان.","vol":"2","page":541},{"text":"أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ الله لا ينظرُ إلى أجسامكم، ولا إلى صُوَركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم] (١). وفي لفظ: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم].\n١٠٠ - ١٠٢. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾.\nفي هذه الآياتِ: خِطابٌ من الله لعباده: لا يستوي الحلال الطيب القليل مع الحرام المخادع الكثير، فاتقوا الله يا أهل العقول لعلكم تنالون رضاه وتوفيقه. ثم تَأدِيبٌ من الله سبحانه لعباده المؤمنين، وارتقاءٌ بهم عن الخوض فيما لا فائدة منه من السؤال والبحث، فلربما ظهر جواب ذلك فيما يشق عليهم وتكرهه نفوسهم، فقد حصل ذلك لأقوام مضوا فأصبحوا بذلك كافرين.\nففي قوله: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.\nقال السدي: (﴿الْخَبِيثُ﴾، هم المشركون، ﴿وَالطَّيِّبُ﴾، هم المؤمنون).\nوقال ابن جرير: (قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾، يقول: لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله، ولو كثر أهل المعاصي فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا، دون أهل معصيته، وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٦٤) (٣٣)، من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه أيضًا (٣٤) - باللفظ الذي بعده.","vol":"2","page":542},{"text":"ولا شك أن الآية تعم كل قليل طيب مبارك، وكل كثير خبيث فاتن، سواء كان من الناس ومعادنهم، أو كان من متاع هذه الحياة الدنيا.\nأخرج أبو يعلى في المسند، والبيهقي في \"الشعب\"، بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله - ﷺ - قال: [ما قل وكفى خير مما كثر وألهى] (١).\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾.\nوَصِيَّةٌ بالتقوى من الله سبحانه، فهي سرّ سعادة الدنيا وسرّ النجاة يوم القيامة.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله - ﷺ - من قبلك: [أوصيك بتقوى الله تعالى فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فإنه رَوْحُكَ في السماء وذكرك في الأرض] (٢).\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. الآية.\nفإن فيها ثلاث أسباب صحيحة للنزول:\nالسبب الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: [خطب النبي - ﷺ - خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا. قال: فغطّى أصحاب رسول الله - ﷺ - وجوههم، لهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان. فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٣).\nالسبب الثاني: أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [كان قوم يسألون رسول الله - ﷺ - استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلها] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى (١٠٥٣)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٠٧٣٠)، وانظر صحيح الجامع (٥٥٢٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٨٢)، وأخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (ص ١٩٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٢١)، ومسلم (٢٣٥٩)، وأحمد (٣/ ٢١٠)، والترمذي (٣٠٥٨)، وأخرجه الطيالسي (٢/ ٦٠)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - (٤٦٢٢) - كتاب التفسير، عند هذه الآية.","vol":"2","page":543},{"text":"السبب الثالث: أخرج الطبري عن أبي هريرة - بسند رجاله ثقات - قال: [خطبنا رسول - ﷺ - فقال: يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج. فقام محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: أما أني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكنوا عن ما سكت عنكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآية] (١).\nفهذه ثلاثة أسباب للنزول مسندة صحيحة، والحاصل أنَّها نزلت بسبب كثرة المسائل إما على سبيل الاستهزاء والامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: لا تسألوا عن أشياء إن نُزِّل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه).\nوقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي - ﷺ - قال: [إن أعظم المسلمين جُرْمًا مَنْ سأل عَنْ شيء لم يُحَرَّم فَحُرِّمَ من أجل مسالته] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: [سئِل رسول الله - ﷺ - عن أشياء كرِهَها، فلمّا أكثروا عليه المسألة غضب وقال: \"سلوني\" فقال رجل فقال: يا رسول الله، مَنْ أبي؟ قال: أبوك حُذافَةُ. ثم قام آَخرُ فقال: يا رسول الله، مَنْ أبي؟ فقال: أبوك سالِمٌ مولى شَيْبَةَ. فلما رأى عُمَرُ ما بوجه رسول الله - ﷺ - من الغضب قال: إنا نتوب إلى الله ﷿\" (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁: [أن\n_________\n(١) حديث حسن أخرجه ابن جرير (ج ٧ (ص (٨٢) بسند رجاله رجال الصحيح إلا محمد بن علي شيخ ابن جرير، وهو ثقة، وروى نحوه الطبراني من حديث أبي أمامة. والدارقطني (٢/ ٢٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٢٨٩) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. وأخرجه مسلم برقم (٢٣٥٨)، ورواه أحمد (١/ ١٧٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٢٩١) - الكتاب السابق. باب ما يُكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه.","vol":"2","page":544},{"text":"النبي - ﷺ - خرج حين زاغت الشمس فصَلَّى الظُّهْرَ، فلما سَلَّم قام علي المِنْبَرِ فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عِظامًا، ثم قال: مَنْ أَحْبَّ أن يسأل عن شيء فليسألْ عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكُمْ به ما دُمْتُ في مقامي هذا، قال أنس: فأكثر الأنصار البكاء، وأكثر رسول الله - ﷺ - أن يقول: \"سلوني\"، فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مَدْخَلِي يا رسول الله؟ قال: \"النار\"، فقال عبد الله بن حُذافة فقال: مَنْ أَبي يا رسول الله؟ قال: \"أبوك حُذافَة\". قال: ثم أكثر أن يقول: \"سلوني سلوني\"، فَبَرَك عُمَر على رُكْبَتَيْهِ فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولًا، قال: فسكت رسول الله - ﷺ - حين قال عُمر ذلك، ثم قال رسول الله - ﷺ -: أَوْلى، والذي نفسي بيده لقد عُرِضَتْ عليَّ الجنَّةِ والنار آنفًا في عُرْضِ هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أرَ كاليوم في الخير والشَّرِ\" (١).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري من حديث أبي عَوَانَةَ: حدَّثنا عبدُ الملك عن وَرَّادٍ كاتب المغيرة قال: كتَب معاوية إلى المغيرة: اكتبْ إليَّ ما سمعتَ من رسول الله - ﷺ -. فكتبَ إليه: إن نبيَّ الله - ﷺ - كان يقول في دُبُر كل صلاة: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مَانِعَ لما أعطيت، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنفَعُ ذا الجدِّ مِنكَ الجَدُّ\" وكتب إليه: إنه كان ينهى عَنْ: قيلَ وقالَ، وكَثْرَة السُّؤَالِ، وإضاعة المال، وكان ينهى عن: عقوق الأمَّهات، وَوَأد البناتِ، ومَنْعٍ وهَاتِ\" (٢).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [دعوني ما تركتكم، فإنما هَلكَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ سُؤَالهُمْ واخْتِلافُهُم على أنبيائِهمْ، فإذا نَهْيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم] (٣).\nالحديث السادس: أخرج الدارقطني بسند جيد عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله فَرَضَ فرائضَ فلا تُضَيِّعُوهَا، وحَرَّمَ حُرُمات فلا تَنْتَهكوها،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٢٩٤) - الكتاب السابق، الباب السابق، وانظر حديث (٩٣) منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٢٩٢) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. الباب السابق. وانظر (٨٤٤) منه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٧٢٨٨) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -. من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":545},{"text":"وحَدَّ حُدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها] (١).\nوقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\nأي: عفا الله عما كان منكم من ذلك، وهو سبحانه الغفور لِزَلَّاتِكُم، الحليم بعباده وما يصدر عنهم.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (نهاهم أن يسالوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك).\nوقال السدي: (قد سأل الآيات قوم من قبلكم، وذلك حين قيل له: غيِّر لنا الصفا ذهبًا!).\nقال ابن جرير: (قد سأل الآيات قوم من قبلكم، فلما آتاهموها الله أصبحوا بها جاحدين).\n١٠٣ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾.\nفي هذه الآيات: ما بَحَرَ الله بحيرة، ولا سيّب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حمى حاميًا، بل هي من صنع المشركين الذين حرموا ما لم ينزل الله به سلطانًا، وافتروا على الله الكذب، وجعلوا بعض هذه الأنعام وقفًا على الأوثان والأصنام، وأكثرهم لا يعقلون. وإذا رُدّوا إلى التحاكم لله ولرسوله اعتزوا بآبائيتهم وجاهليتهم حتى ولو كانت مهترئة فاسدة عفنة.\nفقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾.\nالبحيرة: الفعيلة، من بَحَرْت أذن الناقة أي: شققتها. وهي: الناقة تُشَقّ أذنها\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني (ص ٥٠٢)، وكذلك أورده صاحب مشكاة المصابيح (١٩٧)، وسنده جيد.","vol":"2","page":546},{"text":"وتُخَلّى للطواغيت، فكانت العرب في الجاهلية إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر شقوا أذنها وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المَعْيِيُّ المنقطع به لم يركبها.\nقال ابن عباس: (هي الناقة إذا نُتِجَت خمس أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرًا ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء. وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة).\nوقال سعيد بن المسيب: (البحيرة: التي يُمْنَعُ دَرُّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس) ذكره البخاري.\nوأما السائبة: فهي الناقة تُسَيَّبُ للأصنام لنحو بُرْءٍ من مرضٍ أو نجاة في حرب، فلا يحمل عليها ولا تحبس عن مرعى ولا ماء.\nقال مجاهد: (هي من الغنم نحو ما فُسِّرَ من البحيرة، إلا أنَّها ما ولدت من وَلَدٍ بينها وبينه ستة أولاد كان على هيئتها، فإذا ولدت السابعَ ذكرًا أو ذكرين ذَبَحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم).\nوقال محمد بن إسحاق: (السائبة هي الناقة إذا ولدت عَشْرَ إناثٍ من الولد ليس بينهنَّ ذكر، سُيِّبت فلم تُرْكَب، ولم يُجَزّ وَبَرُها، ولم يَحْلِب لبنَها إلا الضيف).\nوقال أبو رَوْقٍ: (السائبة: كان الرجل إذا خَرَجَ فَقُضِيَتْ حاجتُه، سَيَّبَ من ماله ناقةً أو غيرها، فجعلها للطواغيت. فما ولدت من شيء كان لها).\nوقال السُّدي: (كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته أو عُوفِي من مرض أَوْ كَثُرَ ماله سيَّبَ شيئًا من ماله للأوثان، فمن عَرَض له من الناس عُوقِبَ بعقوبة في الدنيا).\nوأما الوصيلة: فهي الناقة تترك للطواغيت إذا بَكَّرت بأنثى ثم ثَنَّتْ بأنثى. يقال: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر.\nقال ابن عباس: (هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا السابع، فإن كان ذكرًا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرًا وأنثى في بطن استحيوهما وقالوا: وَصَلته أختُ فحرَّمته علينا) رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه.\nوقال محمد بن إسحاق: (الوصيلةُ من الغنم إذا ولدت عَشْر إناث في خمسة أبطن،","vol":"2","page":547},{"text":"توأمين في كل بطن، سُمِّيَت الوصيلةَ وتُركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى، جُعِلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها.\nوقال سعيد بن المسيب: (فالوصيلةُ من الإبل، كانت الناقة تَبْتَكِرُ بأنثى، ثم تُثَني بأنثى، فيسمُّونها الوصيلة، ويقولون وصلت اثنين ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدّعونها لطواغيتهم) رواه عبد الرزاق، ورُوي نحوه عن الإمام مالك.\nوأما الحام: فهو الفَحْلُ لا يُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عليه إذا ضربَ عشرة أبطن.\nقال ابن عباس: (كان الرحلُ إذا لقح فحلُه عَشْرًا، قيل: حامٍ، فاتركوه).\nوقال أيضًا: (وأما الحام فالفحلُ من الإبل، إذا ولد لولده قالوا، حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئًا، ولا يجزون له وبرًا، ولا يمنعونَه من حمَى رَعْيٍ، ومن حَوْضٍ يُشْرَبُ منه، وإن كان الحوضْ لغير صاحبه).\nوقال ابن وَهْبٍ: سمعت مالكًا يقول: (أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل، فإذا انقضى ضِرَابُه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيَّبُوه) ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني، في أحاديث صحيحة:\nالحديث الأول: قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب قال: [البحيرة: التى يُمْنَعُ دَرُّهَا للطواغيت، فلا يَحْلبها أحد من الناس. والسائبة: كانوا يُسَيِّبُونها لآلهتهم، لا يُحْمَلُ عليها شئ -قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله - ﷺ - \"رأيت عَمْرو بن عامر الخزاعيَّ يجرُّ قُصْبَهُ (١) في النار، كان أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السوائب\"- وَالْوَصِيلَةُ: الناقةُ الْبِكْرُ، تُبَكِّر في أول نتاج الإبل، ثُمَّ تُثَنِّي بعد بأنثى، وكانوا يُسَيِّبُونها لطواغيتهم، إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذَكَرٌ، والحام: فحْلُ الإبل يَضرب الضِّرَابَ المعدود، فإذا قضى ضرابه وَدَعُوهُ للطواغيت، وأعفوه عن الحَمْل، فلم يُحْمَل عليه شيء، وسَمَّوْهُ الْحَامِيَ] (٢).\n_________\n(١) قصبه: أمعاءه. قال أبو عبيد: الأقصاب: الأمعاء.\n(٢) حديث صحيح: أخرجه البخاري (٤٦٢٣)، ومسلم (٢٨٥٦) ح (٥١) وأحمد (٢/ ٢٧٥)، وكذلك (٢/ ٢٦٦)، وابن حبان (٦٢٦٠)، والطبري (١٢٨١٩)، والبيهقي (١٠/ ١٠٩)، وغيرهم.","vol":"2","page":548},{"text":"الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [رأيت جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، ورأيت عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ، وهو أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السوائِب] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ أوَّلَ من سَيِّبَ السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيتُه يَجُرُّ أمعاءه في النار] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج ابن جرير بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لأكثَمَ بن الجون يا أكثمُ، رأيتُ عَمْرو بن لُحَيّ بن قَمَعَةَ بن خِندِفٍ يجر قُصْبه في النار. فما رأيت رجلا أشبه برجلٍ منكَ به، ولا بِه منك. فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ (وفي لفظ ابن إسحاق: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله)؟ فقال رسول الله - ﷺ -: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أوَّلُ من غيَّرَ دين إبراهيم، وبَحَر البحيرة، وسيَّبَ السائبة، وحَمى الحَامي] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج أحمد في المسند، وابن جرير في التفسير، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" بسند قوي عن أبي الأحوص الجُشَمي، عن أبيه مالك بن نَضْلَة قال: [أتيتُ النبي - ﷺ - في خُلقَانٍ من الثياب، فقال لي: هل لك من مال؟ قلت: نعم. قال: من أيِّ المالِ؟ قال: فقلت: من كُلِّ المال، من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: إذا أتاك الله مالًا فَلْيُرَ عليك. ثم قال: تُنْتَجُ إِبلُكَ وافيةً آذانُها؟ قال: قلت: نعم، وهل تُنْتَجُ الإبل إلا كذلك؟ قال: فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها وتقول: هذه بُحُرٌ، وتشق آذان طائفة منها وتقول: هذه حُرُمٌ؟ قلت: نعم. قال: فلا تفعل، إن كل مال أتاك الله لك حِلٌّ، ثم قال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري (٤٦٢٤) -كتاب التفسير- عند هذه الآية من سورة المائدة.\n(٢) حديث حسن لشواهده أخرجه أحمد (١/ ٤٤٦)، وابن أبي عاصم في \"الأوائل\" (١٢٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧٧)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٢٠٢٠).\n(٣) حديث صحيح، أخرجه الطبري في \"التفسير \" -حديث رقم- (١٢٨٢٠)، وأبو يعلى (٦١٢١)، وابن حبان (٧٤٩٠)، ولمسلم نحوه. من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٤) إسناده قوي، أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٣)، والطبري (١٢٨٢٩)، (١٢٨٣٠)، وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٧٦)، وكرره أحمد (١٥٤٥٧)، والطبراني في \"الصغير\" (٤٨٩).","vol":"2","page":549},{"text":"وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركون افتروا ذلك، وجعلوه شرعًا لهم وقربة يَتَقَرَّبُون بها إليه. وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وَبَالٌ عليهم).\nوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.\nقال ابن جرير: (ويقولون: نحن لهم تبع وهم لنا أئمة وقادة، قد اكتفينا بما أخذنا عنهم، ورضينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل).\nوفي التنزيل: ﴿بَلْ قَالوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢). فأعمتهم الآبائية المظلمة عن إبصار نور الحق، وكان تقليدها الأعمى سبب هلاك لهم. ولذلك قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.\nأي: كيف يتبعونهم ولم يكونوا أهل علم أو صلاح أو اتباع لمنهج الرسل، بل كانت الجاهلية بأعرافها هي التي تحكمهم، وهي التي يعظمونها من دون شرع الله ﷿! أَمَا وآباؤهم ليسوا أهل علم وهداية وطريق مستقيم فلا يصلحون للاتباع.\n١٠٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾.\nفي هذه الآية: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالاهتمام بإصلاح نفوسهم ودينهم، وأن يبذلوا وسعهم في ذلك، ثم لا يضرهم من اختار الضلال إذا جهدوا في إقامة الدين في خاصتهم مع ما قدروا عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمآل إلى الله سبحانه، وهناك يخبر تعالى عباده بأعمالهم ويثيبهم عليها عدل الجزاء.\nفقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.\nنصب على الإغراء. والتقدير: احفظوا أنفسكم من الزلل والاثام.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق ومعاني هذه الآية، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن قيس، قال: قال","vol":"2","page":550},{"text":"أبو بكر، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: [يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنا سمعنا النبي - ﷺ - يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهُم الله بعقاب. وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما مِنْ قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب] (١).\nقال سعيد بن المسيب: (﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند حسن عن جرير قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ما مِنْ رَجُلٍ يكون في قوم يَعمَلُ فيهم بالمعاصي يَقدرون على أن يغيّروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: [كيف بكم وبزمان - أو يوشك أن يأتي زمان يُغربَلُ الناسُ فيه غَربلةً تبقى حُثَالةٌ مِنَ الناس، قَدْ مَرجتْ عُهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه، فقالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصّتكم، وتذرون أمر عامّتِكم\" (٣).\n١٠٦ - ١٠٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٥)، وأبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، وابن ماجة (٤٠٠٥)، وغيرهم. من حديث أبي بكر ﵁.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٤٣٣٩)، وابن ماجة (٤٠٠٩)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٤٦) بإسناد حسن، من حديث جرير ﵁ مرفوعًا.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٣٤٢)، وأخرجه ابن ماجة (٣٩٥٧)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٤٨). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.","vol":"2","page":551},{"text":"اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾\nفي هذه الآيات: يا أيها الذين آمنوا ليشهد بينكم وقت الوصية عند الموت اثنان ذوا رشد وعقل من المسلمين أو آخران من غير أهل ملتكم - من أهل الكتاب - إن أنتم سافرتم ذاهبين وراجعين في الأرض فنزل بكم الموت فأوصيتم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال وتركة لورثتكم، فإنكم تحبسونهما من بعد الصلاة، فيحلفان بالله - إن اتهمتموهما بخيانة - لا نشتري بأيماننا بالله ثمنًا، فلا نحلف كاذبين لجحد حق أو مال، ولو كان الذي نقسم له ذا قرابة منا. فإن ظهر منهما خيانة أنهما كذبا أو كتما فيقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت، فيحلف أولياء الميت أنه كان كذا وكذا، أو أن شهادة الكافرين باطلة، وما اعتدينا إنا إذن لمن الظالمين. وهذا الفعل، إن فعلتم بهم، أقرب لهم أن يتصدقوا ولا يخونوا، خشية الفضيحة وحذرًا أن ترد الإيمان إلى أولياء الميت فيكشف صنيعهم، فخافوا الله أيها الناس واسمعوا والله لا يوفق مَنْ فَسَقَ عن أمر ربه وخان الأمانة.\nأخرج البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه، عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رجلٌ من بني سهمٍ مع تميم الداري وعدي بن بدَّاءٍ، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدمابتركته فقدوا جامًا (١) من فضة مُخَوَّصًا من ذهب، فأحلفهما رسول الله - ﷺ -، ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا: ابتعثه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾] (٢).\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾.\nقال النسفي: (ارتفع اثنان لأنه خبرُ المبتدأ وهو شهادة، بتقدير: شهادة بينكم شهادة اثنين، أو لأنه فاعل \"بينكم\"، أي: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان. واتسع في\n_________\n(١) الجام: الإناء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٨٠)، وأبو داود (٣٦٠٦)، والترمذي (٣٠٦٠)، وغيرهم.","vol":"2","page":552},{"text":"بين فأضيف إليه المصدر، وإذا حضر ظرف للشهادة، وحين الوصية بدل منه. وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية، لأن حضور الموت من الأمور الكائنة، وحين الوصية بدل منه، فيدل على وجود الوصية، ولو وجدت بدول الاختيار لسقط الابتلاء، فنقل إلى الوجوب، وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل).\nوقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (ذوا عدل من أهل الإسلام). وقال سعيد بن المسيب: (اثنان من أهل دينكم). وقال عبيدة: (من المئة). أو قال: (من أهل الملة).\n٢ - قال عكرمة: (ذوا عدل من حي الموصي).\n٣ - قال النسفي: (﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ صفة لاثنين ﴿مِنْكُمْ﴾ من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت).\nقلت: والراجح أن المقصود من المسلمين. وهو مذهب الجمهور. فإن كانوا كذلك من قرابته أو من أهل حيّه فهذا أفضل لعلمهم بأحوال الميت وأهله.\nوقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾\nقال ابن عباس: (من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب) - رواه ابن أبي حاتم بسنده عنه.\nوقال عكرمة: (أي: من غير قبيلة الموصي) - ذكره ابن جرير. والأول أصح ويدل عليه السياق.\nوقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم. ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾.\nقال القرطبي: (وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم، ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما، وادّعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة، أي: تستوثقوا منهما. وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة. قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمى، ورزية كبرى،","vol":"2","page":553},{"text":"فأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وترك التفكر فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر).\nوقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾.\nصفة لآخران. واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾. وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه.\nقال الخطابي: (الحبس على ضربين: حبس عقوبة، وحبس استظهار. فالعقوبة لا تكون إلا في واجب، وأما ماكان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراءه).\nوعن ابن سيرين قال: (كان شُريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم، فإن أعطاه حقه وإلا أمر به إلى السجن) رواه معمر عن أيوب عنه.\nقال القرطبي: (والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجّلًا، ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجَّلًا، فإن خُلّي مَنْ عليه الحق غاب واختفى وبطل الحق وتوِي (١) فلم يكن بدّ من التوثق منه، فإما بعِوض عن الحق وهو المسمى رهنًا، وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحمِيل (٢)، وهو دون الأول؛ لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره، ولكن لا يمكن أكثر من هذا، فإن تعذرا جميعًا لم يبق إلا التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق، أو تبيّن عسرته.\nقال: فإن كان الحق بَدَنِيًّا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجّلًا، لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه، ولأجل هذه الحكمة شرع السجن، روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن بَهْزِ بن حكيم عن أبيه عن جده: [أن النبي - ﷺ - حبس رجلًا في تهمة] (٣). وروى أبو داود عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه عن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) توى المال: ذهب فلم يرج.\n(٢) الحميل: هو الكفيل.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٣٦٣٠)، والترمذي (١٤١٧)، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٤٥٠). من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا.","vol":"2","page":554},{"text":"قال: [ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبتَه] (١). قال ابن المبارك: يُحِلُّ عِرضَه يُغَلّظ له، وعقوبته يُحبَس له).\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال العوفي عن ابن عباس: (يعني صلاة العصر). وقال الحسن: (صلاة الظهر).\n٢ - قال الزهري: (يعني صلاة المسلمين).\n٣ - وقال السدي: (يعني صلاة أهل دينهما) - يعني إن كانا من غير المسلمين.\n٤ - وقال القرطبي: (يريد صلاة العصر، قاله الأكثر من العلماء، لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة).\n٥ - وقيل: إن فائدة اشتراطه بعد الصلاة تعظيمًا للوقت، وإرهابًا به، لشهود الملائكة ذلك الوقت.\nقلت: والراجح إطلاق لفظ الصلاة كما أطلقها الله تعالى، فالمراد اجتماع الناس وشهود الأمر بين المتخاصمين، كما قال ابن كثير ﵀: (والمقصود: أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم).\nوقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.\nأي: فيحلفان بالله.\nوقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾.\nأي: إن شككتم في أمانتهما، أو ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا فيحلفان حينئذ بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. قال ابن زيد: (نأخذ به رشوة).\nأي: لا نشتري بقسمنا عوضًا نأخذه - بدلًا مما أوصى به - من عرض هذه الدنيا الفانية.\n_________\n(١) إسناده قوي. أخرجه أبو داود في السنن (٣٦٢٨). انظر صحيح سنن أبي داود (٣٠٨٦). ورواه ابن ماجة (٢٤٢٧). ورواه أحمد والنسائي والحاكم. انظر تخريج المشكاة (٢٩١٩)، وصحيح الجامع (٥٣٦٣). من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه مرفوعًا.","vol":"2","page":555},{"text":"وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾\nقال النسفي: (أي: لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان من نقسم له قريبًا منا)\n\nوقوله: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾\nقال ابن كثير: (أضافها إلى الله تشريفا لها، وتعظيما لأمرها.)\n\nوقوله: ﴿إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾\nأي: إن كتمنا أو حرفنا الشهادة أو [. . . . .] [*] قال القاسمي: (أي: المعدودين من المستقرين في الإثم.)\n\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن الشعبيّ: أن رجلا من المسلمين حضرته الصلاة بدقوقاء (١)، قال: فحضرته الوفاة- ولم يجد أحدا من المصلين يشهده على وصيّته- فأشهده رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعريّ ﵁ فأخبراه. وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعريّ: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ. قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنّها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما] (٢).\n\nوقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ الآية\nقال قتادة: (أي: اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما)\nوقال ابن عباس: (فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى من الفريضة يعني اللذين ليسا من أهل الإسلام ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ من أولياء الميت، فيحلفان بالله: «ما كان صاحبنا ليوصي بهذا، أو: إنهما لكاذبان، ولشهادتنا أحق من شهادتهما»). والقراءة المشهورة «الأوليان» وهي قراءة الجمهور، فيكون المعنى عندئذ كما قال ابن كثير: (أي: متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم\n_________\n(١) دقوقاء: بلد بين بغداد وإربل، تقصر وتمد\n(٢) صحيح الإسناد - إن كان الشعبي سمعه من أبي موسى-. أخرجه أبو داود في السنن (٣٦٠٥)، باب شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر. وانظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣٠٧١)\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: موضع لم نتبينه في مصورة المطبوعة","vol":"2","page":556},{"text":"اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أوّلي من يرث ذلك المال، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، أي: لقولنا إنهما خانا أحقُّ وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾، أي: فيما قلنا من الخيانة ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: إن كنا قد كذبنا عليهما).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾.\nقال قتادة: (ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم، وأن يخافوا العَقِب (١».\nوقال ابن كثير: (أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضيِّ، من تحليف الشاهدين الذميين وقد استريب بهما، أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي).\nوقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.\nفيه تخويف لهم من الفضيحة بين الناس إذا رُدَّت اليمين على الورثة.\nقال ابن زيد: (فتبطل أيمانهم، وتؤخذ أيمانُ هؤلاء).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾.\nأي: خافوا الله أيها الناس حق مخافته وأطيعوا أمره وأدوا الأمانات إلى أهلها.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nأي: الخارجين عن طاعة لله والخوف منه، والمستحلين لأنفسهم الحلف الكاذب وأكل أموال الناس بالباطل. قال ابن زيد: (﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، الكاذبين، يحلفون على الكذب)، ولكن الآية عامة في كل فاسق، فتشمل كل أنواع الفسق. كما اختار ذلك شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀.\n١٠٩ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾.\nفي هذه الآية: إخبار عن خطاب الله سبحانه يوم القيامة المرسلين بماذا أجيبوا من\n_________\n(١) العقب: العاقبة.","vol":"2","page":557},{"text":"أقوامهم وأممهم حين دعوهم إلى التوحيد وإفراد الله سبحانه بالتعظيم، فقالوا لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا.\nفقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾.\nكقوله في سورة الأعراف: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾.\nوكقوله في سورة الحجر: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.\nوقوله: ﴿قَالوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾.\nقال مجاهد: (إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم).\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.\nقال ابن جريج: (معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ ماذا عملوا بعدكم؟ قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾).\nقال أبو عبيد: (ويشبه هذا حديث النبي - ﷺ - أنه قال: \"يرد عليّ أقوام الحوض فيختلجون فأقول أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك\").\nقلت: وهذا في الصحيح. فقد أخرج البخاري عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [لَيَرِدَنَّ عليَّ ناسٌ مِنْ أصحابي الحوضَ حتى إذا عرفْتُهُمُ اخْتُلِجوا دوني فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بَعْدَك] (١).\nوكذلك أخرج البخاري عن أبي هريرة أنه كان يُحَدِّثُ أن رسول الله - ﷺ - قال: [يَرِدُ عَلَيَّ يوم القيامة رَهْطٌ من أصحابي، فَيُجْلَوْنَ عَنِ الحَوضِ فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنك لا عِلْمَ لك بما أحْدَثُوا بَعْدَك، إنهم ارتدُّوا على أدْبارهم القَهْقَرى] (٢).\nقال الماورديّ: (فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعنه جوابان: أحدهما - أنه سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم.\nالثاني - أنه أراد أن يفضحهم بذلك على رؤوس الأشهاد ليكون ذلك نوعًا من العقوبة لهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٥٨٢) - كتاب الرقاق - باب: في الحوض.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٥٨٥) - كتاب الرقاق - باب: في الحوض.","vol":"2","page":558},{"text":"١١٠ - ١١١. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلَا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾.\nفي هذه الآيات: إذ قال الله سبحانه يا عيسى اذكر أياديّ عندك وعند والدتك، إذ قويتك برُوح القدس وأعنتك به صغيرًا في المهد وكهلًا، وكذلك اذكر نعمتي عليك إذ علمتك الخط والفهم لمعاني التنزيل، وكذلك إذ تعمل وتصلح من الطين كصورة الطير بعوني على ذلك، فتنفخ في الهيئة، فتكون طيرًا بإذني، وتشفي الأعمى والأبرص بإذني، وإذ تخرج الموتى بإذني، واذكر أيضًا نعمتي عليك بكفّي عنك من همّ بقتلك من بني إسرائيل حين جئتهم بالأدلة المعجزة المثبتة لنبوتك فقال الذين تمرّدوا كبرًا وجحدوا نبوتك وكذبوك إن هذا إلا سحر مبين. ثم اذكر كذلك إذ ألقيت إلى الحواريين أن صدقوا بي وبرسولي عيسى فقالوا آمنا وصدقنا واشهد علينا بأننا سامعون مطيعون نازلون عند أمرك، مستسلمون لقضائك.\nفقوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾.\nقال ابن كثير: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أي: في خلقي إياك من أمٍّ بلا ذَكَرٍ، وجعلي إياك آية ودلالةً قاطعة على كمال قُدرتي على الأشياء، ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، حيث جَعَلْتُك لها برهانًا على براءتها مما نَسَبَهُ الظالمون الجاهلون إليها من الفاحشة، ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، وهو جبريل - ﵇ - وجعلتُكَ نبيًّا داعيًا إلى الله في صِغَرِكَ وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرًا، فَشَهدْتَ ببراءة أمِّكَ من كُلِّ عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتِكَ إلى عبادتي، ولهذا قال","vol":"2","page":559},{"text":"تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: تدعو إلى الله الناس في صِغَرِكَ وكِبَرِكَ. وضُمِّنَ ﴿تُكَلِّمُ﴾ تدعو، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب).\nوقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.\nأي: الخط والفهم.\nقال ابن جرير: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ وهو الخط، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾، وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك، وهو الإنجيل).\nوقوله: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.\nأي: الكتاب الذي أنزل على موسى، والكتاب الذي أنزل عليك.\nوقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾.\nأي: تجعل من الطير على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك التشكيل والتصوير.\nوقوله: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾.\nأي: ثم تنفخ في ما شكَّلت من تلك الصورة فإذا بها طائر له روح، يتحرك ويطير بإذن الله أحسن الخالقين.\nوقوله: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾.\nأي: وتشفي ﴿الْأَكْمَهَ﴾ وهو الأعمى الذي لا يبصر، كما تعالج الأبرص فيشفى بإذن الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾.\nقال ابن كثير: (أي: تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته، وإرادته ومشيئته.\nوقوله. ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\nقال القرطبي: (﴿كَفَفْتُ﴾ معناه دفعت وصرفت ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ﴾ حيث هموا بقتلك ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الدلالات والمعجزات، وهي المذكورة في الآية.","vol":"2","page":560},{"text":"﴿فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوّتك. ﴿إن هذا﴾ أي: المعجزات. ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾).\nوقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾.\nالوحي أقسام: وحي التنزيل، ووحي الإلهام، ووحي الإعلام.\n١ - فوحي التنزيل: هو الوحي من الله تعالى بإرسال جبريل إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.\n٢ - ووحي الإلهام: هو إفهام الله تعالى بعض عباده بأمر يريده أو يحبه، كما في هذه الآية.\n٣ - وحي الإعلام: ويكون في اليقظة والمنام. قال أبو عبيدة: (أوحيت بمعنى أموت). وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥].\nأما في لغة العرب: الوحي معناه الإلهام. وهو المعنى المراد هنا بهذه الآية، وهو القسم الثاني من أقسام مفهوم الوحي في الكتاب والسنة.\nفيكون المعنى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ أي: ألهمتهم وأفهمتهم وقذفت في قلوبهم ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾. قال السدي: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾، يقول: قذفت في قلوبهم)، وقال الحسن البصري: (ألهمهم الله - ﷿ - ذلك)، فصدقوا وآمنوا وامتثلوا ما أمروا به من الله تعالى.\nقال ابن كثير: (ويُحْتَمل أن يكون المرادُ: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتُهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾).\n١١٢ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَال اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً","vol":"2","page":561},{"text":"مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَال اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ (١١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ قصة المائدة التي بها تسمى هذه السورة، يقول تعالى: واذكر يا عيسى كذلك من جملة نعمي عليك، حين أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي، إذ قالوا لعيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، فأجابهم عيسى ﵊ مستعظمًا لما قالوه: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، وأمرهم بالتوبة والاستغفار من مغبة ما قالوا. فأجابوه أنهم قالوا ذلك رغبة في الأكل من تلك المائدة ليزدادوا يقينًا وإيمانًا بالله وقدرته وجبروته. فهنالك دعا عيسى ربه وسأله مائدة تنزل عليهم من السماء فيكون ذلك اليوم يومًا عظيمًا في حياتهم وحياة من بعدهم يتذكرون به صفات الله وكرمه عليهم وأياديه الحسنى فيزدادون بذلك عبادة له وتعظيمًا. فاستجاب الله تعالى دعاء نبته ﵇ وأنزل المائدة وتوعّد من كفر بعد هذه الآية العظيمة عذابًا ما عاقبه أحد قبل ذلك.\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَال اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nفلقد سأل الحواريون عيسى بن مريم -جهلًا منهم- بقولهم ذلك وآفاق مدلولاته، فهم بلفظهم الذي اختاروه كأنهم يجهلون أن الله على كل شيء قدير، ومن كذّب بقدرة الله فهو كافر، ولكن الجهل كان عذرًا لهم عند الله ورسوله ﵇.\nقال ابن جرير: (قال عيسى للحواريين: راقبوا الله، أيها القوم، وخافوه، أن يَنْزِلَ بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده. وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء، كفرٌ به، فاتقوا الله أن يُنْزِل بكم نقمته).\nقلت: وهذه الآية دليل صريح أن الجاهل معذور بجهله. فإن من ثبتَ له الإسلام لا يُنْزَعُ منه إلا بما ينقُضُ الإسلام، ومن ثم فإن القصد والنية شرط صحة الأعمال، فالجاهل الذي صدر منه ما ينقض إيمانه ولم يقصد ذلك معذور إلى أن يحصل له العلم والبيان.","vol":"2","page":562},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾.\nتأكيدُ أنَّ ما قالوه أرادوا به زيادة الإيمان والثبات على الصدق، والإخلاص بمتابعة عيسى ﵇. فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾: أي: لننال بركتها لا لحاجة دعتهم إليها. وهذا تفسير أقرب من التفسير الذي ذهب إليه آخرون أنهم قالوا ذلك لحاجتهم إلى الأكل منها.\nوقوله: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.\nأي: إذا شاهدنا نزولها، وتمتعنا بهذا الرزق المباشر من الله تعالى من السماء.\nوذكر الماورديّ أن تأويل ذلك يحتمل ثلاثة أوجه:\n١ - تطمئن قلوبنا إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبيًّا.\n٢ - تطمئن قلوبنا إلى أن الله تعالى قد اختارنا لدعوتنا.\n٣ - تطمئن قلوبنا إلى أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما سألناه.\nوقال الثعلبي: (نستيقن قدرته فتسكن قلوبنا).\nوقال المهدويّ: (أي: تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا) ذكره القرطبي.\nقلت: وكل ما سبق يدخل في آفاق قوله تعالى عنهم: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾، فإن طمأنينة القلب بالإيمان وبرضى الرحمان هي غاية سعادة العبد في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].\nقال قتادة: (يقول: سكنت إلى ذكر الله واستأنست به). وقال ابن جرير: (ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوبُ المؤمنين).\nأخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي ثعلبة، عن النبي -ﷺ- قال: [البِرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد بسند صحيح من حديث أبي ثعلبة. انظر تخريج المشكاة (٢٧٧٤)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم (٢٨٧٨).","vol":"2","page":563},{"text":"قال ابن القيم: (فإنه إذا اطمأن إلى حكمه الديني علم إنه دينه الحق وهو صراطه المستقيم. وهو ناصره وناصر أهاه وكافيهم ووليهم).\nوقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾.\nأي: بأنك رسول الله. قال ابن كثير: (أي: ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك).\nوقوله ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾.\nأي: لله بالوحدانية، ولك بالرسالة والنبوة، فنثبت بذلك على الإيمان بعد رؤية ومعاينة هذه الآية العظيمة.\nوقوله: ﴿قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾.\nفيه أقوال متقاربة متكاملة:\n١ - قال السدي: (أي: نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومَنْ بعدنا).\n٢ - قال سفيان الثوري: (يعني يومًا نصلي فيه).\n٣ - قال قتادة: (أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم).\n٤ - وعن سليمان الفارسي: (عِظةً لنا ولمن بعدنا). وقيل: (كافية لأولنا وآخرنا)، ذكره ابن كثير.\nوقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾.\nيعني: دليلًا على قدرتك، وإجابتك الدعاء، وحجة لنا لمتابعة الطريق في الإيمان والدعوة والجهاد.\nوقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.\nأي: نسألك رزقًا من عندك، فأنت خير من أعطى وكفى، ورزق وبارك وعافى.\nوقوله تعالى: ﴿قَال اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾.\nأي: استجاب الله ذلك الدعاء، وتوعّد من كذب بها بعد ذلك أشدَّ العذاب.\nقال القرطبي: (هذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى","vol":"2","page":564},{"text":"إجابة للحواريين، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة وخنازير. قال ابن عمرو: إن أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون).\n١١٦ - ١١٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطابٌ من الله سبحانه لنبيّه عيسى ﵇ يوم القيامة أمام من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: أأنت قلت للناس أو أمرتهم ليتخذوك وأمك إلهين من دوني؟ فأجاب بقوله: سبحانك، هذا أمر لا ينبغي أن يصدر من مثلي، فلو كنت قلته لقد علمته، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما أحد من خلقك يعلم ما في نفسك، بل أنت علام الغيوب. كُلُّ ما أمرتهم أن اعبدوا الله ربي وربكم وأفردوه بالعبادة والخضوع والتعظيم، وكنت قائمًا على حفظ ذلك حياتي فيهما، فلما غادرتهم إليك كنت أعلم بهم مني وأنت على كل شيء شهيد. فإن عذبتهم فالأمر لك وهم عبادك، وإن غفرت لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.\nفقوله: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nتهديد ووعيد للنصارى، وتوبيخ وتقريع لهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، فإن عيسى ﵊ سيتبرأ اليوم من شركهم أمام بارئهم ﷿. واختار ابن جرير أن ذلك كان حين رفعه الله، ولكن السياق يدل أن ذلك يوم القيامة، وكما ستدل عليه نصوص الأحاديث القادمة إن شاء الله.\nقال ابن جريج: (﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، وأقَرَّ له بالعبودية على","vol":"2","page":565},{"text":"نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول: أنه إنما كان يقول باطلًا).\nوقوله: ﴿قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾.\nقال القرطبي: (وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين، أحدهما -تنزيهًا له عما أضيف إليه الثاني- خضوعًا لعزته، وخوفًا من سَطْوتِه. ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾: أي: أن أدعي لنفسي ما ليس من حقها، يعني أنني مربوب ولست برب، وعابد ولست بمعبود).\nثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾.\nقال النسفي: (إن صح أني قلته فيما مضى فقد علمته، والمعنى أني لا أحتاج إلى الاعتذار لأنك تعلم أني لم أقله، ولو قلته لعلمته لأنك ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ذاتي ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ذاتك).\nولا شك أن الله سبحانه أراد بذلك السؤال تنزيه نبيِّه عيسى ﵊ أمام الخلائق يوم القيامة مما نسب إليه المدعون الانتساب إليه من أهل الكتاب، وليكون ذلك تقريعًا بالحجة والبرهان من كلام عيسى -ﷺ- لمن ارتضى واتخذه إلهًا من دون الله تعالى.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾.\nأي: ما كان وما يكون، وما لم يكن، وما هو كائن، وما لن يكون، ولكن إن قُدّر له أن يكون كيف سوف يكون.\nوقد بسطت القول في ذلك في أبحاث القدر ضمن كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فلله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾.\nأي: ما دعوتهم إلا إلى توحيدك وتعظيمك وإفرادك بالطاعة والعبادة والحاكمية والتشريع، فزَلّ قوم منهم بعدي واتبعوا سبل الشياطين فصدوهم عن سبيلك وهديك.\nولذلك قال: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾.\nأخرج البخاري ومسلم وبعض أصحاب السنن عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال:","vol":"2","page":566},{"text":"[يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حُفَاةً عُراةً غُرْلًا (١) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ألا وإن أول الخلائق يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم] (٢).\nوفي ختم الآيات بقوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. نكتة بديعة:\nقال القرطبي: (ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه. ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شِرْكه وهذا مستحيل، فالتقدير: إنْ تُبْقِهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك، وإن تَهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده، الحكيم فيما تفعله، تضل من تشاء وتهدي من تشاء).\n١١٩ - ١٢٠. قوله تعالى: ﴿قَال اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: خَتْمُ الله الكلام بعد سماع تبري نبيّه عيسى ﵊ يوم القيامة من النصارى الملحدين الذين أشركوا به ونسبوا لعبده المسيح ﵇ الألوهية كذبًا وافتراء -بقوله جل ذكره: هذا يوم ينفع أهل الصدق في عبادة الله صدقهم في توحيد الله وتعظيمه واتباع رسله دون تأليههم، وقد أعدّ الله جلت عظمته لهم أشرف استقبال ومقام في جنات تجري تحتها الأنهار وقد حظوا برضوان الله أبدًا وذلك الفوز العظيم. فسبحان من له ملك السماوات والأرض وما فيهن من خلائق وعوالم وهو\n_________\n(١) غُرْلًا: أي دون ختان، كما خلقهم ربهم تعالى أول مرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٢٥)، (٤٧٤٠)، ومسلم (٢٨٦٠)، وانظر مختصر صحيح مسلم (٢١٥١)، وأخرجه الترمذي (١٤٢٣)، والنسائي (٤/ ١١٤)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٢٩).","vol":"2","page":567},{"text":"القوي المهيمن الجبار الأحد الصمد القدير. لا يعجزه شيء في هذا الكون الفسيح، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.\nففوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يوم ينفع الموحدين توحيدهم).\nقال القرطبي: (أي صدقهم في الدنيا، فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدق). وأواد بذلك صدق العمل لله وتصديق الرسل. وقال غيره: (المراد صدقهم في الآخرة، وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ، وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم، ويكون وجه النفع فيه أن يُكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم).\nقلت: والآية تدل من السياق على أن الصدق المنجي للعبد يوم القيامة هو صدق التوحيد لله سبحانه وصدق إخلاص العمل لوجهه واتباع منهاج رسله، وإن كانت بعض المواقف يفيد فيها النطق بالحق يوم القيامة، كالشهادة للرسل بالبلاغ، وكقصة أصحاب الأعراف، ولكن هذا لا يكفي وحده للنجاة يوم الحساب ما لم يكن يسبقه صدق الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله.\nأخرج أبو يعلى والبزار بسند صحيح في الشواهِد، عن أنس قال: [قال رسول الله -ﷺ- لرجل: يا فلان! فعلت كذا؟ قال: لا والذي لا إله إلا هو! والنبي -ﷺ- يعلم أنه قد فعله، فقال له: إنّ الله قد غفر لك كَذِبَكَ بتصديقك بـ \"لا إله إلا الله\"] (١).\nوروى أحمد وأبو داود نحوه، وفي لفظه: [فقال رسول الله -ﷺ-: قد فعلت، ولكن غُفِرَ لك بإخلاصك قول: لا إله إلا الله] (٢).\nوأصل معناه في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-:\n_________\n(١) حديث صحيح في الشواهد. أخرجه البزار (٤/ ٧/ ٣٠٦٨)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٦/ ١٠٤/ ٣٣٦٨)، والبيهقي في \"السنن\" (١٠/ ٣٧)، وانظر مسند أحمد (٢/ ٦٨)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٣٠٦٤).\n(٢) صحيح لشواهده. أخرجه أحمد (١/ ٢٥٣)، (١/ ٢٨٩)، (٢/ ٧٠)، وأخرجه أبو داود (٣٢٧٥) من حديث ابن عباس، وكذلك أخرجه أبو داود (٣٦٢٠) عن أبي الأحوص -مختصرًا-.","vol":"2","page":568},{"text":"[أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك فيهما إلا دخل الجنة. (وفي رواية: فيحجبَ عن الجنة)] (١).\nوله شاهد عند أبي يعلى من حديث عمر بلفظ: [أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يأتي بهما عبدٌ مُحِقٌّ إلا وقاه الله حرَّ النار] (٢).\nوقرأ نافع وبعض أهل الحجاز والمدينة ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ بنصب ﴿يَوْمُ﴾ على الظرفية أو غير ذلك. ورفع الباقون، ومنهم قراء العراق: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ أي: خبر لهذا. وهناك قراءة ثالثة: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ وهي قراءة الأعمش. والقراءتان الأولى والثانية مشهورتان أكثر.\nوقوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.\nأي: من تحت غرفها وأشجارها، وقد بشرهم الله بالخلود في هذا النعيم، فهو لا يزول عنهم ولا يوالون عنه.\nوقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nأي: هذا هو سبب ذلك النعيم وهذا الخلود، حصول الرضا من الله عنهم، بعد أن رضوا بالله ربًا وبنبيه رسولًا، وبالإسلام دينًا.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nأي: الظفر الكبير والغنيمة العظمى، فلا شيء في هذا الوجود أجل من رضوان الله، ولا شيء أجمل من جنة الله التي تتألف من جنان ثمان، تعلوها جنة الفردوس.\nأخرج ابن حبان في صحيحه، بسَند على شرط الشيخين، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﷿: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ قال: فيقول: رضواني أكبر] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٤٢). انظر مختصر صحيح مسلم (١٠) ص (١٠) كتاب الإيمان. من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\n(٢) صحيح لشواهده. أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١/ ١٩٩ - ٢٠٠/ ٢٣٠) -والسياق له-، وأخرجه البزار (١/ ١٣/ ١١) -مختصرًا-. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم (٣٢٢١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢٦٤٧)، والحاكم (١/ ٨٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٣٦)، ورواه ابن جرير (٦/ ٢٦٢/ ٦٧٥١)، وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٢/ ١٤١/ ١)، وغيرهم.","vol":"2","page":569},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾.\nالمعنى: لله سلطان السماوات والأرض وما فيهن دون عيسى ودون أمه ودون جميع خلقه، فهو المالك القهار لا يحتاج إلى خلقه، يدبر الأمر من فوق عرشه، والكل مفتقر إلى رحمته ومغفرته، وهو على كل شيء قدير.\nقال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].\nوقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].\nوقال جل ثناؤه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].\nأخرج الترمذي بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي -ﷺ- قال: [خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير] (١).\nتم تفسير سورة المائدة بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٨٣٧). وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٨٣٧).\nباب في فضل لا حول ولا قوة إلا بالله. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٠٣).","vol":"2","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - المسلمون عند شروطهم، والوفاء بالعهد واجب.\n٢ - جنين الأنعام الميت حلال، ذبحه على ذبح أمِّه.\n٣ - من خاصم في باطل أو أعان بظلم وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع.\n٤ - الترغيب في التعاون على البر والتقوى، والترهيب من التعاون على الإثم والعدوان.\n٥ - المستثنى من الميتة: السمك والجراد، وأما الخنزير فحرام كله.\n٦ - ما أنهر الدم وذكر عليه اسم الله فكلوه.\n٧ - ما ذبح لغير الله لا يؤكل، ولو ذكر عليه اسم الله.\n٨ - إكمال الله هذا الدين، والابتداع في الشريعة اتهام لتأكيد الله الكمال.\n٩ - أكل المحرمات بالحد الأدنى عند الاضطرار.\n١٠ - علامة الجارح المعلم إذا دعوته أتى ولا يأكل من صيدهِ، ومن ثم أحل ما صِيْدَ بالجوارح المعلمة مع التسمية عند الانطلاق.\n١١ - سمّ الله إذا أطلقتَ جارحك أو سهمك، ودخلت بيتك وعند طعامك.\n١٢ - الترخيص بطعام أهل الكتاب، ونكاح المحصنات من نسائهم.\n١٣ - لا يقبل الله صلاة بغير طهور، والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين واجب لثبوت ذلك عن الرسول -ﷺ-.\n١٤ - وجوب مسح جميع الرأس، ويجوز المسح على الناصية والتكميل على العمامة.\n١٥ - الترتيب واجب في أعمال الوضوء، وويل للأعقاب من النار -عدم غسل لمعة في القدم توجب إعادة الوضوء والصلاة-.","vol":"2","page":571},{"text":"١٦ - مشروعية المسح على الخفين لمن لبسهما على وضوء، ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر.\n١٧ - خطايا المؤمن تتساقط من كافة أعضائه مع الوضوء.\n١٨ - العدل واجب والظلم ظلمات يوم القيامة.\n١٩ - إثبات كفر من قال إن الله هو المسيح بن مريم، واليهود مغضوب عليهم ويزعمون كذبًا أنهم أحباء الله.\n٢٠ - قابيل أول من سَنَّ القتل في الأرض، فعليه إثم كل قتيل إلى يوم القيامة.\n٢١ - تسليم المفسد نفسه إلى الحاكم قبل القدرة عليه يشمله العفو.\n٢٢ - التوسل إلى الله ممنوع إلا بأسمائه وصفاته والأعمال الصالحة ودعاء الرجل الصالح.\n٢٣ - لا قطع ليد سارق فيما دون ربع دينار.\n٢٤ - اليد الأمينة ثمينة، فإذا خانت رخصت وهانت.\n٢٥ - التوبة تجبُّ ما قبلها، والحد كفارة للجرم.\n٢٦ - شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررًا ولم ينسخ.\n٢٧ - الحكم بغير ما أنزل الله يتراوح بين الكفر والظلم والفسق.\n٢٨ - قول الحق لا يقرب أجلًا ولا يباعد رزقًا.\n٢٩ - النهي عن اتخاذ المستهزئين بالدين أحباء أو نصراء أو أولياء.\n٣٠ - استغناء رسول الله -ﷺ- عن الحرس لتولي الله حفظه.\n٣١ - أول كلمة نطق بها المسيح في المهد ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.\n٣٢ - المسيح رسول كغيره من الرسل وأمه صديقة ﵉.\n٣٣ - ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سبيل أكيد إلى نزول العذاب.\n٣٤ - تحريم مآكل ومشارب وملابس معينة دون دليل ابتداع وتنطّع في الدين.\n٣٥ - كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام.\n٣٦ - من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه.","vol":"2","page":572},{"text":"٣٧ - لُعن في الخمر عشرة: الخمر وعاصرها ومعتَصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومسقيها.\n٣٨ - الخمر ما خامر العقل، وكل مسكر خمر، وكل خمر حرام.\n٣٩ - الخمر أم الخبائث، من شربها لم تقبل صلاته أربعين يومًا، فإن مات وهي في بطنهِ مات ميتة جاهلية.\n٤٠ - الخمر أكبر الكبائر والفواحش، من شربها وقع على أمه وخالته وعمته.\n٤١ - مدمن الخمر إن مات لقي اللهَ كعابد وثن.\n٤٢ - النهي عن قتل الصيد حالة الإحرام، فإن صاد المحرم عامدًا أثم وغرم، وإن صاد خطأ غرم وحرم عليه.\n٤٣ - أَكْلُ المحرم صيدًا لم يصده أو لم يصد له حلال.\n٤٤ - صيد البحر ما أخذ منة حيًّا، وطعامه ما لفظه ميتًا.\n٤٥ - كره الله لهذه الأمة: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.\n٤٦ - عمرو بن لحي أول من أدخل الشرك في العرب وغيّر دين إبراهيم.\n٤٧ - جواز استشهاد الذميين في الوصية عند فقدان المسلمين أثناء السفر.\n٤٨ - براءة عيسى وأمه ﵉ من شرك أهل الكتاب.\n٤٩ - الشفاعة يوم القيامة تخص المؤمنين ولا ينالها المشركون.\n٥٠ - جلّ الله وتعالى عن النظير والعديل والصاحبة والوالد والولد.","vol":"2","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>٦ - سورة الأنعام</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٦٥).\nقال ابن عباس: (أنزلت سورة الأنعام بمكة). أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا سرّك أنْ تعْلمَ جهلَ العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>موضوع السورة</span>\nذمّ المشركين والثناء على ملة إبراهيم وبيان وحدة منهاج المرسلين، وامتنان الله على عباده بنعمة الثمار والأنعام وبيان منهاج التحريم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-93> منهاج السورة</span>-\n١ - البدء بحمد الله خالق السماوات والأرض وجاعل الظلمات والنور وعالم السر والعلن.\n_________\n(١) حديث موقوف. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٥٢٤) عن ابن عباس موقوفًا. كتاب المناقب. باب قصة زَمْزَمَ وجَهْل العرب. والآيات من سورة الأنعام ما بين ١٣٠ - ١٤٠. والآية المذكورة (١٤٠).","vol":"2","page":574},{"text":"٢ - إعراض الكافرين عن آيات الله الكونية والقدرية وسوف يعلمون.\n٣ - تذكير الله المعرضين عن الإيمان به وطاعته هلاك الأمم السالفة المكذبة رغم القوة والبنيان، والأموال والأنهار والعمران.\n٤ - استكبار المشركين عن الإيمان بالرسول حتى لو كان ملكًا كما تمنوا.\n٥ - السعيد من صُرِف عن عذاب الله في الآخرة والشقي من هلك فيه.\n٦ - الضر والنفع بيد الله، والله تعالى هو القاهر فوق عباده.\n٧ - المشركون يودون الرجعة إلى الدنيا حين يرون العذاب ليخلصوا لله الإيمان، ولكن هيهات هيهات وقد فات الأوان.\n٨ - حسرة الكفار يوم القيامة على تفريطهم وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم.\n٩ - تسلية الله نبيّه عما يلقاه من أذى المشركين وعنادهم، بصبر المرسلين قبله على تكذيب أقوامهم، حتى جاءهم نصر الله.\n١٠ - تشبيه الله تعالى الكفار بالموتى لأنهم موتى القلوب لا يفقهون ولا يسمعون.\n١١ - جميع ما يدُبّ في الأض أو يطير في السماء أمم خلقها الله وهداها، وهو محاسبها، حتى يقتص يوم القيامة للشاة الجماء من الشاة القرناء.\n١٢ - عطاء الله للعصاة إنما هو استدراج لهم، فإذا أخذ الله الظالم لم يفلته.\n١٣ - الرسول -ﷺ- لا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب إلا ما علمه الله.\n١٤ - النهي عن طرد المستضعفين المؤمنين، والأمر بتقريبهم وإكرامهم.\n١٥ - الرسول -ﷺ- لا يملك إيقاع العذاب بأحد، وإنما ذلك لله وحده.\n١٦ - الغيب كله لله تعالى لا يشاركه فيه أحد.\n١٧ - النوم موت مؤقت، وهو وفاة الليل.\n١٨ - المشركون يخلصون الدين لله في الضراء، ويشركون به في السراء.\n١٩ - هجر المجلس الذي يُكذَّبُ فيهِ بآيات الله واجب، ولا يُتابعُ الجلوسَ مع الاستهزاء بالدين إلا منافق. ومن يهد الله قلبه إلى الحق فلا مضل له.\n٢٠ - دعوة إبراهيم ﵊ أباه آزر إلى التوحيد، فلما أصر على الشرك تبرأ منه.\n٢١ - علو محاكمات إبراهيم -ﷺ- في الاستدلال على الربوبية المقتضية للألوهية، وتألقه","vol":"2","page":575},{"text":"﵇ في إقامة الحجة على قومه، وأن الشرك هو أكبر الظلم، وأن الأمن في الإيمان.\n٢٢ - الأنبياء دعوتهم واحدة، وهي دين الإسلام، وتبليغ الدعوة ثوابه عند الله، ولا أظلم ممن أشرك بالله أو ادّعى النبوة، أو مماثلة القرآن.\n٢٣ - النجوم: زينة للسماء ورجم للشياطين وهداية في ظلمات الليل، والمخلوقات المتعددة من كل شيء دالة على كمال قدرة الخالق ﷿.\n٢٤ - اختلاق الكافرين لله بنين وبنات وشركاء تعالى الله وتقدس عمّا يصفون.\n٢٥ - القرآن للمؤمنين هدى، وللكافرين عمى، وعلى الرسول البلاغ، وعلى الله الحساب.\n٢٦ - النهي عن سب أصنام المشركين حتى لا يسبوا الله عدوًا بغير علم.\n٢٧ - المشركون يطالبون الرسل بالمعجزات، فإذا نزلت لا يؤمنون.\n٢٨ - أكل ما لم يذكر اسم الله عليه حرام، إلا أن يكون اضطرارًا.\n٢٩ - علامة محبة الله العبد وتوفيقه شَرْحُ صَدْرِه للإسلام، وعلامة غضبه تعالى عليه تضييق صدره وخذلانه عن الحق.\n٣٠ - استمتاع الجن بالإنس بخضوع الإنس لهم وتعظيمهم من دون الله، واستمتاع الإنس بالجن بالسحر وما يتبعه من الفجور والزنا وأخذ أموال الناس بالباطل.\n٣١ - الله تعالى يسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس بما كانوا يكسبون.\n٣٢ - استثناء الخلود في النار إنما هو لعصاة الموحدين، ولا يهلك على الله إلا هالك.\n٣٣ - إقامة حجة الله على الثقلين يوم القيامةِ بإرساله الرسل.\n٣٤ - لكل من الجن والإنس درجات في الجنة أو النار، كل بحسب عمله.\n٣٥ - ذمّ المشركين بجعل شيء من الحرث والأنعام لله وآخر لأصنامهم، وكذلكَ بقتل الأولاد سفهًا بغير علم، وبتحريم ما رزقهم الله افتراء عليه.\n٣٦ - امتنان الله تعالى على الناس بخلقه لهم أنواع الثمار وألوان الزروع وأصناف الأنعام، والأمر بالصدقة مما تنبت الأرض.\n٣٧ - بَيانُ المحرمات من المآكِل، وتضييق الله على اليهود في مآكلهم جزاء لبغيهم، والله تعالى لم يحرم على المشركين ما حرموه على أنفسهم، وأظلم الناس من كذب على الله.","vol":"2","page":576},{"text":"٣٨ - الوصية الجامعة: تحريم الشرك بالله والعقوق بالوالدين وقتل الأولاد واقتراف الفواحش وأكل مال اليتيم، والأمر بالوفاء في الكيل والميزان والعدل في الرضا والغضب وقول الحق واتباع سبيل خير المرسلين.\n٣٩ - أَمْرُ الله المؤمنين بالجماعة، ونَهْيُهم عن الاختلاف والتفرقة.\n٤٠ - الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، ولا يظلم الله أحدًا.\n٤١ - الصراط المستقيم هو ملة إبراهيم، ملة التوحيد لله والتعظيم.\n٤٢ - صلاة المؤمن ونُسكُه ومنهاج حياته كله لله رب العالمين.\n٤٣ - لا تزر وازرة وزر أخرى، وصحف العباد تشمل جميع أعمالهم.\n٤٤ - جعل الله العباد خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضًا، وابتلاهم برفع بعضهم فوق بعض درجات.\n٤٥ - إن الله سريع العقاب وإنه لغفور رحيم.","vol":"2","page":577},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: ثنَاءُ الله سبحانه مادحًا نفسه الكريمة بما تفرد به جلت عظمته في خلق السماوات والأرض وتعاقب الظلمات والنور لمنافع عباده، ثم مع ذلك يعدل عن عبادته الكافرون. ثم أعقب ذلك بذكر خلق آدم ﵇ أصل بني البشر وقد قضى لنسله آجالًا، ثم وعدهم لقاءه في المحشر يوم القيامة، الذي يشك فيه الممترون. وهو سبحانه الإله الواحد الأحد المعبود في السماوات وكذلك في الأرض لا يخفى عليه سركم وجهركم ويعلم كسبكم وجميع أعمالكم.\nفقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.\nقال ابن جرير: (وهذا كلام مخرجه مَخرج الخبر، يُنْحى به نحو الأمر. يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خلقكم، أيها الناس، وخلق السماوات والأرض، ولا تشركوا معه في ذلك أحدًا أو شيئًا، فإنه المستوجب عليكم الحمدَ بأياديه عندكم ونعمه عليكم، لا من تعبدونه من دونه، وتجعلونه له شريكًا من خَلْقه).\nوأخرج الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلك النعمة] (١).\nوله شاهد عن ابن ماجة بسند حسن من حديث أنس ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرج الطبراني في \"الكبير\" من حديث أبي أمامة. انظر صحيح الجامع (٥٤٣٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في \"السنن\" (٣٨٠٥) - باب فضل الحامدين. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٦٧). من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"2","page":578},{"text":"وقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾.\nقال السدي: (الظلمات ظلمة الليل، والنور نورُ النهار). وقال الحسن: (الكفر والإيمان).\nقال ابن كثير: (فجمع لفظ الظلمات ووحَّدَ لفظ النور، لكونه أشرف، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ...﴾ [النحل: ٤٨]، وكما قال في آخر هذه السورة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ...﴾ [الأنعام: ١٥٣]).\nقلت: ولا شك أن الآية تعم إضافة لظلام الليل ونور النهار، ظلمات الباطل وسواد سبله، ونور الحق وسبيل أهل الإيمان. كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].\nوالنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانه على عباده -بِنَعْمانَ- وهو: واد إلى جنب عرفات.\nوأما الظلمة: فهي ظلمة الطباع والجهل والأهواء، ظلمة الخضوع للغرائز والشهوات.\nأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي -ﷺ- أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار مرفوعًا: [قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا] (٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.\nقال ابن عطية: (فـ ﴿ثُمَّ﴾ دالة على قبح فعل الكافرين).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٨١٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠)، وانظر مسند أحمد (٢/ ١٧٦)، (٢/ ١٩٧). وسنده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٦٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٦٦).","vol":"2","page":579},{"text":"والمعنى: إن خلقه سبحانه السماوات والأرض قد تقرّر، وآياتها العظيمة في هذا الكون قد سطعت، وإنعامه جل ذكره قد تبيّن، ثم بعد ذلك كله عدل الكافرون عن عبادة ربهم وتعظيمه، إلى تعظيم أهوائهم وشهواتهم من دون الله.\nقال مجاهد: (﴿يَعْدِلُونَ﴾. يشركون).\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾.\nقال قتادة: (﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، بدء الخلق، خلق الله آدم من طين).\nوقال ابن زيد: (خلق آدم من طين، ثم خلقنا من آدم حين أخذنا من ظهره).\nفالمعنى: بدأ الله تعالى الخلق بأن خلق آدم ﵇ من تربة الأرض المختلفة، ثم خرج منه نسله وذريته فانتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، فكان الأصل من ذلك الطين الأول.\nأخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال:\n[إن الله تعالى خلق آدم من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْلُ والحزْنُ، والخبيث والطيِّبُ، وبين ذلك] (١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ - فيه أقوال:\n١ - قال قتادة: (أجل حياتك إلى أن تموت، وأجل موتك إلى أن تُبْعَث. فأنت بين أجَلين من الله تعالى ذكره).\n٢ - وقال الضحاك بن مزاحم: (﴿قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، قال: قضى أجل الموت، وكل نفس أجلها الموت. قال: ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، يعني: أجل الساعة، ذهاب الدنيا، والإفضاء إلى الله).\n٣ - وعن ابن عباس: (قوله: ﴿أَجَلًا﴾، قال: الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، الآخرة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٦)، وابن حبان (٢٠٨٣) (٢٠٨٤)، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٣٢٧)، (٣٨٥).","vol":"2","page":580},{"text":"وقال أيضًا: (﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني أجل الموت، والأجل المسمى: أجل الساعة والوقوف عند الله).\n٤ - وقيل: أما قوله: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ فهو النوم، تُقبض فيه الروح، ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، هو أجل موت الإنسان. وقيل: أخذ الأجل والميثاق في أجل واحد مسمى في هذه الحياة الدنيا.\nوالراجح ما ذكره ابن جرير: (ثم قضى أجل الحياة الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، وهو أجل البعث عنده). وبنحوه الأقوال الثلاثة الأولى.\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾.\nقال السدي. (يعني تشكون في أمر الساعة). وقال: (الشك. وقرأ قول الله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]. قال: في شك منه).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾.\nحَمَلَ الجهمية هذه الآية على أن الله في كل مكان -تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nوالتفسير الصحيح لهذه الآية كما قال الحْافظ ابن كثير ﵀وهو قول أهل السنة والجماعة-: (فأصح الأقوال أنه: المدعوّ الله في السماوات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحِّدُه وَيُقِرُّ له بالإلهية مَنْ في السماوات وَمَنْ في الأرض، ويسمُّونه الله، ويدعونه رَغَبًا وَرَهَبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ...﴾ [الزخرف: ٨٤]، أي: هو إله مَنْ في السماء وإلهُ مَنْ في الأرض، وعلى هدْا فيكون قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ خبرًا أو حالًا. والقول الثاني: أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض، من سِرٍّ وجهر. فيكون قولُه: ﴿يَعْلَمُ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾، تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون. والقول الثالث: أن قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقفٌ تام، ثم استأنف الخبر فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾. وهذا اختيار ابن جرير. وقولُه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي: جميعَ أعمالكم خيرها وشرها) انتهى.\n٤ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا","vol":"2","page":581},{"text":"مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن كفر المشركين ومعاندة المكذبين، وأن الآيات لم تنفع مع عنادهم وكبرهم، ولا بد أن يروا مغبة استهزائهم ويذوقوا وبال استهتارهم. فهل نسوا القرون التي سبقتهم والأمم التي سلفتهم، وقد أمددناهم بأسباب القوة والتمكين من الأموال والأولاد والجنود والملك والجاه والقوة -ما لم نمكن لهؤلاء الذين خلفوهم وساروا على منهاجهم في الكفر والعناد والتكذيب-، إضافة إلى تكثير أمطار السماء وتفجير ينابيع الأرض استدراجًا لهم وإملاءً إلى أجل، فلما جاء أجلهم أهلكناهم بسيئاتهم فكانوا كأمس الذاهب وصيرناهم أحاديث للناس على مدار الزمان، وأنشأنا من بعدهم جيلًا جديدًا وأمة تلو أمة.\nفقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾.\nأي: علامة ودلالة، كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وآيات القرآن فيها خبر الأمم السالفة وما نزل بهم بسبب بغيهم، وغيرها ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الدالة على وحدانيته وحقيقة نبوتك يا محمد ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.\nقال القرطبي: (والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله جل وعز من خلق السماوات والأرض وما بينهما، وأنه يرجع إلى قديم حي غني عن جميع الأشياء، قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء من المعجزات التي أقامها لنبيّه -ﷺ-، ليُستَدلّ بها على صدقه في جميع ما أتى به).\nوقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ - المراد مشركو مكة حين كذبوا بالحق: وهو القرآن، أو محمد -ﷺ-.\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: سوف يأتيهم أخبار استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من","vol":"2","page":582},{"text":"آياتي وأدلتي التي آتيتهم. ثم وفّى لهم بوعيده لمّا تمادوا في غَيِّهم، وعَتَوْا على ربهم، نقتلهم يوم بدر بالسيف).\nوقال ابن كثير: (وهذا تهديد لهم ووعيدٌ شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بدَّ أن يأتيهم خَبَرُ مَا هُمْ فيه من التكذيب، وليجدُنّ غِبَّهُ، وَليَذوقُنَّ وبَاله).\nفالمراد ما نالهم يوم بدر من القتل والهزيمة. وقيل: المراد يوم القيامة. وكلا المعنيين حق يحتمله التأويل والبيان الإلهي.\nوقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾.\nقال قتادة: (يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم) - أي من الدنيا.\nقال ابن كثير: (أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض، والسَّعَةِ والجنود).\nوقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.\nقال ابن جرير: (أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها، وأعطتهم الأرض رَيْع نباتها، وجابوا صخور جبالها، ودَرَّت عليهم السماء بأمطارها، وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني، فغمطوا نعمة ربهم، وعصوا رسولَ خالقهم، وخالفوا أمرَ بارئهم، وبَغَوْا حتى حَقَّ عليهم قَوْلي، فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم، وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم، وأهلكت بعضهم بالرَّجفة، وبعضهم بالصيحة، وغير ذلك من أنواع العذاب).\nوقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.\nأي: أخرجنا بعد هلاكهم جيلًا آخر للابتلاء، بعد ما هلك الأولون فكانوا كأمس الذاهب، فاحذروا معشر المكذبين بمحمد -ﷺ- ورسالته أن ينزل بكم مثل ما نزل بتلك الأمم، قبلكم إذ دَكَّها الله دكًا وصيّرها للناس أحاديث، فما أنتم بأعزَّ على الله منهم، فإن الله ﵎ لا يحابي أحدًا من خلقه.\n٧ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ","vol":"2","page":583},{"text":"لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن عميق كفر المشركين وشدة عنادهم ومكابرتهم للحق وجدالهم المتخبط كقلوبهم: فلو شاهدوا الوحي النازل عليك يا محمد في قرطاس يمسونه بأيديهم لاتهموا ذلك بالسحر. ثم سألوك أن ينزل ملك من السماء يشهد لك بصدق ما يوحى إليك، ولو أنزلنا ملكًا كما سَأَلوا ثم كفروا لَعَاجَلَهُم العذاب والخزي ولم يُنْظَروا حتى يتوبوا، ولو كان النازل إلى البشر رسولًا ملكِيًّا لكان على هيئة رجل ليُفهم منه وينتفع بمخاطبته، وحينئذ يلتبس عليهم أمره، فلم يدروا أمَلَكٌ هو أم إنسيّ! فلم يوقنوا به أنه ملك، وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك، وصحة برهانك على نبوتك. فلا تحزن يا محمد، فلقد تعرض إخوتك الرسل قبلك إلى استهزاء المعانادين، حتى نزل بالمستهزئين سوء الوبال، وهذه الأرض تشهد بمواقع تلك الأمم ومساكن تلك الأقوام التي كذبت فَدَمَّرَ الله عليهما، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت خاتمتها.\nفقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾.\nقال قتادة: ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾، يقول: في صحيفة). وقال السدي: (الصحف).\nقال ابن عباس: (يقول: لو نزلنا من السماء صُحُفًا فيها كتاب فلمسوه بأيديهم، لزادهم ذلك تكذيبًا). وقال مجاهد: (﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾، قال: فمسّوه ونظروا إليه، لم يصدِّقوا به). وقال قتادة: (فعاينوه معاينة).\nوقوله: ﴿لَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\nقال شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير-: (أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر سحَرْتَ به أعيننا، ليست له حقيقة ولا صحة، ﴿مُبِينٌ﴾، يقول: مبين لمن تدبّره وتأمَّله أنه سحر لا حقيقة له).\nوفي التنزيل: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥].","vol":"2","page":584},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾.\nقال قتادة: (يقول: ولو أنهم أنزلنا إليهم ملكًا، ثم لم يؤمنوا، لم يُنْظَروا).\nوقال السدي: (﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾، يقول: لجاءهم العذاب).\nوقال مجاهد: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ في صورته، ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، لقامت الساعة).\nكما في التنزيل: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨].\nوكذلك: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.\nأي: لو أنزلنا ملكًا من السماء مصدقًا لك يا محمد، لجاءهم في صورة رجل، إذ لا تطيق أبصارهم رؤية الملك على صورته، ولحصل الالتباس عليهم فلم يدروا أملك هو أم إنسيّ. قال ابن عباس: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، يقول: لشَبَّهْنَا عليهم). أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.\nقال قتادة: (ما لبَّسَ قوم على أنفسهم إلا لَبَّسَ الله عليهم. واللَّبْس إنما هو من الناس). وقال السدي: (شبهنا عليهم ما يشبِّهون على أنفسهم). وقال الضحاك: (لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور).\nوفي التنزيل: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nيُسَلّي الله سبحانه نبيّه -ﷺ- مما يلقى من تكذيب قومه وعنادهم، بأن هذه كانت طبيعة في أقوام إخوته الرسل قبله، فصبروا على ما كذبوا حتى جاءهم نصر الله وفرجه، ونزل بالمكذبين نكال ما كذبوا واستهزؤوا. قال السدي: (وقع بهم العذاب الذي استهزؤوا به).","vol":"2","page":585},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.\nأي: قل يا محمد لهؤلاء المعاندين الجاحدين النبوة والتنزيل بعدما ظهر لهم أنه الحق: جولوا في بلاد المكذبين قبلكم وانظروا في مساكنهم التي خلفوها بعدما نزل بهم العذاب والعطب وخزي الدنيا وعارها، وتفكروا فيما صاروا إليه من البوار وخراب الديار وعفوِّ الآثار. قال قتادة: (دمَّر الله عليهم وأهلكهم، ثم صيّرهم إلى النار).\nقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: (لما فتحت قبرس فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله ﷿ إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى).\nوأخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن مُرّة قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني مَنْ سَمعَ النبي -ﷺ- يقول: [لَنْ يَهْلِكَ الناسُ حتى يُعْذَروا مِن أنفسهم] (١).\nفي مسند الإمام أحمد من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [إذا ظهرت المعاصي في أمتي عَمَّهم الله بعذاب من عنده. فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ أُناسٌ صالِحون؟ قال: بلى. قلت: فكيف يُصْنَعُ بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصابَ الناسَ، ثم يصيرون إلى مغفرةِ من الله ورضوان] (٢).\n١٢ - ١٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٤٣٤٧) - في الملاحم، باب الأمر والنهي. وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٦٠)، (٥/ ٢٩٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٤)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٤٤١/ ٢) من حديث عائشة.","vol":"2","page":586},{"text":"يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بربهم المشركين في عبادته: لمن ملك هذه السماوات والأرض وما فيها؟ ثم أخبرهم أن ذلك للملك سبحانه الذي قهر بسلطانه وجبروته كل شيء لا للأوثان والطواغيت، وقد مضى أنه بعباده رؤوف رحيم، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم التوبة والإنابة، وليجمعنكم أيها العادلون بالله، ليوم القيامة لينتقم منكم بكفركم به، فالذين أهلكوا أنفسهم بالشرك فخسروها بغبنهم إياها حَظّها لا يصدقون بالمعاد ولا يستعدون لشر ذلك اليوم. إن الله الذي تشركون به -أيها القوم- ملك كل شيء، له ما استقر في الليل والنهار وهو السميع لما تقولون، العليم بما تُضْمِرون وَتبَيِّتُون. فكيف استنصر غيره واستعينه على النوائب والحوادث وهو مبدع السماوات والأرض، ويَرْزُق ولا يُرْزَق، بل إني أمرت أن أكون أوّل من خضع له بالعبودية والتعظيم، وأن أجتنب أن أكون من المشركين. ثم قل لهم يا محمد: إني أخاف إن عبدت غيره سوء يوم عظيم، لا ينجو من عذابه ومصائبه إلا من رحمه ربه وذلك الفوز المبين.\nفقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ - أي وعد بها فضلًا وكرمًا، ولذلك يمهل عباده ويعطيهم فرصة ليتداركوا أنفسهم بالاستغفار والتوبة.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: [إنَّ الله لَمَّا خلق الخلقَ كتب كتابًا عنده فوق العرش، إنَّ رحمتي تَغْلِبُ غضبي] (١).\nوقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.\nقال ابن جرير: (وهذه اللام التي في قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، لام قسم).\nوقال ابن كثير: (هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعنَّ عباده لميقات يوم مِعلوم، وَهُوَ يَوْمُ القيامة الذي لاريبَ فيه، ولا شكَّ عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يتردّدون).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال القرطبي: (ابتداء وخبر، قاله الزجاج، وهو أجود ما قيل فيه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٩٤)، (٧٤٠٤)، (٧٣٣٣)، ومسلم (٢٧٣١)، وأحمد (٢/ ٣١٣)، وغيرهم. من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":587},{"text":"فالمعنى: الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة هم الذين أنكروا المعاد وجحدوا ذلك اليوم ومضوا في غيّهم وكفرهم.\nوقوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ - قال السدي: (يقول: ما استقرّ في الليل والنهار).\nقال القاسمي: (والمعنى: له تعالى كل ما حصل في الليل والنهار، مما طلعت عليه الشمس أو غربت. شبه الاستقرار بالزمان، بالاستقرار في المكان، فاستعمل استعماله فيه. أو ﴿سَكَنَ﴾ من السكون، مقابل الحركة. أي ما سكان فيهما وما تحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر).\nوقال أبو مسلم الأصفهانيّ: (ذكر تعالى في الآية الأولى السماوات والأرض، إذ لا مكان سواهما. وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار، إذ لا زمان سواهما. فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات).\nوقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: يسمع كل ما تكلم به خلقه، ويعلم ما سكن وما تحرك وما تخفي صدور عباده.\nوقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾.\nقال السدي: (أما \"الولي\"، فالذي يتولَّونه ويُقرون له بالربوبية). وقال ابن جرير: (أشيئًا غير الله تعالى ذكره: ﴿أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾، استنصره واستعينه على النوائب والحوادث).\nوقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال قتادة: (خالق السماوات والأرض). أي مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما على غير مثال سبق.\nوقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾.\nقال السدي: (يَرْزُق ولا يُرزق).\nقال القاسمي: (أي المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع. أي: فيجب","vol":"2","page":588},{"text":"اتخاذه وليًّا ليعبد شكرًا على إنعامه، وكفايته الحوائج بلا طلب عوض).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nأي: أمرت أن أكون أول من استسلم لأمر الله تعالى وخضع له بالعبادة والتعظيم.\nوعن الحسن: (أول من أخلص أي من قومي وأمتي).- أي بالعبادة لله وحده لا شريك له.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nأي: إني أخاف إن صرفت العبادة لغير ربي ﷿ أن ينالني السوء والعذاب يوم القيامة.\nقال ابن عباس: (﴿أَخَافُ﴾ هنا بمعنى أعلم). وقال القرطبي: (والخوف توقع المكروه).\nوقوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾.\nقال قتادة: (من يصرف عنه العذاب). ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أي: فقد فاز وظفر ونجا.\nوقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.\nأي: هو غاية الربح والفوز، وأعظم الجائزة. كما في التنزيل: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ...﴾ [آل عمران: ١٨٣].\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: [يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يومَ القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مَرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فَيُصْبَغُ صَبْغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هلا رأيت بؤسًا قط؟ وهل مَرَّ بك شدة قط؟ قيقول: لا والله، يا رب، ما مَرَّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٩٨٦)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٤١ - ٧٥١) في تفصيل أحداث الحساب والقصاص والميزان، وكذلك بحث الصراط على جهنم والشفاعة.","vol":"2","page":589},{"text":"١٧ - ٢١. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه محمد -ﷺ-: يا محمد، إن يصبك الله بشدة أو ضيق فلن يكشف عنك ذلك إلا الله، وإن يصبك بخير أَوْ سَعَةٍ ورغد عيش فهو وحده القدير على تصريف ذلك. فهو الله المستعبد خلقه العالي عليهم، الحكيم في تصريفه شؤون عباده، الخبير بمنافعهم ومضارهم. فقل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أي شيء أعظم شهادة وأكبر! ثم أخبرهم أن الله سبحانه أعظم شهادة، فهو شهيد بيني وبينكم، بالمحق منا من المبطل، والرشيد من السفيه، وقد أوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم عقابه، ولأنذر به أيضًا من بلغَهُ من سائر الناس، إنْ لَمْ يقم أمر الله وشرعه، نزولَ نقمة الله به، فيا أيها المشركون: أئنكم تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام، فأنا لا أشارككم هذا الغي، فإنما الله إله واحد، لا شريك له يستحق التعظيم والعبادة، وإنني بريء من كل شريك تدعونه معه أو تصرفون له شيئًا من العبادة والتعظيم. وإن أصحاب التوراة والإنجيل يعرفون أنما هو إله واحد، وأن محمدًا نبيٌّ مرسل، وهؤلاء خسروا أنفسهم وأهلكوها بإنكارهم ذلك وجحودهم ما يجدونه مكتوبًا في كتبهم. فمن أَشَدُّ اعتداء وظلمًا وبغيًا ممن تجرأ على الله بالكذب فزعم له شريكًا أو ولدًا أو صاحبة! إنه لا يفلح الظالمون.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nكقوله في سورة فاطر: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.","vol":"2","page":590},{"text":"أخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة -وقد كتب إلى معاوية-: [أن النبي -ﷺ- كان يقول في دُبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهُمَّ لا مانعَ لما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنك الجَدّ] (١). وقال الحسن: جَدٌّ: غِنىً.\nوالخطاب في الآية من الله سبحانه للنبي -ﷺ-، يثبِّتُه على ما يلقى من قومه، كما قال ابن جرير: (يا محمد، إنْ يصبك الله، ﴿بِضُرٍّ﴾ يقول: بشدة في دنياك، وشظف في عيشك وضيق فيه، فلن يكشف ذلك عنك إلا الله الذي أمرك أن تكون أول من أسلم لأمره ونهيه، وأذعن له من أهل زمانك، دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته من الأوثان والأصنام، ودون كل شيء سواها من خلقه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ يقول: وإن يُصِبْكَ بخير، أي: برخاء في عيش، وسعة في الرزق، وكثرة في المال، فتقرّ أنه أصابك بذلك ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾\nقال ابن كثير: (أي هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقَهَرَ كلَّ شيء ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلالهِ وكبريائه وعظمته وعُلُوِّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حُكْمِه وقَهْرِه. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾، أي في جميع ما يَفْعَلُه، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بمواضع الأشياء ومحالِّها، فلا يعطي إلا لمن يستحق، ولا يمنع إلا من يستحِق).\nأخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، بسند على شرط البخاري، عن عائشة ﵂ قالت: [كان إذا تَضَوَّر (٢) من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القَهَّار، ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما العزيز الغَفَّار] (٣).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس: أن نبي الله -ﷺ- كان يدعو عند الكرب: [لا إله إلا الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٤٤) - كتاب الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة. وأخرجه مسلم (٥٩٣)، وأبو داود (١٥٠٥)، والنسائي (٣/ ٧٠)، وأحمد (٤/ ٢٥٠)، والبيهقي (٢/ ١٨٥).\n(٢) أي تلوى وتقلب.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٠)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٧٥٣)، وأخرجه ابن نصر في \"قيام الليل\" ص (٤٣)، وابن حبان (٢٣٥٨). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٠٦٦).","vol":"2","page":591},{"text":"الحليم الحكيم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾،\nأي من أعظم الأشياء شهادة. قال القرطبي: (ولفظ ﴿شَيْءٍ﴾ هنا واقع موقع اسم الله تعالى، المعنى: الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم، فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلّغتكم وصدقت فيما قلته وادّعيته من الرسالة).\nوقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.\nأي: والقرآن شاهد بنبوتي لأنذركم به يا أهل مكة، وكذلك مَنْ بلغه القرآن في أرجاء هذه المعمورة. قال مقاتل: (من بلغَه القرآن من الجن والإنس فهو نذير به).\nوقال القُرَظي: (من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدًا -ﷺ- وسمع منه).\nقلت: ولكن لا بد أن يكون البلاغ مبينًا، كبلاغ الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فإن البلاغ المشوّه ليس ببلاغ مبين، ومن ثمَّ فإن القرآن حجة على الخلق جميعهم، ونبينا محمد -ﷺ- قد بعث إلى العالمين كافة، ولا نبي بعده.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار] (٢).\nوفي صحيح مسلم عنه أيضًا أن رسول الله -ﷺ- قال: [فُضِّلْتَ على الأنبياء بِسِتٍّ: أُعطيت جوامعَ الكَلِم، وَنُصِرْت بالرعب، وأحلت لي المغانم، وَجُعِلَت لي الأرض طهورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النَّبِيُّون] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٦٣٤٥)، (٧٤٢٦)، وصحيح مسلم (٢٧٣٠). ورواه أحمد والترمذي، والطبراني وزاد: (اصرف عني شرّ فلان). انظر صحيح الجامع (٤٨١٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٩٣)، وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٠) ص (١٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٥٢٣) - كتاب المساجد ومواضع الصلاة. باب المساجد ومواضع الصلاة. من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":592},{"text":"وله شاهد عند الطبراني من حديث السائب بن يزيد بلفظ: [فضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة، وادّخرت شفاعتي لأمتي، وبُصرْتُ بالرعْب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، وأُحِلّتْ لي الغَنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي] (١).\nوقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾.\nهذا استفهام فيه توبيخ وتقريع. والتقدير: إن تردى قومك إلى هذا السقوط بإشراك مخلوقات من الأوثان والأصنام والطواغيت مع الله في العبادة، فترفع أنت بلا إله إلا الله، وقل: فأنا لا أشهد معكم. كما قال له تعالى في آية الأنعام: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾.\nولكن: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.\nقال قتادة: (يعرفون أن الإسلام دين الله، وأن محمدًا رسول الله، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). وقال: (النصارى واليهود، يعرفون رسول الله في كتابهم، كما يعرفون أبناءهم).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي خسروا أنفسهم كل الخسارة، وأوردوها مواقع الهلاك والعطب، عندما أنكروا نبوة محمد -ﷺ- التي يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم، ظلمًا وبغيًا وعلوًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.\nأي: من أشدّ اعتداء وبغيًا ممن تقَوَّل على الله، فزعم أنه مرسل من الله ولم يكن كذلك، ثم من أظلم ممن جَحَدَ بآيات الله بعد ظهور حججه وبراهينه ودلالاته الواضحات القاطعات، لا شك أنه لا أظلم ممن سلك سبيل هذا النكران والجحود، ومن ثم فإنه لا يفلح هذا ولا ذاك، فإن الله سبحانه يكشف المنافق ويفضح المكذب: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني عن السائب، وقريب منه أخرجه البيهقي عن أبي أمامة. انظر صحيح الجامع الصغير- حديث رقم (٤٠٩٧)، (٤٠٩٦)، (٤٠٩٨)، والإرواء (٢٨٣).","vol":"2","page":593},{"text":"وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إن الله يدني المؤمن فيضَعُ عليه كنَفَهُ (١) ويستُرُه فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾] (٢).\n٢٢ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر جل ثناؤه عن هؤلاء المفترين على الله الكذب الجاحدين آياته ونبوة رسوله، أن لا فلاح لكم بهذه البضاعة في الدنيا ولا في الآخرة، فتجارتكم خاسرة، فكيف إذا ناداكم يوم الحشر أين شركاؤكم الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله، ثم لكن يكن جوابهم إلا كذبًا منهم في أيمانهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فانظر يا محمد كيف استخدم هؤلاء الأخلاق الفاسدة التي كانوا يتخلقون بها في الدنيا -من الكذب والفرية- في أرض المحشر. ومنهم يا محمد من يستمع القرآن منك، وما تدعوه إليه من توحيد ربك، وأمره ونهيه، ولكنه لا يفقه ما تقول، ولا يوعيه قلبه، ولا يتدبره عقله، ولا يصغي له سمعه، فالقلوب مقفلة، والاذان غشيها الصمم، فلا يفهمون أي آية، بل يتهمون الحجج الدامغة أنها أساطير الأولين، وهم بذلك ينهون الناس عن اتباع محمد -ﷺ-، ويتباعدون عنه، وما يهلكون بصدهم عن سبيل الله ورسوله إلا أنفسهم وما يشعرون.\n_________\n(١) أي: حفظه وستره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤١)، وأخرجه مسلم (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ٧٤).","vol":"2","page":594},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (كل زعم في القرآن فهو كذب). وعلى ذلك فللآية تأويلان:\nالتأويل الأول: أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يوم نحشرهم. فهو متصل مع الآية السابقة.\nالتأويل الثاني: أي انظر كيف يكذبون يوم نحشرهم. فهو متعلق بما بعده.\nوقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾.\nقال القرطبي: (سؤال إفضاح لا إفصاح).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.\nأي: أنهم شركاء وشفعاء، وهذا توبيخ لهم.\nقال القاسمي: (فالقصد من السؤال توبيخهم وتقريعهم، وأن يقرر في نفوسهم أن ما كانوا يرجونه مأيوس منه). وفي التنزيل: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾: قولهم). وقال قتادة: (مقالتهم). وقال غيره: (معذرتهم).\nوالمقصود: اعتذارهم بالباطل والكذب. وقال أبو إسحاق الزجاج في تأويل ذلك: (تأويل هذه الآية لطيف جدًّا، أخبر الله ﷿ بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك).\nوقد أجاد الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية حيث قال: (الفتنة الاختبار، أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال، ورأوا الحقائق، وارتفعت الدواعي: ﴿إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. تبرؤوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين. قال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك، قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله تعالى: أما إذْ كتموا الشرك فاختموا على أفواهِهم، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم وتشهد","vol":"2","page":595},{"text":"أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يُكتم حديثًا، فذلك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾).\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: بتكذيب الله إياهم).\nوقال القاسمي ﵀: (﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بنفي الإشراك عنها أمام علام الغيوب، بحضرة من لا ينحصر من الشهود. ﴿وَضَلَّ﴾ أي: وكيف ضاع وغاب ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: من الشركاء، فلم تغن عنهم شيئًا، ففقدوا ما رجوا من شفاعتها ونصرتها لهم، كقوله تعالى: ﴿قَالوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالوا ضَلُّوا عَنَّا ...﴾ [الأعراف: ٣٧]).\nقلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة تكذيب الجوارح للعبد ونطقها بما يكتم.\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [كنا عنه عند رسول الله -ﷺ- فَضَحِك فقال: هل تدرون مِمّا أضحك؟ قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: مِنْ مُخاطبة العَبْدِ ربَّهُ، يقول: يا ربِّ! ألم تُجِرْني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أُجِيزُ على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شُهودًا. قال: فَيُخْتَمُ على فيه، فيقال لأركانه: انطِقي، قال: فتَنْطِقُ بأعماله، قال: ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنكُنَّ كنتُ أُناضِلُ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وكذلك ابن حبان من حديث أبي هريرة قال: [قالوا: يا رسول الله! هل نرى رَبَّنا يوم القيامة؟ قال: هل تُضَارُّون في رُؤية الشمس في الظهيرة، ليستْ في سَحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تُضارُّونَ في رؤية القمر ليلةَ البَدْر، ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده! لا تُضَارُّون في رؤية ربكم إلا كما تُضَارُّونَ في رؤية أحدِهما، قال: فَيَلْقى العَبْدَ فيقولُ: أي فُلْ (٢)! ألم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٩٦٩) - كتاب الزهد، باب: \"الدنيا سجن للمؤمن جنة للكافر\". من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) أي فل: معناه يا فلان، وهو ترخيم على خلاف القياس. وقيل: هي لغة بمعنى فلان حكاها القاضي.","vol":"2","page":596},{"text":"أُكْرِمْكَ، وَأسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ والإبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بلى، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساكَ كما نسيتني، ثم يَلْقَى الثاني فيقول: أَيْ فُلْ! أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجِكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ، والإِبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول؟ بلى، ياربِّ! فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنك مُلَاقِيَّ؟ قال: فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مِثْلَ ذلك، فيقول: يا رَبِّ! آمنتُ بك وَبِكِتَابكَ وَبِرُسُلِكَ وصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ ما استطاع، فيقول: هاهنا إذن (١). قال: ثم يقال له: الآن نَبْعَثُ شاهِدَنا عليك، ويَتَفَكَّرُ في نفسه: مَنْ ذا الذي يَشهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ على فيه، وَيُقال لفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِه: انْطِقي، فَتَنْطِقُ فَخِذُه وَلَحْمُهُ وعِظامُهُ بعَمَلِه، وذلك لِيُعْذِرَ من نَفْسِه (٢). وذلك المنافِقُ، وذلك الذي يَسخَطُ اللهُ عليه] (٣).\nوقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾.\nأي: حجب الله الفهم والوعي عن قلوبهم بغطاء الكفر والضياع، وأصم آذانهم عن السماع النافع.\nقال قتادة: (يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا، كمثل البهيمة التي تسمع النداء، ولا تدوي ما يُقال لها).\nوقال السدي: (أمّا ﴿أَكِنَّةً﴾، فالغطاء أكن قلوبهم، لا يفقهون الحق، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، قال: صمم). وقال مجاهد: (قول الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، قال: قريش).\nوفي التنزيل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].\n_________\n(١) هاهنا إذن: معناه قف هنا حتى يشهد عليك جوارحك إذ قد صرت منكرًا.\n(٢) من الإعذار، والمعنى ليزيل الله عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه، بحيث لا يبقى له عذر يتمسك به.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٦٨)، كتاب الزهد، وأخرجه ابن حبان (٤٦٤٢).","vol":"2","page":597},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nقال القاسمي ﵀: (إشارة إلى أنه لا يختص ما ذكر منهم بالقرآن، لرؤيتهم قصورًا فيه، بل مهما يروا من الآيات والحجج مما يدل على صدق الرسول لا يؤمنوا بها، ويحملوها على السحر، لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، فلا فهم عندهم ولا إنصاف. كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾. أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم إذا جاؤوك يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل. ثم فسّر المجادلة بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: أباطيلهم وأحاديثهم التي لا نظام لها. قال: وَعَدُّ أحسن الحديث وأصدقه، من قبيل الأباطيل \"وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه\" -رتبةٌ من الكفر لا غاية وراءها) انتهى.\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.\nأما قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ففيه قولان:\n١ - أي ينهون الناس عن اتباع الحق، وتصديق الرسول والانقياد للقرآن، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: أي ويبتعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحَيْن، لا ينتفعون ولا يتركون أحدًا ينتفع، ويبتعدون. قال قتادة: (جمعوا النهي والنأي. و\"النأَي\"، التباعد).\nقال ابن عباس: (﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: ينهون الناس عن محمد -ﷺ- أن يؤمنوا به).\nوقال أيضًا: (﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، يقول: لا يلقونه، ولا يدعون أحدًا يأتيه).\nوقال سالم عن ابن الحنفية: (يتخلفون عن النبي -ﷺ- ولا يجيبونه، وينهون الناس عنه).\nوقال قتادة: (ينهون عن القرآن، وعن النبي -ﷺ- ويتباعدون عنه).\n٢ - أي ينهون عن أذى محمد -ﷺ- ويتباعدون عن دينه واتباعه.\nفعن ابن عباس: (نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن محمد أن يؤذى، وينأى عما جاء به أن يؤمن به).","vol":"2","page":598},{"text":"والراجح القول الأول، وهو اختيار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير، وتابعه على ذلك الحافظ ابن كثير، وهو أكثر مناسبة لسياق الآيات، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.\nأي لا يعود وبال هذا الصنيع إلا عليهم، فهم يوردون أنفسهم موارد الهلاك والعطب ويختارون لها مستقبل الخزي والآلام وما يشعرون.\n٢٧ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَال أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالوا بَلَى وَرَبِّنَا قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه -ﷺ- ولو ترى يا محمد هؤلاء الجاحدين المكذبين إذ حبسوا في النار فقالوا يا ليتنا نرد إلى الدنيا فنتوب ونراجع طاعة الله ولا نجحد آياته ولا نكذب رسله ونكون من المؤمنين، وما بهم في حقيقة الأمر الأسى والندم على ما فرطوا وكفروا، بل هو الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه، على ما اجترحوا من آثام وكانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم، فأبداها الله وكشفها على رؤوس الأشهاد، ففضحهم بها وأخزاهم أمام الخلق ثم جازاهم بها. ولو رددناهم إلى الدنيا لرجعوا في حقيقة الأمر إلى جحود الآيات والنعم والعمل بما يسخط ربهم، لأنهم قالوا ذلك خشية من العذاب لا إيمانًا بالله ولا رغبة في تعظيم أمره وشرعه وهدي رسوله. إنهم كانوا ينكرون الوقوف بين يدي ربهم يوم النشور، بعد الفناء والبعث من القبور، فلو ترى يا محمد هؤلاء المجرمين حين حبسوا على حكم الله وقضائه فيهم فقيل لهم: أليس هذا البعث والنشر بعد الممات الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، حقًّا؟ فقالوا: بلى والله إنه لحق، فقال الله لهم: فذوقوا عذاب الخزي والألم الذي كنتم به تكذبون.\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nمعنى: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ إذ حُبسوا. قال القرطبي: (أي إذا وُقفوا غدًا، و\"إذْ\" قد تستعمل","vol":"2","page":599},{"text":"في موضع \"إذا\" و\"إذا\" في موضع \"إذْ\" وما سيكون فكأنه كان، لأن خبر الله تعالى حقّ وصدق، فلهذا عَبَّرَ بالماضي).\nوقوله: ﴿عَلَى النَّارِ﴾ - فيه أكثر من تأويل:\n١ - أي هم فوقها على الصراط وهي تحتهم. قال النسفي: (﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ أروها حتى يعاينوها أو حبسوا على الصراط فوق النار).\n٢ - قيل \"على\" بمعنى الباء، أي وَقَفوا بقربها وهم يعاينونها. قال الضحاك: (جُمعوا، يعني على أبوابها).\n٣ - وقيل \"على\" بمعنى \"في\" أي وقفوا في النار. والمقصود أنهم دخلوها.\nقال ابن جرير: (﴿عَلَى النَّارِ﴾، يعني: في النار- فوضعت \"على\" موضع \"في\" كما قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ...﴾ [البقرة: ١٠٢]، بمعنى: في ملك سليمان).\nقلت: وكل هذه المعاني يحتملها التأويل والإعجاز القرآني، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف ليتسع لكل أنواع التصور من ألوان الشقاء، وليذهب الوهم إلى كل شيء مبالغة في التخويف والتصوير لتلك الساعات العصيبة من حياة المشركين، والتقدير: لو تراهم يا محمد وهم في تلك الحال لرأيت مشهدًا مفزعًا، ومنظرًا عجيبًا هائلًا، وحالًا سيئًا.\nوقوله: ﴿فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: يتمنون لو أعطوا فرصة أخرى بأن يردوا إلى الحياة الدنيا فيصدقوا بآيات الله ورسله ولا يجحدوا حججه كما فعلوا أول مرة.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nأما قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ففيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: بدت لهم معاصيهم التي كانوا يخفونها ويسترونها عن أعين الناس ففضحهم بها الله ﵎ على رؤوس الأشهاد.\nقال السدي: (﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، يقول: بدت لهم أعمالهم في","vol":"2","page":600},{"text":"الآخرة، التي أخفوها في الدنيا). وقال قتادة: (﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، قال: من أعمالهم).\nقال ابن كثير: (أي: بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يُخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا، أو في الآخرة كما قال قبل هذا بيسير: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾).\nالتأويل الثاني: بل ظهر حينئذ ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صِدْق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يُظهرون لأتباعهم خلافه.\nقال القرطبي: (وقيل: المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغُواة ما كان الغُواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة).\nوهذا المعنى كما جاء فيِ القرآن من خبر موسى ﵇ حين قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ ..﴾ [الإسراء: ١٠٢]. وقال تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.\nالتأويل الثالث: المراد المنافقون، كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر.\nأي: يظهر نفاقهم الذين كانوا يسرونه. قال القاسمي: (ولا ينافي هذا كون السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب بعد الهجرة. لأن الله تعالى ذكر وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾).\nالتأويل الرابع: بل بدا لهم ما كانوا يخفونه في الدنيا- النار التي وقفوا عليها.\nذكره العلامة أبو السعود، واعتبر أن النار هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها، والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها، و(بإخفائها) تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به، وإخفاء له لا محالة. ثم قال: (وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله ﷿: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤]، مع كونه أنسب بما قبله من قولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ..﴾ [الأنعام: ٢٧] لمراعاة ما في مقابلته من البدو. هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم).\nالتأويل الخامس: بل هو في أهل الكتاب، يظهر لهم ما كتموه في كتبهم.","vol":"2","page":601},{"text":"قال النسفي: (أو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله -ﷺ-).\nقلت: وكل ما سبق يحتمله النظم الشريف وهو من وجوه إعجاز هذا القرآن العظيم، وإن كان التأويلان الأول والثاني من أقواها. وأضيف على ذلك فأقول: بدا لهم ما كانوا يخفونه من معرفة صدق الرسل وصدق التنزيل وحقيقة النار التي وُعد بها الكافرون وقد دعتهم الرياسة والكبر وحب العلو في الأرض وحظوظ النفس والشهوات إلى إخفاء ذلك ومحاربته في أقوامهم لتكون لهم الكلمة في الدنيا والكبرياء، فلما عاينوا ذلك يوم القيامة وأبصروا النار التي ودفوا عليها وشعروا بلهيبها على أجسامهم تَمَنَّوا الرَّجْعَةَ والتصديق لا التكذيب الذي أوردهم هذا المصير الشقي، وهنا بدا لهم ما أخفوه -ليتأكد قوله تعالى بعدها: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: إن الذي دعاهم إلى إخفاء ما أخفوه لم يختلف، فإنه ما بهم حب الله ودينه ورسوله، وإنما بهم ألم جهنم، ومن ثمّ فلو كتب الله لهم العودة إلى الدنيا لتجاوزوا مرة أخرى صدق المرسلين إلى تعظيم أهوائهم وشهواتهم- وإنهم لكاذبون.\nفقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nهو من علم الله سبحانه الذي اختص به نفسه ولا يشاركه فيه أحد، فإنه يعلم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون، وما لن يكون- لكن إن قُدِّر أن يكون كيف سوف يكون.\nقال قتادة: (﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، يقول: ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء).\nقال شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير﵀: (لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب، لا إيمانًا بالله). أي: ما بهم الأسى والندم على ترك الإيمان بالله والتصديق برسله، بل هو إشفاق مما هو نازل بهم من عقاب الله وأليم عذابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: لعادوا إلى الكفر، واشتغلوا بلذة الحال).- ولأنكروا المعاد.\nوقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾.\nقال الجلال: (أي: عرضوا عليه). وقال ابن جرير: (﴿إِذْ وُقِفُوا﴾، يوم القيامة،","vol":"2","page":602},{"text":"أي: حبسوا). وقال ابن كثير: (أي: أوقفوا بين يديه). وقال النسفي: (مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه، أوْ وُقِفُوا على جزاء ربهم). قلت: وكلها معان متقاربة متكاملة في إظهار آفاق المعنى.\nوقوله: ﴿قَال أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾.\nأي: أليس هذا المعاد -الذي أنكرتم وكذبتم في الدنيا- حقًّا؟\nفأجابوه: ﴿قَالوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾.\nأي: بلى والله إنه لحق. قال القاسمي: (أكدوا اعترافهم باليمين إظهارًا لكمال يقينهم بحقيّته، وإيذانًا بصدور ذلك عنهم بالرغبة والنشاط، طمعًا في نفعه).\nفأجابهم مهينًا لهم قاطعًا كل أمل في نفوسهم بالنجاة أو العودة: ﴿قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.\nأي: ذوقوا مسَّ العذاب الذي أنكرتم أو أخفيتم مقابل الكبر في الأرض وتعظيم الأهواء والشهوات وكبت المؤمنين ورفع شأن المجرمين الملحدين.\nوفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥ - ١١١].\nوفي التنزيل -كذلك-: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله -ﷺ-: [يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقولُ له: ألمْ أجْعَلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا وسخرت لك الأنعامَ والحرثَ، وتَرَكْتُكَ تَرْأَس وتَرْبعُ فكنت تَظُنُّ أنكَ مُلاقيَّ يومَكَ","vol":"2","page":603},{"text":"هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).\nقال أبو عيسى: (ومعى قوله: \"اليوم أنساك كما نسيتني\": اليوم أتركك في العذاب).\n٣١ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن خسارة المكذبين بلقائه، وعن خيبة أملهم وفرط ندمهم إذا عاينوا المشهد يوم القيامة وقد جاؤوا مثقلين بأوزارهم وخطاياهم. وإنما هذه الحياة باغيها في لعب ولهو، وإن الدار الآخرة هي دار القرار للمتقين أفلا تعقلون.\nفقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جرير: (قد هلك وَوُكِسَ، في بيعهم الإيمان بالكفر). وقال النسفي: (﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ ببلوغ الآخرة وما يتصل بها، أو هو مجرى على ظاهره لأن منكر البعث منكر للرؤية).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾.\nقال القرطبي: (سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها).\nوقال السدي: (أما ﴿يَاحَسْرَتَنَا﴾، فندامتنا، ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، فضيعنا من عمل الجنة).\nوقال القاسمي: (والحسرة: التلهف على الشيء الفائت. وذكرت على وجه النداء للمبالغة. والمراد: تنبيه المخاطبين على ما وقع بهم من الحسرة. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ أي: قصرنا ﴿فِيهَا﴾ أي: في الحياة الدنيا. أضمرت وإن لم يجر ذكرها، للعلم بها. أي: على ما ضيعنا فيها، إذ لم نكتسب من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ما ينجينا. أو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٥٨) -كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، وانظر صحيح سنن الترمذي- حديث رقم (١٩٧٨). وأصل معناه في صحيح الإمام مسلم.","vol":"2","page":604},{"text":"الضمير للساعة، أي: على ما فرطنا في شأنها، ومراعاة حقها، والاستعداد لها، بالإيمان بها، واكتساب الأعمال الصالحة).\nوقال ابن جرير: (الضمير يعود إلى الصفقة التي دل عليها قوله. ﴿قَدْ خَسِرَ ..﴾ إلخ، إذ الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت. قال: والمعنى: قد وُكِسَ الذين كذبوا بلقاء الله، ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانَه وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به منه سَخَطَهُ وعقوبته. ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك، حتى تقوم الساعة. فإذا جاءتهم الساعة بغتة، فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم، قالوا حينئذ تندمًا: ﴿يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾).\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.\nالأوزار: جمع وزر، وهو الحمل الثقيل، وسمي به الذنب لثقله على صاحبه، والوَزَرُ الجَبَل. وخَصَّ الظهر بالحمل لأن المعهود حمل الأثقال عليه، كما عهد الكسب بالأيدي.\nقال القاسمي: (ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يُسْند إليه من تدبير الولاية: والمعنى أنهم لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها).\nوقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.\nأي: ما يحملون من الإثم والتبعات.\nقال قتادة: (﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، قال: ساء ما يعملون).\nوقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ - فيه أكثر من معنى:\n١ - قال ابن جرير. (يقول: ما باغي لذاتِ الحياة التي أدْنيت لكم وقربت منكم في داركم هذه، ونعيمها وسرورها، فيها، والمتلذذُ بها، والمنافس عليها إلا في لعب ولهو، لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذُ فيها بملاذّها، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر، كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه، ثم يعقبه منه ندمًا، ويورثه منه تَرَحًا).\n٢ - قال القرطبي: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: لِقِصَرِ مدتها).\n٣ - قال النسفي: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ واللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع، واللهو الميل عن الجد إلى الهزل. قيل","vol":"2","page":605},{"text":"ما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو. وقيل: ما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو لأنها لا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة).\n٤ - وقيل: معنى ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ باطل وغرور. وقيل: (المعنى متاعُ الحياة الدنيا لعب ولهوٌ، أي: الذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له، فهو بمنزلة اللعب واللهو) ذكره القرطبي.\n٣ - وقال ابن كثير: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: إنما غالبها كذلك).\nقلت: والراجح من المعنى لهذه الآية أنها متصلة بالآية قبلها، لتدحض قول الكافرين: ﴿وَقَالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ - فجاء توضيح حقيقة هذه الحياة الدنيا، أنها للكفار دار لهو ولعب، وللمؤمنين دار استثمار وعمل، فيفوز العاملون المؤمنون في الآخرة، ويشقى الكفار اللاهون اللاعبون.\nأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم بسند صحيح من حديث سهل بن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: [لو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جناحَ بعوضة ما سقى كافِرًا منها شَرْبَةَ ماء] (١).\nوأخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، بسند صحيح عن ابن عباس: [أن رسول الله -ﷺ- دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: ما لي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٢).\nوله شاهد عند الترمذي وابن ماجة عن عبد الله مرفوعًا: [ما لي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (٣).\nوأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب، أن رسول الله -ﷺ- دخل على حمزة فتذاكرا الدنيا، فقال رسول الله -ﷺ-: [إن الدنيا خَضِرَةٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجة (٤١١٠)، والحاكم (٤/ ٣٠٦)، وله شواهد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢٣٢٦)، وأحمد (١/ ٣٠١)، والحاكم (١/ ٣٠١)، وبنحوه البيهقي. من حديث عبد الله بن عباس ﵄.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه انترمذي (٢/ ٦٠)، والحاكم (٤/ ٣١٠)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٦)، وأحمد (١/ ٣٩١) بإسناد صحيح من حديث عبد الله مرفوعًا.","vol":"2","page":606},{"text":"حلوةٌ، فمن أخذها بحقها بُوركَ له فيها، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مال الله ومال رسوله ليس له إلا النارَ يوم يلقى الله] (١).\nوقوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].\nوكقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].\nقال ابن جرير: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بالبعث حقيقة ما نخبرهم به، من أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وهم يرون من يُخْتَرم منهم، ومن يهلك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع. ففي ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها، واستعباد النفس لها، ودليلٌ واضح على أن لها مدبِّرًا ومصرفًا يلزم الخلقَ إخلاصُ العبادة له، بغير إشراك شيء سواه معه).\nوفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله -ﷺ-: [ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينَه وبينه ترجمان، ولا حجابٌ يَحْجُبُهُ، فينظرُ أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة] (٢).\n٣٣ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا\n_________\n(١) حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٣/ ٢٧٧)، وأحمد (٦/ ٣٦٤) (٦/ ٣٧٨) من طريقين.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٤١٣) -كتاب الزكاة، وكذلك (٧٤٤٣)، كتاب التوحيد، ورواه مسلم في الصحيح (١٠١٦) ح (٦٧) - كتاب الزكاة.","vol":"2","page":607},{"text":"يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تَسْلِيَةُ الله سبحانه نَبِيّهُ -ﷺ- مما يلقى هن تكذيب قومه، فإنهم يا محمد لا يكذبونك فيما آتيتهم به من الوحي، بل يعلمون صحته، وإنما يجحدون حقيقته قولًا فلا يؤمنون به. فاصبر على ذلك العناد، فقد كذبت رسل من قبلك أرسلتهم إلى أممهم، فنالوهم بمكروه، فصبروا حتى حكم الله بينه وبينهم وأنزل نصره، فتأس بإخوتك الرسل ممن مضى قبلك. وإن كان عظم عليك إعراضهم فشق عليك ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم فإن استطعت أن تتخذ سربًا في الأرض أو درجًا في السماء فتأتيهم بعلامة وبرهان على صحة قولك أفضل مما أتيناهم فافعل، فإن الله تعالى لو شاء لجمعهم على محجة الحق ملة واحدة فتنبه، فإنما يستجيب لدعائك من فتح الله عليه، ونوّر قلبه بالحياة، وسمعه بالحق، وأما الأموات المبطلون فلا سبيل إليهم فقد طبع الله على قلوبهم وأصم آذانهم لكبرهم وتعاليهم على الحق، ثم يبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء ونكال العقاب.\nفقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.\nقال قتادة: (يعلمون أنك رسول الله ويجحدون). وقال سعيد بن جبير: (ليس يكذبون محمدًا، ولكنهم بآيات الله يجحدون).\nوفي التنزيل: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].\nوكذلك قوله جل ذكره: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦].\nوقوله جلت عظمته: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٣].\nيروي ابن جرير من طريق السدي قال: (التقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرُك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحكَ؟ والله إن محمدًا لصادق، وما كَذَب محمدٌ قَطٌّ، ولكن إذا ذَهَبت بنو قُصَيّ باللواء والسقاية والحِجابة والنُّبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟).\nوأخرج البيهقي في \"الدلائل\" نحوه من طريق محمد بن إسحاق: (قال الأخنس بن","vol":"2","page":608},{"text":"شريق لأبي جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سَمِعت من محمد؟ -وكان يستمع كل منهما قراءة النبي -ﷺ- من الليل- قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشَّرف: أَطْعَموا فَأَطعَمْنا، وحمَلُوا فحَملنا، وأعطَوا فأعْطَيْنا، حتى إذا تجاثَينا على الركب، وكنا كفرسي رِهَان، قالوا: منا نبيٌّ يأتيه الوحيُ من السماء! فمتى نُدْرِكُ هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه) (١).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾.\nقال قتادة: (يُعَزّي نبيه -ﷺ- كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كُذِّبَتْ قبله، فصبروا على ما كذبوا، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين).\nقال القرطبي: (﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ أي: فاصبر كما صبروا. ﴿وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ أي: عوننا، أي: فسيأتيك ما وُعِدْتَ به).\nوقوله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: ولا مُغَيِّرَ لكلمات الله، و﴿كَلِمَاتِهِ﴾ تعالى ذكره: ما أنزل الله إلى نبيه محمد -ﷺ-، من وعده إياه النصر على من خالفه وضادّه، والظفَر على من تولّى عنه وأدبر).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: من خبرهم في مصابرة الكافرين، وما منحوه من النصر، فلا بد أن نزيل حزنك بإهلاكهم، وليس إمهالهم لإهمالهم، بل لجريان سنته تعالى بتحقيق صبر الرسل وشكرهم).\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾.\nأي: إن شق عليك وثقل نأيهم عن الإيمان بما نزل عليك من القرآن، ونهيهم الناس عنه، فإنه وجدت منفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض لتستخرج لهم معجزة خارقة مما اقترحوه، أو تصعد مصعدًا في السماء لتأتيهم بذلك فافعل.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، و\"النفق\" السَّرب، فتذهب فيه، ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، أو تجعل\n_________\n(١) مرسل. أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧) من طريق ابن إسحاق به.","vol":"2","page":609},{"text":"لك سلمًا في السماء، فتصعد عليه، فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به، فافعل).\nقال قتادة: (﴿نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾: سَرَبًا، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، قال: السلم الدَّرَج).\nقال الزجاج: (وهو مشتق من السلامة كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد).\nقال النسفي: (فافعل- وهو جواب ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، وإن استطعت وجوابها جواب ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾. والمعنى إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم).\nوقال القاسمي: (وَحَسُنَ حذف الجواب لعلم السامع به. أي: لكن لم يجعل الله لك هذه الاستطاعة، إذ يصير الإيمان ضروريًا غير نافع).\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾.\nقال ابن عباس: (إن رسول الله -ﷺ- كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سَبَقَ له من الله السعادة في الذكر الأول).\nوهناك أقوال للمفسرين تكمل المعنى وتزيده وضوحًا وبيانًا:\n١ - قال القرطبي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أي: لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه، بَيَّن تعالى أن كفرهم بمشيئة الله ردًّا على القدرية. وقيل المعنى: أي لأراهم آية تَضْطَرّهم إلى الإيمان، ولكنه أراد ﷿ أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن).\n٢ - قال النسفي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾: لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك).\n٣ - قال القاسمي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أي: ولكنه شَاء بمقتضى جلاله وجماله، إظهار غاية قهره، وغاية لطفه).\n٤ - وأكّد شيخ المفسرين هذه المعاني حيث قال: (يقول تعالى ذكره: إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار، يا محمد، فيحزنك تكذيبهم إياك، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدين، وصواب من محجة الإسلام، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة، وملتكم وملتهم واحدة، لجمعتهم على ذلك، ولم يكن بعيدًا عليَّ، لأني","vol":"2","page":610},{"text":"القادر على ذلك بلطفي، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي، ونافذ قضائي فيهم من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم).\nقلت: وهذه الآية العظيمة تندرج ضمن مفهوم المشيئة الإذنية، فإن المشيئة كما وردت في الكتاب والسنة ثلاثة أقسام: كونية وشرعية ومشتركة.\nأولًا: المشيئة الكونية. وهي نوعان:\n١ - المشيئة الإجبارية.\n٢ - المشيئة الإذنية.\nثانيًا: المشيئة الشرعية.-أمر الله ونهيه-.\nثالثًا: المشيئة المشتركة.-اشتراك المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية-.\nوقد فصلت ذلك ببيان مُدَلّل في كتابي: أصل الدين والإيمان -عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان- في أبحاث القدر- الباب السادس: مفهوم المشيئة والاستطاعة. فلله الحمد والمنة.\nوأما الآية الكريمة موضوع التفسير هنا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ - فهي تدل على مفهوم المشيئة الإذنية: وهي المشيئة المرتبطة بعلم الله وعدله وحكمته، إذ علم سبحانه الأعمال وكتبها فلا أحد اختار الإيمان رغم مشيئة الله، ولا أحد اختار الكفر رغم مشيئة الله، بل الكل داخل في اختياره تحت مشيئته تعالى، فلا أحد يخرج بإرادته ومشيئته عن إرادة الله ومشيئته ﷿.\nقال سبحانه في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقال جل ذكره في سورة النساء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (٦٤)﴾. وقال جل ثناؤه في سورة النحل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. وقال جلت عظمته في سورة يونس: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.","vol":"2","page":611},{"text":"فهو سبحانه لا يسأل عما يفعل لتمام علمه وكمال حكمته وعدله.\nأخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن، عن عبد الله بن عمر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (١).\nوفي لفظ عند البيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال النبي - ﷺ - لأبي بكر: [يا أبا بكر، لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس].\nوقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾\nفيه أكثر من تأويل:\n١ - قال ابن جرير: (يقول: فلا تكونَنَّ ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى جميع خلقه بلطفه، وأن من يكفر له من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه ونافذ قضائه بأنه كائن من الكافرين، به اختيارًا لا اضطرارًا)،\n٢ - قال القرطبي: (﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من الذين اشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد، وإلى ما لا يحِل. أي: لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين).\n٣ - وقال النسفي: (﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من الذين يجهلون ذلك. وهو أن لو شاء سبحانه: لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك - كذا قاله الشيخ أبو منصور ﵀).\n٤ - وقال القاسمي: (﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: بما تقتضيه شؤونه تعالى، التي من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم. إما اختيارًا، فلعدم توجههم إليه. وإما اضطرارًا، فلخروجه عن الحكمة التشريعية المؤسسة على الاختيار).\n٥ - وقيل: الخطاب للنبي - ﷺ - والمراد به الأمة، فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذابتهم.\nقلت: والآية درس في إفهام أحد أركان الإيمان بالقدر، فإن هذا الركن العظيم يرتكز على أركان ثلاثة: هي صفات لله سبحانه:\n١ - العلم. ٢ - الحكمة. ٣ - العدل.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٢)، والبيهقي في \"الأسماء\" (١٥٧).","vol":"2","page":612},{"text":"فقد قضى سبحانه بعلمه وحكمته أن لا يجبر الناس على الإيمان، بل بسط لهم صفحات هذا الكون الفسيح يقرؤون فيها دلالات إفراده تعالى بالتكبير والتعظيم، ثم بسط لهم صفحات التنزيل الكريم، يقرؤون فيها عن أسمائه و. صفاته الحسنى، وآياته ونعمه العظمى، وخبر الأمم التي أهلكها الله بالكفر والكبر والعناد، وخبر المرسلين وأتباعهم المؤمنين، وما أعدّ الله لهم من النعيم المقيم، وما هيأ لأعدائه من العذاب المقيم. فالكتابة في اللوح المحفوظ عن كلٍّ من اختيار الفريقين مصيرَهم هي كتابة علم لا كتابة جبر أو قهر. وبذلك يفهم حديث الكتابين اللذين أخرجهما رسول الله - ﷺ - يومًا أمام أصحابه:\nفقد أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا: لا، إلا أن تُخْبِرنا يا رسول الله. فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزادُ فيهم ولا ينْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقَصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: فلأي شيء إذن نعمَلُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرِغ منه؟ قال رسول الله - ﷺ -: سدِّدُوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم ﷿ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، المؤمنون، للذكر، ﴿وَالْمَوْتَى﴾، الكفار، حين يبعثهم الله مع الموتى).\nوقال قتادة: (هذا مثل المؤمن، سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله. والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم، وهذا مثل الكافر أصم أبكم، لا يبصر هدى ولا ينتفع به).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ١٨٦)، وصحيح ابن حبان (١٨٠٦)، ومستدرك الحاكم (١/ ٣١)، ومسند أبي يعلى (٢/ ١٧١)، وصحيح الجامع الصغير - حديث (٨٨).","vol":"2","page":613},{"text":"فالكفار موتى القلوب، فكان ذلك تشبيهًا من الله لهم بأموات الأجساد.\nوفي التنزيل: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠].\nوقال في هذه الآية: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. قال ابن كثير: (وهذا من باب التهكم بهم، والإزراء عليهم).\n٣٧ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن قيل هؤلاء المعرضين الجاحدين نبوة محمد - ﷺ -: هلا نزل على محمد آية من ربه؟ قل يا محمد لهؤلاء - قائلي ذلك - إن الله قادر أن ينزل حجة على ما يسألون، ولكن أكثر الذين يسألون ذلك لا يدرون تبعات ذلك عليهم، أو وجه ترك إنزال ذلك. ثم أعلمهم أن الله محيط بأعمالهم وأقوالهم ومواقفهم، فلا يغفل سبحانه عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغير أو كبير، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل كُلُّ هؤلاء أُمَمٌ مُصَنَّفَة، قد أحصى أحوالهم سبحانه، وأثبت ذلك في أم الكتاب، وجميعهم آتيه إلى أرض المحشر يوم القيامة. ولكن مثل الكافر كالأصم الأبكم، لا يبصر هدى، ولا ينتفع به، صم عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، والله سبحانه يضل من يشاء من عباده عدلًا، ويهدي من يشاء إلى صراطه القويم فضلًا.\nفقوله: ﴿وَقَالوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.\nقال الحسن: (﴿لَوْلَا﴾ ها هنا بمعنى هلَّا). قال القرطبي: (وكان هذا منهم تعنتًا بعد ظهور البراهين، وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، لما فيه من الوصف وعلم الغيوب).","vol":"2","page":614},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾.\nأي: قل لهم يا محمد إن الله قادر على إنزال الخوارق والمعجزات والآيات، بنحو ما تعنتوا كقولهم: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - فيه تفاسير متكاملة:\n١ - لا يعلمون أن الله ﷿ إنما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة لعباده، فهو العليم بمصالحهم.\n٢ - لا يعلمون ما يترتب عليهم في نزول ذلك من البلاء، أو ما يعقب ذلك من العقوبة لو كفروا بعد معاينة تلك الآيات.\n٣ - لا يعلمون ما كتب الله من إخراج عباد صالحين من أصلابهم يؤمنون بالله ورسوله، فلم يرد سبحانه من أجل ذلك استئصالهم.\n٤ - لا يعلمون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك من حكمة الله التي لا يحيط بها أحد.\n٥ - لا يعلمون أن ذلك الاقتراح منهم دليل على جهلهم.\nوقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال مجاهد: (أصناف مصنفة تُعرف بأسمائها).\n٢ - قال قتادة: (يقول: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة).\n٣ - وقال السدي: (﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾، يقول: إلا خلق أمثالكم).\n٤ - وقال ابن جريج فيها: (الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب).\nقال ابن جرير: (وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغير أو كبير، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مُجَنَّسَة وأصنافًا مصنفة، تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سخرت له كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب).","vol":"2","page":615},{"text":"وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nيعني كتابة جميع دقائق تلك الأمم والعوالم في اللوح المحفوظ.\nقال ابن عباس: (ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب).\nوقال ابن زيد: (لم نغفل الكتاب، ما من شيء إلا وهو في الكتاب).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.\nفيه قولان:\n١ - قال ابن عباس: (موت البهائم حشرها). قال: (حشرها الموت).\n٢ - قال أبو هريرة: (يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدوابَّ والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجَمَّاء من القَرْناء، ثم يقول: \"كوني ترابًا\"، فلذلك يقول الكافر: ﴿يَاليْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾) - ذكره بسنده ابن جرير.\nوالراجح القول الثاني، وهو أن الحشر هنا يُعنى به الجمع لبعث الساعة وقيام القيامة.\nأخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، عن عثمانَ ﵁أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الجماء لتقتصّ من القرناء يوم القيامة] (١).\nويشهد له ما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لَتُؤدُّنَ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القَرْناء] (٢).\nوكذلك يشهد له ما أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" عن الأعمش قال: سمعت منذرًا الثوري يحدث عن أصحابه عن أبي ذر قال: [رأى رسول الله - ﷺ - شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر! أتدري فيما تنتطحان؟ قلت: لا، قال: ولكن ربك يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة] (٣).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾.\nقال قتادة: (هذا مثل الكافر، أصم أبكم، لا يبصر هدى، ولا ينتفع به، صَمَّ عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، متسكّعٌ فيها).\n_________\n(١) صحيح بشواهده. أخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (١/ ٧٢)، والبزار (٣٤٤٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٨٢) - كتاب البر والصلة - باب تحريم الظلم.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٤٨٠)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٦٢). وله شواهد.","vol":"2","page":616},{"text":"وفي التنزيل: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨].\nفالأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا يتكلم، وبذلك شبّه الله المكذبين بحججه وآياته في جهلهم وقلة علمهم وسوء فهمهم. قال القرطبي: (أي: عَدِموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم، فكل أمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون).\nوقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nأي: هو سبحانه المتصرف في خلقه كما يشاء، فيهدي من يشاء منهم فضلًا، ويضل من يشاء منهم عدلًا، فهو وحده ﵎ الذي اطلع على قلوب عباده.\nقال القاسمي: (فمن أحب هدايته، وَفَّقَهُ بفضله وإحسانه للإيمان، ومن شاء ضلالته تركه على كفره. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]).\nقلت: ومفهوم ذلك أن الله سبحانه يعاقب العبد على حبه الضلال بقسوة القلب، ويجازي المؤمن على إيثاره طاعة ربه بالهداية والثبات.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [تُعْرَضُ الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).\nوالصراط المستقيم هو طريق الحق الذي مشى عليه الرسل والصالحون وثبتهم الله عليه، حتى أكرمهم يوم القيامة بتجاوز الصراط إلى دار النعيم المقيم، جعلنا الله والمؤمنين الصادقين من أهل صراطه المستقيم.\n٤٠ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١/ ٨٩ - ٩٠)، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠) - كتاب الفتن - من حديث حذيفة ﵁.","vol":"2","page":617},{"text":"وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: قل يا محمد لهؤلاء المعاندين من قومك: أخبروني إن جاءكم عذاب الله كالذي نزل على أمم قبلكم فهلكوا - كالرجفة والصيحة والصاعقة والغرق - أو جاءتكم الساعة التي تخرجون فيها من قبوركم لمشهد الحساب يوم القيامة، أغير الله هناك تدعون لكشف ما نزل بكم! ! هل تدعون شركاءكم وآلهتكم المكذوبة!؟ بل إنكم هنالك تفزعون إلى الله وحده ليكشف عنكم ما أغمكم من الشدائد والأهوال دون كل شيء غيره، وتنسون حينئذ ما تشركونه في العبادة. لقد أرسلنا إلى جماعات قبلكم من الأمم فأمرناهم ونهيناهم وامتحناهم بالفقر والضيق والأسقام لعلهم يخلصون العبادة لله ويفردونه بالتعظيم، وإذ لم يتضرعوا بل أقاموا على تكذيبهم واستكبارهم قساوة قلب منهم، واستهتارًا بعقاب الله، وقد حَسَّنَ الشيطان لهم أعمالهم التي يسخطها الله منهم، فلما أصروا على غيّهم استدرجناهم بعاجل لذات الدنيا حتى إذا فرحوا بسعة العيش والصحة وسكروا فاجأناهم بعقوبة مؤلمة وأخذناهم فأصبحوا هالكين. فاستؤصل القوم الذين عتوا على ربهم والحمد لله رب العالمين.\nفقوله: (﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾. أي: أخبروني. وقوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾. أي: بمثل ما نزل بالأمم الماضية الكافرة التي عتت عن أمر ربها ورسله. ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ يعني القيامة.\nوقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضًا، فلم تصرّون على الشرك في حال الرفاهية؟ ! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب).\nوقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. أي: تخصون بالدعوة. ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: إن شاء كشفه. والتقييد بالمشيئة لبيان أن إجابتهم غير","vol":"2","page":618},{"text":"مطردة، بل هي تابعة لمشيئته تعالى، المبنية على حِكَم استأثر بعلمها).\nوقوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.\nأي: وقت الحاجة والضرورة وحلول المهالك. وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾.\nيعني: الفقر وضيق العيش والقحط والشدائد. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ يعني الأمراض والأسقام والآلام. وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾. أي: يتذللون لله ويدعونه ويتضرعون إليه ويخشعون.\nوقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: فهلَّا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتَمَسْكَنُوا لدينا).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.\nقال القرطبي: (أي: صَلُبَت وغَلُظَت، وهي عبارة عن الكبر والإصرار على المعصية، نسأل الله العافية). وقال القاسمي: (وجيء بـ \"لولا\" ليفيد أنه لم لكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم، كما قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فلم يكن فيها لين يوجب التضرع، ولم ينزجروا وإنما ابتلوا به).\nوقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nأي: من الكبر والشرك والعجب والغرور.\nقال النسفي: (وصاروا معجبين بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم).\nأخرج ابن عدي والبيهقي بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب] (١).\nوفي لفظ البيهقي: [لو لم تكونوا تذنبون، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبَرُ من ذلك، العُجْبَ العُجْبَ].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن عدي (١/ ١٦٤)، والعقيلي (١٧١)، والبيهقي، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٦٥٨).","vol":"2","page":619},{"text":"وقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.\nأي: لما تمادوا بالغي والغرور والعجب والاستكبار فتحنا عليهم أبواب الملذات والرزق من كل ما يختارون استدراجًا لهم وعلامة على اقتراب النهاية.\nقال ابن عباس: (﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، يعني: تركوا ما ذكروا به). وقال ابن جريج: (ما دعاهم الله إليه ورسله، أبوْه وردّوه عليهم).\nوعن مجاهد: (﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: رخاء الدنيا ويُسْرها، على القرون الأولى). وقال قتادة: (يعني الرخاء وسعة الرزق).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.\nقال السدي: (أخذهم العذاب بغتة، فإذا هم مهلكون، متغيِّر حالهم).\nوقال مجاهد: (﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، قال: الاكتئاب).\nوقال ابن زيد: (المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه. والمبلس أشد من المُسْتكين، وقرأ: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]، وكان أول مرة فيه معاتبة وبقية. وقرأ قول الله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾، حتى بلغ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ثم جاء أمرٌ ليس فيه بقية. وقرأ: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، فجاء أمر ليس فيه بقية. وكان الأول، لو أنهم تضرعوا كُشف عنهم).\nقلت: والإبلاس في كلام العرب الانكسار والحزن. يقال: أبلس فلان إذا سكت غمًّا. قال الرازي: (\"أبلس\" من رحمة الله أي: يئس. ومنه سمي \"إبليس\").\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وابن جرير في التفسير، بسند قوي، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nقال السدي: (قطع أصل الذين ظلموا). وقال ابن زيد: (استؤصلوا).\n_________\n(١) صحيح لشواهده. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وابن جرير (٧/ ١١٥)، والبيهقي في \"الشعب\" (٤٥٤٠).","vol":"2","page":620},{"text":"قال النسفي: (أي: أهلكوا عن آخرهم ولم يترك منهم أحد. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾: إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم وأجزل القسم، أو احمدوا الله على إهلاك من لم يحمد الله).\nوفي كلام العرب: الدابر الآخر. دبر فلان القوم إذا كان آخرهم في المجيء.\nقال القرطبي: (ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور).\nيروي ابن أبي حاتم عن قتادة قال: (بغتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون).\nفالحمد لله الذي أظهر حججه، ونصر رسله، وأهلك أعداءه، تمكينًا لدينه في الأرض، وتكرمة لأوليائه وأهل طاعته أتباع رسله، فله الحمد في الأولى والآخرة، وفي كل حال.\n٤٦ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله العادلين به الأوثان والطواغيت، المكذبين بنبوتك ماذا لو أصمّكم الله فذهب بأسماعكم، وأَعْماكُم فذهب بأبصاركم، وطبع على قلوبكم فعميت الفقه والحجة وعدمت الفهم! فأي إله غير الله - جلت عظمته - يرد عليكم ما ذهب عنكم، انظر يا محمد كيف نتابع عليهم الأمثال والحجج ليعتبروا ثم هم يعدلون ويعرضون. قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، المكذبين بنبوتك ماذا لو فاجأكم الله بعذاب من عنده، هل يحيق الهلاك إلا بالظالمين الآثمين. إنّما نرسل رسلنا بشارة لأهل الطاعة، نذارة لأهل المعصية فمن آمن وعمل صالحًا فلا خوف عليهم عند قدومهم على ربهم، ولا هم","vol":"2","page":621},{"text":"يحزنون على ما خلفوا وراءهم في هذه الدنيا. وأما الذين كذبوا بالآيات والحجج وعاندوا فأولئك يباشرهم العذاب بما كانوا يكسبون.\nفقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾.\nأي: بأن أَصَمَّكُم وأَعْمَاكُم وغطى على قلوبكم ما يزول به عقلكم وفهمكم.\nوقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾.\nأي: بما أخذ منكم وحرمكم من الاستمتاع بهذه النعم العظيمة. قال القاسمي: (وإنما خصت هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر، لأنها أشرف أعضاء الإنسان، فإذا تعطلت اختل نظام الإنسان، وفسد أمره، وبطلت مصالحه في الدين والدنيا).\nوقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.\nأي: انظر يا محمد كيف نورد هذه الدلالات والأمثال ثم يُصِرُّ هؤلاء المشركون على الجحود والعناد والإعراض بغيًا وحسدًا وكبرًا. قال ابن عباس: (﴿يَصْدِفُونَ﴾: يعدلون).\nوقال مجاهد: (﴿يَصْدِفُونَ﴾: يعرضون). وقال السدي: (يصدّون).\nوقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾.\nأي: أخبروني إن فاجأكم الله بعذابه على غرة أو معاينة تنظرون إليه.\nقال مجاهد: (﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾، فجأة آمنين، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾، وهم ينظرون).\nوقوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: هل يهلك الله منا ومنكم إلا من كان يعبد غير من يستحق علينا العبادة، ويترك عبادة من يستحق علينا العبادة).\nوقال القرطبي: (والظلم هنا بمعنى الشرك، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾).\nوقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.\nقال الحسن: (مبشرين بِسعة الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة. قال: ومعنى ﴿مُنْذِرِينَ﴾ مخوفين عقاب الله).","vol":"2","page":622},{"text":"وقوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: فمن آمن قلبُه بما جاؤوا به وأصلح عمله باتباعه إياهم ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: بالنسبة إلى ما يستقبلونه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها، الله وليهم فيما خَلَّفُوه، وحافظهم فيما تَرَكوه).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\nأي: إن الذين كذبوا بالقرآن والمعجزات ونبوة محمد - ﷺ - سَيُبَاشِرُهُم العذاب بما كانوا يكفرون ويجحدون. قال ابن زيد: (كل ﴿فِسْقٌ﴾ في القرآن، فمعناه الكذب).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أَحَدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار] (١).\n٥٠ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾\nفي هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه - ﷺ -: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٥٣) - كتاب الإيمان. باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته.","vol":"2","page":623},{"text":"نبوتك - لست أملك خزائنِ الرب ﷿، خزائن السماوات والأرض، ولست أعلم ما يغيب ولا أدعي أني مَلك، وإنما أنا عبد رسول أتبع ما يوحى إليّ من ربي ﷿، فهل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به أفلا تتفهمون هذه الحجج! ! وأنذر بهذا القرآن يا محمد الذين يخافون ربهم، والموقف في الحشر وأهوال ذلك اليوم، حيث لا ناصر ولا شفيع يشفع عند الله من عقابه الذي قضاه لأهل الكفر والجحود، لعلهم يرهبون ويحذرون ما يسخطه ويعملون ما يحبه - جلت عظمته. ثم لا تطرد المؤمنين المستضعفين من مجلسك من أجل الطغاة المجرمين، فإن جلوس المؤمنين أحب إلى الله من جلوس أولئك الذين يستكبرون أن يقعدوا جنب المؤمنين، فحذار أن تطردهم فتكون من الظالمين. فإنما فتَنَّا هؤلاء بهؤلاء بقسمة الأرزاق والأخلاق والقوة والضعف ليقول المجرمون المخدوعون بالقوة والمال أهؤلاء الفقراء الضعفة مَن الله عليهم بالهدى ونحن أحق! فأجابهم الله تعالى: أليس الله بأعلم بالشاكرين. وإذا جاءك المؤمنون يا محمد وقد انكسرت قلوبهم بذنوب زلّت نفوسهم وجوارحهم بها فبشرهم بسعة مغفرة الله ورحمته لمن تاب وآمن وعمل صالحًا وأنه سبحانه غفور رحيم.\nفقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾.\nأي: فيكون أمر التصرف بها إليّ، وأجيبكم ما خَطَرَ لكم.\nقال القاسمي: (لا أدعي أن خزائن رزق الله مفوضة إليّ، فأعطيكم منها ما تريدون من قلب الجبال ذهبًا، وغير ذلك). وقال القرطبي: (هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ فالمعنى: ليس عندي خزائن قدرته فأنزل ما اقترحتموه من الآيات، ولا أعلم الغيب فأخبركم به).\nوالخزائن جمع خزانة. وهي المكان الذي يخزن فيه الشيء. قال الرازي: (خزن المال جعله في الخزانة). وَخَزْنُ المال أو الشيء إحرازه، بحيث لا تناله الأيدي.\nأخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يَحْلُبَنَّ أحَدٌ ماشِيةَ امرئٍ بغير إذنه، أَيُحِبُّ أحدُكُم أن تؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فتكْسَرَ خِزَانتهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُه؟ فإنما تَخْزُن لهم ضروعُ مواشيهم أَطْعماتِهم، فلا يَحْلُبَنَّ أحد ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٤٣٣) - كتاب في اللقطة - باب: لا تُحْتَلَبُ ماشية أحد بغير إذنه. من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"2","page":624},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾.\nأي: لا أدعي أني ملك من الملائكة أُظهر الخوارق.\nقال ابن جرير: (لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرًا بصورته لأبصار البشر في الدنيا، فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك). وقال القرطبي: (وكان القوم يتوهمون أن الملائكة أفضل، أي: لست بملك فأشاهد من أمور الله ما لا يشهده البشر).\nوالخلاصة: قال لهم رسول الله - ﷺ -: لست ملكًا حتى تكلفوني بِخوارق العادات مما لا يطيقه البشر، من الرقيّ في السماء، ورؤية الأمور العظام، إنما أنا بشر يأكل ويشرب وينام ولكن الله اصطفاني بالوحي لأبلغ كلامه ورسالته، ولذلك قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، قال: الضال والمهتدي). وقال قتادة: (﴿الْأَعْمَى﴾ الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه، و﴿الْبَصِيرُ﴾، العبد المؤمن الذي أبصر نافعًا، فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما آتاه الله).\nوقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.\nقال ابن جرير: (ومعناه، يعلمون أنهم يحشرون، فوضعت \"المخافة\" موضع \"العلم\"، لأن خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك).\nوقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: أنذِرْ هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله - ﷿ - ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، فيعملون في هذه الدار عملًا يُنْجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويُضاعف لهم به الجزيل من ثوابه).\nوقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سعد قال: [فِيَّ نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ","vol":"2","page":625},{"text":"﴿رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قال: نزلت في ستة، أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تُدْني هؤلاء] (١).\nوأخرج ابن ماجة والحاكم وابن جرير بسند صحيح عن المقدام بن شُرَيح عن أبيه، عن سعد قال: [كنا مع النبي - ﷺ - ستة نفر، فقال المشركون للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع فحدّث نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ - في تأويله أقوال:\n١ - ذكر ابن عباس ومجاهد أن المراد بالدعاء المحافظة على الصلاة المكتوبة في الجماعة.\nقال ابن عباس: (﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾، يعبدون ربهم، ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، يعني: الصلاة المكتوبة).\nوقال مجاهد: (الصلاة المفروضة، الصبح والعصر).\n٢ - ذكر إبراهيم أن المقصود بالدعاء الذكر. قال إبراهيم: (لا تطردهم عن الذكر).\nوقال منصور: (هم أهل الذكر).\n٣ - ذكر أبو جعفر أن المراد تعلمهم القرآن وقراءته. قال أبو جعفر: (كان يقرئهم القرآن، من الذي يَقُصُّ على النبي - ﷺ -).\n٤ - ذكر الضحاك أن المقصود العبادة. قال الضحاك: (﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال: يعني: يعبدون، ألا ترى أول قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٤٣)﴾ [غافر: ٤٣]، يعني: تعبدون).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٤١٣)، وسنن ابن ماجة (٤١٢٨)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٣١٩). ورواه النسائي في \"التفسير\" (١٨٣)، وأخرجه أبو يعلى (٨٢٦)، والطبري (١٣٢٦٦)، وغيرهم. من حديث سعد ﵁.\n(٢) حديث صحيح. انظر سنن ابن ماجة (٤١٢٨) - باب مجالسة الفقراء. ومستدرك الحاكم (٣/ ٣١٩) وقال صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. وانظر الواحدي (٤٣١)، والصحيح المسند - الوادعي. الأنعام (٥٢). وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١١١٦٣)، والطبري في \"التفسير\" (١٣٢٦٦)، وأبُو يعلى (٨٢٦). من حديث سعد ﵁.","vol":"2","page":626},{"text":"قلت: والدعاء يشمل كل ما ذكر، فالصلاة دعاء، والذكر والقرآن والعبادة بجميع ألوانها وأشكالها من الدعاء. وفي الحديث: [إن الدعاء هو العبادة] (١). وفي الحديث: [ليس شيء أكرم على الله سبحانه من الدعاء] (٢).\nوقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ - فيه قولان:\nالقول الأول: يريدون طاعته، والإخلاص في عبادتهم لله تعالى، فلا يتوجهون بذلك إلا إليه.\nقال ابن جرير: (يلتمسون بذلك القربة إلى الله، والدنو من رضاه).\nالقول الثاني: يبتغون الله الموصوف بالوجه. قال القرطبي: (يريدون الله الموصوف بأن له الوجه، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وهو كقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ..﴾ [الرعد: ٢٢]. وخصّ الغداة والعشي بالذكر، لأن الشغل غالب فيهما على الناس، وما كان في وقت الشغل مقبلًا على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل).\nقلت: وكلا القولين صحيح. فإن الآية تفيد الإخلاص في العمل لله الواحد الأحد، كما تفيد إثبات صفة الوجه لله الكريم. وقد أكدت السنة الصحيحة هذه الصفة الجليلة.\nففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا ينام، ولا ينبغي أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور (أو النار)، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره]. وفي لفظ: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأصحاب السنن من حديث النعمان بن بشير. انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٣٠٨٦).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٠٨٧) - كتاب الدعاء- باب فضل الدعاء. انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٣٠٨٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٩)، كتاب الإيمان. والحجاب هو الذي يحجب الأبصار أن تراه في الدنيا، وهو الذي أشار إليه النبي - ﷺ - بحديث أبي ذر: [قال: سألت رسول الله - ﷺ -: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنّى أراه]. أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٨) - كتاب الإيمان. باب قوله - ﷺ -: \"نور أنى أراه\"، \"رأيت نورًا\".","vol":"2","page":627},{"text":"وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nكقول نوح ﵇ حين ردّ على قومه مثل ذلك، قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿قَالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾.\nوالمعنى: إنما حسابهم على الله ﷿، وليس عليّ من حسابهم شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء. ذكره القاسمي.\nقال أبو السعود: (وذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع إن الجواب قد تم بما قبله، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه - ﷺ -، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلًا، وهو انتفاء كون حسابه ﵇، عليهم، على طريقة قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.\nوقال النسفي: (وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال: حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم).\nوقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾.\nجواب النفي وهو: \"ما عليك من حسابهم\".\nوقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nجواب النهي، وهو قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾. أو في موقع العطف على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ على وجه التسبيب، لأن كونه ظالمًا مسبب عن طردهم.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغنياء للفقراء: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، يعني: هداهم الله. وإنما قالوا ذلك استهزاء وسُخْرِيًّا).\nفأجابهم سبحانه بهذه الآية التي تقرع العقول والقلوب وتفَهِّم بحث القدر: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.\nأي: هو تعالى وحده الذي اطلع على قلوب عباده وعلم أعمالهم وكتب ذلك في اللوح المحفوظ كتابة علم لا كتابة جبر، فقسم الأعمال والأخلاق والأرزاق. فهدى","vol":"2","page":628},{"text":"المؤمنين هداية توفيق وإلهام، اختصاصًا بهم بعد هداية الرسل الكرام. كما قال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم]. وفي لفظ: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] (١).\nوأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّبَ إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصوه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما تردّدت عن شئ أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (٢).\nفهذا الشكر المتتابع من العبد لربه ﷿ بحرصه على محابه، جلت عظمته، أعقبه الله فيه اختصاصًا وولاية، حتى صار في ذمة الله فمن عاداه فقد أعلن الله تعالى عليه الحرب، ومن آذنه الله بالحرب فقد هلك.\nوقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.\nيعني: إذا جاءك يا محمد أهل الإيمان والتصديق فأكرمهم برد السلام عليهم، وبَشِّرهم برحمة الله الواسعة الشاملة، وقرِّبهم منك ولا تبعدهم.\nقال البيضاوي: (وصفهم تعالى بالإيمان بالقرآن، واتباع الحجج، بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة، وأمره بأن يبدأهم بالتسليم، أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم، ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله، بعد النهي عن طردهم، إيذانًا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل. ومن كان كذلك ينبغي أن يقرّب ولا يطرد، ويُعَزّ وَلا يُذَل، ويُبَشَّر من الله بالسلامة في الدنيا، والرحمة في الآخرة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٥٦٤) (٣٣)، وكذلك (٣٤) من حديث أبي هريرة، كتاب في البر والصلة. وأخرجه أحمد في المسند (٧٨١٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤/ ٢٣١) من حديث أبي هريرة، والبغوي في شرح السنة (١/ ١٤٢/ ٢)، ويشهد له ما في المسند (٦/ ٢٥٦).","vol":"2","page":629},{"text":"أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي - ﷺ -: [إنّ الله لمّا خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي] (١).\nوقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال النسفي: (﴿أَنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ ذنبًا ﴿بِجَهَالةٍ﴾ في موضع الحال، أي: عمله وهو جاهل بما يتعلق به من المضرة، أو جعل جاهلًا لإيثاره المعصية على الطاعة ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد السوء أو العمل ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أخلص توبته ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).\n٥٥ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جلَّ ذكره: كما فصلنا لك يا محمد في هذه السورة من ابتدائها حتى هذا الموضع، كذلك نفصل لك الأدلة والحجج في كل حق لإزهاق محاولات أهل الباطل ولتتضح لك سبيل المجرمين. قل لهؤلاء المشركين -يا محمد-: إن ربي ﷿ نهاني عن عبادة ما تدعون من دونه ولن أوافق أهواءكم، وإن فعلت فقد اخترت حينئذ سبيل الضلال. إني على بيان من الله وحجة ناصعة وبرهان، وكذبتم أنتم بربكم، وما تستعجلونه من النقم والعذاب ليس بيدي، إنما الحكم في كل شأن في هذا الكون لله أعدل الحاكمين وخير الفاصلين. ولو أن بيدي ذلك لعجلت لكم به،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣١٩٤)، (٧٤٠٤)، (٧٥٥٣)، وأخرجه مسلم برقم (٢٧٥١)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٣١٣).","vol":"2","page":630},{"text":"ولأريتكم الآيات والخوارق، والعذاب الذي تستعجلون، ولكنه بيد الجبار سبحانه، وهو أعلم بوقت إرساله على الظالمين. فعنده مفاتح الغيب لا يشركه بذلك أحد، وهو الذي يعلم ما في البر والبحر وما يجري فيها وما يكون، وما تسقط ورقة في الصحارى والجبال والبراري والأمصار والقرى إلا يعلمها، وكذلك لا يغيب عنه علم كل حبة أو شجرة وكل رطب أو يابس في أرجاء هذا الكون، بل هو مثبت في اللوح المحفوظ.\nفقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾.\nأي: كما فعلنا في هذه السورة من بدايتها وقد بسطنا لك يا محمد في ذكر ما يدحض حجج المبطلين، فالأمر سيستمر كذلك في كل هذا القرآن العزيز. قال ابن جرير: (كذلك نفصل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل).\nقال قتادة: (﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، نبين الآيات).\nوقوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ - فيه قراءات:\n١ - قرأها عامة قراء المدينة: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ﴾ بنصب سبيل. أي: لتستبينَ أنت يا محمد سبيل المعاندين المجرمين الذين رغبوا بطرد المؤمنين. قال ابن زيد: (﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ﴾: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء).\n٢ - وقرأها بعض المكيين والبصريين: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. والتقدير: ولتتضح لك يا محمد وللمؤمنين طريقُ المجرمين.\n٣ - وقرأها عامة قراء الكوفة: ﴿وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بالياء في الكلمة الأولى بدل التاء. وأشهر هذه القراءات وأقربها القراءتان الثانية والثالثة، وهذا اختيار ابن جرير.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nأي: فلا يستحق التعظيم إلا الله.\nقال النسفي: (أي: صرفت وزجرت بأدلة العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون الله).\nوقوله: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ - تأكيد لقطع أطماعهم.\nقال البيضاوي: (هو إشارة إلى الموجب للنهي، وعلة الامتناع عن متابعتهم،","vol":"2","page":631},{"text":"واستجهال لهم، وبيان لمبدأ ضلالهم، وأن ما هم عليه هوى، وليس بهدى. وتنبيه لمن تحرّى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد).\nوقوله: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾.\nأي: إن ركبت أهواءكم، ومضيت كما مضيتم في تخبطكم.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.\nأي: دخلت حينئذ في متاهات الضلال، وانحرفت عن سبيل الهدى والرشاد، فشاركتكم في ضلالكم وضياعكم.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾.\nأي: على بصيرة ونور من شريعة ربي ﷿.\nوقوله: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾.\nأي: وقد كذبتم بالحق الذي شرفني الله به وعميتم عنه.\nوقوله: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾.\nقال القرطبي: (أي: العذاب، فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء (١). وقيل: ما عندي من الآيات التي تقترحونها) (٢).\nوقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إنما يرجع أمرُ ذلك إلى الله، إن شاء عجَّلَ لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجَّلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة).\nوقوله: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾.\nقال القرطبي: (أي: يقص القصص الحق، وبه استدل من منع المجاز في القرآن).\n_________\n(١) كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِذْ قَالوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وكقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ..﴾ [الإسراء: ٩٢].\n(٢) كما قال تعالى في معرض ذكر اقتراحاتهم: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا﴾. وكقوله: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.\nوكقوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].","vol":"2","page":632},{"text":"وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.\nأي: خير من فصل الخلافات والخصومات والقضايا، وهو سبحانه خير الفاتحين الحاكمين بين عباده. وفي التنزيل: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].\nأخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح، عن هانئ بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله هو الحكم، وإليه الحُكْمُ] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.\nأي: لو كان أمر العذاب بيدي لأنزلته بكم وعاجلتكم به كما ترغبون، حتى ينقضي الأمر إلى آخره.\nقال أبو السعود: (لأهلكتكم عاجلًا، غضبًا لربي، واقتصاصًا من تكذيبكم به).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: المشركين وبوقت عقوبتهم).\nوقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾\nقال السدي. (﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، يقول: خزائن الغيب).\nوعن عطاء، عن ابن عباس: (﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، قال: هن خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.\nوالمفاتح جمع مِفْتَح. يقال: مِفْتح ومِفْتاح. قال ابن جرير: (فمن قال: \"مِفْتَح\"، جمعه \"مفاتح\"، ومن قال: \"مفتاح\"، جمعه \"مفاتيح\").\nأخرج البخاري في صحيحه عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: [مفاتحُ الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩٥٥). ورواه النسائي. انظر تخريج الإرواء (٢٦٨٢)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٨٤١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٢٧)، وأخرجه النسائي في السنن \"الكبرى\" (٧٧٢٨).","vol":"2","page":633},{"text":"وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي والنسائي، وابن ماجة - واللفظ له - من حديث أبي هريرة قال: [كان رسول الله - ﷺ - يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل. فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: أن تعبدَ الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيمَ الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصومَ رمضان. قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إنْ لا تراه فإنه يراك. قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعْلمَ من السائل، ولَكِنْ سَأُحَدِّثك عن أشراطِها. إذا وَلَدَت الأمَةُ رَبَّتَها فذلك من أشراطِها، وإذا تطاول رِعاء الغنم في البُنْيان فذلك من أشرِاطها، في خَمْسٍ لا يعْلَمُهُن إلا الله. فتلا رسولُ الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.\nأي: من الخلق والعجائب. فإنه سبحانه يحيط علمه بجميع عوالم السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من ذلك ولو كان مثقال ذرة.\nوقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾.\nقال ابن جرير: (ولا تسقط ورقة في الصحارى والبراري، ولا في الأمصار والقرى، إلا الله يعلمها). قال القرطبي: (أي: من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط وأين تسقط وكم تدور في الهواء).\nوقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nقال ابن عباس: (خلق الله النُّون - وهي الدَّواة - وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خَلْق مخلوق، أو رِزْقٍ حلال أو حرامٍ، أو عَمَلِ بِرٍّ أو فجور، وقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ..﴾ إلى آخر الآية) - رواه ابن أبي حاتم.\nوظلمات الأرض بطونها، والمعنى: لا تنبت حبة في أية بقعة في الأرض إلا يعلم سبحانه متى تنبت، وكم تنبت، ومن يأكلها. ولا تيبس أرض أو ترطب إلا يعلم\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٨)، وسنن ابن ماجة (٦٤) - باب في الإيمان - واللفظ له.\nوأخرجه بنحوه الترمذي في السنن (٢٦١٠)، والنسائي (٨/ ٩٧)، وأخرجه ابن حبان (١٦٨).","vol":"2","page":634},{"text":"سبحانه يبسها إذا يبست، ورطوبتها إذا رطبت.\nقال النسفي: (وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ كالتكرير لقوله ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾، لأن معنى ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ومعنى ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ واحد، وهو علم الله أو اللوح).\nوقال القرطبي: (﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. أي: في اللوح المحفوظ لتعتبر الملائكة بذلك، لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه، تعالى عن ذلك. وقيل: كتبه وهو يعلمه لتعظيم الأمر، أي: اعلموا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف بما فيه ثواب وعقاب).\nقلت: وقد دلت السنة الصحيحة على آفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عَبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بإسناد صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [فرغ الله ﷿ إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٣). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).\nوله شاهد عند ابن عساكر بسند جيد عن أنس، بلفظ: [فرغ الله من أربع: من الخَلق والخُلق والرزق والأجل].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٦٩)، وأخرجه الترمذي (٢٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو، وانظر صحيح مسلم (٨/ ٥١) بلفظ قريب. وأخرجه ابن حبان (٦١٣٨).\n(٢) حديث صحيح. رواه الطبراني بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو. انظر تخريج الطحاوية (٧٨)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٤٠٨٠)، ورواه البيهقي.\n(٣) إسناده صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٩٧)، وابن عساكر (١٧/ ٤٩٣/ ٢)، والطبراني في الكبير والأوسط، من حديث أبي الدرداء. قال الهيثمي (٧/ ١٩٥): (رواه أحمد والبزار والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات). وانظر تخريج السنة لابن أبي عاصم (٣٠٣)، (٣٠٤)، (٣٠٥) - الألباني. وانظر للشاهد بعده \"صحيح الجامع\" (٤٠٧٩).","vol":"2","page":635},{"text":"٦٠ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾\nفي هذه الآيات: عَطْفٌ على البيان السابق: - وقل لهم يا محمد: إن الله تعالى هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم، ويعلم ما كسبتم من الأعمال في النهار، ثم يوقظكم من نومكم في النهار فيبعثكم، ليقضي الأجل الذي كتبه لحياتكم بالموت عند انتهاء العمر الذي اختاره لكم ثم معادكم ومردكم إليه سبحانه فيخبركم بما كنتم تعملون. وهو الغالب خلقه والعالي عليهم بقدرته وجبروته ويرسل ملائكته فيكم فيتعاقبون ليلًا ونهارًا يحفظون أعمالكم ويصعدون بذلك إلى الله، فإذا جاء الموت أرسل إليكم ملائكة يقبضون أرواحكم من ملك الموت ولا يفرطون في ذلك ويصعدون بها. ثم رُدَّت الملائكة الذين جاؤوا بالأرواح بعد نزعها - إلى الله سيدهم الحق، ألا له الحكم والقضاء وهو أسرع من حسب أعماركم وآجالكم وأعدادكم وأعمالكم.\nفقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾.\nقال السدي: (أما ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ ففي النوم، وأما ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ فيقول: ما اكتسبتم من الإثم). وقال قتادة: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾، رمني بذلك نومهم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، أي: ما عملتم من ذنب فهو يعلمه، لا يخفى عليه شيء من ذلك). قال ابن جرير: (وهذا الكلام وإن كان خبرًا من الله تعالى ذكره عن قدرته وعمله، فإن فيه احتجاجًا على المشركين به، الذين كانوا ينكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتهم وبعثهم بعد فنائهم).\nقلت: والتوفي المذكور في هذه الآية هو التوفي الأصغر، دون القبض التام للروح الذي هو التوفي الأكبر. كما قال تعالى في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا","vol":"2","page":636},{"text":"وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ...﴾ [الزمر: ٤٢].\nقال الشوكاني: (﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾: أي: يقبضها عند حضور أجلها ويخرجها من الأبدان).\nوقال الفراء: (المعنى ويقبض التي لم تمت عند انقضاء أجلها. قال: وقد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا: والتي لم تمت وفاتها نومها). قال ابن زيد: (فالنوم وفاة). والمقصود: يقبضها عن التصرف والتمييز مع بقاء الأرواح في أجسادها. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا آوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خدّه، ثم يقول: \"اللهم باسمك أموت وأحيا\". وإذا استيقظ قال: \"الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور\"] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي ردّ عليّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البيهقي في \"شعب الإيمان\" بسند صحيح عن جابر، عن النبي - ﷺ -، [النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧٢٠) - كتاب الدعوات، وكذلك (٧٣٩٣) - كتاب التوحيد.\nورواه مسلم (٢٧١٤) - كتاب الذكر والدعاء. باب الدعاء عند النوم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣١٤) - كتاب الدعوات - باب وضع اليد تحت الخد اليمنى.\nوانظر (٦٣١٢) منه - باب ما يقول إذا نام، وكذلك (٦٣٢٤)، (٧٣٩٤).\n(٣) حديث حسن. انظر تخريج الكلم الطيب (٣٤)، (٤٣)، وصحيح الجامع الصغير (٣٢٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٣٦/ ٢)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٩٠).","vol":"2","page":637},{"text":"قلت: فالوفاة هنا في هذه الآية بمعنى النوم، والنوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة. وقد بسطت القول في مفهوم الوفاة وأنواع استخدام لفظها، وكذلك الصلة بين الروح والنفس والفؤاد والعقل والجسد والمشاعر في كتابي: \"تحصيل السعادتين\" فلله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾.\nقال مجاهد: (﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾، قال: في النهار). وقال قتادة: (والبعث اليقظة).\nوعن السدي: (﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾، قال: هو أجل الحياة إلى الموت). وقال مجاهد: (وهو الموت). وقال عبد الله بن كثير: (﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾، قال: مدّتهم).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾\nأي: ثم إلى الله بارئكم يكون معادكم ومآلكم، ثم تعرض عليكم أعمالكم في صحفكم، ثم يجازيكم بها، ولا تظلم نفس مثقال ذرة.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾، والله الغالب خلقه، العالي عليهم بقدرته، لا المقهور من أوثانهم وأصنامهم).\nوفي مسهتدرك الحَاكم عن عائشة قالت: [كان إذا تَضَوَّرَ من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القهار، ربّ السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار] (١).\nوقوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾.\nأي: من الملائكة، يحفظون بدن العبد، وغيرهم يحفظ أعماله ويحصيها.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان والحاكم من حديث عائشة. انظر صحيح ابن حبان (٢٣٥٨)، ومستدرك الحاكم (١/ ٥٤٠)، والسلسلة الصحيحة (٢٠٦٦).","vol":"2","page":638},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق].\nقال السدي: (﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، قال: هي المعقبات من الملائكة، يحفظونه ويحفظون عمله). وعن ابن عباس: (والمعقبات من الله هي الملائكة، \"يحفظونه من أمر الله\" قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه).\nوقال مجاهد: (﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: عن اليمين الذي يكتب الحسنات، وعن الشمال الذي يكتب السيئات).\nوفي مُعْجَم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن صاحب الشمال ليرفع القلم ستَّ ساعات عن العبد المسلم المخطيء، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة] (١).\nوفي المسند بسند صحيح عن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله ﷿ له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه] (٢).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.\nقال إبراهيم: (أعوان ملك الموت). وكان ابن عباس يقول: (لملك الموت أعوان من الملائكة). وقال الكلبي: (إنّ ملك الموت هو يلي ذلك، فيدفعه، إن كان مؤمنًا، إلى ملائكة الرحمة، وإن كان كافرًا إلى ملائكة العذاب).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث:\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الطبراني في \"الكبير\" (ق ٢٥/ ٢)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٣٩٤/ ١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٩)، ومالك (٢/ ٩٨٥/ ٥)، والترمذي (٢/ ٥٢)، وأخرجه ابن ماجة في السنن (٣٩٦٩)، وابن حبان (١٥٧٦)، والحاكم (١/ ٤٥ - ٤٦)، وغيرهم.","vol":"2","page":639},{"text":"الحديث الأول: حديث البراء - أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والطيالسي وفيه: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كان وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي لفظ: المطمئنة) اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، حتى إذا خرجت روحه صلّى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾] الحديث. ثم يقول: [وإن العبد الكافر (وفي لفظ: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه معهم المسُوح من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفود الكثير الشعب من الصوف المبلول .... فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بِرَوْحٍ ورَيْحان، وربٍّ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج (٢). قال: فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦)، وأبو داود (١/ ٢٨٢) بسند صحيح من حديث البراء بن عازب ﵁. وانظر أحكام الجنائز (١٥٩).\n(٢) وفي رواية: [ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تعالى].\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، وأبو داود (٣٢١٢) نحوه، وابن ماجة (٤٢٦٢).","vol":"2","page":640},{"text":"الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ - في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا - وفيه: قال النبي - ﷺ -: [فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم - أي: حكمًا - فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة] (١).\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (لا يضيّعون).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (ثم ردت الملائكة التي توفَّوهم فقبضوا نفوسهم وأرواحهم، إلى الله سيدهم الحق، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾، يقول: ألا له الحكم والقضاء دون من سواه من جميع خلقه، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، يقول: وهو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم، أيها الناس، وأحصاها، وعرف مقاديرها ومبالغها).\nوقال القاسمي: (﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يومئذ لا حكم فيه لغيره، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ يحاسب الخلائق في أسرع زمان).\nقلت: والله سبحانه من أسمائه الحكم، وهو بمعنى الحاكم، وحقيقته: الذي سُلِّم له الحكم وَرُدَّ إليه. كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.\nوكقوله في سورة المائدة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤) من حديث أبي سعيد، وأخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢٧٦٦)، وغيرهما.","vol":"2","page":641},{"text":"وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن هانيء بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْمُ] (١).\n٦٣ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطَابُ الله المتتابع لنبيّه - ﷺ -، قل لهؤلاء المشركين بربهم -يا محمد-: من الذي ينجيكم إذا دخلتم في ظلمات سبل البر أو البحر وشعرتم بالخوف ومظنة الهلاك وتحيّرتم بهذا الضياع والضلال، إلا الله تعالى الذي إليه مفزعكم حينئذ بالدعاء، تدعونه استكانة سرًّا وجهرًا، لئن أنجيتنا يا رب من هذه لنخْلِصَنَّ لك الشكر والعبادة. قل لهم يا محمد: الله وحده القادر على نجاتكم وفرَجكم ثم أنتم بعد تَكَرُّمِه عليكم بالنجاة والفرج تشركون. إنه - جلت عظمته - هو القادر أن يعيدكم في الظلمات والأهوال مرة أخرى مقابل خيانتكم العهود والمواثيق وانتكاسكم مرة ثانية في أوحال الشرك، وأن يرسل عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابًا متفرقة يقتل بعضكم بعضًا، فانظر يا محمد تتابع هذه الحجج والآيات على هؤلاء المشركين لعلهم يفقهون.\nفقوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.- قال قتادة: (يقول: من كرب البر والبحر).\nقال القاسمي: (﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ﴾، أي: شدائده، كخوف العدو، وضلال الطريق. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ كخوف الغرق، والضلال، وسكون الريح. استعيرت الظلمة للشدة، لمشاركتها في الهول، وإبطال الأبصار، ودهش العقول. يقال لليوم الشديد: يوم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩٥٥) - كتاب الأدب - باب في تغيير الاسم القبيح، وأخرجه النسائي في السنن (٥٣٨٧) - وانظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٤١٤٥)، وصحيح سنن النسائي -حديث رقم- (٤٩٨٠).","vol":"2","page":642},{"text":"مظلم، ويوم ذو كواكب. أي: اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل، وظهرت الكواكب فيه).\nوقوله: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.\nقال ابن جرير: (﴿تَضَرُّعًا﴾ منكم إليه واستكانة وجهرًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾، يقول: وإخفاء للدعاء أحيانًا، وإعلانًا، وإظهارًا).\nوقوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الشدائد ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: من الطائعين. فوبّخَهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.\nوفي التنزيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣].\nوفيه كذلك: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ [النمل: ٦٣].\nوقال في هذه الآيهْ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.\nأي: إن الله وحده القادر أن ينجيكم من هذه الظلمات ومن كل كرب وهم وغم دون شفاعة أحد ولا عون، ثم أنتم بعد ذلك إذا رجعتم إلى الرخاء تشركون ولا تشكرون.\nقال القرطبي: (﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ تقريع وتوبيخ، مثل قوله في أول السورة: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾. لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص، وهم قد جعلوا بدلًا منه وهو الإشراك، فَحَسُنَ أن يُقَرَّعُوا ويُوَبَّخُوا على هذه الجهة وإن كانوا مشركين قبل النجاة).\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ - فيه أقوال:\n١ - قيل ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ عذاب السماء. ﴿ومن تحتكم﴾ الخسف في الأرض.\nقال السدي: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، عذاب السماء، ﴿أَوْ مِنْ","vol":"2","page":643},{"text":"تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فيخسف بكم الأرض). وكذا قال مجاهد: (الخسف).\n٢ - وقيل: (معنى: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح، كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح). ذكره سعيد بن جبير. ومعنى: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الخسف والرجفة كما فعل بقارون وأصحاب مدين. واختاره ابن جرير.\n٣ - قيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الأمراء الظلمة، و﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: السّفِلة وعبيد السوء.\nقال ابن عباس: (فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء، وأما العذاب من تحت أرجلكم، فخدم السوء). وفي رواية: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، يعني: من أمرائكم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، يعني: سفلتكم).\nقلت: والراجح القول الأول وما في معنى القول الثاني، إذ عليه يدل السياق، وآيات التنزيل. قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: ٦٦ - ٦٩].\nقال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - باب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية. يلبسكم: يَخْلِطَكُم من الالتباس. ﴿يَلْبِسُوا﴾ يخلِطوا. ﴿شِيَعًا﴾: فِرَقًا. حدثنا حَمَّاد بن زيد بن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال رسول الله - ﷺ -: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله - ﷺ -: هذا أهْوَنُ- أو هذا أيْسَرُ] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٢٨) - كتاب التفسير -. ورواه في كتاب التوحيد (٧٤٠٦)، وأخرجه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٣١٣) وفي لفظه: (هاتان أهون، أو أيسر).\nوأخرجه الترمذي (٣٠٦٥)، والنسائي في \"التفسير\" (١٨٤)، وأبو يعلى (١٩٨٢)، وغيرهم.","vol":"2","page":644},{"text":"وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾.\nأي: أو يخلطكم فرقًا ويجعلكم ملتبسين شيعًا متناحرين متخالفين. وفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: الأهواء والاختلاف).\n٢ - قال مجاهد: (الأهواء المتفرقة). قال: (ما كان منكم من الفتن والاختلاف).\n٣ - قال السدي: (يفرق بينكم). وقال ابن زيد: (الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء، وسفك دماء بعضهم بعضًا).\nوقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾.\nقال ابن عباس: (يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب).\nوقال السدي: (بالسيوف). وقال مجاهد: (عذاب هذه الأمة أهل الإقرار، بالسيف: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، وعذاب أهل التكذيب، الصيحة والزلزلة). وقال نوف البكالي: (﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: هي والله الرجال في أيديهم الحراب، يطعنون في خواصركم).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن عامر بن سعدٍ عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - أقبل ذاتَ يوم مِنَ العالية، حتى إذا مَرَّ بمسجد بني مُعاويةَ، دخَلَ فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربَّهُ طويلًا، ثم انصرف إلينا، فقال - ﷺ -: [سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألتُ ربي أَنْ لا يُهْلِكَ أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُهْلِكَ أمتي بالغَرَق فأعطانيها، وسألته أنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُمْ بينهم فَمَنَعَنِيها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن جابر بن عَتِيك أنه قال: [جاءنا عبد الله بن عُمَر في بني معاوية -قرية من قُرى الأنصار- فقال لي: هل تَدْرِي أين صَلّى رسول الله - ﷺ - في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم. فأشرتُ إلى ناحيةٍ منه، فقال: هل تدري ما الثلاثُ التي دعا بهنّ فيه؟ فقلت: نعم. فقال: فَأخبرني بهنَّ،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٨٩٠)، كتاب الفتن، وأخرجه أحمد (١/ ١٧٥)، (١/ ١٨١)، وأبو يعلى (٧٣٤).","vol":"2","page":645},{"text":"فقلت: دعا بِأَلَّا يُظهرَ عليهم عَدُوًّا من غيرهم، ولا يُهْلِكَهُم بالسِنين فَأُعْطِيَهُما، ودَعا بألَّا يجعل بأسهم بينهم، فَمُنِعَها. قال: صَدَقْتَ، فلا يزال الهَرْجُ إلى يوم القيامة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن شدّاد بن أوس، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارِقَها ومغاربها، وإن مُلْكَ أمَّتي سَيَبْلُغ ما زُوِيَ لي منها، وإني أعطيتُ الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي -﷿- ألَّا يُهلِكَ أمتي بِسنَةٍ بِعَامّةٍ، وألا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا فيهلكهم بِعَامَّةٍ، وألَّا يلبسَهُم شيعًا، وألا يذيق بعضَهم بأس بعض. فقال: يا محمد، إني إذا قضيتُ قَضَاءً فإنه لا يُرَدّ، وإني قد أعطيتُك لأمتك ألَّا أُهْلِكَهُم بسنةٍ بعامَةٍ، وألا أسلِّطَ عليهم عَدُوًّا ممن سواهم فَيهلكِوهم بعامَّة، حتى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضًا، وبعضُهم يقتل بعضًا، وبعضهم يَسْبي بعضًا. قال: وقال النبي - ﷺ -: وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المُضِلّين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يُرْفَع عنهم إلى يوم القيامة] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن معاذ بن جبل قال: [صلى رسول الله - ﷺ - يومًا صلاة، فأطال فيها، فلما انصرف قلنا: يا رسول الله أطلتَ اليوم الصلاةَ؟ قال: إني صليتُ صلاة رغبةٍ ورهبة، سألت الله ﷿ لأمتي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، وردَّ عليَّ واحدةً، سألتُه أن لا يُسَلّط عليهم عدوًا من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلكهم غَرَقًا، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها عَلَيَّ] (٣).\nوفي رواية عند أحمد: (أن لا يبعث عليهم سنة تقتلهم جوعًا) بدل \"غرقًا\".\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه أحمد (٥/ ٤٤٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧٨١)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢١): رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال الحافظ ابن كثير في \"التفسير\": (ليس هو في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنّة).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٢٣)، والبزار (٣٢٩١)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢١) رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح. ولأجزائه شواهد في الصحيح.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٩٥١)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (رقم- ١٢١٨)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٤٠)، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير رجاء الأنصاري - قال الذهبي: ما روى عنه سوى الأعمش. لكن له شواهد في المسند (٥/ ٢٤٣) (٥/ ٢٤٧) من طريقين. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٧٢٤).","vol":"2","page":646},{"text":"ويبدو من مجموع هذه الأحاديث أن ذكر الغرق والسنة محفوظ في أصل الحديث، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.\nأي: انظر يا محمد كيف نبين لهم الحجج والدلالات ونفسر لهم الآيات لعلهم يفهمون مقصد هذه الحجج ويتدبرون آفاق هذه الدلالات وما يراد بها من بيان بطلان ما هم عليه من الشرك والمعاصي والآثام.\n٦٦ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يتابع الله تعالى ذكره خطابه لنبيّه، فيقول: وكذب -يا محمد- قومك بما تخبر عن الله من الوحي وتنذر، قل لهم: لست عليكم بحفيظ ولا رقيب، ولكل خبر مستقر ونهاية، فيظهر في آخر المطاف الحق من الباطل ويتميز الصدق من الكذب وسوف تعلمون. وإذا رأيت - يا محمد - المشركين المستهترين الذين يخوضون في الوحي وآيات التنزيل هزوًا ولعبًا فصدّ عنهم وجهك وإياك ومجالستهم، بل قم عنهم واعتزلهم حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم، وإن أنساك الشيطان أمرنا هذا باجتنابهم حالة سخريتهم ثم ذكرت ذلك فامتثل الأمر فوْرَ الذِّكرى ولا تقعد مع القوم الظالمين. ومن اتقى الله فعظم أوامره واجتنب نواهيه، وحصل أن جلس ولم يعرض عن مجلس هؤلاء المستهزئين فما عليه من تبعة إثمهم ما دام سخط ما كانوا عليه، ولكن الإعراض هو الأقرب للتقوى -وهو الذي سيستقر عليه الأمر- لعلهم يتقون.\nفقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.","vol":"2","page":647},{"text":"قال السدي: (كذبت قريش بالقرآن وهو الحق، وأما ﴿الوكيل﴾ فالحفيظ، وأما ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب).\nوقال مجاهد: (﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، لكل نبأ حقيقة، إما في الدنيا وإما في الآخرة، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ما كان في الدنيا فسوف ترونه، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم).\nوقال ابن عباس: (﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يقول: فعل وحقيقة، ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة).\nوقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.\nأي: إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والردّ والاستهزاء فاجتنب مجلسهم واعتزلهم، والخطاب وإن كان للنبي - ﷺ - فهو عام لجميع المؤمنين. قال القرطبي: (فإن العلة سماع الخوض في آيات الله، وذلك يشملهم وإياه).\nقال مجاهد: (﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾: هم الذين يستهزئون بكتاب الله، نهاه الله عن أن يجلس معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر قام).\nقال ابن العربي: (وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل).\nوقال ابن خُوَيْزَ مَنْداد: (من خاض في آيات الله تُركت مجالسته وهُجر، مؤمنًا كان أو كافرًا).\nوقال السدي: (كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي - ﷺ - فسبوه واستهزؤوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره).\nقلت: وهذا النهي ينسحب اليوم على أهل الأهواء والبدع فلا يجلس معهم أثناء بدعتهم.\nقال الفضيل بن عياض: (من جَلَسَ مع صاحبِ بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله ﷿ من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رَجَوْتُ أن يغفر الله له). وقال: (ومن زوّجَ كريمته من مُبْتدع فقد قطع رحمها).\nوفي صحيح مسلم عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات:","vol":"2","page":648},{"text":"[لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض] (١).\nفقوله: \"لعن الله من آوى محدثًا\"، أي: مبتدعًا، وإيواؤه الرضا عنه، وحمايته عن التعرض له، واتخاذه جليسًا ونديمًا، وتقريبه وتوقيره.\nوقوله: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.\nأي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير الذي فيه تكذيب واستهزاء وسخرية بالشريعة.\nوقوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال أبو مالك: (إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم) ذكره السدي عنه.\nوفي التنزيل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. أي: لو تابعتم الجلوس بعد ورود النهي فقد أقررتموهم على استهزائهم فشاركتموهم في الإثم.\nوكذلك: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سلمة -يوم الحديبية والصلح- قال: [فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيتُ شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله - ﷺ -، فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى ...] الحديث (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [من كان\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٦/ ٨٤). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٢٦١) - باب: في من ذبح لغير الله. من حديث علي ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٨٠٧)، كتاب الجهاد، باب غزوة ذي قرد، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٥٢ - ٥٤) من حديث سلمة ﵁.","vol":"2","page":649},{"text":"يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدار عليها الخمر] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن نافع، عن صَفِيّة، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - قال: [من أتى عَرَّافًا فَسَأَلهُ عن شيء لم تُقْبَلْ له صلاةُ أربعين ليلة] (٢).\nوله شاهد عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [من أتى عَرّافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -].\nوقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ - فيه أقوال:\n١ - ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم. قاله سعيد بن جبير.\n٢ - بل معناه وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير.\n٣ - أي: إذا تجنّبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم.\nقلت: والقول الثالث أقواها، أي: إن امتثلتم الاجتناب فاعتزلتم القوم الذين استطردوا بالخوض والاسْتهزاء بآيات الله، فما عليكم من حسابهم من شيء، وإن لم تفعلوا وتابعتم الجلوس فقد أشركتموهم في الإثم - كما قال تعالى في آية النساء: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. وبذلك تكون الآيتان منسجمتين إذ لا دليل على النسخ المزعوم.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرًا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك، ولا يعودون إليه).\nقلت: وهذا تفسير قوي منسجم مع السياق، ومع ما قبله، وقد ذكر ابن جرير نحوه\n_________\n(١) حديث حسن. وهو جزء من حديث أطول، أخرجه الترمذي (٢٩٦٥) - باب ما جاء في دخول الحمام. من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٣٠) - كتاب السلام. باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان. وانظر للشاهد صحيح الجامع (٥٨١٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٧٦) لتفصيل البحث.","vol":"2","page":650},{"text":"عن السدي: (﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾، يقول: إذا ذكرت فقم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مساءتكم، إذا رأوكم لا تجالسونهم استحيوا منكم، فكفوا عنكم).\n٧٠. قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.\nفي هذه الآية: يقول تعالى ذكره لنبيه - ﷺ - في متابعة خطابه: ذر يا محمد هؤلاء الذين حوّلوا علاقتهم بدينهم إلى اللهو واللعب والاستهزاء، وقد اغتروا بزينة هذه الحياة الدنيا فألهتهم وفتنتهم وأنستهم الموت والسؤال والعذاب، وذكرهم بهذا القرآن وما فيه من الوعيد فلا تبسل أنفسهم بما كسبت من الأوزار فتحبس وتسلم للعذاب، ثم لا يقبل من أي نفس أبسلت يومئذ ولو جاءت بملء الأرض ذهبًا لتفتدي به من الشراب الحميم والعذاب الأليم، الذي أعدّ للذين أبسلوا بما كسبوا من الآثام وكانوا يكفوون.\nفقوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾.\nأي: دعهم واعتزلهم فإنهم بذلك على خَطر عظيم.\nقال القرطبي: (أي: لا تعلّق قلبك بهم فإنهم أهل تَعنّت وإن كنت مأمورًا بِوَعْظِهم).\nوقال النسفي: (﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام ﴿لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ سخروا به واستهزؤوا).\nوقوله: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.\nأي: انحصر اهتمامهم وعلمهم بهذه الحياة الفانية وزينتها.\nوقوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾.\nأي: بالقرآن أو الحساب أو الموقف يوم الحسرة والندامة.","vol":"2","page":651},{"text":"وقوله: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾.\nالمعنى كما قال ابن كثير: (لئلا تُبْسَل). وقال ابن جرير: (أن لا تبسل). فحذفت لا، لدلالة الكلام عليها، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. أي: أن لا تضلوا، أو كي لا تضلوا. وفي معنى ﴿تبسل﴾ أقوال متكاملة:\n١ - قال ابن عباس: (تُفضح).\n٢ - قال عكرمة والحسن ومجاهد: (تبسل: تُسْلَم).\n٣ - قال قتادة: (تُحْبَس).\n٤ - وقال مُرّة وابن زيد: (تؤاخذ).\n٥ - وقال الكلبي: (تجازى).\nوكلها أقوال متقاربة متكاملة في بيان المعنى، مفادها كما قال القاسمي: (مخافة أن تسلم إلى الهلاك، وترتهن بسوء كسبها، وغرورها بإنكار الآخرة).\nوأصل الإبسال المنع. يقال: أبسله لكذا: عرضه ورهنه، أو أسلمه للهلكة. قال الرازي: (أبسله: أسلمه للهلكة).\nوقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾.\nقال النسفي: (﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾ ينصرها بالقوة، ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يدفع عنها بالمسألة). قال: والمعنى: (وذكر بالقرآن كراهة أن تبسل نفس عادمة وليًّا وشفيعًا بكسبها).\nوفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾.\nقال قتادة: (لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منها).\nوقال السدي: (فما يعدلها لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لتفتدي به ما قبل منها).\nوقال ابن زيد: (﴿وَإِنْ تَعْدِلْ﴾، وإن تفتد، يكون لهُ الدنيا وما فيها يفتدي بها، ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾، عدلًا عن نفسه، لا يقبل منه).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا","vol":"2","page":652},{"text":"وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\nأي: هؤلاء المشار إليهم الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا وأسلموا للهلاك ولا ناصر ولا شفيع، إنما أسلموا إلى العذاب والهلاك بسبب اغترارهم بهذه الحياة الدنيا، وإنكارهم الحساب في الآخرة، والانهماك في الشهوات المحرمة واستباحتها.\nقال القاسمي: (﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾. أي: ماء مغليّ يتجرجر في بطونهم، وتتقطع به أمعاؤهم، ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: بنار تشعل بأبدانهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم).\n٧١ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جلت عظمته لنبيه - ﷺ - قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين إفراد الله تعالى بالتعظيم، العادلين بربهم الأوثان والأنداد، الداعين لك إلى عبادة آلهتهم والأصنام معهم: أندعو من دون الله حجرًا أو خشبًا أو خلقًا آخر ضعيفًا لا يملك القدرة على جلب منفعة أو دفع مضرة، ونترك عبادة الله الواحد الأحد الصمد الذي بيده النفع والضر والحياة والموت والعز والذل، ونرد على أدبارنا منتكسين لم نظفر بحاجتنا ولم تجب دعوتنا، بعد أن لمسنا عز الهداية وأُنْسَ القرب من الله، فنكون في هذا التدلي كالرجل استتبعه الشيطان فهو يمضي في الحياة حيران، له أصحاب على الحق واستقامة المنهج ينادونه إلى الامتثال وسلوك سبيل النجاة، وهو يأبى ذلك ويهوي في ضلاله. قل يا محمد لهؤلاء المتخبطين في منهاجهم ذلك: إن طريق الله هو الهدى وأمرنا بلزومه","vol":"2","page":653},{"text":"فهو ينقلنا إلى شاطئ السلامة ودار النعيم والأمن والقرار. وَأُمِرْنا بإقامة الصلاة والتزام تقوى الله فإليه المرد والمآل ويحشر الناس إليه جميعًا. إنه وحده - جلت عظمته - الذي خلق السماوات والأرض بالحق والعدل الذي هو إفراده سبحانه بالتعظيم والعبادة، والأمر يومئذ قوله كن فيكون، فقوله الحق وله السلطان ولا يشاركه أحد في الآخرة بأمر أو سلطان، فقد انقطع سلطان كل ذي سلطان يوم ينفخ في الصور، ولم يبق إلا أمر الواحد القهار عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير.\nفقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية.\nقال السدي: (قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، - ﷺ -.\nفقال الله تعالى ذكره: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾، هذه الآلهة، ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض. يقول: مثلكم إن كفرتم بعد الإيمان، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: \"ائتنا، فإنا على الطريق\"، فأبى أن يأتيهم. فذلك مثل من يتبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام) - ذكره ابن جرير.\nثم روى عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل عن الطريق تائهًا ضالًا، إذ ناداه مناد: \"يا فلان ابن فلان، هلم إلى الطريق\"، وله أصحاب يدعونه: \"يا فلان، هلم إلى الطريق\"! فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق).\nوعن مجاهد: (في قوله: ﴿مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾، قال: الأوثان).\nوعن قتادة: (﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: أضلته في الأرض حيران).\nوقال مجاهد: (رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، فذلك مثل من يضل بعد إذ هدي، وقال: (هذا مثل ضربه الله للكافر، يقول: الكافر حيران، يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب).","vol":"2","page":654},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إلى قوله: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nقال قتادة: (علمها الله محمدًا وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.\nكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ..﴾ [الزمر: ٣٧].\nوكقوله سبحانه: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].\nوقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (وأمرَنا ربنا وربّ كل شيء تعالى وجهه، لنسلم له، لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية، فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة).\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. أي: وأمرنا -تعالى ذكره- أن أقيموا الصلاة.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: وَأُمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: يوم الحشر، يوم الحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾.\nقال القرطبي: (أي: فهو الذي يجب أن يعبد لا الأصنام. ومعنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بكلمة الحق. يعني قوله: ﴿كُنْ﴾).\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾.\nقال القاسمي: (بيان لقدرته تعالى على حشرهم، بكون مراده لا يتخلف عن أمره، وأن قوله وأمره هو النافذ والواقع. والمراد بـ (القول) كلمة ﴿كُنْ﴾ تحقيقًا أو تمثيلًا).\nوالتقدير: واذكر يوم يقول كن. أو اتقوا يوم يقول كن، أو قدّر يوم يقول كن. ذكره القرطبي. فيكون ﴿يَوْمَ﴾ قد نُصِبَ على العطف على قوله ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ - أي: اتقوا يوم يقول كن فيكون. أو على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ - أي: وخلق يومَ يقول كن فيكون.","vol":"2","page":655},{"text":"وإما على إضمار فعل تقديره اذكر - أي: واذكر يوم يقول كن فيكون. ذكره ابن كثير. قلت: وكلها من وجوه الإعجاز القرآني يحتملها السياق وتفيد في بسط المعنى وآفاق مفهومه.\nوقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾.\nقال النسفي: (والمعنى: أنه خلق السماوات والأرض بالحق والحكمة وحين يقول لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة، أي: لا يكون شيئًا من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾.\nأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: [قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصّور؟ قال: قَرْنٌ ينفخ فيه] (١).\nفالصور هو القَرْن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ حين يأخذ الأمر من ربه ﷿. كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].\nوكما قال - جلت عظمته -: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].\nيروي البخاري عن ابن عباس: [قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ الصور. و﴿الرَّاجِفَةُ﴾: النفخة الأولى. و﴿الرَّادِفَةُ﴾: الثانية] (٢).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت (٣). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبتُ البقلُ.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣١٢)، وأبو داود في السنن (٤٧٤٢)، والترمذي في الجامع (٣٢٤٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٦).\n(٢) حديث صحيح. رواه البخاري في ترجمة باب. انظر تخريج المشكاة (٥٥٢٩). وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٢٧) - بحث النفخ في الصور - لمزيد من التفصيل.\n(٣) أي: امتنعت عن الجواب لأني ما أدري ما الصواب.","vol":"2","page":656},{"text":"قال: وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذنب (١)، ومنه يُركب الخلق يوم القيامة] (٢).\nفإذا تذكر المسلم هول ذلك اليوم ونفخة الصور قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.\nفقد أخرج الترمذي في جامعه بسند حسن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (٣).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ إما أن يكون بدلًا من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nأو أن يكون ظرفًا لقوله سبحانه: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، كما قال جل ذكره: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وكقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].\nوقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور).\nوالراجح أن ﴿عَالِمُ﴾ صفة لـ ﴿الَّذِي﴾ خلق السماوات والأرض. أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره \"هو\".\nوالتقدير: أي وهو الذي خلق السماوات والأرض عالم الغيب. واختاره شيخ المفسرين، وكذلك الإمام القرطبي.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.\nأي: الحكيم في أقواله وأفعاله، الخبير بأعمال عباده وأعمارهم ومستقبلهم بين يديه. قال النسفي: (﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في الإفناء والإحياء. ﴿الْخَبِيرُ﴾ بالحساب والجزاء).\n_________\n(١) هو العظم بين الأليتين أسفل الصلب، فمنه خُلِق - الإنسان - وفيه يركب. ففي رواية لمسلم: [كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجبَ الذنب، منه خلق وفيه يركب].\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٥)، وأخرجه مسلم (٢٩٥٥/ ١٤١)، وغيرهما.\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٨٥) - أبواب فضائل القرآن - سورة الزمر.","vol":"2","page":657},{"text":"٧٤ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يتابع الله سبحانه في ذكر براهين الحق وحجج الدلالة والحكمة ليواجه نبيه - ﷺ - خصومه المنكرين الجاحدين المشركين - واذكر يا محمد خليلي إبراهيم إذ قال لأبيه آزر معيبًا عليه اتخاذ الأوثان آلهة من دون الله، ومنكرًا عليه وعلى قومه باطل ما هم مقيمون عليه من الضلال في العبادة: كيف تعبد - يا أبت - هذه الأصنام وتتخذها ربًّا دون الله الذي خلقك وسَوّاك ورزقك. وكذلك - يا محمد - نُبَصِّرُ - إبراهيم في دينه، ونريه الحق في ملكوت السماوات والأرض ليكون أحسن العابدين المؤمنين. فلما واراه الليل وغيّبه أبصر كوكبًا حين طلع فقال هذا ربي، فلما زال وقد علم أن ربه دائم لا يزول قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر قد طلع وسطع قال هذا ربي فلما ذهب قال لئن لم يمنّ الله عليّ بهدايته لأكونّن من الذين أخطؤوا طريق الحق والهدى، وعبدوا غير الله. فلما رأى الشمس طالعة قال هذا الطالع ربي، هذا أكبر من الكوكب والقمر، فلما غابت قال إبراهيم لقومه إني بريءٌ من عبادة الأوثان والأصنام وهذه المخلوقات الزائلة، بل وجهت وجهي في عبادتي للذي خلق السماوات والأرض وهو الحي لا يموت ولا يزول ولا يفنى، مخلصًا له الدين وما أنا من المشركين.\nفقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾.\nقال السدي: (اسم أبيه آزر).\nوكذلك قال محمد بن إسحاق: (﴿آزَرَ﴾ أبو إبراهيم).","vol":"2","page":658},{"text":"قلت: ولا عبرة بكلام آخر غير هذا، فالقرآن صرّح باسم والد إبراهيم ﵊ أنه ﴿آزَرَ﴾، وكذلك صرّحت السنة الصحيحة.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال:\n[يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قتَرَةٌ وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد. فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافريق. ثم يقال لإبراهيم: ما تحتَ رجليك؟ فينظر فإذا هو بذِيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار] (١).\nوقوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾.\nأي: تتأله لصنم تصرف له العبادة من دون الله.\nوقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nأي: إني أراك والقوم السالكين دربك وطريقتك في العبادة تائهين ضالين جائرين عن الحق وعن قصد السبيل.\nوفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨].\nقال ابن كثير: (فكان إبراهيم - ﵇ - يستغفر لأبيه مُدَّةَ حياته، فلما مات على الشرك وتبيّن إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له، وتبرّأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري (١٣٤٤). والقترة: السواد من الكآبة والحزن. والذيخ: ذكر الضبع الكثير الشعر. والحديث ذكره الإمام البخاري في كتاب الأنبياء.","vol":"2","page":659},{"text":"وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال القاسمي: (أي: نطلعه على حقائقهما، ونبصره في دلالتهما على شؤونه ﷿، من حديث إنهما بما فيهما، مربوبان ومملوكان، له تعالى. و﴿الملكوت﴾ مصدر على زنة المبالغة، كالرَّهَبوت والجبروت، ومعناه: الملك العظيم، والسلطان القاهر. وقيل: ملكوتهما عجائبهما وبدائعهما).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩].\nوقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.\nقال النسفي: (فعلنا ذلك أو ليستدل، وليكون من الموقنين عيانًا كما أيقن بيانًا).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾\nأي: ستره بظلمته. قال ابن جرير: (وكل ما توارى عن أبصار الناس، فإن العرب تقول فيه: \"قد جَنَّ\"). ومنه الجَنّة والجِنّة والجُنّة والجَنين والمِجَنّ والجن كله بمعنى الستر. قال القرطبي: (وجَنان الليل ادلهمامُه وستره).\nقال: (ويقال: جنون الليل أيضًا. ويقال: جَنّه الليل وأجَنّه الليل، لغتان).\nوالمقصود: فلما أظلم الليل على إبراهيم ﵊ وستره بظلامه ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾. أي: نجمًا، والكوكب لغة النجم.\nوفي قوله: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾.\nقال النسفي: (أي: الزهرة أو المشتري، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئًا منها ليس بإله لقيام دليل الحدوث فيها، ولأن لها محدثًا أحدثها ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها).","vol":"2","page":660},{"text":"وقوله: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾\nقال القاسمي: (إرخاء للعنان معهم بإظهار موافقته لهم أولًا، ثم إبطال قولهم بالاستدلال، لأنه أقرب لرجوع الخصم).\nقال الزمخشري: (قول إبراهيم ذلك، هو قول من ينصف خصمه، مع علمه بأنه مبطل. يحكي قولَهُ كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأنجى من الشغَب. ثم يكرّ عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾. أي: غاب. ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. قال قتادة: (علم أنَّ ربه دائم لا يزول).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾. أي: طالعًا منتشر الضوء. وبزغت الشمس إذا طلعت، وكذلك القمر.\nوقوله: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. على الأسلوب المتقدم. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. قال ابن جرير: (أي: من القوم الذين أخطؤوا الحق في ذلك، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله).\nقال النسفي: (نبّه قومه على أن من اتخذ القمر إلهًا فهو ضال، وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال، لأن الاحتجاج به أظهر، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾.\nفنصب قوله ﴿بَازِغَةً﴾ على الحال، لأن هذا من رؤية العين. وفي لغة العرب: بزغ وأفل متضادان. بزغ يَبْزُغ بُزوغًا إذا طلع، وأفلَ يأفِلُ أفولًا إذا غاب.\nقال الكسائي: (﴿هَذَا رَبِّي﴾ على معنى: هذا الطالع ربي). وقيل: هذا الضوء.\nقال القرطبي: (وقال: ﴿هَذَا﴾ والشمس مؤنثة، لقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾. فقيل: إن تأنيث الشمس لتفخيمها وعِظمها، فهو كقولهم: رجل نَسّابة وعلّامة).\nوقال ابن جرير: (﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾، يعني: هذا أكبر من الكوكب والقمر، فحذف ذلك لدلالة الكلام عليه).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾. أي: غابت. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.","vol":"2","page":661},{"text":"قال ابن كثير: (فلما انتفتِ الإلهيّة عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنورُ ما تقعُ عليه الأبصارُ، وتحقَّق ذلك بالدليل القاطع ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾، أي: أنا بريء من عبادتهنَّ وموالاتهنَّ، فإن كانت آلهةً فكيدوني بها جميعًا ثم لا تُنْظرون).\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nأي: إنما أتوجه بالعبادة وكمال التعظيم لخالق هذه الموجودات والأشياء ومخترعها ومسخّرها ومقدّر أمورها ومدبر أحوالها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وكل شيء في هذا الكون فقير إليه محتاج إلى قوته وقيوميته وتدبيره وتصريفه.\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف].\nوفي التنزيل: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ [النمل].\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي تميمةَ عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله - ﷺ -، أو قال: شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشَفَ عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).\nوقد أثنى الله سبحانه على إبراهيم - ﵊ - في غير ما موضع في القرآن:\nقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٤٠٨٤). ورواه أحمد بسند صحيح. انظر تخريج المشكاة (٩١٨)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٤٢). وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٤٤٢).","vol":"2","page":662},{"text":"وقال تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nوقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾\nأخرج البخاري من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وأول من يُكْسى يوم القيامة إبراهيم] (١).\nوفي صحيح البخاري أيضًا عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: [أن النبي - ﷺ - لما رأى الصُّورَ في البيت لم يدخل حتى أمرَ بها فمُحِيَتْ، ورأى إبراهيم وإسماعيلَ ﵉ بأيديهما الأزلامُ فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط] (٢).\nوقوله: ﴿حَنِيفًا﴾.\nأي: مائلًا عن الأديان الباطلة، والتصورات الزائفة الزائغة، إلى الحق القويم، دين رب العالمين، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كل مولود يولد على الفِطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسَانه، كما تولد البهيمة بهيمةً جمْعاء، هل تحسون فيها من جدعاء] (٣).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حِمار قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله ﷿: إني خلقت عبادي حُنَفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٤٩) ضمن حديث أطول - كتاب أحاديث الأنبياء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٣٣٥٢) - كتاب أحاديث الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام. من حديث عبد الله بن عباس ﵄.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٥٣)، والترمذي في الجامع (٢١٣٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٨٦٥)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٦)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٥٣).","vol":"2","page":663},{"text":"٨٠ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول سبحانه: وجادل إبراهيم قومه في إفراده الله سبحانه بالتعظيم وبراءته من أصنامهم، وكانوا يزعمون أن آلهتهم خير من إلهه، فقال: أتجادلونني في توحيد الله الواحد الأحد الصمد وقد وفقني برحمته لمعرفة توحيده وإفراده بالعبادة والتعظيم، ولا أخاف آلهتكم التي تدعونها فما تملك لي ضرًا ولا نفعًا، بل خوفي من الله الذي بيده النفع والضر، والرزق والضيق أو النقصان. ثم كيف أرهب ما أشركتموه في عبادتكم ربَّكم وهو مخلوق ضعيف لا يملك ضرًا ولا نفعًا وأنتم لا تخافون الله الواحد القهار الذي دان له الكون بكل ما فيه، فمن الذي هو أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. إن المؤمنين الصادقين في توحيد ربهم وتعظيمه أحق بالأمن، فالأمن أمن الإيمان، والهلاك في الشرك وأهله، وهذه بعض حججنا علمناها إبراهيم - ﵊ - ليواجه بقوارعها بهتان قومه وعنادهم، نختار للمعالي والدرجات من نشاء من عبادنا، إن الله حكيم - حيث يضع رسالته، عليم بقلوب وأفعال عباده.\nفقوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾.\nقال ابن جريج: (﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾، قال: دعا قومُه مع الله آلهة، وخوّفوه بآلهتهم أن يُصيبَهُ منها خَبَل، فقال إبراهيم: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾، قال: قد عرفت ربي، لا أخاف ما تشركون به).\nقال ابن جرير: (﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ يقول: ولكن خوفي من الله الذي خلقني وخلق السماوات والأرض، فإنه إن شاء أن ينالني في نفسي أو مالي بما شاء من فناء أو","vol":"2","page":664},{"text":"بقاءٍ، أو زيادة أو نقصان أو غير ذلك، نالني به، لأنه القادر على ذلك. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يقول: وعلم ربي كلَّ شيء، فلا يخفى عليه شيء، لأنه خالق كل شيء، ليس كالآلهة التي لا تضر ولا تنفع ولا تفهم شيئًا، وإنما هي خشبة منحوتة، وصورة ممثلة، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يقول: أفلا تعتبرون، أيها الجهلة، فتعقلوا خطأ ما أنتم عليه مقيمون، من عبادتكم صورة مصوّرة وخشبة منحوتة، لا تقدر على ضر ولا على نفع، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله، وترككم عبادة من خلقكم وخلق كل شيء، وبيده الخير، وله القدرة على كل شيء، والعالم بكل شيء).\nوقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾.\nقال محمد بن إسحاق: (يقول: كيف أخاف وثنًا تعبدون من دون الله لا يضر ولا ينفع، ولا تخافون أنتم الذي يضر وينفع، وقد جعلتم معه شركاء لا تضر ولا تنفع).\nوقوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن جريج: (أمَنْ يعبد ربًّا واحدًا، أم من يعبد أربابًا كثيرة؟).\nقال محمد بن إسحاق: (يضرب لهم الأمثال، ويصرِّف لهم العبر، ليعلموا أن الله هو أحق أن يخاف ويعبد مما يعبدون من دونه).\nقال مجاهد: (قول إبراهيم حين سألهم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾، هي حجة إبراهيم - ﷺ -).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\nقال محمد بن إسحاق: (أي: الذين أخلصوا كإخلاص إبراهيم - ﷺ - لعبادة الله وتوحيده، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، الأمن من العذاب، والهدى في الحجة بالمعرفة والاستقامة).\nوقال ابن زيد: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، قال بِشرك. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فأما الذنوب فليس يبرأ منها أحد).\nأخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله قال: [لمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ","vol":"2","page":665},{"text":"بِظُلْمٍ﴾، قال أصحابه: وأيّنا لم يظلم نفسه؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾] (١).\nوأخرج الإمام مُسلم في صحيحه عن عَلْقَمَةَ، عن عبد الله قال: [لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - وقالوا: أيّنا لا يظلمُ نَفْسَهُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ليس هو كما تَظُنُّون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]] (٢).\nوفيِ لفظ أحمد: [إنه ليسَ الذي تعنُون! ألم تسمعوا ما قال العبدُ الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، إنما هو الشرك].\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾.\nقال مجاهد: (قال إبراهيم حين سأل: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾؟ قال: هي حجة إبراهيم، وقوله: ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾، يقول: لقناها إبراهيم وبصَّرناه إياها وعرَّفناه).\nوقرأ قراء الكوفة: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، في حين قرأها قراء الحجاز والبصرة: ﴿نرفع درجاتِ مَنْ نشاء﴾. وهما قراءتان مشهورتان متقارب معناهما. قال ابن جرير: (وذلك لأن من رفعت درجته، فقد رفع في الدرج، ومن رفع في الدرج، فقد رفعت درجته. قال: فمعنى الكلام إذن: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾، فرفعنا بها درجته عليهم، وشرّفناه بها عليهم في الدنيا والآخرة. فأما في الدنيا فآتيناه فيها أجره، وأما في الآخرة، فهو من الصالحين، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، أي: بما فعل من ذلك وغيره).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [يا أيها الناس! إنكم تحشرون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢)، (٤٦٢٩). وأخرجه مسلم (١٢٤)، وأحمد (١/ ٣٨٧)، وغيرهم. من حديث عبد الله ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢٤) - كتاب الإيمان، باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، ورواه ان حبان في صحيحه (٢٥٣)، وأخرجه ابن مندة (٢٦٨)، وغيرهم. وانظر للفظ التالي مسند أحمد (١/ ٣٧٨) بإسناد على شرط الشيخين.","vol":"2","page":666},{"text":"إلى الله حُفاة عُراة غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. ألا وإن أول الخلائق يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم ..] الحديث (١).\nوقال القرطبي: (﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾: أي: بالعلم والفهم والإمامة والملك). وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال القاسمي: (﴿حَكِيمٌ﴾ في رفعه وخفضه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بحال من يرفعه واستعداده له).\nوقال شيخ المفسرين: (إن ربك، يا محمد، ﴿حكيم﴾، في سياسته خلقَه، وتلقينه أنبياءَه الحجج على أممهم المكذبة لهم، الجاحدة توحيد ربهم، وفي غير ذلك من تدبيره، ﴿عَلِيمٌ﴾، بما يؤول إليه أمر رسله والمرسل إليهم، من ثبات الأمم على تكذيبهم إياهم، وهلاكهم على ذلك، أو إنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد الله تعالى ذكره وتصديق رسله، والرجوع إلى طاعته).\n٨٤ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾.\nفي هذه الآيات: اختصاصُ الله سبحانه إبراهيم ﵊ بذرية فيها النبوة، منهم ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب، هديناهم لسبيل الرشاد، كما هدينا\n_________\n(١) حديث صحيح. غُرْلًا أي غير مختونين. انظر مختصر صحيح مسلم (٢١٥١) ص (٥٧١). ورواه البخاري في صحيحه (٣٣٤٩)، ضمن حديث أطول.","vol":"2","page":667},{"text":"نوحًا لذلك من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، كذلك نجزي بالإحسان كل محسن. كما هدينا أيضًا من ذرية نوح إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وفضلناهم على العالمين. كما هدينا من آباء هؤلاء وذرياتهم أمة اخترناها لهذا الدين، وهذا الهدى توفيق الله ولطفه بمن يشاء من عباده، ولو أشرك هؤلاء الأنبياء لبطل ما كانوا يعملون ولذهب جزاء ما كانوا يتقربون. وهؤلاء الذين سميناهم من الأنبياء والرسل قد آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، فإن يكفر بها قومك يا محمد، فقد استحفظناها أولئك الرسل والأنبياء ومن سار معهم على هداهم وما كانوا بها كافرين، وهؤلاء الذين هدى الله من إخوتك الأنبياء والرسل قبلك يا محمد موضع القدوة والأسوة في أمة الدعوة من الخلق أجمعين، فامض على منهاجهم واصبر على إقامة الحق والدين في الأرض، وأخبر قومك أنك لا تريد بهذا البلاغ عوضًا فما هو إلا ذكرى للعالمين.\nفقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾.\nقال ابن كثير: (يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طَعَنَ في السنِّ، وأيس هو وامرأته \"سارّة\" من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبَشَّروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢، ٧٣]. وبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلًا وعَقِبًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]. وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، أي: ويولد لهذا المولود ولدٌ في حياتكما، فتقرّ أعينكما به كما قَرَّتْ بوالده، فإن الفَرَح بِوَلَدِ الولدِ شديدٌ لبقاء النَّسل والعَقِب. ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يُتَوهَّم أنه لا يُعْقَبُ لضعفه وقعت البشارة به وبولده باسم \"يعقوب\"، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاةً لإبراهيم - ﵇ - حين اعتزل قومه وترَكهم، ونزَحَ عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبًا إلى عبادة الله في الأرض، فعوّضه الله - ﷿ - عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صُلْبِه على دينه، تَقَرُّ بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩]. وقال ها هنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾).","vol":"2","page":668},{"text":"وقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.\nأي: وفقناه إلى اتباع منهج الحق قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال القاسمي: (﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبله، هديناه كما هديناه. وعدّ هداه نعمة على إبراهيم، من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد). قال ابن كثير: (كل منهما له خصوصية عظيمة. أما نوح ﵇ فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض، إلا مَن آمن به، وهم الذين صَحِبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح وكذلك الخليل إبراهيم ﵇، لَمْ يبعث الله - ﷿ - بعده نبيًا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. . .﴾ [العنكبوت: ٢٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]).\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والبيهقي في \"الأسماء\"، بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [إن نبيّ الله نوحًا - ﷺ - لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ: \"لا إله إلا الله\" فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كنّ حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر. قال: قلت: أو قيل: يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: لا، قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: لا. قيل: يا رسول الله فما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمص الناس] (١).\nوقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. فيه قولان:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٤٨)، وأخرجه البيهقي في \"الأسماء\" (٧٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٤).","vol":"2","page":669},{"text":"القول الأول: وهدينا من ذريته - أي: من ذرية نوح - ﷺ - هؤلاء الرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام.\nقال ابن جرير: (﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾، من ذكر نوح. وذلك لأن الله تعالى ذكره ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطًا فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ومعلوم أن لوطًا لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليهم أجمعين. قال: ولكنه من ذرية نوح).\nالقول الثاني: وهدينا من ذريته - أي: ذرية إبراهيم - ﷺ - هؤلاء الرسل الكرام.\nقال ابن عباس: (هؤلاء الأنبياء جميعًا مضافون إلى ذرية إبراهيم، وإن كان فيهم مَنْ لم تلحقه ولادة من جهته من جهة أب ولا أم، لأن لوطًا ابن أخي إبراهيم).\nوالعرب تجعل العمّ أبًا كما أخبر الله عن ولد يعقوب أنهم قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. وإسماعيل عمُّ يَعْقوب.\nقال القرطبي: (وعدّ عيسى من ذرية إبراهيم وإنما هو ابن البنت. فأولاد فاطمة ﵂ ذريّة النبي - ﷺ -. وبهذا تمسك من رأى أن ولد البنات يدخلون في اسم الولد. قال أبو حنيفة والشافعي: من وَقَفَ وقفًا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا).\nقلت: وفي السنة الصحيحة ما يدل على هذا:\nفقد أخرج البخاري من حديث أبي بكرة أن رسول الله - ﷺ - قال للحسن بن علي: [إن ابني هذا سيِّد، ولعل الله أن يُصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين] (١).\nقال ابن كثير: (وعود الضمير - في ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى ﴿نوح﴾ لأنه أقرب المذكورين، ظاهر. وهو اختيار ابن جرير، ولا إشكال عليه. وعودُه إلى ﴿إبراهيم﴾ لأنه الذي سيقَ الكلام من أجله حَسَن، لكن يشكل على ذلك ﴿لوط﴾، فإنه ليس من ذرية ﴿إبراهيم﴾، بل هو ابن أخيه ماران بن آزَرَ، اللهم إلا أن يُقَالَ: إنه دخل في الذريَّة تغليبًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٠٤) و(٣٦٢٩)، وأبو داود (٤٦٦٢)، وأحمد (٥/ ٤٩). وأخرجه النسائي (٣/ ١٠٧). والحديث يدل أن بني البنات تدخل في وصية الرجل لذريته.","vol":"2","page":670},{"text":"مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، فإسماعيل عمه، ودخل في آبائه تغليبًا. وكما في قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ. .﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١]، فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذُمَّ على المخالفة، لأنه كان قد تشبه بهم، فعومل معاملتهم ودخل فيهم تغليبًا، وإلا فهو كان من الجِنّ وطبيعته من النار والملائكة من نور).\nقلت: وكلا المعنيين حق، ويحتملهما السياق، وإعجاز البيان الإلهي الكريم.\nو(داود): هو داود بن إيشا. و(سليمان) هو ابنه: سليمان بن داود. و(أيوب): هو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم. و(يوسف): هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. و(موسى): هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. و(هرون): هو أخو موسى.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\nقال النسفي: (ونجزي المحسنين جزاء مثل ذلك، فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف).\nوقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وهدينا أيضًا لمثل الذي هدينا له نوحًا من الهدى والرشاد من ذريته: زكريا بن إدُّو بن برخيَّا، ويحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن حزقيا). ثم ذكر قولين في إلياس:\n١ - كان ابن إسحاق يقول: هو إلياس بن يسي بن فنحاص بن العيزار بن هرون بن عمران، ابن أخي موسى نبيّ الله - ﷺ -.\n٢ - وكان غيره يقول: هو إدريس. فعن عبد الله بن مسعود قال: (\"إدريس\" هو \"إلياس\"، و\"إسرائيل\"، هو \"يعقوب\") - ذكره بسنده إليه.\nثم قال شيخ المفسرين: (وأما أهل الأنساب فإنهم يقولون: \"إدريس\"، جدّ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، و\"أخنوخ\" هو \"إدريس بن يرد بن مهلائيل\". وكذلك روي عن وهب بن منبه، والذي يقول أهل الأنساب أشبه بالصواب. وذلك أن الله تعالى ذكره نسب \"إلياس\" في هذه الآية إلى \"نوح\"، وجعله من ذريته، و\"نوح\" ابن \"إدريس\" عند أهل العلم، فمحال أن يكون جدّ أبيه منسوبًا إلى أنه من ذريته).","vol":"2","page":671},{"text":"وقوله: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nيعني هؤلاء الرسل الكرام: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾.\nالمعنى: وكذلك هدينا أيضًا من تلك الذرية ﴿إسماعيل﴾، وهو: إسماعيل بن إبراهيم، ﴿واليسع﴾، وهو: اليسع بن أخْطُوب بن العجوز، كما ذكر ابن جرير.\nقال القرطبي: (وتوهّم قوم أن اليسع هو إلياس، وليس كذلك، لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر. وقال وهب: اليسع هو صاحب إلياس، وكانا قبل زكرياء ويحيى وعيسى). وقيل: إلياس هو الخضر، وقيل: بل اليسع هو الخضر، والله تعالى أعلم.\n﴿ويونس﴾: هو يونس بن متى. ﴿وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: على عالم أزمانهم.\nوقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾.\nيعني: وهدينا كذلك مما لم نذْكر آخرين سواهم من آباء مَنْ سمَّيْنا، وكذلك من ذرياتهم وإخوانهم، هديناهم للحق والدين الخالص ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾. قال مجاهد: (أخلصناهم).\nوقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوهو الدين الحق الذي ارتضاه الله للأنبياء والرسل والعباد.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.\nأي: هذا التسديد والتوفيق لطاعة الله على منهاج الرسل الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما هو شرف يؤتيه الله من يشاء من عباده، واصطفاء واجتباء منه سبحانه، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعرف بقلوب عباده وحبهم له ولطاعته وإقامة دينه كما قال جل ذكره: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nتحْذيرٌ من مغبة الشرك وتَغْليظٌ لأمره. وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله تعالى: (﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]. وكقوله","vol":"2","page":672},{"text":"جل ذكره: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧].\nفالمعنى: ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سمّاهم ربهم فعبدوا معه غيره، لبطل ثواب عملهم ولذهب الأجر وكان الهلاك. ولكنهم لم يفعلوا فقد كانوا خير البشر بحق، واستحقوا الاصطفاء بصدق، فليحذر مغبة الشرك أقوامهم ومن جاء بعدهم من أمة الخلق. فإن الله تعالى لا يحابي أحدًا.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعِزّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذّبته] (١).\nورواه الإمام أحمد عنه بلفظ: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار] (٢).\nورواه الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته] (٣).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.\nيعني الفهم بالكتاب، وَفِقْهَ ما فيه من الأحكام والشرائع، واصطفاء مقام النبوة. والحديث عن الأنبياء والرسل الذين مضى ذكرهم والثناء عليهم، فقد قاموا بمهمة النبوة والحكم بمنهاج الوحي أحسن قيام - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوقوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: إن يكفروا بالقرآن). والمعنى: فإن يكفر - يا محمد - هؤلاء المشركون من قومك. قال قتادة: (أهل مكة).\nوقوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾\nقال قتادة: (أهل المدينة) - يعني الأنصار الذين استجابوا لله والرسول وحرسوا هذا الدين مع إخوانهم من المهاجرين. قال السدي: (إن تكفر بها قريش، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٣٥ - ٣٦)، وروى البخاري في الأدب المفرد (٥٥٢) نحوه. من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٨)، (٢/ ٣٧٦)، وانظر سنن أبي داود (٤٠٩٠)، وسنن ابن ماجه (٤١٧٤)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٤١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٦١) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤١٨٥).","vol":"2","page":673},{"text":"الأنصار). قال ابن كثير: (أي: إن يكفر بهذه النعم (١) من كَفَرَ بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عَرَبٍ وعجم، ومِلّيين وكتابيِّين، فقد وكلنا بها قومًا آخرين، يعني: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، أي: لا يجحدون شيئًا منها، ولا يَرُدّون منها حرفًا واحدًا، بل يؤمنون بجميعها: مُحْكَمِها ومُتَشَابهها، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه وإحسانه).\nوقيل: المقصود: الملائكة. وقيل بل المقصود: الأنبياء الثمانية عشر. واختاره ابن جرير.\nقلت: والراجح ما ذهب إليه الحافظ ابن كثير، من أن المقصود مَنْ يحملُ رسالة النبي محمد - ﷺ - من أمته بعد استكبار كفار قريش وبعض العرب والملل عن ذلك، فيشمل المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم ومضى على منهاجهم إلى يوم الدين، من جماعة الحق وطائفة المؤمنين حفظة هذا الدين.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عمر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [أكرموا أصحابي فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا من سرَّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهم، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن] (٢).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.\nقال ابن عباس: (ثم قال في الأنبياء الذين سماهم في هذه الآية: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾).\nوالمعنى: هؤلاء أهل الهداية والمراتب الرفيعة عند الله - يا محمد - من إخوتك الأنبياء الذين سبقوك وكانوا على منهاج الحق والنبوة، فاقتد بهم في الطريق والمنهج فإن دين الأنبياء والمرسلين واحد.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال: أخبرني سُليمان الأحْوَلُ: [أن\n_________\n(١) يعني: النعم السابقة - الكتاب والحكم والنبوة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٧٧) من حديث عمر ﵁، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤٣١) بلفظ \"أحسنوا\".","vol":"2","page":674},{"text":"مجاهدًا أخْبَرَهُ: أنَّه سألَ ابن عباس أفي ﴿ص﴾ سَجْدَةٌ؟ فقال: نَعَمْ، ثم تلا ﴿وَوَهَبْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثم قال: هو منهم.\nزاد يزيدُ بنُ هارون، ومحمدُ بن عُبَيْدٍ، وسَهْلُ بنُ يوسفَ عن العَوَّام، عن مجاهد: قُلْتُ لابن عباس، فقال: نبيّكم - ﷺ - مِمَّن أمِرَ أَنْ يُقْتَدي بهم] (١).\nوقوله: ﴿هو منهم﴾، قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٩٥): (أي: داود ممن أُمِرَ نبيكم أن يقتدي به). ومراد ابن عباس - كما ذكر أهل العلم - إثبات سنية السجود في سورة ﴿ص﴾ إذ سجد داودُ ﵇.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أولادُ علّات (وفي رواية: الأنبياء إخوة من علات)، أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (٢).\nوبنو العلات هم أولاد الرجل الواحد من نساء شتى، لذلك أمرنا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بالصلاة عليهم كما نصلي عليه.\nفقد أخرج البيهقي في \"شعب الإيمان\" بإسناد حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني] (٣).\nوله شاهد عند ابن عساكر بسند حسن عن وائل بن حجر ولفظه: [صلوا على النبيين إذا ذكرتموني، فإنهم قد بُعثوا كما بُعثت].\nفربط الله تعالى منهاج نبينا محمد - ﷺ - بمنهاج إخوته الأنبياء قبله، وأمرنا بالصلاة عليهم كلما ذكرناه وصلينا عليه، فإنهم قد بعثوا جميعًا بدين واحد ومنهج واحد فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٦٣٢) - كتاب التفسير، باب قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٤٤٢)، كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلك (٣٤٤٣)، ورواه مسلم في الصحيح (٢٣٦٥) ح (١٤٤) (١٤٥)، كتاب الفضائل.\n(٣) حديث حسن. أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\". انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٦٧٦)، وللشاهد بعده - حديث رقم - (٣٦٧٥)، وكذلك انظر تخريج فضل الصلاة - حديث رقم - (٤٢) - الألباني. وروى الخرائطي نحوه.","vol":"2","page":675},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.\nأي: لا أطلب منكم على القرآن جُعْلًا ولا أجرة ولا مالًا، بل هو موعظة للخلق، فمن شاء استفاد من هذه الذكرى واتعظ وتهيأ ليوم المعاد، ودافع الكفر بالصدق واليقين والإيمان.\n٩١ - ٩٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جلت عظمته: وما عظموا الله حق تعظيمه، وما أَجَلُّوه حق إجلاله، حين قالوا ما أنزل الله على آدمي كتابًا ولا وحيًا! فقل يا محمد - لمشركي قومك -: من أنزل التوراة جلاءً وضياء وبيانًا للناس يجعلها حملتُها قراطيس - أي: قِطعًا - يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرِّفون فيها ويبدلون ويغيرون ويقولون كذبًا هذا من عند الله، ثم قل لهم يا محمد: ومَنْ أنزل القرآن الذي علَّمكم الله فيه خبر الأمم التي سبقتكم، وأنبأكم فيه ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم؟ ! قل الله أنزله بعلمه ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يتخبطون ويلعبون. وهذا القرآن كتاب مبارك أنزله الله سبحانه وختم به الكتب من عنده مصدقًا لما قبله ولتنذر به مكة وما حولها من أحياء العرب وسائر طوائف بني آدم من عرب وعجم، وكل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن بهذا الكتاب ويحافظ على الصلاة وسائر الفرائض من شعائر هذا الدين.\nفقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nقال ابن عباس: (ما آمنوا أنه على كل شيء قدير). وقال الحسن: (ما عظموه حق عظمته).\nقال القرطبي: (وشرحُ هذا أنهم لما قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ نسبوا الله ﷿ إلى أنه لا يقيم الحجة على عباده، ولا يأمرهم بما لهم فيه الصلاح، فلم","vol":"2","page":676},{"text":"يعظموه حق عظمته ولا عرفوه حق معرفته). وقال أبو عبيدة: (أي: ما عرفوا الله حق معرفته).\nقلت: والخطاب في الآية لقريش، كما قال ابن عباس: (يعني مشركي قريش). وقيل لليهود، والأول أرجح. وبه قال ابن جرير، ورجحه كذلك ابن كثير، لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وأما قريش فقد حكى الله ذلك عنهم:\nقال تعالى في سورة يونس: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾.\nوقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾.\nفقد حاجَّهم سبحانه بقضية معروفة يَعْلمونها هُمْ نتيجة صلتهم ومعاملتهم لليهود، ويعلمها كل أحد، أن التوراة كتاب من عند الله أنزله على موسى ليستضاء به في كشف الشبهات والظلمات ومحو الجهالات التي كانت في حياة بني إسرائيل.\nوقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.\nفيه قراءتان:\nالقراءة الأولى: ﴿يَجعلونه قراطيس يُبْدونها ويخفون كثيرًا﴾ بالياء. وهي قراءة مجاهد.\nفالمعنى: أن اليهود كانوا يجعلون التوراة في قراطيس يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون فيها ويبدلون حسب الأهواء والمصالح، حتى أخفوا ما جاء فيها من إثبات نبوة محمد - ﷺ - ووجوب متابعته والإيمان معه.\nالقراءة الثانية: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.\nوالمعنى، كما قال القاسمي ﵀: (فهو التفات من خطاب قوم إلى خطاب قوم آخرين. وهو التفات عند الأدباء - حكاه الخفاجيّ - وإنما جعل من الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهودية، تعريضًا لهم بأن إنكارهم إنزال الله تعالى من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان، وعدم الإسناد إلى برهان).","vol":"2","page":677},{"text":"قلت: وكلا المعنيين حق يحتمله السياق، ويقتضيه البيان الإلهي، فإن كانت هذه الآية مدنية دون سائر السورة، وعني بالخطاب اليهود، كان التأويل واضحًا وسهلًا.\nوقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ومَن أنزل القرآن الذي عَلَّمَكُم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تَعْلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم. وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب. وقال مجاهد: هذه للمسلمين).\nوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾.\nقال ابن عباس: (أي: قلُ: الله أنزله).\nوقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. تهديد ووعيد.\nقال القاسمي: (أي: يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجرّ لهم نفعًا، ولا يدفع عنهم ضررًا، مع تضييع الزمان).\nوالمقصود: اتركهم واعتزلهم حتى يأتيهم - وهم في غمرة ضلالهم وجهلهم - اليقين من الله، وحتى يوقنوا ويعاينوا لمن ستكون العاقبة أللمتقين أم للجاحدين المستهزئين.\nوقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.\nأي: وهذا القرآن كتاب من الله تعالى أنزله مباركًا مصدقًا ما سبقه من الكتب ومهيمنًا عليها، وناسخًا لما سلفه من الشرائع السابقة بأحكام استقرت إلى يوم الدين، ولا يقبل الله من أحد يجحد بهذا الكتاب وَلَوْ آمَنَ بكل الكتب السابقة.\nوعن ابن عباس: (يعني بـ: ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من القرى إلى المشرق والمغرب).\nوقال قتادة: (﴿أُمَّ الْقُرَى﴾، مكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، الأرض كلها). وقال: (بلغني أن الأرض دُحِيَت من مكة).\nقلت: وأم كلّ شيء وسطه ومركزه وأصله - هكذا في كلام العرب - ومنه سميت مكة أم القرى لأنها توسطت الأرض.\nوالخلاصة: لتنذر - يا محمد - أهل مكة - ومن حولها من أحياء العرب وقبائلهم وكذلك من سائر طوائف بني آدم عربهم وعجمهم، فالكل داخل تحت بلاغ هذا النبي - ﷺ - ونذارته.","vol":"2","page":678},{"text":"قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. . .﴾ [الأنعام: ١٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. . .﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال جل ذكره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].\nوفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قال: [أعطيت خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرْتُ - بالرعب مسيرةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجل من أمَّتِي أدركتْهُ الصلاةُ فليصلِّ، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبْعَثُ إلى قومه خاصّةً وبُعثت إلى الناس عامة] (١).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.\nالمعنى: إن كل مَنْ صَدّق بالآخرة خاف الوعيد الذي سينزل بمن كذب بهذا القرآن وهذا النبي - عليه الصلاة السلام - فيحمله هذا الخوف - ولا بد - على الإيمان واليقين، والمحافظة على الصلاة عمود هذا الدين. قال النسفي: (خصت الصلاة بالذكر لأنها علم الإيمان وعماد الدين فمن حافظ عليها يحافظ على أخواتها ظاهرًا).\nوقال القاسمي: (وتخصيصها لكونها أشرف العبادات بعد الإيمان، وأعظمها خطرًا).\nوقال الرازي: (ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة]. أي: صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال ﵊: من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر (٢). فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام).\nأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق، قال في هذه الآية: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: أأي: يحافظون على مواقيتها).\nولا شك أن المحافظة عليها تشمل أيضًا المحافظة على أركانها وواجباتها ووضوئها وركوعها وسجودها وخشوعها، فهي عنوان التزام العبد بهذا الدين وَعَلَمُهُ وعمودُه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥) كتاب التيمم، وكذلك (٤٣٨)، (٣١٢٢)، ورواه مسلم.\n(٢) روى مسلم في صحيحه عن جابر، قال رسول الله - ﷺ -: [بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة]. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٠٤).","vol":"2","page":679},{"text":"التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ\nعَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ\nتَفْسِيرُ القُرآنِ الكَريمِ عَلَى مِنْهَاجِ الأَصْلَيْنِ العَظِيْمَيْنِ\n- الوَحْيَيْنِ: القُرآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ -\nعَلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ\nتَفْسِيرٌ مَنْهَجِيٌّ فِقْهِيٌّ شَامِلٌ مُعَاصِرٌ\nالجُزْءُ الثَّالِث\nتأليف الأستاذ الدكتور\nمَأْمُون حَمُّوش","vol":"3","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"3","page":2},{"text":"التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ\nعَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ","vol":"3","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nموافقة وزارة الإعلام\nرقم: ٩١٠٩٢\nورقم: ٩١٤٥١\nتاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م\nدمشق - سورية\nيطلب من المؤلف\nدمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١\nالمدقق اللغوي\nالدكتور أحمد راتب حموش","vol":"3","page":4},{"text":"٩٣ - ٩٤. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول سبحانه: ومن أشد جرمًا وأجهل فعلًا وأكثر بغيًا ممن اختلق على الله كذبًا أو ادعى النبوة والرسالة وأنه يوحى إليه من الله، أو زَعَمَ أنه سينزل مثل ما أنزل الله، ولو ترى - يا محمد - إذ يغمر الموت بسكراته حين موعده الظالمين المكذبين، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون لهؤلاء الظلمة: اخرجوا إلى سخط من الله وغضب، فتفرق أرواحهم في أجسادهم، فينتزعونها فتَقَطَّعُ مع ذلك النزع الشديد العروق والعصب، هذا يومكم الذي توعدون، وهذا الخزي جزاء ما كنتم تفترون على الله وتكذبون وتستكبرون. ولقد قدمتم - يوم القيامة - وحدانًا لا مال ولا سلطان ولا ولد ولا خدم، وخلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما فتنكم وأكثرتم به التباهي والاستكبار، وما نرى معكم مَنْ زعمتم أنهم سيكونون لكم شفعاء، بل تمزقت الأوصال بينكم وبينهم، وضل عنكم ما كنتم تزعمون.\nفقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾.\nقال ابن جرير: (ومن أخطأ قولًا وأجهل فعلًا ممن اختلق على الله كذبًا، فادعى عليه أنه بعثه نبيًا وأرسله نذيرًا، وهو في دعواه مبطل، وفي قيله كاذب).\nقال عكرمة وقتادة: (نزلت في مُسيلمة الكذّاب). وذلك أنه زعم أن الله أوحى إليه.\nقلت: وبنحوه الأسود العنسي وسجَاح زوج مُسَيلمة، كلهم تنبأ وزعم النبوة وورود الوحي من الله عليه، وهم مفترون في ذلك كاذبون، تشملهم الآية وتشمل أمثالهم إلى","vol":"3","page":5},{"text":"يوم الدين. وقد أخبر النبي - ﷺ - عن تتابع ما لا يقل عن ثلاثين كذابًا على ذلك الافتراء - في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [إن بين يدي الساعة كذابين، فاحذروهم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [يكون في آخر الزمان دجّالون كذّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يُضلونكم ولا يفتنونكم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذّابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله] (٣).\nوله شاهد عند أبي داود من حديث ثوبان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيّ الله، وأنا خاتم النبيين، لا نبيَّ بعدي].\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: [سيكون في أمتي دجالون كذّابون يحدثونكم ببدع من الحديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يفتنونكم].\nوفي لفظ: [بين يدي الساعة قريب من ثلاثين دجالين كذابين، كلهم يقول: أنا نبي، أنا نبي].\nوفي لفظ من طريق ابن عمر: [إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالًا كذابًا].\nوفي لفظ عنده وعند الطبراني عن حذيفة: [في أمتي كذابون وَدَجَّالون، سبعة وعشرون، منهم أربعُ نسوة، وإني خاتم النبيين، لا نبيّ بعدي] (٤).\nفهؤلاء الدجالون بين يدي الساعة يخرجون فيزعمون أنه يوحى إليهم من الله، وإنما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٦/ ٤). وانظر مختصر صحيح مسلم (١١٩٦)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٦٦) - لتفصيل ذلك في علامات الساعة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد ومسلم. انظر صحيح مسلم (٨/ ١٨٩). وانظر - للفظ أحمد - صحيح الجامع الصغير - حديث (٨٠٠٧)، والمرجع السابق (٢/ ٩٦٦) لتفصيل البحث.\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٢٣)، وتخريج المشكاة (٥٤٠٦) للشاهد بعده.\n(٤) انظر تفصيل هذه الروايات في صحيح الجامع (٢٠٤٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٦٧).","vol":"3","page":6},{"text":"هو في حقيقته تَنَزُّلٌ من الشياطين عليهم نتيجة انحراف مناهجهم فسلطهم الله عليهم كما قال جلت عظمته في سورة الشعراء: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾.\nقال القرطبي: (قلت: ومن هذا النَّمط من أعرض عن الفقه والسّنَن وما كان عليه السلف من السنن فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا، فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوّها عن الأغيار، فتتجلّى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات فيَستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة، إنما يحكم بِها عَلى الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك النصوص. وقد جاء فيما ينقلون: \"استفت قلبك وإن أفتاك المُفْتون\" (١) ويستدلون على هذا بالخَضِر، وأنه استغنى بما تجلّى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وهذا القول زَنْدَقَةٌ وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، فإنه يلزم منه هدّ الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا - ﷺ -).\nوقوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.\nقال ابن كثير: (يعني: ومن ادّعى أنه يُعارض ما جاء من عند الله من الوحي بما يفتريه من القول، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا. . .﴾ [الأنفال: ٣١]).\nوقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾\nقال ابن عباس: (هذا عند الموت. و\"البسط\"، الضرب، يضربون وجوههم\n_________\n(١) حسن لشواهده. هو بعض حديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨)، وأبو يعلى (١٥٨٦) عن وابصة بن مَعْبد، وللحديث شواهد، ولذلك حسنه النووي في الأربعين ح (٢٧)، وكذلك ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص (٢٢٠)، بعد أن أفاض في تخريجه، وأنه ورد من حديث أبي ثعلبة الخشني، وإسناده جيد، ومن حديث واثلة، وأبي هريرة، وغيرهم.\nوالحديث يدل على الاستئناس بما يطمئن إليه القلب عند اختلاف الفتوى من أهل العلم، واختلاف الاستدلال، وعدم وضوح الحلال من الحرام نتيجة الاجتهادات المختلفة في فهم النصوص الشرعية، فإن للحق نورًا يسطع في قلب المؤمن، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. أي نورًا يفرق به بين الحق والباطل.","vol":"3","page":7},{"text":"وأدبارهم). قال: (و﴿الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾، وملك الموت يتوفاهم).\nوقال الضحاك: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾، يعني سكرات الموت).\nوأصل الغَمْرة الشيء الذي يغمرُ الأشياء فيغطيها، ومنه قولهم: غَمَرَه الماء. ثم استعملت في الشدائد والمكاره. ومنه غمرات الحرب. قال الجوهري: (والغَمْرَة الشدة).\nوقوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾.\nقال القرطبي: (أي: خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ. وقيل: أخرجوها كرهًا، لأن روح المؤمن تَنْشَطُ للخروج للقاء ربه، وروح الكافر تُنْتَزَعُ انتزاعًا شديدًا).\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾.\nقال ابن كثير: (وذلك أن الكافر إذا احْتُضِرَ بشَّرته الملائكة بالعذاب والنَّكال، والأغلال والسَّلاسِل، والجحيم والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرَّق روحُه في جسده، وتَعْصِي وتأبى الخروج، فتضم بهم الملائكة حتى تخرجَ أرواحُهم من أجسادهم، قائلين لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ .. الآية، أي: اليوم تُهانون غايةَ الإهانة، كما كنتم تُكَذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والطيالسي بسند صحيح من حديث البراء: قال رسول الله - ﷺ -: [ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه - أي: رأس الكافر أو الفاجر - فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والنسائي (١/ ٢٨٢)، وابن ماجه (١/ ٤٦٩)، وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠) من حديث البراء بن عازب ﵁، وانظر رواياته المختلفة في: أحكام الجنائز ص (١٥٩).","vol":"3","page":8},{"text":"الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخرَ من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [وإن الكافر إذا خرجت روحُه - قال حمّاد وذكر من نَتْنِها، وذكَرَ لَعْنًا - ويقول أهل السماء: روحٌ خبيثةٌ جاءت من قِبَلِ الأرض، قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل] (٢).\nوقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.\nقال ابن جرير: \"فرادى\" وحدانًا لا مال معهم، ولا إناث، ولا رقيق، ولا شيء مما كان الله خولهم في الدنيا، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، عراة غلفًا غرلًا حفاة، كما ولدتهم أمهاتهم، وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهون به في الدنيا).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراة غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾] الحديث (٣).\nوقوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾.\nأي: أتيتمونا مجردين من كل ما أعطيناكم وما مَلّكْناكم في هذه الحياة الدنيا، وخلفتم وراءكم النعم والأموال التي اقتنيتموها فلم يعد لكم فيها من لذة أو متاع. وأصل الخَوَل: ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، من حديث قَتادة عن مُطَرِّف، عن أبيه قال: [أتيت النبي - ﷺ - وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: يقولُ ابن آدم: مَالِي،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٢)، وأحمد (٢/ ٦٤ - ٢٨٨ - ٢٩٦)، وله شواهد كثيرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٧٢) - كتاب الجنة ونعيمها - باب: عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه. وحماد: هو حمّاد بن زيد، أحد الرواة.\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢١٥١) ص (٥٧١). وغُرْلًا: أي غير مختونين.","vol":"3","page":9},{"text":"مَالِي. قال: وهَلْ لكَ، يا ابن آدَمَ! مِنْ مَالِكَ إلَّا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ] (١).\nوروى مسلم نحوه من حديث أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [يقول العَبْدُ: مالِي، مالِي، إنما له مِنْ مالِهِ ثلاثٌ: ما أَكَلَ فأفنى، أو لَبِسَ فَأَبْلَى، أو أَعْطَى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ، وتاركه للنَاس] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾.\nقال السدي: (فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدون الآلهة، لأنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، وأن هذه الآلهة شركاء لله).\nوالآية توبيخ للمشركين وتقريع بفساد منهجهم، فإنهم ظنوا أن الأمر في الآخرة يمكن أن يعالج بمثل ما كانوا يعالجون قضايا حياتهم الدنيا، فأخبرهم الله سبحانه أنه لا ينفع اليوم واسطة ولا رشوة، ثم لا شفاعة لتلك الآلهة التي كانوا يعبدونها، وإنما الشفاعة يوم القيامة للملائكة والنبيين والصالحين حين يأذن الله تعالى لهم، وشفاعتهم منحصرة بالمؤمنين دون الكافرين والمشركين.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠].\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٩٥٨) - كتاب الزهد - باب: الدنيا سجن للمؤمن وجنة للكافر. ورواه أحمد في المسند (٤/ ٢٤)، والترمذي (٢٣٤٢)، والنسائي (٦/ ٢٣٨)، وابن حبان (٧٠١). من حديث قتادة عن مُطرِّف عن أبيه مرفوعًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٥٩) - كتاب الزهد. الباب السابق، وله شواهد كثيرة.","vol":"3","page":10},{"text":"مؤمنًا حسنته يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).\nوقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾.\nالمعنى: لقد تقطع الوصل بينكم وما كان يجمعكم، وحاد عن طريقكم ومنهاجكم ما كنتم تظنونه من رجاء الأصنام وشفاعة الأوثان، وبدا لكم من الله ما لم تكونوا تحتسبون.\nفعن مجاهد: (﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قال: تواصلهم في الدنيا). وقال قتادة: (وصلكم). وقال أيضًا: (ما كان بينكم من الوصل). وقال ابن عباس: (﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، يعني الأرحام والمنازل).\nوقراءة أهل المدينة بالنصب ﴿لَقَدْ تَّقَطَعَ بَيْنَكُمْ﴾ - أي: تقطع ما بينكم. في حين قرأها قراء مكة وأهل العراق: ﴿لَقَدْ تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمُ﴾ بالرفع، أي: لقد تقطع وصلكم وشملكم. وكلاهما قراءتان مشهورتان.\nوالمقصود أن الأمر سينقلب على المشركين يوم القيامة، وسيمزق الله الأرحام والأنساب والأوصال التي جمعتهم على الشرك بالله تعالى، وسيرون فساد المنهج الذي ضمّهم ووصلهم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾.\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٦٠) - كتاب الإيمان. باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا. وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٥٧) في تفصيل بحث الشفاعة - ومن يحال بينه وبين الشفاعة.","vol":"3","page":11},{"text":"٩٥ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إن الله سبحانه - معشر العادلين به الآلهة والأنداد - هو الذي فلق الحب فشقّه من كل نبات ينبت في الأرض وأخرج لكم به الزرع، وكذلك فلق النوى - مما له نواة - فأخرج لكم به الشجر، يخرج السنبل الحي من الحب الميت، ويخرج الحب الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي، أفلا يستحق هو أن يفرد بالعبادة والتعظيم أيها الجاهلون. وهو الذي شق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده، فأضاء لكم به الفجر وما بعده، بعد أن جعل لكم الليل سكنًا، فاستقر كل شيء وهدأ راحة لكم ونعمة يحتجّ بها عليكم، وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب، تحصون بذلك عدد الأيام والشهور والسنين، ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم علامات تهتدون بها إذا ضللتم الطريق في البر والبحر، أفلا تعني لكم هذه الآيات الكبيرة بطلان شرككم والنهوض لعبادة الواحد الأحد، الجبار القهار الذي دانت له السماوات وما فيهن والأرضين وما فيهن.\nفقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾.\nقال السدي: (أما ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: ففالق الحب عن السنبلة، وفالق النواة عن النخلة).\nوقال قتادة: (يفلق الحب والنوى عن النبات). وقال الضحاك: (خالق الحب والنوى).\nوقال مجاهد: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: الشقان اللذان فيهما).\nوخلاصة المعنى كما قال الحافظ ابن كثير: (﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي: يشُقُّهُ في الثرى فَتَنْبُتُ الزروعُ على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى. ولهذا فسّر قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، أي: يُخرجُ النباتَ الحيَّ من الحبِّ والنوى الذي هو كالجماد","vol":"3","page":12},{"text":"الميت، كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ إلى قوله ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]).\nوقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾. معطوف على قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾.\nقال ابن عباس: (يخرج النطفة الميتة من الحي، ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًا).\nوقال السدي عن أبي مالك: (النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة). قال السدي: (أما ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية، ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية).\nولا شك أن الآية تشمل كل إخراج للميت من الحي والحي من الميت حقيقة أو كناية، فيدخل في ذلك خروج الولد الصالح من الكافر، والكافر من الصالح، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، وغير ذلك.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.\nأي: إن الذي أجرى هذه السنن وأمضى هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له، فكيف تصرفون عن عبادته وإفراده بالتعظيم والكبرياء، فتعبدون معه غيره.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي تميمة عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشَف عنكَ، والذي إن أضللت بأرضٍ قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).\nوقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾.\nقال مجاهد: (إضاءة الفجر). وقال الضحاك: (إضاءة الصبح).\nوعن ابن عباس: (يعني بالإصباح، ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٦٤) وإسناده صحيح على شرطهما، وجهالة الصحابي لا تضر. وأخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٤٠٨٤). وانظر تخريج مشكاة المصابيح (٩١٨)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٤٢).","vol":"3","page":13},{"text":"قال ابن جرير: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾، شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده).\nوالإصباح مصدر، من قول القائل: أصبحنا إصباحًا.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾.\nقال النسفي: (أي: ليسكن فيه الخلق عن كدّ المعيشة إلى نوم الغفلة، أو عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق).\nوقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾.\nقال ابن عباس: (يعني عدد الأيام والشهور والسنين).\nوقال: (يجريان إلى أجل جُعِل لهما). وقال الربيع: (الشمس والقمر في حساب، فإذا خلت أيامهما فذاك آخر الدهر، وأول الفزع الأكبر). وقال قتادة: (يدوران في حساب).\nوفي التنزيل: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].\nوالحسبان في كلام العرب جمع حِساب، والمقصود أن الشمس والقمر يمضيان بحساب ويدوران لمصالح العباد، حتى يبلغا نهاية أمرهما وحد آجالهما. قال السيوطي: (فالآية أصل في الحساب والميقات).\nوفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو فيقول: [اللهم فالقَ الإصباح وجاعلَ الليل سكنًا والشمس والقمر حُسبانًا اقض عني الدَّيْن وأغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك] (١).\nقلت: ويَشهد لبعض هذه المعاني ذلك الدعاء الجامع الذي كان يدعو به رسول الله - ﷺ - عند النوم. ففي صحيح مسلم عن جرير عن سُهيل قال: [كان أبو صالح يأمُرُنا، إذا أراد أحَدُنا أن ينامَ، أن يضطجعَ على شِقِّهِ الأيمن، ثم يقول: اللهمَّ! ربَّ السماوات وربَّ الأرض ورَبَّ العَرْشِ العظيم، ربَّنا وَرَبَّ كُلِّ شيء، فالِقَ الحَبِّ والنوى، ومُنْزِلَ التوراةِ والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شَرِّ كل شيءٍ أنت آخذٌ بناصِيَتِهِ، اللهمَّ! أنت\n_________\n(١) صحيح. أخرجه مالك في الموطأ (٤٩٣) باب (٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٥/ ٨) عن مسلم بن يسار، وأورده القرطبي في التفسير - وقال المحقق عبد الرزاق المهدي: (وهذا مرسل يعضد مرسل يحيى بن سعيد عند مالك). يعني حديث ابن أبي شيبة عن مسلم بن يسار، ولبعضه شواهد.","vol":"3","page":14},{"text":"الأول فليس قبلك شَيْء، وأنت الآخر فليس بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقكَ شَيْءٌ، وأنت الباطنُ فليس دونك شيءٌ، اقْضِ عنا الدَّينَ وأغْنِنا من الفَقر. وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -] (١).\nوفي رواية: عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة قال: [كان رسول الله - ﷺ - يأمُرُنا، إذا أخذنا مضاجِعَنا أن نقولَ، بمثل حديث جرير، وقال: \"من شرِّ كل دابة أنت آخِذٌ بناصيتَها\"].\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nقال القاسمي: ﴿ذلك﴾ أي: التسيير بالحساب المعلوم ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أي: الغالب على أمره، ﴿العليم﴾ بتدبيرهما، ومراعاة الحكمة في شأنهما).\nوقال الرازي: ﴿العزيز﴾ إشارة إلى كمال قدرته، و﴿العليم﴾ إشارة إلى كمال علمه).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.\nقال ابن عباس: (يضل الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق).\nأي: فجعل الله النجوم يهتدي بها الضال في سبيله في البر أو في البحر، فيعدل مساره.\nوفي صحيح البخاري عن قتادة قال: (خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلاماتٍ يُهتدى بها. فمن تأول غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وكلف ما لا عِلْمَ له به).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥].\nقال شيخ الإسلام ﵀: (وقد أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم، فإنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا، وأخبر أن الشياطين تُرجم بالنجوم).\nقلت: فإن ثمة علمًا صحيحًا يستنبط من دوران النجوم وحركة الشمس والكواكب، وهو علم الفلك الثابت بالحسابات والجداول المعروفة عند أهل هذا التخصص، وهذا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧١٣) - كتاب الذكر والدعاء، باب الدعاء عند النوم.","vol":"3","page":15},{"text":"علم مباح وفيه فوائد كثيرة، وقد استعمله العرب قديمًا وأقره الإسلام، فقد كانوا يهتدون إلى الجهات في أسفارهم بما يعلمونه عن حركات الكواكب وظهور وأفول النجوم. ثم أثبت الله سبحانه أنه جعل هذه النجوم ترجُمُ الشياطين رحمة منه بعباده، ليظهر لهم كذب هؤلاء الدجالين من السحرة والعرافين والمنجمين، الذين لا يستطيعون إتمام استراق خبر كامل من السماء، فيلجؤون إلى إكمال الخبر بالكذب، والطلاسم والسحر.\nأخرج الإمام أحمد في المسند بسند قوي عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد] (١).\nوعند ابن عساكر - عن أبي محجن مرفوعًا: [أخاف على أمتي ثلاثًا: حيف السلطان، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا بالقدر] (٢).\nوقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\nأي: بيّنا هذه الحجج والدلالات لقوم يحبون معرفة الحق فلا يستمرون في الخوض في الباطل والشبهات.\n٩٨ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يتابع الله تعالى بيان آلائه ونعمه على الجاحدين توحيده فيقول: وإلهكم - أيها المشركون العادلون بالله أوثانكم وآلهتكم - الذي أوجدكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئًا، فخلقكم من صلب أبيكم آدم فتناسلتم وقد جعل المستقر في الأرحام والمستودع في الأصلاب فانحدرت الذرية المتتابعة فكان أجدادكم ثم آباؤكم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٧) من حديث عبد الله بن عباس ﵄. وسنده قوي كما جاء في تحقيق \"فتح المجيد\" ص (٣٢٧).\n(٢) حديث صحيح. رواه ابن عساكر، وحسنه السيوطي، انظر المرجع السابق ص (٣٦٧).","vol":"3","page":16},{"text":"ثم أوجدكم من بعدهم، وقد بينا لكم الحجج وميزنا الأدلة والعبر لكم لعلكم تعتبرون. إن الله ربكم هو الذي أنزل لكم من السماء ماء فأخرج لكم به نباتكم ونبات أنعامكم وأرزاقكم المختلفة، وأخرج منه رطبًا من الزرع أخضر، وأخرج من الخضر حبًا في السنابل، ومن النخل من طلعها قنوانه دانية لاصقة عُذوقها بالأرض تنعمون بقربها من أيديكم وسهولة تناولها، وأخرج لكم جنات من أعناب، وأخرج الزيتون والرمان مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمره، متاعًا لكم، فانظروا إلى ثمر هذه الأشجار المختلفة ونضجه إذا نضج، إن في كل ذلك لآيات لقوم يثبتون التعظيم لله وحده، ويعظمون أوامره وينتهون عن محرماته.\nفقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء، فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئًا).\nوعن السدي وقتادة: (﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، قال: من آدم ﵇).\nوقوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ - فيه أقوال:\n١ - القول الأول: هو الذي أنشاكم من نفس واحدة، فمنكم مستقِرٌّ في الرحم، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنشر القيامة.\nقال ابن مسعود: (مستقرها في الأرحام، ومستودعها حيث تموت).\nوقال إبراهيم: (مستقرها في الأرحام، ومستودعها في الأرض، حيث تموت فيها).\n٢ - القول الثاني: المستودع أصلاب الآباء، والمستقر بطون النساء وبطون الأرض أو ظهورها.\nفعن سعيد بن جبير: (﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾، قال: مستودعون، ما كان في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها، فقد استقروا).\n٣ - القول الثالث: قيل بل المعنى: فمستقر في الأرض على ظهورها، ومستودع عند الله.\nقال مجاهد: (المستقر في الأرض، والمستودع عند ربك).\nوقال إبراهيم، قال عبد الله: (مستقرها في الدنيا، ومستودعها في الآخرة).\n٤ - القول الرابع: فمستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.","vol":"3","page":17},{"text":"قال ابن عباس: (﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: مستقر في الرحم، ومستودع في صلب، لم يخلق سَيُخْلق). وقال: (المستقر في الأرحام، والمستودع في الصلب، لم يخلق وهو خالقه). وقال عكرمة: (المستقر الذي قد استقر في الرحم، والمستودع الذي قد استودع في الصلب).\nقلت: والراجح القول الرابع، فهو أقرب للسياق، واختاره الحافظ ابن كثير، في حين اعتبر شيخ المفسرين كل التأويلات السابقة واردة، والله تعالى أعلم. وقد رأى آدم ﵊ كل ذريته التي أخرجها الله من صلبه أمامه بنعمان قريب من عرفات.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]] (١).\nوقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾.\nقال قتادة: (﴿فَصَّلْنَا﴾ بينا وقررنا). وقال ابن جرير: (قد بينا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ مواقعَ الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبّهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.\nأي: وإن من آياته العظيمة الدالة على وجوب إفراده بالعبادة والتعظيم أنه أنزل الماء بأمره من السماء فأخرج به بقدرته العجيبة بدائع من النبات من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأقوات بني آدم ومطاعمهم وما يتغذون به فينبتون عليه وينمون).\nوقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾.\nقال الأخفش: (أي: أخضر). قال القرطبي: (والخَضِر رطب البقول).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٩١)، وأخرجه الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا. وانظر الروايات المختلفة في بحث \"الميثاق\" من كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٦٦).","vol":"3","page":18},{"text":"وقوله: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾.\nأي: السنابل التي حبُّها يركب بعضه بعضًا.\nقال ابن عباس: (يريد القمح والشعير والسُّلت (١) والذرة والأرز وسائر الحبوب).\nوقال السدي: (فهذا السنبل). والمقصود أنه يركب بعضه على بعض كالسنبلة.\nوقوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾.\nأي: عذوق قريبة متهدلة.\nقال ابن عباس: (يعني بـ \"القنوان الدانية\"، قصار النخل، لاصقة عُذُوقها بالأرض).\nوقال قتادة: (عذوق متهدلة). وقال البراء: (قريبة). وقال الضحاك: (يعني النخل القصار الملتزقة بالأرض، و\"القنوان\" طلعه).\nوالمقصود: أنها دانية قريبة المنال، لتهدّل العُذوق من الطلع.\nوالقِنْوان: جمع قِنْو أو قُنْو، وهو العِذْق.\nوقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾.\nأي: وأخرجنا كذلك بساتين من أعناب.\nوقوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾.\nأي: متشابهًا في الأوراق، أو النظر، مختلفًا في المذاق والطعم.\nقال قتادة: (مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمره). وقال ابن جرير: (مشتبهًا في النظر، وغيرَ متشابه في الطعم، مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف).\nقال القرطبي: (وخصّ الرمان والزيتون بالذكر لقربهما منهم ومكانهما عندهم. وهو كقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. ردّهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه).\nوقوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾.\nأي: تدبروا في صنع الله سبحانه إذ أخرجه لكم من العدم ثمارًا مختلفة الألوان والأشكال والروائح والطعوم، وبعد أن كان حطبًا صار عنبًا ورطبًا، فإذا أنتم تنعمون به عند نضجه وبلوغه حين ينضج ويبلغ.\nقال ابن عباس: (﴿ينعه﴾ نضجه). وقال: (يعني: إذا نضج).\n_________\n(١) السُّلت: ضرب من الشعير أبيض لا قشر له.","vol":"3","page":19},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nفخص بالذكر المؤمنين، لأنهم هم المنتفعون بحجج الله وآياته ومواعظه، دون غيرهم ممن طبع الله على قلبه، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه.\n١٠٠ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: ومن آثام هؤلاء المشركين بربهم وشركهم به أن جعلوا لله الجن شركاء، وهو خالقهم، واختلقوا له بنين وبنات افتراء على الله وسوء أدب منهم مع جلاله وعظمته سبحانه وتعالى عما يصفون. إنه - جلت عظمته - مبتدع هذه السماوات وهذه الأرض ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن، وخلق ما في هذا الكون الفسيح من مخلوقات ولم تكن قبله شيئًا، أفبعد هذا يكون لله ولد، والولد إنما يكون من الذكر والأنثى، وجلّ الله وعزّ عن اتخاذ صاحبة، فهذا يكون للمخلوق الضعيف الذي يحتاج إلى ذلك، أمَا والله تعالى هو الذي خلق كل شيء وهو به عليم فإنه - جل ذكره - يتنزه عن تلك النعوت التي يُطلقها المشركون، ولا يتأدبون ولا يخجلون. إن الذي خلق كل شيء، وعلم كل ما كان وما يكون وما سيكون هو الله الواحد الأحد المستحق للعبادة، وهو على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، وإليه التدبير والتصريف وتقسيم الأرزاق والأقوات، ولا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها وهو اللطيف الخبير.\nقال قتادة: (﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ كذبوا، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾، عما يكذبون. أما العرب فجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون من الغلمان، وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون).\nوعن السدي: (﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، يقول: قطعوا له بنين وبنات، قالت العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعزير ابنا الله).","vol":"3","page":20},{"text":"وقال ابن زيد: (فكل خرقوا الكذب، و\"خرقوا\"، اخترقوا). وقال مجاهد: (\"خرقوا\": كذبوا).\nفالمعنى كما قال ابن جرير: (وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾، يقول: وتخرصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات، بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبغي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك).\nوقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\nقال قتادة: (عما يكذبون).\nوقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال ابن زيد: (هو الذي ابتدع خلقهما ﷻ، فخلقهما ولم يكونا شيئًا قبله).\nوقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: والولدُ إنما يكون متولِّدًا عن شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يُشابهه شيء من خلقه، لأنه خالقُ كل شيء، فلا صاحبة له ولا وَلَد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم]).\nوقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nأي: هو الله سبحانه الذي أبدع الجنّ والإنس - الولد والذكر والأنثى، البنين والبنات والصاحبة - وكل شيء في هذا الكون الفسيح، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وهو وحده الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء.\nقال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾.","vol":"3","page":21},{"text":"وقال تعالى في سورة يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾.\nأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: كذبني ابنُ آدم، ولَمْ يَكُنْ له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ فزعم أني لا أقدِر أن أعيدَه كما كان، وأما شَتْمُهُ إيايَ، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخِذَ صاحبة أو ولدًا].\nوله لفظ مقارب عنده أيضًا - من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [قال الله تعالى: كذبني ابنُ آدم ولم يكنْ له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبُهُ إيَّاي فقَوْلُه: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلُ الخلق بأهْوَنَ عليَّ من إعادتِه، وأما شتمُهُ إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصَّمدُ، لم ألِدْ ولم أُولَدْ، ولم يكن لي كُفُوًا أحد] (١).\nقال البخاري: (والعرب تُسَمِّي أشرافَها الصَّمَد. قال أبو وائِلٍ: هو السَّيِّدُ الذي انتهى سُؤددُهُ).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾.\nأي: إن الموصوف بما سبق من صفات الجمال والكمال، البعيد رتبته عن مراتب من يشارك أو ينسب إليه الولادة، الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة هو الله ربكم ورب كل شيء، فأفردوه بالإلهية والعبادة والتعظيم، فإن من جمع تلك الصفات استحق العبادة وحده.\nوقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.\nأي: رقيب وحفيظ، وكل شيء من تدبيره وتحت تصريفه. قال القاسمي: (يدبر كلّ ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار).\nوقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.\nقال ابن عباس: (لا يحيط بصر أحدٍ بالمَلِكِ). وقال قتادة: (وهو أعظم من أن تدركه الأبصار). وقال إسماعيل بن عُلَيَّة: (هذا في الدنيا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٧٤)، كتاب التفسير، وكذلك نحوه (٤٩٧٥)، باب قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، وأخرجه في كتاب بدء الخلق (٣١٩٣)، وانظر صحيح الجامع الصغير (٤٢٠٣) للرواية الأولى، وكذلك (٤١٩٩) من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":22},{"text":"قلت: لقد أثبت الله سبحانه الرؤيا للمؤمنين يوم القيامة، ينظرون إلى وجه ربهم ﷿، فما أعطوا في الدنيا ولا في الآخرة نعمة هي أعظم من تلك النعمة ولا أقر لأعينهم، وأما في الدنيا فلا أحد كتب الله له ذلك، فهذا نبي الله موسى ﵊ من أولي العزم من الرسل ما استطاع رؤية تجلي الله سبحانه للجبل حتى خر صعقًا.\nقال الله في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾.\nوفي صحيح الإمام مسلم عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال: إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفَعُه، ويُرفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: [سألت رسول الله - ﷺ - هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه] (٢). وفي لفظ: (رأيت نورًا).\nفإذا كان يوم القيامة هيّأ الله سبحانه المؤمنين لرؤيته وأذن لهم بذلك:\nقال جل ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].\nوأما الكفار فيحرمهم ربهم من هذه النعمة العظيمة فلا يبصرون إلا ما يخزيهم: قال جل ذكره: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].\nقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى] (٣). وفي رواية: (ما حجب الفجار إلا وقد عَلِمَ أن الأبرار يرونه ﷿).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٧٩) - كتاب الإيمان. وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٢٠٦) - بحث - رؤية الله يوم القيامة - لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٨) - كتاب الإيمان. باب في قوله ﵇: (نور أنى أراه).\n(٣) انظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١٠ - رؤية الله يوم القيامة) (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"3","page":23},{"text":"وفي التنزيل أيضًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.\nففي صحيح مسلم عن صهيب، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب فينظرون إلى وجه الله، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾] (١).\nوفي أفراد مسلم عن جابر في حديثه: [إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك] (٢).\nيعني في عرصات القيامة - مما يدل أن المؤمنين ينظرون إليه سبحانه في العرصات وفي روضات الجنات.\nوفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله فال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنكم سترون ربكم عِيانًا. وفي رواية: كنا جلوسًا عند رسول الله - ﷺ - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾] (٣).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (٤).\nوقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.\nقال السدي: (لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق). أي: يحيط بها ويعلمها - كما قال جل ذكره: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك].\nوقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.\nقال أبو العالية: (اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها). وفي التنزيل: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨١)، وأخرجه الترمذي (٢٥٥٢)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٣٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩١) في صحيحه - في أثناء حديث مطول.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٥٧٣)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٤/ ٣٦٢).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٧٨)، وأخرجه مسلم (١٨٠)، وأحمد (٤/ ٤١١).","vol":"3","page":24},{"text":"إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان].\nقال ابن جرير: (فلطف بقدرته فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه، وخبرَ بعلمه كيف تدبيرها وشؤونها وما هو أصلح بخلقه).\nوقال النسفي: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ أي: العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها. ﴿الْخَبِيرُ﴾ العليم بظواهر الأشياء وخفياتها، وهو من قبيل اللف والنشر).\n١٠٤ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرٌ من الله تعالى لنبيّه - ﷺ - أن يقول لهؤلاء المشركين المكذبين بالله ورسوله: إنه قد جاءكم ما تبصرون به الهدى من الضلال، والحق من الباطل، فمن تبيّن هذه الحجج فآمن بالله وصدّق رسوله فإنما يختار حظ نفسه وسبيل سعادتها، ومن تنكر لهذه البراهين والدلالات فهو يضر نفسه ويوردها سبيل هلاكها، وما أنا بالذي يحصي عليكم أعمالكم إنما هو ربكم ﷿، الذي لا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأعمالكم. وهذه الآيات نتابع تصريفها وبيانها ولئلا يقولوا: درست - أي: قرأت أنت يا محمد، من كتب أهل الكتاب - وإنما هي آيات الله وحججه يوضحها لقوم يفهمون ويعقلون. اتبع يا محمد ما أمرك به ربك في وحيه ودع أمر المعاندين المكذبين، فإنه لا معبود يستحق العبادة وإخلاص التعظيم إلا الله، فأعرض عنهم واترك مجادلتهم وخصومتهم، فلو أراد ربك هدايتهم لكان ما أراد وإنما هو سبحانه أعلم بالشاكرين، وما أنت بقيم عليهم بل أرزاقهم وأقواتهم وآجالهم بيد الله خالقهم وهو على كل شيء حفيظ رقيب.\nفقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nقال قتادة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: بينة).","vol":"3","page":25},{"text":"وقوله: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾.\nقال القرطبي: (الإبصار: هو الإدراك بحاسة البصر، أي: فمن استدل وتعرّف فنفسه نفع).\nوقوله: ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: ضل عن الحق. والتعبير عنه بـ \"العمى\" للتقبيح له، والتنفير عنه، ﴿فَعَلَيْهَا﴾ أي: فعلى نفسه عمى، وإياها ضر بالعمى).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾.\nقال النسفي: (أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾.\nقال السدي: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾، لهؤلاء العادلين بربهم، كما صرفتها في هذه السورة، ولئلا يقولوا: درست). وقال ابن عباس: (قالوا: قرأت وتعلمت. تقول ذلك قريش).\nقال ابن جرير: (﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، يا محمد، بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب).\nوهناك قراءة ثانية: ﴿دارست﴾. قال ابن عباس: (قالوا: دارست أهل الكتاب، وقرأت الكتب وتعلمتها). وقراءة ثالثة: \"دُرِسَتْ\". قال قتادة: (أي: قرئت وتعلمت).\nوقراءة رابعة: \"دَرَسَتْ\". قال الحسن: (أي: انمحت) - بمعنى تقادمت. واختار ابن جرير القراءة الأولى \"دَرَسْتَ\" - أي تعلمت من أهل الكتاب. كما في التنزيل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].\nوقوله: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ولنوضِّحَهُ لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه).\nوقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nقال القرطبي: (يعني القرآن، أي: لا تشغل قلبك وخاطرك بهم، بل اشتغل بعبادة الله). وقال القاسمي: (وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اعتراض أكّد به إيجاب الاتباع، أو","vol":"3","page":26},{"text":"حال مؤكدة من ﴿ربك﴾، بمعنى: منفردًا في الألوهية).\nوقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nقال أبو مسلم: (أريد بالإعراض الهجران لهم دون الإنذار، وترك الموعظة). وقال المهايمي: (أي: لا تحزن عليهم إذا أَصرّوا على الشرك والعمى مع هذه البصائر. فإنه تعالى أراد بقاءهم على الشرك والعمى، لاقتضاء استعدادهم ذلك).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].\n٤ - وقال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤].\nأخرج الترمذي في جامعه بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله ﷿] (١).\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، يقول سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين).\nوقال القرطبي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ نصّ على أن الشرك بمشيئته، وهو إبطال\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢/ ١٠٧)، وابن حبان (١٨١٢)، والحاكم (١/ ٣٠)، وأحمد (٢/ ١٧٦). وأخرجه الآجُرِّي في \"الشريعة\" (ص ١٧٥)، وأحمد (٢/ ١٩٧) من طرق أخرى. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٠٧٦). قال الألباني: رجاله كلهم ثقات.","vol":"3","page":27},{"text":"لمذهب القدرية. ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لا يمكنك حفظهم من عذاب الله).\nوقال ابن كثير: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: أي: حافظًا يحفظ أعمالهم وأقوالهم).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: ولست عليهم بقيِّم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم ولا بحفظهم، فيما لم يُجْعَل إليك حفظه من أمرهم).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].\n١٠٨. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾.\nفي هذه الآية: توجيه من الله تعالى لنبيّه - ﷺ - وللمؤمنين بعدم التعرض لآلهة المشركين بالسَّب خشية أن يقعوا في سب الله جهلًا دون علم، واعتداءً وبغيًا دون فهم، وكذلك زيَّن الله لكل جماعة من الأمم ما اجتمعوا عليه من عمل، ثم مردهم إلى الله فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها.\nقال قتادة: (كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردّون ذلك عليهم، فنهاهم الله أن يستَسِبّوا لربهم، فإنهم قومٌ جهلة لا علم لهم بالله).\nوقال ابن زيد: (﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، قال: إذا سببت إلهه سبَّ إلهك، فلا تسبوا آلهتهم).\nقال القرطبي: (قال العلماء: حكمها باقٍ في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في مَنَعة وخِيف أن يَسُبَّ الإسلام أو النبي ﵇ أو الله ﷿، فلا يحلّ لمسلم أن يَسُبَّ صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدّي إلى","vol":"3","page":28},{"text":"ذلك، لأنه بمنزلة البعث على المعصية، وعبّر عن الأصنام وهي لا تعقل بـ ﴿الذين﴾ على معتقد الكفرة فيها).\nوهذه الآية دليل على وجوب الحكم بسدّ الذرائع، والأخذ بفقه الموازنات، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: [من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه] (١).\nوقوله: ﴿عَدْوًا﴾.\nمن الاعتداء. تقول العرب: عدا فلان على فلان إذا ظلمه واعتدى عليه.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: وكما زيّنا لهؤلاء القوم حُبَّ أصنامهم والمحاماةَ لها والانتصار، كذلك زيَّنا لكل أمة أي من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختار).\nقلت: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل]. فالإضلال والتزيين بحكمة الله وعدله.\nقال ابن عباس: (زينا لأهل الطاعة الطاعة، ولأهل الكفر الكفر).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nأي: ثم مصيرهم ومعادهم إلى ربهم، ويومئذ يكشف لهم سجلات أعمالهم ويعرضها على الميزان للحساب والجزاء. قال ابن جرير: (فيُوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملون بها في الدنيا، ثم يجازيهم بها، إن كان خيرًا فخيرًا، وإن كان شرًا فشرًا، أو يعفو بفضله، ما لم يكن شركًا أو كفرًا).\n١٠٩ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٩٧٣)، وأخرجه مسلم (٩٠)، وأبو داود في السنن (٥١٤١)، والترمذي في الجامع (١٩٠٢).","vol":"3","page":29},{"text":"وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: أقسم هؤلاء المشركون العادلون بربهم أوثانهم وأصنامهم، فحلفوا بالله أَوْكَدَ الحلف وأَشَدَّ الأَيْمان، لئن جاءتهم آية تُصدق ما يقول محمد كما جاءت الأمم قبلهم ليؤمنن بها وأن محمدًا رسول من عند الله، فأجابهم ربهم سبحانه: هو القادر على إرسال ذلك دون كل أحد من خلقه، ولكن ما يدريكم أنها إذا جاءت سوف يؤمنون. إنه سبحانه هو يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرفها كيف يشاء، وأن قلوبهم بيد الله لو شاء أقامها ولو شاء أزاغها، وأبصارهم بيده فلو شاء أعماها عن رؤية الحق ومعرفة مواضع الحجة، كما لم يؤمنوا - بتقليب الله لها قبل ذلك، ومن ثمَّ نذرهم في تمردهم وشكهم واعتدائهم يترددون ولا يهتدون.\nفقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.\nأي: حلفوا بالله غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم. وجَهْدُ اليمين أشدها. وهو بالله.\nقال القاسمي: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في موقع الحال. أي: أقسموا به تعالى جاهدين في أيمانهم، باذلين في توثيقها طاقتهم).\nوقال القرطبي: (وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، وأن هذه الآلهة إنما يعبدونها ظنًا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، كما أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وكانوا يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، كانوا يحلفون بالله تعالى وكانوا يسمّونه جَهْد اليمين إذا كان اليمين بالله).\nوقوله: ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾.\nأي: معجزة وخارق، ليصدقنّها.\nقال ابن جرير: (قالوا نقسم بالله لئن جاءتنا آية تصدق ما تقول، يا محمد، مثل الذين جاء مَنْ قبلنا من الأمم، ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾، يقول: قالوا: لنصدقن بمجيئها بك، وأنك لله رسولٌ مرسل، وأنّ ما جئتنا به حقٌّ من عند الله).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تَعَنُّتًا وكفرًا","vol":"3","page":30},{"text":"وعِنادًا، لا على سبيل الهُدى والاسترشاد: إنما تَرْجِعُ هذه الآياتُ إلى الله، إن شاء أجابَكُم، وإن شاء تَرَكَكُم).\nوقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال مجاهد: (ما يدريكم. قال: ثم أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون).\nوفي لفظ قال: (وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت. ثم استقبل يخبر عنهم فقال: إذا جاءت لا يؤمنون). وهذا على قراءة بعض أهل مكة والبصرة: ﴿إنها﴾. والقراءة الأشهر والتي عليها قراء الأمصار من أهل المدينة والكوفة وغيرهم: \"أنها\" - على سبيل الخطاب من الله لنبيّه - ﷺ - وأصحابه. قال ابن جرير: (وإنما معنى الكلام: وما يدريكم، أيها المؤمنون، لعل الآيات إذ جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون، فيعاجلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك، ولا يؤخَّروا به).\nوقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.\nقال ابن عباس: (لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّت عن كل أمر). وقال مجاهد: (نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة). وقال ابن زيد: (نمنعهم من ذلك، كما فعلنا بهم أول مرة).\nوفي التنزيل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].\nوقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nالمعنى: أي: نتركهم في بغيهم وتنطعهم وكبرهم يتحيرون ويترددون، فلا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.\nقال ابن عباس: (﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ في كفرهم). وقال أبو العالية: (في ضلالهم). وقال الأعمش: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يلعبون). وقال مجاهد: (في كفرهم يترددون).\nوفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة","vol":"3","page":31},{"text":"ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).\n١١١ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تَفْهيمٌ من الله سبحانه لنبيه - ﷺ - عن طبيعة هؤلاء المشركين المعاندين. يقول: فلو نزلنا إليهم - يا محمد - الملائكة حتى يروها وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم - آية من عندنا - لإثبات نبوتك، وأخبروهم أنك صادق محق فيما جئت به من الوحي، وحشرنا عليهم كل شيء قبيلة قبيلة، وجماعة جماعة، مقابلة ومواجهة، يكفلون أنك على الحق وأن ما تعدهم به هو الحق، ما آمنوا ولا صدّقوك ولا اتبعوك، ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون حقائق الإيمان والهداية والتوفيق لذلك من عند الله سبحانه. ثم إخْبارٌ من الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ - عن سنته سبحانه في الابتلاء، بأن جعل لكل الأنبياء والرسل أعداءً من أقوامهم يؤذونهم بالجدال والخصومات بإيحاء من شياطين الجن واشتراك معهم بتزيين الباطل، ولو شاء الله لآمن الناس جميعًا وآمنت الشياطين وتركوا المكر والإجرام، فلا تأبه لهم - يا محمد - فدعهم وما يفترون ويكذبون. إنما تميل لتزيينهم قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة فيرضونه وليكتسبوا ما هم مكتسبون. قل لهم - يا محمد - أفغير الله أختار حكمًا وهو أحكم الحاكمين، وقد أنزل إليكم القرآن فيه بيان كل حكم وكل فصل أو قضاء، وأهل التوراة\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (١/ ٨٩ - ٩٠). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠). وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٠٤) لتفصيل مراتب الضلال.","vol":"3","page":32},{"text":"والإنجيل يعلمون أن القرآن حق منزل من عند الله، فلا تكونن - يا محمد - من الشاكِّين فيما جاءك واثبت على الحق، فإنه قد كملت كلمة ربك من الصدق والعدل ولا تبديل لكلماته، وهو السميع لما يقوله هؤلاء، العليم بمصائرهم وما تؤول إليه أحوالهم في العاقبة والآخرة.\nفقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾. أي: لتخبرهم بأن الرسل على الحق وَوَجَبَ الإيمان بهم. ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ - بإحيائنا إياهم. ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ سألوه من الآيات والمعجزات ﴿قُبُلًا﴾ مقابلة ومعاينة. ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ - قال ابن عباس: (وهم أهل الشقاء، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ. .﴾ [الأنعام: ١٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢].\nوقرأ قراء المدينة \"قِبَلًا\" بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: معاينة.\nوقرأ عامة أهل الكوفة والبصرة \"قُبُلًا\" بضم القاف والباء. وفي ذلك ثلاثة أوجه من التأويل ذكرها ابن جرير.\nالتأويل الأول: وحشرنا عليهم كل شيء كُفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله. فيكون \"القبل\" جمع \"قبيل\". والقبل هنا الضمناء والكفلاء.\nالتأويل الثاني: \"القبل\" بمعنى المقابلة والمواجهة. قال ابن عباس: (يقول: لو استقبلهم ذلك كله، لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله). وقال ابن زيد: (حشروا إليهم جميعًا، فقابلوهم وواجهوهم). وقال عبد الله بن يزيد: (قرأ عيسى: \"قُبُلًا\" ومعناه عيانًا).\nالتأويل الثالث: \"القبل\" جمع \"قبيل\"، الذي هو جمع \"قبيلة\"، فيكون \"القبل\" جمع الجمع. قال مجاهد: (﴿قُبُلًا﴾، أفواجًا، قبيلًا قبيلًا).\nوخلاصة المعنى: لو عرضت عليهم كل أمة بعد أمة، فتخبرهم بِصدق الرسل فيما","vol":"3","page":33},{"text":"جاؤوهم به ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. فالهداية والقلوب بيد الله سبحانه وهو أعلم بمن يستحقها، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.\nأي: هذه الحقائق عن القلوب وأمر الإيمان، واصطفاء الله من يشاء لعبادته والقيام بحمل لواء دينه، دون غيرهم من أعدائه وأعداء شرعه وأوليائه.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.\nقال ابن كثير: (يقول تعالى: وكما جعلنا لك - يا محمد - أعداءً يخالِفونَك ويعانِدُونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضًا أعداءً، فلا يَهيدَنَّكَ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]. . . الآية، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]. الآية).\nقال قتادة: (﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض).\nأخرج الإمام أحمد في المسند من حديث أبي ذر ﵁، أن النبي - ﷺ - قال له: [يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: نعم] (١).\nقال ابن جرير: (وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك\n_________\n(١) يرقى للحسن. أخرجه أحمد (٥/ ١٧٨ - ١٧٩)، (٥/ ٢٦٥)، والنسائي (٨/ ٢٧٥)، وله طرق مختلفة يقوى بها، انظر تخريج تفسير ابن كثير - المهدي، سورة الأنعام (١١٢ - ١١٣).","vol":"3","page":34},{"text":"يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير] (١).\nوعن ابن عباس: (﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قال: حَسَّنَ بعضهم لبعض القولَ ليتّبعوهم في فتنتهم).\nوعن عكرمة: (﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، قال: تزيين الباطل بالألسنة).\nوعن السدي: (﴿غُرُورًا﴾، قال: يغرون به الناسَ والجنّ).\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.\nأي: لو شاء الله ما فعلوا إيحاء القول بالغرور فدعهم في غيهم وما يختلقون من إفك وزور. قال القاسمي: (﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: ما فعلوا ذلك، يعني: معاداة الأنبياء، وإيحاء الزخارف. وهو أيضًا دليل على المعتزلة. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: من الكفر، فسوف يعلمون).\nوقوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾.\nقال ابن عباس: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ﴾، يقول: تزيغ إليه أفئدة). أو قال: (لتميل).\nوقال السدي: (يقول: تميل إليه قلوب الكفار، ويحبونه، ويرضون به).\nوقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (وليكتسبوا ما هم مكتسبون). وقال السدي: (ليعملوا ما هم عاملون).\nوقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾.\nقال ابن جرير: (أي: قل - يا محمد - لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام، القائلين لك: \"كفَّ عن آلهتنا، ونكف عن إلهك\"، إن الله قد حكم عليَّ بذكر آلهتكم بما يكون صدًّا عن عبادتها، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾، أي: قل فليس لي أن أتعدّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حكم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾، يعني القرآن، ﴿مُفَصَّلًا﴾، يعني: مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨١٤) - كتاب صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا.","vol":"3","page":35},{"text":"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾.\nأي: إن اليهود والنصارى يعلمون في كتبهم أن هذا القرآن منزل بالحق، ويجدون عندهم من البشارات بنبوة محمد - ﷺ -، ومما أخبرهم به رسلهم وتناقلته الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار قالت: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: [أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة؟ قال: أجل، والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا] (١).\nويروي ابن عساكر بإسناد جيد عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا دعوة إبراهيم، وكان آخرَ من بَشَّرَ بي عيسى بن مريم] (٢).\nوقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.\nقال الربيع: (يقول: لا تكونن في شك مما قصصنا عليك).\nوقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾.\nقال قتادة: (صدقًا فيما وَعَد، وعدلًا فيما حَكَم). قال ابن جرير: (وكملت: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني القرآن، سماه ﴿كلمة﴾، كما تقول العرب للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر: \"هذه كلمة فلان\"). وقال ابن كثير: (يقول: صدقًا في الإخبار وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مِرْيَةَ فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عَدْلَ سواه، وكل ما نهى عنه فباطلٌ، فإنه لا ينهى إلا عن مَفْسَدَة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح، ورواه الدارمي نحوه بتفصيل أكبر، انظر تخريج المشكاة (٥٧٧١) وكذلك (٥٧٥٢) كتاب الفضائل والشمائل. باب فضائل سيد المرسلين.\n(٢) أخرجه ابن عساكر في \"التاريخ\" (١/ ٢٦٥/ ٢)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٢)، وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ١٠٢) وله شواهد تقويه. وحسّن إسناده الألباني في الصحيحة (١٥٤٦).","vol":"3","page":36},{"text":"قال القرطبي: (﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: ودلت الآية على وجوب اتباع في دلالات القرآن، لأنه حق لا يمكن تبديله بما يناقضه، لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيء من الأمور كلها).\nوقال القاشاني: (أي: تمّ قضاؤه تعالى في الأزل بما قضى وقدر من إسلام من أسلم، وكفر من كفر، ومحبة من أحب، وعداوة من عادى، قضاءً مبرمًا، وحكمًا صادقًا، مطابقًا لما يقع، عادلًا بمناسبة كل قول وكل كمال وحال، لاستعداد من يصدر عنه واقتضائه له. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: لا مبدل لأحكامه الأزلية) ذكره القاسمي.\nوقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nأي: السميع لما يصدر عنهم من الأقوال، العليم بما يخفون وبما يصدر عنهم من الأفعال. فلا يخفى عليه شيء من كلام عباده وسرائرهم وأعمالهم.\n١١٦ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: لا تطع - يا محمد - هؤلاء المشركين العادلين بربهم أوثانهم وأصنامهم وأهواءهم، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن الدين الحق، فهم إنْ يتبعون إلا الظن وما هم إلا متخرصون كاذبون في منهاج التلقي حيث لا يقين ولا علم. وربك يا محمد هو أعلم بما اختار عباده من السبل: بما سلكوا من طرق الاعوجاج والغواية، أو بما سلكوا من سبيل النجاة والهداية، فهو مطلع على سبيل الفريقين وهو أعلم بالمهتدين.\nفقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ - من الناس.\nقال القرطبي: (أي: الكفار. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الطريق التي تؤدي إلى ثواب الله).\nوقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.\nأي: ما يتبعون إلا الظن. ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما. والخرص: الحَزْرُ والتخمين. قال","vol":"3","page":37},{"text":"القاسمي: (وقد يعبر به عن الكذب والافتراء، وأصله القول بالظن، وقول ما لا يستيقن ويتحقق - قاله الأزهري -). والمقصود: إن دين هؤلاء المكذبين المشركين يقوم على الحدس والظن والخرص لا على العلم والحق واليقين فاحذرهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.\nقال النسفي: (أي: هو يعلم الكفار والمؤمنين).\nوالمعنى: فرغ الله تعالى من أمور العباد وأحوالهم وأعمالهم ومستقبلهم بين يديه قبل أن يخلقهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، فقد جفت الأقلام ورفعت الصحف.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [فرغ الله ﷿ إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٣).\nوفي رواية: [من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه].\nوله شاهد عند ابن عساكر بسند جيد عن أنس ولفظه: [فرغ الله من أربع: من الخَلق والخُلُق والرزق والأجل] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والطبراني. انظر مسند أحمد (٥/ ٣١٧)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤٢٥٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو. انظر تخريج الطحاوية (٧٨). وكتابي أصل الدين والإيمان (٢/ ٨١٣) لتفصيل الروايات.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٩٧). وقال الهيثمي (٧/ ١٩٥): (رواه أحمد والبزار والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات).\n(٤) أخرجه ابن عساكر (١٧/ ٤٩٣/ ٢). انظر تخريج \"كتاب السنة\" - لابن أبي عاصم. (٣٠٣) - الألباني.","vol":"3","page":38},{"text":"١١٨ - ١١٩. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إباحة الله سبحانه لنبيه محمد - ﷺ - والمؤمنين أكل الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، وما يمنعكم أن تأكلوا مما ذبحه المؤمنون وذكروا اسم الله عليه، أو ذبحه من دان بتوحيد الله من أهل الكتاب، وقد فصل الله لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون، وأجاز لكم عند الاضطرار ما حرّم عليكم حتى تزول الضرورة، وإن المشركين أهل جهالة في آرائهم وأهوائهم ومنهاجهم في استحلال الميتات وما ذُكر عليه غير اسم الله تعالى، والله أعلم باعتدائهم وافترائهم وكذبهم وتنطعهم.\nفعن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، قال: (يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح. وكل شيء يدلّ على ذكره يأمر به).\nوعن قتادة: (﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: قد بين لكم ما حرم عليكم).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.\nقال قتادة: (من الميتة). وقال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره: أن ما اضطررنا إليه من المطاعم المحرّمة التي بيَّنَ تحريمها لنا في غير حال الضرورة، لنا حلال ما كنا إليه مضطرين، حتى تزول الضرورة).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.\nقال النسفي: (أي: يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلق بشريعة).\nقلت: ويدخل في مفهوم الآية أهل الابتداع في الدين والقول على الله ورسوله دون علم.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾.\nتحذير من الاعتداء في الدين.\nقال القاسمي: (أي: المتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام).","vol":"3","page":39},{"text":"وقال الرازي: (دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن الكلام في الدين دون علم أو الإحداث والابتداع فيه:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احْمَرَّت عيناه وعلا صوتُه واشتدَّ غضبه، حتى كأنه منذرُ جيشٍ يقول: صبّحكم ومسّاكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. ويقرن بين أصبعيه، السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خيرَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد - ﷺ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: [كنا عند النبي - ﷺ - فخطَّ خطًّا، وخطّ خطَّين عن يمينه. وخط خطَّين عن يساره. ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٣).\nوفي لفظ من طريق ابن مسعود: [خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره ثم قال: هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ الآية].\n١٢٠ - ١٢١. قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرٌ من الله تعالى عباده - يقول: ودعوا أيها الناس علانية الإثم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ٢٢١) في الصلح، وأخرجه مسلم (١٧١٨)، في الأقضية.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٨٦٧)، كتاب الجمعة، ورواه أهل السنن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (١١) - باب اتباع سنة رسول الله - ﷺ -. ورواه الترمذي.","vol":"3","page":40},{"text":"وسرّه، إن الذين يعملون السوء ويأتون ما يسخط الله سيجازيهم على معصيتهم بما كانوا يقترفون. ولا تأكلوا، أيها المؤمنون، مما ذبح فلم يذكر اسم الله عليه من ذبيحة المشركين، أو أُهِلَّ لأوثانهم فإن أكله فسق - معصية وإثم - وإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم معشر المؤمنين في أكل الميتة وما حرم الله، وإن أطعتموهم فقد تركتم أمر ربكم وأشركتم به كالمشركين.\nوعن قتادة: (﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، أي: قليله وكثيره، وسرّه وعلانيته).\nوعن الربيع بن أنس قال: (نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه، أن يعمل به سرًا أو علانية، وذلك ظاهره وباطنه). وقال مجاهد: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: معصية الله في السر والعلانية).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الذين يعملون بما نهاهم الله عنه، ويركبون معاصي الله، ويأتون ما حرم الله، ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾، يقول: سيثيبهم الله يوم القيامة بما كانوا في الدنيا يعملون من معاصيه).\nوبعض المفسرين ذهب إلى تخصيص ظاهر الإثم هنا بنكاح حلائل الآباء والأمهات والبنات أو الطواف بالبيت عريانًا، أو معاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان، أو علانية الزنا دون سرّه. والصحيح أن الإثم لفظ عام يشمل كل ما عُصي الله به من محارمه، والآية تدل على جميع ما ظهر من الإثم وعلن وجميع ما خفي منه وبطن. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الحلال بَيِّنٌ، وإن الحرام بَيِّنٌ، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يَرْعَى حول الحِمى يوشك أن يرتعَ فيه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطيالسي والترمذي والنسائي بسند حسن، عن الحسن بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٠٥١)، وأخرجه مسلم (١٥٩٩)، وأخرجه أبو داود (٣٣٢٩).","vol":"3","page":41},{"text":"علي ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [دع ما يريبك إلى ما لا يريبك] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم والترمذي وأحمد عن النَّواس بن سَمْعَانَ الأنصاري قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن البِرِّ والإثم؟ فقال: [البِرُّ حُسْنُ الخُلْقِ، والإثْمُ ما حاك في صدرك، وكرهت أن يَطَّلِعَ عليه الناس] (٢).\nوله شاهد في المسند من حديث أبي ثعلبة بلفظ: [البِرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تَسْكُنْ إليه النَّفْسُ، ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون].\nوقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.\nفيه مسائل:\n١ - إذا كان مذكي الأنعام أو الطيور غير كتابي - كالبوذيين والهندوس وغيرهم من الملحدين الذين لا يؤمنون بالرسالات السماوية فلا تؤكل ذبيحته سواء أذكر اسم الله أم لا، لأن الأصل حل ذبائح المسلمين فقط، واستثني ذبائح أهل الكتاب بالنص.\n٢ - إذا كان المذكي من أهل الكتاب من اليهود أو النصارى، وكانت تذكيته بأن ذبح رقبتها أو نَحَرَهَا في لبّتهَا وهي حية، أُكِلَتْ سواء ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر، لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. أما إن ذكر الكتابي اسم غير الله عليها لم تؤكل وهي ميتة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.\n٣ - إن ضربها بمسدس أو سلّط عليها تيارًا كهربائيًا فماتت من ذلك فهي موقوذة حتى ولو قطع رقبتها بعد ذلك، فقد حرّمها الله بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾. إلا إذا أدركها حية بعد ضرب رأسها فذكاها، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.\n٤ - المسلم لا بد له من التسمية عند الذبح، فهي واجبة بحقه.\nففي الصحيحين عن أبي ثعلبة الخشني قال: [قلت يا رسول الله، إنا بأرض صيد\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطيالسي (١١٧٨)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٢٢٧)، وابن حبان (٧٢٢)، وأخرجه الحاكم (٢/ ١٣)، (٤/ ٩٩)، وصححه، ووافقه الذهبي - وله شواهد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٥٥٣) - كتاب البر والصلة، باب تفسير البر والإثم. وأخرجه الترمذي (٢٣٨٩)، وأحمد (٤/ ١٨٢)، وابن حبان (٣٩٧)، وانظر للشاهد: صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٨٧٨).","vol":"3","page":42},{"text":"أصيد بقوسي وبكلبي المعلَّم وبكلبي الذي ليس بمعلَّم، فما يصلح لي؟ فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل] (١).\nوذهب أحمد إلى أن التسمية شرط في الإباحة، وقال أبو حنيفة: هي شرط في حال الذكر فإن تركها ناسيًا حل الصيد، وهو المشهور عن مالك. وقال الشافعي: التسمية سنة، فإن تركها ولو عامدًا لم يحرم الصيد ويحل أكله.\nقلت: والحق أن تركها عامدًا إن كان من كتابي تؤكل لأن الآية لم تضع ذلك الشرط، وأما من مسلم فلا تؤكل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.\nوأما حديث \"سموا الله وكلوا\" فهو في ذبائح قوم أسلموا لكن حديثو عهد بجاهلية ولم يعلم أذكر اسم الله عليها أم لا.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ -: [أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا نَدْري: أَذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ قال: سَمُّوا عليه أنتم وكلوا. قالت: وكانوا حديثي عَهْدٍ بالكفر] (٢).\nوأما آلة الذبح: فإنه لا بد من إنهار الدم بآلة ليست سنًا ولا ظفرًا. ولا بد من قطع الحلقوم وهو مجرى النفس، والمري وهو مجرى الطعام والشراب، سواء كان القطع فوق الغلصمة وهو العظم الناتئ من الحلق أو دونها.\nففي الصحيحين من حديث رافع بن خديج قال: [قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدًا وليس معنا مُدىً، أفنذبح بالقَصَب؟ قال: ما أنهر الدمَ وذُكِرَ اسم الله عليه فكلوه، ليسَ السِّنَ والظُّفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السِّنُ فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة] (٣).\nوأما الصعق بالكهرباء أو الإلقاء في ماء حار حتى يموت الحيوان فهذا ميتة لا يؤكل.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.\nأخرج أبو داود في السنن، بإسناد صحيح، عن ابن عباس: [في قوله:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٥٤٧٨)، (٥٤٨٨)، وأخرجه مسلم برقم (١٩٣٠)، وأبو داود (٢٨٥٥)، وغيرهم. من حديث أبي ثعلبة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٠٥٧)، (٥٥٠٧)، وأبو داود (٢٨٢٩)، والنسائي (٧/ ٢٣٧)، وغيرهم. من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨)، والترمذي (١٤٩١)، وأحمد (٣/ ٤٦٣)، وغيرهم. من حديث رافع بن خديج ﵁.","vol":"3","page":43},{"text":"﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوا وما ذبحتم أنتم فكلوا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾] (١).\nوقولهم: \"ما ذبح الله\" يقصدون الميتة ويستهزئون بأن ذبحها الله ولا تأكلوها، وتأكلون ما ذبحتم أنتم!\nوأخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عباس قال: [أتى ناس النبي - ﷺ - قالوا: يا رسول الله: أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾] (٢).\nوالخلاصة: الآية في مجادلة قوم من المشركين النبي - ﷺ - في تحليل الميتة بذلك الجدال السابق، وبتلك الفلسفة العقلية الباردة، فردّها الله وقبّحها من فلسفة، فلا رأي أمام كلامه الحق ووحيه العظيم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: لهم مع الله، فيما يختص به من التحليل والتحريم). وقال النسفي: (﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال ما حرمه الله ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. لأن من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك به).\nوقال القرطبي: (فدلّت الآية على أن من استحل شيئًا مما حرّم الله تعالى صار به مشركًا. وقد حرّم الله سبحانه الميتة نصًّا، فإذا قَبل تحليلها من غيره فقد أشرك).\nوفي جامع الترمذي بسند حسن: [أن النبي - ﷺ - تلا هذه الآية - ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. . .﴾ [التوبة: ٣١]- على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلّون لكم ما حرّم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي - ﷺ -: فتلك عبادتهم] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٨١٨) - باب في ذبائح أهل الكتاب. انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٢٤٤٤). ورواه ابن ماجه بلفظ: [كانوا يقولون: ما ذُكر عليه اسم الله فلا تأكلوا. وما لم يذكر اسم الله عليه فكلوه. فقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾]. انظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٢٥٦٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٢٧٧) - في التفسير - سورة الأنعام - انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٥٤). من حديث عبد الله بن عباس ﵄.\n(٣) رواه الترمذي (٣٠٩٤) في التفسير، ويتقوى بما أخرجه الطبري رقم (١٦٦٣٤) عن حذيفة موقوفًا.","vol":"3","page":44},{"text":"١٢٢ - ١٢٤. قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: نَهْيٌ من الله سبحانه للمؤمنين برسوله - ﷺ - عن طاعة المشركين وقبول أحكامهم. أو من كان ميتًا - أي: كافرًا - فهديناه وأنعشناه بالإسلام وجعلنا له بذلك حياة ونورًا وهدى بعد موت وظلام وضلال، كمن هو غارق في متاهات الظلمات لا يبصر طريق الحق والنجاة. إن الله قد خذل الكافرين فزُينت لهم سوء أعمالهم ليستوجبوا بذلك من فعلهم سخط الله وسوء العذاب ونزول النكال. وكذلك جعلنا في كل قرية عظماءها مجرميها - حين أسرف أهلها - ليمكروا فيها بإشاعة الكفر والفواحش والمعصية، ثم هم لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من الخزي وأليم العقاب مقابل غيّهم وعتوهم وتحاكمهم للأهواء والشهوات. وإذا جاءت هؤلاء المشركين حجة من الله على صدق نبوة محمد - ﷺ - وما يوحى إليه من الإيمان وشرائع الإسلام تنطعوا برفض التصديق حتى يعطيهم الله مثل معجزات الرسل، قل لهم يا محمد: الله أعلم بمواضع رسالته، وليس لأحد أن يشترط على الله في قبوله الإيمان، ثم ينتظر هؤلاء المستكبرين عذاب وذلة وهوان بما كانوا يمكرون.\nفقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.\nقال ابن عباس: (﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، يعني: من كان كافرًا فهديناه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، يعني النور، القرآن، من صدَّق به وعمل به، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، يعني: بالظلمات، الكفر والضلالة). وقال: (فهو الكافر يهديه الله للإسلام. يقول: كان مشركًا فهديناه).\nوقال قتادة: (﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، هذا المؤمن معه من الله نور وبيّنة يعمل","vol":"3","page":45},{"text":"بها ويأخذ، وإليها ينتهي، كتاب الله، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾، وهذا مثل الكافر في الضلالة، متحيّر فيها متسكع، لا يجد مخرجًا ولا منفذًا).\nأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n[إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل] (١).\nوالظلمة: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات.\nوالنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانه على عباده بنعمان - وهو واد إلى جنب عرفات. فالله سبحانه خلق خلقه في تلك الظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره لئلا يبقوا في الظلمة، بل ليستضيئوا بنور الوحي والنبوة، فكادتهم الشياطين عند ذلك.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه، من حديث عياض مرفوعًا: [قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزِل به سلطانًا] (٢).\nوفي التنزيل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].\nقال ابن القيم: (فأولياؤهم يعيدوهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات).\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، وابن حبان (٦١٦٩)، والحاكم (١/ ٣٠)، وصححه الحاكم، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤): رواه أحمد بإسنادين والبزار والطبراني، ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات. وأخرجه الترمذي (٢٦٤٢)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢٤١). وانظر صحيح الجامع الصغير (١٧٦٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ١٠٧٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٨٦٥)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٦).","vol":"3","page":46},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٣].\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: حَسَّنَّا لهم ما هم فيه من الجهالة والضلالة، قَدَرًا من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه).\nوقال القاسمي: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فنون الكفر والمعاصي، ولذا جادلوا بها الحق، وأصروا عليها).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾.\nقال ابن عباس: (سلّطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب).\nوقال مجاهد: (﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾: عظماءها). وقال النسفي: (﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾: ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي). قال: (وخصّ الأكابر وهم الرؤساء لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم).\nقال ابن كثير: (والمراد بالمكر ها هنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا. . .﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣]).","vol":"3","page":47},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.\nتسلية من الله تعالى لنبيه - ﷺ - عما يلقى من تكذيب قومه وعنادهم. أي: إن هؤلاء يحفرون لأنفسهم ليقعوا في حياض المهالك، ولن يعود وبال مكرهم إلا على أنفسهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: قال ابن جرير: (يقول: لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من أليم عذابه، فهم في غيِّهم وَعُتُوِّهِم على الله يتمادَوْن).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ. . .﴾ [العنكبوت: ١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].\nوقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾.\nقال القرطبي: (بيّن شيئًا آخر من جهلهم، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء، فنؤتى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات، ونظيره: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]. والكناية في \"جاءتهم\" ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم. قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة حقًا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنًا، وأكثر منك مالًا. وقال أبو جهل: والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدًا، إلا أن يأتينا وَحْيٌ كما يأتيه، فنزلت الآية).\nفأجابهم سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.\nقال القاسمي: (كلام مستأنف للإنكار عليهم، وأن لا يصطفى للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، فيليق للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره، مما لو انكشف لغيره انكشافه له، لفاضت له نفسه، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته، فهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا الاصطفاء من الله للنبوة وحمل رسالته، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده عن واثلةَ بن الأسقع - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال:\n[إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة،","vol":"3","page":48},{"text":"واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبِي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [بعثت من خير قرون بني آدم قَرْنًا فَقَرنًا، حتى كنت من القَرْن الذي كنت منه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن المطلب بن أبي وَدَاعَةَ قال: [قال العباس: بلغه - ﷺ - بعضُ ما يقول الناسُ، فصعد المنبر فقال: من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله. قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا، وأنا خيركم نفسًا] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم ومالك والترمذي عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: [إنّ لي خمسةَ أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، الذي يُحشَرُ الناس على قدمي، وأنا الماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب] (٤).\nوفي رواية لمسلم وأحمد من حديث أبي موسى بلفظ: [أنا محمد وأحمد والمقفّى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة]. زاد الطبراني في رواية: (ونبي الملحمة).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن عبد الله بن مسعود قال: [إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد - ﷺ - خَيْرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثَه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد - ﷺ - فوجد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٢٧٦)، والترمذي في الجامع (٣٦١٠)، وأحمد في المسند (٤/ ١٠٧)، وأبو يعلى (٧٤٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٣٥٥٧) - كتاب المناقب.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٢١٠)، والترمذي (٣٥٣٢)، (٣٦٠٨)، وله شواهد في المسند (٤/ ١٦٥ - ١٦٦)، وعند الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٢٨٦). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢١٤ - ٢١٥): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٣٥٤) - كتاب الفضائل - باب في أسمائه - ﷺ -. وصحيح الجامع (٢١٨٥)، (١٤٨٦) لبقية الروايات.","vol":"3","page":49},{"text":"قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وُزَراء نبيِّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيِّئ] (١).\nوقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.\nقال السدي: (الصغار: الذلة). وقال النسفي: (﴿صَغَارٌ﴾ ذل وهوان ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في القيامة ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار ﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الدنيا).\nوقال ابن كثير: (هذا وعيد شديد من الله وتهديد أكيدٌ، لمن تكبر عن اتباع رُسله والانقياد لهم فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله ﴿صَغَارٌ﴾ وهو الذلة الدائمة، كما أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذُلًا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: صاغرين حقيرين. وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾، لما كان المكر غالبًا إنما يكون خَفِيًّا، وهو التَلَطُفُ في التحيُّل والخديعة، قُوبلوا بالعذاب الشديد جزاء وِفاقًا، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر).\nقال: (وجاء في الصحيحين، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"يُنْصبُ لكل غادر لواءٌ عند اسْتِهِ يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان\" (٢). والحكمةُ في هذا أنه لما كان الغَدْرُ خفيًا لا يَطَّلِعُ عليه الناسُ، فيوم القيامة يصير عَلَمًا منشورًا على صاحبه بما فعَل).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بوصف ألوان ذلك الصغار الذي سيصيب المجرمين والمتكبرين يوم القيامة.\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى\n_________\n(١) حديث موقوف. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٧٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٨٥٨٣)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٧٧ - ١٧٨): (ورجاله موثوقون).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٨٦)، ومسلم (١٧٣٦)، وابن ماجه (٢٨٧٢)، وأخرجه ابن حبان (٧٣٤١)، والبيهقي (٩/ ١٦٠) من حديث ابن مسعود.","vol":"3","page":50},{"text":"بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس: [أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة] (٢). قال قتادة: (بلى وعزة ربنا).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. وقال: اقرؤوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾] (٣).\n١٢٥ - ١٢٧. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: يشرح الله صدر من أراد هدايته للحق والإيمان، فيوفقه لسلوك سبيل الهداية والرشاد، ويضيق - جلت عظمته - صدر من أراد أن يضله، نتيجة استهتاره وتهاونه وتعظيمه شهواته فوق أمر الله ﷿، كأنه في ضيقه يرتفع في طبقات السماء حيث يضيق نفسه وصدره مع الارتفاع، كذلك يسلط الله الشيطان على من أبى الإيمان بالله وجحد رسالة نبته - ﷺ - والوحي الذي أنزل إليه، فيصده عن سبيل الهدى والحق. إن الذي بينا لك يا محمد هو صراط ربك المستقيم، ومنهاج الدين القويم، يظهر ذلك جليًا لأهل الفهم والإدراك والتمييز، الذين ينتفعون بهذه الذكرى\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٣). ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (٥١١٢)، وصحيح الجامع - حديث رقم - (٧٨٩٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٦٠)، كتاب التفسير، وكذلك (٦٥٢٣)، كتاب الرقاق، ورواه مسلم في الصحيح (٢٨٠٦) - كتاب صفات المنافقين.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٢٩)، كتاب التفسير. سورة الكهف - آية (١٠٥)، ورواه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٧٨٥)، من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":51},{"text":"وتنتظرهم دار السلام والأمان، إنهم في جنة عدن يوم القيامة، فالله ناصرهم ومؤيدهم في الدنيا والآخرة.\nقال السدي: (أما ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، فيوسع صدره للإسلام).\nوقال ابن جريج: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ بلا إله إلا الله، يجعل لها في صدره مُتَّسعًا).\nوعن ابن عباس: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، يقول: من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقًا. والإسلام واسع. وذلك حين يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق). وعَنْ مجاهد: (﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، قال شاكًا). وقال قتادة: (ضيقًا ملتبسًا). وقال سعيد بن جبير: (لا يجد مسلكًا إلا صُعُدًا). وقال عطاء الخراساني: (ليس للخير فيه منفَذٌ). وقال ابن جريج: (﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، بلا إله إلا الله، لا يجد لها في صدره مَسَاغًا). أو قال: (حتى تستطيع أن تدخله).\nوقوله: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.\nقال عطاء: (مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء).\nوقال السدي: (من ضيق صدره). وقال ابن جريج: (من شدة ذلك عليه).\nقلت: وقد أثبت العلم الحديث ضيق النَّفَس والصدر بالإنسان كلما صعد في طبقات السماء وارتفع فيها حيث تقل الجاذبية والأوكسجين اللازم للتنفس.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - عن مجاهد: (﴿الرِّجْسَ﴾، قال: ما لا خير فيه).\n٢ - عن ابن زيد قال: (الرجس عذاب الله).\n٣ - عن ابن عباس قال: (الرجس: الشيطان).\nواختار ابن جرير القول الثالث حيث قال: (كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقًا حرجًا، كأنما يصعد في السماء من ضيقه عن الإيمان فيجزيه بذلك، كذلك","vol":"3","page":52},{"text":"يسلّط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغويه ويصدّه عن سبيل الحق).\nقلت: والآية تشمل أكثر من ذلك، فالمعاناة والاكتئاب والقلق وكافة الأمراض النفسية إضافة إلى عذاب الله ووساوس الشيطان، كل ذلك داخل في مفهوم الآية.\nوقوله: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾، يعني به الإسلام).\nونصب \"مستقيمًا\" على الحال. قال ابن كثير: (أي: هذا الدين الذي شرعناه لك - يا محمد - بما أوحينا إليك هذا القرآن، هو صراط الله المستقيم).\nوقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.\nأي: قد بينا الحجج والدلالات لقوم لهم فَهْمٌ ووعي ويعقلون عن الله ورسوله.\nوقوله: (﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.\nقال السدي: (الله هو السلام، والدار الجنة).\nوقوله: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nأي: ناصرهم ومؤيدهم لقاء عملهم بطاعة الله واتباع رضوانه.\n١٢٨ - ١٣٢. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: ويوم يحشر ربك - يا محمد - هؤلاء المشركين، العادلين بالله","vol":"3","page":53},{"text":"أوثانهم وأصنامهم والمعظمين شهواتهم فوق منهج الله تعالى، مع أوليائهم من الشياطين فيجمعهم في موقف المحشر، ثم يقول للجن: لقد استكثرتم من إضلال الإنس وإغوائهم، فيجيب أولياء الجن من الإنس: ربنا لقد تبادلنا المنافع فيما بيننا فأدركنا الشهوات بتعظيم المردة وطاعتهم حتى وافانا الأجل وحال بيننا الموت! قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما كان من مدة الحشر، إن ربك - يا محمد - حكيم بتدبير أمور خلقه، عليم بعواقب الأمور وبمصير كل فرد من الجن والإنس يوم القيامة. وكذلك نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس بأعمالهم. ويوم القيامة يناديهم: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يعرفونكم آياتي ونعمي لديكم، ويبيّنون لكم ما يجب عليكم تجاه بارئكم من التعظيم والعبادة والاستعداد للقائه، فأجابوا: بلى شهدنا على أنفسنا ببلاغ الرسل ووضوح الآيات والحجج، ولكن غرتنا الحياة الدنيا وشهواتها ووقعنا في الكفر والآثام. فاعلم - يا محمد - أنه إنما نرسل الرسل لإقامة الحجة على الناس، فما كان الله ليرسل العذاب على أمة حتى يقيم عليهم حجته البالغة، ومن ثم فلكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب يبلغها يوم يوضع الميزان ليزن الأعمال وما ربك بغافل عما يعملون.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾.\nقرأ ذلك نافع: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا﴾ وهي في محل نصب بفعل محذوف تقديره: نقول. أي: \"ويوم نحشرهم جميعًا نقول. .\". وأما جميعًا فهي في محل نصب على الحال، والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة.\nوأما قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ فهو منادى مضاف.\nوقوله: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني أضللتم منهم كثيرًا). وقال مجاهد: (كثر من أغويتم). فحكى الله إجابتهم بقوله: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضًا. قال القرطبي: (فاستمتاع الجن من الإنس أن تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم). وقال ابن جريج في هذه الآية: (كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا يوم القيامة). وفي","vol":"3","page":54},{"text":"التنزيل - قوله سبحانه في سورة [الجن]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾.\nوقيل: وأما استمتاع الجن بالإنس فبما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر.\nوقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون.\nثم قال سبحانه يحكي قولهم يوم القيامة، وقد اصطفوا أمامه خزايًا نادمين:\n﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾.\nقال السدي: (أما قوله: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ فالموت).\nأي: فاستمتع بعضنا ببعض أيام حياتنا إلى حال موتنا وانقضاء الأجل.\nفأجابهم سبحانه إجابة مؤلمة مخزية: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.\nفيه أكثر من تأويل يحتمله السياق:\nالتأويل الأول: يقول: لابثين فيها إلا ما شاء الله، من قدر مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك هي المدة المستثناة من خلودهم.\nالتأويل الثاني: قيل بل المراد: إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب.\nالتأويل الثالث: قيل بل المعنى: أن الله قد جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته، كقوله تعالى في سورة [هود]: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.\nقال ابن عباس: (إن هذه الآية آيةٌ لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، لا ينزلهم جنة ولا نارًا).\nثم سطّر سبحانه في كتابه في هذه السورة سنة عظيمة من سننه في الأمم، إذا ما تعاطوا ما يسخط الله ويغضبه، وإذا ما استباحوا بعض ما حرَّمَ عليهم، أو استهتروا","vol":"3","page":55},{"text":"في حمل الأمانة ولم يعظموا شعائره وأوامره، فقال جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾.\nوفيه أكثر من تفسير:\nالتفسير الأول: نولي بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن والكافر ولي الكافر.\nقال قتادة: (وإنما يولي الله بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أين كان وحيث كان. ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي).\nالتفسير الثاني: قيل بل معناه: نُتْبِعُ بعضهم بعضًا في النار، من الموالاة التي هي المتابعة بين الشيء والشيء. فعَن معمر: (﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: قال: في النار يتبع بعضهم بعضًا).\nالتفسير الثالث: قيل بل المراد نسلط بعض الظلمة على بعض.\nقال ابن زيد: (﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾. قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).\nوجملة القول: إن الله ﷿ قد يسلِّط مردة الجن على عصاة المسلمين الذين يتجاوزون بعض ما حرم الله تكاسلًا أو تجاهلًا، فيسومونهم سوء العذاب، إذ يشاركونهم حياتهم وطعامهم وشرابهم، وينغِّصُون عليهم معيشتهم حتى يذوقوا الضنك الذي وعد الله به المعرضين عن ذكره وهديه بقوله في سورة [طه]: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. . (١٢٤)﴾.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١).\nوله شاهد عند ابن حبان بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٧١٠٦) - طبعة دار السلام - الرياض، كتاب صفات المنافقين.","vol":"3","page":56},{"text":"ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عق والديه، فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلْبِسُه التاج] (١).\nوقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.\nخطاب الله لهم يوم القيامة، وقد وقفوا بين يديه أذلاء صاغرين. أي: ألم يأتكم في الدنيا - يا معشر الجن والإنس - رسل من بينكم ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ بالأمر والنهي ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ أي: يحذرونكم ويخوفونكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ - قال القاسمي: (وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال).\nفأجابوه سبحانه: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾.\nقال القرطبي: (أي: شهدنا أنهم بلغوا).\nأي: أقررنا بمجيء الرسل وإقامتهم حجة الحق والوحي البالغة، وبتكذيب دعوتهم.\nثم قال سبحانه: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: وقد فرَّطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات، لما اغترُّوا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها).\nوقوله: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.\nأي: شهدوا على أنفسهم أمام ربهم ﷿ في أرض المحشر، أنهم كانوا كافرين بالرسل وبما جاؤوا به من وحي الله العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾.\nأي: إن أمر الله بهلاك الأمم التي أهلكها لم يكن إلا بعد إعذارها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإقامة حجة الوحي البالغة عليها، فإنه سبحانه لا يعاقب عباده إلا بعد بلوغهم دعوة الحق. كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٦٥)، بإسناد رجاله ثقات رجال البخاري، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٢٨٠).","vol":"3","page":57},{"text":"وكما قال جل ثناؤه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا. .﴾ [الملك: ٨، ٩]. وكقوله جل ذكره: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. .﴾ [النساء: ١٦٥].\nأخرج ابن أبي عاصم في السنة - بسند صحيح على شرط الشيخين - عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا شخص أغير من الله تعالى، ولا شخص أحب إليه العذر من الله ﷿، ولأجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدح من الله تعالى، ومن أجل ذلك وعد الجنة] (١).\nوأصله في الصحيحين من طريق أبي وائل، ولفظ البخاري - عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال -: [لا أحدَ أغيرُ من الله، ولذلك حرَّم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا شَيْءَ أحبُّ إليه المَدْحُ من الله، ولذلك مَدَحَ نَفْسَه، قلت: سمعتَه من عبدِ الله؟ قال: نعم، قلت: ورَفَعَهُ؟ قال: نعم] (٢).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ وجهين - كما ذكر شيخ المفسرين أبو جعفر بن جرير ﵀ - أحدهما: ذلك من أجل أن ربك لم يكن ليهلك القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه، وهم غافلون، يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولًا يُنَبِّهُهُم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يومَ معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخِذهم غفلةً فيقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩].\nوالوجه الثاني: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾، يقول: لم يكن ربك لِيُهْلِكَهُم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلّام لعبيده.\nوالوجه الأول من التأويل أقوى، ورجّحه ابن جرير، والحافظ ابن كثير، وغيرهم من المفسرين.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: ولكل عامل بطاعة درجاتٌ في الثواب. ولكل عامل بمعصية دركاتٌ في العقاب. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾ أي: ليس بلاهٍ ولا ساهٍ. والغفلة أن يذهب\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبن أبي عاصم في \"السنة\" (٥٢٢)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٣٤) - كتاب التفسير، وكذلك (٥٢٢٠) - كتاب النكاح.","vol":"3","page":58},{"text":"الشيء عنك لاشتغالك بغيره). والآية تشمل الجن والإنس معًا.\nوفي التنزيل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف].\nأي: لكل عامل من الثقلين ثواب عمله، فمطيع الجن في الجنة، وعاصي الجن في النار، شأنهم في ذلك شأن الإنس.\n١٣٣ - ١٣٥. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره: وربك - يا محمد - الذي يأمر بإفراده بالطاعة والتعظيم والعبادة، هو الغني عن عباده وعن عبادتهم واجتهادهم في طاعته، فهم المحتاجون إليه وإلى رحمته، ولو شاء لأهلك خلقه هؤلاء من ولد آدم واستبدلهم بخلق جديد يكونون أممًا تخلف أولئك في الأرض، كما أحدثكم من بعد خلق آخرين مضوا وَقد كانوا قبلكم. إن الذي يعدكم ربكم من العقاب على الكفر به ورسله واقع لا محالة وما أنتم بهاربين. فقل يا محمد لقومك من قريش الذين يصرون على طريقة آبائهم في الشرك بالله: اعملوا على ناحيتكم وحيالكم فسوف تعلمون عند حلول نقمة الله بكم من كان المحق من المبطل، إنه لا فلاح ولا سعادة للظالمين.\nقال القاسمي: (﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي: يترحم عليهم بالتكليف، تكميلًا لهم، ويمهلهم على المعاصي. وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه سبحانه، بل لترحمه على العباد).\nوقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾.\nقال النسفي: (﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها الظلمة ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ من الخلق المطيع).","vol":"3","page":59},{"text":"وقوله: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم. قال: لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم).\nوقوله: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.\nأي: أخبرهم يا محمد - إن الذي وعدكم به ربكم من النكال والعقاب لِمَنْ تمرّد على طاعته وعاند واستكبر وصدّ عن دينه الحق، واقع لا محالة، ولا طريقة للفرار حينئذ من عقاب الله وعذابه في الآخرة.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن جُبَيْر بن نُفَيْر عن بُسْر بن جَحَّاشٍ القُرَشي، أن النبي - ﷺ - بصق يومًا في كفّه فوضع عليها أَصْبُعَهُ ثم قال: [قال الله: إبن آدم أنّى تُعْجِزُني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بين بُردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومَنَعْتَ حتى إذا بَلَغَتِ التراقِيَ قُلْتَ أتصدقُ وأنّى أوانُ الصدقة] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني: على ناحيتكم).\nوقوله: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾. قال ابن كثير: (هذا تهديدٌ شديد، ووعيدٌ أكيدٌ، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنّون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقي ومَنْهَجي، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود: ١٢١، ١٢٢]).\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.\nقال: (أي: أتكونُ لي أَوْ لَكُم. وقد أنجز مَوْعودَهُ له - صلوات الله عليه - فإنه تعالى مَكَّنَ له في البلاد، وحَكَّمَهُ في نواصي مخالفيه من العباد، وفتحَ له مكة، وأظهرهُ على من كَذَّبَهُ من قومه وعاداه وناوأه، واستقرّ أمرُه على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكلُّ ذلك في حياته. ثم فُتِحَت الأمصار والأقاليم والرَّساتيقُ بعد وفاته في أيام خُلفائه، - ﵃ - أجمعين. كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢١٠)، من حديث بسر بن جحاش القرشي.","vol":"3","page":60},{"text":"وَرُسُلِي. .﴾ [المجادلة: ٢١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال تعالى إخبارًا عن رسله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣، ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا. . .﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقد فعل الله تعالى ذلك بهذه الأمة المحمدية، وله الحمد والمنّةُ أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا) انتهى.\nقلت: وقد سخّر الله الطبيعة والملائكة وجنوده المختلفة لنصر نبيّه - ﷺ - تعظيمًا لقدره وجهاده، وتسلية له عما أصابه به أعداؤه. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، أن أبا بكر حدثه قال: [قلت للنبي - ﷺ - ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه! فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: [لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: [قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله - ﷺ -: لو دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. وفي رواية: (اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما). صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٥٧). من حديث أنس ﵁. ورواه مسلم في الصحيح (٢٣٨١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٨٣)، ورواه البخاري وغيره من أهل السنن.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٤/ ٢١٥٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":61},{"text":"الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن رفاعة، عن النبي - ﷺ - قال: [جاء جبريل فقال: ما تعدون من شهد بدرًا فيكم؟ قلت: خيارنا، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة هم عندنا خيار الملائكة] (١).\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد بسطت أكثرها في كتابي: السيرة النبوية على منهاج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فلله الحمد والمنة.\n١٣٦ - ١٤٠. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: وجعل هؤلاء المشركون - العادلون بربهم الأوثان والأصنام - لربهم قِسمًا وجزءًا مما خلق من الحرث والأنعام، والقِسم الآخر لشركائهم\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان من طريق رافع بن خديج، وأصله في صحيح الإمام البخاري (٣٩٩٢) - كتاب المغازي، وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٠٨١).","vol":"3","page":62},{"text":"لا يكون لله أبدًا، وأما قسم الله فيمكن أن يكون لشركائهم، فعدلوا بمن خلقهم وأنعم عليهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم وفَضَّلوه بالقَسْم قلة أدب منهم، وسوء حكم وضلالة وجهالة. وقد زين لهم الشياطين - إضافة إلى ذلك القَسْم الفاسد وسوء الأدب مع الله تعالى - وأد البنات، ليهلكوهم وليشوهوا عليهم دينهم ولو شاء الله لردّهم عن تلك الأفعال القبيحة المشينة، ولكنه سبحانه خذلهم عن الرشاد، فقتلوا الأولاد، وخضعوا لأهواء الشياطين. ثم كان من هؤلاء المشركين أن حلَّلوا من قبل أنفسهم وحرّموا ما لم يأذن به الله، فجعلوا السائبة والبحيرة والوصيلة وغيرها مما سمّوا لآلهتهم فقالوا نحرم أكلها وظهورها والانتفاع بِرِسْلِها ونِتاجها ونجعلها وقفًا للأصنام، وكذلك حرموا أنعامًا أخر فلا يحجون عليها ولا يذكرون اسم الله عليها إن ركبوها بحال، ولا إن حلبوها، ولا إن حملوا عليها، والله تعالى سيثيبهم جزاء ما كانوا يكذبون. وكذلك قالوا: ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حِلٌّ لذكورهم، خالصة، دون إناثهم، فإن كان الذي في بطونها ميتة اشترك في أكله الرجال والنساء، سيجزيهم وصفهم وافتراءهم إنه تعالى حكيم بما سيصنع بهم، عليم باجترائهم التشريع الكذب وتنحية شرعه الحكيم. إن الذين قتلوا أولادهم ظلمًا وسفهًا وتعظيمًا لعادات القوم الجاهلية، وأحلوا وحرموا من عند أنفسهم قد ضلوا وخسروا وما كانوا مهتدين.\nفقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾.\nذمٌّ وتوبيخٌ من الله تعالى للمشركين الذين اختلقوا تشريعًا كذبًا كفرًا وشركًا بالله تعالى. ﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾ أي: خلق وبرأ. ﴿نَصِيبًا﴾ يعني: قسمًا وجزءًا. ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ أي: من الزروع والثمار، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾.\nوقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾.\nقال قتادة: (عَمدَ ناس من أهل الضلالة فجزؤوا من حروثهم ومواشيهم جزءًا لله وجزءًا لشركائهم. وكانوا إذا خالط شيء مما جزؤوا لله فيما جزؤوا لشركائهم خلَّوه. فإذا خالط شيء مما جزؤوا لشركائهم فيما جزؤوا لله ردّوه على شركائهم. وكانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ استعانوا بما جزؤوا لله، وأقروا ما جزؤوا لشركائهم، قال الله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾) - أي: ساء ما يقسمون.\nوقال ابن عباس: (إن أعداء الله كانوا إذا حَرَثوا حَرْثًا، أو كانت لهم ثمرةٌ، جعلُوا لله منه. جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان","vol":"3","page":63},{"text":"حفِظوه وأحصَوه. وإن سقطَ منه شيء فيما سُمِّيَ للصَّمد رَدُّوه إلى ما جَعَلوه للوَثَنِ. وإن سَبَقَهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئًا جَعَلُوه لله جعلوا ذلك للوثن. وإن سَقَطَ شيءٌ من الحَرْثِ والثَّمَرِ التي جعلوا لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير. ولم يَرُدوه إلى ما جعلوه لله. وإن سبقهم الماءُ الذي جعلوه لله، فسقى ما سُمِّيَ للوثن، ترَكوه للوثن. وكانوا يُحَرِّمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلةَ والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يُحَرِّمُونه قربة لله، فقال الله - ﷿ -: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. . الآية).\nقال ابن كثير: (﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطؤوا أولًا في القسمة، فإن الله تعالى هو ربُّ كلِّ شيء ومليكُه وخالقُه، وله الملك، وكل شيء له وفي تَصَرُّفِه وتحت قُدْرَتِه ومشيئته، لا إله غيره، ولا ربّ سواه. ثم لما قَسَموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة، بل جارُوا فيها، كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥]. وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢]).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾.\nتوبيخ آخر، وذم متتابع من الله تعالى، لهؤلاء المشركين الذين صدرت منهم تلك القسمة الفاسدة في الحرث والأنعام - تجاه ربهم وخالقهم وخالق حرثهم وأنعامهم، وقد زيّن لهم الشيطان بعد ذلك قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات خشية العار. قال ابن عباس: (زينوا لهم، من قَتْلِ أولادهم). وقال مجاهد: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾: شياطينهم، يأمرونهم أن يئدِوا أولادهم خيفة العَيْلة). وقال السدي: (أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات. وأما ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾، فيهلكوهم. وأما ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾، فيخلطوا عليهم دينهم).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ. . .﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩].","vol":"3","page":64},{"text":"قلت: وهذا الظلم الذي كان يقع على الأولاد والبنات في الجاهلية، قد أبكى النبي - ﷺ -.\nيروي الدارمي في أول \"سننه\" عن الوَضين: [أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إنا كنا أهل جاهلية وعبادةِ أوثان، فكنا نقتل الأولاد، وكانت عندي ابنة لي، فلما أجابت، وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، فدعوتها يومًا، فاتبعتني، فمررت حتى أتيت بئرًا من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها فرديت بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه! يا أبتاه! فبكى رسول الله - ﷺ - حتى وكف دمع عينيه، فقال له رجل من جلساء رسول الله - ﷺ -: أحْزَنْتَ رسول الله - ﷺ -! فقال له: كُفَّ، فإنه يسأل عما أَهَمَّهُ. ثم قال له: أعد عليَّ حديثك، فأعاده، فبكى حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته، ثم قال له: إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا، فاستأنف العمل] (١).\nوله شاهد عند الطبراني في \"الأوسط\" بسند حسن عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من أحسن فيما بقي، غُفِرَ له ما مضى. ومن أساء فيما بقي، أخِذَ بما مضى وما بقي] (٢).\nوأصله في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: [قال رجل يا رسول الله! أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾.\nقال ابن جرير: (ولو شاء الله أن لا يفعلوا ما كانوا يفعلون من قتلهم لم يفعلوه، بأن كان يهديهم للحق، ويوفقهم للسداد، فكانوا لا يقتلونهم، ولكن الله خذلهم عن الرشاد فقتلوا أولادهم، وأطاعوا الشياطين التي أغوتهم).\nوقوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.\nأي: فذرهم يا محمد وما كان من قسمهم الفاسد، وقتل أولادهم وتقوّلهم على الله\n_________\n(١) حديث له شواهد. أخرجه الدارمي في أول \"سننه\" (١/ ٣ - ٤). وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر (١٨/ ٣٧٧) ما يشهد له، وكذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٣٨٩).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٧/ ٤١٣/ ٦٨٠٢). وانظر المرجع السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١/ ٧٧ - ٧٨)، وابن ماجه (٤٢٤٢)، وأخرجه أحمد (١/ ٤٠٩، ٤٣١)، وأخرجه البيهقي في \"السنن\" (٩/ ١٢٣)، وغيرهم.","vol":"3","page":65},{"text":"الكذب والزور، فإن ربهم لهم بالمرصاد، وينتظرهم عذاب موجع أليم فيه خزيهم وهوانهم ومذلتهم.\nوقوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾.\nقال ابن عباس: (الحِجْرُ: الحرامُ، ما حَرَّموا من الوصيلة، وتحريم ما حَرَّموا).\nوقال قتادة: (تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم، وتغليظٌ وتشديد، وكان ذلك من الشياطين، ولم يكن من الله تعالى). وقال ابن زيد: (﴿حِجْرٌ﴾، إنما احتجروها لآلهتهم). وقال السدّي: (﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾، يقولون: حَرَام أن نُطْعِمَ إلا من شِئْنَا). وقال: (أما أنعامٌ حُرمت ظهورها فهي البحيرة والسائبة والحام. وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها، قال: لا إذا أولدوها، ولا إن نحروها). وقال مجاهد: (كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حَلبُوا، ولا إن حَمَلوا، ولا إن سَحَبُوا، ولا إن عملوا شيئًا). وقال أبو وائل: (هي البحيرة، كانوا لا يحجون عليها).\nوالآية تشبه ما في التنزيل من قوله تعالى:\n١ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩].\n٢ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣].\n٣ - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].\nوقوله: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾.\nأي: افتراء وكذبًا على الله في إقحامهم الجاهلية في دين الله وشرعه، مما لم يأذن الله به ولم يرضه بل عابه وحرّمه.\nوقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nأي: سيثيبهم ربهم وسيحاسبهم على ما أسندوا إليه من التشريع الجاهلي المفترى، فإن أكذب الكذب وأشد الافتراء هو ما كان تجاه شرع الله ودينه الحنيف.","vol":"3","page":66},{"text":"وقوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾.\nقال ابن عباس: (فهو اللبن، كانوا يحرِّمُونه على إناثهم، ويشرَبه ذُكْرانهم. وكانت الشاةُ إذا ولدت ولدًا ذكرًا ذَبَحوه، وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تُرِكت فلم تُذبح، وإن كانت مَيْتَةً فهم فيه شركاء. فنهى الله عن ذلك).\nوقال الشعبي: (البحيرةُ لا يَأْكُلُ من لَبَنِها إلا الرجال، وإن ماتَ منها شيءٌ أكَلَهُ الرجال والنساء). وقال مجاهد: (﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾: هي السائبة والبحيرة).\nوقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾.\nقال مجاهد: (أي: قَوْلَهم الكَذِبَ في ذلك).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\nأي: حكيم في شرعه سبحانه وفي كل أقواله وأفعاله. عليم بكل شيء، وبما يجترئ عباده عليه من مخالفته، وبما سيقابل ذلك في الدنيا والآخرة من الخزي والشقاء.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.\nأخرج البخاري فيِ صحيحه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [إذا سَرَّك أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئةٍ في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾] (١)\nقال قتادة: (هذا صنيع أهل الجاهلية. كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السِّباء والفاقة، ويغذو كلبه، وقوله: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾، الآية، وهم أهل الجاهلية. جعلوا بحيرةً وسائبة ووصيلةً وحاميًا، تحكمًا من الشياطين في أموالهم).\nوقال الشهاب: (وفي قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بعد قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم (٣٥٢٤) - كتاب المناقب. باب قِصَّةِ زمزم وَجَهْلِ العرب. من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"3","page":67},{"text":"مبالغة في نفي الهداية عنهم، لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال، بعد أن لم يكن. فلذا أردف بهذه الحال، لبيان عراقتهم في الضلال، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض) - ذكره القاسمي.\n١٤١ - ١٤٢. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلام من الله سبحانه لهم ولكل خلقه عن جميل نعمه عليهم، في خلق الزروع والثمار والأنعام، ومما عَرَشَ الناس من الكروم أو رفعه الله وبناه، ومما أنشأ لهم سبحانه من النخل والزرع مختلفًا أكله وألوانه، ثم هم يقسمونه بأهوائهم ويجعلون منه حرامًا وحلالًا بعقولهم الفاسدة ويشركون بالله في التشريع، والله أحل لكم أكله والتمتع بثمره وما أمر بإخراج إلا الصدقة يوم حصاده، ونهى عن الإسراف وأخبر أنه لا يحب المسرفين. وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشًا، كبار الإبل وصغاره، وأحل لكم ثمرات حروثكم وغروسكم ولحوم أنعامكم، فكلوا مما رزقكم سبحانه، ولا تخوضوا في متاهات القول على الله بغير علم، أو التشريع بوحي من الشيطان، فإنه لكم عدو مبين.\nفقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾.\nأي: أحدث بساتين من الكروم المعروشة التي ترفعونها، أو غير المعروشة التي يَبْنيها الله وينميها وينبتها في البر والجبال.\nقال ابن عباس: (المعروشات: ما عرش الناس، وغير المعروشات: ما خرج في البر والجبال من الثمرات). وقال السدي: (أما ﴿جَنَّاتٍ﴾، فالبساتين، وأما ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾، فما عرش كهيئة الكَرْم). وعن عطاء: (﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾، قال: ما يُعْرَشُ من الكروم، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾، قال: ما لا يعرش من الكرم).","vol":"3","page":68},{"text":"وقوله: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾.\nقال ابن جرير: (وخلق النخل والزرع مختلفًا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب، ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، في الطعم، منه الحلو، والحامض، والمزّ).\nوقال ابن جريج: (\"متشابهًا\"، في المنظر، و\"غير متشابه\"، في الطعم).\nوقوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾.\nقال محمد بن كعب: (من رُطبه وعنبه).\nوقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.\n١ - قال ابن عباس: (العشر ونصف العشر). وقال الحسن: (الزكاة. وقال: هي الصدقة من الحب والثمار). وقال سعيد بن المسيب: (الصدقة المفروضة). وقال ابن عباس: (وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، وهو أن يعلم ما كيله وحقّه، فيخرج من كل عشرة واحدًا، وما يَلْقُط الناس من سنبله).\n٢ - قال قتادة: (وحقه يوم حصاده: الصدقة المفروضة. ذكر لنا أن نبيّ الله - ﷺ - سَنَّ فيما سقت السماء أو العين السائحة، أو سقاه الطل - و\"الطل\"، الندى - أو كان بَعْلًا، العشرَ كاملًا. وإن سقي برشاء نصفَ العشر. قال قتادة: وهذا فيما يكال من الثمرة. وكان هذا إذا بلغت الثمرة خمسةُ أوسق، وذلك ثلاث مئة صاع، فقد حق فيها الزكاة. وكانوا يستحبون أن يعطوا مما لا يكال من الثمرة على قدر ذلك).\n٣ - قال عطاء: (﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: من النخل والعنب والحب كله). وقال: (يعطي من حُضور يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة). وقال: (ليس بالزكاة، ولكن يُطعم من حَضَره ساعتئذٍ حَصيده). وقال مجاهد: (سوى الفريضة).\nقلت: الزكاة في الزروع والثمار واجبة في أربعة أصناف: التمر والزبيب والحنطة والشعير. وفي ذلك حديثان:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي بردة: عن أبي موسى ومعاذ: [أن رسول الله - ﷺ - بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن","vol":"3","page":69},{"text":"لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الدارقطني بسند صحيح لغيره عن موسى بن طلحة عن عمر بن الخطاب قال: [إنما سَنَّ رسول الله - ﷺ - الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة والشعير والزبيب والتمر] (٢).\nويشترط لوجوب الزكاة في الزروع والثمار أن تبلغ النصاب - خمسة أوسق.\nوالأوسق: جمع وَسْق، بفتح الواو أو كسرها، وهو ستون صاعًا بالاتفاق.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليس فيما دون خمس ذَودٍ صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسُقٍ صدقة] (٣).\nوالأواق: جمع أوقية. قال ابن حجر: (ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة).\nوأما المقدار الواجب إخراجه في زكاة الزروع والثمار: العشر فيما سقت السماء والعيون، ونصف العشر فيما سُقي بالناضح أو السانية.\nففي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: [فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشور] (٤).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: [فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًّا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر] (٥).\nوالعشور: جمع عشر. والغيم: المطر. والسانية: هو البعير الذي يسقى به الماء من البئر، ويقال له الناضح. و\"عَثَريًّا\": هو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه من ماء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٤٠١)، والبيهقي (٤/ ١٢٥)، وإسناده صحيح.\n(٢) صحيح لغيره. أخرجه الدارقطني (٢٠١)، ويشهد له ما قبله. انظر السلسلة الصحيحة (٨٧٩).\n(٣) متفق عليه. أخرجه البخاري (١٤٤٧)، واللفظ له، ومسلم (٩٧٩)، والنسائي (٥/ ١٧)، وأخرجه الترمذي (٦٢٢)، وأخرجه ابن ماجه في السنن (١٧٩٣)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٨١)، وأبو داود (١٥٨٢)، والنسائي (٥/ ٤٢)، وغيرهم.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٨٣)، وأخرجه أبو داود (١٥٨١)، والترمذي (٦٣٥)، وأخرجه النسائي (٥/ ٤١)، وابن ماجه (١٨١٧)، وغيرهم.","vol":"3","page":70},{"text":"المطر في سواق تشق له. واشتق من العاثور: الساقية التي يجري فيها الماء، لأن الماشي يعثر فيها (١).\nقلت: وأما بقية الأصناف من الزروع والثمار غير الأربعة ففيها صدقة سوى الزكاة، تسع الأقارب والجيران، والأهل والأرحام، متروك مقدارها لمنزلة الإحسان. تدخل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن عبد الله: [أن النبي - ﷺ -: أمر من كل جاد (٢) عشرة أوسق من التمر، بقنو يعلق في المسجد للمساكين] (٣).\nقال ابن سِيرين: (كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة)، وبنحوه قال مجاهد.\nوقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.\nفيه أقوال متكاملة.\n١ - قال أبو العالية: (كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تبارَوا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾).\n٢ - قال ابن جريج، عن عطاء: (ينهى عن السَّرَف في كل شيء). وقال إياس بن معاوية: (ما جاوَزْتَ به أمرَ الله فهو سَرَف).\n٣ - وقال السدي: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تعطوا أموالكم، فتقعدوا فقراء).\n٤ - وقال سعيد بن المسيب: (﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تمنعوا الصدقةَ فتعصوا ربكم).\nواختار ابن جرير قول عطاء: نهي عن الإسراف في كل شي. واختار ابن كثير: لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مَضَرّة العقل والبدن، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا. .﴾ [الأعراف: ٣١].\n_________\n(١) انظر فتح الباري (ج ٣ ص ٤٠٨ - دار الريان). وكتاب: الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز (٢٢٠).\n(٢) الجاد: هو المجدود (المجذوذ - المقطوع) من النخل، يتصدق من كل عشرة أوسق. بقنو يعلق في المسجد، وهذا عندما يكون رطبًا، قيل أن ييبس التمر، ليأكل الفقير، كما يأكل صاحب النخل رطبه في العرايا. انظر صحيح سنن أبي داود ص (٣١٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٦٦٢) - باب في حقوق الأموال. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (١٤٦٤).","vol":"3","page":71},{"text":"قلت: والآية عامة تشمل التنبيه ضد المبالغة في الإنفاق والصدقة على حساب الأهل ومن يلزمه نفقتهم، كما تشمل التحذير من الإسراف في الأكل والشرب، كما تشمل الترهيب من مجاوزة أوامر الله في كل حال. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [إنك أَنْ تذرَ ورثتك أغنياء خير من أن تَذَرهم عالةً يتكفّفون الناس] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قِيلَ وقال، وكثرة السؤال، وإضاعةَ المال] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري تعليقًا: [كُلوا واشربوا والبَسُوا وتَصَدَّقوا، في غير إسرافٍ ولا مَخيلةٍ] (٣).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾.\nالحمولة: ما حمل عليه من الإبل وغيرها، والفرش: صغار الإبل التي لم يُحْمَل عليها بعد.\n١ - قال ابن عباس: (الحمولة هي الكبار، والفرش: الصغار من الإبل).\n٢ - قال الحسن: (الحمولة: ما حمل عليه، والفرش: حواشيها، يعني صغارها).\n٣ - قال قتادة: (أما \"الحمولة\"، فالإبل والبقر. وأما \"الفرش\"، فالغنم). وقال ابن عباس: (فأما \"الحمولة\" فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما \"الفرش\"، فالغنم).\n٤ - قال ابن زيد: (\"الحمولة\" ما تركبون، و\"الفرش\"، ما تأكلون وتحلبون، شاة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٣٢)، وأخرجه مسلم (١٦٢٨) - في أثناء حديث أطول.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم (١٧١٥). وله شواهد كثيرة.\n(٣) حديث حسن. ذكره البخاري قبل ح (٥٧٨٣) معلقًا بصيغة الجزم، ووصله الطيالسي (٢٢٦١) فقال: حدثنا همام عن رجل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وزاد: \"فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده\". وفيه رجل لم يسم، لكن أسنده البيهقي في الشعب عن همام عن قتادة عن عمرو بن شعيب. وإسناده حسن. انظر تخريج - المهدي - على تفسير ابن كثير (٣/ ص ١٠٠).","vol":"3","page":72},{"text":"لا تحمل، تأكلون لحمها، وتتخذون من أصوافها لحافًا وفرشًا).\nوقال السدي: (أما \"الحمولة\"، فالإبل، وأما \"الفرش\" فالفُصْلان والعَجاجيل والغنم. وما حمل عليه فهو \"حمولة\").\nقلت: والقول الثالث أشملها، فكل ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال والحمير وغير ذلك من الأنعام فهو حمولة، واختاره ابن جرير. ثم قال: (وكذلك \"الفرش\"، إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه، ويقال له: \"الفرش\". وأحسبها سميت بذلك تمثيلًا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤها الناس).\nوفي التنزيل ما يشهد لهذا المعنى:\n١ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٧٩، ٨٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١، ٧٢].\n٣ - وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ هو إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٦٦ - ٨٠].\nوقوله: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.\nأي: كلوا من طيبات ما رزقكم الله معشر المؤمنين، فقد أحل لكم ثمرات زروعكم وغروسكم وحروثكم، ولحوم أنعامكم، ولا تقلدوا المشركين الذين اتبعوا خطوات الشيطان، فحرموا طيبات أحلت لهم، وشرعوا ما لم يأذن به الله.\nقال ابن زيد: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: لا تتبعوا طاعته، هي ذنوب لكم، وهي طاعة للخبيث).\nقلت: ومن خطوات الشيطان اكتساب الرزق من أي طريق، ولو كان في إشاعة منكر في الأرض من طعام أو شراب أو لباس أو علم فاسد المنهج أو غير ذلك، مما يعين على نشر الفواحش والمعازف في الأرض.","vol":"3","page":73},{"text":"أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم أستبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (١).\nوأخرج ابن ماجه في سننه بسند صحيح عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده، لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صبًا، حتى لا يزيغَ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وايم الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nقال ابن جرير: (إن الشيطان لكم عدو يبغي هلاككم وصدكم عن سبيل ربكم، ﴿مُبِينٌ﴾، قد أبان لكم عداوته، بمناصبته أباكم العداوة، حتى أخرجه من الجنة بكيده، وخَدَعه حسدًا منه له، وبغْيًا عليه).\nوآيات القرآن كثيرة في مظاهرة العداوة مع هذا الشيطان اللعين وأعوانه:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].\n٣ - وقال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا. . .﴾ [الأعراف: ٢٧]\nوقد حفلت السنة الصحيحة كذلك بالحث على مخالفته ومبادلته العداوة - في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج مشكاة المصابيح (١٥)، وتخريج فقه السيرة (٩٦) - الألباني.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (٥). وانظر صحيح الجامع الصغير (٩)، وتفصيل بحث الرزق في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٣٣).","vol":"3","page":74},{"text":"قال: [إذا قرأ ابنُ آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرتُ بالسجود فعصيت فليَ النار] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن سبرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام فقال: تُسلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجرُ وتدع أرضك وسماءك. . فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فَتُنْكَحُ المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد] (٣).\n١٤٣ - ١٤٦. قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٣٦٩) - باب: من سجد لله فله الجنة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٣٨). وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٠٤) - باب: في تحريش الشيطان بين المصلين.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٨٣)، والنسائي في السنن (٦/ ٢١ - ٢٢)، وابن حبان في صحيحه (٤٥٩٣) من حديث سبرةَ بن أبي فاكه، وإسناده لا بأس به. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث (١٦٤٨). وتفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٣٤١).","vol":"3","page":75},{"text":"كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره: وأنشأ لكم - أيها الناس - من الأنعام ثمانية أزواج، من الضأن اثنين - ذكر وأنثى - فذلك أربعة، ومن المعز اثنين - ذكر وأنثى - فذلك أربعة، لأن الذكر زوج الأنثى والأنثى زوج الذكر - فقل - يا محمد - لهؤلاء الكذبة على الله: آلذكرين حرم ربكم من الضأن والمعز - فإن أقروا فقد ناقضوا أنفسهم وهم يستمتعون بلحوم الذكران منها وظهورها - أم حرّم الأنثيين؟ فإن أقروا فقد ناقضوا أنفسهم مرة أخرى، فهم يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره! أم حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين - أنثى الضأن وأنثى المعز؟ فإن أقروا فقد كذبوا باستمتاعهم ببعض ذلك! قل لهم: خبروني بعلم عن مذهبكم الذي شرعتموه وأشركتم بالله في التشريع. والأمر نفسه بالنسبة للإبل والبقر. قل لهم يا محمد: كيف حرمتم وأحللتم - هل شهدتم ربكم فوصاكم بهذا أم تفترون عليه الكذب، فمن أظلم ممن كذب على الله ليصد الناس عن سبيله، إن الله لا يوفق الكاذبين المفترين. قل لهؤلاء المفترين: إني لا أجد فيما أوحي إلي من كتاب الله وشرعه محرّمًا على آكل يأكله - مما تصفون - إلا ميتة ماتت دون تذكية أو دمًا انصبّ أو لحم خنزير - فذلك رجس - أو فسقًا - كذبح عبدة الأوثان والمشركين - فما سبق لا يجوز أكله إلا عند الضرورة وخشية الهلاك والله غفور رحيم. لقد حرمنا فيما مضى على اليهود كل ذي ظفر من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع - كالإبل والنَّعام والإوز والبط، ومن البقر والغنم حرم شحومهما إلا شحومَ الجَنْب وما علق بالظهر، أو ما حملت الحوايا - وهو ما تحوّى من البطن فاجتمع واستدار - وإلا ما اختلط بعظم عقوبة على تنطعهم وبغيهم ونحن الصادقون في تشريعنا وأخبارنا عنهم، وهم الكاذبون في ادعائهم أن ذلك مما حرمه إسرائيل على نفسه فحرموه على أنفسهم.\nقال ابن عباس: (﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ فهذه أزواج أربعة).\nوقال الضحاك: (﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾، ذكر وأنثى، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾، ذكر وأنثى، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾، ذكر وأنثى).\nقال ابن كثير: (بَيّنَ أصنافَ الأنعام إلى غَنَمٍ وهو بياض وهو الضأن، وسواد وهو","vol":"3","page":76},{"text":"المعز، ذكره وأنثاه، وإلى إبل ذكورها وإناثها، وبقر كذلك. وأنه تعالى لم يحرم شيئًا من ذلك ولا شيئًا من أولادها، بل كُلُّها مخلوقةٌ لبني آدم، أكلًا، وركوبًا، وحمولة، وحَلْبًا، وغير ذلك من وُجوه المنافع، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ. . .﴾ الآية [الزمر: ٦]. وقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، رَدٌّ عليهم في قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. وقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: أخبروني عن يقين: كيف حَرَّمَ الله عليكم ما زعمتمُ تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلةِ والحامِ ونحو ذلك).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: لم أُحَرِّم شيئًا من ذلك).\nوقوله: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضًا وتحلون بعضًا).\nوقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾.\nتوبيخ لصنيعهم وابتداعهم تشريعًا كاذبًا لم يأذن به الله.\nوقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.\nقال السدي: (كانوا يقولون - يعني الذين كانوا يتخذون البحائر والسوائب -: إن الله أمر بهذا. فقال الله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.\nقلت: وأول من دخل بهذا التهديد والوعيد من سَنَّ ذلك التشريع الكاذب في أمة العرب - عمرو بن لحي.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ أول من سَيَّبَ السوائب وَعَبَدَ الأصنام أبو خزاعة عمرو بنُ عامر، وإني رأيته في النار يَجُرُّ أمعاءَه فيها] (١).\nوله شاهد عن ابن أبي عاصم، بسند حسن عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: [يا أكثم! رأيت عَمْرَو بن لُحَيٍّ بن قمعة بنِ خَنْدَف\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٤٦)، وبنحوه (٢/ ٢٧٥)، ومسلم (٨/ ١٥٥).","vol":"3","page":77},{"text":"يَجُرُّ قُصْبَهُ في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به ولا بك منه. فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غَيَّرَ دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبَحَرَ البحيرة، وسَيَّبَ السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: لا يوفق الله للرشد من افترى على الله وقال عليه الزُّور والكذب، وأضاف إليه تحريم ما لم يحّرم، كفرًا بالله، وجحودًا لنبوة نبيه محمد - ﷺ -).\nوقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.\nقال طاووس: (كان أهل الجاهلية يستحلون أشياء ويحرّمون أشياء، فقال الله لنبيه: قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا مما كنتم تستحلون إلا هذا، وكانت أشياء يحرّمونها، فهي حرام الآن).\nوقال عكرمة: (﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾: لولا هذه الآية لتتبّعَ المسلمون من العروق ما تتبعت اليهود). والدم المسفوح: هو الدم المُسال المُهراق.\nفعن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: سألته عن الدم وما يتلطَّخ بالمذْبح من الرأس، وعن القدر يرى فيها الحُمرة؟ قال: (إنما نهى الله عن الدم المسفوح).\nوقال قتادة: (حُرِّم الدم ما كان مسفوحًا. وأما لحم خالطه دم، فلا بأس به).\nأخرج البخاري في صحيحه عن سفيان: قال عمرو: قلتُ لجابرِ بنِ زَيْدٍ: [يزعمون أن رسول الله - ﷺ - نهى عن حُمُرِ الأهلية، فقال: قد كان يقول ذاكَ الحَكَمُ بن عَمْرٍو الغِفاري عِنْدَنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البَحْرُ ابنُ عباس وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا. . . (١٤٥)﴾] (٢).\nقلت: لكن ثبتَ أن رسول الله - ﷺ - حرَّم لحوم الحمر الأهلية في أحاديث:\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن أبي عاصم (ق ٢٠/ ١)، والحاكم (٤/ ٦٠٥)، وابن هشام في السيرة (١/ ٧٨) من حديث أبي هريرة، وإسناده حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٢٩) - كتاب الذبائح والصيد. باب لحوم الحمر الإنسية.","vol":"3","page":78},{"text":"الحديث الأول: أخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁: [أن النبي - ﷺ - رأى نيرانًا توقد يوم خيبر، قال: على ما توقدُ هذه النيران؟ قالوا: على الحمر الإنسية. قال: اكسِروها وأهرقوها. قالوا: ألا نُهْرِيقُها ونَغْسِلُها؟ قال: اغسلوا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس - يوم خيبر - قال: [وأصبنا حُمُرًا فطبخناها فنادى منادي النبي - ﷺ -: إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر فإنها رجس، قال: فأكفئت القدور بما فيها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر قال: [نهى النبي - ﷺ - يوم خيبر عن لحوم الحمر ورَخَّصَ في لحوم الخيل] (٣).\nقلت: فهذا تخصيص للآية السابقة، وكذلك كل تخصيص آخر جاء في تحريم بعض اللحوم. وعليه يحمل قول ابن عباس: [كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تَقَذُّرًا، فبعث الله تعالى نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرَّم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا. . . (١٤٥)﴾ إلى آخر الآية] (٤).\nومن ذلك أيضًا ما أخرج الإمام أحمد والبخاري - واللفظ لأحمد - عن ابن عباس قال: [ماتت شاةٌ لسودةَ بنت زَمَعَة، فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانةُ - تعني الشاة - قال: فلولا أخَذْتم مَسْكها؟ قالت: نأخذ مَسْك شاةٍ قد ماتت؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: إنما قال الله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، وإنكم لا تَطعَمُونه، أَنْ تَدْبَغوه فتَنْتَفِعُوا به. فأرسَلَت فَسَلَخَت مَسْكها فدَبَغَتْه، فاتَّخَذَتْ مِنه قِرْبَةً، حتى تَخَرَّقَت عندها] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٤٧٧) - كتاب المظالم. من حديث سلمة بن الأكوع ﵁. وانظر تفصيل هذا البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة. غزوة خيبر (١٠٩٤ - ١١٠٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٩٩) - كتاب المغازي. وانظر المرجع السابق ص (١٠٩٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٢١٩) - كتاب المغازي. وانظر المرجع السابق ص (١٠٩٥).\n(٤) صحيح الإسناد. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٣٨٠٠) - باب ما لم يذكر تحريمه. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٢٢٥).\n(٥) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٥٥٣١)، (٥٥٣٢) - كتاب الذبائح والصيد - باب جلود الميتة. وانظر حديث رقم (٢٩٩١) - تفسير ابن كثير - لرواية أحمد.","vol":"3","page":79},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.\nيعني في أكلها لا في لمسها، فالنجاسة هنا معنوية، وليست حسية، فإن لحم الخنزير حرم أكله وبيعه، وعطف على الأنصاب والأزلام في الآية الأخرى، مما يدل على نجاسة الأكل، كما شبه اللعب بالنردشير في غمس اليد في لحم الخنزير أكلًا أو بيعًا. فهو تشبيه محرم بمحرم وليس تشبيه نجس بنجس.\nففي المسند عن بريدة مرفوعًا: [من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه] (١).\nوقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.\nقال القاسمي: (﴿أَوْ فِسْقًا﴾ أي: خُروجًا عن الدين الذي هو كالحياة المطهرة ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ذبح على اسم الأصنام ورفع الصوت على ذبحه باسم غير الله. وإنما سمي ما ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ فسقًا، لتوغله في باب الفسق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾).\nوقال النسفي: (﴿أَوْ فِسْقًا﴾ عطف على المنصوب قبله. وقوله ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه).\nوقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nأي: من وقع في الضرورة إلى تناول شيء مما ذكر، غير متلبِّس ببغي على مضطر مثله، أو عدوان في تجاوزه قدر حاجته من تناوله، فالله تعالى لا يؤاخذه رحمة منه.\nوقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾.\nفيه أقوال متكاملة:\n١ - قال ابن عباس: (البعير والنعامة ونحو ذلك من الدَّواب). وقال مجاهد: (النعامة والبعير).\n٢ - قال سعيد بن جبير: (هو الذي ليس بمنفرج الأصابع). قال: (كل شيء متفرق الأصابع، ومنه الديك).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٢٦٠) بلفظ: \"من لعب بالنردشير فكأنما صَبَغَ يده في لحم خنزير ودمه\" - كتاب الشعر - باب تحريم اللعب بالنردشير. وصحيح الجامع (٦٤٠٤) للفظ أحمد.","vol":"3","page":80},{"text":"٣ - قال قتادة: (البعير والنعامة وأشباهه من الطير والحيتان). وقال: (﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: الإبل والنعام، ظفر يد البعير ورجله، والنعام أيضًا كذلك. وحرم عليهم أيضًا من الطير البط وشبهه، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع).\n٤ - وقال مجاهد: (﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، قال: النعامة والبعير، شقًّا شقًّا. قيل: ما \"شقًا شقًا\"؟ قال: كل ما لم تفرج قوائمه لم يأكله اليهود، والبعير والنعامة. والدجاج والعصافير تأكلها اليهود، لأنها قد فُرِجَت).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وَحرّمنا على اليهود، ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع، كالإبل والنَّعام والإوز والبط).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾.\nقال السدي: (﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾: الثرب وشحم الكليتين. وكانت اليهود تقول: إنما حرمه إسرائيل، فنحن نُحَرِّمُه. قال: أما ﴿مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، فالألْيات).\nوعن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، يعني: ما علق بالظهر من الشحوم).\nوقال أبو صالح: (الألية، مما حملت ظهورهما).\nوقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾.\nجمع حاوِياء، وحاوية، وحَوِيّة. قال ابن جرير: (وهي ما تحوَّى من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي \"المباعر\"، وتسمى \"المرابض\"، وفيها الأمعاء). ومن أقوال المفسرين:\n١ - قال ابن عباس: (﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾، وهي المبعر). وقال سعيد بن جبير: (المباعر).\n٢ - وقال مجاهد: (﴿الْحَوَايَا﴾: المبعر والمرْبَض). وبنحوه قال قتادة.\n٣ - وقال الضحاك: (﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾، يعني البطون غير الثروب).\n٤ - وقال ابن زيد: (الحوايا: المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها، وهي \"بنات اللبن\"، وهي في كلام العرب تدعى \"المرابض\").\nوقوله: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾.\nشحم الألية والجنب وما شابهه.","vol":"3","page":81},{"text":"قال ابن جريج: (﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: شحم الألية بالعُصْعُص، فهو حلال.\nوكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين قد اختلط بعظم، فهو حلال).\nوقال السدي: (﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، مما كان من شحم على عظم).\nفيكون المعنى: ومن البقر والغنم حرمنا على الذين هادوا شحومهما، واستثني من ذلك ما حملت ظهورهما أو حواياهما أو ما اختلط بعظم فذلك حلال).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.\nقال قتادة: (إنما حرم ذلك عليهم عقوبة ببغيهم). وقال ابن زيد: (فعلنا ذلك بهم ببغيهم).\nقال الحافظ ابن كثير: (﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، أي: وإنا لعادلون فيما جازيناهم به).\nوقال ابن جرير: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، يقول: وإنا لصادقون في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من الشحوم ولحوم الأنعام والطير التي ذكرنا أنّا حرمنا عليهم، وفي غير ذلك من أخبارنا، وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه).\nوالخلاصة: إن الله جلت عظمته إنما ضيق على هؤلاء اليهود ما ضيق مجازاة لهم على تنطعهم وبغيهم.\nوفي التنزيل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس قال: [بلغَ عُمرَ بن الخطاب - ﵁ - أن سَمُرَةَ باعَ خمرًا، فقال: قاتل الله سَمُرَة! ألم يَعْلَمْ أن رسول الله - ﷺ - قال: لَعَنَ الله اليهود، حُرِّمَتْ عليهم الشحوم فَجَملوها فباعوها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢) - واللفظ له - وأخرجه أحمد (١/ ٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٧). من حديث عبد الله بن عباس ﵄.","vol":"3","page":82},{"text":"قال: [قاتل الله يهودًا، حُرِّمت عليهم الشُّحوم فباعوها وأكلوا أثمانها] (١).\nقال أبو عبد الله: قَاتَلَهم الله: لَعَنَهُم. \"قُتِلَ\": لُعِنَ \"الخراصون\": الكذابون.\nالحديث الثالث: أخرج الجماعة وأحمد وأبو يعلى وابن حبان عن جابر بن عبد الله ﵄: [أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول وهو بمكة عام الفتح: إن الله ورسولَه حرّم بيع الخمر والمَيْتَةِ والخِنزيرِ والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحومَ الميتةِ فإنها يُطلى بها السُّفُنُ ويُدهن بها الجلودُ، ويَسْتَصبحُ بها الناسُ، فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لمّا حَرَّمَ شحومَها جَمَلوهُ ثم باعوه فأكلوا ثمنه] (٢).\n١٤٧ - ١٥٠. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾\nفي هذه الآيات: فإن كذبك المشركون وهؤلاء اليهود - يا محمد - فيما أخبرك الله مما كان من فساد منهجهم وافترائهم فقل ربكم واسع الرحمة بالمؤمنين خاصة وبجميع خلقه عامة لا يعاجلهم عقوبته بل يعطيهم فرصة ليستعتبوا، فإذا حان الأجل عنده أنزل غضبه بمن تمرّد على دينه وطاعته ثم لا راد لبأسه. سيحتج المشركون مبررين شركهم بالقدر ومشيئة الله، وبأن الله لو أراد لهم الإيمان ولآبائهم لكان ما أراد، وهذه المتاهة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٢٤) - كتاب البيوع. باب لا يُذاب شحم المَيْتَة ولا يُباعُ وَدَكُه. وأخرجه مسلم في الصحيح (١٥٨٣)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٤٧)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٣٦) - كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام. وأخرجه مسلم (١٥٨١)، وأبو داود (٣٤٨٦)، والترمذي (١٢٩٧)، والنسائي (٧/ ٣٠٩)، وابن ماجه (٢١٦٧)، وأخرجه أحمد (٣/ ٣٢٤)، وأخرجه أبو يعلى (١٨٧٣)، وابن حبان (٤٩٣٧) من حديث جابر.","vol":"3","page":83},{"text":"في التعامل مع الحق قد سبقهم بها أقوام كذبوا من قبل فدكهم عذاب الله، قل لهم - يا محمد - هل عندكم على دعواكم عن رضا الله بشرككم، أو تحريمكم بأهوائكم، حجة من العلم، وإنما أنتم تفترون على الله الكذب ولا برهان ولا علم ولا حجة لديكم. إن الحجة البالغة لله سبحانه فقد أعذر عباده وأنذر ولو شاء لألزمكم الهداية ولكنه ما أراد ذلك. ثم قل لهم يا محمد - هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرّم عليكم ما تدّعون، فإن فعلوا يا محمد - وأتوا بالشهداء فلا تشهد معهم فإنهم شهود زور وكذب، فاحذر أن تصدق قومًا يتبعون أهواءهم ولا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يشركون.\nفعن مجاهد: (﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ - قال اليهود). قال السدي: (كانت اليهود يقولون: إنما حرّمه إسرائيل - يعني الثَّرْبَ شحم الكليتين - فنحن نحرمه، فذلك قوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾).\nوالآية ترغيب للمشركين واليهود في التماس رحمة الله الواسعة، بعد الترهيب من مغبة الكذب على الله والشرك به. والقرآن مليء بهذا المنهج الفريد الذي يتودد الله به إلى عباده رغم سوء صنيعهم وظلمهم علهم يرجعون إلى التماس عفوه ومغفرته.\n١ - قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾. ختم بها هذه السورة.\n٢ - وقال سبحانه في سورة الرعد: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾.\n٣ - وقال جل ذكره في سورة الحجر: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.\n٤ - وقال جلت عظمته في سورة البروج: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾.\nأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنانَ السماء ثم استغفرتني","vol":"3","page":84},{"text":"غفرت لك. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خَطَايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة] (١).\nوقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾.\nقال ابن كثير: (هذه مناظرة ذَكَرها الله تعالى، وشُبْهةٌ تَشَبَّثَ بها المشركون في شِرْكِهم وتحريم ما حَرَّموا: فإن الله مُطَّلِعٌ على ما هُم فيه من الشِّرك والتحريم لما حَرَّموه، وهو قادر على تغييره بأن يُلهمَنا الإيمان، أو يحولَ بيننا وبين الكفر، فلم يُغَيِّره، فدل على أنه بمشيئته وإرادتِهِ ورضاه مِنّا ذلك).\nوفي التنزيل ما يشبه هذه الدعوة الباطلة: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ. . (٢٠)﴾ [الزخرف].\nقلت: وفرق بين الإرادة والمحبة، أو المشيئة والرضا، فإن الله خلق إبليس وأراده ولا يحبه، وخلق الكفر ولا يرضاه، فقال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.\nأخرج أبو نعيم في الحلية، بسند حسن، عن عبد الله بن عمر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (٢).\nوله شاهد عند البيهقي بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي - ﷺ - لأبي بكر: [يا أبا بكر: لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾.\nقال مجاهد: (قول قريش بغير يقين: إن الله حرم هذه البحيرة والسائبة).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.\nقال النسفي: (أي: كتكذيبهم إياك كان تكذيب المتقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا\n_________\n(١) عنان السماء: ما عَنَّ منها، أي ظهر إذا رفعت رأسك، وقيل هو السحاب. وقُراب الأرض: بضم القاف وكسرها وهو ما يُقارب مِلأها. والحديث أخرجه أحمد والترمذي، وكذلك رواه الدارمي (٢/ ٣٢٢). انظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٠١)، (١/ ٢٤٠).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٢). وحسنه الألباني في الصحيحة (١٦٤٢).\n(٣) حديث حسن. أخرجه البيهقي في \"الأسماء\" (١٥٧)، وانظر مسند البزار (٢٢٩).","vol":"3","page":85},{"text":"فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء، ولأنهم جعلوا مشيئته حجة لهم على أنهم معذورون به وهذا مردود).\nوقوله: ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾.\nأي: حتى أنزلنا بهم النكال والعذاب.\nوقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾.\nأي: هل لديكم من خبر صحيح عن الله تعالى أنه راض عنكم فيما ذهبتم إليه فتظهروه لنا وتبرزوه.\nوقوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.\nأي: الوهم والغرور والخيال والافتراء. ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ - أي: تكذبون وتفترون وتدّعون باطلًا.\nوقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾.\nقال الربيع بن أنس: (لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده).\nوقوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nأي: لو أراد سبحانه لجمع عباده على دين الحق والهدى، ولألزمهم توحيده وتعظيمه، ولكنه تعالى بيّن طريق الحق وطريق الغواية، وترك لعباده الاختيار.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].\n٢ - وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].\n٣ - وقال جلت عظمته: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].\n٤ - وقال جل ذكره: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].\n٥ - وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ","vol":"3","page":86},{"text":"مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾.\nالمعنى: قل هاتوا شهداءكم - أيها المشركون - الذين يشهدون ما زعمتم من التحليل والتحريم أن الله شرعه لكم. فإن فعلوا فاحذر - يا محمد - تصديقهم. ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ - قال ابن جرير: (فإنم كذبة وشهود زور في شهادتهم بما شهدوا به من ذلك على الله). ثم احذر من اتباع أهواء قوم كذبوا بآيات الله ولقائه، وأسرفوا على أنفسهم بعبادة غيره من الأنداد والطواغيت وعدلوهم بربهم ظلمًا وعدوانا.\n١٥١ - ١٥٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾\nفي هذه الآيات: قل يا محمد - لهؤلاء المتجرئين على ربهم بالتشريع - تعالوا أيها القوم فاسمعوا ما حرّم ربكم عليكم حقًا، إنه حرّم أول ما حرّم عليكم الشرك به في العبادة أو التشريع، كما حرّم عليكم العقوق فأوصى بالوالدين إحسانًا، وحرّم قتل الأولاد ووأدهم خشية الفقر والضيق، وبشر برزقهم وإياكم، وحرم الفواحش الظاهرة والباطنة مما تخفون أو تعلنون، وحزم قتل النفس وسفك الدماء إلا بالحق، هذه وصية ربكم إليكم لعلكم تعقلون. ثم نهى عن العبث في مال اليتيم، بل أمر بحفظه واستثماره بالتي هي أحسن حتى يبلغ اليتيم فيستفيد منه، وأمر بالوفاء في الكيل والميزان ونبذ التلاعب والاحتكار، والأصل بذلك العدل فمن أحسن فله، ولكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ثم إذا حكمتم بين الناس بقول أو فعل فانصبوا الإنصاف والعدل سبيلًا","vol":"3","page":87},{"text":"لكم، واحذروا الجور والظلم فإنه ساء طريقًا ومنهجًا، ولا تحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق على الانحراف عن منهاج العدل والحق، وأوفوا بعهد الله فالزموا طاعته واحذروا ما نهاكم عنه، وهذه وصية ربكم لكم لعلكم تتذكرون عواقب الأمور ونهاية الدهور ومشهد الحساب يوم القيامة. إن هذا الذي أوضحه لكم ربكم ﷿ هو صراطه المستقيم الذي فيه النجاة والعبور بسلام فوق الصراط إلى الجنات في دار الخلود، فالتزموه واحذروا سبل الشياطين الكثيرة التي تحرفكم عن سبيل النجاة إلى دار الشقاء والأهوال، وهذه وصية ربكم سبحانه إليكم لعلكم تحذرون وتتقون.\nفقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. . الآية.\nهذه هي الوصايا العشر التي قيل إنها وردت في التوراة والإنجيل والقرآن. قال القرطبي: (وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى).\nقال ابن عباس: (إن في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. . . الآيات) أخرجه الحاكم. وقال ابن عباس: (هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة \"آل عمران\" أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملة).\nوقال ابن مسعود: (من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله - ﷺ - التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾).\nوالمقصود: قل يا محمد - لهؤلاء المتطاولين على ربهم في التشريع - تقدموا واقرؤوا حقًا ويقينًا ما أوحى الله مما حرّم على عباده، لا ظنًا ولا كذبًا ولا زعمًا ولا افتراء.\nوقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.\nهو أصل الدين، ومفهوم شهادة التوحيد: ﴿لا إله إلا الله﴾. فإن الشرك يهدم العمل ولو كان حسنات كالجبال، فيذرها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾.","vol":"3","page":88},{"text":"٢ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.\n٣ - وقال جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. . (٤٨)﴾.\nومن السنة الصحيحة في ذلك أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي ذر ﵁ قال: [أتيت النبي - ﷺ - وعليه ثَوْبٌ أبيضُ وهو نائمٌ، ثم أَتَيْتُهُ وقد استيقظ فقال: ما من عَبْدٍ قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإنْ سَرَقَ؟ قال: وإنْ زنى وإنْ سَرَقَ. قلت: وإنْ زنى وإنْ سَرَقَ؟ قال: وإِنْ زَنَى وإِنْ سَرَقَ. قلت: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: وإن زنى وإن سَرَقَ، على رَغْم أنفِ أبي ذر. وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا قال: وإِنْ رَغِمَ أنف أبي ذر] (١).\nقال أبو عبد الله: (هذا عند الموت أو قَبْلَهُ إذا تاب ونَدِمَ وقال: لا إله إلا الله، غُفِرَ له).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار] (٢). وله شاهد عنده من حديث عثمان - بلفظ: [من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن عتبان بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري في الأدب المفرد - بإسناد حسن - عن أبي الدرداء قال: [أوصاني رسول الله - ﷺ - بتسع: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقْتَ،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٥٨٢٧) - واللفظ له، وأخرجه مسلم (٩٤) ح (١٥٤)، وأحمد (٥/ ١٦٦). من حديث أبي ذر ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٩٣) - كتاب الإيمان - باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار. والشاهد رواه مسلم وأحمد. وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٦٤٢٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٢٠٦)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٣٣) - كتاب الإيمان.","vol":"3","page":89},{"text":"ولا تتركنَّ الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومن تركها متعمدًا برئت منه الذمة (١)، ولا تشربَنَّ الخمرَ، فإنها مفتاح كل شر، وأطع والديك، وإن أمراك أن تخرجَ من دنياك، فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الأمر، وإن رأيت أنَّك أنت (٢)، ولا تفِرَّ من الزَّحف، وإن هلكت وفرَّ أصحابك، وأنفق من طَوْلك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله ﷿] (٣).\nوقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.\nوصية بالإحسان إلى الوالدين ومجانبة عقوقهما.\nوآيات القرآن وفيرة في الأمر بذلك:\n١ - قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.\n٢ - قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. . . (٨٣)﴾.\n٣ - وقال تعالى في سورة لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا. . . (١٥)﴾.\nومن السنة الصحيحة، أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁: [قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٤).\n_________\n(١) أي: أن لكل أحد من الله عهدًا بالحفظ والكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما حرم عليه، أو خالف ما أُمِرَ به خذلته ذمة الله. \"النهاية\". انظر صحيح الأدب المفرد. ص (٣٨).\n(٢) أي: أنت وحدك على الحق.\n(٣) حديث حسن. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٨) - باب: يبر والديه ما لم يكن معصية. ورواه ابن ماجه - في الفتن. حديث (٤٠٣٤)، مختصرا. في الصبر على البلاء. انظر: \"صحيح الأدب المفرد\" - حديث رقم (١٤)، وصحيح سنن ابن ماجه (٣٢٥٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٧)، (٥٩٧٠)، ومسلم (٨٥)، وأحمد (١/ ٤٥١)، وأخرجه الترمذي (١٧٣)، والنسائي (١/ ٢٩٢)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه - رقم (١٤٧٧).","vol":"3","page":90},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبيِ هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَجْزِي وَلَدٌ والِدًا إلا أنْ يَجِدَهُ مَمْلوكًا فيَشْتَرِيَه فيُعْتِقَه] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْنِ صَحَابتي؟ قال: أُمُّكَ. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أمُّكَ. قال: ثم مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أبوكَ] (٢).\nقال أهل العلم: ومقتضى الحديث أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وكأن ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الإرضاع.\nوقال القرطبي: (إن الأم تستحق الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند صحيح عن ابن عباس، أنه أتاه رجل فقال: إني خَطَبْتُ امرأةً فأَبتْ أن تنكِحَني، وخَطَبها غيري فأحبت أن تَنْكِحَه، فغِرتُ عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أُمُّك حيَّة؟ قال: لا، قال: تب إلى الله ﷿، وتقرَّب إليه ما استطعت. قال عطاء بن يسار: فذهبت فسألت ابن عباس: لِمَ سألته عن حياة أمه؟ فقال: [إني لا أعلمُ عَمَلًا أقربُ إلى الله ﷿ من بِرِّ الوالدة] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (الإملاق الفقر، قتلوا أولادهم خشية الفقر). وقال قتادة: (أي: خشية الفاقة).\nوقال ابن جريج: (﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ - قال: شياطينهم، يأمرونهم أن يئدِوا أولادهم خيفة العَيْلة).\nوقال ابن كثير: (وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سَوَّلت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يَئِدون البناتِ خشيةَ العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥١٠)، وأخرجه أبو داود (٥١٣٧)، وأخرجه الترمذي (١٩٠٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٣٣٦)، ومسلم (٢٥٤٨)، وغيرهما. من حديث أبي هريرة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" - (٤) - باب برّ الأم. من حديث عبد الله بن عباس ﵄. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٧٩٩).","vol":"3","page":91},{"text":"أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: [قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك. قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولَدكَ خشية أن يَطْعَمَ معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تُزانيَ حَليلة جارِك. ثم تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. . . الآية] (١).\nوفي التنزيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. . .﴾ [الإسراء: ٣١].\nوهذه الآية تتكلم على خشية الفقر الآجل في المستقبل، فطمأنهم الله وبدأ الكلام عن رزق الأولاد قبل الآباء، أي: لا تخشوا فقركم بسببهم، فإن رزقهم على الله. وأما آية الأنعام ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ فكأنها تتحدث عن الفقر الحاصل بهم، فعزّاهم ربهم وبدأ بتطمينهم بِسَوْق الرزق إليهم ثم لأولادهم من بعدهم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.\nقال قتادة: (سرَّها وعلانيتها).\nقال ابن عباس: (كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية).\nوقال الضحاك: (﴿مَا ظَهَرَ﴾، الخمر، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنا).\nقلت: والآية عامة في كل الفواحش الظاهرة والخفية - كما قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولا تقربوا الظاهرَ من الأشياء المحرّمة عليكم، التي هي علانية بينكم لا تناكرون ركوبها، والباطنَ منها الذي تأتونه سرًّا في خفاء لا تجاهرون به، فإن كل ذلك حرام).\nأخرج البخاري ومسلم عن ورَّادٍ كاتبِ المغيرة، عن المغيرة قال: قال سعدُ بن عُبَادة: لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لضربْتُهُ بالسيف غَيْرَ مُصْفَحٍ، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: [تَعْجَبُون من غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ والله لأنا أغْيَرُ منه، واللهُ أغْيَرُ منِّي، ومن أجل غَيْرَةِ الله حَرَّمَ الفواحِشَ ما ظهرَ منها وما بَطَن، ولا أحدَ أحبُّ إليه العُذْرُ من الله، ومن أَجْل ذلك بعث المنذِرينَ والمبشِّرينَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه المِدْحَةُ من الله، ومن أجْل ذلك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، و(٤٥٢٠)، ومسلم (٧٦)، وأحمد (١/ ٤٣٤)، وأخرجه النسائي (٧/ ٩٠)، وأخرجه الترمذي (٣١٨٣)، وابن حبان (٤٤١٤)، وغيرهم.","vol":"3","page":92},{"text":"وَعَد الله الجنة] (١). وقال عُبيد الله بن عمرٍو عن عَبْد الملك: \"لا شخصَ أغْيَرُ من الله\".\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: [لا أحَدَ أَغْيَرُ من الله، ولذلك حَرَّم الفواحِشَ، ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ولا شيءَ أحَبُّ إليه المَدْحُ من الله، ولذلك مَدَحَ نَفْسَه] (٢). ولفظ مسلم: [ليس أحَدٌ أحَبَّ إليه المَدْحُ من الله ﷿، من أجْل ذلك مَدَحَ نَفْسَه، وليس أحدٌ أغْيَرَ من الله، من أجْل ذلك حَرَّم الفواحشَ، وليس أحدٌ أحبَّ إليه العُذْرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل].\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.\nإفراد لهذه الجريمة البشعة في الذكر والتنبيه، وإلا فهي داخلة في عموم مسمى الفواحش. ولكن لكونها أعظم الذنب بعد الشرك بالله، جرى إفرادها.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يزال العبد في فُسْحَةٍ من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا] (٣).\nوله شاهد في سنن أبي داود - بإسناد صحيح - عن أبي الدرداء: أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يزال المؤمن مُعْنِقًا صالحًا ما لم يُصِبْ دَمًا حرامًا، فإذا أصابَ دمًا حرامًا بَلَّحَ] (٤). والمُعْنِق: طويل العنق، الذي له سوابق في الخير. وقوله: \"بَلَّحَ\" أي: أعيا وانقطع، ووقع في عظيم الذنب وأشده عند الله.\nوفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ. .﴾ [الفرقان: ٦٨].\nقلت: ولقد جاء النهي في السنة الصحيحة عن الإشارة إلى مسلم بسلاح أو حديدة،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في كتاب التوحيد (٧٤١٦) - باب قول النبي - ﷺ -: \"لا شَخْصَ أغْيَرُ من الله\". وأخرجه مسلم في الصحيح (١٤٩٩)، وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٦٣٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٦٣٤) - كتاب التفسير. باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. وأخرجه مسلم (٢٧٦٠) - كتاب التوبة - باب غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد بسند صحيح. من حديث عبد الله بن عمر ﵄ انظر صحيح الجامع الصغير (٧٥٦٨)، وأصله في صحيح البخاري.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٢٧٠/ ٢) - باب في تعظيم قتل المؤمن.","vol":"3","page":93},{"text":"فإن المرء إذا فعل ذلك ربما أكمل الشيطان مشوار الإثم وأعانه على الوقوع في الدم الحرام.\nوفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يُشِرْ أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان يَنْزعُ في يده، فيقع في حفرة من النار] (١).\nويَنزِع وينزَغُ روايتان، بمعنى يرمي ويفسِد.\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [من أشارَ إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى يَدَعَه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود في السنن بسند حسن من حديث جابر قال: [نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتَعاطى السيفُ مسلولًا] (٣).\nوأما الأحاديث التي تعظم دم المسلم وتحرم البغي عليه بالقتل فكثيرة جدًا، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّمَ الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات] (٤).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلمٍ يَشْهَدُ أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنَّفْسِ، والثَّيِبُ الزاني، والمفارِقُ لدينه التارِكُ للجماعة] (٥).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود والنسائي بسند جيد، عن عائشة - ﵂ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٣/ ٢٠، ٢١)، وأخرجه مسلم (٢٦١٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦١٦) - كتاب البر والصلة. باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢٥٨٨)، وأخرجه الترمذي (٢١٦٤)، ورجاله ثقات.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ٢٩٤) في الوصايا، وأخرجه مسلم (٨٩) - في الإيمان.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦٨٧٨) - كتاب الديات. باب قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥].","vol":"3","page":94},{"text":"أن رسولَ الله قال: [لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زانٍ مُحصَن يُرْجَمُ، ورجُلٌ قتلَ رجلًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، ورجلٌ يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله، فَيُقتَلُ أو يُصْلَبُ أو يُنْفَى من الأرض] (١).\nوله شاهد عند الترمذي عن أمير المؤمنين عثمانَ بن عفان - ﵁ - أنه قال وهو محصورٌ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا يحل دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجلٌ كفَرَ بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس. فوالله ما زنيتُ في جاهلية ولا إسلام، ولا تَمنَّيْتُ أن لي بديني بدلًا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلتُ نفسًا، فبِمَ تقتلونني] (٢).\nفإن كان المقتول مُعَاهَدًا - وهو المستأمن من أهل الحرب - فقد جاء الوعيد الشديد للقاتل. ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ قتَلَ مُعَاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّة، وإن ريحها توجَدُ من مسيرة أربعين عامًا] (٣).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\nأي: تلك وصية الله لكم فاعقلوها واحذروا مخالفتها.\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني: ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره). ثم ذكر من أقوال المفسرين:\n١ - قال مجاهد: (﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، قال: التجارة فيه).\n٢ - قال السدي: (فليثمر مالَه). قال: (أما ﴿أَشُدَّهُ﴾، فثلاثون سنة). وقال غيره: (أربعون سنة).\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي (٧/ ٩٠) - واللفظ له، وأخرجه أحمد في المسند من حديث عائشة من طريقين (٦/ ١٨١)، وله شاهد عنده (٦/ ٢٠٥).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢١٥٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣٤٨٢)، وابن ماجه (٢٥٣٣)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٦٥)، وصححه الحاكم (٤/ ٣٥٠) على شرطهما، ووافقه الذهبي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٦٦)، والنسائي (٨/ ٢٥)، وابن ماجه (٢٦٨٦)، وأحمد (٢/ ١٨٦). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"3","page":95},{"text":"٣ - قال الضحاك بن مزاحم: (يبتغي له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئًا).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].\nقلت: وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. يعني حتى يحتلم، كما ذكر الإمام مالك والشعبي وغير واحد من السلف، والأقوال الأخرى بعيدة.\nأخرج الطبراني في \"المعجم الكبير\" بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: [صعد رسول الله - ﷺ - المنبر فقال: لا أقسم، لا أقسم، لا أقسم. ثم نزل فقال: أَبْشِروا، أَبْشِروا، إنه من صلَّى الصلوات الخَمْسَ، واجتنَبَ الكبائر، دخَلَ من أي أبواب الجنة شاء: عقوقَ الوالدين، والشرك بالله، وقَتْلَ النَّفْسِ، وقَذْفَ المُحْصَنات، وأَكْلَ مالِ اليتيمِ، والفِرارَ من الزَّحفِ، وأكلَ الربا] (١).\nوقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾.\nأمر بالوفاء في المكيال والميزان وإقامة العدل في الأخذ والإعطاء. وقد عاب الله سبحانه على مَدْين - قوم شعيب - لعبهم بالكيل والميزان، وانتشار هذه الصفة الذميمة بينهم حتى دَمَّرهم العذاب فيما دَمَّرهم.\nفقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾.\nوقال في سورة هود: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾.\nوتوعّد الله هذه الأمة إن سلكت سبيل مَنْ قبلها في ذلك الخلق المشين فقال جل ذكره: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٣/ ٨ - ٩/ ٣)، من طرق، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٤٥١) - قال الألباني: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى.","vol":"3","page":96},{"text":"وفي سنن ابن ماجه بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمر، قال: [أقبل علينا رسول الله - ﷺ - فقال: يا معشر المهاجرين! خَمْسٌ إذا ابتليتُم بِهن، وأعوذ بالله أن تدركوهُنَّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضَتْ في أسلافهم الذين مَضَوا.\nولم ينقُصُوا المِكيال والميزان، إلا أُخِذوا بالسنينَ وشِدَّةِ المؤونة وجَوْر السُّلطان عليهم.\nولم يمنعوا زكاةَ أموالهم، إلا مُنعوا القَطْرَ من السماء، ولولا البهائم لَمْ يُمطروا.\nولم ينقضوا عَهْدَ الله وعَهْدَ رسوله، إلا سَلَّطَ الله عليهم عَدُوًّا من غَيْرهم، فأخذوا بعضَ ما في أيديهم.\nوما لم تَحْكم أئمتُهم بكتاب الله، ويتخيّروا مما أنزل الله، إلا جَعَل الله بأسهم بينهم] (١).\nوقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: مَن اجتهد في أداء الحق وأخَذَه، فإن أخطأ بعدَ استفراغ وُسْعِهِ وبِذْلِ جُهْدِه فلا حرج عليه).\nوقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.\nقال ابن زيد: (قولوا الحق).\nأي: قولوا الحق ولا يحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق على الجور أو الحكم بغير العدل، كما قال جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨].\nوقوله: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء ذلك: أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله - ﷺ -، وذلك هو الوفاء بعهد الله).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه (٤٠١٨) - باب العقوبات. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٢٤٥).","vol":"3","page":97},{"text":"وقد مضى في الحديث السابق: [ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سَلّطَ الله عليهم عدوًا من غيرهم، فاخذوا بعض ما في أيديهم].\nوله شاهد عند الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ: [خمسٌ بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\nأي: هذه وصية الله لكم أيها الناس، لعلكم تتذكرون عواقب الأمور، وانحراف مناهجكم لتنهضوا لإصلاحها، وتلتمسوا طاعة ربكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\nوصية من الله بلزوم منهاج النبوة والحذر من رايات الفتن والبدع والدخن.\nقال مجاهد: (﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: البدع والشبهات).\nوقال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله). قال: (﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، يقول: لا تتبعوا الضلالات).\nأخرج الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [خطّ رسول الله - ﷺ - خَطًّا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيمًا، وخطَّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السُّبُلُ ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾] (٢).\nقال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، إنما وَحَّدَ سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتَشَعُّبها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٢٣٥)، في أثناء حديث أطول.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٤٦٥)، والحاكم (٢/ ٢٣٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٧٤)، والطيالسي (٢٤٤)، وابن حبان (٦ - ٧)، والدارمي (١/ ٦٧ - ٦٨)، وغيرهم.","vol":"3","page":98},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\nأي: هذه وصية الله لكم لعلها تحدث في حياتكم التقوي وتعظيم أمر الله واجتناب نهيه، ولتنهضوا بقوة لحمل الأمانة وإقامة هذا الدين.\n١٥٤ - ١٥٨. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾.\nفي هذه الآيات: ثم آتى ربك - يا محمد - رسوله موسى الكتاب تمامًا لنعمه عنده، لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة وقيام بأمر الله، وتبيينًا لكل شيء من أمر الدين الذي أمره به وتفصيلًا لأحكامه وحلاله وحرامه، وتقويمًا لأتباعه المؤمنين على الطريق المستقيم، ورحمة لمن ضل منهم لعله يعود ويتعظ بهدى ربه ويسلك سبيل المؤمنين. وهذا القرآن الذي أنزله الله إليك يا محمد كتاب مبارك فاجعلوه إمامًا واعملوا بما فيه، واحذروا تجاوز حدود الله ومحارمه التي فصّلها لكم فيه، لتفوزوا بالنجاة يوم القيامة. إنما أنزل الله القرآن لئلا يقول المشركون من قومك - يا محمد - إنما أقيمت الحجة بالتنزيل على الطائفتين - من أهل الكتاب - قبلنا، ولم ينزل علينا، وقد كنا عن تلاوة كتبهم غافلين، ليست بلساننا، ولا ندري ما كتب فيها. أو لئلا يقول هؤلاء المشركون: لو أنزل علينا الكتاب كما أنزل على اليهود والنصارى قبلنا لكنا أحسن عملًا منهم، وأقوم اتباعًا للكتاب من سبيلهم. فها قد جاءكم كتاب بلسانكم عربي مبين، فيه الحجة البالغة عليكم، وفيه البيان والتفصيل لما أمرتم به، فمن أشد ظلمًا ممن كذّب","vol":"3","page":99},{"text":"به وحادَ عنه وأعرض عن هديه، إنّا سنجازي الذين يعرضون عنه سوء العذاب بما كانوا يعرضون. هل ينتظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام والشهوات والطواغيت إلا مجيء الملائكة لقبض أرواحهم أو مجيء الله تعالى للفصل يوم القيامة، أو خروج بعض آياته العظمى قبل ذلك، حين لا تنفع التوبة، فإنه إذا طلعت الشمس من مغربها لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، قل - يا محمد - لهؤلاء المستكبرين عن الإيمان بالوحي والنبوة واليوم الآخر: انتظروا بعض ما يباغتكم به ربكم من تلك الأهوال، إنا منتظرو ذلك، ليثيبنا ربنا على طاعته وإفرادنا له بالألوهية والتعظيم، ويفصل بيننا وبينكم بالحق، وهو خير الفاصلين.\nفقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾.\nقال مجاهد: (تمامًا على المحسن المؤمن).\nوقال محمد بن يزيد: (أي: تمامًا على الذي أحسنه الله ﷿ إلى موسى ﵇ من الرسالة وغيرها). وقال الربيع بن أنس: (تمامًا على إحسان موسى من طاعته لله ﷿). وقال قتادة: (من أحسن في الدنيا تمَّم له ذلك في الآخرة).\nقال ابن كثير: (﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾، أي: آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملًا جامعًا لجميع ما يُحتاج إليه في شريعته، كما قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. . .﴾ الآية [الأعراف: ١٤٥]. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. أي: جزاءً على إحسانه في العمل، وقيامِه بأوامرنا وطاعتنا، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وكقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا. . .﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]).\nونصب ﴿تَمَامًا﴾ على أنه مصدر، أو على أنه مفعول لأجله - حكاه القرطبي وغيره.\nوقوله: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.\nأي: من أمر الشرائع، وما فيها من بيان الحلال والحرام.\nقال قتادة: (﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، فيه حلاله وحرامه).\nوقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.\nيعني: تقويمًا لهم على الطريق المستقيم، وبيانًا لهم سُبل الرشاد والهدي المبين،","vol":"3","page":100},{"text":"ورحمة بهم لئلا يقعوا في الضلالة والهلاك ومصير المعاندين والمجرمين. قال ابن جرير: (﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ بها خلقه فيه، فيرتدع عما هو عليه مقيمٌ من الكفر به، وبلقائه بعد مماته، فيطيع ربه، ويصدِّق بما جاءه به نبيّه موسى - ﷺ -).\nوقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\nقال قتادة: (وهو القرآن الذي أنزله الله على محمد ﵇. فاتبعوا حلاله، وحرّموا حرامه). ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ أي: لترحموا وتنالوا شفاعة الله بالنجاة من عذابه وأليم عقابه يوم القيامة.\nوقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾.\nأي: لئلا تقولوا بهذا الاحتجاج: إنه أنزل الكتاب على اليهود والنصارى ولم ينزل علينا.\nقال مجاهد: (اليهود والنصارى. يُخاف أن تقوله قريش).\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: وإن كنا عن تلاوتهم لغافلين). وقال السدي: (يقول: وإن كنا عن قراءتهم لغافلين، لا نعلم ما هي). وقال ابن زيد: (الدراسة: القراءة والعلم. وقرأ: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾. قال: علموا ما فيه، لم يأتوه بجهالة).\nوقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾.\nقال قتادة: (﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾: فهذا قول كفار العرب).\nوقال السدي: (يقول: قد جاءكم بينة، لسانٌ عربي مبين، حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين، وحين قلتم: لو جاءنا كتاب لكنا أهدى منهم).\nوقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾.\nقال ابن جرير: (فمن أخطأ فعلًا وأشد عدوانًا منكم، أيها المشركون المكذبون بحجج الله وأدلته - وهي آياته -، ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾، يقول: وأعرض عنها بعدما أتته، فلم يؤمن بها، ولم يصدق بحقيقتها).","vol":"3","page":101},{"text":"قال ابن عباسِ: (﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾، يقول: أعرض عنها). وقال السدي: (﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: فصَدّ عنها). وقال مجاهد: (الصدف الإعراض).\nوقوله: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.\nأي: سنعاقب من أعرض عن دين الله وصدّ الناس عنه وصرفهم عن تعظيمه أليم العقاب ونكال العذاب مقابل إعراضهم وصدهم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ. .﴾ [النحل: ٨٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢].\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذَّرِّ في صُور الرجال، يغشاهم الذُّلُ من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يُسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١).\nوقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، يقول: عند الموت حين توفَّاهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، ذلك يوم القيامة، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، طلوع الشمس من مغربها).\nوقال قتادة: (﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، بالموت، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، يوم القيامة، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، قال: آية موجبة، طلوع الشمس من مغربها، أو ما شاء الله).\nوفي السنة الصحيحة أحاديث تدل على آفاق هذا المعنى، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا طلعت من مغرِبها آمن\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٦٢٣) - انظر صحيح الترمذي (٢٠٢٥)، وأخرجه أحمد في المسند، انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٨٩٦). وتخريج مشكاة المصابيح (٥١١٢).","vol":"3","page":102},{"text":"الناس كلهم أجمعون، فيومئذ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثٌ إذا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طلوعُ الشمس من مَغْرِبها، والدَّجَال، ودابَّةُ الأرض] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أبي ذر: [أن النبي - ﷺ - قال يومًا: أَتَدْرون أين تَذْهَبُ هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنّ هذه تَجْري حتى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّهَا تحت العرش، فَتَخِرُّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يُقال لها: ارتفعي، ارْجِعي من حيثُ جِئتِ فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري حتى تنتهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تحت العرش، فَتَخِرُّ ساجِدَةً، فلا تزال كذلك حتى يُقالَ لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جِئْتِ، فترجِعُ فتُصْبحُ طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري لا يَسْتنكِرُ الناسُ منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرِّها ذلك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعةً من مَغْرِبكِ، فَتصبح طالعة مِنْ مَغْرِبها. فقال رسول الله - ﷺ -: أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تاب قبل أن تطلع الشمسُ من مغربها، قُبِلَ منه] (٤).\nوله شاهد عند الترمذي من حديث زر بن حبيش عن صفوان بن عسال - في جوابه - ﷺ - للأعرابي: \"المرء مع مَنْ أحَبّ\". قال زر: فما برح يحدثني حتى حدثني: أن الله ﷿ جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا، للتوبة لايغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٥٧) - كتاب الإيمان. باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٨) - كتاب الإيمان - الباب السابق، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ١٠٧)، والترمذي في السنن (٣٠٧٤)، وأبو يعلى (٦١٧٢)، وابن جرير (١٤٢٥٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٩) - كتاب الإيمان - والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٧٦)، وأحمد (٥/ ١٧٧)، والترمذي (٢١٨٦)، وابن حبان (٦١٥٣)، وانظر صحيح الإمام البخاري (٣١٩٩)، وكذلك ابن حبان (٦١٥٤)، من طريق الأعمش.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٥)، والطبري (١٤٢٢٥)، وابن حبان (٦٢٩).\n(٥) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٨٠١) وما بعده، وسنده حسن.","vol":"3","page":103},{"text":"وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عبد الله، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن أول الآيات خروجًا طلوعُ الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضُحًى، فأيَّتُهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها. ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتُب -: وأظن أُولاها خروجًا طلوعَ الشمس من مَغْربها، وذلك أنها كلما غَرَبَتْ أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع، فَأُذِنَ لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها فَعَلت كما كانت تَفْعَلُ، أتت تحت العرش فَسَجَدَت واستأذنَتْ في الرجوع، فلم يَرُدَّ عليها شيءٌ، ثم تستأذنُ في الرجوع فلا يرد عليها شيء، ثم تستأذِنُ فلا يرد عليها شيء، حتى إذا ذهبَ من الليل ما شاء أن يذهب، وعَرَفت أنه إنْ أُذِنَ لها في الرجوع لم تدرك المشرق، قالت: ربي، ما أبعد المشرق! من لي بالناس؟ حتى إذا صار الأفقُ كأنه طوق استأذنت في الرجوع، فيُقال لها: من مكانك فاطْلعي. فطَلَعت على الناس من مَغْرِبها. ثم تلا عبد الله هذه الآية: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. . . الآية] (١).\nوالمعنى: إذا كانت هذه الآية ورآها الناس فيومئذ لا يقبل الله من الكافر إيمانًا لو أنشأه، ولا يقبل من المسلم توبة يستأنفها، وإنما مصيره على ما كان منه من العمل، فلا سبيل لكسب عمل صالح جديد إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك.\nوقوله: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (تهديد شديد للكافرين، ووعيدٌ أكيدٌ لمن سَوَّف بإيمانه وتوبته إلى وقتٍ لا ينفعه ذلك. وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها، لاقتراب وقت القيامة، وظهور أشراطها، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا. . .﴾ الآية [غافر: ٨٤، ٨٥]).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٠١) بتمامه. والمرفوع منه أخرجه مسلم (٢٩٤١)، وكذلك أخرجه أبو داود في السنن (٤٣١٠)، وابن ماجه أيضًا (٤٠٦٩).","vol":"3","page":104},{"text":"١٥٩ - ١٦٥. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار من الله تعالى نبيّه - ﷺ - عن براءته ممن فارق دينه - دين الحق - وفرقه، وكانوا فرقًا وشيعًا فيه وأحزابًا، وأنه ليس من هؤلاء في ابتداعهم وضلالهم، ولاهم منه، وأن مردهم إلى الله فينبئهم بما كانوا يفعلون. الحسنة عنده سبحانه بعشر أمثالها والسيئة بمثلها وهم لا يظلمون. قل - يا محمد - لهؤلاء المتكبرين على عبادة ربهم وإفراده سبحانه بالتعظيم - إنني أرشدني ربي إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، دين الحنيفية السمحة دين إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين. إنني أتوجه بصلاتي وذبحي ونسكي ومحياي ومماتي وفي كل أعمالي لله رب العالمين، وحده لا شريك له وقد أمرني بذلك ربي وأنا أول المسلمين المطيعين. وكيف أبغي ربًا سواه وهو رب كل شيء ومليكه، ومن ثم فلا تكسب نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والمرجع إليه تعالى ليحكم في أعمال عباده وبما كانوا فيه يختلفون. وهو سبحانه - جلت عظمته - الذي جعلكم تخلفون بعضكم بعضًا في الأرض، يغادر جيل فيعقبه جيل آخر، ثم رفع بعضكم على بعض درجات وفضل بينكم بالأرزاق والأعمال، ليختبركم فيما قضاه لكم، إنه تعالى سريع العقاب وإنه سبحانه لغفور رحيم.\nقرأ علي وقتادة وحمزة والكسائي ﴿إن الذين فارقوا دينهم﴾، في حين قرأها الجمهور على قراءة حفص ﴿فرّقوا﴾ وهي الأشهر. قال مجاهد: (نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى). وقال ابن عباس: (وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يُبْعث","vol":"3","page":105},{"text":"محمد - ﷺ - فتفرقوا. فلما بعث محمد - ﷺ - أُنزِلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية).\nقلت: والآية عامة فلا تقتصر على أهل الكتاب - إن صحّ الخبر فيهم - وإنما تشمل أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة.\nوقوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. أي: فرقًا وأحزابًا شتى.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن عمر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [أكرموا أصحابي فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا مَنْ سَرَّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهم، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن] (١).\nوأخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح، عن العرباض بن سارية قال: [وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة وَجِلت منها القلوب وذَرَفَت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّعٍ فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة] (٢).\nوقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.\nقال أبو الأحوص: (برئ نبيكم - ﷺ - منهم).\nوقال الفراء: (المعنى: لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.\nتهديد ووعيد، وتحذير من يوم العرض والحساب.\nقال القرطبي: (﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ تعزية للنبي - ﷺ -).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٧٧) من حديث عمر مرفوعًا، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤٣١) بلفظ \"أحسنوا\".\n(٢) حديث صحيح. انظر تخريج الإرواء (٢٥٢١)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٥٤٦).","vol":"3","page":106},{"text":"وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.\nنص من الله تعالى بواسع كرمه على عباده، فإنه يضاعف الحسنة عشر مرات وأكثر إلى سبع مئة ضعف.\nوقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.\nنص من الله تعالى بواسع رحمته بعباده، فإن زلّ العبد أو وقع كتبت زلته سيئة واحدة ما لم يستعتب فيغفرها الله تعالى.\nقال مجاهد: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، قالوا: لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، قالوا: بالشرك والكفر). وهو قول ابن عباس والضحاك والحسن وغيرهم.\nقال القرطبي: (والحسنة هنا: الإيمان. أي: من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب).\nقلت: فالحسنة تشمل كل ذلك، فهي تدل على كل قول أو عمل يحبه الله ورسوله، والسيئة تشمل كذلك كل عمل أو قول يسخط الله ورسوله.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بتضاعف أجور الحسنات وتخفيف آثار السيئات رحمة من الله تعالى لصاحبها ليتجاوزها بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح. وفي هذا أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - فيما يروي عن ربه ﷿ قال: قال: [إن الله ﷿ كتب الحسنات والسيئات ثم بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلها كَتَبَها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هَمَّ بها وعَمِلَها كتبها الله له عنده عشرَ حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلمْ يَعْمَلْها كتبَها الله له عنده حسنةً كامِلةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يقول الله ﷿: مَنْ جاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالِها وأزيدُ، ومن جاء بالسيئة،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٩١)، كتاب الرقاق، وأخرجه مسلم (١٣١)، وأحمد (١/ ٢٧٩)، وغيرهم. من حديث عبد الله بن عباس ﵄.","vol":"3","page":107},{"text":"فجزاءُ سيئة مِثْلُها، أَوْ أَغْفِرُ، ومن تَقَرَّبَ مني شبرًا، تقربت مِنْه ذِراعًا، ومن تقرَّب مني ذِراعًا، تقرَّبت مِنْه باعًا، ومن أتاني يَمْشي، أتيتُه هَرْوَلَةً، ومَنْ لقِيَني بقُراب الأرض خطيئةً لا يشرك بي شيئًا، لقيته بِمثلها مَغْفِرَة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن ابن عباس - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - فيما يروي عن ربّه - ﷿ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ ربكم رحيم، من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كُتِبَتْ له حسنة، فإن عملها كتبت له عَشْرًا إلى سبع مئة، إلى أضعاف كثيرة. ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كُتِبَت له حَسَنَة، فإن عملها كُتبت له واحدة، أو يمحوها الله - ﷿ - ولا يهلِكُ على الله إلا هالِكٌ] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجه والنسائي بسند صحيح عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: [من صام ستة أيام بعد الفطر، كان تمامَ السنة، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾] (٣).\nوفي لفظ النسائي: [جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشَهْرٌ بعشرة أشهر، وصيامُ ستة أيام بعد الفطر تمام السنة].\nورواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" ولفظه: [صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام السنة].\nوله شاهد عند ابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ صامَ ثلاثة أيام من كل شهر، فذلك صومُ الدهر. فأنزل الله ﷿ تصديق ذلك في كتابه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. فاليوم بعشرة أيام].\nقال الحافظ ابن كثير في التفسير: (واعلم أن تاركَ السيِّئَةِ التي لا يَعْمَلُها على ثلاثة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٨٧) - كتاب الذكر والدعاء. وأخرجه أحمد (٥/ ١٥٣)، وابن ماجه (٣٨٢١). من حديث أبي ذر ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٩) من حديث عبد الله بن عباس، والنسائي في \"الكبرى\" (٧٦٧٠) - وأصله في الصحيحين.\n(٣) حديث حسن. انظر سنن الترمذي (٧٦٢)، وسنن ابن ماجه (١٧٠٨) من حديث أبى ذر، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٢٧١٧)، وانظر مسند أحمد (٥/ ١٥٤) وابن حبان (٣٦٥٢). وانظر الروايات المختلفة في \"صحيح الترغيب\" (٩٩٦ - ٩٩٩) - كتاب الصوم - الترغيب في صوم ست من شوال، وكذلك صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٦٩٦) - (٣٦٩٨).","vol":"3","page":108},{"text":"أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تكتب له حسنة على كَفِّه عنها لله تعالى، وهذا عَمَلٌ ونيَّةٌ. ولهذا جاء أنه يُكْتَبُ له حسنةٌ. كما جاء في بعض ألفاظ الصَّحيح: \"فإنما تركها من جَرَّائي، أو: من أجلي\" (١). وتارة يترُكها نِسيانًا وذُهولًا عنها، فهذا لا لَهُ ولا عَلَيْه، لأنه لم يَنْوِ خيرًا ولا فَعَلَ شرًّا. وتارةً يتركها عَجْزًا وكسلًا عنها بعد السَّعي في أسبابها والتَّلَبُّس بما يَقْرُبُ منها، فهذا يتنزَّلُ منزلة فاعِلها، كما جاء في الحديث، في الصحيحين: \"إذا تواجَهَ المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتولُ في النار. قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كانَ حريصًا على قَتْلِ صاحبه\" (٢».\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (ولا يظلم الله الفريقين، لا فريق الإحسان، ولا فريق الإساءة، بأن يجازي المحسن بالإساءة، والمسيء بالإحسان، ولكنه يجازي كلا الفريقين من الجزاء ما هو له، لأنه جل ثناؤه حكيمٌ لا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه، ولا يجازي أحدًا إلا بما يستحق من الجزاء).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nقرأها قراء المدينة وبعض قرّاء البصرة ﴿قَيِّمًا﴾ - كقوله تعالى في سورة التوبة ويوسف والروم: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. وكقوله في سورة البينة: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. في حين قرأها قراء الكوفة: ﴿دينا قِيَمًا﴾ بالتخفيف. قال أهل اللغة: (القَيِّمُ والقِيَمُ بمعنى واحد)، والمراد الدين المستقيم.\nومن ثم فيكون قوله: ﴿دِينًا﴾ - قد نصب على الحال، أو نصب بهداني، أو يكون بدلًا من الصراط. والتأويل: هداني صراطًا مستقيمًا دينًا، وهو الدين الحق، ملة إبراهيم ﵊، دين الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوفي التنزيل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه الإمام مسلم في الصحيح (١٢٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١)، (٧٠٨٣)، ومسلم (٢٨٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٨)، وأخرجه النسائي (٧/ ١٢٥)، وأحمد (٧/ ٤٦ - ٤٧، ٥١)، وابن حبان (٥٩٤٥)، وأخرجه البيهقي (٨/ ١٩٠) - من حديث أبي بكرة ﵁.","vol":"3","page":109},{"text":"إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].\nوعن مجاهد: (﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾، قال: ما أوصاك به وأنبياءه كلهم دين واحد).\nوقال قتادة: (بعث نوح حين بعث بالشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام).\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، من حديث ابن أبْزَى، عن أبيه قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا أصبح قال: أصبحنا على مِلّةِ الإسلام، وكلمةِ الإخلاص، ودين نبيّنا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين] (١).\nوأخرج الإمام أحمد والطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس قال: [قيل لرسول الله - ﷺ -: أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله؟ قال: الحنيفيّة السَّمْحَة] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال مجاهد: (النسك: الذبائح في الحج والعمرة). وقال الضحاك: (﴿الصلاة﴾، الصلاة. و\"النسك\"، الذبح). وقال الحسن: (نسكي ديني). وقال الزجاج: (عبادتي، ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة). وقال قوم: (النسك في هذه الآية جميع أعمالى البر والطاعات، من قولك نسك فلان فهو ناسك، إذا تعبد) - ذكره القرطبي. ثم قال: (﴿ومحياي﴾: أي: ما أعمله في حياتي ﴿ومماتي﴾ أي: ما أوصي به بعد وفاتي. ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أفرده بالتقرب بها إليه. وقيل: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ أي: حياتي وموتي له).\nقلت: والآية إنكار على المشركين الذين كانوا يعبدون غير الله أو يشركون بعبادته أوثانهم وشهواتهم وطواغيتهم ويذبحون لغير اسمه، فأمر الله نبيه - ﷺ - أن يخاطب هؤلاء القوم أنه مخالف لهم في عبادتهم وذبائحهم وشركهم، وإنما أمره الله تعالى بإفراده بالتعظيم والعبادة والنسك والتقرب، فلا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يذبح لغير الله، ولا يسأل غير الله، ولا ينذر لغير الله، ولا يستَعيذ بغير الله.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٠٦)، وابن السني (٣٣)، والنسائي (١) كلاهما في اليوم والليلة، من حديث عبد الله بن أبزى، وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه الحافظ العراقي في \"الإحياء\" (١/ ٣٢٧).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٣٦)، والطبراني في \"الكبير\" (١١٥٧٢) من حديث عبد الله بن عباس ﵄. وذكره البخاري في عنوان باب.","vol":"3","page":110},{"text":"أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي ﵁ قال: [حدثني رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لَعَنَ والديه، لعنَ الله من آوى محدثًا، لعن الله من غيّر منار الأرض] (١).\nبل جاء النهي عن الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، لقطع كل أوصال الجاهلية. فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: [نذر رجل أن ينحر إبلًا ببُوانة - موضع أسفل مكة - فسأل النبي - ﷺ -، فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله - ﷺ -: أَوْفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾.\nقال قتادة: (﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أول المسلمين في هذه الأمة).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -، أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: [وَجَّهْتُ وَجْهيَ للذي فَطَرَ السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم! أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سَيِّئَها، لا يصْرِفُ عني سيئها إلا أنت ..] (٣) الحديث.\nولفظ أحمد: [أن رسول الله - ﷺ - كان إذا كبّر استفتح ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت. . .] الحديث.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم (١٩٧٨) - (٤٣) - كتاب الأضاحي.\n(٢) حديث صحيح. انظر سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٣١٣) من حديث ثابت بن الضحاك ﵁، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٥٩) لتفصيل البحث.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٧١) - كتاب صلاة المسافرين. وأخرجه أحمد (١/ ١٠٢)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢٢)، والنسائي (١٢٩٢)، وابن حبان (١٧٧١).","vol":"3","page":111},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.\nدعوة لإخلاص العبادة لله وحده، فهو رب هذا الكون وما فيه، وكلهم آتيه يوم القيامة عبدًا.\nقال القاسمي: (﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ فأشركه في عبادته. وهو جواب عن دعائهم له ﵊ إلى عبادة آلهتهم، وفي إيثار نفي البغية والطلب، على نفي العبادة، أبلغيّة لا تخفى ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في موضع العلة للإنكار والدليل له. أي: وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية، فلا أكون عبدًا لعبده).\nوفى التنزيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا. . .﴾ [الملك: ٢٩]، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].\nقال السيوطي في \"الإكليل\": (﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ - هذه الآية أصل في أنه لا يؤاخذ أحد بفعل أحد. وقد ردت عائشة به على من قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه. أخرجه البخاري، وأخرج ابن أبي حاتم عنها، أنها سئلت عن ولد الزنى؟ فقالت: ليس عليه من خطيئة أبويه شيء. وتلت هذه الآية).\nقلت: أما حديث: [إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه]. وفي رواية: [في قبره بما نيح عليه]. وفي لفظ: [إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه]. وفي لفظ مفسِّر للبكاء المنهي عنه - ألا وهو النياحة -: [من يُنَح عليه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة] (١). فهو حديث صحيح. واعتراض عائشة بالآية عليه لا يعني عدم ثبوته عن النبي - ﷺ -، فهو مبلغ علم عائشة. وإنما المقصود به الإقرار من الميت بهذا الفعل المنكر وهو النياحة وعدم التحذير منه أهله قبل موته. وكذلك حديث: [ولد الزنا شر الثلاثة] (٢)، حديث صحيح، وهو كذلك إنما يحمل على الإقرار، فلو مضى الولد - ولد الزنا - على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٢٦)، ومسلم (٣/ ٤٥)، والبيهقي (٤/ ٧٢)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند في مواضع: (٤/ ٢٤٥)، (٤/ ٢٥٢)، (٤/ ٢٥٥) من حديث أنس وابن عمر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٩٦٣)، والحاكم (٢/ ٢١٤)، وأحمد (٢/ ٣١١)، وغيرهم.","vol":"3","page":112},{"text":"طريقة أبويه لكان شر الثلاثة، وإلا فإنه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.\nقال القرطبي: (أي: لا تحمل حاملة ثِقْل أخرى، أي: لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجُرْمها ومعاقبة بإثمها. وأصل الوِزْر الثِّقل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.\nقال النسفي: (من الأديان التي فرقتموها).\nوقال القاسمي: (﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: رجوعكم بعد الموت يوم القيامة. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييز الحق من الباطل. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾.\nخلائف: جمع خليفة. أي: جعلكم قرونًا وأجيالًا يخلف بعضكم بعضًا.\nقال القرطبي: (وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. أي: جعلكم خلفًا للأمم الماضية والقرون السالفة). وقال ابن كثير: (أي: جعلكم تعمرون الأرض جيلًا بعد جيل، وقَرْنًا بعد قَرْن، وخلفًا بعد سَلَف. قاله ابن زيد وغيره).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. . .﴾ [البقرة: ٣٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ. . .﴾ [النمل: ٦٢].\n٤ - وقال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].\nوقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾.\nقال السدي: (في الرزق).","vol":"3","page":113},{"text":"وقال النسفي: (في الشرف والرزق وغير ذلك). وقال القرطبي. (في الخلق والرزق والقوة والبَسْطة والفضل والعلم). وقال ابن كثير: (أي: فاوت بينكم في الأرزاق والآجال، والمحاسن والمساوئ، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. . .﴾ [الزخرف: ٣٢].\nقال قتادة: (فتلقاه ضعيف الحيلة عي اللسان وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان وهو مقتور عليه. قال الله جل ثناؤه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم تبارك ربنا وتعالى).\nوقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.\nأي: ليختبركم فيما أعطاكم وأنعم عليكم، فالغني في محل اختبار في سعة رزقه، والفقير في موضع اختبار في ضيق أمره، والمريض في شأن اختبار في مرضه، والعاجز كذلك في بلائه ومصيبته، والله عنده حسن الثواب، وجميل الخلود مع راحة النفس والبال.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الدنيا حُلوةٌ خَضِرة، وإن الله مُسْتَخْلِفُكم فيها لينظُرَ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء] (١).\nوأخرج الترمذي في السنن بسند حسن لغيره عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: [ليَوَدَّنَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٤٢)، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٠)، وأحمد (٣/ ١٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"3","page":114},{"text":"أهْلُ العافية يومَ القيامة أنَّ جلودهم قُرِضَتْ بالمقاريض، ممّا يرون من ثواب أهل البلاء] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.\nترهيب وترغيب. فرهّب سبحانه من معصيته وعقابه، ورغَّبَ في طاعته ومغفرته وجنته.\nقال القاضي: (وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة - تنبيهًا على أنه ﷾ غفور بالذات، معاقب بالعرض، كثير الرحمة مبالغ فيها، قليل العقوبة مسامح فيها).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث - منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: [لمّا خَلَقَ الله الخَلْقَ، كتبَ في كتابهِ، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي] (٢). وفي لفظ: [قال الله ﷿: سبقت رحمتي غضبي].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [جَعَلَ الله الرحمة مئةَ جُزْءٍ، فأمسكَ عنده تسعةً\n_________\n(١) حسن لغيره. أخرجه الترمذي (٢٤٠٤)، وابن عساكر (٩/ ٩/ ١) من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا. وله شواهد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٢٠٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٧٥١) - كتاب التوبة - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه. من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":115},{"text":"وتسعين، وأنزل في الأرض جُزءًا واحدًا، فَمِنْ ذلك الجُزْءِ يتراحمُ الخلائقُ، حتى تَرْفَعَ الدَّابةُ حافِرَها عَنْ وَلَدِها، خَشْيَةَ أن تُصيبَه] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سَلْمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله خَلَقَ، يومَ خلقَ السماوات والأرض، مئةَ رحمة، كُلُّ رحمة طِبَاقَ ما بين السماوات والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فَبِها تَعْطِفُ الوالِدَةُ على وَلَدِها، والوَحْشُ والطَّيْرُ بَعْضُها على بعض، فإذا كان يومُ القيامة، أَكْمَلَها بهذه الرَّحمة] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لو يَعْلَمُ المؤمنُ ما عند الله من العُقوبة، ما طَمِعَ بجنته أحد، ولو يَعْلمُ الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قَنِطَ من جنته أحدٌ] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال: [قَدِمَ على رسول الله - ﷺ - بِسَبْي، فإذا امْرأة من السَّبْي، تبتغي، إذا وَجَدَت صبيًا في السبي، أَخَذَتْهُ فألصقَتْهُ بِبَطْنِها وأَرْضَعَتْه، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: أَتَرَوْنَ هذه المرأةَ طارِحَةً وَلَدَها في النار؟ قلنا: لا، والله! وهي تَقْدِرُ على أن لا تَطْرَحَهُ، فقال رسول الله - ﷺ -: للهُ أرحمُ بعباده من هذه بِولدها] (٤).\nقلت: ولكن من أحب رحمة الله أن تناله بحق فليرحم الناس كافة، ولا يقتصر برحمته على من يحب وعلى من له في رحمته مصلحة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٠٠)، ومسلم (٢٧٥٢)، وابن حبان (٦١٤٨)، والبيهقي في \"الآداب\" (٣٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٣) - كتاب التوبة - الباب السابق، وانظر الحديث بعده.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٥) - كتاب التوبة. الباب السابق. من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٤) - كتاب التوبة. من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وقوله تبغي (وفي رواية البخاري: تسعى) من السعي. قال النووي: (كلاهما صواب. لا وهم فيه، فهي ساعية وطالبة مبتغية لابنها، والله أعلم).","vol":"3","page":116},{"text":"فقد أخرج الحافظ العراقي في \"الأمالي\" وابن المبارك في \"الزهد\" بسند صحيح عن أنس بن مالك مرفوعًا: [والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة] (١).\nتم تفسير سورة الأنعام\nبعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّهِ وكرمه\n° ° °\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه العراقي في \"المجلس ٨٦ من الأمالي\" (٢/ ٧٧)، وله شاهد عند ابن المبارك - مرسل جيد - في \"الزهد\" (١/ ٢٠٣). وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٧).","vol":"3","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الله تعالى هو الإله الحق المعبود في السماء وفي الأرض، والقول بأن ذات الله في كل مكان ضلال وكفر دسهما اليهود، وإنما الله على العرش فوق السماوات استوى.\n٢ - نكال الدنيا والآخرة واقع لا محالة بالمعاندين للرسل المكذبين بالحق.\n٣ - الفوز هو الزحزحة عن النار ودخول الجنة، وما الحياة الدُنيا إلا متاعُ الغرور.\n٤ - المشركون متأكدون من صدق محمد - ﷺ -، ولكنهم معاندون مكابرون، وسيحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم.\n٥ - عطاء الله تعالى العبد على معاصيه إنما هو استدراج.\n٦ - هل تنصرون إلا بضعفائكم، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم!\n٧ - النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة.\n٨ - ستفترق هذه الأمة شأن الأمم التي قبلها، والفرقة الناجية: هي من كانوا على ما كان عليه محمد - ﷺ - وأصحابه.\n٩ - الولاء والبراء جزء من منهاج الإيمان عند المؤمنين - تحريم الاستمرار في الجلوس مع قومٍ يستهزئون بالدين - والله تعالى جامع المنافقين في جهنم جميعًا.\n١٠ - آزر والد إبراهيم قطعًا، لا عمه كما يزعمون.\n١١ - وحدة دين الأنبياء، وهو الدين الحق دين الإسلام.\n١٢ - النجوم: زينة للسماء، ورجم للشياطين، وهداية في الليل.\n١٣ - المؤمنون يرون الله في الآخرةِ، ويضحك إليهم ربهم ويخرون له سجدًا.\n١٤ - إنه للإنس شياطين كما للجن شياطين.\n١٥ - الواجب ترك المعاصي ظاهرًا وباطنًا، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليهِ الناس، ومن يتق الله يجعل في قلبهِ فرقانًا يفرق به بين الحق والباطل.","vol":"3","page":118},{"text":"١٦ - نسيان التسمية على الذبيحة لا يضر، وتركها عمدًا يحرم الذبيحة.\n١٧ - لا يستوي من اتبع نور الإسلام، ومن غرق في ظلمات الكفر.\n١٨ - محمد - ﷺ - صفوة وسيد الخلق، فهو أفضل وأعظم مخلوق.\n١٩ - المكلف مخير في الأمور التكليفية لا مسيّر، ومن يرد الحق يهده الله إليه، ومن يستكبر عنه يخذله الله جزاء وفاقًا.\n٢٠ - استمتاع الجن من الإنس أن تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم.\n٢١ - كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلكَ استمتاعهم فاعتذروا يوم القيامة.\n٢٢ - السحر كفر، والسَّحرة كذبة، وسورة البقرة لا تستطيعها البطلة.\n٢٣ - الرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسل.\n٢٤ - تسليط الله تعالى ظلمة الجن على ظلمة الإنس بما كانوا يكسبون.\n٢٥ - الأمر بالصدقة من كل ما تنبت الأرض كان قبل الزكاة.\n٢٦ - لا أحد أظلم ممن يكذب على الله ليضل الناس بجهله.\n٢٧ - أفضل الأعمال: الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.\n٢٨ - أشراط الساعة وعلاماتها بلَّغها رسول الله - ﷺ -، وإذا ظهرت آيات الساعة فلا تنفع التوبة أحدًا.\n٢٩ - براءة الله ورسوله من أهل البدع والزيغ والأهواء.\n٣٠ - جميع أنواع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، ولا نعبد الله إلا بنص، ولا يحمل أحد خطيئة أحد فكل نفس مرتهنة بعملها.\n° ° °","vol":"3","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>٧ - سُورَةُ الأَعْرَافِ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٠٦).\nأخرج النسائي بسند حسن عن عائشة: [أن رسول الله - ﷺ - قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرّقها في ركعتين] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>موضوع السورة</span>\nقصة الأعراف ووزن الأعمال واختبار اتباع المرسلين، وقصة حوار المؤمنين مع الكافرين أهل الجحيم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-97> منهاج السورة </span>-\n١ - تعظيمُ القرآن وأمر المؤمنين باتباع الوحي المنزل إليهم، وذِكْرُ هلاك أقوام كذبوا الوحي والرسل فدكهم الله بالعذاب.\n٢ - سؤال الله العباد ماذا أجبتم المرسلين؟ وسؤاله المرسلين عن إبلاغ الرسالات.\n٣ - الوزن يوم القيامة للأعمال على الميزان، فمن ثقلت موازين أعماله الصالحات كان من المفلحين، ومن خفت موازينه كان من الخاسرين.\n_________\n(١) حديث حسن. انظر ابن خزيمة (١/ ٦٨/ ١)، وسنن أبي داود والنسائي، كما في صفة الصلاة (٩٦).","vol":"3","page":120},{"text":"٤ - طرد الشيطان من رحمة الله تعالى لتكبره وعصيانه.\n٥ - معصية آدم وحواء بأكلهما من شجرة ثم تابا فتاب الله عليهما.\n٦ - الكلمات التي تلقاها آدم، والهبوط إلى الأرض فالابتلاء فالموت فالبعث للحساب.\n٧ - التحذير من الشيطان الذي فتن الأبوين، والتحذير من التقليد في الباطل أو الافتراء على الله، والأمر بإقامة الدين واتباع الرسل وأخذ الزينة عند كل مسجد.\n٨ - تتابع الأمم في نار جهنم يوم القيامة، وكلما دخلت أمة لعنت أختها.\n٩ - أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، بل تطرح في الأرض طرحًا لتقع في أجساد أصحابها لسؤال الملكين، وكتاب الأعمال في سجين في الأرض السفلى، والمصير إلى نار الجحيم يوم القيامة.\n١٠ - المؤمنون تطهر صدورهم في الجنة من الغل والخصومات، وتجري من تحتهم الأنهار، وفي النعيم هم خالدون.\n١١ - حوار أصحاب الجنة وأصحاب النار، وقصة أصحاب الأعراف.\n١٢ - الله تعالى له الخلق والأمر، فادعوه تضرعًا وخفية، واجتنبوا الفساد في الأرض، واشكروه على نعمة الماء وتصريف الرياح وإخراج النبات والثمرات.\n١٣ - أخبار المرسلين مع أقوامهم: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب. . . .، دعوهم إلى الإيمان وترك المنكرات، فأصرَّ الملأ الكافر على الكفر والكبر في الأرض، فدكهم الله بالعذاب، وأنجى اللهُ المؤمنين مع المرسلين.\n١٤ - تتابع إرسال الرسل من الله إلى أقوامهم، وخبر فرعون مع موسى، وقصة إيمان السحرة، وإغراق فرعون وجنوده، وشفاء صدور قوم مؤمنين.\n١٥ - تبديل بني إسرائيل الشكر لله على إنجائهم بالشرك به.\n١٦ - قصة ذهاب موسى إلى الميقات، وتخليفه هارون على بني إسرائيل، وعبادة القوم العجل، وغضب موسى عليهم الذي أداه لإلقاء الألواح، ثم سَكَنُ الغضب عن موسى وجمعهُ الألواح وفيها الهدى والرحمة.\n١٧ - سماع بني إسرائيل كلام الله، فلم يؤمنوا حتى يروا الله جهرة، فصعقوا، ثم ذِكْرُ استغفار موسى لهم، ورحمة الله التي وسعتهم ووسعت كل شيء.","vol":"3","page":121},{"text":"١٨ - صفة محمد - ﷺ - في الكتب المنزلة السابقة، كصفته في القرآن، ومحمد - ﵊ - أرسل إلى الناس كافة، وبعث بالحنيفية السمحة.\n١٩ - إن من قوم موسى وقتئذ طائفة مهتدين.\n٢٠ - الذين لم ينتهوا عن المعصية من بني إسرائيل مسخوا قردة وخنازير.\n٢١ - ملعون من لا يتناهى عن المنكر.\n٢٢ - من بني إسرائيل قومٌ صالحون، ثم كان منهم من بدّل وحرّف وركب الآثام، وما آمنوا إلا بعد أن كاد الله أن يسقط الجبل عليهم.\n٢٣ - خبر الميثاق، وإشهاد الله تعالى بني آدم على أنفسهم أنه ربهم فشهدوا، فحذرهم الغفلة والاحتجاج بالتقليد.\n٢٤ - قصة بلعام بن باعوراء، وانسلاخه من رضاء الله.\n٢٥ - الكفار أضل من الأنعام التي لا تنتفع بحواسها إلا فيما يقيتها.\n٢٦ - مفهوم الاستدراج: فتح أبواب الرزق والمعاش في الدنيا ثم الأخذ بغتة.\n٢٧ - الساعة لا تأتي إلا بغتة، ولا يعلم موعدها أحدٌ من الخلق.\n٢٨ - الغيب لا يعلمه إلا الله، ومن شاءه الله من الرسل.\n٢٩ - البشر مخلوقون جميعًا من نفس واحدة هي آدم ﵇.\n٣٠ - أتعبدون ما لا يخلق شيئًا، وتتركون خلّاق السماوات والأرض.\n٣١ - المشركون عبدوا تماثيل الصالحين، ما ظنكم بأرباب صنعها عابدوها؟ !\n٣٢ - أمر الله بالعفو، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين.\n٣٣ - أمرٌ من الله، بالاستعاذة بالله من نزغ الشيطان الرجيم.\n٣٤ - الإنصات واجب إذا قرأ الإمام جهرًا، والقراءة واجبة إذا أسَرّ.\n٣٥ - الأصل في الذكر الخفاء، ويشرع لتالي السجدة وسامعها السجود بالإجماع.","vol":"3","page":122},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٩. قوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: هذا القرآن من جنس هذه الأحرف المقطعة التي تتخاطبون فيها، وهو كتاب عظيم أنزل إليك من ربك - يا محمد - فلا تشك أنه من عند ربك وامض فيما كلفك الله من النذارة وحمل أعباء النبوة، وَذَكِّر المؤمنين. ثم حَذِّر قومك الذين أشركوا فادعهم إلى الإيمان بما آمن به المؤمنون من الوحي الذي أنزل إليهم من ربهم، وأخبرهم عن سوء عاقبة اتباع أوليائهم ممن يضلونهم ويأمرونهم بالشرك بالله وقليلًا ما يَتَّعِظون. إنه كم من قرية عتت عن أمر ربها فجاءها العذاب ليلًا قبل أن يصبح القوم أو نهارًا في وقت قائلتهم. فما كان حينئذ منهم إلا أن اعترفوا أنهم كانوا ظالمين. فلنسألن الأمم الذين مضت فيهم الرسل ماذا أجبتم المرسلين، ولنسألن الرسل عن البلاغ المبين؟ فلنقصن على الرسل وأقوامهم بما كانوا عاملين، فقد أحصينا عليهم أعمالهم وما كانوا يفعلون. والوزن يوم الحساب العدل، فمن ثقلت أعماله على الميزان فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فطاشت الحسنات وثقلت السيئات فأولئك هم الخاسرون.","vol":"3","page":123},{"text":"فقوله: ﴿المص﴾.\nمضى نحوه في أوائل البقرة وآل عمران. وخلاصة المعنى: هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف المقطعة التي يتكلم بها العرب، وهو يتحدى ببيانه وإعجازه العرب والعجم أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله.\nوقوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره: هذا القرآن، يا محمد، كتاب أنزله الله إليك. ورفع \"الكتاب\" بتأويل: هذا كتابٌ).\nوقوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾.\nقال ابن عباس: (لا تكن في شك منه). قال ابن كثير: (وقيل: فلا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به، واصبر كما صبر أولو العَزْم من الرسل).\nوقوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: لتنذر به الكافرين مغبة ما هم عليه من الشرك والاستهزاء بالتنزيل. ولتبشر المؤمنين بذكره وآياته ومعانيه لِيَثْبُتوا على الحق ويلقوا على ذلك ربهم ﷿.\nوقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾.\nأي: الزموا ما جاءكم من ربكم من الوحي العظيم، وهدي رسوله الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، واحذروا اتباع ما خرج عن منهاجه - ﷺ -، فإن الحق في منهاجه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.\nوقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nأي: قليلًا ما تتعظون وتسلكون سبيل نجاتكم وسعادتكم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. . .﴾ [الأنعام: ١١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].","vol":"3","page":124},{"text":"وفي المسند وسنن ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد مرفوعًا: [يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك وأقل، فيقال له: هل بَلَّغْتَ قومك؟ فيقول: نعم ..] (١).\nوقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خِزيَ الدنيا موصولًا بذلّ الآخرة).\nوقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فجاءتهم عقوبتنا ونقمتنا ليلًا قبل أن يصبحوا، أو جاءتهم \"قائلين\"، يعني: نهارًا في وقت القائلة (٢».\nولا شك أن المقصود بقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ سكان القرية دون بنيانها، فهم الذين استحقوا بأس الله وعذابه بلزومهم ما يسخط الله من الأقوال والأفعال، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب والدمار، مثل ما نال سكانها.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: ١١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤)، وأحمد (٣/ ٥٨)، وإسناده على شرط الشيخين.\n(٢) وهو من القيلولة، وهي الاستراحة وسطَ النهار، وكلا الوقتين الليل ووقت القيلولة وقت غفلة ولهو، ولذلك باغتهم سبحانه بالعذاب والدمار في هذين الوقتين.\nوقوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ - حال معطوفة على بَياتًا، والتقدير: فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين.","vol":"3","page":125},{"text":"وأما اختيار الله سبحانه وقت زحمة النهار وهدأة الليل للانتقام من عباده المتكبرين على طاعته وعبادته، فإنه وقت اللهو والخوض في اللعب وأشكال التلاعب على الشرع أثناء النهار، أو وقت ركوب الموبقات والفواحش عند استقرار الليل للفجّار.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧، ٩٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٧].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُهُ نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَه، يختال في مِشْيَتِهِ، إذ خسف الله به، فهو يَتَجَلْجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\nأي: ما كان منهم حين رأوا العذاب ونزول البأس إلا أن أقروا بذنوبهم وبما كانوا يظلمون. قال النسفي: (اعترفوا بالظلم على أنفسهم والشرك حين لم ينفعهم ذلك).\nأخرج الإمام أحمد في المسند - عن عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَير عن أبيه قال: [لما فتحت قبرس فُرِّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء، جالسًا وحده يبكي فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله ﷿ إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظالمة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى] (٢).\nوكذلك في المسند عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده، فقلت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ ناس\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٢٢١)، و(١٠/ ٢٢٢)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٠٨٨). ويتجلجل: أي يغوص في الأرض حين يخسف به، والجلجلة حركة مع صوت.\n(٢) أخرجه أحمد من حديث جبير بن نفير. انظر: \"الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي\" - ابن القيم - أثر الذنوب. وكتابي: تحصيل السعادتين (٢٤٠) لتفصيل البحث.","vol":"3","page":126},{"text":"صالحون؟ قال: بلى. قلت: كيف يصنع بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان] (١).\nوله شاهد عند البيهقي في \"شعب الإيمان\" من حديث عائشة مرفوعًا: [إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله ﷿ بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله] (٢).\nوشاهد آخر عند الحاكم بسند صحيح من حديث ابن عباس مرفوعًا: [إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذابَ الله] (٣).\nوالخلاصة: فإن للذنوب آثارًا جسيمة إن تُركت وأطلقت، وهي سبب فساد العالم، وسبب قلق النفوس وتمزق قلوب الناس، ويعكس الله آثارها أحزانًا ومصائب في واقع الحياة.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا).\nوقال السدي: (يقول: فلنسألن الأمم: ما عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ولنسألن الرسل: هل بلغوا ما أرسلوا به). وقال مجاهد: (﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾، الأمم، ولنسألن الذين أرسلنا إليهم عما ائتمناهم عليه: هل بلغوا؟).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩].\nأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يجيء النبيُّ\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٤)، وكذلك (٦/ ٣٠٤) - من طريق أم سلمة ﵂.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤٤١/ ٢)، وانظر المسند (٦/ ٤١)، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة - برقم (١٣٧٢)، وانظر صحيح الجامِع (٦٩٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم بإسناد صحيح من حديث ابن عباس مرفوعًا. انظر المرجع السابق (٦٩٢)، وتخريج فقه السيرة (٣٧٠)، وتخريج الحلال (٣٤٠).","vol":"3","page":127},{"text":"ومعه الرجلان. ويجيء النبيُّ ومعه الثلاثة. وأكثر من ذلك وأقَلُّ. فَيُقَالُ له: هلْ بَلَّغْتَ قومَك؟ فيقول: نعم. فيدعى قَوْمُهُ، فيقال: هل بَلَّغَكُمْ؟ فيقولون: لا. فيقال: مَنْ شَهِدَ لكَ؟ فيقول: محمدٌ وأمَّتُهُ. فَتُدْعَى أمَّةُ محمد فيقال: هل بَلَّغَ هذا؟ فيقولون: نَعَم. فيقول: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبيّنا بذلك أن الرسل قد بَلَّغوا، فصدَّقْناه. قال: فذلكم قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. . . (١٤٣)﴾] (١).\nولا شك أن السؤال واقع يوم القيامة على كل من استرعاه الله رعية، سواء أكان إمامًا أم والدًا أم والدة أم واليًا ولي أي شأن من شؤون الخلق ومصالحهم.\nفقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [كُلُّكُم راع، وكُلُّكُم مسؤول عن رَعِيَّتِهِ: الإمام راعٍ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولة عن رَعيَّتِهِا، والخادمُ راعٍ في مال سَيِّده ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ. قال: وحسبتُ أنْ قَدْ قال: والرجل راعٍ في مالِ أبيه وهو مسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾.\nقال ابن عباس: (ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم).\nقال القرطبي: (﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ أي: كنا شاهدين لأعمالهم. ودلت الآية على أن الله تعالى عالمٌ بعلم). وقال النسفي: (﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ عنهم وعما وجد منهم. ومعنى السؤال التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم).\nوفي صحيح مسلم عن أنس قال: [كنا عند رسول الله - ﷺ - فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فَيُخْتَمُ على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (٤٢٨٤) - باب صفة أمة محمد - ﷺ -. وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٤٥٧). وروى البخاري نحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٩٣) - كتاب الجمعة، ومسلم (٢٠)، وأخرجه أبو داود في السنن (٢٩٢٨)، وكذلك الترمذي (١٧٠٥)، وابن حبان (٤٤٧٢)، والبيهقي (٦/ ٢٨٧).","vol":"3","page":128},{"text":"فيه، ويقال لأركانه انطُقي، فتنطق باعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لَكُنّ وسحقًا فعنكن كنت أناضل] (١).\nوقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾.\nقال مجاهد: (﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ﴾، القضاء. ﴿الْحَقُّ﴾، قال: العدل).\nوقال السدي: (﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: توزن الأعمال).\nوقال عبيد بن عمير: (يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشَّروب، فلا يزن جناح بعوضة).\nوفي التنزيل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوفي صحيح الحاكم - بسند جيد - عن سلمان، عن النبي - ﷺ - قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يَزِنُ هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (٢).\nقال ابن جريج: (قال لي عمرو بن دينار قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، قال: إنا نرى ميزانًا وكفتين).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾.\nأي: تقرأ النتائج من سجلات وقراءات الميزان، فمن رجحت حسناته فقد فاز، ومن طاشت فقد خسر.\nقال مجاهد: (﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ قال: حسناته. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، قال: حسناته).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٣٣). وأناضل: أي أجادل وأدافع وأخاصم.\n(٢) إسناده جيد في الشواهد. أخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦)، والآجري في \"الشريعة\" (٣٨٢)، وانظر لجملة الصراط مستدرك الحاكم (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢). والحديث في \"الصحيحة\" برقم (٩٤١).","vol":"3","page":129},{"text":"وقال عبيد بن عمير: (يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث - منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند - بإسناد حسن - عن ابن مسعود ﵁: [أنه كان يجني سِواكًا من الأراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله - ﷺ -: ممَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبيَّ الله من دقة ساقيه فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحد] (٣).\nالحديث الرابع: يروي ابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر له تسعةٌ وتسعون سِجلًا، كل سجلٍّ مدُّ البصر، ثم يقول الله ﵎: هل تُنْكِرُ من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أظَلَمَكَ كتبتي الحافظون؟ فيقوك: لا يا رب، ثم يقول: ألك عذرٌ، ألك حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليكَ اليوم، فَتُخرجُ له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٤٧٢٩)، وأخرجه مسلم في الصحيح برقم (٢٧٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري - حديث رقم - (٢١٣٤)، كتاب التوحيد، وصحيح مسلم (٢٦٩٤) - كتاب الذكر والدعاء والتوبة.\n(٣) إسناده حسن. أخرجه أحمد (١/ ٤٢٠)، والطيالسي (٢٥٦١)، وأبو يعلى (٥٣١٠)، وغيرهم.","vol":"3","page":130},{"text":"إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة] (١).\n١٠ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى ممتنًا على عباده فيما مَكَّنَ لهم في الأرض ووطأها لهم وجعلها لهم قرارًا ومهادًا، وفراشًا يفترشونها يقضون عليها أيام حياتهم، وقد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (٤٣٠٠)، والترمذي في الجامع (٢٦٣٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٢١٣)، والحاكم (١/ ٦)، وأخرجه ابن حبان (٢٢٥)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٩٥١).","vol":"3","page":131},{"text":"جعل لها رواسي وأنهارًا، وسخر لهم الرياح والسحاب فأجرى الأنهار، وأنبت الزرع والثمار، وجعل لهم منازل وبيوتًا، وذلّل لهم المكاسب والمعايش والمنافع وقليل منهم الشاكرون. ثم نبّه سبحانه على شرف أبيهم آدم، وأمر الملائكة بالسجود له تكريمًا، خلقه سبحانه بيده من طين، ثم صوركم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق، فأبى الشيطان السجود لأبيكم حسدًا وكبرًا، واغتر بخلقه من نار، واستخف خلق الصلصال، فأهبطه الله من دار النعيم، فكان من الصاغرين، فسأل الله النظرة إلى يوم الدين، فأعطاه الله النظرة، استحقاقًا للسخطة، واستتمامًا للبلية، فتوعد اللعينُ بإغواء الذرية، ليصرفهم عن مقام خير البرية، فتوعده الله تعالى هو ومن تبعه جهنم صاغرين. ثم أمر سبحانه آدم ﵊ أن يسكن هو وزوجه الجنة، وأن يتنعم فيها وأهله من كل شيء، إلا من شجرة جعلها الله سبحانه موضع اختبار، فوسوس اللعين بكل طريقة ليزلا في القرار، وما زال يغويهما حتى أكلا منها فبدت سوآتهما فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة - يلزقان بعضه على بعض ليواريا سوآتهما - وناداهما ربهما ألم أحذركم طاعة اللعين، ووسواس الرجيم، وأنه لكم عدو مبين. فأقرا بالذنب والسقوط والزلل، وسألاه سبحانه المغفرة والرحمة فهو يجيب المضطر إذا سأل، ثم قضى لهما الهبوط إلى دار الدنيا، ووصاهما الحذر ثانية من هذا العدو الرجيم، وكتب لهما الحياة فيها والموت فيها إلى أن يأذن الله بالخروج من القبور، في يوم النشور، يوم يقوم الناس لرب العالمين.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (يقول تعالى مُمْتَنًّا على عبيده فيما مكن لهم من أنه جعل الأرض قرارًا، وجعل لها رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباحَ لهم منافعها، وسخَّرَ لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم ﴿فِيهَا مَعَايِشَ﴾ أي: مكاسب وأسبابًا يتَّجرون فيها، ويَتَسَبَّبُون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]).\nقال القرطبي: (والمعايش جمع مَعيشة، أي: ما يُتَعَيَّشُ به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة).\nوالخلاصة: لقد ذلل الله سبحانه أسباب الرزق والعافية لابن آدم، ثم إن أكثرهم","vol":"3","page":132},{"text":"لا يشكرون، بل بعضهم يجحدون ويكفرون، أو يتطاولون ويشركون.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [ليس أحدٌ - أو ليسَ شيءٌ - أصبرَ على أذىً سمعه من الله، إنهم ليدْعون له ولدًا، وإنه ليُعافيهم وَيَرْزُقهم] (١).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾\nقال الضحاك: (أي: خلقنا آدم ثم صورنا الذرية). وقال ابن عباس: (خُلِقوا في أصلاب الرجال، وصوِّروا في أرحام النساء).\nوقال: (﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾، يعني آدم، وأما ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾، فذريته).\nقال ابن جرير: (﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾، ولقد خلقنا آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، بتصويرنا آدم).\nوهذا تفسير قوي مناسب للسياق، فالمراد آدم، وقيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر، فالكلام عليه ينسحب على كل ذريته من بعده.\nوقوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾\nأي: فلما صورنا آدم، فكان خلقًا متكاملًا، ونفخنا فيه الروح، قلنا للملائكة اسجدوا لهذا المخلوق السوي تكريمًا له واختبارًا لهم بالأمر، فسجدوا طائعين، إلا إبليس كان من العاصين، ولم يكن من الملائكة بل من الجن، وإنما أُلْحِق بهم تغليبًا.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.\nقال ابن عباس: (فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر، لما كان حدّث نفسه، من كبره واغتراره، فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سنًّا، وأقوى خلقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين! يقول: إن النار أقوى من الطين) - ذكره ابن جرير.\nوقال الحسن: (قاس إبليس، وهو أول من قاس).\nوفي صحيح مسلم عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [خُلقت\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦٠٩٩) - كتاب الأدب. باب الصبر في الأذى. من حديث أبي موسى ﵁. وانظر (٧٣٧٨) أيضًا.","vol":"3","page":133},{"text":"الملائكة من نور، وخُلِقَ إبليس من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.\nقال السدي: (والصغار: هو الذل). فأهبطه سبحانه بسبب عصيانه الأمر، واستكباره عن الامتثال. قال ابن كثير: (قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة - يعني في قوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ -، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.\nفاستجاب الله سؤاله، فأنظره إلى يوم البعث، استكمالًا للبلية، ولله الحكمة البالغة.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.\nيتوعد إبليس بالانتقام من ذرية آدم بكل وسيلة يستطيعها - بعدما استوثق في التأجيل ليوم البعث - وكان ذلك حسدًا وكبرًا. قال ابن عباس: (﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: كما أضللتني). وقال مجاهد: (﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: سبيل الحق، فلأضلنهم إلا قليلًا).\nوفي الآية بعدها أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، يقول: أشككهم في آخرتهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، أرغبهم في دنياهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، أشبِّه عليهم أمرَ دينهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، أشهِّي لهم المعاصي).\n٢ - وفي رواية عنه: (أما ﴿بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، فمن قبلهم - يعني من الدنيا -، وأما ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، فأمر آخرتهم، وأما ﴿عَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ فمن قبل حسناتهم، وأما ﴿عَنْ شَمَائِلِهِم﴾، فمن قبل سيئاتهم).\n٣ - وقال ابن جريج: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، من دنياهم، أرغّبهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، آخرتهم، أكفّرهم بها وأزهدهم فيها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، حسناتهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٩٦)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٥٣)، (٦/ ١٦٨)، ورواه البيهقي في \"الصفات\" (٢/ ١٢٦).","vol":"3","page":134},{"text":"أزهدهم فيها، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، مساوي أعمالهم، أُحَسِّنُها إليهم).\n٤ - وقال مجاهد: (قول الله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، قال: حيث يبصرون، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، حيث لا يبصرون).\nقلت: وكلها أقوال تحمل آفاقًا محتملة لتأويل الآية، وتشترك جميعها بأن إبليس اللعين توعد إغواء ذرية آدم من جميع وجوه الباطل ليصدهم عن الحق. وفي ذلك أحاديث كثيرة في صحيح السنة المطهرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم في المستدرك، والبيهقي في \"الأسماء\" بسند صحيح في الشواهد - عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد حسن، عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الشيطان قعد لابن آدم بِأَطْرُقِهِ، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تُسْلِمُ وتذرُ دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل، فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتُقتل فَتُنْكَحُ المرأة ويُقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد ..] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند حسن عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - خطب\n_________\n(١) حديث صحيح في الشواهد. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦١)، والبيهقي في\"الأسماء\" ص (١٣٤)، وانظر مسند أحمد (٣/ ٢٩)، (٣/ ٢٩/ ٤١)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١/ ١٤٦) وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٠٤) لشواهده الكثيرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٣٨). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٠٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٣٤٠) لتفصيل البحث.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٣)، وأخرجه النسائي (٦/ ٢١)، وابن حبان (٤٥٩٣)، وغيرهم. من حديث سبرة بن أبي فاكه ﵁.","vol":"3","page":135},{"text":"الناس في حجة الوداع فقال: [إن الشيطان قد يئِسَ أن يُعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتابَ الله، وسنة نبيه ..]. وأصله في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (مُوَحِّدين).\nوهذا الكلام من إبليس إنما كان عن ظن منه وتوهم، فتحقق بسبب زلل ابن آدم وضعفه وانقياده لشهواته وأهوائه، فتوافق ظن إبليس مع تفريط ابن آدم كما قال تعالى في آية سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.\nوقد كان الله حذّر الذرية كما حذر الأبوين منه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾.\nوكذلك إنما جاءت أوامر النبي - ﷺ - تحذر من موافقة اللعين، وتؤكد على مخالفة هذا الشيطان الرجيم، فإنه لا يضمر للإنسان إلا الشر المبين. ومن ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام البخاري عن عائشة قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة فقال: [هو اختلاس يختلِسُهُ الشيطان من صلاة العبد] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: [قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي يلبسها علي! فقال رسول الله - ﷺ -: ذلك شيطان يقال له خِنْزَب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن\n_________\n(١) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٢/ ٣٦٨)، وكذلك (٣/ ٣١٣)، وجامع الترمذي (٣/ ١٢٧) ومسند أبي يعلى (٢/ ٦٠٩)، وقد مضى نحوه في صحيح مسلم (٨/ ١٣٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠١٩) - كتاب الأشربة. باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٣٢٩١) - كتاب بدء الخلق. باب صفة إبليس وجنوده. من حديث عائشة ﵂. وانظر (٧٥١).","vol":"3","page":136},{"text":"يسارك ثلاثًا. قال: فعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند - بسند صحيح - من حديث الحارث الأشعري، عن النبي - ﷺ - قال: [وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يَحْرِزُ نَفْسَه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى] (٢).\nوقوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾.\nالمذؤوم: المعيب، والمدحور: المُقْصَى. قال قتادة: (يقول: اخرج منها لعينًا مَنْفِيًّا).\nوقال ابن عباس: (﴿مَذْءُومًا﴾: ممقوتًا. قال: يقول: صغيرًا منفيًا).\nوعن مجاهد: (﴿مَذْءُومًا﴾، قال: مَنْفِيًّا، ﴿مَدْحُورًا﴾، قال: مطرودًا). وعن التميمي: (سأل ابن عباس: ما ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾، قال: مقيتًا). وقال الربيع بن أنس: (مذؤومًا: منفيًا، والمدحور: المُصَغَّرُ).\nوقوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nتَوَعُّدٌ من الله بالانتقام منه ومن أتباعه.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٣ - ٦٥].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٠٣) - كتاب السلام. باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٠٢)، والترمذي في الجامع (٢٨٦٧). وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٧٢٠) - وهو جزء من حديث طويل.","vol":"3","page":137},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nأسكن الله تعالى آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس بمعصيته وأخرجه منها، وأباح الله تعالى لهما كل ثمرات الجنة إلا شجرة بعينها جعلها سبحانه موضع الاختبار، فحذرهما من الزلل ومخالفة الأمر.\nوقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (ومعنى الكلام: فجذب إبليس إلى آدم حوّاء، وألقى إليهما: ما نهاكما ربكما عن أكل ثمر هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، ليبدي لهما ما واراه الله عنهما من عوراتهما فغطاه بستره الذي ستره عليهما).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.\nقال قتادة: (فحلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يُخْدَع المؤمن بالله، فقال: إني خُلِقْتُ قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما)\nوقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾.\nأي: فخدعهما بغرور، فما زال بهما حتى خُدعا بكلامه ووسوسته.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.\nأي: فلما وقعا وذاقا ثمر الشجرة التي حرمها الله عليهما، أعراهما ربهما من الكسوة التي كان كساهما وتفضل عليهما، فهرعا إلى ورق الجنة لتغطية ما بدا من عوراتهما.\nقال ابن عباس: (جعلا يأخذان من ورق الجنة، فيجعلان على سوآتهما).\nوقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nأي: نادي الله تعالى آدم وحواء: ألم أنهكما عن أكل ثمر تلك الشجرة وأحذركم عداوة إبليس ومحاولاته النيل من نَعيمكما، وأنه لكما عدو مبين، حاسد ظلوم.\nقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nقال الضحاك: (هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه).","vol":"3","page":138},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.\nيقول جل ذكره لآدم وحواء وإبليس العدو: اهبطوا من السماء إلى الأرض، بعضكم لبعض عدو. قال ابن عباس: (﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، قال: القبور. ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، قال: إلى يوم القيامة، وإلى انقطاع الدنيا). وكذلك قال ابن عباس: (﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: وجه الأرض وتحتها).\nقال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، قال: قرارٌ وأعمارٌ مضروبةٌ إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم، وأحصاها القدرُ، وسطِّرت في الكتاب الأول).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.\nأي: حياتكم ثم مماتكم فيها ثم تبعثون منها ليوم الحساب.\nوفي التنزيل: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح من حديث البراء - عند صعود الروح - قال رسول الله - ﷺ -: [فيستفتحون له، - أي: لروح المؤمن - فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فيُرَدُّ إلى الأرض، وتعاد روحه في جسده].\nثم قال في روح الكافر: [فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. فتطرح روحه من السماء طرحًا حتى تقع في جسده] (١).\n٢٦ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢/ ٢٨١)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٧) - ضمن حديث طويل.","vol":"3","page":139},{"text":"الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: وصايا من الله سبحانه لذرية آدم بعدما حصل لأبويهم من فتنة الشيطان وما أعقبها من الهبوط إلى دار الدنيا والابتلاء والامتحان: يا بني آدم قد خلقنا لكم لباسًا مما تلبسون من الثياب يستر عوراتكم، ولباس الإيمان والحياء والعمل الصالح هو زينة اللباس، إن كنتم تعتبرون. يا بني آدم، لا يخدعنكم الشيطان لكشف عوراتكم كما فعل بأبيكم آدم وأمكم حواء، ليسلبهما لباس التقوى والستر والحياء، إنه يراكم هو وجنسه دون أن تروهم، إنا جعلنا الشياطين نصراء الكفار والمتكبرين. وإذا فعل هؤلاء الكفرة قبيحًا - كالطواف بالبيت عرايا - فعوتبوا بذلك احتجوا بطريقة الآباء، وبأن الله أمرهم بذلك، قل - يا محمد - لهم: إن الله لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال، وإنما أنتم تكذبون. إنما أمر ربي بالعدل وإخلاص الدعاء والعبادة له","vol":"3","page":140},{"text":"سبحانه، وأن تَتَوَجهوا إلى البيت الحرام، ثم إليه تحشرون، فكما بدأكم تعودون. إنه سبحانه قد هدى فريقًا استحقوا الهداية بتواضعهم لأمره، وحرم الهداية فريقًا تمردوا على أمره وأظهروا الاستكبار والعناد، وآثروا ولاية الشياطين، وهم يحسبون أنهم مهتدون. يا بني آدم تجملوا باللباس عند كل مسجد فاختاروا أستره وأجمله، وكذلك كلوا واشربوا من الطيبات واجتنبوا الإسراف والمحرمات، إنه سبحانه لا يحب المسرفين. قل - يا محمد - لهؤلاء المنحرفين في منهاجهم: من حرّم عليكم - أيها القوم - زينة الله أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها، والحلال من الرزق من أصناف الطيبات في المطاعم والمشارب، قل - يا محمد - إذ أفلس القوم من الجواب: إنها زينة الله أخرجها لعباده وطيبات أحلها لهم، ثم ينعمون بها وحدهم في الآخرة دون الكفار، ونفصل التشريع الحق لقوم يفقهون. قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أيها القوم! إن الله لم يحرم ما تحرمونه، بل أحل ذلك لعباده وطيّبه لهم، إنما حرم القبائح وهي الفواحش، سرّها وعلانيتها، والمعاصي والاستطالة على الناس بظلم، والشرك الذي هو أصل كل معصية وفاحشة وظلم، والقول على الله بغير علم، الذي هو أم كل جهل وأصله وسببه. ثم لكل أمة أجل هم بالغوه، فإذا جاء يومهم مضوا دون أي تأخير أو تقديم. يا بني آدم إنه لا فلاح لكم إلا باتباع الرسل، فمن صدق بهم ومضى على منهاجهم فقد فاز، ومن أبى فالنار ستلفحه يوم القيامة وبئس المصير.\nفقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾.\nقال مجاهد: (كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، ولا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه).\nوقال ابن عباس: (الرياش: اللباس والعيش والنعيم). وفي رواية: (﴿وَرِيشًا﴾ يقول: مالًا).\nوقال ابن زيد: (الريش: الجمال). قال ابن جرير: (و﴿الريش﴾: إنما هو المتاع والأموال عندهم. وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال).\nوقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.\nفيه أقوال متكاملة:\n١ - قال قتادة: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، هو الإيمان).","vol":"3","page":141},{"text":"٢ - وقال معبد الجهني: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، الذي ذكر الله في القرآن، هو الحياء).\n٣ - وقال ابن عباس: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: العمل الصالح). أو قال: (السمت الحسن في الوجه).\n٤ - وقال عروة بن الزبير: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: خشية الله).\n٥ - وقال ابن زيد: (يتقي الله، فيواري عورته، ذلك ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى﴾).\nقلت: وكلها أقوال متكاملة في معناها تزيد في توضيح آفاق الآية، فالإيمان والحياء وحسن السمت واللباس الساتر وخشية الله والعمل الصالح كل ذلك من لباس التقوى.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\nأي: كل ما سبق ذكره من اللباس والرياش وخير اللباس - لبالس التقوى - من حجج الله على من كفر بالله، عله يعتبر وينيب إلى الحق ويترك ما هو عليه من الضلال.\nوقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾.\nتحذير من الله عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء حتى جردهم من لباس الله ونزعه عنهما بغوايته لتظهر عوراتهما، وهذا من أخطر السبل التي يحاول بها الشيطان وأعوانه إضلال بني آدم، وما التعري وكشف العورات وأفلام الرذيلة وفشو الزنا بكل ألوان الشذوذ والإباحية اليوم في أرجاء الأرض إلا تصديق لهذه الآية.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ - إخبار من الله عن رؤية الجن للإنس دون العكس عمومًا.\nقال مجاهد: (الجن والشياطين). وقال ابن زيد: (قبيله: نسله).\nوقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - أي: نصراء لهم يعينونهم على فشو المنكر.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]","vol":"3","page":142},{"text":"أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١).\nوأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عن والديه فيقول: يوشك أن يَبرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت وَيُلبِسُه التاج] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال مجاهد: (كانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على قُبُلها النِّسعة (٣) أو الشيء، فتقول:\nاليَوْمَ يَبْدو بَعْضُه أوْ كُلُّهُ ... فما بدا مِنْهُ فلا أُحِلُّهُ)\nوقال ابن جريج: (كان نساؤهم يطفن بالبيت عراة، فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم).\nفامر الله نبيّه - ﷺ - أن يقول لهم: أيها الناس، إن ربكم سبحانه لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال، وإشاعة المنكر والفواحش، فكيف تكذبون على ربكم وتقولون عليه دون علم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٧١٠٦) - طبعة دار السلام - الرياض - كتاب صفات المنافقين. من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٦٥)، بإسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٢٨٠).\n(٣) النسعة: هي قطعة من الجلد مضفورة عريضة تجعل على صدر البعير.","vol":"3","page":143},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾.\nقال مجاهد والسدي: (بالعدل). أي: بالعدل والاستقامة.\nوقوله: (﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ - فيه قولان محتملان:\n١ - عن مجاهد: (﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، إلى الكعبة حيثما صليتم، في الكنيسة وغيرها).\n٢ - عن الربيع - قال فيها -: (في الإخلاص، أن لا تدعو غيره، وأن تخلصوا له الدين).\nوقوله: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\nقال الربيع: (أن تخلصوا له الدين والدعوة والعمل، ثم توجِّهون إلى البيت الحرام).\nوقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾.\nأما قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ففيه أكثر من تأويل، وبعض ذلك مُفَسَّرٌ بقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾.\n١ - قال مجاهد: (﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: يحييكم بعد موتكم).\n٢ - وقال الحسن: (كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء).\n٣ - وقال قتادة: (بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم). وقال ابن زيد: (بدأكم أولًا، كذلك يعيدكم آخرًا).\n٤ - وقال ابن عباس: (يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا). وقال أبو العالية: (عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول الله فيهم: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾؟ ألم تسمع قوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾؟).\n٥ - وقال سعيد بن جبير: (كما كتب عليكم تكونون). وقال السدي: (يقول: كما بدأكم تعودون، كما خلقناكم، فريق مهتدون، وفريق ضال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم).","vol":"3","page":144},{"text":"قلت: وكلها تفاسير يدل عليها السياق، ويحتملها المعنى، وقد وردت السنة الصحيحة في ذلك، ضمن أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: [قام فينا رسول الله - ﷺ - بموعظة فقال: يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]]، الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن العبد ليعمل - فيما يرى الناس - بعمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار. وإنه ليعمل - فيما يرى الناس - بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة. وإنما الأعمال بالخواتيم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان وأكثر أهل السنن عن علي مرفوعًا: [ما منكم مِنْ أَحَدٍ، ما مِنْ نَفْسِ مَنْفُوسَةٍ إلا كُتِبَ مَكانُها من الجنة والنّار، وإلا قد كُتِبَتْ شَقِيَّةً أو سعيدة. فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نَتَّكِلُ على كتابنا ونَدَعُ العمل؟ فمن كان مِنّا من أهل السعادة فسيصيرُ إلى عمل أهل السعادة، وأما مَنْ كان منّا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. قال: أمّا أهلُ السعادة فَيُيَسَّرون لعمل السَّعادة، وأما أَهْلُ الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل الشقاوة. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾.\nتعليل لدخول الفريق الثاني في الشقاوة، وتوضيح لمفهوم الكتابة في اللوح المحفوظ، فهي كتابة علم لا كتابة جبر، فالعبد اختار لنفسه الطريق وغدًا تظهر النتائج.\nقال ابن جرير: (وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يُعَذِّبُ أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٢٥)، (٤٧٤٠)، ومسلم (٢٨٦٠)، والترمذي (١٤٢٣)، والنسائي (٤/ ١١٤) وأحمد (١/ ٢٢٩). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٩٨)، (٤٢٠٢)، ومسلم (١١٢)، وأحمد (٥/ ٣٣٥)، والبيهقي في الدلائل (٤/ ٢٥٢). من حديث سهل بن سعد ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٦٢) - كتاب الجنائز - واللفظ له، وأخرجه مسلم (٢٦٤٧)، وأبو داود (٤٦٩٤)، والترمذي (٢١٣٧)، وابن ماجه (٧٨)، وأحمد (١/ ٨٢)، وغيرهم.","vol":"3","page":145},{"text":"عنادًا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضَلَّ وهو يحسب أنه هاد، وفريق الهدى، فرقٌ. وقد فَرَّق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية الكريمة).\nوقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة فتقول: من يعيرني تِطْوَافًا تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله .. فما بدا منه فلا أُحِلُّهُ. فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾] (١).\nوأخرجه الحاكم من طريق شعبة به، وفيه نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾.\nقال ابن عباس: (كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يُواري السَّوْأَة، وما سوى ذلك من جَيّد البزّ والمتاع، فَأمِروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد). وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، في الطعام والشراب). قال: (أحل الله الأكل والشرب، ما لم يكن سَرَفًا أو مخيلة). والمخيلة: الاختيال والكبر.\nقال بعض السلف: (جمع الله الطب كله في نصف آية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني في اللباس والطعام والشراب، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [البسُوا من ثيابكم البياضَ، فإنها من خير ثيابكم، وكَفِّنوا فيها موتاكم، وإن من خيرِ أكحالكم الإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبتُ الشعر] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠٢٨) - كتاب التفسير. باب في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وانظر مستدرك الحاكم (ج ٢) ص (٣١٩ - ٣٢٠) - ولعل الآيتين نزلتا معًا لهذا السبب.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٣٨٧٨) - باب في الأمر بالكحل، وأخرجه الترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه (١٤٧٢)، وأخرجه أحمد (١/ ٣٢٨)، والحاكم (١/ ٣٥٤)، وصححه ابن حبان (٥٤٢٣).","vol":"3","page":146},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عليكم بالثياب البياض فالبسوها، فإنها أطهرُ وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله - ﷺ - قال: [كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده] (٢).\nورواه النسائي وابن ماجه بلفظ: [كلوا وتصدقوا والبَسُوا، في غير إسراف ولا مخيلة] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي والنسائي بسند جيد عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، حَسْبُ ابن آدم أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلبه، فإن كان فاعلًا لا محالة، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنَفَسِه] (٤).\nقال البخاري: (قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سَرَفٌ ومَخِيلةٌ).\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي والحاكم بسند حسن عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من ترك اللباس تواضعًا لله، وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيَّرَ من أي حُلَلِ الإيمان شاء يلبسها] (٥). وحسنه الترمذي وقال:\n(ومعنى قوله: \"حلل الإيمان\" يعني ما يعطى أهل الإيمان من حلل الجنة).\n_________\n(١) حديث إسناده جيد. أخرجه أحمد (٥/ ١٢)، (٥/ ٢١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٦٤٣)، وكذلك (٩٦٤٤)، وأخرجه الحاكم (٤/ ١٨٥)، وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٨١ - ١٨٢)، والحاكم (٤/ ١٣٥)، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٣) حديث حسن. أخرجه النسائي (٥/ ٧٩)، وابن ماجه (٣٦٠٥). وأورده الحافظ ابن كثير (٣٠٩٦).\n(٤) إسناده جيد. أخرجه الترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦٧٦٨)، وأحمد (٤/ ١٣٢).\n(٥) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢/ ٧٩)، والحاكم (٤/ ١٨٣)، وأحمد (٣/ ٤٣٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٤٨)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧١٨).","vol":"3","page":147},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: إن الله لا يحب المتعدِّين حَدَّه في حلال أو حراء، الغالين فيما أحلَّ الله أو حرَّم، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال، ولكنه يحبّ أن يحلَّل ما أحل ويحرَّم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به).\nوقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.\nقال قتادة: (وهو ما حرّم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام).\nوقال ابن زيد: (كانوا إذا حجُّوا أو اعتمروا، حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، قال: إن الجاهلية كانوا يحرمون أشياءَ أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾، وهو هذا، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾).\nوقد أخرج أبو القاسم الطبراني بسنده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراةٌ، يُصَفِّرون ويُصَفِّقُون، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾، فأمِرُوا بالثياب] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\nأي: هذه الطيبات من الطعام والشراب واللباس ستخلص للمؤمنين يوم القيامة في أشهى وأجمل أحوالها، وإن شركهم بها الكفار في الدنيا مؤقتًا، ونبين هذه الحجج لقوم يفقهون.\nقال ابن عباس: (يقول: شارك المسلمون الكفار في الطيبات، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من خيار ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، وخلصوا بها يوم القيامة). وقال مرة أخرى: (يشارك المسلمون المشركين في الطيبات في الحياة الدنيا، ثم يُخْلصُ الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء).\n_________\n(١) حسن لشواهده. انظر مستدرك الحاكم من طريق شعبة به (ج ٢) (ص ٣١٩ - ٣٢٠)، والصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - الأعراف (٢٦). وتفسير ابن كثير (٣/ ١٥١).","vol":"3","page":148},{"text":"وقال الضحاك: (المشركون يشاركون المؤمنين في الدنيا في اللباس والطعام والشراب، ويوم القيامة يَخْلُص اللباس والطعام والشراب للمؤمنين، وليس للمشركين في شيء من ذلك نَصيبٌ).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.\nقال مجاهد: (﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، طوافُ أهل الجاهلية عراة، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾، الزنا).\nوقال السدي: (أما ﴿الْإِثْمَ﴾ فالمعصية، و﴿الْبَغْيَ﴾، أن يبغيَ على الناس بغير الحق).\nوقال مجاهد: (نهى عن ﴿الْإِثْمَ﴾، وهي المعاصي كلها، وأخبر أن الباغيَ بَغْيُهُ كائن على نفسه).\nقلت: ولا شك أن لفظ الفواحش يشمل من الموبقات أكثر مما ذكره مجاهد، ومن ثمَّ فإن كل الأعمال المُفْرِطَةِ في القبح داخلة في مسمى الفواحش. وكذلك فإن سرّها وعلانيتها يدخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. ولفظ ﴿الْإِثْمَ﴾ يدل على المعصية. ولفظ ﴿الْبَغْيَ﴾ يدل على الظلم وتجاوز الحدّ فيه. قال القرطبي: (وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما، فنصَّ على ذكرهما تأكيدًا لأمرهما وقصدًا للزجر عنهما).\nأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا أحد أغْيَرُ من الله، من أجل ذلك حَرَّمَ الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبُّ إليه المدح من الله ﷿، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحبُّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين] (١). وفي لفظ عند الإمام مسلم: [من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه] (٢).\nوقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾.\nهذا أكبر الظلم، وكل الفواحش دونه في الإثم، فأعظم الظلم أن تدعو غير الله سبحانه الذي خلقك وسواك وعدلك وأغدق عليك نعمه ظاهرة وباطنة، أو تصرف\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٣٤)، (٧٤٠٣)، ومسلم (٢٧٦٠)، والترمذي (٣٥٣٠)، والنسائي في \"الكبر\" (١١١٧٣)، (١١١٨٣)، وأحمد (١/ ٣٨١)، (١/ ٤٣٦)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. هو رواية عند الإمام مسلم (٢٧٦٠) ح (٣٥)، للحديث السابق.","vol":"3","page":149},{"text":"عبادة لغيره تعالى. ولذلك كان الكفر بالطواغيت من شروط ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن والد أبي مالك الأشجعي عن النبي - ﷺ - قال: [من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعْبَدُ من دون الله حَرُمَ ماله ودمه. (وفي رواية: وحسابه على الله ﷿)] (١).\nوفي لفظ: [من وَحَّدَ الله تعالى، وكفر بما يعبد من دونه، حَرُمَ ماله ودمه، وحسابه على الله ﷿].\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nمن الكذب في الدين، والافتراء دون علم، ونسب الولد لله، أو جعل الملائكة إناثًا، أو تحريم ما أحل الله، إلى غير ذلك من ألوان القول على الله بغير علم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.\nأي: لكل أمة مدة أو وقت لنزول العذاب بهم، أو انقضاء أمرهم ووجودهم، وتلك الأيام يداولها الله تعالى بين الناس. فإذا جاء ميقاتهم المقدر لهُم، ويومهم الموعود، فلا يتركون بعد الأجل قليلًا ولا يهلكون قبله كذلك. قال القاسمي: (والساعة مثل في غاية القلة من الزمان).\nوقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾.\nقال القرطبي: (﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ شرط. ودخلت النون توكيدًا لدخول ﴿مَا﴾. وقيل: ما صلة، أي: إن يأتكم. أخبر أنه يرسل إليهم الرسل منهم لتكون إجابتهم أقرب. والقصص إتباع الحديث بعضه بعضًا. ﴿آيَاتِي﴾ أي: فرائضي وأحكامي).\nوقوله: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nقال النسفي: (فمن اتقى الشرك وأصلح العمل منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).\nوقال ابن كثير: (﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم برقم (٢٣) - كتاب الإيمان - باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. من حديث والد أبي مالك الأشجعي ﵁.","vol":"3","page":150},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nأي: أما من كذّب بحجج الله وآياته ورسله، وجحد الحق واستكبر عليه، فإن عذاب الجحيم ينتظره، ومصير الخزي سيفجعه، فلا أحد يمكنه التكبر على أمر الله وهدي نبيّه - ﷺ - دون أن ينال جزاءه من النكال والخزي والعذاب.\nأخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صُوَرِ الرجال، يغشاهم الذُّلُ من كل مكان، يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يُسمى بُولَسَ، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عُصَارة أهل النار طينة الخبال] (١).\n٣٧ - ٤١. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: فمن أكثر ظلمًا وأجهل فعلًا وأبعد وأخطأ قولًا ممن اختلق على الله زورًا أو طعن بآياته وجحد صحتها، إن هؤلاء سيصل إليهم حظهم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند، والترمذي في الجامع (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٨٩٦).","vol":"3","page":151},{"text":"مما كتب الله لهم في اللوح المحفوظ من الشقاوة والعذاب والوعيد، حتى إذا جاءتهم رسلنا لقبض أرواحهم - ملك الموت وملائكة العذاب - قالت لهم الرسل: أين الذين كنتم تدعونهم أولياء من دون الله وتعبدونهم، ليدفعوا عنكم آلام النزع وما أنتم فيه من الكرب العظيم فينقذونكم؟ قالوا: تخلوا عنا وتركونا أحوج ما كنا إليهم، وشهد القوم على أنفسهم حينئذ أنهم كانوا بالله كافرين. وقال لهم حين وردوا عليه يوم القيامة: ادخلوا - أيها المفترون على ربكم والمكذبون رسله - في جموع أمم سلفت قبلكم استحقت النار - من الجن والإنس - كلما دخلت أمة لعنت أمة أخرى من أهل ملتها ودينها، حتى إذا تداركت الأمم في النار - أي: اجتمعت - قالت الأخرى من كل ملة لمن كانت سلفت قبلها في قيادة الضلال والكفر: ربنا هؤلاء أضلونا عن هديك وسبيلك فأوردهم اليوم عذاب الضعف بما شرعوا وسنوا لنا، فقال الله مجيبهم: لكلكم ضعف ومكرّر من العذاب ولكنكم لا تعلمون حقيقة ما أعدّ الله لكم من الهوان والعذاب. وقالت أولاهم التي سنت الكفر ومنهاج الضلالة لأخراهم التي مضت على ذلك السبيل: فما كان لكم علينا من فضل، فقد ضللتم كما ضللنا، ومن ثم فقد نالكم ما نالنا من النكال والهوان، وقال الله لجميعهم: فذوقوا جميعكم أيها الكفرة عذاب جهنم بما كنتم تكسبون من الذنوب والمعاصي والآثام. إن الذين كذبوا بآياتنا وحججنا واستكبروا عن عبادتنا لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا خرجت من أجسادهم - كما هو شأن المؤمنين تفتح لهم أبواب السماء حتى يستقبلهم ربهم - ثم لا يدخل هؤلاء - أهل التكذيب - الجنة أبدًا، كما لا يلج الجمل في ثقب الإبرة أبدًا - وهذا جزاء المجرمين المشركين. يمهد لكم من فرش النار مضاجع وبسطًا ومقاعد، ويظلهم لهب الجحيم من فوقهم، وهذه هي منازل الظالمين في الآخرة.\nفقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فمن أخطأ فعلًا، وأجهلُ قولًا، وأبعد ذهابًا عن الحق والصواب، ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، يقول: ممن اختلق على الله زُورًا من القول، فقال إذا فعل فاحشة: إن الله أمرنا بها، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾، يقول: أو كذب بأدلته وأعلامه الدالة على وحدانيته ونبوة أنبيائه، فجحد حقيقتها ودافع صحتها).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال السدي: (ما كتب لهم من العذاب). وقال الحسن: (﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، قال: من العذاب).","vol":"3","page":152},{"text":"٢ - وقال سعيد: (من الشِّقوة والسعادة). وقال مجاهد: (كشقي وسعيد).\nوقال أيضًا: (ما كتب لهم من الشقاوة والسعادة). وقال: (ما قد سبق من الكتاب). وقال: (قوم يعملون أعمالًا لا بُدَّ لهم من أن يعملوها).\n٣ - وقال ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، يقول: نصيبهم من الأعمال، من عمل خيرًا جُزِيَ به، ومن عمل شرًا جزي به). وقال مجاهد: (من أحكام الكتاب، على قدر أعمالهم). وقال قتادة: (ينالهم نصيبهم في الآخرة من أعمالهم التي عملوا وأسلفوا).\n٤ - وقال الضحاك: (﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر).\n٥ - وقال ابن عباس: (ينالهم ما كتب عليهم. يقول: قد كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسوَدٌّ).\n٦ - وقال الربيع بن أنس: (﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، مما كتب لهم من الرزق).\nوقال القرظي: (عمله ورزقه وعمره). وقال ابن زيد: (من الأعمال والأرزاق والأعمار، فإذا فني هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم، وقد فرغوا من هذه الأشياء كلها).\nقلت: وبالجمع بين هذه الأقوال يكون المعنى: أولئك ينالهم نصيبهم مما مضى وسبق في علم الله وكتبه في اللوح المحفوظ من سيرهم على منهاج أهل الشقاوة، واستمتاعهم بما قسم لهم من الأرزاق والأيام بشهواتهم التي أطلقوها في الغي والضلال، ثم في الآخرة ينزل بهم نصيبهم من العذاب والنكال.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.\nأي: إن لحظات الغرغرة وصعود الروح هي بداية نزول العذاب المكتوب عليهم بعد فوات الحياة الدنيا وضياع العمر في الكبر والضلال، فإذا ما نزلت ملائكة العذاب وتبعهم ملك الموت لقبض الروح أيقنوا - حين سألوهم أين ما كنتم تعبدون وتدعون من دون الله لينقذوكم من ورطتكم هذه وأليم ما أنتم قادمون عليه - أنهم كانوا كافرين وقد فات العمر ومضى.","vol":"3","page":153},{"text":"وقوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾.\nيقول جل ذكره: ادخلوا مع أمم أمثالكم قد سلفت قبلكم من الجن والإنس هي اليوم في النار، فأنتم اليوم تشركونها في المصير كما شركتموها في السبيل، كلما دخلت النار جماعة شتمت من سبقها ومن سنَّ ذلك الضلال من أهل ملتها.\nقال السدي: (﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، يقول: كلما دخل أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الدين، يلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة الأولى).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾.\nأي: اجتمع فيها أهل الملة الواحدة من ملل الكفر - أولهم وآخرهم.\nوقوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال السدي: (﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾، الذين كانوا في آخر الزمان، ﴿لِأُولَاهُمْ﴾، الذين شرعوا لهم ذلك الدين، ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾).\nوقال مجاهد: (﴿عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، مُضَعَّف). وقال السدي: (﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، للأولى، وللآخرة ضعف).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nأي: قدْر ما أعدّ الله لكم من الهوان والنكال والعذاب.","vol":"3","page":154},{"text":"وقوله: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾.\nقال السدي: (فقد ضللتم كما ضللنا).\nوقال أبو مجلز: (يقول: فما فضْلكم علينا، وقد بين لكم ما صنع بنا، وحُذِّرتم).\nوقال مجاهد: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، قال: من التخفيف من العذاب).\nقلت: فيُحمل قول مجاهد على قول السدي وأبي مجلز ويُجْمَعُ بين القولين: بأن أولاهم قد صرحت لأخراهم - أثناء المحاورة بين أهل الأحزاب والملل الكافرة في النار - بأنه لم يكن لكم أي سبق أو فضل علينا وقد أشركتمونا في سبيل الضلال، ومضيتم عليه كما مضينا، وقد كان يسعكم أن تعتبروا بما نالنا وتستأنفوا حياة جديدة في طاعة الله وحده لا شريك له، وفي ركل منهاج الآباء في الشرك والضلال، أمَا ولم تفعلوا، فأنتم ونحن في مصير واحد، ولِمَ يُخفَّفُ عنكم من العذاب! . ولذلك أجاب الله الفريقين بقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.\nفي مفهوم الآية أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (عُني بها الكفار، أنّ السماء لا تفتح لأرواحهم، وتفتح لأرواح المؤمنين).\n٢ - وقال ابن جريج: (لا تفتح لأعمالهم، ولا لأرواحهم).\n٣ - وقال مجاهد: (لا يصعد لهم كلام ولا عمل). والأول أرجح.\nفقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: [خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولَمَّا يُلْحَد. فجلس رسول الله - ﷺ - وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر - مرتين أو ثلاثًا - ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حَنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.","vol":"3","page":155},{"text":"قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخَذَها لم يَدَعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحَنُوط. ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجِدَت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون - يعني بها - على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عِلّيين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فتعاد روحُه: فيأتيه مَلَكان فيجلسانه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - ﷺ - فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتابَ الله فآمنتُ به وصدَّقتُ. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مَدّ بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرُّك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.\nقال: وإن العبد الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مَدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فَتُفَرق في جسده، فينتزعها كما يُنْتَزَعُ السَّفُودُ (١) من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذا لم يَدَعُوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى يُنْتَهى به إلى السماء الدنيا، فَيُسْتَفْتَحُ له، فلا يُفْتَحُ. ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض\n_________\n(١) السفود: السِّيخ، حديدة يشوى بها.","vol":"3","page":156},{"text":"السفلى. فتُطرَحُ روحُه طَرْحًا، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. فتُعاد روحُه في جسده. ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فينادي منادٍ من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويُضَيَّىقُ عليه قبرُه حتى تختلف فيه أضلاعُه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنْتِنُ الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك. هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تُقِم الساعة] (١).\nوقوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾.\nقال الحسن البصري: (حتى يدخل البعير في خُرْق الإبرة). وهذه قراءة الجمهور، وهناك قراءة: \"الجُمَّلُ\" - يعني الحبل الغليظ في خُرم الإبرة، والقراءة الأولى أشهر وهي قراءة قراء الأمصار.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وكذلك نثيب الذين أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة).\nوقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾.\nقال الضحاك: (المهاد: الفرش، والغواشي: اللُّحْف). وقال السدي: (أما ﴿المهاد﴾ كهيئة الفراش، و﴿الغواشي﴾، تتغشاهم من فوقهم). أي: فرشهم من النار، وأغطيتهم من النار، والعياذ بالله من حال أهل النار.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\nأي: كذلك نثيبهم في مستقرهم لقاء تكذيبهم الرسل وجحود الحق.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وأخرجه أبو داود في السنن (٤٧٥٣)، والبيهقي في \"إثبات عذاب القبر\" (٢٠ - ٢٧)، وصححه الحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠) ووافقه الذهبي. وأقره الألباني. انظر \"أحكام الجنائز\" ص (١٥٧) لرواياته المفصلة المختلفة.","vol":"3","page":157},{"text":"٤٢ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره: والذين أقاموا منهج الإيمان والعمل الصالح - ولا نكلف نفسًا من الأعمال إلا ما يسعها - أولئك هم أهل الخلود في جنات النعيم. وقد أذهبنا من صدورهم يومئذ كل ما اعتراها من حقد أو عداوة أو حظ نفس، فهم اليوم تغمرهم الأخوة والمحبة على سرر متقابلين تجري من تحتهم الأنهار، وقد حمدوا الله سبحانه على ما وفقهم له من الكرامة والفضل الذي ما كانوا ليهتدوا له لولا فضل الله عليهم ومنه وكرمه، وأقروا بمجيء الرسل للناس بالحق فآمن المؤمنون وكذب الكافرون، وناداهم مناد يومئذ: هذه الجنة التي أورثكموها ربكم بإيمانكم وطاعتكم وإحسانكم.\nفقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ كلام معترض. أي: والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون).\nقال ابن جرير: (﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، يقول: لا نكلف نفسًا من الأعمال إلا ما يسعها فلا تحرج فيه).\nوقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَار﴾.\nإخبار بتصفية ما في نفوسهم، والأنهار تجري من تحتهم.\nقال الضحاك: (﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾، قال: العداوة). وقال قتادة: (هي الإِحَن).\nقال القاسمي: (أي: نخرج من قلوبهم أسباب الحقد والحسد والعداوة، أو نطهّرها","vol":"3","page":158},{"text":"منها، حتى لا يكون بينهم إلا التوادّ والتعاطف. وصيغة الماضي للإيذان بتحققه وتقرّره).\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: [إذا خَلَصَ المؤمنون من النار حُبِسوا بِقَنْطَرَةٍ بين الجنة والنار، فيتقاصُّون مظالمَ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقُّوا وَهُذِّبوا أُذِنَ لهم بدخول الجنة، فوالذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيده، لأَحَدَهُمْ بِمَسْكَنِهِ في الجنة أدَلُّ بمنزله كان في الدنيا] (١).\nوقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.\nأخرج الإمام أحمد والنسائي والحاكم - بسند حسن - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كلُّ أهل الجنة يرى مَقْعَدَه من النار، فيقول: لولا أنّ الله هداني، فيكون له شُكرٌ، وكُلُّ أهل النار يرى مقعَدَه من الجنةِ، فيقول: لو أنَّ الله هداني، فيكونُ عليه حسرة] (٢).\nوقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾.\nقال النسفي: (﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فكان لطفًا لنا وتنبيهًا على الاهتداء فأهدينا، يقولون ذلك سرورًا بما نالوا وإظهارًا لما اعتقدوا).\nوقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: قيل لهم: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا، أي: قيل لهم: هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها، أو يقال لهم ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد. قال: ومعنى ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله. كما قال: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٠]. وقال: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥]).\nقال ابن كثير: (أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة، وتبوأتم منزلكم بحسب أعمالكم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤٠) - كتاب المظالم. باب قِصاص المظالم، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٥٤)، وأبو يعلى (١١٨٦)، وابن حبان (٧٤٣٤)، والبغوي في \"التفسير\" (٩٢١).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٥١٢)، والحاكم (٢/ ٤٣٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٤٥٤).","vol":"3","page":159},{"text":"قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا كان يومُ القيامة، دَفعَ الله ﷿ إلى كُلِّ مُسْلِمٍ، يَهوديًا أو نصرانِيًّا، فيقول: هذا فِكاكُكَ من النار] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه في السنن بسند صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما مِنْكُم مِنْ أحَدٍ إلا له مَنْزِلان: مَنْزِلٌ في الجنة، ومَنْزِلٌ في النار. فإذا مات، فَدَخَلَ النارَ، وَرِثَ أهل الجنة مَنْزِلَه. فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لن يُنَجِّيَ أحدًا منكم عَمَلُهُ. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدَني الله برَحْمَةٍ. سَدِّدُوا وقاربوا، واغْدوا وروحوا، وشيئًا من الدُّلْجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلغُوا]. هذا لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم: [لن يُدْخِلَ أحدًا منكم عَمَلُهُ الجنة. قالوا: ولا أنت؟ يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه بِفَضْلٍ ورحْمة] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا. وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا. وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا. وإن لكم أن تنعموا فلا تَبْأسوا أبدًا. فذلك قوله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾] (٤).\n٤٤ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٦٧) - كتاب التوبة. وأخرجه ابن حبان (٦٣٠)، والطيالسي (٤٩٩). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٣٤١) - باب صفة الجنة - وهو آخر حديث صحيح في سننه. انظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٥٠٣)، ورواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (١/ ٢٦٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦)، وأحمد (٢/ ٣٨٦)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢١٤٠) - كتاب التفسير - سورة الأعراف، آية (٤٣).","vol":"3","page":160},{"text":"حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله تعالى أن أهل الجنة ينادون أهل النار بعد دخولهموها: يا أهل النار إنا وجدنا صدق ما وُعدنا به في الدنيا في التنزيل وعلى لسان الرسل، من جزيل الثواب على الإيمان بالله والتصديق برسله واتباعهم، فهل وجدتم أنتم ما وعد ربكم على ألسنة رسله على الكفر والمعصية من العقاب وأليم العذاب؟ فأجابهم أهل النار: بأنْ نعم، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فنادى مناد بينهم أن غضب الله وسخطه وعقوبته على من كفر به، وصد عن سبيله، وحاول تحريف استقامة شرعه وتشويه معالم الحق والدين الحنيف، ثم هم لقيام الساعة والبعث والحشر والثواب والعقاب فيها جاحدون.\nفعن السدي: (﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾، قال: وجد أهل الجنة ما وُعدوا من ثواب، وأهلُ النار ما وُعِدوا من عقاب).\nو\"أنْ\" في الآية للتفسير، فهي مفسّرة للقول المحذوف، و\"قد\" للتحقيق، والتقدير: قالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا. والخطاب على وجه التقريع والتوبيخ، وهو أحد أشكال شفاء الله صدور المؤمنين في الآخرة، مما لاقوه من إجرام الطغاة في الدنيا.\nوقد وَرَدَ نحو هذا اللفظ في كلام النبي - ﷺ - لأهل بدر من قتلى المشركين، الذين آذوه بمكة والمؤمنين، وبسطوا ألسنتهم وأيديهم بالسوء أيام الكبر والغرور بمكة.\nففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك: [أنّ رسول الله - ﷺ - تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: يا أبا جَهْلِ بنَ هشامٍ! يا أميَّة بنَ خَلَف! يا عتبة بن ربيعة! يا شَيْبَة بنَ ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعَدَكم ربُّكم حَقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعَدَني ربي حقًا. فسمع عُمَرُ قولَ النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيفَ يَسْمَعوا وأنّى يُجيبوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قال: والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم","vol":"3","page":161},{"text":"لا يقدرون أن يُجيبوا. ثم أُمِرَ بهم فَسُحِبوا، فَأُلْقُوا في قليب بَدْر] (١).\nقال قتادة: (أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونِقْمَةً وحسرة وندمًا) (٢).\nوبنحو هذا الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، ذكر الله تعالى أخبارًا أخرى مشابهة تكون بعد دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ففي التنزيل:\n١ - قال تعالى في سورة الصافات - عن الرجل الذي كان له قرينٌ من الكفار -: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾. ينكر عليه مقالته التي كان عليها، ويقرعه على المصير الذي آل إليه ونجاه الله منه.\n٢ - وقال تعالى في سورة الطور - عن تقريع الملائكة الكفار -: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.\nوقوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فنادى مناد، وأعلم مُعْلِمٌ بينهم، ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، يقول: غضب الله وسخطه وعقوبته على من كفر به).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾.\nهو وصف لحال أولئك الظالمين.\nقال ابن كثير: (أي: يصدون الناس عن اتباع سبيل الله ورسوله وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾، أي: وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون، أي: جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به. فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكرٍ من القول والعمل، لأنهم لا يخافون حسابًا عليه ولا عقابًا، فهم شر الناس أعمالًا وأقوالًا)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٧٤) - كتاب الجنة ونعيمها. وأخرجه ابن حبان (٦٤٩٨).\n(٢) رواه البخاري. انظر صحيح البخاري (٣٩٧٦) - كتاب المغازي. وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٥٩٥ - ٥٩٦) لمزيد من التفصيل في شأن قتلى المشركين يوم بدر.","vol":"3","page":162},{"text":"٤٦ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن سور أو حاجز بين الجنة والنار وهو الأعراف، يقف عليه يوم الحساب رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم أو خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهم يعرفون رجالًا مشهورين من أهل النار، ومن أهل الجنة، فإذا رأوا أهل الجنة نادوهم ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، وهم محبوسون بأعمالهم المختلفة، ويطمعون بدخول الجنة. وإذا ذهبت أبصارهم نحو أصحاب النار استعاذوا بالله من اشتراكهم في ذلك المصير. ثم نادى أصحاب الأعراف رجالًا طغاة استقروا في النار وعرفوهم بسيماهم فقالوا: ما الذي نفعكم مما كنتم عليه في الدنيا من الطغيان والجند والأبهة والعظمة المصطنعة والكبر؟ أهؤلاء - أهل الإيمان الذين كانوا غرباء مستضعفين في الدنيا - الذين زعمتم أنهم مطرودون من رحمة الله؟ فإذا هم اليوم ينعمون في جنات النعيم، وأنتم أهل الملك والرياسة والحكم والطغيان تشقون اليوم في دركات الجحيم. فلما سمع الله هذا الحوار امتن على أصحاب الأعراف برحمته فقال لهم: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.\nفقوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾.\nقال السدي: (وهو السور، وهو الأعراف).\nوقوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾.\nقال مجاهد: (الأعراف: حجاب بين الجنة والنار).\nوفي التنزيل: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [لحديد: ١٣].","vol":"3","page":163},{"text":"والأعراف لغة: جمع عُرْف. وهو كل مرتفع من الأرض، وإنما قيل لعُرْفِ الديك \"عرف\" لارتفاعه على ما سواه من جسده. وبنحوه قال أهل التفسير:\n١ - فعن ابن عباس: (يقول: \"الأعراف\"، هو الشيء المشرف). وقال: (سور كعرف الديك).\n٢ - وعن مجاهد: (الأعراف: حجاب بين الجنة والنار، سور له باب).\n٣ - وعن عبيد الله بن أبي يزيد: أنه سمع ابن عباس يقول: (إن الأعراف تَلٌّ بين الجنة والنار، حُبِسَ عليه ناسٌ من أهل الذنوب بين الجنة والنار).\nوكان السدي يقول: (إنما سمي \"الأعراف\" أعرافًا، لأن أصحابه يعرفون الناس). والتأويل الأول أشهر عند المفسرين، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nوفي تحديد أهل الأعراف أقوال عند المفسرين:\n١ - القول الأول: هم قوم من بني آدم، استوت حسناتهم وسيئاتهم، فجعلوا هنالك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم.\nفعن الشعبي، عن حذيفة: أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: (هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلّفت بهم حسناتهم عن النار. قال: فوُقِفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم) - ذكره بسنده ابن جرير.\nوفي رواية: (أصحاب الأعراف، قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار، وهم آخر من يدخل الجنة، قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار).\nوفي رواية أخرى: قال حذيفة: (أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فهم على سور بين الجنة والنار: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾).\n٢ - القول الثاني: هم قوم كانوا قتلوا في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا. فعن شرحبيل بن سعد قال: (هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم).\n٣ - القول الثالث: قيل: بل هم قوم صالحون فقهاء علماء.\nفعن مجاهد قال: (أصحاب الأعراف، قوم صالحون فقهاء علماء).\n٤ - القول الرابع: قيل: بل هم ملائكة، وليسوا ببني آدم.","vol":"3","page":164},{"text":"فعن أبي مجلز قال: (أصحاب الأعراف، الملائكة).\nقلت: أما القول الرابع فمرفوض، لقوله تعالى ﴿عَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾. ولو كان المراد الملائكة لصُرّح بذلك. والقول الثالث والثاني تخالفه السنة الصحيحة، ويبقى القول الأول هو المشهور عند المفسرين.\nوقوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يعرفون أهل النار بسواد الوجوه، وأهل الجنة ببياض الوجوه). وقال مجاهد: (الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنة مبيَضَّة وجوههم).\nوقوله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (وإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم: ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، قال الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.\nوقال الحسن: (والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة يريدها بهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾.\nقال ابن جرير: (﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾، من أهل الأرض، ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾، سيما أهل النار، ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾، ما كنتم تجمعون من الأموال والعَدَد في الدنيا، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، يقول: وتكبُّركم الذي كنتم تتكبرون فيها).\nوقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾.\nقال القرطبي: (﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ﴾ إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء، كبِلال","vol":"3","page":165},{"text":"وسَلْمان وخبّاب وغيرهم. ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ في الدنيا. ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ﴾ في الآخرة. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ يوبخونهم بذلك).\nوقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (إن الله أدخل أصحاب الأعراف الجنة لقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾).\nوقيل غير ذلك، والراجح ما ذكرت، وهو متناسب مع السياق، والله تعالى أعلم.\n٥٠ - ٥١. قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله جلت عظمته عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة عند اشتداد الألم والعطش والجوع بهم من هول ما نزل بهم مقابل شركهم بالله وكفرهم بدينه وتحكيم شهواتهم وأهوائهم، ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا﴾ شيئًا من الطعام والشراب مما رزقكم الله، فأجابهم المؤمنون: إن الله قد حرّم ذلك على الكافرين. الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا واستهزؤوا وسخروا بالإيمان وأهل الإيمان، وعاشوا في غرور تلك الحياة الدنيا الفانية، يقول الله: فاليوم نتركهم في العذاب كما تركوا الدين الحق وأنكروا يومهم هذا وكانوا بآياتنا كافرين.\nقال ابن زيد: (﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، قال: يستطعمونهم ويستسقونهم).\nوقال السدي: (﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: من الطعام).\nقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير، في ابن عباس: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، قال: ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول: قد احترقت، أفض","vol":"3","page":166},{"text":"علي من الماء. فيقال: أجيبوهم! فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾). قال ابن زيد: (طعام أهل الجنة وشرابُها).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.\nأي: كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا واستهزؤوا، وخدعهم عاجل ما هم فيه من العيش والرخاء وتداعي الحياة الدنيا عليهم بزينتها.\nقال ابن عباس: (﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾، الآية، قال: وذلك أنهم كانوا إذا دُعوا إلى الإيمان سخِروا ممن دعاهم إليه وهزئوا به، اغترارًا بالله).\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾.\nقال مجاهد: (نسوا في العذاب). وقال: (نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا). وقال أيضًا: (نتركهم في النار).\nوقوله: ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾.\nقال ابن عباس: (نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا). وقال: (نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر). وقال مجاهد: (نؤخرهم في النار).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تُضَارُّون في رؤية الشمس في الظهيرة، لَيْسَتْ في سَحَابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلةَ البَدْر، ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده! لا تضارُّون في رؤية ربكم إلا كما تُضارُّون في رؤية أحدهما. قال: فَيَلْقَى العَبْدَ فيقول: أي فُلْ (١)! أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لكَ الخَيْلَ والإبلَ، وأَذَرْكَ تَرْأسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أنك مُلَاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنْسَاك كما نسيتني (٢)، ثم يَلْقَى الثاني فيقول: أيْ فُلْ! أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ والإِبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى، يا رب! فيقول: أَفَظَنَنْتَ أنك ملاقِيَّ؟ قال: فيقول: لا، فيقول: إني أنْسَاكَ كما نسيتني، ثم يلقى الثالثَ فيقول له مِثْلَ ذلكَ، فيقولُ: يا رب! آمَنْتُ بِكَ\n_________\n(١) معناه يا فلان، وهو ترخيم على خلاف القياس. وقيل: هي لغة بمعنى فلان حكاها القاضي.\n(٢) وفي رواية أخرى. \"فاليوم أنساك كما نسيتني\".","vol":"3","page":167},{"text":"وبكتابِكَ وبِرُسُلِكَ وصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ، ويُثْني بِخَيْر ما استطاع، فيقول: ها هنا إذن. قال: ثُم يقال له: الآن نَبْعَثُ شاهِدَنا عليكَ، وَيَتَفَكَّرُ في نفسه: مَنْ ذا الذي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ على فيه، وَيُقال لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وعِظامه: انطِقي، فتنطِقُ فَخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظَامُهُ بعَمَلِهِ، وذلك لِيُعْذِرَ من نفسه. وذلك المنافق، وذلك الذي يَسْخَطُ الله عليه] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.\nأي: يكذبون وينكرون ولا يصدقون.\n٥٢ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: ولقد جئنا هؤلاء الكفار - يا محمد - بالقرآن أنزلناه إليك مفصلًا على علم منا بحقٍّ فصلناه فيه لنميز به الباطل، ليكون هداية ورحمة لقوم يؤمنون. هل ينتظر هؤلاء المشركون ما يؤول إليه أمرهم من ورودهم العذاب، فإنه يوم يجيء ما يؤول إليه أمرهم من عقاب الله يقول الذين فرطوا وضيعوا من قبل ذلك في الدنيا، لقد أتتنا رسل الله بالرسالة والنذارة، فهل لنا من أصدقاء وأولياء ليشفعوا لنا اليوم للنجاة من أهوال ما نرى من العذاب، أو نرد إلى الدنيا لنصلح العمل والمنهج ونعبد الله لا نشرك به شيئًا، لقد أفلسوا اليوم وخسروا الصفقة، وَأُهينت أنفسهم بالعذاب، وحاد عنهم أولياؤهم الذين كانوا يزعمون افتراء أنهم أربابهم من دون الله.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾.\nيعني القرآن بيناه ليعرفه من تدبره، فهو كتاب مفصَّل مبين. فيه بيان لكل ما يتعلق بالإنسان والكون والحياة، وفيه خبر قصة الخلود في الآخرة - فريق في الجنة وفريق في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٦٨) - كتاب الزهد. وأحمد (٢/ ٤٩٢)، وابن حبان (٧٤٤٦).","vol":"3","page":168},{"text":"السعير. ليكون بمنهاجه المتكامل إعذارًا من الله تعالى إلى الناس بالكتاب والرسل. وقيل: ﴿فَصَّلْنَاه﴾ أنزلناه متفرقًا. والأول أرجح ويشمل الثاني.\nكما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].\nوقوله: ﴿على علم﴾.\nأي: على علم منا بما فصلناه به. كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ. . .﴾ [النساء: ١٦٦]. فهو كتاب محكم التفصيل لم يقع فيه سهو ولا لغط.\nوقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال الزجاج: (أي: هاديًا وذا رحمة). قال القرطبي: (فجعله حالًا من الهاء التي في ﴿فصلناه﴾). ثم قال: (﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، خُصَّ المؤمنون لأنهم المنتفعون به).\nوقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾.\nأي: هل ينتظرون إلا تحقق وعده ووعيده، ونزول العقاب وفتح الحساب. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ - أي: يوم يجيء ما يؤول إليه حالهم من حلول النقمة والعذاب. ومن أقوال المفسرين:\n١ - قال مجاهد: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، قال: جزاءه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾، قال: جزاؤه).\n٢ - وقال قتادة: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، أي: ثوابه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾، أي: ثوابه). أو قال: (عاقبته).\n٣ - وقال السدي: (أما ﴿تَأْوِيلُهُ﴾، فعواقبه، مثل وقعة بدر، والقيامة، وما وعد فيها من موعد).\n٤ - وقال الربيع بن أنس: (فلا يزال يقع من تأويله أمرٌ بعد أمر، حتى يتم تأويله يوم القيامة).\nوقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾.\nفعن مجاهد: (﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾، قال: أعرضوا عنه). وقال السدي: (أما","vol":"3","page":169},{"text":"﴿الَّذِينَ نَسُوهُ﴾، فتركوه، فلما رأوا ما وعدهم أنبياؤهم، استيقنوا فقالوا: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾).\nوقوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.\nاستفهام فيه معنى التمني. ﴿فَيَشْفَعُوا﴾ نصب لأنه جواب الاستفهام - ذكره القرطبي.\nقال ابن جرير: (قال هذا القول المساكين هنالك، لأنهم كانوا عهدوا في الدنيا أنفسهم لها شفعاء تشفع لهم في حاجاتهم، فيذكروا ذلك في وقت لا خُلة فيه لهم ولا شفاعة).\nوأما تمنيهم الرجعة إلى الدنيا لاستئناف العمل الصالح وما يرضي الله فقد كذبهم الله في نياتهم في موضع من القرآن، وأكد قضاءه بعدم الرجوع بعدما حصل الإعذار في موضع آخر:\n١ - قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n٢ - وقال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُم النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.\nوقوله: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nقال القاسمي ﵀: (﴿قد خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، بصرف أعمالهم في الكفر ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ذهب عنهم ما كانوا يفترون من أن معبوديهم شفعاؤهم عند الله، وعلموا أنهم كانوا في دعواهم كاذبين).\n٥٤ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا","vol":"3","page":170},{"text":"وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جلت عظمته: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن في ستة أيام ثم علا على العرش، يتابع على عباده ويعاقب بين الليل والنهار، يطلب كل واحد منهما الآخر على إثره سريعًا، والشمس والقمر والنجوم تحت تسخيره وتصريفه، وهي مقهورة بأمره، ألا له الخلق والتصرف، فتعالى الله رب العالمين. ادعوا ربكم أيها الناس تذللًا واستكانة لطاعته سرًا لا جهارًا إنه - تعالى - لا يحب الاعتداء في الدعاء بصياح أو نداء. واحذروا الفساد في الأرض وإلحاق الضرر بعد إصلاحها، وتوجهوا بكل أموركم إلى ربكم خوفًا منه وطمعًا في رحمته وجنته، وَرَحمتُهُ سبحانه مرصدة للمحسنين. والله سبحانه هو الذي يرسل الرياح مبشرات بين يدي المطر، حتى إذا حملت الرياح سحابًا - ثقيلةً قريبة من الأرض لكثرة ما فيها من الماء - ساقه الله لأرض مجدبة فأحيا بها النبات وأخرجه، وكذلك يخرج سبحانه الأجساد من قبورها يوم القيامة - لعلكم تتفكرون. إن الأرض السبخة لا يخرج نباتها إلا نكدًا - قليلًا لا ينفع - وأما الأرض الطيبة فتعطي ألوان الثمار والنبات والأزهار المختلفة، وكذلك القلوب: فالقلب المؤمن انتفع بالقرآن فأصدر أشعة الإيمان والإحسان، والقلب الكافر لم ينتفع بالقرآن فخبث وأصدر أشعة المكر والسوء والإجرام. وهذه المواعظ لا ينتفع بها إلا القوم الشاكرون.\nفقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: [أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبَثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخرِ","vol":"3","page":171},{"text":"الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).\nقال الحافظ ابن كثير في صفة هذه الأيام: (فالجمهور على أنها كأيامنا هذه).\nوقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾\nأي: علا واستعلى فله العلو والفوقية.\nوالاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. والعرش: أعظم مخلوقات الله ﷿. قال ابن جرير: (﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ. .﴾ [فصلت: ١١]: ثم ارتفع إلى السماء). أي: بلا تكييف ولا تمثيل. وأدلة العلو في القرآن كثيرة، منها:\n١ - قال سبحانه في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. قال مجاهد: (استوى: علا).\n٢ - قال تعالى في سورة طه: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.\n٣ - قال جل ذكره في سورة فصلت: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.\n٤ - وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه. .﴾.\n٥ - وقال في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾.\n٦ - وقال في سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\n٧ - وقال في سورة فاطر: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.\n٨ - وقال في سورة الملك: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٨٩) - كتاب صفات المنافقين، باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇. والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٢٧٥ - ٢٧٦)، ورواه أبو يعلى في مسنده (١/ ٢٨٨)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٢٧)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٨٣٣) لرد شبه من تكلم فيه وحاول إعلاله. وأنه يكفي في صحته أن ابن معين رواه ولم يُعله بشيء.","vol":"3","page":172},{"text":"أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾.\n٩ - وقال في سورة المعارج: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾\n١٠ - وقال في سورة غافر: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا. . .﴾.\nقلت: ومن ثمَّ فمن شك أن الله في السماء اليوم، فقد تشبه بطريقة فرعون.\nقال ابن جرير- شيخ المفسرين - ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ أي: وإني لأظن موسى كاذبًا فيما يقول ويدعي من أن له في السماء ربًا أرسله إلينا).\nوقال الإمام الجويني - أبو محمد والد إمام الحرمين -: (وهذا يدل على أن موسى أخبره بأن ربه تعالى فوق السماء، ولهذا قال: وإني لأظنه كاذبًا) (١).\nوقال الإمام مالك ﵀: (الاستواء معلوم - يعني في اللغة، والكَيْفُ مجهول، والسؤال عن هذا بدعة).\nقال ابن كثير: (وإنما يُسلك في هذا المقام مذهبُ السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل الأمر كما قال الأئمة - منهم نُعيم بن حَمَّاد الخزاعي شيخُ البخاري -: من شَبَّهَ الله بخلقه فقد كفر، ومن جَحَدَ ما وصف الله به نفسه فقد كفر. وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسولُه تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وَرَدَتْ به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونَفَى عن الله تعالى النقائص، فقد سَلَك سبيل الهدى).\nقلت: وفي السنة الصحيحة إثبات علو الله على عرشه في أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن أنس: أن زينب بنت جحش كانت تفخر على\n_________\n(١) انظر مختصر العلو ص (٨٠). وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٧٣ - ٢٠٥) لتفصيل البحث.","vol":"3","page":173},{"text":"أزواج النبي - ﷺ - تقول: [زَوَّجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات].\nوفي لفظ: [إن الله أنكحني في السماء].\nوفي لفظ: [زوجنيك الرحمن من فوق عرشه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - في حديث الشفاعة -: [فنأتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فأقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فيفتح لي فآتي ربي ﷿ على كرسيه أو سريره فأخر له ساجدًا، فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي] (٢).\nوبنحوه في الصحيح للبخاري من حديث أنس، وفي غير الصحيح بلفظ: [فأدخل على ربي وهو على عرشه ﵎].\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لما خلق الله الخلق كتب في كتاب كتبه على نفسه فهو مرفوع فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي] (٣). ولأصله شواهد في الصحيحين.\nوفي رواية: (فهو عنده فوق العرش).\nقلت: لقد أثبت الله سبحانه لنفسه الاستواء على العرش، وهو استواء يليق بجلاله وكماله، وهو سبحانه غير محتاج إلى العرش ولا إلى الكرسي، وإنما ذكر العرش في القرآن وهو أعظم مخلوقاته، وكذلك جاء في السنة الصحيحة.\nأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٤).\nشبه ورد:\n١ - بطلان تأويل \"استوى\" بـ (استولى):\n_________\n(١) حديث صحيح. ذكره البخاري في \"التوحيد\"، والترمذي (٢/ ٢١٠)، وأحمد (٣/ ٢٢٦)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند الإمام أحمد (١/ ٢٨١ - ٢٨٢)، ومختصر \"العلو\" للذهبي - ص (٨٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٢٧١)، وأخرجه أحمد (٢/ ٤٣٣)، وابن ماجه (٤٢٩٥).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١/ ١١٤)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص (٢٩٠). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٩).","vol":"3","page":174},{"text":"قال الإمام عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ، صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى، في كتاب \"الرد على الجهمية\": (زعمت الجهمية أن معنى استوى \"استولى\" من قول العرب: استوى فلان على مصر، يريدون استولى عليها. قال: فيقال له: هل يكون خلقٌ من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر أنه سبحانه خلق العرش قبل السماوات والأرض، ثم استولى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستولٍ عليه فيها).\n٢ - بطلان دعوى الجهمية - الله في كل مكان -:\nقال الإمام أحمد - في كتابه الرد على الجهمية -: (وقلنا للجهمية: زعمتم أن الله في كل مكان، لا يخلو منه مكان، فقلنا لهم: أخبرونا عن قولِ الله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا. . .﴾ [الأعراف: ١٤٣]. لِمَ تَجَلّى، إذا كان فيه بزعمكم؟ ولو كان فيه، كما تزعمون، لم يكن يتجلى لشيء. لكن الله تعالى على العرش، وتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئًا لم يكن يراه قط قبل ذلك.\nوقلنا للجهمية: الله نور؟ فقالوا: نور كله. فقلنا: قال الله ﷿: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا. . .﴾ [الزمر: ٦٩]. فقد أخبر جل ثناؤه أن له نورًا، قلنا: أخبرونا، حين زعمتم أن الله في كل مكان، وهو نور، فلم لا يضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه إذا زعمتم أن الله في كل مكان؟ وما بال السراج إذا أدخل البيت المظلم يضيء؟ فعند ذلك تبين كذبهم على الله. فرحم الله من عقل عن الله، ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة، وقال بقول العلماء، وهو قول المهاجرين والأنصار، وتَرَك دين الشيطان، ودين جهم وشيعته).\n٣ - مفهوم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ. . .﴾ [الأنعام: ٣]. أي: إله من في السماوات، وإله من في الأرض.\nقال الإمام أحمد - في الرد على الجهمية -: (ومما أنكرت الجهمية الضُّلال أن يكون الله سبحانه على العرش، فقلنا: لِمَ أنكرتم ذلك؟ إن الله سبحانه على العرش، وقد قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]. قالوا: هو تحت الأرضين السابعة كما هو على","vol":"3","page":175},{"text":"العرش، فهو على العرش، وفي السماوات، وفي الأرض، وفي كل مكان، لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. وتلوا آيات من القرآن ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾. فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة، وليس فيها من عظمة الله شيء، فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أحشاؤكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب سبحانه شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ. . (١٦)﴾ الآية - وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾، وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ - فهذا أخبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾. وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس كان مكانه، والشياطين مكانَهم؟ فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس، ولكن إنما معنى قوله ﵎: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يقول: هو إله من في السماوات، وإله من في الأرض، وهو على العرش! وقد أحاط بعلمه ما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، وذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.\nقال: ومن الاعتبار في ذلك: لو أن رجلًا كان في يده قدح من قوارير صافي، وفيه شيء، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله سبحانه - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه، من غير أن يكون في شيء من خلقه. وخصلة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار. فالله سبحانه - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه، وقد علم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق).\nوقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾.\nقال ابن عباس: (﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، يقول: سريعًا). وقال السدي: (﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، قال: يغشي الليل النهار فيذهب بضوئه، ويطلبه سريعًا حتى يدركه). قال ابن كثير: (أي: يَذْهب ظلامُ هذا بضياء هذا، وضياءُ هذا بظلام هذا،","vol":"3","page":176},{"text":"وكل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، أي: سريعًا لا يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب هذا).\nوفي التنزيل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠].\nوقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾.\nأي: كل هذه المخلوقات العظيمة تحت تصرفه وتسخيره وهي مقهورة بأمره.\nوقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.\nأي: له الملك والتصرف ﷾.\nقال القرطبي: (وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن، إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقًا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق. وذلك عِيٌّ من الكلام ومستهجن ومُسْتَغَثٌّ. والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه). وقال: (فالخلق المخلوق، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله: ﴿كُنْ﴾. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]).\nوقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال الأزهري: (﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتعاظم وارتفع).\nوقيل: إن باسمه يُتَبَرَّكُ ويُتَيَمَّن.\nأخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن عامر بن ربيعة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع لهُ بالبركة، فإن العين حق] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٧)، وأبو يعلى (٧١٩٥)، والحاكم. انظر صحيح الجامع (٥٧٠)، وكتابي: منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن (٣٣٦) - لتفصيل روايات هذا الحديث. وفي بعض الروايات: (علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك برّكت).","vol":"3","page":177},{"text":"وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.\nقال ابن عباس: (السر).\nقال ابن جرير: (﴿تَضَرُّعًا﴾، يقول: تذلُلًا واستكانة لطاعته. ﴿وَخُفْيَةً﴾، يقول: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه، لا جهارًا ومراءاةً، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته، فعل أهل النفاق والخداع لله ولرسوله).\nوفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\nقال عبد الله بن المبارك: عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: (إن كان الرجل لقد جمع القرآن، وما يشعر جارُه. وإن كان الرجل لقد فَقه الفقه الكثير، وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّورُ، وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدًا! ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا فرضي فعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (في الدعاء ولا في غيره).\nوقال ابن جريج: (إن من الدعاء اعتداء، يكره رفع الصوتِ والنداءُ والصياحُ بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود في السنن - بسند صحيح - عن أبي سعيد، قال: [اعتكف رسول الله - ﷺ -، في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السِّتْرَ","vol":"3","page":178},{"text":"وقال: \"ألا إنَّ كُلّكُم مُنَاجٍ رَبَّهُ فلا يُؤذِيَنَّ بعضُكم بَعْضًا، ولا يَرْفَع بعضكم على بَعْضٍ في القراءة\". أو قال: \"في الصلاة\"] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي موسى قال: [كنا مع النبي - ﷺ - في سفر، فجعل الناس يَجْهرون بالتكبير، فقال النبي - ﷺ -: أيها الناس! ارْبَعُوا على أنفسكم، إنكم ليس تَدْعون أَصَمَّ ولا غائبًا، إنكم تَدْعونَه سميعًا قريبًا وهو معكم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله - ﷺ -[الجاهِرُ بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمُسِرِّ بالصدقة] (٣).\nوفي الباب عن ابن عباس قال: (كانت قراءة النبي - ﷺ -، على قَدْر ما يَسْمَعهُ مَنْ في الحجرة، وهو في البيت).\nقال الشافعي في الأم: (وأختار للإمام والمأموم أن يذكر الله بعد الانصراف من الصلاة ويخفيان الذكر، إلا أن يكون إمامًا يجب أن يُتَعلَّم منه فيجهر حتى يرى أنه قد تُعلّم منه، ثم يُسر، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ يعني: والله تعالى أعلم، بالدعاء، ولا تجهر: ولا ترفع، ولا تخافت حتى لا تسمع نفسك. وأحسب ما روى ابن الزبير ﵄ من تهليل النبي - ﷺ - وما روى ابن عباس ﵄ من تكبيره، كما رويناه. قال الشافعي: وأحسبه إنما جهر قليلًا ليتعلم الناس منه، وذلك أن عامة الرواية التي كتبناها مع هذا وغيرها ليس يذكر فيها بعد التسليم تهليل ولا تكبيرٌ، وقد يذكر أنه ذكر بعد الصلاة بما وصفت، ويذكر انصرافه بلا ذكر) (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (١٣٣٢) باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل. انظر صحيح سنن أبي داود (١١٨٣). وانظر \"شعب الإيمان\" للبيهقي (٢/ ٥٤٣)، رقم (٢٦٥٨)، وموطأ مالك (١/ ٨٠) (٢٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٠٤) - كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر إلا في المواضع التي ورد الشرع برفعه فيها كالتلبية وغيرها. وقوله: \"اربعوا\": أي ارفقوا بها.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٣٣٣) الباب السابق. وانظر صحيح سنن أبي داود (١١٨٤).\n(٤) انظر كتاب \"الأم\" للشافعي (١/ ١٢٧)، وكتاب \"إنارة الفكر بما هو الحق في كيفية الذكر\" - للبقاعي (٤٧ - ٥٠). ومسند الشافعي (١/ ٩٩)، والمدخل لابن الحاج (١/ ١٠٥ - ١٠٧).","vol":"3","page":179},{"text":"الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن - بسند حسن - عن أبي نَعامة عن ابن لسعد: أنه قال: [سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبَهْجَتَها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا، فقال: يا بُنَيّ: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"سيكون قوم يَعْتَدون في الدعاء\". فإياك أن تكون منهم، إنْ أُعطيت الجنة، أعطيتها وما فيها، وإن أُعِذْتَ من النار، أُعِذْت منها وما فيها من الشر] (١).\nوله شاهد في سنن أبي داود عن أبي نعامة: [عن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بني، سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قَوْمٌ يَعْتَدون في الطّهور والدُّعاء] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.\nنهي عن الفساد في الأرض وإلحاق الضرر بعد الإصلاح. قال ابن كثير: (فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد. فنهى تعالى عن ذلك).\nوقوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.\nأمرٌ بعبادته سبحانه على الوجه الأمثل والأعدل، وهو التقلب بين الخوف والرجاء - كما في التنزيل: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فإن كان العبد في آخر ساعة من حياته كذلك كان له الأمن من الله في الآخرة.\nأخرج الترمذي بسند حسن عن أنس: [أن النبي - ﷺ - دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه أحمد (١/ ١٧٢)، وأبو داود (١٤٨٠) - باب الدعاء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٩٦) - باب الإسراف في الماء. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٨٧).","vol":"3","page":180},{"text":"رسول الله - ﷺ -: لا يجتعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nأي: إن رحمته تعالى مرصدة للمحسنين، الذين يخافونه بصدق فيمتثلون أوامره، ويتركون زواجره، ويدعونه خوفًا وطمعًا. قال مطر الوَّراق: (تَنَجَّزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين) - رواه ابن أبي حاتم.\nوذكر القرطبي سبعة أوجه لقوله \"قريب\" وليس \"قريبة\"، وذكر ابن كثير أشهرها: وهو تضمن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله - والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\nقال السدي: (إن الله يرسل الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين، طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثمَّ، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وأما ﴿رَحْمَتِهِ﴾ فهو المطر. قال: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، وكذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما نخرج الزرع بالماء). قلت: وقرأ عامة قراء الكوفة ﴿نُشُرًا﴾. قال البخاري: (نُشُرًا: متفرقة). والأولى ﴿بُشْرًا﴾ هي الأشهر.\nفالله سبحانه يرسل الرياح مبشرات بين يدي المطر، حتى إذا حملت الرياح سحابًا ثقالًا أي: ثقيلة قريبة من الأرض لكثرة ما فيها من الماء، ساقه الله لأرض ميتة مجدبة فأحيا بها النبات وأخرجه، وكذلك يخرج الله الأجساد من قبورها يوم القيامة، أفلا تتذكرون - أيها الناس - وتتفكرون.\nوقوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾.\nقال ابن عباس: (فهذا مثل ضربه الله للمؤمن. يقول: هو طيب، وعمله طيب،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\" ص (٢٤ - ٢٥)، وأخرجه ابن أبي الدنيا كما في \"الترغيب\" (٤/ ١٤١). وانظر أحكام الجنائز ص (٣).","vol":"3","page":181},{"text":"كما البلد الطيب ثمره طيب. ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السَّبِخة المالحة التي يخرج منها النز، فالكافر هو الخبيث، وعمله خبيث).\nوقال مجاهد: (الطيب ينفعه المطر فينبت، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ السباخُ، لا ينفعه المطر، لا يخرج نباته إلا نكدًا. قال: هذا مثل ضربه الله لآدم وذريته كلهم، إنما خلقوا من نفس واحدة، فمنهم من آمن بالله وكتابه، فطاب. ومنهم من كفر بالله وكتابه، فخبث).\nوقال السدي: (﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ﴾، هي السبخة لا يخرج نباتها إلا نكدًا، و\"النكد\" الشيء القليل الذي لا ينفع، فكذلك القلوب لما نزل القرآن، فالمؤمن لما دخله القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه، والقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه، ولم يثبت فيه من الإيمان شيء إلا ما لا ينفع، كما لم يخرج هذا البلد إلا ما لا ينفع من النبات).\nوفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَثَلُ ما بعثني الله به من الهُدَى والعلم، كَمَثَلِ الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكانت منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادبُ أمْسَكَت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسَقَوا وزَرَعوا. وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلأً، فذلك مثَلُ مَنْ فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعَلِمَ وعَلَّم، ومثل مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرْسِلتُ به] (١).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾.\nتخصيص للشاكرين فإنهم هم المنتفعون بهذه الآيات والمواعظ والذكرى، فقليل من عباد الله الشكور.\n٥٩ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٩)، وأخرجه مسلم (٢٢٨٢)، وأخرجه أبو يعلى (٧٣١١).","vol":"3","page":182},{"text":"لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: شرع الله تعالى - بعد ذكر قصة آدم ﵇ أول السورة - في ذكر قصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الأول فالأول. فلقد أرسل نوحًا إلى قومه، منذرهم بأسه ومخوِّفهم سخطه، على عبادتهم غيره: يا قوم، أفردوا الله تعالى بالعبادة والتعظيم، فإنه لا إله لكم غيره يستوجب عليكم عبادته، إني أخاف عليكم إن لم تفعلوا ذلك عذاب يوم عظيم الأهوال والشدائد والعقاب. فأجابه الملأ المستكبرون من قومه: إنا نراك يا نوح في ضلال مبين. قال نوح: يا قوم ليس بي ضلالة أو جهالة عن الحق وإنما أنا رسول رب العالمين. أبلغكم ما أرسلني به ربي إليكم وأنصح لكم بتحذيري إياكم مغبة الاستهزاء في الدين الحق ما لا يحمد عقباه لديكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون عن بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين. هل تعجبون أن يأتيكم إنذار ربكم على لسان رجل منكم لينذركم بأسه تعالى ولتتقوا سخطه وعقابه بإفراده بالتعظيم ولتنالوا رحمته بذلك. ولكن ما كان من الملأ الكافر إلا أن أظهر التكذيب والعناد، فأنجى الله تعالى نوحًا والمؤمنين معه في الفلك وأغرق الباقين الذين كانوا قومًا عمين عن الحق بالطوفان الهائل فكانوا كأمس الذاهب.\nقال محمد بن إسحاق: (ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبيٌّ قُتل).\nوقال يزيد الرَّقاشي: (إنما سُمِّيَ نوحًا لكثرة ما ناح على نفسه). وقد كان بين آدم إلى زمان نوح ﵉ عشرة قرون، كلهم على الإسلام - ذكره ابن كثير.\nيروي البخاري عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح]. قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم","vol":"3","page":183},{"text":"التي كانوا يجلسون فيها أنصَابًا، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك ونُسِيَ العلم عُبِدَت) (١).\nقال ابن القيم: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صَوَّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم) (٢).\nوقال القرطبي: (وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بهم، ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم. ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها).\nوالخلاصة: لقد بعث الله نوحًا - ﷺ - لانتشال قومه من مستنقع الشرك والجاهلية، ويأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ويحذرهم عذابه يوم القيامة. فتدخل الملأ منهم أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم متهمين نبيّهم بالضلالة. فقال نوح - ﷺ - لهم: يا قوم ما أنا بضال، وإنما أنا رسول من رب العالمين - رب كل شيء وبارئه ومصوره - وقد أرسلني الله مبلغًا رسالته لكم، ناصحًا بالله لا إرب لي بدعوتي لكم إلا الإخلاص لله وحده في إنقاذكم مما أنتم عليه من مخالفة أمره واتباع ما يسخطه في عباداتكم ومعاملاتكم.\nقال القرطبي: (النُّصح: إخلاص النية من شوائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغشِّ).\nوقال القاسمي: (﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ وأقصد صلاحكم بإخلاص ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا من طريق الوحي، أشياء لا علم لكم بها، أو أعلم من قدرته الباهرة، وشدة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا يُرَدُّ عن القوم المجرمين ما لا تعلمونه).\nقال ابن كثير: (وهذا شأن الرسول أن يكون بليغًا فصيحًا ناصحًا بالله، لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات. كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال لأصحابه يوم عَرفة، وهم أوفرُ ما كانوا وأكثر جمعًا: \"أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع\n_________\n(١) صحيح. انظر صحيح الإمام البخاري (٨/ ٥١١)، (٨/ ٥١٢)، كتاب التفسير - تفسير سورة نوح.\n(٢) انظر كتاب \"فتح المجيد\" (٢٤٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٦٨) لتفصيل البحث.","vol":"3","page":184},{"text":"أصبعه إلى السماء وينكُتُها عليهم ويقول: اللهم اشْهد، اللهم اشْهد\").\nوقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف، كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم ﴿أَنْ جَاءَكُمْ﴾ مِنْ أنْ جاءكم ﴿ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ على لسان رجل منكم أي: من جنسكم، وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح ﵇ ويقولون ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، يعنون إرسال البشر، ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ليحذركم عاقبة الكفر ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ ولتوجد منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم).\nوقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.\nالفلك: السفينة، وكان نوح - ﷺ - قد حمل معه في الفلك من كل زوجين اثنين، وقد نجاهم الله وأهلك القوم الذين كذبوا الحق وتكبروا على اتباع رسوله، بالغرق أثناء الطوفان الذي أرسله الله عليهم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾.\nقال مجاهد: (عن الحق). وقال ابن زيد: (العَمَى، العامي عن الحق).\n٦٥ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ","vol":"3","page":185},{"text":"اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: ولقد أرسلنا هودًا إلى قومه - عاد - كما أرسلنا نوحًا - ﷺ - إلى قومه من قبل، أن اعبدوا الله تعالى وحده وأفردوه بالتعظيم، فما لكم من إله غيره، أفلا تخافون بطشه وعذابه لمن تمرد على أمره. فأجابه الذين جحدوا: إنا نَرَاكَ في ضلالة عن الحق بتركك عبادة آلهتنا. قال يا قوم ما بي سفاهة وإنما أنا رسول الله تعالى إليكم، أبلغكم رسالته وأنصح لكم، أوعجبتم أن أنزل الله وحيه على بشر منكم لينذركم، فاتقوا الله في أنفسكم، واذكروا قوم نوح قبلكم إذ أهلكهم الله بتكذيبهم، وأنتم اليوم تخلفونهم في الأرض وقد زادكم من نعمه سبحانه بطول في الأجسام وقوة في الأجساد والأعضاء، أفلا تشكرون. فأجابوه: أجئتنا يا هود لنعبد الله وحده ونترك ما كان عليه الآباء، وتَتَوَعَّدنا على ذلك بالعذاب إن لم نهجر هذه الأصنام والآلهة التي مضى على عبادتها وتعظيمها أجدادنا! ! فائتنا بما تعدنا إن كنت صادقًا. قال هود لقومه: قد حَلَّ بكم عذاب وغضب من الله، أتخاصمونني في أسماء لا تضر ولا تنفع من أصنامكم أنتم سميتموها وآباؤكم من قبل، ولا حجة لكم من الله في عبادتها ولا عذر، فارتقبوا وعيد الله وحكمه فيكم. يقول تعالى ذكره: فأنجينا هودًا ومن آمن معه، وأنزلنا العذاب بمن كذّب فكانوا كأمس الذاهب.\nفقوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾.\nأي: أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا. قال ابن عباس: (أي: ابن أبيهم). وقيل: (أخاهم في القبيلة) (١).\nقال محمد بن إسحاق: (هم - أي عاد - ولد عاد بن إرَم بن عَوْص بن سام بن نوح).\n_________\n(١) وقيل: أي بشرًا من بني أبيهم آدم. وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودًا أي صاحبهم.","vol":"3","page":186},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠].\nوقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف، وهي جبال الرمل، وكانوا قد شُدِّدَ خلقهم فهم أصحاب أجسام عظيمة وقوة، وكان بداخلها - للأسف - قلوب فيها قسوة. وكانت بلادهم أخصب البلاد، فيها بساتين وزروع وعمارة، فأسخطوا الله بشركهم وتكذيب رسولهم فجعلها مفاوز.\nوقد ردّ الملأ منهم - وهم السادة والقادة فيهم - على هود - ﷺ - بالتكذيب، حين دعاهم لإفراد الله تعالى بالعبادة فقالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾. قال القرطبي: (أي في حمق وخفة عقل). ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ - أي: في ادعائك الرسالة والنبوة.\nفأجابهم: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ﴾ - في دعوتي لكم، وبلاغي حرصًا عليكم ﴿أَمِينٌ﴾ على ما أقول لكم.\nقال النسفي: (وإنما قال هنا وأنا لكم ناصح أمين لقولهم وإنا لنظنك من الكاذبين، أي: ليقال الاسم الاسم، وفي إجابة الأنبياء ﵈ من ينسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم أدب حسن وخلق عظيم، وإخبار الله تعالى ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسلبون أذيالهم على ما يكون منهم).\nوقوله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولًا من أنفسكم لينذركم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذاكم).","vol":"3","page":187},{"text":"وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾\nأي: كنتم سُكّانَ الأرض بعد قوم نوح، وقد أهلك الله - كما تعلمون - أهل الأرض حين خالفوه وكذبوه.\nقال السدي: (يقول: ذهب بقوم نوح، واستخلفكم من بعدهم).\nوقوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾.\nقال القرطبي: (ويجوز ﴿بصطة﴾ بالصاد لأن بعدها طاء، أي: طولًا في الخلق وعظم الجسم).\nوقوله: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\nأي: اذكروا نعمه سبحانه ومننه عليكم كي تنالوا الفلاح وسعادة الدارين.\nقال ابن زيد: (آلاؤه، نعمه). وقال قتادة: (أي: نعم الله).\nأخرج الطبراني \"في الأوسط\" بسند حسن في الشواهد عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعًا: [تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله] (١).\nفأجابوه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾.\nتمَرَّدَ القوم وطغوا واستكبروا وأصروا على تقاليد الآباء الجاهلية، واستعجلوا العذاب والوعيد، شأن قوم نوح من قبلهم، واجهوا الإنذار بالكبر والاستهزاء حتى نزل بهم ما أهلكهم.\nوقوله: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾.\nالمعنى: قد وجب عليكم بتكذيبكم ربكم ﴿رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾. وفي معنى \"الرجس\" أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (﴿رِجْسٌ﴾، يقول: سخط) - ذكره ابن جرير.\n٢ - قيل: عني بالرجس الرَّيْن على القلب بزيادة الكفر - ذكره القرطبي.\n٣ - وقيل: الرِّجسُ: العذاب. وقيل هو مقلوب من رجز - ذكره ابن كثير.\n_________\n(١) حسن لغيره. رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٦٤٥٦)، والبيهقي في \"الشُعَب\" (١/ ٧٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٧٨٨) -الأمر بالتفكر في خلق الله.","vol":"3","page":188},{"text":"قلت: الرجس في لغة العرب: القذَر. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] إنه العقاب والغضب، وهو مضارع لقوله الرِّجز). ومن ثَمَّ فالمعاني السابقة كلها واردة ويحتملها البيان الإلهي الكريم.\nوقوله: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾.\nيعني بذلك الأصنام التي كانوا يعبدونها ولها أسماء مختلفة، سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة، فالاسم هنا بمعنى المسمّى. ومن هذه الأسماء العُزّى - من العِزّ والأعز - واللات، وفي حقيقتها لا تملك من العز والإلهية شيء ولا حجة لكم من الله بعبادتها.\nوقوله: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فانتظروا حكم الله فينا وفيكم، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾، حكمَه وفصل قضائه فينا وفيكم).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: كانت النجاة لهود ﵊ ومن آمن معه، وكان الهلاك والعذاب على من كذب وتولى وأعرض عن الإيمان بالله ورسوله. قال ابن زيد: (﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، قال: استأصلناهم).\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [نُصِرْتُ بالصَّبا، وَأُهْلِكَت عادٌ بالدَّبور] (١).\n٧٣ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٠٥) - كتاب بدء الخلق. ورواه مسلم وأحمد وغيرهما.","vol":"3","page":189},{"text":"سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى ذكره أنه أرسل إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا - كما أرسل إخوته الرسل من قبل إلى أقوامهم - يحثهم على إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم والدعاء، فما من إله إلا الله، وقد اختبرهم سبحانه بناقة لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، أن يذروها تأكل من أرض الله دون أن يمسوها بسوء فينالهم عذاب الله الأليم. وذكرهم سبحانه كيف أهلك قوم عاد قبلهم لما طغوا وتكبروا على رسولهم واستخلفهم بعدهم في الأرض يتخذون البيوت العالية في سهولها كالقصور ينعمون بها صيفًا، والبيوت المنحوتة في الجبال يسكنونها شتاء، وكذلك بنعم وآلاء كثيرة وَجَبَ أن تحجبهم عن الفساد في الأرض أو اتباع ما يسخط الله تعالى. فما كان من الملأ الكافر - إذ أَعْلن المستضعفون المؤمنون إيمانهم برسول الله صالح ﵊ - إلا أن أظهروا الكفر به وتجرؤوا فانبعث أشقاهم برضاهم فعقروا الناقة وتمردوا على أمر الله لهم واستعجلوا العذاب استهزاء وكبرًا. فعاجلهم ربهم ﷿ بعقوبته الكبرى في هذه الحياة الدنيا فأخذهم بصيحة زلزلتهم وحركتهم للهلاك فأصبحوا ميتين. فتولى عنهم صالح - حين أمره الله باعتزالهم وقد آن حلول نقمته تعالى بهم - وصرّح لهم: لقد أديت إليكم رسالة ربي وبذلت النصح الخالص لنجاتكم من عذابه وسخطه، فركبتم أهواءكم وتنكرتم للنصيحة حتى أصبحتم هالكين.\nفقوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾.\nأي: وكذلك فقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا. وثمود - كما ذكر أهل التفسير والعلم بالأنساب -: هو ثمودُ بن عاثِرِ بن إرم بن سام بن نوح، وقد جاءت ثمود","vol":"3","page":190},{"text":"بعد عاد، ومساكنهم مشهورة معلومة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. وقد مرَّ النبي - ﷺ - بديار ثمود مرجعه من تبوك، وهو قافل إلى المدينة، على القول الراجح - كما حققت في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة.\nفلما وصل جيش المسلمين القافل من تبوك ديار ثمود، تسارع بعض الأصحاب لدخول تلك المساكن الخاوية، فنهاهم النبي - ﷺ -.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي كبشة الأنماري قال: [لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -: فنادى في الناس: الصلاة جامعة، قال: فأتيت رسول الله - ﷺ - وهو ممسك بعيره وهو يقول: ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم، فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله! قال: أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ ! رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله ﷿ لا يعبأ بعذابكم شيئًا وسيأتي قوم لا يَدْفعون عن أنفسهم بشيء] (١).\nثم أمرهم بعدم عبور تلك المساكن إلا باكين، مسرعين في السير غير مبطئين، فهي ديار قوم دمَّر الله عليهم بيوتهم بذنوبهم واستهتارهم.\nففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال لأصحابه - يعني لما وصلوا الحِجْر: وهي ديار ثمود فيما بين المدينة والشام -: [لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يُصيبكم ما أصابهم]. وفي رواية لمسلم: (حَذَرًا أن يصيبكم مِثلُ ما أصابهم).\nوفي رواية لهما بلفظ: [لما مرّ رسول الله - ﷺ - بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أَنْ يُصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم قَنَّعَ رسول الله - ﷺرأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي].\nوفي لفظ للبخاري مِنْ حديث سالم بن عبد الله عن أبيه: (ثم تَقَنَّعَ بردائه وهو على الرحل). وفي لفظ لمسلم: (ثم زَجَرَ فأسرع حتى خلّفها) (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٣١)، وانظر كتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٥٣٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر الروايات السابقة في صحيح البخاري (٣٣٨١) - كتاب الأنبياء، وكذلك في صحيح مسلم (٢٩٨٠) - كتاب الزهد والرقائق، وكذلك في مسند الإمام أحمد (٢/ ٩)، (٢/ ٥٨).","vol":"3","page":191},{"text":"فإن ذلك من أماكن العذاب التي تركها الله في الأرض ليعتبر البشر، فلا ينبغي المشي فيها والسياحة خلال آثارها، بل الأليق بها أن يمر المسلم فيها مسرعًا خائفًا من الله أن يُنْزِلَ بأمته ما أنزل بتلك الأمم، من المصائب والدمار والنقم.\nوكان بعضهم قد تسارعوا إلى آبار ثمود ليشربوا منها أو ليتوضؤوا بمائها، فنهاهم رسول الله - ﷺ - عن ذلك أشد النهي، وأمرهم أن يهريقوا ما استقوا منها، وأن يعلفوا إبلهم العجين الذي عجنوه بمائها، وأن يستقوا بدلًا عن ذلك من البئر التي كانت تردها ناقة صالح ﵊.\nأخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه، عن نافع أن عبدَ الله بن عمر أخبره: [أن الناس نزلوا مع رسول الله - ﷺ - على الحِجْر أرضِ ثمود فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يُهريقوا ما استقوا، وَيَعْلِفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة] (١).\nورواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر بلفظ: [أن رسول الله - ﷺ - لما نزل الحِجْرَ في غزوة تبوك، أمرهم أن لا يشربوا من بِئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عَجَنّا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرَحوا ذلك العجين، ويُهريقوا ذلك الماء. قال: ويُروى عن سَبْرة بن مَعْبَدٍ وأبي الشّموس أن النبي - ﷺ - أمر بإلقاء الطعام] (٢).\nوفي رواية ابن إسحاق: (أن النبي - ﷺ - قال لهم: لا تشربوا من مائها شيئًا، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه، فاعلِفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئًا) (٣).\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.\nهو قول الرسل جميعًا لأقوامهم، وهي رسالة التوحيد التي بعث بها جميعهم، وهي تتلخص بشهادة أنّ \"لا إله إلا الله\". كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم (٢٩٨٠) - كتاب الزهد والرقائق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الإمام البخاري (٣٣٨١) - كتاب الأنبياء. وانظر تفصيل هذا البحث في كتابي: السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - (٣/ ١٥٣٢ - ١٥٣٤).\n(٣) رواه ابن إسحاق في السيرة. وانظر البداية والنهاية - لابن كثير - (٥/ ١١) بسند حسن مرسل.","vol":"3","page":192},{"text":"وقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.\nأي: قد جاءتكم آية وحجة من ربكم تثبت لكم صدق نبوتي لكم، وكانوا قد سألوه بينة من قبل. فقال لَهُم نَبيُّهم صالح ﵊: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]. وكانت الناقة قد أقامت - وفصيلها بعدما وضعته - بين أظهرهم مدة، تشرب ماء بئرها يومًا، وتدعه لهم يومًا. وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملؤون ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨].\nوكذلك قوله جل ثناؤه: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].\nقال الحافظ ابن كثير: (وكانت تسرَحُ في بعض تلك الأودية ترد من فَجّ وتصدرُ من غيره ليسعها، لأنها كانت تتضلَّع من الماء، وكانت - على ما ذكر - خَلْقًا هائلًا ومنظرًا رائعًا، إذا مَرَّت بأنعامهم نفرت منها. فلما طال عليهم ذلك واشتد تكذيبهم لصالح النبي - ﵇ - عزموا على قتلها، ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال: إنهم اتفقوا كلّهم على قتلها. قال قتادة: بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كُلُّهم، أنهم راضون بقتلها، حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان أيضًا. قلت: وهذا هو الظاهر لأن الله تعالى يقول: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤]، وقال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا. . .﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقال: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾. فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، فدَلَّ على رِضا جميعهم بذلك، والله أعلم).\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\nقال الشهاب: (﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ - لم يقل: خلفاء عاد، إشارة إلى أن بينهما زمانًا طويلًا. ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أنزلكم في أرض الحجر. والمباءة المنزل. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي: تبنون في سهولها قصورًا","vol":"3","page":193},{"text":"لتسكنوها أيام الصيف. قال: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ أي: لتسكنوها أيام الشتاء).\nوقال القرطبي: (﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمه. وهذا يدلّ على أن الكفار منعم عليهم).\nوقال قتادة: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقول: لا تسيروا في الأرض مفسدين).\nقلت: وفي الآية دلالة على جواز البناء الرفيع والاعتناء بالمسكن المتسع المليء بالمرافق، فإن المسكن الواسع الكثير المرافق من سعادة المسلم في هذه الحياة الدنيا. وفي ذلك أحاديث من السنة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم بسند حسن عن سعد مرفوعًا: [ثلاث من السعادة، وثلاث من الشقاوة، فمن السعادة: المرأة تراها تعجبك، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعةً كثيرة المرافق. ومن الشقاوة المرأة تراها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غِبْتَ عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفًا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تُلْحِقْكَ بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: [إذا أنعم الله على عبدٍ أحبَّ أن يُرى أثر النعمة عليه] (٣).\nوفي التنزيل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٢/ ١٦٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٤٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٢٣٢)، والخطيب في \"التاريخ\" (١٢/ ٩٩)، وأخرجه أحمد (١/ ١٦٨) - قال المنذري: رواه أحمد بإسناد صحيح - وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٩/ ١)، و\"الأوسط\" (١/ ١٦٣/ ١). وانظر الصحيحة (٢٨٢). ورواه الحاكم والبيهقي وفيه: [وأربع من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكنُ الضيق].\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٨١٩)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحَسَّنَه.","vol":"3","page":194},{"text":"قال القرطبي: (ذُكر أن ابنًا لمحمد بن سيرين بنى دارًا وأنفق فيها مالًا كثيرًا، فَذُكِرَ ذلك لمحمد بن سيرين فقال: ما أرى بأسًا أن يبني الرجل بناء ينفعه. ثم ذكر القرطبي الحديث السابق، وقال: ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة. ألا ترى لو أنه اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك، فكذلك البناء).\nقلت: وأما حديث: [أما إن كلَّ بناءٍ وبالٌ على صاحبه، إلا ما لا، إلا ما لا، يعني: ما لا بد منه] (١).\nوحديث: [إنّ الرجل يؤجرُ في نفقته كلِّها إلا في هذا التراب] (٢). فالمراد منهما صرف المسلم عن الاهتمام بالبناء والتشييد إلا ما له به حاجة. قال الألباني ﵀: (وإن مما لا شك فيه أن الحاجة تختلف باختلاف عائلة الباني قلة وكثرة، ومن يكون مضيافًا، ومن ليس كذلك، فهو من هذه الحيثية يلتقي تمامًا مع الحديث الصحيح: \"فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان\" رواه مسلم (٦/ ١٤٦) وغيره).\nوقال الحافظ - في الحديث السابق -: (وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه، مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾.\nأي: استكبر الملأ الكافر واستهزؤوا بنبوة صالح - ﷺ -، فأثبت المؤمنون النبوة وإيمانهم بها، واتباعهم نبي الله صالحًا ﵊. وأظهر المتكبرون كفرهم. قال القاسمي: (وإنما لم يقولوا: إنا بما أرسل به كافرون، إظهارًا لمخالفتهم إياها، وردًّا لمقالتهم). فالمقصود بقولهم: ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ - أنهم أربَوْا تقليد المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ حذرًا مما يكون في ظاهره إثبات رسالة صالح - ﷺ -، وهم يجحدونها. ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ\n_________\n(١) حديث إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٢/ ٣٤٧)، وأبو يعلى (٧/ ٣٠٨/ ١٩٥٢) عن أنس مرفوعًا.\n(٢) سنده صحيح. أخرجه ابن حبان (٥/ ٩٩ - ١٠٠)، وأحمد (٥/ ١١٠) من حديث خبّاب. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٨٣٠) - (٢٨٣١)، وتفصيل الروايات المختلفة.","vol":"3","page":195},{"text":"رَبِّهِمْ﴾. قال مجاهد: (عتوا في الباطل، وتركوا الحق). وقال: (علوا عن الحق، لا يبصرون). وقال: (علوا في الباطل). ثم قالوا: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾.\nوقوله: تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\nهو جواب طلبهم وتنطعهم.\nقال مجاهد: (الرجفة: الصيحة). وقال ابن زيد: (﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: ميتين). فأهلكوا بالصيحة التي زلزلتهم وزعزعتهم وحركتهم للهلاك فكانوا كأمس الذاهب.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.\nقال لهم صالح - ﷺ - بعدما أمره الله تعالى باعتزالهم وقد أوشك حلول نقمته بهم -: لقد أديت إليكم ما أمرت به من تحذيركم بطش ربكم وعذابه إن اخترتم البقاء على شرككم وكفركم ولكنكم لا تحبون الناصحين لكم بترك شهواتكم وأهوائكم وعاداتكم وتقاليدكم الفاسدة الجاهلية.\n٨٠ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره: واذكر يا محمد لوطًا حين واجه انحراف قومه في إشباع غرائزهم وشهواتهم بطريقة قبيحة فاسدة، إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة بطريقة خبيثة ما سبقكم بها أحد من قبلكم. إنكم لتأتون الرجال بدل النساء، وتسرفون فيما حرّم الله عليكم فكذبوه وردّوه، فأنجاه الله وأهله المؤمنين إلا امرأته، فإنها كانت للوط خائنة، وبالله كافرة. فأمطر الله تعالى قوم لوط حجارة من سجيل فأهلكهم بكفرهم","vol":"3","page":196},{"text":"وبغيهم وإفسادهم فانظروا إلى أي شيء صار مصير هؤلاء المجرمين.\nفقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾.\nلوط: هو لوط بن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل - عليهما الصلاة والسلام - وكان قد آمن مع إبراهيم - ﵊ - وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سَدُوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله ﷿، ويحذرهم مغبة تلك الفواحش التي اخترعوها ولم يسبقهم إليها أحد من بني آدم أو غيرهم، وهي إتيان الرجال الرجال. قال عمرو بن دينار: (﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، قال: ما نزا ذَكَرٌ على ذكر، حتى كان قوم لوط).\nوفي لفظ: (ما رُئِيَ ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (إنكم، أيها القوم، لتأتون الرجال في أدبارهم، شهوة منكم لذلك، من دون الذي أباحه الله لكم وأحلّه من النساء، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، يقول: إنكم لقوم تأتون ما حرَّم الله عليكم، وتعصونه بفعلكم هذا. وذلك هو \"الإسراف\" في هذا الموضع). قلت: فالإسراف وضع الشيء في غير محله، وفعلهم هذا في غاية الإسراف والجهل. قال الوليد بن عبد الملك - الخليفة الأموي باني جامع دمشق: (لولا أن الله ﷿ قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٤، ٥٥].\nفأجابوه: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٧ - ١٦٩].","vol":"3","page":197},{"text":"٣ - وقال تعالى يصف حوار لوط معهم: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١].\nفأرشدهم إلى نسائهم، فاعتذروا بأنهم لا يشتهونهن: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩].\nقال ابن كثير: (أي: لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك. وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعض، وكذلك نساؤهم كن قد استغنى بعضهن ببعض أيضًا).\nفقد حذرهم لوط ﵊ من مغبة التهاون بأمر الفواحش وهذا الانحراف الذي ما سبقهم إليه أحد من العالمين. وقد جمع لهم من حجة الوحي وقوة الحق، ما يبين لهم نتيجة هذا الاسترسال بالشهوة وإتيان الرجال دون النساء، حتى إذا أعجزوه بإصرارهم على منكرهم لجأ إلى الله العظيم، ليريح الواقع منهم ومن رجسهم، فاستجاب الله له فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٣، ٧٤]\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.\nقال قتادة: (عابوهم بغير عَيْب، وذمُّوهم بغير ذمّ).\nوالمعنى: أنهم أجابوا لوطًا - ﷺ - حينما وبَّخهم على قبيح ما هم عليه من الفعل، والإصرار على العمل الخبيث، ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. أي: إن لوطًا ومن معه يتنزهون عما نفعله من إتيان الرجال في الأدبار. قال مجاهد: (﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال: من أدبار الرجال وأدبار النساء). وقال السدي: (يتحرَّجون).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\nأي: الباقين.\nفإنه لم يؤمن بلوط - ﷺ - سوى أهل بيته كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]. إلا امرأته بقيت على دين قومها تمالئهم عليه وتُعْلِمُهُم بمن يَقْدُم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم - كما","vol":"3","page":198},{"text":"ذكر المفسرون. فلما أوحى الله إلى لوط بمغادرة المكان لحلول العذاب خرج بأهله - وبقيت ولم يُعلمها - فكانت معهم من الهالكين.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾.\nفقد أمطرهم الله حجارة من سجيل كان فيها هلاكهم، وتلك عاقبة المصرين على ارتكاب الفواحش والموبقات وركوب معصية الله: البوار والهلاك.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢، ٨٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>فوائد هامة من ذكر قوم لوط وانحرافهم:</span>\n١ - الفائدة الأولى: تحريم الإسلام النظر إلى الأمرد الحسن لغير حاجة شرعية. فإن ذلك داخل تحت قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].\nوتحت قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].\nقال ابن الجوزي ﵀: (والفقهاء يقولون من ثارت شهوته عند النظر إلى الأمرد حرم عليه أن ينظر إليه، ومتى ادعى الإنسان أنه لا تثور شهوته عند النظر إلى الأمرد المستحسن فهو كاذب، وإنما أبيح على الإطلاق لئلا يقع الحرج في كثرة المخالطة بالمنع، فإذا وقع الإلحاح في النظر دل على العمل بمقتضى ثوران الهوى).\nوقال سعيد بن المسيب: (إذا رأيتم الرجل يلح النظر إلى غلام أمرد فاتهموه).\nوفي الصحيحين عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [الحلال بَيِّنٌ، والحرام بيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهات، لا يعلمُها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحِمى يوشِكُ أن يواقِعَهُ، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حِمى الله تعالى في أرضه محارمُه، ألا وإن في الجسد مُضغة، إذا صلحت صلح الجسدُ كُلُّه، وإذا","vol":"3","page":199},{"text":"فسدت فَسَدَ الجسدُ كله، ألا وهي القلب] (١).\nوفي المعجم الأوسط للطبراني بسند حسن من حديث عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، فدعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك] (٢).\n٢ - الفائدة الثانية: تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، أو المبيت تحت غطاء يجمع ويقرب بينهما.\nففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد] (٣).\n٣ - الفائدة الثالثة: تغليظ عقوبة من يعمل عمل قوم لوط.\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به] (٤).\nوإما إتيان النساء في أدبارهن فهو اللوطية الصغرى، ملعون صاحبها.\nفقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [ملعونٌ من أتى امرأة في دبرها] (٥). وله شاهد عندهما بلفظ: [من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٢) - كتاب الإيمان، وكذلك (٢٠٥١) - في البيوع. ورواه مسلم. في الصحيح (١٥٩٩) - كتاب المساقاة، من حديث النعمان بن بشير.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\". انظر صحيح الجامع الصغير - برقم (٣١٨٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٣٣٨) - في الحيض - باب تحريم النظر إلى العورات.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، وأحمد (١/ ٣٠٠). من حديث عبد الله بن عباس ﵄.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٤)، (٢/ ٤٧٩)، وأخرجه أبو داود (٢١٦٢)، وأخرجه ابن عدي (١/ ٢١١) بلفظ: (ملعون من يأتي النساء في محاشهن. يعني: أدبارهن). وانظر للشاهد مسند أحمد (٢/ ٤٠٨)، (٢/ ٤٧٦)، وآداب الزفاف ص (٣١).","vol":"3","page":200},{"text":"٨٥ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله تعالى أنه أرسل إلى قبيلة مدين نبيَّه شعيبًا منهم، فدعاهم إلى إفراد الله بالتوحيد والعبادة والتعظيم، وقد جاءتهم علامة وحجة من الله على صدقه، وحذرهم من الخيانة ومغبة التلاعب بالكيل والوزن وحقوق العباد، أو الإفساد في الأرض بالكفر والظلم بعدما أصلح أمرها الرسل وأتباعهم الصالحون، فهو خير لهم إن كانوا صادقين في إيمانهم بالله العظيم. ثم حذرهم من قطع طريق الناس في أموالهم أو في دينهم، وذكّرهم إذ كانوا قلة فقراء فكَثَّر عددهم وأغناهم، وأمرهم بالنظر فيما","vol":"3","page":201},{"text":"آل إليه من قبلهم من المفسدين. ثم أخبرهم أنه وإن اختلفتم في أمر الرسالة والنبوة وتصديقها فكنتم فريقين: فإن العاقبة للمؤمنين. فما كان من سادة الكفر في القوم إلا أن هدّدوا شعيبًا ومن معه بالإبعاد من القرية أو العودة إلى دين الآباء! فأجابوهم: أولو كنا كارهين. إننا نكون من المفترين على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم ودينكم بعد أن أنعم الله علينا بالهداية إلى الحق، والأمر كله بمشيئة الله، فالهداية والضلال أمران بيده سبحانه، وإنما نحن نتوكل على ربنا ليفصل بيننا وهو خير الفاصلين. فقال الملأ الكافر حينئذ في عجرفة وكبر: لئن اتبعتم شعيبًا فأنتم عندئذ الخاسرون، فعاجلهم الله تعالى برجفة من عنده وصيحة أخمدتهم فصاروا كأمس الذاهب وكانوا هم الخاسرين. وكان قد أدبر شعيب عنهم مغادرًا حين أيقن نزول عذاب الله فيهم وقال - وهو يحزنه كيف أمسى حالهم -: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فكيف أحزن على قوم كافرين.\nفقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾.\nقال محمد بن إسحاق: (هم من سُلالة مدين بن مديان بن إبراهيم). وزعم كذلك ابن إسحاق في شعيب: أنه ابن ميكيل بن يشجن، واسمه بالسريانية \"يثرون\".\nقال ابن كثير: (وتطلق مدين على القبيلة، وعلى المدينة - وهي التي بقرب مَعَان من طريق الحجاز، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ. . .﴾ [القصص: ٢٣]، وهم أصحاب الأيْكة).\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.\nهذه دعوة الرسل جميعًا وهي منهاجهم.\nوقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: قد جاءتكم علامة وحجة من الله بحقيقة ما أقول، وصدق ما أدعوكم إليه).\nوقوله: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾.\nتحذير من الخيانة والتلاعب بالكيل والوزن وحقوق العباد.","vol":"3","page":202},{"text":"وفي الحديث: [ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.\nقال القرطبي: (البخس النقص. وهو يكون في السِّلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيّد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك مَنْهِيٌّ عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم).\nوقال قتادة: (﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، قال: لا تظلموا الناس أشياءهم).\nوقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.\nقال القاسمي: (﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالكفر والظلم ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بعدما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتباعهم الصالحون العاملون بشرائعهم من وضع الكيل والوزن والحدود والأحكام).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nقال النسفي: (﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل وترك البخس والإفساد في الأرض ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الإنسانية وحسن الأحدوثة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين لي في قولي).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾.\nفيه نهي من شعيب - ﷺ - قومه عن قطع الطريق المادي والمعنوي: طريق الناس وطريق الحق.\nقال ابن عباس: (﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال: و\"الصراط\" الطريق، يُخوِّفون الناس أن يأتوا شعيبًا. قال: كانوا يجلسون في الطريق، فيخبرون من أتى عليهم: أن شعيبًا ﵇ كذاب، فلا يفتنكم في دينكم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩). وأخرجه البزار والبيهقي من حديث ابن عمر، وقد مضى بتمامه. انظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٢٤٦).","vol":"3","page":203},{"text":"وقال السدي: (كانوا يقعدون على كل طريق يوعدون المؤمنين). وفي لفظ: (كانوا عشارين، أي: يتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوهم أموالهم). وعن مجاهد: (﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: تلتمسون لها الزيغ).\nوقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾.\nقال القرطبي: (أي: كثّر عددكم، أو كثركم بالغنى بعد الفقر. أي: كنتم فقراء فأغناكم).\nوقوله: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nقال النسفي: (أي: آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وهود وصالح ولوط ﵈).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\nقال القاسمي: (يعني: وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مؤمنة وكافرة ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين).\nوقوله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.\nإخبار من الله تعالى عن طريقة الملأ الكافر الذين واجهوا نبي الله شعيبًا ومن آمن معه بالتهديد والوعيد: بالنفي من القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم.\nوقوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: ولو كنا كارهين تجبروننا عليه، أي: على الخروج من الوطن أو العود في ملتكم. أي: إن فعلتم هذا أتيتم عظيمًا).\nوقوله: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.\nقال السدي: (يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها، إلا أن يشاء الله ربنا، فالله لا يشاء الشرك، ولكن نقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئًا، فإنه","vol":"3","page":204},{"text":"وسع كل شيء علمًا). وقال ابن كثير: (وهذا ردّ إلى المشيئة، فإنه يعلم كل شيء، وقد أحاط بكل شيء علمًا).\nوقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾.\nأي: ما توكلنا إلا على الله ربنا في أمورنا جميعًا ما نأتي منها وما نذر. قال ابن عباس: (﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾، يقول: اقض بيننا وبين قومنا). وقال قتادة: (اقض بيننا وبين قومنا بالحق). وقال السدي: (احكم بيننا). وقال النسفي: (﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ كقوله: وهو خير الحاكمين).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.\nأي: هالكون.\nوقال النسفي: (أي: مغبونون لفوات فوائد البخس والتطفيف باتباعه لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أخبر تعالى ها هنا أنهم أخذتهم الرجفة كما أرجَفُوا شعيبًا وأصحابه وتوِعَّدهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة \"هود\" فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾. والمناسبة في ذلك - والله أعلم - أنهم لما تَهَكَّموا بنبي الله شعيب في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، فجاءت الصيحة أسكتتهم. وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾، وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ. . (١٨٧)﴾. . الآية، فأخبر أنهم أصابهم عذاب يوم الظُّلَّة، وقد اجتمع عليهم ذلك كلُّه - أصابهم عذابُ يوم الظلة، وهي سحابة أظلَّتهم فيها شَرَرٌ من نار ولَهَب ووَهج عظيم، ثم جاءتهم صيحةٌ من السماء، ورجفةٌ من الأرض شديدة من أسفلَ منهم، فزهَقَتِ الأرواحُ، وفاضت النفوسُ، وخمدت الأجساد، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾).","vol":"3","page":205},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾، يقول: كأن لم يعيشوا فيها). وقال قتادة: (كأن لم يعيشوا، كأن لم ينعموا). وقال ابن زيد: (﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأن لم يكونوا فيها قط).\nقال القرطبي: (﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ ابتداء خطاب، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأمر وتفخيمه. ولما قالوا: من اتبع شعيبًا خاسِر قال الله الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.\nأي: لقد أدبر شعيب عنهم مغادرًا من بين أظهرهم حين أيقن أن عذاب الله ونقمته لا محالة واقع بهم - وهو يقول -: يا قوم لقد أديت إليكم ما بعثني الله به إليكم وحذرتكم غضبه ومغبة الاستمرار على معصيته وبذلت لكم غاية النصح، فكيف أحزن على قوم كفروا بالله وأمره ووعده ووعيده.\nقال ابن عباس: (﴿فَكَيْفَ آسَى﴾، يعني: فكيف أحزن).\nوقال ابن إسحاق: (أصاب شعيبًا على قومه حُزْن، لما يرى بهم من نقمة الله، ثم قال يعزي نفسه، فيما ذكر الله عنه: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾).\n٩٤ - ١٠٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ","vol":"3","page":206},{"text":"اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله تعالى عن سنته في أهل القرى الذين يستبيحون معصيته - إنه ما أرسلنا في قرية من نبي فكذبه أهلها إلا سلطنا عليهم الضيق والبؤس والأمراض والأسقام لعلهم إلى ربهم يتضرعون. ثم بدلنا مكان الشدة رخاء حتى كثروا وكثرت أموالهم وتمتعوا بالعافية والنعيم، فنسبوا ذلك إلى تقلبات الدهر كما حصل للآباء في أيامهم، فالدهر تارات وتارات، فباغتهم الله حينئذ بالعذاب والهلاك من حيث لا يشعرون. إنه لو آمن أهل القرى واتقوا ربهم وشكروه حق شكره لأرسل عليهم السماء مدرارًا، ولأَنْبَتَ لهم في أرجاء أراضيهم نباتًا وثمارًا وأزهارًا، ولكنهم أصروا على تعظيم شهواتهم فعاجلهم سبحانه بعذابه ولم يُبْقِ على الأرض من الكافرين ديّارًا. هل أمن الناس وهم يصرون على ما يسخط ربهم أن يفاجئهم ربهم بالعذاب وهم نيام في ليلهم، أو وَهُم في النهار يسرحون في أعمالهم؟ هل يأمنون مكر ربهم مقابل مكرهم؟ إنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. أم لم يتبيّن للذين يرثون الأرض من بعد أهلها - وهم يشركون بالله كسابقيهم من الأمم - أن الله لو شاء عاجلهم بعقاب مقابل ما اجترحوه من آثام، أو ختم على قلوبهم فلا يسمعون موعظة ولا ينتفعون هدى ولا تبصيرًا. هذه القرى - يا محمد - التي أهلكناها من الأمم التي سبقت قد جاءهم البلاغ المبين، من إخوتك الرسل عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، فما كانوا ليختاروا الإيمان وهم يشركون، وقد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين، فيختم عليها عقوبة لأصحابها فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. وقد نقضوا عهد الله عليهم وميثاقه فما حملوا الأمانة بل كانوا أهل خيانة وأكثرهم كانوا فاسقين.\nفقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.\nقال السدي: (يقول: بالفقر والجوع). والتقدير: ما أرسلنا في قرية من نبي فكذبه","vol":"3","page":207},{"text":"أهلها إلا سلطنا عليهم البؤس وشظف المعيشة وضيقها، وسوء الأحوال في معيشتهم ودنياهم. قال ابن كثير: (يعني ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ ما يصيبهم من فقرٍ وحاجة ونحو ذلك).\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾\nأي: يتضرعون. قال ابن جرير: (ولكن أدغمت التاء في الضاد لتقارب مخرجهما). والمعنى: أي امتحنهم الله تعالى بالشدة ليتضرعوا ويبتهلوا إليه سبحانه ويدعوه لكشف ما نزل بهم، إلا أنهم تكبروا فاختبرهم عندئذ بالرخاء.\nوهو قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾.\nقال قتادة: (مكان الشدة رخاء). وقال مجاهد: ﴿السَّيِّئَةِ﴾، الشر، و﴿الْحَسَنَةَ﴾، الرخاء والمالُ والولد). أو قال: ﴿السَّيِّئَةِ﴾، الشر، و﴿الْحَسَنَةَ﴾، الخير).\nوقوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: حتى كثروا وكثرت أموالهم). وقال: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾، قال: جَمُّوا). وقال مجاهد: (كثرت أموالهم وأولادهم). وقال السدي: (حتى كثروا). وقال إبراهيم: (حتى جَمُّوا وكثروا). وقال ابن زيد: (كثروا كما يكثر النبات والرّيش، ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم لا يشعرون).\nقال القرطبي: (أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا).\nوقوله: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾.\nأي: فنحن مثلهم في تقلب الأيام والأحوال، وهكذا الدهر تاراتٌ وتاراتٌ، فيوم لنا ويوم علينا، ويوم نُساء ويوم نُسَرّ، وما استشعروا بغفلتهم ابتلاء الله لهم واختباره في الحالتين.\nقال ابن جرير: (وجهل المساكين شكرَ نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضله بالإنابة إلى طاعته، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بتوضيح آلية الابتلاء، في الشدة والرَخاء، وكيف ينجو العبد وينجح في الاختبارين، ومن ذلك أحاديث:","vol":"3","page":208},{"text":"الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَثَلُ المؤمن مَثَلُ الزرع، لا تزال الريح تُمِيلُهُ، ولا يزال المؤمن يصيبُهُ البلاء، ومَثَلُ المنافق كمثلِ شجرة الأرْزِ، لا تَهْتَزُّ حتى تُسْتَحْصَد] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند جيد، من حديث مصعب بن سعد عن أبيه قال: [قلت لرسول الله - ﷺ -: أي الناس أشد بلاء؟ قال: فقال: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه والحاكم بسند صحيح على شرط مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: [أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج الدارمي وأحمد بسند صحيح عن صهيب قال: [بينا رسول الله - ﷺ - قاعدٌ مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٩) - كتاب صفات المنافقين. باب مثل المؤمن كالزرع، والمنافق والكافر كالأرزة. وانظر الحديث (٢٨١٠) - من الباب نفسه، وكذلك ما بعده.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، وابن ماجه (٤٠٢٣)، وابن حبان (٦٩٩)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٠٢٤)، وابن سعد (٢/ ٢٠٨)، والحاكم (٤/ ٣٠٧)، وغيرهم.\n(٤) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، وابن ماجه (٤٠٣١)، والبزار (٢/ ٢٢٧)، وغيرهم.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه الدارمي (٢/ ٣١٨)، وأحمد (٦/ ١٦)، وسنده صحيح على شرط مسلم - كما ذكر الألباني في السلسلة الصحيحة (١٤٧). وأصله في صحيح مسلم (٨/ ٢٢٧).","vol":"3","page":209},{"text":"الحديث السادس: أخرج أبو يعلى في \"المسند\"، والحاكم في \"المستدرك\" بسند حسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الرَّجل ليكونُ له عند الله المَنْزِلَةُ، فما يَبْلُغُها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يُبَلِّغَهُ إيّاها] (١).\nالحديث السابع: أخرج الترمذي بسند حسن في الشواهد عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: [لَيَوَدَّن أهلُ العافية يومَ القيامة أنَّ جلودَهُم قُرِضَتْ بالمقاريض، مما يَرَوْنَ من ثواب أهلِ البلاء] (٢).\nوقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه، وهم لا يدرون ولا يعلمون أنه يجيئهم، بل هُمْ بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه).\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن عبيد بن خالد السلمي - رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال مرة: عن النبي - ﷺ -: [مَوْتُ الفَجْأَةِ أَخْذَةُ أسفٍ] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال القرطبي: (يقال للمدينة قرية لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ أي: الشرك. ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: المطر والنبات). قلت: (ويدخل في البركات كل وجوه الخير المختلفة).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو يعلى (٤/ ١٤٤٧ - ١٤٤٨)، والحاكم (١/ ٣٤٤)، وابن حبان (٦٩٣)، وغيرهم. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث حسن - في الشواهد. أخرجه الترمذي (٢٤٠٤)، والطبراني في \"الكبير\" - نحوه - (٣/ ١٧٨/ ٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٢٠٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣١١٠) - باب موت الفجأة. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٦٦٧).","vol":"3","page":210},{"text":"وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود].\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nأي: أخذناهم بالعذاب بتكذيبهم الرسل، وكفرهم وسوء كسبهم وما كانوا يعملون.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.\nأي: هل أمن أهل القرى التي أرسل فيها الرسل أن ينزل بهم نكال الله وعذابه ليلًا وقت بياتهم وهم نائمون غافلون في كمال غفلتهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.\nأي: وهل أمن أهل هذه القرى أن يباغتهم عذاب الله نهارًا وهم يخوضون في الباطل ويلهون ويلعبون.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nأي: هل يأمن هؤلاء المسرفون في غيهم وضلالهم عذاب الله وجزاءه مقابل مكرهم، أو استدراجه لهم بالنعمة والصحة وسعة الرزق، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الهالكون.\nقال الحسن البصري: (المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق، وَجِلٌ خائف. والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن).\nأخرج الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأسُ من رَوْح الله، والأَمْنُ من مكر الله] (١).\nوروى عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: [أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأسُ من رَوْح الله] (٢).\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه البزار والطبراني كما ذكر الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٠٤)، وقال: رجاله موثقون. انظر تحقيق فتح المجيد (٤٢٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٩٢).\n(٢) صحيح. أورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٠٤) انظر فتح المجيد (٤٢٤)، وكذلك المرجع السابق (١/ ٤٩٢) لمزيد من التفصيل.","vol":"3","page":211},{"text":"وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.\nقال مجاهد: (﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾: قال: يُبَيِّن). وقال ابن عباس: (أو لم يبيّن).\nوقال السدي: (﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، يقول: أولم يتبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها، هم المشركون).\nوقال ابن زيد: (﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، أولم نُبَيِّن لهم، ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، قال: و\"الهدى\"، البيان الذي بُعث هاديًا لهم، مُبَيّنًا لهم حتى يعرفوا. لولا البيان لم يعرفُوا).\nوقوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.\nأي: ونختم على قلوبهم فلا يسمعون عندئذ موعظة ولا ينتفعون تذكيرًا.\nوقوله: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.\nأي: هذه القرى التي أهلكناها - كما قصصنا عليك من أخبارها - كقرى نوح وعاد ولوط وهود وشعيب وغيرهم، قد جاءهم البلاغ المبين من رسلهم وحجة الله البالغة. وهذا فيه تسلية لنبينا محمد - ﷺ - عما يلقاه من تكذيب قومه.\nوقوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾.\nفيه أقوال متكاملة:\n١ - قال مجاهد: (أي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم). وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. . .﴾ [الأنعام: ٢٨].\n٢ - قال ابن عباس والربيع: (كان في علم الله تعالى يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل).\n٣ - قيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة.\nواختار ابن جرير القول الثاني وقال: (سبق في علم الله ﵎ لمن هلك من الأمم التي قصّ نبأهم في هذه السورة، أنه لا يؤمن أبدًا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم لم","vol":"3","page":212},{"text":"يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه، قبل مجيء الرسل عند مجيئهم إليهم).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين بمحمد - ﷺ -).\nوقوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾\nمِنْ زائدة، تدل على معنى الجنس. ومن أقوال المفسرين:\n١ - قال ابن عباس: (يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذَّرِّ).\nوقال أبي بن كعب: (في الميثاق الذي أخذه في ظهر آدم ﵇).\nوقال مجاهد: (﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾، الآية، قال: القرون الماضية. و\"عهده\"، الذي أخذه من بني آدم في ظهر آدم ولم يفوا به).\n٢ - وقال الحسن: (العهد الذي عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا).\nوقال ابن عباس: (وذلك أن الله إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به).\n٣ - وقيل: أراد أن الكفار منقسمون، فالأكثرون منهم من لا أمانة له ولا وفاء، ومنهم من له أمانة مع كفره وإن قلوا، روي عن أبي عبيدة - ذكره القرطبي.\nقلت: وكل ما ذكر يدخل في مفهوم تأويل هذه الآية، فإن خيانة العهد متأصلة في أهل الكفر وقد علم الله ذلك فيهم قبل أن يخلقهم، ثم مضى ذلك في سلوكهم أثناء حياتهم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. قال مجاهد: (القرون الماضية).\n١٠٣ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ","vol":"3","page":213},{"text":"رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله تعالى عن تتابع الرسل في الأرض بالمهمة نفسها، فبعث موسى ﵊ بالحجج والأدلة إلى فرعون وقومه فكذبوا بها. فانظر يا محمد بعين قلبك كيف أغرق الله فرعون وقومه المفسدين. وكان موسى - ﵊ - قد حذره من قبل، وأنذره بأنه رسول رب العالمين. فحق عليه أن لا يتكلم إلا بالحق وقد جاءهم ببرهان من ربه ليرسل معه بني إسرائيل. فقال له فرعون: إن كنت صادقًا بأنك تحمل بينة فأت بها، فألقى موسى عصاه حينئذ فتحولت إلى حية عظيمة، وأخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء أشد من اللبن، من غير برص، فنسب إليه - عند ذلك - فرعون وملأه السحر وإتقان الخفة، وحذّر قومه من قصده وما يبغي بذلك، وأنه يريد إخراجهم من البلاد واستذلالهم بذلك. فقالوا أخّره وابعث في مدائن ملكك إلى السحرة يأتوك مجموعين جاهزين ليكشفوا بمهارتهم وحيلتهم سحر موسى ويغلبوه حتى يخسر الجولة.\nفقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nأي: ثم بَعَثْنا مِن بعد الرسل الذين سبق ذكرهم موسى عليه وعليهم الصلاة والسلام، بحججنا ودلائلنا الواضحة إلى فرعون - ملك مصر آنذاك - وإلى قومه، فجحدوا تلك الآيات وأنكروها كبرًا وظلمًا وبغيًا وعلوًا في الأرض. كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]. أي: انظر - يا محمد - بعين قلبك، كيف أغرق الله فرعون ومن طغى معه في البحر.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nهكذا ناظر موسى ﵇ - فرعون الطاغية - فقال له: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ","vol":"3","page":214},{"text":"الْعَالَمِينَ﴾. أي: أرسلني الله تعالى الذي هو خالق كل شيء، وقد دانت المخلوقات جميعًا لجبروته.\nوقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nقرأ نافع وجماعة من أهل المدينة: ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ﴾ أي: واجب علي. والمعنى: حق عليَّ أن لا أقول على الله إلا الحق.\nوقرأ بعض قراء المدينة والبصرة ومكة والكوفة: ﴿حَقِيقٌ على﴾. والمعنى: حريص على ألا أقول. وهما قراءتان مشهورتان.\nقال ابن جرير: (﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يقول: قال موسى لفرعون وملئه: قد جئتكم ببرهان من ربكم، يشهدُ، أيها القوم، على صحة ما أقول، وصدق ما أذكر لكم من إرسال الله إياي إليكم رسولًا، فأرسل يا فرعون معي بني إسرائيل).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\nأي: أجاب فرعون: إن كنت يا موسى قد جئت بحجة وبينة تشهد على صدق ما تقول فائْتِ بها إن كنت صادقًا في دعواك.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.\nقال قتادة: (تحولت حية عظيمة). قال القرطبي: (والثعبان: الحية الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. ﴿مُبِينٌ﴾ أي: حية لا لبس فيها).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء. قال: من غير برص).\nوقال مجاهد: (نزع يده من جيبه بيضاء من غير برص). وقال: (وكان موسى رجلًا آدم، فأخرج يده فإذا هي بيضاء، أشد بياضًا من اللبن، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، قال: من غير برص، آيةً لفرعون).","vol":"3","page":215},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ وهم الجمهور والسادة ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ موافقين لقول فرعون فيه، بعد ما رجع إليه روعه، واستقر على سرير مملكته بعد ذلك، قال للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، فوافقوه وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره، وماذا يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتُهم في إطفاء نُوره وإخماد كلمته، وظهور كذِبه وافترائه، وتَخوَّفوا أن يستميل الناسَ بسحره فيما يعتقدون، فيكون ذلك سببًا لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم، والذي خافوا منه وقعوا فيه، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]. فلما تشاوروا في شأنه، وائتمروا فيه، اتفق رأيُهم على ما حكاه الله - تعالى - عنهم):\nفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.\nأرجه: يعني أرجئه، أي: أخِّره.\nقال ابن عباس: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ قال: أخّره. ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾، قال: الشُّرَط).\nوقال قتادة: (﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: احبسه وأخاه).\nوالمقصود: قال الملأ من قوم فرعون مقترحين مشيرين على ملكهم فرعون: ابعث في الأقاليم ومدائن ملكك الشُّرَط، ليحشروا إليك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم لديك، ليكونوا على جاهزية لكشف سحر موسى. كما قال تعالى في سورة طه - يحكي قول فرعون لموسى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾.\n١١٣ - ١٢٦. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ","vol":"3","page":216},{"text":"وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ أُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله تعالى عن مسارعة سحرة فرعون لمبارزة موسى بسحرهم طمعًا في جائزة فرعون وتقريبه لهم، وقد سألوه ذلك فأعطاهم العهد على ذلك، فلما التقوا سألوا موسى إن كان يحب أن يبدأ بعرض ما عنده، فأجابهم: بل أنتم ألقوا قبلي، وذلك أبلغ إذ يرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فرغوا من استعراضهم ألقى موسى عصاه لتبتلع سحرهم وأدواتهم. وبالفعل، فقد أرهبوا الناس بحبالهم حين ألقوها وخيّلوا إلى أبصارهم أن ما يجري حقيقة، فلما ألقى موسى عصاه انقلبت بإذن الله حية فابتلعت ما يكذبون. فظهر الحق وانكشف الباطل والخداع وظهر فرعون وجنوده أذلاء مبهوتين مقهورين. وخرّ السحرة ساجدين، يشهدون أن لا إله إلا الله رب العالمين. رب موسى وهارون. ففزع فرعون من خشية السقوط أمام الناس فتوعد وهدّد، وأخذ يصطنع التدليس والمكر: أن ما كان مؤامرة قد أُعِدَّ لها بين موسى والسحرة - مع أن موسى لم يلقهم ولم يعرفهم قبل - وحاول إخافة القوم بأنه سيقطع أيديهم وأرجلهم مخالفة مع التصليب والنكال، فقابلوه بإيمان كالجبال، قال له السحرة: إنا إلى ربنا منقلبون - أي: آيبون راجعون -. وإنما تنقم منا أنا آمنا بالله العظيم، وقد أكرمنا برؤية بعض آياته يذكرنا بعظمته إنه هو الجبار الحكيم، ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين.\nفقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.","vol":"3","page":217},{"text":"قال القرطبي: (﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ وَحُذِف ذِكر الإرسال لعلم السامع. ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ (١) أي: جائزة ومالًا).\nوقال ابن جرير: (قال فرعون للسحرة، إذ قالوا له: إن لنا عندك ثوابًا إن نحن غلبنا موسى؟ قال: نعم، لكم ذلك، وإنكم لممن أقرِّبه وأدْنيه مني).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا﴾.\nقال ابن كثير: (هذه مبارزة من السحرة لموسى ﵇ في قوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾، أي: قَبْلك. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥]، فقال لهم موسى ﵇: ﴿أَلْقُوا﴾ أي: أنتم أولًا قبلي. والحكمة في هذا - والله أعلم - ليرى الناس صَنيعَهم ويتأمَّلُوه، فإذا فَرَغُوا من بَهْرَجِهِم ومحالهم، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد تَطَلُّب له وانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس. وكذا كان).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.\nقال ابن عباس: (ألقوا حبالًا غلاظًا طوالًا وخَشبًا طوالًا. قال: فأقبلت يخَيَّلُ إليه من سحرهم أنها تسعى).\nوكان أن استرهبوا الناس بصنيعهم، وخيّلوا إلى أبصارهم أن ما يجري أمامهم حقيقة، فاختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.\nقال قتادة: (فألقى موسى عصاه، فتحولت حية، فأكلت سحرهم كله).\nوقال ابن عباس: (فألقى عصاه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون، لا تمر بشيء من حبالهم وخُشُبهم التي ألقوها إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمرٌ من السماء، وليس هذا بسحر، فخرّوا سجَّدًا وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾). وعن مجاهد: (﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، قال: يكذبون).\n_________\n(١) قرأ نافع وابن كثير وحفص وأبو جعفر \"إنَّ لنا\"، وقرأ الباقون \"أئن لنا\".","vol":"3","page":218},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال مجاهد: (ظهر الحق، وذهب الإفك الذي كانوا يعملون). وفي رواية عنه قال: (﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾، ظهر موسى).\nوقوله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.\nأي: غُلب فرعون وجنوده والسحرة وصاروا أذلاء مقهورين مبهوتين بتغلب موسى - ﷺ - عليهم ودحضه كذبهم وألاعيبهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (لما رأت السحرة ما رأت، عرفت أن ذلك أمر من السماء وليس بسحر، فخروا سجدًا، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾).\nقال الجشميّ: (دلت الآية على أن السحرة عرفوا أن أمر العصا ليس من جنس السحر، فآمنوا في الحال).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ إنكار منه عليهم. ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: جرت بينكم وبينه مُواطأة في هذا لتستولوا على مصر، أي: كان هذا منكم في مدينة مصر قبل أن تبرزوا إلى هذه الصحراء ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد لهم).\nولا شك أن هذا الذي قاله فرعون من أبطل الباطل. قال ابن كثير: (فإن موسى - ﵇ - بمجرد ما جاء من مَدْين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صِدْق ما جاء به، فعند ذلك أرسلَ فرعونُ في مدائن ملكه ومُعاملة سَلْطَنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده ووعدهم بالعطاء الجزيل. وقد كانوا من أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون. وموسى ﵇ لا يعرف أحدًا منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تسترًا وتدليسًا على رَعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ","vol":"3","page":219},{"text":"فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]، فإن قومًا صدقوه في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، من أجْهل خلق الله وأضلهم).\nوقوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (أوّل من صلّب، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف، فرعون).\nقال ابن جرير: (وذلك أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى، أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى، فيخالف بين العضوين في القَطْع، فمخالفته في ذلك بينهما هو \"القطع من خلاف\"). قال: ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وإنما قال هذا فرعون، لما رأى من خذلان الله إياه، وغلبة موسى ﵇ وقهره له).\nوقال القاسمي: (﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: تفضيحًا لكم، وتنكيلًا لأمثالكم).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون، وعذابه أشد من عذابك، ونكاله مما تدعونا إليه اليوم ومما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك، فلنصبرن اليوم على عذابك لنخلص من عذاب الله، ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عُمَّنا بالصبر على دينك، والثبات عليه، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: متابعين لنبيك موسى ﵇).\nقال مجاهد: (﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، قال: كانوا أول النهار سحرة، وآخره شهداء).\nوقد حكى الله سبحانه في سورة طه مواجهة السحرة فرعون بعد تهديده، فقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٢ - ٧٥].\nقلت: والصبر من أنفع الأعمال للعبد، فهو حبس اللسان والقلب والنفس والجوارح عن التشكي والجزع والتسخط والتذمر. وقيل: (هو الثبات مع الله، وتلقي بلائه بالرحب والسعة).","vol":"3","page":220},{"text":"ومنه قول سحرة فرعون لما آمنوا وقد توقعوا البلاء من غضب فرعون وقومه: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.\nقال الجنيد: (المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن. وهجران الخلق في جنب الله شديد. والمسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد. وسئل عن الصبر؟ فقال: تجرّع المرارة من غير تعبّس).\nوقال الإمام أحمد: (الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا). قال ابن القيم: (وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ. . .﴾ [النحل: ١٢٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. . .﴾ [الأحقاف: ٣٥].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: [ما يصيب المسلمَ من نصَب ولا وصب ولا همٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ حتى الشوكة يشُاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهُم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نَفِدَ ما عِنْدَه، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: ما يكن عندي من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّه الله، ومن يستغن يُغْنِه الله، ومن يَتَصَبَّر يُصَبِّرْهُ الله. وما أعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٦) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة. انظر مختصر صحيح مسلم (١٧٩٨). والنصب: التعب. والوصب: المرض.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ٢٦٥)، (١١/ ٢٦٠)، ومسلم (١٠٥٣)، وانظر مختصر صحيح مسلم (٥٥٥). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"3","page":221},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الحاكم والبيهقي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المُؤْنَة، وإن الصبرَ يأتي من الله على قدر المصيبة] (١). وفي لفظ: [على قدْر البلاء].\n١٢٧ - ١٢٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله تعالى عن تدخل بعض قادة فرعون ووجهائه من الملأ مشيرين عليه أنْ كيف يترك موسى ومن سار معه من بني إسرائيل يفسدوا بذلك الخدم والعبيد ودين الرعية الذي استعبدهم به فرعون، فقال لهم فرعون: سنقتل الذكور من أبنائهم ونستبقي الإناث منهم وإننا قاهرون لهم بالحكم والقرار والسلطان. فقال موسى لقومه يصبرهم ويأمرهم بالاستعانة بالله العظيم، ثم بالصبر على البلوى والمحن، فإن الأرض لله يستخلف عليها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين خير في الدارين. فقالوا يا موسى: لقد أصابنا الأذى من فرعون بقتل الأبناء قبل مجيئك إلينا بالرسالة، وكذلك اليوم بعد مجيئك يشتد علينا البلاء والإيذاء، فقال لهم: عسى الله أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض من بعده فينظر كيف يكون شكركم وكيف تكون طاعتكم وعبادتكم.\nفقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقالت جماعة رجال من قوم فرعون لفرعون: أتدع موسى وقومه من بني إسرائيل، ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، يقول: كي يفسدوا\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البزار في \"مسنده\" (ص ١٥٦)، وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢٠٦)، ورواه الحاكم والبيهقي، وكذلك الديلمي (١/ ٢/ ٢٤٦). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٦٤).","vol":"3","page":222},{"text":"خدمك وعبيدك عليك في أرضك من مصر، ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، يقول: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ ويدع خِدْمتك موسى وعبادتك وعبادة آلهتك).\nوقوله: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.\nأي: قال فرعون: سنقتل الذكور من أبنائهم - من أولاد بني إسرائيل - ونستبقي الإناث منهم، وإنا قاهرون لهم بالملك والسلطان، عالون عليهم بالحكم والقرار.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nأَمْرٌ بالصبر والتقوى، فالعاقبة للمتقين في الدارين.\nقال القرطبي: (أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الجنة لمن اتقى وعاقبة كل شيء: آخره. ولكنها إذا أطلقت فقيل: العاقبة لفلان فُهِمَ منه في العُرْف الخير).\nوقوله: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا. . .﴾ الآية.\nقال ابن جرير: (﴿قَالُوا أُوذِينَا﴾ بقتل أبنائنا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾، يقول: من قبل أن تأتينا برسالة الله إلينا، لأن فرعون كان يقتل أولادهم الذكور حين أظلَّهُ زمان موسى).\nوقال السدي: (فلما تراءى الجمعان فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد رَدِفَهم، قالوا: \"إنا لمدركون\"، وقالوا: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾، كانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا، إنا لمدركون).\nوعن ابن عباس قال: (سار موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم بِرَهَج دَوَّابِ فرعون، فقالوا: يا موسى - ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون بمن معه! قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾). قلت: و\"عسى\" من الله واجب، وقد حقّق الله لهم الوعد (١).\n_________\n(١) فكان أن استخلفهم سبحانه في مصر زمان داود وسليمان ﵉، وفتحوا بيت المقدس مع يُوشَعَ بن نون، وأكثر عليهم سبحانه من نعمه وآلائه.","vol":"3","page":223},{"text":"قال القرطبي: (﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء، لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم).\nوالمقصود: إن الله تعالى جدّد لهم الوعد وحقَّقَه، فيرى سبحانه ما يعملون بعد استخلافهم، من تسابق للطاعة أو تثاقل عنها.\n١٣٠ - ١٣٧. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن تسليطه القحط والجوع وقلة الزروع على آل فرعون لعلهم يتعظون. فإنهم كانوا إذا لمسوا العافية والرخاء قالوا نحن أحق بها، وإذا نزل بهم بلاء وعقوبة تشاءموا بموسى وأنزلوا المصائب الحاصلة به، وإنما الأمر كله لله لو كانوا يعلمون، ولكن أكثرهم يجهلون. وقد تطاولوا حتى قالوا لموسى: إنا لن نقبل منك أي آية أو حجة فما نحن لك بمؤمنين. فأرسل الله عليهم عندئذ المطر الشديد المهلك، والجراد المنتشر يسحق الزروع والثمار، وكذلك السوس ينخر في الطعام والمدخرات، والضفادع تقع في طعامهم وشرابهم فتفسدها عليهم، ثم الدم يعكر مياههم وآبارهم وأنهارهم وأوعيتهم جزاء بما كانوا يفسدون. ثم إنهم لما نزل بهم البلاء","vol":"3","page":224},{"text":"سألوا موسى أن يدعو ربه بما عهد له من النبوة لئن رفعت عنا الرجز لنصدقن بك وبدعوتك ولنقرن لك بالطاعة، وَلنخلين معك بني إسرائيل. فلما رفع الله عنهم ذلك العذاب - إلى حين موعد هلاكهم الأخير بالغرق - إذا هم ينقضون العهد والمواثيق، فما كان بعد هذه السلسلة من التكذيب والمكر إلا أن أنزل الله بهم نقمته وانتصر منهم فأغرقهم في البحر فكانوا كأمس الذاهب. ثم أورث الله المؤمنين من بني إسرائيل أرض الشام ومصر، وجميع جهات المشرق والمغرب التي بارك سبحانه فيها بإخراج الزروع والثمار وجريان الأنهار، وكونها مهد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وتمت كلمة الله الحسنى أن استحقوا وعده ونصره بعد طول جهاد وصبر، وأهلك الله فرعون وقومه، ودَمَّرَ ما عمروه وصنعوه، وما بنوه طمعًا في البقاء في منصة الحكم والكبر والعلو في الأرض.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾.\nقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: (سني الجوع). وقال مجاهد: (الجائحة). أي: ابتليناهم وامتحناهم بسني الجوع بسبب القحط والجدب وقلة الزروع. وفي الحديث: [اللهم اجعلها عليهم سنين كسِني يوسف] (١).\nوقوله: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.\nقال رجاء بن حيوة: (حيث لا تحمل النخلة إلا ثمرة واحدة).\nوقال قتادة: (أخذهم الله بالسنين، بالجوع، عامًا فعامًا، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، فأما \"السنين\" فكان ذلك في باديتهم وأهل مواشيهم، وأما ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، فكان ذلك في أمصارهم وقراهم).\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\nأي: ليرعووا ويتعظوا وترق قلوبهم.\nوقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾.\nقال مجاهد: (﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾، العافية والرخاء، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾، نحن أحق بها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، بلاء وعقوبة، ﴿يَطَّيَّرُوا﴾، يتشاءموا بموسى).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٢٩٣٢)، وأخرجه الإمام مسلم (٦٧٥)، وغيرهما.","vol":"3","page":225},{"text":"وقوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يقول: الأمر من قبل الله. قال: مصائبهم عند الله. قال الله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: يقولون: إنه لن نقبل منك أي آية تأتي بها أو حجّة تقيمها علينا، فما نحن لك بمؤمنين. قال ابن جرير: (قال آل فرعون لموسى: يا موسى، مهما تأتنا به من علامة ودلالة، ﴿لِتَسْحَرَنَا﴾، يقول: لتلفتنا بها عما نحن عليه من دين فرعون، ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، يقول: فما نحن لك في ذلك بمصدقين على أنك محق فيما تدعونا إليه).\nوقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾.\nالطوفان: هو المطر الشديد حتى الفيض وخشية الغرق. قال ابن عباس: (لما جاء موسى بالآيات، كان أول الآيات الطوفان، فأرسل الله عليهم السماء. قال الضحاك: (﴿الطُّوفَانَ﴾، الماء).\nوقال أيضًا: (﴿الطُّوفَانَ﴾، الغرق). وقيل: (الطوفان: كثرة الموت). وقيل: (الطاعون). والأول أرجح، كما قال ابن عباس في الرواية المشهورة: (كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار). وهو اختيار القرطبي ﵀ - حيث قال: (﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: المطر الشديد حتى عامُوا فيه).\nوالجراد: حيوان معروف، جمع جرادة في المذكر والمؤنث، قيل: بعثه الله عليهم حتى أكل زروعهم وثمارهم، حتى أنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدِمَ ديارهم. ولم يدخل دُور بني إسرائيل منها شيء. والجراد حلال أكله كما ثبت في السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٩٦/ ٢٥٥/ ١)، والبيهقي (١/ ٢٥٤)، وأخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وابن عدي (١/ ٢٢٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ١٨٥/ ٢).","vol":"3","page":226},{"text":"الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي يَعفُور قال: [سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد، فقال: غزونا مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات نأكل الجراد] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي زهير، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تقتلوا الجراد، فإنه من جند الله الأعظم] (٢).\nقلت: الراجح أنه النهي عن قتله لغير الحاجة لأكله، أما إن كان الجراد بكميات كبيرة تؤذي الزرع ولا سبيل لطرده دون قتله، جاز قتله واستخدام المبيدات ضده، فإنه لا ضرر ولا ضرار.\nوأما ﴿الْقُمَّلَ﴾ في معناه أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (هو السوس الذي يخرج من الحنطة).\n٢ - وقال السدي: (الدَّبى، القمّل). والدّبى: صغار الجراد الذي لا أجنحة له.\n٣ - وقال سعيد بن جبير: (القمّل: دواب سود صغار).\n٤ - وقال ابن زيد: (زعم بعض الناس في القمل أنها البراغيث).\n٥ - وقال عطاء الخراساني: (القُمَّل: القَمْل).\n٦ - وقال أبو عبيدة: (القمّل: الحَمْنَان). وهو ضرب من القُراد، واحدها حَمْنانة. فأكلت دوابَّهم وزروعهم، ولزمت جلودهم كأنها الجُدري عليهم ومنعتهم النوم والقرار.\n٧ - وقال حبيب بن أبي ثابت: (القمّل الجِعلان). وهو دابة سوداء من دواب الأرض.\nقلت: لما عاهد القوم موسى أن يؤمنوا لو كشف عنهم الجراد، فدعا فكشف وقد بقي من زروعهم شيء فاعتبروها كافية، وجحدوا مرة أخرى، فسلط الله عليهم القُمّل، وهي أصغر من الجراد على ما مضى، حتى رأوا العنت والهلاك، فتضرعوا فلما كشف عنهم لم يؤمنوا، فسلط الله عليهم الضفادع.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٤٩٥)، ومسلم (١٩٥٢)، وأبو داود (٣٨١٢)، والترمذي (١٨٢٢)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٥٧)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، وابن حبان (٥٢٥٧)، والبيهقي (٩/ ٢٥٧). من حديث أبي يعفور عن عبد الله أبي أوفى ﵁.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني (٢٢/ ٢٩٧)، وفي مسند الشاميين (١٦٥٦)، والأوسط (١٥٩).","vol":"3","page":227},{"text":"فقوله: ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾.\nجمع ضفدع، وهي المعروفة التي تكون في الماء. وقد ورد النهي عن قتلها وبالتالي أكلها، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجه وأبو داود وأحمد - واللفظ لابن ماجه - عن أبي هريرة قال: [نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل الصُرَد والضفدع والنملة والهدهد] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عثمان: [أن طبيبًا سأل النبي - ﷺ -، عن ضِفْدَعٍ يجعلها في دواء، فنهاه النبي - ﷺ - عن قتلها] (٢).\nالحديث الثالث: يروي النسائي بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تقتلوا الضفادع] (٣).\nوالخلاصة في معنى هذه الآية: لقد سلّط الله عليهم الضفادع حتى كانت تقع في طعامهم وشرابهم، وإذا تكلم الرجل تقع في فيه.\nيروي ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير قال: (لما أتى موسى فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل! فأبى عليه، فأرسل الله عليهم الطوفان - وهو المطر - فصبّ عليهم منه شيئًا، فخافوا أن يكون عذابًا، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئًا لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ. فقالوا: هذا ما كنا نتمنَّى، فأرسل الله عليهم الجراد فسلَّطه على الكلأ، فلما رأوا أثَره في الكلأ عرفوا أنه لا يُبقي الزرع. فقالوا: يا موسى، ادْعُ لنا ربك فيكشف عنا الجرادَ فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، فكشف عنهم الجرادَ، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فداسُوا وأحرزُوا في البيوت، فقالوا: قد أحرزْنا! فأرسل الله عليهم القُمَّل - وهو السُّوس الذي يخرج منه - فكان الرجل يخرج عشرة أجرِبةٍ إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٣٢٢٣) - باب ما ينهى عن قتله، وانظر سنن أبي داود (٥٢٦٧)، ومسند أحمد (١/ ٣٣٢)، وسنن الدارمي (٢/ ٨٨)، والبيهقي (٩/ ٣١٧)، وصححه ابن حبان (٥٦٤٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٥٢٦٩) - باب في قتل الضفدع، وأخرجه النسائي (٧/ ٢١٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه النسائي - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٢٦٧).","vol":"3","page":228},{"text":"الرحى، فلا يردّ منها ثلاثة أقفزة. فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا القمَّل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربَّه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينا هو جالس عند فرعون، إذ سمع نقيق ضِفْدَع فقال فرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا! فقال: وما عسى أن يكون كيدُ هذا! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذَقْنِهِ في الضفادع، ويهمُّ أن يتكلم فتثب الضفادع في فيه. فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع، فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فكان ما استقوا من الأنهار والآبار، أو ما كان في أوعيتهم، وجدُوه دمًا عَبِطًا (١) فشكوا إلى فرعون فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدّم، وليس لنا شراب! فقال: إنه قد سحركم! فقالوا: من أين سحرنا، ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئًا من الماء إلا وجدناه دمًا عبيطًا؟ فأتوه فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربك يكشف عنا هذا الدم، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرئيل).\nوقوله: ﴿وَالدَّمَ﴾.\nقال النسفي: (أي: الرعاف، وقيل مياههم انقلبت دمًا حتى إن القبطي والإسرائيلي إذا اجتمعا على إناء فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دمًا، وقيل سال عليهم النيل دمًا).\nوالخلاصة: لقد سلّط الله عليهم الدم عندما نقضوا العهد مرة بعد مرة، حتى اختلط الدم بمياه أنهارهم وآبارهم وأوعيتهم، وتعطل شرابهم وفسد لعلهم بذلك يتوبون إلى الله ويتذكرون.\nوقوله: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾.\nقال ابن إسحاق: (أي: آية بعد آية، يتبع بعضها بعضًا). وقال مجاهد: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾، قال: معلومات) أي: واضحات دالات.\nوقوله: ﴿آيَاتٍ﴾.\nهو في محل نصب حال من المنصوبات قبل.\n_________\n(١) العَبِطُ والعبيط: الطريّ.","vol":"3","page":229},{"text":"وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.\nقال القاسمي: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن الإيمان، فلم يؤمنوا لموسى، ويرسلوا معه بني إسرائيل ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي: عاصين كافرين. قال الجشميّ: تدل الآية على عناد القوم، وإصرارهم على الكفر وجهلهم، حيث عاهدوا في كل آية يأتي بها على صدقه وإثبات العهد، أنهم لا يؤمنون بها. وليس هذا عادة مَنْ غَرَضُه الحق. وتدل على ذم من يرى الآيات ولا يتفكر فيها. وتدل على وجوب التدبر في الآيات).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾، قال: الطاعون). وقال مجاهد: (﴿الرِّجْزَ﴾: العذاب).\nوقيل المراد بالرجز ما تقدم من الآيات، وقيل هو العذاب الأخير وهو الدم. وكلها واردة محتملة في المعنى.\nوفي قوله: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ - ما مصدرية، أي: بعهده عندك وهو النبوة. قال النسفي: (والباء تتعلق بادع أي: ادع الله لنا متوسلًا إليه بعهده عندك). وقال الشهاب: (سميت النبوة عهدًا، لأن الله عهد إكرام الأنبياء بها، وعهدوا إليه تحمل أعبائها، أو لأن لها حقوقًا تحفظ، كما تحفظ العهود. أو لأنها بمنزلة عهد ومنشور من الله تعالى). والخلاصة: لقد عاهدوا موسى - ﵇ - لئن رفعت عنا الرجز لنصدق بك وبدعوتك ولنقرن لك.\nقال ابن جرير: (﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، يقول: ولتُخَلِّيَنَّ معك بني إسرائيل، فلا نمنعهم أن يذهبوا حيث شاؤوا).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.\nأي: فلما رفع الله عنهم العذاب - بدعاء موسى ﵊ - ليستوفوا أيامًا في هذه الحياة إلى أن يحين وقت هلاكهم وغرقهم - إذا هم ينقضون العهود ويرجعون إلى كفرهم ومكرهم.\nقال مجاهد: (﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾، قال: عدد مسمّى لهم من أيامهم).\nوقال القرطبي: (﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ يعني أجلهم الذي ضرب لهم في التغريق).","vol":"3","page":230},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.\nأي: فلما حان أجلهم أنزلنا بهم النقمة وانتصرنا منهم بإحلال العذاب فيهم، فأغرقناهم في البحر بما كذبوا بآيات الله ورسوله وجحدوا حججه سبحانه البالغة.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.\nقال قتادة والحسن: (الأرض التي باركنا فيها: الشأم).\nوالمعنى: لقد أورث الله تعالى بني إسرائيل الذين كانوا يُستذلون بالخدمة أرض الشام ومصر - بعد هلاك فرعون وقومه - وجميع جهات المشرق والمغرب فيها، ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بإخراج الزروع والثمار والأنهار، وكونها مهد الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾\nمفسّر بقوله تعالى في آية القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾.\nفبصبرهم على أذى فرعون ومكره هو وجنوده، وبصبرهم على أمر الله بعد أن آمنوا بموسى - ﷺ -، استحقوا عند الله ذلك الوعد الأكيد، وهو وعد الله للمؤمنين الصابرين المرابطين على الحق في كل زمان ومكان.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].\n٤ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\nأخرج الديلمي - بسند صحيح في الشواهد - عن أنس مرفوعًا: [النَّصر مع الصَّبر،","vol":"3","page":231},{"text":"والفَرَجُ مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا، وإنَّ مع العسر يُسْرًا] (١).\nوالخلاصة: كما قال مجاهد: (ظهر قوم موسى على فرعون، \"وتمكين الله له في الأرض\"، ما وَرَّثهم منها).\nوقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وأهلكنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العِمارات والمزارع، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، يقول: وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور، وأخرجناهم من ذلك كله، وخَرَّبنا جميع ذلك).\nوقوله: ﴿يَعْرِشُونَ﴾. بكسر الراء - قراءة قراء الحجاز والعراق. وقرأه عاصم بن أبي النجود ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بضمها. وكلاهما قراءتان مشهورتان. قال ابن عباس: (يعرشون: يبنون) وقال مجاهد: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون البيوت والمساكن ما بلغت).\nومضى الطاغية فرعون إلى غير رجعة، وورث تلك البلاد والكنوز المؤمنون من بني إسرائيل مع موسى ﵊، سنة الله في عباده، ولن تجد لسنته تبديلًا.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع - بسند صحيح - عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [لما أغرق الله فرعون، قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. قال جبريل: يا محمد، فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة] (٢).\n١٣٨ - ١٤٧. قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، والخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، وانظر بعضه في مسند أحمد (١/ ٣٠٧)، وفي \"تخريج السنة\" (٣١٦). وهو في \"الصحيحة\" رقم (٢٣٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣١٠٧). ورواه أحمد. انظر صحيح الجامع الصغير (٥٠٨٢) - وتفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٧٠٧).","vol":"3","page":232},{"text":"الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن افتتان بعض بني إسرائيل - بعد أن جاوزوا البحر - بقوم على أصنامهم يعكفون، فسألوا موسى تقليدهم - ضعفًا منهم في دينهم وقلة رسوخ ويقين - بأن يجعل لهم صورة آلهة كما لأولئك القوم، قال إنكم قوم تجهلون أن الله تعالى واحد لا شريك له ولا مثيل ولا شبيه، وإنما هؤلاء على خسران في عملهم وعبادتهم وانحراف دينهم. وكيف أبغيكم إلهًا من دونه تعالى وهو سبحانه الذي فضلكم على عالمي زمانكم. أليس هو أنجاكم من بأس فرعون وجنوده يذيقونكم أسوأ العذاب فيقتلون الذكور منكم ويستبقون الإناث وفي ذلك ما ذقتم من البلاء العظيم. وإذ واعد ربكم تعالى موسى - ﷺ - لمناجاته ثلاثين ليلة، ثم أكملها بعشر حتى الأربعين، وكان موسى قد استخلف على قومه هارون - ﵊ - وأوصاه بالحرص على سلامة دين بني إسرائيل وحذره من سبيل المفسدين المبتدعين. ولما قدم موسى لميعاد ربه وكلّمه الله تعالى حدثته نفسه أن ينظر إلى ربه ﷿، فسأله ذلك، فأخبره أن هذا","vol":"3","page":233},{"text":"لا يكون في دار الدنيا، فانظر إلى الجبل هل يستقر أمام نور الله العظيم إذا كشف حجابه، فلما كشف الله الحجاب نحو الجبل تحطم الجبل وخرّ موسى مغشيًا عليه، فلما أفاق التجأ إلى الله تعالى منزهًا ومسبحًا وتائبًا مسرعًا إليه سبحانه كأول المؤمنين. فقال الله له: يا موسى! إني اخترتك على أهل زمانك بالرسالة والتكليم فخذ هذا الوحي بقوة واشكر ربك على ما اختصك به، وهذه الألواح فيها من كل ما تحتاج إليه أنت وقومك من بيان الحق: في التوحيد والأحكام والمعاملات والمواعظ وغير ذلك، فاحمل الأمانة بقوة واؤْمُرْ قومك بالعمل بأحسن الأعمال وأعلى القربات واختيار سبيل المعالي دون سفساف الأمور، سترون في هذه الدنيا مصير من قبلكم وفي الآخرة منازل العصاة الآثمين. إن من عقوبات الله العظيمة أن يصرف قلوب المتكبرين على دينه وشرعه عن الحق حتى تصبح قلوبهم مفتونة لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، وإنما هي الشبهات تعمرها، والشهوات تحركها، إن المكذبين بآيات الله ولقائه قد بطلت أعمالهم، وخسروا أنفسهم، جزاء بما كانوا يصرون عليه من الكبر والتكذيب وبما كانوا يجترحون.\nفقوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾.\nإخبارٌ من الله سبحانه عن قصور إيمان بعض بني إسرائيل، وقلة رسوخ دينهم ويقينهم بالله تعالى، حتى تجرأ بعض الجهلة منهم - بعد أن جاوزوا البحر وأراهم الله من عظيم قدرته وكبير سلطانه وجبروته - على سؤال موسى تقليد قوم - وقد مرّوا بهم - يعبدون أصنامًا على صور البقر. قيل: كانوا من الكنعانيين، وقيل: من لخم. قال ابن جريج: (﴿عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾: تماثيل بقر. فلما كان عجل السامري شبِّه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أوّل شأن العجل: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾).\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي واقد الليثي قال: [خرجنا مع رسول الله - ﷺ - قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلت: يا نبي الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط. وكان الكفار ينوطون سلاحَهم بسدرة، ويعكفون حولهم. فقال النبي - ﷺ -: الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إنكم تركبون سَنَنَ من قبلكم] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢١٨)، والترمذي (٢١٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٨٥)، =","vol":"3","page":234},{"text":"ورواه ابن جرير في التفسير - بسند صحيح - من حديث محمد بن إسحاق ومعمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي: [أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين، قال: وكان للكفار سِدْرَةٌ يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرةٍ خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: قلتم، والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.\nأي: تجهلون صفات الله وعظمته وجلاله، وتجهلون تنزيهه عن المثيل والشريك وعن كل شيء، فهو تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: خُسْران). وقال السدي: (مُهْلَكٌ ما هم فيه). أي: إن هؤلاء بعكوفهم على هذه الأصنام، الله مهلك عملهم، ومخسرهم فيه.\nوقوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nأي: ذاهب مضمحل. وهو سبب لشقائهم وهلاكهم يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.\nأي: أسوى الله ألتمسكم إلهًا تعبدونه، وهو الله خالقكم وقد فضلكم على عالمي دهركم وزمانكم، وفضلكم بإهلاك عدوكم! فأي جهل أنتم فيه؟\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.\nقال ابن كثير: (يذكِّرُهم موسى - ﵇ - بنعمة الله عليهم، من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة\n_________\n= وأخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ١٠١)، وأبو يعلى (١٤٤١)، وابن حبان (٦٧٠٢)، وغيرهم.\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبري (١٥٠٦٥) من طريق معمر، وكذلك (١٥٠٦٧) من طريق محمد بن إسحاق، وكذلك (١٥٠٦٨) من طريق عقيل عن الزهري به، وإسناده على شرط الصحيح.","vol":"3","page":235},{"text":"والاشتفاء من عدوهم والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه، وغرقه ودماره. وقد تقدم تفسيرها في البقرة).\nوقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nيتابع الله ممتنًا بنعمه الجليلة على بني إسرائيل يذكرهم بها: إذ واعد موسى لمناجاته ثلاثين ليلة. قال ابن جريج: (يقول: إن ذلك بعدما فرغ من فرعون وقبل الطور، لما نجى الله موسى ﵇ من البحر وغرّق آل فرعون، وخلص إلى الأرض الطيبة، أنزل الله عليهم فيها المنّ والسلوى، وأمره ربه أن يلقاه، فلما أراد لقاء ربه، استخلف هارون على قومه، وواعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثين ليلة، ميعادًا من قِبله، من غير أمر ربه ولا ميعاده. فتوجه ليلقى ربه فلما تمت ثلاثون ليلة، قال عدو الله السامريُّ: ليس يأتيكم موسى، وما يصلحكم إلا إله تعبدونه! فناشدهم هارون وقال: لا تفعلوا، انظروا ليلتكم هذه ويومكم هذا، فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم! فقالوا: نعم! فلما أصبحوا من غد ولم يروا موسى، عاد السامري لمثل قوله بالأمس. قال: وأحدث الله الأجل بعد الأجل الذي جعله نبيهم عشرًا، فتم ميقات ربه أربعين ليلة).\nقال الحافظ ابن كثير: (فلما تم الميقات عزم موسى على الذهاب إلى الطور، كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ. . . (٨٠)﴾ الآية، فحينئذ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، وأوصاه بالإصلاح وعدم الفساد، وهذا تنبيه وتذكير - وإلا فهارون - ﵇ - نبي شريف كريم على الله، وله وجاهة وجلالة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء).\nقال ابن جريج: (﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾، وكان من إصلاحه أن لا يدع العجل يُعْبد).\nوقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.\nهذه الآية فيها إثباتان:\n١ - إثبات كلام الرب ﵎، فقد نصت الآية بصراحة أنه تعالى كلّم موسى، ومن ثمّ فإنه سبحانه يتكلم متى شاء، وكيف شاء، وأين شاء، ومع من شاء.","vol":"3","page":236},{"text":"٢ - إثبات عدم إمكانية رؤية الله تعالى في دار الدنيا لأي أحد، وإمكانية الرؤية للمؤمنين يوم القيامة.\nففي المسألة الأولى: إثبات الكلام لله تعالى. والآية ردّ على الفلاسفة والمعتزلة وأهل الكلام.\n١ - قالت الصابئة والمتفلسفة: (كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معان إما من العقل الفعال أو غيره).\n٢ - وقالت المعتزلة: (هو مخلوق خلقه الله منفصلًا عنه).\n٣ - وقالت طائفة من أهل الكلام: (هو حروف وأصوات أزلية).\nوكذبوا جميعًا فيما قالوا وفيما تصَوَّروا وذهبوا إليه، والفصل في المسألة هو الذي ثبت عليه العلماء الراسخون في صدر الإسلام من أن القرآن كلام الله على الحقيقة، فهو من صفاته سبحانه وليس من مخلوقاته.\nقال الإمام أبو جعفر الطحاوي - في عقيدته المدوّنة -: (وإن القرآن كلام الله تعالى بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على نبيِّه وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا. وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة. ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذَمَّهُ الله تعالى وعابه، وأوعده عذابه، حيث قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. فلما أوعد الله سقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ علمنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر).\nلقد أثبت الله سبحانه الكلام لنفسه فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. قال بعضهم لأبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة -: أريد أن تقرأ: وكلم اللهَ موسى، بنصب اسم الله، ليكون موسى هو المتكلم لا الله. فقال أبو عمرو: (هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟) فبهت المعتزلي.\nيريدون أن ينفوا الكلام عن الله، وينفوا أن القرآن كلامه وصفة من صفاته - هكذا استذلهم الشيطان بفكر أجنبي دخيل - والله يقول: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:","vol":"3","page":237},{"text":"٧٧]. ويقول: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. أي: لا يكلمهم تكليم تشريف، بل يخرسهم وأما المؤمنون فيكلمهم.\nوأما المسألة الثانية: إثبات رؤية الله تعالى - للمؤمنين - يوم القيامة.\nفقد أشكل حرف \"لن\" في الآية - قيد التفسير - ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ على بعض أهل العلم، فظنوها للنفي المؤبد، واستدل بها المعتزلة (١) على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وغفلوا عن الآيات المحكمات الأخرى التي تثبت الرؤية، وكذلك عن أحاديث صحيحة في صرح السنة العظيم.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].\nقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: لما أن حُجِبَ هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى]. وفي رواية: (ما حجب الفجار إلا وقد عَلِمَ أن الأبرار يَرَونه ﷿) (٢).\n٣ - وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. . .﴾ [يونس: ٢٦]. والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.\nففي صحيح مسلم عن صهيب، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب فينظرون إلى وجه الله، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾] (٣).\n_________\n(١) المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية.\n(٢) انظر تفسير ابن كثير، سورة القيامة (٢٢ - ٢٣). وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٢٠٦) - بحث الرؤية - لمزيد من التفصيل.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨١)، وأخرجه الترمذي (٢٥٥٢)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٣٣).","vol":"3","page":238},{"text":"ومن كنوز السنة الصحيحة في إثبات الرؤية في الآخرة أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن جابر في حديثه: [إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك] (١).\nأي: في عرصات القيامة، مما يدل أن المؤمنين ينظرون إليه سبحانه في العرصات وفي روضات الجنات.\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنكم سترون ربكم عِيانًا. وفي رواية: كنا جلوسًا عند رسول الله - ﷺ - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد ﵁: [أن أناسًا قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله - ﷺ -: نعم. هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صَحْوًا ليس معها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>فوائد هامة:</span>\n١ - قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ دليل على ثبوت رؤيته من وجوه - عند أهل العلم -:\nأ - لا يجوز أن يظن بكليم الله ورسوله وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز له.\nب - إن الله لم ينكر عليه سؤاله. فحين سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\nج - إنه سبحانه قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولم يقل: \"إني لا أُرى\" أو \"لا تجوز رؤيتي\" أو \"لست بمرئي\".\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٩١)، في أثناء حديث مطول.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٧٣)، وأحمد (٤/ ٣٦٢)، وانظر صحيح مسلم (١٨٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢)، وانظر تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢٠٦ - ٢١٦) ج (١).","vol":"3","page":239},{"text":"٢ - قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ دليل واضح على ثبوت الرؤية.\nفقد سئل الإمام مالك عن هذه الآية، فقيل: قوم يقولون: إلى ثوابه. فقال مالك: (كذبوا، فأين هم عن قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ قال مالك: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم، وقال: لو لم يرَ المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعيِّر الله الكفار بالحجاب، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾) رواه في شرح السنة.\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.\nإعلام أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذا الدار، فكيف بالبشر؟ !\nوقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾.\nفيه جواز تجلّيه سبحانه للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكنه سبحانه أعلم موسى أن الجبل إذ لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف.\nوقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.\nأي: مغشيًا عليه.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس: [أن النبي - ﷺ - قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال حماد: هكذا، وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: فساخ الجبل وخر موسى صعقًا] (١).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: لما أفاق من الغشي التجأ إلى الله تعالى منزهًا ومسبحًا ومعظمًا، ومُجِلًّا لله أن يراه أحد في هذه الحياة الدنيا إلا مات أو صعق، ثم سأل التوبة بقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.\nقال مجاهد: (أن أسألك الرؤية). ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (من بني إسرائيل).\nوقال ابن عباس - في رواية أخرى -: (أنه لا يراك أحد). وقيل: (يقول: أنا أول من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٣٢٨٢) - أبواب تفسير القرآن - سورة الأعراف. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٥٨).","vol":"3","page":240},{"text":"آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة).\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [جاء رجُلٌ من اليهود إلى النبي - ﷺ - قد لُطِمَ وَجْهُه وقال: يا مُحَمّدُ، إن رَجُلًا من أصحابك من الأنصار لَطَمَ في وَجْهي، قال: ادْعوه، فدَعَوْهُ قال: لِمَ لَطمْتَ وَجْهَهُ؟ قال: يا رسول الله، إني مَرَرْتُ باليهود فسمعتُه يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، فقلت: وعلى مُحَمّد؟ وأخذَتْني غَضْبة فَلطَمْتُه. قال: لا تخيِّروني من بين الأنبياء، فإن الناس يُصْعقون يوم القيامة فأكونُ أوَّل من يُفِيقُ، فإذا أنا بموسى آخِذٌ بقائمةٍ مِنْ قوائمِ العَرْش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطور؟] (١).\nوفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: [استَبَّ رجلان، رجُلٌ من المسلمين ورجلٌ من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فَرَفَعَ المسلمُ يَدَهُ عند ذلك فَلَطَمَ وَجْهَ اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي - ﷺ - فأخْبَرَهَ بما كان من أمْرِه وأمْرِ المسلم، فدعا النبي - ﷺ - المُسْلِمَ فسأله عن ذلك فأخْبَرَه، فقال النبي - ﷺ -: لا تخيِّروني على موسى، فإن الناس يصْعَقون يوم القيامة فأصْعَقُ معهم فأكون أوَّلَ من يُفيق، فإذا موسى باطِشٌ جانِبَ العرش، فلا أدري أكان فيمن صَعِقَ فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.\nالاصطفاء: الاجتباء. والمقصود: تفضيل موسى - ﷺ - على الناس المرسل إليهم، فقد اصطفاه الله على عالَمي زمانه برسالاته وكلامه - جل ذكره -، وقد جاء ذلك في حديث احتجاج آدم وموسى، عليهما الصلاة والسلام.\nففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٦٣٨)، كتاب التفسير - آية الأعراف (١٤٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٣٧٤)، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤١١)، كتاب الخصومات، وأخرجه مسلم (٢٣٧٣)، ورواه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٣٠٤). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":241},{"text":"ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم! قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه وأنزل عليك التوراة، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني؟ فَحَجَّ آدم موسى] (١).\nوأما رسولنا محمد - ﷺ - فلا شك أنه سيد ولدِ آدم - جميعًا - من الأولين والآخرين، وخاتم النبيين والمرسلين، وشريعته ناسخة لكل شرائع الأنبياء والمرسلين.\nففي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [أنا سيد الناس يوم القيامة] (٢). وفي لفظ لمسلم: [أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأولُ شافع، وأول مشفع].\nوفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -: [أنا سيد ولدِ آدم يوم القيامة ولا فخرَ، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فخرَ، وما من نبي يومئذٍ آدمُ فَمَنْ سواهُ إلا تحت لوائي، وأنا أول شافع، وأَولُ مشفَّع، ولا فخر] (٣).\nوقوله: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾.\nأي: من الكلام والمناجاة واعمل بما لديك من هذا الوحي العظيم، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ على ما آتاك الله من رسالته، وما اختصك به من الكلام والنجوى على أهل زمانك وعلى كثير من الخلق، فاعمل بطاعته والتزم ذكره وشكره ورضاه.\nوقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.\nأي: لقد كتب الله ﵎ لموسى في ألواحه من كل ما يجب معرفته عن الله تعالى من التوحيد والتعظيم والتشريع موعظة لقومه وتبيينًا لكل ما يخصهم من أمر الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٠٩)، (٦٦١٤)، (٧٥١٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٥٢) (١٣)، وكذلك الأرقام بعده (١٤) (١٥) - كتاب القدر - باب حجاج آدم وموسى صلى الله عليهما وسلم. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ١٢٧ - ١٢٩)، وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٩٢). ورواه البخاري وأحمد، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٣/ ٢)، وجامع الترمذي (٤/ ١٤٠)، وسنن ابن ماجه (٢/ ٥٨١)، وقال الترمذي: حديث حسن. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٥٧١)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٤٨١).","vol":"3","page":242},{"text":"ونهيه وحلاله وحرامه. قيل الألواح تشتمل على التوراة، وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة.\nوقال سعيد بن جبير: (﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: قال: ما أمروا به ونهوا عنه). وقال السدي: (من الحلال والحرام).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [احتج آدمُ وموسى، فقال: موسى: يا آدم! أنت أبونا، أنت خَيَّبْتَنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخَطَّ لك بيده، أتلومني على أمر قَدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي - ﷺ -: فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدم موسى].\nوفي لفظ: [فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله عِلْمَ كُلِّ شيء، واصطفاه على الناس برسالته؟].\nوفي لفظ: [قال آدم ﵇: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تِبْيانُ كُلِّ شيء، وقرّبك نجيًّا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخْلَق؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه]؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملْتُ عَمَلًا كتبه الله عليَّ أن أعْمَلَهُ، قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله - ﷺ -: فحجَّ آدم موسى] (١).\nوقوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾.\nقال ابن عباس: (بجدّ). وقال السدي: (بجد واجتهاد).\nوقال الربيع بن أنس: (﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، قال: بالطاعة). قلت: أي خذ الألواح بقوة، فعظم ما فيها من الأوامر والأحكام، واعمل بطاعة الله والدعوة إليها.\nوقوله: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.\nقال ابن عباس: (أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أمر به قومه). وقال السدي: (﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾، بأحسن ما يجدون فيها).\nقال ابن جرير: (كان فيها أمرٌ ونهيٌ، فأمرهم الله أن يعملوا بما أمرهم بعمله، ويتركوا ما نهاهم عنه، فالعمل بالمأمور به، أحسنُ من العمل بالمنهي عنه).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر الروايات المختلفة في صحيح مسلم (٢٦٥٢) ح (١٣) (١٤) (١٥) - كتاب القدر - من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":243},{"text":"قلت: ويمكن أن يكون المعنى: وأمر قومك يا موسى أن يعملوا بأحسن ما استطاعوا من العمل، وأن يبذلوا قصارى جهدهم في التمسك بما تمكنوا إلى ذلك سبيلًا. كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وكما جاء في هذين الحديثين من كلام نبينا - ﷺ -:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح عن ثوبان، عن النبي ﵊، قال: [استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خيرَ أعمالكم الصلاةُ، ولا يحافظُ على الوضوء إلا مؤمن] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه عن أبي أمامة، والطبراني عن عبادة بن الصامت، بإسناد صحيح، عن النبي - ﷺ - قال: [استقيموا، ونِعمّا إن استقمتم، وخيرُ أعمالكم الصلاة، ولن يحافظَ على الوضوء إلا مؤمن] (٢).\nوقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nقال مجاهد: (مصيرهم في الآخرة).\nوقال الحسن: (جهنم). وقال قتادة: (منازلهم). وقال الكلبي: (﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود، والقرون التي أهلكوا). وقال قتادة: (المعْنَى: سأريكم منازل الكفار التي سكنوها قبلكم من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها، يعني الشأم).\nقلت: ولا شك أن الآية تهديد ووعيد وتبصير بما يؤول إليه حال المتكبرين عن أوامر الله وتعظيمها كما حدث للأمم التي دكّها الله من قبل حين تمادت، وتذكير بما ينتظرهم من سعير جهنم في الآخرة.\nوقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.\nقال ابن عيينة: (يقول: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي).\nوقال ابن جريج: (﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾، عن خلق السماوات والأرض والآيات فيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ثوبان ﵁، والطبراني عن سلمة بن الأكوع ﵁، انظر تخريج المشكاة (٢٩٢)، والإرواء (٤١١)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٩٦٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه والطبراني. انظر المرجع السابق - حديث رقم - (٩٦٤).","vol":"3","page":244},{"text":"وقال ذو النون: (أبى الله أن يكرم قلوب البطالين بمكنون حكمة القرآن).\nقلت: والآية سرٌّ عظيم من أسرار القدر، فإن الله سبحانه يطلع على القلوب ويُصَرِّفُها كيف شاء، ومن كمال عدله سبحانه أن يَصْرِفَها عن فهم قرآنه ودينه إذا ظهر من صاحبها تكبرٌ عن أمره وغرور بالباطل وتحد للحق. كما قال تعالى في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾. وكقوله في سورة الصف: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. . . (٥)﴾. وكقوله في سورة الأنعام: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. . . (١١٠)﴾.\nوفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁ قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله - ﷺ - يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تَعْنُونَ فتنةَ الرجل في أهله وماله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تِلْكَ تُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيُّكُم سمع رسول الله - ﷺ - يذكر التي تَمُوجُ موجَ البحر؟ قال حذيفة: فَأَسْكَتَ القومُ، فقلتُ: أنا. قال: أنت لله أبوك؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [تُعرض الفِتنُ كالحصير عودًا عودًا، فأىُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصير على قلبين: على أبيضَ مثل الصفا فلا تَضُرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرضُ، والآخر أسودُ مُرْبادًا كالكوز مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ معروفًا ولا يُنْكِرُ مُنكرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هواه] (١).\nوقال النسفي: (﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ يتطاولون على الخلق ويأنفون عن قبول الحق. وحقيقته التكلف للكبرياء التي اختصت بالباري عزت قدرته ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هو حال، أي: يتكبرون غير محقين، لأن التكبر بالحق لله وحده).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾.\nأي: إن يروا كل حجة على وجوب الإذعان لوحدانية الله ودينه وشرعه يججدونها. كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٨٩ - ٩٠)، كتاب الفتن. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٩٠) - باب عرض الفتن على القلوب ونكتها فيها. وقوله: \"أسود مربادًا\": شدة البياض في سواد. \"مجخيًا\": منكوسًا.","vol":"3","page":245},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: وإن ظهر لهم سبيل الرشد، أي: طريق النجاة لا يسلكوها، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلًا).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: لاهين لا يتفكرون فيها، ولا يتعظون بها. أو غافلين عما ينزل بهم من مخالفة الرسل). وقال النسفي: (غفلة عناد وإعراض، لا غفلة سهو وجهل).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nتأكيد على بطلان الربح لمن كذب بحجج الله وكلامه ولقائه. وسميت الآخرة \"آخرة\" لتأخرها عن الدنيا. فمن عمل خيرًا في هذه الدنيا وكفر بالله ولقائه فلا ينفعه عمله في الآخرة.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).\nوفي لفظ: [إن الكافر إذا عَمِلَ حسنةً أُطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمنُ فإن الله يَدَّخِرُ له حسناتِه في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته].\nقال ابن جرير: (﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يقول: هل يثابون إلا ثواب ما كانوا يعملون؟ فصار ثواب أعمالهم الخلودَ في نار أحاطَ بهم سرادقها، إذ كانت أعمالهم في طاعة الشيطان، دون طاعة الرحمن، نعوذ بالله من غضبه).\n١٤٨ - ١٥٣. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٠٨) - كتاب صفات المنافقين. باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.","vol":"3","page":246},{"text":"ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى ذكره: لقد اتخذ بنو إسرائيل بعد ذهاب موسى إلى الطور لموعد ربه ومناجاته عجلًا صنعه لهم السامري من حُليّ القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلًا مجوفًا لا روح فيه، وإنما احتال عليهم بإدخال الريح فيه حتى صار يُسمع في جوفه صوتٌ كخوار البقر، فعبدوه حين استأخر عليهم موسى - بسبب ضعف يقينهم بالله. وقد قرعهم الله في هذه الآيات بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ - أن ما صنعه لهم السامري - لا يقدر أن يكلمهم أو يرشدهم إلى هدى، أو إلى خير، ومع ذلك اتخذوه إلهًا وظلموا أنفسهم بصنيعهم هذا. ثم إنهم ندموا على ما فعلوا، وعرفوا أنهم قد جاروا عن سواء السبيل، فسألوا الله تعالى المغفرة والرحمة وإلا كانوا خاسرين. ولما رجع موسى ﵊ من مناجاة ربه ورآهم على حالهم تلك من عبادة العجل ظهر الغضب عليه، وكان شديد الغضب فألقى الألواح من يديه وأخذ يجر رأس أخيه ولحيته وكأنه يُحَمِّلُهُ بذلك مسؤولية ما حدث، فاعتذر هارون ﵇ إليه بأنهم تخلوا عن أمره وطاعته وقاربوا قتله، فهو يخشى من فعل موسى ذلك شماتة الأعداء ولم يقصر هو في أمرهم ونهيهم، ويسأل موسى ألا يخلطه مع القوم الظالمين الذين اتخذوا العجل وألا يسوقه مساقهم. وهنا تدارك موسى - ﵊ - أمره، وشعر بعذر أخيه فاستغفر لنفسه ولأخيه وسأل الله أن يدخلهما برحمته وهو أرحم الراحمين. أما الذين اتخذوا العجل وأشركوا بعبادة الله تعالى سينالهم غضب الله ومذلة في الحياة الدنيا، فلم يقبل الله توبتهم حتى قتل بعضهم بعضًا، وأصابهم من","vol":"3","page":247},{"text":"الذل ما وعد الله به كل مبتدع في الدين متطاول على ربه ﷿. وأما من تاب وآمن وعمل صالحًا فإن الله غفور رحيم.\nفقوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾.\nأي: اتَّخَذَ بنو إسرائيل - قوم موسى - بعد خروجه إلى الطور لمناجاة ربه عجلًا عبدوه، وكان السامريّ قد اتخذه لهم من حُليّ القبطِ بشكل عجل، ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل ﵇، فصار عجلًا جسدًا له خُوَار، والخُوار صوت البقر. كما قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه].\nقال ابن جرير: (وفي \"الحلي\" لغتان: ضم \"الحاء\" وهو الأصل، وكسرها، وكذلك ذلك في كل ما شاكله من مثل \"صليّ\"، و\"جثيّ\"، و\"عتيّ\"، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، لاستفاضة القراءة بهما في القرأة، ولاتفاق معنييهما).\nوقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل، وذُهولهم عن خالق السماوات والأرض وربّ كل شيء ومليكه، أن عبدوا معه عجلًا جسدًا له خُوار لا يكلمهم، ولا يرشدهم إلى خير. ولكن غَطّى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال).\nوفي التنزيل: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩].\nومن ثمّ فإنهم باتخاذهم العجل إلهًا، وصرفهم له العبادة قد ظلموا أنفسهم واختاروا لها سوء السبيل. وذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nالعرب تقول لكل نادم على أمر فات منه أو سلف، وعاجز عن شيء: \"قد سُقِط في يديه\" أو \"أسقط في يديه\". قال ابن جرير: (وأصله من الاستئسار، وذلك أن يضرب الرجلُ الرجلَ أو يصرعه، فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره، فيكتفه. فالمرميّ به مسقوط في يدي الساقط به. فقيل لكل عاجز عن شيء، وضارع لعجزه، متندِّمٍ على ما قاله: \"سقط في يديه\" و\"أسقط\").","vol":"3","page":248},{"text":"فالمقصود عندئذ من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما فعلوا وصدر منهم. ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ حين عدلوا عن قصد السبيل في العبادة، فجأروا إلى ربهم ﷿ منيبين إليه تائبين: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ - أي: من الهالكين الذين خسروا التجارة في أعمالهم، وفقدوا الصفقة، وحبطت أعمالهم وما كانوا فائزين.\nوقوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، يقول: ﴿أَسِفًا﴾، حزينًا، وقال في \"الزخرف\": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا. . (٥٥)﴾، يقول: أغضبونا. و\"الأسف\" على وجهين: الغضب، والحزن). وقال الحسن: (﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾: غضبان حزينًا). وقال أبو الدرداء: (والأسف: أشد الغضب).\nوكان موسى - ﷺ - قد رجع مغضبًا حزينًا لأن الله تعالى أخبره أنه فتن قومه، وأن السامري قَد أَضَلَّهُم. فقال لهم موسى: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس الصنيع ما فعلتم، إذ رضيتم لأنفسكم عبادة العجل من دون الله تعالى. ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾. قال القرطبي: (أي: سبقتموه. والعجلة: التقدم بالشيء قبل وقته، وهي مذمومة. والسرعة: عمل الشيء في أول أوقاته، وهي محمودة). وقيل: أي تعجّلتم سخط ربكم. وقيل: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أَمْرٌ من ربكم. وقال ابن كثير: (يقول: استعجلتم مجيئي إليكم، وهو مقدر من الله تعالى).\nوقوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾.\nقال ابن عباس: (لما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وألقى الألواح من الغضب).\nأخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعًا: [ليس الخبر كالمعاينة. قال الله لموسى: إنَّ قومك صنعوا كذا وكذا، فلم يبال - وفي رواية: فلم يلق الألواح -، فلما عاين ألقى الألواح] (١).\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧١)، وصححه ابن حبان (٦٢١٣)، (٦٢١٤)، ورواه الحاكم (٢/ ٣٢١) وقال: على شرطهما، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٥٣): رجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":249},{"text":"قال ابن إسحاق: (لما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، ألقى الألواح من يده، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته، ويقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾).\nقيل: كانت الألواح من زُمُرّد. وقيل: من ياقوت. وقيل: من بَرَدٍ (١). والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nهو كقوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾.\nوالمقصود بالقوم في الآية: الذين عكفوا على عبادة العجل، وقوله: ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ أي: بتركهم طاعتي واتباع أمري. ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ - أي: قاربوا ولم يفعلوا. ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾: قال القرطبي: (لا تفعل بي ما تشمت من أَجله الأعداء). وقال ابن كثير: (﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا تَسُقني مَسَاقهم، ولا تخلطني معهم، وإنما قال: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ ليكون أرأف وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه).\nقلت: وأصل الشماتة في لغة العرب: الفرح ببلية العدو. وقد كان النبي - ﷺ - يتعوذ منها ويأمر أصحابه بالتعوذ منها، فإن شماتة الأعداء على النفس مؤلمة.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء] (٢).\nوأخرج النسائي والحاكم بسند حسن عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [كان يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من غَلَبَة الدَّيْنِ، وغَلَبَةِ العَدُوّ، وشماتة الأعداء] (٣).\n_________\n(١) قال أبو العالية: (كانت ألواح موسى ﵇ من برد). وقال ابن جريج، عن ابن عباس: (أن الألواح من زبرجد وزمرد من الجنة). وقال سعيد بن جبير: (كانت من ياقوتة، كتابة الذهب، كتبها الرحمن بيده، فسمع أهل السماوات صريف القلم وهو يكتبها) - ذكره وما قبله ابن جرير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٢٥٦)، وانظر كذلك (٤/ ٢٠٠) من حديث أنس.\n(٣) حديث حسن. أخرجه النسائي (٢/ ٣١٦، ٣١٧)، والحاكم (١/ ١٠٤)، وأحمد (٢/ ١٧٣). وانظر صحيح مسلم (٨/ ٧٦) للجملة الأخيرة، والحديث في السلسلة الصحيحة برقم (١٥٤١).","vol":"3","page":250},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nقال الزمخشري: (لما اعتذر إليه أخوه، وذكر له شماتة الأعداء قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ ليرضيَ أخاه، ويظهرَ لأهل الشماتة رضاه عنه، فلا تتم لهم شماتتهم. واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن عسى فرَّط في حسن الخلافة، وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أما الغضب الذي نالَ بني إسرائيل في عبادة العجل، فهو أن الله تعالى - لَمْ يَقْبَل لهم توبةً، حتى قتل بعضُهم بعضًا، كما تقدم في سورة البقرة: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾. وأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلًا وصَغارًا في الحياة الدنيا. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة، فإن ذل البدعة ومخالفة الرسالة متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصري: إنَّ ذلَّ البِدْعَةِ على أكتافهم، وإنْ هَمْلَجَت (١) بهم البَغَلاتُ، وطَقْطَقَتْ بهم البراذين).\nوعند أبي قِلابَةَ الجَرْمِيِّ: (أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾، قال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة). وقال سفيان بن عيينة: (كل صاحب بدعة ذليل).\nوفي صحيح مسلم من حديث عائشة: أن رسول الله - ﷺ - قال: [من عَمِل عملًا ليس عليه أَمْرُنا فهو رَدٌّ] (٢). وفي لفظ: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ]. وفي سنن الدارمي بسند صحيح عن حسان بن عطية (٣) قال: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلَها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nأي: إنه تعالى يقبل توبة عباده من كل ذنب، حتى الكفر والشرك، ما لم يغرغر\n_________\n(١) هملجت: سارت سيرًا حسنًا في سرعة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧١٨) - كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة، وردّ محدثات الأمور، من حديث عائشة ﵂.\n(٣) تابعي جليل - توفي سنة (١٣٠). وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٢٦٩) - لتفصيل البحث.","vol":"3","page":251},{"text":"العبد، فمن تاب - يا محمد - من بعد الفعلة - إثمًا كانت أم معصية أم شركًا - فإن ربك يا محمد من بعد التوبة غفور رحيم.\nأخرج الطبراني بسند جيد عن أبي سعيد الأنصاري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له] (١).\nوفي جامعِ الترمذي بسند حسن عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرَ] (٢).\n١٥٤ - ١٥٦. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أن موسى - ﵇ - تناول الألواح التي ألقاها حين غضب من رؤية قومه على عبادة العجل بعدما رجع إليهم من مناجاة ربه، وفي الألواح بيان للحق وهدى من الله سبحانه لقوم يخافونه ويعظمون شرعه ودينه. ثم اختار موسى من قومه سبعين رجلًا - كما أمره الله - ليعتذروا عما صدر من قومهم من عبادة العجل، أو لِيُعاتبوا بالرجفة أنهم لم يَنْهوا قومهم عن ذلك، وقيل سألوا موسى رؤية الله جهرة. فلما أخذتهم الرجفة لجأ موسى - ﷺ - إلى ربه ﷿: أتهلكنا بما فعل بعض السفهاء منا، وإنما هو اختبارك وامتحانك، والحكم لك، تضل من تشاء، وتهدي\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الكبير\"، وأبو نعيم في \"الحلية\". انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٦٦٧٨)، (٦٦٧٩).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي في الجامع (٣٧٨٤). وابن ماجه في السنن (٤٢٥٣)، انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٨٠٢).","vol":"3","page":252},{"text":"من تشاء، أنت ناصرنا فاستر علينا ذنوبنا وارحمنا إنك أنت خير من غفر وستر. واكتب لنا في دنيانا هذه مغفرة ووفقنا لصالح الأعمال، وكذلك أكرمنا في الآخرة بجزاء الحسنات إنا تبنا إليك - قال الله لموسى: إن ما نزل بقومك من الرجفة إنما هو عذابي أنزله بمن أشاء، وقد عمت رحمتي كل شيء، فسأكتبها للمتقين الذين يفردون ربهم ﷿ بالتعظيم، ويؤدون زكاة إيمانهم ونفوسهم وأموالهم، وهم بآياتنا يؤمنون ويصدقون وبها يعملون.\nفقوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾.\nيعني كفّ عنه وسكن.\nوقوله: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾.\nأي: التي ألقاها أثناء غضبه - وقد ثار حينما رأى قومه بعده قد أقاموا على عبادة العجل - فأخذها بعدما ألقاها، وقد ذهب منها ما ذهب، أو تكسر.\nوقوله: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وفيما نسخ فيها، أي: كتب فيها، ﴿هُدًى﴾ بيان للحق، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾، يقول: للذين يخافون الله ويخشون عقابه على معاصيه).\nوقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾.\nقال السدي: (إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلًا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته، فأرِنَاهُ. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾).\nوقال وهب: (ما ماتوا، ولكن أخذتهم الرجفة من الهيبة حتى كادت أن تبينَ مفاصلُهم، وخاف موسى عليهم الموت).","vol":"3","page":253},{"text":"قلت: وقد مضى قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾. وقيل: هؤلاء السبعون غَيْرُ من قالوا أرنا الله جهرة، والله تعالى أعلم.\nوقال ابن عباس: (إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يَنْهَوا من عبد العجل، ولم يَرْضَوا عبادته).\nوقال مجاهد وقتادة: (إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل، ولا نهوهم).\nقال الحافظ ابن كثير: (ويتوجه هذا القول بقول موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾، أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانُك (١). يقول: إن الأمر إلا أمرك، وإن الحكمُ إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لمن منعت، ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخلق والأمر).\nوقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: أنت ناصرنا. فاستر علينا ذنوبنا بتركك عقابنا عليها، ﴿وَارْحَمْنَا﴾، تعطف علينا برحمتك، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾، يقول: خيرُ من صَفَحَ عن جُرْم، وستر على ذنب).\nوقوله: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾.\nقال ابن جريج: (مغفرة). وقال القرطبي: (أي: وَفِّقْنا للأعمال الصالحة التي تكتب لنا بها الحسنات).\nوقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾.\nأي: أكرمنا بجزاء تلك الحسنات من الفوز والنعيم.\nوقوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. أي: تبنا وأنبنا ورجعنا إليك.\nقال ابن عباس وقتادة: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، أي: إنا تبنا إليك).\n_________\n(١) قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وغيرهم.","vol":"3","page":254},{"text":"وقوله: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾.\nأي: قال الله لموسى: إن ما نزل بقومك من الرجفة أو بغيرهم من البأس هو عذابي أصيب به من أشاء من خلقي، ورحمتي عَمَّت جميع خلقي. كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق سعة رحمته جل ثناؤه، ومن ذلك:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [جَعَلَ اللهُ الرحمة مئةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عنده تِسْعَةً وتِسْعِينَ، وأنزل في الأرض جُزْءًا واحدًا، فَمِنْ ذلك الجُزْءِ يتراحَمُ الخلائِقُ، حتى ترفعَ الدابَّةُ حَافِرَها عن وَلَدِها، خَشْيَةَ أن تصيبَهُ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، واللفظ لمسلم عن سَلْمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله خَلَقَ، يَوْمَ خلق السماوات والأرضَ، مِئةَ رحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِباقَ ما بين السماوات والأرض، فجعل منها في الأرض رحْمَةً، فبها تَعْطِفُ الوالِدَةُ على ولدها، والوَحْشُ والطَّيْرُ بعضُها على بعض، فإذا كان يومُ القيامة، أكْمَلَهَا بهذه الرحمة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه في السنن بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لله مئة رحمة، فقسم منها جُزْءًا واحدًا بين الخلق، فبه يتراحم الناس والوحش والطير] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البزار، وابن أبي الدنيا، بسند حسن في الشواهد عن ابن عمر مرفوعًا: [لَوْ تَعْلَمونَ قَدْرَ رَحْمَةِ الله ﷿، لاتَّكَلْتُمْ وما عَمِلتُم مِنْ عَمَلٍ، ولو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٧٥٢) - كتاب التوبة - باب: في سعة رحمة الله تعالى، وأنها تَغْلب غضبه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٣) - كتاب التوبة ح (٢١). الباب السابق، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٣٩)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦١٤٦)، والطبراني (٦١٢٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (٤٢٩٤)، وأحمد في المسند (٣/ ٥٥)، وأبو يعلى (١٠٩٨) من حديث أبي سعيد مرفوعًا، وإسناده صحيح.","vol":"3","page":255},{"text":"عَلِمْتُمْ قَدْرَ غَضَبِه ما نفعكم شيءٌ] (١). وفي لفظ: [لو تعلمون قَدْرَ رحمةِ الله لاتكلتم عليها].\nوقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، يعني الشرك). وقال قتادة: (معاصي الله).\nوقال علي، عن ابن عباس: (﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، قال: يطيعون الله ورسولَه). وكأنه يعني تزكية النفس وتطهيرها بالأعمال الصالحات، والقربات والصدقات. قال ابن كثير: (قيل: زكاة النفوس. وقيل: الأموال. ويحتمل أن تكون عامة لهما، فإن الآية مكية، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون).\n١٥٧ - ١٥٩. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: وَصْفُ النبي - ﷺ - ببعض أوصافه التي وردت في الكتب السابقة، ونَعْتُ أتباعه ومن سار على منهاجه، فهو خاتم الرسل والنبيين، بعثه الله رحمة للعالمين، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل ما كانوا حرّموه على أنفسهم\n_________\n(١) حديث حسن لشواهده. أخرجه ابن أبي الدنيا في \"حسن الظن\" (٢/ ١٩٣/ ١)، وقال الهيثمي (١٠/ ٢١٣): \"رواه البزار، وإسناده حسن\"، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢١٦٧)، وكذلك صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥١٣٦) للفظ الآخر.","vol":"3","page":256},{"text":"من الطيبات، ويحرم عليهم ما استحلوه من المآكل المحرمة الخبيثة الضارة والموبقات، ويضع عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم، فالذين صدقوه ونصروه وعظموا منهاجه أولئك هم المفلحون في الدنيا والآخرة.\nفقل للناس جميعًا - يا محمد - إني قد أرسلت إليكم كافة لتفردوا الله تعالى بالعبادة والتعظيم لعلكم تهتدون. وقد مضى على هذا المنهاج طائفة الحق التي آمنت بموسى من قبلكم فكانوا من المهتدين.\nفقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.\nفي هذه الآية: إثبات نعت رسول الله - محمد - ﷺ - في كتب الأنبياء قبله، فقد بشروا أممهم ببعثته، وأمروهم بمتابعته، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وشريعته ناسخة لكل الشرائع قبله، وهو موصوف هو وأمته وأصحابه في التوراة والإنجيل، ولم تزل صفاته مذكورة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم رغم ما اعتراها من التحريف، فإنه لكثرة نسخ التوراة والإنجيل في الأرض يكشف بعضها بعضًا.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من بعض ما جاء في التوراة والإنجيل في صفة رسول الله - ﷺ - وأصحابه وأمته، في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، عنْ عَبْدِ الله بن عَمْرِو بن العاص ﵄: [أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال: في التوراة، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومُبَشرًا ونذيرًا وَحِرْزًا للأمِّيينَ، أنت عبدي ورسولي، سمَّيْتُكَ المُتَوَكِّل، ليس بِفَظٍّ ولا غَليظٍ ولا سَخّاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكنْ يعفو ويصفح، ولن يقبضَهُ حتى يُقيم به الملّةَ العوجاءَ بأنْ يقولوا: لا إله إلا الله، فيَفْتَحُ بها أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي صخر العُقيلي: حدثني رجل من الأعراب قال: [جلبْتُ جَلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله - ﷺ -، فلما فرغت من بيعتي، قلتُ: لألقَيَنَّ هذا الرجل، فلأسمعن منه. قال: فتلقاني\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٣٨)، كتاب التفسير، والطبري (١٥٢٣٦)، وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٢٧١)، والبغوي في \"التفسير\" (٩٤٦) من طرق عن فليح به.","vol":"3","page":257},{"text":"بين أبي بكر وعمر، يمشون، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرًا التوراة يقرؤها، ويعزي بها نفسه على ابن له في الموت، كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله - ﷺ -: أنشُدُكَ بالذي أنزل التوراة! هل تجد في كتابك صفتي ومخرجي؟ فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة! إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال: أقيموا اليهوديَّ عن أخيكم. ثم وَلي كَفَنَهَ وحَنَّطَه وصلى عليه] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [مكتوبٌ في الإنجيل: لا فَظٌّ، ولا غليظٌ، ولا سَخَّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلَها، بل يعفو ويصفح] (٢).\nوأما لفظ ﴿الْأُمِّيِّ﴾.\nفهو من النسبة إلى الأمة الأمية، التي هي على أصل ولادتها، لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها - ذكره ابن عزيز أحد علماء المالكية. وقال ابن عباس ﵁: (كان نبيكم - ﷺ - أميًا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ. .﴾ [العنكبوت: ٤٨]).\nقلت: وهذه الصفة لنبينا - ﷺ - هي من كمال نبوته وصدق ما جاء به، فقد سَدَّ الله تعالى بهذه الصفة الباب على من حاول اتهامه بكتابة القرآن من عنده إذ كان عبقريًا، وهذا لا يعني أن لا تتعلم أمته القراءة والكتابة، فقد كان يأمر بالعلم والقراءة والكتابة، ففي التنزيل: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾.\nومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث صفوان بن عسال\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤١١)، ورجال إسناده ثقات. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٣٢٦٩)، وجهالة الصحابي لا تضر، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير - سورة الأعراف - (٢/ ٢٥١) وقال: \"هذا حديث جيد قوي، له شاهد في \"الصحيح\" عن أنس\".\n(٢) رواه الحاكم (٢/ ٦١٤)، وابن عساكر (١/ ٢٦٤/ ٢)، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة (٢٤٥٨). وقد مضى نحوه - عند البخاري - من حديث عبد الله بن عمرو عن التوراة.","vol":"3","page":258},{"text":"مرفوعًا: [ما مِنْ خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رِضًا بما يصنَعُ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي والنسائي بسند حسن من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أُوكِي على مسك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم وابن عبد البر بسند صحيح لغيره عن عبد الله بن عمرو قال: [قلت: يا رسول الله أُقَيِّدُ العلمَ؟ قال: نعم. قلت: وما تقييده؟ قال: الكتاب] (٣). وفي لفظ عند ابن عبد البر: [قَيِّدوا العلم بالكِتاب]- يعني الأمر بكتابة العلم.\nوقوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.\nقال عطاء: (﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عبادة الأصنام، وقطع الأرحام).\nوقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: يُحل لهم ما كانوا حَرّموه على أنفسهم من البَحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك، مما كانوا ضَيّقوا به على أنفسهم).\nوذهب الإمام مالك أن الطيبات هي المحلَّلات، فوصفها بالطيب يتضمن مدحًا وتشريفًا.\nوقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.\nقال ابن عباس: (كلحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى).\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج الترغيب (١/ ٦٩) - كتاب العلم. باب الترغيب في العلم وطلبه.\n(٢) حديث حسن. انظر سنن الترمذي (٢٨٧٦)، وسنن ابن ماجه (٢١٧)، وصححه ابن حبان (٢١٢٦)، وابن خزيمة (١٥٠٩). وأورده ابن كثير في التفسير (١/ ١٤٢).\n(٣) صحيح لغيره. أخرجه الحاكم والخطيب في \"التقييد\" ص (٦٨). وانظر مستدرك الحاكم (١/ ١٠٦). وابن عبد البر في \"جامع العلم\" (١/ ٧٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - رقم (٢٠٢٦).","vol":"3","page":259},{"text":"وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾.\nالإصر: الثقل. ذكره مجاهد. والإصر: العهد. قاله ابن عباس. وكلا المعنيين حق. والأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال. حكاه القرطبي. والإصر مفرد بمعنى الجمع، فهو مصدر يقع على الكثرة فعطف الأغلال عليه بانسجام واتفاق.\nفعن ابن عباس: (﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ قال: عهدهم). وقال الحسن: (العهود التي أعطوها من أنفسهم). وقال السدي: (يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أخذت عليهم في التوراة والإنجيل). وقال مجاهد: (﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، قال: من اتبع محمدًا ودينه من أهل الكتاب، وُضِعَ عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم).\nوقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَعَزَّرُوهُ﴾، يقول: حموه، وقَّروه). وقال مجاهد: (﴿عَزَّرُوهُ﴾، سدَّدوا أمره، وأعانوا رسولَه).\nوقال قتادة: (فما نقموا - يعني اليهود - إلا أن حسدوا نبيَّ الله، فقال الله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾، فأما نصره وتعزيرُه، فقد سبقتم به، ولكن خياركم من آمن بالله واتّبع النور الذي أنزل معه).\nوأما ﴿النُّورَ﴾ فهو القرآن. والفلاح: هو الظفر والفوز والنجاة. فيكون المعنى: إن الذين صدّقوا بهذا النبي وتابعوه وعظموه وحموه والتزموا هديه: من القرآن الكريم الذي أوحي إليه، ومن السنة العطرة - الوحي الثاني - هم أهل الظفر والفوز والنجاة يوم القيامة.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [والذي نفسُ محمد بيده، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ من هذه الأمة، يهودي، ولا نصراني، ثم يموتُ ولم يؤمنْ بالذي أُرْسِلتُ به، إلا كان من أصحاب النار] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٣) - كتاب الإيمان. باب وجوب الإيمان برسالة نبيّنا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم (٢٠).","vol":"3","page":260},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾\nأي: قل - يا محمد - للناس جميعهم، إني قد أرسلت إليكم جميعًا فختمت بي الرسالة والنبوة، أرسلني إليكم الله ربكم الذي له سلطان السماوات والأرض وما فيهن لا إله غيره، فالعبادة لا تكون إلا له ولا تصلح لسواه، فهو وحده الذي يملك الحياة والموت، وهو الحي الذي لا يموت.\nوفي السنة الصحيحة آفاق هذا المعنى، في أحاديث - منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - عند تفسير هذه الآية - عن أبي الدرداء يقول: [كانت بينَ أبي بكرٍ وعُمَرَ مُحاوَرَةٌ، فأغضبَ أبو بكرٍ عُمَرَ، فانصرف عنه عمر مُغْضبًا، فاتّبعه أبو بكر يسألُهُ أن يَسْتَغْفِرَ لهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، حتى أغلقَ بابَهُ في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله - ﷺ - فقال أبو الدرداء: ونحْنُ عنده - فقال رسول الله - ﷺ -: أمَّا صاحِبُكم هذا فقد غامر، وقال: ونَدِمَ عُمَرُ على ما كان منه، فأقبل حتى سَلَّم وجلس إلى النبي - ﷺ -، وقصَّ على رسول الله - ﷺ - الخَبَرَ، قال أبو الدرداء: وغَضِبَ رسول الله - ﷺ -، وجعَل أبو بكر يقول: واللهِ يا رسول الله لأنا كنتُ أظلمَ، فقال رسول الله - ﷺ -: هل أنتم تاركُو لي صاحِبي؟ هل أنتم تارِكو لي صاحبي؟ إني قلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، فقلتم: كَذَبْتَ، وقال أبو بكر: صَدَقْتَ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند ورجاله رجال الصحيح عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: [أُعطيت خمسًا لم يُعْطَهُنَّ نبيٌّ قبلي - ولا أقوله فخرًا -: بُعثت إلى الناس كافة، الأحمر والأسود، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحِلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وجُعلت لي الأرض مَسْجدًا وطَهورًا، وأعطيت الشفاعة فأخَّرْتُها لأمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح - عن السائب بن يزيد مرفوعًا:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٤٠) - كتاب التفسير - سورة الأعراف، آية (١٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٠١) من حديث ابن عباس ﵄، وأخرجه البزار (٣٤٦٠)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٦٥٨) وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد، وهو حسن الحديث. وللحديث شواهد كثيرة.","vol":"3","page":261},{"text":"[فُضِّلْتُ على الأنبياء بخمس: بعثتُ إلى الناس كافة، وادَّخرتُ شفاعتي لأمتي، ونُصِرْت بالرعب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحِلَّت لي الغنائم، ولم تحِلَّ لأحد قبلي] (١).\nوقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\nقال قتادة: (قوله: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾، يقول: آياته). وقيل: كلماته عيسى بن مريم - ذكره مجاهد. والأول أرجح وهو يشمل الثاني.\nقال ابن جرير: (وأما قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، فاهتدوا به، أيها الناس، واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، يقول: لكي تهتدوا فترشدوا وتصيبوا الحق في اتباعكم إياه).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.\nقال القاسمي ﵀: (﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي: موقنين ثابتين، يهدون الناس بكلمة الحق، ويدلونهم على الاستقامة، ويرشدونهم ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وبالحق يعدلون بينهم في الحكم، ولا يجورون. والآية سيقت لدفع ما عسى يوهمه تخصيصُ كَتْبِ الرحمة والتقوى والإيمان بمتبعي رسول الله - ﷺ - من حرمان أسلاف قوم موسى ﵇، من كل خير، وبيان أن كلهم ليسوا كما حكيت أحوالهم. وقيل هم الذين آمنوا بالنبي - ﷺ -. ويأباه أنه قد مرّ ذكرهم فيما سلف. أفاده أبو السعود).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].\nوفي صحيح مسلم عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني وبنحوه البيهقي من حديث أبي أمامة. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤٠٩٧)، وحديث رقم (٤٠٩٦)، وأصله في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":262},{"text":"[ثلاثةٌ يُؤْتَون أجْرَهُم مَرَّتين: رجُلٌ من أهل الكتاب آمن بِنَبِيِّه وأدْرَكَ النبي - ﷺ - فآمَنَ به واتّبعَهُ وصَدَّقه فله أجْران، وعبدٌ مملوك أدَّى حقَّ الله تعالى عليه وحقَّ سيده فله أجْرَانِ، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فغذاها فأحسن غِذَاءَها، ثم أدَّبَها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوَّجها، فله أَجْران] (١).\n١٦٠ - ١٦٢. قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يعدد الله تعالى نعمه على بني إسرائيل، إذ جعلهم أسباطًا - أي: قبائل شتى - ليكونوا اثنتي عشرة قبيلة أو فرقة، ليكون أمر كل سبط معروفًا من جهة رئيسهم، فيخف الأمر بذلك على موسى - كما قال تعالى:\n﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا. . .﴾ [المائدة: ١٢]. فلما فرّقهم الله إلى تلك الفرق وتيّههم في التيه، فاستسقوا موسى من العطش وغَوْر الماء، أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك الحجر فانصبت وانفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينًا من الماء، وقد علم كل أناس من الأسباط الاثنتي عشرة مشربهم الخاص بهم، فلا يدخل سبط على غيره في مشربه، ثم ظللنا عليهم الغمام يكنّهم من حر الشمس وأذاها وأنزلنا عليهم رزقًا طيبًا لذيذ الطعم هو المن والسلوى وقلنا لهم: كلوا من حلال ما رزقناكم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٥٤) - كتاب الإيمان. باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته.","vol":"3","page":263},{"text":"وتمتعوا بنعم ربكم، فَمَلُّوا ذلك، وتنطعوا وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وما ظلمونا بذلك، فَمُلْكُ الله لا يدخله النقص وسلطانه لا يعتريه الضعف، فإن سؤالهم ذلك وفعلهم ذلك انعكس على حظوظهم ونفوسهم بالسوء فانقلبت النعمة التي جحدوها إلى نقمة. واذكر أيضًا يا محمد إذ قيل لهم اسكنوا بيت المقدس فكلوا من ثمارها وحبوبها ونباتها أنّى شئتم وقولوا: هذه الفعلة \"حِطّة\" تحطُّ ما أسلفنا من ذنوبنا، يتغمدّ الله ذلك الذي كان منكم من المعصية والذنوب برحمته، ويتجاوز عنه بكرمه وصفحه وعفوه، ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾، فدخلوا متوّركين على أستاههم، ولو فعلوا ما أمروا به لحظوا بمغفرة الله وكرمه على التائبين المحسنين. فلما غيّر القوم ما قيل لهم، وقالوا استهزاء \"حنطة في شعيرة\"، فبعث الله عليهم عذابًا من عنده أهلكهم فيه وجعلهم عبرة لغيرهم بما كانوا يظلمون.\nوقد بسطت في ذلك القول عند تفسير نظائر هذه الآيات في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته.\nوقد أخرج البخاري في صحيحه عن مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة ﵁ قال: [قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدّلوا وقالوا: حِطّة: حَبَّةٌ في شَعَرة] (١).\n١٦٣ - ١٦٧. قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٤٧٩)، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٩) (١٠)، وأخرجه الطبري في \"التفسير\" (١٠٢٣).","vol":"3","page":264},{"text":"تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾.\nفي هذه الآيات: توجيه الله تعالى نبيّه في أسلوب محاججة معاندي بني إسرائيل، فاسأل - يا محمد - هؤلاء اليهود الذين حولك عن قصة أجدادهم في عصيان الله يوم السبت، وكيف انقسموا ثلاثة أقسام: قسم انتهك المحذور وركب المعصية واحتالوا على صيد السمك يوم السبت، وقسم نهى عن ذلك، وقسم قالوا لمن أنكر عليهم: لم تنهون هؤلاء وقد استحقوا الهلاك ولا فائدة من نهيهم، فأجابوهم: إنما نفعل ذلك امتثالًا لما عهد علينا ربنا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولعلهم يرجعون.\nفلما أهمل العصاة موعظة المؤمنين لهم، استحقوا العذاب من الله، واستحق المؤمنون النجاة والثواب. ولما مَرَدَ العصاة وتطاولوا أكثر وأكثر، نزل بهم الأسوأ من العقاب والأبشع، فصيّرهم الله قردة لها أذناب تعاوى. وكتب عليهم المذلة إلى يوم القيامة: سواء في الدنيا مما ينال أحفادهم الذين ساروا على منهاجهم من الخزي في الأرض، أو مما ينال من مات منهم على الكفر من عذاب القبر إلى يوم الحساب والعرض، إن الله سريع العقاب بالمجرمين، غفور رحيم بالمؤمنين.\nفقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\nيقول تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: اسأل هؤلاء اليهود الذين حولك عن قصة أجدادهم إذ عصوا الله في السبت. قال ابن جرير: (هي قرية حاضرة البحر (١) - ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾، يعني به أهله، إذ يعتدون في السبت أمر الله، ويتجاوزونه إلى ما حرم الله عليهم. وكان اعتداؤهم في السبت: أن الله كان حرّم عليهم السبت، فكانوا يصطادون فيه السمك. ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾، يقول: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهوا فيه عن العمل، ﴿شُرَّعًا﴾، يقول: شارعة ظاهرة على الماء من كل طريق وناحية، كشوارع الطرق).\n_________\n(١) قيل: هي أيلة - ذكره ابن عباس ومجاهد. وقيل هي ساحل مدين - ذكره قتادة. وقيل: هي مَقْنا بين مدينة وعَيْنونَى. والله أعلم بذلك، والصواب إطلاق ذلك كما فعل ابن جرير.","vol":"3","page":265},{"text":"وعن ابن عباس: (﴿شُرَّعًا﴾، قال: من كل مكان). وقال: (يقول: ظاهرة على الماء).\nقال القاسمي: (أي: تأتيهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماء، قريبة من الساحل، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم أصلًا إلى السبت المقبل).\nوقال ابن كثير: (﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾، أي: نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المُحَرَّم عليهم صيدُه، وإخفائه عنهم في اليوم المُحَلَّلِ لهم صيدُه، ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾: نختبرهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، يقول: بفسقهم عن طاعة الله، وخروجهم عنها. وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله، بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام).\nثم ذكر حديثًا رواه الإمام أبو عبد الله بن بطَّة بسند حسن عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارمَ الله بأدنى الحيل] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (يُخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فِرَق: فرقةٌ ارتكبت المحذورَ، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت. قال: وفرقة نهت عن ذلك، واعتزلتهم. وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكرة: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟ أي: لِمَ تَنْهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم. قالت له المنكرة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ - قرأ بعضهم بالرفع، كأنه على تقديره: هذا معذرةٌ. وقرأ آخرون بالنصب، أي: نفعل ذلك ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقولون: ولعل بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم).\nوعن ابن عباس: (﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، لسخطنا أعمالهم. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾،\n_________\n(١) قال الحافظ ابن كثير: وهذا إسناد جيد. انظر تفسير ابن كثير - سورة الأعراف - آية (١٦٣).","vol":"3","page":266},{"text":"أي: ينزعون عَمّا هُمْ عليه). وقال ابن زيد: (﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، قال: يتركون هذا العمل الذي هم عليه).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\nقال ابن جريج: (﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، قال: فلما نسُوا موعظة المؤمنين إياهم، الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾). قال القرطبي: (﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: تركوه عن قصد، ومنه ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. .﴾ [التوبة: ٦٧]). قال ابن جرير: (أنجى الله الذين ينهون منهم عن ﴿السُّوءِ﴾، يعني عن معصية الله واستحلال حِرْمه).\nوعن ابن عباس: (﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، أليم موجع). وقال مجاهد: (﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، قال: شديد). أو قال: (أليم شديد). وذلك بما كانوا يخالفون ويتجرؤون من استحلال معصية الله والتحايل للوقوع بها.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.\nقال قتادة: (يقول: لما مَرَد القوم على المعصية، ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فصاروا قردةً لها أذناب تعاوى، بعدما كانوا رجالًا ونساءً).\nوفي لغة العرب: يقال: خسأته فخسأ، أي: باعدته وطردته. قال القرطبي: (ودلّ على أن المعاصي سبب النقمة، وهذا لا خفاء به. فقيل: قال لهم ذلك بكلام يُسمع، فكانوا كذلك. وقيل: المعنى كوّناهم قردة).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال مجاهد: (﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾، قال أمر ربك). وقال ابن عباس: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾، قال: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد - ﷺ - وأمته، إلى يوم القيامة). وقال أيضًا: (هي المسكنة، وأخذ الجزية منهم). وقال قتادة: (فبعث الله عليهم هذا الحي من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة). وقال سعيد: (﴿مَنْ يَسُومُهُمْ﴾، قال: العرب، ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾، قال: الخراج. قال: وأول من وضع الخراج موسى، فجبى الخراج سبعَ","vol":"3","page":267},{"text":"سنين). وقال سعيد أيضًا: (هم أهل الكتاب، بعث الله عليهم العرب يجبُونهم الخراجَ إلى يوم القيامة، فهو سوء العذاب. ولم يجب نبىٌّ الخراجَ قطُّ إلا موسى - ﷺ - ثلاث عشرة سنةً، ثم أمسك، وإلا النبي - ﷺ -).\nوالخلاصة: لقد بعث الله تعالى - أو أقسم بأن يبعث - على اليهود من أهل العصيان والمخالفة والاحتيال على أوامره ودينه وشرعه، من يذيقهم سوء العذاب ببأس أو جزية أو إذلال أو قهر وغير ذلك، فضرب موسى عليهم الخراج، كما ذُكر، ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكُشْدانيين والكُلْدانيين، ثم صاروا في قهر النصارى وإذلالهم إياهم، وأَخْذِهم منهم الجزية والخراج. ثم كانوا تحت سلطان النبي محمد - ﷺ -، فكانوا تحت خُفَارته وذِمّته يؤدّون الخراج والجزية، وقد أجلى منهم بني قينقاع وبني النضير، وقتل بني قريظة في قصص من الذل كتبها الله عليهم، ويبقى الإذلال الأكبر في آخر الزمان حين يأتمرون بقائدهم الدجال وينزلون تحت لوائه، فيبعث الله لهم جيشًا يقوده المهدي - ﵇ - آخر خلفاء هذه الأمة - مع عيسى بن مريم ﵊ حين ينزل في دمشق، فيَفرّون نحو بيت المقدس، فيلحقهم جيش الإسلام ويقتل عيسى - ﷺ - المسيح الدجال بباب لدّ، وينطق الحجر والشجر إكرامًا من الله للمؤمنين لكشف مخابئ اليهود، فتشترك الطبيعة بإذن الله في فرحة النصر وإذلال يهود المكر وسحقهم إلى غير رجعة.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعةُ حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يَخْتَبِئَ اليهودي من وراء الحجَر أو الشجر، فيقول الحَجَرُ أو الشَّجَرُ: يا مسلمُ! يا عَبْد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقْتُله، إلا الغَرْقَدَ، فإنه من شجَر اليهود] (١).\nقلت: والآية تحتمل في دلالتها الدلالة على عذاب القبر أيضًا، فهو عذاب على العصاة الذين ماتوا على معصيتهم ولم يتوبوا منها، وربما كانوا في ذلك إلى يوم القيامة، ومن لم يقض ما عليه ربما تلفحه نار جهنم والعياذ بالله، ولا شك أن المشركين والكفار يبدأ عذابهم بعد دفنهم في قبورهم، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٢٢) - كتاب الفتن. والحديث علامة قادمة من علامات الساعة.","vol":"3","page":268},{"text":"أخرج ابن ماجه والطبراني بسند صحيح عن عامر بن سعد عن أبيه مرفوعًا: [حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار] (١).\nوقد ختم سبحانه الآية بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾، تأكيدًا لِيَحْذَرَ من عصاه وأصرّ على ركوب مخالفة أمره، ثم عقب بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ليبعثَ الأمل في قلوب المسرفين على أنفسهم بالذنوب والآثام، بأن باب التوبة مفتوح لا يغلق إلى قرب يوم القيامة - حيث تطلع الشمس من مغربها - فقرن جل ثناؤه بين الترغيب والترهيب، والخوف والطمع، وهو منهج عبادة المؤمنين، فهم يجمعون بين خوفهم من ذنوبهم وعذاب ربهم، وبين طمعهم في مغفرته ونعيمه وجنته ورضوانه.\nوفي التنزيل: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠].\nأخرج أبو نعيم والبزار بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنْتَه يوم أجمع عبادي] (٢).\n١٦٨ - ١٧١. قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الطبراني (١/ ١٩/ ١)، وابن ماجه (١٣٧٣) من حديث عامر بن سعد عن أبيه مرفوعًا. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٨)، وتابعه البزار، وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁، وسنده حسن.","vol":"3","page":269},{"text":"نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره - لقد فرقنا بني إسرائيل ومزقناهم إلى طوائف وفرق في الأرض، منهم قوم صالحون، ومنهم قوم دون ذلك، واختبرناهم بعسر الأيام ويسرها، وتقلب أحوالها، لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم وتعظيم أوامره. فخلف ذلك الجيل منهم جيل آخر، ورثوا دراسة التوراة، وهم ينغمسون في ملذات هذه الدنيا الفانية، وَيُسَوِّفُون التوبة ويؤخرون الإنابة، فإن عرض لهم ذلك المتاع بعد الاستغفار انغمسوا فيه مرة أخرى، يعدهم الشيطان بذلك وَيُمَنِّيهم، وكان الله قد أخذ عليهم العهود بإقامة التوراة والعمل بما فيها، وأن الدار الآخرة بنعيمها وزينتها خير من هذا العرض الخسيس لو كانوا يعقلون. وأن الذين يمسكون بالكتاب ويعظمون ما فيه فإن الله لا يضيع أجر المصلحين. ألم يذكروا يوم رفع الله الطور فوق آبائهم وأمرهم بأخذ التوراة بقوة وَجدّ، وإلا خرّ عليهم الجبل فأهلكهم، وكان ذلك امتحانًا من الله لهم، عسى أن يردهم ذلك عن بغيهم، فينيبوا إلى بارئهم ويحمِلوا الأمانة بقوة وحزم، ويخشوا الله ويتقوه حق تقاته.\nفقوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾.\nأي: فرقنا بني إسرائيل في الأرض إلى جماعات شتى، وطوائف وفرق. قال ابن عباس: (في كل أرض يدخلها قومٌ من اليهود). وقال مجاهد: (﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾، قال: يهود). وفي التنزيل: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤].\nوقوله: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾.\nأي: منهم قوم صالحون يؤمنون بالله ورسوله ويعملون الصالحات، ومنهم قوم دون ذلك أو غير ذلك، كما قال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١].\nوقوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾.\nأي: اختبرناهم بتقلب الأحوال: يسرها وعسرها. قال ابن كثير: (أي: بالرخاء والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء).","vol":"3","page":270},{"text":"قال ابن جرير: (يقول: واختبرناهم بالرخاء في العيش، والخفض في الدنيا والدعة، والسعة في الرزق، وهي \"الحسنات\" التي ذكرها جل ثناؤه، ويعني بـ \"السيئات\"، الشدة في العيش، والشظف فيه، والمصائب والرزايا في الأموال).\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nأي: إلى طاعة الله، فيكفون عن معصيته وينيبون إليه.\nوقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾.\nقال مجاهد: (﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ قال: النصارى) - والآية أعمّ من ذلك، فهي تفيد أن قومًا خلفوا ذلك الجيل الذي كان فيهم الصالحون ودون ذلك، فجاء جيل آخر، ورثوا دراسة التوراة، وهم يعملون الذنوب، ويعتاضون عن بذل الحق والدعوة إليه بعرض هذه الحياة الفانية ومتاعها وزينتها، ويؤخرون التوبة وَيُسَوِّفُون الاستغفار، ويتقلبون في ذلك، فإن عرض لهم ذلك المتاع بعد الاستغفار وقعوا فيه مرة أخرى. ومن أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - قال سعيد بن جبير: (﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، قال: يعملون الذنب، ثم يستغفرون الله، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه). أو قال: (ذنب آخر، يعملون به).\n٢ - وقال مجاهد: (﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾، قال: ما أشرف لهم من شيء في اليوم من الدنيا حلالٌ أو حرام يشتهونه أخذوه ويبتغون المغفرة، فإن يجدوا الغد مثله يأخذوه).\n٣ - وقال ابن عباس: (يقول: يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاؤوا من حلال أو حرام، ويقولون: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾).\n٤ - وقال قتادة: (﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾، إيْ والله، لَخَلْفُ سَوْءٍ، ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ بعد أنبيائهم ورسلهم، وَرَّثهم الله وعَهِدَ إليهم، وقال الله في آية أخرى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ. .﴾ [مريم: ٥٩]، قال: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، تمنوا على الله أماني، وغِرَّةٌ يغترون بها، ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، لا يشغلهم شيء عن شيء، ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما هَفَّ","vol":"3","page":271},{"text":"لهم شيء من الدنيا أكلوه، ولا يبالون حلالًا كان أو حرامًا).\nوقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.\nقال ابن عباس: (فيما يوجبون على الله من غُفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها).\nوقال ابن جرير: (وهو أخذ الله العهود على بني إسرائيل، بإقامة التوراة، والعمل بما فيها).\nوفي التنزيل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].\nوقوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾.\nقال ابن زيد: (علّموه، علّموا ما في الكتاب الذي ذكر الله، وقرأ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]).\nوالمعنى: قرؤوا ما في الكتاب ودرسوا ما فيه من العهود والمواثيق فعلموها وعلّموها ثم نقضوها.\nوقوله: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nأي: والدار الآخرة ونعيمها وزينتها خير من ذلك العرض الخسيس للذين يتقون الرشا والمحرمات وتحكيم الشهوات ويحذرون عقاب الله ووعيده. قال ابن كثير: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، يقول: أفليس لهؤلاء - الذين اعتاضوا بعَرض الدنيا عما عندي - عَقل يردعهم عما هم فيه من السَّفَه والتبذير).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.\nقال ابن زيد: (﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾، قال: كتاب الله الذي جاء به موسى ﵇).\nوقال مجاهد: (﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾، من يهود أو نصارى، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾، يقول: رفعناه، وهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَا","vol":"3","page":272},{"text":"فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ. .﴾ [النساء: ١٥٤]). قال: (فقال لهم موسى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾، يقول: من العمل بالكتاب، وإلا خرَّ عليكم الجبل فأهلككم! فقالوا: بل نأخذ ما آتانا الله بقوة، ثم نكثوا بعد ذلك).\nيروي النسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (ثم سار بهم موسى - ﵇ - متوجهًا نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمره الله تعالى أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم، وأبوا أن يقروا بها حتى يَنْتُقَ الله الجبل فوقهم ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، قال: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم) - ذكره ابن كثير.\nوقال الحسن البصري: (لما نظروا إلى الجبل خرَّ كلٌّ ساجدًا على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليُمْنَى إلى الجبل، فرَقًا من أن يسقط عليه، فلذلك ليس في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رُفعت عنا بها العقوبة).\nقلت: وأصل النتق في لغة العرب الزّعزعة والنقض، فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ أي: زعزعناه فرفعناه حتى كان فوقهم، تهديدًا من الله بإسقاطه عليهم إن لم يأخذوا الدين بجد وقوة. وهذه آية عظيمة من بين الآيات الكثيرة التي امتحن الله بها بني إسرائيل، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ - أي: عسى أن يردهم هذا عن بغيهم، وينيبوا إلى ربهم بتعظيم أوامره واجتناب نواهيه.\n١٧٢ - ١٧٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾\nفي هذه الآيات: يخبر الله تعالى عن الميثاق بينه وبين عباده، فقد استخرج سبحانه ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أمام أبيهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو، وذلك في نعمان - واد قرب عرفات - وقد نثرهم بين يدي أبيهم كالذر ثم كلمهم قبلًا، ألست بربكم قالوا بلى، وشهدوا له تعالى بالربوبية التي احتج بها عليهم للقيام بمقتضى الألوهية، وحذرهم من أمرين اثنين: الأول - هو ادعاء الغفلة","vol":"3","page":273},{"text":"والاحتجاج بها. الثاني - هو مغبة التقليد الأعمى لدين الآباء دون عرض على موازين الوحي والحق. وبين سبحانه المصير الشقي للمشركين، وهذه الآيات يفصلها سبحانه لقوم يتفكرون ويعتبرون لعلهم يصلحون ما مضى ويعدّلون المسار ويرجعون. قال الإمام الطحاوي ﵀: (والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم ﵇ وذريته حق) (١).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بتفصيل آفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - (وفي رواية: يوم عرفة)، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لما خلق الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي ربّ، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيصُ ما بين عينيه، فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، قال: ربّ كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: أي رب، زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم، جاء ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد! فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند عن عمر بن الخطاب ﵁: [أنه سُئِل عن هذه الآية (٤) فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - سئل عنها فقال: إن الله خلق آدم\n_________\n(١) متن العقيدة الحاوية (٤٢) - للإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٩١)، والحاكم عن ابن عباس مرفوعًا. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٦٢٣)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٦) - بحث الميثاق.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الحاكم، والترمذي (٣٠٧٦) بسند حسن، وانظر المرجع السابق (١/ ٦٧).\n(٤) آية الأعراف السابقة (١٧٢)، (١٧٣).","vol":"3","page":274},{"text":"﵇ ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال رسول الله - ﷺ -: إن الله ﷿ إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال الجنة، فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخل به النار] (١).\nثم إنه سبحانه قد احتج بهذا الميثاق على أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة:\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت، قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم (وفي رواية: ظهر آدم) أن لا تشرك بي شيئًا ولا أدخلك النار فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار] (٢).\nوقد كان هذا الميثاق نورًا قذفه الله في حياة الإنسان بعد أن خلقه في ظلمة، فأضاء له سبحانه به طريق النجاة وعرفه سبل السلام، وحذره به من مغبة الاسترسال والمضي في الظلمة، وما يعقب ذلك من مصائب وأسقام وآلام، وبصره بذلك العهد نتيجة اتباع الشهوات وفتح نار الغرائز التي يمكن أن تدمره عبر الليالي والأيام، إن لم يوازن في مشيه وبنائه بين السمو بالروح والعقل، وبين حاجات الجسد والغرائز بشكل تمام.\nففي المسند وصحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [إن الله تعالى خلقَ خَلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل] (٣).\nقلت: والظلمة: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات، والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات، نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانه على عباده بنعمان وهو واد إلى جنب عرفات.\n_________\n(١) قال الألباني: صحيح لغيره إلا مسح الظهر فلم أجد له شاهدًا. تخريج الطحاوية - فقرة (٤٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٣٤)، وأخرجه مسلم (٢٨٠٥)، وأحمد (٣/ ١٢٧، ١٢٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (١٨١٢)، وأحمد (٢/ ١٧٦، ١٩٧)، ونحوه الترمذي (٢/ ١٠٧).","vol":"3","page":275},{"text":"فاحتج سبحانه كما مضى على أهون أهل النار عذابًا بذلك الميثاق وما تبعه من الفطرة، كما قال الحسن البصري حين روى عن الأسود بن سريع مرفوعًا: (ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة. قال الحسن: ولقد قال الله ذلك في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ - إلى قوله - ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾) (١).\nفخلق الله الخلق في ظلمة، وهي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات، ثم ألقى عليهم من نوره: نور الوحي ونور السنة، نور النبوة ونور الفطرة، نور الميثاق ونور الرسالات، ثم إن الشياطين قد استخفوهم من بعد ذلك فحملوهم على اجتراح الموبقات والسيئات.\nخَبَرُ النبي - ﷺ - رواه مسلم عن عياض: [قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا] (٢).\nوفي التنزيل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].\nقال ابن القيم ﵀: (فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدوهم، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات) (٣).\nوخلاصة القول: لقد استخرج الله ذرية آدم من صلبه، وميز بعلمه بين أهل النار وأهل الجنة، وقد أشهدهم أمام أبيهم على ربوبيته المقتضية إفراده بالألوهية، فأقروا على توحيده، وبقيت الفطرة تشهد بذلك، وإنما قامت الحجة عليهم بالرسل والفطرة معًا، ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.\n_________\n(١) انظر السلسلة الصحيحة (٤/ ١٦٢٣)، ص (١٦٣)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٨). قال الألباني: (فإن الفطرة التي فطر الله الناس عليها والتي تشهد فعلًا بأن الله هو الرب وحده لا شريك له، إنما هي أثر ذلك الميثاق). (السلسلة الصحيحة (٤/ ١٦٢٣ - ص ١٦٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٦٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٦٦).\n(٣) انظر \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" - ص (٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٩).","vol":"3","page":276},{"text":"وأما قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.\nففيه أمران يحذرهم:\n١ - ألّا يدّعوا الغفلة.\n٢ - ألّا يدّعوا التقليد.\nفلو كان الآباء مهتدين كيوسف الصديق مع آبائه فنعم، حيث قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ. . .﴾ [يوسف: ٣٨].\nفقد صح اتباعهم لأنهم أثبتوا الألوهية لله سبحانه وعليه كان الاتباع، ومثله قول بني يعقوب له: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. وأما إن كانوا مخالفين الرسل، فَوجب على الابن اتباع الرسل كما قال جل ثناؤه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا. . .﴾ [العنكبوت: ٨].\nوكقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].\nوأما قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾.\nفهو بدل اشتمال من قوله ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾. وقرأ أهل الكوفة وابن كثير ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، في حين قرأها الباقون ﴿ذرياتِهم﴾ بالجمع. قيل: لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة، أعقاب بعد أعقاب لا يعلم عددهم إلا الله، فجمع لهذا المعنى. قال السدي: ﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: اقتدينا بهم).\nوقوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.\nقال القرطبي: (بمعنى: لست تفعل هذا، ولا عذر للمقلِّد في التوحيد).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثل ذلك التفصيل البليغ ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ لهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن شركهم).\n١٧٥ - ١٧٨. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا","vol":"3","page":277},{"text":"فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾.\nفي هذه الآيات: واتل - يا محمد - على قومك، وعلى يهود قصة ما عرفوه في كتابهم، عن نبأ رجل آتاه الله من العلم والمعرفة والفهم في آياته وكتابه، فلما صار عالمًا بذلك انتكس على عقبه وتابع شيطانه وركن إلى دنياه وشهواته فكان من الضالين الهالكين. ولو شاء الله لرفع ذكره وشأنه بهذه الآيات، ولكنه ركن إلى الدنايا والشهوات والهوى، فهو بذلك كمثل الكلب يلهث بكل حال، لأنه استوى عنده العلم والجهل، ومعرفة الآيات واتباع الشهوات، وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن عرف الحق ثم تنكر له، فاقصص - يا محمد - مثل هذه الأخبار على قومك وعلى يهود، وكذلك من أخبار الأمم التي طغت ومضت لعلهم يتفكرون. إنه ساء مثلًا مثل الذين جحدوا آيات الله وظلموا أنفسهم بإيرادها مستقبل الخزي والشقاء. فمن يوفقه الله للهداية فهو المهتدي، ومن يخذله بذنوبه وتمرده فهؤلاء هم الخاسرون، ولا وسيلة لربحهم بعد ذلك.\nقال ابن عباس: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ - قال: كان الله آتاه آياته فتركها). وقال: (نزع منه العلم).\nوقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فصيَّره لنفسه تابعًا ينتهي إلى أمره في معصية الله، ويخالف أمر ربه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن).\nوقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.\nأي: الهالكين الضالين، هلك بضلاله وانحرافه.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾.\nقال ابن عباس: (لرفعه الله تعالى بعلمه). وقيل: (لرفَعْنا عنه الحال التي صار إليها","vol":"3","page":278},{"text":"من الكفر بالله، بآياتنا). قال مجاهد: (﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، لدفعناه عنه). وقال ابن زيد: (﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، بتلك الآيات).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾.\nقال سعيد بن جبير: (يعني: ركن إلى الأرض)، أو: (نزع إلى الأرض).\nوقال مجاهد: (سكن). وقال السدي: (فاتبع الدنيا وركن إليها). وقال ابن زيد: (﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ - كان هواه مع القوم).\nقال ابن عباس: (كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر، أوتي كتابًا، فأخلد إلى شهوات الأرض ولذتها وأموالها، لم ينتفع بما جاء به الكتاب).\nقال القاسمي ﵀: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على قومك أو على اليهود ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ أي: علم الكتاب، فلطف به حتى تعلم وفهم المعاني، وصار عالمًا بها ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ بأن نزع العلم عنه، فكفر بها، وخرج منها خروج الحية من جلدها، ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: فلحقه وأدركه وصار قرينًا له حتى أضله ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي: لعظمناه بالعمل بها ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: مال إلى الدنيا، ورغب فيها ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ وذلك لأنه استوى في حقه إيتاء الآيات، والتكليف بها، والتعظيم من أجلها، وعدم ذلك. كالكلب يدلع لسانه بكل حال، إن تحمل عليه، أي: تشدّ عليه وتهيجه، أو تتركه غير متعرض له بالحمل عليه، فلهثه موجود في الحالتين جميعًا ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي في التوراة أو غيرها ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾).\nوعن مجاهد: (﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾، قال: تطرده، هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به).\nوقال ابن جريج: (الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، إن حملت عليه يلهث، أو تتركه يلهث. قال: مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع). وقال ابن عباس: (﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾، إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد لخير، كالكلب إن كان رابضًا لهث، وإن طرد لَهَث).\nقال النسفي ﵀: (والمعنى فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث به سواء حمل عليه أي شد عليه","vol":"3","page":279},{"text":"وهيج فطرد أو ترك غير متعرض له بالحمل عليه، وذلك أن سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا حرك، أما الكلب فيلهث في الحالين).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.\nأي: من اليهود الذين يعرفون صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة ويجحدون نبوته ويكذبون ويحرفون.\nوقوله: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾.\nأي - يا محمد - من مثل نبأ الذي انسلخ من آيات الله ولم ينتفع بعلمه كيف كان مصيره، وكذلك الأمم التي دكّها الله من قبل لما طغت وعتت وتمردت ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ - أي: اليهود والمنافقون والمشركون.\nوقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.\nقال ابن كثير: (يقول تعالى: ساءَ مثلًا مثلُ القوم الذين كذبوا بآياتنا، أي: ساء مثلُهم أن شُبِّهوا بالكلاب التي لا هِمَّة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حَيِّزِ العلم والهدى، وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه، صار شبيهًا بالكلب، وبئس المثل مثله. وقوله: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾، أي: ما ظلمهم الله، ولكن هم ظلموا أنفسهم، بإعراضِهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى، إلى الركون إلى دار البلى، والإقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بذم الكلب وتشبيه بعض أفعال وخصال السوء بخصاله وطباعه.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: [ليس لنا مَثَلُ السَّوْء، الذي يعودُ في هِبَتِهِ كالكلب يَرْجِعُ في قَيْئِه] (١).\nوأخرج البخاري عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عُمَرَ بنَ الخطاب ﵁ يقول: [حَمَلْتُ على فرَسٍ في سبيل الله فأضاعَهُ الذي كان عندَه، فأردْتُ أن أشْتَرِيَهُ فَظَنَنْتُ أنَّهُ يبيعُهُ بِرُخْصٍ، فسألت النبي - ﷺ - فقال: لا تَشْتَرِ ولا تَعُدْ في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٦٢٢)، والترمذي في الجامع (١٢٩٨)، والنسائي في السنن (٦/ ٢٦٧)، وأحمد في المسند (١/ ٢١٧).","vol":"3","page":280},{"text":"صدقتك، وإن أَعْطاكَهُ بِدِرهم، فإن العائدَ في صدقته كالعائدِ في قَيْئِهِ] (١).\nوقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾.\nأي: من هداه الله سبحانه وأنار له السبيل فقد حظي بخير عظيم، فإنه من يهد الله فلا مضل له.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nأي: من تخلّى الله عنه فتركه في ضلاله - عدلًا منه سبحانه وحكمة - فقد خسر لا محالة، وضل وخاب وهلك.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الله، قال: [علمنا رسول الله - ﷺ - خطبة الحاجة: أنِ الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. .] الحديث (٢).\nقلت: والهداية الواردة في الآية، هي هداية التوفيق والإلهام، والضلال المذكور هو الخذلان والضياع والحرمان. قال النسفي: (ولو كان الهدى من الله البيان كما قالت المعتزلة لاستوى الكافر والمؤمن، إذ البيان ثابت في حق الفريقين، فدل أنه من الله تعالى التوفيق والعصمة والمعونة، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى كما اهتدى المؤمن).\n١٧٩ - ١٨٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٩٠) - كتاب الزكاة، وكذلك (٢٦٢٣) - كتاب الهبة وفضلها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢١١٨) - باب في خطبة النكاح، وأخرجه الترمذي (١١٠٥)، والنسائي (٦/ ٨٩)، وابن ماجه (١٨٩٢)، وأحمد (١/ ٤٣٢)، والبيهقي (٣/ ٢١٤)، وغيرهم.","vol":"3","page":281},{"text":"مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تقرير الله تعالى لحقيقة امتلاء جهنم يوم القيامة من أقوام قد خُلقوا لها من الجن والإنس استحقّوها بعمى أبصارهم وقلوبهم وصمم آذانهم عن قبول استماع الحق، فهم في ذلك كالبهائم بل البهائم أحسن حالًا منهم في سرعة انتهائها وانقراضها يوم القيامة.\nإن أسماء الله تعالى كلها حسنى فادعوه بأيها شئتم، واجتنبوا الذين يشركون في أسمائه وصفاته بتشبيه أو تعطيل أو انتقاص، فهم سيجزون على فساد منهاجهم ذلك سوء الجزاء. وفي مقابلهم فئة مؤمنة من أتباع الرسل صدقوا الله التنزيه والعبادة وأقاموا الدين الحق فهم موضع الصدارة والأسوة على مدار الأزمان، والذين كذبوا يستدرجهم الله بالنعم ويملي لهم ويؤخرهم إلى حين مجيء وقت عذابهم.\nلقد كان أولى بهؤلاء المكذبين من العرب أن يتفكروا بما جاءهم به محمد - ﷺ - من الحق والنور والصدق ليعلموا أنه ما به خبل ولا جنون، وإنما يحمل لهم الإنذار المبين. فهلّا نظروا في هذا الكون الفسيح نظر استدلال واعتبار، ثم تفكروا أنهم ربما قد قرب ميعاد هلاكهم أو رحيلهم، فماذا بعد هذا القرآن العظيم الذي أضاعوه من كتاب مبين. إنه من يضلل الله - انتقامًا منه - فلا هادي له، ويتركهم في غيهم وضلالهم يتخبطون، ثم يقبضهم على أسوأ حال والعياذ بالله رب العالمين.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾.\nقال الحسن: (مما خلقنا).\nوقال السدي: (﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾، يقول: خلقنا).\nقال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾، أي: خلقنا وجعلنا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، أي: هيَّأناهم لها، وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلُقَ الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. كما ورد في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عَمْرو أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله قَدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات","vol":"3","page":282},{"text":"والأرض بخمسين ألفَ سنة، وكان عرشه على الماء\" (١».\nوقال ابن جرير: (﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، لنفاد علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم).\n\nقلت: فالكتابة في اللوح المحفوظ - فيما يخص ذلك - كتابة علم لا كتابة جبر، فإن الله سبحانه أعلم بأعمال عباده ومصيرهم قبل أن يخلقهم، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ولو لم يعلم ذلك لما استحق اسم الخالق واسم العليم، وأن يوصف بعلام الغيوب، والآية ردّ على القدرية والجبرية ونسف لمنهاجهم وأصولهم.<span data-type=\"title\" id=toc-100> وقد حفل القرآن الكريم والسنة المطهرة بآفاق هذا المعنى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>أولًا - في التنزيل:</span>\n١ - قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢، ٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]\n٣ - وقال تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ١ - ٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثانيًا - في كنوز السنة الصحيحة:</span>\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي ﵁ قال: [كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله - ﷺ - فقعد وقَعَدْنا حوله ومعه مخْصَرةٌ (٢) فَنَكَّسَ، فجعل ينكتُ بِمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنّة والنار، وإلا وقد كتِبت شقيّةً أو سعيدةً. قال: فقال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٥٣)، والترمذي في الجامع (٢١٥٦)، وأحمد في المسند (٢/ ١٦٩)، وابن حبان في صحيحه (٦١٣٨).\n(٢) المخصرة: هي ما أخذه الإنسان بيده واختصره من عصا لطمة وعكاز لطيف ونحو ذلك.","vol":"3","page":283},{"text":"رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندَع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، أما أهل السعادة فَيُيَسّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسّرون لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي - ﷺ - قال: [يدخلُ المَلكُ على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا ربِّ أشقيٌ أو سعيدٌ؟ فَيُكتَبانِ، فيقول: أيْ ربِّ أذكرٌ أو أنثى؟ فيكتبان، ويُكْتَبُ عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تُطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا يُنقَصُ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [فرغ الله ﷿ إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد]. وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).\nوله شاهد عند ابن عساكر بسند جيد عن أنس، بلفظ: [فرغ الله من أربع: من الخَلق والخُلُق والرزق والأجل] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، وأبو داود وابن ماجه في السنن، عن عائشة ﵂ - أنها قالت: [دُعي رسول الله - ﷺ - إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طُوبى له، عُصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة، وخَلَق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم، وخَلَقَ النار، وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٤٦ - ٤٧). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤٤) - كتاب القدر - باب: في القدر والشقاوة والسعادة -. وكذلك حديث رقم (١٨٤٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٤٥). انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٤٨) - باب: في الخلق والشقاوة والسعادة.\n(٣) حديث صحيح. انظر الروايات المختلفة في صحيح الجامع (٤٠٧٨) (٤٠٧٩)، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢/ ٨١٣)، بحث القدر.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٦٢)، وأحمد (٦/ ٤١)، وأخرجه أبو داود (٤٧١٣)، وأخرجه =","vol":"3","page":284},{"text":"وقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾.\nفيه أن القلب هو مركز الفقه لا الدماغ، بل الدماغ متأثر بفهم القلب وحركته وفقهه، والعلم الحديث يثبت ذلك. فالقلب هو مركز حياة الأبدان ومُوَجِّه حركتها وبتعطله تتعطل الحياة - هذا من جهة، ومن جهة ثانية: فهو مركز الفكر والعقل والفهم والفقه، كما قال تعالى في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾. وكقوله جل ذكره في السورة هذه: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ﴾.\nوفي صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا:\n[ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كُلُّهُ، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب] (١).\nفمعنى الآية: إن لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه، قلوبًا لا تتفكر في آيات الله، ولا تتدبر في عظمته سبحانه ووجوب إفراده بالتوحيد والتعظيم والكبرياء، كما لهم أعين لا تنظر بصدق في ملكوت السماوات والأرض لتستدل بذلك على صدق التنزيل وصحة دعوة الرسل، كما لهم آذان لا تسمع آيات الله تتلى لتعتبر بها، فهم يعرضون عنها وإنما يردون بذلك حياض هلاكهم. كما قال تعالى:\n١ - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].\n٢ - ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦].\n٣ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].\nفما كان صممهم وبكمهم وعميهم إلا عن الهدى، فعاقبهم الله بحرمانهم من الهدى والرشاد.\n_________\n= النسائي (٤/ ٥٧)، وابن ماجه (٨٢)، وأبو يعلى (٤٥٥٣)، وغيرهم.\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٢)، كتاب الإيمان، وكذلك (٢٠٥١)، ضمن حديث أطول، ورواه مسلم في الصحيح (١٥٩٩)، كتاب المساقاة، من حديث النعمان.","vol":"3","page":285},{"text":"وقوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾، قال: لا يفقهون بها شيئًا من أمر الآخرة، ﴿وَوَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾، الهدى، ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾، الحق. ثم جعلهم كالأنعام سواء، ثم جعلهم شرًّا من الأنعام، فقال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾، ثم أخبر أنهم هم الغافلون).\nقال الحافظ ابن كثير: (أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يَعُونه ولا يبصرون الهدى كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يُعَيِّشها من ظاهر الحياة الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً. . .﴾ [البقرة: ١٧١]، أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول. ولهذا قال في هؤلاء: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾، أي: من الدواب، لأن الدواب قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبَسَّ بها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء؟ ولأن الدواب تفقه ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده، فكفر بالله وأشرك به).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ومن أسمائه: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾، وكل أسمائه حسن).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخَلَ الجنة، وهو وِتْرٌ يحسبُّ الوِتْر]- ورواه البخاري (١).\nقلت: وإحصاءُ هذه الأسماء يقتضي الحياة في ظلها وامتثال لوازمها من العلم والعمل وتأثر الجوارح، وإلا فالإحصاء العددي وحده لا يكفي، وقد استأثر الله تعالى ببعض أسمائه الحسنى في علم الغيب عنده.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧)، والترمذي (٣٥٠٦)، وابن ماجه (٣٨٦٠)، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٦٧)، وابن حبان (٨٠٧)، والبغوي في \"التفسير\" (٩٥٤).","vol":"3","page":286},{"text":"عنه، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [ما أصابَ أحدًا قطُّ همٌ ولا حُزْنٌ فقال: اللهم، إني عبدُك، ابن عبدك، ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عَدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سَمَّيْتَ به نفسَك، أو أنزلته في كتابك، أو أعلمتَهُ أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندَك، أن تجعل القرآن العظيم ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حزني، وذهاب هَمِّي - إلا أذهب الله همَّهُ وحَزَنَه، وأبدله مكانه فَرَجًا. فقيل: يا رسولَ الله، أفلا نتعلّمها؟ فقال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها] (١).\nوقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾.\nقال قتادة: (﴿يلحدون﴾، يشركون).\nقال ابن عباس: (إلحاد الملحدين: أن دعَوا \"اللات\" في أسماء الله). وقال: (الإلحاد: التكذيب).\nوقال ابن جريج عن مجاهد: (﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، قال: اشتقوا \"اللات\" من الله، واشتقوا \"العُزَّى\" من العزيز).\nقال ابن كثير: (وأصل الإلحاد في كلام العرب: العدلُ عن القصد، والميلُ والجورُ والانحراف، ومنه اللحدُ في القبر، لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر).\nوقال القاسمي: (﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني في الآخرة، من جحدهم إياها ونفورهم عن الإيمان بها).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.\nقال ابن جريج: (ذكر لنا أن نبي الله - ﷺ - قال: هذه أمتي! قال: بالحق يأخُذون ويعطون ويَقْضون).\nقلت: ولا شك أن المقصود بهذه الآية هو هذه الأمة المحمدية التي هي خير أمة أخرجت للناس كما قال جل ذكره: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\n_________\n(١) حديث إسناده جيد. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٩١)، (١/ ٤٥٢)، وأبو يعلى (٥٢٩٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٩)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٩٧٢) من طرق عن فضيل بن مرزوق به، وإسناده صحيح.","vol":"3","page":287},{"text":"وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد، عن عبد الرحمن بن الحضرمي يقول: أخبرني من سمع النبي - ﷺ - يقول: [إنَّ من أمتي قومًا يُعْطَوْن مِثْلَ أجورِ أَوَّلِهم، يُنْكرون المنكر] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خَذَلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة] (٢). وفي رواية: (حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). وفي رواية: (قال معاذ: وهم بالشام).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تزال طائفةٌ من أمتي قَوَّامةً على أمر الله لا يضرُّها مَنْ خالَفَها] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال الضحاك: (كلما جدّدوا لنا معصية جدّدنا لهم نعمة). وقيل لذي النون: ما أقصى ما يخدع به العبد؟ قال: (بالألطاف والكرامات، لذلك قال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر) - ذكره القرطبي.\nقلت: والاستدراج هو من مكر الله بالعبد المتمرد في عصيانه، فإنه سبحانه يفتح له آفاق الرزق والرخاء، ووجوه المعاش ووفرة المال والبسط والسعة حتى يقترب أخذه، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤، ٤٥].\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عقبة بن عامر ﵁،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٦٢)، (٥/ ٣٧٥)، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٠٠) وقال: وهذا إسناد جيد رجاله كلهم رجال الصحيح، وفي زيد بن الحباب كلام لا يضر إن شاء الله تعالى، وأما جهالة الصحابي فلا تضر قطعًا لأنهم عدول.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٣٦٤١)، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (١٥٦) من حديث جابر وغيره، وأخرجه أهل السنن.\n(٣) حسن صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٧). باب اتباع سنة رسول الله - ﷺ -. وانظر صحيح ابن ماجه - حديث رقم - (٧).","vol":"3","page":288},{"text":"عن النبي - ﷺ - قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.\nقال القرطبي: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أطيل لهم المدة وأمهلهم وأُؤَخِّرُ عقوبتهم. ﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ أي: مكري. ﴿مَتِينٌ﴾ أي: شديد قوي. وأصله من المتن، وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب الصلب).\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\nقال النسفي: (﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ محمد ﵇، وما نافية بعد وقف، أي: أولم يتفكروا في قولهم، ثم نفى عنه الجنون بقوله ما بصاحبهم ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ جنون ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ منذر من الله موضح إنذاره). فالمعنى: هل تفكروا فيما جاءهم به محمد - ﷺ -، ليعلموا أنه ما به خَبل ولا جنون، وإنما هو إنذار مبين، ودعوة صادقة إلى الدين القويم. ومن هنا كان الوقف على ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾ حسنًا عند القراء.\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾.\nأي: هلّا نظروا في هذا الكون الفسيح نظر اعتبار واستدلال، وفي كل ما خلق الله من شيء. قال القاسمي: (والملكوت: الملك العظيم. ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ عطف على ﴿ملكوت﴾. أي: في احتمال أن يهلكوا عما قريب، فيفارقوا الدنيا، وهم على أتعس الأحوال ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: القرآن ﴿يؤمنون﴾ أي: إذا لم يؤمنوا به، وهو المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية. وفي هذا قطع لاحتمال إيمانهم رأسًا، ونفي له بالكلية).\nفالشمس والقمر والنجوم والسحاب بعض ملكوت السماوات، والبحار والجبال والدواب والشجر بعض ملكوت الأرض، وكل ذلك يقلبه الله سبحانه ويغير أحواله كما هو شأن كل خلقه، والناس جزء من هذا الخلق يمضون ويغادرون الحياة في أي\n_________\n(١) سنده قوي. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وابن جرير في \"التفسير\" (٧/ ١١٥)، وهو حديث صحيح بالمتابعات. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤١٤).","vol":"3","page":289},{"text":"لحظة، فهَلّا كان اعتبار المعاندين المستكبرين باحتمال اقتراب نهايتهم، وحين الغرغرة لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nالمعنى: إنه من كتب الله عليه الضلالة والشقاء - نتيجة إصراره على الكبر والشرك والظلم - فلا سبيل إلى تنوير قلبه بالهداية - ثم الله - تعالى - يذرهم في غيهم وتخبطهم وبغيهم يتحيّرون.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. . .﴾ [المائدة: ٤١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].\nأخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن أنس مرفوعًا: [إذا أراد الله بعبد خيرًا عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شرًا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافيه يوم القيامة] (١).\n١٨٧ - ١٨٨. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى نبيّه عن سؤال قومه قريش له عن ميعاد الساعة، فقل لهم - يا محمد - إن علمها محكوم بأمر الله لا يُظهر أمرها وعلاماتها إلا هو سبحانه،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع (٢/ ٦٤)، والبيهقي في \"الأسماء\" (ص ١٥٤)، من حديث أنس بن مالك مرفوعًا، ورواه حبان (٢٤٥٥) نحوه.","vol":"3","page":290},{"text":"كَبُرَت في شأنها وخَفِيت في السماوات والأرض فلم يعلم قيامها ملك مقرّب ولا نبي مرسل، فهي تأتي على غفلة ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ثم قل لهم - يا محمد -: إنني لا أملك جلب النفع لنفسي أو دفع الضرر عنها، شأني بذلك كسائر البشر، ولو كنت أعلم الخير أو ما يكون من الغيب منه لاستبقت إليه، ولدافعت ما كان من الشر القادم منه، ولكني بشر يصيبني الخير وينزل بي الابتلاء وإنما أنا نذير للكافرين المعاندين، وبشير للمؤمنين المخبتين.\nفقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. قال السدي: (يقول: متى قيامها؟).\nوقال ابن عباس: (يعني: منتهاها) - أي: متى حصولها وأيان آخر ساعة من ساعات هذه الحياة الدنيا لتبدأ أول ساعة من ساعات الآخرة.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾.\nأي: علمها إلى الله، ولا يعلم جلية أمرها وتحديد وقتها إلا الله تعالى. قال قتادة: (يقول: علمها عند الله، هو يجليها لوقتها، لا يعلم ذلك إلا الله). وعن مجاهد: (﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾، يأتي بها). أو قال: (لا يأتي بها إلا هو). وقال السدي: (يقول: لا يرسلها لوقتها إلا هو).\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عنن حذيفة قال: [سئل رسول الله - ﷺ - عن الساعة؟ فقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ ولكنْ أخبركم بمشاريطِها، وما يكون بين يَدَيْها: إنَّ بينَ يديها فتنةً وهرَجًا. قالوا: يا رسول الله! الفتنةُ قد عرفناها فالهرجُ ما هو؟ قال: بلسان الحبشة: القتل، ويلقى بين الناس التناكرُ فلا يكاد أحدٌ أن يعرفَ أحدًا] (١).\nوقوله: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فيه أقوال متكاملة:\n١ - القول الأول: ثقلت الساعة على أهل السماوات والأرض أن يعرفوا مجيئها ووقتها، لخفائها عنهم، واستئثار الله بعلمها. قال السدي: (يقول: خفيت في السماوات والأرض، فلم يعلم قيامها متى تقوم مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسل). وعن معمر، عن بعض أهل التأويل: (ثقل علمها على أهل السماوات وأهل الأرض، إنهم لا يعلمون).\n٢ - القول الثاني: كبرت عند مجيئها على أهل السماوات والأرض.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٩) بسند على شرط مسلم. وانظر: \"الصحيحة\" (٢٧٧١).","vol":"3","page":291},{"text":"قال الحسن: (يعني: إذا جاءت ثقلت على أهل السماء وأهل الأرض. يقول: كبرت عليهم). وقال ابن جريج: (﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكُوِّرَت الشمس، وسُيِّرَت الجبال، وكان ما قال الله. فذلك ثقلها). وقال السدي: (﴿ثقلت﴾: عظمت).\n٣ - القول الثالث: معنى قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، على السماوات والأرض. فعن قتادة: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: على السماوات والأرض).\nقلت: ولا مانع من اجتماع هذه الأقوال في مفهوم الآية، فإن الإعجاز القرآني يحتمل هذا، فالساعة ثقيلة عند مجيئها على أهل السماوات والأرض، كما هو ثقيل علمها ومعرفة وقتها. وإن كان القول الأول منسجمًا أكثر مع بقية آيات القرآن عن الساعة، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤]. وكقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣].\nوقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾.\nقال السدي: (يقول: يبغتهم قيامها، تأتيهم على غفلة).\nوقد دلّت السنة الصحيحة على آفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعة حتى تطلعَ الشمس من مَغْربها، فإذا طَلعَتْ فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسَبت في إيمانها خيرًا، ولتقومَنَّ الساعةُ وقد نَشَرَ الرجلان ثَوْبَهُما بينهما، فلا يَتَبايعانه ولا يطويانه. ولتقومَنَّ الساعةُ وقد انصرف الرجل بلبنِ لِقْحَتِهِ فلا يَطْعَمهُ. ولتقومَنَّ الساعةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فلا يَسْقي فيه. ولتقومَنَّ الساعةُ والرجل قد رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فيه فلا يَطْعَمها] (١). وقوله: \"يليط حوضه\" - أي: يصلحه.\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - يبلغُ به النبي - ﷺ - قال: [تقوم الساعةُ والرجل يَحلُبُ اللِّقْحة، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦٥٠٦)، (٧١٢١)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٦٩)، وأبو يعلى (٦٢٧١)، وغيرهم.","vol":"3","page":292},{"text":"والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يَلوطُ حوضه فما يصدُرُ حتى تقوم] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها] (٢). والفَسِيلة: نخلة صغيرة.\nوقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، يقول: كأن بينك وبينهم مودة، كأنك صديق لهم). قال ابن عباس: (لما سأل الناس محمدًا - ﷺ - عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده، استأثر بعلمها، فلم يطلع عليها ملكًا مُقربًا ولا رسولًا).\n٢ - قال قتادة: (قالت قريش لمحمد - ﷺ -: إن بيننا وبينك قرابةً، فأسِرَّ إلينا متى الساعة؟ فقال الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾).\n٣ - قال مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، قال: استَحْفَيت عنها السؤال، حتى عَلمت وقتها). وقال الضحاك: (يقول: كأنك عالم بها، لست تعلمها).\n٤ - قال ابن زيد: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، كأنك عالم بها، وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . . (٣٤)﴾ الآية).\nقلت: وقول مجاهد وابن زيد أقرب للسياق وأرجح للتأويل، ويناسب خاتمة الآية: وهو قوله ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: [كان رسول الله - ﷺ - يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٩٥٤)، وانظر الحديث السابق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٨٣)، (٣/ ١٨٤)، (٣/ ١٩١)، وكذا الطيالسي (رقم ٢٠٦٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٧٩)، وانظر السلسلة الصحيحة (٩).","vol":"3","page":293},{"text":"الله ما الإسلام؟ قال: الإسلامُ أن تعبدُ الله ولا تشركَ به شيئًا، وتُقيمَ الصلاةَ المكتوبةَ، وتؤدي الزكاةَ المفروضة، وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله ما الإحسانُ؟ قال: أن تعبدَ الله كأنك تراه فإنك إن لا تراهُ، فإنه يراك. قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل، ولكن سأحَدِّثك عن أشراطها: إذا وَلدتِ الأمة ربَّها (١) فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراةُ الحفاةُ رؤوسَ الناس (٢) فذاك من أشراطها، وإذا تطاول (رِعَاءُ البَهْم (٣» في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، ثم أدبر الرجلُ، فقال رسول الله - ﷺ -: ردُّوا عليَّ الرجلَ، فأخذوا ليردُّوه فلم يروا شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: هذا جبريلُ جاء ليعَلِّمَ الناس دينهم] (٤).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن حبان بسند حسن - من حديث زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال المرادي: [- وقد سأل أعرابي النبي - ﷺ - وناداه بصوت جَهْوَريّ - فقال: يا محمد! قال له رسول الله - ﷺ -: هاؤم - على نحو من صوته - قال: يا محمد، متى الساعة؟ قال له رسول الله - ﷺ -: ويحك! إن الساعة آتية، فما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له رسول الله - ﷺ -: المرء مع من أحب] (٥). فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث.\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: [كان رجالٌ من الأعراب جُفاةً يأتون النبي - ﷺ - فيسألونَهُ: متى الساعَةُ؟ فكان يَنْظُرُ إلى أصغرهم فيقول: إن يَعِشْ هذا لا يُدْرِكهُ الهَرَمُ حتى تقومَ عَلَيْكُم ساعَتُكُم] (٦). قال هشام: يعني موتَهم.\nالحديث الرابع: أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت\n_________\n(١) أي سيدها، إخبارٌ عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها.\n(٢) أي ملوك الأرض، وهو رواية لمسلم.\n(٣) البَهْم: الصغار من أولاد الغنم الضأن والمعز جميعًا.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ٣٠) - كتاب الإيمان - باب: أول الإيمان قول لا إله إلا الله. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢).\n(٥) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٥٣٦)، والطيالسي (١١٦٧)، وابن حبان (٥٦٢)، وغيرهم.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦٥١١)، عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂. كتاب الرقاق. باب سكرات الموت.","vol":"3","page":294},{"text":"النبي - ﷺ - يقول، قبل أن يموت بشهر: [تسألوني عن الساعة؟ وإنما عِلْمُها عند الله، وأُقْسِمُ بالله! ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مئةُ سنةٍ] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ - فيه أقوال:\n١ - قال ابن جريج: (قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾، قال: الهدى والضلالة، ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، قال: ﴿أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾، متى أموت، لاستكثرت من العمل الصالح (٢).\n٢ - قال ابن زيد: (﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتَّقيتُه).\n٣ - وقيل: (﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾، لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولعرفت الغلاء من الرُّخْص، واستعددت له في الرُّخص).\n٤ - قال الضحاك - عن ابن عباس -: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، أي: من المال. وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئًا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه، ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، قال: ولا يصيبني الفقر).\nقلت: والراجح القول الثاني والثالث والرابع، فهو يرجح على الأول في معناه، فكأن المعنى: لو كنت أعلم الغيب لحرصت على الإكثار من متاع الدنيا وخيراتها، وابتعدت عن آلامها ومطباتها ما استطعت. وأما في أمر الآخرة فكان رسول الله - ﷺ - أسبق الناس إليه، لا يفتر في عبادته ولا تضعف همته، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن علقمةَ: [قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: هَلْ كانَ رسولُ الله - ﷺ - يَخْتَصُّ من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عَمَلُهُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٥٣٨) - كتاب فضائل الصحابة، والترمذي في الجامع (٢٢٥٠)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٢٢).\n(٢) ذكره ابن جرير، واستبعده ابن كثير وقال: (وفيه نظر. لأن \"عمل رسول الله - ﷺ - كان ديمةً\" - وفي رواية: \"كان إذا عمل عملًا أثبته\" فجميع عمله كان على منوال واحد، كأنه ينظر إلى الله - ﷿ - في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المرادُ أن يرشدَ غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم).","vol":"3","page":295},{"text":"دِيمَةً، وَأَيُّكُم يُطيق ما كان رسول الله - ﷺ - يُطيق؟] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة أنها قالت: [كان لرسول الله - ﷺ - حَصيرٌ، وكان يُحَجِّرُهُ (٢) من الليل فيصلِّي فيه، فجعل الناس يُصَلُّون بِصَلاتِهِ، ويَبْسُطُهُ بالنهار، فثابوا (٣) ذات ليلة فقال: يا أيها الناس! عليكم منَ الأعمال ما تُطيقون، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلّوا، وإن أحبَّ الأعمالِ إلى الله ما دُووِمَ عليه وإن قَل، وكان آل محمد - ﷺ - إذا عملوا عملًا أثبتوه] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة - أيضًا -، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اكْلفُوا من العمل ما تُطيقون، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، وإن أحبَّ العمل إلى الله أَدْوَمُهُ وإن قَلَّ. وكان إذا عمل عملًا أثبته] (٥).\nوقوله: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: نذير من عذاب الله وبأسه وغضبه، بشير للمؤمنين بجنات النعيم ورضوان الله الكريم.\nوفي التنزيل: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].\n١٨٩ - ١٩٨. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (١٩٨٧) - كتاب الصوم، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (٧٨٣) - كتاب صلاة المسافرين.\n(٢) أي يتخذه حجرة، كما في الرواية الأخرى.\n(٣) أي اجتمعوا. وقيل: فثابوا - أي رجعوا للصلاة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٨٢) - كتاب صلاة المسافرين، وانظر سنن أبي داود (١٣٧٠)، ومسند أحمد (٦/ ٤٣)، وصحيح ابن حبان (٣٢٢) - مما يوافق هذا المعنى.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٣٦٨) - باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (١٢١٩) - وهو في الصحيحين نحوه.","vol":"3","page":296},{"text":"يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أنه خلق الناس من أبيهم آدم وزوجته حواء المخلوقة من ضلع منه ليطمئن إليها، فلما تدثر الرجل أهله ووطئها وحملت منه عاهد ربه لئن رزقتنا بشرًا سويًا لنكونن ممن يشكرك ولا يكفرك. حتى إذا صدقهم الله الأمنية بغلام سوي نسيا نعمته وأغفلا شكره وانغمسا في الكبر والشرك وتعظيم النفس والشيطان والشهوات والأوثان.\nكيف يشركون مَنْ لا يخلقُ ولا يملك الضر والنفع والنصر، ولا يستجيبون لهدى لجمودهم وعجزهم عن النطق والكلام. إن ما يدعون من دون الله عبيد مثل عابديها، ومخلوقات مثلهم، بل إن عابديها أكمل خلقًا منها إذ تسمع وتبصر وتتحرك وتبطش وتلك جامدة لا حراك لها.\nإن الله تعالى هو المعبود وحده لا شريك له وهو ناصر المتقين ومؤيد الصالحين، وتلك الآلهة من الشيطان والشهوات والطواغيت عاجزة عن تقديم المدد والعون وإنزال النصر أو قبول الهدى، بل هي موصوفة بالصمم والعمى كعابديها.\nفقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.\nقال مجاهد: (آدم ﵇).\nوقال قتادة: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة من آدم).","vol":"3","page":297},{"text":"وقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.\nقال قتادة: (حواء، فجعلت من ضلع من أضلاعه، ليسكن إليها). وفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١].\nوفيِ صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ المرأة خُلِقَتْ من ضِلعٍ، لن تستقيمَ لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها، وبها عِوَجٌ، وإن ذَهَبْتَ تُقيمها كَسَرْتَها، وكَسْرُها طلاقُها] (١).\nوله شاهد في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان من حديث سمرة بلفظ: [إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامةَ الضِّلعِ تكسرها، فدارِها تعشْ بها] وسنده صحيح.\nوقوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. قال ابن جرير: (ليأوي إليها، لقضاء حاجته ولذته).\nوقال ابن كثير: (أي: ليألفها ويسكن بها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فلا ألفة بين رُوحين أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه).\nقلت: وهذا كلام بديع من الحافظ ابن كثير ﵀، فإن غاية السكن والألفة والمودة بين الخلق جعلها الله سبحانه بين الرجل وزوجته، ليجعل الله بذلك بيت الزوجية متماسكًا متينًا لا تهزه رياح التمزيق والتفريق، فإن حصل شيء من ذلك فهو بتمكن الشياطين من التسلل إلى داخل البيت لإحداث الفتن، وهذا لا يكون إلا بإذن الله بسبب بعض المخالفات الشرعية.\nفقد أخرج ابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لم يُرَ للمتحابَّيْن مثل النكاح] (٢).\nوأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند حسن عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٦٦) - كتاب الرضاع - باب الوصية بالنساء. وانظر للشاهد بعده، صحيح الجامع الصغير، حديث رقم (١٩٤٠)، ورواه الحاكم، وسنده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (١٨٤٧)، والحاكم (٢/ ١٦٠)، والبيهقي (٧/ ٧٨)، وغيرهم.","vol":"3","page":298},{"text":"[ما توادَّ اثنان في الله ﷿، أو في الإسلام. فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما] (١).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾.\nأي: فلما تدثرها ووطئها ليقضي حاجته منها حملت ماء زوجها - آدم ﵇ - وهو حمل خفيف عليها في أول أطواره. وفي الكلام محذوف - كما قال ابن جرير - والتقدير: فلما تغشاها فقضى حاجته منها حملت. قال: (يعني بـ \"خفة الحمل\"، الماء الذي حملته حواء في رَحمها من آدم، أنه كان حملًا خفيفًا، وكذلك هو حملُ المرأة ماءَ الرجل، خفيفٌ عليها). وقال ابن كثير: (وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألمًا، إنما هي النُّطفة، ثم العَلَقة، ثم المُضغة).\nوقوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾.\nفيه أقوال:\n١ - قال مجاهد: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾، قال: استمرّ حملها).\n٢ - وقال السدي: (يقول: استمرت به). وقال أيوب: (سألت الحسن عن قوله: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾، قال: لو كنت امرأً عربيًا لعرفت ما هي، إنما هي: فاستمرت به). وقال قتادة: (واستبان حملها).\n٣ - وقال ابن عباس: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾، قال: فشكت، أحملت أم لا؟).\n٤ - وقال ميمون بن مهران، عن أبيه: (استخفته).\nقلت: وخلاصة المعنى كما ذكر مجاهد والحسن وغيرهما، وهو اختيار ابن جرير - شيخ المفسرين ﵀ - قال: (استمرت بالماء، قامت به وقعدت).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾.\nأي: ظهر الحمل وترعرع في بطنها واقترب حين ولادتها. كما قال السدي: (كبر الولد في بطنها). قال ابن كثير: (أي: صارت ذات ثِقَل بحملها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري \"في الأدب المفرد\" (٤٠١)، وأخرجه أحمد (٢/ ٦٨)، من حديث ابن عمر. وانظر صحيح الأدب المفرد - حديث رقم - (٣١٠)، والسلسلة الصحيحة (٦٣٧).","vol":"3","page":299},{"text":"وقوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.\nأي: لئن آتيتنا بشرًا سويًا لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت.\nومن أقوال المفسرين في هذه الآية:\n١ - قال ابن عباس: (أشفقا أن يكون بهيمة). وعن أبي البختري قال: (أشفقا أن يكون شيئًا دون الإنسان). أو قال: (أشفقا أن لا يكون إنسانًا).\n٢ - عن أبي صالح قال: (لما حملت امرأة آدم فأثقلت، كانا يشفقان أن يكون بهيمة. فدعوا ربهما: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾، الآية).\n٣ - قال الحسن البصري: (لئن آتيتنا غلامًا).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nقال الحسن: (كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم) - ذكره ابن جرير بسنده عنه، ثم قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: (عَنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده. يعني: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾).\nثم قال: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: (كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا، فهوّدوا ونصَّروا).\nقال الحافظ ابن كثير: (وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن - ﵀ - أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية).\nقلت: وأما ما أورده ابن جرير بسنده عن سمرة بن جندب، عن النبي - ﷺ - قال: (كانت حوّاء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه \"عبد الحارث\"، فعاش لها ولد، فسمته \"عبد الحارث\"، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان) - فلا يصح عن النبي - ﷺ -، بل هو ضعيف منكر (١). ويبقى ما ذكره الحسن واستحسنه ابن كثير، هو\n_________\n(١) لا يصح رفعه إلى النبي - ﷺ -. قال الذهبي في الميزان (٦٠٤٢) في ترجمة أحد رواته عمر بن إبراهيم، فقال: صححه الحاكم، وهو منكر. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال الدارقطني: ليّن يترك. وذكر الخبر السدي ومجاهد ويبدو أنه متلقى عن أهل الكتاب. وفي الحديث: [إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم]- إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٣٦٤٤)، وأحمد (٤/ ١٣٦).","vol":"3","page":300},{"text":"الأقرب للتأويل الصحيح والأنسب لمقام نبوة أبينا آدم - ﵊ - والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.\nإنكار من الله على المشركين عبادتهم آلهة مخلوقة - من الأنداد والأصنام والأوثان - خلقها الله كما خلقهم وهي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، بل هم عابدوها أكمل منها بما أودعهم الله تعالى من الصفات.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤].\n٤ - وقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\nقال الجشميّ: (تدل الآية على صحة الحجاج في الدين، لأن قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ﴾ الآية - حجاج. وتدل على أن المستحق للعبادة الذي يخلقُ وينعمُ ويقدر على النفع والضر هو الله تعالى).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.\nأي: إن هذه الآلهة التي اتخذها القوم من دون الله لا تنصر ولا تنتصر. فهي لا تملك لعبدتها نصرًا إذا حَزَبَهُم أمر، بجلب نفع أو دفع ضر. ولا تستطيع الدفاع عن نفسها إذا اعتراها حادث من الحوادث.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دَحاها، كما قال إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]).","vol":"3","page":301},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾.\nإخبار من الله تعالى أن ما يدعون من دونه عبيد مثل عابديها، ومخلوقات مثلهم، بل إن عابديها أكمل خلقًا منها إذ تسمع وتبصر وتتحرك وتبطش وتِلك جامدة لا حراك لها.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾.\nالمعنى: ألأوثانكم أيها الناس أرجل فهم يسعون معكم ولكم في حوائجكم، أم لهم أيد يدفعون بها عنكم شر ما تلقونه من مكر عدوكم، أم لهم أعين يبصرون بها ما خفي عنكم لتحذروه، أم لهم آذان يسمعون بها ما خفي عنكم لتعوه وتكونوا منه على حذر وبصيرة. قل - يا محمد - لهؤلاء الجاهلين من قومك: ادعوا شركاءكم وثابروا في ذلك الغي والضلال، ثم تآمروا أنتم وهم على إنزال المكيدة والمكر فيّ، فإن الله ناصري وهو يخزي المشركين.\nقال ابن جرير: (﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾، يقول: فلا تؤخرون بالكيد والمكر، ولكن عجِّلوا بذلك. يُعْلِمُهُ جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه، وأنه قد عصمه منهم، ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.\nقال القاسمي: (تعليل لعدم المبالاة، المنفهم من السوق انفهامًا جليًّا. أي: الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب، المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة. قال: وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ تذييل مقرر لما قبله. أي: ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده، وينصرهم ولا يخذلهم. وفيه تَعْريضٌ، لمن فقد الصلاح، بالخذلان والمَحْق).\nوفي التنزيل - لما قال قوم هود له -: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ فأجابهم: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ. . .﴾.","vol":"3","page":302},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.\nقال القرطبي: (كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.\nقال السدي: (هؤلاء المشركون). وقال مجاهد: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ما تدعوهم إلى الهدى). قال ابن كثير: (أي: يقابلونك بعيون مُصَوّرة كأنها ناظرة، وهي جماد ولهذا عاملهم مُعامَلة من يعقِلُ، لأنها على صُوَر مصورة كالإنسان، ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، فعبر عنها بضمير من يعقل) واختاره ابن جرير، وقاله قتادة.\nقلت: فالسياق يدل أن الخطاب إلى المشركين في نعت ضعف آلهتهم - كما ذهب إليه شيخ المفسرين.\nوقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن أبي تميمة قال: [شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال أنت محمد؟ فقال: نعم، قال: فإلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده، مَنْ إذا كان بك ضرٌّ فدعوته كشفه عنك، ومن إذا أصابك عامُ سنة فدعوته أنبت لك، ومن إذا كنت في أرض قَفْرٍ فأضللت فدعوته ردّ عليك] (١).\nوفي لفظ: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك].\n١٩٩ - ٢٠٦. قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو داود. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢). وانظر تخريج المشكاة (٩١٨)، وصحيح الجامع الصغير (٢٤٢).","vol":"3","page":303},{"text":"فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾.\nفي هذه الآيات: توجيه الله تعالى نبيّه - ﷺ - لأخذ العفو والإعراض عن سلوك الجاهلين. وإلى الاستعاذة به من شر وساوس الشيطان الرجيم. وتلك صفة ملازمة للقوم المتقين، كلما مسَّهم نزغ من الشيطان اللعين. وأما شياطين الإنس فهم إخوان الشياطين، تمدهم شياطين الجن بالغي والضلال فهم لهم منقادون طائعون. وإذا دُعوا إلى الإيمان طالبوا بالمعجزات والخوارق شأن الأمم قبلهم، ثم استكبروا بعد ظهورها وبيانها، فقل لهم - يا محمد - إن هذا القرآن هو أكبر معجزة إلى قيام الساعة، وقد أمر تعالى بالإصغاء لآياته إذا تليت، والإنصات الجميل لتدبر معانيه إذا سمعت، كما أمر بإخفاء الذكر والدعاء، وعدم الاعتداء في التوسل والرجاء، وحث على العبادة أوائل النهار وأواخره، والاقتداء بالملائكة الكرام في عبادتهم المستمرة وسجودهم وركوعهم وتعظيمهم لله رب العالمين.\nفقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ - فيه أقوال:\n١ - عن مجاهد: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، قال: خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس).\nوقال: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، قال: عفو أخلاق الناس، وعفوَ أمورهم). وقال عروة: (أمر الله رسوله - ﷺ - أن يأخذ العفو من أخلاق الناس). وعن ابن الزبير قال: (ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، الآية).\n٢ - عن ابن عباس: (قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، يعني خذ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه. فكان هذا قبل أن تنزل \"براءة\" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت الصدقات إليه). وقال السدي: (أما ﴿العفو﴾، فالفضل من المال، نسختها الزكاة). وقال الضحاك: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: أَنْفِق الفَضْل).\n٣ - قال ابن زيد: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، قال: أمره فأعرض عنهم عشر سنين بمكة. قال: ثم أمره بالغلظة عليهم، وأن يقعد لهم كل مَرْصد، وأن يحصرهم). واختاره ابن جرير.","vol":"3","page":304},{"text":"قلت: والراجح ما أخرج البخاري في صحيحه، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزبير قال: (إنما أنزل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس). وفي رواية سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنه منهم ما صحبتهم).\nقال النسفي: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ هو ضد الجهد، أي: ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا).\nومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى، أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا] (١).\nوفي لفظ: [يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا].\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والشيخان عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده، أن النبي - ﷺ - بعثه ومعاذًا إلى اليمن فقال: [يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن عن عقبة بن عامر ﵁ قال: [لقيت رسول الله - ﷺ - فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال؟ فقال: يا عقبةُ، صِلْ من قطعكَ، وأعطِ من حَرَمَكَ، وأعرض عمن ظلمك] (٣).\nفدخل في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين المخبتين.\nوقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.\nقال البخاري: (العرف: المعروف). وهو قول عروة وقتادة وابن جرير.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧/ ١٠١)، ومسلم (٥/ ١٤١)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٣١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ٢٦)، (٥/ ١٠٨)، (٧/ ١٠١)، (٨/ ١١٤)، وأخرجه مسلم (٥/ ١٤١)، وأخرجه أحمد (٤/ ٤١٢)، (٤/ ٤١٧)، وأخرجه الطيالسي (٤٩٦).\n(٣) حسن صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٨)، والطبراني (١٧/ ٢٦٩)، وابن أبي الدنيا في \"مكارم الأخلاق\" (١٩) (٢٠)، وله شاهد عند الحاكم (١/ ٥١٨) وأحمد (٤/ ١٤٨)، (٤/ ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"3","page":305},{"text":"ولا شك أنه يدخل بهذا كل الطاعات وأعمال البر، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار.\nوقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال: [قدم عُيينة بن حصن بن حُذيفة، فنزل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس - وكان من النفر الذين يُدنيهم عُمَر، وكان القراء أصحاب مجالس عمرَ ومشاورته - كُهولًا كانوا أو شبانًا - فقال عُيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وَجْهٌ عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحرُّ لعُيَيْنة، فأذن له عمر، فلما دخل قال: هِيْ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ أن يُوقِعَ به. فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين، قال الله لنبيه - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عُمرَ حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله ﷿] (١).\nوعن قتادة: (قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، قال: أخلاقٌ أمر الله بها نبيّه - ﷺ - ودلَّه عليها).\nقال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، فإنه أمر من الله تعالى نبيَّه - ﷺ - أن يعرض عمن جهل. وذلك وإن كان أمرًا من الله نبيّه، فإنه تأديب منه عز ذكره لخلقه باحتمال من ظلمهم أو اعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الواجبَ عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حَرْب).\nوقال القرطبي: (وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحضُّ على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة).\nوقال ابن كثير: (وقال بعض العلماء: الناس رجلان: فرجل محسنٌ، فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تُكَلِّفه فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما مسيءٌ فَمُرْهُ بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله واستعصى عليك واستمرَّ في جهله، فأعرِض عنه، فلعل ذلك أن يردّ كيدَه، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٦٤٢) - كتاب التفسير - سورة الأعراف، آية (١٩٩).","vol":"3","page":306},{"text":"عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ - أي: هذه الوصية - ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]. وقال في هذه السورة الكريمة أيضًا: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾، فهذه الآيات الثلاث في \"الأعراف\"، \"والمؤمنون\"، \"وحم السجدة\"، لا رابع لهن، فإنه تعالى يُرشِدُ فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف والتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأبو داود في السنن، بسند صحيح لغيره، عن سُليم بن جابر الهُجَيمي قال: [أتيت النبي - ﷺ - وهو محتبٍ في بُردة، وإنّ هُدّابها (١) لعلى قَدَميه. فقلت: يا رسول الله، أوصني، قال: عليك باتقاء الله، ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تُفْرغَ للمستسقي من دلوك في إنائه، أو تكلم أخاك ووجهك منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنَّها من المخيلة، ولا يحبها الله، وإن امرؤ عَيَّرك بشيء يعلمه منك فلا تُعَيِّره بشيء تعلمه منه، دعه يكون وباله عليه، وأجره لك، ولا تسبن شيئًا. قال: فما سَبَبْتُ بعدُ دابةً ولا إنسانًا] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذَرّ ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بِوَجْهٍ طليق] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان عن عديّ بن حاتمٍ ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [اتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة] (٤).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند، والبخاري في \"الأدب المفرد\"\n_________\n(١) وفي سنن أبي داود: هدبها. وهدب الثوب، وهدبته، وهدابه: طرف الثوب مما يلي طُرّته.\n(٢) صحيح لغيره. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" - حديث رقم - (١١٨٢) - باب الاحتباء. وأخرجه الطيالسي (١٢٠٨)، وصححه ابن حبان (٥٢١). وانظر مسند أحمد (٥/ ٦٤)، وصحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٤٤٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٢٦). وقوله: \"بوجه طليق\" - أي: متهلل بالبشر والابتسام.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٣٧٥)، وأخرجه مسلم (١٠١٦) (٦٨)، وغيرهما.","vol":"3","page":307},{"text":"بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق] (١). وفي لفظ: (صالح الأخلاق).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nأي: إن أصابك غضب أو وسوسة من الشيطان باقتراب ما لا يحل فاطلب النجاة من ذلك بالله، والتجئ إليه سبحانه، إنه سميع لنداء عبده ودعائه، عليم بوسوسة الشياطين وما تخفي الصدور، وبما يذهب وسوسة اللعين ونزغه.\nوالنَّزْغُ والنَّغْز والهَمْزُ والوسوسة سواء، وأصل النزغ الفساد، وقيل: النزغ الإغواء والإغراء، والمفهوم واحد. وفي التنزيل:\n١ - قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي. .﴾ [يوسف: ١٠٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ٤].\nومن كنوز السنة في هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا، حتى يقول له من خلق ربك! فإذا بلغ فليستعذ بالله وليَنْتَهِ] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن عَلْقَمة، عن عبد الله قال: [سُئِلَ النبي - ﷺ - عن الوَسْوَسة، قال: تلك مَحْضُ الإيمان] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: [جاء ناسٌ من أصحاب النبي - ﷺ - فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحَدُنا أن يتكلم به، قال: أو قَدْ وجدتموه؟ قال: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان] (٤).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣١٨)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٧٣)، والحاكم (٢/ ٦١٣). وإسناده حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، وأخرجه مسلم (١٣٤) ح (٢١٤) من حديث أبي هريرة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٣٣) - كتاب الإيمان. باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٣٢) - كتاب الإيمان- الباب السابق.","vol":"3","page":308},{"text":"قال القرطبي - وقد ذكر هذا الحديث -: (والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره، إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم. فكأنه قال: جَزَعُكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه، لصحة إيمانكم، وعلمكم بفسادها. فسمّى الوسوسة إيمانًا لما كان دفعها والإعراض عنها والردّ لها وعدم قبولها والجزعُ منها صادرًا عن الإيمان).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾.\nأي: إن الذين يخافون الله سبحانه ويعظمون أمره إذا ألمَّ بهم لمَمٌ أو زلل من الشيطان من غضب أو غفلة أو جهل عارض أو غير ذلك مما يصدّ عن القيام بواجب الإيمان والتقوى، تذكروا عقاب الله ووعده ووعيده، فحملهم ذلك على الانسحاب السريع من المعصية والنهوض من الوقوع إلى التوبة والإنابة والاستغفار.\nوللمفسرين في الآية تأويلان متقاربان:\n١ - عن مجاهد: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، قال: هو الغضب). وقال سعيد: (الطيف: الغضب). وقد قرأ بعض المكيين والبصريين والكوفيين: ﴿طيفٌ من الشيطان﴾، في حين قرأها عامة قراء المدينة والكوفة ﴿طائف﴾ - وهو الأرجح والأشهر.\n٢ - عن ابن عباس: (\"الطائف\" اللَّمَّة من الشيطان. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، يقول: نزغٌ من الشيطان، ﴿تذكروا﴾).\nوقال السدي: (يقول: إذا زلّوا تابوا).\nفبعد الذكرى يصبحون في حال أحسن، إذ عادوا إلى حال التقوى وقد نزع الله عنهم وسواس الشيطان، فانتصروا بعد عراك ومجاهدة فإذا هم على هدى من الله وبصيرة ونور.\nوعن ابن عباس: (﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾، يقول: إذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان).","vol":"3","page":309},{"text":"ومن كنوز السنة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سُليمانَ بن صُرَد ﵁ قال: [كنت جالسًا مع النبي - ﷺ -، ورجلان يَسْتَبَّان وأحدهما قد احمَرَّ وجْهُه، وانتفخت أوداجهُ. فقال رسول الله - ﷺ -: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد. فقالوا له: إن النبي - ﷺ - قال: تعوّذ بالله من الشيطان الرجيم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي العلاء: [أن عثمانَ بن أبي العاص أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يُلَبِّسُها عَليَّ، فقال رسول الله - ﷺ -: ذاك شيطانٌ يُقال له خِنْزَبٌ، فإذا أحْسَسْتَهُ فتعوَّذْ بالله منه، واتفُلْ على يسارك ثلاثًا. قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد، والحاكم، وابن حبان، والحافظ أبو بكر بن مَرْدَوَيه - واللفظ له - بسند حسن - عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - وبها طَيْفٌ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني. فقال: إن شئت دعوتُ الله فشفاك وإن شئت فاصبري ولا حسابَ عليك. فقالت: بل أصبر، ولا حساب عليّ].\nولفظ أحمد وغيره من أهل السنن: [قالت: يا رسول الله، إني أُصْرَعُ وأَتَكَشَّفُ، فادعُ الله أن يشفيني. فقال: إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة؟ فقالت: بل أصبر، ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشَّف، فدعا لها، فكانت لا تتكشَّفُ] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾.\nالمعنى: إن إخوان الشياطين - وهم شياطين الإنس - تمدهم شياطين الجن في الغيّ والضلال، ثم هم بعد ذلك منقادون طائعون لأوامر شياطينهم.\nقال ابن عباس: (﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، قال: لا الإنس\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٨٢)، كتاب بدء الخلق، وانظر (٦١١٥)، ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٠٣) - كتاب السلام. باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٤٤١)، والحاكم (٤/ ٢١٨)، وابن حبان (٢٩٠٩)، وغيرهم.","vol":"3","page":310},{"text":"يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تُمْسِك عنهم). وقال أيضًا: (هم الجن، يوحون إلى أوليائهم من الإنس ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، يقول: لا يسأمون). وقال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: (وإخوانهم من الجن يمدون إخوانهم من الإنس، ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، يقول: ثم لا يقصر الإنسان. قال: و\"المد\" الزيادة، يعني أهل الشرك. يقول: لا يُقصر أهله الشرك كما يقصر الذين اتقوا، لا يرعَوُون، لا يحجزهم الإيمان). وقال مجاهد: (﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ من الشياطين، ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾، استجهالًا).\nوالخلاصة في قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أحد تأويلين متكاملين:\n١ - التأويل الأول: الشياطين تمد، والإنس لا تقصر في الامتثال، وركوب سبيل الغي والضلال. كما ذكر ابن عباس: (لا الإنس يُقصِرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم).\n٢ - التأويل الثاني: الشياطين يمدون أولياءهم من الإنسان دون كلال أو ملل أو تقصير. قال ابن عباس - في رواية العوفي عنه -: (هم الجن، يوحون إلى أوليائهم من الإنس، ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، يقول: لا يسأمون).\nوفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]. قال ابن عباس وغيره: (تُزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا). وقال ابن كثير: (يعني أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾، لا تفتر فيه ولا تَبْطُل عنه).\nوقوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾.\nأي: هَلّا أتينا بها من عندك!\nالمقصود: هم يريدون رؤية معجزة أو خارق كما هو شأن الأمم من قبل، سألوا الخوارق والمعجزات، فلما أتتهم استكبروا وأصروا على العناد والبغي. ومن أقوال المفسرين:\n١ - قال ابن عباس: (﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾، يقول: لولا تلقّيتها). وقال: (لولا أحدثتها فأنشأتها).","vol":"3","page":311},{"text":"٢ - وقال مجاهد: (﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾، قال: لولا اقتَضَبْتَها، قالوا: تخرجها من نفسك).\n٣ - قال الضحاك: (﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾، يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (أي: أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتبعُ ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إليَّ فإن بعث آية قبلتها، وإن منعها لم أسأله ابتداءً إياها، إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم. ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبيانات، فقال: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\nأمْرٌ من الله تعالى بالإصغاء لكتابه العظيم إذا تليت آياته، والإنصات الجميل لتدبر معانيه وتفهم مواعظه وَحِكَمه، فإن في ذلك مظنة نزول رحمة الله على الممتثلين الطائعين. وتفصيل ذلك:\n١ - هذه الصفة التي يأمر الله تعالى المؤمنين بالتحلي بها، هي مضادة لسلوك الكافرين حين سماعهم القرآن، إذ يقولون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦].\n٢ - يتأكد امتثال هذا النعت أثناء صلاة الجماعة حين يجهر الإمام بالقراءة.\nففي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا] (١).\nوفي مسند أحمد عن أبي هريرة: [أن رسول الله - ﷺ - انصرف في صلاة جَهَرَ فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفًا؟ قال رجل: نعم يا رسول الله. فقال: إني أقول: ما لي أنازعُ القرآنَ؟ ! قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﷺ - فيما جهر\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (٤٠٤) - كتاب الصلاة. باب التشهد في الصلاة.","vol":"3","page":312},{"text":"فيه رسولُ الله - ﷺ - بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ -] (١).\nقال عبد الله بن عباس: (قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، يعني: في الصلاة المفروضة). وعن مجاهد قال: (في الصلاة). وعن ابن زيد: (أن المراد بذلك في الصلاة). وقال الحسن: (في الصلاة وعند الذكر).\nومن أقوال الفقهاء:\nقال عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: (لا يقرأ مَنْ وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يُسمعهم صوته، ولكنهم يقرؤون فيما لا يجهر به سرًا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾).\nقال الحافظ ابن كثير: (هذا هو مذهب طائفة من العلماء: أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قولي الشافعي، وهو القديم كمذهب مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل. قال: وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم).\nقلت: لا شك أن الأمر استقر على النهي عن القراءة مع الإمام في الجهرية، حتى ولو كان بفاتحة الكتاب للحديث السابق وقوله - ﷺ -: \"ما لي أنازع\"، وقول أبي هريرة: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﷺ - فيما جهر فيه رسول الله - ﷺ - بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ -)، وفي رواية: (وقرؤوا في أنفسهم سرًا فيما لا يجهر فيه الإمام) (٢). وهناك إضافة إلى ذلك حديثان:\nالحديث الأول: أخرج البيهقي من حديث عمر مرفوعًا - وفي آخره -: [مالي أنازع\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه البخاري في \"القراءة خلف الإمام\" (٩٦)، وأبو داود (٨٢٦)، والترمذي (٣١٢)، والنسائي (٢/ ١٤٠) (٢/ ١٤١)، وابن ماجه (٨٤٩)، وأحمد (٢/ ٢٨٤)، وابن حبان في صحيحه (١٨٤٩) من طرق عن الزهري به، وإسناده جيد.\n(٢) أخرجه مالك والحميدي وأبو داود والمحاملي (٦/ ١٣٩/ ١) وحسنه الترمذي. وانظر صفة الصلاة - ص (٨٠) - الألباني، وقال: وصححه أبو حاتم الرازي وابن حبان وابن القيم.","vol":"3","page":313},{"text":"القرآن؟ ! أما يكفي أحدكم قراءة إمامه؟ ! إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا] وسنده حسن (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن أبي شيبة والدارقطني وأحمد عن جابر مرفوعًا: [من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة] (٢).\n٣ - والآية تشمل مجالس العلم والذكر والعيدين والجمعة وحيث يُقرأ القرآن أثناء لقاء مشروع غير مبتدع.\nفعن مجاهد: (﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة). وعن الحسن قال: (في الصلاة وعند الذكر). وقال: (إذا جلست إلى القرآن فأنصت له).\nوقال سعيد بن جبير: (﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال: الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة).\nواختار ابن جرير - شيخ المفسرين - أن المراد بالآية الإنصات في الصلاة وفي الخطبة، لما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة.\nقلت: وأما القراءة المبتدعة فلا يجب الإنصات لها، كأن يوضع القرآن على المنائر قبيل الصلوات في المساجد، أو يوضع على المكبرات في تعازي الناس ومآتمهم، أو يرفع الصوت ليسمع في السوق من بعض المحلات، فلا يجب على المارة الإنصات لذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.\nأَمْرٌ من الله تعالى بإخفاء الذكر والدعاء وعدم الاعتداء في ذلك، وحثٌ على العبادة في هذين الوقتين ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ أوائل النهار، ﴿وَالْآصَالِ﴾ أواخر النهار وفي العشيات.\nقال مجاهد: (﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، الآية،\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"كتاب وجوب القراءة في الصلاة\" كما في \"الجامع الكبير\" (٣/ ٣٤٤/ ٢).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٩٧/ ١)، والدارقطني وابن ماجه والطحاوي وأحمد من طرق كثيرة، مسندة ومرسلة، وقواه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في \"الفروع\" لابن عبد الهادي (ق ٢٨/ ٢). وصحَّحَ بعض طرقه البوصيري. وانظر صفة الصلاة - الألباني ص (٨١)، والإرواء (حديث - ٥٠٠).","vol":"3","page":314},{"text":"قال: أمروا أن يذكروه في الصدور تضرعًا وخيفة). وقال ابن جريج: (يؤمر بالتضرع في الدعاء والاستكانة، ويكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء).\nقال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، فإنه يعني: بالبُكَر والعَشِيَّات).\nوالآصال جمع أصيل، كما الأيمان جمع يمين - هكذا في كلام العرب. والآصال هي وقت ما بين العصر إلى المغرب. قال ابن زيد: (﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: بالبكر والعشي).\nوقال مجاهد: (\"الغدو\" آخر الفجر، صلاة الصبح، و\"الآصال\"، آخر العشي، صلاة العصر. قال: وكل ذلك لها وقت، أو الفجر وآخره. وذلك مثل قوله في سورة آل عمران: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾. وقيل: \"العشي\" مَيْل الشمس إلى أن تغيب، و\"الإبكار\"، أول الفجر).\nوالخلاصة: في الآية نهي صريح عن رفع الصوت بالذكر والدعاء، أو التشويش على المؤمنين. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مالك في الصلاة، من حديث البياضي ﵁، عن النبي - ﷺ - وقد خرج على أصحابه وهم يرفعون أصواتهم بالقرآن، فكره ذلك - وقال: [لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: [كنا مع رسول الله - ﷺ - فكُنّا إذا أشرفنا على وادٍ هَلَّلْنا وكَبَّرْنا ارتَفَعَتْ أصواتُنا،\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مالك في الصلاة، باب العمل في القراءة (١/ ٨٠) - رقم (٢٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في الصلاة، باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، رقم (١٣٣٢)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٥٤٣)، رقم (٢٦٥٨).","vol":"3","page":315},{"text":"فقال النبي - ﷺ -: يا أيها الناس! ارْبَعُوا على أنْفُسكم، فإنكم لا تَدْعون أَصَمَّ ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب] (١).\nوأما ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: (أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله - ﷺ -) (٢). فالجواب عنه كما قال الشافعي في الأم (١/ ١٢٧): (وأحسبه إنما جهر قليلًا ليتعلم الناس منه). قال ابن الحاج: (فهذا الإمام الشافعي حمل ذلك على سبيل التعليم، فإن حصل التعليم أمسك).\nقال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾، فإنه يقول: ولا تكن من اللَّاهين إذا قرئ القرآن عن عظاته وعبره وما فيه من عجائبه، ولكن تدبر ذلك وتفهمه، وأشعره قلبك بذكرٍ لله، وخضوع له، وخوفٍ من قدرة الله عليك إن أنت غفلت عن ذلك).\nوقال قتادة: (أمر الله بذكره، ونهى عن الغفلة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.\nقال القاسمي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني الملائكة الذين هم في أعلى مقامات القرب ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي: لا يتعظمون عنها. وقوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أي: فينبغي أن يقتدى بهم فيما ذكر عنهم، ففيه حث ولطف مرغب في ذلك. لأنه إذا كان أولئك - وهم ما هم في قرب المنزلة والعصمة - حالهم في عبادته تعالى وتسبيحه ما ذكر، فكيف ينبغي أن يكون غيرهم).\nقال ابن كثير: (وإنما ذكرهم بهذا ليُتَشَبَّه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم. ولهذا شرع لنا السجود ها هنا لما ذكر سجودهم لله - ﷿ -. كما جاء في الحديث: \"ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة عند ربها، يُتِمُّون الصفوفَ الأوَل، ويتراصون في الصف\". وهذه أول سجدة في القرآن، مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بالحث والترغيب على سجود التلاوة، في أحاديث:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٢٩٩٢) - كتاب الجهاد والسير - باب ما يُكرَهُ من رَفْعِ الصوت في التكبير.\n(٢) رواه البخاري في الأذان (٨٤١)، ورواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٨٣) (١٢٢).","vol":"3","page":316},{"text":"الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتا! أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرتُ بالسجود فأبيت فلي النار] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر: [أن النبي - ﷺ - كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته، في غير وقت صلاة] (٢).\nالحديث الثالث: روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - فقال: [عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة] (٣).\nتم تفسير سورة الأعراف\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n° ° °\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في - كتاب الإيمان - حديث رقم - (٨١). وفي رواية: (فعصيت فليَ النار). وهو من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٧٩) - كتاب سجود القرآن، وانظر (١٠٧٥)، ورواه مسلم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٤٨٨) - كتاب الصلاة. باب فضل السجود والحث عليه، من حديث ثوبان ﵁ - مولى رسول الله - ﷺ -.","vol":"3","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الأعمال تمثل أجسامًا توزن بالحق مع صاحب العمل.\n٢ - أول من قاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.\n٣ - الصراط المستقيم هو منهاج الخير المؤدي للجواز على الصراط فوق جهنم إلى الجنة.\n٤ - الكبر سبب شقاء إبليس وطرده من رحمة الله، وكذلكَ مصير بعض بني آدم.\n٥ - الكلمات التي تلقاها آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n٦ - عدوك الذي يراك ولا تراه، يكون أشد مكرًا بك ووقيعة.\n٧ - العمل المقبول ما وافق الشريعة وكان خالصًا من الشرك.\n٨ - لم يحرم الله الطيبات، إنما حرّم الفواحش الظاهرة والباطنة.\n٩ - لكل أمة أجل، ولا أحد أظلم ممن كذب على الله، ورؤوس الكفر والضلال يحملون يوم القيامةِ أثقالهم وأثقال من أضلوهم.\n١٠ - لا يدخل الكافر الجنة، حتى يدخل الجملُ في سمّ الخياط.\n١١ - أصحاب النار يجدون حقًا ما وعدهم الله من العذاب المقيم.\n١٢ - أحيا الله لرسوله - ﷺ - أهل قليب بدر، فأسمعهم تقريعه لهم.\n١٣ - الحسنة بعشر، والسيئة بواحدة، ويل لمن غلبت آحاده عشراته.\n١٤ - الأعراف: رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم.\n١٥ - الكفار يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحًا، ولكن هيهات.\n١٦ - الاستواء: العلو والارتفاع، والرحمن على العرش استوى.","vol":"3","page":318},{"text":"١٧ - الخلق لله والأمر، والدعاء يجب أن يكون خافتًا بذل واستكانة.\n١٨ - العبادة يجب أن يرافقها الخوف والطمع: خوف غضب الله وعذابه، وطمع في رحمته ومغفرته وجنته.\n١٩ - ينبت الله الموتى من قبورهم للقيام إلى أرض المحشر.\n٢٠ - أول من عبد الأصنام قوم نوح، وأنجى الله نوحًا والمؤمنين وأغرق الكافرين.\n٢١ - ذكر النعم يؤدي إلى شكر المنعم بتوحيده وعبادته وطاعته.\n٢٢ - كفرت عاد فاستأصلها الله. . . إلا هودًا ومن آمن معه.\n٢٣ - نهى رسول الله - ﷺ - المسلمين أن يشربوا من ماء ثمود، وأمرهم بورود الماء الذي كانت تشرب منه الناقة.\n٢٤ - سألت ثمودُ إخراج ناقة من الصخرة فاستجاب الله لهم، فتمادوا فعقروها فاستأصلهم الله بصيحة من السماء.\n٢٥ - قوم لوط أول من ابتدعوا إتيان الرجال دون النساء.\n٢٦ - حد عمل قوم لوط قتل الفاعل والمفعول به.\n٢٧ - التلاعب بالمكيال والميزان عمل قوم شعيب، دمرّهم الله بكفرهم وأفعالهم.\n٢٨ - ابتلاء الله بالشدة والرخاء، والعاقبة للصابرين والشاكرين.\n٢٩ - الإيمان سبب النعمة لأولياء الله، والكفر سبب النقمة من أعدائه.\n٣٠ - ذُعِرَ فرعون من المعجزة، وَوَعدَ بالإيمان ثم نَكَلَ وَكَفَرَ، وقطع أيدي وأرجل السحرة المؤمنين، وصلبهم وهم صابرون.\n٣١ - أَمْر الله بني إسرائيل أن يأخذوا بأشد ما في التوراة.\n٣٢ - رحمة الله وسعت كل شيء، ومن توكل على رحمة الله كفاه الله.\n٣٣ - محمد رسول الله إلى الناس كافة، بالشريعة الحنيفية السمحة، وكل من سمع به من أهل الكتابين وجب عليهم الإيمان به.\n٣٤ - الميثاق حق، أخذه الله على بني آدم أمام أبيهم بنعمان قرب عرفة.\n٣٥ - الإيمان بالربوبية يقتضي الإيمان بالألوهية ولوازم الأسماء والصفات.\n٣٦ - ادعاء الغفلة وتقليد الآباء مرفوضان يوم القيامة.","vol":"3","page":319},{"text":"٣٧ - إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من فهمها وآمن بها وعمل بمقتضاها وحفظها ضمنت له الجنة.\n٣٨ - الساعة لا تأتي بغتة، ولا يعلم موعدها أو الغيب إلا الله.\n٣٩ - الاستعاذة خير ما يُدفع به الشيطان ويتصدى لوساوسه ونزغه.\n٤٠ - الإنصات لقراءة الإمام واجبة، والقراءة فيما أسر واجبة.\n٤١ - ذكر الله تعالى يجب أن يكون خفيًا وقورًا، لا صراخًا ورقصًا.\n° ° °","vol":"3","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>٨ - سُورَةُ الأَنْفَالِ</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٧٥)\nأخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عباس ﵄: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>موضوع السورة</span>\nغزوة بدر وأحكام القتال، وتشريع قسمة الغنائم والأنفال، وأحكام خاصة في السياسة الشرعية والعلاقات الدولية\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-106> منهاج السورة </span>-\n١ - تدخل الوحي لحل الخصام في الأنفال وإعطائها لرسول الله - ﷺ - يقسمها.\n٢ - بيانُ أوجه النفل الذي ينفله الإمام، ووجل قلوب المؤمنين عند الذكر، وحقيقة مفهوم التوكل على الله تعالى.\n٣ - اشتباك المسلمين والمشركين ببدر على غير ميعاد لأمر يريده الله تعالى.\n٤ - إمداد الله المسلمين بألف من الملائكة مردفين، وإرساله النعاس على المؤمنين ببدر أمانًا من الخوف، وضرب الملائكة كل بنان من المشركين لتعطيل أكفهم عن حمل السيوف.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٦٤٥) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، آية (١).","vol":"3","page":321},{"text":"٥ - المولي دبره عند الزحف يبوء بغضب من الله تعالى.\n٦ - دعاء النبي - ﷺ -: \"اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض أبدًا\"، واستجابة الله دعاء أبي جهل بإنزال الهزيمة به وبقومه، ونصر المؤمنين مع نبيهم.\n٧ - الكفار هم شر الدواب عند الله وأضل منها سبيلًا.\n٨ - دعوة الله المؤمنين الاستجابة له ولرسوله، وتحذيره إياهم من الفتن المترتبة على مخالفة الأمر وتضييع الأمانة والانشغال بالمال والولد.\n٩ - أثر صدق الإيمان والتقوى نور في القلب يميز به المؤمن بين الحق والباطل.\n١٠ - مؤامرة قريش على قتل رسول الله - ﷺ - والإذن له بالهجرة.\n١١ - ادعاء قريش أنها لو شاءت لأتت مثل هذا القرآن.\n١٢ - ما أولياء الله، وما أهل مسجده، إلا المتقون.\n١٣ - الكفار ينفقون أموالهم لحرب محمد والمسلمين، ولكنها ستكون عليهم حسرة.\n١٤ - الأمر بقتال الكفار حتى لا يفتن المسلمون عن دينهم.\n١٥ - تشريع قسمة الغنائم، والخمس يتصرف به إمام المسلمين في مصلحتهم.\n١٦ - المؤمنون والمشركون كل رأوا خصومهم أقلاء في أعينهم.\n١٧ - فرار الشيطان وجيشه يوم بدر حين رأى الملائكة تساند المسلمين.\n١٨ - أرواح الكفار لا تخرج إلا بضرب من ملائكة الموت.\n١٩ - مفهوم الإعداد وحشد الطاقات لقتال الأعداء، ومفهوم الجنوح للسلم وضوابط ذلك.\n٢٠ - على مئة المسلم، أن لا يفروا من لقاء مئتين من الكفار.\n٢١ - استشارة الرسول - ﷺ - أصحابه في أسارى بدر، وموافقة الوحي عمر.\n٢٢ - المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض.\n٢٣ - من آمن ولم يهاجر فليس له في الغنائم من نصيب.\n٢٤ - الرسول - ﷺ - بريء من كلِّ مسلم يبقى بين المشركين.\n٢٥ - أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في الإرث.\n° ° °","vol":"3","page":322},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾.\nفي هذه الآية: يعالج الله ﵎ الخلاف والشجار الذي صدر من بعض المؤمنين يوم بدر بشأن بعض المغانم، ويؤكد المرجعية في التحاكم والقَسْم لله والرسول، فيأمر بالتقوى والإصلاح، وترك التخاصم والتظالم، فإن طاعة الله ورسوله أعلى من كل عرض هذه الحياة الدنيا للمؤمنين الصادقين.\nقال البخاري: (قال ابن عباس: الأنفال: المغانِم. قال قتادة: \"ريحكم\": الحرب. يُقال: نافِلة: عَطِية).\nثم قال: حدثني محمد بن عبد الرحيم: حدثنا سعيد بن سُلَيمان: أخْبرنا هُشَيْم: أخبرنا أبو بِشْرٍ عن سعيد بن جبير قال: (قلت لابن عباس ﵄: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بَدْر) (١).\nوفي أسباب نزول هذه الآية أحاديث صحيحة:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: [لما كان يومُ بدر جئت بسيف فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري من المشركين أو نحو هذا، هب لي هذا السيف، فقال: هذا ليس لي ولا لك، فقلت: عسى أن يعطى هذا من لا يبلي بلائي، فجاءني الرسول - ﷺ - فقال: إنك سألتني وليس لي وإنه قد صار لي وهو لك. قال: فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٤٥) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، آية (١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٧٨)، (١/ ١٨١)، وأخرجه أبو داود في السنن (٢٧٤٠)، والترمذي (٣٠٧٩)، والنسائي في \"التفسير\" (٢١٦)، وغيرهم.","vol":"3","page":323},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، بسند رجاله ثقات، عن عبادة بن الصامت قال: [خرجنا مع النبي - ﷺ - فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس، فهزم الله ﵎ العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، فأكبت طائفة على المعسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله - ﷺ - لا يصيب العدو منه غرَّة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله - ﷺ -: لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله - ﷺ - وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، فقسمها رسول الله - ﷺ - على وفاق بين المسلمين] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم وابن حبان بسند صحيح عن ابن عباس ﵄: [أن رسول الله - ﷺ - قال يوم بدر: من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، أما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأمَّا الشُّبان فتسارعوا إلى الغنائم. فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإنا كنا ردءًا لكم ولو كان شيء لجئتم إلينا، فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾] (٢).\nوقد ذكر ابن جرير بسنده عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد قال: (سمعتُ رجلًا يسأل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال ابن عباس - ﵄ -: الفرس من النَّفْل، والسلب من النفل، ثم عاد لِمَسْأَلَتِهِ، فقال ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه، ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُحرِجُه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟ مثلُ صَبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب).\nوله شاهد أخرجه عبد الرَّزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهريّ، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: (كان عمر بن الخطاب - ﵁ - إذا سُئِلَ عن شيء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٣)، (٥/ ٣٢٤)، والحاكم (٢/ ١٣٥)، وابن حبان (٤٨٥٧)، وأخرجه البيهقي (٦/ ٢٩٢)، وانظر سنن ابن ماجه (٢٨٥٢)، وسنن الترمذي (١٥٦١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ١٣١ - ١٣٢)، وابن حبان (٥٠٩٣)، وانظر سنن أبي داود (٢٧٣٧)، (٢٧٣٨)، (٢٧٣٩)، والنسائي في \"التفسير\" (٢١٧)، والطبري (١٥٦٦٢).","vol":"3","page":324},{"text":"قال: لا آمرك ولا أنهاك، ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نَبيّه - ﷺ - إلا زاجرًا آمرًا مُحلًا محرمًا. قال القاسم: فَسُلِّطَ على ابن عباس رجلٌ يسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان يُنَفَّلُ فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب، حتى سالت الدماء على عقبيه - أو على: رجليه - فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك).\nوقد ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير ثم قال: (وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس: أنه فَسَّر النَّفل بما يُنَفّله الإمام لبعض الأشخاص من سَلَب أو نحوه بعد قَسْم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم).\nومن أقوال المفسرين في (الأنفال):\n١ - عن عكرمة ومجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، قال: (الأنفال: الغنائم).\n٢ - عن علي بن صالح بن حيّ قال: بلغني في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، قال: (السرايا).\n٣ - وعن عطاء قال: (هو ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، دابّة أو عبدٌ أو متاعٌ، ذلك للنبي - ﷺ - يصنع فيه ما شاء).\n٤ - عن ابن عباس قال: (ويقال \"الأنفال\": ما أخذ مما سقط من المتاع بعدما تُقَسَّم الغنائم، فهي نَفْلٌ لله ولرسوله)، وسئل مرة عن الأنفالِ فقال: (السَّلب والفرس). أو قال: (الفَرَس والدِّرع والرمحُ). وقال: (كان يُنَفّل الرجل سلَبَ الرجل وفرسه).\n٥ - وعن مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، قال هو الخمس. قال المهاجرون: لِمَ يُرْفَع عنا هذا الخمس، لم يُخْرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول).\nوالراجح ما ذكره شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير ﵀ - حيث قال: (هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم، إما من سَهْمه على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنفل أو ببعض أسبابه، ترغيبًا له، وتحريضًا لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين. وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس من أنه الفرس والدرع ونحو ذلك، ويدخل فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس، لأن ذلك أمره","vol":"3","page":325},{"text":"إلى الإمام، إذا لم يكن ما وصلوا إليه بغلبة وقهر، يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر).\nوالخلاصة: الأنفال هي الزيادات على القَسْم، ويشهد لهذا المعنى أسباب نزول الآية كما سبق.\nوقوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال ابن جريج: (مَلَّكَه الله رسوله، يقسمه كما أراه الله).\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال القرطبي: (أمر بالتقوى والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللَّهُمَّ أصلح ذات البَيْنِ، أي الحال التي يقع بها الاجتماع. فدل هذا على التصريح بأنه شَجَر بينهم اختلاف. أو مالَت النفوس إلى التَّشاحّ، كما هو منصوص في الحديث). وعن السدي: (﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: لا تستبّوا).\nقال ابن عباس: (هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم).\nوقال ابن كثير: (أي: اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه).\nوقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nقال ابن زيد: (فسلموا لله ولرسوله، يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا).\nقال ابن جرير: (﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مصدقين رسول الله فيما آتاكم من عند ربكم).\n٢ - ٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إن علامة صدق الإيمان في حياة المؤمنين خوف قلوبهم وخشية أفئدتهم إذا ذكر الله تعالى، ثم إذا تليت آياته ازدادت قلوبهم إيمانًا، وهم لا يرجون","vol":"3","page":326},{"text":"في كشف حوائجهم غيره، ولا يدعون سواه، ولا يلوذون إلا بجانبه، ولا يرغبون إلا إليه. ثم إنهم يقيمون صلاتهم بوضوئها وركوعها وسجودها وبالمحافظة على مواقيتها وينفقون ما وجب عليهم في أموالهم من الصدقات المفروضة والنفقات الواجبة والمستحبة. إنهم بهذه الصفات الكبيرة هم أهل الإيمان والصدق حقًا، لهم الدرجات العلا عند ربهم، وقد تجاوز الله عن ذنوبهم وستر عيوبهم، ووعدهم على صدق الإيمان نعيم الآخرة وسرور الجنة ونعيمها ولذاتها.\nفقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.\nقال مجاهد: (فرِقت). وقال السدي: (إذا ذكر الله وَجِل قلبه). وقال: (هو الرجل يريد أن يظلم - أو قال: يهمّ بمعصية - أحسبه قال: فينزع عنه). وقال قتادة: (فرقًا من الله ﵎، ووجلًا من الله، وخوفًا من الله ﵎).\nقلت: وهذه الصفة علامة فارقة بين المؤمنين والمنافقين، فقد تميز المؤمنون عن المنافقين بالخوف من الله وامتلاء القلوب بالوجل والخشية عند ذكره سبحانه، عكس المنافقين الذين يظهرون خوفًا مصطنعًا ويراؤون ويخشون على دنياهم ومناصبهم وشهواتهم. قال ابن عباس: (المنافقون، لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلّون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم. فأخبر الله سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، فأدوا فرائضه، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، يقول تصديقًا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، يقول: لا يرجون غيره).\nوعن الربيع: (﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، قال: خشية).\nوعن قتادة: (﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، قال: هذا نعت أهل الإيمان، فأثبت نَعْتَهم ووصفهم، فأثبت صفتهم).\nوهذه الآية تدل صراحة على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، وهو مذهب جمهور الأمة، وقد حكى الإجماع على ذلك أعلام الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد، وبوّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا في (كتاب الإيمان) سماه: \"باب: قول النبي - ﷺ - بني الإسلام على خمس\" - وهو قول وفعل، ويزيد وينقص.\nوقد دلت نصوص القرآن والسنة على ذلك:","vol":"3","page":327},{"text":"أولًا: في التنزيل الكريم:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].\n٤ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].\n٥ - وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].\n٦ - وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].\nثانيًا: في السنة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده، وولده، والناس أجمعين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [لا تؤمنوا حتى تحابوا] (٣).\nوقد ذكر البخاري في الباب آثارًا طيبة عن الصحابة الكرام في ذلك، منها:\n١ - قال معاذ: (اجلس بنا نؤمن ساعة).\n٢ - وقال ابن مسعود: (اليقين: الإيمان كله).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٥) - كتاب الإيمان، باب: حبُّ الرسول - ﷺ - من الإيمان. وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٤٩)، وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٣) - كتاب الإيمان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (١٣)، وانظر مختصر صحيح البخاري (١٣) - كتاب الإيمان، من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٣) حديث صحيح. وهو جزء من حديث أطول. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٤٢).","vol":"3","page":328},{"text":"٣ - وقال ابن عمر: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر).\n٤ - وقال عمار: (ثلاث من جمعهنّ فقد جمع الإيمان، الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار).\nوجاء في شرح العقيدة الطحاوية - لابن أبي العز الحنفي - في الأثر عن عمر أنه كان يقول لأصحابه: (هلموا نزدد إيمانًا).\nقلت: وقد وصف الحديث النساء بأنهن ناقصات عقل ودين، وجاء في حديث الشفاعة خروج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان من النار، وغير ذلك مما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة، فكيف يقال بعدها إن إيمان أهل السماوات والأرض سواء؟ ! .\nوقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. أي: لا يرجون سواه، ولا يلوذون إلا بجانبه، ولا يلجؤون ولا يرغبون ولا يقصدون ولا يطلبون حوائجهم إلا منه سبحانه.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\nقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، يقول: الصلوات الخمس، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، يقول: زكاة أموالهم).\nوقال قتادة: (إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها).\nوقال مقاتل بن حيان: (إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي - ﷺ - هذا إقامتها).\nوعن قتادة: (﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ - قال: فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عَواريُّ وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها).\nقال ابن كثير: (والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: برئوا من الكفر).\nوقال قتادة: (استحقُّوا الإيمان بحق، فأحقه الله لهم).","vol":"3","page":329},{"text":"وقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.\nقال مجاهد: (﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، قال: أعمال رفيعة).\nوعن قتادة: (﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾، قال: لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، قال: الجنة).\nوعن الضحاك: (﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، قال: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفلُ أنه فُضِّل عليه أحد).\nقلت: ولا شك أن الدرجات هي منازل ومقامات ومراتب يتفاوت بها المؤمنون في الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥].\nوكقوله جل ذكره: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣].\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق ذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجه وأحمد بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن الرجل لتُرْفَعُ درجتُهُ في الجنة، فَيقول: أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنّ أهل الجنة ليتراءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كما تتراءَوْنَ الكوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أو المَغْرِبِ، لِتَفاضُل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! تلك منازِلُ الأنبياء، لا يَبْلُغُها غيرُهم، قال: بلى، والذي نفسي بيده! رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المُرْسلين] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو يعلى في \"مسنده\"، والحاكم في \"مستدركه\" بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الرجل ليكون له عند الله المنزلةُ،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه (٣٦٦٠)، وأحمد (٢/ ٥٠٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٨٤/ ٢)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ٤٤/ ١)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٥٩٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١) - واللفظ له - كتاب الجنة ونعيمها، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٣٩٣) من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"3","page":330},{"text":"فما يَبْلُغُها بعملٍ، فما يزال اللهُ يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها] (١).\nوفي قوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾، يقول: وعفو عن ذنوبهم، وتغطية عليها، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، قيل: الجنة. وهو عندي: ما أعدّ الله في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب وهنيء العيش).\n٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول تعالى ذكره لنبيّه - ﷺ -: كما أخرجك ربك من بيتك في المدينة ليوم عظيم من أيام الله ليفصل به سبحانه بين الحق والباطل، كذلك يجادلونك في الحق وهو القتال الذي أراده الله بين فئة الإيمان وفئة الشيطان، وبعض المؤمنين كارهون للقاء، وما زالت في قلوبهم بقية أثر بالاستيلاء على العير والغنائم. إنهم يجادلون في ذلك كراهة للقاء القوم وكأنما يساقون إلى الموت كراهية لا طواعية وهم ينظرون.\nوإذ يعدكم - يا محمد - الله تعالى إحدى الطائفتين: العير أو ذات الشوكة والقتال، وتودون طائفة العير بأموالها ومتاعها دون تعب وعناء، والله تعالى يحب لكم أن تلقوا عدوكم وتكسروا شوكته بصدق جهادكم ومجالدتكم وصبركم عند الالتحام ليعلي كلمة الحق بصدق أهلها ويخزي فئة الكافرين. ليحق الحق والوحي ومنهاج النبوة ويبطل الباطل والكبر في الأرض والعلو بغير الحق ولو كره المجرمون.\nفقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. قال مجاهد: (كذلك يجادلونك في الحق، القتال).\nوقوله: ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾. يعني: من المدينة.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾. قال القرطبي: (أي لكارهون ترك مكة\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو يعلى (٤/ ١٤٤٧)، وابن حبان (٦٩٣)، والحاكم (١/ ٣٤٤).","vol":"3","page":331},{"text":"وترك أموالهم وديارهم). وقال السدي: (لطلب المشركين).\nوأما قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾. قيل: قول بعضهم للنبي - ﷺ - يوم بدر: (أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالًا فنستعد له).\nقال ابن جرير: (كما أخرجك ربك بالحق على كره من فريق من المؤمنين، كذلك يجادلونك في الحق بعدما تبيّن - وهو لقاء العدو -).\nثم قال سبحانه: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي كراهة للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم).\nثم قال جل ذكره: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال قتادة: (الطائفتان، إحداهما: أبو سفيان بن حرب إذ أقبل بالعير من الشام، والطائفة الأخرى: أبو جهل معه نفر من قريش، فكره المسلمون الشوكة والقتال، وأحبوا أن يلقوا العير، وأراد الله ما أراد).\nوقال ابن إسحاق: (قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾: أي الغنيمة دون الحرب).\nثم قال ﷿: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (ويريد الله أن يحق الإسلام ويعليه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمره إياكم أيها المؤمنون بقتال الكفار، وأنتم تريدون الغنيمة والمال، ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾: يريد أن يَجُبَّ أصل الجاحدين توحيدَ الله).\nوقال ابن إسحاق: (أي الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر).\nفالله سبحانه أيها المؤمنون يحب المعالي والقوة والشوكة، وذلك هو الجهاد في سبيله لقهر عدوه ونصر دينه وكلمته، وأن تلتقي السيوف بالسيوف، سيوف الحق التي تقهر سيوف الباطل، وأنت تحبون ما هو دون ذلك من المال ومتاع الحياة الدنيا.\nقال سبحانه: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال قتادة: (هم المشركون).\n٩ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ","vol":"3","page":332},{"text":"إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يعرج سبحانه على ما جرى في أرض المعركة، إذا اصطف الفريقان وأيقنا أن القتال واقع لا محالة، وقد تغيّرت معالم الأمر الذي كان الصحابة ﵃ يرغبونه وقد خرجوا من أجله، وانصرف التفكير إلى القتل والنصر أو الشهادة، وهنا استقبل النبي - ﷺ - القبلة ثم مدّ يديه يستغيث ربه ويسأله نصر عصابة المؤمنين، وأن ينزل مدده وينجز وعده بكسر شوكة الكافرين، فاستجاب الله تعالى دعاءه ووعد بالإمداد بألف من الملائكة متتابعين. وأراد بذلك سبحانه تبشير نبيّه والمؤمنين، وطمأنة قلوب هؤلاء المجاهدين، فلا نصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. وقد أنزل سبحانه المطر الخفيف أثناء نوم فئة الإيمان، وجعله طمأنينة تنعش صدورهم وتثبت قلوبهم وتغسل عنهم وسواس الشيطان ومحاولات مكره وتثبيطه، وتشد أقدامهم إذا وقفوا للقتال على أرض المعركة وقد اختلط ترابها بالماء فأمسكت. لقد أوحى الله تعالى إلى الملائكة بالنزول السريع إلى أرض الميدان، وبث الرعب في قلوب المشركين، وضرب رقاب الكفرة، وأصابعهم من تحت قبضة السيف. ذلك ليخزيهم ربهم بسبب كفرهم وشقاقهم الله ورسوله والله شديد العقاب. ذلك ليذوقوا وبال أمرهم ويوم الحساب ينتظرهم عذاب النار.\nقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: [لما كان يوم بدر نظر النبي - ﷺ - إلى أصحابه وهم ثلاث مئة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي - ﷺ - القبلة ثم مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل","vol":"3","page":333},{"text":"الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا. قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر ﵁ فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾] (١).\nقال ابن عباس: (مردفين: متتابعين، قال: وراء كل ملك ملك).\nوقال مجاهد: (ما مدّ النبي - ﷺ - مما ذكر الله غيرُ ألف من الملائكة مردفين، وذكر الثلاثة والخمسة بشرى).\nأي لو احتجتم أكثر من ذلك لأسعفناكم ولزودناكم بالمدد بعد المدد، فاطمئنوا ولتسْتبشر قلوبكم، ولا سبيل لنصر في هذه الحياة الدنيا إلا من عند الله، إنه وحده العزيز الحكيم، ولذلك قال تعالى بعدها:\n﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nثم قال جل ذكره: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.\nلقد قضى المسلمون ليلًا هادئًا - قبل المعركة - بات فيه رسول الله - ﷺ - يحرسهم، وهذه قيادة عظيمة لا مثيل لها في التاريخ، إذ يقوم القائد ليله في حراسة جنده، وتساقطت أمطار خفيفة أنعشت صدورهم وطمأنت قلوبهم وتماسكت بها الأرض لتشهد في الغد قتال الرجال.\nقال ابن إسحاق: (﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾، أي: أنزلت عليكم الأمنة حتى نمتم لا تخافون).\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن علي ﵁ - يصف كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدر - قال: [لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إلا نائم إلا رسول الله - ﷺ -، فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح. . ثم إنه أصابنا من الليل طَشّ من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحَجف (٢) نستظل تحتها من المطر،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٦٣) - كتاب الجهاد. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٥٨٣) لتفصيل البحث.\n(٢) الحجف: التروس.","vol":"3","page":334},{"text":"وبات رسول الله - ﷺ - يدعو ربه ويقول: اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد. فلما طلع الفجر نادى: الصلاة، عباد الله. فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلَّى بنا رسول الله - ﷺ - وحرَّض على القتال] (١).\nوعن مجاهد: (﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، قال: المطر، أنزله عليهم قبل النعاس، ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾، قال: وسوسته. قال: فأطفأ بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم).\nوقال ابن زيد: (﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾، الذي ألقى في قلوبكم: ليس لكم بهؤلاء طاقة!).\nوعن السدي: (﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾، حين تشتدون على الرمل، وهو كهيئة الأرض).\nثم قال جل ثناؤه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾. أي: أنصركم، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أي: قووا عزمهم، وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين. قيل: تثبيتهم كان حضورهم الحرب معهم. وقيل: بل معونتهم بقتال أعدائهم.\nففي شرح النووي على صحيح مسلم، قال ابن عباس: [بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم - وهو اسم فرس الملك - فنظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: صدقت ذلك مدد من السماء الثالثة] (٢).\nقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدِّثَ عن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار، قال: (أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصْعدنا في جبل يشرف بنا على بَدْر، ونحن مُشْركان، ننتظر الوقعة على من تكون الدّبْرة - الدائرة -، فننتهب مع من ينتهب، قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنتْ منّا سحابة، فسمعنا فيها حَمْحَمة الخيل،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١١٧) بإسناد صحيح من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وانظر المرجع السابق (١/ ٥٤٧).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٧٦٣) - كتاب الجهاد. وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٥٨٤).","vol":"3","page":335},{"text":"فسمعت قائلًا يقول: أقدِمْ حَيْزوم، فأما ابنُ عمي فانكشف قِناع قلبه، فمات مكانَه، وأما أنا فَكِدْتُ أهلِك، ثم تماسكت).\nوروى الإمام أحمد بسند حسن عن علي بن أبي طالب ﵁ قال - في يوم بدر -: [فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله! إنَّ هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجْلَحُ - أي: منحسر الشعر على جانبي رأسه - من أحسن الناس وجهًا على فرسٍ أبلقَ ما أُراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أَسَرْتُهُ يا رسول الله. فقال: اسكت فقد أيدك الله تعالى بملك كريم] (١).\nورواه ابن جرير من حديث ابن عباس قال: (كان الذي أسرَ العباس أبو اليَسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلًا مجموعًا، وكان العباس رجلًا جسيمًا، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي اليسر، كيف أسرت العباس أبا اليسر؟ قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجل ما رأيتهُ قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! . قال رسول الله - ﷺ -: لقد أعانك عليه ملك كريم).\nوقال ابن إسحاق: (وحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بني مازن بن النجار، عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا، قال: إني لأتبع رجلًا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقعَ رأسُه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري) (٢).\nوهذه الآثار يقوي بعضها بعضًا، وهي عادة مما تشتهر بين الناس أكثر من غيرها، وأمر مشاركة الملائكة يوم بدر ثابت في نص القرآن الكريم وكذلك ببعض ما في السنة الصحيحة المتواترة.\nفقد أخرج الإمام أحمد والبخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي، عن النبي - ﷺ - قال: [جاء جبريل فقال: ما تعدّون من شهِدَ بدرًا فيكم؟ قلت: خيارنا، قال: وكذلك من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٩٤)، وصححه أحمد شاكر، وانظر كتاب \"السيرة النبوية الصحيحة\" - د. عمري - (٢/ ٣٦٥)، وكتابي: السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٥٨٥)، (١/ ٥٩٤) - لمزيد من الروايات.\n(٢) حديث حسن. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٦٣٣)، ورواه أحمد في المسند (٤/ ٤٥٠) بإسناد حسن. وانظر صحيح السيرة - إبراهيم العلي - ص (١٨١).","vol":"3","page":336},{"text":"شهد بدرًا من الملائكة هم عندنا خيارُ الملائكة\"] (١).\nوقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.\nأي: سأرعب قلوب الذين كفروا بي - أيها المؤمنون - منكم، وقد تولت الملائكة المهمة إضافة لضرب الرؤوس وكل بنان.\nلقد ثبتت مشاركة الملائكة يوم بدر في فصل رؤوس المشركين وإلقائها، وقطع أعضائهم ورميها، إضافة إلى بث الهلع والذعر في نفوس الطغاة والمتكبرين.\nيروي ابن سعد عن عكرمة قال: (كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربها).\nقال ابن إسحاق: (وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة، عن أُسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا، قال بعد أن ذهب بَصَرُه: لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشِّعبَ الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أتمارى).\nقال الضحاك: (﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾: اضربوا الأعناق).\nوقال عكرمة: (الرؤوس).\nوقال ابن جرير: (إن الله أمر المؤمنين مُعَلِّمَهُم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف، أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل).\nومن المفسرين من أرجع الضمير في ﴿وَاضْرِبُوا﴾ إلى المؤمنين، ومنهم من أرجعه إلى الملائكة ليكون بذلك أمرٌ من الله لهم.\nقال القرطبي: (والضرب على الرأس أبلغ، لأنه أدنى شيء يؤثر في الدماغ. قال فإذا ضربت البنان - وهي الأصابع وغيرها من الأعضاء - تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء).\nوقال الربيع بن أنس: (كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به).\nقلت: والآية تدل على إعجاز عملي ظهر في أرض المعركة للعيان، فإن الله سبحانه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا، رقم (٣٩٩٢)، وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٠٨١).","vol":"3","page":337},{"text":"قد دلَّ على حضور الملائكة وشهودها القتال يوم بدر بهذه الآية المعجزة في آفاقها وبيانها وخبرها، فكان ضرب الرقاب من الخلف لتقطع مع أن المواجهة كانت من الأمام من قبل المؤمنين علامة مشاركة الملائكة في قتل المشركين، أضف إلى ذلك أن الضربَ فوق البنان صعب عادة في أثناء المسايفة، لوجود قبضة السيف التي تحمي اليد والأصابع، فكان ظهور البنان من الكفار مقطعًا في نهاية المعركة هو بحدّ ذاته دليل آخر على حضور الملائكة أكّده الله تعالى للمؤمنين بقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم، جزاءٌ لهم بشقاقهم الله ورسوله، وعقاب لهم عليه. ومعنى قوله: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فارقوا أمرَ الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا أمرَ الشيطان. ومعنى قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ومن يخالف أمرَ الله وأمر رسوله ففارق طاعتهما، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، له. وشدة عقابه له: في الدنيا، إحلالُه به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم، وفي الآخرة، الخلودُ في نار جهنم، وحذف \"له\" من الكلام، لدلالة الكلام عليها).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾.\nقال النسفي: (أي ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة).\nوقال القرطبي: (ومعنى الكلام التوبيخ للكافرين).\nوالمقصود: هذا العذاب في الدنيا بأيدي الملائكة والمؤمنين من الضرب فوق الأعناق منكم ومن ضرب الأيدي والأعضاء وكل بنان، هو عذاب عاجل، له متابعة في خزي وعذاب ونكال آجل، أعدّه الله للكافرين في نار جهنم وبئس المصير.\n١٥ - ١٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ","vol":"3","page":338},{"text":"اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: توجيه الباري ﷿ الخطاب إلى المؤمنين يحذرهم من الفرار من ساحة القتال، ويخبرهم أن ذلك من أكبر الكبائر، وأنه لا حجة لأحد بذلك إلا أن يكون متحرفًا لقتال ضمن خطة مدبرة للإجهاز على العدو أو ضمن عمليات كرٍّ وفرٍّ، وإلا فإن عذاب الفرار من البأس عند الله شديد.\nثم إنكم لم تقتلوهم أنتم بقوتكم وشجاعتكم ولكن الله قضى قتلهم فأعانكم ورضي منكم الامتثال فأظهر ذلك كرامة منه لكم على أيديكم، وكذلك ما كان من أثر الرمي فإن إصابة الهدف كان بعون الله وتوفيقه وليختبر سبحانه المؤمنين، إنه سميع عليم.\nوكل ما حصل لكم من توفيق الله ونصرٍ كان من الله تعالى ليوهن كيد الكافرين.\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾.\nقال القرطبي: (الزحف: الدنوّ قليلًا قليلًا. يقول: إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفِرّوا عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرّم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية: والأدبار جمع دُبُر. والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها بشعة على الفارّ، ذامّة له).\nثم قال: (أمر الله ﷿ في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر مُقَيَّد بالشريطة المنصوصة في مِثْلَي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضِعْفُ المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يَفِرّوا أمامهم. فمن فرّ من اثنين فهو فارٌّ من الزحف، ومن فرّ من ثلاثة فليس بفارّ من الزحف، ولا يتوجّه عليه الوعيد).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.\nأخرج أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد قال: [نزلت في يوم بدر: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾] (١).\nقال الضحاك: (\"المتحرف\"، المتقدم من أصحابه ليرى غِرَّة من العدو فيصيبها.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٣٠٦). وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي. سورة الأنفال، آية (١٦).","vol":"3","page":339},{"text":"قال: و\"المتحيز\"، الفار إلى النبي - ﷺ - وأصحابه. وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره وأصحابه. قال: وإنما هذا وعيد من الله لأصحاب محمد - ﷺ -، أن لا يفروا، وإنما كان النبي ﵊ وأصحابه فئتهم).\nوقال السدي: (أما \"المتحرف\"، يقول: إلا مستطردًا يريد العودة، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، قال: \"المتحيز\"، إلى الإمام وجنده إن هو كرّ فلم يكن له بهم طاقة، ولا يُعذَر الناس وإن كثروا أن يُوَلُّوا عن الإمام).\nقال الحافظ ابن كثير: (﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، أي: يفر بين يدي قِرْنِهِ مَكِيدة، ليريه أنه خاف منه فيتبعه، ثم يَكُرّ عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك، نص عليه سعيد بن جبير والسُّدِّي.\nقال: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، أي: فرَّ من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة).\nوقوله: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nأي: فقد رجع بغضب من الله وسخط مقابل فراره وتعريض الأمة لاستقبال الهلاك، ثم معاده عذاب جهنم في الآخرة وبئس المستقر والموضع والمنزل يصير إليه.\nوقد حفلت السنة المطهرة بكنوز من جوامع الكلم في آفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: [اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه في السنن، والبخاري في الأدب المفرد - واللفظ له - بسند حسن عن أبي الدرداء قال: [أوصاني رسول الله - ﷺ - بتسع: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقْتَ، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومَنْ تَرَكَها متعمدًا برئت منه الذمة، ولا تشربن الخمر، فإنها مفتاحُ كل شر، وأطع والديك، وإن أمراك أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ٢٩٤) - في الوصايا، وأخرجه مسلم (٨٩) - في الإيمان.","vol":"3","page":340},{"text":"تخرج من دنياك، فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الأمر، وإن رأيت أنَّك أنت، ولا تفِرَّ من الزَّحف، وإن هلكت وفرَّ أصحابك، وأنْفق من طَوْلك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله ﷿] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن، عن بلال بن يسار بن زيد - مولى النبي - ﷺ - قال: سمعت أبي يحدثنيه عن جدي: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فَرَّ من الزحف] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن بشير بن مَعْبد - ابن الخصاصية - قال: [أتيت النبي - ﷺ - لأبايعه، فاشترط عَلَيَّ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدِّي الزكاة، وان أحُجَّ حجّة الإسلام، وأن أصومَ شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله. فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من وَلّى الدُّبُر فقد باء بِغَضَبٍ من الله، فأخاف إن حضرتُ ذلك جَشِعَت نفسي وكَرِهْتُ الموت - والصدقة، فوالله مالي إلا غُنَيْمَةٌ وعَشْرُ ذُودٍ هُنَّ رَسلُ أهلي وحَمُولتهم. فقبض رسول الله - ﷺ - يده ثم حرّك يده، ثم قال: فلا جهادَ ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذن؟ ! فقلت: يا رسول الله، أنا أبايعك. فبايعتُه عليهنَّ كُلهنَّ] (٣).\nوقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.\nقال النسفي: (والفاء جواب لشرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، ولما قال جبريل للنبي - ﷺ -: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فرمى بها في وجوههم، وقال: \"شاهت الوجوه\"، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٨) - باب يبرُّ والديه ما لم يكن معصية، وانظر \"صحيح الأدب المفرد\" (١٤)، وصحيح سنن ابن ماجه (٣٢٥٩) - باب الصبر على البلاء.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (١٥١٧) - باب في الاستغفار. انظر صحيح سنن أبي داود (١٣٤٣). وأخرجه الترمذي في الجامع (٣٥٧٧)، والطبراني (٤٦٧٠)، وأخرجه الحاكم (٢/ ١١٨) من حديث ابن مسعود نحوه.\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٤)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢٣٣)، و\"الأوسط\" (١١٤٨)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٤٢)، وقال: (ورجال أحمد موثوقون).","vol":"3","page":341},{"text":"قيل ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ يا محمد ﴿إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ يعني أن الرمية التي رميتها أنت لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسبًا وإلى الله تعالى خلقًا لا كما تقول الجبرية والمعتزلة لأنه أثبت الفعل من العبد بقوله: إذ رميت، ثم نفاه عنه وأثبته لله تعالى بقوله: ولكن الله رمى، ولكن الله قتلهم).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بأسباب نزول هذه الآية في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الطبراني بسند حسن لغيره، عن حكيم بن حزام، قال: [لما كان يوم بدر أمر رسول الله - ﷺ - فأخذ كفًا من الحصباء فاستقبلنا به فرمانا بها وقال: شاهت الوجوه، فانهزمنا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني - ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس: [أن النبي - ﷺ - قال لعلي: ناولني كفًا من حصى، فناوله فرمى به وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنها: [نزلت لما رمى النبي - ﷺ - أبي بن خلف] (٣).\nوقوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾.\nقال ابن إسحاق: (أي: ليعَرِّفَ المؤمنين من نعمه عليهم، في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقّه، وليشكروا بذلك نعمته).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: سميع الدعاء، عليم بمن يستحق النصر والغَلَب).\n_________\n(١) حسن لغيره. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الأنفال، آية (١٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٩)، والواحدي في \"أسباب النزول\" (٤٧٣)، والطبري (١٥٨٣٥) (١٥٨٣٦)، والدر المنثور (٣/ ٣١٧)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة الأنفال، آية (١٧).\n(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٢٧/ ٣٢٦٣)، وأخرجه الواحدي (٤٧١) عن سعيد بن المسيب عن أبيه.","vol":"3","page":342},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: واعلموا أن الله مع ذلك مُضْعِفُ، ﴿كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، يعني: مكرهم، حتى يَذِلُّوا وينقادوا للحق، أو يُهْلَكوا).\nوقال النسفي: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع، أي الأمر ذلكم). واختار شيخ المفسرين أن ﴿ذَلِكُمْ﴾ تشمل قتل المشركين، ورميهم حتى انهزموا، وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم، وإمكانهم من قتلهم وأسرهم.\n١٩ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الله تعالى المشركين يوم بدر: إن تطلبوا القضاء أو تستنصروا وترغبوا في الفصل فقد جاءكم ما سألتم، من الذل الذي كتبه الله عليكم بكفركم، وإن تنتهوا عن الكفر والتكذيب فهو خير لكم في دنياكم وأخراكم، وإن تعودوا إلى العناد والكفر نعد عليكم بوقعة مشابهة في الخزي والألم ولن تغني عنكم جموع الدنيا حينئذ، فإن من كان الله في نصره لا تغلبه فئة ولو كثرت.\nيا أيها الذين آمنوا التزموا طاعة الله ورسوله واحذروا الفرار والتولي عن نبيّه وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من البراهين والحجج وآيات الذكر الكريم.\nوإياكم من ترك العمل بالعلم أو فصل القول عن العمل، شأن المنافقين أو","vol":"3","page":343},{"text":"المشركين المستهزئين، فإن شرَّ الخلق والخليقة هو هذا الضرب من بني آدم يعاندون العلم بعد الفهم ويكابرون الحق بعد العقل، وقد علم الله أنه لا خير فيهم فحرمهم من الهداية وأطفأ نور قلوبهم جزاء بما كانوا يكسبون. يا معشر المؤمنين أجيبوا ربكم ونبيكم إذا دعاكم لما فيه نفعكم وصلاحكم واعلموا أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمان، فمن شاء أقامه ومن شاء أزاغه ثم إلى ربكم تحشرون. واحذروا امتحانًا من الله يشمل المسيء وغيره، والعاصي وسواه، إذ إنّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يترتب عليه كل شر، وتذكروا أن الله شديد العقاب.\nفقوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال الضحاك: (إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء).\n٢ - قال ابن عباس: (يعني بذلك المشركين: إن تستنصروا فقد جاءكم المدد).\n٣ - قال الزهري: (استفتح أبو جهل فقال: اللهم - يعني محمدًا ونفسه - أينا كان أفجرَ لك، اللهم وأقطعَ للرحم، فأحِنْه اليوم! قال الله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾).\n٤ - قال قتادة: (قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبْرَةً لمن اعتبر).\nفالمعنى: إن تستقضوا الله أو تستنصروه أو تستحكموه - معشر الكفار يوم بدر - أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم.\nأخرج الحاكم وابن جرير بسند صحيح عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير قال: [كان المستفتح يوم بدر أبا جهل، قال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لم نعرف، فَأحِنْهُ الغداة، فأنزل الله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. أي: إن تنتهوا عن الكفر والتكذيب وحرب النبي - ﷺ - فهو خير لكم في دنياكم ومعادكم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٢٨)، وأحمد في المسند (٥/ ٤٣١)، والنسائي في \"التفسير\" (٢٢١)، وأخرجه الطبري في \"التفسير\" (١٥٨٥٢)، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الأنفال، آية (١٩).","vol":"3","page":344},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾. أي: إن تعودوا إلى العناد والكفر نعد لكم بوقعة مشابهة فيها ذُلُّكُم وصغاركم وهزيمتكم.\nوقال السدي: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ إلى الاستفتاح ﴿نَعُدْ﴾ إلى الفتح لمحمد - ﷺ - والنصر له وتظفيره على أعدائه).\nوالأول أقوى ولا مانع من المعنى الآخر، وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]، وتحمل معنى مشابهًا.\nوقوله: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾. قال ابن كثير: (أي: ولو جَمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالبَ له، فإن الله مع المؤمنين، وهم الحزبُ النبويُّ، والجنابُ المصطَفويُّ).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القرطبي: (أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه).\nأي: هو أمر بطاعة الله ﷿، وطاعة رسوله - ﷺ - وعدم التولي عنه وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من حجج القرآن العظيم وبراهين الوحي الكريم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ - على قولين عند المفسرين:\n١ - قال ابن إسحاق: (أي: كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويُسِرّون المعصية).\nوعن مجاهد: (﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، قال: عاصون).\n٢ - قال ابن جرير: (يقول: لا تكونوا، أيها المؤمنين، في مخالفة رسول الله - ﷺ -، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: ﴿قد سمعنا﴾، بآذاننا، ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه).","vol":"3","page":345},{"text":"قلت: والبيان الإلهي يشمل المنافقين والكافرين ومن مضى على منهاجهم في ترك العمل بالعلم، أو فصل القول عن العمل.\nقالى القرطبي: (فدلّت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله. فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحمها فأي سمع عنده وأي طاعة! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافق الذي يظهر الإيمان، ويسر الكفر).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\nإخبار من الله تعالى أن شر الخلق والخليقة هو هذا النوع من بني آدم، وهذا الصنف من الناس، الذين يعلمون الحق ثم هم يعاندونه بعد الفهم ويكابرون بعد العقل.\nقال ابن زيد: (الدواب: الخلق).\nوقال مجاهد: (﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: الذين لا يتبعون الحق).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن شر ما دبَّ على الأرض من خلق الله عند الله، الذين يصغون عن الحق لئلا يستمعوه، فيعتبروا به ويتعظوا به، وينكصُون عنه إن نطقوا به، الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فيستعملوا بهما أبدانهم).\nوفي التنزيل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، وكذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\nأي: قد علم الله أنه لا خير فيهم فلم يدع المواعظ تؤثر في قلوبهم، لشدة الران عليها من ازدحام المعاصي والآثام.\nثم إن حالهم يشهد بذلك - الذي قضاه الله وكتبه بعلمه - فإنه لو أسمعهم آياته تتلى وحججه البينات تقرع لولوا معرضين كارهين.\nقال ابن زيد: (﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾، بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما نفعهم بعد أن نفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به)، وقال: (لو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون).\nأخرج الترمذي في جامعه بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت","vol":"3","page":346},{"text":"رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جفّ القلم على علم الله ﷿] (١).\nوأخرج ابن أبي عاصم في كتاب السنة، ورجاله رجال الشيخين، عن أبي هريرة: [أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله! أنعمل في أمر نأتَنِفُهُ، أم في أمر قد فرغ منه؟ قال: بل في أمر قد فرغ منه. فقال: ففيم العمل؟ . فقال: يا عمر، كلا لا يدرك إلا بعمل. قال: فالآن نجتهد يا رسول الله] وأصله في الصحيحين (٢).\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.\nأي: يا معشر المؤمنين أجيبوا ربكم ونبيكم إذا دعاكم لما فيه مصلحتكم وحياتكم ونفعكم. وفيه أقوال:\n١ - قال السدي: (أما ﴿مَا يُحْيِيكُمْ﴾، فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم).\n٢ - قال مجاهد: (قول الله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، قال: الحق).\n٣ - قال قتادة: (هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة).\n٤ - قال ابن إسحاق: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم).\nقلت: وكل ما سبق داخل تحت مفهوم قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.\nقال البخاري: (﴿اسْتَجِيبُوا﴾: أجيبوا. ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: لما يُصْلِحُكم).\nثم ذكر البخاري في كتاب التفسير من صحيحه تحت هذه الآية حديث أبي سعيد بن\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢/ ١٠٧)، وأحمد (٢/ ١٧٦، ١٩٧)، وابن حبان (١٨١٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم (١٦٥)، والآجري (ص ١٧٠). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤٣)، وصحيح مسلم (٨/ ٤٨ - ٤٩) و(٨/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"3","page":347},{"text":"المُعَلَّى ﵁ قال: [كنتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بي رسول الله - ﷺ - فَدَعاني، فَلَمْ آتِه حتى صَلَّيْتُ، ثم أتيتُه، فقال: ما مَنَعَك أن تَأتيَ؟ أَلَمْ يَقُل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾. ثم قال: لأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سورةٍ في القرآن قبل أن أخرج، فذهب رسول الله - ﷺ - ليخرج فذكرتُ له. قال: هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، السَّبعُ المثاني].\nوفي لفظ: [ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأُعَلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه] (١).\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال سعيد بن جبير: (﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال: بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر). أو قال: (يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان).\n٢ - قال ابن عباس: (يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله).\nقال النَسفي: (﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله. أو بينه وبين ما تمناه بقلبه من طول الحياة فيفسخ عزائمه).\n٣ - قال الضحاك: (يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته).\n٤ - قال مجاهد: (يحول بين المؤمن وعقله)، وقال: (حتى يتركه لا يعقل).\nوقال: (إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل؟). وقال: (يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا).\n٥ - قال السدي: (يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه).\n٦ - قال قتادة: (قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، هي كقوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٤٧٤) - كتاب التفسير، وكذلك (٤٦٤٧)، عند تفسير سورة الأنفال، آية (٢٤).","vol":"3","page":348},{"text":"قلت: ولا شك أن كل الأقوال السابقة تدخل في مفهوم الآية، وقد جاءت السنة المطهرة بأحاديث في آفاق هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [إن قلوبَ بني آدمَ كلَّها بَيْن إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصابِعِ الرحمان، كَقَلْبٍ واحد، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يشاء، ثم قال رسول الله - ﷺ -: اللَّهُمَّ! مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعتك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وأحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: [كان النبي - ﷺ - يكثر أن يقول: يا مُقَلِّبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك. قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا، فقال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يُقَلِّبها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج النسائي في \"الكبرى\" وابن ماجه في السنن بسند صحيح عن النَّوَّاس بن سمعان الكلابي ﵁ يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يُزيغه أزاغه، وكان يقول: يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك. قال: والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [مثل القلب مثل الريشة تقلبُها الرياح بفلاة] (٤).\nوفي لفظ غيره: (مثل القلب في تقلبه كالقِدْرِ إذا استجمعت غليانًا).\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\nأي: ومع تقليبه سبحانه قلوبكم فإن مصيركم إليه، ومآلكم الوقوف بين يديه،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٥٤) - كتاب القدر. باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (٢١٤١)، وأحمد في المسند (٣/ ١١٢)، و(٣/ ٢٥٧)، وأبو يعلى (٣٦٨٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٧٧٣٨)، وابن ماجه في السنن (١٩٩)، وأحمد في المسند (٤/ ١٨٢)، وغيرهم وإسناده صحيح.\n(٤) حديث صحيح. رواه ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث أبي موسى مرفوعًا. انظر تخريج مشكاة المصابيح (١٠٣)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥٧٠٩).","vol":"3","page":349},{"text":"فيوفيكم أعمالكم، فمن أحسن جازاه بإحسانه، ومن أساء حاسبه على إساءته.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله - ﷺ -، فيما يرويه عن ربه ﷿: [يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.\nقال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب).\nوقال ابن زيد: (الفتنة: الضلالة).\nقلت: ولا شك أن الفتنة: الاختبار والامتحان، ومفهوم الآية: إن ترك دفع المنكر والتهاون في الأمر بالمعروف قد يعقبه الفتن لتشمل المسيء وغيره. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث.\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والبخاري عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [مثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضُهم أسفلَها وَأَوْعَرَها وشَرَّها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مَرُّوا على من فوقهم فآذَوهُم، فقالوا: لو خَرَقنا في نصيبنا خرقًا، فاستقينا منه، ولم نُؤْذِ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكُوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا جميعًا] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه والبيهقي بسند حسن عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فيهمْ بِالمَعَاصي، هُمْ أعَزُّ مِنْهُم وأمْنَعُ، لا يُغَيِّرون، إلا عَمَّهُم الله بعقاب] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن حُذيفة بن اليمان، أن النبي\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل رواه مسلم (٨/ ١٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁، ورواه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٦٨٦)، والترمذي في الجامع (٢١٧٣)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٨)، ورواه ابن حبان في صحيحه (٢٩٧).\n(٣) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه (٤٠٠٩) - باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر -، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٦٤)، (٤/ ٣٦٦)، والبيهقي (١٠/ ٩١)، وابن حبان (٣٠٠)، والطبراني (٢٣٨٠).","vol":"3","page":350},{"text":"- ﷺ - قال: [والذي نفسي بيده، لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكَنَّ الله أن يبعث عليكم عِقابًا من عنده، ثم لتدْعُنَّهُ فلا يستجيبُ لكم] (١).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله - ﷺ - قام خطيبًا، فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رجُلًا، هَيْبَةُ الناسِ، أن يقولَ بحقٍّ، إذا عَلِمَهُ. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إذا ظهرت المعاصي في أمَّتي، عَمَّهم الله بعذاب من عنده. فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناسٌ صالحون؟ قال: بلى. قالت: فكيف يَصْنع أولئك؟ . قال: يصيبهم ما أصاب الناسَ، ثم يصيرون إلى مغفرةٍ من الله ورضوان] (٣).\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أي: إذا عاقب، وهو تهديد ووعيد على الاستهانة في حمل هذه الأمانة، أو التغاضي عن المنكر يتفشى وينتشر في الأرض.\n٢٦ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يُذكِّرُ الله تعالى المؤمنين أصحاب النبي - ﷺ - أيام الضعف التي أبدلها\n_________\n(١) صحيح بشواهده. أخرجه الترمذي (٢١٦٩)، وأحمد (٥/ ٣٩١)، وحسنه الترمذي وأقرّه الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٢/ ٣٠٨)، وله شواهد كثيرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (٤٠٠٧) - باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٢٣٧).\n(٣) جيد. أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، (٦/ ٣٠٤، ٤١٨)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٦٨): رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.","vol":"3","page":351},{"text":"الله عزة وشوكة بعد معركة بدر، وأغدق عليهم من أموال المشركين ومغانمهم ومن مختلف الأرزاق والنعم لعلهم يشكرون.\nثم يحذرهم سبحانه الخيانة والغلول والتفريط بالأمانة، ومن ذلك التفريط بفرائض الله ومنهاج النبوة وعقد الإيمان والإسلام.\nثم يحذر سبحانه عباده من فتنة المال والولد التي تدعو إلى اللهو والتفريط في إقامة أمر الله ودينه، وأن ما عند الله خير وأبقى وهو الثواب العظيم.\nثم يبين سبحانه سرًا عظيمًا جعله في قلوب عباده المؤمنين إن صدقوا ربهم التقوى، بأن جعل لهم في قلوبهم ميزانًا يميزون به الحق من الباطل حين تشتبه عليهم الأمور، ووعدهم كذلك على التقوى مغفرة لذنوبهم وأجرًا عظيمًا.\nفقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾.\nقال عكرمة: (قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾، قال: يعني بمكة، مع النبي - ﷺ - ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة).\nوعن قتادة: (أنها نزلت في يوم بدر، كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس، فآواهم الله وأيدهم بنصره).\nفنزلت هذه الآية إثر الفتح المبين ببدر، الذي تَكَرَّمَ الله به بالنصر والتمكين لهم، يذكرهم سبحانه بالضعف الذي حوّله بقدرته إلى عز وشوكة، وكان من أجمل ما شرع في هذه الأثناء صلاة العيد في المصلى، فقد صلى المسلمون أول صلاة عيد في شوال عقب الموقعة مباشرة سنة ٢ هـ، فما أروعه من عيد إثر النصر العظيم ببدر الذي تَوَّج الله به فرحهم، وما أجمل خروجهم إلى صلاة العيد في المصلى وهم يرفعون أصواتهم بالتكبير وقد فاضت قلوبهم بالحمد والإيمان، وما أرهب صلاتهم وقد اصطفوا خلف رسول الله - ﷺ - صفوفًا منتظمة وكأنهم في ساحة القتال، فنزلت آية الأنفال السابقة يذكرهم فيها سبحانه بالضعف الذي حَوَّلَهُ بقدرته إلى تمكين وعز وقوة وشوكة.\nوقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وأطعمكم غنيمتهم حلالًا طيبًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، يقول: لكي تشكروه على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم).","vol":"3","page":352},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون).\nوقال السدي: (فإنهم إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم).\nوقال ابن إسحاق: (أي: لا تظهروا لله من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السِّر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم).\nوقال ابن عباس: (والأمانة: الأعمال التي أمن الله عليها العباد، يعني الفريضة. يقول: ﴿لَا تَخُونُوا﴾، يعني: لا تنقصوها).\nوفي رواية: (﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ بترك فرائضه، ﴿وَالرَّسُولَ﴾ بترك سنته وارتكاب معصيته).\nقال القاسمي ﵀: (ويدخل في خيانة الله تعطيل فرائضه، ومجاوزة حدوده. وفي خيانة رسوله رفض سنته، وإفشاء سره للمشركين. وفي خيانة أمانتهم الغلول في المغانم، أي السرقة منها، وخيانة كل ما يؤتمن عليه الناس من مال أو أهل أو سر، وكل ما تعبدوا به).\nوفي الصحيحين من حديث علي - في قصة حاطب لما بعث الكتاب إلى المشركين يعلمهم بقصْدِ رسول الله - ﷺ - إياهم عام الفتح فاطلع الله رسوله وبعث فاسترجع الكتاب - فقال عمر: [إنه قدْ خانَ الله ورسوله والمؤمنين فدَعْنِيْ فَلأِضْربْ عُنُقَه، فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطَّلعَ على أهل بدر؟ فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم، فَدَمَعَتْ عينا عُمَرَ وقال: الله ورسوله أعلم] (١).\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: تبعة ذلك ووباله، فإن الخيانة إثمها عظيم. وفيه دليل على أن ذنب العالم بالخطيئة أعظم منه من غيره، وأن الظلم ذنب كبير.\nوفي صحيح مسلم عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٣٩٨٣) - كتاب المغازي - باب فضل من شهد بدرًا، وأخرجه كذلك برقم (٣٠٠٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٤٩٤)، ورواه أبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٢)، وأحمد (١/ ٧٩).","vol":"3","page":353},{"text":"ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nوفيه من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاء - التي لا قرن لها - من الشاة القَرْناء] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.\nقال الرازي: (ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد، نبّه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضارة المتولدة من ذلك الحب).\nقال ابن زيد: (﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، قال: ﴿فِتْنَةٌ﴾، الاختبار، اختبارهم. وقرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]).\nفالمال والولد امتحان من الله تعالى، وهو سبحانه مطلع على عبده هل يقع بسببهما في الخيانة أو اللهو، أو يختار الاستجابة لله والرسول والنجاة من تلك الفتنة.\nقال الحاكم: (قد أمر الله بالعلم بذلك، وطريق العلم به التفكر في أحوالهما وزوالهما، وقلة الانتفاع بهما، وكثرة الضرر، وأنه قد يعصي الله بسببهما).\nأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن يَعْلَى العامري، أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي - ﷺ -. فضمهما إليه، وقال: [إن الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ] (٣).\nوفي لفظ عند الحاكم من حديث الأسود بن خلف: [إن الولد مبخلة مجبنة مَجْهلة محزنة].\nوفي لفظ عند ابن عدي من حديث أبي سعيد: [الولد ثمرةُ القلب، وإنه مَجْبَنَةٌ، مَبْخَلَةٌ، مَحْزَنَةٌ].\nوقد كان من دعائه - ﷺ - كما يروي أبو داود عن أبي هريرة -: [اللهم إني أعوذ بك\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في \"صحيحه\" برقم - (٢٥٧٨) - كتاب البر والصلة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٥٨٢) - الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٦٦٦) - كتاب الأدب -. وقوله: \"مبخلة مجبنة\" أي مظنة البخل والجبن. لأجله يبخل الإنسان ويجبن. وانظر لما بعده صحيح الجامع (١٩٨٦)، (٧٠٣٧).","vol":"3","page":354},{"text":"من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة] (١).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. أي: فآثروا حقه على حقكم، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم.\nقال النسفي: (فعليكم أن تحرصوا على طلب ذلك وتزهدوا في الدنيا ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد).\nفإن ما عند الله من الثواب والعطاء، والجنات والنعيم خير من المال والولد، فإنه قد يوجد منهم عدو يورد إلى منازل الهلاك والعطب، وثواب الله خير وأبقى، وسبيل ذلك محبة الله ومحبة رسوله - ﷺ - فوق كل متاع في هذه الحياة الفانية.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين] (٢).\nوفي الصحيحين من حديث أنس أيضًا عن رسول الله - ﷺ -: [ثلاث من كنَّ فيه وَجَدَ بهن حلاوةَ الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يُلْقى في النار أحبَّ إليه من أن يَرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه] (٣).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (١٥٤٧) - باب في الاستعاذة -. وانظر صحيح سنن أبي داود (١٣٦٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٤) - كتاب الإيمان -، والنسائي (٨/ ١١٥)، وأحمد (٣/ ١٧٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢١)، (٦٠٤١)، ومسلم (٤٣)، وأحمد (٣/ ١٧٢)، وأخرجه النسائي (٨/ ٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣٣)، وابن حبان (٢٣٧) من حديث أنس.","vol":"3","page":355},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا).\nوقال مجاهد: (مخرجًا في الدنيا والآخرة).\nوفي رواية عن ابن عباس: (﴿فُرْقَانًا﴾: نجاة).\nوفي لفظ: (نصرًا).\nوقال محمد بن إسحاق: (﴿فُرْقَانًا﴾: أي: فصلًا بين الحق والباطل).\nذكر ذلك شيخ المفسرين ابن جرير، وعنه الحافظ ابن كثير.\nقال ابن كثير: (وهذا التفسير من ابن إسحاق أعمّ مما تقدَّم، وقد يستلزم ذلك كلَّه، فإن من اتقى الله بِفِعْل أوامره، وتَرْكِ زواجره، وُفِّقَ لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نَصْرِهِ وَنَجاته ومَخْرجه من أمور الدنيا، وسعادَته يوم القيامة. وتكفير ذنوبه، وهو محوُها. وغَفْرُها: سترها عن الناس - سببًا لنيل ثواب الله الجزيل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨]).\nوالخلاصة: إن الصدق في عبادة الله وتعظيمه يورث كرامة لا بد أن يراها المؤمن في حياته وربما يراها من حوله، فإن التقوى مفتاح كثير من الخيرات التي يطمح بها المؤمن في حياته وآخرته، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي ميزانًا يفرق به المؤمن بين الحق والباطل، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥].\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى قال: مَنْ عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحِبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن","vol":"3","page":356},{"text":"شيء أنا فاعله تردّدي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البزار بسند حسن عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [إن لله تعالى عبادًا يعرِفون الناس بالتوسم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في \"التاريخ\" بسند حسن عن وابصة مرفوعًا: [استفت نفسك وإن أفتاك المفتون] (٣).\nوالمقصود: أن يستفتي العبد المؤمن قلبه بعد سؤاله أهل العلم والذكر واختلاط الفتوى عليه أو اختلافها، فإن الله قد جعل في قلب المؤمن بصيرة ونورًا وفرقانًا، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n٣٠ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: فَضْحُ الله تعالى محاولات الكفار سَجْنَ النبي - ﷺ - أو إِخْراجه أو قَتْله والله محيط بكيدهم ومكرهم وهو خير الماكرين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٦٥٠٢) - كتاب الرقاق -، باب التواضع.\n(٢) حديث حسن. أخرجه البزار وغيره، وحسنه الألباني في صحيح الجامع - حديث رقم - (٢١٦٤).\n(٣) إسناده حسن. انظر تخريج المشكاة (٢٧٧٤)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٩٥٩).","vol":"3","page":357},{"text":"ثم يخبر الله تعالى عن تنطع كفار قريش عند سماع آيات القرآن الواضحة الساطعة بنورها وحججها تُتلى عليهم.\nثم يخبر سبحانه عن قول فرعون هذه الأمة - أبي جهل - يستعجل العذاب، وأنّ الله لا يعذب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم، ثم يثبت تعالى أن هؤلاء الكفار من قريش يستحقون العذاب وقد كفروا بالله وما كانت صلاتهم عند البيت إلا سخرية واستهزاء.\nفقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾.\nقال ابن عباس: (ليقيدوك) أو: (ليوثقوك).\nوقال عطاء: (ليحبسوك)، أو: (يَسْجنوك).\nوقال السُّدي: (الإثبات هو الحبس والوثاق)، وهذا القول أشمل.\nوقال قتادة: (ليشدوك وثاقًا، وأرادوا بذلك نبي الله - ﷺ - وهو يومئذ بمكة).\nوقيل: ليسحروك.\nوقول ابن عباس والسدي وقتادة أرجح.\nلقد بدأت قريش تشعر أن أمر محمد - ﷺ - يزداد خطرًا عليها يومًا بعد يوم، وأدركت أن الرجل يخطط بدقة ليهاجر بأصحابه إلى حيث يشعر بالقوة والأمن وسهولة الحركة، الأمر الذي زادها غيظًا وحنقًا، فهي لا تستطيع أن تتصور هؤلاء الرجال حوله وقد أصبحوا مصدر قلق على أمنها ومصدر خوف على تجارتها واقتصادها، وقد صارت لهم دولة وشوكة.\nومن هنا فكرت قريش مليًا في خطة محبوكة تُفْسِدُ على النبي - ﷺ - وأصحابه طُموحَاتِهم وأمانيهم وتهدد سبيل هجرتهم، فنشأت فكرة التخلص منه بمحاولة قتله.\nوقد أشار القرآن النازل أيام المدينة لما كان يجري في أواخر أيام الحياة بمكة، يَمُنُّ الله بذلك على نبيه - ﷺ - أن حماه من سيوف المشركين ومن محاولات أولئك المجرمين.\nفقال في آية الأنفال السابقة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن ابن عباس قال: [إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاهدوا باللات والعزى ومناةَ الثالثةِ الأخرى، لو قَدْ رأينا محمدًا قمنا إليه قيامَ واحد، فلم نفارقه حتى نقتله. فأقبلت فاطمة تبكي حتى دخلت","vol":"3","page":358},{"text":"على أبيها فقالت: هؤلاء الملأ من قومك في الحجر قد تعاهدوا أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك. قال: يا بُنَيَّة أدني وضوءًا. فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا هذا هو، فخفضوا أبصارهم، وعَقِروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم ولم يقم منهم رجل. فأقبل رسول الله - ﷺ - حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه. قال: فما أصابت رجلًا منهم حصاة إلا قد قتل يوم بدر كافرًا] (١).\nلقد أبصر المشركون أصحاب رسول الله - ﷺ - وهم يتجهزون ويغادرون مكة، وقد ساقوا معهم نِسَاءهم وأطفالهم وذراريهم وأموالهم، وبقي محمد - ﷺ - لا بد مدرك بأصحابه بين اليوم والغد، فأثار ذلك قلاقلهم وحرك أحزانهم ومخاوفهم، وخاصة على طريق تجارتهم إلى الشام، فموقع المدينة حرج بالنسبة للقوافل وطريق التجارة عبر ساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام، فرأت قريش ضرورة عقد اجتماع قمة عاجل للقبائل، فكان من أبرز من حضره:\nأبو جهل بن هاشم عن قبيلة بني مخزوم، وجبير بن مطعم والحارث بن عامر عن بني نوفل بن عبد مناف، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب عن بني عبد شمس بن عبد مناف، والنضر بن الحارث عن بني عبد الدار، وزمعة بن الأسود وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام عن بني أسد بن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج عن بني سهم، وأمية بن خلف عن بني جمح.\nيروي ابن جرير عن السدي وكذلك ابن إسحاق من طريق ابن عباس واللفظ له: (أنَّ نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأي ونُصح. قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أموركم بأمره).\nوفي رواية السدي: (فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اضطجع على فراشه، فاجعلوه\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند (١/ ٣٠٣، ٣٦٨) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه أحمد شاكر برقم (٢٧٦٢)، وأخرجه الحاكم (١/ ١٦٣)، وابن حبان (٦٥٠٢)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٢٤٠)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":359},{"text":"في بيت نتربص به ريب المنون - والريب هو الموت والمنون هو الدهر -.\nقال إبليس: بئسما قلت! تجعلونه في بيت، فيأتي أصحابه فيخرجونه، فيكون بينكم قتال! قالو: صدق الشيخ! . قال: أخرجوه من قريتكم! قال إبليس: بئسما قلت! تخرجونه من قريتكم، وقد أفسد سفهاءكم، فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال! قالوا: صدق الشيخ! قال أبو جهل - وكان أولاهم بطاعة إبليس -: بل نعمد إلى كل بطن من بطون قريش فنخرج منهم رجلًا، فنعطيهم السلاح، فيشدّون على محمد جميعًا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدية.\nوفي لفظ آخر: (قال: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابًا نسيبًا وسطًا فتيًا، ثم نعطي كل فتى سيفًا صارمًا، ثم يضربونه جميعًا ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة، فإذا لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها).\nقال إبليس: صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيًا! .\nوفي لفظ: لله درّ هذا الفتى، هذا والله الرأي. فقاموا على ذلك.\nوأخبر الله رسوله - ﷺ -، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار ونام علي بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله: ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ قال: والإثبات هو الحبس والوثاق، وهو قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقول: يهلكهم) (١).\nوقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.\nفإنه من صفات الله العظيم، صفة المكر والكيد بالكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣].\nوكقوله جل ذكره: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦].\nوكقوله جل ثناؤه: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠].\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري - سورة الأنفال، آية (٣٠)، وسورة الإسراء، آية (٧٦)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - (١/ ٤٣٣ - ٤٣٥)، وما بعدها.","vol":"3","page":360},{"text":"وكقوله سبحانه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].\nوفي صحيح الترمذي عن أنس عن النبي قال: [إذا أراد الله بعبده الخير عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة] (١).\nوفي صحيح أبي داود عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نَسِيَ ذَكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غيرَ ذلك جعل له وزيرَ سوء، إن نَسِيَ لم يُذَكِّره، وإن ذكر لم يُعِنْهُ] (٢).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِته] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nيخبر تعالى عن كفار قريش إذا تليت عليهم آيات القرآن الواضحة الساطعة بنورها وبيانها وسحرها لكل صاحب فطرة أو عقل سديد تنطعوا فقالوا جهلًا منهم وكبرًا وعنادًا للحق - وهم موقنون أنهم كاذبون - لو نشاء لقلنا مثل هذا الذي تلي علينا ويزعمون أن ذلك من أساطير الأولين.\nوفي التنزيل مثل ذلك، قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥، ٦].\nأي يغفر لمن تاب وأناب وأقلع عن الكذب والافتراء والإثم.\nوالأساطير في كلام العرب جمع أسطورة، ويقصد المشركون أن ما جاء به محمد إنما هو مما سطّره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم، فهو يقتبس من تلك الكتب ويتعلم منها ويتلوها على الناس، وكَذَبوا فيما قالوا، بل هو وحي الله تعالى أوحاه إليه.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الترمذي في الجامع (٢/ ٦٤)، والبيهقي في \"الأسماء\" (ص ١٥٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٢٢٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٩٣٢) - كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب في اتخاذ الوزير. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٢٥٤٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٦٨٦) - كتاب التفسير -، ورواه مسلم وابن ماجه والترمذي، وانظر صحيح الجامع - حديث رقم - (١٨١٨).","vol":"3","page":361},{"text":"قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [ما من الأنبياء من نبي إلا قد أُعطي من الآيات ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَر، وإنما كان الذي أوتيتُ وَحيًا أوحى الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعًا يوم القيامة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية.\nالقول المشار إليه هو قول كبير جهلة هذه الأمة - أبي جهل لعنه الله - وهو فرعون هذه الأمة الذي أخزاه الله تعالى يوم بدر، وفيه نزلت هذه الآيات.\nأخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: [(قال أبو جهل: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾] (٢).\nقال البخاري: (قال ابن عُيَيْنةَ: ما سمّى الله مَطَرًا في القرآن إلا عذابًا وتسميه العرب الغَيْثَ، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨])\nقال ابن عباس: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، يقول: ما كان الله ليعذِّب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يقول: وفيهم من قد سبق له من الله الدخولُ في الإيمان، وهو الاستغفار ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني: يصلون، يعني بهذا أهل مكة).\nوقال الضحاك: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: المؤمنين الذين كانوا بمكة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٥٢) - كتاب الإيمان - باب وجوب الإيمان برسالة نبيّنا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٤٨)، (٤٦٤٩) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، آية (٣٢). وانظر صحيح مسلم (٢٧٩٦) من حديث أنس، فالثابت أن القول المذكور لأبي جهل.","vol":"3","page":362},{"text":"وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: [أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، فيقول النبي - ﷺ -: قد قد، فيقولون: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾] (١).\nويؤيد هذا ما أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: [إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أُغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾.\nقال ابن كثير: (يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذِّبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام رسول الله - ﷺ - بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم، أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فَقُتل صناديدهم، وأُسرَت سَراتُهم. وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب، التي هم مُتلبسون بها من الشرك والفساد. قال قتادة والسُّدي وغيرهما: لم يكن القومُ يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون لما عذبوا. واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين لأوقع بهم البأس الذي لا يُرَدّ، ولكن دُفِعَ عنهم بسبب أولئك، كما قال الله تعالى في يوم الحديبية: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبْزى قال: (كان النبي - ﷺ - بمكة فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ\n_________\n(١) رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، بسند رجاله رجال الصحيح إلا شيخيهما وهما ثقتان، وهو سبب آخر للنزول، ولا مانع من تعدد أسباب النزول للآية سواء بمكة أو بالمدينة أو مرة بمكة ومرة بالمدينة. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الأنفال - آية (٣٣).\n(٢) صحيح لشواهده. أخرجه أحمد (٣/ ٢٩)، والحاكم (٤/ ٢٦١)، والبيهقي في \"الأسماء\" ص (١٣٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ١٤٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٤).","vol":"3","page":363},{"text":"فِيهِمْ﴾، قال: فخرج النبي - ﷺ - إلى المدينة، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.\nقال: وكان أولئك البقية من المؤمنين الذين بقوا فيها يستغفرون - يعني بمكة - فلما خرجوا أنزل الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾، قال: فأذن الله في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم).\nقلت: والذي ذكره ابن جرير من رواية ابن أبزى وذكر نحوه من رواية ابن عباس والضحاك أقرب لفهم الآيات، فإن الله سبحانه أخّر عن قريش العذاب ما دام رسول الله - ﷺ - بين أظهرهم، فلما هاجر وبقيت فئة مؤمنة مستغفرة أخّر العذاب عن أهل مكة مرة أخرى، وجَرّ الطغاة منهم إلى بدر لينالوا مصرعهم ومصيرهم الفاجع، فلما خرج المؤمنون من مكة وأصر المشركون على إنكار الوحي والنبوة أنزل الله بهم عذابه بالخزي والذل يوم الفتح، بعدما حصدوا من الذل والقتل ما حصدوه قبل ذلك.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾. أي: كيف لا يعذبهم الله تعالى وهم يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام بمكة والطواف به والصلاة عنده، فالمؤمنون أهله الحقيقيون، وأما طغاة مكة فليسوا أهل المسجد الحرام، بل أهله على الحقيقة: النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧، ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nوقوله: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال محمد بن إسحاق: (﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: هم محمد - ﷺ - وأصحابه ﵃).\nوقال مجاهد: (هم المجاهدون مَنْ كانوا، وحيث كانوا).","vol":"3","page":364},{"text":"أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن معاذ، عن النبي - ﷺ - قال: [إن أولى الناس بي المتقون، مَنْ كانوا وحيثُ كانوا] (١).\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي أمامة، عن رسول الله - ﷺ - قال: [إنّ أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام] (٢).\nوفي معجم الطبراني بسند صحيح في الشواهد عن ابن عباس مرفوعًا: [أولياء الله تعالى الذين إذا رُؤوا ذُكر الله تعالى] (٣).\nوالخلاصة: أولياء هذا البيت هم أهل الصلاة عنده والطواف به، أهل تعظيم حرمات الله وشعائر الدين الحق، وليس أهل الشرك والجاهلية، وأولياء الله تعالى الذين إذا حضروا ذُكر الله تعالى، وأولياء هذا النبي الكريم وأتباعه وأهل سنته ومنهاجه، ليس المبتدعة ولا أهل الخرافة والفلسفة والشبهات.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (كانت قريش تطوف بالبيت عراة، يصفقون ويصفّرون، فكان ذلك عبادة في ظنهم).\nقال: (والمكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير، وتصدية: التصفيق).\n٢ - قال ابن عمر: (المكاء: الصَّفير، والتصدية: التصفيق) - ذكره ابن جرير.\n٣ - قال مجاهد: (المكاء: إدخال أصابعهم في أفواههم، والتصدية: التصفيق، يخلطون بذلك على محمد - ﷺ - صلاتَه).\n٤ - قال قتادة: (المُكاء: ضرب الأيدي، والتَّصدية: صياح).\n٥ - قال السُّدي: (المُكاء: الصفير، على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكَّاء).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ٣٤٠)، ومستدرك الحاكم (٢/ ٣٢٨)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٠٠٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٥١٩٧) - باب فضل من بدأ بالسلام -. انظر صحيح سنن أبي داود (٤٣٢٨).\n(٣) حديث صحيح في الشواهد. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٣٢٥)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٣١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم (١٧٣٣).","vol":"3","page":365},{"text":"وذكر القرطبي قول السدي وقتادة ثم قال: (وعلى التفسيرين ففيه ردٌّ على الجهال من الصوفية الذين يَرقصون وَيُصَفِّقُون ويصعقون.\nوذلك كله منكر يتنزّه عن مثله العقلاء، ويتشبّه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت).\n٦ - وعن سعيد بن جبير: (﴿وَتَصْدِيَةً﴾ قال: صدّهم الناس عن سبيل الله ﷿).\nقلت: وفي لغة العرب المكو: أن يجمع الرجل يديه ثم يدخلهما في فيه ثم يصيح.\nقال الرازي: (والمُكاءُ مُخَفَّفُ الصفير، وقد مكا صفر). ويقال: مكا يمكو مَكوًا ومكاءً، ومَكَتْ است الدابة مكاء إذا نفخت بالريح.\nوأما التصدية فهي التصفيق.\nقال بعض أهل اللغة: الصَّدى: الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها.\nقال شيخ الإسلام: (ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي. . . وهو سماع المشركين. . قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال ابن عباس وابن عمر وغيرهما: التصدية: التصفيق باليد، والمكاء: التصفير. . . فكان المشركون يتخذون هذا عبادة، وأما النبي - ﷺ - وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، ولم يجتمع النبي - ﷺ - وأصحابه على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف).\nثم قال عن مستمع الغناء: (وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن وتقوى عند مزامير الشيطان فيرقص ليلًا طويلًا. فإذا جاءت الصلاة صلى قاعدًا أو ينقر الصلاة نقر الديك. . . وهو يبغض سماع القرآن وينفر منه ويتكلفه. . . ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده، ويحب سماع المكاء والتصدية ويجد عنده مواجيد. . . فهذه أحوال شيطانية وهو من يتناوله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾) انتهى (١).\nوقال ابن القيم في كتابه - \"إغاثة اللهفان\" -: (ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد\n_________\n(١) ومن شاء المزيد فليراجع كتاب: \"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان\"، وكتابي: منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن. ص (٤٨ - ٧٤).","vol":"3","page":366},{"text":"بها من قلّ نصيبه من العقل والعلم والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة الذي يصد القلوب عن القرآن ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. . . فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحَسَّنَهُ لها مكرًا وغرورًا، وأوحى إليها الشُبه الباطلة على حسنِه فقبلت وحيه واتخذت من أجله القرآن مهجورًا، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم أرأيت تكسر المخانيث والنسوان، ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس، فلغير الله بل للشيطان قلوب هناك تمزق، وأموال في غير طاعة الله تُنْفَق. . قضوا حياتهم لذة وطربًا، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا. . . مزامير الشيطان أحبُّ إليهم من استماع سور القرآن. لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، حتى إذا تُلي عليه قُرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد عن قلبه على عينيه فَجَرَتْ، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت. . .\nفيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان، صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد. . . ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله. .) انتهى.\nأخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري - كما رجح الحافظ في الفتح - قول النبي - ﷺ -: [ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ - يعني الزنا - والحرير والخمر والمعازف] (١).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو، أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٩٠) - كتاب الأشربة - باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه. وانظر كتابي: منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن ص ٥٧ - ٦٨.","vol":"3","page":367},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: [إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبا والغبيراء، وزادني صلاة الوتر] (١).\nوالكوبا: هي الطبل كما فسّرها العلماء.\nقال سفيان: (قلت لعلي بن بذيمة ما الكوبة؟ قال: الطبل).\nوالمزر: شراب مسكر أصله من الذرة. والغبيراء: شراب مسكر من القمح والشعير كانوا يشربونه في اليمن وغيرها، وجاءت النصوص بتحريمه.\nوقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. قال الضحاك: (هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي) - واختاره ابن جرير.\nوقال مجاهد: (عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة).\n٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى أنَّ الكفار يبذلون الأموال لِلمَكْرِ بدين الله وصد الناس عنه، وأن هذه الأموال ستكون عليهم حسرة وندامة في الدنيا ثم يوم يحشرون، ثم إنهم في النار يُطرحون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٥)، (٢/ ١٦٧). ورواه الطبراني - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٧٤٣).","vol":"3","page":368},{"text":"إنما حقيقة الابتلاء التمحيص وتمييز الخبيث من الطيب، لِيُراكِمَ اللهُ الخبيثَ على بعضه فيكدِّسَهُ في نار جهنم.\nقل يا محمد للكفار المكرة بدين الله إن ينتهوا عما هم عليه من الكفر والمكر فإن فرصة التوبة والإنابة إلى الله قائمة، وإلا فقد مضت سنة الله في إهلاك المستكبرين.\nقاتلوا - معشر المؤمنين - الكفرة المعاندين لاستئصال فتنتهم من الأرض وليكون الدين كله لله، فإن انتهوا عن الكفر والمعاصي ظاهرًا فإن الله بصير ببواطنهم.\nوإن أعرضوا عن الحق وأصروا على إشاعة الفتنة والمنكر فاستعينوا بالله عليهم فإنه - تعالى - ناصركم ومؤيدكم وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.\nلقد احْتجز طغاة مكة العير التي نجا بها أبو سفيان والتي كانت سببًا لمعركة بدر، لينفقوها على قتال المسلمين بأحد.\nيروي ابن إسحاق بسند حسن من حديث عاصم بن عمر بن قتادة أنهم قالوا: (يا معشر قريش، إن محمدًا قد وترَكم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا) (١).\nفلقد كانت قريش تحترق غيظًا كلما ذكرت مأساة بدر، وتشتاط غضبًا عند ذكرها لأبطالها الذين فقدتهم وصرعتهم أسياف المسلمين، فكانت تخطط للثأر والانتقام في حرب شاملة، يحرضها على ذلك عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن ربيعة وغيرهم، وكان من أمرهم أن احتجزوا تلك العير للثأر لقتلاهم في قتال أحد.\nفأجابت قريش لذلك فباعوها، وكانت ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، فأشار القرآن النازل من سورة الأنفال إلى ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ١)، والواقدي: المغازي (١/ ٢٠٠)، وكتابي السيرة النبوية (٢/ ٦٥٥).","vol":"3","page":369},{"text":"قال سعيد بن جبير: (نزلت في أبي سفيان بن حرب. استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة، فقاتل بهم النبي - ﷺ -).\nومع ذلك فالآية عامة تحكي سلوك الطغاة في كل زمان ومكان، في جمعهم لحرب الحق والإسلام، لتكون تلك الأموال عليهم حسرة وندامة وخزيًا في الدنيا والآخرة، فإن نور الله لا يمكن إطفاؤه، والله غالب على أمره ولو كره الكافرون.\nوقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.\nيشمل التمييز في الدنيا والآخرة.\nأولًا - في دار الدنيا:\nقال ابن عباس: (﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فمَيَّزَ أهل السعادة من أهل الشقاوة).\nوفي التنزيل من ذلك المعنى كثير:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦، ١٦٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦].\n٤ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].\nفيكونُ قوله في آية الأنفال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ من نحو ذلك. فهو كما قال الحافظ ابن كثير: (ويحتملُ أن يكون هذا التمييزُ في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللام معللة لما جعل الله للكفار من مال ينفقونَه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقدرناهم على ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، أي: من يُطِيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك).","vol":"3","page":370},{"text":"ثانيًا - في الدار الآخرة:\nقال السدي: (ثم ذكر المشركين وما يصنع بهم يوم القيامة، فقال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، يقول: يميز المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩].\nوقوله: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾: فيجمعه جميعًا بعضهم على بعض).\nأي: يُراكم بعضهم فوق بعض في نار جهنم، وأولئك هم الخاسرون صفقة الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.\nقال ابن العربي: (هذه لطيفة من الله سبحانه منّ بها على الخلق، وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي والمآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدًا توبة، ولا نالتهم مغفرة. فيسّر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة، وبذل المغفرة بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم، ليكون ذلك أقربَ لدخولهم في الدين، وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا) - حكاه القرطبي.\nوالمقصود أن الله ﵎ يعطي الفرصة للعبد ليتوب ويستعتب من إساءته، ومن ذلك تشجيع الكفار على استئناف طاعة الله وتعظيمه وحده لا شريك له، وترك ما كانوا عليه من الكفر والخطايا والمكر بدينه والمؤمنين.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:","vol":"3","page":371},{"text":"الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عمرو بن العاص - وهو في سِيَاقة الموت يبكي طويلًا وحوَّل وَجْهَهُ إلى الجدار، فجعل ابنُهُ يقول: يا أبتاه! أما بَشَّرَكَ رسول الله - ﷺ - بكذا؟ أما بَشَّرك رسول الله - ﷺ - بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه - وقال: [إن أفْضَلَ ما نُعِدُّ شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إني قد كُنْتُ على أطباق ثلاثٍ، لقد رأيتني وما أحدٌ أشدٌ بُغضًا لرسول الله - ﷺ - مِنِّي، ولا أَحَبَّ إِليَّ أن أكونَ قد استمكنتُ منه فَقتَلْتُهُ منه، فَلَوْ مُتُّ على تِلك الحال لكنتُ من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيتُ النبي - ﷺ - فقلت: ابْسُطْ يمينك فَلأُبَايِعْكَ فبسط يمينه، قال: فَقَبضْتُ يدي، قال: مالك يا عَمْرو؟ قال: قلت: أرَدْتُ أَن أَشْتَرِطَ، قال: تَشْترِطُ بماذا؟ قلتُ: أن يُغْفَرَ لي، قال: أما عَلِمْتَ يا عَمْرو! أن الإسلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وأن الهجرة تَهْدِمُ ما كان قَبْلَها؟ وأن الحجَّ يَهْدِمُ ما كان قَبْلَهُ؟ وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله - ﷺ - ولا أجلَّ في عَيْني منه، وما كنت أطيقُ أن أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئِلْتُ أن أصِفَهُ ما أطَقْتُ، لأني لم أكنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه، ولو مُتُّ على تلك الحال لرجَوْتُ أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْني نائِحَةٌ ولا نارٌ، فإذا دفنتموني فَسُنُّوا عَلَيَّ الترابَ سَنًّا، ثم أقيموا حول قبري قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُها حتى أسْتأنِسَ بكم، وأَنْظُرَ ماذا أراجعُ بهِ رُسُلَ ربي] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ قال: [قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحْسَنَ في الإسلام لم يُؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأول والآخر] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند رجاله ثقات من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا: [إن الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٢١) - كتاب الإيمان - باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٢١) - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم -، وأخرجه مسلم (١٢٠)، وأخرجه ابن ماجه (٤٢٤٢)، وأحمد (١/ ٤٠٩ - ٤٢٩)، وابن حبان (٣٩٦).\n(٣) أخرجه الطبراني (١٨/ ٥ - ٦) من حديث عمرو بن العاص مطولًا، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٣٥١): (رواه أحمد والطبراني. . . ورجالهما ثقات). وانظر مسند أحمد (٤/ ٢٠٥) نحوه.","vol":"3","page":372},{"text":"الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد - واللفظ لمسلم - أن نبيّ الله - ﷺ - قال: [كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتَلَ تِسْعَةً وتِسعين نَفْسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ علِى راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تِسْعَةً وتسعين نَفْسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فَقَتَلهُ، فكمَّلَ به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نَفْسٍ، فَهل له من تَوْبة؟ فقال: نعم، وَمَنْ يحول بينَهُ وبينَ التوبة؟ . .] (١) الحديث.\nقال القرطبي - يشير إلى الحديث السابق -: (فانظروا إلى قول العابد: لا توبة لك، فلما علم أنه قد أَيْأَسَهُ قَتله، فِعْلَ الآيس من الرحمة. فالتنفير مفسدة للخليقة، والتيسير مصلحة لهم. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأله: هل لقاتل من توبة؟ فيقول: لا توبة، تخويفًا وتحذيرًا. فإذا جاءه مَن قتل فسأله: هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبة، تيسيرًا وتأليفًا).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nقال مجاهد: (في قريش وغيرها من الأمم قبل ذلك).\nوالآية تجمع بين الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم الماضية لما طغت فدكّها الله بالعذاب.\nقال النسفي: (﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالإهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى).\nوالخلاصة في المعنى: أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما سلف من الكفر والمعاصي، فإن عادوا إلى الكفر ثانية وإلى الإجرام والمكر فإن لهم بسالف الأمم التي دمّر الله عبرة وذكرى للذاكرين.\nوقد احتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة.\nوقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، يعني: حتى لا يكون شرك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦) - كتاب التوبة -، باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله. ورواه أحمد (٣/ ٢٠)، وابن ماجه (٢٦٢٢)، وابن حبان (٦١١) و(٦١٥).","vol":"3","page":373},{"text":"وقال الحسن: (الفتنة: الشرك).\nوقال قتادة: (﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، حتى يقال: \"لا إله إلا الله\"، عليها قاتل نبي الله - ﷺ -، وإليها دَعا).\nوقال ابن جريج: (﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أي: لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شرك، ويُخلع ما دونه من الأنداد).\nوقال ابن زيد: (﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال: حتى لا يكون كفر، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، لا يكون مع دينكم كفر).\nقلت: والآية في وجوب إقامة الدين في الأرض ومحاصرة الشرك والفساد، لِيُعْبَدَ الله وحده لا شريك له، ويكون منهاجه تعالى هو الأعلى، ومناهج الفساد والضلال هي السفلى.\nقال شيخ الإسلام: (فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله).\nأخرج البخاري في صحيحه عن نافع، عن ابن عمرَ ﵄: [أن رجلًا جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه؟ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] إلى آخر الآية، فما يَمْنَعُكَ أنْ لا تُقاتِلَ كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي، أُعَيَّرُ بهذه الآية ولا أُقاتِلُ، أَحَبَّ إليَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بهذه الآية التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخرها، قال: فإن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال ابن عمر: قد فَعَلْنا على عهد رسول الله - ﷺ - إذْ كان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يُفْتَنُ في دينه: إمّا يَقْتُلوهُ وإما يوثِقوه، حتى كَثُرَ الإسلام فلم تكن فِتْنَةٌ، فلما رأى أنه لا يوافِقُه فيما يريد قال: فما قَوْلُكَ في عَليٍّ وعثمان؟ . قال ابن عمر: ما قَولي في عليٍّ وعثمان؟ أما عُثْمانُ فكان الله قد عفا عنه فَكَرِهْتُم أن تَعْفُوا عَنْه، وأما عليٌّ فابنُ عَمّ رسول الله - ﷺ - وخَتَنُهُ - وأشار بيده - وهذه ابنتُهُ، أو بِنْتُهُ حيث تَرَوْنَ] (١).\nوكذلك أخرج البخاري - عند تفسير هذه الآية - عن سعيد بن جبير قال: [خرجَ علينا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٦٥٠) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، آية (٣٩).","vol":"3","page":374},{"text":"أو إلينا ابنُ عمرَ فقال رجل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان مُحمَّدٌ - ﷺ - يُقاتِلُ المشركين، وكان الدخول عليهم فِتْنَةً، وليس كقِتالِكُمْ على المُلْكِ] (١).\nوقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nقال القاسمي ﵀: (﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي عن الكفر والمعاصي ظاهرًا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي ببواطنهم ﴿بَصِيرٌ﴾ أي فيجازيهم، وعليه حسابهم. فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا ببواطنهم).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].\nومن السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن أسامة بن زيد ﵄ قال: [بَعَثنا رسول الله - ﷺ - إلى الحُرقَةِ فَصَبَّحْنا القومَ فهَزَمْناهُم ولحِقْتُ أنا ورجُلٌ من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فَكَفَّ الأنصاريُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحي حتى قَتَلْتُهُ، فلما قَدِمْنا بَلَغَ النبي - ﷺ -، فقال: يا أسامة، أَقَتَلْتَهُ بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذًا، فما زال يكرِّرها حتى تمنَّيْتُ أني لم أكُنْ أسلمتُ قبل ذلك اليوم] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: [لما تُوفي رسول الله - ﷺ -، وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفَرَ من العرب، فقال عمر: فكيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرْتُ أن أقاتِلَ الناس حتى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٤٦٥١) - كتاب التفسير - الآية السابقة، وانظر كذلك الحديث (٣١٣٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٢٦٩) - كتاب المغازي -، وأخرجه أيضًا برقم (٦٨٧٢) - كتاب الديات -.","vol":"3","page":375},{"text":"يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني مالَهُ ونفسَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله] (١) الحديث.\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن المقداد بن الأسود أنه قال: [يا رسول الله أرأيتَ إنْ لقيتُ رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله - ﷺ -: لا تقتله، قال: فقلت: يا رسول الله إنه قد قطعَ يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ قال رسول الله - ﷺ -: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.\nأي: إن أعرضوا عن الحق والإيمان ولم ينتهوا فاعلموا أن الله ناصركم ومعينكم، فلا يضيع من تولاه، ولا يغلب من نصره، فاستمسكوا بعونه وثقوا بولايته ونصرته، إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير.\n٤١. قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾.\nفي هذه الآية: تَفْصيلٌ من الله تعالى لشرع تقسيم المغانم، وتشريع الخمس، وَبَيَانٌ لمصارف هذا الخمس، وأن إخراجه هو من أمر الصدق في الإيمان بالله واليوم الآخر وما أنزل الله تعالى على رسوله - ﷺ - يوم بدر، يوم الفرقان، يوم فَرَّق الله بين الحق والباطل والله على كل شيء قدير.\nلقد أخرج النبي - ﷺ - يوم بدر الخمس من الغنيمة، ثم قسم أربعة الأخماس بين المقاتلين، ونزلت الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، تبين كيفية تقسيم الغنائم بعد القتال.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (١٣٩٩) - كتاب الزكاة -، باب وجوب الزكاة، وكذلك (١٤٥٧)، (٧٢٨٤)، ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ٦٦ - ٦٩) - كتاب الإيمان -. انظر مختصر صحيح مسلم (٦).","vol":"3","page":376},{"text":"قال ابن جريج: (أربعة أخماس لمن حضر البأس، والخمس الباقي لله وللرسول، خمسه يضعه حيث يرى، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، ولابن السبيل خمسه).\nوقال مجاهد: (كان آل محمد - ﷺ - لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس).\nوالغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، والفيءُ: ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها أو يَتَوَفّون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، وهو الراجح في الفرق بين الغنيمة والفيء، وهو مذهب الشافعي وطائفة من أهل العلم سلفًا وخلفًا.\nأخرج البيهقي في \"السنن\" بسند صحيح عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بَلْقَيْنِ قال: [أتيتُ رسول الله - ﷺ - وهو بوادي القُرَى، وهو يعرض فرسًا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: لله خمسها، وأربعة أخماس للجيش. قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جَنْبِكَ، ليس أنت أحق به، من أخيك المسلم] (١).\nقال عطاء: (خمسُ اللهِ والرسول واحدٌ، يَحْمِلُ منه ويَصْنَعُ فيه ما شاء. يعني النبي - ﷺ -).\nقال ابن كثير: (وهذا أعمُّ وأشمل، وهو أن الرسول - ﷺ - يتصرَّف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويَرُدُّهُ في أمته كيف شاء).\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن عبسة: [أنَّ رسول الله - ﷺ - صَلّى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سَلَّم أخذ وَبرة من هذا البعير ثم قال: ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا الخمسَ، والخمسُ مردود فيكم] (٢).\nوأما السلب فلا يخمس، وإنما يعطى للقاتل، هكذا قضى رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحافظ البيهقي في \"السنن\" (٦/ ٣٢٤ - ٣٣٦)، وأبو يعلى (٧١٧٩). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٤٨ - ٤٩): رواه أبو يعلى، وإسناده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٢٧٥٥) من حديث عمرو بن عبسة مرفوعًا، وإسناده صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٣٩٣).","vol":"3","page":377},{"text":"ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود - واللفظ له - عن عوف بن مالك الأشجعي، وخالد بن الوليد: [أن رسول الله - ﷺ -: قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب] (١).\nواختلف في الذي كان يناله - ﷺ - من الخُمس لمن يعطى من بعده؟\nالقول الأول: يكون لمن يلي الأمر من بعده. وهو قول أبي بكر، وعلي، وقتادة، وجماعة.\nالقول الثاني: يصرف في مصالح المسلمين. ذكره بعض السلف.\nالقول الثالث: يردّ على بقية الأصناف: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، واختاره ابن جرير.\nقلت: والراجح أنه يبقى تحت تصرف الخليفة من بعده أو الحاكم المسلم، والله تعالى أعلم.\nوأما اليتامى: فهم يتامى المسلمين. والمساكين: هم المحاويج لا يجدون ما يكفيهم. وابن السبيل: هو المسافر انقطع بأرض السفر فليس له هناك ما ينفقه في سفره.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾. قال مقاتل: (أي في القسمة).\nأي: أخرجوا الخمس كما شرع الله لكم في الغنائم، إن كنتم صادقين في إيمانكم بالله واليوم الآخر وما أنزل الله على رسوله - ﷺ -.\nأخرج البخاري عن ابن عباس قال: [قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْس على رسول الله - ﷺ - فقالوا: إنا مِنْ هذا الحيِّ من ربيعة، ولسْنا نَصِلُ إليك إلا في الشهر الحرام، فمُرْنا بشيء نأخذُه عنك وندعو إليه مَنْ وَراءنا، فقال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله - ثم فَسَّرَهَا لهم - شهادةُ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وإقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تُؤدوا إليَّ خُمُسَ ما غنِمْتُم، وأنهى عن الدُّبَّاء والحَنْتم والمقَيَّر والنَّقير] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم (١٧٥٣) - كتاب الجهاد -، وصحيح سنن أبي داود - حديث رقم (٢٣٦٣) - باب في السلب لا يخمس.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٣) - كتاب مواقيت الصلاة -، وكذلك (١٣٩٨)، و(٣٠٩٥)، وأخرجه مسلم (١٧)، وأبو داود (٣٦٩٢)، والترمذي (٢٦١١)، وأحمد (١/ ٢٢٨)، والنسائي (٨/ ١٢٠)، وابن حبان (١٥٧)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"3","page":378},{"text":"فجعل سبحانه أداء الخمس من الإيمان، كما جاء كذلك في حديث النبي - ﷺ - لوفد عبد القيس، وقد صنفه البخاري في الصحيح: \"باب أداء الخمس من الإيمان\".\nوقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل).\nوقال عروة بن الزبير: (﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله - ﷺ -، وكان رأسُ المشركين عتبةَ بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرةَ - أو: سبع عشرة - مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله - ﷺ - يومئذ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون ما بين الألف والتسع مئة. فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك).\nوعن علي ﵁ قال: (كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان، في صبيحتها ليلةُ الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان) - رواه ابن مردويه ورجحه ابن كثير وقال: (وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير).\nقلت: والذي ذهب إليه ابن كثير هو الصواب إن شاء الله، فلقد كانت موقعة بدر في السابع عشر من رمضان ووافقت يوم الجمعة، وكانت في السنة الثانية من الهجرة.\nفقد أخرج أبو داود مِنْ حديث ابن مسعود ﵁ قال: [التمسوها - يعني ليلة القدر - في سبع عشرة، وتلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يوم بدر، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين] (١).\nوفي لفظ: [تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر] (٢).\nويبدو أن الموقعة كانت في السابع عشر، وانتهاء الغزوة في التاسع عشر، إذ كان رسول الله - ﷺ - يقيم بعرصة القوم الذين هزمهم ثلاث ليال، وبذلك جمع بعض أهل العلم بين الأحاديث المختلفة في ظاهرها والله تعالى أعلم.\n٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر سنن أبي داود (١٣٨٤) في الصلاة، وتفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٥٦٦).\n(٢) المرجع السابق. وانظر صحيح السيرة - إبراهيم العلي - ص (١٥٨).","vol":"3","page":379},{"text":"وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الله تعالى المؤمنين ممتنًا عليهم ببعض روائع القدر الذي قضاه لهم يوم بدر: إنكم نزلتم بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة وعدوكم من المشركين نازل بشفير الوادي الأقصى إلى مكة وعير أبي سفيان في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ما لقيتموهم، ولكن الله قدّر هذا النزول وما يعقبه من لقاء الحسم الذي يعلي به راية الحق ويكسر أهل الكفر والباطل.\nولقد كان للرؤيا التي أراها الله نبيّه قبل المعركة أثرها في تثبيته - ﷺ - والمؤمنين معه، إنه - تعالى - عليم بذات الصدور.\nثم كان الأثر الأكبر أثناء القتال حين قلّل الله عدد المشركين في أعين المؤمنين ليزدادوا ضراوة وشجاعة، وقلّل عدد المؤمنين في أعين المشركين ليتركوا الأهبة ويستخفوا بالقتال، فيهون على المؤمنين استئصالهم، إنه تعالى هو الحكيم العليم، وإليه مرجع الأمور وجميع العالمين.\nفقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾، حينئذ، ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾، يقول: بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾، يقول: وعدوكم من المشركين نزولٌ بشفير الوادي الأقصى إلى مكة، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، يقول: والعير فيه أبو سفيان وأصحابه في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر).\nوعن قتادة: (﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾، وهما شفير الوادي.\nكان نبيّ الله بأعلى الوادي، والمشركون أسفله، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، يعني: أبا سفيان، انحدر بالعير على حوزته، حتى قدم بها مكة).","vol":"3","page":380},{"text":"وقوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾.\nقال ابن إسحاق: (ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، عن غير مَلأٍ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه).\nوعن عمير بن إسحاق قال: (أقبل أبو سفيان في الركب من الشأم، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقت السُّقاة. قال: ونَهَدَ الناس بعضهم لبعض) - ذكره ابن جرير بإسناده -.\nوكان أبو سفيان قد بعث ضمضم بن عمرو الغفاري يستنفر أهل مكة لحماية أموالهم إذ شعر بمحاولة المسلمين الاستيلاء على القافلة، والاعتراض لطريقها.\nوبينما هو كذلك إذ لقي مجدي بن عمرو في الطريق.\nقال ابن إسحاق في السيرة: (وأقبل أبو سفيان بن حرب، حتى تقدم العير حذرًا، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدًا، فقال: ما رأيت أحدًا أُنْكِره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مُنَاخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، فَفَتَّهُ، فإذا فيه النّوى، فقال: هذه والله علائف يَثرب، فرجع إلى أصحابه سريعًا، فضرب وَجه عيره عن الطريق، فسَاحَلَ بها (١)، وترك بدرًا بيسار، وانطلق حتى أسرع) (٢).\nفمضى أبو سفيان يشتد بالعير وهو يضرب وجهها عن الطريق شاردًا نحو الساحل، تاركًا بدرًا إلى يساره فنجا، وأرسل إلى قريش يقول: (إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجِعُ حتى نَرِدَ بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، فننحرَ الجُزُرَ، ونُطعم الطعام، ونُسْقي الخمر، وتَعْزِفُ علينا القيان - أي الجواري -، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجَمْعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها، فامضُوا).\n_________\n(١) أي أخذ بها جهة الساحل.\n(٢) انظر \"الدلائل\" للبيهقي (٣/ ٣١ - ٣٣) من طريق ابن إسحاق، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٥٣٨).","vol":"3","page":381},{"text":"وهكذا ركب الأحمق أبو جهل حماقته، وأصر على الخروج إلى حيث مصرعه، ليجمع الله بينه وبين المسلمين على غير ميعاد.\nففي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ قال: [فندب رسول الله - ﷺ - الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسودُ لبني الحَجَّاج، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم، أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه، فقال: مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في أناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله - ﷺ - قائم يصلي. .] الحديث (١).\nوفي رواية ابن إسحاق: (فأصابوا راوية لقريش فيها أسْلَم، غلامُ بني الحجّاج، وعَريضٌ أبو يسار، غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله - ﷺ - قائم يصلي، فقالا: نحن سُقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما، ورجَوْا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما - أي بَالَغُوا في ضربهما - قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وركع رسول الله - ﷺ - وسجد سَجْدَتَيْه، ثم سَلَّم، وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كَذباكم تَرَكْتُموهُما، صَدَقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قُريش؟ قال: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعُدْوة القُصْوى. فقال لهما رسول الله - ﷺ -: كم القوم؟ قالا: كثير، قال: ما عِدَّتُهم؟ قالا: لا نَدْرِي، قال: كم يَنْحَرون كلَّ يوم؟ قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا، فقال رسول الله - ﷺ -: القومُ فيما بين التسع مئة والألف. ثم قال لهما: فمَنْ فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عُتْبةُ بن ربيعة، وشَيْبَةُ بن ربيعة، وأبو البخْتَرِيّ بن هشام، وحكيم بن حزام، ونَوْفل بن خُوَيلد، والحارث بن عامر بن نَوْفَل، وطُعَيمةُ بن عدي بن نوفل، والنَّضْر بن الحارث، وزَمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميّة بن خلف، ونُبيه، ومنبه ابنا الحجّاج، وسُهيل بن عمرو، وعَمْرو بن عبد وُدّ، فأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس، فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذَ أكبادها) (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٧٩) - كتاب الجهاد والسير - وانظو كتابي: السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٥٤٢ - ٥٤٥) - لمزيد من تفصيل البحث.\n(٢) رواه ابن إسحاق في السيرة، وانظر مسند أحمد (٢/ ١٩٣)، وصححه أحمد شاكر برقم (٩٤٨).","vol":"3","page":382},{"text":"وفي لفظ مسلم من حديث أنس: [فقال رسول الله - ﷺ -: هذا مصرع فلان. قال: ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا، قال: فما ماط أحدُهم عن موضع يدِ رسول الله - ﷺ -] (١).\nوقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن إسحاق: (أي ليكفر من كفر بعد الحُجَّة، لما رأى من الآية والعِبْرة، ويُؤْمِنُ مَنْ آمن على مِثْل ذلك).\nقال الحافظ ابن كثير: (يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد، لينصُرَكم عليهم، ويرفَع كلمةَ الحق على الباطل، ليصير الأمرُ ظاهرًا، والحجةُ قاطعةً، والبراهينُ ساطعةً، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي: يستمر في الكفر من استمرَّ فيه على بصيرة من أمره أنه مُبْطلٌ، لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾، أي: يؤمن من آمن، ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، أي: حجة وبصيرة. والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢].\nوقالت عائشة في قصة الإفك: فَهَلَكَ فِيَّ من هَلَكَ أي: قال فيها ما قال من الكذب والبهتان والإفك.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾، أي: لدعائكم وتضرّعكم واستغاثتكم به، ﴿عَلِيمٌ﴾، أي: بكم، فإنكم تَسْتَحِقّون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين).\nوقوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾، قال: أراه الله إياهم في منامه قليلًا، فأخبر النبي - ﷺ - أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم).\nوقال ابن إسحاق: (فكان أول ما أراه من ذلك نعمةً من نعمه عليهم، شجَّعهم بها على عدوهم، وكفَّ بها عنهم ما تُخُوِّف عليهم من ضعفهم، لعلمه بما فيهم).\nفأرى الله تعالى نبيّه عدوه وعدو أصحابه في منامه قليلًا، فأخبر أصحابه فقويت\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٧٩) - كتاب الجهاد والسير - وهو جزء من حديث أطول.","vol":"3","page":383},{"text":"عزائمهم، ولو أراه إياهم كثيرًا فأخبر أصحابه بذلك لَجَبُنوا وفَشِلوا عن لقائهم، ولكن الله شجعهم برحمته وتأييده.\nقال ابن عباس: (﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾، يقول: سلَّمَ الله لهم أمرهم حتى أَظْهَرَهُم على عدوهم).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: بما تجنّه وتخبئه وتنطوي عليه، فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\nقال ابن مسعود: (لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة! قال: فأسرنا رجلًا منهم فقلنا: كم هم؟ قال: ألفًا).\nوقال ابن جرير: (﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾: يقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم).\nوقال القرطبي: (كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم: إنما هم أكلة جَزُور (١)، خذوهم أخذًا واربطوهم بالحبال، فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا، كما قال: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣]. قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ تكرار هذا، لأن المعنى في الأوّل من اللقاء، وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين، وهو إتمام النعمة على المسلمين. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: مصيرها ومردّها إليه).\n٤٥ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا\n_________\n(١) أي يشبعهم لحم ناقة فهم قليل.","vol":"3","page":384},{"text":"تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يحثّ الله تعالى المؤمنين على الثبات عند لقاء العدو والاستعانة بذكره عند النزال، كما يأمر تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويحذرهم من مغبة الشقاق والخلاف، ويأمرهم بالصبر وعدم التأثر بمنهاج المبطلين. لقد زيّن الشيطان للمشركين يوم بدر خروجهم في معاداة الرسول والمؤمنين، ووسوس لهم أنه لا غالب لكم اليوم، وأنه مجير ومعين لهم، فلما حمي الوطيس ظهر الشيطان على حقيقته فتقهقر أمام شدة بأس المؤمنين، ونزول الملائكة مسومين، وأعلن انسحابه وبراءته من العهد والجوار، وخوفه من بأس الله وجنده وشدة عقابه. إنه لما دنا القوم بعضهم من بعض، وقَلَّلَ الله المسلمين في أعين المشركين، قال المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فثبت الله المؤمنين ودعاهم إلى صدق التوكل عليه إنه عزيز حكيم.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾.\nأمر الله تعالى بالثبات عند قتال الكفار، كما نهى عن الفرار عنهم في الآية السابقة.\nقال القرطبي: (فالتقى الأمر والنهي على سواء، وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلّد له).\nوفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن أبي أوفى: [أن رسول الله - ﷺ -، كان في بعض أيامه التي لقِيَ فيها العَدوَّ، ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: \"يا أيها الناس! لا تتمنّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قام النبي - ﷺ - وقال: اللهمَّ! مُنْزِلَ الكتاب، ومُجْري السَّحاب، وهازِمَ الأحزاب، اهزِمْهُم وانْصُرنا عليهم] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (٥٦ - كتاب الجهاد)، ١١٢ - باب كان النبي - ﷺ - إذا لم يقاتل أول النهار أخّر القتال حتى تزول الشمس، وأخرجه مسلم (١٧٤٢) - كتاب الجهاد - باب كراهة تمني لقاء العدوّ، والأمر بالصبر عند اللقاء.","vol":"3","page":385},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: [لا تَمَنَّوا لِقاءَ العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا] (١).\nوقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ - أمر بالذكر وترغيب في الدعاء عند اللقاء فإن في ذلك الفلاح.\nقال قتادة: (افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضِّراب بالسيوف).\nوقال ابن إسحاق: (اذكروا الله الذي بذلتم له أنفسكم والوفاء بما أعطيتموه من بيعتكم).\nوقال ابن جرير: (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، يقول: كيما تنجحوا فتظفروا بعدوكم، ويرزقكم الله النصر والظفر عليهم).\nوفي صحيح مسلم عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: [دعا رسول الله - ﷺ - على الأحزاب فقال: اللهمَّ! مُنزِلَ الكتاب، سريع الحساب، اهزِمِ الأحزابَ، اللهمَّ! اهزِمْهم وزلزِلْهُمْ] (٢).\nوكذلك في صحيح مسلم عن أنس: [أن رسول الله - ﷺ - كان يقول يوم أُحد: اللهمَّ! إنَّكَ إنْ تَشَأْ، لا تُعْبَدْ في الأرض] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\nأَمْرٌ بطاعة الله ورسوله والحرص على الجماعة ووحدة الكلمة، فإن التفرق ضعف وهوان، وسبيل لتسلل الشيطان، ثم الصبر على كل ذلك، فإن الله مع الصابرين، يؤيدهم وينصرهم ويجعل بعد العسر يسرًا.\nقال القاسمي: (﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ أي باختلاف الآراء، أو فيما أُمرتم به ﴿فَتَفْشَلُوا﴾، أي تجبنوا، إذ لا يتقوى بعضكم ببعض).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٧٤١) - كتاب الجهاد - الباب السابق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٧٤٢) (٢١) - كتاب الجهاد - باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٧٤٣) - كتاب الجهاد - الباب السابق.","vol":"3","page":386},{"text":"وقال مجاهد: (﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال: نصركم. قال: وذهبت ريحُ أصحاب محمد - ﷺ -، حين نازعوه يوم أحد).\nوقال السدي: (﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال: حَدُّكم وجِدُّكم).\nوعن قتادة: (﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قال: ريح الحرب).\nوقال ابن زيد: (الفشل، الضعف عن جهاد عدوه والانكسار لهم، فذلك \"الفشل\").\nوالخلاصة: إن التنازع تمزيق للجماعة، خرق للمحبة، سبيل إلى الهزيمة والضعف والهوان.\nوفي التنزيل - قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\nقال ابن مسعود: (حبل الله، الجماعة).\nوقال قتادة: (إن الله ﷿ قد كره لكم الفُرقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألف والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله).\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويدُ الله على الجماعة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [آمركم بثلاث وأنهاكم عن ثلاث، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وتسمعوا وتطيعوا لمن وَلّاهُ الله أمركم، وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي والطبراني والحاكم من حديث ابن عمر. انظر تخريج المشكاة (١٧٣)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٨٤٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (١٥٤٣)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وانظر مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٢٧)، (٢/ ٣٦٠)، (٢/ ٣٦٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٨٥).","vol":"3","page":387},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن الحارث الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [آمركم بخمس: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، وإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يُراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى (١) جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم] (٢).\nوختم الآية سبحانه بالحث على الصبر على شدائد الحرب، وعلى مخالفة الأهواء والحرص على وحدة المسلمين وشوكتهم، فالصبر مستلزم للنصر ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: يؤيدهم بنصره ويعينهم بمدده وعونه وتوفيقه.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٢٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥].\nأخرج الخطيب في \"التاريخ\" والديلمي والحاكم - بإسناد صحيح - عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفرَجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْر يُسْرًا، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nقال قتادة: (هم قريش وأبو جهل وأصحابه، الذين خرجوا يوم بدر).\nوقال الضحاك: (هم المشركون، خرجوا إلى بدر أشرًا وبطرًا].\n_________\n(١) أي من حشو جهنم، ودعوى الجاهلية هي كل دعوة إلى منهج جاهلي يخالف منهج الله سبحانه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٠٢)، والترمذي في الجامع (٢٨٦٧)، (٢٨٦٨). وانظر مشكاة المصابيح (٣٦٩٤) (٣٤) - كتاب الإمارة والقضاء -.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢) من حديث أنس، وانظر مسند أحمد (١/ ٣٠٧)، والحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، والسلسلة الصحيحة (٢٣٨٢).","vol":"3","page":388},{"text":"وقال محمد بن كعب: (لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف).\nفقال أبو جهل: (والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، وننحر الجُزُر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا) - ذكره ابن هشام.\nوالمقصود: تحذير الله سبحانه المؤمنين من التشبه بالمشركين في خُروجهم من ديارهم، ﴿بَطَرًا﴾ أي: دفعًا للحق، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: مفاخرة وتكبرًا عليهم، وصدًا للناس عن الدخول في دين الله.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. أي: عالم بجميع ما كان من المشركين من البطر والرياء والكبر والصد عن سبيله، وهو سبحانه مجازيهم على ذلك ومعاقبهم.\nوقوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾.\nالمعنى: لقد زيَّن الشيطان للمشركين يوم بدر خروجهم في معاداة الرسول والمؤمنين، ووسوس لهم أنه لا غالب لكم اليوم، وأنه مجير ومعين لهم.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nأي: ظهر الشيطان على حقيقته عندما رأى صدق المؤمنين عند الالتحام، ومدد الله بجنده من السماء، فتقهقر وأعلن انسحابه وبراءته من العهد والجوار، وخوفه من بأس الله وجنده وشدة عقابه.\nقال القاسمي: (﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ أي تلاقتا، وتراءت كل واحدة صاحبتها، فرأى الملائكة نازلة من السماء لإمداد المؤمنين ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي ولّى هاربًا على قفاه ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ أي من عهد جواركم ﴿إِنِّي أَرَى﴾ أي من الملائكة النازلة لإمداد المؤمنين ﴿مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ أي: أن يعذبني قبل يوم القيامة ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي فلا يبعد مع إمهالي إلى القيامة، أن يعذبني لشدة عقابه).","vol":"3","page":389},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nقال ابن جريج: (لما دنا القوم بعضهم من بعض، فقَلّل الله المسلمين في أعين المشركين، وقَلَّلَ المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾).\nقال ابن جرير: (وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم، أن يفوِّضوا أمرهم إليه، ويسلموا لقضائه، كيما يكفيهم أعداءهم، ولا يستذلهم من ناوأهم، لأنه ﴿عَزِيزٌ﴾ غير مغلوب، فجاره غير مقهور، ﴿حَكِيمٌ﴾، يقول: هو فيما يدبر من أمر خلقه حكيم، لا يدخل تدبيره خلل).\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵁ قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم - ﷺ - حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل] (١).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: [اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنَبْتُ وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون] (٢).\n٥٠ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٧٢). وفي رواية له عن ابن عباس ﵄ قال: \"كان آخر قول إبراهيم - ﷺ - حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل\".\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٨٠) من حديث عبد الله بن عباس ﵄. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٦٦) - كتاب الدعاء -.","vol":"3","page":390},{"text":"قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى مخاطبًا نبيّه - ﷺ -: إنك يا محمد لو عاينت هول وفظاعة ما ينزل بالكفار، ساعة الفراق والمغادرة والاحتضار، لرأيت هولًا عجيبًا، وأمرًا فظيعًا، إذ الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم، وتمزق أعصابهم وشرايينهم، لتخرج أرواحهم من أعماق أجسادهم، ثم يبشرونهم بعذاب الحريق.\nوكل ذلك بما كسبت أيديهم، فالله تعالى ليس بظلام للعبيد.\nوهؤلاء المكذبون من قريش قد سلكوا مع نبيّهم محمد - ﷺ - ما سلكت الأمم من قبلهم مع رسلها، فدمرهم الله بذنوبهم إنه قوي شديد العقاب.\nفإنَّ من سنته سبحانه في عباده أن لا يغير نعمة أو يزيلها عن عباده حتى يغيروا ما بأنفسهم، فها هي قريش قد كذبت بمحمد - ﷺ -، فأخرجه من بين ظهرانيهم وأنعم به على الأنصار، وكذلك كل نعمة تدوم بالشكر وتزول بالكفر، والله سميع عليم.\nوهذا كصنع الله تعالى بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته، فأهلكهم بذنوبهم وسلبهم الجنات والعيون، والزروع والمقام الكريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم سبحانه بل كانوا هم الظالمين.\nإن شرّ ما دبّ على الأرض عند الله الذين كفروا وكذبوا بالحق وهم يعلمون. والذين ينقضون العهود في كل مرة ويخونون ولا يخافون.\nفإما ظفرت بهم في الحرب - يا محمد - فَنَكِّلْ بهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم على مدار الزمان، وهو أمر من باب أوْلى إلى الأئمة من بعد النبي - ﷺ - والخلفاء والحكام، وإما شعرت من قوم آخرين رائحة الغدر فانهض إليهم قبل أن يستفحل أمرهم وَأَظْهِرْ لهم معرفتك بغدرهم والله لا يحب الخائنين.","vol":"3","page":391},{"text":"لا يحسبن الذين كفروا أنهم قد أفلتوا وفاتوا بل هم يَنْتَظِرُهُم خزي الدنيا من القتل والسبي والتشريد، ثم هم في الآخرة لا يعجزون.\nفقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾.\nأي: ولو عاينت يا محمد هول ما يكون، وفظاعة ما ينزل بالكفار عند الاحتضار، حين يتوفى الملائكة أرواحهم ويبشروهم بعذاب الحريق.\nقال مجاهد: (﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ قال: وأستاههم، ولكن الله كريم يَكْني).\nوقال أيضًا: (أستاههم، يوم بدر).\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس: (إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا، أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم).\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث البراء - في احتضار الكافر - قال رسول الله - ﷺ -: [ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السّفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء. . .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أي: تقول ذلك لهم الملائكة مبشرين لهم بالنار، وبالغضب من الجبار، على ما أسرفوا على أنفسهم وأقوامهم وألحقوا بهم من الشقاء والدمار.\nأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله - ﷺ -: [فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وأبو داود في السنن (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٤٢٦٢) بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁، وانظر تخريج الترغيب (٤/ ١٨٨ - ١٨٩)، وكذلك صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٩٦٤) - وهو جزء من حديث طويل.","vol":"3","page":392},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.\nأي هذا العذاب لكم عند الاحتضار، والبشرى بصلي النار، هو بسبب ما اجْتَرَحْتُم من الآثام والجرائم والأوزار، فإن الله لا يظلم أحدًا أبدًا وهو الحكيم الجبار.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله - ﷺ -، فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ..\nيا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).\nوفي صحيح أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكمُ] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nقال مجاهد: (﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، كفعل آل فرعون، كسُنَنِ آل فرعون).\nأي: سلك هؤلاء المكذبون من مشركي قريش مع نبيهم محمد - ﷺ - إذ كذّبوه، كما سلكت الأمم الماضية المكذبة مع رسلها وأنبيائها فأهلكهم الله بذنوبهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لا يغلبه غالب، ولا يقف أمام قدرته أحد، ولا يرد قضاءه راد، ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن تمرد على طاعته وتكبر عن أمره ورسله.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nهذه سنة عظيمة من سنن الله ﷿ في خلقه، فإن الله ﵎ لا يغيِّر نعمة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٧٧)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٤٩٠)، والترمذي في الجامع (٢٤٩٥)، وابن ماجه في السنن (٤٢٥٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠)، وابن حبان (٦١٩) من حديث أبي ذر مطوّلًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩٥٥)، وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٤١٤٥)، وصحيح الجامع - حديث رقم - (١٨٤١).","vol":"3","page":393},{"text":"أنعمها على قوم إلا بما يكون منهم من التجرؤ على الذنوب والآثام، ومعصية أوامر الرحمان.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].\nأخرج الطبراني في \"المعجم الصغير\" بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اخْتَلجَ عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بِذَنْبِ، وما يَدْفَعُ الله عنه أكثرُ] (١).\nقال السدي: (﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، يقول: \"نعمة الله\"، محمد - ﷺ -، أنعم به على قريش، وكفروا، فنقله إلى الأنصار).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: يسمع كل ناطق بخير أو شر، ويعلم السر وأخفى.\nوقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير في التفسير: (أي: كَصُنْعِهِ بآل فرعون وأمثالهم حين كَذَّبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم من جنات وعيون، وزروع وكنوز ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك، بل كانوا هم الظالمين).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن شر ما دبّ على الأرض عند الله، الذين كفروا بربهم، فَجحدوا وحدانيته، وعبدوا غيره، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، يقول: فهم لا يصدِّقون رُسلَ الله، ولا يقرّون بوحيه وتنزيله).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (رقم ١٠٥٣) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٢١٥).","vol":"3","page":394},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾.\nقال القرطبي: (أي لا يخافون الانتقام. \"ومن\" في قوله ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض، لأن العهد إنما كان يجري مع أشرافهم ثم ينقضونه. والمعني بهم قُريظة والنضير، في قول مجاهد وغيره. نقضوا العهد فأعانوا مشركي مكة بالسلاح، ثم اعتذروا فقالوا: نسينا، فعاهدهم ﵇ ثانية فنقضوا يوم الخندق).\nقلت: والآية عامة في وصف كل من نقض العهد بعد توكيده، وخان المواثيق بعد عقدها، فهي تنطبق على اليهود، والأعراب من لصوص الصحراء الذين كانوا يمكرون ويخونون العهود مع النبي - ﷺ -، وكذلك على المنافقين وأمثالهم في كل زمان.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\nأي: فإذا ظفرت بهم في الحرب وظهرت عليهم فنكِّلْ بهم وأغلظ في إيلامهم، ليكونوا عبرة لمن سواهم من الأعداء، وإنذارًا لمن بعدهم من الخونة والعملاء.\nقال ابن عباس: (﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾، يعني: نكِّل بهم من بعدهم).\nأو قال: (نكِّل بهم من وراءهم).\nوقال قتادة: (عظْ بهم من سواهم من الناس).\nوقال السدي: (نكِّل بهم من خلفهم، مَنْ بعدهم من العدو، لعلهم يحذرون أن ينكثوا فتصنع بهم مثل ذلك).\nوقال سعيد بن جبير: (أنذر بهم من خلفهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.\nقال القاسمي: (بيان لأحكام المشرفين إلى نقض العهد، إثر بيان الناقضين له بالفعل. و\"الخوف\" مستعار للعلم. أي: وإما تعلمن من قوم من المعاهدين نقض عهد فيما سيأتي، بما لاح لك منهم من دلائل الغدر، ومخايل الشر ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: فاطرح إليهم عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي على طريق مستوٍ قصدٍ، بأن تظهر لهم النقض، وتخبرهم إخبارًا مكشوفًا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد، كي لا يكون من قِبَلكَ شائبة خيانة أصلًا، وإن كانت في مقابلة خيانتهم) انتهى.","vol":"3","page":395},{"text":"أخرج أبو داود بسند صحيح عن سليم بن عامر - رجل من حمير - قال: [كان بين معاوية، وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَوْن وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة. فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"مَنْ كانَ بينه وبين قوم عَهْدٌ فلا يَشُدُّ عُقدَةً، ولا يَحُلُّها حتى ينقضِيَ أمَدُها أو يَنْبِذَ إليهم على سواء\" فرجع معاوية] (١).\nواتفق الشراح على أن هذا الحديث عام في جميع العقود بين المتحاربين. وهو بين المتعاملين من المسلمين أوثق وآكد.\nوقد أفاد أبو السعود: أن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ تعليل للأمر بالنبذ، إما باعتبار استلزامه النهي عن مناجزة القتال، لكونها خيانة، فيكون تحذيرًا له - ﷺ - منها، وإما باعتبار استتباعه للقتال، فيكون حثًّا له - ﷺ - على النبذ أولًا، وعلى قتالهم ثانيًا، كأنه قيل: وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم، ثم قاتلهم، إن الله لا يحب الخائنين، وهم من جملتهم، لما علمت من حالهم.\nوقد فصّل ذلك شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير بقوله -: (﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، يقول: فناجزهم بالحرب، واعلمهم قبل حربك اياهم أنك قد نسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبين أن يغدر به فيحاربه، قبل إعلامه إياه أنه له حرب، وأنه قد فاسخه العقد).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.\nأي: لا يظنن الذين كفروا وغدروا أنهم قد أفلتوا من الظفر بهم، فهم وإن فاتوا، فإنهم لا يفلتون من عقاب الله يوم القيامة، بل ربما أمكن منهم بالقتل والتشريد والخزي في الدنيا، ثم يَنْتَظِرُهُم انتقام الله الشديد منهم في الآخرة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٧٥٩) - باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه -، وانظر صحيح أبي داود (٢٣٩٧)، وأخرجه الترمذي (١٥٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٧٣٢)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ١١١، ١١٣)، والبيهقي (٩/ ٢٣١)، وغيرهم.","vol":"3","page":396},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧].\n٤ - وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧].\nوفي السنة الصحيحة: إخبار من النبي - ﷺ - عن حال العتاة الطغاة وشدة ندمهم وبكائهم.\nفقد أخرج ابن ماجه والحاكم - واللفظ له - عن عبد الله بن قيس، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن أهل النار ليَبْكون، حتى لو أُجْرِيت السُّفُنُ في دموعهم، لجرت، وإنهم ليبكون الدَّمَ - يعني - مكان الدمع] (١).\nولفظ ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: [يُرسَلُ البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت].\n٦٠ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥)، واللفظ بعده أخرجه ابن ماجه (٤٣٢٤)، باب صفة النار، وكذلك ابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" (ق ١٢/ ١). وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٧٩).","vol":"3","page":397},{"text":"اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين بالإعداد لأعدائهم من جميع أنواع القوة وآلات الحرب وما يكون فيه كسر شوكة الكفر في الأرض، والاهتمام بالخيل التي تربط في سبيل الله، فإنها لا تزال تحمل الخير للأمة إلى يوم القيامة: في الأجر والغنيمة، وكل ذلك كي تخزوا عدو الله وعدوكم، وترهبوا المنافقين الذين يتخللون بينكم، الله يعلمهم، وما تنفقوا في أعمال الجهاد والخير من نفقة فأجر ذلك عند الله كبير وأنتم لا تظلمون.\nوإن جنح الأعداء للصلح والمهادنة ورأى إمام المسلمين في ذلك مصلحة فليصالح وليتوكل على الله السميع العليم.\nوإن أرادوا بذلك خدعة ومكرًا فقد أيد الله نبيّه من قبل بالمهاجرين والأنصار، وألف بين قلوبهم، وقطع الحرب بين الأوس والخزرج بنور الإيمان، وبنبيه ﵊، ولو أنفقت أموال الدنيا بغير ذلك ما كان لهم أن يتحابوا، ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم.\nفعن عكرمة: (قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، قال: الحصون).\nوقال السدي: (من سلاح).\nقلت: بل كل أنواع القوة داخل في مفهوم الأمر بالإعداد، فإن الحرب خدعة.\nقال ابن جرير: (فليس في الخبر ما يدل على أنه مراد بها الرمي خاصة دون سائر معاني القوة عليهم، فإن الرمي أحد معاني القوة، . .، ومن القوة أيضًا السيف والرمح والحربة وكل ما كان معونة على قتال المشركين).\nفيكون تأويلُ قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، كما قال ابن كثير: (أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أي: مهما أمكنكم).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر قال: [سمعت رسول الله - ﷺ -،","vol":"3","page":398},{"text":"وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إنَّ القُوَّة الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إن القوة الرَّمْيُ] (١).\nفجعل ﵊ الرمي وإتقان التسديد من أعلى مراتب القوة.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة تحث على الرمي والجاهزية القتالية وإحكام التسديد لإصابة الهدف، بل عدّ ذلك من اللهو المستحب.\nالحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن شُماسَةَ، أنَّ فُقَيْمًا اللَّخْمِيَّ قال لعقبة بن عامر: تَخْتَلِفُ بينَ هذين الغَرضَيْن، وأنت كبير يَشُقُّ عليك، قال عقبة: لوْلا كلامٌ سمِعْتُهُ من رسول الله - ﷺ -، لمْ أُعَانِيه، قال الحارث - أحد الرواة - فقلت لابن شُمَاسَةَ: وما ذاك؟ قال: إنه قال: [مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثم تَرَكَهُ، فليس منا، أو قد عصى] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ارموا واركبوا، وأن ترموا خيرٌ من أن تركبوا] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي نجيح السلمي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من بلغ بسهم فهو له درجة في الجنة، فبلغت يومئذ عشرة أسهم، وسمعته يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل رقبة محررة] (٤).\nوله شاهد عِند ابن ماجه من حديث عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [مَنْ رَمَى العدوَّ بسهم، فَبَلَغَ سَهْمُهُ العدوَّ، أصاب أو أخطأ، فيعْدِلُ رقبةً].\nالحديث الرابع: أخرج النسائي في \"كتاب عشرة النساء\" والطبراني في \"المعجم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٩١٧)، وأحمد في المسند (٤/ ١٥٧)، وأبو يعلى (١٧٤٣)، وأبو داود في السنن (٢٥١٤)، وأخرجه ابن ماجه (٢٨١٣)، والترمذي (٣٠٨٣)، والطبري (١٦٢٤١) من حديث عقبة بن عامر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩١٩) - كتاب الإمارة - باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه، وقوله \"أعانيه\" في معظم النسخ - هكذا بالياء - وفي بعضها \"لم أعانه\" بحذفها وهو الأفصح، ولكن الأول لغة معروفة أيضًا تفيد تأكيد المعاناة ومشقة الإعداد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٨)، والحاكم (٢/ ٩٥)، وأبو داود (٢٥١٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤٤٢٠)، وانظر صحيح سنن النسائي (٢٩٤٧)، باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله.\n(٤) حديث صحيح، انظر تخريج المشكاة (٣٨٧٣)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٦٠٠٢)، وانظر للشاهد صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٢٢٦٨).","vol":"3","page":399},{"text":"الكبير\" بسند صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرتميان، فمل أحدهما فجلس، فقال له الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [كل شيء ليس من ذكر الله ﷿ فهو (لغو، و) لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلم السباحة] (١).\nوقوله: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، أو هو جمع ربيط كفصيل وفصال، وخصّ الخيل من بين ما يتقوى به كقوله جبريل وميكال).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في آفاق هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر مرفوعًا: [الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عروة البارقي مرفوعًا: [الإبل عِزٌّ لأهلها، والغنم بركة، والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في \"التاريخ\" بسند جيد عن سوادة بن الربيع عن النبي - ﷺ - قال: [عليك بالخيل فارتبطها، الخيل معقودٌ في نواصيها الخير] (٤).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: [الخيل لثلاثة: لرجل أجْر، ولِرَجُلٍ سِتْرٌ، وعلى رجل وزْرٌ، فأما الذي له أجْرٌ فرجُلٌ ربطها في سبيل الله فأطالَ في مرْجٍ أو رَوْضَةٍ فما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"كتاب عشرة النساء\" (ق ٧٤/ ٢)، والزيادة له، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ٨٩/ ٢)، ورجاله ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣١٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٢٨٤٩) - كتاب الجهاد والسير -. وانظر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٧٣) - كتاب الإمارة -.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٢٣٠٥)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٤/ ١٦١٤) بسند صحيح.\n(٤) أخرجه البخاري في \"التاريخ\" (٢/ ٢/ ١٨٤) من حديث سوادة بن الربيع، وأحمد في المسند (٣/ ٤٨٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٩٣٦).","vol":"3","page":400},{"text":"أصابت في طِيَلِها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حَسَنات، ولو أنها قَطَعَت طِيَلَها فاستَنَّتْ شرفًا أوْ شَرَفينِ كانت أرواثُها وآثارها حسناتٍ له، ولو أنها مَرَّت بِنَهْرٍ فَشربت منه ولم يُرِدْ أن يَسقِيَها كان ذلك حسناتٍ له، وأما الرجل الذي هي عليه وِزْرٌ فهو رَجُلٌ رَبَطَهَا فخْرًا ورياءً ونِواءً لأهل الإسلام فهيَ وِزْرٌ على ذلك] (١).\nوقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾.\nقال مجاهد: (من بني قريظة). وقال السدي: (هؤلاء أهل فارس).\nوقال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون، لا تعلمونهم لأنهم معكم، يقولون لا إله إلا الله، ويغزون معكم).\nوقيل: هم قوم من الجن، وإن صهيل الخيل يرهب الجن، وأن الجن لا تقرب دارًا فيها فرس.\nواختار ابن كثير قول ابن زيد أنهم المنافقون.\nقال: (وهذا أشبهُ الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]).\nقلت: وهذا تفسير قوي يناسب السياق والنصوص.\nوقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (أي: لا يضيع لكم عند الله أجرُهُ في الآخرة، وعاجل خَلَفه في الدنيا).\nأي: كل ما أنفقتم في سبيل الله - في الجهاد وأسباب القوة والتمكين - فإنه ينالكم أجره على التمام والكمال، ويضاعف الله الأجر أضعافًا مضاعفة لمن يشاء.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من أنْفَقَ نَفَقَةً في سبيل الله كُتِبَتْ له سَبْعُ مئة ضِعف] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٦٠) - كتاب الجهاد والسير -، وأخرجه مسلم (٩٨٧)، والنسائي (٦/ ٢١٦ - ٢١٧)، ومالك (٢/ ٤٤٤)، وابن حبان (٤٦٧٢)، والبيهقي (٤/ ١١٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١٦٩١) - في أبواب فضائل الجهاد - باب ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله ﷿، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٣٢٦)، وصحيح الجامع (٥٩٨٦).","vol":"3","page":401},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nقال السدي: (يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده).\nوقال ابن إسحاق: (أي: إن دعوك إلى السلم - إلى الإسلام - فصالحهم عليه).\nقال ابن زيد: (﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد).\nوبنحوه قال قتادة: (﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾، قال: للصلح، ونسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾).\nقلت: والحق أنه لا دليل على نسخ الآية، فإن آية براءة في الإجهاز على الشرك ومشركي العرب من عبدة الأوثان وعدم قبول الجزية منهم، بعدما استقر الإسلام وقامت دولة الحق في أرجاء الدنيا، وعلى هذه الوصية مات رسول الله - ﷺ -.\nوأما آية الأنفال - موضع التفسير - ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فإفه يمكن للإمام قبول الصلح والمهادنة أثناء قتاله وحربه لأعداء الإسلام، إن أظهروا المسالمة والمصالحة والمهادنة والتروي، إن رأى ذلك بحكمته لمصلحة إسلامهم أو لمصلحة جيشه وتقويته لاستئناف مناجزتهم.\nوهذا ما فعله رسول الله - ﷺ - عام الحديبية فصالح القوم ووضع الحرب بينه وبينهم بحكمته، وكل ذلك يرجع إلى قرار الإمام.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إنما الإمام جُنَّةٌ، يقاتَلُ مِنْ وَرَائِه، ويُتَّقى به، فإنْ أمَرَ بتقوى الله ﷿ وعَدَلَ، كان له بذلك أجْرٌ، وإنْ يأمُرْ بغيره، كان عليه مِنْه] (١).\nوعن ابن إسحاق: (﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، إن الله كافيك) - والخطاب للنبي - ﷺ -.\nقال النسفي: (﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٤١) - كتاب الإمارة - باب: الإمام جُنَّةٌ يقاتل من ورائه ويتقى به.","vol":"3","page":402},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾، قال: قريظة).\nوقال ابن إسحاق: (﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، هو من وراء ذلك).\nوعن السدي: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾، قال: بالأنصار).\nوقال ابن جرير: (﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني بالأنصار).\nوقوله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾.\nقال السدي: (﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال: هؤلاء الأنصار، ألف بين قلوبهم من بعد حرب، فيما كان بينهم).\nوقال ابن إسحاق: (﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، على الهدى الذي بعثك به إليهم، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾، بدينه الذي جمعهم عليه، يعني الأوس والخزرج).\nفالآية في الأنصار (١)، وما كان بينهم من حروب مستعرة في الجاهلية، بين الأوس والخزرج، وتسلسل من أعمال الثأر والانتقام والشر، ما تَوَقَّفَ بينهم إلا بنور الإيمان، وهداية الرحمن، على يد خير الأنام، محمد ﵊.\nوفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\nأخرج الإمام أحمد وابن إسحاق بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري - في قسمة غنائم حنين وَوَجْد بعض الأنصار في نفوسهم إذْ قسم النبي - ﷺ - للمتألفين من قريش وسائر العرب دونهم -: [فخرج رسول الله - ﷺ - فقام فيهم خطيبًا فحمد الله وأثنى\n_________\n(١) وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والمعنى متقارب. وقيل: ينسحب ذلك على المتحابين في الله.\nقال ابن عباس: (قرابةُ الرحم تُقْطَعُ، ومنَّةُ النعمة تُكْفَرُ، ولم يُرَ مثل تقارُبِ القلوب، يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾) - رواه الحاكم.","vol":"3","page":403},{"text":"عليه بما هو أهله ثم قال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى. وفي رواية: قالوا: الله ورسوله أمَنُّ وأفضل] (١).\nورواه البخاري من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال: [لما أفاء الله على رسوله - ﷺ - يوم حنين قسم في الناس في المؤلَّفة قلوبُهم ولم يعط الأنصار شيئًا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: يا معشَرَ الأنصار ألم أَجِدْكُمْ ضُلّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألَّفَكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنُّ. .] الحديث (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عزيز الجناب، لا يقهره شيء، وأمره نافذ فلا راد لقضائه، حكيم في تدبير شؤون خلقه، وفي جميع أقواله وأفعاله وقدره وشرعه.\n٦٤ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - وأصحابه بمناهضة الأعداء والله كافيهم ومؤيدهم بنصره وتمكينه، ويأمر نبيه بتحريض المؤمنين على قتال المشركين واقتحام الأهوال، فإنه يُفْتَرَضُ أن يثبت المؤمن أمام عشرة من الكفار لأنهم قوة خائرون، قد فسدت نياتهم وأعمالهم وعزائمهم، وجعل الله في قلوبهم الرعب والخوف على الدنيا.\nثم جاء التخفيف من الله سبحانه فوجب أن لا يفر المؤمن من رجلين من الكفار،\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٣/ ٧٦ - ٧٧)، (٣/ ٨٩، ٢٤٦، ٢٤٩)، وكتابي: السيرة النبوية على منهاج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٣/ ١٤٠٨ - ١٤١٣)، لمزيد من الروايات.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٣٣٠) - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف من حديث عبد الله بن زيد، في أثناء حديث طويل.","vol":"3","page":404},{"text":"ولا يفر ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا وصمدوا لهم غلبوهم بإذن الله.\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال الشعبي: (حسبك الله، وحسب من معك). أو قال: (حسبك الله، وحسب من شهد معك).\nوقال ابن زيد: (قال: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، إن حسبك أنت وهم، الله).\nقال ابن جرير: (يقول لهم جل ثناؤه: ناهضوا عدوكم، فإن الله كافيكم أمرهم، ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم، فإن الله مؤيدكم بنصره).\nقلت: والحَسْب في كلام العرب الكافي.\nقال الرازي: (﴿حَسْبُكَ﴾ دِرْهم أي كفاك).\nوفي المسند ومعجم الطبراني بسند حسن عن سعيد بن زيد، أن رسول الله - ﷺ - قال: [سيكون بعدي فتن يكون فيها، ويكون. فقلنا: إن أدركنا ذلك هلكنا، قال: بحسب أصحابي القتل] (١).\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾.\nأي حُثّ أصحابك ومتبعيك على قتال المشركين الذين يصدون عن سبيل الله وذمِّرهم على ذلك.\nقال النسفي: (التحريض المبالغة في الحث على الأمر، من الحرض، وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بألوان من التحريض من رسول الله - ﷺ - لأصحابه على اقتحام الأهوال وإنزال الخزي والقتل في رقاب المشركين، ومن ذلك:\nالحديث الأول: في أثناء معركة بدر.\nفقد أخرج الإمام مسلم من حديث أنس ﵁ قال: [فدنا المشركون، فقال رسول الله - ﷺ -: قوموا إلى جَنّة عرضها السماوات والأرض، قال: يقول عمير بن\n_________\n(١) إسناده حسن. أخرجه أحمد (١/ ١٨٩)، ورواه الطبراني بأسانيد، رجال أحدها ثقات، ورواه البزار كذلك - كما ذكر الهيثمي - في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٣). وانظر: \"الصحيحة\" (١٣٤٦).","vol":"3","page":405},{"text":"الحمام الأنصاري ﵁: يا رسول الله جَنّةٍ عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخٍ بخٍ، فقال رسول الله - ﷺ -: ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تَمَرات من قَرَنهِ (١) فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حَييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل] (٢).\nالحديث الثاني: قبل اقتحام معركة أحد.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثابت، عن النبي - ﷺ -: [أنه أمسك يوم أحد بسيف ثم قال: من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا. قال: من يأخذه بحقه؟ قال: فأحجم القوم. فقال: أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين] (٣).\nالحديث الثالث: قبيل غزوة تبوك.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عثمان ﵁: [أن النبي - ﷺ - قال: من جَهَّزَ جَيْشَ العسرة فله الجنة. قال: فجهَّزتُهُ] (٤).\nوقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.\nقال عطاء: (﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قال: كان الواحد لعشرة، ثم جعل باثنين، لا ينبغي له أن يفرّ منهما).\nوقال الضحاك: (كان هذا واجبًا: أن لا يفر واحد من عشرة).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: (لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعْظَموا أن يقاتل عشرون مئتين، ومئة ألفًا، فخفَّفَ الله عنهم. فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ\n_________\n(١) أي جعبة النشاب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٩٠١) - كتاب الإمارة -.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٤٧٠) - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل أبي دجانة، من حديث ثابت مرفوعًا.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٧٧٨) - كتاب الوصايا -. وانظر مسند أحمد (٥/ ٦٣)، من حديث عثمان ﵁.","vol":"3","page":406},{"text":"فِيكُمْ ضَعْفًا﴾. . الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عَدُوهم لم يَنْبَغِ لهم أن يَفِرُّوا من عدوِّهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوَّزوا عنهم).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: [لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، شقَّ ذلك على المسلمين حين فُرض عليهم أن لا يَفرَّ واحِدٌ من عَشَرة، فجاء التخفيفُ فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾] (١).\nقال ابن عباس: (فلما خفف الله تعالى عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم) (٢).\nوقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: لا يقاتلون على نِيَّةٍ ولا حقٍّ فيه، ولا معرفة بخير ولا شر).\nوقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\nقال مجاهد: (كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا، فإنهم إن لم يفرّوا غَلَبوا. ثم خفف الله عنهم فقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فيقول: لا ينبغي أن يفرَّ ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم).\n٦٧ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى نبيّه - ﷺ - وأصحابه المؤمنين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٥٣) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، الآية (٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٦٤٦) - باب في التولي يوم الزحف -. انظر صحيح أبي داود (٢٣٠٥)، وكذلك أخرجه البخاري في إثر الحديث السابق (٤٦٥٣) من كتاب التفسير.","vol":"3","page":407},{"text":"الدين، عن سنة قضاها بين أوليائه وأعدائه ما ينبغي للمؤمن أن يغفل عنها، وهي أن أئمة الكفر يجب قتلهم وتخليص الأرض من رجسهم، وأن أسرى المشركين ينبغي أن ينزل بهم القتل حتى لا تكون لهم رجعة، ومن ثم فإن غير ذلك هو من عرض الحياة الدنيا والله عزيز حكيم.\nلولا ما سبق في كتاب الله من عفوه عن أهل بدر وإحلاله لهم الغنائم لنزل بهم فيما جَنَوْه على أنفسهم من قرار في الأسرى عذاب عظيم.\nولكن إذا أخذتم الدرس واستفدتم من العتاب فانعموا بالغنائم وكلوا منها حلالًا طيبًا واحرصوا على مرضاة ربكم وهو الغفور الرحيم.\nفقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nأخرج الحاكم بسند صحيح على شرط مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: [استشار رسول الله - ﷺ - في الأسارى أبا بكر فقال: قومك وعشيرتك فخلّ سبيلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، قال: ففداهم رسول الله - ﷺ - فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. قال: فلقي النبي - ﷺ - عمر ﵁ فقال: كاد يصيبنا بلاء في خلافك] (١).\nوأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عمر قال: [. . فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله ﷿ المشركين، فقتل منهم سبعون رجلًا وأسر منهم سبعون رجلًا، فاستشار رسول الله - ﷺ - أبا بكر وعمر وعليًا ﵃، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذَ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا.\nفقال رسول الله - ﷺ -: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل بن أبي طالب فيضربَ عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضربَ عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٢٩) من حديث ابن عمر ﵄، وصححه، وقال الذهبي: على شرط مسلم. وروى أحمد وأبو داود ومسلم نحوه. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الأنفال، آية (٦٧).","vol":"3","page":408},{"text":"وقادتهم. . قال: فَهَوِيَ رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء.\nفلما كان الغد، قال عمر: فغدوت إلى النبي - ﷺ - وأبي بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله - ﷺ -: [للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء! ! قد عُرضَ عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾] (١).\nقال سعيد بن جبير: (إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتل).\nوقال مجاهد: (الإثخان: القتل).\nوقال ابن إسحاق: (أي يثخن عدوه حتى ينفيهم من الأرض، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي المتاع والفداء بأخذ الرجال. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الآخرة).\nقال ابن جرير: (﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة، لم يغلبكم عدوٌّ لكم، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، وأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره أمر خلقه).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فيه سببان صحيحان من أسباب النزول:\nالسبب الأول: أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن خيثمة قال: [كان سعد بن أبي وقاص ﵁ في نفر فذكروا عليًا فشتموه فقال سعد: مهلًا عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، فإنا أصبنا ذنبًا مع رسول الله - ﷺ - فأنزل الله ﷿: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. فأرجو أن تكون رحمة من عند الله سبقت لنا] (٢).\nالسبب الثاني: أخرج الإمام أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها. فقال رسول الله - ﷺ -: إن الغنيمة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٠ - ٣١) من حديث عمر ﵁، وبنحوه رواه مسلم (١٧٦٣) - كتاب الجهاد -.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم وقال على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الأنفال، آية رقم (٦٨)، وإسناده صحيح.","vol":"3","page":409},{"text":"لا تحل لأحد سود الرؤوس غيركم، وكان النبي - ﷺ - وأصحابه إذا غنموا غنيمة جمعوها ونزلت نار فأكلتها، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾] (١).\nقال ابن جرير: (قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ، بأن الله مُحِلٌّ لكم الغنيمة، وأن الله قضى فيما قضى ألا يُضِلَّ قومًا بعد إذ هداهم حتى يبيِّنَ لهم ما يتقون، وأنه لا يعذب أحدًا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسول الله - ﷺ - ناصرًا دينَ الله، لنالكم من الله بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم).\nفاشتملت الآية على المعاني الآتية:\n١ - قضاء الله ﷿ في اللوح المحفوظ ألا يعذب أهل بدر.\n٢ - قضاء الله تعالى ألا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون.\n٣ - قضاء الله سبحانه الذي سبق بإحلال الغنيمة لأهل بدر ولهذه الأمة.\nقال ابن عباس: (وكانت الغنائم قبل أن يبعث النبي - ﷺ - في الأمم إذا أصابوا مغنمًا جعلوه للقربان وحرم الله عليهم أن يأكلوا منه قليلًا أو كثيرًا).\nوقال الحسن: (وكان الله ﵎ قد كتب في أم الكتاب: المغنم والأسارى حلال لمحمد وأمته، ولم يكن أحله لأمة قبلهم).\nوفي كنوز السنة الصحيحة آفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: أُعْطِيتُ جوامعَ الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النبيون] (٢).\nالحديث الثاني: يروي الطبراني بسند صحيح عن السائب بن يزيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فضلتُ على الأنبياء بخمس: بُعِثْتُ إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي، وجُعلت لي الأرض\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد، وأبو داود الطيالسي في مسنده (٢/ ١٩)، وانظر المرجع السابق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في \"صحيحه\" - حديث رقم - (٥٢٣) - كتاب الصلاة -.","vol":"3","page":410},{"text":"مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحد قبلي] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه من حديث علي، أن النبي - ﷺ - قال: [لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم] (٢).\nورواه مسلم بلفظ: [لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرت لكم].\nثم إنه سبحانه قد عفا عنهم وتجاوز برحمته وكرمه عما اعتراهم فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n٧٠ - ٧١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره مخاطبًا نبيه - ﷺ -: قل يا محمد لهؤلاء الأسرى الذين أمسك الله بهم وأمكنك منهم، إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم من الفداء، ويصفح عنكم جُرْمكم أن قاتلتم نبي الله وأصحابه وكفرتم وأشركتم، وإن يريدوا غدرًا وخداعًا بالقول فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم المؤمنين ببدر، فإن الله محيط بهم لا محالة، ولا يفلت منه أحد.\nقال القرطبي: (﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أي إسلامًا. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ أي من الفِدية، قيل في الدنيا، وقيل في الآخرة).\nوقد تباين فداء الأسرى وتفاوت حسب حالهم، وضيقهم وسعتهم، فمن كان منهم ذا مال فقد أخذ منه أربعة آلاف درهم كما يروي الطبراني وغيره، ومن لم يكن منهم له مال، فقد جُعِلَ فداؤهم أن يُعَلِّمُوا أبناء الأنصار.\nأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن ابن عباس قال: [كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله - ﷺ - فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة. فجاء\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم (٤٠٩٧) -، ويشهد له ما قبله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٩٨٣) - كتاب المغازي -، وروى مسلم نحوه.","vol":"3","page":411},{"text":"يومًا غلام يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي. قال: الخبيث يطلب بِذَحْلِ - أي بثأر - بدر، والله لا تأتيه أبدًا] (١).\nومع ذلك فقد عاملهم رسول الله - ﷺ - معاملة طيبة، عسى أن يترك ذلك أثرًا في نفوسهم فتلهف قلوبهم إلى الإسلام، وما كان هَمّ النبي - ﷺ - أخذ المال قدر ما هَمّهُ إذلال عتاة مكة وكسر شوكة قريش وكبريائها، وذلك فقد صرح ﵊ معترفًا للمطعم بن عدي بفضل سابق أنه لو كان حيًا لدفعهم إليه.\nيروي البخاري في صحيحه عن محمد بن جبير عن أبيه: [أن النبي - ﷺ - قال في أسارى بدر: لو كان المُطْعِمُ بن عَديٍّ حَيًّا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له] (٢).\nوقد أخذ النبي - ﷺ - الفداء من عمه العباس مثل غيره، وأبى شفاعة أحد به أو وساطة، مع أنه أخبر أنه كان يكتم إسلامه.\nيروي البخاري عن أنس: [أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ائذن لنا فَلْنَتْرُكْ لابن أُخْتنا عباس فداءَه، قال: \"والله لا تذرون منه درهمًا\"] (٣).\nوفي ذلك قمة الإنصاف والعدل، فالكل تحت حكم الله، ولا أحد يرفع رأسه ليتجاوز أو يشفع في دولة الحق، وهذا سرّ قوة الإسلام ودولته، فإن العباس وإن كان كما قيل قد خرج مكرهًا ولكنه عليه أن يواجه ضريبة تكثير سواد المشركين على المسلمين، فدفع يومئذ مئة أوقية، ودفع عقيل ثمانين أوقية، في حين دفع غيرهم أربعين أوقية كما فصّل ذلك الحافظ في الفتح وغيره من أهل السير.\nوأما العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي - ﷺ - ورضي الله عنها، فقد كان ضمن الأسرى، فأرادَتْ زينب أن تفديه بقلادتها ومالها، فَعَزَّ ذلك على المسلمين أن تبذل زينب مالها وهي مسلمة لا ذنب لها، فأطلقوا أسيرها.\nفقد أخرج أبو داود والحاكم بسند حسن من حديث عائشة قال: [لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص. قالت: فلما رآها رسول الله - ﷺ - رَقَّ لها رِقّةً شديدة\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٧)، والحاكم (٢/ ١٤٠) بإسناد يرقى للحسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠٢٤) - كتاب المغازي. وانظر (٣١٣٩) - كتاب فرض الخمس.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠١٨) - كتاب المغازي. وانظر: كتاب السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - بحث ٣٤ - (١/ ٥٩٧ - ٦١٠) لمزيد من التفصيل.","vol":"3","page":412},{"text":"وقال: إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها؟ فقالوا: نعم. وكان النبي أخذ عليه أوْ وَعَده أن يُخَلِّي سبيل زينب إليه. .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي إن تبتم من شرككم وغَدركم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nقال السدي: (يقول: قد كفروا بالله ونقضوا عهده، فأمكن منهم ببدر).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يرد هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم، ﴿خِيَانَتَكَ﴾، أي الغدر بك والمكر والخداع، بإظهارهم لك بالقول خلاف ما في نفوسهم، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾، يقول: فقد خالفوا أمر الله من قبل وقعة بدر، وأمكن منهم ببدر المؤمنين، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، بما يقولون بألسنتهم ويضمرونه في نفوسهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرهم وتدبير أمور خلقه سواهم).\n٧٢ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تقرير الله تعالى أن المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم والأنصار الذين استقبلوهم أحسن استقبال ونصروا هذا الدين أروع نصر أولئك بعضهم أولياء بعض.\nثم في مقابل ذلك الكافرون المعاندون، أهل الفتنة والمكر، بعضهم أولياء بعض، فإن اختل هذا المنهج الفريد في الولاء والبراء كانت الفتنة في الأرض والفساد الكبير.\nفقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٢٦٩٢)، والحاكم (٤٣٠٦) (٣/ ٢٣) من حديث عائشة.","vol":"3","page":413},{"text":"وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: (يعني: في الميراث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، [الأحزاب: ٦]، في الميراث فنسخت التي قبلها، وصار الميراث لذوي الأرحام).\nوذكر ابن جرير أيضًا بسنده إلى ابن عباس قال: (قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يقول: لا هجرة بعد الفتح، إنما هو الشهادة بعد ذلك، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - على ثلاث منازل: منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة، خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم، ﴿آوَوْا وَنَصَرُوا﴾، وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذّب وجحد، فهذان مؤمنان، جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم، إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين.\nوكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر، فبرّأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال الله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾.\nوكان حقًا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا، إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي - ﷺ - ميثاق، فلا نصر لهم عليهم، إلا على العدو الذي لا ميثاق لهم.\nثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا، فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وبقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]).\nأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن جرير قال: قال رسول الله - ﷺ -: [المهاجرون","vol":"3","page":414},{"text":"والأنصار أولياء، بعضُهم لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة] (١).\nوالخلاصة:\nكان المؤمنون زمن النبوة ثلاثة أصناف:\n١ - المهاجرون الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم لنصر دين الله وإقامة دينه وبذلوا لذلك أموالهم وأنفسهم.\n٢ - الأنصار - أهل المدينة الذين استقبلوا إخوانهم في منازلهم وآووهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض - آخى رسول الله - ﷺ - بينهم، كل اثنين أخَوان، يرث أحدهما الآخر، حتى نسخ الله تعالى ذلك بآية المواريث.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذوي رَحِمه، للأخوة التي آخى النبي - ﷺ - بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من النصر والرِّفادة والنصيحة، وقدْ ذهب الميراث ويوصي له] (٢).\n٣ - الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا بواديهم، فهؤلاء لا نصيب لهم من المغانم أو الخمس إلا إن حضروا القتال.\nوقرأ حمزة: ﴿وِلايتهم﴾ بالكسر، والباقون بالفتح، وكلاهما معروف، كالدِّلالة والدَّلالة.\nأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصَّة نفسه بتقوى الله ومَنْ معه من المسلمين خيرًا، وقال اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو: خلال - فَأَيَّتهنَّ ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكفَّ عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكفَّ عنهم. ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين،\n_________\n(١) جيد. أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٣)، والطبراني (٢٢٨٤)، (٢٣٠٢)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٥): (رواه أحمد والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد الطبراني رجاله رجال الصحيح).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٨٠) - كتاب التفسير -، وانظر (٢٢٩٢) - كتاب الكفالة -.","vol":"3","page":415},{"text":"وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبَوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبَوا فادعُهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم] (١).\nقال ابن جرير (﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، يقول: والله بما تعملون فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضًا، أيها المهاجرون والأنصار، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين، وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم، ﴿بَصِيرٌ﴾، يراه ويبصره، فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.\nقال ابن إسحاق: (حض الله المؤمنين على التواصل، فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض.\nثم قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، أي: إلا يوالِ المؤمن المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به، ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: شبهة في الحق والباطل، وظهور الفساد في الأرض، بتولي المؤمن الكافر دون المؤمن، ثم ردّ المواريث إلى الأرحام).\nوقال ابن جريج: (﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، قال: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين، ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾).\nواختار ابن جرير ذلك بقوله: (معناه: أن بعضهم - أي الكفار - أنصار بعض دون المؤمنين، وأنه دلالة على تحريم الله على المؤمن المقامَ في دار الحرب وترك الهجرة).\nوقال ابن كثير: (ومعنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٢)، وانظر صحيح مسلم (١٧٣١)، ورواه أبو داود (٢٦١٢)، والترمذي (١٤٠٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٥٨٦)، وابن ماجه (٢٨٥٨).","vol":"3","page":416},{"text":"كَبِيرٌ﴾، أي: إن لم تجانبوا المشركين، وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين الناس فساد منتشر طويل عريض).\nقلت: والأولى أن يقال أن الآية عامة في الولاية والمواريث، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض، فلا نصرة ولا تأييد من المؤمنين للكفار، بل كل النصرة والموالاة والتأييد والمحبة للمؤمنين، ولا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: [لا يرث المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافرُ المُسلِمَ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يتوارث أهل ملتين شتّى] (٢).\nوله شاهد عند الحاكم من حديث أسامة، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾].\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند حسن لطرقه، عن سمرة بن جندب مرفوعًا: [من جامَعَ المُشْرِكَ، وسكنَ مَعَهُ، فإنه مثله] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند جيد عن جرير بن عبد الله مرفوعًا: [أنا بريءٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤)، وأبو داود (٢٩٠٩)، والترمذي (٢١٠٧)، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٦٣٧٢)، (٦٣٧٤)، وأحمد (٥/ ٢٠٠)، والبيهقي (٦/ ٣١٧) من حديث أسامة بن زيد ﵄.\n(٢) جيد. أخرجه أبو داود (٢٩١١)، وأحمد (٢/ ١٧٨، ١٩٥)، وابن ماجه (٢٧٣١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦٣٨٤)، وانظر للشاهد مستدرك الحاكم (٢/ ٢٤٠)، وسنده حسن.\n(٣) حسن لطرقه. أخرجه أبو داود في السنن (٢٧٨٧)، وبنحوه الحاكم (٢/ ١٤١ - ١٤٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٣٣٠).","vol":"3","page":417},{"text":"من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله: ولم؟ قال: لا تراءى نارُهما] (١).\nوله شاهد عند النسائي عن جرير قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يبايع فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط عليّ فأنت أعلم، قال: [أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشرك].\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض] (٢).\n٧٤ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: بيان من الله تعالى لرفيع درجات أهل الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله، وكذلك أهل التأييد والنصر، لتشمل الآية المهاجرين والأنصار، وَعَدَهُم سبحانه مغفرة ورزقًا كريمًا.\nثم بثَّ سبحانه البشرى لمن جاء من بعدهم وسار على منهاجهم أنه سيلحق بهم في المنزلة والشرف ورفيع المراتب، وجعل التوارث بالنسب بعد أن كان بالأخوة والإيمان، والله أعلم بمصالح عباده، وهو بكل شيء عليم.\nفقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.\nقال النسفي: (لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٣٩٧)، وانظر مسند أحمد (٤/ ٣٦٥)، والبيهقي (٩/ ١٢ - ١٣)، وانظر للشاهد سنن النسائي (٢/ ١٨٣)، والبيهقي (٩/ ١٣)، والسلسلة الصحيحة (٦٣٦).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي في الجامع (١/ ٢٠١)، وابن ماجه في السنن - حديث رقم - (١٩٦٧) - باب الأكفاء -، وأخرجه الحاكم (٢/ ١٦٥).","vol":"3","page":418},{"text":"ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى).\nقلت: ولا تكرار مع الآية قبلها، لأن الأولى بيان لإيجاب التواصل بينهم، والثانية لبيان رفيع درجاتهم وعظيم شرفهم.\nوقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. أي: ثواب عظيم في الجنة، ونعيم مقيم لا تنغيص فيه ولا انقطاع.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح، فهم معهم في الآخرة، كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآية. وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]).\nقلت: ويدخل في عموم هذه الآية كل من جاء بعدهم من المؤمنين على مدار القرون المتتابعة وسلك منهاجهم في الإيمان والعمل الصالح، فهو معهم يوم القيامة في الأجر والمنزلة والشرف بإذن الله تعالى.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من الخير في آفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن البراء بن عازب، عن النبي - ﷺ - قال: [من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب مرفوعًا: [الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله] (٢).\nوفي الصحيح أيضًا: [المرء مع من أحب]. رواه البخاري من حديث ابن مسعود.\nقال عبد الله بن مسعود ﵁: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (١/ ٧٠)، وانظر مسند أحمد (٢/ ٥٠١)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٩٩١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ٢٢٣)، ومسلم (١/ ٦٠)، وأحمد (٤/ ٢٩٢)، وغيرهم.","vol":"3","page":419},{"text":"يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحبَّ قومًا ولم يَلْحَق بهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: المرء مع من أحبَّ] (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن نصر في \"السنة\" بسند صحيح عن عتبة بن غزوان - وكان من الصحابة - أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أومنهم؟ قال: بل منكم] (٢).\nوقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.\nأخرج الطيالسي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: [آخى رسول الله - ﷺ - بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: إن الله عالم بما يصلح عباده، في توريثه بعضهم من بعض في القرابة والنسب، دون الحلف بالعقد، وبغير ذلك من الأمور كلها، لا يخفى عليه شيء منها).\nتم تفسير سورة الأنفال\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه.\n° ° °\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦١٦٩) - كتاب الأدب - باب علامة الحب في الله، ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن نصر في \"السنة\" (ص ٩)، وله شاهد عند الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٧٦/ ١) من طريقين، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٩٤).\n(٣) أخرجه الطيالسي والطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (رجاله رجال الصحيح). وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة الأنفال، آية (٧٥).","vol":"3","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - رزق هذه الأمة في الجهاد، والأنفال يقسمها النبي - ﷺ - والقادة من بعده.\n٢ - المؤمنون توجل قلوبهم لذكر الله، وهم واثقون بنصر الله وعلى ربهم يتوكلون.\n٣ - القتال كريه إلى النفوس، ولكن الله جعل فيه عزّ هذه الأمة.\n٤ - الملائكة والريح من جنود الله، يُنصر بهما المؤمنون.\n٥ - الباطل أعور وقراراته حماقات تنعكس عليه.\n٦ - صلة القائد بالله وأثر الدعاء وقيام الليل في بنائه وصقله وشجاعته.\n٧ - التجسس على العدو جزء من الأخذ بالأسباب الواجب.\n٨ - أثر تواضع القائد المسلم واقترابه من نفوس جنوده.\n٩ - وجوب الإمارة في الحضر والسفر والسلم والحرب.\n١٠ - عدم جواز الاستعانة بالمشركين إن لم تكن هناك حاجة، فإن كان هناك حاجة فلا بد من تميز المسلمين وظهور شوكتهم.\n١١ - إن الذين حملوا إلينا هذا الدين رجال.\n١٢ - عبقرية رسول الله - ﷺ - العسكرية.\n١٣ - الشورى واجبة وغير ملزمة.\n١٤ - استحباب القتال بطريقة الصفوف.\n١٥ - استحباب الدعاء أثناء القتال.\n١٦ - أهمية الحفاظ على القيادة في الحرب.\n١٧ - المولي دبره عند الزحف يبوء بغضب من الله تعالى.\n١٨ - قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف شاء.\n١٩ - إذا ظهرت المعاصي في الأمة عمّها الله ببلاء حتى ترجع.\n٢٠ - الإسلام جعل العرب ملوكًا، ولما تركوه صار حالهم في الذل كما ترى.","vol":"3","page":421},{"text":"٢١ - أولياء الله وأهل مسجده هم المتقون.\n٢٢ - الكفار ربحوا الخسارة بإنفاقهم الأموال للصد عن دين الله في الأرض.\n٢٣ - الغنيمة ما أخذ بعد الحرب، والفيء ما أخذ بغير ذلك.\n٢٤ - الغلول نار، وعار في الدنيا والآخرة، ولا يقبل الله صدقة من غلول.\n٢٥ - الخيانة حرام، حتى في حق الكفار، فالمسلم وفيّ لا غدّار.\n٢٦ - وجوب حشد الأمة كل إمكاناتها وطاقاتها ضد الأعداء، وثواب نفقة الجهاد والإعداد مضاعفة.\n٢٧ - رغبة المشرك المحارب المسالمة، يقابلها من المؤمن الاستجابة مع الحذر.\n٢٨ - المسلمون أول من أحل الله لهم الغنائم، وفداء الأسرى.\n٢٩ - الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم.\n٣٠ - الإثخان أجمل وأحب إلى الله من الفداء والمال.\n٣١ - الذل والصغار عقاب الله للمجرمين في الدنيا قبل الآخرة.\n٣٢ - تجاوز الله عن هفوات وزلل السابقين إلى الإسلام.\n٣٣ - لا واسطة ولا شفاعة أمام حكم الله، فالكل تحت الحق وقضاء الإسلام، ومن ذلك معاملة العباس كغيره من الأسرى في الفداء.\n٣٤ - لا عُذر لأحد في البقاء في دار الحرب وتكثير سواد المشركين إلا الإكراه.\n٣٥ - أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في التوارث، والأخوة في الله أغلى من المال.\n° ° °","vol":"3","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>٩ - سُورَةُ التَّوْبَة</span>\nوهي سورة مدنية باتفاق، وعدد آياتها (١٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد في ذكر هذه السورة الكريمة حديثان من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء ﵁ يقول: [آخِرُ آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخِرُ سورة نزلت براءة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عَبَّاسٍ: سورةُ التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل: ومِنْهمُ ومِنْهم، حتى ظَنُّوا أنها لم تُبْقِ أحدًا منهم إلا ذُكِرَ فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قال: قلت: سورةُ الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير] (٢).\nوقد ثبت سقوط البسملة من أول هذه السورة، لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام، والاقتداء بذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ كما قال الترمذي.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٥٤) - كتاب التفسير -، سورة براءة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٨٢) - كتاب التفسير -، سورة الحشر. وانظر (٤٠٢٩) منه.","vol":"3","page":423},{"text":"قال عبد الله بن عباس: (سألت علي بن أبي طالب لِمَ لمْ يُكْتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان).\nوروي معناه عن المبرد قال: (ولذلك لم يجمع بينهما، فإن بسم الله الرحمن الرحيم رحمة، وبراءة نزلت سخطة).\nوبنحو ذلك ذكر سفيان بن عيينة: (إنما لم تكتب في صدر هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف، ولا أمان للمنافقين).\nقال القرطبي: (والصحيح أن التسمية لم تكتب، لأن جبريل ﵇ ما نزل بها في هذه السورة، قاله القشيريّ.\nوفي قول عثمان: قُبض رسول الله - ﷺ - ولم يبيّن لنا أنها منها، دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>موضوع السورة</span>\nالبراءة من المشركين، وفضح سبل المنافقين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-111> منهاج السورة </span>-\n١ - البراءة من الله والرسول إلى المشركين، فمن كان من أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة أو كان له عهد دون أربعة أشهر فله أن يكمل أربعة أشهر، وأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته. وأما من لا عهد له من المشركين فأجله إلى انسلاخ الأشهر الحرم.\n٢ - المشرك إذا استأمن فأمِّنوه، حتى يسمع كلام الله.\n٣ - المشركون لو ظهروا لم يراعوا في المسلمين عهدًا ولا قرابة ولا حلفًا.\n٤ - تحريض الله المسلمين على قتال المشركين وعدم الخوف منهم.\n٥ - المشركون لا يعمرون مساجد الله، وما يعمرها إلا المؤمنون.","vol":"3","page":424},{"text":"٦ - لا سواء: (عمارة المسجد وسقاية الحاج) مع (الإيمان والجهاد).\n٧ - المؤمن لا يواد من حادّ الله ورسوله، والنصر من عند الله لا بكثرة العَدد والعُدد.\n٨ - الإعجاب بالكثرة يوم حنين قابله الانهزام، واستئناف التوكل الكامل على الله قابله النصر.\n٩ - إمداد الله بالملائكة، وانهزام هوازن، ثم إسلامهم، ورد سبيهم إليهم.\n١٠ - تحريم دخول المشركين إلى المسجد الحرام، والله أغنى المسلمين من فضله.\n١١ - الأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية صاغرين.\n١٢ - اجتراء اليهود على الله بقولهم: عُزيرٌ ابن الله، والنصارى بقولهم المسيح ابن الله، واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله.\n١٣ - الكفار في مكرهم بدين الله كانهم يطفئون نور الله الذي نوّر السماوات والأرض بأفواههم، والله متم نوره، ومظهر الحق ورسله.\n١٤ - مانع الزكاة، يجعل ماله صفائح نار، تكوي جنبه وجبهته وظهره.\n١٥ - الأمر بتعظيم حرمات الله، وفي الأشهر الحرم خاصة.\n١٦ - النسيء زيادة في الكفر، وهو من أعمال الجاهلية.\n١٧ - التخلف والتثاقل عن الجهاد عذابه أليم، واستثناء المريض والضعيف.\n١٨ - ذكر بعض معالم الهجرة، وقول النبي - ﷺ - لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، ومكر الله بالكافرين.\n١٩ - الأمر بالنفير للجهاد وبذل الأموال والأنفس، والاعتذار الكاذب إنما هو سبيل المنافقين، وقد أقعدهم الله وعاقبهم على نفاقهم.\n٢٠ - المنافقون يحلفون بأنهم مسلمون، والله يعلم أنهم كافرون.\n٢١ - مصارف الزكاة الثمانية، والمنافقون لا ينفقون إلا وهم كارهون.\n٢٢ - المنافقون يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وقد وعدهم الله نار جهنم، مقابل مكرهم وعدم اتعاظهم بأمثالهم من الكافرين في الأمم السالفة.\n٢٣ - المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، وقد وعدهم الله مساكن طيبة في جنات عدن.\n٢٤ - المنافقون يخلفون عهدهم مع الله، ويلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، ويفرحون بتخلفهم عن الجهاد في الحر، ونار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون.","vol":"3","page":425},{"text":"٢٥ - نهي الله تعالى نبيّه - ﷺ - عن الصلاة على المنافقين بعد صلاته على رأس النفاق ابن سلول، وكشف المنافقين أنهم أجبن الناس في الحرب، وأصحاب ألسنة حداد في السلم.\n٢٦ - إذن الرسول - ﷺ - لأهل الأعذار، ولا يعذر الأغنياء القادرون على الجهاد بتخلفهم عنه.\n٢٧ - جفاء الأعراب، وكفر بعضهم، والثناء على الأعراب المؤمنين المتصدقين.\n٢٨ - الثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.\n٢٩ - الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا أمرهم إلى الله، والله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وينميها.\n٣٠ - شأن مسجد الضرار، والنهي عن الصلاة فيه، والأمر بتحريقه، وكل مسجد لا يؤسس على التقوى فهو مسجد ضرار.\n٣١ - شراء الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم مقابل الجنة، والسياحة هي الجهاد في سبيل الله، وهي ضمن صفات المؤمنين المبشرين بالجنة.\n٣٢ - النهي عن استغفار المؤمنين للمشركين ولو كانوا أولي قربى.\n٣٣ - توبة الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ساعة العسرة.\n٣٤ - قصة كعب بن مالك والمتخلفين عن تبوك.\n٣٥ - النصب والظمأ والمخمصة في سبيل الله، وإغاظة المشركين، والنفقة لتجهيز جيش المؤمنين، كل ذلك من أعظم القربات إلى الله.\n٣٦ - وجوب النفير مع المؤمنين في سبيل الله على طائفة، والبقية في التفقه في الدين، لينذروا قومهم بحجة البلاغ المبين.\n٣٧ - الأمر بجهاد الكفار والإغلاظ عليهم.\n٣٨ - الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.\n٣٩ - الرسول - ﷺ - حريص على هداية أمته وهو بها رؤوف رحيم.\n٤٠ - الاستعانة بالله والتوكل عليه خير معين للمؤمنين على إعراض الناس عن دين الله، فهو سبحانه الناصر لدينه المؤيد لأوليائه الممكّن لهم في الأرض.\n° ° °","vol":"3","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>تفسير سورة التوبة</span>\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: براءة من الله ورسوله إلى المعاهَدين من المشركين، فمن كان من أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة أو كان له عهد دون أربعة أشهر فله إكمال أربعة أشهر، ومن كان له عهد مؤقت فاجله إلى مدته، وأما من لا عهد له من المشركين فإمهالهم ينتهي بانسلاخ الأشهر الحرم، وليعلموا أنهم تحت قبضة الله وسلطانه، لا سبيل للفرار من بأسه إلا بالتوبة والإنابة إليه، والله مخزي الكافرين.\nوإعلام من الله ورسوله إلى الناس يوم النحر أن الله ورسوله يبرآن من المشركين، فإن تداركتم - أيها المشركون - أنفسكم بالتوبة وأعلنتم الإيمان بالله وأفردتموه بالتعظيم والعبادة نجوتم، وإلا فالعذاب الأليم مَوْعدكم.","vol":"3","page":427},{"text":"إنَّهُ بانقضاء المُحَرَّم من الأشهر الحرم يحاصر المشركون بالقتل أو الأسر أو منع التصرف ببلاد الإسلام، فإن رجعوا عن الشرك، وأخلصوا التوحيد لله والإقرار بالنبوة وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة خُلِّي سبيلهم والله غفور رحيم.\nوإن طَلَبَ المشرك أمانًا يُمَكِّنُ مِنْ إِبلاغه عهد الله وإقامة حجة الله البالغة عليه أُعطِيَ ذلك، ويكون آمنًا مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، فهو الخير لإبلاع دعوة الله إلى الناس في الأرض ليعلموا آفاق هذا الدين الحق عسى أن يكونوا يومًا قريبًا من أهله.\nفإلى تفصيل ذلك:\nلقد كان لغزوة تبوك أكبرُ الأثر في إظهار شوكة المسلمين وهيبة دولتهم، فقد ظهر للأمم أن هذه القوة التي يزداد نفوذُها وتتسع رقعتُها كلَّ يوم مستعدةٌ لتحدي الدنيا بأسرها، فدانت العرب جميعًا لسلطان الإسلام، وعلم المنافقون في المدينة وما حولها أن الدائرة ستكون عليهم إذا ما أظهروا أي محاولة مكر أو خداع، بعد أن خابت آمالهم التي كانوا عقدوها على دولة الرومان، إذ دفع القوم الجزية عن يد وهم صاغرون.\nوفي ذي الحجة من السنة التاسعة للهجرة، بعث رسول الله - ﷺ - أبا بكر الصديق أميرًا على الحج.\nقال ابن إسحاق: (ثم أقام رسول الله - ﷺ - منصرفه من تبوك بقية شهر رمضان وشوّالًا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج من سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجَّهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حَجِّهم، فخرج أبو بكر ﵁ ومن معه من المسلمين) (١).\nقال ابن سعد: (فخرج في ثلاث مئة رجل من المدينة، وبعث معه رسول الله - ﷺ - بعشرين بَدَنة، قَلَّدَها وأشعَرَها بيده، عليها ناجيةُ بن جُنْدب الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات) (٢).\nولكن ما إن خرج أبو بكر بالناس من المدينة إلا نزل جبريل ﵇ بسورة\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هاشم (٢/ ٥٤٣)، وكتابي: السيرة النبوية - على منهج الوحيين - (٣/ ١٦٠٢).\n(٢) انظر طبقات ابن سعد (٢/ ١٦٨)، والمرجع السابق - بحث (٨٢) - حج أبي بكر بالناس ٩ هـ.","vol":"3","page":428},{"text":"براءة، فأمر عليًا ﵁ باللحاق بأبى بكر، وحمَّله صدر سورة براءة ليقرأها على الناس في الحج يوم النحر.\nقال ابن إسحاق: (فنزلت براءة في نقض ما بين رسول الله - ﷺ - وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه، فخرج عليّ بن أبي طالب ﵁ على ناقة رسول الله - ﷺ - العضباء) (١).\nقال ابن سعد: (فلما كان بالعَرْج، وابن عائذ يقول - بضَجْنَان - لحقه علي بن أبي طالب ﵁ على العَضْباء، فلما رآه أبو بكر، قال: أمير أو مأمور؟ قال: لا بل مأمور، ثم مضيا).\nوفي رواية: (فقال له أبو بكر: أستعملك رسول الله - ﷺ - على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس، وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده) (٢).\nوقد ذكر ابن إسحاق بإسناد حسن تفصيل هذا المشهد، من حديث محمد بن علي رضوان الله عليه أنه قال: (لما نزلت براءة على رسول الله - ﷺ -، وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ومن كان له عند رسول الله - ﷺ - عهد فهو إلى مُدَّته، فخرج علي بن أبي طالب رضوان الله عليه على ناقة رسول الله - ﷺ - العَضْباء، حتى أدرك أبا بكرَ بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا.\nفأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج، التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب ﵁، فأذّن في الناس بالذي أمره به رسول الله - ﷺ -، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مُشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ومن كان له عند رسول الله - ﷺ - عَهدٌ فهو إلى مدته) (٣).\n_________\n(١) انظر تفصيل حج أبي بكر بالناس في سيرة ابن هشام (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٨)، والمرجع السابق.\n(٢) انظر كامل تفاصيل ذلك الحج عند ابن سعد (٢/ ١٦٨ - ١٦٩)، وكتابي: السيرة النبوية (١٦٠٢).\n(٣) حسن بشواهده. انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦). وكتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٦٠٤).","vol":"3","page":429},{"text":"و﴿بَرَاءَةٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه)، ومنهم من جعلها كالمعرفة بصلتها بما بعدها، والتقدير: (البراءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)، والأول أشهر في كلام العرب.\nوقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية.\nأي: مَنْ كان من أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة أو كان له عهد دون أربعة أشهر فله أن يكمل أربعة أشهر، فأما مَنْ كان له عهد مؤقت فاجله إلى مدته، لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾. وأما من لا عهد له من المشركين فأمهلهم إلى انسلاخ الأشهر الحرم، أي خمسين يومًا تنتهي بنهاية المحرّم.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: [بعثني أبو بكر في تلك الحِجّة في مؤذِّنين بعثهم يومَ النحر يؤذنون بمنى: ألَّا يَحُجَّ بعد هذا العام مُشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ثم أردف النبي - ﷺ - أبا بكر بعليِّ بن أبي طالب ﵄، فأمره أن يُؤذن ببراءة، قال: فأذن معنا علي في أهل مِنى يومَ النحر ببراءة، وألَّا يحجَّ بعدَ العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عريان] (١).\nوله شاهد في مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند قوي من حديث علي، وكذلك في مسند الحميدي عن زيد بن يُثَيْع، قال: سألنا عليًا، بأي شيء بعثتَ في الحجّة؟ قال: [بُعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع مُسلم وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومَنْ كان بينَهُ وبين النبي - ﷺ - عهد، فعهده إلى مُدَّته، ومن لم يكن له عَهْدٌ، فأجله إلى أربعة أشهر] (٢).\nوأما قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، قال ابن جرير: (فإنه يعني: فسيروا فيها مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من رسول الله - ﷺ - وأتباعه).\n- وهو في لغة العرب من ساحَ يسيحُ سياحةً، وسُيوحًا وسَيَحانًا.\nقال قتادة: (قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، عشرون من ذي الحجة،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦٩) - كتاب الصلاة -، وكذلك (٣١٧٧) - كتاب الحج -، وأخرجه مسلم في الصحيح (١٣٤٧) - كتاب الحج -، وله شواهد كثيرة في السيرة والسنن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٧٩) من حديث علي ﵁، وأخرجه الحميدي (٤٨) في مسنده، وسنده صحيح.","vol":"3","page":430},{"text":"والمحرم وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر).\nوقال ابن عباس: (حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون فيها حيثما شاؤوا، وحدّ أجل من ليس له عهد، انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم، أمره أن يضع السيف فيمن عاهد).\nثم قال جل ذكره: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (قوله: ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾، غير مُفِيتيه بأنفسكم، لأنكم حيث ذهبتم وأين كنتم من الأرض، ففي قبضته وسلطانه، لا يمنعكم منه وزيرٌ، ولا يحول بينكم وبينه إذا أرادكم بعذاب معقلٌ ولا موئل، إلا الإيمان به وبرسوله، والتوبة من معصيته.\nيقول: فبادروا عقوبته بتوبة، ودعوا السياحة التي لا تنفعكم. وأما قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، يقول: واعلموا أن الله مُذِلُّ الكافرين، ومورثهم العارَ في الدنيا، والنار في الآخرة).\nثم قال سبحانه: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾.\nالمعنى: وإعلامٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم النحر.\nقال ابن زيد: (قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: إعلام من الله ورسوله).\nوقال ابن عباس: (الحج الأكبر يوم النحر).\nوعن عبد الله بن أبي أوفى قال: (الحج الأكبر، يوم تُهرَاقُ فيه الدماء، ويحلق فيه الشعر، ويَحِلُّ فيه الحرام).\nوقيل: بل هو يوم عرفة، ذكره عطاء ومجاهد، والصواب الأول وبه جاء الخبر الصحيح.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: (ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الأكبرُ من أجل قول الناس الحجُّ الأصغر) (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري - حديث رقم - (٤٦٥٧) - كتاب التفسير -.","vol":"3","page":431},{"text":"وفي التفاسير عن ابن جريج، عن عطاء، قال: (الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة).\nفيقال للعمرة (الحج الأصغر) لأن عملها أقل من عمل الحج، إذْ في أعمال الحج ما هو زيادة عليها.\nوعن ابن إسحاق: (﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، أي: بعد هذه الحجة).\nوقوله: \"ورَسُولُهُ\" أي: ورسوله بريء من المشركين، فالخبر محذوف، وهي جملة معطوفة على ما قبلها.\nثم قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nوالمعنى: أنكم إن تبتم أيها المشركون من كفركم ورجعتم إلى إفراد الله تعالى بالتعظيم والعبادة فهو خير لكم من الإقامة على الشرك سواء في الدنيا أو في الآخرة، وإن أعرضتم وأبيتم إلا دين الآباء وتقليدهم في عبادة الأوثان فأيقنوا أن الله سيأتي بكم لا محالة، ولا سبيل لكم أن تفلتوا من قبضته سبحانه، ثم الويل والوعيد الشديد يَنْتَظِرُكُم في صلي نيرانه.\nثم قال جل وعزَّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\nقال قتادة: (هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر. فأمر الله نبيّه أن يوفِي لهم بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك).\nثم قال جل ذكره: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nيقول جل ذكره: إذا انقضى المحرّم من الأشهر الحرم (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم) عن الذين لا عهد لهم أو عمن كان لهم عهد فنقضوه بإعلانهم العداء","vol":"3","page":432},{"text":"ومظاهرتهم الأعداء على المسلمين أو كان عهدهم إلى أجل غير معلوم، فاقتلوا هؤلاء المشركين حيث لقيتموهم من الأرض في الحل والحرم وفي أي شهر، وخذوهم أسرى واحصروهم بمنعهم التصرف في بلاد الإسلام ودخول مكة واقعدوا لهم بالطلب كل طريق ومرقب، فإن رجعوا عن الشرك وأخلصوا التوحيد والإقرار بالنبوة وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم.\nقال أنَس: (توبتهم، خلع الأوثان، وعبادة ربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة).\nوكان قتادة يقول: (خلوا سبيل من أمركم الله أن تخلوا سبيله، فإنما الناس ثلاثة: رهْط مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عُشور ماله) - ذكرهما ابن جرير.\nثم قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال مجاهد: (إنسان يأتيك فيسمع ما تقول، ويسمع ما أنزل عليك، فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه، حيث جاءه).\nقال ابن كثير: (والغرضُ أن من قَدِمَ من دار الحرب إلى دار الإِسلام في أداء رسالة أو تجارة، أو طلب صُلْح أو مهادنة أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، فطلب من الإمام أو نائبه أمانًا، أعطي أمانًا ما دام مترددًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه.\nلكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان، عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، ﵏).\nوخلاصة القول: إنْ طَلَبَ المشرك أمانًا يُمَكِّنُ من إبلاغه عهد الله وإقامة حجة الله البالغة عليه فإنه يُعطى ذلك ويكون آمنًا مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، وقد شُرِّعَ ذلك ليعلموا دين الله، وتصل دعوة الله سبحانه إلى الخلق.\nوفي السنة الصحيحة آفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن نعيم بن مسعود الأشجعي، قال: [سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لهما - أي لرسولي مُسيلمة الكذاب - حين قرأ كتاب","vol":"3","page":433},{"text":"مسيلمة: ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، قال: أما والله، لولا أن الرُّسْلَ لا تقْتَلُ لضَرَبْتُ أعناقَكُما] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن حارثة بن مُضرب أنه أتى عبد الله فقال: [ما بيني وبين أحد من العرب حِنَةٌ (٢) وإني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجيء بهم فاستتابهم، غير ابن النواحة قال له: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لولا أنك رسول لضربت عنقك\" فأنت اليوم لست برسول، فأمر قَرظَة بن كعب فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود - واللفظ له - عن أم هانئ بنت أبي طالب: [أنها أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح، فأتت النبي - ﷺ -، فذكرت له ذلك، فقال: قد أجرنا مَنْ أَجَرْتِ، وأمَّنا مَنْ أمَّنْتِ] (٤).\n٧ - ١٥. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٢٧٦١) - باب في الرسل - من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٢٣٩٩).\n(٢) \"حنة\": هي الإحنة: الحقد والغضب المُضمر.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٧٦٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٦٧٥)، وأحمد (١/ ٣٨٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الشيخان دون قوله: \"وأمنا. .\"، وأخرجه بتمامه أبو داود في السنن، حديث رقم (٢٧٦٣) - باب في أمان المرأة -. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٢٤٠١).","vol":"3","page":434},{"text":"يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: خطاب الله تعالى عباده المؤمنين: كيف يستقيم عهد المشركين وقد كفروا بالله وليس بعد الكفر ذنب! فإن تمسكوا بما عاهدتموهم يوم الحديبية فأوفوا لهم عهدهم والله يحب المتقين.\nإنهم يجمعون في صدورهم المكر والغدر والخديعة والبغضاء ولا يراعون في الحقيقة عهدًا ولا قرابة، فتنبهوا لذلك فإن أكثرهم فاسقون.\nلقد استبدلوا بالقرآن متاع هذه الدنيا، ومنعوا المؤمنين من اتباع الحق، وأولئك هم المعتدون.\nفإن تركوا الأوثان وأقبلوا على عبادة الرحمن، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فهم إخوانكم في الدين، وبذلك تحرم دماؤهم.\nوإن نقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، وطعَنوا في دينكم، فقاتلوا رؤوس الكفر حتى تنكسر أو تنفك من الكفر والعناد.\nأتخشون قتال قوم أَذاقُوكُم أَلَمَ المكر والطعن والغدر والتهجير من الديار، وهم الذين أعلنوا الحرب عليكم؟ ! إن الله أحق أن تخشوه إن كنتم صادقين.\nفانفروا لقتالهم يعذبهم الله بأيديكم ويشف بنصركم عليهم صدوركم، ثم يتوب سبحانه على كل من تاب، فأقلع عن الظلم والإثم وأناب، والله عليم حكيم.\nفقوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾، أي: لا يستقيم عهد القوم وهم مشركون بالله كافرون به وبرسله.\nوقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية، قال ابن كثير: (يعني يوم الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] الآية، ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، أي: مهما","vol":"3","page":435},{"text":"تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين، ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، وقد فعل رسول الله - ﷺ - ذلك والمسلمون، استمرّ العقد والهدنةُ مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست، إلى أن نقضت قريشٌ العهد ومالؤوا حلفاءهم بني بكر على خزاعة أحلاف رسول الله - ﷺ - فقتلوهم معهم في الحرم أيضًا، فعند ذلك غزاهم رسول الله - ﷺ - في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء، وكانوا قريبًا من ألفين، ومن استمر على كفره وفَرّ من رسول الله - ﷺ - بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر، يذهب حيث شاء: منهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإِسلام التام، والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله).\nوقوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾.\nيذكر سبحانه في هذه الآية وما بعدها بعض صفات المشركين وما تنطوي عليه نفوسهم من المكر والغدر والبغضاء وعدم تفويت أية محاولة لإيقاع الأذى بالمؤمنين.\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾، قال: الإلّ: القرابة، والذمة: العهد).\nوقال قتادة: (الإلّ: الحلف).\nوقال مجاهد: (الإل: العهد).\nوقوله: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء، ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾، أي: تأبى عليهم قلوبهم أن يذعنوا لكم، بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم.\nيحذِّر جل ثناؤه أمرَهم المؤمنين، ويشحذهم على قتلهم واجتياحهم حيث وجدوا من أرض الله، وأن لا يقصِّروا في مكروههم بكل ما قدروا عليه، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾، يقول: وأكثرهم مخالفون عهدَكم، ناقضون له، كافرون بربهم، خارجون عن طاعته).\nوقوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.","vol":"3","page":436},{"text":"أي: استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا، فاعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهموا به من أمور الدنيا الخسيسة، فمنعوا المؤمنين من اتباع الحق، وقد ساء منهجهم إذ استبدلوا بالحق عرضًا زائفًا، وكانوا عَثَرَةً في طريق الهدى وما يحيي قلوب الناس ويوصلها بالله ﷿.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من جوامع الكلم في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند حسن، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والعجمي، فقال: [اقرؤوا القرآن، وابتغوا به الله تعالى، من قبل أن يأتيَ قومٌ يقيمونَه إقامة القِدْحِ، يتعجَّلونَهُ ولا يتأجَّلونهُ].\nوفي رواية: [اقرؤوا فكل حسن، وسيجيء أقوامٌ يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه، ولا يتأجلونه] (١). والقِدْحُ: السهم قبل أن يُراش ويركب نصله، وقِدْحُ الميسر أيضًا.\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري أن معاوية قال له: إذا أتيت فسطاطي فقم فأخبر ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [اقرؤوا القرآن، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه] (٢).\nوفي رواية: [اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفُوا عنه، ولا تَغْلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والطبراني والبيهقي بسند صحيح عن عمران بن حصين، أنه مرّ على قارئ يقرأ، ثم سأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس] (٣).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٧)، (٣/ ٣٩٧)، وأبو داود (١/ ١٣٢)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (رقم - ١٨٧٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث (٢٥٩) -.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٢٨)، (٣/ ٤٤٤)، والطبراني في \"الأوسط\" (١/ ١٤٢/ ٢)، ورواه الطبراني في \"الكبير\" أيضًا كما في \"المجمع\" (٤/ ٧٣)، وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١١٧٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، (٤/ ٤٣٩)، والترمذي (٤/ ٥٥)، وله شواهد =","vol":"3","page":437},{"text":"وفي رواية: [اقرؤوا القرآن، وسلُوا الله به، قبل أن يأتيَ قومٌ يقرؤون القرآن فيسألون به الناس].\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم بسند صحيح لشواهده، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: [تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم، يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾.\nقال النسفي: (ولا تكرار، لأن الأول على الخصوص حيث قال فيكم، والثاني على العموم لأنه قال في مؤمن، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (حرَّمت هذه الآية دماء أهل القبلة).\nوقال قتادة: (يقول: إن تركوا اللات والعزى، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِوَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾).\nقال ابن زيد: (افترضت الصلاة والزكاة جميعًا لم يفرَّق بينهما. وقرأ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾.\nالنكث هو النقض.\nقال القرطبي: (وأصله في كل ما فُتِلَ ثم حُلّ. فهي في الأيمان والعهود مستعارة).\nقال ابن عباس: (يعني أهل العهد من المشركين، سماهم ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وهم\n_________\n= عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٥٧).\n(١) صحيح لشواهده. أخرجه ابن نصر في \"قيام الليل\" (ص ٧٤)، والحاكم (٤/ ٥٤٧)، وانظر مسند أحمد (٣/ ٣٨ - ٣٩)، ورواه ابن أبي حاتم كما في \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٢٨).","vol":"3","page":438},{"text":"كذلك. يقول الله لنبيه: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم، أئمةُ الكفر لا أيمان لهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾).\nوأصل الطعن في كلام العرب القدح. قال الرازي: (وطعنَ فيه أي قَدَحَ).\nقال ابن كثير: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾، أي: عابوه وانتقصوه.\nومن ها هنا أُخِذَ قتلُ من سبّ الرسولَ - صلوات الله وسلامه عليه - أو مَنْ طعن في دين الإسلام أو ذكره بِتَنَقُّصٍ، ولهذا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾، أي: يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال).\nقلت: وأكثر أهل العلم أنّ من سبّ الله تعالى أو الدين أو الرسول - ﷺ - من أهل الذمة أو استخَفَّ بقدره أو وَصَفَهُ بغير الوجه الذي عُرِفَ به فإنه يقتل، فإنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا. واستدل بعضهم بأمره - ﷺ - بقتل كعب بن الأشرف وكان معاهدًا. فإن ظهر السبّ من مسلم فإنه يخرج من ملة الإسلام ولا يستتاب بل حكمه القتل مباشرة.\nقال الإمام محمد بن سمنون: (أجمع العلماء أن شاتم النبي - ﷺ - المتنقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر) (١).\nوفي سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس: [أن أعمى كانت له أم ولد، تشتم النبي - ﷺ -، وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي - ﷺ - وتشتمه، فأخذ المغول (٢) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكِرَ ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجمع الناس فقال: \"أنشد الله رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق، إلا قام\" فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها\n_________\n(١) انظر كتاب: \"الصارم المسلول على شاتم الله والرسول\"، وكتابي أصل الدين والإيمان (١/ ١١٤).\n(٢) سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه، فهو سلاح خفي يُغتال به الناس.","vol":"3","page":439},{"text":"حتى قتلتها، فقال النبي - ﷺ -: ألا اشهدوا: أن دمها هدر] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nقال السدي: (قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾، من بعد عهدهم، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾، يقول: هموا بإخراجه فأخرجوه، ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، بالقتال).\nوقال مجاهد: (﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، قال: قتال قريش حلفاءَ محمد - ﷺ -).\nقال القاسمي: (﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي أتخافون أن ينالكم منهم مكروه حتى تتركوا قتالهم ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ بمخالفة أمره وترك قتالهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه، ولا يبالي بمن سواه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ - قاله الزمخشري - وفيه من التشديد ما لا يخفى).\nوقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾.\nيعزم تعالى بذلك على المؤمنين ويحرضهم على قتال المشركين وأعداء هذا الدين الناكثين لأيمانهم وعهودهم ومواثيقهم.\nقال السدي: (﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، قال: خزاعة، يشف صدورهم من بني بكر).\nوالآية عامة في كل زمان ومكان، لمواجهة كل من نكث العهود وطعن في المواثيق وأظهر الغدر والإفساد، فواجب على الحاكم المسلم أن ينبذ إليهم ويؤدبهم.\nفخلاصة المعنى: قاتلوهم - معشر المؤمنين - يعذبهم الله بآلام الجراحات والموت ويخزهم بالأسر والاسترقاق والقهر ويعطيكم الظفر والغلبة عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين صبروا حتى أراهم الله تعالى ذل عدوهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٣٦١) - كتاب الحدود - باب الحكم فيمن سب النبي - ﷺ -. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٦٥)، وسنن النسائي \"الكبرى\" (٣٥٣٣)، وأخرجه الدارقطني (٣/ ١١٢)، (٤/ ٢١٦). قال الحافظ في بلوغ المرام: رواته ثقات.","vol":"3","page":440},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nقال السدي: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ - أي خزاعة - حين قتلهم بنو بكر، وأعانتهم قريش).\nقال النسفي: (﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لما لقوا منهم من المكروه وقد حصل الله هذه المواعيد كلها فكان دليلًا على صحة نبوته).\nقلت: والآية أيضًا عامة في كل زمان ومكان، فإن الله تعالى يُنْزل الخزي والذل بأعداء دينه وينصر عليهم فئة المؤمنين الصادقين، فيذهب غيظ قلوبهم مما لاقوه منهم من ظلم وتجبر وعلو في الأرض بغير الحق ونشر للكفر والفساد، ثم الله جل وعلا يتوب برحمته على من تاب إليه من عباده فأقلع عن الإثم والظلم ورجع إلى جادة الحق، والله عليم بأفعال عباده الظاهرة والباطنة، حكيم في أقواله وأفعاله وتقديره وتشريعه.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [قال الله ﵎: يا ابن آدمَ إنك ما دَعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبُك عَنَان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تُشْرك بي شيئًا لأتيتُك بقُرابِها مَغْفِرَة] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لو يعلمُ المؤمن ما عنْدَ الله من العقوبة، ما طَمِعَ بجنته أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عِنْدَ الله من الرحمة، ما قَنِطَ من جَنَّتِهِ أحدٌ] (٢).\n١٦ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٧٨٩)، وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث (٢٨٠٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٥) - كتاب التوبة - باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها تغلب غضبه، وأخرجه الترمذي (٣٧٩١) في السنن، وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث (٢٨٠٧).","vol":"3","page":441},{"text":"أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطَابُ الله تعالى عباده المؤمنين: هل ظننتم أن تمضوا دون اختبار يُظْهِرُ صِدْقَ جهادكم وولائكم لله تعالى وبراءتكم من تقريب المشركين؟ ! إن الله خبير بأعمالكم وأحلافكم.\nإنه لا يكون من المشركين عمارة لمساجد الله وهم قائمون على منهاج الكفر، بل إن أعمالهم قد بطلت وهم في النار يوم القيامة ماكثون.\nإنما عُمّارُ المساجد على الحقيقة هم مَنْ أخْلص التوحيد لله وآمن باليوم الآخر وأقام الصلوات الخمس ولم يعبد إلا الله فأولئك بإذن الله من المفلحين.\nهل جعلتم الافتخار بالسقاية وسدانة البيت كالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله؟ ! كلا، لا تعتدل أحوال ومنازل الفريقين.\nفالمؤمنون والمهاجرون والمجاهدون أعظم درجة من الذين افتخروا بالسقي والعمارة، لهم البشرى من الله برحمته ورضوانه والقرار في النعيم المقيم، والخلود في الأجر العظيم.\nفقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾.\nالوليجة: الشيء يدخل في آخر غيره. والمقصود هنا البطانة من المشركين.\nقال السدي: ﴿وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾، يتولَّجها، من الولاية للمشركين).","vol":"3","page":442},{"text":"وقال الربيع: (﴿وَلِيجَةً﴾: دَخَلًا). وقال ابن زيد: (أبى أن يدعهم دون التمحيص).\nوقال الحسن: (﴿وَلِيجَةً﴾، قال: هو الكفر والنفاق، أو قال أحدَهما).\nوالمعنى: هل حسبتم أن تتركوا بغير اختبار يتبين فيه صدق إيمانكم وصدق جهادكم عدو الله وعدوكم، وصدق ولائكم لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، وتبرئكم من تقريب المشركين.\nقال ابن جرير: (نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين أولياء، يفشون إليهم أسرارهم).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: يعلم أعمالكم وأحلافكم ومَنْ توالون ومَنْ تُعادون، ثم هو سبحانه مجازيكم بأعمالكم إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًا فشر.\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.\nأي: ما ينبغي للمشركين إعمار مساجد الله التي أسست على التقوى وعبادة الله وحده لا شريك له.\nقال القاسمي: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، أي: ما صحَّ لهم وما استقام ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، أي: التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، أي يعمروا شيئًا منها، فهو جمع مضاف في سياق النفي، ويدخل فيه المسجد الحرام دخولًا أوليًا، إذ نفيُ الجمع يدل على النفي عن كل فرد، فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية.\nوقرئ ﴿مسجد الله﴾ بالتوحيد، تصريحًا بالمقصود، وهو المسجد الحرام،","vol":"3","page":443},{"text":"أشرف المساجد في الأرض، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده، لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن).\nقال في \"البصائر\": (- يعمر -: إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من العمرة التي هي الزيارة، أو من قولهم: عمرت بمكان كذا أي أقمت به).\nقال السدي: (﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ قال: يقول: ما كان ينبغي لهم أن يعمروها، ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْر﴾، قال: النصراني يقال له: ما أنت؟ فيقول: نصراني، واليهودي يقال له: ما أنت؟ فيقول: يهودي، والصابئ يقال له: ما أنت؟ فيقول: صابئ).\nوالخلاصة: لا يوصف المشركون بعمارة المساجد، وما ينبغي لهم لا ببنائها خالصة لوجه الله تعالى، ولا بعمارتها وارتيادها لعبادته جل ثناؤه، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، أي: بحالهم وقَالِهم.\nوهؤلاء ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، أي: بطلت وذهبت أجورها إذ لم تكن لله بل للرياء والمصلحة والكذب والنفاق والشيطان ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون فيها أبدًا، لا أحياءً ولا أمواتًا.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم مُؤْمِنًا حَسَنَة، يُعطِي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنةٌ يُجْزَى بها] (١).\nوفي رواية: [إن الكافر إذا عمل حسنةً أُطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمِنُ فإن الله يَدَّخِرُ له حسناتِهِ في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزقًا في الدنيا على طاعته].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.\nقال ابن عباس (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، يقول: مَن وحَّد الله، وآمن باليوم الآخر. يقول: أَقَرَّ بما أنزل الله، ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾، يعني\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨) - كتاب صفات المنافقين - باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا. وانظر ما بعده في الباب.","vol":"3","page":444},{"text":"الصلوات الخمس، ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، يقول: ثم لم يعبد إلا الله، قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾، يقول: إن أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]: يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا محمودًا، وهي الشفاعة، وكل \"عسى\"، في القرآن فهي موجبة).\nوقال ابن إسحاق: (و﴿عَسَى﴾ من الله حق).\nفعرّف ﷾ في هذه الآية عمار المساجد على الحقيقة، بعد أن نفى ذلك عن المشركين.\nوفي التنزيل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].\nوقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من الخير في آفاق هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" - بسند جيد - عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لينادي يوم القيامة: أين جيراني، أين جيراني؟ قال: فتقول الملائكةُ: ربنا! ومن ينبغي أن يجاورك؟ فيقول: أين عُمّار المساجد؟] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة تمحو سيئة، وخطوةٌ تكتبُ له حسنة، ذاهبًا وراجعًا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن عثمان، عن النبي ﵊ قال: [من بني مسجدًا يبتغي به وَجْه الله بنى الله له مِثْلَهُ في الجنة] (٣).\nوله شاهد عند ابن ماجه من حديث جابر مرفوعًا: [من بنى لله مسجدًا، ولو كَمَفْحَصِ قطاة أو أصغر، بنى الله له بيتًا في الجنة].\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [سبعة يظلهم الله تعالى في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: إمام عَدْلٌ، وشاب نشأ في عبادة\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (١٦/ ١) من حديث أنس ﵁، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٧٢٨).\n(٢) حديث حسن. رواه أحمد والطبراني وابن حبان. انظر صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٢٩٩) (٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٠) - كتاب الصلاة - باب من بنى مسجدًا. وانظر للشاهد صحيح الجامع الصغير (٦٠٠٣)، (٦٠٠٤)، (٦٠٠٥)، (٦٠٠٦)، ورواه أحمد.","vol":"3","page":445},{"text":"الله، ورجل قلبه مُعَلَّقٌ في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ مَنْصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تَصَدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُه، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه] (١).\nوالخلاصة: إن مَنْ يعمر مساجد الله ببنائها والقيام بعبادة الله فيها من آمن بالله تعالى وأسمائه وصفاته فأفرده بالعبادة والتعظيم، وآمن باليوم الآخر يوم يقوم الناس لرب العالمين، فاستعد لذلك بإقامة الصلوات وإعطاء الزكاة والصدقات وإفراد الله بالخشية والعبادة كما شرع، فهؤلاء لهم البشرى يوم الدين بالفلاح والفوز العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (وهذا توبيخ من الله تعالى ذكره لقوم افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم جل ثناؤه أن الفخر في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، لا في الذي افتخروا به من السِّدانة والسقاية).\nقال: (﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ هؤلاء، وأولئك، ولا تعتدل أحوالهما عند الله ومنازلهما، لأن الله تعالى لا يقبل بغير الإيمان به وباليوم الآخر عملًا، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، يقول: والله لا يُوفّق لصالح الأعمال من كان به كافرًا، ولتوحيده جاحدًا).\nقلت: وقد صحّ هذا المعنى في نزول هذه الآية كما ورد في السنة الصحيحة:\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن النعمان بن بشير قال: [كنت عند منبر رسول الله - ﷺ - فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملًا بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملًا بعد الإِسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - ﷺ - وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية إلى آخرها] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٢٣) - كتاب الزكاة - واللفظ له، وأخرجه مسلم وغيره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٧٩) ح (١١١)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٩)، والطبري في \"التفسير\" (١٦٥٥٧)، وغيرهم.","vol":"3","page":446},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.\nالمعنى: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أعظم درجة من الذين افتخروا بالسقي والعمارة، فإن الفوز يوم القيامة لا يكون إلا على منهاج النبوة، لا في أعراف وتقاليد الجاهلية وما كان غايته الرياء والسمعة والشهرة.\nوقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\nأي: يعلمهم ربهم سبحانه بكريم ثوابه عليهم وجزيل رحمته بهم ورضوانه الذي هو أكبر من كل شيء، وأجل نعمة في هذا الوجود في الدنيا والآخرة، ثم يتوِّج كرمه عليهم بالخلوة في دار السعادة في جنات النعيم.\nأخرج ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، بسند صحيح على شرط الشيخين، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﷿: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ قال: فيقول: رضواني أكبر] (١).\n٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: نَهْيُ الله المؤمنين عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن رضوا بالكفر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢٦٤٧)، وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٢/ ١٤١/ ١)، وأخرجه الحاكم (١/ ٨٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٣٦).","vol":"3","page":447},{"text":"وقدموه على الإيمان، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الظالمون.\nقل - يا محمد - لأصحابك متوعدًا: إن كنتم آثرتم الأهل والقرابة: من أب أو ابن أو أخ أو زوجة أو عشيرة، أو المال والتجارة والمسكن وغير ذلك من متاع هذه الدنيا الفانية على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله فترقبوا حلول نقمة الله بكم، والله لا يهدي من يؤثر هواه ودنياه، على إعلاء كلمة الله ورضاه.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾.\nنهي عن موالاة الكفار، أبناء كانوا أو إخوانًا أو آباء، فإن الولاء والبراء جزء من منهج الإيمان عند المؤمنين.\nوقد تألق في ذلك عبد الله ابن المنافق ابن سلول حين سجّل آنذاك رقمًا عالميًا في الولاء والبراء، ومفهوم الحب والبغض في الله، وقد وقف على باب المدينة يمنع أباه من دخولها، واستل سيفه مهددًا والده رأس النفاق - الذي أشعل حادثة الإفك وكثيرًا من الفتن بين المسلمين - أن لا يدخلها إلا بإذن من رسول الله - ﷺ -.\nروى ذلك الإمام الترمذي بسند حسن عن جابر، قال: [فقال له ابنُهُ عبد الله بن عبد الله: والله لا تَنْقَلِب حتى تُقِرَّ أنك الذليل ورسولُ الله - ﷺ - العزيز ففعل] (١).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].\nوفي الصحيحين والمسند عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار] (٢).\nفنهى الله تعالى المؤمنين عن موادة ونصرة وتأييد الكفار، ولو كانوا إخوانًا أو أبناء\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر سنن الترمذي (٣٣١٥) - كتاب التفسير -، وهو حديث حسن صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢١) - كتاب الإيمان -، وأخرجه مسلم (٤٣) - كتاب الإيمان -.","vol":"3","page":448},{"text":"أو آباء، ما داموا استحبوا الكفر على الإيمان، وتوعَّدَ سبحانه من يتخذهم بطانة من دون المؤمنين، أو يؤثِرُ المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله - ﷺ - أو دار الإِسلام بأنه منهم، وبأنهم بفعلهم ذلك مخالفون لأمر الله وظالمون لأنفسهم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nيتوعد سبحانه من آثر أهله وقرابته - من أب أو ابن أو أخ أو زوجة أو عشيرة - أو مال أو تجارة أو مسكن أو غير ذلك من متاع الحياة الدنيا على محبة الله تعالى ورسوله - ﷺ -، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، بنزول نقمته وسخطه وغضبه، والله لا يهدي من خرج عن منهاجه وآثر هواه.\nقال ابن جرير: (﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾، يقول: اكتسبتموها، ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ بفراقكم بلدكم، ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾، فسكنتموها).\nوقال القرطبي: (﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ يقول: ومنازل تعجبكم الإقامة فيها. ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة).\nقلت: والآية تعم كل زمان ومكان، وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديد قائم لكل من آثر الحياة الدنيا وزينتها، وتعني: \"فانتظروا وارتقبوا\" نزول النكال من الله والعذاب.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من الخير وجوامع الكلم في آفاق هذا المعنى، ومن ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين] (١).\nوفي لفظ آخر من حديث أبي هريرة: [والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والبخاري عن عبد الله بن هشام قال: [كنا مع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (١٥) - كتاب الإيمان - باب حب الرسول الله - ﷺ - من الإيمان، وانظر - حديث رقم - (١٤) للفظ بعده، وأخرجه مسلم في الصحيح (٤٤)، وأحمد في المسند (٣/ ١٧٧)، والنسائي (٨/ ١١٤) وغيرهم.","vol":"3","page":449},{"text":"النبي - ﷺ - وهو آخذٌ بيد عمرَ بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: لا والذي نفسي بيده حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسي. فقال النبي - ﷺ -: الآن يا عمَر] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والنسائي بسند حسن عن سبرة بن الفاكه، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام فقال: تُسْلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم، ثم قَعَدَ له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك .. فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتُقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد. .] الحديث (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند جيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا تبايعتم بالعِيْنَةِ، وأخذتم بأذناب البقر، وَرَضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلًا لا يَنْزِعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم] (٣).\n٢٥ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٣٢) - كتاب الأيمان والنذور -، وأخرجه أحمد (٤/ ٢٣٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٨٣)، والنسائي (٦/ ٢١)، وفي \"الكبرى\" (٤٣٤٢)، وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٤٥٩٣)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٨٨)، وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٦٤٨).\n(٣) إسناده جيد. أخرجه أحمد (٤٨٢٥)، وصححه أحمد شاكر، وأخرجه أبو داود (٣٤٦٢)، وانظر الحديث في جامع الأصول - حديث رقم - (٩٤٦٥)، وفي صحيح الجامع الصغير (٤١٦).","vol":"3","page":450},{"text":"اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عباده المؤمنين بنصره لهم في مشاهد كثيرة، ثم يوم حنين كذلك كان النصر بعد استيعابكم الدرس البليغ: أن النصر من عند الله لا بكثرة العَدد والعُدد، فها هي الكثرة لم تغن عنكم شيئًا أول المعركة وقد وليتم هاربين.\nفلما ثَبَّتَ الله رسوله وفئة الصدق حوله وأيَّدَهُ بالملائكة اختلفَ تَوَجُّه المعركة، فكان النصر للمؤمنين، والعذاب على الكافرين، ثم يتوب الله برحمته على التائبين، والله هو الغفور الرحيم.\nفقوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لقد نصركم الله أيها المؤمنون في أماكن حرب توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم، ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم كثيرة).\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.\nأي: ويوم حنين أيضًا قد نصركم - ﷾ -، بعد ما أعطاكم درسًا بليغًا، أن النصر من عنده وأن الكثرة لم تغن عنكم شيئًا، بل إن كثيرًا منكم ولوا على أعقابهم مدبرين منهزمين.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: [غزونا مع رسول الله - ﷺ - حُنَيْنًا، فلما واجهنا العدو، تقدّمتُ فأعلو ثنيَّة، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم، فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي - ﷺ -، فولّى صحابة النبي - ﷺ - وأرجع منهزمًا وعليّ بُرْدَتان مُتَّزِرًا بإحداهما مرتديًا بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعًا، ومررت على رسول الله - ﷺ - منهزمًا وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله - ﷺ -: لقد رأى ابن الأكوع فزعًا] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٧٧٧) - كتاب الجهاد - من حديث سلمة بن الأكوع. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (بحث ٧٢ - القرآن يتحدث عن معركة حنين) (٣/ ١٣٦٤) لتفصيل البحث.","vol":"3","page":451},{"text":"قال ابن زيد: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾، قال: كانوا اثني عشر ألفًا).\nوالباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ بمعنى في، كما ذكر أهل اللغة، والتقدير: وضاقت عليكم الأرض في رحبها وسعتها.\nوفي قوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، قال قتادة: (ذكر لنا أن رجلًا قال يومئذ: لن نغلب اليوم بكُثْرة، وذُكِرَ لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس - أي فروا مسرعين -).\nثم قال جل ذكره: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nروى مسلم في صحيحه عن سلمة قال: [فلما غشوا رسول الله - ﷺ - نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تُراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال: شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله ﷿ بذلك، وقسم رسول الله - ﷺ - غنائمهم بين المسلمين] (١).\nوروى أحمد في المسند عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: [فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كما قال الله ﷿، فقال رسول الله - ﷺ -: يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثم قال: يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله. قال: ثم اقتحم رسول الله - ﷺ - عن فرسه فأخذ كفًا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فهزمهم الله ﷿. قال يحيى بن عطاء - أحد الرواة - فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفيه ترابًا] (٢).\nوكذلك في المسند، وسيرة ابن إسحاق، بسند حسن عن جابر قال: [فلما رأى رسول الله - ﷺ - أمر الناس قال: يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة، فأجابوه: لبيك لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله - ﷺ - منهم مئة، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرًا بالخزرج، وكانوا صبراء عند الحرب] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٧٧) - كتاب الجهاد، وانظر المرجع السابق (٣/ ١٣٦٥).\n(٢) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٥/ ٢٨٦)، وكتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٣٥٠) لتمام الحديث.\n(٣) حديث حسن. انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥) بسند حسن، والمرجع السابق (٣/ ١٣٤٨).","vol":"3","page":452},{"text":"ثم قال جل ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.\nوهي الملائكة حمت رسول الله - ﷺ - يومئذ حين حمي الوطيس وحين غشيه المشركون، كما شاركت المؤمنين الذين صمدوا قتالهم.\nيروي ابن جرير بإسناده إلى عبد الرحمن مولى أم برثن قال: (حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: فلما التقينا نحن وأصحاب رسول الله - ﷺ - يوم حنين لم يقوموا لنا حَلْبَ شاة. قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقُهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله - ﷺ -. قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسانُ الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. قال: فانهزمنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها) (١).\nوروى أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الفهري، قال يحيى بن عطاء: (فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الحديد) (٢).\nويروي ابن إسحاق عن جبير بن مطعم ﵁ قال: [إنا لمع رسول الله - ﷺ - يوم حنين والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد (٣) الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة] (٤).\nويروي البيهقي وكذلك ابن سعد - واللفظ له - عن شيبة بن عثمان الحَجَبي قال: [لما كان عام الفتح، دخل رسول الله - ﷺ - مكة عَنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيبَ من محمد غِرّة، فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كُلِّها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدًا، ما تبعته\n_________\n(١) أخرجه الطبري في التفسير (٣١٥١). وانظر المرجع السابق (٣/ ١٣٦٦ - ١٣٦٧).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٨٦)، وهو جزء من حديث أطول.\n(٣) البجاد: الكساء.\n(٤) أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ١٤٦) من حديث جبير بن مطعم ﵁، ورواه ابن إسحاق وفيه ضعف، لكن له شواهد. انظر تفسير ابن كثير - سورة التوبة، آية (٢٦).","vol":"3","page":453},{"text":"أبدًا، وكنتُ مُرْصدًا لما خرجت له لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله - ﷺ - عن بغلته، فأصلت السيف، فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كِدت أشعره إياه، فرُفع لي شُواظ من نار كالبرق كاد يمحُشُني، فوضعت يدي على بصري خوفًا عليه، فالتفتَ إليّ رسول الله - ﷺ - فناداني: يا شَيْبُ ادْنُ مني فدنوت منه، فمسح صدري، ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان، قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحبَّ إليَّ من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي، ثم قال: ادْنُ فقاتل، فتقدمت أمامه أضربُ بسيفي، الله يعلم أني أحب أن أقِيَه بنفسي كُلَّ شيء. .] الحديث (١).\nثم قال جل ذكره: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: بالرعب والقتل والهزيمة.\nقال الحافظ ابن كثير في التفسير: (وقال سعيد بن السائب بن يسار عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حُنَينًا مع المشركين ثم أسلم بعد فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين! قال: فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا) (٢).\nوقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾، فقد سلط الله عليهم القتل والسبي والتشريد، حتى رُوي أن قتلى هوازن قد بلغ خلال المعركة اثنين وسبعين قتيلًا من بني مالك من ثقيف وحدهم وقتيلين من الأحلاف.\nقال ابن إسحاق: (فلما انهزمت هوازن استحرَّ (٣) القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلًا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب، وكانت رايتهم مع ذي الخِمار - وهو عوف بن الربيع -، فلما قُتِلَ أخذها عثمان بن عبد الله، فقاتل بها حتى قتل. قال ابن إسحاق، وأخبرني عامر بن وهب بن الأسود، قال: لما بلغ رسول الله - ﷺ -، قتلُه، قال: أبعده الله! فإنه كان يُبْغِضُ قريشًا).\nكما رُوي أنه خلال الهزيمة قتل ثلاث مئة رجل من بني مالك قتلهم المسلمون في\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ١٤٥) وفي سنده ضعف. وانظر تمام الروايات في كتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٣٦٧ - ١٣٦٨) - لابن سعد، وكذلك للبيهقي.\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨) رقم (٦٢٣)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٨٣): رجاله ثقات. وانظر المرجع السابق (٣/ ١٣٦٩).\n(٣) استحرَّ: أي اشتد.","vol":"3","page":454},{"text":"أوطاس بقيادة الزبير بن العوام أثناء فرارهم وانتشار الفوضى في صفوف المنهزمين، حتى إن أبا طلحةَ وحده قتل عشرين رجلًا منهم وأخذ أسلابهم.\nيروي أبو داود بسند حسن عن أنس بن مالك قال: [قال رسول الله - ﷺ - يومئذ -يعني يوم حنين - من قتل كافرًا فله سلبه. فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذَ أسلابَهُم] (١).\nوكذلك فقد لقي المئات من بني نصر بن معاوية ومن بني رئاب مصرعهم وهما من أهم فروع هوازن، وذلك حين اشتد فيهم القتل وسلط الله عليهم المؤمنين.\nقال ابن إسحاق: (واستحرَّ القتل من بني نَصر في بني رئاب).\nوقال ابن هشام: (فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم، فَصَمَدَ لهم، فلم يزل يُطاعنهم حتى أزاحهم عنها).\nوروي أن عليًا قتل منهم يومئذ أربعين رجلًا.\nثم إن رسول الله - ﷺ - أمر بتعقب الفارين لكسر شوكتهم، وذلك بقتلهم وتشريدهم لئلا يعودوا، وشجع رجاله يومئذ بأن سَلَبَ المشرك لقاتله.\nيروي البخاري في صحيحه عن أبي قتادة قال: [وجلس النبي - ﷺ - فقال: من قتل قتيلًا، له عليه بَيّنَة، فله سلبه] (٢).\nوهو عند أبي داود من حديث أنس بلفظ: [من قتل كافرًا فله سلبه].\nوفي لفظ الحاكم من طريق أنس: [فقتل أبو قتادة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم. فقال أبو قتادة: يا رسول الله! ضربت رجلًا على حبل العاتق، وعليه درع له، فأعجلت عنه أن آخذ سلبه، فانظر من هو يا رسول الله؟ فقال رجل: يا رسول الله! أنا أخذتها، فأرضِهِ منها، فأعطِنيها! فسكت النبي - ﷺ -، وكان لا يُسْألُ شيئًا إلا أعطاه، أو سكت، فقال عمر: لا والله، لا يفيء الله على أسد من أسده ويعطيكها! فضحك رسول الله - ﷺ -] (٣).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٢/ ٦٥) - كتاب الجهاد -.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٣٢١) - كتاب المغازي - باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ١٣٠) على شرط مسلم. وانظر السلسلة الصحيحة (٢١٠٩).","vol":"3","page":455},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال ابن كثير: (قد تاب الله على بقية هوازن، وأسلموا وقدموا عليه مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجِعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يومًا، فعند ذلك خيّرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فرده عليهم، وقسم أموالهم بين الغانمين، ونفل أناسًا من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مئةً مئةً من الإبل، وكان من جملة من أعطى مئةً مالك بن عوف النَّصْري، واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:\nما إن رَأيتُ ولا سمعت بمثله ... في الناس كلّهم بمثل محمد\nأوفى وأعْطى للجزيل إذا اجتُدِي ... ومتى تَشَأ يُخْبركَ عمّا في غَدِ (١)\nوإذا الكتيبة عَرّدت أنيابُها ... بالسُّمْهَرِيّ وضَرْب كُلّ مُهَنّد\nفكأنه ليثٌ على أشباله ... وَسْطَ الهَبَاءة خادِرٌ في مَرْصد).\n٢٨ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين أَنَّ المشركين نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بطواف أو حج أو غير ذلك، فإن خفتم - معشر المؤمنين - فاقة أو فقرًا بمنعهم الاقتراب فاعلموا أن فضل الله يَغْمركم، وهو سبحانه من نعمه ورزقه يزدكم، والله هو العليم بمصالحكم، الحكيم بما يشرعه لكم.\nقاتلوا القوم المكذبين بالله واليوم الآخر المستهزئين بشرع الله وحلاله وحرامه، المستكبرين عن طاعته، من أهل الكتاب حتى يبذلوا الجزية للمسلمين صاغرين.\n_________\n(١) هذا لا يصح شرعًا، فلا يعلم ما في الغد إلا الله، وإنما كان مالك بن عوف حديث عهد بجاهلية.","vol":"3","page":456},{"text":"فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، هي نجاسة معنوية، نجاسة الشرك والكفر. وليس المقصود نجاسة البدن، فقد يكون بدنه طاهرًا نظيفًا، ولذلك جاء في الحديث: [المؤمن لا يَنْجُس]، حتى ولو كان جُنبًا.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: [أن النبي - ﷺ - لقِيَهُ في بعض طريق المدينة وهو جُنُبٌ، فانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: أينَ كنتَ يا أبا هريرة؟ قال: كنتُ جُنُبًا فكَرِهْتُ أن أُجالِسَكَ وأنا على غير طهارة، فقال: سُبْحانَ الله! إنّ المؤمنَ لا يَنْجُسُ] (١).\nوقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: [بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذّنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يَحُجَّ بعدَ هذا العام مُشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ثم أردف النبي - ﷺ - أبا بكر بعليِّ بن أبي طالب ﵄، فأمره أن يؤذِّن ببراءة، قال: فأذن معنا علي في أهل منى يومَ النحر ببراءة، وألا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عريان] (٢).\nفأمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين، الذين هم نجس دينًا، أن يقربوا بيته الحرام بعد نزول هذه الآية في السنة التاسعة للهجرة أثناء حج أبي بكر بالناس.\nيروي ابن جرير بسنده عن الوليد بن مسلم قال: حدثنا أبو عمرو: (أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع في نهيه قول الله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾).\nقال عطاء: (الحرمُ كله قبلة ومسجد. قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، لم يعن المسجدَ وحده، إنما عنى مكة والحرم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٣) - كتاب الغسل - بابُ عَرَقِ الجُنُبِ وأن المسلم لا يَنْجُسُ. وأخرجه مسلم (٣٧١)، وأحمد (٢/ ٢٣٥)، (٢/ ٣٨٢)، وأبو داود (٢٣١)، والترمذي (١٢١)، والنسائي (١/ ١٤٥)، وابن حبان (١٢٥٩)، وابن أبي شيبة (١/ ١٧٣) عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦٩) - كتاب الصلاة - و(٣١٧٧) - كتاب الحج، وأخرجه مسلم في الصحيح (١٣٤٧) - كتاب الحج -. وقد مضى تفصيل حج أبي بكر بالناس سنة ٩ هـ.","vol":"3","page":457},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾.\nقال قتادة: (أغناهم الله بالجزية الجارية، شهرًا فشهرًا، وعامًا فعامًا).\nوقال ابن إسحاق: (وذلك أن الناس قالوا: لتقطعنَّ عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبنَّ ما كنا نصيب فيها من المرافق! فقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، من وجه غير ذلك ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ففي هذا عِوَض مما تخوَّفتم من قطع تلك الأسواق، فعَوَّضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطاهم من أعْناق أهل الكتاب من الجزية).\nوخلاصة المعنى: إن خفتم - معشر المؤمنين - فاقة وفقرًا بمنع المشركين اقتراب المسجد الحرام فسيغنيكم ربكم ﷿ من فضله إن شاء والله ذو الفضل العظيم.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي: عليم بما فيه مصلحتكم وسداد أمركم، حكيم في أقواله وأفعاله وتشريعه لكم.\nوقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.\nيأمر تعالى المؤمنين به من أصحاب نبيه - ﷺ - بقتال القوم المكذبين بالله واليوم الآخر المستهزئين بتشريعه سبحانه وحلاله وحرامه، المتنكرين لطاعته طاعة الحق، من أهل الكتاب حتى يعطوا الخراجَ عن رقابهم، الذي يبذلونه للمسلمين دَفْعًا عنها. فإنهم بكفرهم بمحمد - ﷺ - الذي يجدون صفاته مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل - تنكر لبقية الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، إذ أمروا جميعًا باتباع النبي أحمد صلوات الله وسلامه عليه، ومن ثم أصبحوا بذلك لا يدينون الدين الحق، فوجب عليهم دفع الجزية مقابل حمايتهم وجلوسهم آمنين.\nقال ابن كثير: (وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال أهل الكتاب، بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فلما استقامت جزيرة العرب، أمر الله رسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع، ولذا تجهز رسول الله - ﷺ - لقتال الروم) انتهى.\nوبعض الفقهاء على جواز أخذ الجزية من المجوس، وهو مذهب الشافعي وأحمد - في المشهور عنه -.","vol":"3","page":458},{"text":"واحتجوا بما أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عوف: [أن رسول الله - ﷺ - أخذها من مَجُوس هجَرَ] (١).\nولا شك أن في أخذها من أهل الكتاب إشعارًا لهم أنهم تحت هيمنة دَوْلة الإِسلام وسلطة الحق، ومن ثمَّ فإنه يَحْظُرُ عليهم نشر الفساد أو المنكرات في بلاد المسلمين.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: [لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتُم أحدَهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه] (٢).\nوقوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾. قال ابن عباس: (يدفعه بنفسه غير مستنيب فيها أحدًا).\nوقال قتادة: (عن قهر)، وهو الأصح، فالمراد عن قهر لهم وغلبة، ولذلك قال بعدها ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي: ذليلون مهانون.\nولهذا يذكر هنا الفقهاء ما اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من شروط فيها تحجيم أمرهم ومحاصرة انتشار فسادهم بالتصغير والإذلال.\nففي رواية الأئمة الحفاظ من طريق عبد الرحمن بن غَنَم الأشعري قال: (كتبتُ لعمرَ بن الخطاب - ﵁ - حين صالح نصارى من أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا، وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحْدِث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قَلايَة ولا صومعة راهب، ولا نجدِّد ما خَرِبَ منها، ولا نحيي منها ما كان خِطَط المسلمين، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ينزل من مَرَّ بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نُؤْوِي في كنائسنا ولا منازلنا جاسُوسًا، ولا نَكْتُم غشًا للمسلمين، ولا نُعَلِّم أَوْلادَنا القرآن، ولا نُظْهِرُ شركًا، ولا ندعو إليه أحد، ولا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا الدخول في الإِسلام إن أرادوه، وأن نوقِّر المسلمين، وأن نَقُوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشَبَّه بهم في شيء من ملابسهم، في قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٥٧) - كتاب الجزية والموادعة -. وأخرجه أبو داود (٣٠٤٣)، وأبو يعلى (٨٦١) - من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢١٦٧)، وأحمد في المسند (٨٥٤٢)، (٩٨٨١)، وأبو داود في السنن (٥٢٠٥)، وغيرهم.","vol":"3","page":459},{"text":"شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكُنَاهم، ولا نَرْكَب السروج، ولا نتقلَّدُ السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور. وأن نَجُزَّ مقاديم رؤوسنا، وأن نَلْزم زيّنا حيثما كنا، وأن نشُدَّ الزنانير على أوساطنا، وألا نظهر الصليب على كنائسنا، وألا نظهر صُلُبَنا ولا كُتُبنا في شيء من طريق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيفًا، وألا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء، من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين ولا بعوثًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نُرشِد المسلمين، ولا نَطَّلِعَ عليهم في منازلهم.\nقال: فلما أتيت عمر بالكتاب، زاد فيه: ولا نَضْرِب أحدًا من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم وَوَظفْنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق) - ذكره الحافظ ابن كثير.\n٣٠ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.\nفي هذه الآيات: ذَمُّ الله اليهود في قولهم الكذب: عزير ابن الله، وذمُّ النصارى في قولهم السوء المسيح ابن الله، وهم في ذلك مفترون آثمون.\nلقد أطاعوا بذلك أحبارهم ورهبانهم في قولهم الإثم واستحلالهم الحرام وتحريمهم","vol":"3","page":460},{"text":"الحلال، وما أمروا إلا بافراد الله تعالى في التعظيم والعبادة والتشريع، سبحانه وتعالى عما يشركون.\nإنما يريد المشركون تكذيب الحق والاستهزاء بالوحي ومنهاج الرسل، وهم بذلك كمن يحاول إطفاء نور الشمس بنفخه، والله يأبى إلّا أن يبهر إشعاع شرعه ودينه أرجاء المعمورة.\nإنه هو الذي أرسل رسوله بهدي الوحي ونور النبوة ليعلن منهاجه ويرفعه فوق كل مناهج الأرض ولو كره المشركون.\nفقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾.\nقال القرطبي: (هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص، لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك).\nوقد رُوي أن سبب ذلك القول أن الله تعالى رفع التوراة ومحاها من قلوب اليهود حين قتلوا الأنبياء بعد موسى ﵇، فخرج عُزير يسيح في الأرض، فأتاه جبريل فقال: \"أين تذهب\"؟ قال: أطلب العلم، فعلمه التوراة كلها، فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلمهم.\nوقيل بل حفّظها الله عزيرًا كرامة منه له، فقال لبني إسرائيل: إن الله قد حفظني التوراة، فجعلوا يدرسونها من عنده.\nوكانت التوراة مدفونة، كان دفنها علماؤهم حين أصابهم من الفتن والجلاء والمرض ما أصاب، وقتْل بُخْتَنَصَّر إياهم.\nثم إن التوراة المدفونة وُجدت مطابقة لما كان عُزير يدرس، فهنالك ضلوا حين زعموا أن هذا لما يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله - حكاه ابن جرير.\nوقرأها قراء المدينة وبعض قراءة الكوفة ومكة دون تنوين: \"عزيرُ ابن الله\"، والقراءة بالتنوين أشهر. و\"عزير\" ينصرف عجميًا كان أو عربيًا. وأصله \"عزراء\" - لفظة عبرانية - بمعنى: (معين)، أو أصله \"عزريا\" - بمعنى الله مساعد.\nوقوله: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، الظاهر أنهم أرادوا بنوّة النَّسل، كما قالت العرب في الملائكة. وهذا أشنع الكفر.\nقال أبو المعالي: (أطبقت النصارى على أن المسيح إله وأنه ابن إله).","vol":"3","page":461},{"text":"قال ابن عطية: (ويُقال إن بعضهم يعتقدها بنوّة حنوّ ورحمة).\nقال القرطبي: (وهذا المعنى أيضًا لا يحل أن تطلق البنوّة عليه، وهو كفر).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، تكذيب من الله سبحانه للطائفتين، وأنهم افتروا على الله الكذب فيما قالوه ونسبوه.\nوقوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (يُشبِّهون). وقال قتادة: (ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم).\nوقال السدي: (النصارى يضاهئون قول اليهود في \"عزير\").\n٢ - وقال ابن عباس في رواية: (يقول: قالوا مثل ما قال أهل الأوثان).\n٣ - وقيل: يحكون بقولهم قول أهل الأوثان، الذين قالوا: (اللات، والعزّى، ومناة الثالثة الأخرى) - ذكره ابن جرير.\nقلت: وأصل المضاهاة في كلام العرب من ضهأ أو ضهي.\nقال الرازي: (المضاهأة: المشاكلةُ، تُهْمَزُ وتُلَيَّنُ وقرئ بهما)، وكذلك المضاهاة.\nوالمقصود بالآية المشابهة في طريقة الافتراء بالنعت والوصف دون حجة أو برهان.\nولذلك قال الله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، قال ابن عباس: (لعنهم الله. وكل شيء في القرآن \"قتل\"، فهو لعن).\nقال ابن كثير: (﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، أي: كيف يضلون عن الحق، وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل).\nوقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾.\nقال ابن عباس: (لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله، فأطاعوهم، فسمّاهم الله بذلك أربابًا).\nوقال حذيفة: (أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلُّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا أحله الله لهم حرَّموه، فتلك كانت ربوبيّتهم).","vol":"3","page":462},{"text":"وقال السدي: (استنصحوا الرجال، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم).\nقلت: والأحبار علماء اليهود، جمع (حَبْر) بكسر الحاء وفتحها. وهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه، والرهبان جمع راهب بمعنى المتعبد الخاشع الزاهد، وأصل الترهب عند النصارى، التخلي عن أشغال الدنيا وترك ملاذّها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها.\nوفي الحديث: [تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى] (١).\nأخرج الترمذي من حديث عدي: [أن النبي - ﷺ - تلا هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم. قال: أليس يُحلّون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي - ﷺ -: فتلك عبادتهم] (٢).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند، وابن إسحاق في السيرة من حديث عدي بن حاتم - وكان قد هرب من النبي - ﷺ - إلى قيصر بالشام بعد حنين، ثم لحقته أخته ونصحته بالرجوع وحدثته عن رسول الله - ﷺ - وعفوه وكرمه - قال: [فاتيته وهو جالس في المسجد، فقال القومُ: هذا عديُّ بن حاتم، وجئتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفعت إليه، أخذ بيدي، وقد كان قبل ذلك قال: إني أرجو أن يجعل الله يدَه في يدي. قال: فقام لي، فلقيتْهُ امرأة، ومعها صبي، فقالا: إن لنا إليك حاجة، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها، وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما يُفِرُّكَ؟ ! أَيُفِرُّكَ أن تقول: لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال: قلت: لا. قال: ثم تكلم ساعة، ثم قال: إنما تَفِرُّ أنْ يُقالَ: الله أكبر، وهل تعلم شيئًا أكبرُ من الله؟ قال: قلت: لا. قال:\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٧٨) من حديث أبي أمامة مرفوعًا، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٧٨٢).\n(٢) رواه الترمذي (٣٠٩٤) في التفسير، ويتقوى بما أخرجه الطبري (١٦٦٣٤) عن حذيفة موقوفًا. انظر فتح المجيد (١٠٧). ومعجم الطبراني (٧/ ٩٢) من حديث عدي بألفاظ متقاربة.","vol":"3","page":463},{"text":"فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون. قال: فقلت: إني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه يَنْبسِطُ فرحًا] (١).\nوأما قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، قال ابن جرير: (فإن معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابًا من دون الله).\nوقال النسفي: (﴿اتَّخَذُوا﴾ أي أهل الكتاب ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾ علماءهم ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ نساكهم ﴿أَرْبَابًا﴾ آلهة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كما يطاع الأرباب في أوامرهم ونواهيهم ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على أحبارهم - أي اتخذوه ربًا حيث جعلوه ابن الله -).\nوقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: الذي إذا حرَّمَ الشيء فهو الحرام، وما حَلَّله حلَّ، وما شرعَهُ اتُّبِع، وما حَكَمَ به نفذ. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تعالى وتقدَّسَ وتَنَزَّه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه).\nوقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.\nقال السدي: (يقول: يريدون أن يطفئوا الإِسلام بكلامهم).\nوالمقصود: أن محاولات الملأ الكافر على مدار الزمان تكذيب الحق والمكر بأهله والاستهزاء بالوحي ومنهاج الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما هي بمثابة من يحاول إطفاء شعاع الشمس أو نور القمر بِنَفْخِهِ، وهذا تهريج وعبث.\nوقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.\nأي: يأبى الله تعالى إلا أن يظهر دينه ويعلي كلمته رغم أنف الكافرين الماكرين، الذين يكرهون أن يروا أمر الله يعلو في الأرض وأولياءه هم الغالبون.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.\nتشريف لمحمد - ﷺ - صاحب الرسالة الخاتمة، والشريعة الناسخة، لكل الشرائع التي سبقتها، وإعظام للمنهج الإلهي في صورته الأخيرة إلى البشرية جميعًا، وهو دين\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٥٧٨ - ٥٨١)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٧٨)، ورجاله ثقات.","vol":"3","page":464},{"text":"الإِسلام على منهج الوحيين: القرآن والسنة المحمدية العطرة.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، قال: ليظهر الله نبيّه على أمر الدين كله، فيعطيه إيّاه كله، ولا يخفى عليه منه شيء. وكان المشركون واليهود يكرهون ذلك).\nقال ابن جرير: (﴿الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدًا - ﷺ -، ﴿بِالْهُدَى﴾، يعني: ببيان فرائض الله على خلقه، وجميع اللازم لهم، وبدين الحق، وهو الإِسلام، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، يقول: ليعلي الإِسلام على الملل كلها، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، بالله ظهوره عليها).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا التمكين والانتشار والظهور، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله زوى ليَ الأرض، فرأيت مشارِقَها ومغارِبَها، وإن أمتي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي منها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ليبلغَنَّ هذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله (الله) هذا الدين، بعِزِّ عزيز، أو بِذُلِّ ذليل، عِزًّا يعزّ الله به الإِسلام، وذُلًا يدُّل الله به الكفر].\nفكان تميم الداري يقول: (قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخيرَ والشرفَ والعزّ، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذلَّ والصِّغار والجزيةَ) (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن خَبَّابِ بن الأرتِّ قال: [شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسِّدٌ بُرْدَةً له في ظل الكعبة، قلنا لَه: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحْفَرُ له في الأرض، فَيُجْعَلُ فيه، فَيُجَاءُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٨٨٩) - كتاب الفتن - باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، في أثناء حديث أطول، وزوى: أي جمع وضم، وأخرجه أبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢/ ٢٧)، وأحمد (٥/ ٢٧٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٠٣)، والطبراني (١٢٨٠)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٤): ورجاله رجال الصحيح. ورواه ابن حبان في صحيحه (١٦٣١ - ١٦٣٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٣).","vol":"3","page":465},{"text":"بالمِيشَار فيوضَعُ على رأسه فَيُشَقُّ باثنتين وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينه، ويُمْشَطُ بأمْشَاط الحديد ما دونَ لحمه من عَظْمٍ، أو عَصَبٍ، وما يَصُدّهُ ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون] (١).\nويشهد لهذا الحديث ما في مسند أحمد من حديث عدي بن حاتم يقول: [دخلت على رسول الله - ﷺ - فقال: يا عدي، أسلم تسلم. فقلت: إني من أهل دين. قال: أنا أعلم بدينك منك. فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ ! قال: نعم، ألست من الرَّكوسية (٢)، وأنت تأكل مرباع قومك؟ . قلت: بلى. قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك. قال: فلم يَعْدُ أن قالها فتواضعت لها، قال: أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإِسلام تقول: إنما اتبعه ضَعَفَةُ الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب. أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد سمعت بها. قال: فوالذي نفسي بيده ليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولَتُفتَحَنَّ كنوزُ كسرى بن هرمز. قلت: كسرى بن هُرْمُزَ؟ ! قال: نعم، كسرى بن هُرْمُزَ، ولَيُبْذلَنَّ المال حتى لا يقبله أحد. قال عَدِيّ بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله - ﷺ - قد قالها] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: سَمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا يذهب الليل والنهار، حتى تُعْبَدَ اللاتُ والعزَّى. فقلت: يا رسول الله، إن كنتُ لأظنُّ حين أنزل الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أن ذلك تام، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ﷿، ثم يبعثُ الله ريحًا طيِّبة فيتوفّى كلُّ من كان في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦١٢) - كتاب المناقب -، وكذلك (٣٨٥٢)، (٦٩٤٣).\n(٢) الركوسية: دين بين دين النصارى والصابئين. والمرباع: ربع الغنيمة.\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٧٨)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ٣٤٢)، ورجاله ثقات وله طرق كثيرة عن عدي، وأخرج الحاكم نحوه (٤/ ٥١٨). وانظر كتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٤٧٠ - ١٤٧١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٩٠٧) من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂، وأخرجه أبو يعلى (٤٥٦٥)، وغيرهما.","vol":"3","page":466},{"text":"٣٤ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذير الله تعالى المؤمنين من سلوك علماء اليهود وعباد النصارى في أكلهم الدنيا بالدين والمناصب والرياسة بين الناس، ويصدون الناس عن اتباع الحق والإيمان بنبوة محمد - ﷺ - واتباعه.\nثم تحذير وترهيب من سلوك الطائفة الثالثة - بعد العلماء والعباد - وهم الأغنياء أصحاب الأموال في كنزهم الذهب والفضة وحرمان الفقير من حقها، والتلاعب ضد إخراج زكاتها، بأن لهم عذابًا أليمًا، حيث تحمى صفائح في نار جهنم ثم تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، ذوقوا ما كنزتم لأنفسكم فبئس ما كنتم تكنزون ولا تزكون ولا تتصدقون.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nقال السدي: (أما ﴿الْأَحْبَارِ﴾، فمن اليهود. وأما ﴿وَالرُّهْبَانِ﴾، فمن النصارى. وأما ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فمحمد - ﷺ -).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا بوحدانية ربهم، إن كثيرًا من العلماء والقرَّاء من بني إسرائيل من اليهود والنصارى، ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾، يقول: يأخذون الرشا في أحكامهم، ويحرّفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم ثم يقولون: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ويأخذون بها ثمنًا قليلًا من سفلتهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يقول: ويمنعون من أراد الدخول في الإِسلام الدخول فيه، بنهيهم إياهم عنه).\nفالأحبار علماء اليهود، والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون علماؤهم.","vol":"3","page":467},{"text":"كما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢].\nقال ابن كثير: (والمقصود: التحذير من علماء السوء وعُبَّاد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: من فَسَدَ من علمائنا كان فيه شَبَهٌ من اليهود، ومن فَسَدَ من عُبَّادنا كان فيه شبه من النصارى).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - قال: [لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري وابن ماجه وأبو يعلى من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم. فقال: ومن الناس إلّا أولئك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: [لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشير، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب دخلتم، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم] (٣).\nوفي لفظ أحمد والآجري من حديث شداد بن أوس ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: [لتحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القُذَّة بالقذة] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٥٦)، (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، وأحمد (٣/ ٨٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣١٩)، وابن ماجه (٣٩٩٤)، وأخرجه أبو يعلى (٦٢٩٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٥)، وله شاهد عند الترمذي وعند الحاكم (١/ ١٢٩) أيضًا، وشاهد آخر في المجمع (٧/ ٢٦١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٤٨).\n(٤) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٤/ ١٢٥)، و\"الشريعة\" للآجري (٣٠) من حديث شداد بن أوس. والقُذّة: بضم القاف وفتح الذال المشددة: إحدى ريش السهم.","vol":"3","page":468},{"text":"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾\nأصل الكنز لغة: الجمع والضم. قال الرازي: (اكتنَزَ الشيءُ: اجتمع وامتَلأَ).\nوالكنزْ أيضًا المال المدفون. والآية تحذير للمؤمنين من سلوك طريقة أهل الكتاب في الأموال، والاستهتار بحق الفقراء والمساكين فيها.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن وَهْب قال: [مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ فإذا أنا بأبي ذَرٍّ ﵁، فقلت له: ما أنزلَكَ مَنْزِلَكَ هذا؟ قال: كنتُ بالشام فاخْتَلَفْتُ أنا ومعاويةُ في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال معاوية: نَزَلَتْ في أهل الكتاب. فقلت: نزلَتْ فينا وفيهم، فكان بَيْني وبَيْنَه في ذلك، وكَتَبَ إلى عُثمانَ ﵁ يَشْكوني، فكتَبَ إليَّ عثمانُ: أنِ اقْدم المدينة، فقَدِمْتها، فَكَثُرَ على الناسُ حتى كأنَّهم لم يَرَوْني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تَنَحَّيْتَ فكنت قريبًا. فذاك الذي أنْزَلني هذا المنزل، ولو أمَّروا عليَّ حَبَشِيًّا لسَمِعْتُ وأطَعْتُ] (١).\nفإنه بعد ذكر العلماء والعباد، أتبع الله في الآية ذكر الأغنياء، فإن الناس عالة على العلماء، وعلى العبّاد، وعلى أرباب الأموال، فإن صلح أمر هؤلاء صلح أمر الناس وإن فسد فسدوا، كما قال عبد الله بن المبارك:\nوهل أفسَدَ الدين إلا الملوك ... وأحبارُ سوء ورهبانها\nوبنزول أحْكام الزكاة وتفاصيل أنصبتها، يَتوجه معنى الآية في مفهوم الكنز.\nكما قال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: (هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة).\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن شهاب، عن خالدِ بنِ أسْلَمَ قال: [خرجنا مع عبد الله بن عمر ﵄، فقال أعرابي: أخبرني عن قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؟ ! قال ابن عمر: مَنْ كَنَزَها فلم يُؤَدِّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (١٤٠٦) - كتاب الزكاة - باب ما أُدِّيَ زكاتُهُ فليس بكَنْز. والرَّبَذَة: موضع قريب من المدينة.","vol":"3","page":469},{"text":"زكاتَها فَوَيْلٌ له، إنما كان هذا قبل أن تُنزَلَ الزَّكاة، فلما أنزلت جَعَلَها الله طُهْرًا للأموال] (١).\nالأموال التي تجب فيها الزكاة:\nتجب الزكاة في النقدين، والزروع، والثمار، والمواشي، والركاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>أولًا - زكاة النقدين: الذهب والفضة</span>.\nنصاب الذهب عشرون دينارًا، ونصاب الفضة مئتا درهم، وفيهما ربع العشر:\nفقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن علي بن أبي طالب، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا كانت لك مئتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارًا، فهذا كانت لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>ثانيًا - زكاة الزروع والثمار</span>.\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].\nولا تؤخذ الزكاة إلا من أصناف أربعة، كما روى الحاكم والبيهقي عن أبي بردة: عن أبي موسى ومعاذ: [أن رسول الله - ﷺ - بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب] (٣).\nونصاب الزكاة في الزروع والثمار هو المذكور في هذا الحديث:\nأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليس فيما دون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٠٤) - كتاب الزكاة - باب ما أُدِّيَ زكاتُهُ فليس بِكَنْزٍ.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (١٥٧٣) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وانظر صحيح سنن أبي داود (١٣٩١) - كتاب الزكاة -.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٤٠١)، والدارقطني (٢٠١) نحوه. وانظر \"الصحيحة\" (٨٧٩).","vol":"3","page":470},{"text":"خمس ذَودٍ صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواق (١) صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسُقٍ (٢) صدقة] (٣).\nالمقدار الواجب إخراجه في زكاة الزروع والثمار:\nأخرج أبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - قال: [في ما سقت الأنهار والعيون العشر، وما سقي بالسواني ففيه نصف العشر].\nوأصله في صحيح مسلم بلفظ: [فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشور] (٤).\nوله شاهد عند البخاري والترمذي من حديث ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: [فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>ثالثًا - زكاة المواشي</span>.\nالمواشي ثلاثة أجناس: الإبل، البقر، الغنم.\nفقد مضى من حديث أبي سعيد - في الصحيحين - أن رسول الله - ﷺ - قال: [ليس فيما دون خمس ذَودٍ من الإبل صدقة].\nوفي سنن أبي داود والنسائي عن معاذ بن جبل قال: [بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة] (٦).\nوكتب أبو بكر ﵁ فريضة الصدقة لأنس وفيها: [وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة. .] الحديث. وتفصيل أنصبتها في كتب الفقه.\n_________\n(١) أواق: جمع أوقية. قال ابن حجر: (ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهما بالاتفاق والمراد بالدرهم الخالص من الفضة).\n(٢) أوسق: جمع وسق بفتح الواو ويجوز كسرها، وهو ستون صاعًا بالاتفاق. انظر: (فتح الباري ج ٣ ص ٣٦٤ - ط. دار الريان).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (١٤٤٧) - كتاب الزكاة -. وأخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٩٧٩)، والترمذي (٦٢٢)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٨١)، وأبو داود (١٥٩٧)، والنسائي (٥/ ٤٢)، وغيرهم.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٨٣)، والترمذي (٦٣٥)، وا لنسائي (٥/ ٤١)، وغيرهم.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٦١٩)، وأبو داود (١٥٧٦)، والنسائي (٥/ ٢٦)، وغيرهم.","vol":"3","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>رابعًا - زكاة الركاز</span>.\nالركاز: دفن الجاهلية الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كثير عمل. وتجب فيه الزكاة على الفور من غير اشتراط حول ولا نصاب، لعموم قوله - ﷺ -: [وفي الركاز الخمس] (١).\nوقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وعيد شديد للكانزين المانعين الزكاة.\nأخرج البخاري في صحيحه من حديث الأحنف عن أبي ذر الغفاري - يرفعه -: [بشِّر الكانزين بِرَضْفٍ يُحْمى عليهم في نار جهنم، ثم يوضع على حَلَمَةِ ثدي أحدهم حتى يخرُجَ من نُغْضِ كتفِهِ، ويوضع على نُغْضِ كتفِهِ حتى يخرجَ من حَلَمَةِ ثَدْيه، يتزلزَلُ] (٢).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من آتاهُ الله مالًا فلم يُؤَدِّ زكاتَه مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعًا أقْرَعَ له زبيبتان، يُطَوِّقُهُ يوم القيامة، ثم يأخُذُ بِلِهزِمَتَيْه، يعني بشِدْقَيْه، ثم يقول: أَنا مالُكَ، أنا كنزكَ، ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠]] (٣).\nوفي صحيح مسلم من حديث سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله، إلا جُعِلَ يوم القيامة صفائح من نار يُكْوَى بها جَنْبُهُ وَجَبْهَتُهُ وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألفَ سنة حتى يُقضى بين الناس، ثم يُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار] الحديث (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (١٤٩٩)، ومسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٧١٠)، وأهل السنن. وانظر تفصيل أبحاث الزكاة في كتاب: \"الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز\"، وفي \"نيل الأوطار\" و\"فقه السنة\"، وغيرها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٠٧) - كتاب الزكاة -، ونحوه في صحيح مسلم (٩٩٢)، ومسند أحمد (٥/ ١٦٠)، وصحيح ابن حبان (٣٢٦٠)، من حديث الأحنف عن أبي ذر الغفاري.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٠٣) - كتاب الزكاة -، وانظر مسند أحمد (٢/ ٥٢٠)، وسنن النسائي (٦/ ٢٣)، (٦/ ٢٤)، وسنن ابن ماجه (١٧٨٦)، وصحيح ابن حبان (٣٢٥٤).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٨٧)، وأبو داود (١٦٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٦٢، ٢٧٦)، وغيرهم.","vol":"3","page":472},{"text":"ثم يقال لهم تقريعًا وتبكيتًا وتهكُّمًا: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فيقال لهم: فاطعموا عذاب الله بما كنتم تمنعون من أموالكم حقوق الله وتكنزونها مكاثرةً ومباهاة).\nوفي التنزيل نحو هذا في التهكّم بالكافرين: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٨، ٤٩].\n٣٦ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الله تعالى أن عدد أشهر السنة اثنا عشر شهرًا في كتاب الله الذي كتب فيه كل ما هو كائن، منها أربعة أشهر حرم، ذلك دينُ الله المستقيم، فاحذروا - أيها الناس - الظلم فيها وانتهاك المحرمات، فالذنب فيها أعظم منه في غيرها، وقاتلوا المشركين، أيها المؤمنون، مجتمعين كما يقاتلونكم، واعلموا أن الله ولي المتقين.\nإنما النسيء استهتار من المشركين، وهو تحليل المحرم وتأخيره إلى صفر، ليقضوا بذلك أوطارهم من قتال أعدائهم، وقد زَيَّنَ لهم الشيطان التحايل على شرع الله، والله لا يهدي القوم الكافرين.\nفقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾\nقال السدي: (أما ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، فذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. أما ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾، فالذي عنده).","vol":"3","page":473},{"text":"وقال مجاهد: (﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ قال: يعرف بها شأن النسيء، ما نقص من السنة).\nأخرج الإمام أحمد والبخاري عن أبي بَكْرَةَ: [أن النبي - ﷺ - خطب في حجَّتهِ، فقال: ألا إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جُمادى وشعبان. ثم قال: أَلا أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلمُ. فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحِجَّة؟ قلنا: بلى. ثم قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلمُ. فسكت حتى ظننّا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه، قال: أليس البَلْدَة؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه، قال: أليسَ يومَ النحر؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فسيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلَّالًا، يضربُ بعضكم رقاب بعض، ألا لِيُبَلِّغ الشاهد الغائبَ، فَلَعَلَّ بعضَ من يُبَلَّغُهُ أن يكونَ أوعى له من بعض من سَمِعَهُ. ثم قال: ألا هل بَلَّغْت - مرتين -] (١).\nوسمي (المُحَرّم) مُحَرَّمًا، لكونه شهرًا محرمًا، أو لتأكيد تحريمه.\nقال السَّخاوي: (لأن العرب كانت تتلعَّبُ به، فتحله عامًا وتحرمه عامًا).\nوأما (صفر): فسمي بذلك لخلو بيوتهم منهم، حين يخرجون للقتال والأسفار، يقال: صفَر المكان: إذا خلا.\nوأما شهر (ربيع الأول): فسمي بذلك لارتباعهم فيه، والارتباع: الإقامة في عمارة الرَّبع.\nوسمي شهر (جُمادى) لجمود الماء فيه.\nوأما (رجب): فمن الترجيب، وهو التعظيم، و(شعبان): من تَشَعُّب القبائل وتَفَرُّقها للغارة. و(رمضان): من شدة الرمضاء، وهو الحر، يقال: رَمِضَت الفصالُ: إذا عَطِشت.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٤٠٦) - كتاب المغازي -، وكذلك (١٧٤١) - كتاب الحج -. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٦٧٩) - كتاب القسامة والمحاربين -. وأخرجه أبو داود في السنن (١٩٤٨)، وأحمد في المسند (٥/ ٣٧ - ٣٩).","vol":"3","page":474},{"text":"وأما (شوّال): من شالت الإبل بأذنابها للطِّراق.\nوأما (القَعدة): بفتح القاف وكسرها لقعودهم فيه عن القتال والتَّرحال، و(الحِجَّة): بكسر الحاء وفتحها، فإنه سمي بذلك لإيقاعهم الحج فيه.\nوأما الأيام فأولها الأحد، ثم ثانيها الاثنين، ثم الثلاثاء ثالثها، والأربعاء رابعها، والخميس خامسها، والجمعة سادسها، وآخرها السبت، وهو القطع، لانتهاء العدد عند (١).\nفقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، هي الثلاثة المتواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، والإضافة إلى مضر إنما هي لبيان صحة مذهبهم فيه: أنه بين جمادى وشعبان، لا كما تظن ربيعة أنه بين شعبان وشوال، وهو رمضان بلا شك.\nقال الحافظ ابن كثير: (وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سَردٌ، وواحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر، وهو ذو القعدة، لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر، وهو المحرم، ليرجعوا فيه إلى نائي أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّمَ رجب في وسط الحول، لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. أي: الشرع الحق المستقيم.\nقال السدي: (المستقيم).\nوقال ابن زيد: (﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، قال: الأمر القيم. يقول: قال تعالى: واعلموا، أيها الناس، أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله الذي كتب فيه كل ما هو كائن، وأن من هذه الاثني عشر شهرًا أربعةُ أشهر حرمًا، ذلك دين الله المستقيم، لا ما يفعله النسيء من تحليله ما يحلل من شهور السنة، وتحريمه ما يحرِّمه منها).\n_________\n(١) قيل: وكانت العرب تسمي الأيام: أوَّلَ، ثم أهْوَنَ، ثم جُبار، ثم دُبَار، ثم مُؤنِس، ثم العروبة، ثم شِيَار. كما قال الشاعر، من العرب العرباء العاربة المتقدِّمين:\nأرجِّي أن أعيش وأن يَوْمِي ... بِأوَّلَ أو بأَهْونَ أو جُبَار\nأو التالي دُبَارَ فإن أَفُتْه ... فَمُؤنِسَ أو عَرُوبةَ أو شِيَار","vol":"3","page":475},{"text":"وقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: احذروا ارتكاب المعاصي والآثام في هذه الأشهر الأربعة المحرمة بشكل خاص، فإن الإثم فيها أشد وأكبر، كما أن المعاصي في البلد الحرام أبلغ في الإثم.\nكما قال تعالى في سورة الحج: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].\nوبنحو ذلك جاءت أقوال المفسرين:\n١ - قال ابن عباس: (﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، في كلِّهن. ثم خصَّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حُرُمًا، وعظَّمَ حُرُماتهن، وجعل الذنْب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم).\n٢ - قال قتادة: (أما قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، فإن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووِزْرًا، من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظِّم من أمره ما شاء.\nوقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رُسلًا، ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضانَ والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فَعَظِّموا ما عظَّم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظَّمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل).\n٣ - قال الحسن: (\"ظلم أنفسكم\"، أن لا تحرموهن كحرمتهن).\n٤ - وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: لا تجعلوا حرامها حلالًا، ولا حلالها حرامًا، كما فعل أهل الشرك، فـ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ الذي كانوا يصنعون من ذلك، ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لآية). وهو اختيار ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nقال السدي: (أم ﴿كَافَّةً﴾، فجميع، وأمركم مجتمع).\nوعن ابن عباس: (﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، يقول: جميعًا).","vol":"3","page":476},{"text":"قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: وقاتلوا المشركين بالله، أيها المؤمنون، جميعًا غير مختلفين، مؤتلفين غير متفرقين، كما يقاتلكم المشركون جميعًا، مجتمعين غير متفرقين).\nقلت: والراجح أنه يجوز قتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البراءة منهم، كما يجوز قتل القاتل في الحرم، فإن كان القاتل في الحل ثم التجأ إلى الحرم يُخرج إلى الحل ليقتل فيه.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nقال ابن القيم: (والمقصود: أن الله سبحانه قد حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبَرِّئْ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحقُ بالدم والعيب والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:\nوإذا الحبيبُ أتى بذنْبٍ واحدٍ ... جاءت محاسِنُهُ بألف شفيع\nفكيف يُقاس ببغيض عدوٍّ جاء بكل قبيح، ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن) (١).\nومن السنة الصحيحة ما يدل على جواز قتال المشركين في الأشهر الحرم، إن كانت المصلحة تقتضي ذلك:\n١ - حاصر رسول الله - ﷺ - أهل الطائف شهر ذي القعدة من الأشهر الحرم.\n_________\n(١) انظر زاد المعاد (٣/ ١٧٠ - ١٧١)، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٥٢٥ - ٥٢٧) لتفصيل البحث.","vol":"3","page":477},{"text":"ففي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك: (أنه خرج إلى هوازن في شوال، فلما كسرهم واستفاء أموالهم، ورجع فَلّهُم فلجؤوا إلى الطائف - عَمدَ إلى الطائف فحاصرها أربعين يومًا، وانصرف ولم يفتتحها) (١).\n٢ - دخل رسول الله - ﷺ - مكة فاتحًا في شهر رمضان.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبيد الله أن ابن عباس ﵄ قال: [صام رسول الله - ﷺ - حتى إذا بلغ الكَديد الماءَ الذي بين قُدَيْدٍ وعُسْفان أفطر، فلم يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر] (٢).\nوفي رواية، قال ابن عباس: [سافر رسول الله - ﷺ - في رمضان فصام حتى بلغ عُسْفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارًا ليُرِيَهُ الناس فأفطر حتى قدم مكة].\n٣ - أعلن - ﷺ - يوم الفتح أنه: \"لا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا\"، وأذن بِقَتْلِ مَنْ قتَلَ في الحرم.\nفقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: [مَنْ سَرَقَ أو قتَلَ في الحِلِّ ثم دخل الحرم، فإنه لا يُجَالَسُ ولا يُكَلَّمُ، ولا يُؤوى، ولكنه يُناشَدُ حتى يخْرُجَ، فيؤخَذَ، فيقامَ عليه الحدُّ، وإن سَرَقَ أو قَتَل في الحرم أقيم عليه في الحرم] (٣).\nوبنحوه روى الأثرم عن ابن عباس قال: [مَنْ أحْدَثَ حَدَثًا في الحرم، أُقيم عليه ما أحدث فيه من شيء].\nوقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾.\nتقريع وذمٌّ لتصرفِ المشركين في التعامل بأهوائهم مع حرمات الله، إذ أحدثوا قبل الإِسلام بمدّة تحليلَ المحرم وتأخيره إلى صفر، ليقضوا بذلك أوطارهم من قتال أعدائهم.\nقال ابن عباس: (النسيء أنَّ جُنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يُكنى أبا ثُمامَةَ، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يُحاب ولا يُعاب، ألا\n_________\n(١) صحيح. أخرجه مسلم (١٠٥٩) ح (١٣٦)، وانظر كتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٣٩٠ - ١٣٩٣).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٥/ ١٨٥)، وفتح الباري (٤/ ١٨٠ - ١٨١).\n(٣) إسناده صحيح. انظر تخريج أحاديث زاد المعاد (٣/ ٤٤٧). وكتابي: السيرة النبوية (١٣١٢).","vol":"3","page":478},{"text":"وإن صفر العام الأول العامَ حلال. فيحله للناس، فيحرم صفرًا عامًا، ويحرم المحرم عامًا، فذلك قول الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾).\nوقال مجاهد: (﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾: يعني الأربعة، ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، لتأخير هذا الشهر الحرام).\nوقال ابن إسحاق في السيرة: (كان أوَّل من نسأ الشهورَ على العرب، فأحَلَّ منها ما حرَّم الله، وحرَّم منها ما أحَلَّ الله ﷿ القَلَمَّسُ، وهو: حُذيفة بن عَبْدِ بن فُقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خُزيمة بن مُدْركة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعد بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عَبّاد، ثم من بعد عباد ابنه. قَلَعُ بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه: عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جُنَادة بن عوف، وكان آخِرَهم، وعليه قام الإِسلامُ.\nفكانت العرب إذا فرغت من حَجِّها اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبًا، فحرَّم: رجبًا، وذا القعدة، وذا الحجة، ويحل المحرم عامًا، ويجعل مكانه صَفَر، ويحرمه عامًا ليواطئ عدة ما حرّم الله، فيُحلّ ما حرم الله، يعني: ويحرم ما أحل الله، والله أعلم).\nوقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: حُسِّنَ لهم وحُبِّبَ إليهم سَيِّئ أعمالهم وقبيحها، وما خولف به أمر الله وطاعته. قال: والله لا يوفق لمحاسن الأفعال وجميلها، وما لله فيه رضىً، القوم الجاحدين توحيده، والمنكرين نبوة محمد - ﷺ -، ولكنه يخذّلهم عن الهُدى، كما خذَّل هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم). ٣٨ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يعيب الله تعالى على المؤمنين الاستئناس بالديار، والركون إلى الظلال، عند النفير إلى الجهاد، وقتال الأعداء، فهل رضيتم - أيها المؤمنون - بحظ","vol":"3","page":479},{"text":"هذه الدنيا الفانية، من نعيم الآخرة الباقية، فما بقاء هذه الدنيا ولذاتها إلا قليل.\nإنكم إن تتقاعسوا عن النفير، ينزل بكم العذاب ويأتي الله بالبديل، من قوم يحبون نصرة دينه، والموت في سبيله، وما أنتم بترككم الجهاد بضارِّيه - تعالى - شيئًا، والله على كل شيء قدير.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾.\nقال مجاهد: (أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد حنين. أمروا بالنّفير في الصيف، حين خُرِفَت النخل، وطابت الثمار، واشتَهُوا الظلال، وشقَّ عليهم المخرج).\nوقوله: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾. من الثقل. أي تثاقلتم عن الجهاد إلى لزوم الديار والأرض والاستئناس بالجلوس فيها. ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، أي: هل رصْيتم بحظ هذه الدنيا الفانية من نعيم الآخرة والخلود في جنات الإقامة والسرور الذي لا ينقطع.\nوقوله: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.\nأي: فما دوام لذات هذه الدنيا وزينتها وبهجتها إلا قليل زائل متغير بالنسبة لدوام نعيم الآخرة والخلود في روضاتها وملذاتها.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن إسماعيل بن أبي خالد قال: حدّثنا قيسٌ قال: سمعت مُسْتَوْرِدًا أخا بني فِهْرٍ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: [والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحدُكُمْ إصْبَعَه (١) هذه في اليَمّ، فلينظرْ أحدُكُم بِمَ تَرْجِعُ؟] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح لغيره عن سهل بن سعد قال: قال\n_________\n(١) وأشار يحيى بن سعيد - أحد الرواة - بالسّبابة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٥٨) - كتاب الجنة ونعيمها -. وأخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩).","vol":"3","page":480},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح من حديث المستورد مرفوعًا: [ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكمْ إلى اليمِّ، فأدخل إصبعه فيه، فما خرج منه فهو الدنيا] (٢).\nوله شاهد عند الإمام أحمد والطبراني بلفظ: [ما أخذتِ الدنيا من الآخرة، إلا كما أخذ المِخْيَط غُمِسَ في البحر من مائه] وسنده صحيح.\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن عبد الله مرفوعًا: [مالي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (٣).\nوله شاهد عند ابن حبان وأحمد عن ابن عباس: [أن رسول الله - ﷺ - دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: مالي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nقال ابن عباس: (إن رسول الله - ﷺ - استنفر حيًا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم، فذلك قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾).\n_________\n(١) صحيح لغيره. أخرجه الترمذي (٢/ ٥٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣/ ٢٥٣)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٣١٩)، وانظر للشاهد مسند أحمد (٤/ ٢٢٩)، وصحيح مسلم (٨/ ١٥٦)، وصحيح الجامع الصغير، حديث رقم (٥٣٩٨)، (٥٤٢٣).\n(٣) حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٠)، والحاكم (٤/ ٣١٠)، وأحمد (١/ ٣٩١). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤٣٩).\n(٤) صحيح لغيره. أخرجه ابن حبان (٢٥٢٦)، والحاكم (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وأحمد (١/ ٣٠١)، والحديث رواه البيهقي أيضًا كما في \"الترغيب\" (٤/ ١١٤)، وانظر السلسلة الصحيحة (٤٤٠).","vol":"3","page":481},{"text":"وقال قتادة: (استنفر الله المؤمنين في لَهَبَان الحرِّ في غزوة تبوك قِبَلَ الشام، على ما يعلم الله من الجَهْد).\nفالمعنى: إن رضيتم - معشر المؤمنين - بالحياة الدنيا ودَعتها، ونكلتم عن الخروج إلى الجهاد في سبيل الله فقد توعدكم ربكم بعذاب موجع، وما أنتم بترككم الجهاد بضارِّيه شيئًا، بل هو القادر سبحانه أن يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nأخرج أبو داود في السنن، بسند صحيح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إذا تبايَعْتُمْ بالعِينة، وأخذْتم أذناب البقر، ورضيتم بالزَّرْع، وتَرَكْتُم الجهادَ، سلَّطَ الله عليكم ذُلَّا لا يَنْزِعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم] (١).\n٤٠. قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآية: يقول تعالى ذكره: إنكم إنْ لا تنصروا هذا النبي - أيها الناس - فقد تكفل الله بنصره، فقد أخرجه كفار مكة هو وصاحبه، فنزلا مختفيين في الغار، وأعمى الله عنهما الأبصار، وأنزل تعالى عليه الطمأنينة والأمان، وأيّده بالجنود الكرام، وجعل كلمة الكفار السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز في انتقامه، حكيم في قضائه.\nفقوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾.\nقال مجاهد: (ذكر ما كان في أول شأنه حين بُعث، فالله فاعلٌ به كذلك، ناصره كما نصره إذ ذاك، ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٤٦٢) - كتاب الإجازة - باب في النهي عن العينة، ورواه أحمد.","vol":"3","page":482},{"text":"وقال قتادة: (فكان صاحبَه أبو بكر، وأما ﴿الْغَارِ﴾، فجبل بمكة يقال له: ثور).\nلقد حدد الوحي غار ثور منطلقًا للهجرة، وتم ضرب الموعد مع الدليل بذلك المكان، وكان خروج المصطفى - ﷺ - والصديق ﵁ للغار ليلًا، وقد حمل الصديق رضوان الله عليه ثروته كلها لتكون تحت تصرف رسول الله - ﷺ -.\nيروي الحاكم بسند حسن من حديث أسماء: [أنها كانت خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم] (١).\nوقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، تطمين لأبي بكر ﵁ من النبي - ﷺ -\nوفي الصحيحين والمسند من حديث أنس أن أبا بكر حديثه قال: [قلت للنبي - ﷺ - ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه! فقال: يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما] (٢).\nوقوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾.\nأي: أنزل الله تعالى السكينة، وهي الطمأنينة والسكون، على رسوله، وقيل على أبي بكر، وقوّاه بجنود وهي الملائكة.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾. قال ابن عباس: (وهي الشرك بالله).\nوقوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. قال ابن عباس: (وهي: لا إله إلا الله).\nقال ابن جرير: (قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ يقول: ودين الله وتوحيده وقولُ لا إله إلا الله، وهي كلمته ﴿الْعُلْيَا﴾ على الشرك وأهله، الغالبة).\nثم قال جل ذكره: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (والله ﴿عَزِيزٌ﴾ أي في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله).\n_________\n(١) انظر مستدرك الحاكم (٣/ ٥) بإسناد حسن. وانظر كتابي: السيرة النبوية (١/ ٤٤٠) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦٥٣) - كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -. وأخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٣٨١)، كتاب فضائل الصحابة. وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٤).","vol":"3","page":483},{"text":"وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: [سئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله] (١).\n٤١. قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾.\nفي هذه الآية: دعوة الله تعالى عباده المؤمنين، إلى النفير للجهاد لحراسة الدين، وكسر شوكة الكافرين المعاندين، وذلك بالأموال والأنفس والرخيص والثمين، وهذا هو الخير العظيم لو كانوا يعلمون.\nفقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.\nفيه أقوال متقاربة:\n١ - قال الحسن: (شيبًا وشبّانًا). فعنى بالخفة: الشباب، وبالثقل: الشيخوخة.\n٢ - قال عكرمة: (الشاب والشيخ). وقال مجاهد: (شبابًا وشيوخًا، وأغنياء ومساكين).\n٣ - قال الضحاك: (كهولًا وشبّانًا).\n٤ - وقال الحكم: (مشاغيل وغير مشاغيل). وقال الحسن: (في العسر واليسر).\n٥ - وقال أبو صالح: (﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قال: أغنياء وفقراء).\n٦ - وقال قتادة: (﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قالَ: نِشاطًا وغيرَ نشاط).\n٧ - وقال مجاهد: (﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، قالوا: فإن فينا الثقيل، وذا الحاجة والضيعة والشغل، والمتيسر به أمره؟ فأنزل الله وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وعلى ما كان منهم).\nوالخلاصة: أمر الله تعالى المؤمنين بالنفير لقتال أعدائه ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، ويشمل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (١٢٣) - كتاب العلم -، وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٠٤) - كتاب الإمارة -.","vol":"3","page":484},{"text":"ذلك جميع أحوال عباده: في الصحة والمرض، والنشاط والكسل، والقوة والضعف، وسعة المال وضيقه، والفراغ والشغل، واليسر والعسر، والقدرة على الظهر والركاب والعجز عن ذلك، وقلة العيال وكثرتهم، وغير ذلك من تقلب الأحوال.\nوقوله: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nترغيب ببذل الأموال والنفوس في سبيل الله، فإن سلعة الله غالية، وسلعة الله هي الجنة.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [سئل رسول الله - ﷺ -: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال حَجٌّ مبرور] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم والنسائي والترمذي عن زيْدِ بن خالدٍ، ﵁، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [مَنْ جَهَّزَ غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيًا في أهله بخير فقد غزا] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ٣٠٢)، ومسلم (٨٣)، من حديث أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٣٧)، ومسلم (١٨٩٥)، وأخرجه النسائي (٦/ ٤٦)، والترمذي (١٦٢٨)، من حديث زيد بن خالد ﵁ مرفوعًا.","vol":"3","page":485},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَلِجُ النَّارَ رجُلٌ بكى من خشية الله حتى يعودَ اللَّبن في الضَّرعِ، ولا يجتمع على عَبْدٍ غُبَارٌ في سبيل الله ودخان جهنم] (١).\n٤٢ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ذَمُّ الله تعالى المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك، فإنهم لو رأوا الغنيمة قريبة المنال في سفر سهل قريب لخرجوا معك - يا محمد - ولكن استصعبوا مشقة الطريق وزمان القَيْظ، ويحلفون كذبّا لِتَقْبَلَ أعذارهم الكاذبة والله يعلم إنهم لكاذبون.\nلقد عفا الله عنك - يا محمد - في إذنك لهم، وكان ينبغي التريث لاختبار الصادق من الكاذب.\nإنه لا يطلب الإذن لعدم الخروج للجهاد من يؤمن بالله واليوم الآخر، بل يطلبه المنافقون المبطلون.\nولو كانوا أرادوا الخروج معك بصدق لأخلصوا التأهب والاستعداد، ولكنَّ الله عَلِمَ\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (١٦٣٣)، والنسائي في السنن (٦/ ١٢)، وإسناده صحيح. وصححه الحاكم.","vol":"3","page":486},{"text":"كَذِبَ قلوبهم فَثَبَّط هممهم وأقعدهم مع القاعدين، من المرضى والنساء والصبيان والعجزة المعذورين.\nإنهم لَو خرجوا معكم ما زادوكم - معشر المؤمنين - إلا فسادًا وتخذيلًا، ولأوقعوا بينكم بالنمائم والوشايات الكاذبة، يريدون إفساد صفوفكم، والله عليم بالظالمين.\nفقوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾.\nقال ابن جرير: (لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك، والمستأذنيك في ترك الخروج معك (١) إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه، ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾، يقول: غنيمة حاضرة، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ يقول: وموضعًا قريبًا سهلًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾، ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفرًا شاقًا عليهم، لأنك استنهضتهم في وقتِ الحرّ، وزمان القَيْظ، وحين الحاجة إلى الكِنِّ).\nوعن قتادة: (﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾، قال: هي غزوة تبوك).\nوقوله: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، أي: لو لم تكن لنا أعذار لكنا قد خرجنا معكم واشتركنا في الجهاد. ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بسخط الله نتيجة الكذب والحلف بالله زورًا وبهتانا.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: إنهم يستطيعون).\nوقال قتادة: (إنهم يستطيعون الخروج، ولكن كان تَبْطِئَة من عند أنفسهم والشيطان، وزهادة في الخير).\nوقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾.\nعتاب من الله سبحانه لنبيه - ﷺ - أنه كان ينبغي أن يتريَّثَ قبل الإذن لهؤلاء المتخلفين في التخلف عن غزوة تبوك حتى يتبين له الصادق من الكاذب، وصاحب العذر الحقيقي من المدعي ذلك.\nقال مورِّق: (﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾: عاتبه ربه).\nوقال مجاهد: (ناس قالوا: استأذنوا رسول الله - ﷺ -، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا).\n_________\n(١) أي إلى تبوك، وهو توبيخ للمستأذنين في التخلف بأعذار واهية كاذبة.","vol":"3","page":487},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (فهذا تعييرٌ للمنافقين حين استأذنوا في القُعود عن الجهاد من غير عُذْر، وعذَرَ الله المؤمنين فقال: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]).\nوالآية في فضح بعض مسالك المنافقين في الاعتذار الكاذب لئلا يخرجوا إلى الجهاد والله عليم بمن خافه واتقاه وسارع إلى طاعته وامتثال أوامره.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.\nأي: إنما يستأذنك - يا محمد - في القعود عن الجهاد - ممن لا عذر له - الذين لا يثقون بالله ولا يرجون ثوابه ورضوانه في الدار الآخرة، بل هم في شك وحيرة وريبة يتخبطون.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.\nأي: ولو أرادوا الخروج معك - يا محمد - بصدق إلى الغزو لكانوا أخلصوا في التأهب والاستعداد، أمَا وقد كذبوا النية في ذلك فأبغض الله خروجهم فأخرهم وثبّط هممهم وعزائمهم وقيل اقعدوا مع المرضى والعجزة والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون ومع النساء والصبيان المعذورين، فإنه من لم يؤيّده الله بالقوة والعزيمة والثبات فلا سبيل له إلى ذلك.\nوقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾.\nقال النسفي: (ما زادوكم بخروجهم معكم ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ إلا فسادًا وشرًا، والاستثناء متصل، لأن المعنى ما زادوكم شيئًا إلا خبالًا، والاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: \"ما زادوكم خيرًا إلا خبالًا\" والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الشيء فكان استثناء متصلًا لأن الخبال بعضه. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين).\nوقال ابن جرير: (\"ولأوضعوا بينكم\"، يقول: ولأسرعوا بركائبهم السَّير بينكم).","vol":"3","page":488},{"text":"والمقصود: الإسراع ببث النمائم والفساد للإيقاع بينكم ونشر الدعايات الكاذبة لتخذيلكم وتثبيطكم.\nقال الشهاب: (الإيضاع: إسراع سير الإبل). فشبه النمائم بالركائب في جريانها وانتقالها.\nقال القاسمي: (وأعلم أن قوله ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ مرسوم في الإمام (١) بألفين، لأن الفتحة كانت تكتب ألفًا قبل الخط العربي. والخط العربي اخترع قريبًا من نزول القرآن، وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفًا وفتحها ألفًا أخرى ونحوه ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١]).\nوقوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، قال مجاهد: (يبطئونكم).\nوقال ابن زيد: (يخذلونكم)، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، الكفر). والمقصود يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم، وبإفساد نياتكم وعزائمكم.\nوقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. قال مجاهد: (أي عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم).\nوقال قتادة: (وفيكم من يسمع لهم) - وهو الأرجح من القول السابق.\nقال ابن كثير: (﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير).\nقال محمد بن إسحاق: (كان - فيما بلغني - من استأذن من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبيّ بن سلول والجدُّ بن قيس، وكانوا أشرافًا في قومهم، فَثَبَّطهم الله، لعلمه بهم، أن يخرجوا معه، فيفسدوا عليه جنده. وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم، فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. إخبار من الله تعالى عن علمه بسرائر المنافقين وما يبيتون، وبأعمال المجرمين والظالمين، وبما كان ويكون وسوف يكون، وبما لن يكون لكن إن قُدِّرَ وكان كيف سوف يكون.\nوهذه الآية من قبيل هذا المعنى، فإنه ﷾ قال في أولها: ﴿لَوْ خَرَجُوا\n_________\n(١) أي في المصحف الأصلي \"ولا أوضعوا\" وبنحوه في آية النمل ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾.","vol":"3","page":489},{"text":"فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾، فأخبر كيف يكون من أمرهم لو خرجوا، ومع هذا ما خرجوا، وهذا كما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [قَدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألفَ سنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام الترمذي بسند صحيح من حديث عبادة بن الصامت قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إنَّ أوَّلَ ما خلق الله القلمَ، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القَدَرَ ما كان وما هو كائن إلى الأبد] (٢).\nوله شاهد عند أبي يعلى والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعًا: [إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء يكون].\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند جيد عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [فرغ الله ﷿ إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٣). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٥١)، وأخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (٢٢٥٩). وانظر صحيح سنن الترمذي (١٧٥٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٢٥٨) في أبواب القدر، انظر صحيح سنن الترمذي (١٧٤٩)، وانظر للشاهد كتاب \"الأسماء والصفات\" للبيهقي ص (٢٧١)، ومسند أبي يعلى (١/ ١٢٦)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٣٣).\n(٣) حديث جيد. أخرجه الطبراني كما في \"المجمع\" (٧/ ١٩٥)، وأحمد (٥/ ١٩٧). انظر صحيح الجامع الصغير (٤٠٧٧)، (٤٠٧٨)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٨١٣) لتفصيل البحث.","vol":"3","page":490},{"text":"٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الله سبحانه نبيّه - ﷺ - محذّرًا سلوك هؤلاء المنافقين: إنهم منذ مقدمك المدينة لم يُفَوِّتوا فرصة لِلنَّيل منك ومن دينك ومن أصحابك، حتى أظهر الله الدين الحق وَقَوَّى شوكة المؤمنين.\nومنهم من يعتذر عن الخروج بادِّعَاءِ ساقط: وهو خشيته الوقوع بفتنة النساء، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله - ﷺ - والرغبة عن نفسه أعظم، ونار جهنم تحرق المكذبين المنافقين.\nإنك إن تسعد - يا محمد - بنصر أو غنيمة تسؤهم، وإن تنزل بك نازلة يفرح هؤلاء بحذرهم.\nفقل لهم - يا محمد -: إنه لن يصيبنا إلا ما قدّره الله لنا وهو سبحانه سيدنا وناصرنا وعليه يتوكل المؤمنون.\nفقوله: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (ليخذِّلوا عنك أصحابك، ويردّوا عليك أمرك ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾).\nوالمقصود: أن هؤلاء أهل النفاق لم يفوِّتوا فرصة منذ مقدمك المدينة - يا محمد - إلا أفادوا منها في محاولة لكيدك وكيد أصحابك وخِذلان دينك، حتى أظهر الله الإسلام وأبطل الجاهلية، وكشف سبل المنافقين، وأعز أولياءه وخذل أعداءه ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.","vol":"3","page":491},{"text":"وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. أي: ائذن لي في القعود والتخلف ولا تفتني بالخروج معك لعدم احتمال رؤية الجواري من نساء الروم، فأجابهم الله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، أي بهذا القول قد سقطوا، فإن التكاليف والأوامر الشرعية متحملة ولو ظهر فيها مشقة، فغض البصر أمر شرعي، وقتال الكفار أمر شرعي، وكل التكاليف والأوامر الشرعية مستطاعة.\nذكر الشاطبي: في \"الموافقات\": (أن المشقة الشرعية لا يجوز دفعها لأنها دفع للتكليف، وبيّن أن المشقة قد تبلغ من الأعمال العادية ما يظن أنه غير معتاد، ولكنه في الحقيقة معتاد، وبين أن العمل الواحد له طرفان وواسطة، فحيث يقول تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، ثم قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، كان هذا موضع شدة لأنه يقتضي ألا رخصة في التخلف أصلًا ولكنه محمول على أقصى الثقل الذي يمكن إتيانه).\nأخرج الطبري في التفسير، وابن إسحاق في السيرة، من طريق عبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمرَ بن قتادة وغيرهم قالوا: (قال رسول الله - ﷺ - ذاتَ يوم، وهو في جهازِه، للجَدِّ بن قيس أخي بني سَلِمَةَ: \"هل لك يا جَدُّ في جِلاد بني الأصفر\"؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذنُ لي ولا تَفْتنِّي، فوالله لقد عَرَفَ قومي ما رجلٌ أشدّ عجبًا بالنساءِ مِنّي، وإني أخشى إن رأيت نساءَ بني الأصفر ألّا أصْبِرَ عنهنَّ. فأعرض عنه رسول الله - ﷺ - وقال: \"قد أَذِنْتُ لك\".\nففي الجَدِّ بن قيس نزلت هذه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي. . .﴾ الآية، أي: إنما كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بِتَخلّفهِ عن رسول الله - ﷺ - والرغبة بنفسه عن نفسه، أعظم) (١).\nوقد كان الجدّ بن قيس من أشرافِ بني سلمة، ويبدو أن الآية السابقة نزلت فيه، ولا شك أنها تنسحب على أمثاله.\nأخرج الطبراني في \"الكبير\" من حديث كعب بن مالك: [أن رسول الله - ﷺ - قال لهم: من سيدكم يا بني سَلِمة؟ قالوا: الجَدُّ بن قيس، على أنا نُبَخِّلُهُ.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦٨٠٣)، وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٤/ ٥١٦)، عن غير واحد من التابعين، وله شواهد مرسلة كثيرة يتأيد بها، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.","vol":"3","page":492},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: وأيُّ داءٍ أَدْوَأُ من البخل؟ ! ولكن سَيّدكم الفتى الأبيض الجَعْدُ، بشرُ بن البراء بن مَعْرور] (١).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: لا محيدَ لهم عنها، ولا محيص ولا مَهْرب).\nوقوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: إن تصبك في سفرك هذه الغزوة تبوك، ﴿حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾، قال: الجدُّ وأصحابه).\nوقال قتادة: (إن كان فتح للمسلمين، كبر ذلك عليهم وساءَهم).\nوقوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (وإن تصبك مصيبة بفلول جيشك فيها، يقول الجدَّ ونظراؤه: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: قد أخذنا حذَرنا بتخلّفنا عن محمد، وترك أتباعه إلى عدوه، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، يقول: من قبل أن تصيبه هذه المصيبة، ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾، يقول: ويرتدُّوا عن محمد وهم فرحون بما أصاب محمدًا وأصحابه من المصيبة، بفلول أصحابه وانهزامهم عنه، وقتل من قُتِلَ منهم).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\nإرشادٌ من الله تعالى نبيّه - ﷺ - كيف يجيبُ خصومه في عداوتهم التامة وشكهم في نصر الله وفرجه: قل لهم - أيها المرتابون في دينهم - نحن تحت مشيئة الله وحكمه وأمره، لن يصيبنا إلا ما كتبه علينا في اللوح المحفوظ وقضاه لنا، ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ أي ناصرنا وسيدنا وملجؤنا، ونحن متوكلون عليه واثقون بنصره وفرجه إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ١٦٣ - ١٦٤). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٣١٥): رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير شيخي الطبراني ولم أر من ضعفهما.\nوالحديث له شواهد وطرق. راجع \"الإصابة\" (١/ ١٥٠/ ٦٥٤)، وتفسير ابن كثير (٣٥٤٣) - سورة التوبة، آية (٤٩) - تحقيق المهدي. فهو حديث حسن إن شاء الله.","vol":"3","page":493},{"text":"قال الإمام أحمد: (التوكل عمل القلب).\nوقال سهل: (التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد).\nقال شيخ الإسلام ﵀: (المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله والرضا بعده).\nوقيل: (التوكل إسقاط التدبير) - يعني الإستسلام لتدبير الرب لك، وهذا في باب التجربة الابتلائية وليس في باب الأمر والنهي.\nوفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن عباس ﵄، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: [اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أَنَبْتُ، وبك خاصَمْت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني، أنت الحيّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون] (١).\n٥٢ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول تعالى ذكره لنبيه - ﷺ -: قل - يا محمد - لهؤلاء المنافقين: هل ترقبون بنا إلا النصر أو الشهادة؟ ! فنحن ننتظر بكم نزول نقمة الله بكم بعذاب من عنده أو بأيدينا فانتظروا إنا منتظرون.\nإنكم لن ينفعكم الإنفاق في أي حال ما دمتم كفرتم بالوحي وأنكرتم النبوة، ثم سخرتم بالصلاة وأتيتموها كسالى ولا تنفقون إلا وأنتم كارهون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٨٠) من حديث ابن عباس ﵄. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٦٦) - كتاب الدعاء - ورواه البخاري.","vol":"3","page":494},{"text":"فلا تعجبك - يا محمد - أموالهم وأولادهم، فهي عقوبة الله لهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا جزاء الكافرين.\nفقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. أي: الظفر أو الشهادة. وعليه أقوال المفسرين:\n١ - قال ابن عباس: (يقول فتح أو شهادة. وقال مرة أخرى: يقول: القتل، فهي الشهادة والحياة والرزق، وإمّا يخزيكم بأيدينا). وقال مرة أخرى: (يقول: قتل فيه الحياة والرزق، وإما أن يغلب فيؤتيه الله أجرًا عظيمًا. وهو مثل قوله ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]).\n٢ - وقال مجاهد: (القتل في سبيل الله، والظهور على أعدائه).\n٣ - وقال قتادة: (﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾، إلا فتحًا أو قتلًا في سبيل الله).\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾.\nقال قتادة: (أي قتل).\nوقال ابن جرير: (يقول: ونحن ننتظر بكم أن يصيبكم الله بعقوبة من عنده عاجلة، تهلككم، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾، فنقتلكم، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾، يقول: فانتظروا إنا معكم منتظرون ما الله فاعل بنا، وما إليه صائر أمر كلِّ فريق منّا ومنكم).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\nأي: لن ينفعكم الإنفاق على أي حال وأنتم في شك من دينكم، وإنكارٍ لِنُبوة نبيكم، وجهل بالله تعالى وثوابه وعقابه، فإنكم كنتم قومًا خارجين عن الإيمان واليقين بربكم ولقائه ومعاده.\nوفي صحيح مسلم من حديث أنس قال، قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يُعطي بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة، وأما الكافر فَيُطْعَمُ بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بها] (١).\nوفي رواية: [إن الكافر إذا عمل حسنة أُطْعِمَ بها طُعمَةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يَدَّخِرُ له حسناته في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٨٠٨) - كتاب صفات المنافقين -. وانظر الحديث بعده في الباب للرواية الثانية.","vol":"3","page":495},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.\nأي: إنما حَجَبَ نفقاتهم على القبول عند الله إبطان الكفر والاستهزاء بالدين والرسول والوحي، ويظهر ذلك بمجاملتهم في الصلاة فيأتونها متثاقلين، وكذلك لا ينفقون نفقة إلا وهم كارهون.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أيها الناس! إنَّ الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يده إلى السماء يا رب يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.\nقال قتادة: (هذه من تقاديم الكلام، يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة).\nوقال الحسن: (﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: بزكاتها، والنفقة منها في سبيل الله) - وهو اختيار شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير ﵀.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].\nوقوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر، ليكون ذلك أنكى\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٥٤٠).","vol":"3","page":496},{"text":"لهم وأشد لعذابهم، عياذًا بالله من ذلك، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه).\nوفي المسند للإمام أحمد، بسند صحيح عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج] (١).\n٥٦ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: فَضْحُ الله تعالى المنافقين لعباده المؤمنين، أنهم يحلفون بالله كذبًا أنهم معكم في الدين والإيمان، وإنما هم يتسترون بذلك خوف القتل والخذلان.\nإنهم لو يجدون محرزًا لفروا إليه منكم مسرعين.\nومنهم - يا محمد - من يعيب عليك في قَسْمك الصدقات فإن حظوا منها بحظ وافر أظهروا الرضى، وإن لم يحظوا بما يرضيهم أظهروا السخط والغضب.\nولو رضي هؤلاء المنافقون قسمة الله ورسوله لهم واستعانوا بالله على مزيد من الرضا والعطاء لكان خيرًا لهم ولكنهم قوم مذبذبون منافقون مخذولون.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾.\nأي: يحلف هؤلاء المنافقون كذبًا خوفًا منكم بأنهم منكم في الدين والملة وليسوا كذلك، بل إنهم قوم يبطنون التكذيب والنفاق، إنما حملهم على الحلف الخوف من القتل.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٤٥)، وابن جرير في التفسير (٧/ ١١٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤١٤).","vol":"3","page":497},{"text":"قال القرطبي: (والفَرَق الخوف، أي يخافون أن يظهروا ما هم عليه فيقتلوا).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (الملجأ: الحِرْز في الجبال، والمغارات: الغِيران في الجبال، والمدّخل: السَّرَب).\nوقال أيضًا: (﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾، يقول: ذهابًا في الأرض، وهو النفق في الأرض، وهو السَّرَب).\nوقال مجاهد: (﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾، قال: محرزًا لهم، لفرّوا إليه منكم).\nقلت: والغيران جمع مَغَارة، من غار الرجل في الشيء إذا دخل فيه، والملجأ: الحصن، والمُدَّخل: المَسْلك نختفي بالدخول فيه كالنفق والسرب وغيره.\nوالمعنى: يود المنافقون أن لا يخالطوا المؤمنين كراهية رؤية نصرهم وعزهم، حتى لو سلكوا في حصن أو مغارات أو أنفاق تحجبهم عن رؤية عز الإسلام ورفعة جنده، لولجوا ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي يسرعون في مَشيْهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾.\nأي: ومن المنافقين من يعيب عليك - يا محمد - في قسمك الصدقات، فإن حظوا منها بحظ وافر أظهروا الرضى وإن كان غير ذلك أظهروا السخط والغضب.\nقال قتادة: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، يقول: ومنهم من يَطْعَنُ عليك في الصدقات). أي يعيب عليك فيها.\nوقال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون قالوا: والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرُ بها إلا هواه).\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [بينما نحنُ عند رسول الله - ﷺ - وهو يقْسِمُ قَسْمًا إذ أتاه ذُو الخُوَيْصِرَة وهو رجُلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدِلْ، فقال: وَيْلَكَ، ومن يَعْدِلُ إذا لم أَعْدِلْ؟ قد خِبْتُ وخَسِرْتُ إنْ لم أكُنْ أعْدِلُ، فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرِبَ عُنُقَهُ، فقال: دَعْهُ فإن له أَصْحابًا يَحْقِرُ أحدُكُم صلاتَهُ مع صلاتِهم، وصيامَهُ مع صيامهِم،","vol":"3","page":498},{"text":"يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقِيَهمْ، يمرقون من الدين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيّة، يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ فلا يوجدُ فيه شيءٌ، ثم يُنْظر إلى رِصَافِهِ فما يوجد فيه شيءٌ، ثم يُنْظَرُ إلى نَضِيِّهِ - وهو قِدْحُهُ - فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم يُنْظَرُ إلى قُذَذِهِ فلا يوجَدُ فيه شيءٌ، قد سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيتُهُم رجلٌ أسود إحدى عَضُدَيه مِثْلُ ثَدْي المرأة أو مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، ويخرجونَ على حين فُرْقَةٍ من الناس. قال أبو سعيد: فأشْهَدُ أنّي سمعت هذا الحديث من رسول الله - ﷺ -، وأشهد أنَّ عليَّ بن أبي طالب قاتَلَهم، وأنا معه، فأمر بذلك الرَّجلِ فالتُمِسَ فَأُتِيَ به، حتى نظرت إليه، على نعت النبي - ﷺ - الذي نَعَتَهُ. قال: فنزلت فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾\nأي: لو رضي هؤلاء الذين نافقوا ما قسم الله لهم ورسوله من عطاء، وقالوا: كافينا الله، سيعطينا الله من فضل خزائنه، وكذلك رسوله من الصدقة وغيرها، فإننا نرغب إلى الله في التوسعة علينا وفي بسط رزقه لنا حيث نستغني عن الصدقة والناس.\nقال النسفي: (جواب \"لو\" محذوف تقديره: ولو أنهم رضوا لكان خيرًا لهم، والمعنى: ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم وقالوا: كفانا فضل الله وصنعه، وحسبنا ما قسم لنا، سيرزقنا غنيمة أخرى فيؤتينا رسول الله - ﷺ - أكثر مما آتانا اليوم إنا إلى الله في أن يغنمنا ويخولنا فضله لراغبون).\n٦٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآية: بيان من الله تعالى لمصارف الزكاة بعد فضح المنافقين في سلوكهم ولمزهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٣٦١٠)، (٦١٦٣)، (٦٩٣٣)، وأخرجه مسلم في الصحيح (١٠٦٤) ح (١٤٨)، وأخرجه أحمد نحوه (٣/ ٥٦، ٦٥)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة التوبة، آية (٥٨).","vol":"3","page":499},{"text":"قال ابن كثير: (لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي - ﷺ - ولمزهم إياه في قسم الصدقات بيَّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولَّى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين).\nهل يجب استيعاب هذه الأصناف؟\nقال ابن كثير: (وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية، هل يجب استيعاب الدفع إليها أو إلى من أمكن منها؟ على قولين:\nأحدهما: أنه يجب ذلك، وهو قول الشافعي وجماعة.\nوالثاني: أنه لا يجب استيعابها، بل يجوز الدفع إلى واحد منها ويعطى جميع الصدقة مع وجود الباقين، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف، منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران).\nقال ابن جرير: (وهو قول عامة أهل العلم، وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف ها هنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء).\nفإلى تفصيل مصارف الزكاة كما بيّنَها الله ﵎:\n١ - قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾.\nالفقير: هو المحتاج الذي لا يجد ما يكفيه.\nأخرج ابن ماجه بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تَحِلُّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سَوِيّ] (١). المِرّة: القوة والشدة، والمقصود صحيح البدن يحتمل التعب، و\"سوي\" أي سليم الأعضاء.\nوفي صحيح سنن أبي داود عن عُبيد الله بن عدي: [أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - ﷺ - يسألانه من الصدقة، فَقَلّب فيهما بصره، فرآهما جَلْدَين، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب] (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٤، ١٩٢)، وابن ماجه (١٨٣٩)، وأبو داود (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢) وقال: حديث حسن. وأخرجه الحاكم (١/ ٤٠٧)، والدارمي (١/ ٣٨٦)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (١٦٣٣) - كتاب الزكاة -. وانظر صحيح سنن أبي داود (١٤٣٨). وأخرجه النسائي (٥/ ٩٩ - ١٠٠)، والشافعي (١/ ٢٤٢)، والدارقطني (٣/ ١١٩)، ورواه أحمد في المسند (٤/ ٢٢٤).","vol":"3","page":500},{"text":"٢ - قوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾.\nالمسكين: أسوأ حالًا من الفقير.\nكما ذهب أبو حنيفة ﵀، وهذا قريب.\nفالمسكين يتعفف عن السؤال بعكس الفقير، وقد دلت النصوص على ذلك:\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ -: [ليس المسكينُ بهذا الطوَّافِ الذي يطوف على الناس، فتَردّه اللقمةُ واللقمتان، والتمرةُ والتمرتان. قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجدُ غِنى يغنيه، ولا يُفْطَنُ له فيتصدَّقُ عليه، ولا يسأل الناس شيئًا] (١).\nوأخرج الطبراني والحاكم بسند حسن عن أبي سعيد: أحبوا المساكين، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في دعائه: [اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين] (٢).\nقال البيهقي - كما ذكر الحافظ في \"التلخيص\" ص ٢٧٥ -: (ووجهه عندي أنه لم يسأل حال المسكنة التي يرجع معناها إلى القلة، وإنما سأل المسكنة التي يرجع معناها إلى الإخبات والتواضع).\n٣ - قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾.\nالعاملون عليها: هم الجباة والسعاة يستحقون منها قسطًا على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله - ﷺ - الذين تحرم عليهم الصدقة.\nففي صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، أنه انطلق هو والفضل بن عباس يسألان رسول الله - ﷺ - ليستعملهما على الصدقة فقال: [إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٧٦)، (٤٥٣٩)، ومسلم (١٠٣٩) ح (١٠٢)، وأخرجه أبو داود (١٦٣١)، والنسائي (٥/ ٨٤ - ٨٥)، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٩٥)، (٢/ ٤٩٣) - من حديث أبي هريرة ﵁ -.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في الدعاء (١٤٢٥)، والحاكم (٤/ ٣٢٢)، وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب من المسند\" (١١٠/ ٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٠٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٧٢)، (١٠٧٣)، وأبو داود (٢٩٨٥)، والنسائي (٥/ ١٠٥)، وأحمد (٤/ ١٦٦)، والبيهقي (٧/ ٣١)، والطحاوي (١/ ٢٩٩)، وغيرهم.","vol":"3","page":501},{"text":"قلت: وهذا الحكم خاص في حياة النبي - ﷺ - لأمرين اثنين:\nالأول: أن النبي - ﷺ - كان يعرف آله وأهله.\nوالثاني: أنه - ﷺ - كان يكفي بني هاشم في حياته مقابل منع قبول الصدقة عنهم.\nوأما اليوم فلا حجة بكلام بعضهم أنه من آل بيت النبي - ﷺ - فلا تحل له الصدقة لأمرين اثنين:\nالأول: ربما لا يكون في التحقيق من آل بيته - ﷺ -.\nوالثاني: لقد غاب النبي - ﷺ - حيث كان يكفيهم.\n٤ - قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.\nالمؤلفة قلوبهم أصناف:\nأ - منهم من يعطى من الزكاة ليسلم.\nب - ومنهم من يعطى منها ليحسن إسلامه ويثبت قلبه.\nج - ومنهم من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه.\nد - ومنهم من يعطى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد.\nففي صحيح مسلم عن ابن شهاب قال: [غزا رسول الله - ﷺ - غزوة الفتح فتح مكة، ثم خرج رسول الله - ﷺ - بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بِحُنَيْن، فنصر الله دينه والمسلمين. وأعطى رسول الله - ﷺ - يومئذ صفوان بن أمية مئة من النّعَم، ثم مئة، ثم مئة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح - وفي لفظ: فما زال - يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ] (١).\nوأعطى يوم حنين جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم: مئة من الإبل، ليحسن إسلامهم وتثبت قلوبهم.\nوقال - كما يروي البخاري عن سعد بن أبي وقاص -: [إني لأُعطي الرجل وغيرهُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٣١٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٠١)، (٦/ ٤٦٥)، وأخرجه الترمذي في السنن (٦٦٦).","vol":"3","page":502},{"text":"أحبُّ إليّ منه، خشية أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم] (١).\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد: [أن عليًا بعث إلى النبي - ﷺ - بِذُهَيْبَةٍ في تربتها من اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعُيينة بن بدر، وعلقمة بن عُلاثة، وزَيد الخير، وقال: أتألفهم] (٢).\n٥ - قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.\nذكر الحسن البصري وسعيد بن جبير: (أنهم المكاتَبون). وهو مذهب الشافعي والليث.\nوقال ابن عباس: (لا بأس أن تُعتَقَ الرقبة من الزكاة) - أي إنَّ الرقاب أعم من أن يعطي المكاتب أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا -، وهو مذهب مالك وأحمد.\nوقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله منه بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى يعتق فرجَهُ بفرجِه] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثة حق على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتَبُ الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد ورجاله ثقات عن البراء قال: [جاء رجل فقال: يا رسول الله، دُلَّني على عَمَلٍ يُقَرِّبُني من الجنة ويباعدني عن النار. فقال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧)، (١٤٧٨)، ومسلم (١٥٠)، وأحمد (١/ ١٧٦)، وأخرجه أبو داود (٤٦٨٣)، (٤٦٨٤)، والنسائي (٨/ ١٠٣)، (٨/ ١٠٤)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. هو بعض حديث أخرجه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٦٤) ح (١٤٤)، وأحمد (٣/ ٧٣)، وأخرجه أبو داود (٤٧٦٤)، والنسائي (٧/ ١١٨) (٥/ ٨٧)، وأبو يعلى (١١٦٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١٥٨١/ ٤٩/ ٣)، وانظر صحيح الجامع الصغير (٦٠٥١).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٢٥١، ٣٤٧)، والترمذي (١٦٥٥)، والنسائي (٦/ ٦١)، وأخرجه ابن ماجه (٢٥١٨)، وابن حبان (٤٠٣٠)، والحاكم (٢/ ١٦٠، ٢١٧)، على شرط مسلم.","vol":"3","page":503},{"text":"أعتق النَسمة وفُكَّ الرقبة. فقال: يا رسول الله، أوليسا واحدًا؟ قال: لا، عِتْقُ النَّسَمة أن تُفْرَدَ بعتقها، وفك الرقبة أن تُعين في ثمنها] (١).\n٦ - قوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾.\nالغارمون أنواع:\nأ - منهم من تحمل حمالة.\nب - أو ضمن دينًا فلزمه فأجحف بماله.\nج - أو غرم في أداء دينه.\nد - أو غرم في معصية ثم تاب.\nوالأصل في هذا حديث قَبيصةَ بن مُخارِق الهِلالِيِّ - رواه مسلم في صحيحه - قال: [تحمَّلْتُ حَمَالَةً، فأتيتُ رسول الله - ﷺ -: أسألُهُ فيها، فقال: أقمْ حتى تأتِيَنا الصدقةُ، فنأمُرَ لك بها. قال: ثم قال: يا قبيصةُ، إن المسألة لا تَحِلُّ إلا لأحدِ ثلاثةٍ، رجلٌ تحمّلَ حَمَالَةً فَحَلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يُمْسِك، ورجل أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله، فحلّت له المسألة حتى يُصيبَ قِوامًا من عيش - أو قال: سدادًا من عيش - ورجل أصابته فاقةٌ حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه، فيقولون: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ فحلَّتْ له المسألة، حتى يصيب قِوامًا من عيش - أو قال: سَدادًا من عيش - فما سواهُنَّ من المسألة يا قبيصة! سُحْتًا يأكلها صاحِبُها سُحْتًا] (٢).\n\"حمالة\": المال الذي يتحمله الإنسان أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين.\nوقوله: \"سُحْتًا\" أي اعتقده سحتًا أو يُؤكلُ سحتًا، والسحت: الحرام.\nوفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: [لا تحل المسألة إلا لثلاث: لذي فقر مُدْقِع، أو لذي غُرْمٍ مُفْظِع، أو لذي دم موجع] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٧٤)، وأحمد في مسنده (٤/ ٢٩٩)، ورجاله ثقات، وأخرجها الطيالسي (٧٣٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٤٠) وقال: ورجال أحمد ثقات.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٤٤)، والطيالسي (١٣٢٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢١٠ - ٢١١)، وأبو داود (١٦٤٠)، وأخرجه النسائي (٥/ ٨٨ - ٨٩)، وأخرجه الدارمي (١/ ٣٩٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي بسند صحيح من حديث أنس ﵁. انظر صحيح الترغيب (١/ ٨٢٧) - كتاب الصدقات -.","vol":"3","page":504},{"text":"- وقوله: \"مدقع\": أي شديد - أي ملصق صاحبه بالدقعاء - وهي الأرض لا نبات فيها.\n- وقوله: \"مفظع\": أي شديد شنيع مجاوز للحد.\n- وقوله: \"لذي دم موجع\": أي يتحمل دية عن قريبه القاتل أو صديقه ليدفعها لأولياء المقتول، والتي إن لم يدفعها قتل صاحبه القاتل الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه.\n٧ - قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nهذا السهم يشتمل على نوعين اثنين:\nأ - الغزاة - أي في الجهاد - الذين لا حق لهم في الديوان.\nب - الحج هو من سبيل الله - وهو قول أحمد -.\nوتفصيل ذلك من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تُصُدِّقَ عليه منها فأهدى لغني] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والحاكم من حديث ابن عباس - وابن أبي شيبة واللفظ له، والطبراني عن طلق بن حبيب البصري أن أبا طُليق حدثهم: [أن امرأته أم طُليق أتته فقالت له: حضر الحج يا أبا طُليق! وكان له جمل وناقة، يحج على الناقة، ويغزو على الجمل، فسألته أن يعطيها الجمل تحج عليه؟ فقال: ألم تعلمي أني حبسته في سبيل الله؟ - وفي رواية: ذاك حبيس في سبيل الله ﷿ -. قالت: إن الحج من سبيل الله، فأعطنيه يرحمك الله! قال: ما أريد أن أعطيَك. قالت: فأعطني ناقتك وحجَّ أنت على الجمل. قال: لا أوثِرك بها على نفسي. قالت: فأعطني من نفقتك. قال: ما عندي فضل عني وعن عيالي ما أخرج به وما أترك لكم. قالت: إنك لو أعطيتني أخلفكها الله. قال: فلما أَبَيْتُ عليها قالت: فإذا أتيت رسول الله - ﷺ - فَأقْرِئْهُ مني السلام، وأخبره بالذي قلت لك. قال: فأتيت رسول الله - ﷺ - فأقرأته منها السلام وأخبَرْتُهُ بالذي قالت أمُّ طليق. قال: صَدَقَتْ أمُّ طُلَيْقٍ، لو أعْطَيْتَها الجمل كان في سبيل الله. (وفي رواية: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله). ولو أعطيتها\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث أبي سعيد. انظر سنن أبي داود (١٦١٩)، وسنن ابن ماجه (١٨٤١)، وصحيح الجامع الصغير (٧٢٥٠).","vol":"3","page":505},{"text":"ناقتك كانت وكنت في سبيل الله، ولو أعطيتَها من نَفَقَتِكَ أخْلَفَكَها الله] (١).\n٨ - قوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.\nوهو المسافر انقطع ببلد السفر وإن كان غنيًا في بلده، فيعطى ما يكفيه إلى بلده.\nقال الحافظ ابن كثير: (وكذلك ابن السبيل: وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعينُ به على سفره، فَيُعْطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال. هذا الحكمُ فيمن أراد إنشاءَ سفر من بلده وليس معه شيءٌ، فيُعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه).\nوقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول جل ثناؤُه: قَسْمٌ قَسَمَهُ الله لهم، فأوجبه في أموال أهل الأموال لهم).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nأي عليم بمصالح عباده ودقائق أمور حياتهم وظروفهم وبظواهر الأمور وبواطنها، حكيم في تشريعه لهم وقسمته زكاة أموالهم ومصارفها وفي قوله وفعله وقَدَره.\n٦١ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن بعض المنافقين الذين يؤذون رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٩٩٠) - كتاب المناسك -. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (١٧٥٣)، وأخرجه الحاكم (١/ ١٨٣)، والبيهقي (٦/ ١٦٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٣٠٦٩).","vol":"3","page":506},{"text":"ويعيبونه ويزعمون أنه أذن سامعة يسمع من كل أحد ويصدقه ويقبل منه، فكذبهم الله وأخبر أن نبيّه - ﷺ - أذن خير لا أذن شر، فهو يسمع ولا يقبل إلا من المؤمنين، فيؤمن بالله ويصدق المؤمنين، وقد جعله الله رحمة لمن صدقه واتبعه، وقد توعد الله المنافقين على إيذائهم رسول الله - ﷺ - وتكذيبهم العذاب الأليم.\nإنهم - معشر المؤمنين - يتكلمون بالمطاعن ويتخلفون عن الجهاد - أي المنافقون- ثم يعتذرون إليكم لترضوا عنهم والله ورسوله أحق بذلك لو كانوا مؤمنين.\nألم يعلموا سوء عاقبة مخالفة الله ورسوله أنه العذاب الموجع في نار جهنم وذلك الخزي العظيم.\nيحذر المنافقون نزول سورة أو آية من القرآن تفضح ما في قلوبهم وتكشف سرائرهم أمام المؤمنين، فقال الله لهم: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ فإن الله سيفضح أمركم ويكشف بواطنكم ويطلع المؤمنين على ما في قلوبكم، فإن هذه السورة هي \"الفاضحة\".\nفقوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾.\nقال مجاهد: (نقول ما شئنا، ثم نحلف له فيصدقنا).\nقال ابن كثير: (يقول تعالى: ومن المنافقين قومٌ يؤذون رسول الله - ﷺ - بالكلام فيه ويقولون: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: من قال له شيئًا صَدَّقه، ومن حدّثه فينا صدقه، فإذا جئنا وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباس، ومجاهد وقتادة).\nوقوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني: قل هو أذن خير لكم، لا أذن شرّ).\nوقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن عباس: (يعني: يؤمن بالله، ويصدق المؤمنين).\nوقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾.\nأي جعله الله رحمة لمن آمن به وتابعه وصدقه.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، توعد لهؤلاء المنافقين سوء العذاب مقابل إيذائهم رسول الله - ﷺ - وبسطهم القول فيه بالعيب والتنقص.\nوقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.","vol":"3","page":507},{"text":"قال الزمخشري: (الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن، أو يتخلفون عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكدون مَعاذِيرهُم بالحلف ليعذروهم، ويرضوا عنهم، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون، فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة والوفاق).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾.\nأي: ألم يعلم هؤلاء المنافقون مغبة مخالفة أمر الله ورسوله أنه الخزي في نار جهنم خالدين فيها.\nقال أبو السعود: (والاستفهام للتوبيخ على ما أقدموا عليه من العظيمة، مع علمهم بسوء عاقبتها).\nوالمحاددة من الحدّ، قال الليث: (حاددته أي خالفته، والمحاددة كالمجانبة والمعاداة والمخالفة، واشتقاقه من \"الحدّ\"، بمعنى الجهة والجانب، كما أن المشاقّة كان \"الشق\" بمعناه أيضًا، فإن كل واحد من المتخالفين والمتعاديَيْن في حدّ وشق، غير ما عليه صاحبه).\nوقال القاسمي: (فمعنى ﴿يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ يصير في حدٍّ غير حدِّ أولياء الله، بالمخالفة).\nوقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾.\nقال مجاهد: (يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي سرنا علينا).\nوالمقصود: يخشى المنافقون أن تَنْزِلَ فيهم سورة تظهر المؤمنين على ما في قلوبهم وتفضحهم، فأخزاهم الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾، فأظهر سبحانه أمرهم وكشف ما في قلوبهم وفضحهم.\nقال قتادة: (كانت تسمّى هذه السورة: \"الفاضِحة\"، فاضحة المنافقين).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ","vol":"3","page":508},{"text":"لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٢٩، ٣٠].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨].\n٦٥ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن المنافقين في سخريتهم من بعض المؤمنين، فإن سألتهم عن سبب هذا السلوك الساخر منهم لقالوا إنما كنا نخوض ونلعب، فانتصر الله لأوليائه منهم مخبرًا أن السخرية من المؤمنين هي استهزاء بالله وآياته ورسوله، وأن الاستهزاء بشيء من الدين كفر، وأنه إن يُعْفَ عن التائبين فإنّه لا يُعفى عن المصرين المستكبرين.\nإن المنافقين والمنافقات بعضهم أولياء بعض، قد تواصوا بالأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والبخل والشح، وقد نسوا حق الله عليهم فخذلهم ربهم وأكثرهم فاسقون.\nثم يوم القيامة يحشرهم مع الكفار في نار جهنم خالدين فيها مطرودين من رحمة الله في عذاب مقيم.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nأخرج ابن أبي حاتم ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: [قال رجل","vol":"3","page":509},{"text":"في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء لا أرغبَ بطونًا ولا أكذبَ ألسنة ولا أجبنَ عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله - ﷺ -، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقًا بِحَقَبِ ناقة رسول الله - ﷺ - تنكبُهُ الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله - ﷺ - يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾] (١).\nزاد ابن جرير في رواية: (﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية).\nوقوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.\nأي بما صدر منكم من قول واستهزاء.\nوقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾، قال ابن كثير: (أي: لا يُعْفَى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم).\nوقال النسفي: (﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ بتوبتهم وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مصرين على النفاق غير تائبين منه).\nأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأحمد في المسند، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، وويل لأقماع القول، وويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (٢).\nقال الزمخشري: (\"ويل لأقماع القول\": وهم الذين يستمعون ولا يعون) - فهو مَجَاز -. والأقماع: جمع قِمْع، وهو الإناء يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع.\nقال الألباني: (شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازًا كما يمر الشراب في القمع).\nوأخرج الطبراني في \"المعجم الكبير\" بسند حسن لشواهده، من حديث جرير\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ورجاله رجال الصحيح، إلا هشام بن سعد فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد كما في الميزان، وأخرج الطبري - في التفسير - نحوه (١٦٩٢٨)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - سورة التوبة، آية (٦٥) -.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٨٠)، وأحمد في المسند (٢/ ١٦٥)، (٢/ ٢١٩)، وعبد بن حميد في \"المنتخب من المسند\" (٤٢/ ١) وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤٨٢).","vol":"3","page":510},{"text":"يقول: قال رسول الله - ﷺ -: [من لا يرحم لا يرحم، ومن لا يَغْفِر لا يُغفر له، ومن لا يتب لا يتب عليه] (١).\nوقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: هم صنف واحد، وأمرهم واحد، في إعلانهم الإيمان، واستبطانهم الكفر).\nوقال القرطبي: (أي هم كالشيء الواحد في الخروج عن الدّين).\nوقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾، أي يأمرون بالكفر والعصيان، وينهون عن الطاعة والإيمان.\nوقوله: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾.\nقال مجاهد: (لا يبسطونها بنفقة في حق).\nوقال قتادة: (لا يبسطونها بخير). أو قال: (يقبضون أيديهم عن كل خير).\nوالمقصود: قبض أيديهم عن الإنفاق في الجهاد وفي سبيل الله وفي أبواب الخير والبر.\nوقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.\nقال قتادة: (نُسوا من الخير، ولم ينسوا من الشرّ).\nوالمقصود: تركوا طاعة الله واتباع رسوله، فخذلهم الله عن توفيقه وهدايته وعنايته.\nوقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن سبيل الهدى والحق، الغارقون في طريق المعصية والضلال.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.\nوعيد شديد ينتظر المنافقين مع الكفار في دركات جهنم خالدين فيها.\n_________\n(١) حسن في الشواهد. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ١٨٠/ ١)، وانظر مسند أحمد (٤/ ٣٦٥)، وكذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤٨٣).","vol":"3","page":511},{"text":"قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].\nأي: النار موعد المنافقين والمنافقات والكفار مقابل تمردهم في الكفر وانسلاخهم عن كل خير، وهي كفايتهم في العذاب إضافة إلى الطرد واللعن في عذاب مستمر.\nقال النسفي: (﴿حَسْبُهُمْ﴾ فيه دلالة على عظم عذابها وأنه بحيث لا يزاد عليه. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ وأهانهم مع التعذيب وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم معهم في العاجل لا ينفكون عنه، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق والظاهر المخالف للباطن خوفًا من المسلمين وما يحذرونه أبدًا من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم).\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا] (١).\nوفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سِجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عصارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٢).\n٦٩ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩١٩) - كتاب التفسير - باب ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢].\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥). ورواه أحمد. انظر تخريج مشكاة المصابيح (٥١١٢)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٨٩٦).","vol":"3","page":512},{"text":"بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تشبيه الله تعالى حال هؤلاء المنافقين بحال من مضى على منهاجهم في الأمم قبلهم، أصابهم عذاب الله لما تمادوا رغم ما كانوا عليه من البأس والقوة ووفرة الأموال والأولاد، فكُلٌّ أَخَذَ نصيبه من متاع هذه الدنيا والخوض بالكذب والباطل ومحاربة منهاج النبوة، حتى بطلت الأعمال وحَقّت كلمة العذاب والخسارة.\nألم يكن لهؤلاء المنافقين الذين اختاروا إسرار الكفر والمكر برسول الله والمؤمنين عبرة في خبر الأمم الماضية من قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم لوط حين كذبوا رسلهم وتمادوا بالباطل والمنكر، فدكهم الله بالهلاك والعذاب، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.\nفقوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، أي من الأمم الماضية، ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾، أي أصابهم عذاب الله لما طغوا واستهزؤوا رغم القوة والعدد والعتاد، وكثرة الأموال والأولاد.\nقال عكرمة: قال ابن عباس: (ما أشبه الليلة بالبارحة! ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، هؤلاء بنو إسرائيل، شَبَّهَنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده، لتَتَّبِعُنَّهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه).\nوقوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾. قال الحسن البصري: (بدينهم).\nوقال ابن جرير: (يقول: فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم، ورضوا بذلك من نصيبهم في الدنيا عوضًا من نصيبهم في الآخرة. ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾. قال: وقد سلكتم، أيها المنافقون، سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم. يقول: فعلتم بدينكم ودنياكم، كما استمتع الأمم الذين كانوا من قبلكم، الذين أهلكتهم بخلاف أمري، ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾، يقول: كما فعل الذين من قبلكم بنصيبهم من دنياهم ودينهم، ﴿وَخُضْتُمْ﴾، في الكذب والباطل على الله، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾، يقول: وخضتم أنتم أيضًا، أيها المنافقون، كخوض تلك الأمم قبلكم).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: بطلت مَساعيهم، فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة).","vol":"3","page":513},{"text":"وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. أي: صفقة الآخرة لفساد التجارة والبضاعة.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: [لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قبلكم شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحْر ضَبٍّ لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال النبي - ﷺ -: فَمَنْ؟] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - فذكره وزاد: قال أبو هريرة: [اقرؤوا إن شئتم القرآن: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ - قال أبو هريرة: الخَلاقُ: الدين - ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، قالوا: يا رسول الله، كما صنعت فارس والروم؟ قال: فهل الناس إلا هم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعة حتى تأخذَ أمتي بأخْذِ القرون قبلها شِبرًا بشَبْر، وذِراعًا بِذراعٍ. فقيل: يا رسول الله، كفارسَ والروم؟ فقال: ومن الناسُ إلا أولئك] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعًا: [لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب دخلتم، وحتى لو أنّ أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم] (٤).\nوقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾.\nيَعِظُ الله تعالى المنافقين الذين اختاروا إسرار الكفر بالله ورسوله ومعاداة المؤمنين:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٤٥٦) - كتاب أحاديث الأنبياء -، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٦٩)، والطبري في \"التفسير\" (١٦٩٤٧).\n(٢) حسن صحيح. أخرجه أحمد رقم (٨٣٢٢) - ترقيم أحمد شاكر - وابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٣٩٩٤)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٧٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٧٣١٩) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -. وانظر أيضًا (٣٤٥٦) - كتاب أحاديث الأنبياء -.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٥) من حديث ابن عباس ﵄، وله شاهد في \"المجمع\" (٧/ ٢٦١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٣٤٨).","vol":"3","page":514},{"text":"ألم يكن لهم في خبر الأمم الماضية عبرة إذ اختاروا البغي والطغيان وتكذيب الرسل فدكّهم عذاب الله وأليم عقابه.\nفقوم نوح أصابهم الغرق، وقوم عاد أهلكوا بالريح حين كذبوا نبيهم هودًا - ﷺ -، وثمود أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحًا - ﵊ - وعقروا الناقة، وقوم إبراهيم حين نصره الله عليهم وأهلك ملكهم النمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني، وأصحاب مدين: وهم قوم شعيب - ﷺ - أصابتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾. قال قتادة: (قوم لوط، انقلبت بهم أرضهم فجعل عاليها سافلها).\nقال ابن كثير: (قوم لوط، وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]، أي الأمم المؤتفكة، وقيل: أم قراهم، وهي \"سدوم\". والغرض: أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطًا ﵇، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين).\nوقال النسفي: (﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ مدائن قوم لوط، وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر).\nوقوله: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\nأي: كل هذه الأقوام التي مضت جَاءتها حجج الله البالغة، ودلالات الوحي القاطعة، فأقام الله عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل، فما ظلمهم سبحانه، ولكن كانوا هم الظالمين بعنادهم وكبرهم واستهزائهم حتى صبحهم الهلاك والدّمار.\n٧١ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تَزْكِيَةٌ من الله تعالى لصفات المؤمنين في مُغايرتها لِنُعوت","vol":"3","page":515},{"text":"المنافقين: فالمؤمنون والمؤمنات كالأُسْرَةِ الواحدة في التناصر والتعاضد يتواصون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحرصون على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة ربهم ورسوله، أولئك تنالهم رحمته تعالى إنه عزيز حكيم.\nلقد وعد الله المؤمنين والمؤمنات الخلود في الجنات، لهم فيها مساكن طيبة وتجري من تحتها الأنهار، ويحظون فيها بأكبر وأجَلّ النعم: رضوان الله عليهم، وذلك هو الفوز العظيم.\nفقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.\nبيان لصفات المؤمنين المحمودة، بعد ذكر نعوت أولئك المنافقين المقيتة، فهم يتناصرون ويتعاضدون لإقامة الدين، فالولاء بينهم والبراء من أعدائهم.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: [المُسْلم أخو المُسْلِم، لا يَظْلِمُهُ وِلا يُسْلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فَرَّج عن مسلم كُرْبَةً فَرَّج الله عنه كُربَةً من كُرُبات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا، وشبك بين أصابعه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عُضْوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [المُسْلِمُ أخو المُسْلِم لا يخونه ولا يكذِبُهُ ولا يخذُلُهُ، كل المسلم على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٤٤٢) - كتاب المظالم - باب: لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يُسْلِمُهُ.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١)، (٢٤٤٦)، ومسلم (٢٥٨٥)، والترمذي (١٩٢٨)، والنسائي (٥/ ٧٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٢٢)، وأحمد (٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٠/ ٣٦٧) من حديث النعمان بن بشير، وأخرجه مسلم (٢٥٦٨)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٠).","vol":"3","page":516},{"text":"المسلم حرامٌ عِرْضُهُ ومالُهُ ودَمُهُ، التقوى ها هنا، بِحَسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يَحْقِرَ أخاه المسلم] (١).\nوقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.\nقال أبو العالية: (كل ما ذكره الله في القرآن من \"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\"، فالأمر بالمعروف، دعاء من الشرك إلى الإسلام، والنهي عن المنكر، النهي عن عبادة الأوثان والشياطين).\nوفي التنزيل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].\nوفي سنن الترمذي بسند حسن عن حذيفة بن اليمان: عن النبي - ﷺ - قال: [والذي نفسي بيده، لتَأْمُرُنَّ بالمعروف ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أوْ ليوشِكَنَّ الله أن يبعثَ عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعُنَّهُ فلا يستجيب لكم] (٢).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، قال: الصلوات الخمس).\nقال القرطبي: (وبحسب هذا تكون الزكاة هنا المفروضة).\nوقال ابن عطية: (والمدح عندي بالنوافل أبلغ، إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرائض).\nوقال ابن جرير: (﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فيأتمرون لأمر الله ورسوله، وينتهون عما نهياهم عنه).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾. قال النسفي: (السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد).\nوقال القرطبي: (والسين في قوله: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ مُدْخِلَةٌ في الوعد مُهْلَةً لتكون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (١٩٢٨)، وقال: حديث حسن. وانظر صحيح مسلم (٢٥٨٠)، وصحيح البخاري (٥/ ٧٠).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٢٢٧٣) - باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -، من حديث حذيفة بن اليمان. وانظر صحيح سنن الترمذي (١٧٦٢)، ورواه أحمد وغيره، انظر صحيح الجامع الصغير، حديث رقم، (٦٩٤٧).","vol":"3","page":517},{"text":"النفوس تنعم برجائه، وفضلهُ تعالى زعيمٌ بالإنجاز).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي ﴿عَزِيزٌ﴾ من أطاعه أعزّه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإن له الحكمة في جميع ما يفعله، ﵎).\nوقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.\nأي: وعد الله الذين صدقوا الإيمان بالله ورسوله بساتين إقامة تجري تحت أشجارها الأنهار، لا يزولون عنها، وفيها مساكن طيبة هي منازل المؤمنين يسكنونها، حسنة البناء، طيبة القرار، قصور وغرف، في جنات عدن.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: [جنّتان من فِضة آنيتُهما وما فيهما، وجنّتان من ذَهَبٍ آنيتُهما وما فيهما، وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكِبْرِ على وجهه في جنة عدن] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي عِمْران الجَوْنيّ عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن في الجنة خَيْمَةً مِنْ لُؤلؤةٍ مُجَوَّفة، عرضُها سِتُّون مِيلًا، في كل زاويةٍ منها أهل ما يَرَوْنَ الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصامَ رمضان، فإن حقًا على الله أن يدخِلَهُ الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جَلَسَ في أرضه التي ولد فيها. قالوا: يا رسول الله، أفلا نُخْبِرُ الناس؟ قال: إن في الجنة مئة درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله، بين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٨٧٨) - كتاب التفسير -، وأخرجه مسلم في صحيحه (١٨٠)، ورواه أحمد في المسند (٤/ ٤١١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٨٧٩) - كتاب التفسير - من حديث عبد الله بن قيس، وأخرجه مسلم أيضًا - حديث رقم - (١٨٠).","vol":"3","page":518},{"text":"كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفِرْدوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تُفَجَّرُ أنهار الجنة، وفوقه عرشُ الرحمن] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ أهلَ الجنة يَتَراءَوْنَ أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءَوْن الكوكَبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرُهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي مالك الأشعري، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام] (٣).\nوقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nأي: إن رضا الرحمن ﷿ هو أكبر نعمة ينعم بها المؤمنون يوم القيامة، وهي فوق كل نعمة ولذة رأوها أو عاشوها في الدنيا والآخرة.\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقول الله - ﷿ -: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوقَ ما أعطيتنا؟ فيول: رضواني أكبر] (٤).\nوأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيّكَ ربَّنا وسَعْدَيكَ، فيقول: هل رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقكَ؟\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٢٧٩٠)، (٧٤٢٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٣٥، ٣٣٩) من حديث أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٦) - كتاب بدء الخلق -، وأخرجه مسلم (٢٨٣٠)، وأحمد في المسند (٥/ ٣٤٠) - من حديث سهل بن سعد ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطبراني بإسناد حسن من حديث أبي مالك الأشعري. انظر تخريج مشكاة المصابيح (١٢٣٥)، وتخريج الترغيب (٢/ ٤٦)، وصحيح الجامع (٢١١٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم (٥٣٨).","vol":"3","page":519},{"text":"فيقول: أنا أعطيكم أفضلَ من ذلك، قالوا: يا ربِّ وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخطُ عليكم بعده أبدًا] (١).\n٧٣ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - بإعلان الحرب الشديدة على الكفار والمنافقين فهم أهل النار. إنهم يحلفون بالله كذبًا ما نطقوا كلمة كفر وهم في حقيقة الأمر منغمسون في الكفر والمكر بدين الله ورسوله، وما للرسول عندهم من ذنب إلا أن الله سبحانه أغناهم بسببه، فإن يتداركوا أنفسهم بالتوبة فهو خير لهم، وإن يصروا على الكبر والإعراض ينزل بهم عذاب الله في الدنيا ثم في الآخرة، وليس لهم في الأرض من يُنْقِذهم من بأس الله أو يدفع عنهم ما كتب عليهم من الخزي والهلاك.\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nدعوة من الله سبحانه لنبيه - ﷺ - بمجاهدة الكفار والمنافقين والغلظة عليهم فإنهم أهل النار.\nقال ابن عباس: (فأمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهبَ الرفق عنهم). وقال الضحاك: (يقول: جاهد الكفار بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم). وعن الحسن: (قال: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحدود، أقم عليهم حدود الله).\nوالحقُّ أنه لا فرق بين الفريقين في مفهوم الآية، وكل ذلك يرجع إلى الإمام، كما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦٥٤٩) - كتاب الرقاق -. وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٢٩)، وأحمد في المسند (٣/ ٨٨).","vol":"3","page":520},{"text":"قال ابن مسعود: من أنّ الله أمر نبيَّه - ﷺ - من جهاد المنافقين بنحو الذي أمره به من جهاد المشركين، وهو اختيار شيخ المفسرين - ابن جرير - ﵀. فإذا أظهر المنافقون نفاقهم أو طعنهم في الدين فإنهم يجاهدون بالسيوف.\nقال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الغِلظ: نقيض الرأفة، وهي شدة القلب على إحلال الأمر بصاحبه. وقال: ومعنى الغِلظُ خشونة الجانب، فهي ضدّ قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح).\nوقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، يقول: ومساكنهم جهنم، وهي مثواهم ومأواهم، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، يقول: وبئس المكان الذي يُصار إليه جهنم).\nوقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾.\nإخبار من الله تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون بالله كذبًا عن كلمةِ كُفْرٍ تلفظوا بها وتشدقوا بذكرها أنهم ما قالوها.\nقال النسفي: (﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾: وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام، وفيه دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد، لأنه قال: وكفروا بعد إسلامهم).\nوأما تأويل قوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، أي: من إطفاء نور الله بشكل من الأشكال، ومحاولة قتل النبي - ﷺ - أو التخلص منه بأي طريقة فأخزاهم الله.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن أبي الطُّفيل قال: [لما أقبل رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك، أمر مناديًا فنادى: إنّ رسول الله - ﷺ - أخذ العقبة فلا يأخُذها أحد. فبينما رسول الله - ﷺ - يقوده حذيفة ويسوقه عَمّار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارًا وهو يسوق رسول الله - ﷺ -، وأقبل عمار - ﵁ - يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله - ﷺ - لحذيفة: \"قَدْ، قَدْ\". حتى هبط رسول الله - ﷺ -، فلما هبط نزل ورجع عمار، فقال: يا عمار، هل عرفت القوم؟ فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: هل تدري ما أرادوا؟ قال: الله ورسوله أعلم.","vol":"3","page":521},{"text":"قال: أرادوا أن يُنَفّرُوا برسول الله - ﷺ - راحلته فيطرحوه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الطفيل قال: [كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم أخبره إذ سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم، فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة. قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله - ﷺ -، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرَّة فمشى فقال: إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قومًا قد سبقوه، فلعنهم يومئذ] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: وما للرسول عندهم ذنبٌ إلا أن الله أغناهم ببركته ويُمْن سِفارته، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله لما جاء به).\nوقوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.\nأي: هذا باب التوبة قد فتحه الله لهم ودعاهم إليه فإن يستعتبوا كان خيرًا لهم، وإن يصروا ويستمروا على طريقهم نالهم عذاب في الدنيا بالقتل والهم والغم، وعذاب في الآخرة بالجحيم والهوان والصَّغار. ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، أي: وليس لهم في الأرض من يُنْجِدُهم أو يَدْفَعُ عنهم ما كتبَ الله عليهم من الخزي والهلاك.\n٧٥ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٥٣ - ٤٥٤) من حديث أبي الطفيل، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٩٥): رجاله ثقات.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٢٧٩/ ١١) - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم -. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٣/ ١٥٣٤ - ١٥٣٦).","vol":"3","page":522},{"text":"كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾.\nفي هذه الآيات: فَضْحُ الله طائفة من المنافقين كانوا عاهدوا الله على البذل إن أغناهم وأن يكونوا من الصالحين.\nفلما آتاهم سبحانه من فضله نكلوا وخانوا العهد ومضوا وهم معرضون.\nفعاقبهم الله تعالى بختم قلوبهم بالنفاق إلى يوم يلقونه ليكونوا من الخاسرين.\nألم يعلموا أن سرائرهم وعلانيتهم مكشوفة لِعَلّام الغيوب رب العالمين! .\nفقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nإخبار من الله تعالى عن طائفة من المنافقين كانوا قد أعطوا الله عهدهم وميثاقهم لئن أغناهم الله ليبذلن المال في الصدقات والقربات. ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال النسفي: (بإخراج الصدقة).\nوقال القاسمي: (أي بإعطاء كل ذي حق حقه).\nقلت: والصلاح يشمل أكثر من ذلك، فينسحب إلى كل أعمال البر والتقوى.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\nأي: فلما أغناهم الله من فضله كذبوا العهد وخانوا ميثاقهم وأظهروا الشح والبخل ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، أي: مصرون على الإعراض والإنكار.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.\nأي: فأعقبهم الله ببخلهم وشحهم وصنيعهم هذا في الخيانة ونقض العهد إطفاءً لنور قلوبهم، ونفاقًا سكن في أعماقها إلى يوم يلقونه ﷿.\nقال ابن جرير: (﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾، من الصدقة والنفقة في سبيله، ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، في قيلهم، وحَرَمهم التوبة منه، لأنه جل ثناؤه اشترط في نفاقهم أنه أعقبهموه إلى يوم يلقونه، وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدنيا).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بذكر صفات المنافقين في أحاديث، منها:","vol":"3","page":523},{"text":"الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [آية المنافق ثلاث (١): إذا حَدَّثَ كَذَب، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا اؤْتُمِنَ خان] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو: أن النبي - ﷺ - قال: [أربع مَنْ كُنَّ فيه كان مُنافقًا خالصًا، وَمَنْ كانت فيه خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانت فيه خَصْلَةٌ من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّث كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصم فَجَر] (٣).\nوقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.\nقال القاسمي: (أي ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه، وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: أي ما غاب عن العباد وما ظهر وما بطن وكل سرٍّ ونجوى.\n٧٩. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾.\nفي هذه الآية: إخبار من الله تعالى عن صفة أخرى في نعت هؤلاء المنافقين، فإنه لا يَسْلَمُ أحد من عيبهم ولمزهم، فإنْ بذل المتصدق وسعه وجاء بمال قليل قالوا: إن الله غني عن صدقة هذا، وإن أعانه الله على بذل الجزيل والوفير اتهموه بالرياء وسخروا\n_________\n(١) زاد مسلم في رواية: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم). صحيح مسلم (٥٩) ح (١١٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٣٣) - كتاب الإيمان -، وأخرجه مسلم (٥٩) ح (١٠٩)، (١١٠)، وأخرجه أحمد رقم (٨٦٧٠)، والترمذي (٢٦٣٣)، والنسائي (٨/ ١١٧) من حديث أبي هريرة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤) - كتاب الإيمان - باب علامات النفاق، وكذلك أخرجه برقم (٢٤٥٩)، (٣١٧٨). وكذلك أخرجه مسلم (٥٨) - كتاب الإيمان - باب خصال النفاق.","vol":"3","page":524},{"text":"منه كما سخروا ممن قبله، والله تعالى في حقيقة الأمر هو يسخر من سلوكهم وأفعالهم وقد توعدهم على هذا الاستهتار العذاب الأليم.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي وائل، عن أبي مسعود ﵁ قال: [لما نزلت آية الصدقة كنا نُحَامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدّق بشيء كثير، فقالوا: مُرَائي. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا - أو قال: عن صاع هذا - فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية] (١).\n٨٠. قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nفي هذه الآية: إخبار من الله تعالى لنبيه - ﷺ - إن هؤلاء المنافقين لن ينفعهم الاستغفار، إذ ليسوا له أهلًا، وأنه لو استغفر لهم - ﵊ - ولو سبعين مرة ما كان الله ليغفر لهم بما ركبوا من الكفر بالله ورسوله، وأصروا على التمرد والخروج عن طاعة الله سبحانه.\nقال ابن جرير: (وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم، يا محمد، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم).\n٨١ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٦٦٨)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - سورة التوبة، آية (٧٩)، ورواه مسلم.","vol":"3","page":525},{"text":"وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمٌ من الله تعالى للمنافقين في تخلفهم عن ركب النبي - ﷺ - وصحابته ومسيرهم إلى تبوك، وفرحهم بمقعدهم في الظلال والثمار بعد خروجه، وخبره عنهم باعتذارهم عن الخروج بسبب شدة الحر، فقال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: قل لهم - يا محمد - نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون ويعقلون.\nفليضحكوا في هذه الدنيا قليلًا فإنهم سيبكون في الآخرة كثيرًا مقابل ما كانوا يكسبون.\nفإن ردّك الله - يا محمد - من غزوتك هذه واستأذنك هؤلاء المنافقون مرة أخرى للخروج معك فلا تقبل منهم، فإنهم قد رضوا التخلف عنك أول مرة فليقعدوا مع المتخلفين.\nوحذار أن تصلي على ميت منهم أو تقوم على قبره، فإنهم عاشوا على الكفر والمكر والنفاق وماتوا فاسقين.\nولا تبهرك أموالهم وأولادهم، فهي عذاب الله عليهم في الدنيا بما فتنتهم عن إقامة الدين، وحسرة عليهم في الآخرة توردهم الجحيم.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾، وذلك أن رسول الله - ﷺ - أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله، الحرُّ الشديد، ولا نستطيع الخروجَ، فلا تنفر في الحرّ! فقال الله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، فأمره الله بالخروج).\nوعن قتادة: (في قوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، قال: هي غزوة تبوك).\nوعن ابن إسحاق قال: (ثم ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول الله - ﷺ - بالجهاد، وأجمع السير إلى تبوك، علي شدة الحرّ وجدب البلاد. يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [ناركم جزء من سبعين جُزءًا من نار جهنم. قيل يا رسول الله! إن كانت لكافية. قال:","vol":"3","page":526},{"text":"فُصِّلَت عليهن بتسعة وستين جُزءًا كُلُّهُنَّ مثلُ حرِّها] (١).\nوفي لفظ: [ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم. قال: فإنها فَضَلَتْ عليها بتسعة وستين جزءًا، كُلُّهن مثل حرِّها].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مَعَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أهونُ أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو مُنْتَعل بنعلين يغلي منهما دماغه].\nوفي لفظ في الصحيحين من طريق النعمان بن بشير: [إن أهونَ أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يَرى أن أحدًا أشَدُّ منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [اشْتَكَتْ النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ! أَكَلَ بَعْضي بَعْضًا. فجعل لها نَفَسَيْن: نَفَس في الشتاء ونفَس في الصيف. فَشِدَّةُ ما تجدون مِن البَرْدِ، من زَمْهَريرها. وشِدَّةُ ما تجدون من الحرِّ، مِنْ سَمُومها] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (هم المنافقون والكفار، الذين اتخذوا دينهم هُزُوًا ولعبًا. يقول الله ﵎: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾، في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، في النار).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣)، وابن حبان (٧٤٦٢)، وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٩٤)، وأخرجه البغوي (٤٣٩٨)، وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث (١٩٧٦) -.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم (١٩٧٥) -، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٦٢) لتفصيل البحث.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧١٧)، ومسلم (٩٩٤)، وأخرجه أحمد (٤/ ٢٧١)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣/ ٣٤٦)، وابن ماجه (٢/ ٥٨٦) - واللفظ له -، وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٤٨٧)، وإسناده على شرط الشيخين، وقد أخرجاه وكذا أحمد (٢/ ٢٣٨ - ٢٧٧ - ٤٦٢ - ٥٠٣) من طرق عن أبي هريرة نحوه.","vol":"3","page":527},{"text":"وقال أبو رزين: (﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾، قال: في الدنيا، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا بكاءً لا ينقطع. فذلك الكثير).\nأخرج الحاكم بسند حسن عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إن أهل النار ليَبْكُون، حتى لو أُجْريت السفن في دموعهم جَرَت، وإنهم ليبكون الدم] (١).\nورواه في شرح السنة عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يا أيها الناس! ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم، كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرّح العيون، فلو أن سُفُنًا أُزْجِيَتْ فيها لجرت]. \"أزجيت\" أي: أرسلت.\nوله شاهد عند ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: [يُرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (والخالفون الرجال).\nقال قتادة: (قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾، أي: مع النساء. ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا من المنافقين، قيل فيهم ما قيل).\nوقوله ابن عباس في المخالفين أرجح، أنهم الرجال الذين نافقوا، ولا معنى لذكر النساء، وهو اختيار ابن جرير.\nوالمعنى: فإن ردّك الله - يا محمد - من غزوتك هذه واستأذنك هؤلاء المنافقون في الخروج معك إلى غزوة أخرى فلا تقبل منهم أبدًا، بأنهم رضوا في التخلف أول مرة نفاقًا وإيثارًا للدعة وزينة الحياة الدنيا وليقعدوا مع المنافقين المتخلفين.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥) - على شرط الشيخين -. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٦٧٩).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣٢٤)، وابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" (ق ١٢/ ١)، وانظر المرجع السابق، وأخرجه أبو يعلى (٤١٣٤)، وانظر مستدرك الحاكم (٤/ ٦٠٦)، والحديث حسن لشواهده.","vol":"3","page":528},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\nبراءة من المنافقين، ومنع للنبي - ﷺ - من الصلاة عليهم أو القيام على قبورهم للدعاء أو الاستغفار لهم، لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا على ذلك.\nوفي أسباب نزول الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: [لما تُوُفِّي عبد الله بن أبيٍّ جاء ابنُهُ عبدُ الله بنُ عبد الله إلى رسول الله - ﷺ -، فسأله أن يُعْطِيَهُ قميصَهُ يكفِّنُ فيه أباه، فأعْطاهُ، ثم سأله أن يُصَلِّيَ عليه، فقام رسول الله - ﷺ - ليصلِّي عليه، فقام عمرُ، فأخذ بثوب رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أتُصَلِّي عليه وقد نهاكَ ربُّكَ أن تُصَلِّيَ عليه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إنما خيّرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وسأزيده على السَّبْعين. قال: إنه منافقٌ، قال: فَصَلَّى عليه رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: [لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دُعِيَ له رسول الله - ﷺ - ليصلي عليه، فلما قام رسول الله - ﷺ - وَثَبْتُ إليه فقلت: يا رسول الله، أَتُصَلّي على ابن أُبيٍّ وقد قال يوم كذا، كذا وكذا؟ . قال: أُعَدِّدُ عليه قَولَه، فَتَبَسَّمَ رسول الله - ﷺ - وقال: أُخِّرْ عنِّي يا عُمَر.\nفلما أَكْثَرتُ عليه قال: إني خُيِّرْتُ فاخْتَرْتُ، لو أعلمُ أني إن زِدْتُ على السَّبْعين يُغْفَرُ له، لَزِدْتُ عليها. قال: فصلى عليه رسول الله - ﷺ -، ثم انصرف، فلم يَمْكُثْ إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان مِنْ براءة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأتي على رسول الله - ﷺ -، والله ورسولُهُ أعلم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن جابر ﵁ قال: [أتى النبي - ﷺ - عَبدَ الله بن أبي بعدما دُفِنَ فأخرجه فنفث فيه من ريقِهِ، وألبسه قميصه] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٧٠)، ومسلم (٢٧٧٤)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ٢٨٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٧١) - كتاب التفسير -، سورة التوبة، آية (٨٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٢٧٠) - كتاب الجنائز - باب الكفن في القميص الذي يُكَفُّ أو لا يُكَفّ، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.","vol":"3","page":529},{"text":"وله شاهد في مسند أحمد من حديث جابر - أيضًا - قال: [لما مات عبد الله بن أبيّ، أتى ابنه النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنك إن لم تأته لم نَزَلْ نُعَيَّر بهذا. فأتاه النبي - ﷺ - فوجده قد أدخل في حفرته، فقال: أفلا قبل أن تدخلوه! فأخرجَ من حُفرته، وتَفَل عليه من ريقه من قَرَنِهِ إلى قدَمِهِ، وألبسه قميصه] (١).\nقلت: والحكم استنادًا إلى هذه الآية عامٌ في كُلِّ من عُرِفَ نفاقه فيعتزل أهل العلم الصلاة عليه تعزيرًا لأمثاله وتحذيرًا من مسلك الفسق والنفاق.\nفقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي قتادة قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا دُعِيَ لجنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرٌ قام فصلّى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: شأنكم بها، ولم يُصَلّ عليها] (٢).\nوقال أبو عُبيد في كتاب الغريب في حديث عمرَ أنه أراد أن يصلي على جنازة رَجُلٍ، فَمَرزَه حُذيفة، كأنه أراد أن يَصُدَّه عن الصلاة عليها.\nثم حكى عن بعضهم أن المَرْزَ بلغة أهل اليمامة هو: القَرْص بأطراف الأصابع. ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.\nأي: لا تعجبك يا محمد أموال المنافقين وأولادهم فتصلي على أحدهم عند موته لأجل كثرة ماله وولده، فإن الله تعالى إنما بسط لهؤلاء في المال والولد فتنة وعذابًا لهم في الدنيا بالهموم والغموم، ثم بما يلزمه من ذلك من المؤن والنفقات والزكوات، وبما ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات، فإذا مات أحدهم وفارق المال والولد كان ذلك حسرة عليه عند موته مع ما ينتظره من وبال ذلك عليه في الآخرة، فإن الله تعالى لا يقبل عملًا مع الشرك به والكفر بدينه وجحد نبوة رسله.\nقال السدي: (﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾، في الحياة الدنيا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٣٧١) من حديث جابر بن عبد الله، ورجاله ثقات. وأخرجه النسائي (٤/ ٣٧) بنحوه. وانظر صحيح مسلم (٢٧٧٣)، وصحيح البخاري (١٣٥٠)، (٥٧٩٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠) من حديث أبي قتادة ﵁، وصححه ابن حبان (٣٠٥٧)، والحاكم (١/ ٣٦٤)، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٣ - ٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":530},{"text":"وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته، يعطى بها (وفي رواية: يثاب عليها الرزق في الدنيا) ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).\nوأخرج النسائي بسند حسن عن أبي أمامة ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ قال رسول الله - ﷺ -: لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات، يقول رسول الله - ﷺ -: لا شيء له. ثم قال: إن الله ﷿ لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه] (٢).\n٨٦ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن سلوك المنافقين عند نزول سورة تدعوهم إلى الإيمان بالله والجهاد مع رسوله، فإذا الأغنياء منهم يطلبون البقاء مع المرضى والضعفاء المعذورين.\nلقد رضوا البقاء مع النساء اللواتي ليس عليهن فرض الجهاد، وإنما قد ختم الله على قلوبهم فهم لا يفهمون موعظة ولا يتدبرون مصلحتهم وما فيه نجاتهم وفوزهم.\nفقوله: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني أهل الغنى). أو قال: (يعني الأغنياء).\nوالمقصود: نكولُ المنافقين عن الجهاد في سبيل الله مع وجود السَّعة والطَّول، وغياب العذر، إنما هو حب الدنيا وزينتها الفانية على حساب الآخرة ونعمتها الباقية.\nوقوله: ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وقالوا لك: دعنا،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٣٥)، وأحمد (٣/ ١٢٥)، وانظر السلسلة الصحيحة (٥٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"الجهاد\" (٢/ ٥٩) من حديث أبي أمامة ﵁، وحسنه العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٤/ ٣٢٨).","vol":"3","page":531},{"text":"نكن ممن يقعد في منزله مع ضعفاء الناس ومرضاهم، ومن لا يقدر على الخروج معك في السفر).\nوفي التنزيل: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠، ٢١].\nوقوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾.\nقال ابن كثير: (رضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف (١)، بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلامًا، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، أي: علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبنُ شيء).\nوقوله: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾.\nقال النسفي: (ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الهلاك والشقاوة).\n٨٨ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء من الله تعالى على رسوله - ﷺ - وعلى المؤمنين الذين ناصروه وأيدوه وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم - وهو في موضع ذم، بالإشارة، إلى المنافقين، أو ثناء للمؤمنين بعد ذمٍّ للمنافقين - ثم بيان من الله تعالى لحسن عاقبة المؤمنين والمجاهدين - فإنهم أهل الفلاح والفوز العظيم.\nلقد أعد الله لهم جنات تجري الأنهار تحت أشجارها وعبر بساتينها مع الطمأنينة لهم بالخلود وذلك الفوز العظيم.\n_________\n(١) الخوالف: جمع خالفة، والمراد النساء.","vol":"3","page":532},{"text":"وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن في الجنة مئة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسطُ الجنة، ومنه تفجَّرُ أنهارُ الجنة، وفوقه عرش الرحمن] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: [يا أبا سعيد مَنْ رضيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًّا، وجبت له الجنة. فعجب لها أبو سعيد. فقال: أعِدْها عَليَّ، يا رسول الله! ففعل. ثم قال: وأخرى يُرْفَعُ بها العَبْدُ مئةَ درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي؟ يا رسول الله! قال: الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله] (٢).\nوفيه من حديث سهل بن سعد الساعدي، عن رسول الله - ﷺ - قال: [والغدوة يغدوها العَبْدُ في سبيل الله، خيرٌ من الدنيا وما فيها] (٣).\n٩٠ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿جَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن محاولة نفر من أحياء العرب حول المدينة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٧٩٠)، (٧٤٢٣)، وأحمد في مسنده (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٩) في أثناء حديث أطول.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٨٤) - كتاب الإمارة - باب بيان ما أعدّه الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٨١) - كتاب الإمارة - باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله.","vol":"3","page":533},{"text":"الاعتذار لرسول الله - ﷺ - بترك الجهاد لضعف أو عجز، وقعود المنافقين فلم يجيئوا ولم يعتذروا ليظهر كذبهم، وقد توعدهم الله بالقتل والخزي في الدنيا وبالعذاب الأليم في الآخرة.\nإنه لا حرج على الضعفاء والمرضى وكذلك من عجز بالمال عن الخروج للجهاد إذا قعدوا ونصحوا حال قُعودِهم فلم يُثَبِّطوا أحدًا بل أحسنوا النصيحة والله غفور رحيم.\nوكذلك لا سبيل - يا محمد - على النفر الذين جاؤوك صادقين يريدون الخروج وليس لديك ما تحملهم عليه، فتولوا وهم يبكون أن لا سبيل للحملان والخروج.\nإنما العتاب والعقاب على الأغنياء المتخلفين، الذين ختم الله على قلوبهم في المنافقين، فهم لا يعلمون سوء عاقبتهم.\nفقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾.\nهم أهل الأعذار بترك الجهاد لعجز أو ضعف.\nقال الضحاك: (كان ابن عباس يقرأ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾، مخففة، ويقول: هم أهل العذر).\nوقال مجاهد: (نفر من بني غفار، جاؤوا فاعتذروا، فلم يُعْذِرْهم الله).\nوالمقصود: محاولة نفر من أحياء العرب حول المدينة الاعتذار إلى رسول الله - ﷺ - بترك الجهاد لضعف أو عدم قدرة على الخروج. ولفظ ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ من عذّر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى، فهو يوهم أن له عذرًا، أو من لفظ: (المعتذرون) بإدغام التاء في الذال.\nوقوله: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَه﴾.\nقال النسفي: (هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان).\nوقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾. توعُّدٌ لهم بعذاب أليم إما بالقتل والخزي في الدنيا أو بالنار في الآخرة.\nوقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nهذه الآية نص في إعذار الضعفاء والمرضى، كأرباب الزمانة والهرم والعمى","vol":"3","page":534},{"text":"والعرج، وكذلك من عجز عن الخروج للجهاد من جهة المال.\nقال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية. أصل في سقوط التكليف عن العاجز، فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيض حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوفي السنة العطرة من آفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري وأبو داود وابن ماجه من حديث أنس ﵁: [أن النبي - ﷺكان في غَزاةٍ، فقال: إن أقوامًا بالمدينة خَلْفَنا ما سَلكْنا شِعْبًا ولا وادِيًا إلا وهُمْ معنا فيه، حَبَسَهُم العُذْر] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق بسند رجاله ثقات قال: حدثني أبي إسحاق بن يَسار، عن أشياخ من بني سلمة: [أن عمرو بن الجموح كان رجلًا أعْرَج شديد العَرَج، وكان له بنون أربعة مثل الأُسْد، يشهدون مع رسول الله - ﷺ - المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حَبْسَه، وقالوا له: إن الله ﷿: قد عذرك، فأتى رسول الله - ﷺ -، فقال: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخُروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بِعَرْجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: أما أنتَ فقد عَذَرك الله فلا جهادَ عليكَ، وقال لبنيه: ما عليكم أن لا تمنعوه، لعلّ الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه فَقُتِلَ يوم أحد] (٢).\nوله شاهد في مسند الإمام أحمد بسند حسن من حديث أبي قتادة، ﵁، وكان شاهد عيان، قال: [أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٣٩) - كتاب الجهاد والسير -. وأخرجه أبو داود (٢٥٠٨)، وابن ماجه (٢٧٦٤)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٠٣)، وابن حبان (٤٧٣١)، وغيرهم من حديث أنس.\n(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٩٠ - ٩١) وسنده حسن إن كان أشياخ بني سلمة من الصحابة، وإلا فهو مرسل ورجاله ثقات. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧).","vol":"3","page":535},{"text":"الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم، فقتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمرّ رسول الله - ﷺ-، فقال: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة. فأمر رسول الله - ﷺ - بهما وبمولاهما، فجعلوا في قبر واحد] (١).\nقال النسفي: (﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بأن آمنوا في السر والعلن وأطاعوا كما يفعل الناصح بصاحبه).\nوقال ابن كثير: (فليس على هؤلاء حَرَجٌ إذا قَعَدُوا ونَصَحُوا في حال قعودهم، ولم يُرْجفوا بالناس، ولم يُثَبِّطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا، ولهذا قال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).\nوالنصح هو إخلاص العمل من الغش. قال الرازي: (والناصح: الخالص من كل شيء. قال: ورجل ناصح الجَيْب أي نقيّ الثوب. ومنه التوبة النصوح وهي الصادقة).\nوفي صحيح مسلم عن تميم الداري: [أن النبي - ﷺ - قال: \"الدين النصيحة\". قلنا: لِمَنْ؟ قال: للهِ وَلِكتابِه ولِرَسُوله ولأئمة المسلمين وعامَّتِهم] (٢).\nقال العلماء: (النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفُه بصفات الألوهية، وتنزيهه عن النقائص والرغبة في مَحابّه والبعد من مساخطه. والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوّته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته ومحبة آل بيته، وتعظيمه وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتفقّه فيها والذبّ عنها ونشرها والدعاء إليها، والتخلّق بأخلاقه الكريمة - ﷺ -.\nوكذا النصح لكتاب الله: قراءته والتفقه فيه، والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به. والنصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم. والنصح للعامة: ترك معاداتهم، وإرشادُهم وحب الصالحين منهم، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٩٩)، وحسّن إسناده الحافظ في الفتح. وانظر صحيح السيرة - إبراهيم العلي - ص (٢١٧)، والمرجع السابق (٢/ ٦٩٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٥) - كتاب الإيمان - باب بيان أن الدين النصيحة. وأخرجه أبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي (٧/ ١٥٦ - ١٥٧)، وابن حبان (٤٥٧٥)، وأحمد (٤/ ١٠٢).","vol":"3","page":536},{"text":"وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: [مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى] (١).\nوقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال القرطبي: (وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن).\nوقال النسفي: (﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ المعذورين الناصحين ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي لا جناح عليهم ولا طريق للعتاب عليهم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ يغفر تخلفهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولا سبيل أيضًا على النفر الذين إذا ما جاؤوك، لتحملهم، يسألونك الحُمْلان، ليبلغوا إلى مغزاهم لجهاد أعداءِ الله معك، يا محمد، قلت لهم: لا أجد حَمُولة أحملكم عليها، ﴿تَوَلَّوْا﴾، يقول: أدبروا عنك، ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾، وهم يبكون من حزن على أنهم لا يجدون ما ينفقون، ويتحمّلون به للجهاد في سبيل الله).\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: [أتيتُ النبي - ﷺ - في رَهْطٍ من الأشعريِّين نَسْتَحْمِلُهُ، فقال: والله! لا أحْمِلُكُمِ، وما عندي ما أحملكُم عليه. قال: فَلَبِثْنَا ما شاء الله، ثم أُتِيَ بإبلٍ، فأمَرَ لنا بثلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرا، فلما انطلقنا قلنا - أو قال بعضنا لبعض -: لا يُبارِكُ اللهُ لنا، أتَيْنا رسول الله - ﷺ - نَسْتَحْمِلُهُ فحلفَ أنْ لا يَحْمِلَنا، ثمَّ حَمَلَنا، فأَتَوْه فأخبروه، فقال: ما أَنا حَمَلْتُكم، ولكن الله حَمَلَكُم، وإني، والله! إن شاءَ الله، لا أَحْلِفُ على يمينٍ ثم أرى خيرًا منها، إلا كفَّرْتُ عن يميني وأتَيْتُ الذي هو خَيْرٌ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦)، والبيهقي (٣/ ٣٥٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٠)، من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٦٤٩) - كتاب الأيمان - وأخرجه النسائي (٩١٧)، وأخرجه ابن حبان (٤٣٥٤) من حديث أبي موسى، وورد من حديث عمران بن حصين - أخرجه البخاري (٣١٣٣)، و(٤٣٨٥)، ومسلم (١٦٤٩)، وأحمد (٤/ ٤٠١).","vol":"3","page":537},{"text":"وعن ابن إسحاق: (﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿حَزَنًا﴾ قال: وهم البكاؤون، كانوا سبعة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال القاسمي: (﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي بالعتاب والعقاب ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ أي قادرون على تحصيل الأهبة ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ أي من النساء والصبيان وسائر أصناف العاجزين. أي رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف).\nوقال ابن جرير: (﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾، يقول: وختم الله على قلوبهم بما كسبوا من الذنوب، ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، سوء عاقبتهم، بتخلفهم عنك، وتركهم الجهاد معك، وما عليهم من قبيح الثناء في الدنيا، وعظيم البلاء في الآخرة).\n٩٤ - ٩٦. قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن المنافقين في حرصهم على الاعتذار إليكم عند وصولكم المدينة، فقولوا لهم: لن نصدقكم في محاولتكم وقد أخبرنا الله عن صفاتكم وأحوالكم ومحاولاتكم وسيُظهر الله أعمالكم للناس في الدنيا ثم يوم القيامة يخبركم سبحانه بما صدر منكم، وما اجترحتم من آثام ويجزيكم بها. إنهم سيحلفون بالله لكم معتذرين بكل وسيلة فأعرضوا عنهم تصغيرًا لشأنهم واحتقارًا لسلوكهم فإنهم \"رجس\" أي: خبثاء نجسة بواطنهم واعتقاداتهم ومآلهم في الآخرة إلى جهنم مقابل آثامهم ونفاقهم. إنهم سيحلفون لكم محاولين إرضاءكم خشية عاقبة الأمور وتغير","vol":"3","page":538},{"text":"أحوال الدنيا عليهم، فإن ترضوا أنتم عنهم فاعلموا أن الله لا يرضى عن القوم الخارجين عن طاعته المكذبين برسوله.\nقال القرطبي: (﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ يعني المنافقين. ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي من تبوك. والمحلوف عليه محذوف، أي يحلفون أنهم ما قدروا على الخروج. ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أي لتصفحوا عن لومهم).\nوقال ابن عباس: (أي لا تكلموهم).\nوقال النسفي: (﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ تعليل لترك معاتبتهم، أي أن المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم لأنهم أرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم).\nقلت: والمقصود عملهم رجس ومنهجهم قبيح.\nوقال القاسمي: (﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ من تمام التعليل، فالعلة نجاسة جبلتهم التي لا يمكن تطهيرها).\nأخرج ابن جرير ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: [لما قدم رسول الله - ﷺ - من تبوك جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله - ﷺ -: علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وصَدَقْتُهُ حديثي. فقال كعب: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - ﷺ - ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إنَّ الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحد: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾] (١).\n٩٧ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ورجاله رجال الصحيح - ونحوه في صحيح البخاري من حديث كعب (٤٤١٨)، وصحيح مسلم (٢٧٦٩) - وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - التوبة (٩٥ - ٩٦).","vol":"3","page":539},{"text":"الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن الأعراب الجفاة أنهم أشد كفرًا ونفاقًا وجهلًا في الدين. ومنهم طائفة يعيشون على المكر في المؤمنين ويترقبون الدائرة لتكون عليهم، والله سيوقعهم في سوء أعمالهم وهو السميع العليم. ومن الأعراب مؤمنون صادقون متصدقون، سيدخلهم الله في رحمته، والله غفور رحيم.\nفقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: الأعراب أشد جحودًا لتوحيد الله، وأشدّ نفاقًا من أهل الحضر في القرى والأمصار. وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك، لجفائهم، وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوق الله).\nوفي مسند أحمد وسنن النسائي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [من سَكَنَ البادية جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى السلطان افتُتِن] (١).\nوله شاهد في المسند بسند حسن من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: [مَنْ بدا جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحدٌ من السلطان قُربًا إلا ازداد من الله بُعْدًا] (٢).\nوفي لفظ من حديث البراء ﵁ مرفوعًا: [من بدا جفا].\nوقوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾.\nقال قتادة: (هم أقل علمًا بالسنن).\nيروي ابن جرير بسنده عن الأعمش، عن إبراهيم قال: (جلس أعرابي إلى زيد بن صَوْحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَنْد، فقال: والله إنّ حديثك ليعجبني، وإن يدك لَتُريبُني! فقال زيد: وما يريبُك من يدي؟ إنها الشمال!\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣٣٦٢)، وأبو داود (٢٨٥٩)، والنسائي (٧/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٣٧١)، (٢/ ٤٠٠)، (٤/ ٢٩٧)، وانظر الصحيحة (١٢٧٢).","vol":"3","page":540},{"text":"فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمينَ يقطعون أم الشمال؟ قال زيد بن صوحان: صدق الله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه﴾).\nقال الحافظ ابن كثير: (ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله تعالى منهم رسولًا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].\nولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهديَّة لرسول الله - ﷺ - فردَّ عليه أضعافها حتى رضي، قال: \"لقد هَمَمْتُ ألا أقبل هدية إلا من قُرشِيّ، أو ثَقَفي أو أنصاري، أو دَوْسي\" (١)، لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن: مكة، والطائف، والمدينة، واليمن، فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب، لما في طباع الأعراب من الجفاء).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بأمثلة عن قسوة الأعراب وجفاء معاملتهم وسلوكهم في أحاديث.\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن شهاب: أخبرني عُبيد الله بنُ عبد الله بن عُتْبةَ: أن أبا هريرة أخبره أن أعرابيًا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله - ﷺ -[دَعُوه وأهْريقوا على بَوْلِهِ ذَنُوبًا من ماء، أو سَجْلًا مِنْ ماء، فإنما بُعثتم مُيَسِّرين، ولم تُبعثوا مُعَسِّرين] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه من حديث طلحة بن عبيد الله يقول: [جاء رجلٌ إلى رسول الله - ﷺ - مِنْ أهلِ نَجْدٍ، ثائِرُ الرأس، نسمع دويَّ صَوْتِه ولا نفقهُ ما يقول، حتى دنا من رسول الله - ﷺ -، فإذا هو يسأل عن الإسلام. .] الحديث (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [جاء أعرابي إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد رقم (٢٦٨٧)، والبزار (١٩٣٨ - كشف الأستار)، وابن حبان (٦٣٨٤)، والطبراني (١٠٨٩٧) من حديث ابن عباس، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٤٨): ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦١٢٨) - كتاب الأدب - باب قول النبي - ﷺ - \"يسروا ولا تعسروا\" ورواه مسلم وأهل السنن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١١) - كتاب الإيمان - باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.","vol":"3","page":541},{"text":"النبي - ﷺ - فقال: تُقَبِّلون الصِّبيان؟ فما نُقَبِّلُهم، فقال النبي - ﷺ -: أو أمْلِكُ لك أن نزعَ الله من قلبك الرحمة] (١).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بالمؤمن من عباده من المنافق، وبمن يستحق العلم والإيمان ممن لا يستحق، وبكل أحوال عباده وخلقه، حكيم في قسمته الإيمان والعمل والعلم والجهل والنفاق، وفي كل قدره وشرعه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون من الأعراب، الذين إنما ينفقون رياءً، اتقاءَ أن يُغْزَوْا أو يحاربوا أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مغرمًا. ألا تراه يقول: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾؟).\nقال ابن جرير: (﴿مَغْرَمًا﴾، يعني: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾، يقول: وينتظرون بكم الدوائر، أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروهٍ، . . .، وغلبة عدو لكم. يقول الله تعالى ذكره: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم، ونزول المكروه بهم).\nوقال ابن كثير: (﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.\nهذا الصنف من الأعراب هو الأقرب إلى الله تعالى، وهم موضع المدح من بين ما قبلهم، فهم إنما صَدَقُوا الله الإيمان وصَدّقوا بالدار الآخرة وعملوا ما استطاعوا من القربات لرضاء ربهم ونيل استغفار نبيهم لهم، وقد وعدهم سبحانه أن يدخلهم في رحمته ويتجاوز عن سيئاتهم.\nقال ابن عباس: (﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾، يعني: استغفار النبي ﵇).\nوقال قتادة: (دعاء الرسول، هذه ثَنِيَّةُ الله من الأعراب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٩٨) - كتاب الأدب - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته.","vol":"3","page":542},{"text":"وقال النسفي: (﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي جنته، وما في السين من تحقيق الوعد، وما أدل هذا الكلام على رضا الله عن المتصدقين وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يستر عيب المخل ﴿رَحِيمٌ﴾ يقبل جهد المقل).\nوفي كنوز السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ تَصَدَّق بِعَدْل تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولا يقبل الله إلا الطَّيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبها كما يُرَبّي أحدُكم فَلُوَّهُ حتى تكونَ مثلَ الجبل] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: [ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إلا عِزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله ﷿] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ - يقول: [مَثَلُ البخيل والمُنْفِق، كَمَثَلِ رَجُليْنِ عَليْهما جُنَّتان من حديدٍ من ثُدِيِّهِما إلى تَراقِيهما، فأما المنْفِقُ، فلا يُنْفِقُ إلا سَبَغَت، أو وَفَرَتْ على جلدِهِ حتى تُخْفيَ بنانَهُ، وتَعْفُوَ أثرَهُ، وأما البخيل، فلا يريد أن ينُفِقَ شيئًا إلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكانَها، فهو يُوَسِّعُها فلا تَتَّسِعُ] (٣).\nقال الخطابي فيما نقله الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٢٤٢): (وهذا مثل ضربه النبي - ﷺ - للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين، أراد كل واحد منهما لبس درع يستتر به من سلاح عدوه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدرع أول ما يقع على الرأس إلى الثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعًا سابغة، فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وجعل البخيل كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، فكلما أراد لبسها اجتمعت إلى عنقه، فلزمت ترقوته، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، فتوسعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه، فضاق صدره، وانقبضت يداه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ٢٢٠)، (٣/ ٢٢٢)، وأخرجه مسلم في الصحيح (١٠١٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٥٨٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وأخرجه مسلم - حديث رقم - (١٠٢١).","vol":"3","page":543},{"text":"١٠٠. قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾.\nفي هذه الآية: ثناء الله تعالى على السابقين للإسلام، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، فقد رضي الله عن منهاجهم، ورضوا عن شرعه وقدره وما أعدّه لهم، في روضات الجنات تجري من تحتها الأنهار، مع الخلود في لذات النعيم، وذلك هو الفوز العظيم.\nفقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصار﴾\nقال الشعبي: (السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية).\nوقال قتادة: (هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله - ﷺ -).\nقلت: ولا شك أن السبق إلى الإسلام والمسارعة إلى الحق أوائل الدعوة يندرج تحت مسمى السابقين الأولين، وقد كان في المهاجرين والأنصار أبطال ذلك وفرسانه.\nوقد جعل الله للسبق في الإيمان منزلة عالية بين الناس، فذم من يحاول إيذاء الأوائل من السابقين، ممن أسلموا من بعدهم، فإن للسبق حرمة ومكانة.\nوفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبَّه خالد، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه] (١).\nوالحديث يشير إلى عبد الرحمن من السابقين الأولين وممن أسلم قبل الفتح وشهد بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان ومنهم خالد،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٥٤١) - كتاب فضائل الصحابة -. باب تحريم سب الصحابة ﵃.","vol":"3","page":544},{"text":"فنهى أن يسب من له صحبة آخرًا من له صحبة أولًا، لامتيازهم عنهم في الصحبة.\nوفي هذا يروي ابن بطة بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: [لا تسبوا أصحاب محمد - ﷺ -، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي - ﷺ - خير من عمل أحدكم أربعين سنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة] (٢).\nوفي لفظ: قال جابر: أخبرتني أم مُبَشِّرٍ أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول عند حَفْصة: [لا يدخل النار، إن شاء الله، مِن أصحاب الشجرة، أحدٌ من الذين بايعوا تحتها].\nالحديث الثالث: يروي الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبَّعَ عورة أخيه المسلم يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله] (٣).\nثم أخبر النبي - ﷺ - أن هؤلاء الأوائل السابقين سيكون لهم حضور في كل زمان حتى قيام الساعة، وأن الأمة لا تزال تفرز الأبطال والقادة والعلماء، وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته.\nيروي أبو نعيم في \"الحلية\" بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [لكل قرن من أمتي سابقون] (٤).\nثم أخبر صلوات الله وسلامه عليه أن هؤلاء الأوائل سيفوقهم واحد منهم ليكون السابق في ذلك الزمان.\nففي رواية أخرى عند أبي نعيم عن أنس: قال رسول الله - ﷺ -: [لكل قرن سابق].\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر تخريج الطحاوية (٩٣)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩١٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٤٩٦) - كتاب فضائل الصحابة -. وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٥٥٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٠٣٢). انظر صحيح سنن الترمذي (١٦٥٥). وانظر تخريج المشكاة (٥٠٤٤)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٨٦٢).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٨)، والديلمي (٢/ ٣٣٣)، وسنده جيد. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٠١)، وصحيح الجامع (٥٠٤٧)، (٥٠٤٨).","vol":"3","page":545},{"text":"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: والذين سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، طلبَ رضى الله).\nوقولُه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. قال النسفي: (﴿﵃﴾ بأعمالهم الحسنة، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية).\nوقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nتتويج الرضا من الله سبحانه بالخلود يوم القيامة في بساتين النعيم العظيم، والأمن المقيم، والفوز الكريم.\n١٠١ - ١٠٢. قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تَنْبيهُ الله تعالى عباده المؤمنين، لوجود أعراب حولهم متسللين، من أهل النفاق ومن عاونهم ممن على طريقتهم في المدينة، دربوا على النفاق ومرنوا عليه، وقد تَوَعَّدَهُم الله بعذاب في الدنيا مرتين، ثم بالرد إلى عذاب في الآخرة عظيم.\nوآخرون مؤمنون مقصرون، أهل كسل وتشاغل وتقاعس، جمعوا بين العمل الصالح ونقيضه، ربما يتوب الله عليهم، إن الله غفور رحيم.\nفقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾.\nإخبار من الله تعالى لعباده المؤمنين عن قوم منافقين يتخللون الصفوف في المدينة ومن حولها من أعراب البادية.\nقال ابن زيد: (﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، قال: أقاموا عليه، لم يتوبوا كما تاب الآخرون).\nوقال ابن إسحاق: (أي: لجُّوا فيه، وأبوا غيرَه).\nوقال ابن جرير: (﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، يقول: مرَنُوا عليه ودَرِبوا به).","vol":"3","page":546},{"text":"وفي لغة العرب: تمرّد فلان إذا عتا ومرنَ على معصيته واعتادها.\nقال الرازي: (المرود على الشيء المُرون عليه. قال: والماردُ العاتي).\nوقوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، كقوله في سورة الأنفال: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. . الآية. لأن هذا من باب التوسّم فيهم بصفات يُعْرَفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين. وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقًا، وإن كان يراه صباحًا ومساء).\nوقوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال السدي عن أبي مالك: (كان رسول الله - ﷺ - يخطب فيذكر المنافقين، فيعذبهم بلسانه. قال: وعذاب القبر).\n٢ - وقال مجاهد: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، قال: القتل والسِّبَاء). أو قال: (بالجوع وعذاب القبر). أو قال: (الجوع والقتل). وقال يحيى: (الخوف والقتل).\n٣ - قال قتادة: (﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، قال: عذابًا في الدنيا، وعذابًا في القبر).\n٤ - وقال ابن زيد: (أما عذابٌ في الدنيا، فالأموال والأولاد. وقرأ قول الله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥]، بالمصائب فيهم، هي لهم عذاب، وهي للمؤمنين أجر. قال: وعذاب في الآخرة، في النار، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾، قال: النار).\nوقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾.\nهو في حال المذنبين المتأخرين عن الجهاد كسلًا وميلًا إلى الراحة، مع إثبات الإيمان لهم، فالأولون هم المنافقون المتخلفون عن الغزو شكًا وتكذيبًا، وهؤلاء هم المؤمنون المتخلفون كسلًا وتشاغلًا؛ فقد اعترفوا بالذنوب وأقروا بها، ولهم من الأعمال الصالحة ما يجعلهم تحت عفو الله ورحمته. والآية عامة في جميع المذنبين المخلطين، وإن كانت نزلت في أناس معينين، وكل \"عسى\" في القرآن حق.\nوفي صحيح البخاري - عند تفسير هذه الآية - عن سَمُرَة بن جُندب ﵁","vol":"3","page":547},{"text":"قال: قال رسول الله - ﷺ - لنا: [أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبَنِ فِضّة، فتلقّانا رجالٌ، شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهم كأحْسَنِ ما أنت راءِ، وشَطْرٌ كأقْبَحِ ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فَقَعُوا في ذلك النَّهْر، فَوَقَعوا فيه ثم رجعوا إلينا قَدْ ذَهَبَ ذلك السوء عنهم فصاروا في أَحْسَنِ صورة، قالا لي: هذه جَنَّةُ عَدْنٍ وهذاك مَنْزِلُك، قالا: أما القومُ الذينَ كانوا شَطْرٌ منهم حَسَنٌ وشَطْرٌ منهم قبيحٌ فإنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، تجاوز الله عنهم] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: ذو صفح عن ذنوب عباده وعفو لها إذا تابوا منها، وهو رحيم بهم يتجاوز تعذيبهم إذا أنابوا إليه.\n١٠٣ - ١٠٦. قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾.\nفي هذه الآيات: الأمْرُ من الله لنبيِّه أخذ صدقات أموال المسلمين والدعاء لهم، فالله تعالى هو الذي يقبل توبة عباده ويأخذ بالصدقات فينمِّيها لهم.\nوالتوعد من الله للمتخلفين المتقاعسين بفضح أعمالهم أمام رسول الله - ﷺ - والمؤمنين، ثم يُرَدّون إلى ربهم فيرون عرض تفاصيل أعمالهم في صحائفهم.\nوهناك آخرون أمرهم إلى الله قد يتوب الله عليهم أو يعذبهم، فهو العليم بأعمالهم وحرصهم على التوبة، الحكيم في تقديره مصيرهم.\nفقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.\nأمْرٌ من الله تعالى نبيّه - ﷺ - أن يأخذ من أموال المؤمنين صدقة معينة كالزكاة المفروضة أو غير معينة وهي التطوع، تطهرهم بها من دنس البخل والطمع والقسوة على الفقراء، وتزكي أنفسهم وتنميها بالبركات الخلقية والخيرات.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٧٤) - كتاب التفسير - باب قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾.","vol":"3","page":548},{"text":"والآية عامة، وإن كان بعض المفسرين أعادوا الضمير في ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا. ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، إنما كان خاصًا بالرسول - ﷺ -، محتجين بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فتصدى لهم صديق الأمة وأول خلفائها، فردّ عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد وقاتلهم حتى دفعوها.\nفقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: [لما توفي رسول الله - ﷺ- وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى. فقال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَنَاقًا (١) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ - لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق] (٢).\nوالمراد بنو يربوع وكانوا جمعوا الزكاة ليخرجوها فمنعهم مالك بن نويرة وفرقها فيهم، وكان قتالهم في أول خلافة أبي بكر ﵁.\nوقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. أي: ادع لهم واستغفر لهم.\nكما في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: [كان النبي - ﷺ - إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم. وفي رواية: (قال: اللهم صل عليهم). فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (رحمة لهم). وقال قتادة: (وقار).\n_________\n(١) أنثى المعز التي لم تبلغ سنة. وفي رواية: \"عِقَالًا\": وهو الحبل الذي يعقل به البعير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (١٣٩٩)، (١٤٠٠) - كتاب الزكاة - باب وجوب الزكاة، ورواه مسلم وأهل السنن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٧٨)، وأخرجه البخاري (١٤٩٧)، (٤١٦٦)، (٦٣٣٢)، وأخرجه أبو داود (١٥٩٠)، والنسائي (٥/ ٣١)، وأحمد (٤/ ٣٥٣ - ٣٥٥ - ٣٨١)، والطيالسي (٨١٩) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁.","vol":"3","page":549},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعائك يا محمد ولكل شيء، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو أهل لدعوتك، وبالسر وأخفى.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ: [إن الله ﷿ يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يُرَبِّي أحدكم مُهْرَه (١) أو فَلُوَّه أو فصيله، حتى إن اللقمة لتصير مثلَ جبل أحد. قال وكيع: وتصديق ذلك في كتاب الله قوله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾] (٢).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ تَصَدَّق بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كسْبٍ طيّب، ولا يقبلُ اللهُ إلا الطيِّبَ، وإنّ الله يتقبّلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبه كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ، حتى تكونَ مِثل الجبل] (٣).\nوقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.\nقال مجاهد: (هذا وعيد). أي: إن الله تعالى يتوعد المخالفين أوامره والمتخلفين عن الجهاد بعرض أعمالهم، فهو يراها سبحانه ويُريها رسوله والمؤمنين في الدنيا، ثم العرض الأكبر يوم القيامة، وهو قوله: ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩، ١٠].\n_________\n(١) هو ولد الفرس.\n(٢) حسن صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٠٤)، والترمذي في الجامع (٦٦٢)، وأصله في صحيح البخاري (١٤١٠)، وفي صحيح مسلم (١٠١٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤)، والترمذي (٦٦١)، والنسائي (٥/ ٥٧)، وابن ماجه (١٨٤٢)، وابن حبان (٢٧٠)، وأحمد (٢/ ٣٣١) من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":550},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ٩ - ١١].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المفهوم لعرض الأعمال في الدنيا والآخرة أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: [ليس أحدٌ يحاسَبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينَه وبينه ترجمانٌ، ولا حجابٌ يَحْجُبُه، فينظرُ أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا عليكم أن تَعْجَبُوا بأحدٍ حتى تنظروا: بم يُختمُ له؟ فإن العاملَ يعملُ زمانًا من عمره - أو: بُرْهة من دهره - بعمل صالح لو مات عليه لدخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا، وإن العبد ليعمل البرهة من دَهْره بعمل سَيَّئ لو مات عليه دخلَ النار، ثم يتحولُ فيعمل عملًا صالحًا، وإذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله قبل موته. قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: يوفِّقهُ لعمل صالحٍ ثم يقبضه عليه] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nقال مجاهد: (هلال بن أمية، ومرارة بن ربعي، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج).\nوقال الضحاك: (هم الثلاثة الذين خلفوا عن التوبة).\nقال النسفي: (﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن أصروا ولم يتوبوا، ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٩)، وأخرجه مسلم (٢٨٧٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ٢٢٥)، وأخرجه مسلم (١٠١٦) (٦٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٢٠)، وكذلك أخرجه (٣/ ٢٢٣)، وله شواهد.","vol":"3","page":551},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، أي برجائهم، وبكل ما يخفى وما يظهر، ﴿حَكِيمٌ﴾ في إرجائهم، وفي كل أمره وقدره.\nوأصل الإرجاء التأخير. من أرجأته أي أخّرته. ومنه سمي \"المرجئة\" - لأنهم أخّروا العمل.\nقال القرطبي: (﴿إِمَّا﴾ في العربية لأحد أمرين، والله ﷿ عالم بمصير الأشياء، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون، أي ليكن أمرهم عندكم على الرجاء لأنه ليس للعباد أكثر من هذا).\nوالمقصود: أنّ \"إما\" في قوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أنها للشك بالنسبة للعباد، أي خافوا عليهم العذاب وارجوا لهم الرحمة، وأما الله تعالى فهو عالم بمصير كل شيء وإليه يرجع الأمر كله.\nففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء] (١).\n١٠٧ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: كَشْفُ الله تعالى قصة مسجد الضرار الذي أسّسه المنافقون على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٥١) - في القدر - باب: كتب المقادير قبل الخلق. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤١)، بلفظ: \"كتب الله مقادير الخلائق. .\".","vol":"3","page":552},{"text":"الكفر والنفاق وإيواء المجرمين، وتظاهرهم بالحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون.\nونَهْيُ الله نبيّه عن الصلاة فيه، فإن المسجد الأول الذي أُسِّسَ على التقوى هو الأحق للصلاة فيه، وفيه رجال مؤمنون متطهرون.\nهل يستوي البنيان الذي أُسِّسَ على طاعة الله كالبنيان المؤسس على معصيته، والله لا يصلح عمل المفسدين.\nلا يزال هذا البنيان القبيح نكتة سوداء في قلوب هؤلاء المنافقين حتى زوالهم عن الدنيا والله عليم حكيم.\nفقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.\nقصّته: أن رسول الله - ﷺ - غزا غزوة تبوك في رجب (٩ هـ)، هي آخر غزوة غزاها - ﷺ -، فقد وصلت إلى المدينة أخبار إعداد الرومان، وأن جيشًا ضخمًا يوشك أن يكون على جاهزية لمرحلة فاصلة دامية مع المسلمين، ففرح المنافقون بهذه الأخبار، وأبْرَقَ لهم الشّيطان آمالًا من الخزي والعار، وكان أبو عامر الراهب - الذي سمّاه رسول الله - ﷺ - بالفاسق - قد فرَّ إلى قيصر بالشام، وكان هو الذي حزّب الأحزاب من قبل لقتال رسول الله - ﷺ -، فلما خذله الله لحق بالروم، وكتب إلى المنافقين في المدينة يأمرهم ببناء مسجد يتحَزّبوا به ضد رسول الله والمسلمين، وليكون بمثابة وكر للدس والتآمر يأمنون فيه، وليستعدوا لاستقباله فيه مع جيش الروم الزاحف.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾. قال: وهم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأُخرج محمدًا وأصحابه! فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة) (١).\nويروي ابن إسحاق بسند حسن من حديث عاصم بن عمر بن قتادة قال: (وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا\n_________\n(١) ذكره بسنده ابن جرير - تفسير الطبري -، سورة التوبة، آية (١٠٧).","vol":"3","page":553},{"text":"فتصلي لنا فيه! فقال: إني على جناح سفر وحال شُغْلٍ - أو كما قال رسول الله - ﷺ - ولو قد قَدِمْنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه) (١).\nثم مضى رسول الله - ﷺ - إلى تبوك، وأذلّ الله أعداءه الروم وكسر شوكتهم وأهان دولتهم، وركب المسلمون هودج النصر وداسوا مُلك قيصر بأقدامهم، وقفلوا عائدين إلى المدينة، فلما نزل النبي - ﷺ - بأصحابه بذوي أوان، وهي على ساعة من المدينة، أصدر أمره هناك إلى بعض أصحابه بحرق مسجد الضرار وهدمه على أهله.\nقال ابن إسحاق: (فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله - ﷺ - مالكَ بن الدُّخشم، أخا بني سالم بن عوف، ومَعْنَ بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، أخا بني العَجْلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه، فاهدماه وحرِّقاه. فخرجا سريعَيْن حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدُّخْشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل إلى أهله، فأخذ سَعفًا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرّقاه وهدّماه، وتفرّقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى آخر القصة) (٢).\nقال مجاهد: (﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾، قال: المنافقون، ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، لأبي عامر الراهب). أي \"إرصادًا\" له، وإعدادًا لأجل ذاك الفاسق.\nوقوله: ﴿ضِرَارًا﴾ مفعول لأجله، أي مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء. ﴿وَكُفْرًا﴾ أي تقوية للنفاق وأهله، ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن زيد: (لئلا يصلي في مسجد قباء جميع المؤمنين). فأرادوا تفريقهم واختلاف كلمتهم ففضحهم الله.\nوقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nأي: يحلف بانوه أنهم إنما أرادوا ببنائه الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١٥٠١ - ١٥٠٢).\n(٢) انظر سيرة ابن هشام - في أعقاب تبوك - (٢/ ٥٣٠)، والمرجع السابق (٣/ ١٥٣٦).","vol":"3","page":554},{"text":"الضعف والعلة ومن شَقَّ عليه الوصول إلى مسجد النبي - ﷺ - والله يشهد أنهم بحلفهم هذا يكذبون، وما أرادوا الحق ولا نصرة هذا الدين.\nوقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ - نهي من الله تعالى نبيّه - ﷺ - عن القيام أو الصلاة في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله.\nوقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾.\nقَسَمٌ من الله تعالى أن مسجد قباء الذي أسس على التقوى من أول يوم ابتدئ في بنائه هو أولى أن تقوم فيه - يا محمد - مُصَليًا.\nلقد نزل رسول الله - ﷺ - أول ما نزل المدينة في قباء، في بني عمرو بن عوف، على كلثوم بن الهدم، أربع عشرة ليلة، وأسَّس فيها مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة وفي الإسلام.\nقال ابن إسحاق: (فأقام رسول الله - ﷺ - بقُباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده).\nوقد ذُكر أن رسول الله - ﷺ - كان أول من وضع حجرًا في قبلة المسجد، ثم جاء أبو بكر بِحَجَر فوضعه إلى حجر رسول الله - ﷺ - ثم أخذ الناس في البنيان.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عروة قال: [فلبث رسول الله - ﷺ - في بني عمرو بن عوف بِضْعَ عشْرَةَ ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله - ﷺ -، ثم ركب راحلته، فسارَ يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله - ﷺ - بالمدينة، وهو يُصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر، لسُهَيْل وسَهْل غلامين يتيمين في حَجْر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله - ﷺ - حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزِلُ. ثم دعا رسول الله - ﷺ الغلامين فساوَمَهُما بالمِربَد ليتخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نَهَبَهُ لك يا رسول الله، فأبى رسول الله - ﷺ - أن يقبلَهُ منهما هبةً حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا وطفق رسول الله - ﷺ - ينقل معهم اللَّبِنَ في بنيانه ويقول، وهو ينقل اللَّبِن: هذا الحمال لا حمال (١) خيبر، هذا أبَرُّ ربَّنا وأطْهَر. ويقول: اللهم إن الأجر أجرُ الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة] (٢).\n_________\n(١) والمراد بقوله: \"لا حمال خيبر\"، أي: لا ما يحمل من خيبر من التمر ونحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم (٣٩٠٦) - كتاب مناقب الأنصار -.","vol":"3","page":555},{"text":"وقد اختلف المفسرون في المقصود في قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ على وجهين:\nالوجه الأول: المقصود مسجد المدينة.\nفقد روى ابن جرير بإسناده إلى عثمان بن عبيد الله قال: (أرسلني محمد بن أبي هريرة إلى ابن عمر، أسأله عن المسجد الذي أسس على التقوى، أيّ مسجد هو؟ مسجد المدينة أو مسجد قباء؟ قال: لا، مسجد المدينة).\nوقال زيد بن ثابت: (المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول).\nالوجه الثاني: بل المقصود مسجد قُباء.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، يعني مسجد قُباء).\nوكذلك قال ابن بريدة: (مسجد قباء، الذي أسس على التقوى، بناه نبي الله - ﷺ -)\nوقد جمع الحافظ ابن كثير بين القولين جمعًا لطيفًا حيث قال: (وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله - ﷺ - الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله - ﷺ - بطريق الأولى والأحرى).\nثم ذكر أحاديث بعضها رواه الإمام أحمد وبعضها جاء في بعض السنن وله رواية عند الإمام مسلم:\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي سعيد أنه قال: [تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: هو مسجدي] (١).\nورواه مسلم عن حميد الخراط المدني قال: [سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٨٩)، ح (١١٧٨٥)، وانظر المسند (٣/ ٨).","vol":"3","page":556},{"text":"أبي سعيد فقلت: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: إني أتيت رسول الله - ﷺ - فدخلت عليه في بيتٍ لبعض نسائه فقلت: يا رسول الله: أين المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: [هو مسجدكم هذا] (١).\nواختاره ابن جرير ﵀، على أنه أولى القولين بالصواب.\nقلت: والذي أميل إليه أن اللفظ قد أطلق في السنة الصحيحة على المسجدين معًا، فكلاهما أسس على التقوى، فإلى أيهما كان الحديث عنه سلك المعنى، فقد سبق في رواية البخاري عن عروة قوله: \"فلبث رسول الله - ﷺ - في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأَسَّسَّ المسجد الذي أسس على التقوى\". ثم قوله ﵊: \"هو مسجدكم هذا\" الذي رواه الإمام مسلم.\nوقد مدح الله في القرآن المسجد الأول في الإسلام بقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.\nوكذلك جاء المدح من السنة المطهرة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة] (٢).\nالحديث الثاني: روى مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: [كان رسول الله - ﷺ يأتي مسجدَ قباء راكبًا أو ماشيًا، فيصلي فيه ركعتين] (٣).\nفكان رسول الله - ﷺ - يتعاهد مسجد قباء فيزوره راكبًا وماشيًا ويصلي فيه، فَإنَّ ذِكْرَاهُ من أعطر الذكرى، فقد أسسه المسلمون على التقوى فكان بيت الحق والإيمان.\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح من حديث سهل بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم (١٣٩٨) - كتاب الحج.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم (١٣٩٦) - كتاب الحج.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٩٩) - كتاب الحج -، أخرجه البخاري (١٩١١)، (١١٩٣) نحوه، وأخرجه النسائي (٢/ ٤٧)، وأحمد رقم (٤٨٤٦).","vol":"3","page":557},{"text":"حنيف مرفوعًا: [من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة] (١).\nوله شاهد عند الترمذي والحاكم من حديث أُسَيد بن ظُهَير الأنصاري بلفظ: [صلاة في مسجد قباء كعمرة] (٢).\nوقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾. قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية] (٣).\nوأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك: [أن هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قال رسول الله - ﷺ -: يا معشر الأنصار! إن الله قد أثنى عليكم في الطُّهور. فما طُهورُكم؟ قالوا: نتوضأ للصلاةِ، ونَغْتَسِلُ من الجنابة، ونستنجي بالماء. قال: فهو ذاك. فَعَلَيكُمُوه] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ومن بنى مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما بنى هؤلاء بنيانهم ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾، أي: طرف حَفِيرة مُنْثَالة ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يصلح عمل المفسدين).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٨٧)، (٢/ ٣٧)، وابن ماجه في السنن (١٤١٢). وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (١١٥٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع (٣٢٤) وحسنه، وابن ماجه في السنن (١٤١١)، والحاكم (١/ ٤٨٧)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٤) - كتاب الطهارة - باب في الاستنجاء بالماء. انظر صحيح أبي داود (٣٤). وأخرجه الترمذي (٣٠٩٩)، وابن ماجه (٣٥٧)، وله شواهد كثيرة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٥٥) - كتاب الطهارة وسننها - باب الاستنجاء بالماء. وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٢٨٥).","vol":"3","page":558},{"text":"وقال القرطبي: (بيّن أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. والشّفا: الشفير. وأشفى على كذا أي دنا منه). وقال أيضًا: (الشفا: الحرف والحد. و﴿جُرُفٍ﴾ قُرئ برفع الراء، وأبو بكر وحمزة بإسكانها، قال: والجُرُف: ما يُتجرّف بالسيول من الأودية، وهو جوانبه التي تَنْحَفِرِ بالماء، وأصله من الجَرْف والاجتراف، وهو اقتلاع الشيء من أصله. ﴿هَارٍ﴾ ساقط، يقال: تهور البناء إذا سقط، وأصله هائر، فهو من المقلوب يقلب ويؤخر ياؤها).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nأي: لا يزال بنيان هؤلاء المنافقين في مسجد الضرار شكًا في قلوبهم ونفاقًا في نفوسهم إذ يحسبون أنهم ببنائه محسنون، إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا والله عليم بما بنوا وبما بَيَّتوا، حكيم في فضحهم بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، ثم بمجازاتهم يوم يلقونه.\nقاد ابن عباس: (﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، يعني: شكًا، ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، يعني الموت).\nوقال قتادة: (حتى يموتوا).\nوقال الحسن: (﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: شكًا في قلوبهم).\nوقال مجاهد: (﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، قال: إلا أن يموتوا).\nقال النسفي: (أي إلا أن تقطع قلوبهم قطعًا وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة، ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويرًا لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار، أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم).\nوقرأ بعض قراء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: (إلا أن تُقَطَّعَ قلوبهم) بضم التاء. في حين قرأ بعض قرأة المدينة والكوفة: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بفتح التاء، بمعنى إلا أن تتقطَعَ قلوبهم، ثم حذفت إحدى التاءين، وكلاهما قراءتان مشهورتان.","vol":"3","page":559},{"text":"فوائد من الآيات:\nالفائدة الأولى: هدم الحاكم المسلم لأماكن المعصية وتجمعات النفاق، أو تغيير هيئاتها عما وضعت له، ولا حرمة لوقف إن بُني على معصية أو نفاق.\nومنه حرق النبي - ﷺ - لمسجد الضرار وهدمه، والنهي عن استخدام مرافق ديار ثمود.\nقال ابن القيم: (ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسولهُ فيها وهدمُها، كما حرق رسول الله - ﷺ - مسجد الضرار، وأمر بهدمه، وهو مَسْجدٌ يُصَلّى فيه ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضِرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكلُّ مكان هذا شأنه، فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإما بتغيير صورته، وإخراجه عما وُضِعَ له. وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بالهدم وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات، وبيوت الخمارين، وأرباب المنكرات).\nثم قال: (ومنها: أن الوقف لا يصح على غير برٍّ ولا قُربة، كما لم يصحَّ وقفُ هذا المسجد، وعلى هذا: فيُهدم المسجد إذا بني على قبر، كما يُنْبَشُ الميتُ إذا دُفِنَ في المسجد، نصّ على ذلك الإمام أحمد وغيرُه، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجدٌ وقبر، بل أيّهما طرأ على الآخر، منع منه، وكان الحكم للسابق).\nالفائدة الثانية: كراهة الصلاة خلف إمام الحاكم الظالم.\nوقد استفاده أهل العلم من قصة مسجد الضرار وإمامه.\nقال القرطبي في التفسير: (قال العلماء: إنَّ مَنْ كان إمامًا لظالم لا يُصَلّى وراءه، إلا أن يظهر عذره أو يتوب، فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمِّع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم، فقال: لا ولا نعْمَة عين! أليس بإمام مسجد الضرار! فقال له مُجَمِّع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليَّ، فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت بهم فيه، كنت غلامًا قارئًا للقرآن، وكانوا شيوخًا قد عاشوا على جاهليتهم، وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئًا، فَصَلّيْتُ ولا أحسب ما صنعتُ إثمًا، ولا أعلم بما في أنفسهم، فعذره عمر وصدّقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء).","vol":"3","page":560},{"text":"الفائدة الثالثة: لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين، ولا يبنى مسجدان إلى جانب بعضهما دون حاجة.\nقال القرطبي: (قال علماؤنا: لا يجوز أن يُبْنَى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه، والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرًا، إلا أن تكون المحَلّة كبيرة فلا يكفي أهلَها مسجدٌ واحد فيبنى حينئذ.\nثم قال: تَفَطَّنَ مالك ﵀ من هذه الآية فقال: لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين، خلافًا لسائر العلماء.\nوقد رُوي عن الشافعي المنع، حيث كان تشتيتًا للكلمة وإبطالًا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول: من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام، وخفي ذلك عليهم) (١).\n١١١ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن صفقة رابحة عقدها سبحانه مع المؤمنين، فقد بايعهم فأغلى لهم الثمن بمعاوضته إياهم عن أنفسهم وأموالهم الجنة، فهم يقاتلون في سبيله فيَقْتُلون ويُقتلون، وهذا وعد مكتوب في التوراة والإنجيل والقرآن، فمن أحسن وفاء وأصدق عهدًا من الله، فاستبشروا يا أهل الصدق والجهاد بهذا الربح العظيم.\nثم في الآيات وَصْفٌ من الله لهؤلاء المؤمنين أصحاب تلك الصفقة بنعت بعض مزاياهم ومحاسنهم مع تأكيد البشرى لهم.\n_________\n(١) انظر تفصيل هذه الأحكام، في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (٣/ ١٥٤٤ - ١٥٤٦).","vol":"3","page":561},{"text":"فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾.\nقال قتادة: (ثامَنَهم الله، فأغلى لهم الثمن).\nوقال الحسن: (بايعهم فأغلى لهم الثمن).\nوقال شِمر بنُ عَطِيَّة: (ما من مسلم إلا ولله - ﷿ - في عنقه بيعةٌ، وَفى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية).\nقال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه عاوضَ عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تَفَضَّل به على عباده المطيعين له).\nوفي كنوز السنة الصحيحة آفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [انتدب الله لمن خَرَجَ في سبيله لا يُخْرِجُهُ إلا إيمانٌ بي وتصديقٌ بِرسلي أَنْ أرْجعه بما نال من أجرٍ أو غنيمة أو أُدخله الجنة] (١).\nوفي لفظ: [وتَوَكّلَ الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يُدْخله الجنة أو يرْجِعَهُ سالمًا مع أجر أو غنيمة].\nوفي لفظ آخر: [تكفّلَ الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: [قيل: يا رسول الله! أيُّ الناسِ أفضلُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: مُؤْمِنٌ يجاهِدُ في سبيل الله بنفسه وماله. قالوا: ثم مَنْ؟ قال: مؤمنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعابِ يتقي الله ويدعُ الناس من شَرّه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الحميدي في \"مسنده\" بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦) - كتاب الإيمان - باب الجهاد من الإيمان. وانظر (٢٧٨٧) للفظ الآخر - كتاب الجهاد والسير -. وصحيح الجامع الصغير - حديث (٢٩٨٢) - للفظ بعده.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٨٦) - كتاب الجهاد والسير - باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله. وأخرجه في كتاب الرقاق (٦٤٩٤) بنحوه.","vol":"3","page":562},{"text":"عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: [ثلاثة في ضمان الله ﷿: رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله ﷿، ورجل خرج غازيًا في سبيل الله، ورجل خرج حاجًا] (١).\nوقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾. أي: هو ضمان لهم بالجنة سواء قَتلوا أو قُتلوا. فإنه بمجرد خروج المجاهد في سبيل الله يدخل في عقد هذا الضمان.\nففي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله - ﷺ - قال: [ثلاثة كلهم ضامن على الله: رجل خرج غازيًا في سبيل الله فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يردَّه بما نال من أجر أو غنيمة، ورجلٌ راحَ إلى المسجد فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه فيدخلَه الجنة أو يردّه بما نال من أجر، ورجلٌ دخلَ بيتَهُ بسلام، فهو ضامنٌ على الله] (٢).\nوقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾.\nقال القرطبي: (إخبار من الله تعالى أن هذا كان في هذه الكتب، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء أصله من عهد موسى ﵇).\nوقال النسفي: (وهو دليل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه).\nوقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد لما يدل عليه كون الثمن مؤجلًا.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾. أي: ومن أحسن وفاء وأصدق عهدًا وأوفى ضمانًا من الله تعالى، وهو كقوله في سورة النساء: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.\nوقوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nقال الحسن: (والله ما على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة).\nومعنى الآية: أظهروا السرور - معشر المؤمنين - بهذه البشارة، وليستبشر من حفظ هذا العهد وقام بالتزاماته بالفوز العظيم، في جنة الخلود والنعيم.\n_________\n(١) أخرجه الحميدي في \"مسنده\" (١١٩٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٢٥١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - (٥٩٨) - وقال الألباني: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٢٤٩٤) - كتاب الجهاد - انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٢١٧٨)، ورواه الحاكم.","vol":"3","page":563},{"text":"وأصل البشارة إظهار السرور في البشرة. قال الرازي: (\"أبشر إبشارًا\" أي سُرَّ. قال: والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة به كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾).\nوقوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾.\nهو وصف للمؤمنين أصحاب تلك الصفقة ببعض مزاياهم ومحاسنهم.\n﴿التَّائِبُونَ﴾، رُفِعَ على المدح أي هم التائبون، أو مبتدأ وخبر. وهم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله، إلى الحالة المحمودة، وهي موضع طاعته ورضاه سبحانه.\nقال الحسن: (تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق).\nوقال: (تابوا إلى الله من الذنوب كلها).\nوأما قوله: ﴿الْعَابِدُونَ﴾، قال ابن جرير: (فهم الذين ذلُّوا خشيةً لله وتواضعًا له، فجدُّوا في خدمته).\nقال الحسن: (العابدون لربهم. عبدوا الله على أحايينهم كلها، في السراء والضراء).\nوقال قتادة: (﴿الْعَابِدُونَ﴾، قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم).\nوالخلاصة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ - إنهم قوم اعترفوا بذنوبهم وتخلصوا منها بالتوبة وارتقوا بالعبادة فمدحهم الله تعالى بذلك.\nوفي معجم الطبراني بسند حسن عن أبي سعيد الأنصاري عن النبي - ﷺ - قال: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له] (١).\nوأما قوله: ﴿الْحَامِدُونَ﴾، فهم أهل الحمد على كل تقلبات أحوالهم في السراء والضراء.\nقال قتادة: (﴿الْحَامِدُونَ﴾، قوم حمدوا الله على كل حال).\n_________\n(١) إسناده حسن. رواه الطبراني بإسناد حسن. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٦٦٧٩)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٢٧٥) لتفصيل البحث.","vol":"3","page":564},{"text":"وعن الحسن: (الحامدون على الإسلام). وقال: (الذين حمدوا الله على أحايينهم كلها، في السراء والضراء).\nأخرج ابن ماجه بسند حسن عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (١).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث أبي أمامة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فحمدَ الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلك النعمة].\nوعن كعب يحكي عن التوراة - في صفة النبي - ﷺ - وأصحابه وأمته - قال: (وأمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف) (٢).\nوفي صحيح الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: [كان إذا أتاه الأمر يَسُرُّه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال] (٣).\nوأما قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾، ففيه أقوال:\nالقول الأول: المقصود أهل الصيام.\nقال قتادة: (قوم أخذوا من أبدانهم، صومًا لله).\nوقال مجاهد: (﴿السَّائِحُونَ﴾، هم الصائمون).\nالقول الثاني: المقصود طلبة العلم.\nقال عكرمة: (هم طلبة العلم).\nالقول الثالث: المقصود أهل الجهاد.\nقال عطاء: (السائحون: المجاهدون).\nالقول الرابع: هم المهاجرون.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه في السنن (٣٨٠٥) - كتاب اللباس - باب فضل الحامدين. انظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٠٦٧)، وانظر للشاهد صحيح الجامع الصغير (٥٤٣٨).\n(٢) انظر تخريج المشكاة (٥٧٧١)، كتاب الفضائل والشمائل. ورواه الدارمي مع تغيير يسير.\n(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٩)، وأخرج نحوه ابن ماجه (٢/ ٤٢٢). وانظر السلسلة الصحيحة (٢٦٥).","vol":"3","page":565},{"text":"قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورواه ابن أبي حاتم.\nقلت: والراجح القول الثالث، لورود الخبر الصحيح في ذلك عن رسول الله - ﷺ -.\nفقد أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي أمامة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة، قال النبي - ﷺ -: [إنَّ سِيَاحةَ أمتي الجهادُ في سبيل الله تعالى] (١).\nوأما قوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾، يعني المصلين، أهل الركوع والسجود بالمحافظة على صلواتهم.\nقال الحسن: (﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾، قال: الصلاة المفروضة).\nوأما قوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، صفة لازمة لأتباع هذا النبي الكريم، عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم.\nقال الحسن: (﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أما إنهم لم يأمروا الناس حتى كانوا من أهلها، ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال: أمَا إنهم لم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه).\nأخرج ابن ماجه في السنن بسند حسن عن عائشة قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [مُروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تَدْعُوا فلا يُسْتَجاب لكم] (٢).\nوأخرج الترمذي وابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قام خطيبًا. فكان فيما قال: [ألا، لا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا، هَيْبَةُ الناس، أن يقولَ بِحَقٍّ، إذا عَلِمَه]. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا.\nوفي لفظ: [لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه أو شهده أو سمعه] (٣).\nوأما قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: (يعني القائمين على طاعة\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢٤٨٦) - كتاب الجهاد - باب النهي عن السياحة، وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم (٢١٧٢)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٧٣)، والديلمي (٧٧٧).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه في السنن (٤٠٠٤) - كتاب الفتن - باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٢٣٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٣٠)، وابن ماجه (٤٠٠٧)، والحاكم (٤/ ٥٠٦)، وأحمد (٣/ ١٩، ٥٠، ٦١)، وأبو يعلى (ق ٧٢/ ١)، وانظر: \"الصحيحة\" (١٦٨).","vol":"3","page":566},{"text":"الله، وهو شرطٌ اشترطه على أهل الجهاد، إذا وَفَوا لله بشرطه، وفى لهم بشرطهم).\nوقال الحسن: (﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾: القائمون على أمر الله).\nوعنه في رواية: (﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال: لفرائض الله).\nوقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (يعني: وبشر المصدِّقين بما وعدهم الله إذا هم وفَّوا الله بعهده، أنه مُوَفٍّ لهم بما وعدهم من إدخالهم الجنة).\n١١٣ - ١١٦. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: نَهْيُ الله تعالى نبيَّه - ﷺ - والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أهل رحم وقرابة بعدما تبين لهم مصير المشركين.\nوتبرير استغفار إبراهيم لأبيه أول الأمر، فلما تبين له عداوته لله أعلن البراءة منه، إن إبراهيم لأواه حليم.\nإنه لا يضل الله قومًا إلا بعد توضيح السبيل لهم، فإن أصروا على الفسق والغي خذلهم، إنه سبحانه بكل شي عليم.\nإن سلطان السماوات والأرض وملكهما - أيها الناس - بيد ربكم، وقلوب الثقلين بين أصبعين من أصابع بارئكم، فهو يحيي ويهدي من يشاء، ويميت ويضل من يشاء، وما لكم من دون الله من نصير ولا مجير ولا معين.\nقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\nأخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن","vol":"3","page":567},{"text":"المسيب عن أبيه أنه أخبره: [أنه لما حَضَرَتْ أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ - فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبدَ الله بنَ أبي أمية بن المغيرة. قال رسول الله - ﷺ - لأبي طالب: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك، فأنزل الله تعالى فيه الآية].\nوفي رواية: (فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) (١).\nفنهى الله تعالى نبيّه - ﷺ - والمؤمنين بعد هذه الآية أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا قرابة ورحمًا فضلًا عن أن يحضروا أو يشهدوا جنائزهم، في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [استأذنت ربي أن أَسْتَغْفِرَ لأمي فلم يأذَنْ لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذِنَ لي] (٢).\nوفي رواية: [قال أبو هريرة: زار النبي - ﷺ - قَبْرَ أمه، فبكى وأبْكَى من حَوْلَه فقال - ﷺ -: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلمْ يؤذنْ لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذِنَ لي، فزوروا القبور، فإنها تُذَكِّرُكُم الموت].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن ابن بُرَيدة، عن أبيه، قال: [كنا مع النبي - ﷺ - نحن في سفر فنزل بنا ونحن معه قريبٌ من ألف راكب، فصَلّى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذْرِفان، فقام إليه عمر بن الخطاب وفَداه بالأب والأم، وقال: يا رسول الله، مالك؟ قال: إني سألت ربي - ﷿ - في الاستغفار لأمّي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٦٠)، (٤٧٧٢)، ومسلم (٢٤)، والنسائي في \"التفسير\" (٢٥٠)، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ٥٣٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٧٦) - كتاب الجنائز - باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة قبر أمه. وانظر للرواية الأخرى الحديث بعده في الباب.","vol":"3","page":568},{"text":"عن ثلاث: نَهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فتذكركم زيارتُها خيرًا. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم. ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكرًا] (١).\nوله شاهد أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه: [أنَّ النبي - ﷺ - لما قَدِمَ مكّة أتى رَسْمَ قبر، فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرًا. فقلنا: يا رسول الله، إنا رأينا ما صنعت! قال: \"إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي\". فما رُئي باكيًا أكثر من يومئذ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن علي قال: [قلت للنبي - ﷺ -: إن عمَّك الشيخ الضال قد مات، قال: \"اذهبْ فوَارِ أباكَ، ثمَّ لا تُحْدِثَنَّ شيئًا حتى تأتيني\". فذهبت فواريته، وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي] (٣).\nقلت: بل من السنة عدم حضور الإمام جنازة أهل الكبائر ولا الصلاة عليهم، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم عن جابر بن سَمْرَة قال: [أُتِيَ النبي - ﷺ - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ (٤)، فلم يُصَلِّ عليه] (٥).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي قتادة قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا دعي لجنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرٌ قام فصلى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: شأنكم بها، ولم يصل عليها] (٦).\nالحديث الثالث: أخرج أصحاب السنن بسند صحيح من حديث زيد بن خالد - في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٠ - ٣٥٥)، وابن حبان (٥٣٩٠)، وانظر نحوه في صحيح مسلم - حديث (٩٧٧)، و(٣/ ١٥٨٤)، وانظر الحديث السابق برواياته.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبري (١٧٣٤٤)، وإسناده على شرط مسلم، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير - سورة التوبة - آية (١١٣) بإسناده.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٢١٤) - كتاب الجنائز - باب الرجل يموت له قرابة مشرك. وانظر صحيح سنن أبي داود (٢٧٥٣)، وسنن النسائي (٤/ ٧٩).\n(٤) سهام عظام، جمع مشقص.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٧٨) - كتاب الجنائز - باب ترك الصلاة على القاتل نفسه.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٩)، (٥/ ٣٠٠ - ٣٠١)، والحاكم (١/ ٣٦٤)، وقال \"صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: (هو كما قالا) - أحكام الجنائز (٨٤).","vol":"3","page":569},{"text":"امتناع النبي - ﷺ - من الصلاة على الغال - وقال لأصحابه: [صلوا على صاحبكم. . إن صاحبكم غل في سبيل الله] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.\nقال ابن عباس: (استغفر له ما كان حيًّا، فلما مات أمسك عن الاستغفار له).\nوقال الضحاك: (كان إبراهيم صلوات الله عليه يرجو أن يؤمن أبوه ما دام حيًّا، فلما مات على شركه تبرأ منه).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد. فيقول الله تعالى: إني حرّمت الجنة على الكافرين. ثم يقال لإبراهيم: ما تحتَ رجليك؟ فينظر فإذا هو بِذيخ متلطِّخ فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار] (٢).\nوفي معنى \"الأواه\" - أقوال متقاربة:\n١ - قال عبد الله بن مسعود: (الأواه: الدعّاء)، ذكره ابن جرير بسنده ورجَّحه.\n٢ - وسئل عبد الله - في رواية - عن \"الأواه\"، فقال (الرحيم).\nوقال الحسن: (الرحيم بعباد الله).\nوقال عمرو بن شرحبيل: (الأواه: الرحيم، بلحن الحبشة).\n٣ - وقال مجاهد، عن ابن عباس: (الأواه: الموقن، بلسان الحبشة)، وقال سفيان نحوه.\nوقال مجاهد: (أوّاه: مؤتمن موقن). وقيل: (الفقيه الموقن).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١/ ٤٢٥)، والنسائي (١/ ٢٧٨)، وابن ماجه (٢/ ١٩٧)، وأحمد (٤/ ١١٤) من حديث زيد بن خالد، وإسناده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري - حديث رقم - (١٣٤٤). والقترة: السواد من الكآبة والحزن. والذيخ: هو ذكر الضبع الكثير الشعر.","vol":"3","page":570},{"text":"٤ - وعن ابن عباس: (الأواه: المؤمن). وقيل هو المسبّح، الكثير الذكر لله. وقيل الخاشع المتضرع.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nقال مجاهد: (بيانُ الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعتُهُ ومعصيتُهُ عامة، فافعلوا أو ذروا).\nوفي الآية: إقامة الحجة من الله تعالى على عباده قبل تغييره أحوالهم، فإن آمنوا وصدقوا وشكروا زادهم نعيمًا ورزقًا كريمًا، وإن فسقوا وآثروا الشهوات والشبهات والغي أضلهم وأزاغ قلوبهم، إنه بكل أحوال خلقه وبكل شيء عليم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لَيْسَ أحَدٌ أحبَّ إليه المَدْحُ من الله ﷿، من أجل ذلك مَدَحَ نَفْسَه، وليس أحدٌ أغْيَرَ من الله، من أجل ذلك حَرمَ الفواحشَ، وليس أحَدٌ أحبَّ إليه العُذْرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح عن حذيفة مرفوعًا: [تعرضُ الفِتنُ على القلوب عرضَ الحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قلب أُشربَها نُكِتَت فيه نكتةٌ سوداءُ، وأيُّ قلب أنكرَها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تضُرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسودَ مُرْبَدًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٦٠) ح (٣٥) - كتاب التوبة - باب غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش، من حديث عبد الله بن مسعود.","vol":"3","page":571},{"text":"كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر مُنكرًا، إلا ما أشرب من هواه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\nيقرر تعالى في آخر تلك الآيات أن سلطان السماوات والأرض وملكهما بيده، وقلوب عباده بيده، وحياتهم وموتهم ومعاشهم وأرزاقهم بيده، يحيي من شاء منهم ويميت من شاء، ويهدي من شاء منهم ويضل من شاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا نصير ولا مُجير من عذاب الله إلا أمره تعالى ورضاه.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: [قال الله ﷿: يَسُبُّ ابْنُ آدمَ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْرُ، بيدي الليلُ والنهار] (٢).\nوفي رواية: [يؤذيني ابن آدم، يسُبُّ الدهر، وأنا الدَّهْر، أقلب الليل والنّهار].\nوفي رواية: [قال الله ﵎: يؤذيني ابنُ آدم، يقول: يا خيبةَ الدَّهر! فلا يقولَنَّ أحدُكم: يا خيبة الدَّهر! فإني أنا الدَّهْر، أُقَلِّبُ ليله ونهارَهُ، فإذا شئتُ قبضتُهما].\n١١٧. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾.\nفي هذه الآية: يخبر تعالى أنه أعان نبيّه محمدًا - ﷺ - والمهاجرين ديارَهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وأنصار رسوله ﵊، على طاعته وامتثال أمره في الغزو ساعة العسرة منهم من النفقة والظَّهر والزاد والماء، من بعد ما كاد يضعف بعضهم وتميل قلوبهم عن الصدق والحق، ثم رزقهم سبحانه الإنابة والرجوع إلى الثبات واليقين في الإيمان والدين، إنه تعالى رؤوف بضعفهم رحيم بهم أن يهلكهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٨٩ - ٩٠). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠)، ورواه أحمد وغيره، انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٩٥٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٢٤٦) - كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها - باب النهي عن سب الدهر، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":572},{"text":"قال مجاهد: (﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: غزوة تبوك. قال: ﴿الْعُسْرَةِ﴾، أصابهم جَهْدٌ شديد، حتى إن الرَّجُلين ليشقَّان التمرة بينهما، وإنهم ليمصُّون التمرة الواحدة، ويشربون عليها الماء).\nوعن قتادة قال: (قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية، الذين اتبعوا رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك قِبَلَ الشام في لهبان الحرّ، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهدٌ شديد، حتى لقد ذُكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم، يَمصُّها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصّها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوهم).\nيروي ابن جرير بسند حسن عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة فقال عمر: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ- إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا، فأصابنا فيه عطشٌ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمسِ الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فَرْثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله ﷿ قد عوَّدك في الدعاء خيرًا، فادع لنا. قال: تحب ذلك؟ قال: نعم! فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأظَلَّت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر) (١).\n١١٨ - ١١٩. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الله خبر المخلفيق الثلاثة، الذين تخلفوا عن تبوك، وكيف ضاقت عليهم أنفسهم، وحاصرهم الوحي حتى ﵃ توبتهم، فأنزل فرجه عليهم، وهو التواب الرحيم.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في التفسير، (١٧٤٤٣)، سورة التوبة آية (١١٧)، وإسناده حسن، رجاله ثقات.","vol":"3","page":573},{"text":"ودعوة الله تعالى عباده المؤمنين ليخلصوا له التقوى وليكونوا مع الصادقين.\nأخرج الإمام البخاري في كتاب المغازي من صحيحه، والإمام مسلم في كتاب التوبة، واللفظ للبخاري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب ﵁ من بنيه حين عَمِيَ، قال: سمعت كعب بن مالك ﵁ يحدث بحديثه حين تخلَّف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك:\nقال كعب: [لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوةٍ غزاها إلا في غزوة تبوك، غيرَ أني كنتُ تَخَلَّفْتُ في غزوة بدْرٍ ولم يُعَاتِب أحدًا تخلَّف عنها، إنما خرج رسول الله - ﷺ - يريد عيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله - ﷺ - ليلةَ العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحِبُّ أنَّ لي بها مَشْهدَ بَدْرٍ، وإن كانت بَدْرٌ أذكرَ في الناس منها، وكان من خبري حين تخلَّفْتُ عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك أني لم أكُنْ قط أقوى ولا أيسرَ حين تخلّفتُ عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جَمَعْتُهُما في تلك الغزوة، ولم يَكُنْ رسول الله - ﷺ - يُريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومفازًا وعدوًّا كثيرًا، فجلّى للمسلمين أمْرَهم ليتأهبوا أُهْبَةَ غَزْوِهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير، ولا يجمعهم كتابٌ حافظ، يريد الدِّيوان. قال كعب: فما رجل يريد أن يتَغَيَّبَ إلا ظنَّ أن سيخفى له، ما لم ينزِل فيه وحيُ الله، وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهّز رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه، فطفِقْتُ أغْدو لكي أتجهَّزَ معهم، فارجِعُ ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجِدُّ، فأصبح رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه، ولم أقضِ مِنْ جَهازي شيئًا، فقلت أتجهزُ بعده بيوم أو يومين ثم ألْحَقُهُم، فَغَدَوْتُ بعد أن فَصَلُوا لأَتَجهَّز، فرجَعْتُ، ولم أقْضِ شيئًا، ثم غَدَوْتُ، ثم رجعت ولم أقضِ شيئًا، فلم يَزلْ بي حتى أسْرعوا وتفارطَ الغزو، وهَمَمْتُ أن أرتَحِلَ فأدركَهم، وليْتني فعلتُ، فلم يُقَدَّر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجتُ في الناسِ بَعْدَ خروج رسول الله - ﷺ - فطُفْتُ فيهم، أحزنَني أني لا أرى إلا رجلًا مَغْمُوصًا عليه النفاقُ، أو رجلًا ممن عَذَرَ الله من الضعفاء، ولم يذكُرْني رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: \"ما فعل كعب؟ \".","vol":"3","page":574},{"text":"فقال رجل من بني سَلمَة: يا رسول الله، حَبَسَهُ بُرْدَاه، ونَظَرُهُ في عِطْفَيْه.\nفقال معاذ بن جبل: بئس ما قلتَ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله - ﷺ -.\nقال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجَّهَ قافلًا حضرني هَمِّي، وطفِقْتُ أتذكَّرُ الكذِبَ وأقول: بماذا أخرجُ من سَخَطِه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأيٍ من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله - ﷺ - قد أظَلَّ قادمًا زاحَ عني الباطِلُ، وعرفت أني لنْ أخرجَ منه أبدًا بشيء فيه كَذِبٌ، فأجمعت صِدْقَه، وأصبح رسول الله - ﷺ - قادمًا، وكان إذا قدِمَ من سَفَرٍ بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون، فطفِقُوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بِضْعَةً وثمانين رجلًا، فقبِلَ منهم رسول الله - ﷺ - علانِيَتَهُم، وبايعهم واستغفَرَ لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فَجئتُهُ، فلما سَلَّمْتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَب، ثم قال: تعالَ. فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ، ألم تَكُنْ قد ابْتَعْتَ ظهركَ؟ فقلت: بلى، إني والله - يا رسول الله - لو جَلَسْتُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أنْ سأخْرُجُ من سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، ولقد أعطيتُ جدلًا، ولكني والله، لقد علمتُ لئن حَدَّثْتُكَ اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني، ليوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عليَّ ولئن حَدَّثْتُكَ حَديثَ صِدْقٍ تجدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عَفْوَ الله، لا والله، ما كان لي من عُذْرٍ، والله ما كنْتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تَخَلَّفْتُ عنك.\nفقال رسول الله - ﷺ -: أمّا هذا فقد صَدَقَ، فَقُمْ حتى يقضي الله فيكَ.\nفَقُمْتُ، وثارَ رجالٌ من بني سَلِمَةَ فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما عَلِمْنَاكَ كنتَ أذْنَبْتَ ذنبًا قبل هذا، ولقد عَجَزْتَ أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله - ﷺ - بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذَنْبَكَ استغفارُ رسول الله - ﷺ - لك.\nفوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجعَ فأكذِّبَ نَفْسي، ثم قلت لهم: هل لَقِيَ هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مِثْلَ ما قُلْتَ، فقيل لهما مِثْلُ ما قيل لك، فقلت: مَنْ هُما؟ قالوا: مُرَارَةُ بنُ الرَّبيع العَمْرِيُّ، وهلالُ بن أميَّةَ الواقِفيُّ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بَدْرًا، فيهما أسوةٌ، فَمَضَيْتُ حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثةُ من بين من تخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكَّرَتْ في نفسي الأرضُ فما هي التي أعْرِفُ، فلبثنا على ذلك","vol":"3","page":575},{"text":"خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنْتُ أشَبَّ القومِ وأجلدَهم، فكنت أخرجُ فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله - ﷺ - فأسلمُّ عليه وهو في مجلسِهِ بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هَلْ حرّك شفَتيْه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فَأُسَارِقُهُ النَّظر (١)، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفَتُّ نَحوَهُ أعْرَض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جَفْوَةِ الناس، مشيتُ حتى تَسَوَّرْتُ جدار حائطِ أبي قتادة، وهو ابنُ عمّي وأحَبُّ الناس إليَّ، فَسَلّمْتُ عليه، فوالله ما ردّ عليّ السلامَ، فقلت: يا أبا قتادةَ، أَنْشُدُكَ بالله هل تَعْلَمُني أحِبُّ الله ورسوله؟ فسكت، فَعُدْتُ له فنَشَدْتُه فسكت، فعدْتُ له فنشدتُهُ، فقال: الله ورسوله أعْلَمُ، ففاضت عَيْنايَ وتَوَلَّيْتُ حتى تَسَوَّرْتُ الجدار.\nقال: فبَيْنَا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نَبَطيٌّ من أنباط أهل الشَّأمِ، ممن قَدِمَ بالطعام يبيعُهُ بالمدينة، يقول: مَنْ يَدُلُّ على كعب بن مالك، فَطَفِقَ الناسُ يُشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا مِنْ مَلِكِ غسَّان، فإذا فيه: أمّا بعد، فإنه قد بلغني أن صاحِبَكَ قدْ جفاكَ، ولم يَجْعَلْكَ الله بدار هوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فالحقْ بنا نواسِكَ. فقلت لما قرأتُها: وهذا أيضًا من البلاء. فتيمَّمْتُ بها التَّنُور فَسَجَرْتُهُ بها، حتى إذا مَضَتْ أربعون ليلةً من الخمسين، إذا رسولُ رسولِ الله - ﷺ - يأتيني فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمُرُكَ أن تعتزلَ امرأتَكَ، فقلتُ: اُطَلِّقُها أمْ ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتَزِلْها ولا تَقْربْها. وأَرسلَ إلى صاحِبَيَّ مِثْلَ ذلكَ، فقلتُ لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.\nقال كعب: فجاءت امرأة هلالِ بن أميّةَ رسولَ الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن هلالَ بن أمية شيخٌ ضائِعٌ ليسَ له خادِمٌ، فهل تَكْرَهُ أن أخْدِمَهُ؟ قال: لا، ولكنْ لا يَقْرَبْكِ. قالتْ: إنه والله ما بِهِ حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي مُنْذُ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.\nفقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله - ﷺ - في امرأتِكَ، كما أذِنَ لامرأة هلال بن أمية أن تَخْدُمَهُ؟ فقلت: والله لا أستأذِنُ فيها رسول الله - ﷺ -، وما يُدريني ما يقول رسول الله - ﷺ - إذا استأذَنْتُهُ فيها، وأنا رجل شابٌّ؟ فلبثْتُ بعد ذلك عَشْرَ ليال،\n_________\n(١) قال الحافظ في الفتح: (وفيها أن مسارقة النظر في الصلاة لا تقدح في صحتها).","vol":"3","page":576},{"text":"حتى كَمُلَتْ لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله - ﷺ - عن كلامنا، فلما صَلَّيْتُ صلاةَ الفجر صُبْحَ خمسين ليلة، وأنا على ظَهْرِ بَيْتٍ من بيوتنا، فَبَيْنا أنا جالسٌ على الحالِ التي ذكرَ اللهُ، قد ضاقتْ عليَّ نَفْسي، وضاقتْ عليَّ الأرضُ بما رحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صارخٍ، أوفى على جبل سَلْعٍ، بأعلى صَوْتِهِ: يا كعبُ بنَ مالك أبْشِر، قال: فخررْتُ ساجدًا، وعرفتُ أنْ قد جاء فَرَجٌ، وآذنَ رسول الله - ﷺ - بتوبةِ الله علينا حين صلّى صلاة الفجر فذهب الناس يبشِّرونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرون، وركضَ إليَّ رجُلٌ فَرسًا، وسعى ساعٍ من أسْلَمَ، فأوفى على الجبل، وكان الصَّوتُ أسرعَ من الفرس، فلما جاءني الذي سَمِعْتُ صوتَهُ يُبَشِّرُني نزعتُ له ثَوْبَيَّ، فكَسَوْتُهُ إياهما بِبُشْراه، والله ما أمْلِكُ غَيْرَهُما يَوْمَئِذٍ، واستَعَرْتُ ثوبين فلبِسْتُهُما، وانطلقتُ إلى رسول الله - ﷺ -، يتلقاني الناس فَوْجًا فَوْجًا، يهنُّونَني بالتوبة يقولون: لتهنِكَ توبةُ الله عليك.\nقال كعب: حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسول الله - ﷺ - جالسٌ حوْلَهُ الناسُ، فقام إليَّ طلحةُ بنُ عُبَيد الله يُهرولُ حتى صافحني وهَنَّاني، والله ما قام إليَّ رجُلٌ من المهاجرين غَيْرُهُ، ولا أَنْسَاها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - ﷺ - قال رسول الله - ﷺ -، وهو يَبْرُقُ وَجْهُهُ من السرور: أبْشِرْ بخيرِ يوم مرَّ عليك مُنْذُ وَلدَتْكَ أمُّكَ.\nقال: قلت: أمِنْ عِندك يا رسولَ الله، أم من عندِ الله؟ .\nقال: لا بل من عند الله.\nوكان رسول الله - ﷺ - إذا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حتى كأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكنا نَعْرِفُ ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلتُ: يا رسولَ الله، إن من تَوْبتي أن أنْخَلِعَ مِنْ مالي صدقةً إلى الله وإلى رسول الله.\nقال رسول الله - ﷺ -: أمْسِك عليك بَعْضَ مالِكَ فهو خَيْرٌ لك.\nقلتُ: فإني أُمْسِكُ سَهْمي الذي بخيبرَ، فقلتُ: يا رسول الله، إن الله إنّما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحَدِّثَ إلا صِدْقًا ما بقيتُ.\nفوالله ما أعلمُ أحدًا من المسلمين أبْلاه الله في صدْق الحديث مُنْذُ ذكرتُ ذلك لرسول الله - ﷺ - أحسَنَ مما أبلاني، ما تَعَمّدْتُ منذُ ذكرتُ ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله - ﷺ -: ﴿لَقَدْ","vol":"3","page":577},{"text":"تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ - إلى قوله -: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.\nفوالله ما أنعمَ الله عليَّ مِنْ نعمةٍ قطُّ، بعد أنْ هداني للإسلام، أعظم في نفسي مِنْ صِدْقي لرسول الله - ﷺ -، أن لا أكون كذبته فاهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحيَ - شرَّ ما قال لأحد، فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.\nقال كعب: وكنا تُخِلِّفْنَا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله - ﷺ - حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله - ﷺ - أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عَمَّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه] (١).\nقال عكرمة: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: خلفوا عن التوبة).\nوقال مجاهد: (الذين أرجئوا).\nوقال نافع: (قيل للثلاثة الذين خلِّفُوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، محمد وأصحابه).\nوقال الضحاك: (﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، قال: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما رحمةُ الله عليهم).\nوقال ابن جُريج: (مع المهاجرين الصادقين).\nقال ابن القيم: (وتأمل تكرِيرَه سبحانه توبتَهُ عليهم مرتين في أول الآية وآخرِها، فإنه تاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة، فلما تابوا، تاب عليهم ثانية بقبولها منهم، وهو الذي وفقهم لفعلها، وتفضل عليهم بقبولها، فالخير كله منه وبه، وله وفي يديه، يعطيه من يشاءُ إحسانًا وفضلًا، ويحرمه من يشاء حكمة وعدلًا) (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤١٨) - كتاب المغازي -، وأخرجه مسلم في صحيحه، حديث رقم (٢٧٦٩) - كتاب التوبة -، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩).\n(٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٩٢)، وكتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٥٥٠ - ١٥٥٣) لتفصيل البحث.","vol":"3","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>دروس ونتائج وأحكام:</span>\n١ - الأصل حسن ظن المسلم بأخيه.\nومنه قول معاذ بن جبل في كعب: (والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا).\nوفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].\nوفي المسند عن أسماء بنت يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ ذَبَّ عن عِرض أخيه بالغَيْبَة، كان حقًا على الله أن يُعْتِقَهُ من النار] (١).\n٢ - جواز الهجر أكثر من ثلاثة أيام لسبب شرعي.\nففي حديث البخاري عن كعب قال: (حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله - ﷺ - عن كلامنا).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشُرك بالله شيئًا، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا] (٢).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].\nوفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ: [لا يحل لمسلم أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار] (٣).\nقال أبو داود: (إذا كانت الهجرةُ لله تعالى، فليس من هذا في شيء).\n٣ - أهمية الصدق وشؤم الكذب.\nفقيمة الصدق عالية ورفيعة، ومنزلة الصادقين كبيرة وعظيمة، وقد أمر الله بذلك المؤمنين فقال في سورة التوبة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٦١١٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٥٦٥) - كتاب البر والصلة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩١٤). انظر صحيح أبي داود (٤١٠٦)، وانظر تخريج مشكاة المصابيح (٥٠٣٥)، وصحيح الجامع الصغير (٧٥٣٥).","vol":"3","page":579},{"text":"ومنه قول كعب - كما روى البخاري عنه -: (يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صِدْقًا ما بقيت).\nأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الصدق يهدي إلى البرِّ، وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجل ليَصْدُق حتى يُكْتَبَ عند الله صِدِّيقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفُجور، وإن الفُجورَ يهدي إلى النار، وإن الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتى يُكْتَبَ عند الله كَذّابًا] (١).\n٤ - سعة رحمة الله وقبوله للتائبين.\nففي قصة المخلفين وتوبتهم درس لأهل الذنوب والمعاصي والآثام، أن يطرقوا باب الكريم الغفور المنّان، ليلتمسوا منه العفو عما مضى والتجاوز والإحسان.\nقال تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسطُ يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها] (٢).\nوهناك دروس كثيرة أخرى سطرتها في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، عقب غزوة تبوك (٣/ ١٥٥٤ - ١٥٧٨) ولله الحمد والمنة.\n١٢٠ - ١٢٢. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٤٢٣)، ومسلم (٢٦٠٧)، وأبو داود (٤٩٨٩)، والنسائي (١٩٧٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٧٥٩)، من حديث أبي موسى.","vol":"3","page":580},{"text":"كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلام من الله تعالى عباده المؤمنين في المدينة وما حولها أنه لا ينبغي لأحد التخلف عن رسول الله - ﷺ - في الغزو والرغبة بنفسه عن مشاركته مشقة الجهاد وقتال الأعداء، وأنه لا يصيب أحدًا في خروجه عطش أو تعب أو جوع، ولا ينزلون أرضًا أو موقعًا يُرهب العدو ولا يصيبون منه إلا كتب لهم به عمل صالح والله لا يضيع أجر المحسنين.\nوكذلك لا يبذلون في سبيل الله نفقة صغيرة أو كبيرة، ولا يقطعون واديًا في طريقهم إلى الغزو أو في عودتهم إلا سُجِّلَ لهم ذلك في صحائفهم بأعطر وأجزل الثواب.\nإنه لا ينبغي إخلاء المواقع في سبيل الله، بل إذا خرجت فِرَقُ السرايا إلى الغزو، جلس الباقون ليتفقهوا في دينهم، ليقوموا بواجب الإنذار والبلاغ في قومهم لعلهم يحذرون.\nقال قتادة: (قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾، هذا إذا غزا نبيُّ الله بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف).\nوالآية عتاب من الله تعالى للمتخلفين عن الخروج مع رسول الله - ﷺ - إلى تبوك، من أهل المدينة وممن حولها من أحياء العرب وسكان البوادي، فإنه ما كان لهم أن يفعلوا ذلك، وما ينبغي لهم أن يرغبوا بأنفسهم عن مشاركته - ﷺ - الجهاد وأعباء الغزو ومشقة السفر. فإنه: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ وهو العطش. ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ وهو: التعب. ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ وهي المجاعة أو الجوع. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طريق إقامة دين الله ونصرته، وإبطال الباطل وهدم منار الكفر. ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ أي: لا ينزلون أرضًا أو منزلًا يُرهب عدوهم ويغيظه ويغضبه. ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أي: ولا يصيبون من عدوهم ظفرًا أو موقفًا أو قهرًا في الأموال أو الأنفس. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ - أي: إلا احتسب لهم ضمن معالي الأعمال ورفيع الدرجات وثواب العمل الصالح، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ - أي: لا يبطل ثوابهم.","vol":"3","page":581},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ في سبيل الله ﴿صَغِيرَةً﴾ ولو تمرة ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ مثل ما أنفق عثمان ﵁ في جيش العسرة ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ أي: أرضًا في ذهابهم ومجيئهم وهو كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذًا للسيل، وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال، ومنه الودي، وقد شاع في الاستعمال بمعنى الأرض ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ من الإنفاق وقطع الوادي).\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: أرفع المراتب وأعلى الدرجات. وقد نال عثمان ﵁ من هذه البشائر الحصة العظمى.\nفقد أخرج الترمذي وأحمد والحاكم بسند حسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: [جاء عثمان، إلى النبي - ﷺ - بألف دينار في ثوبه حين جَهَّزَ النبي - ﷺ - جيش العُسرة - قال: فَصَبَّها في حِجْر النبي - ﷺ -، فجعل النبي - ﷺ - يقلبها بيده ويقول: ما ضرَّ ابن عفانَ ما عملَ بعد اليوم. يرددها مرارًا] (١).\nوفي رواية: (فنثرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي - ﷺ - يقلبها في حجره ويقول: ما ضَرَّ عُثمانَ ما عَمِلَ بعد اليوم مرتين).\nوأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن في الشواهد عن عبد الرحمن بن خَبّاب السلمي قال: [خطب رسول الله - ﷺ - فَحَثَّ على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان - ﵁ -: عليَّ مئةُ بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حث، فقال عثمان: علىّ مئة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرْقاة من المنبر ثم حَثَّ، فقال عثمان بن عفان: عَلَيَّ مئة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله - ﷺ - يقول بيده هكذا - يحركها - \"ما على عثمان ما عمل بعد هذا\"] (٢).\nقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٥٩): (ومنها: ما برز به عثمانُ بن عفان من النفقة العظيمة في هذه الغزوة، وسبِق به الناس، فقال النبي - ﷺ -: غفر الله لك يا عثمانُ ما أسْرَرْتَ، وما أعْلَنْتَ، وما أخْفَيْتَ، وما أبْدَيْتَ. ثم قال: ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم، وكان قد أنفق ألف دينار، وثلاث مئة بعير بعُدتها وأحلاسها وأقتابها).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٩٦٧) - مناقب عثمان بن عفان ﵁ -، وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٩٢٠)، وأخرجه أحمد (٥/ ٦٣)، والحاكم (٣/ ١٠٢) بسند حسن.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٧٥)، والترمذي (٣٧٠٠)، وإسناده لا بأس به في الشواهد.","vol":"3","page":582},{"text":"وذكر قتادة بإسناد صحيح مرسل أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم، وهي نصف أمواله، في تجهيز جيش العسرة (١).\nكما أنفق أبو بكر وعمر والعباس وطلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة وغيرهم أموالًا كبيرة، وجاء الفقراء بما استطاعوا ولم يوفروا اليسير الذي عندهم، فتعرضوا للمز المنافقين.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، فيه أقوال:\n١ - قيل: هم نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - بعثهم إلى البوادي يعلمون الناس الإسلام. فلما نزل قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ انصرفوا عن البادية خشية دخولهم في تحذير الآية.\nقال مجاهد: (ناس من أصحاب محمد - ﷺ -، خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودَعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا! فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجًا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي - ﷺ -، فقال الله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، يبتغون الخير، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾، وليسمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم، ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾، الناس كلهم، ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾).\n٢ - قيل: المعنى: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا إلى عدوهم، ويتركوا نبيّهم - ﷺ - وحده.\nقال ابن زيد: (﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، قال: ليذهبوا كلهم، فلولا نفر من كل حي وقبيلة طائفة، وتخلف طائفة، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، ليتفقه المتخلفون مع النبي - ﷺ - في الدين، ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) - وهو اختيار ابن جرير.\n٣ - قيل: بل المعنى: لو كانوا مؤمنين لم ينفروا جميعهم بل هم منافقون، وهذا قول بعيد.\n٤ - قيل: بل هو تكذيب من الله لمنافقين أزْرَوا بأعراب المسلمين وغيرهم في\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري (١٠/ ١٩٥)، وكتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٥٠٥ - ١٥٠٨) لتفصيل أكبر.","vol":"3","page":583},{"text":"تخلفهم خلاف رسول الله - ﷺ -، وهم ممن عذره الله بالتخلف.\n٥ - قيل: بل المعنى: لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبي الله قاعد، فإذا غزا بنفسه - ﷺ - لم يحل لأحد التخلف إلا بعذر.\nقال الضحاك: (كان رسول الله - ﷺ - إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل العذر. وكان إذا أقام فأسرت السرايا لم يَحِلّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، فكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن وتلاه رسول الله - ﷺ - على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله - ﷺ -: إن الله أنزل بعدكم على نبيّه قرآنًا. فَيُقرئُونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، يقول: إذا أقام رسول الله ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبي الله - ﷺ - قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله تَسَرّت السرايا، وقعد معه عظْمُ الناس).\n٦ - قال الحسن البصري: (ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم).\nقلت: والراجح في معنى الآية أنه لولا نفر للجهاد من كل فرقة طائفة، لتتفقه القاعدةُ وتنذر النافرةَ للجهاد عند رجوعهم إليهم فيخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي. فإن النفير في لغة العرب إنما يستعمل للخروج للجهاد لا لطلب العلم.\nوالمقصود: أهمية انصراف جموع المؤمنين لطلب العلم والتفقه في الدين ودعوة الخلق إلى إقامة منهاج الإسلام في حياتهم، وإنما يكتفى للجهاد بنفير فئة يقوم بها أمر مجاهدة الأعداء.\nوأكثر من حَلّق في آفاق هذا المعنى بتحليل لطيف الإمام ابن القيم ﵀، فلنستمع إلى روائع التأويل في ذلك.\nقال ابن القيم في \"أعلام الموقعين\" (٢/ ١٧٨ - ١٧٩): (قولكم: \"وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾.\nفأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم\".\nجوابه من وجوه:\nأحدها: أن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل","vol":"3","page":584},{"text":"في غيبتهم عند النبي - ﷺ - في الجهاد، فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي.\nالثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة، فإنه سبحانه نوع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين، أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء أهل الجهاد وأهل العلم، فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رَجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار مَنْ سمعه من رسول الله - ﷺ -، وهنا للناس في الآية قولان:\nأحدهما: أن المعنى فَهَلّا نَفَر من كل فرقة طائفة تتفقه وتنذر القاعدة، فيكون المعنى في طلب العلم، وهذا قول الشافعي وجماعة من المفسرين، واحتجوا به على قبول خبر الواحد، لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدَد التواتر.\nوالثاني: أن المعنى فلولا نفر من كل فرقة طائفة تجاهد لتتفقه القاعدةُ وتنذر النافرةَ للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح، لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد.\nكما قال النبي - ﷺ -: \"وإذا استنفرتم فانفروا\"، وأيضًا فإن المؤمنين عام في المقيمين مع النبي - ﷺ - والغائبين عنه، والمقيمون مرادون ولا بد فإنهم سادات المؤمنين، فكيف لا يتناولهم اللفظ؟ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصًا بالغائبين عنه فقط، والمعنى: وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم، فلولا نفر إليه من كل فرقة منهم طائفة، وهذا خلاف ظاهر لفظ المؤمنين، وإخراج للفظ عن مفهومه في القرآن والسنة، وعلى كلا القولين فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد المذموم، بل هي حجة على فساده وبطلانه، فإن الإنذار إنما يقوم بالحجة، فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، كما أن النذير مَنْ أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير، فإن سَمَّيْتُم ذلك تقليدًا فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى، فَسَمُّوه ما شئتم، وإنما ننكر نَصْبَ رجل معين يُجْعَلُ قولُه عيارًا على القرآن والسنن، فمَا وافق قوله منها قبل وما خالفه لم يقبل، ويقبل قوله بغير حجة، ويرد قول نظيره أو أعلم منه والحجة معهُ، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يعلن إنكاره وذمه وذم أهله).","vol":"3","page":585},{"text":"١٢٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾.\nفي هذه الآية: أمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين في دولة الحق قتال الكفرة المعاندين الذين يصدون عن سبيل الله والقسوة عليهم والله ولي المتقين.\nقال ابن كثير: (أمر تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله - ﷺ - بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرَغَ منهم وفتح الله عليه مكة، والمدينة، والطائف، واليمن واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهّز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لكونهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهْد الناس وجَدْب البلاد وضيق الحال، وكان ذلك سنة تسع من هجرته ﵇.\nثم اشتغل في السنة العاشرة بحجته حجّة الوداع.\nثم عاجلته المنية - صلوات الله وسلامه عليه - بعد الحجة بواحد وثمانين يومًا، فاختاره الله لما عنده. وقام بالأمر بعده وزيرُه وصديقه وخليفته أبو بكر - ﵁ - وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل (١)، فثبته الله تعالى به فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم.\nورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطَّغام، وبيَّنَ الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله.\nثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عَبَدَة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الإله.\nوكان تمامُ الأمر على يدي وصيه من بعده، وَوَليِّ عهده الفاروق الأوّاب، شهيد\n_________\n(١) انجفل الظل: انحسر.","vol":"3","page":586},{"text":"المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقًا وغربًا، وحُملت إليه خزائنُ الأموال من سائر الأقاليم بُعْدًا وقربًا، فَفَرَّقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضيِّ.\nثم لما مات شهيدًا وقد عاش حميدًا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان شهيد الدار.\nفكُسِيَ الإسلامُ بحالةِ رياسته حُلَّة سابغة، وأُمِدَّتْ في سائر الأقاليم على رقاب العباد حُجَّةُ الله البالغة، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه، وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما عَلَوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّار﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾، أي: وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن، غليظًا على عدوّه الكافر، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]).\nقلت: ولا شك أن هذه الآية خطاب للدولة المسلمة ممثلة بالخليفة ذي الشوكة ليقوم بمقتضاها على مدار الزمان، فيعز الحق في الأرض ويذل الشرك والكفر والباطل، ومن ثمَّ فليس الخطاب لأفراد غُرباء في أرجاء المعمورة يفرون بدينهم وليس لأمتهم كيان ولا شوكة وهم لم يقيموا الإسلام أولًا في بيوتهم ومساجدهم وأحيائهم ومجتمعاتهم، فيتهورون بفتح النار على أعدائهم قبل تميّز الصفوف وإقامة دولة الحق، فيقعون في الفتنة والضياع.\nوإنما الواجب على المسلمين اليوم إقامة الدين في طائفة الحق التي ستفرز يومًا قريبًا بإذن الله الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والتي سيكون وصولها نذير سوء لكل مناهج الكفر والظلم وجيوش البغي في الأرض.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -:","vol":"3","page":587},{"text":"[لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمرُ الله وهم كذلك] (١).\nوله شاهد عنده من حديث المغيرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لن يزالَ قَوْمٌ من أمتي ظاهرين على الناس، حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [لن يَبْرَحَ هذا الدينُ قائمًا، يُقاتل عليه عِصابةٌ من المسلمين، حتى تقوم الساعة] (٢).\nوله شاهد عنده من حديث جابر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة].\nوشاهد آخر من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة]. وأهل الغرب: هم أهل الشام.\nوشاهد ثالث من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: [لا تزال عصابةٌ من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرّهم مَنْ خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن حذيفة مرفوعًا: [تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت] (٣).\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. أي: توكل سبحانه بالنصر والتأييد لأهل\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٩٢٠) - كتاب الإمارة -. وانظر للشاهد الحديث (١٩٢١) من الباب نفسه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٩٢٢) - كتاب الإمارة -. وانظر للشواهد بعده: حديث رقم (١٩٢٣) - إلى - (١٩٢٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٣)، وأخرج الطيالسي في مسنده (٤٣٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٥).","vol":"3","page":588},{"text":"استقامة المنهج، ووعدهم الظهور على عدوهم في كل زمان، إذا ما أقاموا أمره ورفعوا لواء دينه الحق على منهاج النبوة.\n١٢٤ - ١٢٧. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: كَشْفٌ من الله تعالى لسلوك المنافقين عند نزول سورة من سور القرآن، إذ يقول قائلهم: أيكم زادته هذه السورة تصديقًا؟ فالمؤمنون يزدادون بها إيمانًا وهم يستبشرون.\nوأما المنافقون فيزدادون مرضًا ورجسًا في قلوبهم ويموتون كافرين.\nثم في الآيات توبيخ لهؤلاء المنافقين حيث يختبرهم ربهم كل عام مرة أو مرتين ليصدقوه الإيمان والعمل، ومع ذلك فلا هم يتوبون ولا هم يتعظون.\nبل إذا أنزلت سورة على رسول الله - ﷺ - تغامزوا بالعيون والتفت بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا من مجلسه - ﷺ - خشية الفضيحة، والله تعالى بعدله وحكمته يصرف قلوبهم عن تدبر هذا القرآن لأنهم قوم لا يفقهون.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾، قال: كان إذا نزلت سورة آمنوا بها، فزادهم الله إيمانًا وتصديقًا، وكانوا يستبشرون).\nوعن الربيع: (﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، قال: خشية).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا أنزل الله سورة من سور القرآن على نبيه محمد - ﷺ -، فمن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم الله في هذه السورة من يقول: أيها الناس، أيكم زادته هذه السورة إيمانًا؟ يقول: تصديقًا بالله وآياته. يقول الله: ﴿فَأَمَّا","vol":"3","page":589},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا﴾، من الذين قيل لهم ذلك، ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾، السورة التي أنزلت، ﴿إِيمَانًا﴾، وهم يفرحون بما أعطاهم الله من الإيمان واليقين).\nوقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: نفاق وشك وريبة وسوء ظن بالله ودينه، ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي: زادهم نزول تلك الآيات مرضًا إلى مرضهم، ونفاقًا ونتنًا في تصورهم، وقبحًا في منهاجهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. أي: هلكوا وفارقوا الدنيا على الكفر بالله ورسوله، والشك والريبة والنفاق.\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\nتوبيخ من الله لهؤلاء المنافقين حيث يختبرهم ربهم في أحد الأعوام مرة وفي بعضها مرتين، ثم هم مع ذلك البلاء والاختبار لا يرجعون من نفاقهم ولا يتوبون ولا يتعظون.\nومن أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - عن مجاهد قال: (يبتلون بالعذاب في كل عام مرة أو مرتين). وقال: (بالسنة والجوع).\n٢ - وعن قتادة قال: (يبتلون بالغزو في سبيل الله في كل عام مرة أو مرتين).\n٣ - عن حذيفة قال: (كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضلُّ بها فئام من الناس كثير). أو قال: (كان لهم في كل عام كذبة أو كذبتان).\nوالمقصود أن المنافقين يفتنون بما يشيعه المشركون من الأكاذيب على رسول الله - ﷺ - وأصحابه فيمشون بالكذب والضلال.\nويجمع هذه الأقوال فَصْل شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير - ﵀ حيث يقول: (إن الله عجَّبَ عبادَه المؤمنين من هؤلاء المنافقين، وَوَبَّخَ المنافقين في أنفسهم بقلّة تذكرهم، وسوء تنبههم لمواعظ الله التي يعظهم بها. وجائزٌ أن تكون تلك المواعظُ الشدائدَ التي ينزلها بهم من الجوع والقحط، وجائزٌ أن تكون ما يريهم من نُصرة رسوله على أهل الكفر به، ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم، وجائزٌ أن تكون ما يظهرُ للمسلمين من نفاقهم وخبث سرائرهم، بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله - ﷺ - وأصحابه).","vol":"3","page":590},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.\nإخبار منه سبحانه عن سلوك هؤلاء المنافقين عند نزول سورة على النبي - ﷺ -، فهم يتلفتون بين بعضهم، ويتغامزون فيما بينهم، هل يراكم أحد إن تناجيتم بمعايب القوم فيخبرهم، ثم يقومون منصرفين ولم يستمعوا التنزيل الذي فيه خزيهم وذكر معايبهم، لقد صرف الله قلوبهم عن الحق وأزاغها بأنهم قوم لا يفقهون.\nقال النسفي: (﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ تغامزوا بالعيون إنكارًا للوحي وسخرية به قائلين ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ من المسلمين لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم، أو إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرته ﵇ ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عن حضرة النبي - ﵇ - مخافة الفضيحة ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن فهم القرآن ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا).\n١٢٨ - ١٢٩. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنان الله تعالى على العرب أن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم لا من غيرهم، يَعِزُّ عليه مشقتهم، حريص على هدايتهم ونجاتهم وسعادتهم، بالمؤمنين رفيق رحيم.\nفإن أعرضوا عما جئتهم به - يا محمد - من الشريعة العظيمة السمحة فقل الله يكفيني فلا معبود سواه، فبه وثقت، وعليه اعتمدت، فهو ناصري ومؤيدي ومعيني، وهو رب العرش العظيم.\nفقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره للعرب: لقد جاءكم، أيها القوم، رسول الله","vol":"3","page":591},{"text":"إليكم، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، تعرفونه، لا من غيركم فتتهمونه على أنفسكم في النصيحة لكم).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى - يحكي دعوة إبراهيم ﵊ لهذه الأمة -: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].\nومن أقوال المفسرين:\n١ - عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾، قال: (لم يصبه شيء من شركٍ في ولادته). وقال: (لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية).\n٢ - وقال قتادة: (﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾، قال: جعله الله من أنفسهم، فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة).\nومن السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس: [- في سؤال هرقل لأبي سفيان - كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. . . فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه؟ فذكرْتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبْعَثُ في نسب قومها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح من حديث أم سلمة ﵂ - في قصة الهجرة إلى الحبشة ومخاطبة جعفر للنجاشي - قال له: [أيها الملك! كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل المَيْتَةَ ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٧) - كتاب بدء الوحي - في أثناء حديث طويل.","vol":"3","page":592},{"text":"منا، نعرف نَسَبَه وصدقه وأمانته وعفافَه، فدعانا إلى الله تعالى. .] الحديث (١).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن علي ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [خرجت من نكاح، ولم أخرج من سِفاح، من لدنْ آدم، إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم من حديث واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (٣).\nوقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾.\nقال القرطبي: (أي يعز عليه مشقتكم. والعنت: المشقة).\nوقال القاسمي: (أي شديد عليه شاق، لكونه بعضًا منكم، عنتُكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة، والوقوع في العذاب).\nومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث عائشة - ﵂ - في وصف النبي - ﷺ - أشد ما لقي من قومها في يوم العقبة - قال: [فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله ﷿ قد سمع قولَ قومِكَ لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلّم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمعَ قولَ قومكَ لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين - هما جبلا مكة أبو قبيس والمقابل -؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: بل أرجو أن يخرجَ الله من أصلابهم من يَعْبُدُ الله وحده لا يشرك به شيئًا] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد (٥/ ٢٩٠) (١/ ٢٠٢ - ٢٩٢) بسند صحيح عن زوجة رسول الله - ﷺ -، وصححه أحمد شاكر في التعليق على المسند، حديث رقم (١٧٤٠).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني بسند حسن من حديث علي ﵁. انظر \"المجمع \" (٨/ ٢١٤)، و\"الدر\" (٣/ ٥٢٥)، وصحيح الجامع الصغير (٣٢٢٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٧٦)، وأحمد (٤/ ١٠٧)، والترمذي (٣٦٠٥)، وابن حبان (٦٢٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع ﵁.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣/ ١٤٢٠)، ورواه البخاري (انظر فتح الباري ٦/ ٣١٢ - ٣١٣).","vol":"3","page":593},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن ابن عباس قال: [سئل النبي - ﷺ - أي الأديان أحب إلى الله ﷿؟ قال: الحنيفية السمحة. وفي لفظ: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس مرفوعًا: [يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا] (٢).\nوكان إذا بعث أحدًا من أصحابه أوصاه بذلك، وقال لأبي موسى ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن: [يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا] (٣).\nوقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. أي: على هدايتكم في الدنيا ونجاتكم في الآخرة.\nقال قتادة: (﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، حريص على ضالهم أن يهديه الله). وقال: (حريص على من لم يسلم أن يسلم).\nوقال ابن جرير: (حريص على هدى ضُلّالِكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق).\nومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد من حديث أبي ذر قال: [تركنا رسول الله - ﷺ - وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يُذَكِّرنا منه علمًا. قال: وقال رسول الله - ﷺ -: ما بقي شيءٌ يُقرِّبُ من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّنَ لكم] (٤).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مثلي ومثلُ ما بعثني الله كمثل رجل أتى قومًا فقال: رأيت الجيش بِعَيْني، وإني\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢١٠٨)، وعلقه البخاري في صحيحه \"كتاب الإيمان\"، ووصله في \"الأدب المفرد\" (٢٨٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم (٨٨١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٧/ ١٠١)، ومسلم في الصحيح (٥/ ١٤١)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٢٦)، (٥/ ١٠٨)، ومسلم في الصحيح (٥/ ١٤١)، وأحمد في مسنده (٤/ ٤١٢)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٥٣ - ١٦٢) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁، والطيالسي (٤٧٩)، وابن حبان (٦٥)، والطبراني (١٦٤٧)، وإسناد ابن حبان والطبراني رجاله رجال الصحيح غير محمد المقري، وهو ثقة.","vol":"3","page":594},{"text":"أنا النذير العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ. فأطاعه طائفة فأدلجوا على مَهْلِهم فنَجوا، وكذّبته طائفة فَصَبَّحَهُم الجيش فاجتاحهم] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [إنما مثلي ومثل الناس: كمثلِ رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقَعْنَ فيها، فجعل الرجل يَزَعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ، فَيَقْتَحِمْنَ فيها، فأنا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عن النار وأنتم تَقَحَّمُونَ فيها] (٢).\nوقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. أي: رفيق رحيم.\nقال النسفي: (قيل لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله - ﷺ -).\nوفي التنزيل: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٥ - ٢١٧].\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾.\nأي إن أعرضوا وأنكروا ما جئتهم به من الشريعة العظيمة والدين الحق فقل الله يكفيني فلا معبود سواه، فبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، فهو ناصري ومعيني، وهو رب العرش العظيم الذي كل مخلوق آخر دونه.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم - ﷺ - حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل] (٣).\nوفي الصحيحين عنه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: [اللهم لك أسلمتُ وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، اللهم إني أعوذ بعزّتك، لا إله إلا أنت أن تضِلّني، أنت الحَيُّ الذي لا يموتُ، والجنُ والإنس يموتون] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٨٢) - كتاب الرقاق - باب الانتهاء عن المعاصي.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٨٣) - كتاب الرقاق - الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٧٢)، من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ١٠١)، وأخرجه مسلم (٢٧١٧)، واللفظ لمسلم.","vol":"3","page":595},{"text":"وفي الصحيحين وجامع الترمذي عن ابن عباس أيضًا: [أن نبيَّ الله - ﷺ - كان يدعو عند الكرب: لا إله إلا الله الحليم الحكيم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات والأرض وربُّ العرش الكريم].\nوفي رواية: [كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات، وربُّ الأرضِ، ورَبُّ العرش الكريم] (١).\nتم تفسير سورة التوبة\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n° ° °\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ١٢٣)، وأخرجه مسلم (٢٧٣٠)، وانظر صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٥٤)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"3","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - براءة الإسلام من التعاقد والتعاون مع المشركين فيما فيه تقريبهم وإعزازهم.\n٢ - لا يدخل الجنة كافر، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.\n٣ - لا يحج في البيت مشرك، ولا يطوف به عريان. والحج الأكبر يوم النحر.\n٤ - المشركون لا يرقبون في المؤمنين إلّا ولا ذمة، بل لا يجدون حرجًا في نقض العهد والكذب وإظهار الشماتة وإيقاع الضرر والأذى.\n٥ - إذا استأمن المشرك فأمنوه حتى يسمع كلام الله، ولا بد من أخذ الحذر.\n٦ - الجهاد اختبار من الله لصدق المؤمنين، والنصر من عند الله العلي العظيم.\n٧ - الإيمان والجهاد فوق عمارة المسجد وسقاية الحاج.\n٨ - كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله ولي المتوكلين.\n٩ - مانع الزكاة يمثل ماله شجاعًا أقرع يأخذ بلهزمتيه يوم القيامة.\n١٠ - الأشهر الحرم: رجب مضر، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.\n١١ - الإثم أبلغ في الأشهر الحرم، والمعاصي أغلظ في الحرم.\n١٢ - النسيء: تحريم صفر بدل المحرم، وهذا هو الزيادة في الكفر.\n١٣ - المجاهد: إن استشهد دخل الجنة، وإن بقي فاز بالأجر والغنيمة.\n١٤ - المنافقون: إن أعطاهم الرسول رضوا، وإن منعهم سخطوا.\n١٥ - الزكاة ليست لغني أو قوي، بل للفقير والمسكين والجابي والمؤلفة قلوبهم، وللعتق، وللغارمين، وفي سبيل الله: ويشمل الحج والغزو، وللمسافر المحتاج للمعونة.\n١٦ - الولاء والبراء جزء من منهاج الإيمان عند المؤمنين.\n١٧ - تحريم الصلاة على المنافقين، ولا عذر بالتخلف عن الجهاد للأغنياء القادرين.\n١٨ - الأعراب جفاة، ومنهم من هو أشد كفرًا ونفاقًا. ويستثنى الأعراب المؤمنون المتصدقون.","vol":"3","page":597},{"text":"١٩ - النهي عن سب الصحابة، فإنفاق مثل أحد ذهبًا لا يبلغ أعمالهم.\n٢٠ - كل مسجد لا يؤسس على التقوى هو مسجد ضرار.\n٢١ - هدم الحاكم المسلم لأماكن المعصية وتجمعات النفاق أو تغيير هيئاتها عما وضعت له مشروع، ولا حرمة لوقف إن بُني على معصية أو نفاق.\n٢٢ - إن كان مسجد قباء أسس على التقوى، فمسجد الرسول - ﷺ - أولى.\n٢٣ - المجاهدون في سبيل الله موعدهم الجنة، سواء قَتلوا أو قُتلوا، وسياحة هذه الأمة الجهاد.\n٢٤ - جواز الهجر أكثر من ثلاثة أيام لسبب شرعي.\n٢٥ - سعة رحمة الله وقبوله للتائبين، وأهمية الصدق وشؤم الكذب.\n٢٦ - جواز إخبار المسلم عن تقصيره، وجواز مدح نفسه للحاجة لا للرياء.\n٢٧ - بيعة العقبة هي من أفضل مشاهد الصحابة.\n٢٨ - استحباب اتخاذ الديوان إذا ظهرت مصلحة ذلك.\n٢٩ - استحباب تفقّد القائد لجنوده في مواطن مختلفة.\n٣٠ - لا يتخلف عن جيش المسلمين إلا منافق أو صاحب عذر.\n٣١ - حكم الإمام مبني على الظاهر، ويكل إلى الله السرائر.\n٣٢ - جواز ترك رد السلام على من أحدث زجرًا وتأديبًا، والتبسم قد يكون عن الغضب والسرور.\n٣٣ - تبريد حرّ المصيبة بالتأسي بالنظير.\n٣٤ - جواز دخول المرء بُسْتان صاحبه وجاره إذا علم رضاه بذلك.\n٣٥ - استحباب الصحابة سجدة الشكر عند البشارة، واستحباب التسابق لِبَثِّها، وجواز إعطاء البشير أنفس المتاع.\n٣٦ - استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية والقيام إليه عند قدومه لمصافحته وتهنئته.\n٣٧ - أفضل أيام العبد يوم توبته وقبول الله منه ذلك، والله أشد فرحًا بذلك منه.\n٣٨ - استحباب الصدقة عند التوبة ببعض المال.\n٣٩ - الصدق علم المؤمنين والكذب علم المنافقين، وذلك في الدارين.\n٤٠ - ما يصيب المؤمن من ظمأ ولا نصب ولا هم ولا غم إلا كفر الله به من خطاياه.\n٤١ - النفقة لتجهيز جيش المؤمنين من أعظم القربات إلى الله ﷿.","vol":"3","page":598},{"text":"٤٢ - وجوب انصراف فئة من المؤمنين للتفقه في الدين.\n٤٣ - الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وهو بضع وسبعون شعبة.\n٤٤ - قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.\n٤٥ - العرش سقف المخلوقات جميعًا سماءً وأرضًا.\n° ° °","vol":"3","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>١٠ - سُورَة يُونس</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٠٩)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>موضوع السورة</span>\nدعوة الخلق والتذكير بآيات الله ونعمه وتحقير الدنيا وتأكيد عذاب المشركين في الآخرة. تكذيب الأمم الرسل ونزول عذاب الدنيا، وتدارك قوم يونس أمرهم بالجأر إلى الله والاستغفار، قبل نزول الهلاك والدمار.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-121> منهاج السورة </span>-\n١ - انتصار الله تعالى لهذا الكتاب الحكيم، بعد ذكر الحروف المقطعة التي تدل على إعجاز القرآن الكريم.\n٢ - تعجب الناس من إرسال الله إليهم رسولًا منهم، واتهامه بالسحر.\n٣ - دعوة الناس لإخلاص العبادة لله فهو المبدئ والمعيد، وللمؤمنين عنده البشرى وللكفار الوعيد.\n٤ - تذكير الله تعالى عباده بآياته الكبيرة: الشمس والقمر والليل والنهار.\n٥ - الإنسان يجأر لربه بالدعاء عند نزول المصاب والبلاء، فإذا فرج عنه رجع إلى الطغيان والشرك بالله أيام الرخاء.","vol":"3","page":600},{"text":"٦ - طلب المستكبرين استبدال هذا القرآن، ولا أظلم ممن كذب على الله وادّعى النبوة.\n٧ - شفعاؤكم - أيها المشركون - لا ينفعونكم شيئًا، أتخبرون الله بما لا يعلم! .\n٨ - ما أسرع الناس إلى تناسي نعم الله عليهم، فإذا هاج البحر ورأوا الهلاك أخلصوا لله تعالى الدين، فلما أنجاهم عادوا مشركين.\n٩ - تمثيل بديع من الله لهذه الحياة الفانية، ووعده بجعل الأرض حصيدًا كأن لم تغن بالأمس عند ذروة استكبار أهلها.\n١٠ - ذِكْرُ ثواب المحسنين يوم القيامة: الجنة ورؤية وجه الله الكريم، وجزاء الذين أشركوا وكسبوا السيئات الخزي وعذاب الجحيم.\n١١ - أمْرُ الله يوم القيامة بفصل المشركين عن المؤمنين، وظهور دقائق الأعمال في صحائف الفريقين.\n١٢ - محاكمات رفيعة: هل من يخلق كمن لا يخلق؟ ومن يهدي كمن لا يهدي؟ من المستحق للعبادة القادر على كل شيء أم العاجز؟ !\n١٣ - تحدي الله المشركين المكذبين أن يأتوا بسورة. والرسول - ﷺ - قد أعجز الفصحاء بهذا القرآن وأسكت البلغاء والشعراء.\n١٤ - الله تعالى لا يظلم أحدًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.\n١٥ - إخبار الله تعالى عن حتمية عذاب المشركين في الآخرة، وقد يطلع الله نبيه في حياته على عذابهم وقد يؤجل ذلك، والرسول - ﷺ - لا يعلم من علم الله إلا ما أطلعه الله عليه.\n١٦ - القرآن شفاء لما في الصدور من شرك وغيره.\n١٧ - المشركون أحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أَحَلَّ، بأهوائهم.\n١٨ - أولياء الله في أمن وأمان، وهم أهل الإيمان والتقوى، لهم الفوز والبشرى.\n١٩ - المشركون يعلمون أن الله هو جبار السماوات والأرض، ثم يعبدون مماليكه.\n٢٠ - ذكر خبر نوح وغرور قومه، وخبر موسى مع فرعون وملئه.\n٢١ - آمن بموسى كافة بني إسرائيل، وقليل من قوم فرعون.\n٢٢ - أُمِرَ بنو إسرائيل بالصلاة في بيوتهم، تجنبًا لاضطهاد فرعون.\n٢٣ - نجّى الله فرعون ببدنه، ليتحقق بنو إسرائيل من هلاكه.\n٢٤ - ما اختلف اليهود إلا بعد ما جاءتهم التوراة بالعلم الحق.","vol":"3","page":601},{"text":"٢٥ - صفات نبينا - ﷺ - مكتوبة في التوراة والإنجيل.\n٢٦ - لا يؤمن أحد إلا بإذن الله، ويجعل الله الرجس على الذين لا يعقلون.\n٢٧ - الأمر بالنظر في ملكوت السماوات والأرض والاعتبار بمصير الأمم السالفة.\n٢٨ - الأمر بإفراده تعالى في الدعاء، فالدعاء هو العبادة.\n٢٩ - نزول الضر بيد الله، ولا يكشفه إلا الله، ونزول النفع بإذن الله، ولا يغيّره إلا الله.\n٣٠ - الأمر بالصبر على منهاج النبوة حتى يفصل الله بين المؤمنين والكافرين، والله خير الفاصلين.\n° ° °","vol":"3","page":602},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصارٌ من الله تعالى لهذا الكتاب الحكيم، بعد ذكر الحروف المقطعة التي تفيد الإعجاز لهذا القرآن العظيم. أَفَعَجِبَ الناس أن بعث الله رجلًا منهم ينذرهم غضبه تعالى إن عصوه، ويبشر المؤمنين ببشائر الخير والسعادة مقابل ما أطاعوه، لقد كذب الكافرون واتهموا رسول ربهم بالسحر والجنون. إن ربكم - أيها الناس - هو رب العالم كله، سماواته وأرضه، خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على عرشه يدبر الأمر ويصرف المقادير، ولا يشفع أحد يوم القيامة إلا بإذنه، فأخلصوا له العبادة، فَمَرْجِعُكُم إليه، فهو المبدئ والمعيد، وللمؤمنين عنده البشرى وللكفار الوعيد.\nفقوله: ﴿الر﴾ - تقدم الكلام على مفهوم الحروف المقطعة في أوائل سورة البقرة وآل عمران. وخلاصة القول: هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف، وهو مع ذلك الكلام المعجز الذي لا يمكن لبشر أن يأتي بسورة من مثله.\nوقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ - تأكيد لإعجاز هذا القرآن، فهو كلام الله","vol":"3","page":603},{"text":"العظيم، وهذه الآيات هي آيات هذا الكتاب المحكم، الذي أحكمه الله وبيَّنه لعباده.\nوفي التنزيل: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].\nقلت: ومن ذهب من المفسرين إلى أن المقصود التوراة والإنجيل أو الزبور فلا مناسبة له ولا وجه، بل السياق يدل على أن الوصف للقرآن الكريم.\nوقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾. قال ابن عباس: (لما بعث الله محمدًا رسولًا، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظمُ من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد! فأنزل الله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩]).\nوعن ابن ابن جريج قال: (عجبت قريش أن بُعث رجل منهم. قال: ومثل ذلك: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]، قال الله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٩]).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أكان عجبًا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم، بِإنْذارِهِم عقاب الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أن الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فتعجّبوا من وحينا إليه).\nوقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال الضحاك: (ثواب صدق). وقال مجاهد: (﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، قال: الأعمال الصالحة). وقال ابن عباس: (يقول: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم). وقال ابن أبي مغيث عن مجاهد: (صلاتهم، وصومهم، وصدقتهم، وتسبيحهم). وقال: (﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾: خير).\n٢ - قال ابن عباس: (﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول).\n٣ - وعن قتادة: (أي: سلف صدق عند ربهم). وعن الحسن: (﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم﴾، قال: محمد شفيع لهم).\nواختار ابن جرير قول من قال: أن لهم أعمالًا صالحة عند الله، يستوجبون بها منه الثواب. قلت: ولا مانع من بقية المعاني، فمن أسلف في العمل الصالح ومات عليه","vol":"3","page":604},{"text":"فإن السعادة قد سبقت له في اللوح المحفوظ، وتناله شفاعة النبي - ﷺ - بإذن الله يوم القيامة، وكذلك كل بشائر الخير.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢، ٣].\n٢ - قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].\nوفي سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد بسند صحيح، عن أبي أمامةَ - صُدَيِّ بنِ عَجْلانَ الباهلي ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يَخْطُبُ في حَجَّةِ الوداع فقال: [اتقوا الله، وصلوا خَمْسَكُم، وصوموا شَهْرَكم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أُمَرَاءَكُم، تدخلوا جَنَّة ربِّكم] (١).\nقال النسفي: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي سابقة وفضلًا ومنزلة رفيعة، ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدمًا كما سميت النعمة يدًا لأنها تعطى باليد، وباعًا لأن صاحبها يَبُوع بها).\nوقوله: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾.\nقرأ أهل المدينة والبصرة: ﴿إن هذا لسِحْر مبين﴾ - يعنون القرآن.\nوقرأ أهل الكوفة وجماعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ - يعنون النبي - ﷺ -. وكذبوا فيما قالوا على التأويلين، وهو دليل عجزهم أمام هذا الوحي العظيم، وصدق النبي - ﷺ - الكريم، صلوات الله عليه وعلى جميع المرسلين.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾.\nأي: إن الله ربكم هو رب العالم كله، سماواته وأرضه، وما فيهن من ألوان الخلائق، فقد أبدع السماوات والأرض في ستة أيام - كهذه الأيام - ثم علا على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٦١٦)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٥١)، وإسناده صحيح. وصححه ابن حبان (٧٩٥)، والحاكم (١/ ٩، ٣٨٩) - ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":605},{"text":"العرش، فله الكبرياء وحده وتصريف أمور هذا الكون بيده. قال مجاهد: (﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يقضيه وحده).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: [خلق الله التربة في السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يومَ الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).\nوأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢).\nوقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾. أي: لا يتجرأ أحد على الشفاعة لأحد يوم القيامة إلا من بعد إذن الله تعالى.\nكما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].\nوفي صحيح مسلم من حديث أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا كان يوم القيامة ماجَ الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع إلى ربك فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله. فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته. فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد. فيأتوني فأقول: أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٩) - كتاب صفات المنافقين، ورواه أحمد، ورواه أبو يعلى في المسند (٢٨٨/ ١)، والبيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\" (ص ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(٢) إسناده صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١١٤/ ١)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٢٩٠)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٩).","vol":"3","page":606},{"text":"بتلك المحامد وأخِرُّ له ساجدًا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول يا رب أمتي أمتي. .] الحديث (١).\nويروي الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [صنفان من أمتي لن تنالَهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق] (٢).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nأي: هذه بعض صفات ربكم العظيم في الخلق والتصريف والتدبير، فأفردوه بالعبادة والتعظيم، فإنه لا تصلح العبادة والإنابة والرجاء والدعاء إلا له، أفلا تتعظون وتعتبرون.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\nأي: إن مآلكم ومعادكم - أيها الناس - في نهاية المطاف إليه سبحانه، فهو الذي بدأ إنشاء الخلق وإحداثه، ثم هو يعيده بعد فنائه وبلائه، ليقوم الجميع بين يدي رب العالمين، فيقابل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فالمؤمنون في غبطة وسرور، والكافرون في جحيم وسعير، فتبارك الله العلي العظيم.\nوعن مجاهد: (﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال: يحييه ثم يميته، ثم يحييه).\nأو قال: (يحييه، ثم يميته، ثم يبدؤه، ثم يحييه). وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ - قال مجاهد: (بالعدل). وقال ابن جرير: (﴿بِالْقِسْطِ﴾، يقول: ليجزيهم على الحسن من أعمالهم التي عملوها في الدنيا الحسنَ من الثواب، والصالحَ من الجزاء في الآخرة وذلك هو \"القسط\"، و\"القسط\" العدلُ والإنصاف).\nوأما الشراب الحميم فهو الشراب الذي أُغلي واشتد حرّه، فهو كالمهل يشوي الوجوه. وأصله في لغة العرب محموم، فهو مفعول صرف إلى فعيل، والمحموم: المُسَخَّن. قال الرازي: (الحميم: الماء الحار) - وكل مسخن عند العرب فهو حميم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الإيمان (١٩٣)، والبخاري في التوحيد (انظر: مختصر صحيح البخاري - حديث رقم - ٢١٣٣)، من حديث أنس ﵁.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. انظر \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٣٥)، ومعجم الطبراني الأوسط (١/ ١٩٧/ ٢) نحوه. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٧١).","vol":"3","page":607},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٧، ٥٨].\n٢ - قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣، ٤٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٣].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: [ناركم هذه التي يُوقد ابن آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من حرّ جهنم. قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فُضِّلَت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها] (١).\nوفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (٢).\n٥ - ١٠. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٤٩ - ١٥٠) من حديث أبي هريرة. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٧٦) - كتاب صفة النار.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥). ورواه أحمد. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (٥١١٢)، وصحيح الجامع الصغير (٧٨٩٦).","vol":"3","page":608},{"text":"النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن بعض آياته الكبيرة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، فقد جعل شعاع الشمس ضياء وجعل سلطانها بالنهار، وجعل شعاع القمر نورًا وجعل سلطانه بالليل، وقدّر القمر منازل لحساب أوقات السنين وعدد الأيام ومعرفة مواسم الخير، خلق ذلك كله بالحق لقوم يعلمون. إن في تعاقب الليل والنهار وما أبدع الله من الخلق في أرجاء السماوات والأرض لآيات للمتقين. إنَّ الذين اختاروا الركون إلى هذه الحياة الدنيا الزائلة وتجاهل الحياة الآخرة الباقية وما وجب في حق الله عليهم لمآلهم إلى نار الجحيم. وأما المؤمنون الذين عملوا الصالحات فيرشدهم ربهم يوم القيامة إلى منازلهم في جنات النعيم. ينطقون بالتسبيح ويُحيون بالسلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.\nفقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ - أي للعالمين بالنهار. ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ - أي لهم بالليل.\nقال القاسمي: (والضياء أقوى من النور). و﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ - أي القمر. قال ابن كثير: (فأول ما يبدو صغيرًا ثم يتزايد نوره وجرمُه، حتى يستوسقَ ويكمُلَ إبدارُه، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٩، ٤٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].\nوقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ - فبحركة الشمس تُعرف الأيام، وبمنازل القمر ومسيره تُعرف الشهور والأعوام. قال القاسمي: (لكون منازله معلومة محسوسة، وتعلق أحكام الشريعة به، وكونه عمدة في تواريخ العرب ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ أي حساب الشهور والأيام، مما نيطَ به المصالح في المعاملات والتصرفات).\nوقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقّ﴾. أي: ما كان هذا النظام البديع في الخلق عن عبث، بل من ورائه حكمة بالغة وحجة من الله تعالى على خلقه.","vol":"3","page":609},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥].\nوقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. أي: يبين الحجج والأدلة لقوم يتدبرونها فيعلمون ما وراءها من غاية الخلق وواجبات العبودية لله وكمال التعظيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾.\nأي: إن تعاقب الليل والنهار، وهذا الخلق العجيب المنتشر في أرجاء السماوات وأنحاء الأرض وأعماق المحيطات والبحار، كله آيات عظيمة دالة على وجوب تعظيم الواحد القهار، وصرف العبادة له وحده والخوف من معصيته وغضبه فهو العزيز الجبار.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nأي: إن الأشقياء الذين آثروا الركون إلى هذه الحياة الدنيا يلهثون وراء زينتها وشهواتها بما يسخط الله تعالى، وهم لا يرجون لقاءه ولا الدار الآخرة، بل إنهم كفروا بالله واليوم الآخر، فهؤلاء مصيرهم عذاب الخزي في نار جهنم بما كانوا يكسبون.\nقال قتادة: (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، قال: إذا شئت رأيتَ صاحب دُنْيا، لها يفرح، ولها يحزن، ولها","vol":"3","page":610},{"text":"يسخط، ولها يرضى). وقال ابن زيد: (هؤلاء أهل الكفر).\nوقال الحسن: (والله ما زيَّنوها ولا رَفَعوها حتى رضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها، والشرعيّة فلا يأتمرون بها، فإن مأواهم يومَ معادهم النار، جزاءً على ما كانوا يكسبون في دُنياهم من الآثام والخطايا والأجرام، مع ما هُم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.\nهذه هي المرتبة الرابعة من مراتب الهداية كما وردت في القرآن والسنة. فإن مراتب الهداية:\n١ - هداية الخالق خلقه لمصالحهم.\n٢ - هداية الدلالة والإرشاد.\n٣ - هداية التوفيق والإلهام.\n٤ - هداية الله المؤمنين يوم القيامة إلى الجنة.\nفقوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾. قال مجاهد: (يكون لهم نورًا يمشون به).\nوقال ابن جرير: (يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦].\nقال مجاهد: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ الآية. يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا).\nوقال ابن عباس: (هم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم).\nوقال محمد بن كعب: (يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة).\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، أن نبيَّ الله - ﷺ - قال: [إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، يتقاصُّون مظالم كانت بينهم في","vol":"3","page":611},{"text":"الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا] (١).\nوفيه وفي مسند أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة] (٢).\nوالخلاصة: إن أهل صدق الإيمان واليقين بالله واليوم الآخر وقد تهيؤوا للقاء ربهم بالعمل الصالح يرشدهم ربهم يوم القيامة بنور إيمانهم إلى مساكنهم في الجنة تجري تحتهم الأنهار في بساتين النعيم.\nوقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nإخبار من الله تعالى عن دعاء المؤمنين في الجنة أنه تسبيح وتنزيه لله العظيم، الذي أولاهم هذا الخير من ألوان النعيم، والسلام تحيتهم فيما بينهم، والحمد لله ختام كل لذة ونعمة يرونها ويتنعمون بها.\nقال قتادة: (﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾. ذلك دعاؤهم فيها، ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾).\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: [يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس] (٣). وفي رواية: [قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك. يلهمون التسبيح والحمد].\nأي: تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس كما تلهمون أنتم النفس.\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [أول زمرة تَلِجُ الجنة صورتُهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصُقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتُهم فيها الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامِرُهم الألُوَّة، ورشحُهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مُخُّ سُوقِها من وراء اللحم من الحُسنِ، لا اختلاف\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٢٤٤٠) - كتاب المظالم. باب قصاص المظالم. وانظر (٦٥٣٥) - كتاب الرقاق. باب القصاص يوم القيامة.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٦٥٣٥) - كتاب الرقاق، ومسند أحمد (٣/ ١٣)، (٣/ ٧٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٤٧). والجشاء: ريح يخرج من الفم عند الشبع يرافقه صوت.","vol":"3","page":612},{"text":"بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا] (١).\nقلت: وهذا يدل على ارتفاع العبادات والتكاليف عن أهل الجنة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة.\nومعنى سبحانك هو تنزيه الرب تعالى وتعظيمه وإجلاله عما لا يليق به.\nوقال علي ﵁: (هي كلمة رضيها الله تعالى لنفسه).\nوقد أفاد ابن القيم ﵀ في مفهوم هذه الآية فقال: (الدعوى مثل الدعاء، والدعاء يراد به الثناء ويراد به المسألة. وفي الحديث: أفضل الدعاء الحمد لله رب العالمين. فهذا دعاء ثناء وذكر يلهمه الله أهل الجنة. فأخبر الله سبحانه عن أوله وآخره، فأوله تسبيح، وآخره حمد يلهمونهما، كما يلهمون النفس. وفي هذا إشارة إلى أن التكليف في الجنة يسقط عنهم، ولا تبقى عبادتهم إلا هذه الدعوة التي يلهمونها. وفي لفظة ﴿اللَّهُمَّ﴾ إشارة إلى صريح الدعاء فإنها متضمنة لمعنى يا الله فهي متضمنة للسؤال والثناء) (٢).\n١١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عباده أنه لو يعجل استجابته لكثير من دعائهم أثناء غفلتهم كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم، ويَدَعُ سبحانه الذين لا يؤمنون بالحساب في تمردهم وغيّهم يترددون. إنه إذا نزل بالإنسان الضر سارع إلى الدعاء لكشفه، فإذا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٣٢٤٦)، (٣٢٥٤)، (٣٢٤٥). ومختصر صحيح مسلم (١٩٥٦ - ١٩٥٧)، وصحيح الجامع الصغير (٢٥٦١ - ٢٥٦٣).\n(٢) انظر كتاب: \"صفة الجنة في القرآن والسنة\" - وانلي - ص (٢١٦ - ٢١٧).","vol":"3","page":613},{"text":"كشفه الله له تنكّر لشكره وزيّن له الشيطان الكبر والعجب والغرور. لقد أهلك الله أممًا كثيرة عاشت على الكبر وكذبت الرسل فأذاقها الله ما يذيق المجرمين. ثم جعلكم - أيها الناس - سكانًا في الأرض من بعدهم، لِتُمْتَحنوا كما امتَحَنَ من قبلكم ولينظر كيف تعملون.\nفقوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾.\nقال مجاهد: (قولُ الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه! فلو يعجِّلُ الله الاستجابة لهم في ذلك، كما يستجاب في الخير، لأهلكهم).\nوالآية تدل على حلم الله سبحانه ولطفه بعباده، فإنه لو استجاب دعاء الداعي منهم - حالة غضبه أو ضيقه - وهو يدعو على نفسه أو ماله أو ولده أو أهله لأصابهم العنت والهلاك ولنزل بهم ما يحذرون من الضيق والهمّ. قال ابن جرير: (﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾، يقول: لهلكوا، وَعُجِّلَ لهم بالموت، وهو الأجل).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أمِّ سَلَمَةَ قالت: [دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سَلمَةَ وقد شَقَّ بَصَرُه، فأغْمَضَهُ، ثم قال: إن الروح إذا قُبضَ تبعه البصر. فَضَجَّ ناسٌ من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. . .] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تَدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٢٠) - كتاب الجنائز - باب في إغماض الميت والدعاء له، إذا حُضِر، من حديث أم سلمة ﵂.","vol":"3","page":614},{"text":"خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة نَيْل فيها عطاء فيستجيبَ لكم] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم بسند صحيح على شرط البخاري، عن أم الفضل ﵂: [أن رسول الله - ﷺ - دخل عليهم، وعباس عم رسول الله - ﷺ - يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله - ﷺ -: يا عم! لا تتمن الموت، فإنك إن كنت محسنًا، فان تؤخر تزداد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمن الموت] (٢).\nوقوله: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nأي: فندع الذين لا يؤمنون بالحساب والبعث ولا يخافون العاقبة في تمردهم وطغيانهم وغيّهم يترددون.\nوقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾.\nقال ابن جريج: (﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ قال: مضطجعًا). وقال ابن جرير: (﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾، يقول: استغاث بنا في كشف ذلك عنه، ﴿لِجَنْبِهِ﴾، يعني مضطجعًا لجنبه، ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾، بالحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضرّ به).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾.\nأي: حتى إذا استجاب الله له وكشف عنه ما نزل به من الضيق والهم والمصيبة عاد لغفلته ونسي شكر ربه على ما فرّج عنه، وربما خاض من جديد في طريقته الأولى في العتو والكبر والإسراف.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - ذمٌّ لمن كان هذا حاله في التقلب، فهو يستكين ويتواضع لربه عند النازلة، ثم لا يلبث أن يعود لتكبره عن شكره تعالى وعبادته عند الفرج والفرح.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٥٣٢) - كتاب الصلاة. باب النهي: أن يدعو الإنسان على أهله وماله - وهو بإسناد على شرط مسلم، وانظر صحيح سنن أبي داود (١٣٥٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٣٣٩) من حديث أم الفضل ﵂ - وأخرجه الشيخان، والبيهقي (٣/ ٣٧٧) من حديث أنس نحوه مرفوعًا.","vol":"3","page":615},{"text":"وفي التنزيل من آفاق هذا المعنى:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١].\nفاستثنت الآية من تلك الصفة الذميمة أهل الإيمان والهداية والصبر، فإنهم حذرون من السقوط في تلك الهاوية، وبذلك جاءت نصوص السنة العطرة، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن صُهَيْبٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أَمْرَه كُلَّهُ له خَيْرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابَتْهُ سَرّاء شكَرَ، فكان خَيْرًا له، وإن أصابَتْهُ ضَرَّاءَ صَبَرَ، فكان خيرًا له] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والدارمي بسند صحيح على شرط مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: [بينا رسول الله - ﷺ - قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطيالسي بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [عجبتُ للمسلم إذا أصابته مصيبةٌ احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمدَ الله وشكرَ، إنَّ المسلم يؤجرُ في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٣).\nالحديث الرابع: يروي عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أنس بن مالك قال: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٩٩) - كتاب الزهد - باب المؤمن أمره كله خير.\n(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. أخرجه الدارمي (٢/ ٣١٨)، وأحمد (٦/ ١٦)، وبنحوه روى الإمام مسلم (٨/ ٢٢٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٤٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطيالسي (٢١١) بإسناد صحيح، وأخرجه البيهقي. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٧)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٨٨١).","vol":"3","page":616},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له] (١).\nوفي لفظ: [عجبتُ للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.\nإخبار من الله تعالى عن مصير الأمم المكذبة رسلها فيما مضى، فقد نزل بهم العذاب والهلاك عند طغيانهم بعدما جاءتهم حجج الحق والوحي البالغة والمعجزات، وقد أصرّوا على الكفر والظلم حتى لو بقوا، ومن ثمَّ فإن طغاة مكة - يا محمد - داخلون في مصير من قبلهم من أولئك القوم المجرمين إن أصروا على الكفر والتكذيب بالقرآن والنبوة.\nقال النسفي: (﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ إن بقوا ولم يهلكوا، لأن الله علم منهم أنهم يصرون على كفرهم، وهو عطف على ﴿ظَلَمُوا﴾ أو اعتراض، واللام لتأكيد النفي، يعني أنّ السبب في إهلاكهم تكذيبهم للرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل ﴿كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله - ﷺ -).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.\nالخلائف: جمع خليفة، أي جعلناكم - أيها الناس - سكانًا في الأرض تخلفون أولئك القوم - وتلك القرون السالفة - الذين أهلكناهم، لينظر ربكم في أعمالكم هل تخالفون منهج أولئك الهالكين أم تستقيمون على طاعته وتعظيم شرعه ووحيه.\nقال القرطبي: (﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي ليقع منكم ما تستحقون به الثواب والعقاب، ولم يزل يعلمه غيبًا. وقيل: يعاملكم معاملة المختبر إظهارًا للعدل. وقيل: النظر راجع إلى الرسل، أي لينظر رسلنا، وأولياؤنا كيف أعمالكم).\nقلت: والراجح هو نظر الرب سبحانه في أعمال عباده وأحوالهم التي اختبرهم بها، وهو أعلم بها، وإنما هو يحصيها عليهم ليوافيهم بها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية: ١٥].\n_________\n(١) إسناده صحيح. رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥/ ٢٤)، وأبو يعلى (٢٠٠/ ٢) ورواه أبو نعيم في الحلية. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٨)، وصحيح الجامع الصغير (٣٨٨٠).","vol":"3","page":617},{"text":"وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁، عن رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: [. . . يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم - أيضًا - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ -: [إنّ الدنيا حُلْوةٌ خَضِرَةٌ، وإن الله مُسْتَخْلِفُكُم فيها، فينظرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أوَّلَ فتنة بني إسرائيل كانت في النساء] (٣).\nوقوله: \"مستخلفكم\" أي جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواتكم. \"فاتقوا الدنيا واتقوا النساء\". أي: احذروا الافتتان بهذه الدنيا الفانية، وبأخطر ما فيها على الرجال، ألا وهي فتنة النساء، فقد ضلت أمم بذلك.\n١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٥٧٧) - كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٦٤) (٣٣)، (٣٤) - كتاب البر والصلة. باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، من حديث أبي هريرة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٤٢) - كتاب الرقاق - باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"3","page":618},{"text":"تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن سلوك المستكبرين عند سماع قوارع القرآن تتلى عليهم، فهم في تنطع وغرور، يطلبون استبدال هذا القرآن في محاولة للنفور، فقل لهم يا محمد: إني لا أملك تبديله من تلقاء نفسي، وإنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي، وإني أخاف إن تجرأت على الوحي نحو تجرئكم عذاب يوم عظيم. إنه لو شاء الله ما سمعتم هذا القرآن ولا علمتم به، فقد مكثت فيكم عمرًا قبل أن أتلوه عليكم أفلا تعقلون؟ ! إنه لا أحد أشد ظلمًا ممن افترى الكذب على الله أو تطاول على آياته إنه لا يفلح المجرمون.\nفقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ - إخبار من الله تعالى عن سوء سلوك الكافرين عند سماع حجج الحق وقوارع الوحي، فحاولوا صَرْفَ هذا البلاغ المبين والإنذار القويم إلى الهزل والتنطع بطلبهم غيره من نمَطٍ آخر، أو تبديله بغيره.\nوقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. أي: قل لهم - يا محمد -: كيف لي أن أبدِّلَه وقد أوحاه الله إليّ، وإنما أنا رسول مُبَلِّغ عن الله تعالى.\nوقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nأي: إني أخشى إن بدلت وحيه - تعالى - وحولت حلاله أو حرامه إلى ما يناسب أهواءكم، وخالفت هديه ومنهاجه، فعصيته بذلك، عذاب يوم شديد الهول والآلام، يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وتحسب الناس سكارى وما هم بسكارى.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: لو شاء الله لم يعلمكموه). أو قال: (يقول: ما حذّرتكم به).","vol":"3","page":619},{"text":"وعن قتادة: (﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قال: لبث أربعين سنة).\nوالخلاصة في معنى الآية: قل لهم - يا محمد - لهؤلاء المتنطعين الذين يريدون تبديل هذا القرآن ليأتي بأحكام تناسب أهواءهم -: إنّ الله تعالى لو شاء ما حذّرتكم به ولا أعلمكم به، فقد مكثت فيكم أربعين سنة قبل أن أتلوه عليكم، وذلك قبل أن يوحيه الله إلي.\nقال ابن جرير: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أني لو كنت منتحلًا ما ليس لي من القول، كنت قد انتحلته في أيام شبابي وحَداثتي، وقبل الوقت الذي تلوته عليكم، فقد كان لي اليوم، لو لم يوحَ إليّ وأُومر بتلاوته عليكم، مندوحةٌ عن معاداتكم، ومتَّسَعٌ، في الحال التي كنت بها منكم قبل أن يوحى إليَّ وأومر بتلاوته عليكم).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾.\nأي: ليس هناك أشد ظلمًا وأكبر إجرامًا ممن تطاول بالكذب على الله أو كذّب بآياته. قال ابن كثير: (ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء؟ !).\nقلت: إنه ما من شخص يتصدى لأمر الناس إلا وسلّطَ الناس أنظارهم عليه لدراسة أحواله، فما تمر الأعوام إلا وقد انكشف على حقيقته، وخاصة إذا تقلب بين أوضاع الضعف والقوة، والخوف والأمن، والفقر والغنى، وقلة الأتباع وكثرتهم، والشدة والرخاء، كما حدث في حياة نبينا محمد - ﷺ -. وإذا تأملنا أحواله وجدْناها تشهد بأنها أحوال لا تكون إلا لنبي، ولقد شهد له قومه بالصدق فسمَّوه قبل أن يبعثه الله بالرسالة \"الصادق الأمين\"، حتى قال له أبو جهل: \"إنا لا نكذبك، ولكن نكذِّبُ ما جئت به\" فأنزل الله قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: [أول ما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستبنته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب. قال: فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: أيها","vol":"3","page":620},{"text":"الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام] (١).\n١٨ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: توبيخُ الله المشركين في عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم وادعائهم حصول الشفاعة لهم منهم، فقل لهم - يا محمد -: هل تخبرون الله بما لا يعلم في السماوات والأرض! تنزه الله عما يشركون. إن الناس كانوا على دين واحد فتفرقت بهم السبل حين اتبعوا الشياطين، ولولا قضاء الله أن لا يهلك قومًا إلا بعد انقضاء آجالهم لفصل بينهم بإهلاك المجرمين ونجاة المؤمنين. إن المشركين يطالبون بالمعجزات لإثبات النبوة، والله تعالى يُقَدِّرُ ما يصلح شؤون عباده، وهو علام الغيوب.\nفقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾. أي: ويعبد هؤلاء المشركون - يا محمد - من دون الله ما لا يملك لهم نفعًا ولا ضرًا. قال النسفي: (﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ﴾ إن تركوا عبادتها ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إن عبدوها).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال القرطبي: (وهذه غاية الجهالة منهم، حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال. وقيل: ﴿شُفَعَاؤُنَا﴾ أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا).\nوقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث عبد الله بن سلام ﵁. انظر صحيح الترغيب (١/ ٦١٢) - كتاب النوافل.","vol":"3","page":621},{"text":"أي: قل لهم يا محمد، هل تنبئون الله بأمر غاب عنه، فهم شفعاء لكم من حيث لا يعلم! ! وهو ملك السماوات والأرض وما فيهن! ! تنزه الله وتعالى أن يكون له شريك.\nأخرج البخاري ومسلم عن معاذ قال: [كنتُ رِدْفَ رسول الله - ﷺ - على حمار ليس بيني وبينه إلا مُؤخرة الرحل فقال: يا معاذ! هل تدري ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا] (١).\nوفي المسند وصحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: [من مات وهو يدعو من دون الله نِدًّا دخل النار] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾. قال مجاهد: (حين قتل أحد ابني آدم أخاه). وقال الزجاج: (هم العرب كانوا على الشرك). وقيل: كل مولود يولد على الفطرة، فاختلفوا عند البلوغ. والمقصود: أن الناس كانوا على دين واحد وملة واحدة ثم افترقت بهم السبل حين اتبعوا الشياطين. قال ابن عباس: (كان بين آدم ونوح عشرةُ قرون، كُلُّهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعُبدت الأصنامُ والأندادُ، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحُجَجِه البالغة وبراهينه الدامغة، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]).\nأخرج البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣].\nقال ابن عباس: [أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يَجْلِسُون أنْصَابًا وسَمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هَلَكَ أولئكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣/ ٣٠٠) - كتاب التوحيد. وأخرجه مسلم (٣٠) - كتاب الإيمان، من حديث معاذ ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨/ ١٣٢) - في تفسير سورة البقرة، وأخرجه أحمد (١/ ٤٦٢ - ٤٦٤)، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٢٠) - كتاب التفسير - سورة نوح، آية (٢٣).","vol":"3","page":622},{"text":"ثم انتقل الشرك إلى جزيرة العرب عن طريق الشقي عمرو بن لحي.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ أول من سيَّبَ السوائب وعَبَدَ الأصنام أبو خزاعة عمرو بنُ عامر، وإني رأيته في النار يَجُرُّ أمعاءَه فيها] (١).\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قومًا إلا بعد انقضاء آجالهم - لقضي بينهم بأن يُهلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. أي: يقول هؤلاء المشركون: لولا أنزل على محمد آية من ربه كدليل على ما يقول. قال ابن كثير: (يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أنْ يُحَوِّل لهم الصفا ذهبًا، أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارًا، ونحو ذلك مما الله عليه قادر، ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله).\nقلت: والإيمان بالله لا يحتاج إلى دليل، فكل ما في هذا الكون الفسيح من السماوات والأرض والجبال والبحار والرياح والأقمار والمجرات يدل على الخالق العظيم، وإنما كان التحدي في إثبات النبوة، فأكرم الله نبينا - ﷺ - بهذا القرآن العظيم الذي شده العرب وألقاهم أمامه حائرين، وحملهم عند سماع قوارع آياته فخروا ساجدين. وإنما حاولوا تنطعًا سؤال المعجزات كبقية الأمم، وهذا الذي سألوه زيادة يشكل إنكارها خطرًا مضاعفًا على منكريها كما قال تعالى:\n١ - ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].\n٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].\n٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٤٤٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وانظر صحيح البخاري (٦/ ٤٠٠)، وصحيح مسلم (٨/ ١٥٥).","vol":"3","page":623},{"text":"٤ - ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥].\nومع ذلك فقد استجاب الله تعالى - أمام إلحاح كفار قريش وطغاة مكة - فأراهم معجزة انشقاق القمر نصفين، إلا أنهم عادوا إلى كفرهم متهمين ما رأوا بالسحر شأن الأمم قبلهم لتحق سنة الله فيهم.\nأخرج الترمذي من حديث أنس قال: [سأل أهل مكة النبي - ﷺ - آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي ذاهب] (١).\nوفي صحيح البخاري عن أنس ﵁: [أن أهل مكة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية فأراهم القمر شِقَّتَين حتى رأوا حراءً بينهما] (٢).\nوقد روى الحدث أيضًا - الإمام البخاري - عن شاهد عيان وهو عبد الله بن مسعود حيث قال: [انشق القمر ونحن مع النبي - ﷺ - بمنى فقال: اشهدوا، فذهبت فرقة نحو الجبل] (٣).\nوقوله: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.\nقال النسفي: (﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي هو المختص بعلم الغيب فهو العالم بالصارف عن إنزال الآيات المقترحة - ليس غير - ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزول ما اقترحتموه ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات).\n٢١ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي من حديث أنس. انظر سنن الترمذي (٣٥١٧) - في التفسير - سورة القمر. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦١٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - (انظر فتح الباري: ٧/ ١٨٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود. انظر فتح الباري - شرح صحيح البخاري (٦/ ٦٣١)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٧/ ١٤٣).","vol":"3","page":624},{"text":"وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن مسارعة الناس إلى تناسي نعمة الله عليهم في إخراجهم من العسر إلى اليسر ومن الكرب إلى الفرج، بل إلى المكر في آياته والاستهزاء بشرعه، فقل لهم - يا محمد -: إن الله أسرع بكم مكرًا، وملائكته تكتب عليكم ما تمكرون. هو الذي يحملكم في البر والبحر آمنين، فإذا هاج البحر بكم ورأيتم الموت أخلصتم له الدعاء والدين، وعاهدتموه أن تكونوا من الشاكرين. فلما أنجاكم رجعتم إلى البغي متنكرين، وما بغيكم إلا على أنفسكم، فمآلكم إلى ربكم لو كنتم تعلمون.\nفقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾. أي: فَرَجًا من بعد كرب، أو يسرًا من بعد شدة، أو عافية من بعد مرض، أو خِصْبًا من بعد جَدْب، أو مطرًا من بعد قَحْط، ونحو ذلك مما يجعل الله فيه بعد العسر يسرًا على الناس، ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾. قال مجاهد: (استهزاء وتكذيب).\nوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾. أي: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين المستهزئين بالحق وتعظيم الوحي ومنهاج النبوة، الله أسرع مِحَالًا بكم وهو يستدرجكم من حيث لا تشعرون.\nوفي التنزيل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، ورواه الطبراني. انظر \"تخريج الإحياء\" (٤/ ١١٥) وحسنه الحافظ العراقي، ورواه البيهقي، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٤).","vol":"3","page":625},{"text":"وفي رواية: ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته. وفي لفظ: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).\nقال قتادة: (بغتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سَلْوتهم ونعمتهم وغِرَّتهم. فلا تغتروا بالله).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله] (٢).\nقال أبو سليمان الداراني: (ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء الخوف فَسَد القلب).\nالحديث الرابع: أخرج الشيخان من حديث زيد بن خالد الجهني أنه قال: [صلّى لنا النبي - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية على إثْر سَماءَ كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"أصبحَ من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأمّا مَنْ قال: مُطِرنا بفضلِ الله ورَحْمتهِ فذلك مؤمن بي كافرٌ بالكوكب، وأمّا مَنْ قال: بِنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافِرٌ بي ومؤمنٌ بالكوكب\"] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾. قال القرطبي: (يعني بالرسل الحَفظة).\nوقال النسفي: (إعلام بأن ما تظنونه خافيًا لا يخفى على الله وهو منتقم منكم).\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. أي: يُسَيِّرُكُم في البر على الظَّهر، وفي البحر في الفلك، يحفظكم ويكلؤكم بحراسته.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾. أي: حتى إذا ركبتم في السفن وجرت في البحر بريح طيبة فرح لها ركبان الفلك واطمأن الناس في رحلتهم،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح من حديث أبي موسى. انظر مختصر صحيح مسلم (١٨٣١)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٤٩٢) لتفصيل البحث.\n(٢) إسناده صحيح. انظر تحقيق فتح المجيد (٤٢٢) (٤٢٤)، والمرجع السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٨٤٦) - كتاب الأذان -، وأخرجه مسلم في الصحيح (٧١)، وأبو داود في السنن (٣٩٠٦).","vol":"3","page":626},{"text":"﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ أي: شديدة مفاجئة. ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾. أي: عصف الموج بركبان السفينة من كل اتجاه ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾. أي: أيقنوا أن الهلاك قد أحاط بهم وأحدق بمصيرهم، فهنالك أخلصوا لله الدعاء وأفردوه بالتعظيم لينجيهم.\nوهو قوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. قال قتادة: (إذا مَسَّهم الضرُّ في البحر أخلصوا له الدعاء).\nوقوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. أي: دعوا الله مخلصين له الدين، لئن كشفت عنا هذه الحال وكتبت لنا النجاة من أهوالها وظلماتها لنخلصن لك في الشكر والطاعة والعبادة.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. أي: فلما خلّصهم وأنقذهم رجعوا إلى العمل بالفساد والمعاصي. قال القرطبي: (والبغي: الفساد والشرك، من بَغى الجرحُ إذا فسد، وأصله الطلب، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: بالتكذيب، ومنه بغت المرأةُ طلبت غير زوجها).\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.\nأي: إن اعتداءكم - أيها الناس - إنما هو على أنفسكم، وظلمكم يعود بالوبال عليها، وهذا البغي والتفلت إنما هو متاع الحياة الدنيا الفانية. قال سفيان بن عيينة: (أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا).\nقلت: وهذا الذي قاله سفيان منسجم مع الخبر الصحيح عن رسول الله - ﷺ -.\nفقد أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند صحيح عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما من ذنب أحرى أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يُدَّخر له في الآخرة من قطيعة الرحم والبغي] (١).\nوقرأها ابن أبي إسحاق: ﴿متاعَ﴾ بالنصب على أنه مصدر، والتقدير: تتمتعون متاعَ الحياة الدنيا، أو بالنصب على الحال أو الظرفية. في حين قرأها الباقون ﴿متاعُ﴾ بالضم، أي هو متاع الحياة الدنيا، وكلاهما مشهور عند القراء.\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: إنما مآلكم ومصيركم في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٦٧). وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٥٦)، وأحمد (٥/ ٣٦)، وابن حبان (٤٥٥)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وله شواهد.","vol":"3","page":627},{"text":"نهاية المطاف إلى الله سبحانه، وهو مخبركم بجميع ما كنتم تعملون ثم مجازيكم بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنّ إلا نفسه.\n٢٤ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تشبيهُ الله تعالى حقيقة هذه الحياة الزائلة بالماء أنزله من السماء فأنبت به النبات، فاستهلكه الناس والدواب والأنعام. إنه إذا ظهر حسن الأرض وبهاؤها، وظن أهلها بما أوتوا من علم التحكم بشؤونها والسيطرة على تقلباتها، أنزل الجبار أمره فيها، فجعلها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس عقابًا لأهلها، ويفصل سبحانه هذه الآيات لقوم يتفكرون. وهو - تعالى - يدعو عباده إلى الجنة دار السلام، والأمن والأمان، ويهدي من يستحق إلى صراطه المستقيم.\nفقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾ - تمثيل لحقيقة حال هذه الحياة الفانية البالية. قال ابن كثير: (ضرب تعالى مثلًا لزهرةِ الحياة الدنيا وزينتها وسُرعَةِ انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء، مما يأكلُ الناس من زَرْعٍ وثِمار، على اختلاف أنواعها وأصنافِها، وما تأكل الأنعام من أبّ وقَضْب وغير ذلك).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.\nإيذانٌ من الله تعالى بانهدام هذه الحضارة المادية الظالم أهلها، الذين أفادوا منها في البغي والظلم ونشر الفساد في الأرض، ولم ينتفعوا منها في إقامة العدل ورفع راية الحق، بل فرحوا بما أوتوا من العلم وظنوا أنهم تمكنوا من السيطرة على تقلبات الظواهر الطبيعية والكونية، فهنالك يأذن الله تعالى بوضع حدّ لهذا الكبر والغرور، إذ","vol":"3","page":628},{"text":"لا يليق الكبر إلا بالله العظيم، فهو الجبار المتكبر وحده لا شريك له.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٢، ٨٣].\n- وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].\nومن كنوز صحيح السنة ما يدل على آفاق هذا المعنى في اقتراب انقراض هذا البنيان المادي المهدّد من داخله بالدمار والخراب، وعودة أساليب القوة إلى ما كانت عليه في كشف البطولات وكفاءات الرجال والأبطال:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قَوْمًا صِغارَ الأعين، عِرَاض الوجوه، كان أعيُنَهم حَدَقُ الجراد، كأن وجوههم المِجانُّ المُطْرَقة، ينتعلون الشَّعْرَ، ويتخذون الدَّرْقَ، حتى يربطوا خيولهم بالنخل] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ذي مِخْبَر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم، فتُنْصَرون وتغنمون وتسلمون ثم ترجعون، حتى تنزلوا بِمَرْج ذي تُلول، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غَلَبَ الصليبُ، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه فعند ذلك تغدرُ الروم، وتجمع للملحمة. (زاد بعضهم: فيثور المسلمون إلى أسلحتهم، فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة)] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣١)، وأخرجه ابن ماجه في السنن (٤٠٩٩)، وإسناده جيد، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٨٧٢) بإسناد صحيح على شرط مسلم. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٤٢٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٢٩٢) - (٤٢٩٣) - كتاب الملاحم، باب ما يذكر من ملاحم الروم. وانظر صحيح أبي داود (٣٦٠٧) - (٣٦٠٨)، وصحيح الجامع الصغير حديث رقم (٣٦٠٦).","vol":"3","page":629},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق (١)، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خَلُّوا بيننا وبين الذين سَبَوْا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلثٌ لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقْتَلُ ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلثُ لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبيناهم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيحَ قد خلفكم في أهليكم فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبيناهم يُعِدُّون للقتال يسوّون الصفوف، إذْ أُقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمَّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حَرْبَتِه] (٢).\nوفي رواية من طريق ابن مسعود في تفصيل أكبر للحدث: [فبيناهم كذلك إذا سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: أن الدَّجال قد خلفهم في ذراريّهم، فيرفضون - أي يتركون - ما في أيديهم، ويقبلون فيبعثون عشر فوارسَ طليعة، قال رسول الله - ﷺ -: إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وأَلوان خيولهم، هم خير فوارس، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ].\nوالخلاصة: حتى إذا ظهر حسن الأرض وبهاؤها وتزينت بوسائل البذخ والترف والشهوات بما يسخط الله تعالى، وظن أهلها أنهم قد أصبحوا متحكمين بنباتها وصناعتها وآلاتها وتقلباتها جاء أمر الله فجأة بهلاك ما عليها من الحرث وآلات المكر والخزي ووسائل الترف في المعصية والكفر، فأحالها محصودة مهجورة خاوية على عروشها، كأن لم تكن اكتست بالأمس بألوان الكساء ومادّيات الحضارة وزخرفها.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. أي: نبيّنُها لقوم يعتبرون في حجج الله وآياته.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nقال قتادة: (الله هو السلام، ودارُه الجنة). وقال ابن كثير: (لما ذكر تعالى الدنيا\n_________\n(١) موضع في بلاد الشام - من أعمال مدينة حلب.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٢٩)، كتاب الفتن. وصحيح مسلم (٨/ ١٧٧ - ١٧٨) - كتاب الفتن - باب: في قتال الروم وكثرة القتل عند خروج الدجال، للرواية بعده.","vol":"3","page":630},{"text":"وسرعة زوالها، رغَّبَ في الجنة ودعا إليها، وسَمَّاها دارَ السلام، أي من الآفات والنقائص والنكبات). وقال ابن جرير: (وهو يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول إلى رضاه، وطريقًا لمن ركبه وسلك فيه إلى جِنانِه وكرامته).\n٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلامٌ من الله تعالى أن ثواب الذين أحسنوا دخول جنات النعيم، وزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وبعد ذلك لا يغشى وجوههم كآبة ولا حزن، بل هم في السرور والملذات خالدون. وأمّا الذين ظلموا وكسبوا السيئات فيعتريهم خزي وهوان، وظلمة في الوجوه وسواد، ولا عاصم لهم من الله، وهم في النار خالدون.\nفقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾. أي: الجنة. قال ابن زيد: (الحسنى: الجنة). وتشمل ما فيها من القصور والحور والرضا عنهم والخلود في النعيم المقيم في بساتين عدن.\nوقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾. هي النظر إلى وجه الرحمان ﵎. قال قتادة: (وأما الزيادة، فالنظر إلى وجه الرحمان). وهو مروي عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن والسدي ومحمد بن إسحاق، وجمهور كبير من أئمة السلف والخلف.\nقلت: وقد ثبت ذلك أصلًا من خبر النبي - ﷺ - في سنته المطهرة.\nففي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن صُهيب، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا دخل أهل الجنّةِ الجَنَّةَ، قال يقول الله ﵎: تُريدونَ شيئًا أزيدُكُم؟ فيقولون: ألَمْ تُبَيِّضْ وجوهَنا؟ أَلمْ تُدْخِلنا الجنة وتُنَجِّنا من النار؟ قال: فيكشِفُ الحجابَ، فما أُعْطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النَّظرِ إلى ربهم ﷿] (١). وفي رواية:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨١)، والترمذي (٢٥٥٢)، والنسائي في التفسير (٢٥٤)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٣٣)، والطبري (١٧٦٤١)، وابن حبان (٧٤٤١).","vol":"3","page":631},{"text":"[ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾]. وفي لفظ عند أحمد: [فيُكشَفُ الحجابُ، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه ولا أقرَّ لأعينهم].\nوقوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾.\nالقتر: الغبار، جمع قَتَرة، والذلة: الهوان. قال ابن عباس: (﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾، قال: سوادُ الوجوه). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾، قال: بعد نظرهم إلى ربهم). والمقصود كما قال ابن جرير: (لا يغشى وجوههم كآبة، ولا كسوف، حتى تصيرَ من الحُزن كأنما علاها قترٌ).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بما ذُكر، هم سكان الجنة وأهلها، وهم ماكثون فيها أبدًا لا يخافون زوال نعمة أو تنغيص لذة.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. قال ابن عباس: (تغشاهم ذلة وشدّة). قال القرطبي: (ومعنى هذه المِثلية أن ذلك الجزاء مما يعدّ مماثلًا لذنوبهم، أي هم غير مظلومين، وفعل الرب - جلت قدرته وتعالى شأنه - غير معلَّل بعلة).\nوالخلاصة: الجزاء لأهل السيئات بالمثل ويعتريهم هوان وخزي من هول ما ينتظرهم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢، ٤٣].\nوقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾. أي: لا يحول بينهم وبين عقاب الله أحد.\nقال النسفي: (أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعقابه).\nوقوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾. قال ابن كثير: (إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة).","vol":"3","page":632},{"text":"والقطع: جمع قطعة، قال قتادة: (﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾، قال: ظلمة من الليل).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢].\nومن كنوز السنة الصحيحة:\nأخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذَّرِّ في صُور الرجال، يغشاهم الذُّل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جَهَنَّمَ يُسمى بُولسَ، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَوْنَ من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بما سبق، هم أهل النار الذين هم ماكثون فيها والعياذ بالله.\n٢٨ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن يوم حشر الناس جميعًا في أرض المحشر، ثم أمْره الذين أشركوا لزوم أماكنهم وشركاءهم، فيقطع الله الأوصال التي كانت تربطهم، ثم يتبرأ الشركاء من عبادة شركائهم، والله شهيد على ما كانوا يكسبون. هنالك تُختبر\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٠٢٥)، وصحيح الجامع (٧٨٩٦)، ورواه أحمد وقد مضى.","vol":"3","page":633},{"text":"الأنفس بما صدر عنها، وترجع الأمور إلى آمرها، ويحيق بالمستهزئين ما كانوا يفترون.\nفقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾. أي: نجمعهم في أرض المحشر، إنسهم وجنهم، وبرّهم وفاجرهم، ﴿جَمِيعًا﴾. أي: فلا نغادر منهم أحدًا. فهو في محل نصب حال.\nوقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾. قال ابن جرير: (أي: امكثوا مكانكم، وقفوا في موضعكم، أنتم، أيها المشركون، وشركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأوثان).\nوفي التنزيل: قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤].\nوقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾. قال النسفي: (ففرقنا بينهم وقطعنا أقرانهم والوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا). وقال ابن جرير: (يقول: ففرّقنا بين المشركين بالله وما أشركوه به).\nوقوله: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾. قال القاسمي: (إذ لم تكن عبادتكم عن أمرنا، بل عن أمر الشيطان، فكنتم عابديه بالحقيقة، بطاعتكم إياه، وعابدي ما اخترعتموه في أوهامكم من أباطيل فاسدة، وأمانيّ كاذبة).\nوقال القرطبي: (وذلك أنهم ادعوا على الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي عبدوها أنهم أمروهم بعبادتهم ويقولون ما عبدناكم حتى أمرتمونا).\nقلت: ولا مانع من قولهم ذلك تملصًا من أمرهم لهم بالعبادة، وإنما يقولون اليوم ذلك كذبًا واحتيالًا للخلاص، عندما رأوا هول العذاب، وهذا ينطبق على حال بعض الشياطين والطغاة.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].","vol":"3","page":634},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢].\n٤ - وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٢، ٣٣].\nوقوله تعالى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾.\nقال مجاهد: (يقول ذلك كل شيء كان يُعْبَدُ من دون الله).\nقال ابن كثير: (وفي هذا تبكيتٌ عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، مِمّن لا يسمع ولا يُبصر، ولا يغني عنهم شيئًا، ولم يأمرهم بذلك ولا رضيَ به ولا أراده، بل تبرأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه، وقد تركوا عبادة الحي القيوم، السميع البصير، القادر على كل شيء، العليم بكل شيء. . .).\nوقوله: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾. قال مجاهد: (تختبر). وهناك قراءة أخرى مشهورة قرأها بعض أهل الكوفة والحجاز \"تتلو\" - قال ابن زيد: (تعاينه). وقيل بل معناه: تتبع كل نفس ما قدّمت في الدنيا لذلك اليوم، وقيل: بل المعنى: يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يوردوهم النار، وهذا المعنى وارد في السنة الصحيحة:\nأخرج عبد الله بن أحمد في \"السنة\" بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [. . . ثم ينادي مناد: أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل ناس ما كان يتولى ويعبد في الدنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى فينطلقون، فيتمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان، ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ولمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير. .] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: مَنْ كان يعبدُ شيئًا فَلْيتَّبِعْه، فيتَّبعُ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمسَ الشَّمسَ، ويتَّبعُ مَنْ يَعْبُدُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه بتمامه عبد الله بن أحمد في \"السنة\" ص (١٧٧). وانظر مختصر العلو - الذهبي - (٦٩) ص (١١٠). وأصله في الصحيحين، وانظر ما بعده.","vol":"3","page":635},{"text":"القمرَ القمرَ، وَيتَّبِعُ مَنْ يَعْبُدُ الطواغيتَ الطواغيتَ. .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nأي: رجعت الأمور إلى آمرها العزيز الحكيم، وصارت الأحوال في نهاية المطاف إلى الحكم العدل العلي العظيم، بعدما دخلت في حالة التخيير والابتلاء، فحصل ما حصل من كذب وافتراء، وظلم وبغي واستهزاء، فأدخل سبحانه أهل الجنة الجنة كرمًا منه وفضلًا، وأدخل أهل النار النار حكمة منه وعدلًا، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ - أي: ذهب عنهم ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء وكذبًا على الله، وحاق بهم ما كانوا يعملون.\n٣١ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول تعالى لنبيه - ﷺ -: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: من الذي يرزقكم ويملك حماية أسماعكم وأبصاركم ويخرج الحي من الميت والميت من الحي وَيُصرِّف أمور هذا الكون؟ ! سيجيبوك: إنه الله. فقل لهم أفلا تتقون؟ ! ذلكم الله ربكم الحق وماذا يكون بمخالفة الحق إلا الوقوع في الباطل والضلال فأنى تصرفون! إنه كذلك لزمت كلمة ربك الفاسقين أنهم يعاندون ولا يؤمنون، عقاب الله لهم مقابل استكبارهم وإصرارهم على ما يعملون ويفسدون.\nفقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: الغيث والقطر من السماء، والشجر والنبت من الأرض. قال ابن جرير: (﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ - يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد - ﷺ -: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين بالله الأوثان والأصنام، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾، الغيث والقطر، ويطلع لكم شمسها، ويُغْطِشُ ليلها، ويخرج ضُحاها، ومن الأرض، أقواتكم وغذاءكم الذي ينبته لكم، وثمار أشجارها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٢) - كتاب الإيمان - باب معرفة طريق الرؤية.","vol":"3","page":636},{"text":"وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾. قال النسفي: (أي: من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة، أو من يحميهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣].\nفَصِحَّةُ هذه الآلات من النعم الجليلة التي يغفل عنها كثير من الناس ولا يؤدون حق شكرها.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ] (١).\nوأخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [اغتنم خَمسًا قبل خمس: حياتك قبلَ موتك، وصحتك قبل سقمكِ، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. أي: يخرج الشيء الحيّ من الشيء الميت وبالعكس، كما سبق ذكره بآفاقه المختلفة، نحو النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. قال القاسمي: (أي ومن يلي تدبير أمر العالم كله، بيده ملكوت كل شيء، تعميم بعد تخصيص).\nوقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. أي: سيعترفون بأن كل الأمر والخلق لله، فقل لهم عند ذلك: أفلا تخافون غضبه وتتقون عقابه فتفردوه سبحانه بالطاعة والعبادة والتعظيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤١٢)، والترمذي (٢٣٠٤)، وأخرجه ابن ماجه (٤١٧٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس، وأخرجه أحمد في الزهد من طريق عمرو بن ميمون، وكذلك أبو نعيم في \"الحلية\". انظر صحيح الجامع الصغير (١٠٨٨).","vol":"3","page":637},{"text":"أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي تميمة، عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله - ﷺ -، أو قال شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تدعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشفَ عنكَ، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.\nأي: إن الذي أقررتم له بفعل ذلك كله هو الله ربكم وإلهكم الحق، فأفردوه بالتعظيم فإنه لا يستحق ذلك غيره، وكل معبود سواه باطل. قال ابن كثير: (وقوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾، أي: فكيف تُصْرَفُون عن عبادته إلى عبادة ما سواه، وأنتم تعلمون أنه الربُّ الذي خلقَ كُلَّ شيء، والمتصرّف في كل شيء؟ !).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: بسبب ما كان من إصرار المشركين على عبادة وتعظيم غير الله مع اعترافهم لله تعالى بالخلق والأمر، كان ما كتب الله في اللوح المحفوظ من استحقاق هؤلاء المشركين الشقاء في الدار الآخرة.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١].\nولكن هذه الكتابة في اللوح المحفوظ هي كتابة علم لا كتابة جبر، فإن أهل الشقاء اختاروا سبيلهم ذلك بأعمالهم، كما اختار أهل السعادة سبيل سعادتهم بأعمالهم.\nوفي الصحيحين عن علي ﵁ قال: قال رسول الله: [ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٠٨٤) انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢)، كتاب اللباس، وانظر صحيح الجامع الصغير (٢٤٢)، ورواه أحمد.","vol":"3","page":638},{"text":"لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾] (١).\n٣٤ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ الله نبيّه متابعة الاحتجاج بقوارع الوحي على المشركين. قل لهم: هل يستطيع أحد من شركائكم بدء الخلق ثم إعادته؟ ! فالله القادر على ذلك وحده، فأنى تؤفكون؟ ! ثم قل لهم: هل من شركائكم من يملك هداية القلوب وانشراح الصدور للحق؟ ! إنّ الله هو القادر على ذلك وحده، أفيستحق العاجز أن يُعبد أم القادر؟ فكيف تحكمون؟ ! إنه ما يتبع أكثرهم - يا محمد - إلا الظن، والظن لا يفيد صاحبه من الحق شيئًا، والله عليم بما يفعلون.\nفقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾. أي: ينشئه من العدم، فيبدؤه من غير أصل \"ثم يعيده\" - قال ابن جرير: (يقول: ثم يفنيه بعد إنشائه، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيه). وهذا احتجاج بديع من الله تعالى على هؤلاء المشركين الذين خلقهم ويعبدون غيره، وهو وحده القادر على بدء الخلق وإعادته. ومنه:\nقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ - قال الحسن: (أنى تصرفون).\nوقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ - قال ابن كثير: (أي: أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال، وإنما يَهدِي الحيارى والضُّلَّال ويُقلب القلوب من الغيِّ إلى الرُّشد الله الذي لا إله إلا هو).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٦٢)، (٤٩٤٨)، (٤٩٤٩). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤٤)، باب: في القدر والشقاوة والسعادة.","vol":"3","page":639},{"text":"وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع، أم من لا يهتدي إلى شيء إلّا أن يهدى؟).\nوقال النسفي: (أفمن يهدي إلى الحق أحق بالاتباع أم الذي لا يهدي أي لا يهتدي بنفسه أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله. وقيل معناه: أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن يهدى إلا أن ينقل، أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيًا ناطقًا فيهديه ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بالباطل حيث تزعمون أنهم أنداد الله).\nوقرأ عامة قراء المدينة \"أمَّن لا يَهْدِّي\" بتسكين الهاء وتشديد الدال، في حين قرأها بعض قراء مكة والشام والبصرة: \"يَهَدِّي\" بفتح الهاء وتشديد الدال، وقرأها بعض قراء الكوفة \"يَهِدِّي\" بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، وبعضهم قرأها \"أمْ مَنْ لا يَهْدي\".\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾ يريد الرؤساء منهم، أي ما يتبعون إلا حَدْسًا وتخريصًا في أنها آلهة وأنها تشفع، ولا حجة معهم. وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليدًا. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي من عذاب الله، فالحق هو الله. وقيل \"الحق\" هنا اليقين، أي ليس الظن كاليقين. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يُكْتَفَى بالظن في العقائد. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب، خرجت مخرج التهديد).\n٣٧ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تقرير من الله تعالى أن هذا الكتاب العظيم المعجز لا يقدر أحد","vol":"3","page":640},{"text":"على معارضته بمثله، وهو تصديق للكتب التي قبله، وفيه بيان مجمل الأحكام، وأمور الحلال والحرام، من الله رب العالمين. فإن زعم المبطلون أنك افتريته - يا محمد - فاسألهم أن يخوضوا في محاولةِ مشابهة سورة منه، وليستعينوا بمن شاؤوا لتحقيق ذلك إن كانوا صادقين. وإنما كذب المشركون بهذا القرآن تطاولًا وبغيًا ولم يقدروا حقه، شأن المكذبين الذين درجوا في الأمم عبر الزمان، ودكهم الله بعذابه، وأوعدهم في الآخرة أليم عقابه. إنه سيؤمن به بعضهم ويُصِدّ آخرون على الكفر به كما هو سابق في علم الله، فهو سبحانه عليم بالمصلحين والمفسدين.\nفقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ما ينبغي له أن يتخرّصه أحد من عند غير الله). وهذا بيانٌ من الله لإعجاز هذا الكتاب العظيم، فإنه لا يقدر أحد أو يتجرأ على مشابهته في فصاحته وبلاغته وجوامع كلمه وحلاوة آياته وعذوبة معانيه.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. أي: من الكتب قبله التي أنزلها الله على أنبيائه كالتوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: وبيان الأحكام والحلال والحرام، بيانًا شافيًا كافيًا حقًا لا مِرْيَةَ فيه من الله رب العالمين).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قال القاسمي: (أي إن كان الأمر كما تزعمون، فأتوا على وجه الافتراء، بسورة مثله في البلاغة، وحسن الصياغة، وقوة المعنى، فأنتم مثل في العربية والفصاحة، وأشد تمرنًا في النظم، ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي ادعو من دونه تعالى، ما استطعتم من خلقه، للاستعانة به على الإتيان بمثله - إن صدقتم في أني اختلقته - فإنه لا يقدر عليه أحد).\nوالآية في موضع التحدي الذي تدرج في مراتب ثلاث:\nالمرتبة الأولى: المجيء بنظير هذا القرآن جملة. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].\nالمرتبة الثانية: المجيء بعشر سور مثله. قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣].","vol":"3","page":641},{"text":"المرتبة الثالثة: المجيء بسورة واحدة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].\nوهذه الآية هنا من سورة يونس هي في ذلك المقام الثالث من التحدي: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. أي: بل كذب المشركون بهذا القرآن جهلًا بحقه فما عرفوه وما فهموه ولم يدركوا آفاق ما فيه من الهدى والدين الحق كما فعل المكذبون من الأمم قبلهم فانظر يا محمد كيف كان مصير من كذب وطغى وتعامل مع الوحي المنزل بالجهل والافتراء والهوى.\nقال ابن جرير: (﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، يقول: ولما يأتهم بعدُ بيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعّدهم الله في هذا القرآن). وقال القاشاني: (تأويله: أي ظهور ما أشار إليه في مواعيده، وأمثاله مما يؤول أمره وعلمه إليه، فلا يمكنهم التكذيب، لأنه إذا ظهرت حقائقه لا يمكن لأحد تكذيبه).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ قيل: المراد أهل مكة، أي ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن طال تكذيبه، لعلمه تعالى السابق فيهم أنهم من السعادة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ والمعنى ومنهم من يُصر على كفره حتى يموت، كأبي طالب وأبي لهب ونحوهما. وقيل المراد أهل الكتاب. وقيل هو عام في جميع الكفار، وهو الصحيح. قال: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي من يُصرّ على كفره، وهذا تهديد لهم).\n٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: خطاب الله تعالى لنبيه - ﷺ - مُسَلِّيًا: إن أصَرَّ هؤلاء المشركون على","vol":"3","page":642},{"text":"تكذيبك فقل لهم: لي عملي ولكم عملكم، وكل سينال تبعة عمله. ومنهم من يستمعون إلى قولك ولكنهم لا يفقهون. ومنهم من ينظرون إليك ويقرؤون الصدق في وجهك ودلائل النبوة، ولكن غلبهم العمى فهم لا يبصرون. إن الله لا يظلم أحدًا: فمن استحق الهداية نوّر الله قلبه وبصيرته، ومن استحق الخذلان أعمى الله قلبه وبصيرته، فالناس هم أنفسهم يُسْعِدُون أو يظلمون.\nفقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾. أي: إن كذبك هؤلاء المشركون من قومك ويئست من إجابتهم - يا محمد - فتبرَّأ منهم ومن عملهم وقل لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم، فلا يضرني عملكم ولا يضركم عملي، ولكم دينكم ولي دين، وهو قوله: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nوفي التنزيل: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون].\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾. أي: ومن هؤلاء المشركين من يستمعون إلى قولك ولكنهم لا يفقهون ما تقول ولا يريدون. قال ابن جرير: (يقول: أفأنت تخلق لهم السمع، ولو كانوا لا سمع لهم يعقلون به، أم أنا؟ . قال: وإنما هذا إعلامٌ من الله عبادَه أن التوفيق للإيمان به بيده لا إلى أحد سواه. يقول لنبيه محمد - ﷺ -: كما أنك لا تقدر أن تسمع، يا محمد، من سلبته السمع، فكذلك لا تقدر أن تفهم أمري ونهيي قلبًا سلبته فهم ذلك، لأني ختمتُ عليه أنه لا يؤمن).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾.\nقال النسفي: (ومنهم ناس ينظرون إليك ويعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يصدقون. أتحسب أنك تقدر على هداية الأعمى ولو انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة، لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يحدث، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء، يعني أنهم في اليأس من أن يقلبوا ويصدقوا كالصم والعمى الذين لا عقول لهم ولا بصائر).\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [تُعرض الفِتنُ كالحصير عودًا عودًا، فأي قَلبٍ أُشْرِبَها نُكت فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرَها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصيرَ على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضرُّه فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسودُ مُرْبادًا كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف","vol":"3","page":643},{"text":"معروفًا ولا يُنْكر منكرًا، إلا ما أشربَ من هواه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدًا شيئًا، وإن كان قد هدى به من هدى وبَصَّرَ به من العمى، وفتحَ به أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غلفًا، وأضلَّ به عن الإيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، لعلمه وحكمته وعَدْلِه).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: [يا عبادي، إني حَرَّمت الظلم على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا فلا تظالموا. . . - إلى أن قال - يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه] (٢).\n٤٥ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن إقرار الناس يوم الحشر أنهم ما لبثوا في هذه الحياة الدنيا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم، لقد خسر يومئذ المكذبون وما كانوا راشدين. فإما نرينك - يا محمد - في حياتك خزي هؤلاء المشركين أو توفيناك قبل ذلك فإن مرجعهم إلينا والله شهيد على ما يفعلون. إنه ستعرض كل أمة على الله بحضرة رسولها والفصل يومئذ بالعدل وهم لا يظلمون.\nفقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾. أي: ما لبثوا في دنياهم إلا قدر ساعة. قال ابن عباس: (رأوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٨٩ - ٩٠). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠) كتاب الفتن. باب: عرض الفتن على القلوب ونكتها فيها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٧٧)، وأحمد في المسند (٥/ ١٦٠)، والترمذي في الجامع (٢٤٩٥)، وابن ماجه في السنن (٤٢٥٧).","vol":"3","page":644},{"text":"وقال القرطبي: (يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث، دليله قولهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]. وقيل: إنما قصرت مُدّة لبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا لا مدة كونهم في القبر). قلت: وصرفها إلى مدة لبثهم في الدنيا أرجَح.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المشركين فنجمعهم في موقف الحساب، كأنهم كانوا قبل ذلك لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون فيما بينهم، ثم انقطعت المعرفة، وانقضت تلك الساعة).\n٢ - وقال ابن كثير: (وقوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرفُ الأبناءُ والآباءُ والقراباتُ بعضهم بعضًا، كما كانوا في الدنيا، ولكن كُلٌّ مشغولٌ بنفسه، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ [المعارج: ١٠ - ١٥]).\n٣ - وقيل: وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح، ويقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر، وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف. ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]. وقيل: يبقى تعارف التوبيخ، قال القرطبي: (وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾ - إلى قوله -: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣]. وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا","vol":"3","page":645},{"text":"سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] الآية. قال: فأمّا قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة، والله أعلم. قال: وقيل: القيامة مواطن. وقيل: معنى ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾ يتساءلون، أي يتساءلون كم لبثتم، كما قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، وهذا حسن).\nقلت: وكل ما سبق بيانه من آفاق معنى قوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. أي: قد خسر هؤلاء المجرمون والمشركون والمكذبون أنفسهم وأهليهم، وفُرِّقَ بينهم وبين أحبتهم يوم القيامة، إذ أصروا على الكفر بلقاء الله وما كانوا بذلك مصيبين رشدهم.\nوقوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. قال مجاهد: (﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب في حياتك، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾).\nأي: يقول تعالى: إن أريناك - يا محمد - في حياتك بعض ما نعد هؤلاء المشركين من قومك من الخزي والعذاب أو توفيناك قبل ذلك فإن مآلهم لا محالة إلينا. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ - أي هو سبحانه شاهد على أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا ولا يخفى عليه منها شيء، والميزان سيزن تلك الأعمال ليروا مصيرهم بعد ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال مجاهد: (﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، قال: بالعدل). قال ابن كثير: (فكلّ أمة تُعرض على الله بحضرة رسولها، وكتابُ أعمالها من خير وشَرٍّ موضوع شاهدٌ عليهم، وحَفَظتهم من الملائكة شهودٌ أيضًا، أمة بعد أمة، وهذه الأمةُ الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق إلا أنها أولُ الأمم يوم القيامة يُفْصَلُ بينهم، ويُقضى لهم. كما جاء في الصحيحين عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق\". فأمته إنما حازت قَصَب السَّبْقِ لشرفِ رسولها، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين).\nقلت: بل أمة محمد - ﷺ - هي الشاهدة للرسل بالبلاغ حين يكذب الأقوام رسلهم في أرض المحشر، ثم يقبل الله شهادة هذه الأمة ويعذِر الرسل صلوات الله وسلامه عليهم في بلاغهم أقوامهم - وهو أعلم بهم - ويقضي بينهم وبين أممهم بالقسط وهم لا يظلمون.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:","vol":"3","page":646},{"text":"[يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبيّ ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بَلَّغَكُم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهدُ لك، فيقول: محمدٌ وأمته، فيُدعى محمدٌ وأمتُه، فيقالُ لهم: هل بَلَّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيُقال: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: جاءَنا نبيُّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بَلّغوا فصدَّقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]] ورواه البخاري (١).\n٤٨ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن استعجال المشركين العقوبة أو الساعة بكثرة سؤالهم عنها، فقل لهم يا محمد: إني لا أملك جلب النفع لنفسي أو دفع الضر عنها فكيف أملك جلب العذاب لكم، إنه لكل أمة أجل محدد لا يتجاوزونه ساعة بزيادة أو نقصان. ثم قل لهم: ماذا لو نزل بكم العذاب ليلًا أو نهارًا هل تقدرون على دفعه؟ أم هو مجرد اليقين بحدوثه! ثم يعقبه الهلاك فالخلود في النار. إنهم يستخبرونك - يا محمد - أحق نبأ المعاد وبعث الأجساد لمشهد الحساب؟ فَأَقْسِمْ لهم بقولك: إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين. يوم تتمنى كل نفس ظلمت لو افتدت بجميع ما في الأرض من سوء العذاب، ولكن هيهات، فلا ينفع يومئذ أعظم الفداء، وإنما هو حصاد الأعمال، والندامة عند رؤية العذاب، والقصاص بالحق وهم لا يظلمون.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد. انظر صحيح البخاري (٦/ ٢٨٦)، ومسند أحمد (٢/ ٣٢)، وصحيح الجامع (٧٨٨٩).","vol":"3","page":647},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قال ابن جرير: (ويقول هؤلاء المشركون من قومك، يا محمد، ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، الذي تعدنا أنه يأتينا من عند الله، وذلك قيام الساعة). وقال النسفي: (أي وعد العذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن العذاب نازل، وهو خطاب منهم للنبي والمؤمنين).\nوقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. أي: قل - يا محمد - لمستعجليك هذا العذاب أو الوعيد، أنا لا أملك لنفسي ولا أقدر لها على ضر أو نفع في دين أو دنيا إلا بإذن الله. قال القاسمي: (﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي مع أن ذلك أقرب حصولًا، فكيف أملك لكم حتى أستعجل في جلب العذاب لكم، وتقديم الضر).\nوقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. قال النسفي: (لكل أمة وقت معلوم للعذاب مكتوب في اللوح، فإذا جاء وقت عذابهم لا يتقدمون ساعة ولا يتأخرون فلا تستعجلوا).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾.\nأي: قل - يا محمد - لهؤلاء المتنطعين المستكبرين من قومك: أخبروني ما الذي يستعجله المجرمون من نزول العذاب بهم، وهو واقع معلوم زمانه وهيئته في علم الله، ثم هم لا يقدرون دفعه إن نزل بهم ليلًا أو نهارًا، بل يصبحون أسارى ذلك الخزي والعقاب.\nوقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.\nيعني: أنهم حين ينزل العذاب بهم يصدقون ما كانوا أنكروا من قبل ولكن هيهات فقد أخروا ذلك إلى حين لا ينفع التصديق، وإلى وقت فات قطار النجاة. قال القرطبي: (﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ﴾ في الكلام حذف، والتقدير: أتأمنون أن ينزل بكم العذاب ثم يقال لكم إذا حل: آلآن آمنتم به؟ قيل: هو من قول الملائكة استهزاء بهم. وقيل: هو من قول الله تعالى، ودخلت ألف الاستفهام على ﴿ثُمَّ﴾ والمعنى: التقرير والتوبيخ). واختار ابن جرير معنى ﴿أَثُمَّ﴾ أهنالك. وأما ﴿آلْآنَ﴾ فقيل: أصل فعل مبنيّ مثل حان، والألف واللام لتحويله إلى الاسم. قال الخليل: (بنيت لالتقاء الساكنين، والألف واللام للعهد والإشارة إلى الوقت، وهو حدّ الزمانين).\nوالخلاصة: إن المشركين المنكرين النبوة والوحي ولقاء الله يوم البعث إذا عاينوا","vol":"3","page":648},{"text":"المشهد في الحشر وأهوال ذلك اليوم وأبصروا جهنم اضطرهم ذلك للإيمان بعد كفر طويل، ولكن حين لا ينفع الإيمان.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].\nومن السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يقول الله ﵎ لأهونِ أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مُفْتَدِيًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أَرَدْتُ منك أهونَ مِنْ هذا وأنت في صُلب آدم: أن لا تُشْرك ولا أدخِلَكَ النار، فأبيتَ إلا الشرك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، أن النبي - ﷺ - قال: [يُقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك مِلءُ الأرض ذهبًا، أكنتَ تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيُقال له: قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ من ذلك] (٢).\nوفي رواية: [فَيُقال له: كَذَبْتَ، قَدْ سُئِلتَ ما هوَ أيسرُ من ذلك].\nالحديث الثالث: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترَةٌ وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تُخْزِيَني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ ! فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين] الحديث (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٥) - كتاب صفات المنافقين - باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا. وأخرجه البخاري (٣٣٣٤) نحوه - كتاب أحاديث الأنبياء، و(٦٥٥٧) - كتاب الرقاق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٥) (٥٢) (٥٣) - كتاب صفات المنافقين - الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري - كتاب الأنبياء - انظر مختصر صحيح البخاري (١٣٤٤).","vol":"3","page":649},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: ثم يقال للظالمين يوم القيامة بعد أن عرفوا مصيرهم المؤلم - ذوقوا عذاب الخلد - يقال ذلك تقريعًا لهم وتبكيتًا، فإنما تنالون ما قدمتم لأنفسكم وما كسبتم بأيديكم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه. ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.\nأي: ويستخبرونك - يا محمد - في شأن المعاد وبعث الأجساد من القبور والقيام لموقف الحساب أهو حق فعلًا؟ فَأَقسم لهم بقولك: ﴿إِي وَرَبِّي﴾ إن بعثكم حق والحِسَاب حق، والنار حق، والجنة حق، وليس صيرورتكم ترابًا بمعجز لله عن إعادتكم كما خلقكم أول مرة، فإنما أمره لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون. قال ابن كثير: (وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد، في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]. وفي التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٥٣)، وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢١٤٩)، وصحيح الجامع (٥٣٦) - ورواه البخاري.","vol":"3","page":650},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\nأي: إن كل كافر حق عليه العذاب يتمنى لو افتدى من عذاب جهنم بملء الأرض ذهبًا ولكن لا حيلة له إلى ذلك، فإن الله تعالى لا يحابي أحدًا من خلقه، وإنما ستملأ الندامة صدور المشركين حين يرون العذاب يوم القيامة، ولا يُظلم أحدٌ يومئذ شيئًا. قال ابن جرير: (﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ يقول: وقضى الله يومئذ بين الأتباع والرؤساء منهم بالعدل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وذلك أنه لا يعاقب أحدًا منهم إلا بجريرته، ولا يأخذه بذنب أحد، ولا يعذِّب إلا من قد أعذر إليه في الدنيا وتابع عليه الحجج).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨].\nومن السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ليُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفلته ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [أعذر الله إلى امرئٍ أخَّر أجله حتى بلغ ستين سنة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: [من عَمَّرَ من أمتي سبعين سنة، فقد أعذر الله إليه في العمر] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٩). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٣١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٢٠٠ - فتح)، وأحمد (٢/ ٢٧٥)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٢٨) - وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٨٩). وانظر مسند أحمد (٢/ ٤١٧).","vol":"3","page":651},{"text":"وفي لفظ آخر: [إذا بلغ العبد - أو قال: إذا عمر العبد - ستين سنة، فقد أبلغ الله إليه، وأعذر الله إليه في العمر].\n٥٥ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الملك جميعه لله، ويوم الحشر بعض ذلك، ووعد الله نافذ في المشركين. فإنه تعالى يحيي ويميت وإليه المصير. يا أيها الناس قد جاءكم زاجر من ربكم وقوارع من الوحي، فيه شفاء للصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. فليفرح القوم بهذا القرآن العظيم، وهذا الشرع الكريم، هو خير مما يجمعون.\nفقوله: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: له ملك كل شيء فلا سبيل للكافرين من فداء للنجاة من لقاء الله وعذابه. ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن العذاب الذي أوعده الله المشركين على كفرهم واقع بهم لا محالة، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون حقيقة وقوع ذلك بهم، فهم في جهلهم يترددون، ولأجل ذلك يُكذبون.\nوقوله: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. قال النسفي: (هو القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وإلى حسابه وجزائه المرجع فيخاف ويرجى).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن كثير: (﴿مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: زاجر عن الفواحش، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشُّبَهِ والشكوك، وهو إزالةُ ما فيها من رجس ودَنَس). وقال القاسمي: (﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: القلوب من أمراضها، كالشك والنفاق، والغل والغش، وأمثال ذلك، بتعليم الحقائق، والحكم الموجبة لليقين، وتصفيتها بقبول المعارف، والتنوّر بنور التوحيد، ﴿وَهُدًى﴾ أي: لنفوسكم من الضلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لمن آمن به، بالنجاة من العذاب والارتقاء إلى درجات النعيم).","vol":"3","page":652},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.\nذهب المفسرون إلى أن فضل الله ورحمته هو القرآن والإسلام، أو الإسلام والقرآن، فإن القرآن وانتساب المرء إلى أهله هو خير من كل ما يحرص عليه الناس في هذه الحياة الدنيا من الأموال والذهب والفضة.\n١ - قال قتادة: (أما فضله فالإسلام، وأما رحمته فالقرآن). وقال مجاهد: (﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾، قال: القرآن).\n٢ - قال هلال بن يساف: (﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، قال: بالإسلام الذي هداكم، وبالقرآن الذي علّمكم). وعنه قال: (﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾، قال: بالإسلام والقرآن، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، من الذهب والفضة).\n٣ - قال ابن عباس: (﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾، القرآن، ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾، حين جعلهم من أهل القرآن).\nقلت: فإذا كان يوم القيامة فرحَ صاحب القرآن بتكريمه أمام الخلق وبتتويجه. وفي ذلك أحاديث من صحيح السنة العطرة:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي والحاكم بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبَسُ حُلَّةَ الكرامة، ثم يقول: يا رب ارضَ عنه فيرضى عنه فيقول: اقرأ وارق ويُزاد بكل آية حسنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٣٠٨٨) - كتاب (أبواب فضائل القرآن). انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٣٢٨).\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٠٩٥) - كتاب فضائل القرآن.","vol":"3","page":653},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [الماهر بالقرآن مع السَّفَرَةِ الكرام البَررَة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاق له أجران] (١).\n٥٩ - ٦١. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾.\nفي هذه الآيات: ذَمُّ الله تعالى المشركين الذين يتجرؤون على الله بالتحليل والتحريم دون علم، بل يفترون الكذب ويمضون خلف أهوائهم، فما ظنهم إذا وقفوا بين يدي ربهم يوم القيامة؟ ! إنّ الله لذو تفضل على خلقه بتأجيل معاقبتهم، وأكثر الناس لا يشكرون. إنه ما تكون - يا محمد - في حال أو عمل أو تلاوة للقرآن - وكذلك أنتم أيها الناس - فإنكم لا تعلمون شيئًا إلا والله مطلع عليه وعلى جميع شؤونكم، فلا يغيب عنه - جَلت عظمته - دقائق أعمالكم، بل كل صغير وكبير مسطر في اللوح المحفوظ.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. فيه أقوال متقاربة متكاملة.\n١ - قال ابن عباس: (﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ قال: الحرث والأنعام). وقال مجاهد: (البحائر والسُّيَّب). أو قال: (في البحيرة والسائبة).\n٢ - وقال قتادة: (يقول: كل رزق لم أحرِّم حَرَّمْتُموه على أنفسكم من نسائكم وأموالكم وأولادكم، آلله أذن لكم فيما حرمتم من ذلك، أم على الله تفترون).\n٣ - وعن ابن عباس: (﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ قال: هم أهل الشرك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢/ ١٩٥)، كتاب فضائل القرآن. انظر مختصر صحيح مسلم (٢١٠٥) - باب: في الماهر بالقرآن والذي يشتد عليه. وقوله: \"يَتَتَعْتَع\" أي يتردد في تلاوته لضعف حفظه أو ثقل لسانه \"له أجران\" أحدهما بالقراءة، والآخر بالمشقة الحاصلة عليه من التردد.","vol":"3","page":654},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾. أي: ما ظن الذين يتجرؤون على الله بالتحليل والتحريم دون علم، بل يفترون الكذب ويمضون حسب أهوائهم يَضلون! هل يظنون أنهم يفلتون من عقاب الله وغضبه؟ . قال ابن جرير: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ يقول: إن الله لذو تفضُّل على خلقه، بتركه معاجلة من افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا، وإمهاله إياه إلى وروده عليه في القيامة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾، يقول: ولكن أكثر الناس لا يشكرونه على تفضّله عليهم بذلك، وبغيره من سائر نعمه).\nوقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. أي: وما تكون - يا محمد - في حال أو عمل أو في قراءة من كتاب الله، أو أنتم كذلك - أيها الناس - فإنكم لا تعملون من عمل إلا وأنتم تحت مراقبة الله فهو ينظر سبحانه إلى أعمالكم ويشهد شؤونكم. قال ابن عباس: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ يقول: إذ تفعلون).\nوقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nخَبَرٌ من الله تعالى عن نفسه أنه شاهد لصغائر ودقائق أعمال عباده وما يجري في ملكه فقد علم كل شيء وكتبه في اللوح المحفوظ.\nوفي لغة العرب: عَزَبَ فلان عن أهله إذا بَعُدَ وغاب. والمقصود أن الله تعالى لا يغيب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، بل يعلم سبحانه السر وأخفى.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].","vol":"3","page":655},{"text":"وفي صفحات السنة الصحيحة من آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [كتبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقَ السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشُهُ على الماء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني في (الكبير) بسند جيد عن أبي الدرداء - حين حضرته الوفاة قال: أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [اعبُد الله كأنك تراهُ، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراكَ، واعدُدْ نفسك في الموتى، وإياك ودعوةَ المظلوم فإنها تُستجابُ، ومن استطاعَ منكم أن يشهدَ الصلاتين العِشاء والصبحَ ولو حَبْوًا فليفعل] (٢).\nوتقدّم في الصحيح حديث جبريل: [الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك].\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني في \"الكبير\" بسند حسن في الشواهد عن أبي سلمة قال: قال معاذ: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: [اعبُد الله كأنك تراه، واعدُدْ نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة بجنبها حسنةٌ، السِّرُ بالسِّر، والعلانية بالعلانية] (٣).\n٦٢ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدٌ من الله تعالى على حفظه أولياءه وحمايته لهم وإزاحة الخوف\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٦٥٣) - كتاب القدر - باب حجاج آدم وموسى صلى الله عليهما وسلم.\n(٢) حسن لشواهده. أخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٩/ ١٥٣/ ٢)، والطبراني في \"الكبير\" كما ذكر الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٤٠)، وله شاهد عند أبي نعيم (٨/ ٢٠٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٤٧٤).\n(٣) حسن لشواهده. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (مجمع الزوائد: ٤/ ٢١٨) بإسناد حسن في الشواهد من حديث معاذ ﵁، وانظر المرجع السابق (١٤٧٥).","vol":"3","page":656},{"text":"والحزن عنهم. وإخباره تعالى عن ركني الولاية: الإيمان والتقوى. فالأولياء الصالحون لهم بشائر الظفر في الدنيا والسعادة في الآخرة، وعدًا عليه تعالى حقًا، وذلك الفوز العظيم.\nفقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nأي: إن أنصار الله مطمئنون في الدنيا آمنون في الآخرة، فلا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا، ولا هم يفزعون في الآخرة إذ آمَنَهُم سبحانه من عقابه. والأولياء جمع \"ولي\"، وهو النصير. قال الرازي: (الوِلاية بالفتح والكسر النُّصرة). وقال سيبويه: (\"الوَلاية\" بالفتح المصدر وبالكسر الاسم).\nوأركان الولاية بنص الآية:\n١ - الإيمان.\n٢ - التقوى.\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فكل من جمع بين هذين الركنين: الإيمان والتقوى كان وليًا من أولياء الله تعالى، ولو كان مجهولًا لكثير من الناس أو أشعث أغبر لا يُهتم به.\nومن أقوال المفسرين في وصف أولياء الله تعالى:\n١ - قال ابن عباس: (الذين يذكر الله لرؤيتهم).\n٢ - قال أبو الضحا: (من الناس مفاتيح، إذا رؤوا ذُكِرَ الله لرؤيتهم).\n٣ - قال ابن زيد: (﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، من هم يا ربّ؟ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ قال أبيّ: لن يُتقَبّلَ الإيمان إلا بالتقوى).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر صفات هؤلاء الأولياء ونعوتهم التي تميزوا بها في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جرير: أن عمر بن الخطاب قال: قال النبي - ﷺ -: [إنّ من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يومَ القيامة بمكانهم من الله تعالى. قالوا: يا رسول الله، تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور: لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن","vol":"3","page":657},{"text":"الناس، وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو نعيم والطبراني ورجاله ثقات عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: [أولياء الله تعالى الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى] (٢).\nوفي لفظ: (أولياء الله الذين إذا رؤوا ذُكِرَ الله).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يأتي من أفناءِ الناسِ ونوازع القبائل قومٌ لم تتصل بينهم أرحامٌ متقاربة، تحابُّوا في الله، وتَصَافُّوا في الله، يَصنَعُ اللهُ لهم يوم القيامة منابرَ من نور، فَيُجلِسُهم عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، وهم أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون] (٣).\nوقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال الحسن: (هي ما يبشرهم الله تعالى في كتابه من جنته وكريم ثوابه).\n٢ - وقال قتادة: (هي البشارة التي تبشّر بها الملائكة المؤمنَ في الدنيا عند الموت).\n٣ - وقيل: إذا خرجت الروح بُشِّرت بِرِضْوانِ الله. وقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بالجنة إذا خرجوا من قبورهم.\n٤ - وقيل: بل البشرى هي الثناء الحسن والذكر العطر بين الناس.\n٥ - وقيل: بل البشرى هي الرؤيا الصالحَة يراها المسلم أو تُرى له.\nقلت: وكل ما سبق داخل في مفهوم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني العطرة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [إذا اقْتَرَبَ الزمانُ لم تَكَدْ رؤيا المسلم تَكْذِبُ، وأصْدَقكُم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزءٌ من خمسةٍ وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورُؤيا تحزينٌ من الشيطان، ورؤيا مما يُحَدّثُ المرءُ نفسَهُ، فإن رأى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٥٢٧) - كتاب الإجازة - باب في الرهن. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٠١٢)، وأخرجه الطبري (١٧٧٢٩)، ورجاله ثقات.\n(٢) صحيح لشواهده. أخرجه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٣١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٣٢٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٧٣٣).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٣)، والطبري (١٧٧٣٠)، وله شواهد.","vol":"3","page":658},{"text":"أحدكم ما يَكْرَهُ، فليَقُمْ فَلْيُصَلِّ، ولا يحدِّثْ بها الناس] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الشيخان وابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه في السنن بسند صحيح عن عبادة بن الصامت قال: [سألت رسول الله - ﷺ -، عن قول الله سبحانه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: هي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [كشف رسول الله - ﷺ - السِّتارة، والناسُ صفوفٌ خلف أبي بكر فقال: أيها الناسُ! إنه لم يَبْقَ من مُبَشِّراتِ النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له. .] الحديث (٤).\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الرسالةَ والنُبوَّةَ قد انقطعت، فلا رسولَ بعدي، ولا نبيَّ. قال: فشقَّ ذلك على الناس فقال: لكن المُبَشِّرات. فقالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلم وهي من أجزاء النبوة] (٥).\nالحديث السادس: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - قال: [رؤيا الرجل المسلم الصالح، جزءٌ من سبعين جزءًا من النبوة] (٦).\nوفي الباب عن أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ذهبت النبوة وبقيت المبشِّراتُ].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٢٦٣) - كتاب الرؤيا - باب في كون الرؤيا من الله وأنها جزء من النبوة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٨٣)، وانظر صحيح مسلم (٢٢٦٤)، وأخرجه ابن ماجه (٣٨٩٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٨٩٨) - كتاب تعبير الرؤيا - باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له. وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣١٤٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٤٧٩) - كتاب الصلاة - باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٣٨٨) - أبواب الرؤيا - باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات. وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (١٨٥٣). وقال الألباني: صحيح الإسناد.\n(٦) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣١٤٣)، (٣١٤٤) - كتاب تعبير الرؤيا.","vol":"3","page":659},{"text":"الحديث السابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله، الرجلُ يعملُ العملَ فيحمده الناسُ عليه، ويثنون عليه به، فقال رسول الله - ﷺ -: [تلك عاجلُ بشرى المؤمن] (١).\nالحديث الثامن: أخرج الإمام أحمد من حديث البراء: [إن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيضُ الوجوه، بيضُ الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيّبة إلى رَوْح وريْحان، وربٍّ غير غضبان، فتخرجُ من فَمِهِ، كما تسيل القطرةُ من فَمِ السِّقاء] (٢).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢].\nوقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أي: هذا الوعد بالبشرى، بكل ألوانها وأشكالها في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا يغيّره شيء، فإن الله لا يخلف الميعاد، وهذا أعظم الفوز وأكبر الظفر.\n٦٥ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٥٦)، وانظر صحيح مسلم (٢٦٤٢)، وسنن ابن ماجه (٤٢٢٥)، وصحيح ابن حبان (٣٦٦) - بإسناد صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧)، والحاكم (١/ ٣٧)، وعبد الرزاق (٦٧٣٧)، وغيرهم.","vol":"3","page":660},{"text":"يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تسلية الله تعالى نبيّه - ﷺ - عما يلقاه من أذى قومه: لا يحزنك - يا محمد - قول هؤلاء المشركين، فالعزة لله وهو السميع العليم. له ما في السماوات وما في الأرض، والمشركون تائهون في شركهم مغرورون كاذبون. إن الله تعالى هو الذي يقلب الليل والنهار، فجعل الليل سكنًا مظلمًا تسكنون فيه، والنهار مبصرًا مضيئًا تعملون فيه، إن في ذلك لآيات كبيرة لقوم يسمعون فيتعظون، ويعلمون حق الله عليهم في وجوب إفراده تعالى بالعبادة والتعظيم.\nفقوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. أي: لا يحزنك - يا محمد - قول هؤلاء المشركين في ربهم وإشراكهم في عبادته الأوثان والطواغيت، فإن العزة لله جميعًا. كما قال ابن جرير: (فإن الله هو المنفرد بعزة الدنيا والآخرة، لا شريك له فيها، وهو المنتقم من هؤلاء المشركين القائلين فيه من القول الباطل ما يقولون، فلا ينصرهم عند انتقامه منهم أحد، لأنه لا يُعَازُّه شيء).\nوقوله: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: السميع لأقوال عباده العليم بأعمالهم وأحوالهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.\nإِخْبارٌ بأن الملك كله في هذا الكون لله، وإليه يرجع الأمر كله، فهو المثيب والمعاقب، وإنما يعظم المشركون ما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، ويمضون بذلك التيه والضلال وراء أوهامهم وتخرّصهم وكذبهم وإفكهم.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.\nقال النسفي: (أي جعل لكم الليل مظلمًا لتستريحوا فيه من تعب التردد في النهار ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مضيئًا لتبصروا فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم). وقال ابن كثير:","vol":"3","page":661},{"text":"(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، أي: يسمعون هذه الحجج والأدلة فيعتبرون بها، ويستدلون على عظمة خالقها ومقدّرها ومسيِّرها).\n٦٨ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى عن تجرؤ المشركين على انتقاص صفات الله، فهم يدعون له الولد، والله تعالى هو الغني الملك له سلطان السماوات والأرض، والذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. إنما هو متاع قليل في الدنيا ثُمَّ مرجعهم إلى الله، فيذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يشركون.\nفقوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nقال القاسمي: (تنزيه له عن أن يجانس أحدًا، أو يحتاج إليه، وتعجب من كلمتهم الحمقاء، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي الذي وجوده بذاته، وبه وجود كل شيء، فكيف يماثله شيء؟ ومَنْ له الوجود كله، فكيف يجانسه شيء، والجملة علة لتنزيهه، وإيذان بأن اتخاذ الولد من أحكام الحاجة، إما للتقوي به، أو لبقاء نوعه، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقرير لغناه، أي فهو مستغن بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولدًا).\nوقوله: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ - المراد تجهيلهم، وأنه لا دليل على ادعائهم إلا تقليد الأوائل، واتباع جاهل لجاهل، وأما البرهان الساطع فهو في حجج الله ووحيه العظيم، وهو ينقض دعواهم ويبطل منهجهم ويكشف باطلهم، ولذلك قال سبحانه: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nوفي التنزيل: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥].","vol":"3","page":662},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\nأي: قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يفترون على الله الباطل ويتطاولون بانتقاص جلال صفاته وكمالها، فيدعون له ولدًا، لن تفلحوا في طريقتكم بل إنكم تمتعون أيام حياتكم الدنيا، ثم تردون إلى أشد العذاب بما كنتم تكفرون.\nقال ابن جرير: (﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ يقول: لا يَبْقَوْن في الدنيا، ولكن لهم متاع في الدنيا يمتعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كُتِبَ فناؤهم فيه، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم، إلينا مصيرهم ومنقلبهم، ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾، وذلك إصلاؤهم جهنم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بالله في الدنيا، فيكذبون رسله، ويجحدون آياته).\n٧١ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - أن يقصص على كفار مكة نبأ نوح - ﷺ - مع قومه، إذ تحدّى قومه الذين استكبروا عن وعظه لهم بحجج الله البالغة أن يفعلوا ما بوسعهم فهو متوكل على ربه، ولا يريد منهم أجرًا، بل كان هو أول المسلمين. فلما أصروا على عنادهم وتكذيبهم أغرقهم الله ونجّى نوحًا ومن معه من المؤمنين، فجعلهم خلائف في الأرض من بعدهم وساء عاقبة المنذرين.\nفقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي: أخبرهم - يا محمد - واقصص على كفار مكة الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك خبر نوح ﵊ - ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن كان عظُمَ عليكم مقامي بين أظهركم وشق عليكم ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، يقول: ووعظي إياكم بحجج الله، وتنبيهي إياكم على ذلك).","vol":"3","page":663},{"text":"وقوله: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾. أي: إن عزمتم على طردي أو قتلي أو التخلص مني فإني لا أبالي بما تبيتون من مكر، فعلى الله اتكالي، وبه ثقتي، وهو سندي ومعيني.\nوقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾. قال الأعرج: (يقول: أحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم). وقد نصب ﴿شُرَكَاءَكُمْ﴾ بالتقدير السابق. أي: وادعوا شركاءكم.\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ الآية. قال قتادة: (لا يكبر عليكم أمركم). قال ابن كثير: (أي: ولا تجعلوا أمركم عليكم مُلتَبِسًا، بل افصِلُوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم مُحقُّونَ فاقضوا إلي ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي مهما قدرتم فافعلُوا، فإنى لا أبالي بكم ولا أخاف منكم، لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال القاسمي: (﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي عن الإيمان بما جئتكم به ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي جُعْلٍ على عظتكم، أي فلا باعث لكم على التولي والنفور ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي ما ثوابي على التذكير إلا عليه تعالى، يثيبني به، آمنتم أو توليتم، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي المستسلمين له وحده بالإيمان به، ونبذ كل معبود دونه).\nوقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\nإِخْبَارٌ من الله تعالى عن تكذيب قوم نوح لنبيّهم، وما أعقب ذلك من هلاكهم بالغرق، ونجاة المؤمنين معه في السفينة واستخلافهم في الأرض، فانظر يا محمد كيف كانت نهاية القوم المنذَرين بالوحي وحجة الله البالغة، المقابلين ذلك الإنذار والبرهان والحجج بالتكذيب والمكر.\n٧٤ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ","vol":"3","page":664},{"text":"مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيه - ﷺ - عن متابعته إرسال الرسل - من بعد نوح - إلى أقوامهم بالحجج الدامغات، وطَبْع الله على قلوب المكذبين. وكذلك كان شأن فرعون وقومه مع موسى ﵇، كذبوه واتهموه بالسحر ومحاولة أخذ الرياسة منهم في الأرض وما كانوا مؤمنين.\nفقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾. أي: من بعد نوح ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ - أي بالحجج الدامغات والبراهين القاطعات على صدق النبوة وما جاؤوا به من الوحي، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. قال النسفي: (يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾. أي: نختم على قلوب المجاوزين الحدّ في الكفر والعناد والتكذيب.\nوقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. أي: من بعد تلك الرسل والأمم. ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ - أي أشراف قومه. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ - قال القرطبي: (يريد الآيات التسع). وقال ابن جرير: (﴿بِآيَاتِنَا﴾، يقول: بأدلتنا على حقيقة ما دعوهم إليه من الإذعان لله بالعُبودة، والإقرار لهما بالرسالة).\nوقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. أي: تكبروا عن الحق وكانوا مشركين آثمين. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\nأي: فلما جاء فرعون وقومه دلائل الحق وبينات الهدى حملوا المعجزات على السحر مخففين من قيمتها لئلا تؤثر في حياة الناس، شأن الطغاة على مدار الزمان، يتفننون في حرف الناس عن صدق الإيمان ومتابعة الرسل خشية على مصالحهم وزينةِ دنياهم الفانية.\nوقوله: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾. إنكار بعد إنكار، فالإنكار","vol":"3","page":665},{"text":"الأول: ﴿أَتَقُولُونَ﴾ وقولهم محذوف، أي هذا سحر. والإنكار الثاني: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ خبر ومبتدأ. وهو استفهام إنكار من قول موسى وليس من قولهم، لأنهم بتّوا القول بأنه سحر. قال القاسمي: (فهو مستأنف لإنكار كونه سحرًا، وتكذيب لقولهم، وتوبيخ لهم على ذلك إثر توبيخ).\nوقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾. أي: ولا يظفر الساحرون ولا فلاح لهم ولا بقاء.\nوقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. أي: لتصرفنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا قبل مجيئك إلينا. قال قتادة: (لتلوينا عما وجدنا عليه آباءنا).\nوقوله: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ - يعني السلطان والملك والعظمة. قال مجاهد: (السلطان في الأرض). أو قال: (الملك). وقال الضحاك: (﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: الطاعة).\nوقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾. أي: ونحن غير مقرين لكما بالرسالة - يا موسى وهارون.\n٧٩ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - عن استنفار فرعون سحرته لمقارعة موسى بما معه من الحق، وتحذير موسى السحرة أن السحر باطل لا يصمد أمام الحق والله لا يصلح عمل المفسدين. بل يحق الله الحق ويرفع أهله ولو كره المجرمون.\nفقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ - محاولة من فرعون لطمس الحق المبين، بالبهرجة على الناس بحركات المشعوذين وزخارف السحرة المبطلين، ولكن الأمر مضى بعكس ما أحبّ، فانقلب السحر على الساحر، وآمن السحرة وخروا لله ساجدين.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ - أي من حبالكم","vol":"3","page":666},{"text":"وعصيّكم. وقوله: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾. قال ابن جرير: (فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون، أنه سحر). وهناك من قرأها من المدنيين والبصريين: \"ما جئتم به آلسِّحر؟ \" على وجه الاستفهام، لكن لا وجه له، لأن موسى لم يكن شاكًا أنه سحر.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٧ - ٦٩].\nقال ابن كثير: (فأراد موسى أن تكون البَدْأَةُ منهم، ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. أي: إن الله سيظهر بطلان هذا السحر وسيذهب به، فإنه لا يصلح عمل من بغى في الأرض وأراد إفشاء الفساد فيها ونشر المعاصي والآثام.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ أي يبيّنه ويوضحه، ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي بكلامه وحججه وبراهينه، وقيل: بعداته بالنصر، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ من آل فرعون).\n٨٣ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - أنه لم يؤمن مع موسى إلا طائفة قليلة على خوف من بطش فرعون وملئه، فلقد كان فرعون عاتيًا من المجرمين، فطمأن موسى","vol":"3","page":667},{"text":"من اتبعه وأمرهم بحسن التوكل على الله إن كانوا صادقين، فاستجابوا له وأعلنوا اعتمادهم على ربهم راجين أن لا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين، وأن ينجيهم - تعالى - برحمته من القوم الكافرين.\nفقوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. أي: فلم يؤمن لموسى ويتابعه على الحق إلا قلة من قومه خائفين من بطش فرعون وملئه. قال قتادة: (كان ابن عباس يقول: \"الذرية\"، القليل).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. أي: وإن فرعون كان جبارًا عنيدًا مسرفًا في الظلم والعتو والتمرد، يخشى الناس في زمانه من شدة سطوته وطغيانه، وقد بلغ به الإسراف أن ادعى الربوبية وهو عبد حقير يحتاج للطعام والشراب والنوم والتغوط وما يجري على المخلوق.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾.\nإخبار من الله سبحانه عن قيل موسى لقومه: يا قوم إن كنتم صدقتم ربكم الإيمان وأفردتموه بالتعظيم والخضوع فثقوا به، وأسلموا لأمره، واستسلموا لقضائه وقدره فإنه تعالى لن يضيع أولياءه.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].\n٤ - وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].\nقال ابن القيم: (وحقيقة الأمر أن التوكل حال مركبة من مجموعة أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها، فأول ذلك معرفة بالله وصفاته: من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها ابراهيم - ﷺ - حين أُلقِيَ في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا: إن الناس","vol":"3","page":668},{"text":"قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (١).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أيضًا أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: [اللهم لك أسْلَمْتُ وبِكَ آمَنْتُ، وعليك توكَّلْتُ، وإليكَ أنَبْتُ، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموتُ، والجِنُّ والإنسُ يموتون] (٢).\nثم إن قوم موسى توكلوا على الله وألجؤوا أمرهم إليه ورجوه سبحانه ألا يبتلي قوم فرعون بهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ - وفيه أقوال متكاملة:\n١ - قال أبو مجلز: (قالوا: لا تظهرهم علينا، فيروا أنهم خيرٌ منا).\n٢ - قال أبو الضحا: (لا تسلطهم علينا، فيزدادوا فتنة). وقال مجاهد: (لا تسلطهم علينا فيفتنونا). أو قال: (فيضلونا).\n٣ - وعن مجاهد أيضًا: (﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: \"لو كانوا على حق ما سُلِّطنا عليهم ولا عُذِّبوا\"، فيفتنوا بنا).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (- أي - ونَجِّنا، يا ربنا، برحمتك، فخلِّصنا من أيدي القوم الكافرين، قوم فرعون، لأنهم يستعبدونهم ويستعملونهم في الأشياء القذرة من خدمتهم).\n٨٧ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٧٢). وفي رواية له عن ابن عباس قال: [كان آخرَ قولِ إبراهيم - ﷺ - حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل].\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ١٠١)، وأخرجه مسلم (٢٧١٧) - من حديث ابن عباس.","vol":"3","page":669},{"text":"أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾.\nفي هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى موسى وأخيه - ﵉ - اتخاذ بيوت مناسبة بمصر لأقوامهما وجعلها مساجد للصلاة، والبشرى للمؤمنين. وتضرع موسى إلى ربه تغيير أموال فرعون وملئه التي يفسدون فيها ويصدّون عن الحق إلى غير حالتها لتصير إلى الهلاك كما تصير القلوب إلى الطبع والإقفال فلا يؤمن أصحابها حتى يروا العذاب الأليم. واستجابة الله تعالى دعوة موسى وتأمين هارون عليها وأمره لهما بالاستقامة على سبيل الحق واجتناب سبيل الجاهلين.\nفقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. أي: اتخذوا لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم مساجد تصلون فيها. ومن أقوال المفسرين في هذه الآية:\n١ - عن ابن عباس: (﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، قال: مساجد). وقال: (أمروا أن يتخذوها مساجد). وقال: (كانوا يَفْرَقون من فرعون وقومه أن يصلّوا، فقال لهم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، يقول: اجعلوها مسجدًا حتى تصلوا فيها).\n٢ - وعن منصور، عن ابراهيم قال: (كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم). وقال مجاهد: (كانوا لا يصلون إلا في البيع، وكانوا لا يصلون إلا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم).\n٣ - وقال ابن زيد: (﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال أبي: اجعلوا في بيوتكم مساجدكم تصلُّون فيها، تلك \"القبلة\").\n٤ - وقال قتادة: (وذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوا نحو القبلة).\nوقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ - أمر من الله تعالى لهم بأداء الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها، والبشرى للمؤمنين الصابرين المخبتين لأوامر ربهم ﷾.","vol":"3","page":670},{"text":"وفي سنن أبي داود بإسناد حسن عن حذيفة قال: [كان النبي - ﷺ - إذا حَزَبَهُ أمر صَلَّى] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nإِخْبَارٌ من الله تعالى عن قول موسى: يا ربنا، إنك أعطيت فرعون وحاشيته من الملأ من أشراف قومه من متاع الحياة الدنيا وزينتها ومن الأموال من أعيان الذهب والفضة وغيرها، وهم مع ما أعطيتهم يضلون عن سبيلك، ويصدون عن سبيلك.\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ هذا دعاء من موسى، دعا الله على فرعون وملئه أن يغيّر أموالهم عن هيئتها، ويبدلها إلى غير الحال التي هي بها). قال مجاهد: (﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قال: أهلكها). وعن ابن عباس قال: (يقول: دمِّر عليهم وأهلك أموالهم، ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، يقول: واطبع على قلوبهم، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وهو الغرق). وقال مجاهد (﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، بالضلالة). وقال الضحاك: (يقول: أهلكهم كفارًا).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال عكرمة: (كان موسى يدعو، وهارون يؤمن، فذلك قوله: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾). وعن ابن عباس: (﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ فامضيا لأمري، وهي الاستقامة). وقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، يقول: ولا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، فإن وعدي لا خلف له، وإن وعيدي نازلٌ بفرعون، وعذابي واقع به وبقومه).\nقلت: وهذه الآيات العظيمة جزء من بناء منهج المفاصلة الذي سار عليه الأنبياء والرسل الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - وهو منهاج قائم لمن بعدهم إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (١٣١٩) - انظر صحيح سنن أبي داود (١١٧١) - كتاب الصلاة. باب وقت قيام النبي - ﷺ - من الليل.","vol":"3","page":671},{"text":"ففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٢، ١١٣].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال لأصحابه - يعني لما وصلوا الحِجْر ديار ثمود فيما بين المدينة والشام -: [لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يُصيبكم ما أصابهم] (١). وفي رواية: [لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين. ثم قَنَّعَ رسول الله - ﷺ - رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي].\nالحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٨١) - كتاب الأنبياء -، وأخرجه مسلم (٢٩٨٠)، وأحمد (٢/ ٩، ٥٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٥٥٨ - موارد)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (ص ١١٧) من طريق أخرى، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٣٦٠).","vol":"3","page":672},{"text":"عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [سيكون في آخر الزمان شُرَطة يغدون في غضب الله وَيَرُوحونَ في سخط الله، فإياك أن تكون من بطانتهم] (١).\n٩٠ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾.\nفي هذه الآيات: قِصَّةُ اختراقِ بني إسرائيل البحر مع موسى ومطاردة فرعون وجنوده لهم، وإعلان فرعون الإيمان لحظة الغرق وقد فات الأوان، وجَعْل الله جسده باقيًا للعبرة تنظر إليه الأمم المتعاقبة. وإخبار الله تعالى عن بعض نعمه الجليلة على بني إسرائيل بعد إهلاكه فرعون، وحصول الخلاف بينهم بعد حصول العلم ظلمًا وبغيًا، والله يقضي بينهم ويجازيهم يوم القيامة بأعمالهم.\nفقوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ الآية.\nفإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر صحبة موسى ﵇ في حوالي ست مئة ألف مقاتل - فيما ذكر - سوى الذرية، أتبعهم فرعون وركب وراءهم بجيوش هائلة وفي أبَّهةٍ عظيمة، ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته، فلحقوهم وقت شروق الشمس. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. وسأل أصحاب موسى نبيّهم كيف المخلص والنجاة مما نحن فيه؟ فيقول: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، إني أمرت أن أسلك ها هنا، ثم أمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقًا، لكلِ سبط واحد. وأمر الله الريح فنشفت\n_________\n(١) حديث صحيح الإسناد. أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٠)، والحاكم (٤/ ٤٣٦)، وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (رقم - ٨٠٠٠). وانظر السلسلة الصحيحة - حديث رقم - (١٨٩٣).","vol":"3","page":673},{"text":"أرضه، وهو قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما انتهى فرعون إلى حافة البحر الأخرى اقتحم بجيوشه لينفذ قدر الله فيه، فأمر الله البحر فارتطم بأمواجه فوقهم فما نجا منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وغشيت فرعون سكرات الموت فقال عندئذ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ولكنه آمن حيث لا ينفعه الإيمان، سنة الله فيه وفي أمثاله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال ابن جرير: (الآن، تقرّ لله بالعبودية، وتستسلم له بالذلة، وتخلص له الألوهة، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك، فأسخطته على نفسك، وكنت من المفسدين في الأرض، الصادِّين عن سبيله؟ فَهَلّا وأنت في مَهَلٍ، وباب التوبة لك منفتح، أقررت بما أنت به الآن مقرٌّ؟).\nأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لما أغرق الله فرعون قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد! فلو رأيتني وأنا آخِذٌ من حالِ البحر فأدُسُّهُ في فيهِ، مخافةَ أن تدركه الرحمة] (١). وحال البحر: هو الطين الأسود، والتراب اللين، وفي رواية: (من حمأِ البحر).\nوقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ قال مجاهد: (﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قال: بجسدك). وقال عبد الله بن شداد: (جسده رمى به البحر). وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (لما جاوز موسى البحر بجميع من معه، التقى البحر عليهم - يعني: على فرعون وقومه - فأغرقهم، فقال أصحاب موسى: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربّه فأخرجه فنبذه البحر، حتى استيقنوا بهلاكه).- والله تعالى أعلم. وقال الحسن: (﴿بِبَدَنِكَ﴾: بجسم لا روحَ فيه). قلت: والذي لا شك فيه أن الله تعالى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٤٥)، والترمذي في السنن (٣١٠٧)، وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥٠٨٢).","vol":"3","page":674},{"text":"أراد بإخراج جسده وحفظه أن يكون عبرة لكل طاغية على مر الأزمان، ليعلم الظالمون مكر الله بهم، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. وهو قوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لَيُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْه، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).\nوقد كان إهلاك الله تعالى فرعون الطاغية يوم عاشوراء، ولذلك جاءت السنة الصحيحة بندب صيام ذلك اليوم لتذكر آيات الله العظيمة، لا كالذين قال فيهم: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ - أي لا يعتبرون ولا يتعظون.\nأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: [قدِمَ النبيُّ - ﷺ - المدينة فرأى اليهود تصومُ يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومُ نَجّى الله بني إسرائيل من عَدُوِّهم، فصامَهُ موسى، قال: فأنا أحَقُّ بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله - ﷺ - أمر بصيامِ يومِ عاشوراء، فلما فُرِض رمضانُ كانَ مَنْ شاء صامَ ومَنْ شاءَ أفطر] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nإِخْبَارٌ من الله تعالى عن بعض نعمه الجليلة على بني إسرائيل بعد إهلاكه فرعون، فقد جعل لهم مبوأ صدق في بلاد مصر والشام، مما يلي بيت المقدس ونواحيه، وأغدق عليهم من الرزق الحلال الطيب النافع، فلم يحصل الخلاف والافتراق بينهم إلا بعد حصول العلم بغيًا وظلمًا وعلوًا في الأرض بالشبهات والشهوات، وإن الله سيقضي بينهم يوم القيامة ويجازيهم بأعمالهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٨٣١)، كتاب الظلم، باب: في الإملاء للظالم. ورواه البخاري. انظر صحيح البخاري (٤٦٨٦) - كتاب التفسير - سورة هود - آية (١٠٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٠٠٤) - كتاب الصوم - باب صوم يوم عاشوراء، وأخرجه مسلم في صحيحه (١١٣٠)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٩١)، وابن حبان (٣٦٢٥)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٠٠١) - كتاب الصوم - باب صوم يوم عاشوراء. وانظر كذلك الحديث (٢٠٠٢) منه.","vol":"3","page":675},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].\nلقد استقرت دولة موسى ﵇ - بعد هلاك فرعون - على بلاد مصر، فألح بنو إسرائيل على بيت المقدس وكان فيه قوم من العمالقة، فلما مضى بهم موسى نكلوا عن قتالهم، فشردهم الله في التيه أربعين سنة، ومات فيه هارون، ثم موسى - ﵉ - وخرجوا بعدهما مع يوشَع بن نون، ففتح الله عليهم بيت المقدس. قال ابن كثير: (واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بُخْتَنَصَّر حينًا من الدهر، ثم عادت إليهم، ثم أخذها ملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم مدة طويلة، وبعث الله عيسى بن مريم - ﵇ - في تلك المدة، فاستعانت اليهود - قَبَّحهم الله - على معاداة عيسى - ﵇ - بملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم، ووشَوا عندهم، وأوحوا إليهم أن هذا يُفسد عليكم الرعايا. فبعثوا من يقبض عليه، فرفعه الله إليه وشبّه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره، فأخذوه فصلبوه، واعتقدوا أنه هو، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨]. ثم بعد المسيح - ﵇ - بنحو ثلاث مئة سنة، دخل قسطنطينُ - أحد ملوك اليونان - في دين النصرانية، وكان فيلسوفًا قبل ذلك. فدخل في دين النصارى قيل: تقية، وقيل: حيلةً ليفسده، فوضعت له الأساقفةُ منهم قوانين وشريعةً وبِدعًا أحدثُوها، فبنى لهم الكنائسَ والبيَعَ الكبار والصغار، والصوامع والهياكل، والمعابد والقلَّايات (١). وانتشر دينُ النصرانية في ذلك الزمان، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف، وَوَضْعٍ وكذب، ومخالفة لدين المسيح. ولم يبقَ على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليلُ من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامعَ في البراري والمهامِهِ والقِفار.\nواستحوذت يدُ النصارى على مملكةِ الشام والجزيرة وبلاد الروم، وبنى هذا الملك المذكورُ مدينة قُسطنطِينيَّةَ، والقُمَامة، وبيتَ لحم، وكنائس بيت المقدس، ومدن\n_________\n(١) القلايات: جمع قلاية، وهي كالصومعة في الكنيسة.","vol":"3","page":676},{"text":"حَوران كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة، وعَبَدُوا الصليب من حينئذ، وصَلُّوا إلى المشرق، وصَوَّروا الكنائس، وأحلُّوا لحم الخنزير، وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول، ووضعوا له الأمانةَ الحقيرة التي يسمونها الكبيرة، وصَنَّفوا له القوانين، وبسطُ هذا يطول. والغَرَضُ أن يَدَهُمْ لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة - ﵃ - وكان فتحُ بيتِ المقدس على يَدَي أمير المؤمنين عُمرَ بن الخطاب، ﵁، ولله الحمد والمنة).\nوالخلاصة: أَنَّ الله تعالى صدق بني إسرائيل النصر حين صدقوه، فلما ركبوا الأهواء وتفرقوا وخاضوا في شهواتهم سلط الله عليهم الذل في الأرض، وهذا درس بليغ لهذه الأمة ألا تحذو حذوهم.\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند حسن عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة، قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: [إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين مِلّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلَّة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة - وهي الجماعة - وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخله. والله - يا معشر العرب - لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم - ﷺ - لغيركم من الناس أحرى أن لا يقومَ به] (١).\nوأخرج أبو داود وابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [افترقت اليهود على إحدى أو ثِنْتين وسبعين فِرْقَةً، وتَفرَّقت النَّصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فِرْقَةً، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة] (٢).\nورواه الحاكم وفيه: [أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فِرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٢)، وأبو داود (٤٥٩٧)، وله شواهد كثيرة.\n(٢) حسن صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٥٩٦) - كتاب السنة، باب شرح السنة. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٨٤٢)، ورواه الحاكم وغيره، وله شواهد.","vol":"3","page":677},{"text":"٩٤ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تثبيتٌ من الله تعالى لهذه الأمة أن صفة نبيهم - ﷺ - موجودة في الكتب المتقدمة، وطمأنة للنبي - ﷺ - للثبات في مواجهة المكذبين المعاندين. وتقرير منه تعالى أن الذين لزمتهم كلمة الله في اللوحِ المحفوظ لا يؤمنون. عقوبة من الله لهم مقابل استكبارهم ليموتوا كافرين، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.\nفقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال ابن عباس: (التوراة والإنجيل، الذين أدركوا محمدًا - ﷺ - من أهل الكتاب فآمنوا به. يقول: فاسألهم إن كنتَ في شكٍ بأنك مكتوب عندهم).\nوعن الحسن، في هذه الآية، قال: (لم يشك رسول الله - ﷺ - ولم يسأل). وكذا قال سعيد بن جبير: (ما شكَ وما سأل).\nووجه ذلكَ كما قال الحافظ بن كثير ﵀: (وهذا فيهِ تثبيتٌ للأمةِ، وإعلامٌ لهم أن صِفةَ نَبِيِّهم - ﷺ - موجودةٌ في الكُتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية).\nوقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ - أي الشاكين المرتابين.\nوفي مفهومِ الآية وتوجه الخطاب بها أقوال للمفسرين يكمل بعضها بعضًا:\n١ - المقصود تكثير الدلائل وتقويتها، لتزداد قوة اليقين، وطمأنينة القلب، وسكون الصدر.\n٢ - الاستدلال على تحقيق ما قص، والاستشهاد بما في الكتاب المتقدم، وأن القرآن مصدق لما فيه.","vol":"3","page":678},{"text":"٣ - وصف الأحبار بالرسوخ في العلم، بصحة ما أنزل إلى رسول الله - ﷺ -، تعريضًا بالمشركين.\n٤ - تهييج الرسول - صلوات الله عليه - وتحريضه ليزداد يقينًا كما قال إبراهيم الخليل - ﷺ -: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.\n٥ - الخطاب للنبي - ﷺ -، والمراد أمته. قال القاسمي: (وفيه من قوة التأثير في القلوب ما لا مزيد عليهِ، بمثابة ما لو خاطب سلطان عاملًا له على بلدته بحضور أهلها بوصاياه وأوامره الرهيبة، فيكون ذلكَ أفعل في النفوس).\n٦ - الخطاب لكل من يسمع وهو في شك. قال النسفي: (أو الخطاب لكل سامع يجوز عليه الشك). وقال القُتَبيّ: (هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه - ﷺ -، بل كان في شك) - ذكره القرطبي.\nوقال القاسمي: (وفي الآية تنبيه على أن كل من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها، بمقادحة العلماء المنبهين على الحق).\n٧ - وقيل: الشك ضيق الصدر، أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك يخبروك صَبْرَ الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق - ذكره القرطبي وقال: (فالشكُّ يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (ويقول تعالى ذكره لنبيهِ - ﷺ -: ولا تكونن، يا محمد، من الذين كذّبوا بحجج الله وأدلته، فتكون ممن غُبنَ حظه، وباع رحمة الله ورضاه، بسخطه وعقابه).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nأي: إن الذين ثبت عليهم قول الله المكتوب في اللوح المحفوظ أنهم يموتون كفارًا فلا سبيل إلى هدايتهم، فإن الله سبحانهُ كتب كل شيء بعلمه وعدله وحكمته، وهؤلاء صنف يعلم الله تعالى أنهم سيؤمنون به أول مرة حين يبصرون العذاب الأليم.","vol":"3","page":679},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].\n٣ - وقال تعالى - يحكي دعاء موسى على فرعون وملئه -: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨].\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: [كتب اللهُ مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وعَرْشُهُ على الماء] (١).\n٩٨ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن قوم يونس إذ تداركوا أنفسهم بالإيمان قبل حلول العذاب بهم. وأنَّ سنتهُ تعالى ترك اختيار الإيمان للناس وإلا لو شاء الله لأجبرهم عليه. وأنَّه ما كان لنفس اختيار الإيمان إلا بإذن الله. ثم في الآيات دعوة الله العباد للنظر في ملكوتِ السماوات والأرض ليقودهم ذلكَ النظر إلى الإيمان، وكذلكَ الاعتبار\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٥٣) - كتاب القدر - وروى أحمد وأهل السنن نحوه.","vol":"3","page":680},{"text":"بمصير الأمم المكذبة عبر الزمان، وقد كتب اللهُ الغلبة في النهاية والنجاة لأهل الصدق في الإسلام.\nفقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. قال ابن عباس: (لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نزل بها بأس الله، إلا قرية يونس). وقال مجاهد: (فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها، كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس).\nوقال قتادة: (لم يكن هذا في الأمم قبلهم، لم ينفع قريةً كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب، فتُرِكت، إلا قوم يونس، لما فقدوا نبيَّهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف اللهُ في قلوبهم التوبةَ، ولبسوا المسوح (١)، وفرقوا بين كل بهيمةٍ وولدها، ثم عَجُّوا إلى الله أربعين ليلة. فلما عرف الله الصدق من قلوبهم، والتوبةَ والندامة على ما مضى منهم، كشف اللهُ عنهم العذابَ بعد أن تدلَّى عليهم. قال وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى أرضِ الموصل).\nوالمقصود: أنه لم تؤمن قرية بكمالها من القرى في الأمم السالفة برسولها، بل كان التكذيبُ شعار أكثرها، إلا أهل نينوى - قوم يونس - خافوا نزول العذاب بهم إذ أنذرهم به رسولهم وقد خرج من بينهم وشعروا بدنو حلوله، فهنالك جأروا إلى الله تعالى واستغاثوا به وتضرعوا إليهِ، وأحضروا أطفالهم ودوابّهم ومواشيهم ذلكَ المشهد، فآمنوا واستغفروا فقبل اللهُ منهم وكشف عنهم العذاب الذي أنذرهم به رسولهم.\nوبغير ذلك - يا محمد - كان شعار الأمم الماضية التكذيب بالرسل.\nكما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].\n_________\n(١) المسوح: جمع مسح، وهو كساء من شعر يلبسه الراهب، والمقصود التقشف.","vol":"3","page":681},{"text":"وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [خرج علينا النبي - ﷺ - يومًا فقال: عُرِضَتْ عليَّ الأُمَمُ فجعلَ يمرُّ النبيُّ معهُ الرَّجُل، والنبي معهُ الرَّجُلان، والنبيُّ معهُ الرَّهْطُ، والنَّبيُّ ليسَ معه أحد. .] الحديث (١).\nولا شكَ أن أمة محمد - ﷺ - أكثر تلك الأمم إيمانًا واتباعًا لرسولها - ﷺ -، فهي لكثرتها تسد الخافقين الشرقي والغربي يوم القيامة، ويليها أمة موسى - ﵊ - كما يدل على ذلكَ تتمة الحديث السابق.\nوعن السدي: (﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ - إلى أجلهم). وعن عباس قال: (إلى أن يصيروا إلى الجنةِ أو إلى النار).\nقال ابن جرير: (يقول: وأخرّنا في آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبةِ، وتركناهم في الدنيا يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم، ووقت فناء أعمارهم التي قضَيْتُ فَنَاءها).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\nهو في المشيئةِ الإذنية، فإن المشيئة كما وردت في القرآن والسنة ثلاثة أقسام:\nأولًا: المشيئة الكونية: وهي نوعان: أ - المشيئة الإجبارية. ب - المشيئة الإذنية.\nثانيًا: المشيئة الشرعية. (الأمر والنهي - الثواب والعقاب).\nثالثًا: المشيئة المشتركة.\nوقد فصلت ذلكَ في كتابي: \"أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان\"، فلله الحمد والمنة.\nوالمقصود هنا أنه لا أحد اختار الإيمان رغم مشيئة الله، ولا أحد اختار الكفر رغم مشيئة الله، بل الكل داخل في اختياره تحت مشيئته سبحانه، فلا يستطيعُ أحد أن يخرجَ بإرادتهِ ومشيئته عن إرادة الله ومشيئته ﷿.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٧٥٢) - كتاب الطب - باب مَنْ لم يَرْقِ.","vol":"3","page":682},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. أي إن آمنوا - يا محمد - فبمشيئة ربكَ لا بإكراهك لهم، ولا بحرصك على ذلك منهم.\n٥ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠].\nقال ابن عباس: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠]، ونحو هذا في القرآن، فإن رسول الله - ﷺ - كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق لهُ من الله الشقاء في الذكر الأول).\nوعن سفيان: (﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال: بقضاء الله).\nوعن ابن عباس: (﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قال: السَّخَط). أي: ويجعل اللهُ الضلال والخبال والسخط على الذين لا يعقلون حججه وأدلته، ولا يفهمون أبعاد اتباع الهوى ومغبة تعظيم الشبهات والشهوات.\nوقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. إرشاد من الله تعالى عباده إلى النظر في أرجاء هذا الكون الفسيح والتفكر بدقائق آياته ومخلوقاته: سواء في السموات: كالكواكب النيّرات والأفلاك والمجرّات، الثوابت منها والسيّارات، إلى الشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار، وما أنزل الله من السماء من البرد والثلج والمطر، فأحيا به في الأرض الينابيع والنبات والشجر، ومختلف الدواب وصنوف البشر، وفي الأرض آيات عظيمة أخر، كالجبال والسهول والقفار والوديان والبحيرات والبساتين والنهر، كل ذلكَ يدل على وجوب تعظيم الملك المقتدر.\nوقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: وما تفيدُ الحجج والعبر والرسل وعظيم الآيات من قومٍ كتب اللهُ عليهم","vol":"3","page":683},{"text":"الشقاء، نتيجةَ عتوهم وتمردهم على الحق وبغيهم في الأرض بالظلم والإفساد.\nوقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال قتادة: (يقول: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم، قوم نوحٍ وعاد وثمود).\nوقوله: ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. قال الربيع بن أنس: (خوَّفهم عذابه ونقمتهُ وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلكَ أمرٌ، أنجى الله رسله والذين آمنوا معهُ، فقال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾).\nفهو حق أوجبه سبحانه على نفسه الكريمة، بنجاة الرسل ونزول الرحمة بهم وبأتباعهم المؤمنين، وهلاك الطغاة والعتاة والمتمردين، سنة الله ولن تجد لسنته تبديلًا.\nوفي التنزيل:\n﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].\nوفي الصحيحين: عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: [إن الله لما خَلَقَ الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش، إن رحمتي تَغْلِبُ غضبي] (١).\nوفي رواية: (إن رحمتي سبقت غضبي).\n١٠٤ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾.\nفي هذه الآيات: دَعْوَةُ الله تعالى نبيهُ - ﷺ - لإعلان تمسكه بالدين الحق أمام\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٣١٩٤)، (٧٤٠٤)، (٧٥٥٣)، وأخرجه مسلم (٢٧٥١)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣١٣، ٣٨١، ٣٩٧، ٤٣٢)، والترمذي في الجامع (٣٥٤٣)، وابن ماجه في السنن (٤٢٩٥)، وغيرهم.","vol":"3","page":684},{"text":"المشركين، وأن آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع هي التي هزلت فهي في موضع الشك وليس الذي يملك الموت والحياة والنفع والضر. إنه إن يمسسك الله بضر فلا يملك كشفه إلا هو سبحانه، وإن يردكَ بخير فلا يقدر منعه عنك أحد، يصيب تعالى برحمته من يشاء وهو الغفور الرحيم.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nخِطَابٌ من الله تعالى لنبيهِ محمد - ﷺ -: أن قل لهؤلاء المكذبين نبوتكَ والوحي النازل إليكَ من ربك: إن كنتم في شكٍ من ديني الذي أدعوكم إليهِ وأنهُ حق من عند الله، فها أنا لا أشارككم في دينكم الباطل، ودعوتكم الأصنامَ والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، بل أعبد الله ربي وحدهُ لا شريكَ له، ومن ثمَّ فلا أخاف ضررًا من آلهتكم المخلوقة الباطلة، فادعوها إن شئتم فلتضرني، فإنها لا تضر ولا تنفع، وقد أمرني ربي أن أكون بهِ من المؤمنين.\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾، يقول: ولكن أعبد الله الذي يقبض أرواحكم فيميتكم عند آجالكم، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول: وهو الذي أمرني أن أكون من المصدقين بما جاءني من عنده).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nأي: وأمرني ربي أن أستقيم على دينِ الإسلام، ولا أنحرف عنه إلى وثنية أو يهودية أو نصرانية، فإنه من يبتغ غير الإسلامِ دينًا فلن يقبل منهُ، ومن يشرك باللهِ يحبط عمله.\nأخرج الإمام مسلم عن جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [من ماتَ لا يشركُ باللهِ شيئًا دخل الجنة، ومن ماتَ يشرك باللهِ شيئًا دخل النار] (١).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن والد أبي مالك الأشجعي عن النبي - ﷺ - قال: [من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حَرُمَ ماله ودمه] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٩٣)، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٣)، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، من حديث والد أبي مالك الأشجعي.","vol":"3","page":685},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَلَا تَدْعُ﴾ أي لا تعبد. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ إن عبدته. ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إن عصيته. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ أي عبدت غير الله ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي الواضعين العبادة في غير موضعها).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\nأي: إن يصبكَ اللهُ بضر كتبهُ عليكَ فلا دافع له سواه سبحانهُ، وإن يصبكَ برخاء أو فضل أو نعمةٍ أو فرج فلا راد لفضله، فهو يصيب بكل ما أراد من الخير والشر لا يشاركه أحد، وهو الغفور لذنوب عبادهِ وتقصيرهم وزللهم، الرحيم بأوليائه في الآخرة.\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي تميمة عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله - ﷺ -، أو قال شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاهُ رجل فقال: أنتَ رسول الله؟ أو قال: أنتَ محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مسّكَ ضر فدعوتهُ كشفَ عنك، والذي إن ضللت بأرضٍ قفرٍ فدعوتهُ ردّ عليك، والذي إن أصابتكَ سنة فدعوتهُ أنبت لك] (١).\n١٠٨ - ١٠٩. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾.\nفي هذه الآيات: أمرُ الله تعالى نبيه - ﷺ - أن يُصرِّحَ لقومه أن هذا القرآنَ هو الحق قد جاءكم من ربكم، فمن اتبع الهدى نجا واهتدى، ومن أصر على الكبر والكفر والعناد ضلّ وهلك، وما أنا مُوكَّلٌ بكم حتى تدخلوا في الإسلام. وإنما أنا نذير، وأمرت - كما أمرتم - باتباع هذا الوحي من ربي، والصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم وهو خير الحاكمين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٠٨٤). انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢). ورواه أحمد. انظر تخريج مشكاة المصابيح (٩١٨)، وصحيح الجامع الصغير (٢٤٢)، وقد مضى.","vol":"3","page":686},{"text":"فقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أي: قل - يا محمد - للناس، يا أيها الناس قد جاءكم كتاب الله فيه الحق من ربكم. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾. قال ابن كثير: (فمن اهتدى به واتبعهُ فإنما يعود نفع الاتباع على نفسه - ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ - ومن ضل عنه فإنما يرجعُ وبال ذلكَ عليه. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾، أي: وما أنا مُوَكَّلٌ بكم حتى تكونوا مؤمنين به، وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى).\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\nأمرٌ من اللهِ لرسوله - ﷺ - أَنْ تمسَّك بهذا الوحي فهو سرُّ النجاةِ والقوة والشوكة في الأرض، وإنما يحتاج ذلك إلى الصبر على مكائد الأعداء والخصومِ حتى يفصلَ اللهُ الأمر بحكمهِ فيعلي لواء المؤمنين ويكسر شوكة الكافرين، واللهُ خير الفاصلين.\nقال ابن جرير: (﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، يقول: وهو خير القاضين وأعدل الفاصلين. فحكم جل ثناؤه بينه وبينهم يوم بَدْرٍ، قتلهم بالسيف، وأمر نبيّهُ - ﷺ - فيمن بقي منهم أن يسلك بهم سبيل من أهلك منهم أو يتوبوا وينيبوا إلى طاعته).\nوقال ابن زيد (﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، قال هذا منسوخ، ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾، حكم الله بجهادهم، وأمره بالغلظةِ عليهم).\nتم تفسير سورة يونس\nبعون الله وتوفيقهِ، وواسع منِّهِ وكرمه\n° ° °","vol":"3","page":687},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - تعجب الناس من إرسال الله رسولًا إليهم من بينهم إنما هو استكبار على الوحي.\n٢ - في جريان الشمس والقمر يُعلم عدد السنين والحساب.\n٣ - تحية الله المؤمنين في الجنة: سلام، وكذلكَ في الدنيا: السلامُ تحية أهل الإسلام.\n٤ - الإنسان إذا جزع دعا ربه، فإذا فرج عنه أعرض، إلا من رحم الله.\n٥ - خُلق العبادُ حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم.\n٦ - الحسنى: الجنة، والزيادة: رؤية وجهه تعالى في الجنة.\n٧ - يتبع كل قومٍ ما كانوا يعبدون في الدنيا، فآلهتهم تمثل أمامهم يوم الحشر.\n٨ - القرآن أكبر معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة، وهو شفاء لما في الصدور.\n٩ - شروط الولاية: الإيمان والتقوى. وأولياء الله تعالى الذين إذا رؤوا ذُكِرَ الله تعالى.\n١٠ - طَبْعُ الله على قلوب المعاندين بسبب تكذيبهم للحق.\n١١ - كلما ضاق الأمر اتسع، وإن مع العسر يسرًا.\n١٢ - نجاة فرعون ببدنه آية من آيات الله، ليتحقق بنو إسرائيل من هلاكه، وليبقى جسدهُ محل اعتبار لكل طاغية إلى يوم القيامة.\n١٣ - لا يطاعُ الله تعالى إلا بإذنه، ولا يُعصى إلا بمشيئته.\n١٤ - إذا سألت فاسأل الله، وإذ استعنتَ فاستعن بالله، فالضر والنفع كله بيد الله.\n١٥ - الصبر مفتاحُ الفرج، وإن مع العسر يسرًا.\n° ° °","vol":"3","page":688},{"text":"التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ\nعَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ\nتَفْسِيرُ القُرآنِ الكَريمِ عَلَى مِنْهَاجِ الأَصْلَيْنِ العَظِيْمَيْنِ\n- الوَحْيَيْنِ: القُرآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ -\nعَلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ\nتَفْسِيرٌ مَنْهَجِيٌّ فِقْهِيٌّ شَامِلٌ مُعَاصِرٌ\nالجُزْءُ الرَّابِع\nتأليف الأستاذ الدكتور\nمَأْمُون حَمُّوش","vol":"4","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"4","page":2},{"text":"التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ\nعَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ","vol":"4","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nموافقة وزارة الإعلام\nرقم: ٩١٠٩٢\nورقم: ٩١٤٥١\nتاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م\nدمشق - سورية\nيطلب من المؤلف\nدمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١\nالمدقق اللغوي\nالدكتور أحمد راتب حموش","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>١١ - سُوْرَةُ هُوْدٍ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٢٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد ذكر هذه السورة في السنة الصحيحة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت. قال: [شَيَّبَتْني هودٌ، والواقعةُ، والمُرْسلاتُ، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرَتْ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [شيبتني هود وأخواتها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن مردويه عن أبي بكر مرفوعًا: [شيبتني هود وأخواتها قبلَ المشيب] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج ابن مردويه، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" - بسند حسن - عن عمران بن الحصين مرفوعًا: [شيَّبَتْني هود وأخواتها من المفصَّل] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٥٢٨) - أبواب تفسير القرآن، سورة الوافعة، وانظر صحيح سنن الترمذي، حديث رقم - (٢٦٢٧) -. وأخرجه البزار (١/ ١٧٠) \"البحر الزخار\"، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٤ - ٤٧٦)، وصححه ووافقه الذهبي.\n(٢) حديث صحيح. رواه الطبراني في \"الكبير\" عن عقبة بن عامر مرفوعًا به. قال الهيثمي (٧/ ٣٧): \"ورجاله رجال الصحيح\".\n(٣) انظر: \"الفوائد\" (١/ ٢٨) - لأبي بكر الشافعي، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٥٥).\n(٤) إسناده حسن. انظر تاريخ بغداد (٣/ ١٤٥)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٦١٦).","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>موضوع السورة</span>\nقصص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وسنن الله في الأمم\n- تألق هود ﵇ في إظهار منهج الولاء والبراء -\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-126> منهاج السورة </span>-\n١ - ثناء الله تعالى على القرآن العظيم، فقد أحكم منهاجه ونظمت آياته في نظام رصين.\n٢ - غاية منهج البناء والإحكام في هذا الكتاب الكريم إفراد الله تعالى بالتعظيم، ورسوله - ﷺ - بالمتابعة والتأسي والتكريم.\n٣ - أَثَرُ الاستغفار ببسط الله العيش والاستمتاع في العمر، وأما الإعراض فأثره بتعاسة الدنيا قبل شقاء الآخرة.\n٤ - استخفاء المشركين ببَاطلهم ومكرهم والله مطلع على سرائرهم، وما من دابة إلا أمرها ورزقها ومنتهى سيرها قد علمه الله، ثم المرجع إليه، وسيحيق بالمشركين ما كانوا به يستهزئون.\n٥ - تناقض سلوك الإنسان بين الشدة والرخاء، ولا ينجو من ذلك إلا أهل الإيمان والصبر على السراء والضراء.\n٦ - تثبيت الله تعالى نبيّه - ﷺ - أمام تكذيب المشركين، وتحدّيهم بأن ياتوا بعشر سور مثله مستعينين بمن شاؤوا ليظهر الله عجزهم، فإن كتابه تعالى عزيز.\n٧ - تحذير الله تعالى عباده من الرياء، فإن الرياء من أبواب الشرك.\n٨ - إخبار الله تعالى عن خزي الكفار والمنافقين في مشهد الحشر يوم القيامة.\n٩ - إخبار الله تعالى عن حال السعداء بعد ذكر حال الأشقياء، وتشبيه الفرق بين الحالين كحال الأعمى والبصير، والأصم والسميع.\n١٠ - استعراض الله تعالى أخبار الرسل مع أقوامهم: فأول الرسل نوح - ﷺ - دعا قومه لإفراد الله تعالى بالتعظيم، وحذرهم من عذاب يوم أليم، فقابلوه بالتكذيب والاستهزاء، والاستخفاف بالأتباع، واستعجال العذاب.","vol":"4","page":6},{"text":"١١ - أمْرُ الله تعالى نوحًا ﵊ بصناعة الفلك أمام سخرية الكافرين، الذين سيحيق بهم الهلاك المبين.\n١٢ - نزول أمر الله في قوم نوح، ونجاة نوح - ﷺ - ومن معه في السفينة، ومصير ابنه مع الكافرين الهالكين، وقيل بعدًا للقوم الظالمين.\n١٣ - مناجاة نوح ربه لنجاة ولده، وتحذير الله له في سؤاله ما ليس له به علم.\n١٤ - إخبار الله تعالى نبيّه محمدًا - ﷺ - أن هذه القصة من أخبار الغيب يقصها عليه الوحي لتكون عونًا له على الصبر والثبات.\n١٥ - خبر هود - ﷺ - مع قومه عاد يدعوهم لإفراد الله تعالى بالتعظيم، ويحذرهم نقمة الله وحلول العذاب الأليم، ويدعوهم لاستغفاره تعالى فإن لوازم الاستغفار وفرة الرزق والخير والقوة والتمكين.\n١٦ - مجادلة قوم هود نبيّهم بالباطل، وإعلانهم الكفر بما جاء به، ومقابلة هود - ﷺ - لهم بإعلانه البراءة من شركهم وتحديهم بكيدهم، ثم نزول نقمة الله بهم ونجاة المؤمنين.\n١٧ - خبر صالح - ﷺ - مع ثمود، يدعوهم لإفراده تعالى بالتعظيم، وشكره على نعمه وِاستغفاره فهو الغفور الرحيم، ومقابلتهم له بالشك والاتهام، فأراهم ناقة الله آية فعَقروها، وحاق بهم العذاب والخراب.\n١٨ - ذكر قصة لوط ﵇، ومجيء الرسل إبراهيم - ﷺ - بالبشرى، وتعجب امرأته وبشارة الله لها، ومجادلة إبراهيم لردّ العذاب عن قوم لوط: إنه حليم أواه منيب، ونزول أمر الله باستئصال القوم المجرمين.\n١٩ - خبر شعيب - ﷺ - مع قومه، فقد دعاهم لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وترك التلاعب بالمكيال والموازين، فكذبوه فأخذهم الله بالصيحة والعذاب فأصبحوا في ديارهم جاثمين.\n٢٠ - خبر موسى - ﷺ - مع فرعون، وغرق الطاغية ولعنه وجنده إلى يوم الدين.\n٢١ - الاعتبار بالآثار الباقية من تلك القرى المُدَمَّرة: فمنها ما هو قائم بنيانه، بائد أهله، ومنها ما هو خراب دارس لا أثَرَ له ولمن كان يسكنه.","vol":"4","page":7},{"text":"٢٢ - الناس يوم القيامة فريقان: فريق في دار السعادة وهم أهل السعادة. وفريق في دار الشقاوة وهم أهل الشقاوة.\n٢٣ - تسلية الله نبيّه ببلوغ الكتاب أجله، ثم العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين. وأمْرُهُ تعالى له وللمؤمنين بالاستقامة على المنهج وعدم الركون للظالمين.\n٢٤ - توجيه الأمة لمنهاج النجاة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقلة المؤمنة هي الغالبة بإذن الله.\n٢٥ - المشيئة لله، والغيب لله، والمرجع إليه، والتوكل عليه، وما الله بغافل عما تعملون.\n° ° °","vol":"4","page":8},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف، قد أحكم منهاجه ونظمت آياته نظامًا رصينًا منسجمًا مع منهاج مقاصد هذا الدين العظيم، فلا يقع فيه نقص ولا خلل بل هو محكم البناء، ثم فصلت فيه أحكام الحلال والحرام، وما يترتب على ذلك من الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، فهو من عند الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه، الخبير بشؤون خلقه وما يصلحهم. إنَّ غاية منهج البناء والإحكام والتفصيل في هذا الكتاب العظيم هو إفراد الله تعالى بالتعظيم، ورسول الله - ﷺ - على ذلك نذير وبشير. استغفروا ربكم - أيها الناس - وتوبوا إليه، يقابلكم ربكم ببسط في العيش واستمتاع في العمر، وإلا فالإعراض يقابله بعذاب يوم كبير، يوم ترجعون إلى الله العلي القدير.\nفقوله: ﴿الر﴾ - كسابقه في أوائل السور التي ابتدأها الله بحروف الهجاء. ومفاده التحدي والإعجاز - أي: إن هذا القرآن مؤلف من جنس هذه الأحرف التي تتخاطبون بها معشر العرب، وهو يتحداكم أن تأتوا بمثله أو بسورة نحوه.\nوقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ - فيه قولان متكاملان:\n١ - قال الحسن: (﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، قال: أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالثواب والعقاب). أو قال: (أحكمت في الأمر والنهي، وفصلت بالوعيد).","vol":"4","page":9},{"text":"٢ - قال قتادة: (أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بعلمه، فَبيَّنَ حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته). وقال مجاهد: ﴿فُصِّلَتْ﴾، قال: فُسِّرت).\nقال ابن كثير: (﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، أي: هي محكمة في لفظها، مُفَصَّلةٌ في معناها، فهو كامل صورة ومعنى).\nوقال ابن جرير: (معناه: أحكم الله آياته من الدَّخل والخَلَل والباطل، ثم فَصَّلها بالأمر والنهي. وأما قوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فإن معناه: ﴿حَكِيمٍ﴾، بتدبير الأشياء وتقديرها، ﴿خَبِيرٍ﴾، بما تؤول إليه عواقبُها). وعن قتادة: (﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، يقول: من عند حكيم خبير).\nقلت: والإحكام يشمل إحكام الآيات من الدَّخل والخلل والباطل، وإحكام منهج بيان هذه الآيات لمقاصد الشريعة، ثم فصلت قواعد الحلال والحرام، وأمور الثواب والعقاب.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾.\nأي: إن هذا القرآن الذي أحكم منهاجه وفصلت آياته قد نزل لعبادة الله وحده وإفراده سبحانه بالتعظيم. قال النسفي: (﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي لئلا تعبدوا، أو أن مفسرة). والتقدير: قال لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم ألا تعبدوا إلا الله. قال القاسمي: (وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ كلام على لسان الرسول، أي إنني أنذركم، من الحكيم الخبير، عقابَ الشرك وتبعته، وأبشركم منه بثواب التوحيد وفائدته).\nوقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾. أَمْرٌ من الله تعالى بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها فيما يُستقبل، فإنكم إذا فعلتم ذلك قابلكم ربكم سبحانه ببسط العيش وَزينَتِه، والاستمتاع في العمر بطاعة الله، وما يؤدي إليها من العمل الصالح. قال قتادة: (﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وهو الموت). قال ابن جرير: (فإنكم إذا فعلتم ذلك بسط عليكم من الدنيا، ورزقكم من زينتها، وأنسأ لكم في آجالكم إلى الوقت الذي قضى فيه عليكم الموت).\nوعن مجاهد: (﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، قال: ما احتسب به من ماله أو عمل بيده أو رجله أو كلمة، أو ما تطوَّع به من أمره كله).\nأي يثيب كل من تفضل بعمل صالح مِنْ مَالِهِ أو قوته أو جهده على غيره، وهو يحتسب ذلك عند الله تعالى، فإن الله سبحانه قد وعد أهل الفضل بجزيل الثواب.","vol":"4","page":10},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المفهوم أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي مسعودٍ عقبةَ بن عَمْرو الأنصاري البَدْريِّ ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من دَلَّ على خَيْرٍ فله مِثْلُ أجْرِ فاعِلِهِ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كُلُّ مَعْروفٍ صَدَقَةٌ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان من حديث سعد بن أبي وقاص، قال له النبي - ﷺ -: [وإنك لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبتغي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عَليها حتى ما تجعلُ في في امرأتك]. وقال له: [إنك لن تُخَلَّفَ فتعملَ عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجةً ورِفعةً] (٣).\nويروي ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، قال: (من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات. فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات. وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات. ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشارَه).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ - تهديد ووعيد لمن أدبر وأعرض عن طاعة الله وتعظيم حرماته، بأن العذاب ينتظره لا محالة يوم الحساب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٨٩٣) - كتاب الإمارة. باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٠/ ٣٧٤)، ورواه مسلم من رواية حذيفة (١٠٠٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٣٢)، ومسلم (١٦٢٨) - واللفظ الأخير له - كتاب الوصية.","vol":"4","page":11},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. تأكيد ليوم الحساب والرجوع إلى الله سبحانه والوقوف بين يديه لنيل الثواب والعقاب، فهو القدير على الإحياء والإماتة والبعث من القبور ونشر صحف الأعمال وتفريق الخلق إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.\n٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى عن سلوك المشركين وهم يستخفون بباطلهم والله مطلع على سرائرهم. إنه ما من دابة إلا ورزقها من عند الله، وقد علم منتهى سيرها ومأواها قبل خلقها. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليختبركم - أيها الناس - أيكم أفضل عملًا، والكافرون منكرون للبعث مستهزئون بقدوم العذاب وهو واقع بهم لا محالة، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون.\nفقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ - قال البخاري: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: شك وامتراءٌ في الحق. ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: من الله إن استطاعوا).\nفكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك جهلًا منهم بالله، وظنًا أن الله يخفى عليه ما تضمره صدورهم إذا فعلوا ذلك. والآية لها أكثر من تأويل عند المفسرين:\nالتأويل الأول: هو ما سبق ذكره. قال ابن عباس: (يخفون ما في صدورهم من الشَّحناء والعداوة، ويظهرون خلافه).\nقال القرطبي: (﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أخبر عن معاداة المشركين","vol":"4","page":12},{"text":"للنبي - ﷺ - والمؤمنين، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم. ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أي يطوونها على عداوة المسلمين).\nالتأويل الثاني: قال مجاهد: (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شكًا وامتراءً). وقال الحسن: (يثنونها على ما فيها من الكفر). وهو وجه من التأويل ذكره البخاري.\nالتأويل الثالث: قيل: قال المنافقون إذا غلقنا أبوابنا، واستغشينا ثيابنا، وثَنَيْنَا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ فنزلت الآية.\nالتأويل الرابع: قيل: إن قومًا من المسلمين كانوا يتنسّكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فَبَيَّن الله تعالى أن التنسُّكَ ما اشتملت عليه قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قول وعمل. وقد صح إسناد هذا إلى حبر الأمة ابن عباس ﵁ في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه - عند تفسير هذه الآية - عن محمد بن عباد بن جعفر: أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ قال: سألته عنها فقال: [أناسٌ كانوا يستخفون أنْ يَتَخَلَّوا فَيُفْضُوا إلى السماء، وأن يجامعوا نِساءهم فَيُفْضُوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري - كذلك - عنه أن ابن عباس قرأ: (أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوني صُدُورَهُمْ)، قلت: يا أبا العَبَّاس، ما تَثْنَوني صدورُهم؟ قال: [كان الرَّجُلُ يجامع امرأتَه فيستحي أو يَتَخَلَّى فيستَحي، فنزلت: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن سفيان: [حدّثنا عَمْروٌ قال: قرأ ابنُ عَبَّاس: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. وقال غيره عن ابن عباس: ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾: يغطون رؤوسهم] (٣).\nوالخلاصة: يحتمل البيان الإلهي لهذه الآية المعاني السابقة من التأويل، وهو من إعجاز هذا الوحي العظيم، الذي يضم جوامع الكلم ويشع بنوره وهديه إلى آفاق شتى من خلاف التنوع لا التضاد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨١) - كتاب التفسير - سورة هود، آية (٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٢) - كتاب التفسير - سورة هود، آية (٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٣) - كتاب التفسير - سورة هود، باب: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.","vol":"4","page":13},{"text":"وقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. - فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: قال ابن عباس: (﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يُغَطُون رؤوسهم) - أخرجه البخاري.\nالتأويل الثاني: قال قتادة: (﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ قال: أخفى ما يكون الإنسان إذا أسَرَّ في نفسه شيئًا وتَغَطّى بثوبه، فذلك أخفى ما يكون، والله يطلع على ما في نفوسهم والله يعلم ما يسرُّون وما يعلنون).\nوبنحوه ذكر عكرمة عن ابن عباس قال: (الشك في الله، وعمل السيئات، فيستغشي ثيابه، ويستكنّ من الله، والله يراه، ويعلم ما يسرون وما يعلنون). وقال: (﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾، يقول: يكتمون ما في قلوبهم، ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾، يعلم ما عملوا بالليل والنهار).\nالتأويل الثالث: قال ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقرأ: \"ألا إنهم تَثْنَوني صدورهم\"، قال: (كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم، كراهة أن يُفْضُوا بفروجهم إلى السماء) - وبنحوه روى البخاري.\nالتأويل الرابع: عن مجاهد والحسن: (أي إنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئًا أو عملوه، يظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامِهم في ظلمة الليل، ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من القول: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: يعلم ما تُكِنُّ صدورُهم من النيات والضمائر والسرائر) - ذكره ابن كثير، وهو يشبه التأويل الثاني.\nقلت: والبيان الإلهي يحتمل آفاق هذه المعاني كلها، وهو من إعجاز هذا الوحي العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nإخبار من الله تعالى أنه متكفِّل بأرزاق خلقه من جميع أصناف الدواب في الأرض، إنْسيها وجِنِّيها، بَحريها وبَرِّيها، صغيرها وكبيرها. وأنه تعالى يعلم منتهى سيرها ومأواها قبل خلقها وبعد إخراجها من أصلاب ذكورها وأرحام إناثها، وكل ذلك مكتوب عنده سبحانه في اللوح المحفوظ.","vol":"4","page":14},{"text":"قال ابن عباس: (﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ قال: كل دابة). وقال الضحاك: (يعني كل دابة، والناس منهم).\nوقال مجاهد: (﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، قال: ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعًا، ولكن ما كان من رزق فمن الله).\nومن أقوال أهل التأويل في المستقر والمستودع:\n١ - عن ابن عباس: (﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾، حيث تأوي، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، حيث تموت).\n٢ - وعن مجاهد: (﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾، في الرحم، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، في الصلب، مثل التي في \"الأنعام\").\n٣ - وعن إبراهيم، عن عبد الله: (المستقر: الرحم، والمستودع: المكان الذي تموت فيه).\n٤ - وقال الربيع بن أنس: (مستقرها: أيام حياتها، ومستودعها: حيث تموت، ومن حيث تُبْعث).\nقال ابن جرير: (ويعني بقوله: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، مبين عدد كل دابة، ومبلغ أرزاقها، وقدر قرارها في مستقرها، ومدّة لبثها في مستودعها. كل ذلك في كتاب عند الله مثبت مكتوب، ﴿مُبِينٍ﴾، يبين لمن قرأه أن ذلك مثبت مكتوب قبل أن يخلقها ويوجدها. وهذا إخبارٌ من الله جل ثناؤه الذين كانوا يثنون صدورهم ليستخفوا منه، أنه قد علم الأشياء كلها وأثبتها في كتاب عنده قبل أن يخلقها ويوجدها).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال","vol":"4","page":15},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح أن النبي - ﷺ - قال لابن عمه ابن عباس: [يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يَحْفَظْكَ، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورفعت الصحف] (٣).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nإِخْبَارٌ من الله تعالى عن بدء الخلق، إذ خلق سبحانه السماوات والأرض وما فيهن في هذه الأيام الستة، وكان عرشه على الماء. قال ابن عباس: (إنما سمي العرش عرشًا لارتفاعه). وغاية الخلق هي عبادة الله تعالى، والاختبار يكون على ذلك: أيكم أحسن له طاعة وشكرًا.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٥١). وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٤١) - باب: كتب المقادير قبل الخلق.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٩٠)، (٧/ ٢٤٦) من حديث جابر بن عبد الله. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٩٥٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٢٦٤٨) - أبواب صفة القيامة - وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٤٣) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":16},{"text":"الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].\n٤ - وقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ٩ - ١٣].\nوفي السنة الصحيحة آفاق هذه المعاني في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: [أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يومَ الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه من حديث عِمرانَ بن حُصَيْنٍ ﵄ قال: [دخلت على النبي - ﷺ - وعَقَلْتُ ناقتي بالباب، فأتاه ناسٌ من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بَشَّرْتَنا فأعْطِنا، مَرَّتين، ثم دخل عليه ناسٌ من اليمن فقال: اقبلوا البُشْرى يا أهل اليمن أن لمْ يقبَلْها بنو تميم، قالوا: قبلنا يا رسول الله، قالوا: جِئْنَا نَسْأَلُكَ عن هذا الأمر، قال: كان الله ولم يكُنْ شيءٌ غيرُهُ، وكان عرشُهُ على الماء، وكتب في الذكر كُلَّ شيءٍ، وخلقَ السماوات والأرض] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [قال الله ﷿: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك، وقال: يدُ الله ملأى لا يَغيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ الليلَ والنهارَ. وقال: أرأيتم ما أنفقَ مُنْذُ خَلَقَ السماء والأرضَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٩) - كتاب صفات المنافقين -، وأبو يعلى في مسنده (٢٨٨/ ١)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٢٧٥ - ٢٧٦)، ورواه أحمد وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٩١) - كتاب بدء الخلق -، وكذلك (٤٣٦٥)، (٤٣٨٦)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٣١)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦١٤٢)، وغيرهم.","vol":"4","page":17},{"text":"فإنه لم يَغِضْ ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزانُ يخفضُ ويرفع] (١).\nالحديث الرابع: أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ولئن قلت لهؤلاء المشركين من قومك: إنكم مبعوثون أحياء من بعد مماتكم! فتلوت عليهم بذلك تنزيلي ووحيي، ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، أي: ما هذا الذي تتلوه علينا مما تقول، إلا سحر مبينٌ لسامعه عن حقيقته أنه سحر).\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾. قال ابن عباس: (﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾: إلى أجل محدود) (٣). وقال مجاهد: (إلى حين). وقال ابن جريج: (﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ يقول: أمسكنا عنهم العذاب. ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾، قال: للتكذيب به، أو إنه ليس بشيء).\nوأصل الأمة الجماعة من الناس تجتمع على مذهب ودين، ثم تستعمل في معان كثيرة، منها السنون المعدودة والحين. قال ابن جرير: (وإنما قيل للسنين \"المعدودة\" والحين، في هذا الموضع ونحوه: ﴿أُمَّةٍ﴾، لأن فيها تكون الأمة).\nوقوله: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. أي: ألا يوم يأتيهم العذاب، فينزل بهؤلاء الشاكين المكذبين، فهنالك ليس يصرفه عنهم صارف، ولا ينجيهم منه منقذ، بل يحل بهم فيهلكهم وليس له دافع، ويحيط بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون.\nقال مجاهد: (﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، قال: ما جاءت به أنبياؤهم من الحق).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٦٨٤) - كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ورواه مسلم في صحيحه (٩٩٣) - كتاب الزكاة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١١٤/ ١)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٢٩٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة - حديث رقم (١٠٩).\n(٣) وفي رواية عنه - يقول: (إلى أجل معلوم) - ذكره ابن جرير في التفسير (١٨٠١٤).","vol":"4","page":18},{"text":"٩ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن سلوك فاسد يصيب الإنسان، فهو ما أسرعه إلى اليأس عند نزع النعمة منه، وما أسرعه إلى العجب والغرور عند نزول النعمة به بعد الضراء التي مسته، وما يسلم من هذا الخلق الذميم، إلا أهل الصبر والعمل الصالح الذين غفر الله لهم وأعدّ لهم الأجر الكريم.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾. قال ابن جريج: (يا ابن آدم، إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية، فكفور لما بك منها. وإذا نزعت منك نبتغي قَدْعك (١) وعقلك، فيؤوس من روح الله قنوط من رحمته. كذلك المرء المنافق والكافر).\nوهذه الآية في ذكر بعض الصفات الذميمة التي تعتري الإنسان - إلا من رفعه الله بالتقوى - فإنه إن فقد نعمة عاشها طويلًا أصابه اليأس والقنوط مِمّا يستقبل من الخير، ونسي الماضي الذاخر بالفضل والنعم والعطاء، وربما أساء الظن بالله تعالى.\nقال ابن جرير: (﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، يقول: يظل قَنِطًا من رحمة الله، آيسًا من الخير. هو كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر لربّه المتفضّل عليه بما كان وَهَبَ له من نعمته).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. هو كما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].\n_________\n(١) القدع: الكف والمنع.","vol":"4","page":19},{"text":"٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢].\nقال ابن جريجِ: (﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾، غِرّة بالله وجراءة عليه، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾، والله لا يحب الفرحين، ﴿فَخُورٌ﴾، بعدما أعطي، وهو لا يشكر الله. ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عند البلاء، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، عند النعمة، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، لذنوبهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، قال: الجنة).\nقال ابن كثير: (وهكذا إن أصابته نعمةٌ بعد نِقمة ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾، أي: يقول: ما ينالني بعد هذا ضيمٌ ولا سوءٌ، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾، أي: فَرِحٌ بما في يده، بَطِرٌ فخورٌ على غيره. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾، أي: في الشدائد والمكاره، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: في الرَّخاء والعافية، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، أي: بما يصيبهم من الضرَّاء، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، بما أسلفوه في زمن الرخاء).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بذكر آفاق هذه المعاني في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمره كُلَّهُ له خيرٌ، وليسَ ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سَرَّاء شكَرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صَبَر، فكان خيرًا له] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والدارمي في السنن، بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: [بينا رسول الله - ﷺ - قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه بسند رجاله ثقات، عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٩٩) - كتاب الزهد -. باب المؤمن أمره كله خير. وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٣٢)، وابن حبان في صحيحه - (٢٨٩٦) -، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الدارمي (٢/ ٣١٨)، وأحمد (٦/ ١٦)، وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٤٧).","vol":"4","page":20},{"text":"أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبًا للمؤمن لا يقضى الله له شيئًا إلا كان خيرًا له] (١).\nوفي لفظ: [عجبت للمؤمن إن الله تعالى لم يقضِ له قضاءً إلا كان خيرًا له].\nالحديث الرابع: أخرج البيهقي والطيالسي بسند صحيح عن سعد مرفوعًا: [عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمد الله وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [ما مِنْ مصيبة تُصيبُ المسلمَ إلا كَفَّرَ الله بها عنه حتى الشوكةُ يشاكُها] (٣).\nالحديث السادس: أخرج الشيخان وأحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [ما يُصيبُ المُسلمَ مِنْ نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أذىً، ولا غَمٍّ - حتى الشوكة يُشاكها- إلا كفَّر الله بها من خطاياه] (٤).\n١٢ - ١٤. قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطَابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه - ﷺ -: فلعلك - يا محمد - تارك بلاغ\n_________\n(١) رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٥/ ٢٤)، وأبو يعلى (٢٠٠/ ٢)، وانظر المرجع السابق - الصحيحة (١٤٨) - وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٨٨٠).\n(٢) حديث صحيح. وهو يشهد لما قبله. أخرجه الطيالسي (٢١١)، ورواه البيهقي. انظر صحيح الجامع - حديث رقم - (٣٨٨١)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٦٤٠) - كتاب المرضى - باب ما جاء في كفارة المرض.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٥٦٤١) - (٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٣٥)، والترمذي في الجامع (٩٦٦)، وأخرجه ابن حبان (٢٩٠٥)، والبغوي (١٤٢١)، والبيهقي (٣/ ٣٧٣)، وغيرهم.","vol":"4","page":21},{"text":"بعض ما يوحى إليك وضائق صدرك ببعض هذا الوحي الذي أمرت بتبليغه مخافة أن يقولوا: أين المال أو الكنز الذي أنزل معه أو الملك الذي جاء مصدقًا له من الله بأنه رسول، فاعلم أنه إنما أنت نذير لقومك والله القيم على الأمور والتدبير. أم يقولون لك - يا محمد - افتريت هذا القرآن! فقل: الله يتحداكم بأن تأتوا بعشر سور مثله مستعينين بمن شئتم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن أخفقوا وعجزوا فاعلموا - أيها المؤمنون - وازدادوا إيمانًا أن هذا القرآن منزل من الله بعلمه، وهو الإله الواحد لا شريك له فهل أنتم حقًا مسلمون.\nفقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾.\nقال مجاهد: (قال الله لنبيه: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك أن تفعل فيه ما أمرت، وتدعو إليه كما أرسلت. قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾، لا نرى معه مالًا! أين المال؟ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ ينذر معه!، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾، فبلغ ما أمرت).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: والله القيم بكل شيء، وبيده تدبيره، فانفذ لما أمرتك به، ولا تمنعك مسألتهم إياك الآيات من تبليغهم وحيي، والنفوذ لأمري).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nقال ابن جريج: (﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، قد قالوه، ﴿أَقُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، وادعوا شهداءكم، قال: يشهدون أنها مثله).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزَّلٌ من عند الله، متضمِّنٌ عِلمَهُ وأمرَه ونَهْيَه، ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾).\nوعن مجاهد: (﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال: لأصحاب محمد - ﷺ -).","vol":"4","page":22},{"text":"١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذير الله تعالى عباده من الرياء. فإنه من كان يريد بعمل الآخرة الدنيا يعجل الله له ثوابه فيها وليس له في الآخرة من نصيب. أفمن كان على صفاء الفطرة، ونور الوحي: القرآن، والتوراة من قبله، كمن يكفر بهذا القرآن من مشركي مكة ومن سيجيء على منهاجهم، ممن هم إلى النار مصيرهم. فاثبت - يا محمد - فإن هذا القرآن حق، ووعد الله ووعيده حق، ولكن أكثر الناس غافلون غير مصدقين.\nفقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ الآية.\nقال مجاهد: (من عمل عملًا مما أمَرَ الله به، من صلاة أو صدقة، لا يريد بها وجه الله، أعطاه الله في الدنيا ثوابَ ذلك مثلَ ما أنفق، فذلك قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، في الدنيا، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، أجر ما عملوا فيها، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾، الآية).\nوقوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، الآية، وهي ما يعطيهم الله من الدنيا بحسناتهم، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا. يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا، صومًا أو صلاة أو تهجدًا بالليل، لا يعمله إلا لالتماس الدنيا، يقول الله: أوفّيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعملُ التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين).\nوهذه الآية حرب على الرياء وأهله لو كانوا يفقهون، وحرب على النفاق وأهله لو كانوا يعلمون، فإنه لا ينفع من العمل إلا ما التمس به وجه الله تعالى.","vol":"4","page":23},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].\nومن كنوز السنة الصحيحة في معنى هاتين الآيتين أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، أنه حَدَّثَ عن رسول الله - ﷺ -: [إن الكافِرَ إذا عَمِلَ حَسنَةً أُطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يَدَّخِرُ له حسناتِه في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته، يعطى بها (وفي رواية: يثاب عليها الرزق في الدنيا) ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن حبان عن الوليد بن أبي الوليد أبي عثمان المديني أن عُقْبَةَ بنَ مسلم حدَّثه، أن شُفَيًّا الأصبحي حدثه: [أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناسُ، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، قال: فدنوت منه، حتى قعدتُ بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له: أسألك بحقّ وبحقّ، لمّا حَدَّثتني حدِيثًا سمعته من رسول الله - ﷺ - وعَقِلْتَهُ وعَلِمْتَه، فقال أبو هريرة: أفعلُ، لأُحَدِّثَنَكَ حديثًا حَدَّثنيه رسول الله - ﷺ - عَقِلْتُهُ وعلمتُهُ، ثم نشغَ أبو هريرة نشغة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٠٨) (٥٧) - كتاب صفات المنافقين - باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٣٥) من حديث أنس بن مالك - وهو رواية للحديث السابق، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٢٥)، وغيرهما.","vol":"4","page":24},{"text":"فمكثنا قليلًا ثم أفاق، فقال: لأحدِّثَنَك حديثًا حدثنيه رسول الله - ﷺ - أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيرُه، ثم نَشَغَ أبو هريرة نشغةً أخرى، ثم أفاق ومسح عن وجهه، فقال: أفعلُ، لأحدِّثنك حديثًا حدثنيه رسول الله - ﷺ - أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو هريرة نشغةً شديدة، ثم مال خارًّا على وجهه، فأسندته طويلًا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله - ﷺ -:\nإن الله ﵎ إذا كان يومُ القيامة، ينزِلُ إلى العباد، ليقضي بينهم، وكُلُّ أمة جاثية، فأول من يُدعى به رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله ﷿ للقارئ: ألم أُعلِّمكَ ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عملتَ فيما عَلِمتَ؟ قال: كنت أقومُ به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله ﷿ له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كذَبْتَ، ويقول الله ﵎: بل أردت أن يقال فلان قارئ، وقد قيل ذلك.\nويؤتى بصاحب المال، فيقول الله ﷿: ألم أُوسِع عليك حتى لم أَدَعْكَ تحتاجُ إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فماذا عَمِلتَ فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أصِلُ الرحمَ وأتصدقُ. فيقول الله له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكة: كَذَبْتَ، ويقول الله ﵎، بل أردتَ أن يقال: فلانٌ جوادٌ، وقد قيل ذلك.\nويؤتى بالذي قُتِلَ في سبيل الله، فيقول الله له: فيماذا قُتِلتَ؟ فيقول: أي ربِّ! أَمَرْتَ بالجهاد في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتِلتُ، فيقول الله له: كذَبْتَ، وتقول الملائكة: كذبْتَ، ويقول الله: بل أردْتَ أن يقالَ: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل ذلك.\nثم ضرب رسول الله - ﷺ - على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثةُ أولُ خلق الله تُسْعر بهم النار يومَ القيامة.\nقال الوليدُ أبو عثمان المديني: وأخبرني عُقبة أن شُفَيًّا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيّافًا لمعاوية قال: فدخل عليه رجلٌ فأخبره بهذا عن أبي هريرة. فقال معاوية: قد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمنْ بَقِيَ مِنَ الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدًا، حتى ظَننّا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بِشَرٍّ. ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ","vol":"4","page":25},{"text":"لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾] (١).\nوقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عبادَه، من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]).\nقلت: فالفطرة نور، والوحي نور، والمؤمن في نور على نور: نور الوحي على نور الفطرة.\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عياض بن حِمار، عن رسول الله - ﷺ - قال: [يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بني ما لم أنزل به سلطانًا] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - (وفي رواية: يوم عرفة) فأخرج في صُلبِه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذّر ثم كلمهم قبلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) حديث صحيح. أصله في صحيح مسلم (١٩٠٥) - كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، ورواه النسائي والترمذي وحسنه، وابن حبان وابن خزيمة. انظر صحيح الترغيب (١/ ٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٦٥) - كتاب الجنة ونعيمها. وأخرجه أحمد (٤/ ١٦٢)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٩٨٧) - ومعنى اجتالتهم: ذهبوا بهم وحرفوهم وجالوا معهم في الباطل.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٢)، والنسائي في \" الكبرى\" (١١١٩١)، والحاكم، وغيرهم.","vol":"4","page":26},{"text":"[كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسَانه، كما تُولد البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تُحِسَّون فيها من جَدْعاء] (١). - زاد عبد الرزاق في رواية: [ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾].\nقلت: وهذه الفطرة هي نتيجة من نتائج ذلك الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم ﵇، وأشهد الخلق أمام أبيهم أنه لا حجة لهم أن يشركوا بالله شيئًا وحذرهم من أمرين:\n١ - أن يدّعوا الغفلة.\n٢ - أن يدّعوا التقليد.\nالحديث الرابع: أخرج الطبراني بسند صحيح عن الأسود بن سريع مرفوعًا: [كل مولود يولد على الفطرة - وفي لفظ: على هذه الملة -، حتى يُعْربَ عنْهُ لسانُه، فأبواه يهوِّدانه، أو يُنَصِّرَانه، أو يمجِّسانه] (٢).\nوعن ابن عباس: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: إنه جبريل ﵇). وقال قتادة: (هو محمد - ﷺ -) - والمعنى متكامل، فجبريل مبلغ عن الله إلى محمد - ﷺ - الذي هو مبلغ لجميع الأمة.\nوقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ ومن قبل القرآن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ وهو التوراة، أي ويتلو ذلك البرهان أيضًا من قبل القرآن كتاب موسى ﵇ ﴿إِمَامًا﴾ كتابًا مؤتمًا به في الدين قدوة فيه ﴿وَرَحْمَةً﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم - وهما حالان (٣) - ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: من كان على بينة ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾.\nقال قتادة: (﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، قال: الكفار أحزاب كلهم على الكفر). وعن سعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، قال: من الملل كلها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٥٨)، (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨)، وأبو داود (٤٧١٤)، والترمذي (٢١٣٨)، وأحمد (٢/ ٣٧٥)، والبغوي (٨٤)، وابن حبان (١٢٩)، (١٣٠)، (١٣٣)، وعبد الرزاق (٢٠٠٨٧)، وأخرجه الطيالسي (٢٣٥٩) و(٢٤٣٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٤٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٢٦)، والبيهقي في السنن (٩/ ٧٧ - ٧٨)، وإسناده صحيح.\n(٣) أي \"إمامًا\"، و\"رحمة\" في محل نصب حال.","vol":"4","page":27},{"text":"أي: ومن يكفر بهذا القرآن من أهل مكة والمتحزبين من المشركين على رسول الله - ﷺ -، وكذلك ممن جاء بعدهم من ملل الباطل فقد وعدهم الله جميعًا نار جهنم.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [والذي نَفْسُ محمد بيده! لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نَصْراني، ثم يموتُ ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار] (١).\nقال ابن جرير: (﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾، يقول: فلا تك في شك منه، من أن موعدَ من كفر بالقرآن من الأحزاب النارُ، وأن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك من عند الله).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - فيه أقوال متكاملة.\n١ - قال القرطبي: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ أي القول الحق الكائن، والخطاب للنبي - ﷺ -، والمراد جميع المُكَلَّفين).\n٢ - قال ابن جرير: (إن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك، يا محمد، الحقُّ من ربك لا شك فيه، ولكن أكثر الناس لا يصدقون بأن ذلك كذلك) - واختاره ابن كثير.\n٣ - وقال النسفى: (﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِنْهُ﴾ من القرآن أو من الموعد ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾).\nقلت: وكلها أقوال يكمِّلُ بعضها بعضًا، فالقرآن حق، والوعد والوعيد حق، وأمر الله وخطابه لرسوله حق، ولكن أكثر الناس عن ذلك غافلون غير مصدقين.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٥٣) - كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبيّنا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، وأخرجه الطبراني (١٨٠٩٣) من حديث أبي موسى وإسناده على شرط مسلم.","vol":"4","page":28},{"text":"والخلاصة: الفطرة مع الوحي هديتان من الله تعالى للعباد، فمن أصَرَّ بعد ذلك على اتباع الأهواء والشبهات والشهوات فقد اختار البقاء في الظلمة بعدما جاءه النور.\nوفي المسند وصحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل] (١).\n١٨ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن الكفار والمنافقين الذي يفترون على الله الكذب أنهم يُحضرون يوم القيامة وتشهد عليهم الرسل بما كذبوا على ربهم لتحيق بهم لعنة الله. أولئك الذين يقعدون في طريق المؤمنين فيصدون عن سبيل الهدى والرشاد، ويحبون نشر الفواحش والفساد، وهم بلقاء ربهم كافرون. أولئك لم يكونوا ليفلتوا من عذاب الله، بل يضاعف لهم العذاب ولا نصير يدفع عنهم، فما كانوا يألفون سماع الحق والقرآن ولا يبصرون سبيل الهداية. أولئك الذين ربحوا الخسارة في الدنيا والآخرة وحاق بهم ما كانوا يكذبون ويفترون.\nفقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. قال ابن جريج: (الكافر والمنافق). وقال أبو جعفر: (يقول تعالى ذكره: وأي الناس أشد تعذيبًا اختلق على الله كذبًا فكذب عليه).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾. قال ابن جريج: (فيسألهم عن أعمالهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ١٧٦)، (٢/ ١٩٧)، وابن حبان في صحيحه (١٨١٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٧٦).","vol":"4","page":29},{"text":"وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال الضحاك: (يعني الأنبياء والرسل، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]. قال: وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾، يقولون: يا رَبَّنا أتيناهم بالحق فكذبوا، فنحن نشهد عليهم أنهم كذبوا عليك، يا رَبَّنا).\nوقال قتادة: (والأشهاد: الملائكة، يشهدون على بني آدم بأعمالهم).\nوالخلاصة: فإن في الآية بيانًا لحال المفترين على الله الكذب وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق من الملائكة والرسل والأنبياء، وسائر البشر والجان.\nوقوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. أي: ألا إن غضب الله وسخطه على المعتدين الذين تجرؤوا على الحق بالكذب والافتراء.\nوفي الصحيحين عن صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ المازِنِيِّ قال: [بينما أنا أمشي مع ابن عمرَ ﵄ آخذٌ بيده، إذ عَرَضَ رجلٌ فقال: كيف سمعت رسول الله - ﷺ - في النَّجْوى؟ فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله يُدْني المؤمنَ فَيَضَعُ عليه كنَفَهُ ويَسْتُرُهُ فيقول: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتعرِفُ ذنْبًا كذا؟ فيقول: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حتى قَرَّرَهُ بذنوبه ورأى في نفسهِ أنه هَلَكَ، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفِرُها لك اليوم، فَيُعْطى كتابَ حَسَناتِهِ، وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾] (١).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.\nأي: ألا لعنة الله على الظالمين الذين يفتنون الناس عن الدين الحق خوفًا على مناصبهم ومصالحهم وأهوائهم، ويلتمسون بدلًا منه زيغًا وميلًا وانحرافًا عن الاستقامة، وهم بالبعث بعد الممات وبالنشور والحساب والقصاص والميزان جاحدون.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾.\nقال النسفي: (أي ما كانوا بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، ﴿وَمَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٤٤١) - كتاب المظالم - باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وأخرجه مسلم (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ٧٤)، (٢/ ١٠٥)، وأخرجه ابن ماجه (١٨٣)، وابن حبان (٧٣٥٥).","vol":"4","page":30},{"text":"كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم، وهو من كلام الأشهاد).\nوفي التنزيل: قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].\nوفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِته، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١).\nوقوله: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾. قال القرطبي: (أي على قدر كفرهم ومعاصيهم).\nقلت: بل هو بسبب كفرهم أولًا، وصدهم الناس عن الدين الحق ثانيًا، يُضَعِّفُ الله لهم بذلك العذاب.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].\nوفي السنة المطهرة:\nأخرج الإمام الترمذي في جامعه، والإمام أحمد في مسنده، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٢).\nوقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.\nأي: إنهم كانوا لا يستطيعون سماع الحق سماع منتفع باحث عن الصواب، ولم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦) - كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (٢٥٨٣)، وأخرجه الترمذي (٣١١٠)، وابن ماجه (٤٠١٨)، والطبري (١٨٥٥٩)، والبيهقي في السنن (٦/ ٩٤).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥). ورواه أحمد. انظر تخريج مشكاة المصابيح (٥١١٢)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٨٩٦).","vol":"4","page":31},{"text":"يكونوا يبصرونه إبصار صادق في النظر إلى سبيل الهداية والرشاد، بل شغلهم الكفر والفجور والشهوات وصد الناس عن سبيل الله، ظنًا منهم أن ذلك يحفظ مصالحهم ودنياهم الفانية، فَعَطّلَ لديهم فائدة السمع والبصر.\nقلت: وهذه الآية نص في مفهوم الاستطاعة الموافقة للعمل. فإن الاستطاعة كما وردت في الكتاب والسنة نوعان:\nالنوع الأول: الاستطاعة قبل العمل - وتعني سلامة الجوارح والآلات وأعضاء البدن - بمعنى: حضور القدرة الجسدية والإرادة العقلية، وهي استطاعة مخلوقة مع الإنسان وليس ابتداء عند العمل، لأن العقل لا يكون عقلًا ما لم يكن مريدًا مميزًا، والقوي لا يقال عنه قوي ما لم يكن معروفًا بالقوة وأسبابها، وإلا فغياب العقل سبب لرفع التكليف.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].\nوفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين، عن النبي - ﷺ - قال: [صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب] (١).\nالنوع الثاني: الاستطاعة الموافقة للعمل - وهي خلق القدرة على ذلك العمل - وتأتي بمعنى التوفيق.\nكما قال جل ثناؤه: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠٠، ١٠١].\nوكقوله في آية هود: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري وأبو داود وغيرهما. انظر صحيح سنن أبي داود (٨٧٨).","vol":"4","page":32},{"text":"في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا] (١).\nفلا يوفقهم الله للسجود إليه أحوج ما يحتاجون إلى قبوله وعونه لهم على السجود لوجهه، إذ كانوا من المبطلين المنافقين المرائين في سجودهم في الدنيا فحرمهم من ذلك بحكمته في الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nأي: أولئك القوم الذين خسروا سعادة أنفسهم وراحتها، واشتروا بريائهم ونفاقهم وصدهم عن سبيل الله شقاوتها وعذابها وآلامها، وغاب عنهم شفاعة آلهتهم المزعومة، ومن ضحك عليهم من الطواغيت ولم يجدوا ما وعدوهم إلا كذبًا.\nوقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.\nأي: حقًا ولا محالة أن هؤلاء يوم القيامة هم أصحاب الخسران المبين، وأهل التجارة الفاشلة الخاسرة، إذ ضيّعوا الآخرة بدنيا وشهوات فانية.\nقال ابن كثير: (يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة، لأنهم استبدلوا بالدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شُرب الرحيق المختوم، بسَموم وحَميم، وظِلٍّ من يحموم، وعن الحور العين بطعام مِنْ غِسْلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قُرْبِ الرحمن ورؤيته بغضَب الديَّان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون).\n٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن حال السعداء، بعد ذكر حال الأشقياء، فأهل الإيمان والعمل الصالح الذين تواضعوا لأمر ربهم هم سكان الجنة هم فيها خالدون. إن مثل الفريقين كمثل الأعمى والبصير، والأصم والسميع، هل يستويان مثلًا؟ ! لا يستويان، فهلّا انتفعتم بضرب الله هذا المثل! .\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩١٩) - كتاب التفسير. سورة \"القلم\" - آية (٤٢).","vol":"4","page":33},{"text":"فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. أي: جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح والتواضع والتخشّع والخوف والإنابة إلى الله تعالى. ومن أقوال أهل التأويل:\n١ - عن ابن عباس: (﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ - قال: \"الإخبات\"، الإنابة) أو قال: (يقول: خافوا). وقال قتادة: (يقول: وأنابوا إلى ربهم).\n٢ - وعن مجاهد: (﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾، قال: اطمأنوا).\n٣ - وقال قتادة: (الإخبات: التخشُّعُ والتواضع).\nقلت: وكلها معان يحتملها البيان الإلهي، وإن كان أبرز معاني الإخبات في كلام العرب الخشوع.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم سكان الجنة الذين لا يخرجون عنها، ولا يموتون فيها، ولكنهم فيها لابِثُون إلى غير نهاية).\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا. وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا. وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا. وإن لكم أن تنعموا فلا تَبْأَسوا أبدًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [أهل الجنة جُرْدٌ، مُرْدٌ، كُحْلٌ، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم من حديث جابر مرفوعًا: [يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٤٨) من حديث أبي هريرة. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢١٤٠) - كتاب التفسير - الأعراف، آية (٤٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٦٧٥) - أبواب صفة الجنة - وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٦٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٤٧)، وانظر تفصيل ذلك النعيم والخلود في كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان. (٢/ ٧٦٩ - ٨٠٢).","vol":"4","page":34},{"text":"وقوله: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال مجاهد: (الفريقان: الكافران والمؤمنان. فأما الأعمى والأصم فالكافران، وأما البصير والسميع، فهما المؤمنان).\n٢ - وقال ابن جريج، قال ابن عباس: (الأعمى والأصم: الكافر. والبصير والسميع: المؤمن).\n٣ - وقال قتادة: (هذا مثلٌ ضربه الله للكافر والمؤمن. فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه، وعمي عنه فلا يبصره. وأما المؤمن، فسمع الحق فانتفع به، وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به).\nوقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي: تشبيهًا، و﴿مَثَلًا﴾ منصوب على التمييز، والمعنى: كما لا يستوي عندكم الأعمى والبصير، والأصم والسميع، فكذلك لا يستوي عند الله المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، والمسلم والفاسق.\nوقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال النسفي: (فتنتفعون بضرب المثل).\n٢٥ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: شَرَعَ الله تعالى في إخباره عن إرساله الرسل إلى أهل الأرض، وأولهم نوح ﵊، بعثه الله نذيرًا إلى قومه يحذرهم مغبة الشرك والكبر والغرور الذي كانوا عليه، ويدعوهم لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، ويحذرهم عذاب يوم أليم، فما كان من الملأ الكافر من قومه إلا الاستهزاء، والاستخفاف بالأتباع، واتهام المؤمنين بالكذب ليحيق بالمستكبرين العذاب.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.\nإخبار عن إرساله تعالى نبيّه نوحًا - ﷺ - إلى قومه الذين امتلأت الأرض يومئذ من شركهم وشرورهم، فكان نوح أول الرسل إلى أهل الأرض، ظاهر النذارة لقومه من","vol":"4","page":35},{"text":"عذاب الله وغضبه إن أصروا على شركهم وعبدوا غير الله الواحد الأحد.\nوقد صَبَرَ نوح - صلوات الله وسلامه عليه - على تمرد قومه وغرورهم واستهزائهم، وهو يدعوهم القرون الطويلة، إذ مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، ويؤكد لهم التمسك بـ \"لا إله إلا الله\" وأن يعيشوا لأجلها ويموتوا عليها، حتى كان ذلك آخر ما وصى به ابنه عند الموت.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والبيهقي في الأسماء، بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [إن نبيّ الله نوحًا - ﷺ - لما حضرته الوَفاةُ قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ \"لا إله إلا الله\" فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكِبْر.\nقيل: يا رسول الله! هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: لا، قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: لا. قيل: يا رسول الله فما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمص الناس] (١).\nوقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. أي: إن أصررتم على طريق الكبر والشرك والبغي في الأرض بغير الحق فإنه ينتظركم العذاب الأليم الشاق الموجع يوم الحساب.\nوقوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. قال ابن كثير: (والملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾، أي: لستَ بمَلَك ولكنّك بشرٌ، فكيف أوحِيَ إليك من دُوننا؟ ثم ما نراك اتَّبَعَك إلا أَراذلنا كالباعة والحاكَة وأشباههم، ولم يتبعك الأشرافُ ولا الرؤساء منّا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تَرَوٍّ منهم ولا فكرةٍ ولا نظر، بل بمجرَّد ما دعوتهم أجابوك فاتَّبعوك، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، أي: في أول بادئِ الرأي).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، (٢/ ٢٢٥)، والبيهقي في \"الأسماء\" (٧٩)، وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٤٨)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٤).","vol":"4","page":36},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.\nقال القاسمي: (﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾ خطاب لنوح وأتباعه ﴿عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي تقدّم يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة، لأن الفضل محصور عندهم بالغنى والمال. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي فيما تدعونه من الإصلاح وترتب السعادة والنجاة عليه).\n٢٨ - ٣١. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى جواب نوح - ﷺ - إلى قومه: أرأيتم أيها القوم إن كنت على يقين برحمة الله المهداة إليّ وهي النبوة التي خفيت عليكم، ولم تقدروا حقها بل قابلتموها بالسخرية والتكذيب، فكيف لي أن أجبركم عليها وأنتم لها كارهون. يا قوم إني لا أبتغي من دعوتي لكم مالًا بل أجري على الله ولا يمكنني طرد المؤمنين الصادقين، وإنما أنتم قوم تجهلون. ثم يا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون. إني لا أملك خزائن السماوات ولا أعلم الغيب ولست بملك ولا أتجرأ القول على الله أن هؤلاء الذين تزدرون لن ينالوا من الله خيرًا، فالله أعلم بأنفسهم، فإني إن تجرأت على ذلك كنت من الظالمين.\nفقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾. قال ابن جريج: (قال نوح: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾، قال: قد عرفتها، وعرفت بها أمره، وأنه لا إله إلا هو، ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾، الإسلام والهدى والإيمان والحكم والنبوة).\nوقوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾. قال قتادة: (أما والله لو استطاع نبيُّ الله - ﷺ - لألزمها قومه، ولكن لم يستطع ذلك ولم يملكه).","vol":"4","page":37},{"text":"وغاية المعنى: يجيبُ نوح - ﷺ - قومه: أرأيتم إن كنت على يقين من أمري، في رسالتي ونبوتي الصادقة، وهي الرحمة العظيمة المهداة من الله لي ولكم، ثم خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها، ولم تعرفوا قدْرها، بل قابلتم تلك النعمة والهداية الكبيرة بالتكذيب والاستهزاء والعناد، فكيف لي أن أغصبكم عليها وأنتم لها كارهون.\nوقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (قال لهم: يا قوم لا أسألكم على نصيحتي لكم، ودعايتكم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، مالًا أجرًا على ذلك، فتتهموني في نصيحتي، وتظنون أن فعلي ذلك طلبُ عرض من أعراض الدنيا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، يقول: ما ثواب نصيحتي لكم، ودعايتكم إلى ما أدعوكم إليه، إلا على الله، فإنه هو الذي يجازيني ويثيبني عليه).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. قال ابن جريج: (قالوا له: يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء. فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، فيسألهم عن أعمالهم).\nوقوله: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. قال القرطبي: (في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم).\nقلت: ويبدو أن هذه سنة في الملأ الكافر على مر الدهور والأزمان، فهم يرون إيمانهم مع الضعفاء انتقاصًا لشأنهم وما اعتادوه من أحوال الظلم والكبر واستضعاف الناس، فكان الوحي النازل يقرعهم دومًا للتخلي عن هذه الأبهة الكاذبة.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢].","vol":"4","page":38},{"text":"وقد جاءت السنة الصحيحة كذلك بتحذير النبي - ﷺ - الاستجابة لهذا المطلب الساقط من الملأ الكافر، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن سعد قال: [فيَّ نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ - قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تدني هؤلاء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه في السنن، وابن جرير في التفسير بسند صحيح عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد قال: [كنا مع النبي - ﷺ - ستة نفر، فقال المشركون للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن جرير بسنده من طريق ابن مسعود قال: [مرَّ الملأ من قريش على رسول الله - ﷺ - وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nأي: ويا قوم من يمنعني من بأس الله وانتقامه لأوليائه إن طردتهم أفلا تتعظون!\nوقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾. قال ابن\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٤١٣)، وسنن ابن ماجه (٤١٢٨)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٣١٩)، ورواه النسائي في \"التفسير\" (١٨٣)، وأخرجه أبو يعلى (٨٢٦)، والطبري (١٣٢٦٦)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. انظر سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٤١٢٨) - باب مجالسة الفقراء، ومستدرك الحاكم (٣/ ٣١٩)، وقال صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١١١٦٣)، ورواه أبو يعلى (٨٢٦).\n(٣) انظر تفسير الطبري، سورة الأنعام، آية (٥٢ - ٥٣)، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٢٤٣).","vol":"4","page":39},{"text":"جريج: (قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، التي لا يفنيها شيء، فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها، لأعطيكمْ منها، ولا أقول: إني ملك نزلت من السماء برسالة، ما أنا إلا بشر مثلكم، ولا أعلم الغيب، ولا أقول اتبعوني على علم الغيب).\nوقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به. ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إن قلت هذا الذي تقدم ذكره).\n٣٢ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: استعجال قوم نوح العذاب والوعيد، وردّ نوح - ﷺ - أمر ذلك إلى الله، ومواجهته قومه أنكم لستم بمعجزين. وأن نصحي لكم لا ينفعكم إن كان الله قضى في سابق علمه إضلالكم لفساد قلوبكم وهو العليم الحكيم. أم يقول هؤلاء أو قومك يا محمد: افتراه، فأخبرهم إن جزاء افترائي سيحيق بي، كما سيحيق بكم نكال إجرامكم.\nفقوله: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾. قال مجاهد: (ماريتنا).\nوقوله: ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾. قال ابن جريج: (تكذيبًا بالعذاب، وأنه باطل).\nوقوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ - يعني قد خاصمتنا فأكثرت خصومتنا ومحاجّتنا، فإن كنت صادقًا في دعواك أنك رسول لله فأت بالعذاب واستعجل الوعيد.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. يعني: إن الذي بيده","vol":"4","page":40},{"text":"العذاب وموعده ووقته هو الله سبحانه الذي خلقكم وخلق كل شيء ولا تعجزونه ولا يعجزه شيء.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: أيُّ شيء يُجْدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونُصحي، إن كان الله يريد إغواءكم ودمارَكم، ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي: هو مالك أَزِمَّةِ الأمور، والمتصرِّفُ الحاكمُ العادلُ الذي لا يجورُ، له الخلقُ وله الأمرُ، وهو المبدئ المعيدُ، مالكُ الدنيا والآخرة).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (هو من محاورة نوح لقومه). وقيل: بل هو كلام معترِضٌ وسط القصة والحديث عن مشركي قريش إذ زعموا أن محمدًا - ﷺ - افترى هذا القرآن. واختار ابن جرير الثاني فقال: (أيقول، يا محمد، هؤلاء المشركون من قومك: افترى محمد هذا القرآن؟ وهذا الخبر عن نوح؟ قل لهم: إن افتريته فتخرصته واختلقته ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾، يقول: فعليَّ إثمي في افترائي ما افتريت على ربي، دونكم، لا تؤاخذون بذنبي ولا إثمي، ولا أؤاخذ بذنبكم، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾، يقول: وأنا بريء مما تذنبون وتأثمون بربكم، من افترائكم عليه). واختار القرطبي أنه من محاورة نوح لقومه، ثم قال القرطبي: (وهو أظهر، لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، فالخطاب منهم ولهم ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ أي اختلقته وافتعلته، يعني الوحي والرسالة، ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ أي عقاب إجرامي، وإن كنت محقًا فيما أقوله فعليكم عقاب تكذيبي).\nقلت: والبيان الإلهي يحتمل التأويلين معًا، وهو من إعجاز هذا القرآن العظيم، وجوامع كلمه وخطابه الجامع، فيجوز أن يكون الوصف لحوار نوح مع قومه، أو لاعتراض المشركين على نبينا محمد - ﷺ -، فإن الشرك ملة واحدة عبر العصور والأزمان.\n٣٦ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي","vol":"4","page":41},{"text":"الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾.\nفي هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى نوح أنه قد انتهى كل شيء بينك وبين قومك فلن يؤمن إلا من قد آمن، فانهض لصناعة الفلك برعاية ربك ولا تسأل عن الذين ظلموا فإنهم مغرقون. ويستجيب نوح لربه ويصنع الفلك، وكلما مرّ ملأ من قومه سخروا من فعله فيواجههم نوح بصلابة وقوة أنّ السخرية سترتد بالوبال عليكم، وبالعذاب المقيم الذي يخزيكم.\nفقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾. أي: أوحى الله تعالى إلى نوح، أن المؤمنين هم من قد آمن معك من قومك، ولا طمع بغيرهم، وقد أظل المجرمين أمر الله وحق عليهم القول.\nوقوله: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال مجاهد: (لا تحزن). وقال قتادة: (لا تأس، ولا تحزن).\nوقد كان نوح - ﷺ - دعا على قومه لما عاجزوه واستعجلوا نقمة الله وعذابه لينزل بهم فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].\nوفي التنزيل أيضًا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].\nفهنالك أوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿الْفُلْكَ﴾، السفينة). وعن ابن عباس: (﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، وذلك أنه لم يعلم كيف صنعةُ الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جُؤْجُؤ الطائر). وعن مجاهد: (﴿وَوَحْيِنَا﴾، قال: كما نأمرك). وعن قتادة: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، قال: بعين الله ووحيه). وقال ابن كثير: (﴿بِأَعْيُنِنَا﴾، أي: بمرأى منا). وعن ابن جريج: (﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾، قال: يقول: ولا تراجعني. قال: تقدَّم أن لا يشفع لهم عنده).","vol":"4","page":42},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (ويصنع نوح السفينة، وكلما مرّ عليه جماعة من كبراء قومه، ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾، يقول: هزئوا من نوح، ويقولون له: أتحوّلت نجارًا بعد النبوة، وتعمل السفينة في البر؟ فيقول لهم نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ إن تهزؤوا منا اليوم، فإنا نهزأ منكم في الآخرة، كما تهزؤون منا في الدنيا).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.\nأي: فسوف تعلمون معشر المستهزئين إذا جاء أمر الله مَن الهالك، وَمَنْ ينزل به عذاب يهينه ويُذِلّه، ثم مَنْ ينزل به في الآخرة عذاب لا خلاص منه ولا نجاة ولا مخرج من ألمه.\n٤٠ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: نُزولُ أمر الله في قوم نوح، فيأمر الله تعالى نبيّه نوحًا - ﷺ - أن يحمل في السفينة من كل صنف من المخلوقات زوجين، وكذلك أهل بيته وأرحامه وقرابته - إلا من سبق القول أنه لن يؤمن -، ويحمل كذلك مَنْ آمن معه من قومه وهم نزر قليل. فيركب نوح - ﷺ - والمؤمنون ويقول: بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم. وأثناء سير السفينة على وجه الماء الآخذ في الارتفاع يبصر نوح ابنه يام - وكان كافرًا انعزل عن أبيه وعن السفينة - فيدعوه للركوب وَأَخْذِ سبيل النجاة كيلا يكون مع","vol":"4","page":43},{"text":"الهالكين. فيأبى ويفضل الانحياز إلى الجبل للتحصن فيه من أمواج الماء، فيخبره نوح أنه لا نجاة اليوم إلا في هذه السفينة، ويمضي أمر الله ليكون ابن نوح مع المغرقين. ثم يأمر الله تعالى الأرض بتشرب الماء والسماء بالإقلاع عن المطر، وقضي الأمر بإهلاك قوم نوح، وأرست السفينة على جبل الجودي، وقيل سحقًا لقوم نوح الذين غضب الله عليهم وكانوا من الظالمين.\nفقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ - وذلك حين حلول وعيد الله بالطوفان، وإغراق الكفار من الأنام.\nقال ابن عباس: (التنّور: وجه الأرض). والتقدير: انبجس الماء من وجه الأرض. قال ابن كثير: (أي: صارت الأرض عيونًا تفور، حتى فار المار من التنانير التي هي مكانُ النار، صارت تفورُ ماءً. وهذا قول جمهور السَّلف وعلماءِ الخلف).\nوفي التنزيل: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٤].\nوقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾.\nقال مجاهد: (﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، قال: ذكر وأنثى من كل صنف). وقال الضحاك: (يعني بالزوجين اثنين، ذكر وأنثى). وقال ابن جرير: (يعني بالأهل: ولده ونساءه وأزواجه - إلا من قلت فيهم: إني مهلكه). أي: فلما جاء ميعاد إهلاك القوم الكافرين، أمر الله نوحًا - ﷺ - أن يحمل معه في السفينة من صنوف المخلوقات ذات الأزواج، قيل: وغيرها من النباتات - اثنين، ذكرًا وأنثى، وكذلك أهل بيته وأرحامه وقرابته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله وكفر برسوله نوح - ﷺ -، فكان منهم ابنه يام الذي انعزل وحده، وكذلك امرأة نوح، التي كانت كافرة بالله ورسوله.\nوقوله: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾. أي: واحمل معك كذلك في السفينة مَنْ آمَنَ مِنْ قَومِكَ. وقوله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. أي: نزر يسير ممن صدّقه وتابعه من أهله وقومه.\nوقوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾. أي: كما قال مجاهد: (حين يركبون ويجرون ويرسون). أو قال: (قال: بسم الله حين يجرون وحين يرسون).\nوالتقدير: أي باسم الله يكون جَرْيُها على وجه الماء، وباسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رُسُوُّها.\nوقرأ عامة قراء الكوفة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بفتح الميم من ﴿مَجْرَاهَا﴾","vol":"4","page":44},{"text":"وضمها من ﴿وَمُرْسَاهَا﴾. في حين قرأ عامة قراء المدينة والبصرة: \"بسم الله مُجْراها ومُرْساها\" كلاهما بضم الميم. وقرأ أبو رَجَاء العَطَاردي: \"بسم الله مُجْرِيها وَمُرْسِيها\" بضم الميم فيهما، ويصيرهما نعتًا لله.\nقلت: وذكر الله عند بداية الإقلاع على الدابة وفي السفر وكذلك التسمية عند ابتداء الأمور مشروع في الكتاب والسنة.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨، ٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤].\nومن السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر - ﵄ -: [أن النبي - ﷺ - كان إذا ركب راحلته كبَّر ثلاثًا ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. ثم يقول: اللهمَّ، إني أسألك في سَفَري هذا البرّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هوِّن علينا السفر واطْوِ لنا البعيد. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهم اصحَبنا في سَفَرنا، واخلُفنا في أهلنا]. وكان إذا رجع إلى أهله قال: \"آيبون تائبون إن شاء الله، عابدون، لربنا حامدون\" (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي لاسٍ - محمد بن الأسود بن خلفٍ - الخزاعي قال: [حملنا رسول الله - ﷺ - على إبلٍ من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسولَ الله، ما نرى أن تحملنا هذه! فقال - ﷺ -: ما من بعير إلا في ذرْوَتِه شيطانٌ، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهِنُوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله ﷿] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٩٩)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٥٤٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٢١)، والطبراني (٢٢/ ٣٣٤)، وللحديث شواهد.","vol":"4","page":45},{"text":"الحديث الثالث: أخرج أحمد والدارمي وابن حبان بسند حسن من حديث أسامة بن زيد عن محمد بن حَمْزَة: أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله - ﷺ -[يقول: على ظهر كُلِّ بعير شيطانٌ، فإذا ركبتموها فسمّوا الله ﷿، ثم لا تُقَصِّروا عن حاجاتكم] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال القرطبي: (أي لأهل السفينة).\nوذكر المغفرة والرحمة هنا مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين. وفي التنزيل نحو هذا كثير:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠].\nوفي مسند البزار بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنْتُهُ يوم أجمع عبادي] (٢).\nوقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. قال ابن كثير: (أي: السفينة سائرةٌ بهم على وجه الماء، الذي قد طَبَّقَ جميع الأرض، حتى طَفَت على رؤوس الجبال).\nوقال النسفي: (يريد موج الطوفان، وهو جمع موجة كتمر وتمرة، وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه بدخول الرياح الشديدة في خلاله، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها).\nوقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.\nأي: ونادى نوح ابنه يام، وهو كما رُوي الابن الرابع، وكان كافرًا، فانعزل عن أبيه وعن السفينة، فدعاه أبوه نوح - ﷺ - ليؤمن ويركب وينجو مع الناجين ولا يكون مع الهالكين فأبى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٤)، والدارمي (٢/ ٢٨٥)، وابن حبان (١٧٠٣) بسند حسن.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٨)، وأخرجه البزار (انظر الهيثمي في \"المجمع\" ١٠/ ٣٠٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٧٤٢).","vol":"4","page":46},{"text":"وقوله: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾.\nقال ابن جرير: (قال ابن نوح، لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة، خوفًا عليه من الغرق: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يقول: سأصير إلى الجبل أتحصّن به من الماء، فيمنعني منه أن يغرقني. وقوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، يقول: لا مانع من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك، إلا من رَحمَنا فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم).\nومضت السفينة تسير على وجه الماء تحمل الأمن والطمأنينة لساكنيها، وتخفي وراءها الدمار والهلاك للطغاة والعتاة والمجرمين، كما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١، ١٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٣ - ١٥].\nوقوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.\nأي: كتب الله الغرق على ابن نوح الضال، فدخل في جملة الغرقى الهالكين.\nوقوله: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾.\nأي: قال الله للأرض - بعد نزول نقمته بأهل الكفر وغرقهم - يا أرض تَشرَّبي ماءك، ويا سماء أقلعي عن المطر وأمسكي، فذهبت الأرض بالماء الذي كان عليها ونَشِفَتْه، وقضي الأمر بإهلاك قوم نوح، وأرست السفينة على جبل الجودي - الذي هو بناحية الموصل أو الجزيرة - فيما ذكر.\nوعن مجاهد: (﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، قال: نقص، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، قال: هلاك قوم نوح).\nوقال ابن جريج: (﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، نَشِفَتْهُ الأرض).\nوعن ابن عباس: (﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، يقول: أمسكي، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، يقول: ذهب الماء).","vol":"4","page":47},{"text":"وعن مجاهد: (﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، قال: الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولَت، وتواضع هو لله، فلم يغرق، وأرسيت سفينة نوح عليه).\nوعن الضحاك يقول: (﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ هو جبل بالموصل) - والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. أي: سحقًا لقوم نوح الذين حاق بهم غضب الله فنزل بهم عذابه.\n٤٥ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾.\nفي هذه الآيات: مناجاة نوح ربه لنجاة ولده، وجواب الله له أنه ليس من أهله، ووعظه له أن لا يسأل ما ليس له به علم، واستغفار نوح - ﵊ - من ذلك. ثم أَمْرُ الله نوحًا الهبوط بسلام عليه وعلى من معه، وعلى كل من تبعه على الحق، وأما من خالف منهاجه دخل في متاع قليل ينتهي بعذاب أليم.\nفقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ونادى نوح ربه فقال: ربِّ إنك وعدتني أن تنجيني من الغرق والهلاك وأهلي، وقد هلك ابني، وابني من أهلي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾، الذي لا خلف له، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ بالحق، فاحكم لي بأن تفي لي بما وعدتني، من أن تنجّي لي أهلي، وترجع إليَّ ابني).\nوقوله: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال ابن عباس: (ما بغت امرأة نبي قط. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، الذين وعدتك أن أنجيهم معك). وقال:","vol":"4","page":48},{"text":"(هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية).\nوهو يرد بذلك على من زعم أنه ليس ابنه على الحقيقة، بل ولد على فراشه، أو ولد زنية. قال سعيد بن جبير: (قال الله، وهو الصادق: وهو ابنه، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾).\nوكان قد جاءه رجل فسأله: أرأيتك ابن نوح ابنه؟ فَسَبَّح طويلًا، ثم قال: (لا إله إلا الله، يحدِّث الله محمدًا: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ وتقول: ليس منه؟ ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن).\nوقال الضحاك: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، يقول: ليس من أهل ولايتك، ولا ممن وعدتك أن أنجي من أهلك، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، يقول: كان عمله في شرك).\nوهناك من قرأها: \"إنه عَمِلَ غيرَ صالح\" - وروي ذلك عن ابن عباس (١). والجمهور على قراءتها: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ - وتأويل ذلك كما ذكر مجاهد قال: (سؤالك إياي، عمل غير صالح). ولذلك قال بعدها: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ - وفيه أكثر من تأويل:\n١ - أي فلا تسألن ما ليس لك به علم بجواز مسألته - ذكره النسفي.\n٢ - أي أنهاك عن هذا السؤال، وأحذرك لئلا تكون من الجاهلين أي الآثمين - ذكره القرطبي.\n٣ - أي فلا تسألن عما قد طويتُ علمه عنك من أسباب أفعالي وقد أخبرتك سبب إهلاك ابنك - ذكره ابن جرير.\nقلت: وكل ما سبق يدل على آفاق مفهوم الآية ويزيد في توضيح معانيها.\nقال القاسمي: (﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي أنهاك أن تكون منهم بسؤالك إياي ما لم تعلم).\nوقال ابن العربي: (وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحًا عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فيه ذكر إنابة نوح ﵇ بالتوبة إلى الله من زلته في مسألته.\n_________\n(١) قلت: بل ثبت ذلك عن النبي - ﷺ -. فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن أم سلمة: [أن النبي - ﷺ - كان يقرؤها: \"إنه عَمِلَ غيرَ صالح\"]. صحيح سنن الترمذي (٢٣٣٦/ ١).","vol":"4","page":49},{"text":"قال ابن جرير: (أي: أستجير بك أن أتكلف مسألتك ما ليس لي به علم، مما قد استأثرت بعلمه، وطويتَ علمه عن خلقك، فاغفر لي زلتي في مسألتي إياي ما سألتك في ابني، وإن أنت لم تغفرها لي وترحمني فتنقذني من غضبك، ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، يقول: من الذين غبنوا أنفسهم حظوظها وهلكوا).\nوقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nإخبارٌ من الله تعالى عن قيله لنوح - ﷺ - حين أرست السفينة واستوت على جبل الجودي: أن سلام عليك وعلى من معك من المؤمنين، وعلى كل مؤمن من ذريتك إلى يوم القيامة. كما قال محمد بن كعب القرظي: (دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة).\nوعن ابن زيد قال: (هبطوا والله عنهم راض، هبطوا بسلام من الله. كانوا أهل رحمة من أهل ذلك الدهر، ثم أخرج منهم نسلًا بعد ذلك، أممًا، منهم من رحم، ومنهم من عذب. وقرأ: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾، وذلك إنما افترقت الأمم من تلك العصابة التي خرجت من ذلك الماء وسلمت).\nوعن الضحاك: (يقول في قوله: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾، الآية، يقول: بَركات عليك وعلى أمم ممن معك لم يولدوا، أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة، ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾، يعني: متاع الحياة الدنيا، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة).\nوقال الحسن: (فأنجى الله نوحًا والذين آمنوا، وهلك المتمتعون! حتى ذكر الأنبياء، كل ذلك يقول: أنجاه الله وهلك المتمتعون).\n٤٩. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾.\nفي هذه الآية: إخبار الله تعالى نبيّه محمدًا - ﷺ - أن هذه القصة من أخبار الغيب يقصها عليه بالوحي، وما كان له ولقومه العلم بدقائقها قبل هذا، فاصبر - يا محمد - كما صبر نوح والرسل قبلك فالنصر والعاقبة للمتقين.","vol":"4","page":50},{"text":"قال النسفي: (أي - أخبار - تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك مجهولة عندك وعند قومك ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الوقت، أو من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها ﴿فَاصْبِر﴾ على تبليغ الرسالة وأذى قومك كما صبر نوح، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما كان لنوح ولقومه ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ في الفوز والنصر والغلبة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الشرك).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١، ١٧٢].\nأخرج الخطيب في \"التاريخ\"، والديلمي في \"مسند الفردوس\"، بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النصر مع الصَّبر، والفَرَجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْر يُسْرًا، وإن مع العُسْر يُسْرًا] (١).\n٥٠ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن إنذار هود - ﷺ - قومه ليفردوا الله تعالى بالعبادة والتعظيم، قبل حلول نقمة الله بهم ونزول العذاب الأليم. قال يا قوم لا أبتغي ببلاغي ودعوتي لكم مالًا بل أجري على الله الذي فطرني وأرسلني إليكم أفلا تعقلون. ويا قوم الزموا استغفار ربكم، فإنه من فضله ونعمه يزيدكم، فيرسل عليكم المطر والرزق ويزيدكم قوة إلى قوتكم، ولا تستكبروا عن طاعته وتسلكوا سبيل المجرمين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧) من حديث أنس بن مالك، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٣٨٢).","vol":"4","page":51},{"text":"فقوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾. أي: وأرسلنا كذلك إلى قوم عاد أخاهم هودًا.\nقال القرطبي: (وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة تجمعهم).\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أفردوا الله تعالى بالدعاء والتعظيم ولا تصرفوا العبادة لغيره، فهو الله الواحد الأحد المستحق للعبادة.\nوقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول ما أنتم، في إشراككم معه الآلهة والأوثان، إلا أهل فرية مكذبون، تختلقون الباطل، لأنه لا إله سواه).\nوقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله، إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ من يدعوكم إلى ما يُصْلِحُكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.\nبيان لما أرشدهم به هود - ﷺ - من الإنابة والاستغفار والتوبة إلى الله وما يعقب ذلك من إرسال الله تعالى السماء بالمطر والخير، وزيادة الشوكة والقوة والمال، وتوضيح لمغبة الإعراض عن دين الله وعن اتباع رسوله. قال مجاهد: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، قال: شدة إلى شدتكم).\nقال النسفي: (إنما قصد استمالتهم إلى الإيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين فكانوا أحوج شيء إلى الماء، وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة البطش والقوة، وقيل أراد بالقوة المال. ثم قال: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا﴾ ولا تعرضوا عني وعما أدعو إليه ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مصرين على إجرامكم وآثامكم).\nوفي التنزيل - قول نوح - ﷺ -: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿مِدْرَارًا﴾، يقول: يتبع بعضها بعضًا).\nوعن ابن زيد: (﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، قال: يدر ذلك عليهم قطرًا ومطرًا).","vol":"4","page":52},{"text":"٥٣ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: مجادلة قوم هُودٍ نبيّهم بالباطل، وإعلانهم كفرهم بما جاء به، وأنّ الذي هو عليه سوء مما اعتراه بعض آلهتهم. ومقابلة هود - ﷺ - لهم بإعلانه البراءة من شركهم، وتحديهم بأن يكيدوا له كما يشاؤون فهو متوكل على الله ربهم ورب كل دابة وكل شيء، وهو سبحانه له الصراط المستقيم والدين القويم.\nفقوله: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ - هو جواب قوم هود له، قالوا: ما أتيتنا بحجة ولا برهان على دعواك فيما تأمرنا من توحيد الله والإقرار بنبوتك.\nوقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. أي: وما نحن بتاركي آلهتنا من أجلك أو لقولك، وما نحن بمقرين لك الرسالة أو النبوة.\nوقوله: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال مجاهد: (أصابتك الأوثان بجنون)، أو قال: (سَبَبْتَ آلهتنا وعِبْتَها، فَأَجَنَّتْكَ).\n٢ - وعن قتادة قال: (ما يحملك على ذمّ آلهتنا إلا أنه أصابك منها سوء).\n٣ - وقال الضحاك: (يقولون: نخشى أن يصيبك من آلهتنا سوء، ولا نحب أن تعتريك، يقولون: يصيبك منها سوء).\n٤ - وقال ابن زيد: (يقولون: اختلَط عقلك فأصابك هذا، مما صنعت بك آلهتنا).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ - بيان لمنهج المفاصلة عند الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوفي هذا البيان فوائد عظيمة:","vol":"4","page":53},{"text":"أولًا - أشهد هود صلوات الله وسلامه عليه الله على براءته من دينهم، وأن الله هو وليه وناصره.\nثانيًا - أشهدهم مخالفة رأيهم وتوجههم ودينهم وما يعبدون.\nثالثًا - أكَّدَ اعتزازه بالله بالاستهانة بما هم عليه، وبما هم عاكفون على تعظيمه، وبأنهم لو اجتمعوا على شفاء غيظهم منه، وعاجلوه ولم يمهلوه، لم ينالوا منه إلا ما كتب الله له.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nقال القرطبي: (﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ - أي: رضيت بحكمه، ووثقت بنصره. ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي نفس تدب على الأرض. ﴿إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ - أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء، أي فلا تصلون إلى ضري).\nوالناصية قُصاص الشعر في مقدم الرأس، وكان العرب إذا أسروا أسيرًا فأرادوا إطلاقه والمنّ عليه، جزّوا ناصيته، ليعتدوا بذلك عليه فخرًا عند المفاخرة.\nقال ابن جريج: (إنما خص الناصية، لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع، فيقولون: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء).\nوعن الفراء: (﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ قال: مالكها، والقادر عليها). وقال القتبي: (قاهرها، لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته). وقال الضحاك: (يحييها ثم يميتها) - وكلها أقوال متقاربة.\nوعن مجاهد: (﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، قال: الحق).\n٥٧ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ","vol":"4","page":54},{"text":"وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلان هود - ﷺ - إقامته الحجة على قومه، وأن تماديهم بالغَيِّ مآله إلى الهلاك، وقد يستبدلهم الله ولا يضرونه شيئًا فالله على كل شيء حفيظ. ولما نزل العذاب نجّى الله هودًا والذين آمنوا وأهلك الطغاة والعتاة والمجرمين، وأتبعهم لعنة إلى يوم الدين، ويوم القيامة هم من المبعدين المقبوحين الهالكين.\nفقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾. أي يقول هود - ﷺ - لقومه: فإن أعرضتم عن الحق وتَنَكَّرْتُم لهذا الوحي فقد أقمت عليكم الحجة فيما يجب عليكم من إفراد الله تعالى بالتعظيم والعبادة.\nوقوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.\nأي: والله تعالى هو الذي يهلككم ولا تعجزونه، ويستخلف قومًا بعدكم خيرًا منكم يقومون بمقتضى التوحيد وإخلاص العبادة له سبحانه، ثم إنه لا يضره هلاككم كما لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا: [قال الله تعالى: يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني] (١).\nقال ابن جرير: (﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾، يقول: إن ربي على جميع خلقه ذو حفظ وعلم. يقول: هو الذي يحفظني من أن تنالوني بسوء).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.\nأي: وحين جاء ميقات عذاب قوم هود بإرسال الريح العقيم لتستأصلهم عن آخرهم، نجّى الله تعالى نبيّهُ هودًا والمؤمنين معه بفضل منه وبكرمه ورحمته. قال النسفي: (﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ أي بفضل منا لا بعملهم، أو بالإيمان الذي أنعمنا عليهم. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. قال: وتكرار \"نجينا\" للتأكيد أو الثانية من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٧) من حديث أبي ذر، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠)، وهو جزء من حديث طويل.","vol":"4","page":55},{"text":"وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [لا يُدْخِلُ أحدًا منكم عَمَلُهُ الجنة، ولا يُجيرُهُ من النار، ولا أنا، إلا برحمة من الله] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.\nقال ابن كثير: (﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، كفروا بها، وعصوا رسل الله، وذلك أنَّ من كَفَرَ بنبيٍّ فقد كَفَرَ بجميع الأنبياء، لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به، فعادٌ كفروا بهودٍ، فَنُزِّلَ كفرُهم منزلة من كفر بجميع الرسل).\nوقال القاسمي: (﴿وَأُتْبِعُوا﴾ أي أطاعوا في الشرك ﴿كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ لا يستدل بدليل، ولا يقبله من غيره. يريد رؤساءهم وكبراءهم، ودعاتهم إلى تكذيب الرسل).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.\nأي: أتبع قوم هود في هذه الدنيا غضبًا من الله، ولعنة عليهم من عباده المؤمنين كلما ذكروا. قال السُّدي: (ما بُعِثَ نبيٌّ بعد عاد إلا لُعِنُوا على لسانه).\nثم إنهم تنالهم يوم القيامة لعنة أخرى بعد تلك اللعنة التي سلفت لهم في الدنيا، وينادى على رؤوس الأشهاد: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ - أي أبعدهم الله من الخير.\n٦١ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقص تعالى خبر ثمود مع نبيهم صالح ﵊، إذ دعاهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وشكره على ما أعطاهم واستغفاره فهو الغفور الرحيم. فما كان منهم إلا أن أظهروا الشك والاتهام وأعلنوا لآلهتهم الولاء،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨١٧) - كتاب صفات المنافقين -، وانظر الحديث (٢٨١٨) بعده.","vol":"4","page":56},{"text":"والتمسك بما كان يعبد الآباء. فأجابهم صالح ﵊ بتمسكه بيقين النبوة، وخوفه من معصية رب البرية، فلا أحد يستطيع دفع عذاب الله وسخطه مهما أوتي من القوة.\nفقوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.\nأي: وكذلك أرسلنا صالحًا إلى ثمود أن أفردوا الله تعالى بالدعاء والتعظيم، وأخلصوا له العبادة والألوهة، فإنه لا إله إلا هو.\nوقوله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. يقول: هو ابتدأ خلقكم من تراب الأرض، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ثم جعلكم عُمّارًا فيها، فأسكنكم إياها أيام حياتكم، لتعمروها وتستغلونها في مصالحكم.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله تعالى خَلَقَ آدمَ من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهل والحَزْنُ، والخبيثُ والطيبُ، وبين ذلك] (١).\nوعن مجاهد: (﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، قال: أعمركم فيها).\nوقوله: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.\nأي: فاستغفروا ربكم لسالف ذنوبكم، ثم توبوا إليه فاتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم، وأحسنوا التوجه والعمل فيما تستقبلونه، إنَّ ربي قريب من المخلصين له، التائبين الحريصين على مرضاته، مجيب لدعائهم ومفرج لكروبهم.\nوفي التنزيل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nوفي جامع الترمذي عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٦)، وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٣٢٧، ٣٨٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ١٠٤). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٦٣٠).","vol":"4","page":57},{"text":"ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.\nذِكْرُ إجابة ثمود لنبيهم صالح ﵊: أَنْ كُنّا نرجو أن تكون فينا سيدًا قبل أن يصدر عنك ما قلت، وكنا نرجوك في عقلك ونفتخر برأيك قبل أن تقول في الألوهية غير ما ألفناه. قال النسفي: (﴿مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ للسيادة والمشاورة في الأمور، أو كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه).\nوقال القاسمي: (﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي من الأوثان ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ أي من التوحيد ﴿مُرِيبٍ﴾ أي موقع في الريبة، وهي قلق النفس، وانتفاء الطمأنينة).\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: إن كنت على برهان وبيان من الله قد علمته وأيقنته، ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾، يقول: وآتاني منه النبوة والحكمة والإسلام، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾، يقول: فمن الذي يدفع عني عقابه إذا عاقبني إن أنا عصيته).\nوقوله: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾. قال مجاهد: (ما تزدادون أنتم إلا خسارًا).\nوقال الفراء: (أي تضليل وإبعاد من الخير). قال القرطبي: (والتخسير لهم لا له - ﷺ -، كأنه قال: غير تخسير لكم لا لي. وقيل: المعنى ما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم، عن ابن عباس).\nقلت: والسياق يدل على حديثه - ﷺ - عن نفسه، أي: لو تركت دعوتكم إلى الحق وإفراد الله سبحانه بالعبادة والتعظيم، وعصيت ربي بمجاراة أهوائكم، لما نفعتموني ولما زدتموني إلا خسارة بتعريضي لسخط الله.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٣٧٨٩) بسند صحيح. وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٨٠٥).","vol":"4","page":58},{"text":"٦٤ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إجابة صالح - ﷺ - قومه عندما سألوه آية كحجة وبرهان على صدق دعوته ونبوته، فأعلمهم أن تلك الناقة آية لهم، رِزْقُها على الله، وإنما حذرهم من قتلها أو مسّها بسوء لئلا ينزل بهم عذاب من الله غير بعيد، فما كان منهم إلا أن عقروها وتجرؤوا على التحدي فأخبرهم: أن استمتعوا في دار الدنيا بحياتكم ثلاثة أيام، وعد من الله غير مخلوف. ولما جاء ميقات هلاكهم نجَّى الله صالحًا والمؤمنين برحمته وهو القوي العزيز، وأنزل بأسه بالقوم الظالمين فأخذتهم الصيحة فأصبحوا هلكى في ديارهم خامدين. كأن لم يغنوا بالأمس ألا إن ثمود عتوا عن أمر ربهم فأبعدهم ربهم من رحمته وأنزل بهم أليم عذابه.\nوعن قتادة: (﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، قال: بقية آجالهم). وعنه قال: (﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾، قال: نجاه الله برحمة منه، ونجاه من خزي يومئذ).\nوقال النسفي: (﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أي صيحة جبريل ﵇، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ﴾ منازلهم ﴿جَاثِمِينَ﴾ ميتين).\nوعن ابن عباس: (﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾، قال: كأن لم يعيشوا فيها).\nوقال ابن جرير: (﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، يقول: ألا إن ثمود كفروا بآيات ربهم فجحدوها، ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾، يقول: ألا أبعد الله ثمود! لنزول العذاب بهم).\nوقد سبق تفصيل هذه القصة في سورة الأعراف بما يغني عن إعادته هنا ولله الحمد والمنة.","vol":"4","page":59},{"text":"٦٩ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ قصة لوط ﵇، وكانت قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهيم ﵇ ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان يحسن قِرى من ينزل عنده، وكانوا مروا ببشارة إبراهيم، فظنهم أضيافًا. قيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈، قاله ابن عباس، وقال الضحاك: كانوا تسعة. وقال السدي: كانوا أحد عشر ملكًا على صورة الغلمان الحسان الوجوه، فأقبلوا ببشرى الولد أو بإهلاك قوم لوط، فجاءهم إبراهيم بعجل مشوي يناسب حسن الضيافة، فلما رآهم لا يأكلون خافهم فأخبروه مُطمئنِين، أنهم ملائكة رب العالمين، أرسلهم سبحانه لإهلاك قوم مجرمين. فضحكت سارة لسماع بشرى إهلاك القوم المفسدين، فزادوها بشارة بإسحاق ثم يعقوب هدية رب العالمين. فتعجبت من الإنجاب وهي عجوز وبعلها شيخ كبير، فأعلموها أن ذلك أمر الله الحميد المجيد.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾. أي: جاءت الملائكة إبراهيم خليل الله تبشره بإسحاق، وقيل بهلاك قوم لوط. وفي التنزيل مما يشهد للأول: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.\nوقوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ - أي: عليكم. والتقدير: فسلموا عليه سلامًا فرد عليهم بقوله سلام، بمعنى: عليكم السلام، أو بمعنى: سلام منكم، أو أمركم سلام.\nقال علماء البيان: (هذا أحسنُ ما حَيَّوه به، لأن الرفع يدلُّ على الثبوت والدوام) - ذكره الحافظ ابن كثير.","vol":"4","page":60},{"text":"وقوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. أي: انصرف مسرعًا لإحضار الضيافة والقيام بآداب الاستقبال، فأتاهم بعجل مشوي على الحجارة المحماة.\nقال ابن عباس (﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، يقول: نضيج). وقال مجاهد: (﴿بِعِجْلٍ﴾، حَسِيل البقر، و\"الحنيذ\"، المشوي النضيج). وقال: (﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، نضيج، سُخِّنَ، أنضج بالحجارة). وقال السدي: (ذبحه ثم شواه في الرَّضف) - وهي الحجارة المحماة. وفي لغة العرب: حنذت الشاة أي شويتها، وجعلت فوقها حجارة مُحْمَاة لتنضجَها فهي حنيذ.\nوفي الآيات من آداب الضيافة:\n١ - ردّه السلام بسلام أحسن منه. فالرفع يدل على الثبوت والدوام - ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾.\n٢ - انسحب بسرعة للقيام بحسن الضيافة - ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ - أي ما أبطأ مجيئه، و\"ما\" نافية.\n٣ - قرّب إليهم الطعام، فإن كرامة الضيف تعجيل التقديم، وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول، فلما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم، لأنهم خرجوا عن العادة وخالفوا السنة، وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه، فإن العرب إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شرًا. وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.\n٤ - من حسن الضيافة مسارقة الضيف النظر للتأكد من أنه يأكل، وذلك بين الفينة والفينة بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر.\nوفي التنزيل: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ [الذاريات: ٢٦، ٢٧].\nوقد حفلت السنة الصحيحة كذلك بذكر فضائل وآداب الضيافة، في أحاديث من جوامع كلم النبوة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي شُرَيح الخزاعي قال: [سَمِعَ أُذُنايَ وَوَعاهُ قلبي النبي - ﷺ - يقول: \"الضيافة ثلاثةُ أيام، جائزتُهُ\"، قيل: وما جائِزتُهُ؟","vol":"4","page":61},{"text":"قال: يوم وليلة، قال: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكْرِمْ ضَيْفَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو لِيَسْكُت] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: [الضيافة ثلاثة أيام، فما سوى ذلك فهو صدقة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيحِ عن أبي شُرَيْح الخزاعي، عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فلْيُكرِمْ ضَيْفَهُ. وجائزتُهُ يومٌ وليلةٌ. ولا يحِلُّ له أن يَثْويَ عند صاحِبِهِ حتى يُحْرِجَهُ. الضيافة ثلاثة أيام. وما أنفق عليه بعد ثلاثة أيام، فهو صدقة] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر، أنه قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فما يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله - ﷺ -: [إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقّ الضيف الذي ينبغي لهم] (٤).\nقال أبو داود: (وهذه حجة للرجل يأخذ الشيء إذا كان له حقًا).\nالحديث الخامس: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن المقدام أبي كريمة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليلةُ الضيف واجبة. فإن أصبح بفنائه، فهو دَيْنٌ عليه. فإن شاء اقتضى، وإن شاء ترك] (٥).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.\nقال قتادة: (وكانت العرب إذا نزل بهم ضيف، فلم يطعم من طعامهم، ظنوا أنه لم يجئ بخير، وأنه يحدث نفسه بِشَرّ). ﴿نَكِرَهُمْ﴾: أي تنكّرهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٧٦) - كتاب الرقاق - باب حفظ اللسان. وانظر (٦٤٧٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٧٤٩) - كتاب الأطعمة - باب ما جاء في الضيافة، وانظر صحيح سنن أبي داود (٣١٨٩) - وقال الألباني: حسن صحيح الإسناد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٦٧٥)، كتاب الأدب، باب حق الضيف، وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٢٩٦٤) - وأصله في الصحيحين كما مضى نحوه.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما. انظر صحيح سنن أبي داود (٣١٩١)، وصحيح سنن ابن ماجه (٢٩٦٥).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٦٧٧)، وأبو داود (٣٧٥٠)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٣١٩٠) من حديث المقدام أبي كريمة ﵁ مرفوعًا.","vol":"4","page":62},{"text":"وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. قال ابن جرير: (قالت الملائكة، لما رأت ما بإبراهيم من الخوف منهم: لا تخف منا وكن آمنا، فإنا ملائكة ربّك، ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.\nإِخْبَارٌ عن سارة امرأة إبراهيم ﵉ إذ كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلام الرسل وكلام إبراهيم ﵇. أو قيل: كانت قائمة تخدمُ الرسل، وإبراهيم جالسٌ مع الرسل. فضحكت استبشارًا بهلاك قوم لوط لشدة فسادهم وغِلظ فجورهم في البلاد، فَبُشِّرت بالولد بعد الإياس: إسحاق ومن ورائه يعقوب.\nوهناك أقوال عند المفسرين غير مناسبة نحو: (ضحكت: حاضت) أو ضحكت لروع إبراهيم. وإنما يفيد من تلك الأقوال:\n١ - يروي ابن جرير بسنده عن السدي قال: (بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط، أقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيَّفوه. فلما رآهم إبراهيم أجلّهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فذبحه ثم شواه في الرَّضف، فهو \"الحنيذ\" حين شواه. وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم. فذلك حين يقول: \"وامرأته قائمة وهو جالس\"، في قراءة ابن مسعود. فلما قرّبه إليهم قال: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم، إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن. قال: فإن لهذا ثمنًا! قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حُقَّ لهذا أن يتخذه ربه خليلًا! فلما رأى أيديهم لا تصل إليه - يقول: لا يأكلون - فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا هؤلاء، إنّا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا!).\n٢ - وعن قتادة أنه قال: (ضحكت تعجبًا مما فيه قوم لوط من الغفلة، ومما أتاهم من العذاب). - واختاره ابن جرير.\n٣ - وعن وهب بن منبه يقول: (قالوا: لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم مبارك! وبشّر به امرأته سارة، فضحكت وعجبت: كيف يكون لي ولد وأنا عجوز، وهو شيخ كبير؟ فقالوا: أتعجبين من أمر الله، فإنه قادر على ما يشاء! فقد وهبه الله لكم، فأبشروا به).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.","vol":"4","page":63},{"text":"هذا قولها عند التعجب من إمكانية الولادة وقد أسنّت وزوجها في الشيخوخة، وقد حكى الله فعلها أثناء تعجبها في آية الذاريات: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ - على عادة النساء عند تعجبهن في أقوالهن وأفعالهن.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمْرِ الله فإنه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزًا عقيمًا وبعلك شيخًا كبيرًا فإن الله على ما يشاء قدير. ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾، أي هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمودٌ ممجَّدٌ في صِفاته وذاته، ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلامَ عليك، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: \"قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيمَ، وبارك على محمد وعلى آل محمدٍ، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\" (١».\n٧٤ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾.\nفي هذه الآيات: محاولة إبراهيم - ﷺ - بعد زوال الخوف عنه وحصول البشرى له ردّ العذاب عن قوم لوط، بمجادلة الملائكة فيهم إنه حليم أواه منيب، وإجابة الملائكة له بقطع الجدال في شأنهم، فقد نزل أمر الله فيهم، فهم قادمون لا محالة على عذاب يستأصلهم.\nوعن مجاهد: (﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾، قال: الفَرَق). وقال قتادة: (ذهب عنه الخوف). والمقصود: لما ذهب عن إبراهيم ما أوجسه في نفسه من الخوف من ضيوفه حين رأى أيديهم لا تصل إلى طعامه، وأمن أن يكون قُصِدَ في نفسه وأهله بسوء.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٥٧)، ومسلم (٤٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٤١)، وأهل السنن من حديث كعب بن عجرة. وأخرجه الدارمي (١٣١٦)، وأخرجه الطيالسي (١٠٦١).","vol":"4","page":64},{"text":"وقوله: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾. قال قتادة: (حين أخبروه انهم أرسلوا إلى قوم لوط، وانهم ليسوا إياه يريدون). وقال ابن إسحاق: (﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق).\nوقوله: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. قال مجاهد: (يخاصمنا).\nوعن ابن إسحاق قال: (جادل عن قوم لوط ليرد عنهم العذاب).\nوعن السدي فيها: (قال: ما خطبكم أيها المرسلون؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم لوط. فجادلهم في قوم لوط، قال: أرأيتم إن كان فيها مئة من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا! فلم يزل يُحطّ حتى بلغ عشرة من المسلمين، فقالوا: لا نعذبهم، إن كان فيهم عشرة من المسلمين. ثم قالوا: \"يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه ليس فيها إلا أهل بيت من المؤمنين\"، هو لوط وأهل بيته) - والله تعالى أعلم (١).\nوالخلاصة: إن إبراهيم ﵊ أخذ يحاول ردّ العذاب عن قوم لوط، ولكن أمر الله قد مضى في الانتقام منهم مقابل جرائمهم وبغيهم وعتوهم في الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾. قال مجاهد: (﴿أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾: القانت الرَّجَاع). وقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن إبراهيم لبطيء الغضب، متذلل لربه، خاشع له، منقاد لأمره، ﴿مُنِيبٌ﴾، رجّاع إلى طاعته). قلت: وهذه صفات مدح وثناء على إبراهيم - ﵇ - تتلوها الأجيال المتعاقبة إلى يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾\nأي: يا إبراهيم دع عنك هذا الجدال في مصير قوم لوط، فإنه قد نزل فيهم قضاء الله الذي لا رادّ له، وإنهم يمضون قريبًا نحو عذاب غير مدفوع.\nقال النسفي: (﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وحكمه). وقال القرطبي: (﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ أي نازل بهم ﴿عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع).\n٧٧ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ\n_________\n(١) هناك أخبار في ذلك نحو ما مضى نقلها المفسرون من كتب بني إسرائيل والله أعلم بها.","vol":"4","page":65},{"text":"يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾.\nفي هذه الآيات: وصول الملائكة - رسل الله - إلى لوط ﵊، وهم في أجمل صورة على شكل شبان حسان، فتوقّع لوط - ﷺ - بقدومهم إليه الابتلاء، وقد علم القوم بمجيئهم، فهرعوا إليهم لأجل شهواتهم وبغيهم، فناشدهم لوط - ﷺ - احترام الأضياف، واتخاذ النساء للنكاح، فركبوا أهواءهم مصرين على حمل لوط تسليمهم لهم.\nفقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ - وذلك بعد انطلاقهم من عند إبراهيم ﵊ وإخبارهم بحلول هلاك قوم لوط هذه الليلة، فجاؤوا لوطًا في أرضه أو منزله على صورة شبان حسان في أجمل صورة، ابتلاء من الله.\nوقوله: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾. قال ابن عباس: (ساء ظنًا بقومه، وضاق ذرعًا بأضيافه).\nوعن قتادة، عن حذيفة، أنه قال: (لما جاءت الرسل لوطًا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قيل لهم، والله أعلم،: لا تهلكوهم حتى يشهد لوط. قال: فأتوه فقالوا: إنا مُتَضيّفوك الليلة. فانطلق بهم، فلما مشى ساعة التفت، وقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض أناسًا أخبث منهم! قال: فمضى معهم. ثم قال الثانية مثل ما قال، فانطلق بهم. فلما بصرت بهم عجوز السَّوْء امرأته، انطلقت فأنذرتهم).\nوقوله: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ - أي شديد البلاء. قال ابن عباس: (أي: يوم شديد). وقال ابن إسحاق: (خرجت الرسل، فيما يزعم أهل التوراة، من عند إبراهيم إلى لوط بالمؤتفكة، فلما جاءت الرسل لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وذلك من تخوف قومه عليهم أن يفضحوه في ضيفه، فقال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾).\nوقوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال مجاهد: (يهرولون، وهو الإسراع في المشي). وقال الضحاك: (يسعون إليه). وعن قتادة: (﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ قال: يسرعون إليه).\nوقال سفيان بن عيينة: (كأنهم يدفعون).","vol":"4","page":66},{"text":"قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وجاء لوطًا قومه يستحثون، يُرْعَدُون مع سرعة المشي، مما بهم من طلب الفاحشة).\nوقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال ابن جريج: (يأتون الرجال).\nأي: ومن قبل مجيئهم إلى لوط لتحسس أخبار ضيوفه، كانوا على شأنهم القبيح من إتيان الرجال في أدبارهم.\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبيَّ للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة). وبنحوه ذكر أهل التأويل:\n١ - قال مجاهد: (لم يكُنَّ بناتِه، ولكن كُن من أُمَّتِهِ، وكل نَبِيٍّ أبو أُمَّتِه).\n٢ - وقال ابن جريج: (أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحًا).\n٣ - وقال سعيد بن جبير: (يعني نساءهم، هن بناته، وهو أبٌ لهم). أو قال: (هو نبيّهم، وقال في بعض القراءة: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم﴾ [الأحزاب: ٦]).\n٤ - وعن الربيع: (﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، يعني التزويج). قال قتادة: (أمرهم أن يتزوجوا النساء. وأراد نبي الله - ﷺ - أن يقيَ أضيافه ببناته).\n٥ - وعن السدي: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾، قالوا: أولم ننهك أن تضيف العالمين؟ قال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، إن كنتم فاعلين، أليس منكم رجل رشيد).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٠ - ٧٢].\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.\nأي: خافوا الله وعظموه واقبلوا ما شرع لكم من النكاح والتزويج والاقتصار على","vol":"4","page":67},{"text":"نسائكم، ولا تفضحوني في سيئاتكم أمام ضيوفي، أليس منكم رجل راشد ينهى أصحابه عن فواحشهم ورذيلتهم!\nقال ابن جرير: (﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾، يقول: ولا تذلوني، بأن تركبوا مني في ضيفي ما يكرهون أن تركبوه منهم).\nوعن ابن إسحاق: (﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، أي: رجل يعرف الحق وينهى عن المنكر).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.\nأي: لا رغبة لنا في النساء - يا لوط - ولا نشتهيهن، بل نرغب في الرجال، وأنت تعلم ذلك.\nقال ابن إسحاق: (أي: إن بغيتنا لغير ذلك). وعن السدي: (﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ إنا نريد الرجال).\nقال ابن كثير: (﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾، أي: إنك تعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتَهيهنَّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾، أي: ليس لنا عَرَضٌ إلا في الذكور، وأنت تعلم ذلك، فأيُّ حاجةٍ في تكرار القول علينا في ذلك؟ !).\n٨٠ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تمني لوط - ﵊ - حين حاصره قومه يريدون اصطياد أضيافه لفاحشتهم المنعة والنصرة والقوة، فأخبرته الملائكة حين رأوا ما نزل به من الكرب أنهم رسل الله جاؤوا لإهلاك قومه، وأمروه بالخروج بأهله - سوى زوجته - ببقية من الليل وأن يتبع أدبارهم ولا يلتفت أحد منهم لما قد يُسمع من هلاك القوم، فإن عذابهم قد دنا مع صبح تلك الليلة. فلما جاء أمر العذاب ونزول الهلاك بهم جعل الله","vol":"4","page":68},{"text":"عالي قريتهم سافلها وأرسل عليهم حجارة متتابعة معلمة تسحقهم، وما هذا العذاب من الظالمين ببعيد.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال السدي: (قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، يقول: إلى جند شديد، لقاتلتكم). وقال قتادة: (العشيرة).\n٢ - وعن الحسن: (﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، قال: إلى ركن من الناس). قال ابن جريج: (بلغنا أنه لم يبعث نبيٌّ بعد لوط إلا في ثَرْوةٍ من قومه، حتى النبي - ﷺ -).\n٣ - وعن ابن إسحاق قال: (﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، أي: عشيرة تمنعني، أو شيعة تنصرني، لحلت بينكم وبين هذا).\nوالخلاصة: لقد تمنى لوط - ﵊ - إذ حاصره قومه يريدون السوء والفاحشة بأضيافه، أن يكون في منعة من عشيرة أو نصرة من أعوان يدفعون عنه هؤلاء القوم الفاسدين الأشرار.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: [يَغْفرُ الله للوط إنْ كان ليأوي إلى ركنٍ شديد] (١). زاد أحمد: (إذ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾).\nوفي لفظ: [يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد].\nورواه أحمد والطبري بلفظ: [رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله، ﷿ - فما بعث الله بعده من نبيّ إلا في ثَرْوَةٍ من قومه].\nوقوله: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. قال ابن جرير: (قالت الملائكة للوط، لما قال لوط لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، ورأوا ما لقي من الكرب بسببهم منهم: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾، أرسلنا لإهلاكهم، وإنهم لن يصلوا إليك وإلى ضيفك بمكروه، فهوّن عليك الأمر).\nوقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. أي: فاخرج أنت وأهلك ببقية من الليل من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٣٧٥)، (٣٣٧٢) - كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٢٢)، والطبري في \"التفسير\" (١٨٣٩٧)، (١٨٣٩٨)، وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣٣٠)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٢٠٦).","vol":"4","page":69},{"text":"بين أظهرهم، وأمروه أن يتّبعَ أدبارهم، أي: يكون ساقةً لأهله. وهناك قراءتان مشهورتان: قرأ عامة قراء الكوفة والبصرة ﴿فَأَسْرِ﴾، في حين قرأها عامة قراء مكة والمدينة \"فاسْر\" بغير همز، وسرى فلان وأسرى في كلام العرب إذا سار بليل، ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي من آخر الليل، أو بظلمة من الليل أو بساعة من الليل. قال ابن عباس: (بطائفة من الليل).\nوقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: إذا سمعت ما نزل بهم، ولا تَهُولنَّكم تلك الأصوات المزعجة، ولكن استمروا ذاهبين).\nوقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ - فيه قراءتان:\n١ - قراءة قراء الحجاز والكوفة وبعض قراء البصرة ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالنصب، أي فأسر بأهلك إلا امرأتك، فَأُمِرَ أن يُسري بأهله سوى زوجته أُمِرَ بتخليفها مع قومها.\n٢ - وأما القراءة الثانية \"إلا امرأتُك\" - فهي قراءة بعض البصريين. والتقدير: لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، فنهى لوط من معه من الالتفات سوى زوجته أخرجها معه وإنها التفتت فهلكت لذلك.\nوكلاهما قراءتان مشهورتان، وإن كان النصب أشهر القراءتين، وأنه أمر لوط - ﷺ - بتخليف زوجته مع قومها، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾. أي: إنه واقع بها العذاب الذي هو واقع بقومها.\nوقوله: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: إنما ينزل بهم من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر).\nقال القرطبي: (لما قالت الملائكة: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قال لوط: الآن الآن. استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. قال: ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتًا لهلاكهم، لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.\nأي: وحين جاء أمر العذاب ونزول الهلاك بهم جعل الله عالي قريتهم سافلها وأرسل عليهم حجارة مُسْتَحْجرة قوية شديدة متتابعة.","vol":"4","page":70},{"text":"قال مجاهد: (قوله: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾، بالفارسية، أوّلها حَجَر، وآخرها طين).\nوقال ابن عباس: (هو بالفارسية سنك، وجل، \"سنك\"، هو الحجر، و\"جل\"، هو الطين. يقول: أرسلنا عليهم حجارة من طين).\nوقال البخاري (سِجّيل: الشديد الكبير، سِجّيل وسجِّينٌ، اللام والنون أختان).\nوعن قتادة: (﴿مَنْضُودٍ﴾، يقول: مصفوفة). وقال الربيع بن أنس: (﴿مَنْضُودٍ﴾: نضد بعضه على بعض)، وقيل: يتبع بعضه بعضًا عليهم. وعن أبي بكر الهذلي بن عبد الله قال: (أما قوله: ﴿مَنْضُودٍ﴾، فإنها في السماء منضودة معدَّة، وهي من عُدَّة الله التي أَعَدَّ للظلمة).\nوقوله: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال مجاهد: (معلمة). أي معلمة مختومة، قيل: عليها أسماء أصحابها، كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه.\nوالخلاصة كما ذكر المفسرون: أن جبريل ﵇ احتمل القرية بجناحه، ثم صَعِد بها، حتى إن أهل السماء ليسمعون نابحة كلابها، وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، فصار أعلاها أسفلها، ثم أتبعها الله بالحجارة، فاهلكها الله وما حولها من المؤتفكات.\nوفي التنزيل: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. قال مجاهد: (يُرْهِب بها من يشاء).\nقال ابن كثير: (أي: وما هذه النقمة ممن تشبّه بهم في ظلمهم ببعيد عنه).\nقلت: وقد جاء التهديد في السنة الصحيحة والوعيد الشديد على من قلد قوم لوط في فعلتهم، وذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن ابن عباس مرفوعًا: [من وجدتموه يعمل عملَ قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في الذي يعمل عمل قوم لوط. قال: [ارجُموا الأعلى والأسْفَل. ارجُموهما جميعًا] (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٠٠)، وأبو داود في السنن (٤٤٦٢)، وابن ماجه (٢٥٦١)، والحاكم (٤/ ٢٥٥)، وإسناده حسن.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه في السنن (٢٥٦٢) - كتاب الحدود - باب من عمِلَ عمَل قوم لوط.","vol":"4","page":71},{"text":"الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن أخوفَ ما أخاف على أمتي عَمَلُ قوم لوطٍ] (١).\nوقد ذهب الإمام الشافعي وجماعة من أهل العلم أن اللائط يقتل سواء كان مُحصنًا أو غير محصن. واختار أبو حنيفة أن يلقى من شاهق ويُتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط، والله تعالى أعلم.\n٨٤ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الله قصة شعيب - ﵇ - مع قومه، فقد دعاهم لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، ونبذ التلاعب بالمكيال والموازين، وحذرهم عذاب يوم محيط. ثم أكَّد الأمر لهم بالوفاء في المكيال والميزان بالقسط وإعطاء الناس حقوقهم دون بخس أو ظلم، واجتناب سبيل المفسدين. فإن ما يبقى من الربح الحلال خير لهم من الغش والمكر والخداع إن كانوا حقًا مؤمنين، فإنه لم يُكَلَّف هو بمراقبتهم بل الله هو الرقيب على أعمالهم.\nفقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.\nأي: وكذلك أرسلنا إلى ولد مدين أخاهم شعيبًا أن أطيعوا الله وأفردوه بالتعظيم، وتذللوا له بالعبادة ولا تصرفوها إلى غيره، فهو إلهكم الواحد الأحد.\nقال ابن جرير: (﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، يقول: ما لكم من معبود سواه يستحق عليكم العبادة غيره).\nوقوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾. أي: لا تبخسوا الناس أثناء بيعكم في\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٢٠٧٧) - كتاب الحدود - الباب السابق.","vol":"4","page":72},{"text":"مكيالكم وميزانكم، بل أوفوهم حقهم ولا تتبعوا سبيل الغواية والغش والخداع.\nوفي آية الأعراف: ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.\nأخرج ابن حبان في صحيحه، والطبراني في \"الصغير والكبير\" بسند حسن عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار] (١).\nوقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال الحسن: (الغنى ورُخْص السعر).\nوقال قتادة: (يعني خير الدنيا وزينتها).\nقال ابن كثير: (﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾، أي: في معيشتكم ورزقكم فأخاف أن تُسلَبُوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارمَ الله).\nوقوله: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. أي: محيط بإهلاكه وعذابه.\nقال النسفي: (والمراد عذاب الاستئصال في الدنيا أو عذاب الآخرة).\nوقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.\nأي: أوفوا الناس كيلهم وميزانهم بالعدل - يقول شعيب لقومه - وأدّوا إليهم تمام حقوقهم بغير بخس ولا نقص ولا تلاعب ولا احتكار.\nقال قتادة: (﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، يقول: لا تظلموا الناس أشياءهم).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. قال الضحاك: (يقول: ولا تسعوا في الأرض مفسدين، يعني: نقصان الكيل والميزان).\nوقوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.\nأي: ما يبقى لكم من الربح الحلال بعد إتمام الكيل والميزان ووفاء الناس حقوقهم خير لكم من الغش والمكر والمال الحرام، إن كنتم مصدقين بوعد الله ووعيده، وحلاله وحرامه، وما أنا إلا نذير لكم ولم يوكل إليّ أمر مراقبتكم أثناء مكيلكم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١١٠٧)، والطبراني في \"المعجم الصغير\" (ص ١٥٣)، و\"المعجم الكبير\" (٣/ ٦٩/ ١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٨٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٠٥٨).","vol":"4","page":73},{"text":"ووزنكم وبيعكم وتعاملكم، فراقبوا الله تعالى الذي ينظر إلى معاملاتكم ويعلم سركم ونجواكم.\nوعن مجاهد: (﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قال: طاعة الله خير لكم). وقال قتادة: (حظكم من ربكم خير لكم). وقال ابن عباس: (﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾: رزق الله). وقال ابن زيد: (الهلاك في العذاب، والبقية في الرحمة).\nوفي التنزيل: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠].\nأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بإسناد حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (١).\n٨٧ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾.\nفي هذه الآيات: مقابلة قوم شعيب لرسولهم بالاستهزاء والتهكم: هل صلاتك تأمرك بتركنا عبادة الأوثان؟ وترك التطفيف واللعب بالمكيال والميزان؟ وهي أموالنا نفعل فيها ما نشاء! ألست أنت الحليم الرشيد! فأجابهم شعيب مستنكرًا سوء موقفهم: ما ظنكم - أيها القوم - لو كنت على بصيرة وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه، ولست\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج مشكاة المصابيح (١٥)، وتخريج \"فقه السيرة\" (٩٦) - الألباني. وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٠٨١).","vol":"4","page":74},{"text":"ممن يخالف سره علنه، إن أريد إلا إصلاح أحوالكم لما يرضي ربكم، عليه توكلت وإليه أنيب. ويا قوم لا يحملنكم عداوتي على الإصرار على الكفر وظلم الناس أشياءهم، وإنما عليكم الاتعاظ بمن هلك من الأقوام قبلكم، فسارعوا إلى استغفار ربكم والتوبة إليه إن ربي رحيم تواب ودود.\nفقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. أي: أجابوه مستهزئين على سبيل التهكم. ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ - قال الأعمش: (قراءتك). وفي لفظ: (قرآنك). وكان شعيب - صلوات الله وسلامه عليه - فيما ذكر كثير الصلاة.\nقال القرطبي: (فلما أمرهم ونهاهم عيَّروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزؤوا به). أي: هل صلاتك وقراءتك تأمرنا بترك عبادة الأصنام والأوثان! ! قال الحسن: (إي والله، إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم).\nوإنما أمرهم بتوحيد الله ﷿، والتزام طاعته واجتناب نواهيه، ومن أخص ذلك ما هم عليه من الغش والتطفيف واللعب بالمكيال والميزان.\nوقوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. قال الثوري: (يعنون الزكاة).\nوقال ابن كثير: (﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾، فنترك التَّطفيف على قولك، وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد).\nوقوله: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.\nقال ابن جريج: (يستهزئون). وقال ابن زيد: (المستهزئون، يستهزئون: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾).\nقال ابن جرير: (فإنهم أعداء الله، قالوا ذلك له استهزاءً به، وإنما سَفَّهوه وجَهَّلوه بهذا الكلام).\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾. أي: ما ظنكم لو كنت على بصيرة وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه من إفراد الله تعالى بالعبادة، وحفظ الأموال وترك الغش والخداع.\nوقوله: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ - فيه قولان متكاملان:\n١ - الرزق الحسن هو الرزق الحلال الطيب.\n٢ - الرزق الحسن كناية عن النبوة.","vol":"4","page":75},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.\nقال الثوري: (أي: لا أنهاكم عن شيء وأخالفُ أنا في السر فأفعله خفية عنكم).\nوقال قتادة: (يقول: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركَبه).\nوقوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾.\nقال النسفي: (ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ ظرف، أي مدة استطاعتي للإصلاح، وما دمت متمكنًا منه لا آلو فيه جهدًا).\nوقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. أي: وما بلوغي مرامي في إصابة الحق في نصحكم ودعوتكم إلا بعون الله وتوفيقه.\nوقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. أي: اعتمدت في أمري كله.\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال مجاهد: (أرجع).\nوقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. أي: لا يحملنكم عداوتي وكراهيتي وما أنا عليه من الدين الحق على الإصرار على كفركم وما فيه سوء عاقبتكم من بخس الناس في المكيال والميزان وعدم الوفاء.\nقال قتادة: (﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾، يقول: لا يحملنكم فراقي).\nوقال ابن جريج: (﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾، قال: عداوتي وبغضائي وفراقي).\nوقوله: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾. أي: من الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾، من العذاب ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفة.\nوقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. قال قتادة: (إنما كانوا حديثًا منهم قريبًا، يعني قوم نوح وعاد وثمود وصالح). أو قال: (إنما كانوا حديثي عهد قريب، بعد نوح وثمود).\nوالمقصود أحد معنيين يكمل بعضهما بعضًا:\n١ - وما قومُ لوط - أيها القوم الذين ائتفكت بهم الأرض - ببعيد هلاكهم منكم.\n٢ - وما دارُ قوم لوط منكم ببعيد.","vol":"4","page":76},{"text":"أفلا تتعظون بمهالك هؤلاء الأقوام فَيَحْمِلكم ذلك على أخذ العبرة والحذر أن يصيبكم بشقاقي مثل الذي أصابهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.\nأي: سارعوا بالمغفرة لنيل عفو الله ورضوانه، والتزموا منهج التوبة لتستقبلوا عظيم رحمته وإحسانه. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ - قال النسفي: (يغفر لأهل الجفاء من المؤمنين. ﴿وَدُودٌ﴾ يحب أهل الوفاء من الصالحين). وقال ابن جرير: (يقول: هو رحيم بمن تاب وأناب إليه، أن يعذبه بعد التوبة، ﴿وَدُودٌ﴾، يقول: ذو محبة لمن أناب وتاب إليه، يودُّه ويحبه).\nقلت: والودود فعول بمعنى مفعول، من الوُدِّ، فالله تعالى مودود أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعول بمعنى: فاعل، أي: أن الله تعالى يودُّ عباده الصالحين، بمعنى: يرضى عنهم (١).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].\nوفي صحيح سنن الترمذي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببتُ فلانًا فأحِبَّهُ، فينادي في السماء، ثم تُنْزل له المحبة في الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾] (٢).\n٩١ - ٩٥. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَاقَوْمِ\n_________\n(١) انظر جامع الأصول (٤/ ١٧٩)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣٩٦) لتفصيل ذلك.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (٣٣٨٤) - كتاب التفسير - سورة مريم، آية (٩٦). وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٥٢٨).","vol":"4","page":77},{"text":"اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾.\nفي هذه الآيات: استمرار استهزاء قوم شعيب برسولهم واستضعافه بل وتهديده. ومفاصلة شعيب لهم محذرًا لهم عذاب الله ونقمته دون جدوى منهم. ونزول أمر الله بعذابهم بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. ونجاةُ شعيب بإذن الله ومن معه من المؤمنين.\nفقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾.\nإِخْبَارٌ عن إجابة قوم شعيب لشعيب: قالوا يا شعيب ما نعلم حقيقة كثير مما تخبرنا به ومما تقوله، ولا نفهم صحة ما تتكلم به، وهو إنكار منهم وعناد بلا ريب. لأنه كما قال سفيان: (وكان يقال له: \"خطيب الأنبياء\") (١).\nوقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال النسفي: (لا قوة لك ولا عز فيما بيننا فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكرهًا.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾. قال ابن زيد: (قالوا: لولا أن نتقي قومك ورهطك لرجمناك). قال ابن جرير: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾ يعنون: لسببناك. وقال بعضهم: معناه: لقتلناك). والرجم أيضًا اللعن، ومنه: الشيطان الرجيم، أي الملعون المطرود عن الخير.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز﴾. قال القرطبي: (أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع).\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. أي: أَبَلَغَ رهطي في قلوبكم أن يكون أعز عليكم وأجل من ربكم ومليككم ﷾. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. أي: وجعلتم أمره تعالى خلف ظهوركم، فلا تأتمرون بأمره، ولا تجتنبون ما نهاكم عنه، ولا تعظِّمونَهُ حق تعظيمه؟ .\n_________\n(١) قلت: لكن لا يصح في تلك التسمية دليل من السنة، ولا عن أحد من الصحابة.","vol":"4","page":78},{"text":"قال ابن عباس: (وذلك أن قوم شعيب ورهطه كانوا أعز عليهم من الله، وصغر شأن الله عندهم، عزّ ربّنا وجَلّ).\nوقال قتادة: (لم تراقبوه في شيء، إنما تراقبون قومي، ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، لا تخافونه، يقول: عززتم قومكم، وأظهرتم بربكم). أو قال: (واغتررتم بربكم). وقال سفيان: (استخففتم بأمره).\nوفي لغة العرب: \"نبذ فلان حاجة فلان وراءه ظهره\"، إذا تركها ولم يلتفت إليه. والظهريّ منسوب إلى الظهر.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن ربي محيط علمه بعملكم فلا يخفى عليه منه شيء، وهو مجازيكم على جميعه عاجلًا وآجلًا).\nوقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾. أي: اعملوا على تمكنكم ومنازلكم ووسعكم وطريقتكم فإني عامل على تمكني ووسعي وطريقتي. قال ابن كثير: (﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾، أي: على طريقتكم. وهذا تهديد ووعيد شديد، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾، على طريقتي ومنهجي).\nوقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.\nأي: سوف تعلمون من يأتيه عذاب يهلكه ويذله ويهينه، ومن هو المفسد من المصلح، ومن هو كاذب منا فيذوق وبال أمره، وانتظروا العاقبة وما أقول لكم فإني معكم مترقب منتظر. قال القرطبي: (﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ أي انتظروا العذاب والسخطة، فإني منتظر النصر والرحمة).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\nأي: ولما حان ميعاد عذاب قوم شعيب نجّى الله تعالى شعيبًا والمؤمنين الذين ناصروه وتابعوه وآمنوا معه برحمته سبحانه، وانتقم من القوم الذين ظلموا فأخمدهم بصيحة جعلتهم في ديارهم هامدين لا حَرَاكَ بهم.\nقال ابن كثير: (وذكر ها هنا أنهم أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذابُ يوم الظُّلَّة، وهم أمةٌ واحدة، اجتمع عليهم يومَ عذابهم هذه النقَمُ كلها، وإنما","vol":"4","page":79},{"text":"ذكر في كل سياق ما يناسبه، ففي الأعراف لما قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، ناسب أن يذكر هناك الرجفةَ فَرُجِفَت بهم الأرض التي ظلموا بها، وأرادوا إخراج نبيِّهم منها، وها هنا لما أساؤوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسبَ ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفيِ الشعراء لما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، قال: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، ولله الحمد والمنة كثيرًا دائمًا).\nوقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. أي: كأنهم لم يعيشوا في تلك المساكن والديار قبل ذلك. قال ابن عباس: (﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقول: كأن لم يعيشوا فيها).\nوقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. أي: ألا أبعد الله مدين بانتقامه منهم، كما أبعد قبلهم ثمود بحلول سخطه بهم.\nقال القاسمي: (شبههم بهم، لأن عذابهم كان أيضًا بالصيحة، وكانوا قريبًا منهم في المنزل، نظراءهم في الكفر، وقطع الطريق، وكانوا أعرابًا مثلهم).\n٩٦ - ٩٩. قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾.\nفي هذه الآيات: خَبَرُ إرسال الله تعالى موسى ﵊ إلى فرعون وملئه، واستكبارهم عن اتباع الحق إلى أمر فرعون المتجبر العنيد. إنه سيقدم قومه يوم القيامة إلى نار الجحيم، وسيتبعهم الله إضافة إلى عذاب الدنيا لعنة، ثم تنالهم لعنة أخرى يوم القيامة، فبئس ما هم فيه من تتابع اللعن عليهم والخزي والشقاء.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.\nإِخْبَارٌ من الله تعالى عن إرساله موسى - ﵊ - بحججه الدامغة، وبراهينه وأدلته القاطعة، إلى الطاغية فرعون - ملك ديار مصر على أمة القبط - ومن معه في الحكم من الملأ الباغي. قال ابن جرير: (﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، يعني: إلى أشراف جنده وتبَّاعه).","vol":"4","page":80},{"text":"وقوله: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.\nأي آثروا المضي خلف مسلك فرعون ومنهجه في البغي والظلم والضلال، وإن أمر فرعون كله جهل وعناد، وكفر وفساد، وما فيه حكمة أو علم أو هدى ورشاد.\nوقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾.\nأي يقود قومه يوم القيامة فيمضي بهم إلى النار، وبئس الورد وبئس المصير.\nقال قتادة: (﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقول: يقود قومه. قال: فرعون، يقدم قومه يوم القيامة، يمضي بين أيديهم، حتى يهجم بهم على النار).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقول: أضلَّهم فأوردهم النار. قال: ﴿الْوِرْدُ﴾ الدُّخول).\nوعن الضحاك يقول في قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾: (كان ابن عباس يقول: ﴿الْوِرْدُ﴾ في القرآن أربعة أوراد: في \"هود\" قوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، وفي \"مريم\": ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وورد في \"الأنبياء\": ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، وورد في \"مريم\" أيضًا: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. كان ابن عباس يقول: كل هذا الدخول. والله ليردنَّ جهنم كل برٍّ وفاجر: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.\nأي: وأتبعهم الله تعالى - إضافة للعذاب الذي أهلكهم به في الدنيا بالغرق - لعنة، ويوم القيامة تنالهم لعنة أخرى، فبئس ما هم فيه من تتابع الطرد والشقاء.\nقال مجاهد: (﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، اللعنة في إثر اللعنة). قال: (زيدوا بلعنته لعنة أخرى، فتلك لعنتان).\nوعن ابن عباس: (﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، قال: لعنة الدنيا والآخرة).\nوعن قتادة قال: (ترادفت عليهم اللعنتان من الله، لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة).\nوفي لغة العرب: الرِّفد: العطاء والصلة، ورفَدَه أعطاه وأعانه، والمقصود: ترادف إحدى اللعنتين الأخرى، من الله تعالى على فرعون وملئه، في الدنيا والآخرة.","vol":"4","page":81},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤١، ٤٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].\n١٠٠ - ١٠٢. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إِعْلامٌ من الله تعالى لنبيّه محمد - ﷺ -: أنَّ هذه القصص التي ذكرت لك في هذه السورة هي من أخبار القرى التي دكّها الله بكفر أهلها وطغيانهم وفسادهم وتعظيمهم الشهوات فوق أمر الله ودينه الحق. فمن هذه القرى ما هو قائم بنيانه بائد أهله هالك، ومنها ما هو قائم بنيانه عامر، ومنها ما هو خراب دارسٌ لا أثرَ له ولمن كان يسكنه. وما ظلمهم الله، ولا أغنت عنهم آلهتهم حين نزل بهم بأس الله، إن بأس الله بالمجرمين شديد.\nفقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني بـ \"القائم\" قُرى عامرة، و\"الحصيد\" قرى خامدة).\nوقال قتادة: ﴿قَائِمٌ﴾ على عروشها، و﴿وَحَصِيدٌ﴾ مستأصلة). أو قال: (﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾، يرَى مكانه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾، لا يرى له أثر). وقال ابن زيد: (منها قائم يرى أثره، وحصيد بادَ لا يرى أثره). وقال الأخفش: (حصيد أي محصود).\nوقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.\nقال ابن زيد: (اعتذر - يعني ربنا جل ثناؤه - إلى خلقه فقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، مما ذكرنا لك من عذاب من عذبنا من الأمم، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾).","vol":"4","page":82},{"text":"قال النسفي: (﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا) - أي من الكفر والمعاصي.\nوقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾.\nأي: لم تنفعهم أصنامهم ولا أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله شيئًا حين نزل بهم أمر الله بالإهلاك والدمار، فلا هم نفعوهم بِرَدِّ بأْسِ الله عنهم، ولا هم أنقذوهم مما حلَّ بهم من التدمير والتشريد والهلاك.\nوقوله: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال مجاهد وقتادة: (غير تخسير).\nيقال في لغة العرب: تبَّ فلان إذا خسر، وتبَّبَهُ غيره إذا أوقعه في الخسران.\nقال القرطبي: (والتَّبَاب الهلاك والخسران، وفيه إضمار، أي ما زادتهم عبادة الأصنام، فحذف المضاف، أي كانت عبادتهم إياهم قد خسَّرتهم ثواب الآخرة).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.\nإِخْبَارٌ من الله سبحانه عما جاءت به العادة في إهلاك من بغى من الأمم وظلم، وكفر بالله وأجرم، إن عقوبته سبحانه لأهل الشرك والبغي موجعة غليظة مؤلمة.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلِته. ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).\n١٠٣ - ١٠٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١٠٩)، وابن ماجه (٤٠١٨)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥١٧٥)، وكذلك البيهقي (٦/ ٩٤).","vol":"4","page":83},{"text":"يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى أن في تلك القصص عبرة لمن خاف عذاب الله يوم القيامة، إنه يوم يجتمع فيه الخلق جميعهم، وتشهده الملائكة، وقد سبق توقيته في قضاء الله، إنه يوم لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الله، ويقسم الناس إلى فريقين: أهل الشقاوة وأهل السعادة. فأهل الشقاوة يصارون إلى منازلهم في نار جهنم خالدين فيها إلا ما شاء الله، فهو الفعال لما يريد. وأهل السعادة يصارون إلى مراتبهم ومساكنهم في الجنة خالدين فيها، تكرمة الله لهم في عطاء غير مقطوع، ونعيم لا حدود له.\nفقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾. أي: إن في إهلاك تلك القرى الظالم أهلها لعبرة وعظة لمن أراد النجاة من عذاب الله في الآخرة، فينزجر عن الخوض في ظلمات المعاصي والكفر والآثام، ويعلم أن الله سينصر المؤمنين في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.\nقال ابن زيد: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾، إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة، كما وفينا للأنبياء: أنّا ننصرهم).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣، ١٤].\nأخرج الخطيب في \"التاريخ\" والديلمي، وأبو نعيم في \"الحلية\" بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصرُ مع الصَّبْرِ، والفَرَجُ مع الكرب، وإن مع العُسْر يُسْرًا] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، ولبعضه شواهد في المسند (١/ ٣٠٧)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، و\"الحلية\" (١/ ٣١٤).","vol":"4","page":84},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.\nقال مجاهد: (يوم القيامة). وقال الضحاك: (ذلك يوم القيامة، يجتمعٍ فيه الخلق كلهم، ويشهده أهل السماء وأهل الأرض). وفي التنزيل: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].\nقال ابن كثير: (أي: يومٌ عظيم تحضره الملائكة كلهم، ويجتمع فيه الرسل جميعهم، وتُحشَر فيه الخلائق بأسرهم، من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيه العادل ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.\nأي: ما نؤخر عنكم مجيء يوم القيامة إلا ليقضي الله ما قضاه من الخلق، وما كتب لهم من الأعمار والأرزاق والأعمال والآجال، فإذا تكامل قضاء الله وقدره في إيجاد ما كتب إيجاده، وسبقت به كلمته وحق قوله، أقام الله الساعة.\nوالحق أن من مات فقد قامت قيامته، وبدأ معايشة ما قدّم من العمل. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: [كان رجال من الأعراب جُفاةً يأتون النبي - ﷺ - فيسألونه: متى الساعة، فكان يَنْظُر إلى أصغرهم فيقول: إن يَعِشْ هذا لا يُدْرِكْهُ الهرَمُ حتى تقوم عليكم ساعتكم. يعني موْتَهم] (١).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.\nأي: لا يستطيع يوم مجيء ذلك اليوم أحد أن ينطق إلا بإذن الله تعالى.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨].\nوفي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك - في الشفاعة - عن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في كتاب الرقاق. انظر مختصر صحيح البخاري (٢٠٢٥). والمقصود بقوله: \"لا يدركه الهرم\" أي لا يبلغ الشيخوخة ونهاية العمر. أي فسَّر ساعتهم بموتهم وانقراض عصرهم، لأن من مات فقد قامت قيامته.","vol":"4","page":85},{"text":"قال: [ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ] (١).\nوقوله: \"لا تكلم\" الأصل لا تتكلم، وحذفت إحدى التاءين للتخفيف.\nوقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. أي: من أهل الموقف بين يدي الله يوم القيامة شقي معذب وسعيد منعم، والشقي من كتبت عليه الشقاوة، والسعيد من كتبت عليه السعادة، والكتابة في ذلك عند الله كتابة علم لا كتابة قهر أو جبر.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كتابان، فقال أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلّا أن تُخبرنَا يا رسول الله، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزَادُ فيهم ولا ينقصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: فلأي شيء إذن نعملُ إنْ كان هذا أمرًا قد فُرِغَ منه؟ قال رسول الله - ﷺ -: سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختمُ له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم ﷿ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (٢).\n_________\n(١) هو بعض حديث أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣) ح (٣٢٦)، وابن ماجه (٤٣١٢)، وأحمد (٣/ ١١٦)، (٣/ ٢٤٤)، (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨) - في الشفاعة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٤٧٣)، والترمذي (٢١٤١).","vol":"4","page":86},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، من حديث عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وكان من أصحاب النبي - ﷺ -، مرفوعًا: [إن الله ﷿ خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البيهقي في \"الأسماء والصفات\"، والآجري في \"الشريعة\" بسند صحيح عن هشام بن حكيم: [أن رجلًا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله: أنبتدئ الأعمال أم قد قُضي القضاء؟ فقال: إن الله تعالى أخذ ذرية آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ وسألت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا نبي الله، فعلى ما نعمل؟ على أي شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فُرغَ منه، وجرت به الأقلام، يا عمرُ ولكنْ كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: صوت شديد، وصوت ضعيف).\nوقال أبو العالية: (الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر).\nقال ابن كثير: (أي تنفُّسُهم زفيرٌ، وأخذهم النفس شهيق، لما هم فيه من العذاب، عياذًا بالله من ذلك).\nوقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ - أي ماكثين فيها أبدًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٨٦) من حديث عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وأخرجه الحاكم (١/ ٣١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الآجري (ص ١٧٢)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٣٢٦). وانظر معناه في صحيح مسلم (٨/ ٤٨ - ٤٩)، ومختصر صحيح مسلم (١٨٤٤) - كتاب القدر. باب: في القدر والشقاوة والسعادة من حديث علي (﵁). وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٠٤) لتفصيل روايات ابن أبي عاصم في السنة، وكذلك البيهقي والآجري وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع (٣١١١) من حديث عمر. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٤٨٦) - كتاب التفسير - سورة هود (١٠٥).","vol":"4","page":87},{"text":"قال ابن زيد: (ما دامت الأرض أرضًا والسماءُ سماءً).\nقال ابن جرير: (وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوامَ السماوات والأرض، بمعنى: أنه دائم أبدًا. وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار، وما سمر ابنا سمير، وما لألأت العُفْرُ بِأذنابها، يعنون بذلك كله: ﴿أَبَدًا﴾. فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا).\nقلت: وهذا التفسير يخالف القرآن الكريم الذي أثبت عدم بقاء هذه السماوات والأرض يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، فهناك سماوات تعقب هذه السماوات وكذلك أرض تعقب هذه الأرض، وتلك التي أرادها الله بالخلود والبقاء والدوام.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ - له أكثر من تأويل عند المفسرين:\nالأول: قيل معناه إلا مدة مكثهم في النار. وذلك في أهل التوحيد. فعن قتادة قال: (الله أعلم بثُنَياه. وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الجنة). وقال الضحاك بن مزاحم: (يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم).\nوعن خالد بن معدان: (في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أنهما في أهل التوحيد).\nالثاني: قيل الاستثناء لأهل التوحيد إلا أن يتجاوز الله عنهم فلا يدخلهم النار، فوجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ لا من الخلود. قال أبو مجلز: (هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوز عن عذابه).\nالثالث: قيل الاستثناء مدة مقامهم في الموقف. ذكره بعض المفسِّرين.\nالرابع: قيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. فلم يغيبوا عن الجنة أو النار إلا بقدر إقامتهم في البرزخ والمحشر. ذكره الطبري.\nالخامس: قيل: خالدين في الجنة أو النار دوامَ السماء والأرض إلا مدة تعميرهم في الدنيا. ذكره أهل اللغة.\nالسادس: قيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، وهذا متشابه قد وصل بمحكم: \"عطاء غير مجذوذ\".","vol":"4","page":88},{"text":"السابع: قيل: هو لإعلامهم بأنهم مع خلودهم ففي مشيئة الله، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ - ذكره ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء ولا مانع لمضي أمره.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.\nبشارة عظيمة لدوام الخلود والسَّعادة لأهل الجنة في عطاء من الله لهم غير مقطوع عنهم. وأما الاستثناء - قلت: الخلاصة فيه - إن منهج التفسير عند الراسخين يتضمن ردّ المتشابه إلى المحكم، فقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ محكم، مثل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾، ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾، ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ مما يدل أن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء للوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة.\nوعن الضحاك ومجاهد: (﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، قال: غير مقطوع).\nوقال ابن زيد: (غير منزوعٍ منهم). وقال أبو العالية: (﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: أما هذه فقد أمضاها، يقول: عطاء غير منقطع).\nوقد جاءت السنة الصحيحة بمفهوم استمرار النعيم في الجنة ودوام الخلود في روضاتها وملذاتها في عطاء غير مقطوع:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يؤتى بالموت كهيئة كَبْشٍ أملحَ فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئِبُّون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئِبُّون وينظرونَ فيقول: هل تَعْرِفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ، وكلهم قد رآه، فَيذْبَحُ، ثم يقولُ: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موتَ، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٣٠) - كتاب التفسير -، وانظر مختصر صحيح البخاري حديث (٢٠٣٢) للفظ الآخر، كتاب الرقاق، وأخرجه مسلم (٢٨٤٩)، والترمذي (٣١٥٦).","vol":"4","page":89},{"text":"وفي لفظ من حديث ابن عمر: [ثم يذبَحُ، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا مَوْتَ، ويا أهل النار لا موتَ، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [ينادي مُنادٍ: إنّ لكم أن تَصِحّوا فلا تَسْقَموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تشِبُّوا فلا تَهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعَموا فلا تبأسوا أبدًا] (١).\nالحديث الثالث: روى مسلم وغيره من أهل السنن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ يَدْخُل الجنة يَنْعَمُ لا يَبْأسُ، لا تَبْلى ثيابُهُ ولا يفنى شبابُه] (٢).\n١٠٩ - ١١١. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾.\nفي هذه الآيات: إِثْباتُ الله لنبيّه فساد منهاج قومه في عبادتهم وأنهم سيجدون تمام جزائهم عند ربهم. وَتَسْلِيَةٌ له بذكر اختلاف الناس على رسولهم موسى - ﷺ - من قبل، وأنه لولا قضاء الله ببلوغ الكتاب أجله لعاجل المكذبين بالإهلاك. وإنما الفصل التام يوم يجمع الله الأولين والآخرين، فيقضي بينهم بحكمه وهو العليم الخبير.\nفقوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾.\nخِطَابٌ من الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: فلا تك - يا محمد - في شك مما يعبد هؤلاء المشركون من قومك من الأوثان والآلهة والأصنام والطواغيت أنه ضلال وجهل وباطل وشرك بالله ﷿. وهم بذلك إنما يقتفون منهاج آبائهم في فساد عبادتهم ولا يصدرون عن أمر الله ﷿ ووحيه ونور شرعه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٧) - كتاب الجنة ونعيمها - باب في دوام نعيم أهل الجنة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٦) - كتاب الجنة ونعيمها - الباب السابق. والحديث رواه أحمد (٢/ ٣٦٩)، والدارمي (٢/ ٣٣٢)، وبنحوه الترمذي وصححه ابن حبان.","vol":"4","page":90},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. أي: سيجدون عند الله تمام جزائهم دون نقصان.\nقال ابن عباس: (﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾، قال: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر). وقال ابن زيد: (نصيبهم من العذاب).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾. قال ابن كثير: (ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه، فَمِنْ مُؤمِنٍ به وَمِنْ كافرٍ به، فَلَكَ بمن سَلَفَ من الأنبياء قبلك يا محمد أسوةٌ، فلا يغيظنّكَ تكذيبُهم لك، ولا يهيدَنَّكَ ذلك).\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ - فيه تأويلان متكاملان:\nالتأويل الأول: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم لقضى الله بينهم.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولولا كلمة سبقت، يا محمد، من ربك بأنه لا يعجِّل على خلقه بالعذاب، ولكن يتأنّى حتى يبلغ الكتاب أجله - لقضي بين المكذب منهم به والمصدق، بإهلاك الله المكذب به منهم، وإنجائه المصدق به).\nالتأويل الثاني: لولا قضاء الله ألا يعذب أحدًا إلا بعد قيام حجته البالغة عليه - حجة الوحي والرسل، لأنزل بالمكذبين بأسه.\nكما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٢٩، ١٣٠].\nقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. أي: وإن الكافرين لفي شك من الوحي والنبوة شديد.\nقال النسفي: (﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من القرآن أو من العذاب ﴿مُرِيبٍ﴾).\nوقال ابن جرير: (وإن المكذبين به منهم، لفي شك من حقيقته أنه من عند الله، ﴿مُرِيبٍ﴾، يقول: يريبهم، فلا يدرون أحقٌّ هو أم باطل؟ ولكنهم فيه ممترون).\nثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من جميع الأمم ليقفوا بين يديه لنيل الثواب ونكال العقاب حسب أعمالهم.","vol":"4","page":91},{"text":"وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: عليم بأعمالهم جميعها، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، وفي هذه الآية قراءاتٌ كثيرة، ويرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]).\n١١٢ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ الله نبيّه والمؤمنين بالاستقامة على المنهج الحق وعدم الركون إلى الطغاة، فإن ذلك سبيل إلى النار والهلاك. وأمْرُهُ كذلك له بإقامة الصلاة في الغداة والعشي وفي ساعات من الليل، فإن الحسنات يذهبن السيئات. وأمره كذلك له بالصبر على أذى المشركين حتى يأتي نصر الله، والله لا يضيع أجر المحسنين.\nفقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. أي: على الدين الحق. قال سفيان: (استقم على القرآن). وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾. قال القرطبي: (أي استقم أنت وهم، يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومَنْ بعده ممن اتبعه من أمته). قال ابن عباس: (ما نزل على رسول الله - ﷺ - آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه). ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له لقد أسرع إليك الشيب! فقال: [شيبتني هود وأخواتها] (١).\nوفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك! قال: [قل آمنت بالله ثم استقم] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٥٢٨)، والحاكم (٢/ ٣٤٤)، والطبراني. قال الهيثمي (٧/ ٣٧): ورجاله رجال الصحيح. وقد مضى برواياته المختلفة مفصلًا في أول هذه السورة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٨)، والطيالسي (١٢٣١)، والترمذي (٢٤١٠)، وابن ماجه (٣٩٧٢)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤١٣)، وابن حبان في صحيحه (٩٤٢) من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁.","vol":"4","page":92},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ قال ابن زيد: (الطغيان: خلاف الله، وركوب معصيته). والطغيان مجاوزة الحد. وقيل: أي لا تتجبروا على أحد. قال ابن جرير: (يقول: ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. أي: إنه تعالى بصير بأعمال عباده، لا يغفل عن شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، قد أحاط بكل شيء علمًا، فلا يخفى عليه شيء.\nوقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾\nآية عظيمة من آيات المفاصلة، ونهي الله تعالى عباده المؤمنين الميل إلى أعدائه المشركين أو مداهنتهم أو الرضى بأعمالهم.\nومن أقوال أهل التأويل في هذه الآية:\n١ - قال ابن عباس: (﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، يعني: الركون إلى الشرك).\n٢ - وقال أبو العالية: (يقول: لا ترضوا أعمالهم). وقال: (يقول: الركون: الرضى).\n٣ - وعن ابن جريج: (﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال: قال ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا).\n٤ - وعن قتادة قال: (يقول: لا تلحقوا بالشرك، وهو الذي خرجتم منه).\n٥ - وقال ابن زيد: (الركون: الإدهان. وقرأ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]. قال: تركن إليهم، ولا تنكر عليهم الذي قالوا، وقد قالوا العظيم من كفرهم بالله وكتابه ورسله).\nوقوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.\nأي: فتمسكم النار بركونكم لأهل البغي والشرك والظلم، ثم ليس بكم من دون الله من ناصر ينصركم أو ولي يدفع عنكم عذابه، بل يتخلى الله تعالى عن نصركم ويسلط عليكم عدوكم ولا منجى لكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.\nخِطَابٌ من الله تعالى لنبيِّه محمد - ﷺ -: أن أقم الصلاة في الغداة والعشي وفي ساعات","vol":"4","page":93},{"text":"من الليل، فإن الإنابة إلى طاعة الله والعمل بما يرضيه، ودعاءه سبحانه يذهب آثام معصية الله ويكفر الذنوب، وهذه الوصايا: من اجتناب الركون إلى الطغاة أو مداهنتهم، ثم تعظيم الله وحده بالصلاة والدعاء والاستغفار من أعظم الذكرى للذاكرين.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن مسعود: [أن رجلًا أصاب من امرأة قُبْلةً، فأتى النبي - ﷺ - فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فقال الرجل: يا رسول الله: ألي هذه؟ قال: لجميع أمتي كلهم] (١).\nورواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير - واللفظ له - عن ابن مسعود قال: [جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني وجدتُ امرأةً في بُستان، ففعلت بها كُلَّ شيء، غير أني لم أجامِعْها، قَبَّلْتُها ولَزِمتُها، ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئتَ. فلم يقل رسول الله - ﷺ - شيئًا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستَرَ الله عليه، لو ستَرَ على نفسه! فأتبعه رسول الله بصرَه ثم قال: رُدُّوه عليَّ. فردُّوه عليه، فقرأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال معاذ - وفي رواية عُمر -: يا رسول الله، أله وحده، أم للناس كافة؟ فقال: بل للناس كافة] (٢).\nوله تفصيل آخر عند الترمذي في السنن في حديثين صحيحين:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي وابن ماجه عن عبد الله قال: [جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، وأنا هذا، فاقضِ فيَّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت على نفسك، فلم يرد عليه رسول الله - ﷺ - شيئًا، فانطلق الرجل، فأتبعه رسول الله - ﷺ - رجلًا فدعاه، فتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي اليسر قال: [أتتني امرأة تبتاع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٦) (٤٦٨٧)، ومسلم (٢٧٦٣)، والترمذي (٣١١٤)، والنسائي في \"التفسير\" (٢٦٧)، وأخرجه ابن ماجه (٤٢٥٤)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٦٣) ح (٤٢)، وأخرجه أبو داود (٤٤٦٨)، والترمذي (٣١١٢)، والطيالسي (٢٨٥)، وأحمد (٤٢٥٠)، (٤٢٩٠)، (٣٦٥٣)، والطبري (١٨٦٨٨) (١٨٦٨٢)، وابن حبان (١٧٢٨)، (١٧٣٠).\n(٣) حسن صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٣٢٦) - كتاب التفسير - سورة هود، آية (١٠٥).","vol":"4","page":94},{"text":"تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه. فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبلتها. فأتيت أبا بكر، فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحدًا، فلم أصبر. فأتيت عمر فذكرت ذلك له. فقال: استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحدًا، فلم أصبر. فأتيت النبي - ﷺ - فذكرت ذلك له. فقال له: أَخْلَفْتَ غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا، حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار. قال: وأطرق رسول الله - ﷺ - طويلًا حتى أوحي إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. قال أبو اليسر: فأتيته، فقرأها عليَّ رسول الله - ﷺ -، فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامَّة] (١).\nوفي تفسير ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ - أقوال عند أهل التأويل:\n١ - قال ابن عباس: (يعني الصبح والمغرب). وكذلك قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n٢ - قال الضحاك وقتادة: (هي الصبح والعصر).\n٣ - وقال مجاهد: (هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره).\nورجَّح ابن جرير أن الطرفين الصبح والمغرب. قلت: أما الطرف الأول فالصبح وهو باتفاق المفسرين، وتبقى الفسحة في فهم مدلول الطرف الآخر، ولا شك أنه يدل مع مفهوم قوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ على الصلوات الخمس في كل يوم.\nوفي تفسير: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ - أقوال عند أهل التأويل:\n١ - قال مجاهد: (﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، قال: الساعات من الليل، صلاة العتمة).\n٢ - وعن الحسن: (﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، قال: العشاء). وقال ابن عباس: (يقول: صلاة العتمة).\n٣ - وعن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: (كان ابن عباس يعجبه التأخير بالعشاء، ويقرأ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾).\n٤ - عن الحسن قال: (هما زُلفتان من الليل، صلاة المغرب، وصلاة العشاء).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٣٣١) - أبواب تفسير القرآن - سورة هود، آية (١٠٥) - وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٤٨٩) - وأبو اليسر هو كعب بن عمرو.","vol":"4","page":95},{"text":"٥ - وقال الأخفش: (يعني صلاة الليل ولم يعين).\nقال القرطبي: (﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي في زُلَفٍ من الليل، والزّلف الساعات القريبة بعضها من بعض، ومنه سميت المزْدَلِفَة؛ لأنها منزل بعد عَرَفَة بقرب مكة).\nقلت: وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ بعد الأمر بإقام الصلاة آناء الليل وأطراف النهار فيه دلالة كبيرة على عظيم أثر الصلاة في غسل خطايا المؤمن، ويبدأ ذلك من الوضوء والتطهر له، وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه سمعَ رسول الله - ﷺ - يقول: [أرأيتم لو أنَّ نَهْرًا بباب أحدِكم يغتسل فيه كلَّ يومٍ خَمْسًا، ما تقول ذلك يُبْقي مِنْ دَرَنِه؟ قالوا: لا يُبْقِي مِنْ دَرَنِه شيئًا، قال: فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس يَمْحُو الله به الخطايا] (١).\nوفي لفظ: [وكذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بِهنَّ الذنوبَ والخَطايا].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: [الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان، مكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتُنِبَت الكبائر] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد وأهل السنن عن علي بن أبي طالب، قال: كنت إذا سمعتُ من رسول الله - ﷺ - حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حَدَّثني عنه أحدٌ استحلفتهُ، فإذا حلفَ لي صَدَّقته، وحدثني أبو بكر - وصَدَق أبو بكر - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [ما من مُسْلِمٌ يُذْنِبُ ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين، إلا غُفِرَ له] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٢٨) - كتاب مواقيت الصلاة -. باب: الصلوات الخمس كفارة. وأخرجه مسلم (٦٦٧)، والترمذي (٢٨٦٨)، وأحمد (٢/ ٣٧٩)، والنسائي (١/ ٢٣٠ - ٢٣١)، والدارمي (١/ ٢٦٨)، وأخرجه ابن حبان (١٧٢٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٣٣)، والترمذي في الجامع (٢١٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٢٩)، وابن ماجه في السنن (١٠٨٦).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد رقم (٢)، (٤٧)، (٤٨)، (٥٦)، وابن ماجه (١٣٩٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤١٥)، وأخرجه الحميدي (٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٧).","vol":"4","page":96},{"text":"الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي - ﷺ - كان يقول: [إن كُلَّ صلاةٍ تَحُطُّ ما بين يَدَيْها من خطيئة] (١).\nالحديث الخامس: أخرج النسائي وابن خزيمة بسند صحيح عن عثمان ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من توضأ فأسبغَ الوضوءَ، ثم مشى إلى صلاة مكتوبة، فصلاها مع الإمام غُفِرَ له ذنبُه] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nقال القاسمي: (﴿وَاصْبِرْ﴾ أي على مشاق ما أُمرت به من التبليغ، أو على ما يقولون، أو على الصلاة كقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، ولا مانع من شموله للكل. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي في أعمالهم فيوفيهم أجورهم من غير بخس).\nقلت: وهذا الأمر بالصبر على محن الدعوة وآلام الطريق وإن كان موجّهًا للنبي - ﷺ - إمام الأمة في الصبر والجهاد، فإنه خطاب لكل القادة المسلمين والعلماء العاملين من بعده إلى يوم الدين.\nأخرج الخطيب في \"التاريخ\"، والديلمي في \"الفردوس\" بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفَرَجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (٣).\n١١٦ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤١٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٤/ ١٢٦)، رقم (٣٨٧٩)، وانظر صحيح الجامع - حديث رقم - (٢١٤٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٢/ ١١٢)، وانظر صحيح مسلم (٢٢٦) نحوه، وصحيح البخاري (١٥٩)، (١٦٤)، وسنن أبي داود (١٠٦)، وسنن الدارمي (٦٩٧)، وسنن ابن ماجه (٢٨٥)، ورواه ابن خزيمة من حديث عثمان ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، وله شاهد في مسند أحمد (١/ ٣٠٧) من طريق ابن عباس، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٣٨٢).","vol":"4","page":97},{"text":"وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إِثْباتُ الله تعالى نجاة القلة المؤمنة التي كانت تنهى عن الفساد في الأرض فيما مضى، ليكون ذلك توجيهًا لهذه الأمة لحمل الأمانة بصدق، فإن الظالمين في متاع قليل ينتهي باستئصالهم. وتقريرٌ من الله تعالى أنه لا يهلك قرية إلا وأهلها ظالمون.\nفقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.\nأي: فهلّا كان من تلك الأمم الماضية التي دكَّها الله بسبب عتوها وبغيها وكفرها فئة مؤمنة تنهى عن الفساد في الأرض وتأمر بالمعروف! إنه كان قلة من أهل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن الشرور والمنكرات في كل قوم مما مضى، وأولئك هم الذين نجاهم الله برحمته من العذاب الذي نزل بقومهم.\nقال ابن زيد: (﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾: فإذا هم الذين نجوا حين نزل عذاب الله). وقال ابن جريج: (يستقلّهم الله من كل قوم).\nوهذا توجيه قوي لهذه الأمة أن تحمل الأمانة بقوة ولا تتهاون مع انتشار المنكر والآثام، لئلا ينزل بها ما نزل بالأمم قبلها حين فشت فيها الموبقات والمعاصي والفواحش.\nقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].\nوقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في آفاق هذا المعنى، منها:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن قيس، قال: [قال أبو بكر، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإنا سمعنا النبي - ﷺ - يقول: \"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقاب\". وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من قومٍ يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، ثم","vol":"4","page":98},{"text":"يقدرون على أن يُغَيِّروا، ثم لا يغيِّروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب\"] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أنّ رسول الله - ﷺ - قام خطيبًا، فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رجُلًا، هيبةُ الناسِ، أنْ يقولَ بحقٍّ، إذا علمه\". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن رجل من أصحاب النبي: أن النبي - ﷺ - قال: [لَنْ يهلكَ الناس حتى يَعْذِروا، أو يُعْذِروا، مِنْ أنفسهم] (٣).\nوقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.\nقال مجاهد: (في ملكهم وتجبّرهم، وتركوا الحق). وقال ابن عباس: (﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾، قال: ما أُنظروا فيه). وقال قتادة: (من دنياهم).\nقال ابن جرير: (إن الله أخبر تعالى ذكره: أن الذين ظلموا أنفسهم من كل أمة سلفت، فكفروا بالله، اتبعوا ما أنظروا فيه من لذّات الدنيا، فاستكبروا وكفروا بالله، واتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا عن أمر الله، وتجبَّروا وصدوا عن سبيله. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾، يقول: وكانوا مكتسبي الكفر بالله).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أخبر تعالى أنه لم يهلك قريةً إلا وهي ظالمة، ولم يأت قرية مصلحةً بأسُه وعذابُه قط حتى يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]).\n١١٨ - ١٢٣. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٣٣٨) - كتاب الملاحم - باب الأمر والنهي. انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٦٤٤). ورواه ابن ماجه في السنن (٤٠٠٥) - كتاب الفتن -.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (٤٠٠٧) - كتاب الفتن - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. انظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٢٣٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٤٣٤٧) - كتاب الملاحم - باب الأمر والنهي. انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٦٥٣).","vol":"4","page":99},{"text":"الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطَابُ الله تعالى لنبيّه - ﷺ - أنه - جلّت عظمته - قادر على جعل الناس كلهم على دين واحد، وإنما اقتضت حكمته تقسيم الهداية والإيمان، واختلاف القلوب والأحوال، فأهل الحق هم الناجون من الاختلاف، وأهل الباطل واقعون في الشقاق ومتاهات الأهواء، وقد قضى - جَلَّت حكمته - امتلاء جهنم من كفرة الجن والإنس. إن هذه القصص التي قصها الله عليك - يا محمد - من أخبار الرسل مع أقوامهم إنما هي لتثبيت فؤادك لمواجهة شرك قومك وعنادهم، وليصبر معك المؤمنون على جهاد أعدائهم، والعاقبة للمتقين. فالله وحده له غيب السماوات والأرض ومرجع جميع الأمور، فأفرده - يا محمد - بالعبادة والتوكل، فما ربك بغافل عَمَّا تعملون.\nفقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال قتادة: (يقول: لجعلهم مسلمين كلهم).\nوالمقصود: أن الله ﵎ قادر أن يجعل الناس كلهم على دين واحد، من كفر أو إيمان. كما في التنزيل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].\nوقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال مجاهد: (أهل الباطل، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، قال: أهل الحق).\nأو قال: (﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ قال: أهل الحق وأهل الباطل، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، قال: أهل الحق).\nوقال الحسن: (الناس كلهم مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلف). وقال عكرمة: (لا يزالون مختلفين في الهوى).\nوقال قتادة: (﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، فأهل رحمة الله أهل جماعة، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم. وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت دورهم","vol":"4","page":100},{"text":"وأبدانهم). وعن الأعمش: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، قال: من جعله على الإسلام).\nوقيل: لا يزالون مختلفين في الرزق، سخّر بعضهم لبعض.\nقلت: والمعنى الأول هو الذي يدل عليه السياق، فالحديث ليس عن الرزق، وإنما عن الهداية والإيمان، فالمتمسكون بهدي الرسل هم القوم المرحومون الناجون من الاختلاف، والبقية في شقاق وضلال، واتباع للأهواء.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن، والحاكم من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإنَّ النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كُلُّها في النار إلا فرقة واحدة. قالوا: ومن هُمْ يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي] (١).\nوقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ - أي لهذا الاختبار، في صدق الإيمان أو اتباع سبيل الكفار، فريق إلى الجنة وفريق إلى النار.\nومن أقوال أهل التأويل في ذلك:\n١ - قال الحسن: (﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: للاختلاف). قال: (خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه). وقال: (أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرهم).\n٢ - قال ابن عباس: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: خلقهم فريقين، فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]).\nوبنحوه قال الإمام مالك: (خلقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٢)، وأبو داود (٤٥٩٦)، والترمذي (٢٦٤٠)، وابن ماجه (٣٩٩١)، وأبو يعلى (٥٩١٠)، (٥٩٧٨)، (٦١١٧)، وابن حبان (٦٢٤٧)، (٦٧٣١)، والحاكم (١/ ١٢٨) من حديث أبي هريرة، وله شواهد كثيرة، وورد من طرق يشُدُّ بعضُها بعضًا كما قال الحافظ ابن كثير في التفسير (٣٨٤٢).","vol":"4","page":101},{"text":"٣ - قال مجاهد: (﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: للرحمة خلقهم). وقال عكرمة: (أهل الحق ومن اتبعه، لرحمته).\nقلت: والراجح القول الأول والثاني، فإن الله ﵎ امتحن عباده بالإيمان واتباع المرسلين، فآمن من آمن، وكفر من كفر، فجعلهم في الآخرة فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.\nوقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\nأي كان ما قضى سبحانه من الامتحان وصدور الجن والإنس فريقين، فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير، وتم قضاء الله وقدره بملء جهنم من الجنة والناس أجمعين، جزاء وفاقًا للذين كانوا لا يرجون حسابًا، وأسعد المؤمنين بروضات في جنات النعيم، لقاء صبرهم على الإيمان والدين.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حتى يضع فيها ربُّ العزة قدمه (وفي رواية: حتى يضع رب العزة عليها قدمه) فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قَطْ قَطْ، وعزَّتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر، فيسكنهم في فضول الجنة] (١).\nقال البغوي في شرح السنة (١٥/ ٢٥٧): (والقدم والرجلان، كما جاء في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، من صفات الله ﷾، المنزه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة، كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٦٦٦١) - كتاب الأيمان والنذور - وكذلك (٤٨٤٨) - كتاب التفسير - ورواه مسلم في الصحيح (٢٨٤٨) من حديث أنس.","vol":"4","page":102},{"text":"واجب، فالمهتدي من سلك فيها سبيل التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيّف مشبه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ سبحان ربنا رب العزة عما يصفون).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخُلني إلا ضَعَفَةُ الناس وسَقَطُهم، وقالت النار: أوثِرتُ بالمتكبرين والمتجبِّرين. فقال الله - ﷿ - للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء. وقال للنار: أنت عذابي، أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما مِلْؤُها] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أيْ ربِّ! وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفَّها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب، ثم نظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، فلما خلق الله النار، قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفّها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب، فنظر إليها فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها] (٢).\nوقوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾.\nأي: إن هذه الأخبار عن أمم الأقدمين وتكذيبهم رسلهم وكيف دارت الأيام وكانت العاقبة والغلبة للمؤمنين هي مما يقص الله عليك - يا محمد - ليثبت به فؤادك عما تلقى من تكذيب قومك وعنادهم.\nوقوله: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال ابن عباس: (في هذه السورة). وقال قتادة: (في هذه الدنيا).\nوقول ابن عباس أصح وأنسب للسياق. قال ابن كثير: (والصحيح: في هذه السورة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٤٩)، (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦) ح (٣٥)، (٣٦)، وأخرجه الترمذي (٢٥٦١)، وأخرجه أحمد (٢/ ٣١٤، ٢٧٩، ٥٠٧) من طرق، عن أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد بسند صحيح من حديث أبي هريرة. انظر تخريج مشكاة المصابيح (٥٦٩٦)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥٠٨٦).","vol":"4","page":103},{"text":"المشتملة على قصص الأنبياء وكيف نجّاهم الله والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين، جاءك فيها قَصَصٌ حق، ونبأ صِدْقٌ، وموعظة يرتدعُ بها الكافرون، وذكرى يتذكر بها المؤمنون) - وهو قوله: ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ - تهديد من الله للكفار على لسان نبيّهم - أي قل لهم يا محمد: امضوا على منهجكم وعلى طريقتكم لتروا مصيركم نهاية المطاف، فإنا ماضون على سنتنا ومنهاج ربنا وكلنا أمل أن النصر والعاقبة لنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. أي: ترقبوا ما وعدكم الله فإنا مترقبون ما وعدنا.\nقال ابن جريج: (يقول: انتظروا مواعيدَ الشيطان إياكم على ما يزيّنُ لكم، ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾).\nوفي التنزيل: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nإِخْبَارٌ من الله تعالى أنه علام الغيوب، والمستقبل بين يديه، ومآل كل أمر إليه، فله الخلق والأمر والكبرياء وحده لا شريك له، وقد أمر عباده بعبادته وحده والتوكل عليه والإنابة إليه، ثم إنه تعالى لا يخفى عليه مكر المجرمين وأحوال الطغاة والمسرفين.\nوعن ابن جريج: (﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ قال: فيقضي بينهم بحكمه بالعدل).\nقال ابن جرير: (﴿فَاعْبُدْهُ﴾، يقول: فاعبد ربك، يا محمد، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، يقول: وفوِّض أمرك إليه، وثق به وبكفايته، فإنه كافي من توكّل عليه).\nثم روى عن عبد الله بن رباح، عن كعب، قال: (خاتمة \"التوراة\" خاتمة هود).\nتم تفسير سورة هود\nبعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه\n° ° °","vol":"4","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - هود وأخواتها، شيَّبَت نبيّنا - ﷺ - من كثرة أهوالها.\n٢ - توحيد الله واستغفاره والإنابة إليه جزاؤه المتاع الحسن في الدنيا والسعادة الدائمة في الآخرة.\n٣ - العبرة بأحسن العمل لا بكثرة العمل، فجزاء الأول قد يكون أضعاف أضعاف جزاء الثاني.\n٤ - السماع بمحمد ودينه بلاغ يلزم سامعه باتباعه، فما بعد الحق إلا الضلال.\n٥ - الضعفاء غالبًا هم أتباع الحق، والكبراء هم مخالفوه.\n٦ - عناد قوم نوح دفعهم لاستعجال نقمة الله عليهم، فأغرقهم الله بطوفان عمّ أرجاء الأرض، وتَتَابُع هلاك الأمم بعد ذلك ونجاة الرسل ومن معهم من المؤمنين.\n٧ - نساء الأنبياء معصومات من الزنى، وابن نوح ابنه من صلبه.\n٨ - الكفار يعبدون الصم البكم العمي، ويذرون عبادة الرب السميع البصير.\n٩ - إن أخذ الله تعالى للأمم الكافرة لأخذ أليم شديد.\n١٠ - المؤمنون هم السعداء الخالدون في الجنة أبدًا.\n١١ - العمل لا يكون مستقيمًا إلا إذا كان مطابقًا لأمر الله.\n١٢ - الصلوات كفارات، والحسنات يذهبن السيئات.\n١٣ - ما كان الخلاف رحمة، بل المرحومون الذين لا يختلفون.\n١٤ - الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، والخلاف شر.\n١٥ - نصر الله لرسوله وحزبه وعد وبشرى في الدارين.","vol":"4","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>١٢ - سُوْرَةُ يُوْسُفَ</span>\nوهي سورة مكية كلها. وقال ابن عباس وقتادة: (إلا أربع آيات منها). وعدد آياتها (١١١).\nأخرج الحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه، عن سعد بن أبي وقاص قال: [أنزل الله القرآن على رسول الله - ﷺ - فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا! فأنزل الله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِيْنِ﴾ - إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ - الآية. فتلاها رسول الله - ﷺ - زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا! فأنزل الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>موضوع السورة</span>\nقصة يوسف ﵊\n- منهاج الشباب المؤمنين، في التقوى والعفاف والصبر والتمكين -.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-130> منهاج السورة </span>-\n١ - انتصار الله لكتابه الكريم، فهو القرآن العربي المبين، فيه أحسن القصص لقوم يعقلون.\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٥)، والواحدي (٥٤٤) من حديث سعد، وابن راهويه كما في \"المطالب العالية\"، وأخرجه ابن جرير، وابن حبان، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة يوسف، آية (٣).","vol":"4","page":106},{"text":"٢ - ابتداء قصة يوسف - ﵇ - برؤيا رآها فقصّها على أبيه، فيها بشائر العز والتمكين.\n٣ - اصطفاء الله تعالى يوسف - ﷺ - وتعليمه تأويل الأحاديث، واختصاصه كآبائه بالنبوة.\n٤ - في خبر يوسف مع إخوته الكثير من الفوائد والعبر. ذِكْرُ تخطيط الإخوة لقتل يوسف أو إلقائه في البئر يلتقطه بعض المسافرين.\n٥ - توطئة إخوة يوسف لأبيهم لإرسال يوسف معهم، وخشية الوالد على ولده الضياع أو الذئب، وتأكيد الإخوة الحرص عليه، وَوَحْيُ الله ليوسف وهم لا يشعرون.\n٦ - رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم عشاء يبكون، وقصة القميص والدم الكذب عليه.\n٧ - ورود بعض السيارة إلى البئر، وأخذهم يوسف، وشراء الوزير له بمصر، وتمكين الله يوسف وإعطاؤه العلم والحكمة والله يجزي المحسنين.\n٨ - محاولة امرأة العزيز إغراء يوسف، واستحياء يوسف من الله العلي العظيم.\n٩ - مسابقة امرأة العزيز يوسف إلى الباب وتمزيقها قميصه، وشهادة الشاهد من أهلها، وبراءة يوسف من كيدهن إن كيدهن عظيم.\n١٠ - إشاعة الخبر بمصر، وتكلم بعض نساء الأمراء والكبراء يَعبْنَ على امرأة الوزير ما صدر منها، ومقابلة ذلك من امرأة العزيز بمائدة المكر، وتهديدها يوسف بالسجن، ولجوء يوسف - ﵇ - إلى الله.\n١١ - دخول يوسف السجن، وقصة يوسف مع ساقي الملك وخبازه.\n١٢ - دعوة يوسف صاحبيه لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وتأويله الرؤيا لهما بما أوتيه من توفيق الله الحكيم.\n١٣ - وصية يوسف - ﵇ - الذي ظن خروجه ذكر مظلمته عند سيده، فأنساه الشيطان فكان المكث في السجن بضع سنين.\n١٤ - خبر الرؤيا التي رآها الملك، وتذكّر الذي نجا يوسف لتأويلها بعد مضي السنين، وتأويل يوسف لرؤيا الملك بتوفيق الله العزيز الحكيم.\n١٥ - طلب الملك إحضار يوسف عند سماعه روائع التأويل، واعتذار يوسف حتى تظهر براءته، واعتراف امرأة العزيز، وإقرار النسوة ليوسف بالبراءة.","vol":"4","page":107},{"text":"١٦ - استخلاص الملك يوسف لنفسه وتمكين الله يوسف في الأرض.\n١٧ - مجيء إخوة يوسف أيام القحط، ومعرفة يوسف بهم، وطلبه إحضار أخيهم، وإعادته بضاعتهم في رحالهم.\n١٨ - رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم ومفاوضته لإرسال أخيهم معهم.\n١٩ - نصيحة يعقوب لبنيه الدخول من عدة أبواب خشية العين عليهم.\n٢٠ - دخول إخوة يوسف على يوسف - ﵇ - واختلاء يوسف بأخيه، واحتياله عليهم بقصة صواع الملك لإبقاء أخيه عنده.\n٢١ - تصريح إخوة يوسف تجاه الموقف باللمز بيوسف وتشبيه بنيامين به في صنيعه، وطعن يوسف بمقولتهم في نفسه، واستعطافهم له لإطلاق أخيهم، وإصرار يوسف على مقام العدل.\n٢٢ - فَقْدُ إخوة يوسف الأمل بإطلاق أخيهم، ورجوعهم عدا كبيرهم الذي أصرَّ على وصول سماح والده قبل رجوعه.\n٢٣ - تلقّي يعقوب الخبر بالتشكيك برواية أولاده، وتذكر يوسف مع شدة الحزن، وعودة إخوة يوسف إلى مصر راجين عفوه حتى كشفت لهم الحقيقة، وإعطاء يوسف القميص لإخوته ليلقوه على وجه أبيهم ليرتد بصيرًا بإذن الله.\n٢٤ - شعور يعقوب ﵇ بريح يوسف، وتصديق الشعور بإلقاء البشير القميص على وجهه وعودته بصيرًا، واعتراف الأبناء بخطئهم واستغفار الوالد لهم، ثم قدوم المركب إلى يوسف وتفاصيل الاستقبال المهيب.\n٢٥ - التجاء يوسف إلى ربه بالدعاء، بعد تمام نعمته تعالى عليه.\n٢٦ - إخبار الله تعالى نبيّه - ﷺ - بهذا القصص من الغيب تثبيتًا له عما يلقاه من أذى قومه والعاقبة للمتقين.\n٢٧ - أكثر الناس لا يفيدون من آيات الله، بل يعيشون مستكبرين مشركين.\n٢٨ - التأكيد على لزوم منهاج النبوة في الدعوة إلى الله، والصبر على الأذى.\n٢٩ - التأكيد على النصر والتمكين للرسل وأتباعهم في نهاية طريق الجهاد والصبر.\n٣٠ - الاعتبار بقصص القرآن، ففيها عبرة لأولي الألباب، وتأكيد على ثوابت المنهج، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.","vol":"4","page":108},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾.\nفي هذه الآياتِ: انْتِصارٌ من الله تعالى لهذا الكتاب المبين، فهو القرآن العربي المعجز لقوم يعقلون، وفيه يقصّ الله سبحانه خير القصص على نبيه - ﷺ - ما كان يعلمها - لتكون له عونًا في سبيل دعوته، ومجاهدة قومه، وليصبر والعاقبة للصابرين.\nفقوله: ﴿الر﴾ - هو شأن ما سبقه من الحروف المقطعة التي وردت أوائل بعض السور. وخلاصة القول فيها: هذا القرآن من جنس هذه الأحرف العربية التي تتكلمون وتتخاطبون بها، ولكنه يتألق بإعجازه ليعلو كل كلام للبشر، ولا يرقى كلام أحد له بحال من الأحوال.\nوقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.\nتَأْكيدٌ لما سبق ذكره من آفاق معاني تلك الحروف، وانْتِصارٌ لهذا الكتاب العزيز المبين، فهو القرآن الواضح الجلي الذي يُفصح عن معاني الخلق ومغزى الحياة وخبر الماضي والحاضر والمستقبل، في إعجاز في البيان لا يُسْبَقُ ولا يُجارى.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (وذلك لأن لغة العرب أفصَحُ اللغات وأبينُها وأوسعُها، وأكثرُها تأديةً للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أُنزِلَ أشرفُ الكُتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل، بسِفارة أشرَف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتُدئ إنزالُه في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمُلَ من كلِّ الوجوه).","vol":"4","page":109},{"text":"وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.\nأي: نحن يا محمد نوحي إليك فنخبرك عن سيرة الأمم الماضية، وأخبار الأقوام السالفة مع رسلها، وإن كنت من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك لا تعلمه ولا تدري عن تفصيل ذلك.\nفعن قتادة: (﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، من الكتب الماضية، وأمور الله السالفة في الأمم).\nأخرج ابن جرير والحاكم بسند صحيح من حديث سعد قال: [أنزل القرآن على رسول الله - ﷺ - فتلاه عليهم زمانًا فقالوا: لو قصصت علينا، فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾] (١).\nقلت: وهذه الآية الكريمة هي في مدح القرآن الكريم، وأنه أصل العلوم والمعارف والأخبار الصحيحة، وفي ذلك إشارة إلى أن أي فكر لا يتأصل من هذا القرآن فهو فكر قاصر، وأي فلسفة كذلك مرفوضة، وأي قصص وحديث لا يوافق هذا القرآن فهو مرفوض، فمن القرآن الحكم وإليه المرجع مع صحيح السنة.\nوفي تأصيل هذا المنهج أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله: [أن عمر أتى النبي - ﷺ - فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي] (٢).\nقلت: والتهوك كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير رؤية، والمتهوك الذي يقع في كل أمر.\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني والبيهقي بسند حسن لشواهده، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: [جاء عمر إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبري (١٢/ ١٥٠)، والواحدي (٥٤٤)، والحاكم (٢/ ٣٤٥) وصححه ووافقه الذهبي، وله شواهد أخرى عند ابن جرير، وقد مضى بتمامه.\n(٢) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٣/ ٤٧٠ - ٤٧١)، وتخريج أحاديث \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٣٢).","vol":"4","page":110},{"text":"لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيَّر وجه رسول الله - ﷺ -، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله - ﷺ -؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا. قال: فَسُرِّيَ عن النبي - ﷺ - وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين] (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا] (٢).\n٤ - ٦. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ابتِدَاءُ قصة يوسف ﵊ برؤيا رآها فقصها على أبيه، فيها بشائر العِزِّ له والقوة والتمكين، فحذَّره والده يعقوب - ﵇ - مِنْ قَصِّها على إخوته لئلا يكيدوا له، فإن الشيطان للإنسان عدو مبين. إنّ ربك يصطفيك - يا يوسف - ويعلمك تأويل الأحاديث والأحلام ويختصك بالنبوة، كما اختص آباءك إبراهيم وإسحاق، إنه تعالى عليم حكيم.\n_________\n(١) حسن لطرقه. أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٦)، والطبراني كما في \"المجمع\" (١/ ١٧٣ - ١٧٤) ح (٨٠٦). وورد من حديث جابر أخرجه البزار (١٢٤)، وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٥٢٠٢)، و(٥٢٠٣)، وأخرجه أبو يعلى وغيرهم من طرق يقوي بعضها بعضًا.\n(٢) حديث صحيح. رواه ابن أبي شيبة (١٢/ ١٦٥)، وأخرجه ابن نصر في \"قيام الليل\" (٧٤) من طريق أخرى عن أبي خالد الأحمر به. قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٣٣٨): قلت: (وهذا سند صحيح على شرط مسلم)، وأورده فيها برقم (٧١٣).","vol":"4","page":111},{"text":"فقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (كانت الرؤيا فيهم وحيًا). وقال قتادة: (رأى أبويه وإخوته سجودًا له). وقال: (الكواكب إخوته، والشمس والقمر أبواه). وعن ابن جريجٍ: (قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، إخوته ﴿وَالشَّمْسَ﴾، أمه، ﴿وَالْقَمَرَ﴾، أبوه).\nفالآية إخبار من الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ - عن قصة أخيه يوسف ﵊ مع أبيه يعقوب صلوات الله وسلامه عليه، وما كان من رؤيته لأحد عشر كوكبًا - والذين كانوا إخوته - أحد عشر رجلًا - والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه، فوقع تفسير هذه الرؤيا بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، والله تعالى أعلم. وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه، كما قال تعالى في آخر هذه السور: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].\nوقد جاءت السنة الصحيحة بوفير الثناء وأعطره على يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، في ذرية عطرة اختصَّها الله تعالى بالنبوة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: [الكريم ابنُ الكريم ابنُ الكريم ابنُ الكريم، يوسف بنُ يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [سُئِلَ رسولُ الله - ﷺ -: أيُّ الناس أكرمُ؟ قال: أكرمُهم عند الله أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألُك. قال: فأكرمُ الناس يوسف نبي الله، ابنُ نبي الله، ابن نبي الله، ابنِ خليل الله. قالوا: ليسَ عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم. قال: فخيارُكم في الجاهلية خيارُكم في الإسلام إذا فَقِهُوا] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٣٩٠)، (٤٦٨٨) من حديث ابن عمر ﵄، وأخرجه أحمد (٢/ ٩٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣٥٤٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥٣)، (٣٣٧٤)، (٣٣٨٣)، وأخرجه مسلم (٢٣٧٨)، (٢٥٢٦)، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٧)، وابن حبان (٩٢)، (٦٣٦)، وغيرهم.","vol":"4","page":112},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nقال ابن جرير: (قال يعقوب لابنه يوسف: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾، هذه، ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ﴾، فيحسدوك، ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، يقول: فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، يقول: إن الشيطان لآدم وبنيه عدوٌّ، قد أبان لهم عداوته وأظهرها. يقول: فاحذر الشيطان أن يغرِيَ إخوتك بك بالحسد منهم لك، إن أنت قصصت عليهم رؤياك).\nوعن السدي قال: (نزل يعقوب الشأم، فكان همُّهُ يوسف وأخاه، فحسده إخوته لما رأوا حبَّ أبيه له. ورأى يوسف في المنام كأن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم ساجدين، فحدث أباه بها، فقال: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، الآية).\nقلت: وهذا النظر العميق من يعقوب ﵊ يدل على سعة علم النبوة بطبيعة الناس، وكيف ينبغي التعامل معهم، وقد جاء ذلك في السنة الصحيحة، في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [العين حق، ولو كان شيء سابقَ القدر سبقته العين، وإذا اسْتُغْسِلْتُم فاغسلوا] (١).\nالحديث الثاني: يروي الطبراني بسند صحيح لشواهده، عن معاذ بن جبل، عن النبي - ﷺ - قال: [استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال: قال النبي - ﷺ -: [الرؤيا الصالحةُ من الله، والحُلْمُ من الشيطان، فمَنْ رأى شيئًا يَكرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ عن شِمالِه ثلاثًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١١٨)، كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقي.\n(٢) صحيح لطرقه. أخرجه الطبراني في المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٢١٥)، (٦/ ٩٦)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٢٩١/ ١)، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (١٨٢/ ١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٤٥٣).","vol":"4","page":113},{"text":"وليتَعَوَّذ من الشيطان، فإنها لا تضرُّه، وإنّ الشيطان لا يتراءى بي] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث أبي رزين العقيلي، عن النبي - ﷺ - قال: [الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبَّر، فإذا عُبِّرتْ وَقَعَتْ] (٢).\nقال ابن كثير - وقد أورد هذا الحديث -: (ومن هذا يؤخَذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجَد وتظهر).\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند حسن عن الزبير بن العوام، أن النبي - ﷺ - قال: [دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسدُ، والبغضاء هي الحالقة، وفي رواية: (الحسد والبغضاء، والبُغْضة هي الحالقة)، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يُثَبِّتُ ذاكُمْ لكم! أفشوا السلام بينكم] (٣).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.\nقال عكرمة: (﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، يصطفيك). وقال قتادة: (فاجتباه واصطفاه وعلّمه من عَبْر الأحاديث، وهو ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾).\nوقال مجاهد: (﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، قال: عبارة الرؤيا).\nقلت: لقد أكرم الله يوسف وبعض إخوته الأنبياء بفهم تأويل الأحلام، من خلال وحي الله تعالى لهم، وأما سائر البشر من العلماء والصالحين فلا يصحّ ادعاء أحد منهم بتفسير الأحلام بدقة حدوثها في المستقبل، اللهم إلا الرؤيا الصالحة ودلالتها على المبشرات، والرؤيا المزعجة التي قد تكون من حديث النفس أو الشيطان، وعلى هذا المنهاج جاءت السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦٩٩٥) - كتاب التعبير - وأخرجه مسلم، (٢٢٦١) ح (١)، (٣)، (٤)، وأخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٨٩٩)، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٠٣)، والدارمي (٢/ ١٢٤).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٠)، وأبو داود (٥٠٢٠)، والترمذي (٢٢٧٨)، وابن ماجه (٣٩١٤) من حديث أبي رزين العقيلي، وإسناده حسن.\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٠٣٨)، أبواب صفة القيامة.","vol":"4","page":114},{"text":"قال: [الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزءٌ من سِتَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة] (١).\nورواه من حديث عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - قال: [رؤيا المؤمن جزءٌ من ستةٍ وأربعين جُزءًا من النبوة].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي قتادة عن النبي - ﷺ - قال: [الرؤيا الصادقة من الله، والحُلْمُ من الشيطان] (٢).\nوفي الباب عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: [إذا رأى أحدُكُم رُؤيا يُحِبُّها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليُحَدِّثْ بها، وإذا رأى غير ذلك مِمَّا يَكْرَه فإنَّما هي من الشيطان، فليستعِذْ من شَرِّها ولا يَذْكُرْها لأحد فإنها لا تَضُرُّه] (٣).\nوله شاهد أخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا رأى أحدكم الرؤيا تعجبه فليذكرها، وليفسرها، وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوءه، فلا يذكرها، ولا يفسرها].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [الرؤيا ثلاث، فالبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي] (٤).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري في \"التاريخ\"، وابن ماجه في السنن، بإسناد صحيح، عن عوف بن مالك عن رسول الله - ﷺ - قال: [الرؤيا ثلاث، منها أهاويلُ من الشيطان، لِيُحْزِنَ بها ابنَ آدم، ومنها ما يَهُمُّ به الرجل في يقظته فيراه في منامِه، ومنها جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٨٣) - كتاب التعبير - باب رؤيا الصالحين، وانظر الحديث (٦٩٨٧) - باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٨٤) - كتاب التعبير - باب الرؤيا من الله.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٨٥) - كتاب التعبير - باب الرؤيا من الله.\n(٤) رجاله ثقات. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٩٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ١٩٣/ ٢)، وعنه ابن ماجه (٢/ ٤٤٩). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٣٤١).\n(٥) أخرجه البخاري في \"التاريخ\" (٤/ ٢/ ٣٤٨)، وابن ماجه (٢/ ٤٥٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ١٩٣/ ٢)، وابن حبان (١٧٩٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٨٧٠)، وقال الألباني: \"وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات\".","vol":"4","page":115},{"text":"وقوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nأي: يتم الله تعالى نعمته على يوسف - ﷺ - بالرسالة والاجتباء وتعليمه تأويل الأحاديث والأحلام، كما أتمها على أهل دين يعقوب وملته من ذريته الصالحين، ومن قبلهم باتخاذ إبراهيم خليلًا من بين المرسلين، وإسحاق نبيًا من المخلصين، أخلصه واختصه مع أبيه إبراهيم وابنه يعقوب بذكرى الدار الآخرة، إن ربك عليم بمواضع الفضل وأهل الاختصاص والاجتباء من عباده، حكيم في تقديره وتدبيره وتشريعه.\nوفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧].\n٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أن في قصة يوسف مع إخوته الكثير من الفوائد والدروس والعبر، فهم قابلوا حبّ أبيهم لأخيهم بالمكر والبغي والحسد، فكان التخطحط منهم لقتله أو إلقائه في بئر على الطريق يلتقطه بعض المسافرين، ثم اختاروا بعد التشاور آخر الأمرين.\nفقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (إنما قصَّ الله ﵎ على محمد خبر يوسف، وبَغْيَ إخوته عليه، وحسدهم إياه، حين ذكر رؤياه، لما رأى رسول الله - ﷺ - من بغي قومه وحسده حين أكرمه الله ﷿ بنبوته، ليأتسي به).","vol":"4","page":116},{"text":"والخلاصة: إن في قصة يوسف مع إخوته من العبر والدروس الكثيرة، لمن أراد الفائدة في البحث واستنباط المواعظ من تلك الأخبار.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nقال السدي: (﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾: يعنون بنيامين. قالوا: وكانوا عشرة). وقال ابن زيد: (﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: العصبة، الجماعة). وقيل: العصبة العشرة فصاعدًا. والمراد: أنهم حلفوا فيما يظنون أن يوسف وبنيامين - وكان شقيقه لأمه - أحب إلى أبيهما منهم وهم جماعة.\nوقوله: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال ابن جرير: (يعنون: إنّ أبانا يعقوب لفي خطأ من فعله، في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة). وقال النسفي: (غلط في تدبير أمر الدنيا، ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا).\nوقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (يقولون: هذا الذي يُزاحِمكم في مَحبّة أبيكم لكم أعدِموه من وجه أبيكم ليخلوَ لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تُلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتَخْتَلُوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من بعد إعدامِه قومًا صالحين. فأضمروا التوبة قبل الذنب).\nقال السدي: (﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: تتوبون مما صنعتم، أو: من صنيعكم).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.\nقيل: قائل ذلك \"روبيل\"، ابن خالة يوسف. قال ابن إسحاق: (ذكر لي، والله أعلم، أن الذي قال ذلك منهم \"روبيل\"، الأكبر من بني يعقوب، وكان أقصدهم فيه رأيًا).\nوقال قتادة: (ذكر لنا أنه روبيل، كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، فنهاهم","vol":"4","page":117},{"text":"عن قتله). وقال مجاهد: (هو شمعون)، والله تعالى أعلم. و﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ما غاب وأظلم من قعر البئر.\nوالخلاصة: إنه أشار عليهم بعدم قتل يوسف وإنما بإلقائه في قعر البئر، حيث يغيب خبره، يأخذه بعض المارة من المسافرين، إن كنتم عازمين على التخلص منه. ولا شك أن الله تعالى هو الذي صرفهم عن قتله لِما أراد له من النبوة والتمكين في بلاد مصر والحكم بها، وإحقاق بعض الآيات العظيمة في حياة خلقه. ولا شك أنهم أقدموا على عمل عظيم الإثم، من قطيعة الرحم وعقوق الوالد، والقسوة على الطفل الصغير ووالده العجوز إذ حرموه من محبوبه الصغير واستغلوا ضعفه وشيخوخته، وحرموا الطفل من حنان والده وقربه ورعايته.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بالترهيب من مثل هذه الأفعال، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند صحيح عن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ - قال: [ما من ذنب أجدرُ أن يُعَجَّلَ لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له، من البغي وقطيعة الرحم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي بإسناد حسن، عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: [ثلاثة دعوات مستجابات لهن، لا شك فيهن: دعوةُ المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالدين على ولدهما] (٢). وفي لفظ: [ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي أيوب، عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ فَرَّقَ بين والدة وولدِها، فرَّق الله بينه وبين أحِبَّتهِ يوم القيامة] (٣).\nقال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: كرهوا التفريق بين السَّبي بين الوالدة وولدها، وبين الولد والوالد، وبين الإخوة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٩)، باب عقوبةُ عقوق الوالدين. انظر: \"صحيح الأدب المفرد\" (٢٣)، من حديث أبي بكرة ﵁.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٥٣٦)، والترمذي (٢/ ٢٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٢)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١٦٢٩) - باب في التفريق بين السَّبي - انظر صحيح الترمذي (١٢٧١)، ورواه أحمد والحاكم وغيرهم. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٦٢٨٨).","vol":"4","page":118},{"text":"١١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: توطئة إخوة يوسف لأبيهم بعدما بيّتوا أمرهم في إرساله معهم يتنزه ويلعب وهم له حافظون. وتردُّدِ والدهم أول الأمر خشية الذئب أو الضياع على ولده الغلام وهم عنه غافلون. وتأكيد الإخوة لأبيهم حرصهم على أخيهم وهم عصبة وإلَّا فهم خاسرون. وَوَحْيُ الله تعالى إلى يوسف حين علم مكرهم أنه تعالى سيجعل له من ذلك الضيق مَخرجًا، ونَصْرًا وفرجًا، وهم لا يشعرون.\nفقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾.\nهو قول إخوة يوسف لأبيهم يعقوب - ﵇ - بعد تواطئهم على أخذ يوسف وطرحه في البئر، فوطؤوا لوالدهم بهذه المقدمة ليصلوا إلى مرادهم وقد امتلأت قلوبهم بالحسد على يوسف لحب أبيه له. قال ابن جرير: (﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾، نَحُوطُهُ ونكلؤه).\nوقوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾. قال ابن عباس: (يسعى وينشط). أو قال: (يلهو وينشط ويسعى). وقال الضحاك: (يتلهّى ويلعب).\nوقراءة أبي عمرو: ﴿نرتَعْ ونلعب﴾، وقراءة أهل الكوفة ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ وهي الأشهر.\nوقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ - أي: نحفظه ونحوطه من أجلك فلا يناله سوء.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾.\nإِخْبارٌ من الله تعالى عن مشاعر يعقوب ﵇ تجاه ما سأله أبناؤه من إرساله يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء، فإنه وجد أن ذلك يشق عليه لفرط محبته ليوسف","vol":"4","page":119},{"text":"وما يتوسم فيه من المستقبل المزهر الذي يحتاج إلى رعاية قريبة، وكأنه يقرأ شمائل النبوة وهو يبصر في يوسف كمال الخَلْق والخُلُق، صلوات الله وسلامه عليهما وعلى المرسلين أجمعين.\nقال ابن كثير: (﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾، يقول: وأخشى أن تَشتَغلِوا عنه بِرَمْيِكُم وَرَعيَّتِكم فيأتيه ذئبٌ فيأكلَه، وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فَمِه هذه الكلمة، وجعلوها عُذْرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين عنها في الساعة الراهنة: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾، يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكَلَه من بيننا، ونحنُ جماعةٌ، إنا إذن لهالِكون عاجِزون).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nقال القاسمي: (﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ أي بعد مراجعة أبيهم في شأنه ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ فيه تعظيم لما أزمعوا، إذ أخذوه ليكرموه، ويدخلوا السرور على أبيه، ومكروا ما مكروا).\nوقال القرطبي: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ دليل على نبوّته في ذلك الوقت).\nقال مجاهد: (أوحى إلى يوسف وهو في الجُبُّ أنْ سينبئهم بما صنعوا، وهم لا يشعرون بذلك الوحي). وقال قتادة: (﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإيحاء الله إليه).\nوقال ابن عباس: (ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك).\nوالخلاصة: لقد أوحى الله إلى يوسف أثناء ذلك الضيق والمفاجأة بمكر إخوته به لِيُطَيِّبَ خاطره، ويثبت قلبه، وينزل اليسر على العسر، بأن الله جاعل له من هذا الضيق مَخرجًا، ومن ذلك المكر نَصْرًا وفَرجًا، وأنه سبحانه سيرفعه عليهم ويُعلي مقامه ومنزلته وسيخبرهم يومًا بما فعلوا وبما صَدَرَ منهم.\n١٦ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا","vol":"4","page":120},{"text":"صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم عشاء يبكون. وقد ركّبوا رواية كاذبة في شأن فقدان يوسف بأن أكله الذئب وهم يلعبون. وجاؤوا بدم كذب على قميصه فأيقن الأب بمكرهم فاحتسب وصبر مستعينًا بالله على ما يصفون.\nفقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ - أي أقبلوا إلى أبيهم في ظلمة يبكون، ويظهرون الندم والأسف على فقدهم يوسف ﵊ في حيلة كاذبة.\nوقوله: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾.\nقال النسفي: (﴿نَسْتَبِقُ﴾ أي: نتسابق في العدو أو في الرمي). وقال ابن جرير: (ننتضل، من السباق).\nوقال ابن كثير: (﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي نترامى).\nوقال القاسمي: (﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي ما يتمتع به من الثياب والأزواد وغيرهما ليحفظه). ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي كما حذرتَ).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾. قال السدي: (﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾: بمصدق لنا).\nوفيه تلطّف منهم في محاولتهم تثبيت ما زعموا. أي نحن نعلم أنك لن تصدقنا على هذه الحالة ولو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت غير واثق بما نقول، ونحن في موضع اتهام عندك في هذه القصة.\nوقوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ - إذ غمسوا قميصه بدم معز كانوا ذبحوه.\nقال مجاهد: (كان ذلك الدم كاذبًا، لم يكن دمَ يوسف). وقال ابن عباس: (﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ بدم سخلة).\nفلطخوا ثوب يوسف بدمها ليوهموا بذلك أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب. ولكنه فاتهم أن يخرقوه لتكتمل الرواية، فلم يرج صنيعهم على أبيهم يعقوب ﵇، وشعر في نفسه بمؤامرتهم وتمالئهم عليه فقال:","vol":"4","page":121},{"text":"﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ - قال ابن عباس: (لما أتي يعقوب بقميص يوسف فلم ير فيه خرقًا قال: كذبتم، لو أكله السبع لخرق قميصه).\nوعن قتادة: (﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ قال: يقول: بل زيَّنَت لكم أنفسكم أمرًا).\nوقال مجاهد: (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: ليس فيه جزع) - أي صبر لا شكوى فيه. أي: سأصبر صبرًا جميلًا على هذا المصاب والمكر الذي اتفقتم عليه حتى يفرِّجه الله ويكشفه بلطفه ورحمته.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ - أي: وأستعين بالله تعالى على ما بَيَّتُم من الخديعة وعلى ما تذكرون من الكذب والمحال.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من جوامع الكلم في مفهوم الصبر والصبر الجميل:\nالحديث الأول: أخرج البخاري من حديث عائشة - في قصة الإفك - قالت: [والله ما أجدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذْ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾] (١).\nقال شيخ الإسلام ﵀: (الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه).\nالحديث الثاني: أخرجه البيهقي بسند صحيح من حديث سعد عن النبي - ﷺ - قال: [عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمد الله وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح على شرط مسلم، عن صهيب قال: [بينا رسول الله - ﷺ - قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٦٦١) - كتاب الشهادات، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٧٠)، في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البيهقي، ونحوه الطيالسي (٢١١) بإسناد صحيح، وله شاهد في مسند أحمد (٦/ ١٦) وسنن الدارمي (٢/ ٣١٨)، وأصل معناه في صحيح الإمام مسلم (٨/ ٢٢٧).","vol":"4","page":122},{"text":"كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (١).\nوله شاهد رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له] (٢).\n١٩ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: وُرُودُ بعض المارة يسقون من البئر، فاستبشروا بوجود غلام، واتفقوا على إخفاء ذلك عن أصحابهم بأنهم اشتروه من أهل الماء لئلا يشركوهم فيه، ثم باعوه بثمن زهيد ليستفيدوا من ثمنه قبل تدخل غيرهم. وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير بها وأوصى به امرأته، وقد أراد الله بذلك تمكين يوسف في الأرض، ثم آتاه الله العلم والحكمة - حين بلغ أشده - والله يجزي المحسنين.\nقال قتادة: (﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ يقال: أرسلوا رسولهم، فلما أدلى دلوه تشبث بها الغلام). أو قال: (فتشبث الغلام بالدلو، فلما خرج قال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: تباشروا به حين أخرجوه، - أو قال: بشرهم واردهم حين وجد يوسف - قال: وهي بئر بأرض بيت المقدس معلومٌ مكانها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ١٦)، والدارمي (٢/ ٣١٨)، وبنحوه روى مسلم المرفوع في صحيحه (٨/ ٢٢٧)، وهو رواية لأحمد (٤/ ٣٣٢) (٦/ ١٥)، وسنده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) حديث صحيح. رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٥/ ٢٤)، وأبو يعلى (٢٠٠/ ٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٤٨).","vol":"4","page":123},{"text":"وقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ - فيه أقوال:\n١ - قال مجاهد: (﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: صاحب الدلو ومن معه، قالوا لأصحابهم: إنما استبضعناه، خيفة أن يشركوهم فيه إن علموا بثمنه).\n٢ - قال السدي: (لما اشتراه الرجلان، فَرَقًا من الرفقة أن يقولوا: اشتريناه، فيسألونهم الشركة، فقالا: إن سألونا: ما هذا؟ قلنا: بضاعة استبضعناه أهل الماء. فذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، بينهم).\n٣ - قال مجاهد: (أسره التجار بعضهم من بعض).\n٤ - قال قتادة: (﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: أسروا بيعه).\n٥ - قال مجاهد: (﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: قالوا لأهل الماء: إنما هو بضاعة).\n٦ - قال ابن عباس: (﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ يعني: إخوة يوسف، أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، فكتم يوسف شأنه مخافة أن تقتله إخوته، واختار البيع. فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه قال: يا بشرى! هذا غلامٌ يباع! فباعه إخوته).\nقلت: والراجح ما ذكره شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير ﵀ - في تفسير هذه الآية حيث قال: (وأولى هذه الأقوال بالصواب، قولُ من قال: وأسَرَّ وارد القوم المدلي دلوَه ومن معه من أصحابه، من رفقته السيارة، أمر يوسف أنهم اشتروه، خيفةً منهم أن يستشركوهم، وقالوا لهم: هو بضاعة أبضعها معنا أهل الماء).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: يعلم ما يفعله إخوةُ يوسف وَمُشتروه، وهو قادرٌ على تغيير ذلك ودَفعه، ولكن له حكمةٌ وقدرٌ سابقٌ، فترَكَ ذلك ليمضي ما قدَّره وقضاه، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وفي هذا تعريضٌ لرسوله محمد - ﷺ - وإعلامٌ له بأني عالمٌ بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكن سأملي لهم، ثم أجعلُ لك العاقبة والحُكم عليهم، كما جعلتُ ليوسف الحكمَ والعاقبة على إخوته).\nوقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ - أي: باع السيارة يوسف بثمن قليل.\nومن أقوال أهل التأويل في ذلك:\n١ - قال ابن عباس: (فباعه إخوته بثمن بخس). قال الضحاك: (البخس: الحرام).","vol":"4","page":124},{"text":"٢ - وعن مجاهد قال: (إخوة يوسف أحد عشر رجلًا، باعوه حين أخرجه المدلي بدلوه).\n٣ - قال قتادة: (﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾، وهم سيارة الذين باعوه). وقال: (البخس: الظلم). وقال عكرمة: (البخس: القليل).\nقلت: والراجح في الضمير في ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أنه يعود على السيارة، وهم أولئك القوم المسافرون أثناء مسيرهم، فهم الذين باعوا يوسف بثمن زهيد دراهم قليلة ليستفيدوا من ثمنه قبل غيرهم أن يشركهم، وبعيد أن يكون الضمير يعود على إخوة يوسف لأنهم اقترحوا إلقاءه في البئر: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾، ولم يكونوا يبحثون عن تجارة ببيع يوسف وإنما أرادوا التخلص منه، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ - قال الضحاك: (وذلك أنهم لم يعلموا نُبُوَّتَهُ ومنزلته عند الله ﷿).\nوقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ - قال ابن جريج: (منزلته). أي: هو قول الذي اشترى يوسف من بائعه بمصر، قال لامرأته: أكرمى منزلته. وعن قتادة: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، منزلته، وهي امرأة العزيز). قال ابن جرير: (يقول: أكرمي موضع مقامه، وذلك حين يثوي ويُقيم فيه).\nوكان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير بها. قال السدي: (انطُلق بيوسف إلى مصر، فاشتراه العزيز ملك مصر، فانطلق به إلى بيته فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ - قال ابن جرير: (يقول ﷿: وكما أنقذنا يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله، وأخرجناه من الجبّ بعدَ أن ألقي فيه، فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر، كذلك مكّنا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها).\nوقوله: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ - قال مجاهد: (عبارة الرؤيا)، وقال السدي: (تعبير الرؤيا).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ - قال سعيد بن جبير: (أي: فعال لما يشاء).","vol":"4","page":125},{"text":"فهو سبحانه قائمٌ على أمر نبيّه يوسف - ﷺ -، يسوسه ويدبّره ويحوطه، ويهيِّئ له ما ينبغي لمقام النبوة.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - أي: لا يدرون حكمة الله في تقديره، وتلطفه في أوليائه، ومكره بأعدائه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\nأي: ولما بلغ يوسف - ﵊ - منتهى شدته وريعان شبابه وغاية قوته، أعطيناه الفهم والحكمة والعلم، وكذلك سنة الله تعالى في مجازاة المحسنين، فإن من حفظ شبابه وجوارحه وقلبه عن معصية الله، حفظه الله وأكرمه وعلمه ورعاه.\nقال ابن كثير: (﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾، أي: يوسف - ﵇ - ﴿أَشُدَّهُ﴾، أي: استكمل عقلهُ وتمَّ خلقُه، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ يعني النبوة، إنه حباه بها بين أولئك الأقوام، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: إنه كان محسنًا في عَمَلهِ، عاملًا بطاعةِ ربه تعالى).\n٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: محاولة امرأة العزيز - التي كان يوسف في بيتها بمصر وقد أوصاها زوجها بإكرامه، إلا أنها أحبته حبًّا شديدًا لشدة جماله وحسنه وبهائه - فحاولته عن نفسه، وتجملت له، وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها فأبى - ﵊ - واعتصم بالله ليحميه من الوقوع والزلل، ومن خيانة سيده في أهله، إنه لا يفلح الظالمون. ولقد أرادت مراودة يوسف وإغراءه بكل طريقة وما زالت به حتى خطر في نفسه ما يخطر مما زَيَّنَت له، إلا أنه تذكَّر عظمة الله سبحانه فاستحيا منه فعصمه الله، إنه من عباد الله المخلصين.\nفعن السدي: (﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، قال: أحبته).","vol":"4","page":126},{"text":"قال ابن إسحاق: (ولما بلغ أشدَّه، راودته التي هو في بيتها عن نفسه، امرأة العزيز).\nوقوله: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: وغلقت المرأة أبواب البيوت عليها وعلى يوسف، لما أرادت منه وراودته عليه، بابًا بعد باب).\nوقوله: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ - أي: هَلُمَّ لك، وادن، وتقرب، تدعوه للوقوع بها. ومن أقوال أهل التأويل:\n١ - قال ابن عباس: (﴿هَيْتَ لَكَ﴾، تقول: هلمّ لك). وقال السدي: (هلم لك، وهي بالقبطية).\n٢ - وقال مجاهد: (﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال: لغة عربية، تدعوه بها). أو قال: (لغة بالعربية، تدعوه بها إلى نفسها). وقال ابن زيد: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، قال: هلمَّ لك، إليّ).\n٣ - وقال أبو عبيد: كان الكسائي يحكيها، يعني: هيت لك. قال: (وقال: وهي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز، معناها: تعال).\n٤ - وعن قتادة قال: كان عكرمة يقول: (تهيأت لك). فأصلها عند بعضهم: \"وقالت هِئْتُ لك\" - أي: تهيأت لك. وفي قراءة أهل المدينة ﴿هِيْتَ لَكَ﴾، وبعض المكيين: ﴿هَيْتُ لَكَ﴾، وبعض البصريين ﴿هَيْتِ لَكَ﴾. وأرجح القراءات المشهورة ﴿هَيْتَ لَكَ﴾.\nقلت: وكل ما سبق يفيد في مفهوم دعوة امرأة العزيز يوسف ﵇ إلى نفسها للوقوع بها، وقد تهيأت له وتجمّلت على أحسن حال.\nوقوله: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ - أي: هو ردّ يوسف ﵊ إذ دعته المرأة إلى الفاحشة فأجاب بقوله: معاذ الله، أي: أعتصم بالله وأستجير به ليحميني من الوقوع والزلل.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - أي يقول: إن صاحبك وزوجك سيدي قد أحسن منزلتى وأكرم إقامتي وائتمنني في بيته فلا أخونه في أهله.\nقال مجاهد: (﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾، قال: سيدي، يعني زوج المرأة).","vol":"4","page":127},{"text":"قال ابن إسحاق: (﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، أمنني على بيته وأهله). وقال السدي: (﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، فلا أخونه في أهله).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ - قال ابن إسحاق: (قال: هذا الذي تدعوني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾.\nأي: ولقد أرادت مراودة يوسف وبذلت لذلك من محاولاتها بإغرائه بزينتها وجمالها ليدنو منها، وما زالت به حتى خطرَ في نفسه من خطرات ما زَيَّنَت له، وأوشك أن يجيبها إلى ما دعته إليه، إلا أنه تَذَكَّرَ عظمة الله سبحانه فاستحيا منه فعصمه ربه ﷿.\nوهَمَّ بالشيء - في كلام العرب - أراده. وكذلك الهَمُّ بالشيء: حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يُواقع. قلت: ومن هنا فإن قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ ينزل على المعنى الأول: أرادت وحاولت. وقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ - ينصرف إلى المعنى الثاني: هَمُّ خَطَرات وحديث النفس والاقتراب من الوقوع. وهذا التفسير ينسجم مع عصمة النبوة.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ له حَسَنَةٌ، ومَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فعمِلَها كُتِبَتْ له عَشْرٌ إلى سبع مئة ضِعْفٍ، ومَنْ هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها، لَمْ تُكْتَب، وإن عَمِلَها كُتِبَتْ] (١).\nوفي لفظ: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله ﷿: إذا هَمَّ عَبْدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإنْ عَمِلَها فاكتبوها سيئة، وإذا هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْها فاكتبوها حسنة، فإن عَمِلها فاكتبوها عَشْرًا].\nوهناك أقوال غريبة بعيدة ذكرها المفسرون في تفسير هذه الآية:\nقيل: همَّ بضربها. وقيل: تمنّاها زوجة. وقيل: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، أي: فلم يَهُمَّ بها. وهذا وجه بعيد لغة، وهو أبعد مما قيل قبله. وأبعد من ذلك كله ما روي أنها استلقت له وجلس بين رجليها أو حَلَّ ثيابه، إلى غير ذلك، مما لا يليق بمقام النبوة. وكان أولى بالمفسرين ألا يُسَطِّروا مثل هذه التفاسير - المستنكرة المأخوذة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢٩) - كتاب الإيمان. باب إذا همَّ العبد بحسنة كتبت وإذا همَّ بسيئة لم تكتب. واللفظ الآخر برقم (١٢٨)، ورواه أحمد (٢/ ٣١٥)، وابن حبان (٣٧٩)، وغيرهم.","vol":"4","page":128},{"text":"من الإسرائيليات - في تفاسيرهم، فإن عصمة الأنبياء وحياءهم ورفيع درجاتهم يعارضه من كل وجه، ويبقى ما ذكرناه في تفسير \"الهَمِّ\" بنوعيه، من امرأة العزيز وما قابله من يوسف ﵊، فعصمه الله بحيائه وصدق خوفه من ربه ﷿.\nوقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ - أي: لولا أن أراه الله تعالى من آياته ما زجره عما كان همَّ به، وذكّره بعظمة ربه تعالى فاستحيا منه. لقد رأى يوسف ﵇ الإيمان، فاستحيا من الله تعالى فَلَزِمَ مقام الإحسان.\nوأما ما رُوي عن مجاهد والحسن والضحاك وغيرهم أنه رأى صورة أبيه يعقوب - ﵇ - عاضًا على إصبعه بفمه، وفي رواية: فضرب في صدر يوسف، أو ما رُوي عن ابن عباس: أنه رأى خيال سيده، يعني الملك، إلى غير ذلك، من التصاوير والخيالات فإنه لا تقوم بها حجة.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.\nأي: أريناه برهانًا صرفه إلى الخوف من الله وتعظيم أمره فوق شهوات الدنيا، لِنَقِيَهُ الوقوع في السوء والفحشاء، فإنه من عبادنا المطهَّرِين المُجْتَبين الأخيار الصالحين.\n٢٥ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: مُسَابَقَةُ امرأة العزيز يوسف إلى الباب وتمزيقها قميصه أثناء هروبه منها، وظهور سيدها لدى الباب، فأظهرت الكذب باتهامها يوسف بإرادته السُّوء محرضة عليه زوجها بالسجن أو العذاب الأليم. فكذبها يوسف وشهد شاهد من أهلها إن كان تمزيق القميص من قُبُلٍ فهي صادقة وإلا كانت من الكاذبين. فلما رأى زوجها قميصه قد مُزق من خلفه علم أنه من كيدهن إن كيدهن عظيم. فأمره ألا يحدث بذلك","vol":"4","page":129},{"text":"وأمر زوجته أن تستغفر ما صدر منها فإنها كانت من الخاطئين.\nفعن قتادة: (﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾، قال: استبق هو والمرأة الباب، ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾). وقال ابن إسحاق: (لما رأى برهان ربه، انكشف عنها هاربًا، واتبعته فأخذت قميصه من دبر، فشقّته عليه).\nوعن مجاهد: (﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾، قال: سيدها زوجها، ﴿لَدَى الْبَابِ﴾، قال: عند الباب).\nقال ابن كثير: (يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب، يوسفُ هاربٌ، والمرأة تطلبُه ليرجع إلى البيت، فلحِقته في أثناء ذلك، فأمسكت بقميصه من ورائه فَقَدَّته قدًّا فظيعًا، يقال: إنه سَقَطَ عنه، واستمر يوسف هاربًا ذاهبًا، وهي في إثره، فألفيا سَيِّدها - وهو زوجها - عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها مُتَنَصِّلَة وقاذِقَةً يوسفَ بدائها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾، أي: فاحشة، ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾، أي: يُحْبَسَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يُضربُ ضربًا شديدًا موجعًا).\nوقوله: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ - قال النسفي: (ولولا ذلك لكتم عليها ولم يفضحها). أي: لما قذفته امرأة العزيز، وأوقعته في الشبهة باتهامه، وعرضته للسجن والعذاب، انتصر للحق ودافع عن نفسه.\nوقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ - الصواب (١) أنه كان مستشارًا للعَزيز.\nقال أبو جعفر النحاس: (والأشبه بالمعنى - والله أعلم - أن يكون رجلًا عاقلًا حكيمًا شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (قال: أشهد إن كان قميصه قُدّ من قُبل لقد صدقت وهو من الكاذبين. وذلك أن الرجل إنما يريد المرأة مقبلًا، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وذلك أن الرجل لا يأتي المرأة من دبر).\n_________\n(١) قيل: طفل في المهد تكلم، وقيل: ابن عمها أو ابن خالها، وقيل: الشاهد: قَدُّ القميص، وقيل: خلق من خلق الله تعالى ليس بإنسي ولا جني، وهذا يرده قول تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾، وقيل غير ذلك.","vol":"4","page":130},{"text":"وخلاصة المعنى: شهد الحكم من أهلها، إن كان قميص يوسف قد شُقَّ من قُدّامه فهو بذلك إنما أرادها عن نفسها فأبت ودفعته في صدره فقَدَّت قميصه من مقدمته فيصح عند ذلك قولها. وأما إن كان الشق من خلف القميص فهو يعني أنها لما أرادته لنفسها وهرب منها واتبعته طالبة له فأمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدّت بذلك قميصه من ورائه وهو بذلك بريء ولا يصح قولها.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.\nقال ابن كثير: (أي فلما تحقق زوجُها صدقَ يوسف وكَذِبها فيما قذفته ورمته به، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي: إن هذا البهت واللَّطخ الذي لَطَختِ عِرْضَ هذا الشاب به من جُملة كيدِكُنَّ، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾). والكيد: المكر والحيلة.\nقال القرطبي: (وإنما قال ﴿عَظِيمٌ﴾ لعظم فتنتهنّ واحتيالهنّ في التخلّص من ورطتهنّ).\nوقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.\nأي: يأمر زوجُها يوسفَ ﵇ - حين تبين له حقيقة ما حصل أن يكتم ما وقع ولا يذكره لأحد، ويأمر امرأته أن تستغفر مما صدر منها بحق هذا الشاب البريء فإنها هي التي أذنبت وأخطأت.\nقال ابن زيد: (﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، قال: لا تذكره، واستغفري أنت زوجك، يقول: سليه أن لا يعاقبك على ذنبك الذي أذنبت، وأن يصفح عنه فيستره عليك).\nقال ابن كثير: (يقول لامرأته وقد كان ليِّنَ العريكة سهلًا، أو أنه عذرها، لأنها رأت ما لا صَبْرَ لها عنه، فقال لها: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾، أي: الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قَذْفِه بما هو بريءٌ بلا منه، استغفري من هذا الذي وقع منك، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾).\n٣٠ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ","vol":"4","page":131},{"text":"أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إشاعَةُ خبر يوسف وامرأة العزيز في المدينة، وهي مصر، فتكلم بعض نساء الأمراء والكبراء يَعِبْنَ على امرأة الوزير ما صدر منها، حيث أقدمت على دعوة غلامها إلى نفسها الذي ملأ قلبها عشقه وبلغ حبه شَغَاف قلبها. ومقابلةُ ذلك من امرأة العزيز بموقف من المكر لتبرير موقفها، ثم توعُّدُها يوسف إن خالف أمرها بالسجن والتضييق والإهانة. وَلُجُوءُ يوسف - ﵊ - إلى الله ﷿ بصرف كيدهن عنه، وأن السجن أحب إليه من طلبهن، فاستجاب الله تعالى له إنه هو السميع العليم.\nفقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ - قال ابن كثير: (مثل نساء الأمراء والكبراء يُنْكرن على امرأة العزيز - وهو الوزير - وَيَعِبْنَ ذلك عليها). قلت: والعزيز لغة من العزة، والمراد هنا الوزير. قال ابن إسحاق (وشاع الحديث في القرية، وتحدث النساء بأمره وأمرها، وقلن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، أي عبدها).\nوقوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ - شغاف القلب غلافه وحجابه، والمقصود دخل حبه فتغلغل تحت غلاف القلب. قال السدي: (والشغاف جلدة على القلب يقال لها \"لسان القلب\". يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب). وقال عكرمة: (﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾: دخل حبه تحت الشَّغاف). وقال مجاهد: (دخل حبه في شغافِها). وعن ابن عباس قال: (يقول: عَلَّقها حبًّا). أو قال: (غلبها). وقال الحسن: (قد بطنها حبًّا). وقال قتادة: (استبطنها حبها إياه). وقال الضحاك: (يقول: هلكت عليه حبًّا).\nوقوله: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ - أي: في صنيعها هذا وما أقدمت عليه من مراودة فتاها عن نفسه وتعلق قلبها به.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ - قال السدي: (يقول: بقولهن). وقال قتادة: (أي بحديثهن).\nوقوله: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ - أي: أرسلت إلى النسوة اللاتي مَكَرْنَ بها","vol":"4","page":132},{"text":"بإشاعة خبرها مع فتاها لتريهن يوسف. قال ابن إسحاق: (وكان يوصف لهن بُحسنه وجماله، ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾).\nقال ابن عباس: (﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾، قال: مجلسًا). وقال سعيد: (طعامًا وشرابًا ومتكأ). قال ابن جرير: (أعدّت لهن، ﴿مُتَّكَأً﴾، يعني: مجلسًا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد). قيل: وفي الطعام ما يقطع بالسكاكين مِن أُتُرُجٍّ ونحوه، وهو قوله: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. قال ابن كثير: (وكان هذا مكيدةً منها، ومقابلة لهنَّ في احتيالهن على رؤيته).\nوقوله: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ - حيث كانت قد خَبَّأَتْه في مكان آخر، فخرج عليهن يوسف.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ - قال مجاهد: (أعظمنه) - أي: أجللنه وعظّمنه لشدة حسنه. وقال ابن زيد: (فخرج، فلما رأينه أعظمنه وبُهِتن) - أي: من شدة بهائه وجماله - ﵊.\nوقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ - أي: جَعَلْنَ يقطعن أيديهنَّ من روعة جمال يوسف، وهُنَّ يحسبن أنهن يقطعن الأترُجّ. قال مجاهد: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، حَزًّا حزًّا بالسكين). والمقصود: أنهن حَزَزْنَ أيديهن من حيث لا يشعرن من دهشة ما رأين. قال ابن زيد: (جعلن يحززن أيديهن بالسكين، ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنج، قد ذهبت عقولهنّ مما رأين!).\nوفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة - حديث الإسراء - قال رسول الله - ﷺ -: [فأتيت على يوسف فَسَلَّمتُ فقال: مَرْحَبًا بك من أخٍ ونبي. وفي لفظ: ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: مَنْ أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، فإذا هو قد أُعطي شطرَ الحسن، فرحّب بي ودعا لي بخير] (١).\nوقوله: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ - وهي قراءة أهل الكوفة، وأما بعض البصريين فأثبتوا الياء: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ والمراد التنزيه. قال مجاهد: (﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ وقال: معاذ الله).\nوقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ - قال ابن زيد: (ما هكذا تكون البشر). لأنهن لم يعهدن\n_________\n(١) حديث صحيح. هو بعض حديث الإسراء أخرجه البخاري (٣٢٠٧) (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤)، وأخرجه النسائي (١/ ٢١٧)، وأحمد (٤/ ٢٠٨)، (٤/ ٢١٠)، وأخرجه ابن حبان (٤٨).","vol":"4","page":133},{"text":"الحُسْنَ في البَشَرِ على هذه الصورة الرائعة المدهشة التي تأخذ بالعقول والألباب.\nوقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ - قال قتادة: (قلن: ملك من الملائكة).\nوقوله: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ - قال ابن كثير: (تقول هذا مُعتذِرة إليهن بأن هذا حقيق بأن يُحَبَّ لجماله وكماله).\nثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه، وكان منها ما تحدَّثن به في شأنها معه.\nوهو قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ - قال ابن عباس: (فامتنع).\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾، تقول: لَيُحْبَسَنَّ، وليكونًا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن، ولأهينَنَّه).\nفهناك لجأ يوسف - ﵊ - إلى ربه ﷿ ليحميه من كيدهن، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (قال يوسف، وأضاف إلى ربه، واستغاثه على ما نزل به، ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، أي: السجن أحبَّ إلي من أن آتي ما تكره). وقال السدي: (من الزنا). وقال ابن زيد: (﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: قال: إلا يكن منك أنت العون والمنعة، لا يكن مني ولا عندي).\nقال القرطبي: (﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ جواب الشرط، أي: أمِلْ إليهن). وقال النسفي: (والصبوة الميل إلى الهوى، ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها).\nعن ابن إسحاق: (﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، أي: جاهلًا، إذا ركبت معصيتك).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nقال ابن كثير: (وذلك أن يوسفَ - ﵇ - عصمه الله عِصمةً عظيمة، وحماه فامتنع منها أشدَّ الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقاماتِ الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سَيِّدَتُه، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غايةِ الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السِّجنَ على ذلك، خوفًا من الله ورجاءَ ثوابه).","vol":"4","page":134},{"text":"قلت: وفي هذه القصة ما يشدّ عزيمة الشباب الذين أسرفوا على أنفسهم في اتباع الهوى والشهوات، وغاصوا في متاهاتها، وعلقوا في حبائلها، أنهم لو صدقوا الله الدعاء بالنجاة من تبعاتها وشباكها، وعزموا على التماس حياة الطهارة والعفاف، لأعانهم ربهم سبحانه على ترك تلك المآثم والمحرمات. وقد مررت بشباب انغمسوا في تلك المحرمات حتى صارت تلحقهم، فَذَكَّرْتُهُم بصدق يوسف - ﵊ - إذ التجأ إلى ربه ليخلصه من مكرهن، فَصَدَقَهُ سبحانه الإجابة: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لدعاء يوسف ودعاء عباده جميعًا ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدق نياتهم وإخلاصهم لربهم وبجميع أحوالهم.\nوفي الصحيحين: عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [سبعةٌ يُظلهم الله في ظله يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه، إمامٌ عادلٌ، وشاب نشأَ في عبادة الله، ورجُلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه. ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجلٌ تَصَدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شِمالُهُ ما أنفقت يمينُه، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضَتْ عيناه، ورجل دعتْهُ امرأةٌ ذات مَنْصِبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله] (١).\n٣٥ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾.\nفي هذه الآيات: ظُهُورُ المصلحة للقوم بسجن يوسف إخفاء للحقيقة، ودرءًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١) ح (٩١)، والترمذي بعد الحديث (٢٣٩١)، والنسائي (٨/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، وأحمد (٢/ ٤٣٩)، وابن خزيمة (٣٥٨)، وابن حبان (٤٤٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":135},{"text":"للفضيحة. وقصة يوسف مع ساقي الملك وخبازه في السجن في تأويل رؤياهم. وإعلانُ يوسف اجتنابه ملة الكفر واتباعه منهاج النبوة.\nفعن ابن إسحاق: (﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾، ببراءته مما اتهم به، من شق قميصه من دبر، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾).\nوعن قتادة: (﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾، قال: ﴿الْآيَاتِ﴾، حزُّهُنَّ أيديهن، وقدُّ القميص). وذكر السّدي: أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقِّه ويبرأ عرضُه فيفضَحَها.\nوالخلاصة: لقد ظهر لهم أن المصلحة سجنه إلى مدة، رغم ما ظهر من عِفَّته وأدلة صدقه ونزاهته وبراءته، لضبط ما شاع بين الناس في حق امرأة العزيز، ليوهموا بذلك على الناس الأمر. قال ابن كثير: (ولهذا لما طلبه الملكُ الكبيرُ في آخر المدة، امتنع من الخروج حتى تتبَيَّنَ براءتُه مما نُسِبَ إليه من الخيانة، فلما تقرّر ذلك خَرَجَ وهو نَقِيُّ العِرْض، صلوات الله عليه وسلامه).\nوقوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ - قال قتادة: (كان أحدهما ساقِيَ الملك، والآخر خَبَّازَه). وقال السدي: (وكان سبب حَبْسِ الملك إياهما أنه توهَّمَ أنهما تمالآ على سَمِّه في طعامه وشرابه).\nوقوله: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nإنهما رَأَيَا منامًا، فرأى الساقي أنه يعصر عِنَبًا، ورأى الخبَّاز أنه اختبز خبزًا فحمله على رأسه فجاء الطير فأكل منه. وفي قراءة ابن مسعود: ﴿إني أراني أعصر عِنَبًا﴾. وقال الضحاك: (﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يعني عِنَبًا، قال: وأهل عُمَان يُسَمُّون العِنَبَ خمرًا). وقال عكرمة: (قال له: إني رأيتُ فيما يرى النائمُ أني غَرَسْتُ حَبَلَةً من عِنَبٍ فنبتت، فخرج فيه عناقيد، فعصرتُهُنَّ ثم سَقَيْتُهُنَّ المَلِك. قال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرجُ فتسقيَه خَمْرًا. وقال الآخر: وهو الخبّازُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾). قال الضحاك: (﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: كان يوسع للرجل في مجلسه، ويتعاهد المرضى).\nوكان يوسف - ﵊ - قد عُرِف في السجن بكرمه وجوده وصدق حديثه، وحُسْن سمته، وكثرة عبادته ومعرفة التعبير، والإحسان إلى أهل السجن،","vol":"4","page":136},{"text":"وعيادة مرضاهم وحسن الخلق والمعاملة، مما دفع الرجلان لاستشارته في رؤياهم والتماس الخير على يديه.\nوقوله: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾.\nقال ابن عباس: (إنما عُلِّمَ فَعَلِمَ). وقال السدي: (قال يوسف لهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾، في النوم، ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾، في اليقظة).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ - قال ابن جرير: (يقول: هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا، مما علمني ربي فعلمته).\nوذلك أني اجتنبت ملة قوم كفروا بالله واليوم الآخر. قال النسفي: (وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم). وهو قوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (يقول: هجرتُ طريقَ الكفر والشرك، وسلكتُ طريقَ هؤلاء المرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وهكذا يكونُ حالُ من سَلَكَ طريق الهدى، واتبع طريق المرسلين، وأعرضَ عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه ويُعَلِّمه ما لم يكن يَعْلَمُه، ويجعَلُه إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد).\nوقوله: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.\nقال النسفي: (وهي الملة الحنيفية. وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله).\nوقوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ - هذه صفة آل النبوة واتباع الرسل، الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإفراده تعالى بالدعاء والعبادة والتعظيم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.\nقال القرطبي: (قيل: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ إذ جعلنا أنبياء، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ إذ جعلنا الرسل إليهم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ على نعمة التوحيد والإيمان).\n٣٩ - ٤١. قوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا","vol":"4","page":137},{"text":"أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: نَصيحةُ يوسف في السجن لصاحبيه إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، ونبذ الشرك وسبل الشيطان الرجيم، وتأويله الرؤيا لهما بما أوتيه من توفيق الله الحكيم.\nفعن ابن إسحاق قال: (ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، أي: خيرٌ أن تعبدوا إلهًا واحدًا، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئًا).\nفاستفاد يوسف - ﵊ - من إقبال الرجلين عليه إلى دعوتهما إلى عبادة الله وحده، وإفراده بالكبرياء والتعظيم، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعكف عليها القوم، فإن الله هو الواحد القهار الذي قهر كل شيء، وذلّ له كل شيء.\nوقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾.\nقال القاسمي: (يعني أنكم سميتم، ما لا يستحق الإلهية، آلهة، ثم طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء فارغة لا مسميات تحتها ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة تدل على صحتها).\nوقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.\nقال الربيع بن أنس، عن أبي العالية: (أُسِّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ - أي: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من الطواغيت والأوثان، وإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه، وهو منهج الصدق في الإيمان.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - أي: فهم يشركون بالله ويحسبون أنهم مهتدون.","vol":"4","page":138},{"text":"وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\nوقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.\nقال القاسمي: (﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: يخرج من السجن، ويعود إلى ما كان عليه من سقي سيده الخمر، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ أي: فيقتل ويعلق على خشبة، فتأكل الطير من لحم رأسه. ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: قطع وتم ما تستفتيان فيه. يعني: ماله، وهو نجاة أحدهما، وهلاك الآخر. والتعبير عنه بـ ﴿الْأَمْرُ﴾، وعن طلب تأويله بـ \"الاستفتاء\" تهويلًا لأمره، وتفخيمًا لشأنه، إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم، المبهمة الجواب).\n٤٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾.\nفي هذه الآية: وصية يوسُف - ﵇ - الذي ظن خروجه من الرجلين ذكر مظلمته عند سيده، فأنساه الشيطان فلبث في السجن بضع سنين.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، يقول: اذكرني عند سيدك، وأخبره بمظلمتي، وأني محبوس بغير جُرْم).\nفأنسى الشيطان ذلك الموصى أن يذكِّر مولاه الملك بأمر يوسف، وكان ذلك مكيدة من الشيطان لئلا يخرج يوسف من السجن، وكان الأَوْلى أن يطلب يوسف ﵊ الفرج خالصًا من الله تعالى - كما أخبرنا بذلك نبينا محمد - ﷺ -.\nفقد أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: [عجبتُ لصَبْرِ أخي يوسف وكرَمِه، والله يَغْفِرُ له حيثُ أرسلَ إليه لِيُستَفْتَى في الرؤيا، ولو كُنْتُ أنا لم أفعلْ حتى أخرجَ. وَعَجِبْتُ لصبره وكرمه والله يغفِرُ لهُ أُتِيَ لِيخرُجَ فلم يخرُجْ حتى أخبرهم بعذرِهِ، ولو","vol":"4","page":139},{"text":"كنت أنا لبادرت الباب، ولولا الكلمةُ لما لبثَ في السِّجْن حيث يبتغي الفرجَ من عند غير الله ﷿] (١).\nوله شاهد في مسند الإمام أحمد، بسند حسن لطرقه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لو لبثْتُ في السجن ما لبثَ يوسفُ ثم جاء الداعي لأجبتُه، إذ جاءه الرسول فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾، ورحمةُ الله على لوط إنْ كان ليأوي إلى ركن شديد، إذْ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه] (٢).\nوعن مجاهد قال: (فلبث في السجن بضع سنين، عقوبةً لقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾).\nوعن قتادة قال: (البضع ما بين الثلاث إلى التسع). وقال: (لبث يوسف في السجن سبع سنين) - والله تعالى أعلم -.\n٤٣ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح لشواهده. أخرجه الطبراني (١١٦٤٠)، وانظر مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٣٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٤٥)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٨٧٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٢)، وانظر تفسير ابن جرير (١٢/ ١٣٩)، وسنن الترمذي (٤/ ١٢٩)، وصحيح ابن حبان (١٧٤٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٨٦٧).","vol":"4","page":140},{"text":"لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾.\nفي هذه الآيات: خَبَرُ الرؤيا التي رآها الملك وسعى في تأويلها فَقُوبِلَ باعتذار من حوله عن المعرفة بتأويل الأحلام. وَتَذَكُّرُ الذي نجا من الرجلين علم يوسف بتأويل الأحلام فلجأ إليه بعدما نسيه عبر الأيام. وتأويل يوسف لرؤيا الملك بتوفيق الله له تأويلًا صدقته الأحداث والأزمان.\nقال ابن إسحاق: (ثم إن الملك الريان بن الوليد رأى رؤياه التي رأى فهالته، وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها، فقال للملأ حوله من أهل مملكته: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ إلى قوله: ﴿بِعَالِمِينَ﴾).\nوعن السدي قال: (إن الله أرى الملك في منامه رؤيا هالته، فرأى سبع بقراتٍ سمانٍ يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة والحُزَاة فَقَصَّها عليهم، فقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾).\nوهذه الرؤيا هي مما قدّر الله تعالى أن يراها ملك مصر لتكون سببًا لخروج يوسف ﵊ من السجن عزيزًا مُكرّمًا، فجمع لتأويل رؤياه الكهنة والسحرة والحزاة وكبراء دولته ليفهموا أبعادها فاعتذروا بقولهم: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ - أي: إنها أخلاط، من الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها، وَمِنْ ثَمَّ فهي رؤيا كاذبة لا حقيقة لها. قال ابن عباس: (﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾، كاذبة). أو قال: (يقول مشتبهة). وقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: وما نحن بما تؤول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين).\nوعند ذلك تذكَّر الذي نجا من القتل من صاحبي السجن، وكان الشيطان قد أنساه ما وصّاه به يوسف من ذكر أمْرِه للملك، فتذكر بعد مدة فقال أنا أخبركم بتأويل هذا المنام فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السِّجن. وهو قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾.\nوعن ابن عباس: (﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، قال بعد حين) - أي: تذكر ما كان نسي من أمر يوسف وما وصّاه به، بعد مدة، فذكره بعد حين - أو قال: (بعد سنين). وعن","vol":"4","page":141},{"text":"عكرمة قال: (أي: بعد حقبة من الدهر). وعن مجاهد: (أنه قرأ: ﴿وادّكر بعد أَمَهٍ﴾) - والأمَهُ: النسيان.\nقال ابن عباس: (لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف فقال: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾، الآيات).\nوقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\nقال قتادة: (أما السمان فسنون منها مخصبة، وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة لا تنبت شيئًا). والعجاف جمع عَجْفاء، وهي المهازيل.\nقال ابن جرير: (قوله: ﴿وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾، أما الخضر فهي السنون المخاصيب، وأما اليابسات فهن الجُدُوب المحول. وقوله: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، يقول: أي: أرجع إلى الناس فأخبرهم. يقول: ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا).\nفعند ذلك أفاض يوسف ﵊ مما علَّمه الله تعالى من تعبير الرؤيا من غير تعنيف لذلك الفتى الذي نسيَ ما وصّاه به، ومن غير اشتراطٍ للخروج قبل ذلك (١)، بل قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: تزرعون هذه السبع السنين كعادتكم، وفيها يأتيكم الخِصْبُ والمطر. قال ابن كثير: (فَفَسَّر البقر بالسنين، لأنها تثير الأرض التي تُسْتَغَل منها الثمرات والزروع، وهُنَّ السنبلات الخضر. ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾، أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخِصْبَ فاخزِنُوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعدَ عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدارَ الذي تأكُلونه، وليَكُنْ قليلًا قليلًا لا تُسْرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهنَّ السبع السنين المُحْل التي تعقب هَذه السبع مُتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكُلن السمان، لأن سِني الجَدْب يُؤْكَلُ فيها ما جمعوه في سِني الخِصْب، وهُنَّ السنبلات اليابسات. وأخبرهم أنهنَّ لا يُنْبِتْنَ شيئًا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء).\n_________\n(١) وإن كان الأولى عدم إخبارهم بذلك العلم عن تفسير الرؤيا حتى يرفعوا عنه الظلم ليخرج، كما سيأتي من حديث النبي - ﷺ -.","vol":"4","page":142},{"text":"وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. قال قتادة: (﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾: مما تدخرون). وقال ابن عباس: (تخزنون) أو قال: (تحزرون).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.\nأي: بشّرهم بعد ذلك القحط والجدب بعام مطر وغيث ونماء، تُغِلّ فيه البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسُكّر ونحوه.\nقال قتادة: (﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾، قال: فيه يغاثون بالمطر). وعن ابن عباس: (﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، قال: الأعناب والدُّهْن). وقال أيضًا: (﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا). أو قال: (يصيبهم غيث، فيعصرون فيه العنب، ويعصرون فيه الزيت، ويعصرون من كل الثمرات). وقال أيضًا: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، قال: فيه يحلبون). فدخل في ذلك أيضًا حلْب اللّبن. وهناك قراءة لأهل الكوفة: ﴿وفيه تَعْصِرون﴾.\n٥٠ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: طَلَبُ الملك إحضار يوسف عند سماعه روائع التأويل، واعتِذارُ يوسف عن الخروج حتى تُظهر براءته، ودعوة الملك النسوة وامرأة العزيز لإظهار الحقيقة، واعتراف امرأة العزيز ببراءة يوسف وزلل نفسها الأمارة بالسوء، والله غفور رحيم.","vol":"4","page":143},{"text":"قال ابن إسحاق: (فخرج نبو (١) من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك، حتى أتى الملك فأخبره بما قال، فلما أخبره بما في نفسه كمثل النهار، وعرف أن الذي قال كائن كما قال، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾)،\nوقال السدي: (لما أتى الملك رسوله فأخبره، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾، فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك، أبى يوسف الخروج معه، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، الآية. قال السدي: قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلمَ الملك بشأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجَةٌ! يقول: هذا الذي راود امرأته).\nوعن قتادة: (قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾، أراد نبيُّ الله ﵇ أن لا يخرج حتى يكون له العذر). وقال ابن جريج: (أراد يوسف العذر قبل أن يخرج من السجن).\nقلت: ولكن نبينا محمدًا - ﷺ - أخبرنا أن الأَوْلى في مثل هذه الأحوال الخروج من الضيق ومن تحت القيود والظلم، فإن الضيق والسجن قد يسيء إلى دين العبد ويفتنه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الطغاة قد لا ينفع معهم بسط القضايا للاعتذار، فإن الظلم دَيْدَنهم، ومن ثمَّ فإن المسارعة إلى الخروج هو السنة.\nفقد أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عباس مرفوعًا: [عجبتُ لِصَبْر أخي يوسف وكرمه، والله يَغْفر له حيث أرسلَ إليه لِيُستَفْتى في الرؤيا، ولو كنت أنا لم أَفْعَل حتى أخرج. وعَجِبْتْ لصبره وكرمه والله يَغْفِرُ لهُ أُتيَ ليخرجَ فلم يخرجْ حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب] (٢).\nوله شاهد من حديث الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لو لَبِثْتُ في السجن ما لبث يوسفُ ثم جاء الداعي لأجَبْتُهُ، إذ جاءه الرسولَ فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾] (٣).\n_________\n(١) هو اسم الرجل الذي نجا فيما ذكر، واسم الآخر مجلث - الذي قُتل - وهما صاحبا السجن.\n(٢) صحيح لشواهده. أخرجه الطبراني (١١٦٤٠)، وانظر مسند أحمد (٢/ ٢٣٢)، وقد مضى بتمامه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٣٢)، وابن جرير في \"التفسير\" (١٢/ ١٣٩)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٨٦٧). وكذلك أخرج الإمام أحمد اللفظ الآخر (٢/ ٣٨٩)، رقم (٩٠٣٧)، وانظر تعليق أحمد شاكر: المسند رقم (٨٥٣٥).","vol":"4","page":144},{"text":"وفي لفظ: [لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر].\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ - قال النسفي: (أي: إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله وهو مجازيهن عليه).\nوقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾.\nأي: فلما رجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف دعا الملك النسوة المقطعات أيديهن ودعا امرأة العزيز ثم قال لهن ما شأنكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ هل وجدتن منه ميلًا إليكن؟\nوقوله: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.\nأي: أجابت النسوة الملك: حاش لله أن يكون يوسف متهمًا، وما عهدنا عليه من سوء.\nوقوله: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ - من الحَصِّ: استئصال الشيء.\nأي: فعند ذلك قالت امرأة العزيز الآن ظهر الحق وتبين. قال ابن عباس: (﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾، قال: تبيَّن). وقال ابن إسحاق: (قالت راعيل امرأة إطفير العزيز: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾، أي: الآن برز الحق وتبيّن، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فيما كان قال يوسف ممّا ادّعت عليه).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾.\nهو من كلام امرأة العزيز - وقيل من كلام يوسف (١)، أي: رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته في غيابه - والأول أليق بالسياق، وأنسب لتتابع أحداث القصة. فالمعنى: قالت امرأة العزيز: إني أعترف أني أنا الذي راودته عن نفسه وزللت، ليعلم زوجي أني لم أخنه بارتكاب المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلمَ أني بريئة ولم يقع ما كان يُتوقع.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ - قال القرطبي: (معناه أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم).\n_________\n(١) واختاره ابن جرير وابن أبي حاتم، وقيل أراد: ليعلم الله أني لم أخنه، لأن المعصية خيانة. وما رجحناه أنه من كلام امرأة العزيز أشهر وأنسب بسياق القصة، واختاره ابن كثير.","vol":"4","page":145},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nهو قول امرأة العزيز (١): أي وما أبرئ نفسي من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال أو في هذه الحادثة، فإن النفس لأمارة بالسوء في كل وقت. قال النسفي: (يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة، أو هو استثناء منقطع، أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، وقيل هو من كلام امرأة العزيز - أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قَرّفته وقلت ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن وأودعته السجن - تريد الاعتذار مما كان منها، إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي - إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف - ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت).\n٥٤ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾.\nفي هذه الآيات: استِخْلاصُ الملك يوسف لنفسه وتقريبه، واختيار يوسف ﵊ العمل على خزائن الأرض لحفظه وعلمه، وكذلك كان تمكين الله ليوسف في الأرض والله لا يضيع أجر المحسنين، ولأجر الآخرة خير وأحسن للمؤمنين المتقين.\nفقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ - يعني ملك مصر - وذكر ابن إسحاق أنه الوليد بن الريان.\nوقوله: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ - قال سلمة، عن ابن إسحاق: (حين تبيَّنَ عذر\n_________\n(١) أي: بحضرة الملك، ولم يكن يوسف - ﵇ - عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.","vol":"4","page":146},{"text":"يوسف، وعرف أمانته وعلمه، قال لأصحابه: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، يقول: أجعله من خُلصائي دون غيري).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فلما كلّم الملك يوسف، وعرف براءته وعِظَم أمانته قال له: إنك، يا يوسف، ﴿لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، أي: متمكن مما أردت وعرض لك من حاجة قِبَلَنا، لرفعة مكانك ومنزلتك، لدينا، ﴿أَمِينٌ﴾ على ما اؤتمنت عليه من شيء).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.\nهو مسألة يوسف ﵊ للملك، ليوليه ما هو متقن في إدارته، مختص في شؤونه. قال ابن إسحاق: (﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، إني حافظ لما استودعتني، عالم بما وليتني. قال: قد فعلت). وعن شيبة الضبي في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، قال: (على حفظ الطعام). وقال: (يقول: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بسني المجاعة).\nقال ابن كثير: (﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جُهِلَ أمرُه، للحاجة. وذكر أنه ﴿حَفِيظٌ﴾، أي: خازِنٌ أمين، ﴿عَلِيمٌ﴾، ذو علم وبصر بما يتولاه. قال: وسأل العملَ لعِلْمِهِ بقدرته عليه، ولما في ذلك من المصالح للناس، وإنما سأل أن يُجْعَلَ على خزائن الأرض، وهي الأهراءُ التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السِّنين التي أخبرهم بشأنها، ليَتَصَرَّفَ لهم على الوجه الأحوطِ والأصلحِ والأرشدِ. فأجيبَ إلى ذلك رغبةً فيه، وتَكرِمَةً له).\nقلت: والآية تدل على أركان العمل الصالح، أو العمل المقبول:\n١ - الإخلاص.\n٢ - الصواب.\nفقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ يشير إلى الإخلاص. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ يشير إلى سلامة المنهج. وكذلك العمل الصالح لا بد فيه لينال رضوان الله وقبوله من الإخلاص والصواب. وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].","vol":"4","page":147},{"text":"قال الفضيل بن عياض: (أخلصه وأصوبه) - وأخلصه أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى. وأصوبه: أن يكون على السنة. لذا لما قيل: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: (إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن أبي سعيد مرفوعًا: [ألا أخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزيِّنُ صلاته، لما يرى من نظر رجل] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البيهقي وابن خزيمة من حديث محمود بن لبيد قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: أيها الناس، إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه. فذلك شرك السرائر] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده: [أنه قال للنبي - ﷺ -: والله يا رسول الله ما أتيتك إلا بعدما حلفتُ عدد أصابعي هذه: أن لا آتيك. فبالذي بعثك بالحق، ما الذي بعثك به؟ قال: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تُسلم قلبك لله، وأن توجِّهَ وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلوات المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة] (٣).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾.\nقال السدي: (استعمله الملك على مصر، وكان صاحبَ أمرها، وكان يلي البيعَ والتجارة، وأمرها كله). وعن مجاهد قال: (أسلم الملك الذي كان معه يوسف).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٠)، وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٩٧) لتفصيل هذا البحث - في النهي عن الرياء وحب الرياسة والشهرة والتعظيم.\n(٢) أخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٢٩٠)، وهو حديث حسن. وانظر فتح المجيد (٤٤٠).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد في مسند البصريين (١٩١٧١) من حديث بهز عن أبيه عن جده مرفوعًا. وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٩٧) لتفصيل هذا البحث.","vol":"4","page":148},{"text":"قال ابن زيد: (﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾، قال: ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا، يصنع فيها ما يشاء، فُوِّضَتْ إليه).\nوالخلاصة: لقد مكّنَ الله تعالى يوسف ﵇ في أرض مصر، يتصرف فيها كيف يشاء، ويتخذ منها منزلًا حيث يشاء، بعد الضيق والحَبْس والإسار.\nوقوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nأي: تنال رحمته تعالى من يشاء من عباده، ولا يضيع جزاء من أحسن الطاعة وأقام الدين، وعظّم حرمات الله، كما كان ليوسف ﵊ بعد الصبر على أذى إخوته واختيار السجن على المعصية، فكتب الله له في النهاية السلامة والنصر والتأييد، وكذلك حال كل مؤمن صبر على طاعة الله واجتناب معصيته ونصر دين ربهِ ﷿.\nيروي ابن جرير بسنده عن سلمة عن ابن إسحاق قال: (لما قال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، قال الملك: قد فعلت! فولاه، فيما يذكرون، عملَ إطفير، وعزل إطفير عما كان عليه. يقول الله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾، الآية. قال: فذكر لي، والله أعلم، أن إطفير هلَكَ في تلك الليالي، وأن الملكَ الرَّيان بن الوليد، زوَّج يوسف امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة، ناعمةً في مُلْكٍ ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلَكَ الله في حُسنك وهيئتك على ما رأيتَ. فيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها فولدت له رجلين: أفراثيم بن يوسف، وميشَا بن يوسف. وولد لأفراثيم نونُ، والد يُوشَع بن نون، ورحمةُ امرأةُ أيوبَ ﵇).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\nأي: ثم إنّ ما ادّخره الله ليوسف في الآخرة من الأجر والثواب الجزيل والخلود في النعيم، لهو أعظم من النفوذ والتمكين الذي أعطاه إياه في الدنيا، وكذلك شأن من جاهد لإعلاء كلمة الله في الأرض، فإن ما ينتظره في الآخرة من السرور والرزق الكريم أكبر من التمكين في الدنيا وسعادة قهر الأعداء ورؤية دين الله وشرعه يعلو كل منهج في الأرض.\nوفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى:","vol":"4","page":149},{"text":"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطرَ على قلب بَشَر] (١).\n٥٨ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾.\nفي هذه الآيات: بعد مضي سني الخصب السبع وتلتها سنين الجدب، وعَمَّ القحط بلاد مصر حتى وصل إلى بلاد كنعان، التي يقطنها يعقوب ﵇ وأولاده، وقد مكّن الله تعالى ليوسف في وزارته بتلك البلاد، وباشَرَ مَهَامَّهُ فيها لتوزيع الثروات والغلات في أحسن وجه، لمواجهة القحط وسنوات الجدب، وكان بحق رحمة من الله على أهل مصر، وهنا ورد عليه الناس من مختلف الأقاليم والأمصار، يلتمسون عطاءه ويمتارون لأنفسهم وعيالهم، وكان من جملة مَنْ وَرَدَ للميرة إخوة يوسف، عن أمر أبيهم لهم بذلك، وكان بلغهم أن عَزيز مصر يُعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعامًا، وركبوا عشرة نَفر، وبقي يعقوب مع ابنه بنيامين شقيق يوسف وأحب ولده له بعد يوسف، فلما دخلوا على يوسف وهو جالس على كرسي رياسته ووزارته في كامل أبّهته وسلطانه، عرفهم حين نظر إليهم، ولم يعرفوه، إذ كانوا فارقوه صغيرًا ولم يخطر ببال أحدهم أنه سيصير إلى ما آل إليه، فسألهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ قالوا: أيها العزيز، إنا قدمنا للميرة. قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله. قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله. قال: له أولادٌ غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر، فذهب أصغرُنا، هلك في البَرِّية، وكانَ أحَبَّنا إلى أبيه، وبقي شقيقُه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه. فأمر بإنزالهم وإكرامهم. ثم لما وفّاهم كَيْلهم، وحَمّل لهم أحمالهم قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٢٤٤)، كتاب بدء الخلق، وكذلك (٤٧٧٩)، كتاب التفسير، ورواه أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح (٢٨٢٤).","vol":"4","page":150},{"text":"ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم، ألا ترون وفائي، وإن لم تفعلوا فلا كيل لكم عندي بعد اليوم. فوعدوه أن يفعلوا، فأمر فتيانه بإعادة بضاعتهم التي قدموا بها إلى رحالهم من حيث لا يشعرون، حكمة منه بذلك.\nفعن قتادة: (﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، قال: لا يعرفونه).\nوعن ابن إسحاق قال: (لما اطمأن يوسف في ملكه وخرج من البلاء الذي كان فيه، وخلت السنون المخصبة التي كان أمرهم بالإعداد فيها للسنين التي أخبرهم بها أنها كائنة، جُهِدَ الناس في كل وجه، وضربوا إلى مصر يلتمسون بها الميرة من كل بلدة. وكان يوسف، حين رأى ما أصاب الناس من الجهد، قد آسى بينهم، وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرًا واحدًا، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين (١)، تقسيطًا بين الناس وتوسيعًا عليهم. فقدم إخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون، لما أراد الله أن يبلغ ليوسف ﵇ فيما أراد).\nوعن السدي قال: (فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما أمركم، فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم. قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: عشرة. قال: فأخبروني خبركم؟ قالوا: إنا إخوة بنو رجل صِدِّيق، وإنا كنا اثني عشر، وكان أبونا يحبّ أخًا لنا، وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها، وكان أحَبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه).\nوعن ابن إسحاق قال: (لما جَهَّزَ يوسف فيمن جَهَّزَ من الناس، حَمّل لكل رجل منهم بعيرًا بعدّتهم، ثم قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، أجعل لكم بعيرًا آخر، أو كما قال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾، أي: لا أبخس الناس شيئًا، ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، أي: خير لكم من غيري، فإنكم إن أتيتم به أكرمت منزلتكم، وأحسنت إليكم، وازددتم به بعيرًا مع عدَّتكم، فإني لا أعطي كل رجل منكم إلا بعيرًا، ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، لا تقربوا بلدي).\n_________\n(١) أي: في السنة الواحدة من تلك السنين. وذُكر أنه كان - ﵇ - لا يشبع نفسه ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكفّى الناس بما في أيديهم مُدَّة السبع السنين.","vol":"4","page":151},{"text":"وعن قتادة: (﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه).\nوعن مجاهد: (﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، يوسف يقوله: أنا خيرُ من يُضيف بمصر).\nوعن ابن إسحاق: (﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾، لنجتهدنّ) - أي: في إقناع أبينا بإرساله معنا بنيامين - قال: (ثم أمر ببضاعتهم التي أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام، فجعلت في رحالهم وهم لا يعلمون).\nوفي تأويل قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ثلاثة أقوال ذكرها ابن جرير ومن بعده ابن كثير:\n١ - قيل: خشي يوسفُ - ﵇ - ألا يكون عِندهم بضاعةٌ أخرى يرجعون للميرة بها.\n٢ - وقيل: تَذَمَّمَ أن يأخذ من أبيه وإخوته عِوَضًا عن الطعام.\n٣ - وقيل: أراد أنْ يَرُدَّهُم إذا وجدوها في متاعهم تَحَرُّجًا وتورُّعًا لأنه يعلم ذلك منهم. والله أعلم.\n٦٣ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾.\nفي هذه الآيات: رُجوعُ إخوة يوسف إلى أبيهم يشكون إليه منع الكيل عنهم حتى يرسل معهم أخاهم ويتعهدون بحفظه. وَفَتْحُهُم متاعهم ليجدوا فيه بضاعتهم ردت","vol":"4","page":152},{"text":"إليهم. وَإِرْسَالُ الأب ابنه معهم بعد أخذه التوثيق منهم على حفظه والله هو الحفيظ العليم.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم، ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾، يقول: منع منا الكيل، فوق الكيل الذي كِيلَ لنا، ولم يكل لكل رجل منّا إلا كيل بعير، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾، بنيامين يَكتَل لنفسه كيلَ بعير آخر زيادة على كيلِ أباعرِنا، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، من أن يناله مكروه في سفره).\nوقرأ عامة قراء المدينة: ﴿نَكْتَلْ﴾، وكذلك بعض أهل مكة والكوفة، في حين قرأها بعض قراء الكوفة: ﴿يَكْتَل﴾ - بمعنى: يكتل هو لنفسه، كما نكتال لأنفسنا. وكلاهما قراءتان معروفتان.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nقال النسفي: (يعني أنكم قلتم في يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ كما تقولونه في أخيه، ثم خنتم بضمانكم، فما يأمنني من مثل ذلك. ثم قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ - فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم - ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فأرجو أن ينعم عليّ بحفظه ولا يجمع عليَّ مصيبتين).\nوقوله: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾.\nقال قتادة: (يقول: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل).\nوقوله: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ - أي: ونطلب لأهلنا طعامًا فنشتريه لهم. ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾، الذي ترسله معنا، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ - وذلك أن يوسف ﵊ كان يعطي كلَّ رجل حمل بعير. قال ابن جريج: (كان لكل رجل منهم حمل بعير. وقال مجاهد: حمل حمار (١».\n_________\n(١) وهي لغة. قال القاسم: يعني مجاهد أن \"الحمار\" يقال له في بعض اللغات \"بعير\".","vol":"4","page":153},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ - قال ابن كثير: (هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي: إنّ هذا يسير في مقابلة أخذِ أخيهم ما يَعدِلُ هذا).\nوقوله: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.\nقال مجاهد: (إلا أن تهلكوا جميعًا). وقال قتادة: (إلا أن تغلَبوا حتى لا تطيقوا ذلك).\nوقال ابن إسحاق: (إلا أن يصيبكم أمرٌ يذهب بكم جميعًا، فيكون ذلك عذرًا لكم عندي).\nوالمقصود: أن يعقوب ﵇ أراد توثيق العهد مع بنيه، لتأتنني بأخيكم إلا أن يصيبكم ما لا قدرة على منعه.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال القرطبي: (أي: حافظ للحلف. وقيل: حفيظ للعهد قائم بالتدبير والعدل). وقال ابن إسحاق: (وإنما فعل ذلك؛ لأنه لم يجد بُدًّا من بعثهم لأجل الميْرَةِ التي لا غِنى لهم عنها، فبعثه معهم).\n٦٧ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾.\nفي هذه الآيات: نَصيحةُ يعقوب - ﵇ - لبنيه بعدم الدخول من باب واحد بل من أبواب متفرقة خشية العين عليهم، وهو بذلك متوكل على الله حق التوكل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.\nفقوله: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾.\nقال الضحاك: (خاف عليهم العين). وقال قتادة: (خشي نبي الله - ﷺ - العينَ على بنيه، كانوا ذوي صورة وجمال). وفي رواية قال: (كانوا قد أوتوا صورة وجمالًا فخشي عليهم أنفُسَ الناس). وقال السدي: (خاف يعقوب - ﷺ - على بنيه العين، فقال:","vol":"4","page":154},{"text":"﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ فيقال: هؤلاء لرجل واحد! ولكن ادخلوا من أبواب متفرقة).\nوكذلك قال ابن إسحاق: (لما أجمعوا الخروج، خشي عليهم أعين الناس، لهيأتهم، وأنهم لرجل واحد). وقال القاسمي: (﴿وَقَال﴾ أي أبوهم: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ أي: لئلا يستلفت دخولهم من باب واحد، أنظار من يقف عليه من الجند، ومن يعسّ للحاكم، فيريب بهم، لأن دخول قوم على شكل واحد، وزيّ متحد، على بلدٍ هم غرباء عنه، مما يلفت نظر كل راصد. وكانت المدن وقتئذ مبوّبة لا ينفذ إليها إلا من أبوابها، وعلى كل باب حرسه، وليس دخول الفرد كدخول الجمع في التنبه، وإتباع البصر. وقيل: نهاهم لئلا تصيبهم العين إذا دخلوا كوكبة واحدة).\nوقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: هذا الاحتراز لا يردُّ قدرَ الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئًا لا يُخالَفُ ولا يمانَعُ).\nوقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.\nأي: وما الحكم إلا لله سبحانه، لا يشاركه أحد، ولا يمانعه أحد، وإنما أفوض أمري إليه، وإلى الله فليفوِّض أمورَهم المفوِّضون.\nوقوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾.\nقال مجاهد: (﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، خيفة العين على بنيه).\nوقال ابن إسحاق: (ما تخوّفَ على بنيه من أعين الناس، لهيأتهم وعِدَّتهم).\nوقال ابن جرير: (ولما دخل ولد يعقوب من حيث أمرهم أبوهم، وذلك دُخولهم مصر من أبواب متفرقة، ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ دخولهم إياها كذلك، ﴿عَنْهُمْ﴾ من قضاء الله الذي قضاه فيهم فحتمه، ﴿مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، إلا أنهم قضوا وطرًا ليعقوب بدخولهم، لا من طريق واحد، خوفًا من العين عليهم، فاطمأنت نفسه أن يكونوا أُتوا من قبل ذلك، أو نالهم من أجله مكروه).\nقلت: وهذه الآية من جملة الآيات في القرآن الدالة على أثر العين، وقد تنبّه","vol":"4","page":155},{"text":"يعقوب صلوات الله وسلامه عليه إلى ذلك لما أوتي أبناؤه من حسن الهيئة وجمال السمت، فخشي عليهم من أنفس الناس.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١، ٥٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٦٧].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: يروي الإمام البخاري في صحيحه عن أم سلمة ﵂، أن النبي - ﷺ - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: [استرقوا لها فإن بها النظرة] (١).\nالحديث الثاني: يروي الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [العين حق، ولو كان شيء سابقَ القدر سبقته العين، وإذا استغسِلتُم فاغسلوا] (٢). أي: إذا عُرف العائن - وهو الحاسد - يطلب منه الاغتسال، ويجب عليه أن يفعل، ثم يؤخذ هذا الماء ويصب على رأس المصاب وظهره فيبرأ بإذن الله.\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: [استعيذوا بالله من العين، فإن العين حق] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند حسن عن عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة] (٤).\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾.\nقال قتادة: (أي: مما علمناه) - أي: وإن يعقوب لذو علم، لتعليمنا إياه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٧٣٩) - كتاب الطب - باب رُقْيَة العين.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٨٨) - كتاب السلام - باب الطب والمرض والرقي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (٢/ ٣٥٦) من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٧٣٧).\n(٤) حديث حسن. أخرجه الحاكم بسند حسن من حديث عائشة مرفوعًا. انظر تخريج مشكاة المصابيح (٢٢٣٤)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٦١٦).","vol":"4","page":156},{"text":"وقال أيضًا: (إنه لعامل بما عَلم). وقال سفيان: (﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾، مما علمناه. وقال: من لا يعمل لا يكون عالمًا).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - قال ابن جرير: (ولكن كثيرًا من الناس غير يعقوب، لا يعلمون ما يعلمه، لأنا حَرَمناه ذلك فلم يعلمه).\n٦٩ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾.\nفي هذه الآيات: دُخُولُ إخوة يوسف على يوسف ﵊، واختِلاءُ يوسف بأخيه بنيامين وتعرِيفُه بأمره، واحتيالُ يوسف بالتواطؤ معه لإبقائه عنده معززًا مكرمًا بقصة صواع الملك، واستخراجها من وعاء أخيه، وإخوتُهُ لذلك مندهشون.\nفقوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾.\nأي: لما قدم إخوة يوسف ومعهم بنيامين رحّب بهم يوسف ﵊، وأنزلهم دار كرامته وأراهم حسن ضيافته، واختلى بأخيه فأخبره بخبره وعرّفه أنه أخوه، وقال له: لا تحزن على ما صدر منهم نحوي، واكتم ذلك بيني وبينك، وتواطأ معه أنه سيحتال ليبقيه عنده معززًا مكرمًا.\nوقوله: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - قال قتادة: (فلا تحزن ولا تيأس). وقال السدي: (يقول: لا تحزن على ما كانوا يعملون). قال ابن جرير: (فتأويل الكلام","vol":"4","page":157},{"text":"إذن: فلا تحزن ولا تستكن لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك، وفي أخيك من أمك، وما كانوا يفعلون قبل اليوم بك).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾.\nقال قتادة: (يقول: لما قضى لهم حاجتهم ووفَّاهم كيلهم). - يقول: جعل الإناء الذي يكيل به الطعام في رَحْل أخيه. والسقاية: المشربة. قال مجاهد: (السقاية: الصواع الذي كان يشرب فيه يوسف). وقال قتادة: (مشربة الملك).\nقيل: هو إناء من ذهب كان يشرب به ويكيل الناس به من عزَّة الطعام إذ ذاك - ذكره ابن عباس ومجاهد. وقيل: بل هو من فضة - وهو قول الأكثرين، ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضًا.\nوالخلاصة: لقد احتال يوسف - ﵊ - لإبقاء أخيه عنده فأمر بعض فتيانه أن يضع الإناء في متاع بنيامين من حيث لا يشعر بذلك أحد.\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.\nأي: ثم نادى منادٍ بينهم قبل أن ترتحل العير: إنكم لسارقون.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾.\nأي: قال بنو يعقوب حين سمعوا النداء وأقبلوا على المنادي ومن بحضرتهم يقولون لهم: ما الذي تفقدون؟\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾، قال: كان من فضة مثل المكوك. وكان للعباس منها واحدٌ في الجاهلية). وقال سعيد بن جبير: (﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾: وكان إناءه الذي يشرب فيه). وعن قتادة: (﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، يقول: وقر بعير. ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، قال: كفيل).\nقال ابن كثير: (﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، وهذا من باب الجعَالة، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وهذا من باب الضَّمان والكَفَالة).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.\nقال الربيع: (يقول: ما جئنا لنَعْصي في الأرض). أي: لقد عرفتمونا منذ جئناكم وتحققتم أننا لسنا بأهل شرور وفساد - وقد شاهدوا منهم حُسْنَ سيرة - وليست السرقة","vol":"4","page":158},{"text":"من سجايانا. وقوله: ﴿تَاللَّهِ﴾ وأصله \"والله\"، فقلبت الواو تاء لكثرة استخدام العرب لها.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾.\nأي: كيف ستكون عقوبة من وجدنا عنده ما نفقده؟\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، أي: سُلِّمَ به، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، أي: كذلك نصنع بمن سرقَ منَّا). وقال معمر: (أخبروا يوسف بما يحكم في بلادهم، أنه من سرق أخذ عبدًا). أي: يُدْفع السارق إلى المسروق منه - هكذا في شريعة إبراهيم ﵇ -.\nوقوله: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾.\nأي: ففتش يوسف ﵇ أوعية إخوته من أبيه قبل تفتيشه وعاء بنيامين، ثم فتش آخر ذلك وعاء أخيه فاستخرج الصواع من وعاء أخيه، وإنما فعل ذلك تورية.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\nقال ابن كثير: (فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزامًا لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحِكْمةِ والمصلحة المطلوبة. قال: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، أي: لم يكن له أخذُه في حكم ملك مصر).\nومن أقوال أهل التأويل:\n١ - عن مجاهد: (﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، كادها الله له، فكانت علة ليوسف. ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، قال: إلا فعلة كادها الله، فاعتلّ بها يوسف).\n٢ - وعن ابن عباس: (﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، يقول: في سلطان الملك). وقال السدي: (في حكم الملك). وعن قتادة قال: (يقول: ما كان ذلك في قضاء الملك أن يستعبد رجلًا بسرقة). قال معمر: (كان حكم الملك أن من سَرَقَ ضوعف عليه الغُرْم).\n٣ - وعن ابن إسحاق: (﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، أي: بظلم، ولكن الله","vol":"4","page":159},{"text":"كاد ليوسف ليضمّ إليه أخاه). قال ابن زيد: (ليس في دين الملك أن يؤخذ السارق بسرقته. قال: وكان الحكم عند الأنبياء، يعقوب وبنيه، أن يؤخذ السارق بسرقته عبدًا يسترقّ).\nقلت: وهذه الأقوال متقاربة في معناها متكاملة في مفادها، فغاية القول: إن الله تعالى شاء ليوسف ﵇ هذه الحيلة ليحتفظ بأخيه عنده، فاستفاد من حكم السارق في شريعتهم - شريعة أبيهم يعقوب - أن يُسْتَرَقَّ فيصير عبدًا للمسروق منه، فأخذه بإقرارهم، وما أراد يوسف من ذلك قضاء حكم ملك مصر وتعريض أخيه لقوانين تلك البلاد، ليظلم بلا حجة وبلا ذنب.\nقال القاسمي ﵀: (وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا، لاستبد بما شاء، وهذا من وفور فطنته، وكمال حكمته، ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر \"دينًا\" لها والآيات في ذلك كثيرة). وقال النسفي: (﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإرادته فيه).\nوقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ - قال ابن جريج: (يوسف وإخوته، أوتوا علمًا، فرفعنا يوسف فوقهم في العلم).\nوقال ابن جرير: (بمعنى: نرفع منازل من نشاء رفع منازله ومراتبه في الدنيا بالعلم على غيره، كما رفعنا مرتبة يوسف في ذلك ومنزلته في الدنيا على منازل إخوته ومراتبهم).\nوقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ - قال الحسن: (ليس عالمٌ إلا فوقه عالم، حتى ينتهي العلم إلى الله). وعن قتادة: (﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلَّمت العلماء، وإليه يعود. وفي قراءة عبد الله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾).\n٧٧ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ","vol":"4","page":160},{"text":"مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تَصْريحُ إخوة يوسف تجاه الموقف باللمز بيوسف وتشبيه بنيامين به في صنيعه، وَطَعْنُ يوسف بمقولتهم في نفسه، واستِعطافُ الإخوة يوسف لإطلاق بنيامين وأخذ أحدهم مكانه، وإصرار يوسف على مقام العدل في محاسبة الجاني دون غيره.\nفقوله: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ - قال القاسمي: (هذا تنصل منهم إلى العزيز بالتشبيه به. أي: إِنَّ هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف).\nوعن ابن جريج: (قال: كانت أم يوسف أمرت يوسف يسرق صنمًا لخاله يعبده، وكانت مسلمة). وقال قتادة: (ذكر أنه سرق صنمًا لجده أبي أمه، فعيروه بذلك)، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.\nقلت: والذي أرادوا من قولهم ذلك - كما ذكر ابن كثير والقاسمي وغيرهم - التنصل من فعل بنيامين، ومحاولة طعنه مع أخيه أمام العزيز ليظهروا أمامه بالصفاء والصدق.\nوقوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: أسَرَّ في نفسه قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. والمقصود: أن يوسف ﵇ طعن في نفسه بشهادتهم الكاذبة، بقوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: منزلة، حيث سرقتم أخاكم من أبيكم، ومكرتم به شر مكر، ثم طفقتم تفترون على بنيامين البريء، والله أعلم بما تصفون من أمر يوسف وأخيه وبما تكذبون.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nقال النسفي: (﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ في السن وفي القدر ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أبدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد، فإن أباه يتسلى به عن أخيه","vol":"4","page":161},{"text":"المفقود ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا، فأتمم إحسانك، أو من عادتك الإحسان فَاجْرِ على عادتك ولا تغيّرها).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعًا عنده، إنّا إذن نفعل ما ليس لنا فعله ونجورُ على الناس).\n٨٠ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾.\nفي هذه الآيات: فَقْدُ إخوة يوسف الأمل من إطلاق سراح بنيامين، وتَحاوُرُهم في ذلك، ورَفْضُ كبيرهم الرجوع معهم حتى يحظى بسماح والده، ونصيحته لهم إخبار والدهم بحقيقة ما جرى وبتصديق أهل القرية لروايتهم.\nفقوله: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ - أي: فلما يئسوا من يوسف أن يخلي سبيل بنيامين ويأخذ منهم واحدًا مكانه. وقال ابن إسحاق: (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، أي: خلا بعضهم ببعض، ثم قالوا: ماذا ترون؟). والمقصود: أنهم انفردوا عن الناس يتناجون بينهم فيما حصل، وينظرون كيف يخلصون من غضب أبيهم وسخطه وكيف يعتذرون!\nوقوله: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾.\nأي: قال أكبرهم وهو فيما ذكر - روبيل - ألم تعلموا - أيها القوم - أن أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهود الله ومواثيقه لتردن إليه بنيامين إلا أن يحاط بكم، هذا إضافة إلى ما كان من تفريطكم في يوسف من قبل.","vol":"4","page":162},{"text":"وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\nأي: فلن أغادر هذه البلدة حتى يسمح لي أبي بالرجوع إليه، أو يحكم الله لي بأخذ أخي بالسيف أو بتمكيني من ردّه، أو بما يشاء سبحانه وهو خير الحاكمين.\nقال ابن إسحاق: (﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾، التي أنا بها اليوم، ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾، بالخروج منها). وعن أبي صالح: (﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، قال: بالسيف) - وكأنه أراد حربهم وتخليص أخيه من بين أيديهم. قال ابن جرير: (﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، أو يقضي لي ربي بالخروج منها، وترك أخي بنيامين، وإلا فإني غير خارج، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، يقول: والله خير من حكم، وأعدل من فصل بين الناس).\nوقوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾.\nأي: عودوا إلى أبيكم - وأنا في انتظاري هنا - فأخبروه بصورة ما وقع ليكون لنا عذرًا عنده. قال مجاهد: (﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: ما كنا نظن ولا نشعر أنه سيسرق). وقال قتادة: (ما كنا نظن أن ابنك يسرق).\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، يعنون مصر). وعن ابن إسحاق: (﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، فقد علموا ما علمنا وشهدوا ما شهدنا، إن كنت لا تصدقنا، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾).\nقال ابن جرير: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، وهي مصر، يقول: سل من فيها من أهلها، ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، وهي القافلة التي كنا فيها، التي أقبلنا منها معها، عن خبر ابنك وحقيقة ما أخبرناك عنه من سَرَقهِ، فإنك تَخْبُرُ مصداق ذلك، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، فيما أخبرناك من خبره).\n٨٣ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ","vol":"4","page":163},{"text":"يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تَلَقّي يعقوب الخبر بالتشكيك بأولاده، والصبر على المصاب الجديد، وتَذَكُّر يوسف والبكاء من شدة الحزن، وبثه الشكوى إلى الله العظيم، ثم أَمْرُه لهم بالضرب في الأرض لالتماس خبر يوسف وأخيه، وعدم القنوط من رحمة الله، فإنه لا يقنط من روح الله إلا القوم الكافرون.\nفقوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ - قال قتادة: (يقول: زينت). أي: لما رجع إخوة بنيامين إلى أبيهم وتخلف روبيل وأخبروه أنه سرق اتهمهم أبوهم بأنه قد زينت لكم أنفسكم أمرًا هممتم به. قال محمد بن إسحاق: (لما جاؤوا يعقوب وأخبروه بما جرى اتَّهَمَهُم وظنّ أنَّها كفعلتهم بيوسف: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾).\nوقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ - أي: أصبر على ما نالني من فقد ولدي صبرًا لا شكاية فيه ولا جزع، عسى الله أن يرد عليّ أولادي الثلاثة: يوسف، وبنيامين، وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ - قال ابن جرير: (﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾، بِوَحْدَتي، وبفقدهم وحزني عليهم، وصِدْق ما يقولون من كذبه، ﴿الْحَكِيمُ﴾، في تدبيره خلقه).\nوقوله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ - أي: أعرض عن بنيه وقد تجدّد له الحزن القديم وقال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: يا حزني على يوسف). والأسف أشد الحزن والتندم.\nوعن ابن إسحاق: (﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾، أعرض عنهم، وتتامَّ حزنه وبلغ مجهودَه، حين لحق بيوسف أخوه، وهَيَّجَ عليه حزنه على يوسف فقال: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾). وعن مجاهدْ (﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، قال: يا جَزعاه حزنًا).\nروى عبد الرزاق وابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قال: (لم يُعْطَ أحدٌ غيرَ هذه الأمة","vol":"4","page":164},{"text":"الاسترجاع، ألا تسمَعُون إلى قول يعقوب - ﵇ - ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾).\nوقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾. أي: من شدة الحزن. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ - قال مجاهد: (كظيم الحزن) - أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق. وقال الضحاك: (كئيب حزين). وقال قتادة: (تردَّدَ حُزْنُهُ في جوفه، ولم يتكلّم بسوء). أو قال: (كظيم على الحزن، فلم يقل إلا خيرًا).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾.\nأي: قال بنو يعقوب له: إنك لا تزال تذكر يوسف حتى يجهدك المرض ويؤذي جسمك وعقلك أو يهلكك.\nقال مجاهد: (﴿تَفْتَأُ﴾، تفتر من حبه). أي: إنك لا تفتر من حب يوسف واستعراض ذكراه. وقال قتادة: (لا تزال تذكر يوسف).\nوعن ابن عباس: (﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، يعني الجَهْدَ في المرض، البالي). وقال مجاهد: (الحرض، ما دون الموت). وعن قتادة: (﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، حتى تبلى أو تهرم).\nوقال الضحاك: (الحرض: الشيء البالي الفاني). أو قال: (البالي المُدْبر).\nقال ابن جرير: (وأصل \"الحرض\" الفساد في الجسم والعقل من الحزن أو العشق).\nوالمقصود: إن كثرة ذكرك ليوسف يؤذي بدنك ويُعِلّ صحتك وينعكس على نفسك وعقلك بالفساد والسوء - يقوله بنو يعقوب لأبيهم.\nوقوله: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ - قال مجاهد: (من الميتين). أي: تكون ممن هلك بالموت.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿بَثِّي﴾، همي). وقال الحسن: (حزني). أو قال: (حاجتي)، وقيل: غمّي. وعن ابن إسحاق قال: (قال يعقوب عن عِلْمٍ بالله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، لما رأى من فظاظتهم وغلظتهم وسوء لَفْظِهم له: لم أشك ذلك إليكم، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾).","vol":"4","page":165},{"text":"قال ابن عباس: (﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له). وقال ابن كثير: (﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: أرجو منه كلَّ خير).\nوقوله: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.\nأي: التمسوا خبر يوسف وأخيه وتعرَّفوا أمرهما. وأصل التحسُّس من الحِسّ. وهو قول يعقوب لبنيه حين طمع في يوسف وأحسّ قرب لقائه. قال السدي: (﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، بمصر).\nوقوله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ - قال قتادة: (أي: من رحمة الله). وقال السدي: (من فرج الله أن يردَّ يوسف). وقال ابن زيد: (من فرج الله، يفرِّج عنكم الغمَّ الذي أنتم فيه).\nقال ابن إسحاق: (ثم إن يعقوب قال لبنيه وهو على حسن ظنه بربه، مع الذي هو فيه من الحزن: يا بني، اذهبوا إلى البلاد التي منها جئتم ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، أي: من فرجه).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: لا يقنط من فرجه ورحمته، ويقطع رجاءه منه، ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، يعني: القوم الذين يجحدون قُدرته على ما شاء تكوينه).\n٨٨ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ","vol":"4","page":166},{"text":"الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾.\nفي هذه الآيات: عَوْدَةُ إخوة يوسف إلى مصر، ودخولُهم على يوسف ببضاعة قليلة، وهم يرجونه رحمتهم في شأن أخيهم وحسن التزود من كيله، وَكَشْفُ يوسف الحقيقة في أمره، واعترافُهُم له بالذنب وتفضيل الله له عليهم، وصفحه هو عنهم ورجاؤه عفو الله عنهم، وإعطاؤهم قميصه ليلقوه على وجه أبيهم ليرتد بصيرًا بإذن الله ثم ليأتوه أجمعين.\nفقوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ - في الكلام محذوف، والتقدير: فلما خرجوا من عند يعقوب وتوجهوا إلى مصر ودخلوا على يوسف. ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ - يعنون من الجَدْب والقحْط وقلة الطعام.\nوقوله: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ - قال ابن إسحاق: (وخرجوا إلى مصر راجعين إليها، ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، أي: قليلة لا تبلغ ما كانوا يتبايعون به، إلا أن يتجاوز لهم فيها، وقد رأوا ما نزل بأبيهم، وتتابَعَ البلاء عليه في ولده وبصره، حتى قدموا على يوسف. فلما دخلوا عليه قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، رَجَاةَ أن يرحمهم في شأن أخيهم، ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾).\nوعن ابن عباس: (﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، قال: رَدِيَّةِ زُيُوفٍ، لا تنفق حتى يوضَعَ منها). أو قال: (رَثَّةُ المتاع، الحبلُ والغرارةُ والشيء). أو قال فيها: (كاسدة غير طائل). وعن مجاهد: (﴿مُزْجَاةٍ﴾، قال: قليلة). وقال الضحاك: (كاسدة، لا تنفق). وقال قتادة: (يسيرة).\nوأصل الإزجاء: السَّوْق بدفع. قال القرطبي: (والمعنى أنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد). وقال ثعلب: (البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة).\nقلت: والمقصود أنهم قدموا ليمتاروا بثمن طعام قليل.\nوقوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ - قال ابن كثير: (أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك وقرأ ابن مسعود: ﴿فأوقِرْ ركابنا وتصَّدق علينا﴾). وعن ابن جريجٍ: (﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، قال: رُدَّ إلينا أخانا).","vol":"4","page":167},{"text":"وقال سعيد بن جبير: (﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، يقولون: تصدَّق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتجوَّزْ فيها).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ - يعني في الدنيا والآخرة. فهو سبحانه يثيب المتفضلين على أهل الحاجة بأموالهم.\nفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك، أنه حَدَّث عن رسول الله - ﷺ -: [إن الكافِرَ إذا عملَ حسنةً أُطعِمَ بها طُعمةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدّخِرُ له حسناته في الآخرة ويُعقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا، على طاعته] (١).\nوقوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ - قال القرطبي: (استفهام بمعنى التذكير والتوبيخ، وهو الذي قال الله: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ [يوسف: ١٥] الآية).\nوعن ابن إسحاق قال: (ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام، غلبته نفسه، فارفَضَّ دمعه باكيًا، ثم باح لهم بالذي يكتم منهم، فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾).\nوخلاصة المعنى هي كما ذكر ابن كثير: (أنه لما ذكر له إخوتُه ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعُموم الجَدْب. وتذَكَّر أباه وما هو من الحزن لفقد ولديه، مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسَّعة، فعند ذلك أخذته رِقَّةٌ ورأفةٌ ورحمةٌ وشفقة على أبيه وإخوته، وبَدَرَه البكاءُ، فتعرَّف إليهم، يقال: إنه رفع التاجَ عن جبهته، وكان فيها شامةٌ، وقال: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾).\nوقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ - أي: بإثم العمل الذي أقدمتم عليه وتبعاته.\nوقوله: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾.\nقال ابن إسحاق: (لما قال لهم ذلك، يعني قوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾، كشف الغِطاء فعرفوه، فقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ. . .﴾، الآية).\nقال ابن جرير: (﴿وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، بأن جمع بيننا بعد ما فرقتم بيننا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨) (٥٦) (٥٧)، كتاب صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.","vol":"4","page":168},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nأي: إنه من يجمع بين التقوى والصبر على المحن وعلى طاعة الله فإن الله يحفظ ذلك له، ويبادله بالإحسان الإحسان.\nقال مجاهد: (﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، يقول: من يتق معصية الله، ويصبر على السجن).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.\nهو اعتراف إخوة يوسف له بالفضل والرفعة والأثرة عليهم في الخَلْق والخُلُق، والسَّعة، والملك، والتصرف والنبوة. قال قتادة: (﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، وذلك بعدما ما عرَّفهم أنفسهم. يقول: جعلك الله رجلًا حليمًا).\nوعن السدي قال: (لما قال لهم يوسف: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾، اعتذروا إليه وقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، فيما كنا صنعنا بك).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nقال ابن إسحاق: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم).\nوعن السدي قال: (اعتذروا إلى يوسف فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، يقول: لا أذكر لكم ذنبكم). قال ابن جرير: (يقول: لا تعيير عليكم، ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة، ولكن لكم عندي الصفح والعفو).\nقال ابن كثير: (يقول: لا تأنيبَ عليكم ولا عَتْب عَليكُم اليوم، ولا أعِيدُ ذنبكم في حقي بعد اليوم. ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nقال السدي: (قال لهم يوسف: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: لما فاته بنيامين عمي من الحزن. قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾).\nقلت: وهذا بلا شك من النبوة، فإن يعقوب - ﵇ - كان قد عمي من كثرة","vol":"4","page":169},{"text":"البكاء، فأمر يوسف - ﵇ - إخوته بإلقاء قميصه على وجه أبيه ليرتد إليه بصره بإذن الله، كما أمرهم بإحضار جميع أهلهم إليه لتتم الآية ويحصل تأويل الرؤيا.\n٩٤ - ٩٨. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾.\nفي هذه الآيات: شُعورُ يعقوب ﵇ بريح يوسف عند قدوم العير، واستِنكارُ الأولاد شعور أبيهم، وتصديقُ الشعور بإلقاء البشير القميص على وجه يعقوب وعودته بصيرًا، واعتِرافُ الأبناء أمام أبيهم راجين عفوه وصفحه عنهم، واستِغفارُ يعقوب ربه تعالى لأبنائه والله هو الغفور الرحيم.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.\nقال ابن عباس: (هاجت ريح فجاءت بريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال).\nأي: لما خرجت عير بني يعقوب من عند يوسف متوجهة إلى يعقوب قال لهم أبوهم يعقوب ﵇: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.\nوعن مجاهد: (﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: تُسَفِّهون). وقال الحسن: (تُهَرِّمون). وقال الضحاك: (تكذبون): والتفنيد: الإفساد، فيدخل في مفهومه الضعف والهرم والكذب وذهاب العقل.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: خطئك القديم). وعن قتادة: (أي: من حب يوسف، لا تنساه ولا تسلاه. قالوا لوالدهم كلمةً غليظة، لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم، ولا لنبي الله - ﷺ -). وعن ابن إسحاق قال: (﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾، أي: إنك لمن ذكر يوسف في الباطل الذي أنت عليه).","vol":"4","page":170},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿الْبَشِيرُ﴾: البريد). والمقصود: لما جاء البشير من عند يوسف، وهو المبشِّر برسالة يوسف، فوصل إلى يعقوب فألقى القميص على وجهه فارتد بصره بإذن الله. فعندها قال يعقوب لبنيه: ألم أقل لكم إني أعلم من الله أنه سيردّ عليّ يوسف وستنكشف القصة ويظهر أمر الرؤيا. قال ابن جرير: (لأن رؤيا يوسف كانت صادقة، وكان الله قد قضى أن أخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا، فكنت موقنًا بقضائه - يقول يعقوب).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\nأي: فلما أبصر بنو يعقوب المشهد أمامهم، أيقنوا أن الله تعالى قد كشف الأمر وأعز يوسف ﵊، فعندئذ طلبوا من أبيهم أن يَسأل ربه تعالى ليعفو عنهم ويستر عليهم ذنوبهم التي كانوا أذنبوها في حق يعقوب أبيهم وابنه يوسف أخيهم، فلا يعاقبهم بها يوم القيامة، وها هم يعترفون بذنبهم ويقرون بما صدر منهم. فأجابهم يعقوب ﵇ إلى طلبهم: أن سوف أسأل ربي ﷿ أن يعفو عنكم ويصفح عن ذنوبكم، إنه هو الغفور الرحيم.\n٩٩ - ١٠٠. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾.\nفي هذه الآيات: قُدُومُ موكب يعقوب ﵊ وزوجته - أم يوسف -، وبنيه بلادَ مصر، للقاء يوسف ﵊، وقد كان حمَّل إخوته الأمر أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحمَّلوا عن آخرهم وترحّلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر، فلما أُخبر يوسف - ﵇ - باقترابهم خرج هو والملك لتلقي نبي الله","vol":"4","page":171},{"text":"يعقوب - ﷺ -. وقد أمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج والمشاركة باستقبال موكب والدي يوسف وعائلته، فكان الاستقبال الرائع من يوسف لأبويه ودخلوا مصر بإذن الله آمنين. ورفع يوسف أبويه على سريره وخرّوا له سجدًا، وأخبرهم حصول تأويل رؤياه في هذا المشهد الرهيب بعد رحلة شاقة طويلة بين السجن والغربة وفراق الأبوين ونزغ الشيطان بينه وبين إخوته، والله لطيف في تقديره وهو العليم الحكيم.\nفعن السدي قال: (فحملوا إليه أهلهم وعيالهم، فلما بلغوا مصر، كَلَّم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج هو والملوك يتلقَّونهم، فلما بلغوا مصر قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾).\nوعن ابن إسحاق: (﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾، قال: أباه وأمه).\nوقوله: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ - قال ابن كثير: (ما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليه: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، وضمَّنه: اسكنوا مصر؟ ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، أي: مما كنتُم فيه من الجَهْد والقَحْطِ، ويُقال - والله أعلم - إن الله تعالى رَفَع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قُدوم يعقوب عليهم. كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله - ﷺ - على أهل مكة حين قال: \"اللهم أعني عليهم بسَبْعٍ كسَبْعِ يوسف\" (١)، ثم لما تضرعوا إليه واستشفعُوا لديه وأرسلوا أبا سفيان في ذلك، فدعا لهم، فَرُفِعَ عنهم بقيةُ ذلك ببركة دعائه ﵇).\nوقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾.\nقال مجاهد: (العرش: السرير). وقال ابن زيد: (﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾، قال: مجلسه). والمقصود أن يوسف رفع أبويه على السرير، أي: أجلسهما معه على سريره. وعن ابن عباس: (﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، يقول: رفع أبويه على السرير وسجدا له، وسجد له إخوته).\nوقال ابن إسحاق: (تحمّل - يعني يعقوب - بأهله حتى قدموا على يوسف، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه، دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودًا، وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان، أبوه وأمه وإخوته).\nقال ابن كثير: (وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سَلَّموا على الكبير يسجُدون له،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٠٧)، (١٠٢٠)، ومسلم (٢٧٩٨) ح (٤٠)، وأحمد (١/ ٣٨٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"4","page":172},{"text":"ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدَمَ إلى شريعة عيسى - ﵇ - فحرَّم هذا في هذه الملة، وجُعِلَ السجود مختصًا بجناب الرب ﷾. هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث، أن معاذًا قدِمَ الشام فوجَدَهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجَعَ سَجَدَ لرسول الله - ﷺ - فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: إني رأيتهم يسجُدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يُسجدَ لك يا رسول الله! فقال: \"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ الزوجة أن تسجُدَ لزوجها من عِظَم حَقِّه عليها\" (١».\nوقوله: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.\nقال يوسف لأبيه: يا أبت، هذا ما آلت إليه رؤياي أيام الصبا، حين رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر كلهم لي ساجدون، فهو هذا السجود الذي سجدت أنت وأمي وإخوتي لي، فقد حقّقها ربي ﷿.\nوقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾.\nقال قتادة: (وكان يعقوب وبنوه بأرض كنعان، أهل مواشٍ وبرّية).\nوقال ابن جريج: (كانوا أهل بادية وماشية، وقال: كانوا يسكنون بالعَرَبات من أرض فلسطين، من غور الشام، قال: وبعضٌ يقول: كانوا بالأولاج من ناحيةِ شِعْبٍ أسفلَ من حُسْمى، وكانوا اصحاب باديةٍ وشاءٍ وإبل).\nوالخلاصة: يتذكر يوسف ﵊ نعم الله عليه إذ أخرجه من السجن وعزّزه وكرّمه، وحمل إليه أهله من البادية ليرونه على أحسن حال، وفي أبّهة الملك والسلطان، ومع ذلك فهو يملك نفسًا عالية رفيعة بعيدة عن أحوال الملوك والسلاطين وما يعتريهم من الكبر والعجب، وهو اليوم يصفح عن إخوته ولا يشمت بهم ولا يجرح مشاعرهم بل يقول: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.\nقال النسفي: (ولم يذكر الجُبَّ لقوله لا تثريب عليكم اليوم ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد بيننا وأغرى ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطيف\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢٣٢٢)، والبغوي في \"التفسير\" (٥٨٧) من حديث معاذ بن جبل، وأخرجه ابن ماجه (١٨٥٣)، وأحمد (٤/ ٣٨١)، وابن حبان (٤١٧١) من حديث ابن أبي أوفى.","vol":"4","page":173},{"text":"التدبير ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ بتأخير الآمال إلى الآجال أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف).\n١٠١. قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾.\nفي هذه الآية: التِجاءُ يوسف ﵊ إلى ربه بالدعاء بعد تمام نعمه سبحانه عليه، من قوة السلطان وحسن التمكين، وتأويل الأحلام للسائلين، والحكم والعلم والنبوة، ليتم نعمته عليه بحسن الختام، والوفاة على الإيمان، واللحوق بالصالحين.\nفعن مجاهد: (في قوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، قال: العِبارة).\nوعن الضحاك يقول: في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، يقول: (توفني على طاعتك، واغفر لي إذا توفيتني).\nقال ابن جرير: (قال يوسف: بعدما جمع الله له أبويه وإخوته، وبسط عليه من الدنيا ما بسط من الكرامة، ومكنه في الأرض، متشوِّقًا إلى لقاء آبائه الصالحين: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾، يعني: من ملك مصر، ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، يعني من عبارة الرؤيا، تعديدًا لنعم الله عليه، وشكرًا له عليها، ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول: يا فاطر السماوات والأرض، يا خالقها وبارئها، ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، يقول: أنَّت وليي في دنياي على من عاداني وأرادني بسوء بنصرك، وتغذوني فيها بنعمتك، وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك، ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، يقول: اقبضني إليك مسلمًا، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، يقول: وألحقني بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك).\nقلت: وليس في الآية ما يدل على تمني يوسف الموت، أو أنه أول من تمناه من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين، بل غاية المعنى أنه يسأل حسن الختام، والوفاة على الإيمان، وأن يلحقه الله تعالى عند وفاته بآبائه الصالحين.","vol":"4","page":174},{"text":"وقد جاءت سنة نبينا محمد - ﷺ - بآفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَتَمَنَّينَ أحدُكمُ الموتَ لِضُرٍّ نزلَ به، فإن كانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فليَقُل: اللهم أَحْيِني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أم الفضل ﵂: [أنَّ رسولَ الله - ﷺ - دخل عليهم، وعباس عم رسول الله - ﷺ - يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله - ﷺ -: يا عم! لا تتمن الموت، فإنك إن كنت محسنًا، فأن تؤخر تزداد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمنّ الموت] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي وأحمد من حديث معاذ وابن عباس - في قصة المنام - والدعاء الذي دعا فيه النبي - ﷺ - مما علَّمه الله تعالى وقال له: [يا محمدُ! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعلَ الخيرات، وتركَ المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وأن تغفرَ لي، وترحمني، وتتوبَ عليَّ، وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غيرَ مفتون] (٣).\n١٠٢ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيَّه - ﷺ - أن ما قصَّه عليه في هذه السورة من أنباء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٥١) - كتاب الدعوات، ومسلم (٢٦٨٢)، وأبو داود (٣١٠٩). وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥١٤)، والنسائي (٤/ ٣)، وابن ماجه (٤٢٦٥) من طرق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٣٣٩)، والبيهقي (٣/ ٣٧٧)، وهو على شرط الإمام البخاري.\n(٣) حديث صحيح. انظر سنن الترمذي (٣٢٣٥)، ومسند أحمد (٥/ ٢٤٣)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥٩)، وصحيح سنن الترمذي (٢٥٨٠) - (٢٥٨٢).","vol":"4","page":175},{"text":"الغيب إنما هو لتثبيته على الصراط فيما يلاقيه من أذى قومه وتكذيبهم، وبأن المكر سيرجع على المكرة بالنكال والوبال. إِنَّ أكثر الناس لا يفيدون من آيات الله في هذا الكون الفسيح بل يعيشون مستكبرين مشركين. فهل أمنوا مكر الله وعذابه أو الساعة تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون؟ !\nفقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: من أخبار الغيب الذي لم تشاهده ولم تعاينه، ولكنا نوحيه إليك ونعرِّفكه لنثبِّتَ به فؤادك، ونشجع به قلبك، وتصبر على ما نالك من الأذى من قومك في ذات الله، وتعلم أن من قبلك من رسل الله، إذ صبروا على ما نالهم فيه، وأخذوا بالعفو، وأمروا بالعُرْف، وأعرضوا عن الجاهلين، فازوا بالظفر، وأُيِّدُوا بالنصر، ومُكِّنوا في البلاد، وغلبوا من قَصدوا من أعدائهم وأعداء دين الله).\nوقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ - قال ابن عباس: (هم بنو يعقوب). وقال قتادة: (يقول: ما كنت لديهم وهم يلقونه في غَيَابَةِ الجب).\nوالمعنى: ما كنت يا محمد حاضرًا عند إخوة يوسف، حين عزموا على إلقاء يوسف في غيابة الجب واجتمعت آراؤهم على ذلك المكر، ولكن أعلمناك به وحيًا أنزلناه إليك. وفي التنزيل نحو هذا كثير:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: ٤٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦].\n٤ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٦٩، ٧٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال النسفي: (أراد العموم أو أهل مكة، أي: وما هم بمؤمنين ولو اجتهدت كل الاجتهاد على إيمانهم). وقال ابن كثير: (يقرر تعالى أنه رسُوله، وأنه قد أطلعه على","vol":"4","page":176},{"text":"أنباء ما قد سبق مما فيه عبرة للناس ونجاةٌ لهم في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثر الناس).\nقلت: والآية في ذم الكثرة الضائعة، فإن القلة المؤمنة ممدوحة وعليها يعول. وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].\n٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨].\nوفي صحيح مسلم عن عمير بن هانئ قال: سمعت معاوية على المنبر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم أو خالفهم، حتى يأتي أمرُ الله وهم ظاهرون على الناس] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.\nأي: وإنك لا تسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم ونصحك لنجاتهم في الدنيا والآخرة أجرًا أو مالًا، وإنما تبتغي من وراء ذلك رضوان الله، وإن هو إلا ذكر لهم ليتذكروا ويتعظوا وليكونوا من الناجين.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: وكم من آية على وحدانية الخالق، وقدرته الباهرة، ونعوته الجليلة، في السماوات: من كواكبها وأفلاكها، وفي الأرض: من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وقفار شاسعات، وحيوان ونبات، وثمار مختلفات، وأحياء، وأموات، يشاهدونها، ولا يعتبرون بها).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (من إيمانهم، إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: \"الله\"، وهم مشركون). وقال عكرمة نحوه: (فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره). وعن قتادة قال: (إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشرك في عبادته).\nوعن الضحاك قال: (كانوا يشركون به في تلبيتهم). وعن ابن عباس: (ولئن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٣٧) - كتاب الإمارة -، وانظر (١٩٢١)، (١٩٢٣) من الباب نفسه.","vol":"4","page":177},{"text":"سألتهم: من يرزقكم من السماء والأرض؟ ليقولن: الله. وهم مع ذلك يشركون به ويعبدون غيره، ويسجدون للأنداد دونه).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: [كان المشركون يقولون: لبَّيْكَ لا شريك لك، قال فيقول رسول الله - ﷺ -: وَيْلكُمْ! قَدٍ قَدٍ (١)، فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، عن عبد الله قال: سألت النبي - ﷺ -: أيُّ الذنب أعظمُ عند الله؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك، - قلت: إن ذلك لعظيم -، قلت: ثم أيّ؟ قال: وأنْ تقتلَ ولدك تخافُ أن يطعمَ معك، قلت: ثم أيُّ؟ قال: أنْ تُزانيَ حليلة جارك] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الحكيم الترمذي ونحوه أبو يعلى بسند جيد في الشواهد عن أبي بكر مرفوعًا: [الشِّرك فيكم أخفى من دبيب النَّمل، وسأدلك على شيء إذا فعلتهُ أذهب عنكَ صغارَ الشركِ وكبارَه، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشركَ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم] (٤).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: [من حلف بغير الله فقد أشرك] (٥).\nالحديث الخامس: أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [إن الرُّقى والتمائم والتولة شرك] (٦).\n_________\n(١) أي كفاكم فاقتصروا عليه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١١٨٥) - كتاب الحج - باب التلبية وصفتها ووقتها.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٧٧) - كتاب التفسير - سورة البقرة، آية (٢٢).\n(٤) صحيح لشواهده. أخرجه الحاكم الترمذي من حديث أبي بكر ﵁ مرفوعًا. انظر مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٤)، وفتح المجيد (٨٣)، وصحيح الجامع (٣٦٢٥).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١٥٣٥)، وأحمد (٢/ ٣٤، ٨٧، ١٢٥)، وأبو داود (٣٢٥١).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وأحمد (١/ ٣٨١)، وابن ماجه (٣٥٣٠)، والبيهقي (٩/ ٣٥٠). وفي لفظ عند أحمد: [الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل].","vol":"4","page":178},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾، قال: تغشاهم). وقال قتادة: (أي: عقوبة من عذاب الله). أو قال: (وقيعة تغشاهم من عذاب الله).\nوالمقصود: هل أمن هؤلاء المشركون أن يغشاهم عذاب قريب من الله فيهلكهم أو تأتيهم القيامة فجأة وهم مقيمون على جحودهم وشركهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩].\nأخرج أبو نعيم والبزار عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنتُه يوم أجمع عبادي] (١).\n١٠٨ - ١١١. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٨)، ورواه البزار كما في \"المجمع\" (١٠/ ٣٠٨). وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤٢٠٨).","vol":"4","page":179},{"text":"وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾.\nفي هذه الآيات: خاتِمةٌ رائِعةٌ في أعقاب أحداث هذه السورة الكريمة، فيها تأكيدٌ على وجوب لزوم منهاج النبوة في الدعوة إلى الله والصبر على الأذى، ودعوة الناس للاعتبار بقصص القرآن والاستعداد للآخرة، وتأكيدٌ على النصر والتمكين للرسل وأتباعهم في نهاية الرحلة والمجاهدة للمعاندين والمستكبرين والمجرمين. إن في قصص القرآن عبرة لأولي الألباب وتأكيد على ثوابت المنهج وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.\nفعن الربيع بن أنس قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾، قال: (هذه دعوتي). وقال ابن زيد: (هذا أمري وسنتي ومنهاجي). قال النسفي: (﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾: هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي. والسبيل والطريق يذكران ويؤنثان).\nوقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ - أي: أدعو إلى الدين الحق على حجة واضحة وبرهان ساطع، فهو شأني وشأن من سار على منهجي واتبع أثري.\nقال ابن زيد: (وحقٌ والله على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكِّر بالقرآن والموعظة، وَينْهى عن معاصي الله).\nفإن كان قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوفًا على الضمير في ﴿أَدْعُو﴾، فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله، وإن كان معطوفًا على الضمير المنفصل، فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون غيرهم - ذكره العلامة ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ثم قال: (وكلا المعنيين حق) -.\nوقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. - قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾، أي: وَأُنَزِّهُ الله وأُجِلُّهُ وأُعَظِّمُه وأقدِّسُه، عن أن يكون له شريكٌ أو نظير، أو عديل أو نديدٌ، أو ولدٌ أو والدٌ أو صاحبةٌ، أو وزيرٌ أو مُشيرٌ، تباركَ وتقدَّسَ وتنزَّهَ تعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]).\nوقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾. - قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا، يا محمد، من قبلك إلا رجالًا، لا نساءً ولا ملائكة). قال ابن عباس: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم). وفي التنزيل:","vol":"4","page":180},{"text":"١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٨، ٩].\nوقوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. - أي: نوحي إليهم آياتنا الدالة على إفراد الله بالدعاء والتعظيم، وهم من أهل الأمصار دون البوادي.\nوالقرى: جمع قرية، وهي لغة: المصر الجامع. لأن القرية كل مكان اتصلت به الأبنية، واتخذ قرارًا، والمراد هنا المدن دون البوادي، فأهل المدن أرق طباعًا وألطف من أهل البادية الذين يغلب عليهم الجفاء لتأثرهم بقسوة الريف والسواد.\nوعن قتادة: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العَمود (١».\nوفي التنزيل: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧].\nأخرج الإمام أبو داود بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ سَكَنَ البادية جَفَا، ومن اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومن أتى السلطان افتُتِنَ] (٢).\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.\nقال ابن جريج: (﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾، من أهلكنا؟ قال لقريش: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم، فيعتبروا ويتفكروا؟).\nوقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُون﴾.\nقال القرطبي: (والمراد بهذه الدار الجنة، أي: هي خير للمتقين. وقُرِئ: ﴿وللدّار الآخِرة﴾. وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر).\n_________\n(١) أهل العمود: هم أهل البادية، والمراد بالعمود الخشبة القائمة وسط الأخبية والخيام، وهي بيوت أهل البوادي، ولذلك سمي أهل البادية أهل العمود.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٨٥٩) - كتاب الصيد - باب في اتباع الصيد، وانظر صحيح سنن أبي داود (٢٤٨٦)، ورواه أحمد وبعض أهل السنن، انظر صحيح الجامع (٦١٧٢).","vol":"4","page":181},{"text":"وقال القاسمي: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تستعملون عقولكم، فتعلموا أن الآخرة خير، أو تعلموا كيف عاقبة أولئك).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢].\nوأضاف الدار إلى الآخرة نحو قولك صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وبارحة الأولى. والتقدير على قول البصريين: ولدار الحال الآخرة خير، ولا شك أن المقصود الجنة.\nوفي صحيح البخاري عن جابر قال: [جاءت ملائكة إلى النبي - ﷺ - فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا. فقالوا: مثله مثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا. فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أوِّلوها له يفقهها. فقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. الدار الجنة، والداعي محمد. فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمد فرَّق بين الناس] (١).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.\nإِخْبَارٌ من الله تعالى أنه ينزل نصره وفرجه على رسله حالة اشتداد الضيق وحصول العنت، وتطلع القلوب المؤمنة إلى الله بالفرج واليسر بعد العسر.\nوفي قوله ﴿كُذِبُوا﴾ قراءتان:\n١ - القراءة الأولى بالتخفيف، ﴿كُذبوا﴾ وهي قراءة ابن عباس، وأهل المدينة والكوفة.\n٢ - القراءة الثانية بالتشديد، ﴿كُذِّبوا﴾، وهي قراءة عائشة ﵂، وأهل الشام.\nفعلى القراءة الأولى يكون التأويل على عدة أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومُهم، وظنَّ قومهم أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٧٢٨١)، وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢/ ٧٨٢ - ٧٨٣) لمزيد من التفصيل.","vol":"4","page":182},{"text":"الرسل قد كَذَبوهم، جاءهم النصر على ذلك، فننجّي من نشاء).\n٢ - قال ابن زيد: (استيأس الرسل أن يؤمن قومهم بهم، وظنّ قومهم المشركون أن الرسل قد كَذَبوا ما وعدهم الله من نصره إياهم عليهم، وأخْلِفُوا، وقرأ: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، قال: جاء الرسلَ النصرُ حينئذٍ). قال: وكان أبيّ يقرؤها: ﴿كُذبوا﴾).\n٣ - قال ابن جريج: (أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قرأ: ﴿وظنوا أنهم قد كُذبوا﴾، خفيفة، قال ابن جريج: أقول كما يقول: أخْلِفوا. قال عبد الله: قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا. وتلا ابن عباس: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضَعُفوا فظنوا أنهم أخْلِفوا).\nوعلى القراءة الثانية يكون التأويل:\n٤ - قال قتادة: (حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنوا أنهم قد كُذِّبوا، أي: استيقنوا أنه لا خير عند قومهم ولا إيمان، ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾).\n٥ - أخرج البخاري في صحيحه عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة: أنه سأل عائشة ﵂ زوجَ النبي - ﷺ -: أرأيْتِ قولَ الله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أو كُذِّبُوا؟ قالت: بل كَذَّبهم قومهم، فقلتُ: واللهِ لقد استيقنوا أنَّ قومهم كذَّبوهم وما هو بالظَّن، فقالت: يا عُرَيَّةُ، لقد استيقنوا بذلك، قلتُ: فَلَعلَّها أَوْ كُذِبُوا، قالت: معاذَ اللهِ، لم تكن الرسلُ تظُنُّ ذلك بِرَبِّها، وأما هذه الآية قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وَصَدَّقوهم وطالَ عليهم البلاءُ واستأخرَ عَنْهم النَّصْرُ حتى إذا استَيْأَسَتْ مِمَّن كَذَّبَهُمْ منْ قومهم، وظنوا أن أتباعهم كذَّبوهم جاءهم نصر الله] (١).\nقال القرطبي: (﴿وظنوا أنهم قد كُذِّبُوا﴾ - وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عمّا لا يليق بهم. وهذا الباب عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف عليه لئلا يَزِلَّ الإنسان فيكون في سواء الجحيم. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالًا ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب. ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي: يئسوا من إيمان قومهم. ﴿وظنوا أنهم قد كُذِّبُوا﴾ وبالتشديد، أي أيقنوا أن قومهم كَذَّبوهم. وقيل المعنى: حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كَذَّبوهم، لا أنَّ القوْمَ كَذَّبوا، ولكن الأنبياء ظنوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٣٣٨٩) - كتاب أحاديث الأنبياء - وانظر (٤٦٩٥) - كتاب التفسير -.","vol":"4","page":183},{"text":"وحسِبوا أنهم يُكذِّبونهم، أي: خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك).\nقلت: فالراجح في تأويل الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي: من إيمان أقوامهم بعدما ظهر إصرارهم وعنادهم، ثم - على القراءة الأولى -: ﴿وظنوا أنهم قد كُذِبوا﴾ بالتخفيف، أي: أوشكوا على الضعف حتى خطر في قلوبهم ما خطر لتأخر النصر عنهم، وعلى - القراءة الثانية - بالتشديد: ﴿وظنوا أنه قد كُذِّبوا﴾ ممن تابعوهم لشدة المحنة عليهم فهنالك: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.\nوفي السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تجاوز عن أمتي ما حَدَّثت به أنْفُسها ما لم تَعْمَلْ أَوْ تتكلم] (١).\nقال قتادة: (إذا طَلَّقَ في نفسه فليس بشيء).\nوفي لفظ: [إن الله تجاوز لي عنْ أمتي ما وسوستْ به صُدورها ما لم تَعْمل أو تَتكلَّم].\nالحديث الثاني: أخرج الخطيب في \"التاريخ\"، والديلمي في \"الفردوس\"، بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصْر مع الصَّبر، والفرج مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (٢).\nوقوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\nقرأ عامة قراء المدينة ومكة والعراق: ﴿فُنُنْجي من نشاء﴾ مُخَفَّفة بنونين، والقراءة بالإدغام لبعض الكوفيين. والمعنى: فننجي الرسل ومن نشاء من المؤمنين حين يجيء نصرنا، ولا رادّ لعقوبتنا وبطشنا عن أهل الكفر ومعاندة الرسل.\nقال ابن عباس: (﴿فننجي من نشاء﴾، فننجي الرسل ومن نشاء، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، وذلك أن الله ﵎ بَعَث الرسل فدعوا قومهم، وأخبروهم أنه من أطاع نجا، ومن عصا عُذِّبَ وغَوَى).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٦٩) - كتاب الطلاق - وكذلك (٢٥٢٨) - كتاب العتق.\n(٢) رجاله ثقات. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، وله شواهد عند الحاكم (٣/ ٥٤١)، وأبي نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣١٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٣٨٢)، وقال: الحديث صحيح.","vol":"4","page":184},{"text":"وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.\nقال مجاهد: (﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، ليوسف وإخوته). قال ابن كثير: (يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهي العقول، ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾، أي: وما كان لهذا القرآن أن يُفترى من دون الله، أي: يُكَذَّب ويُخْتَلق، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أي: من الكتب المُنَزَّلة من السماء، وهو يُصَدِّقُ ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنَّسْخِ أو التقرير، ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبّات، والنهي عن المحرّمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور على الجَلِيَّةِ، وعن الغُيُوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرّبِ ﵎ بالأسماء والصفات، وتنزيهه عن مُمَاثلة المخلوقات).\nوقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلال، ﴿وَرَحْمَةً﴾ من العذاب، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالله وأنبيائه).\nوقال القاسمي: (﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون به، ويعملون بأوامره، فإن الإيمان قول وعَقْدٌ وعمل. وخصّهم لأنهم المنتفعون به).\nتمَّ تفسير سورة يوسف\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\nفله الحمد أولًا وآخرًا\n° ° °","vol":"4","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - القرآن أعظم كتاب، نزل بأشرف لغة على أشرف رسول.\n٢ - المرأة عورة، والنساء أشد فتنة في هذه الدنيا على الرجال.\n٣ - السجن أحب إلى المؤمن من الوقوع في الفاحشة أو ما يسخط الله.\n٤ - يوسف - ﵊ - هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم.\n٥ - يوسف - ﷺ - يقدم دعوة التوحيد على تعبير الرؤيا في السجن.\n٦ - الشيطان أنسى ساقي الملك ذكر يوسف عنده، والأصل اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء.\n٧ - تمكين الله يوسف في الأرض جزاء صبره وعفته، وكل من يخلص التقوى لله ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.\n٨ - سعة عقل المؤمن وقوة محاكمته، وإن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم.\n٩ - كان سجود التحية مشروعًا، فنسخته شريعة الإسلام.\n١٠ - الدعاء بالموت على النفس منسوخ بشريعتنا.\n١١ - قصة يوسف قصّها الله تسلية لمحمد - عليه وعلى الأنبياء الصلاة والسلام - وهي عبرة للناس إلى يوم القيامة.\n١٢ - القلة المؤمنة أقوى من الكثرة الكافرة، والكثرة غالبًا في موضع الذم، والشرك أخفى من دبيب النمل.\n١٣ - الأنبياء رجال من البشر لا ملائكة ولا من النساء.\n١٤ - النصر لفئة الحق حتمي، وقد يتأخر النصر حتى يظن الرسل أن أتباعهم كذبوهم.\n١٥ - القرآن أصول في الإيمان، وشرائع وأحكام، وأخبار للاعتبار على مدار الأيام.","vol":"4","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>١٣ - سُوْرَةُ الرَّعَدِ</span>\nوهي سورة مكية مدنية، فيها المدني وفيها المكِّي - جمعًا بين أقوال أهل التأويل -، وعدد آياتها (٤٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>موضوع السورة</span>\n- تخويف الله عباده ببديع قدرته ومخلوقاته -\n\"والرعد مَلَكُ من جند الله\"\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-134> منهاج السورة </span>-\n١ - انتصار الله تعالى لهذا القرآن، واستواؤه تعالى على العرش بلا تكييف ولا تمثيل ولا تجسيم.\n٢ - المخلوقات الكبيرة في هذا الكون تدعو إلى التفكر والاعتبار، والإخبات للجبار.\n٣ - عجب الله تعالى من تكذيب المشركين بالمعاد، والمكذبون هم وقود النار.\n٤ - استعجال المشركين العذاب، وتنطعهم بطلب المعجزات للسخرية لا للإيمان.\n٥ - تأكيد علم الله تعالى الغيب وبما في داخل الأرحام، وتسخيره الملائكة لحفظ الأنام.\n٦ - لا يغير الله حال قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعقوبة الله نازلة بالكافرين ولا ناصر لهم.","vol":"4","page":187},{"text":"٧ - تخويف الله عباده ببعض آياته، كالبرق والرعد والصواعق ليفردوه بالعبادة والتعظيم، فله يسجد ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم.\n٨ - الإيمان بالربوبية يقتضي الإيمان بالألوهية، ولا يملك ما يُعبد من دون الله كشف الضر ولا جلب النفع، والحق له البقاء والنصر، والباطل له الفناء والذل.\n٩ - الخلود في الجنان لأهل الإيمان، ولا فداء من العذاب لأهل الكفر والطغيان، ولا يستوي الأعمى والبصير، وإنما يتعظ أولو الألباب.\n١٠ - أولو الألباب: هم أهل الوفاء بالعهد والميثاق، وأهل الوصل والخشوع والصبر وإقام الصلاة والإنفاق في سبيل الله، ومتابعة السيئات بالحسنات، أولئك يدخلون ويستقرون في الجنات، ومن تبعهم من الذرية والزوجات.\n١١ - أهل النفاق: هم أهل نقض العهد وتقطيع ما أمر الله بوصله، وأهل المكر والفساد في الأرض، وأهل الفرح بهذه الحياة الدنيا، ولهم في الآخرة سوء الحساب والعقاب.\n١٢ - تَنَطُّعُ المشركين بطلب المعجزات، والإيمان نور يقذفه الله في القلب، وبذكره تعالى تطمئن القلوب، والمؤمنون لهم البشرى والكرامة في الدارين.\n١٣ - تسلية الله نبيه بوصله بسلسلة النبوة ومنهاج المرسلين، والقوارع لا تزال تنزل بالمشركين، حتى يأتي الله بالنصر المبين.\n١٤ - الله تعالى هو القائم على كل نفس بأرزاقها وأجلها وأعمالها، وآلهة المشركين هزيلة مهزومة، والمشركون في عذاب السعير.\n١٥ - فرح الصحابة بهذا القرآن، ومن أهل الكتاب من ينكر بعضه ظلمًا وزورًا، وتحذير الله نبيّه من متابعة أهل الأهواء.\n١٦ - بشرية الرسل، والمعجزات بيد الله، وهو تعالى ينسخ الشرائع بحكمته وعنده أم الكتاب.\n١٧ - تهديد المشركين وتوعد لهم بأن الفتح سينال قريبًا أرضهم.\n١٨ - إحاطة الله بمكر الطغاة في الأمم، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.\n١٩ - لا يزال الكفار يكذبون بالنبوة، وكفى بالله شهيدًا على رسله.\n٢٠ - علماء أهل الكتاب يقرون بالنبوة لرسولنا - ﷺ - بما يجدونه في كتبهم.","vol":"4","page":188},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصار للقرآن الكريم، نَزّله الله على محمد - ﷺ - خاتم النبيين. إنه - تعالى - الذي رفع السماوات بغير عمد ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر، يدبر الأمر ويفصل الآيات، وقد مهّد الأرض وجعل فيها الجبال الثوابت وأنشأ الأزواج من كل الثمرات، وفي الأرض قطع متجاورات وجنات، وزروع ونخيل وطعوم متنوعات، كل ذلك آيات لقوم يؤمنون بلقاء ربهم ويستعدون لذلك ويتفكرون ويعتبرون.\nفقوله: ﴿المر﴾ - هو كما قيل هي شأن الحروف المقطعة أوائل السور، والراجح أن ذكرها من باب الإعجاز والبيان، ليتجلى عظمة ما بعدها من التنزيل.\nوقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. أي: هذه آيات هذا الكتاب المعجز، وهو القرآن العظيم. وقوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾. - قال مجاهد: (القرآن). وقال قتادة: (أي هذا القرآن). فهو عطف صفات على ما سبق ذكره.","vol":"4","page":189},{"text":"وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وَصْفٌ لطبيعة الكثرة من الناس، فالغالب من بني آدم على الشك واتباع الشهوات، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وكقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\nقال ابن كثير: (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - أي: مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرُهم لما فيهم من الشّقاق والعناد والنفاق).\nوقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.\nقال قتادة: (رفعها بغير عمد). والآية خبر من الله تعالى عن عظيم قدرته وكمال سلطانه، وأن السماوات قامت بأمره وبإذنه دون أعمدة.\nوقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ - أي علا وارتفع سبحانه كما يليق بجلاله، وهو غير محتاج إلى العرش ولا إلى الكرسي، وإنما وصف العرش في القرآن كثيرًا لأنه أعظم مخلوقاته. قال ابن جرير: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، فإنه يعني: علا عليه).\nأخرج محمد بن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (١).\nوأخرج ابن خزيمة في \"التوحيد\"، وعبد الله بن أحمد في \"السنة\"، بسند صحيح عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره] (٢).\nوقوله: \" ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ \". قال القاسمي: (أي لغاية معينة ينقطع دونها سيره، وهو قيام الساعة). وقيل: المراد إلى مستقرهما تحت العرش.\nقلت: ويُجمع بين التفسيرين، بأن الله تعالى أجرى الشمس والقمر في السماء وسخّرهما لمصالح خلقه، ليعلموا عدد السنين والحساب، ويفصلوا به بين الليل والنهار، ولكل منازل، وكذلك بقية الكواكب، وإنما ذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١١٤/ ١)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص (٢٩٠). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٩).\n(٢) صحيح موقوف. انظر مختصر العلو ص (١٠٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١١٦١).","vol":"4","page":190},{"text":"هذه الكواكب، ويبقى كل في حركته إلى أن يقلب الله نظام الكون مع قيام الساعة، فتبدل الأرض والسماوات بعد أن تطلع الشمس من مغربها.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٩، ٤٠].\nومن السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أَنْسَهُ بعد: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحًا، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم - أيضًا - عن أبي ذرِّ: [أنَّ النبي - ﷺ - قال يومًا: أَتَدْرون أين تَذْهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن هذه تجري حتى تنتهيَ إلى مستقرها تحتَ العرش، فَتَخِرّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يُقالَ لها: ارْتفعي، ارْجِعي من حيثُ جِئت فتَرْجع، فتصبح طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخِرُّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارْجِعي من حيث جِئت، فترجع فتصبح طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري لا يَسْتَنْكِرُ الناسُ منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرها ذلك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعةً من مغربِك، فتصبِحُ طالعة من مغربها. فقال رسول الله - ﷺ -: أتدْرون متى ذاكُم؟ ذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٥٣)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٠٦٣) - بحث: علامات الساعة - لمزيد من التفصيل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٩) - كتاب الإيمان - باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان.","vol":"4","page":191},{"text":"وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمر ملكوته وربوبيته ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يبين آياته في كتبه المنزلة: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾.\nقال القرطبي: (لما بيَّن آيات السماوات بيَّن آيات الأرض، أي بسط الأرض طولًا وعرضًا. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أي جبالًا ثوابت، واحدها راسية، لأن الأرض ترسو بها، أي تثبت. ﴿وَأَنْهَارًا﴾ أي مياهًا جارية في الأرض، فيها منافع الخلق).\nوقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. أي: من الذكور اثنان، ومن الإناث اثنتان.\nقال ابن كثير: (وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون لسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوانِ والأشكال والطعوم والروائح، من كل زوجين اثنين، أي: من كلِّ شكل صنفان).\nوقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾. قال قتادة: (أي يلبس الليل النهار).\nقال ابن جرير: (يجلِّل الليلُ النهارَ فيلبسه ظلمته، والنهارُ الليلَ بضيائه).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nأي: إن في هذه العجائب من الخلق وتلك البدائع من التكوين لدلالات وعظات وحججًا لقوم يعتبرون فيستدلون على واجبهم نحو بارئهم ﷿ الذي أبدع كل شيء، فيفردوه بالعبادة والتعظيم.\nوقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. أي: متقاربات يجاور بعضها بعضًا، منها الطيبة الخصبة ومنها السبخة المالحة. ومن أقوال أهل التأويل:\n١ - قال مجاهد: (السَّبَخَة والعَذِية (١)، والمالح والطيب). أو قال: (سِبَاخٌ وَعَذَويّة).\n٢ - وقال ابن عباس: (﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ - يعني الأرض السبخة،\n_________\n(١) العذية: الأرض التربة الكريمة المنبت التي ليست بسبخة، والسَّبَخَة: المالحة.","vol":"4","page":192},{"text":"والأرض العَذِية، يكونان جميعًا متجاورات، يُفَضِّل بعضها على بعض في الأكل).\nوقال: (العذية والسبخة، متجاورات جميعًا، تنبت هذه، وهذه إلى جنبها لا تُنْبت).\nوقال أيضًا: (الأرض تنبت حُلوًا، والأرض تنبت حامضًا، وهي متجاورة تسقى بماء واحد).\n٣ - وقال قتادة: (﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾، قُرئ قرُبت متجاورات بعضها من بعض).\nقال ابن كثير: (وكذا يدخل في هذه الآية اختلافُ ألوان بقاع الأرض. فهذه تربة حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه مُحْجَرةٌ، وهذه سهلة، وهذه مرمِلَةٌ، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها، وهذه بصفتها الأخرى، فهذا كلُّه مما يدل على الفاعل المختار، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه).\nقلت: ويؤيد هذا ما روى أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله خلق آدم من قُبْضَةٍ قَبَضها مِنْ جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْر الأرض، فجاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطيِّبُ] (١).\nوقوله: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾. قرأها بالرفع أهل البصرة \"وزرعٌ ونخيلٌ\" عطفًا على الجنات، والمعنى: وفي الأرض قطعٌ متجاورات، وجناتٌ من أعناب، وفيها زرعٌ ونخيل.\nوأما عامة قراء المدينة والكوفة فقرؤوها بالخفض: \"وزرعٍ ونخيلٍ\" - بالجر عطفًا على الأعناب، والتقدير: وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعنابٍ ومن زرعٍ ونخيل. وكلاهما قراءتان مشهورتان متقاربتان في المعنى.\nوقوله: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. أي: مجتمعة في أصل واحد ومتفرقة.\nقال ابن عباس: (يعني بالصنوان: النخلة يخرج من أصلها النخلات، فيحمل بعضه ولا يحمل بعضه، فيكون أصله واحد ورؤوسه متفرقة). وقال البراء: (الصنوان:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٦)، والترمذي (٣١٤٣) - في التفسير، وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٣٥٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٦٣٠).","vol":"4","page":193},{"text":"النخلتان أصلهما واحد، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾، النخلة والنخلتان المتفرِّقتان). أو قال: (الصنوان: النخلة إلى جنبها النخلات، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾، المتفرق).\nوالخلاصة: الصنوان: هي الأصول المجتمعة في مَنْبَتٍ واحد، كالرُّمان والتين وبعض النخيل، ونحو ذلك، وغير الصِّنوان: ما كان على أصل واحد، كسائر الأشجار، ذكره ابن كثير وقال: (ومنه سُمِّيَ عم الرجل صِنْوُ أبيه. كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال لعمر: \"أما شَعَرْتَ أنَّ عَمَّ الرجل صِنْوُ أبيه\").\nوقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾. قال مجاهد: (ماء السماء، كمثل صالح بني آدم وخبيثهم، أبوهم واحد). وقرأها عامة قراء المدينة والبصرة: \"تسقى\" - أي الجنات والزرع والنخيل. وأما قراء الكوفة وبعض المكيين فقرؤوها بالياء: \"يسقى\".\nوقوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.\nقال سعيد بن جبير: (الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثري والعنب الأبيض والأسود، وبعضها أكثر حملًا من بعض، وبعضه حلو وبعضه حامض، وبعضه أفضل من بعض).\nيروي الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال: [الدَّقَلُ، والفارِسيُّ، والحُلْوُ، والحامِضُ] (١).\nفاختلاف الأجناس من الثمرات والزروع في الأشكال والألوان، والروائح والطعوم، والأوراق والأزهار، والحلاوة والحموضة، والعذوبة والمرارة، كل ذلك آيات كبيرة تدل على قدرة الواحد الأحد، الذي فاوت بين خلق الأشياء وإظهارها، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ - أي فيحملهم هذا التفكر والنظر على إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم.\n٥ - ٧. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في \"التفسير\". صحيح الترمذي (٢٤٩٣) - سورة الرعد - آية (٤).","vol":"4","page":194},{"text":"الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: عَجَبُ الله تعالى من تكذيب قومك - يا محمد - بالبعث بعد الموت بعد ذكر هذه الأمثال، وهؤلاء المكذبون هم وقود النار. إنهم يستعجلونك نزول العذاب بطرًا واستكبارًا، وقد خلت من قبلهم الأمثال الكثيرة عن أشباههم الذين دمرهم الله بالعذاب. إنهم يتنطعون بربط إيمانهم بالمعجزات وإنما أنت منذر ولكل قوم هاد.\nوعن قتادة: (قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾، إن عجبت، يا محمد، ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، عجب الرحمن ﵎ من تكذيبهم بالبعث بعد الموت).\nوقال ابن زيد: (إن تعجب من تكذيبهم، وهم قد رأوا من قدرة الله وأمره وما ضرب لهم من الأمثال، فأراهم من حياة الموتى في الأرض الميتة، إن تعجب من هذه فتعَجَّب من قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أولا يرون أنا خلقناهم من نطفة؟ فالخلق من نطفة أشدُّ أم الخلق من تراب وعظام؟).\nوالخلاصة: إن خلق السماوات والأرض وما فيهما من بدائع وآيات أكبر من خلق الناس، فالعجب كل العجب من إنكار هؤلاء المشركين إعادة الله لهم ولأجسامهم للبعث بعد الممات.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: شتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، وكذّبني، وما ينبغي له أن يكذبني، أما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدًا، وأنا الله الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد. وأما تكذيبه إياي، فقوله: ليس يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهونَ عليَّ من إعادته].","vol":"4","page":195},{"text":"وله شاهد من حديث ابن عباس، ذكره البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكنْ له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبُه إياي فَزَعَمَ أني لا أقدِرُ أن أُعيدَهُ كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أن أتّخِذَ صاحبةً أو ولدًا] (١).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾. أي: هؤلاء الذين أنكروا البعث والحساب والثواب والعقاب، وعاندوا ما رأوا من قدرة الله تعالى بغيًا واستكبارًا.\nوقوله: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ - يقيدون بها في نار جهنم.\nوقوله: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: وهم سكان النار يوم القيامة ماكثون فيها أبدًا، لا يخرجون منها ولا يموتون، بل هم في شقاء مقيمون.\nوقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾.\nقال قتادة: (وهم مشركو العرب، استعجلوا بالشر قبل الخير، وقالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾، وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم).\nأي: يستعجل المكذبون بنزول العذاب بهم بطرًا واستكبارًا، وقد علموا ما أوقع الله بمن مضى من الأمم العاصية قبلهم، وضرب لهم في هذا القرآن الأمثال الكثيرة عن أسلافهم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣، ٥٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦].\nوقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٨٢) - كتاب التفسير - وانظر روايات أخرى في صحيح الجامع الصغير - (٤١٩٩)، (٤٢٠٣) - من حديث ابن عباس وأبي هريرة ﵄.","vol":"4","page":196},{"text":"قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإن ربك، يا محمد، لذو سِتر على ذنوب من تاب من ذنوبه من الناس، فتاركٌ فضيحته بها في موقف القيامة، وصافحٌ له عن عقابه عليها عاجلًا وآجلًا، ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾، يقول: على فعلهم ما فعلوا من ذلك بغير إذني لهم بفعله، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، لمن هلك مُصِرًّا على معاصيه في القيامة، إن لم يُعَجِّل له ذلك في الدنيا، أو يجمعهما له في الدنيا والآخرة).\nوالآية تهديد ووعيد للكفار والمشركين إن لم يتوبوا من ظلمهم ويرجعوا إلى طاعة ربهم وعبادته. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: [يا عبادي: إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم] (١).\nوفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنَفَهُ (٢) ويَسْتُرُه فيقول: أتعرف ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول نعم أي ربّ، حتى قَرَّرَهُ بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾] (٣).\nقلت: وقد قرن سبحانه في كثير من الآيات مغفرته وغضبه، وعفوه وسخطه، ليعتدل الرجاء والخوف في حياة عباده، وليتنبه لذلك أولو الألباب. ومن ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧].\nوفي مسند البزار بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمّنْتُه يوم أجمع عبادي] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٧)، وأحمد في المسند (٥/ ١٦٠).\n(٢) أي: حفظه وستره.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ٧٤).\n(٤) حديث حسن. أخرجه البزار كما في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٠٨)، وكذلك أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٨). وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤٢٠٨).","vol":"4","page":197},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.\nأي: يريدون التعنت وربط الإيمان بالمعجزات الكونية والحجج والبراهين الحسية، كما سأل أهل مكة أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يزيل عنهم الجبال ويجعل مكانها مروجًا وأنهارًا.\nوفي التنزيل: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].\nثم يقول الله لنبيه: يا محمد، إنما أنت منذر تنذرهم بأس الله وعذابه أن يحل بهم إن أصروا على كبرهم وشركهم، ولكل قوم إمام يأتمون به، وهادٍ يتقدمهم فيهديهم إما إلى خير وإما إلى شر.\nقال قتادة: (هذا قول مشركي العرب. قال الله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، لكل قوم داعٍ، يدعوهم إلى الله). وقال أبو العالية: (الهادي القائد، والقائد الإمام، والإمام العمل). وقال عكرمة: (﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: هو محمد - ﷺ -) وقال الضحاك: (المنذر: محمد - ﷺ -، والهادي: الله ﷿). وقال مجاهد: (﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، لكل قوم نبي، والمنذر محمد - ﷺ -).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥].\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَثلي ومثلُ ما بعثني الله كمثل رجل أتى قومًا فقال: رأيتُ الجيشَ بعيني، وإنى أنا النذير العُريانُ، فالنَّجَاءَ النَّجَاءَ. فأطاعه طائفة فأدلجوا على مَهْلِهم فنَجَوْا، وكذَّبَتْهُ طائفة فَصَبَّحَهُم الجيش فاجتاحهم] (١).\n٨ - ١١. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٨٢) - كتاب الرقاق -، باب الانتهاء عن المعاصي، ورواه مسلم في الصحيح (٢٢٨٣) - كتاب الفضائل - من حديث أبي موسى.","vol":"4","page":198},{"text":"تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: تَأْكيدُ علم الله تعالى بما في داخل الأرحام، وهو المتفرد بعلم الغيب والشهادة على مر الدهور والأيام. إنه - تعالى - يعلم الجهر من القول وما خفي منه ومن جميع الأعمال الصالحة أو الآثام. له الملائكة المختصة بحفظ الأنام، إنه - تعالى - لا يُغَيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد إنزال العقوبة بقوم فمالهم من ولي ولا ناصر يدفع بأسه عنهم.\nفقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ - يشمل كل إناث الخلق من الإنس والجن والبهائم وسائر الحيوانات. قال النسفى: (أي يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة وتمام وخداج وحسن وقبح وطول وقصر وغير ذلك).\nوقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ - يشمل عدد الولد داخل الرحم وتمام المولود أو خداجه، ومدة الحمل وغير ذلك.\nومن أقوال أهل التأويل في هذه الآية:\n١ - قال ابن عباس: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾، يعني السِّقْط، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾، يقول: ما زادت الرَّحِمُ في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا. وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله، وكل ذلك بعلمه).\n٢ - قال مجاهد: (الغيض: الحامل ترى الدم في حملها فهو \"الغيض\"، وهو نقصانٌ من الولد. وما زاد على تسعة أشهر فهو تمام لذلك النقصان، وهي الزيادة).\nوقال أيضًا: (﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾، قال: خروج الدم ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾، قال: استمساك الدم). وقال: (﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾، إراقة المرأة حتى يخِسَّ الولد، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾، قال: إن لم تُهْرِق المرأَةُ تَمَّ الولد وعَظُمَ).\n٣ - وكان الحسن يقول: (\"الغيضوضة\"، أن تضع المرأة لستة أشهر أو لسبعة","vol":"4","page":199},{"text":"أشهر، أو لما دون الحدّ). قال قتادة: (وأما الزيادة فما زاد على تسعة أشهر).\nقلت: وفي لغة العرب - غاض الماء أي قلَّ ونقص، والغيض النقصان، فقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ أي ما تنقص، ويشمل ذلك السقط والدم النازل واكتمال جسد الجنين وأعضائه، كل ذلك بعلم الله تعالى.\nيروي البخاري في صحيحه عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: [مفاتيح الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلمُ ما تغيضُ الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطرُ أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموتُ، ولا يعلمُ متى تقوم الساعة إلا الله] (١).\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ أحدكم يُجْمَعُ في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثلَ ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يُبْعثُ إليه مَلَكٌ فيؤمَرُ بأربع كلماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِه، وعُمُرِه، وعمله، وشقيّ أو سعيد] (٢).\nوفي لفظ لمسلم: [فيقول الملك: أي ربّ، أذكر أم أنثى؟ أي ربِّ، أشقيٌّ أو سعيدٌ؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقول الله، ويكتب الملك] (٣).\nوقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾. قال قتادة: (إي والله، لقد حفظ عليهم رزقهم وآجالهم، وجعل لهم أجلًا معلومًا).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم عن عبد الله قال: [قالت أم حبيبة زوجُ النبي - ﷺ -: اللهم أمْتِعْني بزوجي رسول الله - ﷺ - وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية. قال: فقال النبي - ﷺ -: قد سألتِ الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة لن يُعَجِّل شيئًا قَبْل حِلِّهِ أو يؤخر شيئًا عن حِلِّهِ، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٩٧)، وأحمد (٢/ ٢٤)، وابن حبان (٧٠) (٧١)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، (٣٣٣٢)، (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأخرجه أبو داود (٤٧٠٨)، والترمذي (٢١٣٨)، وابن ماجه (٧٦)، وأحمد (١/ ٣٨٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد ومسلم - واللفظ له - (٢٦٤٦)، وله شواهد عند الطبراني وغيره.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيحِ (٨/ ٥٦) - كتاب القدر. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٤٦)، باب: في ضرب الآجال وقسم الأرزاق.","vol":"4","page":200},{"text":"الحديث الثاني: يروي ابن عاصم في كتاب \"السنة\"، ورجاله رجال الشيخين، عن أبي هريرة: [أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله! أنعمل في أمر نأتَنِفُه، أم في أمر قد فرغ منه؟ قال: بل في أمر قد فرغ منه. فقال: ففيم العمل؟ فقال: يا عمر، كلا لا يدرك إلا بعمل. قال: فالآن نجتهد يا رسول الله] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن أسامة بن زيد ﵄ قال: [أرسلت بِنْتُ النبي - ﷺ - إليه: إن ابنًا لي قُبِضَ فائتنا. فأرسلَ يُقرئ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكُلُّ عنده بأجلٍ مُسَمّى، فلتصبر ولتحتسب] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد وابن حبان بسند جيد عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله تعالى فرغ إلى كل عبد من خلقه من خمس: من أجله ومن عمله ومن رزقه ومن أثره ومن مضجعه] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: والله عالم ما غاب عنكم وعن أبصاركم فلم تروه، وما شاهدتموه فعاينتم بأبصاركم، لا يخفى عليه شيء، لأنهم خلقه وتدبيره، \"الكبير\"، الذي كل شيء دونه، \"المتعال\"، المستعلي على كل شيء بقدرته).\nوقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.\nإخبارٌ منه سبحانه عن علمه السر وأخفى، وإحاطته بكل مناجاة سمعًا وعلمًا.\nقال مجاهد: (﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾، يقول: السر والجهر عنده سواء، ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، أما \"المستخفي\" ففي بيته، وأما \"السارب\" الخارج بالنهار حيثما كان، المستخفي غَيْبَه الذي يغيب فيه والخارجُ، عنده سواء).\nوفي لغة العرب: \"السَّارب\" - الذاهب على وجهه في الأرض. ومن ثمّ فقوله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب \"السنة\" - (١٦٥) - ورجاله ثقات، من حديث أبي هريرة ﵁، وله شواهد كثيرة في السنن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٢٨٤) - في كتاب الجنائز -، وأخرجه مسلم (٩٢٣)، ورواه أحمد في المسند (٥/ ٢٠٤) من حديث أسامة بن زيد ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٩٧)، وابن حبان (١٨١١)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٣٠٣).","vol":"4","page":201},{"text":"تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ أي ظاهر. والمقصود: أنه لا يخفى على الله تعالى من هو مختف في قعْر بيته في ظلام الليل ومَنْ هو ظاهر ماشٍ في بياض النهار وضيائه، فكلاهما في علم الله سواء، فإن الله ﵎ لا يستسرّ عنده شيء ولا يخفى.\nقال ابن عباس: (﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، ظاهر). وقال خصيف: (﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾: راكب رأسه في المعاصي، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، قال: ظاهر بالنهار).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].\n٤ - وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].\n٥ - وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].\nوفي صحيح السنة المطهرة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والنسائي عن عروة عن عائشة قالت: [الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي - ﷺ - تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه من حديث عمر - قال جبريل للنبي - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، والبخاري (٧٣٨٥) تعليقًا، والنسائي (٣٤٦٠)، وفي \"التفسير\" (٥٩٠)، وأخرجه ابن ماجه (١٨٨)، (٢٠٦٣)، وعبد بن حميد (١٥١٤)، وأخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٣٣٧٢٦)، وإسناده على شرط مسلم.","vol":"4","page":202},{"text":"أخبرني عن الإحسان؟ قال: [الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك]- ورواه من حديث أبي هريرة (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن النواس بن سمعان الكِلابي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ما مِنْ قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن. إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه. وكان رسول الله - ﷺ - يقول: يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك. قال: والميزان بيد الرحمن يرفع أقوامًا ويخفض آخرين إلى يوم القيامة] (٢).\nوقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ - هي الملائكة المختصة بحفظ العبد من المصائب والطوارئ ما لم يسبق القدر.\nقال ابن عباس: (والمُعَقِّباتُ من أمر الله، وهي الملائكة. قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدَرُ الله خَلَّوا عنه).\nوقال مجاهد: (ما من عبد إلا له ملك موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام).\nوقوله: ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ من التعاقب، أي ملائكة تعتقب في حفظه، والأصل معتقبات فأدغمت التاء في القاف، أو هو مفعلات من عقبه لأن بعضهم يعقب بعضًا ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي قدامه ووراءه.\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: (أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرسٌ بالليل وحرسٌ بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكةٌ آخرون لِحِفْظِ الأعمال من خير أو شر، ملائكةٌ بالليل وملائكة بالنهار. فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرُسانه، واحدٌ من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاكٍ بالنهار، وأربعةٍ آخرين بالليل، بَدَلان حافظان وكاتبان، كما جاء في الصحيح: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم وأهل السنن. انظر مختصر صحيح مسلم (٢) ص (٧)، وصحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٥٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (١٩٩) - باب فيما أنكرت الجهمية - وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (١٦٥).","vol":"4","page":203},{"text":"فيقولون: أتيناهم وهم يُصَلّون، وتركناهم وهم يُصَلّون\" (١».\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.\nقال النسفي: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من العافية والنعمة ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من الحال الجميلة بكثرة المعاصي).\nقال البغوي في \"معالم التنزيل\" (٦/ ١٨٤): (وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل، وبلغوا به ابن مسعود يرفعه قال: ليس من سنة بِأَمَرَّ من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا، في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار).\nقلت: ويشهد له ما أخرج الحاكم وابن جرير بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: [ما من عام بأكثرَ مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] الآية] (٢).\nوقوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.\nأي: فإذا نزل قدر الله بمصيبة قوم فقد وقع عليهم ما قُدِّر ثم لا سبيل لهم للهروب من ذلك الخزي، وليس لهم من وال يلي أمرهم أو ينصرهم.\nقال القرطبي: (﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ أي هلاكًا وعذابًا، ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. وقيل: إذا أراد بهم بلاء من أمراض وأسقام فلا مردّ لبلائه. وقيل: إذا أراد الله بقوم سوءًا أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه، فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، حتى يبحث أحدهم عن حتفه بكفه، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ أي ملجأ، وهو معنى قول السُّدي. وقيل: من ناصر يمنعهم من عذابه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢)، والنسائي (١/ ٢٤٠)، وأحمد (٣١٢)، و(٤٨٦)، وأخرجه مالك (١/ ١٧٠)، وابن خزيمة (٣٢١)، وابن حبان (١٧٢٨) كلهم من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٠٣)، وابن جرير في \"التفسير\" (١٩/ ١٥)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، وأقرّه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٦١).","vol":"4","page":204},{"text":"١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تَخْويفُ الله تعالى عباده ببعض آيات قدرته كالبرق والرعد والصواعق ليعبدوه وحده، فله دعوة الحق والذين يدعون من دونه دعوتهم باطلة، فله - تعالى - يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا فهو العظيم القهار الجبار.\nفقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.\nإِخْبَارٌ من الله تعالى عن كمال قدرته، وأن تأخيره عقوبة من جحد أمره ونعمه ليس عن عجز، فالبرق: هو ذلك النور الساطع اللامع المخيف الذي يسطع من خلال السحاب.\nقال قتادة: (﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، يقول: خوفًا للمسافر في أسفاره، يخاف أذاه ومشقته، ﴿وَطَمَعًا﴾، للمقيم، يرجو بركته ومنفعته، ويطمع في رزق الله).\nوقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾. أي: يثير السحاب المثقل بالمطر.\nقال مجاهد: (﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾، قال: الذي فيه الماء). وقال ابن كثير: (أي: ويَخْلُقها مُنشأةً جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلةٌ قريبة إلى الأرض).\nوقوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾.\nتعريف باشتراك الرعد والملائكة بتنزيهه وتسبيحه سبحانه، كسائر الخلق صغيره وكبيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوكقوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].","vol":"4","page":205},{"text":"أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح من حديث ابن عباس قال: [أقبلت يهود إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قالوا الله على ما نقول وكيل. قال: هاتوا، قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه. قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكِّر؟ قال: يلتقي الماءان فإن علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت. قالوا: أخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عرق النّسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا. قال عبد الله: قال أبي، قال بعضهم: يعني الإبل فحرّم لحومها. قالوا صدقت. أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب بيده أو في يده مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمر الله. قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: صوته. قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نبايعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان. فأنزل الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى آخر الآية] (١).\nوأخرج الإمام أحمد والبيهقي بسند صحيح عن إبراهيم بن سعد قال: أخبرني أبي قال: كنت جالسًا إلى جَنْب حُميد بن عبد الرحمن في المسجد، فَمَرَّ شيخٌ من بني غفار، فأرسل إليه حُميد، فلما أقبل قال: يا ابن أخي، وَسِّع فيما بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله - ﷺ -. فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له حُميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله - ﷺ -؟ فقال الشيخ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إنَّ الله يُنشِئ السَّحاب فينطِقُ أحسنَ النطق، ويضحكُ أحسن الضحك] (٢).\nوروى مالك عن عامر بن عبد الله عن أبيه (٣): (أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال:\n_________\n(١) حديث صحيح لشواهده. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٤)، والترمذي (٣١١٧)، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة البقرة - آية (٩٧)، وقد مضى بتمامه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٥)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٩٨٨)، وأورده ابن كثير في التفسير وقال: (والمراد - والله أعلم - أن نطقَها الرعدُ، وضحِكها البرقُ).\n(٣) هو ابن الزبير. والأثر ذكره القرطبي في \"التفسير\" (سورة الرعد، آية \"١٣\").","vol":"4","page":206},{"text":"سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد).\nقلت: وأما عند رؤية السحاب والمطر فقد ثبت الدعاء فيه عن رسول الله - ﷺ -.\nفقد أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن المقدام بن شريح عن أبيه: [أن عائشة أخبرته أن النبي - ﷺ - كان إذا رأى سحابًا مقبلًا من أفق من الآفاق، ترك ما هو فيه. وإن كان في صلاته، حتى يستقبله. فيقول: \"اللهم إنا نعوذ بك مِنْ شَرِّ ما أُرْسِلَ به\" فإن أمطر قال: \"اللهم سَيْبًا نافعًا\" موتين أو ثلاثًا. وإن كشفه الله، ﷿، ولم يمطر، حمد الله على ذلك] (١).\nوقوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.\nأخرج أبو يعلى والبزار، واللفظ لأبي يعلى، بسند صحيح من حديث أنس قال: [بعث رسول الله - ﷺ - رجلًا من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله ﵎ فقال: أيش ربك الذي تدعوني من حديد هو؟ من نحاس هو؟ من فضة هو؟ من ذهب هو؟ فأتى النبي - ﷺ - فأخبره فأعاده النبي - ﷺ - الثانية، فقال مثل ذلك، فأتى النبي - ﷺ - فأخبره فأرسله إليه الثالثة، فقال مثل ذلك. فأتى النبي - ﷺ - فأخبره، فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله قد أنزل على صاحبك صاعقة فأحرقته، فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾] (٢).\nوبنحوه رواية البزار، إلا أنه قال: (إلى رجل من فراعنة العرب - وقال الصحابي فيه: يا رسول الله! إنه أعتى من ذلك، وقال: \"سحابة\"، فوجع إليه الثالثة فأعاد عليه ذلك الكلام - قال: فبينما هو يكلمه إذ بعث الله سحابة حيال رأسه فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٨٨٩) - كتاب الدعاء - باب ما يدعو به الرجل إذا رأى السحاب والمطر. والسَّيْب والصَيِّب المطر الجاري على وجه الأرض من كثرته. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣١٣٧)، وكذلك (٣١٣٨)، (٣١٣٩) من الباب نفسه.\n(٢) حديث صحيح لشواهده. أخرجه أبو يعلى برقم (٣٤٦٨)، وأخرجه الطبري (١٣/ ١٢٥)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٢) وقال: (رواه الطبراني في الأوسط والبزار ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان وهو ثقة).","vol":"4","page":207},{"text":"ورواه الطبراني في \"الأوسط\" - نحوه - وقال: (فرعدت فأبرقت).\nوله شاهد قوي أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" عن ثابت، عن أنس قال: [أرسل رسول الله - ﷺ - رجلًا من أصحابه إلى رأس المشركين يدعوه إلى الله تعالى، فقال المشرك: هذا الذي تدعوني إليه من ذهب أو فضة أو نحاس! فتعاظم مقالته في صدر رسولِ رسولِ الله، فرجع إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره فقال: ارجع إليه، فرجع إليه بمثل ذلك وأرسل الله ﵎ عليه صاعقة من السماء فأهلكته، ورسول رسول الله - ﷺ - في الطريق لا يدري. فقال له النبي - ﷺ -: إن الله قد أهلك صاحبك بعدك، ونزلت على رسول الله - ﷺ -: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ - أي يشكون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو الكبير المتعال، وأما المحال فمن الحيلة، والمعنى كما قال مجاهد: (﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، قال: شديد القوة). وقال علي ﵁: (شديد الأخذ) - رواه ابن جرير بسنده إليه، وقال ابن عباس: (شديد الحَوْل). وقال قتادة: (أي القوة والحيلة)، وعن الحسن: (﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، يعني الهلاك. قال: إذا محل فهو شديد. وقال قتادة: شديد الحيلة).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠، ٥١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلته] (٢).\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٦٩٢)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢/ ٨٤٦)، وابن جرير (١٣/ ٨٤)، وقال الألباني في تحقيق كتاب \"السنة\" (٣٠٤): إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير ديلم بن غزوان وهو ثقة، وقد توبع.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجه (٤٠١٨)، وابن حبان (٣١٧٥)، وأخرجه البيهقي (٦/ ٩٤).","vol":"4","page":208},{"text":"الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إنْ نَسِيَ ذكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غيرَ ذلك جعلَ له وزيرَ سوء، إن نسيَ لم يذكِّرْه، وإن ذكر لم يُعِنْه] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة] (٢).\nوقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: لا إله إلا الله). وقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: (﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾، قال: التوحيد).- رواه ابن جرير وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: (والآلهة التي يَدْعوها المشركون أربابًا وآلهة. وإنما عنى بقوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: أنها مُقصِّرة عنه، وأنها لا تكون إلهًا، ولا يجوز أن يكون إلهًا إلا الله الواحد القهار. ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾، يقول: لا تجيب هذه الآلهة، التي يدعوها هؤلاء المشركون آلهةً، بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضرّ).\nوقوله: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال علي ﵁: (كالرجل العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه). وقال مجاهد: (يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده، ولا يأتيه أبدًا). أو قال: (يدعوه ليأتيه، وما هو بآتيه، كذلك لا يستجيب من هو دونه).\n٢ - وقال ابن عباس: (هذا مثل المشرك مع الله غيره، فمثله كمثل الرَّجل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد، فهو يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه).\n٣ - وقال قتادة: (﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾، وليس الماء ببالغ فاه، ما قام باسطًا كفيه لا يقبضهما).\nوقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.\nقال ابن كثير: (ومعنى هذا الكلام أنّ هذا الذي يبسُط يده إلى الماء إما قابضًا وإما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٩٣٢) - كتاب الخراج والإمارة والفيء -، باب في اتخاذ الوزير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، والبيهقي في \"الأسماء\"، ص (١٥٤)، وله شاهد عند ابن حبان (٢٤٥٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٢٠).","vol":"4","page":209},{"text":"متناولًا له من بُعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه، الذي جعله محلًا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلهًا غيره، لا ينتفعون بهم أبدًا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.\nأي: إن الله ﵎ قد قهر كل شيء بعظمته وجبروته، ودان له كل شيء، فسجد له ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي ملائكته ومن في ﴿وَالْأَرْضِ﴾ من الجن والإنس، طوعًا من المؤمنين، وكرهًا من المشركين حين يُكرهون على السجود. كما يسجد له أيضًا ظلالُ كل من سجد طوعًا وكرهًا بالغُدوات والعَشايا. والغدو: البُكر، والآصال: جمع أصيل وهو آخر النهار.\nفعن قتادة: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: (فأما المؤمن فيسجد طائعًا، وأما الكافر فيسجد كارهًا).\nوعن ابن عباس: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، يعني: حين يفيء ظلُّ أحدهم عن يمينه أو شماله). وقال مجاهد: (ظل المؤمن يسجد طوعًا وهو طائع، وظلُّ الكافر يسجد طوعًا وهو كاره).\nوقال ابن زيد: (ذُكِرَ أن ظلال الأشياء كلها تسجد له، وقرأ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾. وقال: تلك الظلال تسجد لله).\nوالآية التي أشار إليها هي من سورة النحل وهي بتمامها: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].\n١٦ - ١٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ","vol":"4","page":210},{"text":"جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تقرير الله تعالى أن الاعتراف بالربوبية يقتضي الإقرار له تعالى بالألوهية، وأن ما يُعبد من دونه لا يملك كشف الضر ولا جلب النفع، فهو سبحانه الواحد القهار. لقد أنزل الماء من السماء فسالت بذلك الأودية، فعلا الماء زبد وكذلك ما يوقد في النار مما يسبك فيها من الذهب أو الفضة ابتغاء حلية من نحاس أو حديد يعلوه زبدٌ كذلك، وكلا الزبدين يتلاشى، وهذا شأن الباطل في اضمحلاله وتلاشيه، وشأن الحق في ثباته وبقائه، كذلك يضرب الله الأمثال.\nفقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾.\nقال ابن كثير: (يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون أنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو ربها ومُدَبِّرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى، ﴿نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾، أي: لا تُحَصِّلُ منفعة ولا تدفع عنهم مضرةً. فهل يستوي من عَبَدَ هذه الآلهة مع الله ومن عبد الله وحده لا شريك له وهو على نور من ربه؟ !).\nوقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾.\nقال مجاهد: (أما ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، فالكافر والمؤمن، وأما ﴿الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾، فالهدى والضلالة).\nوقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾.\nقال مجاهد: (ضربت مثلًا. قال: خلقوا كخلقه، فحملهم ذلك على أن شكُّوا في الأوثان).\nقال النسفي: (أي أنهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين قد خلقوا مثل خلق الله - فاشتبه عليهم مخلوق الله بمخلوق الشركاء، حتى يقولوا قَدَرَ هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه فاستحقوا العبادة فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما يعبد، ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا على ما يقدر عليه الخالق).\nوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.\nأي: ما وجه إشراككم ما لا يخلق ولا يضر، والله تعالى هو الفرد الذي لا ثاني","vol":"4","page":211},{"text":"له، وهو القهار الذي خلق كل شيء وقهره بأمره، فهو وحده المستحق للتأليه والعبادة.\nوقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال مجاهد: (بقدر ملئها).\nوقال ابن جريج: (بقدر صغرها وكبرها).\nقال القاسمي: (﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي المزن ﴿مَاءً﴾ أي مطرًا ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي: بمقدار ملئها في الصغر والكبر، أي أخذ كل واحد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرًا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره). وقال ابن كثير: (وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يَسَعُ علمًا كثيرًا، ومنها ما لا يَتَّسِعُ لكثير من العلوم بل يضيق عنها).\nوقوله: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾.\nيشتمل على مثلين اثنين ضربهما الله مثلًا للحق والباطل. فالمثل الأول: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ - أي فَعَلا المَاءُ زبدٌ في تلك الأودية. والمثل الثاني: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ مما يسبك فيها من الذهب أو الفضة ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ ومن نحاس أو حديد فإنه يعلوه زبدٌ أيضًا. وكلا الزَّبَدين يضمحل بسرعة ويتلاشى. وكذلك الباطل في اضمحلاله وفنائه، والحق في ثباته وبقائه.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.\nقال ابن عباس: (قوله ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾، فهذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكّها. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، وهو الشك، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهو اليقين، كما يُجْعل الحَلْيُ في النار فيؤخذ خالصُه ويترك خبثه في النار. فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك).\nقال ابن جرير: (﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، يقول: فأما الزبد الذي علا السيل والذهب والفضة والنحاس والرصاص عند الوقود عليها، فيذهب بدفع الرياح وقذف الماء به، وتعلُّقه بالأشجار وجوانب الوادي، وأما ما ينفع الناس من الماء والذهب والفضة والرصاص والنحاس، فالماء يمكث في الأرض فتشربه، والذهب والفضة","vol":"4","page":212},{"text":"تمكث للناس، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، يقول: كما مثَّل هذا المثل للإيمان والكفر، كذلك يمثّل الأمثال).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾.\nالمعنى: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم بأنواع المنافع وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفات وذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهرًا، يثبت الماء في منافعه وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله بزبد السيل الذي يرمى به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب. أفاده النسفي ثم قال: (قال الجمهور: وهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل، فالماء القرآن نزل لحياة الجنان، كالماء للأبدان، والأودية للقلوب، ومعنى بقدرها بقدر سعة القلب وضيقه، والزبد هواجس النفس ووساوس الشيطان، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق، فكما يذهب الزبد باطلًا ويبقى صفو الماء كذلك تذهب هواجس النفس ووساوس الشيطان، ويبقى الحق كما هو. وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية، وأما متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممدة بالإخلاص المعدة للخلاص، فإن الأعمال جالبة للثواب دافعة للعقاب، كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع للكسب وبعضها آلة الدفع في الحرب، وأما الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل).\nقلت: وفي القرآن كثير من ضرب الأمثال للحق والباطل، والإخلاص والنفاق، والإيمان والكفر، وغير ذلك.\n١ - قال تعالى في وصف المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧].\n٢ - وقال تعالى في نعتهم أيضًا: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].\n٣ - وقال جل وعز في نعت الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩].","vol":"4","page":213},{"text":"وفي صحيح السنة من تلك الأمثال أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَثَلُ ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثلِ الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نَقِيّةٌ، قبلت الماء، فأنبتتِ الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادِبُ، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فَشربوا وسَقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كلأً، فذلك مثلُ من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثلُ مَنْ لمْ يَرفَعْ بذلك رأسًا ولم يقْبَلْ هدى الله الذي أُرْسِلتُ به] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: [مَثَلُ المُنافقِ كمثلِ الشاةِ العائرةِ بين الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إلى هذه مَرَّةً، وإلى هذه مَرَّةً] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [مثلي ومثلُكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولَه جعلَ الفراشُ وهذه الدواب التي يقعن في النار يَقَعْنَ فيها، وجعل يَحْجُزُهُنَّ ويغْلِبْنَه فَيَتَقَحَّمْنَ فيها، قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحُجَزكم عن النار، هَلُمَّ عن النار، هَلُمَّ عن النار، هَلُمَّ، فتغلبوني، فتَقْتَحِمونَ فيها] (٣).\n١٨ - ١٩. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الله تعالى بلوغ الجنة لأهل طاعته، والخلود في مستقر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٩)، كتاب العلم، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٢٨٢)، ورواه أحمد في المسند (٤/ ٣٩٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٤) - كتاب صفات المنافقين -. والعائرة: المترّددة، الحائرة لا تدري أيهما تتبع، ومعنى تعير أي تتردد وتذهب.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣١٢)، ومسلم (٢٢٨٤) ح (١٨)، وانظر صحيح البخاري (٣٤٢٦)، وسنن الترمذي (٢٨٧٤)، وصحيح ابن حبان (٦٤٠٨).","vol":"4","page":214},{"text":"رحمته. وبلوغ النار لأهل معصيته، ولا فداء لهم من العذاب ولو جاؤوا بما في الأرض جميعًا ومثله معه لفديته. إنه لا يستوي من آمن بالوحي وانتفع به، ومن هو أعمى القلب جاهل بالوحي كافر به، إنما يتعظ بآيات الله أولو الألباب.\nفعن قتادة: (﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾، قال: وهي الجنة).\nفالحسنى الجنة، أو الجزاء الحسن.\nكما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٨].\nقال القرطبي: (وقيل: من الحسنى النصر في الدنيا، والنعيم المقيم غدًا).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾.\nفيه تهويل حالة الخسران التي يلقاها المجرمون يوم القيامة، الذين كفروا بالله ورسله وتحاكموا للطاغوت.\nقال القاسمي: (﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ وهم الكفرة ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ أي: بما في الأرض ومثله معه من أصناف الأموال، ليتخلصوا عما بهم. وفيه من تهويل ما يلقاهم ما لا يحيط به البيان، ولأجله عدل عن أن يقال: وللذين لم يستجيبوا السوءى، كما تقتضيه المقابلة).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١].\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\nأي مناقشة حسابهم صعبة ومخيفة، ثم مرجعهم بعد انتهاء المحاسبة إلى النار، وبئس المكان الممهد مثوى لهم وبئس المستقر.\nوعن فرقد السبخي قال: قال إبراهيم النخعي: (يا فرقد، أتدري ما \"سوء","vol":"4","page":215},{"text":"الحساب\"؟ قلت: لا -! قال: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء) - ذكره ابن جرير بسنده إليه.\nوقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾.\nقال قتادة: (هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه وَوَعَوْه، قال الله: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾، قال: عن الخير فلا يبصره).\nوقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾. قال القرطبي: (والمراد بالعمى عمى القلب، والجاهل بالدين أعمى القلب).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إنما يتعظ بآيات الله ويعتبر بها ذوو العقول، وهي ﴿الْأَلْبَابِ﴾، واحدها \"لُبٌ\").\n٢٠ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ الله تعالى أولي الألباب: فهم أهل الوفاء بالعهد والميثاق، وأهل الوصل لما أمرهم الله بوصله، وأهل الخشوع والخوف من سوء الحساب. وهم أهل الصبر ابتغاء وجه ربهم، وأهل إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله، ومتابعة السيئات بالحسنات، فأولئك لهم عقبى الدار. جنات عدن يدخلونها ومن وافقهم على منهاج الإيمان من الآباء والأزواج والذرية، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، ويحيونهم بالسلام مقابل صبرهم وجهادهم فنعم عقبى الدار.\nفقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ - صفة لأولي الألباب، والعهد اسم للجنس، والمقصود بجميع عهود الله. قال القرطبي: (وهي أوامره ونواهيه التي وصّى بها عبيده، ويدخل في هذه الألفاظ التزامُ جميع الفروض، وتجنب جميع المعاصي).\nوقوله: ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾. قال النسفي: (ما أوثقوه على أنفسهم وقبلوه من","vol":"4","page":216},{"text":"الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، تعميم بعد تخصيص).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. قال ابن كثير: (من صلة الأرحام، والإحسان إليهم وإلى الفقراء والمحاويج وبذل المعروف).\nوقوله: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.\nأي: يخافون ربهم في جميع أعمالهم ويحذرون مناقشة الحساب يوم القيامة وتدقيق الأعمال.\nقال أبو الجوزاء: (﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾، قال: المقايسة بالأعمال).\nقال ابن جرير: (يقول: ويحذرون مناقشة الله إياهم في الحساب، ثم لا يصفح لهم عن ذنب، فهم لرهبتهم ذلك جادُّون في طاعته، محافظون على حدوده).\nأخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: [ليس أحدٌ يحاسَبُ يومُ القيامة إلا هلك. قلت: أوليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (١).\nوفي الصحيحين أيضًا عن عديِّ بن حاتم قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينَه وبينه ترجمان، ولا حجاب يَحْجُبُه، فينظُرُ أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قَدَّمَ من عمله، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاءَ وجهه، فاتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة] (٢).\nوفي رواية: (فمن لم يجد فبكلمة طيبة).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.\nقال ابن زيد: (الصبر، في هاتين، فصبرٌ لله على ما أحبَّ وإن ثقل على الأنفس والأبدان، وصبرٌ عمَّا يكره وإن نازعت إليه الأهواء. فمن كان هكذا فهو من الصابرين. وقر أ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]).\nوعن ابن عباس: (﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، يعني الصلوات الخمس، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾، يقول: الزكاة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٩٣٩)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٧٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ٢٢٥)، (١٣/ ٣٩٧)، ومسلم (١٠١٦) (٦٧) و(٦٨).","vol":"4","page":217},{"text":"والمقصود: ذِكْرُ مآثر المؤمنين الذي فطموا أنفسهم عن المحارم والمآثم ابتغاء مرضاة الله تعالى وتعظيمًا لوجهه الكريم وحياءً منه، ثم إنهم أقاموا الصلاة بأركانها وفروضها وسننها وخشوعها، وأنفقوا مما رزقهم الله على من وجب عليهم الإنفاق عليهم من الزوجات والأولاد والأرحام والقرابات والفقراء والمساكين منْ زكاة مفروضة ونفقات واجبة أخرى، وذلك في الخفاء وفي الظاهر حسب طبيعة الحال.\nوقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ - أي يدفعون الإساءة ضدهم بالإحسان.\nقال ابن زيد: (يدفعون الشر بالخير، لا يكافئون الشّر بالشّر، ولكن يدفعونه بالخير).\nوفي التنزيل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\nهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥].\nقال ابن جرير: ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: هم الذين أعقبهم الله دارَ الجنان، من دارهم التي لو لم يكونوا مؤمنين كانت لهم في النار، فأعقبهم الله من تلك هذه. وقد قيل: معنى ذلك: أولئك لهم عَقِيبَ طاعتهم ربَّهم في الدنيا، دارُ الجنان).\nوقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾.\nأي: جنات إقامة - والعدنُ: الإقامة - يخلدون في نعيمها وروضاتها هم ومن كان معهم على الهدى والإيمان من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.\nقال الضحاك: (﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، قال: مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناسُ حولهم، بعدد الجنات حوْلها).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\nأي: وتدخل الملائكة على هؤلاء المؤمنين في الجنان من كل باب من أبوابها، تسلم عليهم وتحمل لهم البشرى بما صبروا على إقامة الدين وجاهدوا في سبيل الله، بأن لهم الخلود في دار النعيم، فنعم دار القرار بعد دار الاختبار.","vol":"4","page":218},{"text":"قال ابن زيد: (﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾، قال: حين صبروا بما يحبه الله فقدّموه، وصبروا عما كره الله وحرم عليهم، وصبروا على ما ثقل عليهم وأحبه الله، فسلم عليهم بذلك). وعن أبي عمران الجوني: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾، قال: الجنة من النار).\nوالخلاصة: كما قال الحافظ ابن كثير ﵀: (أي: وتدخل عليهم الملائكةُ من ها هنا وها هنا للتهنئة بدُخول الجنة، فعند دخولهم إيّاها تَفِدُ عليهم الملائكة مُسَلِّمين مُهَنِّئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام، والإقامة في دار السلام، في جوار الصدِّيقين والأنبياء والرسل الكرام).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث من جوامع الكلم النبوي في آفاق هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا: [من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب أي فهلم. قال أبو بكر: يا رسول الله ذاك الذي لا توى عليه - أي لا خسارة ولا هلاك - فقال النبي - ﷺ -: إني لأرجو أن تكون منهم] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا. وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا. وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا. وإن لكم أن تَنْعموا فلا تبأسوا أبدًا. وذلك قوله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [هل تدرون أوّل من يدخل الجنة من خَلْقِ الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أَوَّل مَن يدخلُ الجنة من خلقِ الله الفقراء المهاجرون الذين تُسَدُّ بهم الثغورُ، وتُتَّقى بهم المكاره، ويموت أحدُهم وحاجتهُ في صدره لا يستطيع لها قضاءً، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فَحَيُّوهم. فتقول الملائكة: نحن سُكَّان سمائِك، وخيرَتُك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فَنُسَلِّمَ عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادًا يعبدونني لا يشُركون بي شيئًا، وتُسَدُّ بهم الثغور، وتُتَّقَى بهم المكاره، ويموت أحدُهم وحاجتُه في صَدْره فلا يستطيع لها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (١٨٩٧)، (٢٨٤١)، (٣٢١٦). وأخرجه مسلم (١٠٢٧) - كتاب الزكاة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٧)، كتاب الجنة ونعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة.","vol":"4","page":219},{"text":"قضاء. قال: فتأتيهم الملائكةُ عند ذلك، فيَدخلون عليهم من كلِّ باب، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾] (١).\nوفي رواية: [أولُ ثُلَّةٍ يدخلون الجنة فقراء المهاجرين، الذين تُتَّقى بهم المكاره، وإذا أمِرُوا سَمِعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تُقْضَ حتى يموتَ وهي في صدره، وإن الله يدعُو يومَ القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: رَبَّنا نحن نُسَبِّحُكَ الليل والنهارَ، ونقدِّسُ لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتَهم علينا؟ فيقول الربُّ - ﷿ -: هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي. فتدخل عليهم الملائكة من كلِّ باب: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾].\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح على شرط مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أتعلمُ؟ أولُ زمرةٍ تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم؟ فقال: المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ فيقولون: بأيِّ شيءٍ نحاسبُ وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم فيقيلون فيها أربعين عامًا قبل أن يدخلها الناس] (٢).\n٢٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ذَمُّ الله تعالى أهل نقض العهد وتقطيع ما أمر الله بوصله وأهل الفساد في الأرض، وتوعدهم باللعنة وسوء العاقبة في الآخرة. إن الله هو الذي يبسط الرزق لعباده ويقدر لهم، وأهل الغفلة في فرح بهذه الحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٨)، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٩) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجاله كلهم ثقات، وانظر صحيح ابن حبان (٧٤٢١)، وصفة الجنة لأبي نعيم (٨١)، والبيهقي في \"البعث\" (٤١٤) وسنده حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٧٠) وهو على شرط مسلم، وانظر السلسلة الصحيحة (٨٥٣).","vol":"4","page":220},{"text":"قال ابن عباس: (أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]، ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لأن الله تعالى يقول: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، يعني سوء العاقبة).\nوقال أبو العالية: (﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾. . . الآية، قال: هي ست خصالٍ في المنافقين إذا كان فيهم الظَّهرة على الناس أظهروا هذه الخِصال: إذا حَدَّثوا كَذَبوا، وإذا وعدوا أخلَفُوا، وإذا اؤتمنوا خانُوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظَّهْرَةَ عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانُوا).\nوقد ثبت نحو هذا المعنى في صحيح السنة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّثَ كذَبَ، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا اؤْتُمِنَ خان] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الشيخان وأحمد وأكثر أهل السنن عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أربعٌ مَنْ كُن فيه كان مُنافقًا خالِصًا، ومَنْ كانت فيه خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كانت فيه خَلَّةٌ من نِفاق، حتى يَدَعَها: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهد غَدَرَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا خاصمَ فَجَرَ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يا معشر المهاجرين خصالٌ خمسٌ إذا ابتليتم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحِشة في قوم قطّ، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مَضَت في أسلافهم الذين مَضَوا، ولم ينقُصُوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشِدّة المؤنة، وجَور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القَطْرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا، ولم يَنْقُضُوا عهدَ الله وعهدَ رسوله إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣)، (٢٦٨٢)، ومسلم (٥٩)، وأحمد (٢/ ٣٥٧)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨)، وأبو داود (٤٦٨٨)، والترمذي (٢٦٣٢)، والنسائي (٨/ ١١٦)، وأحمد (٢/ ١٨٩)، وابن حبان (٢٥٤)، وغيرهم.","vol":"4","page":221},{"text":"تحكم أئمَّتُهم بكتاب الله ﷿ ويتحَرَّوا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم] (١).\nقال ابن جرير: (﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، فسادهم فيها، عملهم فيها بمعاصي الله، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾، يقول: فهؤلاء لهم اللعنة، وهي البعد من رحمته، والإقصاء من جنانه، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، يقول: ولهم ما يسوءهم في الدار الآخرة).\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾.\nأي: يبسط الله الرزق لبعض عباده ويُقَتِّر على بعضهم، وكل ذلك مقسوم بحكمته سبحانه، فربما كان لا يصلح حال بعضهم إلا بسعة الرزق ووفرته، وربما كان الإقتار هو الأنسب لبعضهم، وقد يفرح هؤلاء الذين بُسِطَ لهم على كفرهم ويغيب عنهم أن هذا استدراج من الله لهم، فإنما الحياة الدنيا متاع قليل للفريقين.\nقال مجاهد: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾، قال: قليل ذاهب).\nوقال عبد الرحمن بن سابط: (﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾، قال: كزاد الرّاعي يُزَوِّدُه أهله: الكفّ من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشربُ عليه اللبن).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧].\nومن كنوز السنة الصحيحة في مفهوم هذه الآية، أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبُّ، فإنما هو استدراجٌ. ثم\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه ابن ماجه (٤٠١٩)، والحاكم (٤/ ٥٤٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\": (٨/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وله طرق كثيرة، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٦).","vol":"4","page":222},{"text":"تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله ﷿ يُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْه. ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن قيس قال: سمعت مُسْتَورِدًا أخا بني فِهْرٍ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: [والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مِثْلُ ما يَجعَلُ أحدُكُمْ إِصْبَعَهُ هذه - وأشار يحيى بالسَّبابة - في اليَمِّ، فلينظُرْ أحدُكُم بم ترجِع؟] (٣).\nالحديث الرابع: روى مسلم عن جابر بن عبد الله: [أنّ رسول الله - ﷺ - مَرَّ بالسوق، داخِلًا مِنْ بعضِ العالية، والناس كَنَفَتَهُ، فمَرَّ بِجَدْيٍ أسَكَّ مَيِّتٍ، فتناوله فأخذ بأُذُنِه، ثم قال: أيُّكُم يُحبُّ أنَّ هذا له بدِرْهَم؟ فقالوا: ما نحب أنّه لنا بشيءٍ، وما نصنَعُ به؟ قال: أَتُّحِبُّونَ أنه لكم؟ قالوا والله! لو كان حَيًّا، كان عَيْبًا فيه، لأنّه أسَكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: فوالله! للدّنيا أهونُ على الله، من هذا عليكم] (٤). والأسَكّ: هو صغير الأذنين. ومعنى \"كنفته\" أي: جانبه.\n٢٧ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تَنَطُّعُ المشركين في اقتراحهم رؤية آية أمام وضوح الأدلة الكثيرة\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، والطبري (١٣٢٤٣)، والطبراني (١٧/ ٣٣٠)، وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٤٥٤٠) من طرق، وله شواهد، وقد مضى بتمامه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجه (٤٠١٨)، وأخرجه ابن حبان (٥١٧٥)، والبيهقي (٦/ ٩٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٥٨)، كتاب الجنة ونعيمها، باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة. وأخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، والترمذي (٢٣٢٣)، وابن ماجه (٤١٠٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٥٧)، كتاب الزهد والرقائق، وانظر مسند أحمد (١/ ٣٢٩)، ومسند أبي يعلى (٢٥٩٣).","vol":"4","page":223},{"text":"الدالة على صدق النبوة، فقل لهم - يا محمد - إن الله قد يخذل من يشاء عن الإيمان والتصديق بالآيات، ويهدي إلى الإيمان من تواضع لله وأناب. إن المؤمنين الصادقين تطمئن قلوبهم بذكر الله، وبذكر الله تطمئن القلوب. إن الذي آمنوا وعملوا الصالحات لهم البشرى والخير والكرامة في الآخرة.\nفقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ - هو من قول المشركين للنبي - ﷺ -.\nأي: هلاّ أنزل ربك عليك - يا محمد - آية من آياته، إما ملك يكون معك نذيرًا، أو كنز يلقى إليك، أو تحوّل الصفا ذهبًا، أو تجري لنا ينبوعًا، أو تزيح الجبال من حول مكة ليصير مكانها المروج والبساتين.\nقال القرطبي: (بين في مواضع أن اقتراح الآيات على الرسل جهل، بعد أن رأوا آية واحدة تدل على الصدق).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٧، ٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، بسند صحيح عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [سأل أهل مكة النبي - ﷺ - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحِّي الجبال عنهم فَيَزْدَرِعوا، فقيل له: إن شِئْتَ أن تَسْتَأنيَ بهم، وإن شئمت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أُهْلكوا كما أَهْلَكْتُ مَنْ قبلهم! قال: لا، بل أستأني بهم، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٣١٠)، وأحمد في المسند (١/ ٢٥٨)، والطبري (٢٢٩٨)، وصححه الحاكم (٢/ ٣٦٢) ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":224},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.\nأي: قل لهم يا محمد، إن الله يخذل من يشاء عن الإيمان والتصديق بالآيات، ويوفق من يشاء للهداية ممن رجع إليه وصدق التوبة والإقبال.\nوعن قتادة: (قوله: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾، أي: من تاب وأقبل).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾.\nقال قتادة: (يقول: سكنت إلى ذكر الله واستأنست به). وقال مجاهد: (بالقرآن).\nوقال سفيان: (بأمره). وقال مقاتل: (بوعده). وقال ابن عباس: (بالحلف باسمه، أو بذكر فضله وإنعامه، كما تَوْجل بذكر عدله وانتقامه وقضائه).\nو\"الذين\" في محل نصب مفعول به ليهدي، والتقدير، يهدي الله الذين آمنوا، أو في محل نصب بدل من قوله: \"مَنْ أناب\".\nوقوله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. قال مجاهد: (لمحمد وأصحابه). قلت: بل الآية عامة.\nأي: قلوب المؤمنين المخبتين إلى ربهم، فإن ذكر الله تعالى يؤنس وحشة القلوب المضطربة، والنفوس المتألمة، ويرجع على الروح بسعادة وطمأنينة.\nوذكر الله يشمل القرآن وتلاوته وتدبر آياته، وكذلك التفكر في وعد الله ووعيده، وثوابه وعقابه، وجنته وناره، كما يشمل المبادرة إلى العمل بطاعته والقيام بتعظيم أوامره، وكذلك فإنه يشمل طلب العلم النافع الذي فيه بيان شرعه وهديه.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.\nهو ابتداء وخبره، أو التقدير: لهم طوبى، ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ معطوف عليه. وفي معنى \"طوبى\" أقوال عند المفسرين:\n١ - قال عكرمة: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، قال: نعم مالهم).\n٢ - وعن الضحاك: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، قال: غِبطة لهم).\n٣ - وعن ابن عباس: (قوله: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، يقول: فرحٌ وقُرَّة عين).\n٤ - وعن قتادة قال: (يقول: حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب). وقال: (هذه كلمة عربية، يقول الرجل: \"طوبى لك\"، أي: أصبتَ خيرًا).","vol":"4","page":225},{"text":"٥ - وقال إبراهيم النَخَعِيّ: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، خير لهم. قال: الخير والكرامة التي أعطاهم الله).\n٦ - وعن ابن عباس قال: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: اسم أرض الجنة، بالحبشية). وقال مجاهد: (الجنة).\n٧ - قال ابن عباس وأبو هريرة: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرة في الجنة).\nقلت: وفي كلام العرب \"طوبى\" مشتق من \"طيب\"، وهو من الطَّيِب: ضد الخبيث، فيكون \"طوبى\" فُعلى من الطّيب قلبوا الياء واوًا لضمة ما قبلها، وطوبى اسم شجرة في الجنة أيضًا. فيكون المعنى: الطيِّب للمؤمنين الذين عملوا الصالحات في الجنة، من الغبطة والفرح وقرة العيون والتلذذ بألوان النعيم والخير والكرامة، كما أن لهم \"طوبى\": شجرة في الجنة مسيرة مئة عام، تخرج ثيابهم من أكمامها، كما جاء ذلك في صحيح السنة العطرة، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أحمد في المسند، بسند حسن، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: [طوبى شجرة في الجنة، مسيرةَ مئة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن جرير بسند حسن لغيره، عن فرات بن أبي الفرات عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ شجرة غرسها الله بيده، ونفخ فيها من روحه بالحلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري وغيره عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن في الجنة شجرة يسيرُ الراكبُ في ظلها مئة عام لا يقطعها، إن شئتم فاقرؤوا: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾] (٣).\nوله شاهد عنده من حديث أبي سعيد الخُدْري، عن النبي - ﷺ - قال: [إن في الجنة\n_________\n(١) حديث حسن في الشواهد. أخرجه أحمد (٣/ ٧١)، وابن جرير (١٣/ ١٠١)، وابن حبان (٢٦٢٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٨٥). والأكمام: غلاف التمر والحب قبل أن يظهر.\n(٢) حسن لغيره. أخرجه الطبري (٢٠٣٩٣)، ويشهد له الحديث الذي قبله، وانظر المرجع السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥١)، وأخرجه الترمذي في السنن (٣٢٩٣).","vol":"4","page":226},{"text":"شجرةً يسير الراكبُ الجوادَ المضمَّرَ السريع مئة عام ما يقطعها] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث عبد الله بن عمرو قال: [جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أخبرنا عن ثياب أهل الجنة خلقًا تخلق أم نسجًا تنسج؟ فضحك بعض القوم، فقال رسول الله - ﷺ -: وممّ تضحكون من جاهل يسأل عالمًا؟ ثم أكبّ رسول الله - ﷺ -، ثم قال: أين السائل؟ قال: هو ذا أنا يا رسول الله! قال: لا بل تشقق عنها ثمر الجنة \"ثلاث مرات\"] (٢).\nوعن الضحاك: (﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، قال: حسن منقلب).\n٣٠ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تَسْلِيَةٌ من الله تعالى لنبيِّه - ﷺ - في وصله بسلسلة النبوة ومنهاج الدعوة الذي مضى عليه المرسلون قبله وصبرهم على الأذى، وهؤلاء قومك - يا محمد - يكفرون بالرحمان، فأعلن إيمانك بالله الواحد الأحد وحسن توكلك عليه وأوبتك إليه. إنه لو كان كتاب مما أنزل الله تُسَيَّرُ به الجبال أو تُشَقّ به الأرض أو تُكَلّم به الموتى لكان هذا القرآن، وإنما أمْرُ ما يَلتمسونه بيد الله، أفلم يتبين المؤمنون أن حجة هذا القرآن تكفي لإيمان جميع الخلق لو شاء الله ذلك، إنه لا تزال البلايا والقوارع تنزل بالكفار أو قريبًا منهم حتى يأتي وعد الله بموتهم أو قيام الساعة والله لا يخلف الميعاد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٥٢ - ٦٥٥٣)، وأخرجه مسلم (٢٨٢٧ - ٢٨٢٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٢)، (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥) عن حنان بن خارجة عن عبد الله بن عمرو، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ص ٦٤٠) عقب الحديث (١٩٨٥).","vol":"4","page":227},{"text":"ولقد استهزئ - يا محمد - برسل قبلك فصبروا حتى قطع الله استدراجه للكافرين وأخذهم أخذ عزيز مقتدر.\nفقوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.\nأي: كذلك - يا محمد - أرسلناك في قومك كما أرسلنا من قبلك من الرسل في أقوامهم وأممهم لتنذرهم بهذا الوحي مغبة استرسالهم في غيِّهم وشركهم، فكذبوك كما كذب الأقوام رسلهم من قبلك، فصبر إخوتك الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على ما كُذِّبوا، فلك بهم أسوة في الصبر والاحتساب.\nوفي التنزيل: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤].\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. قال ابن كثير: (أي: هذه الأمةُ التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يُقرُّون به لأنهم كانوا يَأنَفُونَ من وصف الله بالرحمن الرحيم).\nوعن مجاهد قال: (هذا لمّا كاتب رسول الله - ﷺ - قريشًا في الحديبية، كتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالوا: لا تكتب ﴿الرَّحْمَنِ﴾، وما ندري ما ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ولا تكتب إلا: \"باسمك اللهم\". قال الله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، الآية).\nقلت: وأصل ذلك في صحيح البخاري من حديث المسور ومروان، وكذلك في مسند الإمام أحمد من حديث المسور.\nفقد روى البخاري - في صلح الحديبية - قال الزهري: [فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتُبْ بيننا وبينكم كتابا. فدعا النبي - ﷺ - الكاتب - وهو علي ﵁ - فقال النبي - ﷺ -: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. (وفي رواية أحمد: فقال رسول الله - ﷺ -: اكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب] الحديث (١).\nو\"الرحمن\" اسم مشتق من الرحمة على وجه المبالغة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٣١)، (٢٧٣٢)، كتاب الشروط، وأخرجه مسلم في صحيحه (١٧٨٤)، كتاب السير، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٢٥).","vol":"4","page":228},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الملك: ٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].\nومن كنوز السنة الصحيحة في اسم ﴿الرَّحْمَنَ﴾ وأحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله ﷿: أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها من اسمي، من يصلها أصله ومن يقطعها أقطعه فأبته] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ أحبَّ الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن] (٢).\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: إن كفر هؤلاء الذين أرسلتك إليهم، يا محمد، بالرحمن فقل أنت: الله ربي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾، يقول: وإليه مرجعي وأوبتي).\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. مَدْحٌ للقرآن، وثناءٌ عطرٌ على إعجازه، وتفضيل له على سائر الكتب المنزلة قبله.\nوالمقصود: لو كان كتاب مما أنزل من قبل تُسَيَّرُ به الجبال فتزول عن أماكنها، أو تُقَطَّعُ به الأرض وتنشقُّ، أو تُكَلَّمُ به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن، لأنه الكتاب الأعلى في إعجازه في هذا الكون، وهو كلام الله العظيم الذي تتصدع أمامه جميع المخلوقات كبيرها وصغيرها.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٨)، وإسناده جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين انظر الصحيحة (٢) ص (٣٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٣٢)، وأبو داود (٤٩٤٩)، والترمذي (٢٨٣٥)، وابن ماجه (٣٧٢٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"4","page":229},{"text":"وفي التنزيل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: [ما من نبيّ من الأنبياء إلا قد أُعطِيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (١).\nفائدة: القرآن يُطلق على كل من الكتب المتقدمة، لأنه مشتق من الجميع. ذكره الحافظ ابن كثير - ثم أورد حديث الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [خففت على داودَ القراءةُ فكان يأمرُ بدابَّته أن تُسرَجَ، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تُسْرَجَ دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه] (٢).\nقلت: والحديث رواه البخاري أيضًا بلفظ: [خُفِّفَ على داودَ ﵇ القرآنُ فكان يأمرُ بِدوابِّهِ فَتُسْرَجُ فيقرأُ القرآنَ قبل أن تُسْرجَ دَوابُّه، ولا يأكل إلا من عمل يده]. ولا شك أن المقصود بالقرآن هنا الزَّبور.\nوقوله: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. قال القرطبي: (أي هو المالك لجميع الأمور، الفاعل لما يشاء منها، فليس ما تلتمسونه مما يكون بالقرآن، إنما يكون بأمر الله).\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾.\nأي: أفلم يعلم المؤمنون ويتبينوا أن حجة هذا القرآن وبيانه وإعجازه يكفي لإيمان جميع الخلق لو شاء الله ذلك. قال ابن عباس: (﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يقول: يعلم).\nوقال قتادة: (أفلم يعلم الذين آمنوا). أو قال: (أفلم يتبيّن الذين آمنوا).\nوقال أبو العالية: (قد يئس الذين آمنوا أن يَهدُوا، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعًا).\nوقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ - فيه تفسيران عند المُفَسِّرين:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٨١)، (٧٢٧٤)، وأخرجه مسلم - حديث رقم - (١٥٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣١٤)، والبخاري (٣٤١٧)، كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٢٢٥).","vol":"4","page":230},{"text":"١ - أي: لا تزال البلايا والمصائب والقوارع تنزل بالكفار بسبب كفرهم وخُبْثِ أعمالهم، أو تنزل قريبًا منهم فيفزعون ويتطاير عليهم شررها حتى يأتي وعد الله بموتهم أو قيام الساعة.\n٢ - أي: لا يزال ينزل بكفار مكة من المصائب والقوارع نتيجة ما صنعوا برسول الله - ﷺ - فيصيب المسلمون منهم ويختطفون منهم بإغارتهم على مواقعهم حول مكة ويغنمون ويأسرون، أو تحل أنت يا محمد قريبًا من دارهم بجيشك يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله بفتح مكة ودخولك منتصرًا مُظفّرًا، وعد الله، ولا يخلف الله الميعاد.\nقلت: والبيان الإلهي يحتمل التأويلين معًا، فكلاهما ضمن آفاق مفهوم الآية.\nفعن ابن زيد: (﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، قال: قارعة من العذاب). وعن قتادة قال: قال الحسن: (﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، قال: أو تحل القارعة قريبًا من دارهم). وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ - قال الحسن: (يوم القيامة).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، يقول: عذابٌ من السماء ينزل عليهم، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، يعني نزول رسول الله - ﷺ - بهم وقتاله إياهم). وعن سعيد بن جبير: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، قال سرية، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، قال: أنت يا محمد). وقال عكرمة عن ابن عباس: (﴿قَارِعَةٌ﴾ - قال: السرايا).\nوقال مجاهد: (سرية، أو قال: كتيبة). وقال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ - قال: فتح مكة).\nوفي التنزيل: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.\nتسلية للنبي - ﷺ - عما يلقاه من تكذيب قومه، وسؤالهم الآيات تنطعًا واستهزاء وبطرًا.\nيقول: إن لك بإخوتك الرسل من قبلك أسوة في صبرهم على أذى أقوامهم ومكرهم واستهزائهم، ثم بما آلت إليه أحوال المعاندين والمتكبرين بعد إمهالهم وتأجيلهم،","vol":"4","page":231},{"text":"فكيف بلغك ما صنعت بهم وما كان من إهلاكهم وتدميرهم.\nوفي التنزيل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨].\nوفي الصحيحين من حديث أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله ليُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١).\n٣٣ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إِعْلَامٌ من الله تعالى أنه القائم على كل نفس في أرزاقها وأجلها وأعمالها ومع ذلك يعبد المشركون الأوثان التي لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا، فقل لهم - يا محمد -: سمّوا ما أشركتم في عبادة الله؟ فإن قالوا: هي آلهة، فقد كذبوا، لأن الله هو الإله الحق الواحد القهار، وآلهتهم هزيلة مهزومة ضعيفة، فهل تخبرونه سبحانه أن في الأرض إلهًا لا يعلمه أم تفترون الكذب والباطل! لقد زَيّن الشيطان للكافرين افتراءهم على الله وصدهم عن سبيله، ومن ثم فمن خذله الله عن الهدى فماله إلى الهداية من سبيل. إن لهؤلاء المشركين الخزي والعذاب في الدنيا، ثم يردون إلى أشد العذاب في الآخرة، وما لهم من الله من ولي ولا نصير. وأما المؤمنون المتقون فهم في روضات الجنات، تجري من تحتها الأنهار، منغمسون في ألوان النعيم، على النقيض من أحوال أصحاب الجحيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١٠٩)، وابن ماجه (٤٠١٨)، وابن حبان في صحيحه (٥١٧٥)، وأخرجه البيهقي (٦/ ٩٤).","vol":"4","page":232},{"text":"فقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ - هو الله تعالى قائم على كل نفس في أرزاقها وأجلها وأعمالها.\nقال قتادة: (ذلكم ربكم ﵎، قائمٌ على بني آدم بأرزاقهم وآجالهم، وحفظَ عليهم والله أعمالهم). وقال ابن عباس: (يعني بذلك نفسه، يقول: هو معكم أينما كنتم، فلا يعمل عاملٌ إلا والله حاضِرُه. ويقال: هم الملائكة الذي وُكلوا ببني آدم).\nوقال الضحاك: (فهو الله قائم على كل برّ وفاجر، يرزقهم ويَكلؤهم، ثم يشرك به منهم من أشرك).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].\n٤ - وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].\n٥ - وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].\n٦ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث عبادة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة] (١). وفي لفظ: [إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: يا رب وما أكتب؟\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧)، والترمذي في التفسير (٢/ ٢٣٢)، وانظر تخريج المشكاة (٩٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٠٧) لتفصيل الروايات المختلفة.","vol":"4","page":233},{"text":"قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد]. وفي لفظ آخر: [اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (١).\nالحديث الثالث: يروي الطبراني بسند صحيح من حديث أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: [فرغ الله ﷿ إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٢). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).\nوقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾. أي: عبدوا تلك الأصنام والأوثان وهي لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تملك كشف الضر عن نفسها ولا تحويلًا. فقل لهم يا محمد: سمّوا ما أشركتم في عبادة الله؟ فإن قالوا: هي آلهة، فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا الله الواحد القهار لا شريك له، وهو خلق كل شيء، ومن ثمّ فإن ما زعمتم آلهة مخلوق ضعيف مقهور بأمر الله، فهل تخبرونه سبحانه أن في الأرض إلهًا لا يعلمه! ! أم تقولون الكذب والباطل! !\nوفي التنزيل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].\nوعن ابن عباس: (﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، والله خلقهم). قال الضحاك: (ولو سمَّوهم آلهةً لكذبوا وقالوا في ذلك غير الحق، لأن الله واحدٌ ليس له شريك. قال الله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، يقول: لا يعلم الله في الأرض إلهًا غيره). وعن مجاهد: (﴿بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، بظن). وقال قتادة: (والظاهر من القول هو الباطل). وعن الضحاك قال: (يقول: أم بباطل من القول وكذب، ولو قالوا: قالوا الباطل والكذب).\nوقوله: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤١) بلفظ: (كتب الله مقادير الخلق. .)، وانظر صحيح مسلم (٨/ ٥١)، باب: كتب المقادير قبل الخلق، وروى أحمد نحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني كما في \"المجمع\" (٧/ ١٩٥)، وبنحوه أحمد (٥/ ١٩٧). انظر تخريج الطحاوية (٧٨)، وصحيح الجامع الصغير (٤٠٧٧)، (٤٠٧٨) - (٤٠٧٩).","vol":"4","page":234},{"text":"أي: بل زين للكافرين افتراؤهم الكذب على الله وصدهم عن سبيله، ومن ثمّ فإن من أضلّه الله عن إصابة الحق وخذله عن الهدى فلا سبيل لهدايته.\nوعن مجاهد: (﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾، قال: قولهم). يعني ما افتروه على الله من الشرك به والدعوة إلى الضلال والإلحاد.\nوقرأ الكوفيون: ﴿وصُدُّوا عن السبيل﴾ بضم الصاد، أي وصدّهم الله عن سبيله بسبب تماديهم في الكفر والمكر. وأما قراء البصرة والحجاز فقرؤوه بالفتح: ﴿وصَدّوا﴾، أي إنَّ المشركين لم يكتفوا بكفرهم بل صدوا الناس أيضًا عن سبيل الله - والقراءتان مشهورتان.\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، يقول تعالى ذكره: ومن أضَلَّهُ الله عن إصابة الحق والهدى بخذلانه إياه، فما له أحدٌ يهديه لإصابتهما، لأن ذلك لا يُنال إلا بتوفيق الله ومعونته).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].\nوفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأيّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصيرَ القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. أي: لهؤلاء المشركين بالله الصادّين عن سبيله عذاب في الحياة الدنيا بالقتل والأسر والآفات، وما ينتظرهم من عذاب الآخرة أشد ثم لا ولي ولا شفيع ولا نصير.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٨٩ - ٩٠). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠) - كتاب الفتن، من حديث حذيفة ﵁.","vol":"4","page":235},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].\nومن السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: [يقول الله ﵎ لأَهْونِ أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكُنْتَ مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردتُ منكَ أهونَ من هذا وأنت في صُلْب آدم - أن لا تشركَ، ولا أدخِلَكَ النار، فأبيتَ إلا الشرك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج النسائي والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال رسول الله - ﷺ -: [لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايِشَهم، فكيف بمن يكون طعامه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحشرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصَارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٨/ ١٣٤). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٥٥) - كتاب صفة القيامة. باب: في كثرة العرق يوم القيامة.\n(٢) حديث صحيح. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (٥٦٨٣)، وصحيح الجامع الصغير (٥١٢٦).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وصحيح الجامع الصغير (٧٨٩٦)، ورواه أحمد.","vol":"4","page":236},{"text":"تفريقٌ بين المصيرين، فهذا مصير السعداء المتقين، في جنان النعيم، تجري من تحتها الأنهار، دائمة الظلال والأكل والملذات، على النقيض من أحوال أهل الجحيم والحسرات.\nوفي التنزيل:\n١ - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد، وأبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [في الجنة شجرةٌ يسيرُ الراكب في ظلها مئة سنة. اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم عنِ جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يمتخطُون ولا يتغَوَّطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جُشَاء كريح المسك، ويُلهمون التسبيح والتقديس كما يُلهمون النفس] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني والبزار عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الرجل إذا نزعَ ثمرةً من الجنة عادت مكانها أخرى] (٣).\n٣٦ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٢)، ومسلم (٢٨٢٦)، والترمذي (٢٥٢٣)، وأحمد (٢/ ٤١٨) من حديث سهل بن سعد وأبي هريرة ﵄.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٥)، وأبو داود (٤٧٤١)، وأحمد (٣/ ٣١٦)، وغيرهم.\n(٣) أخرجه الطبراني (١٤٤٩) والبزار (٣٥٣٠)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٤) وقال: رواه الطبراني والبزار إلا أنه قال: \"عيد في مكانها مثلاها\"، ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات.","vol":"4","page":237},{"text":"مَآبٍ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الله تعالى فرح الصحابة بهذا القرآن ومسارعتهم للعمل به، ومن أهل الكتاب وغيرهم من الطوائف من ينكر بعض ما في القرآن ظلمًا وزورًا، فأعلن - يا محمد - إفرادك الله بالتعظيم والدعاء، فإليه الرجوع والمآب. لقد شَرَّفك ربك - يا محمد - بهذا القرآن المحكم بلسان العرب فحذار متابعة أهل الأهواء بعدما جاءك من العلم، فإنه لا ناصر لك حينئذ ولا يقيك من الله واق.\nفقوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ - يعني الصحابة فرحوا بالقرآن وعملوا به. قال قتادة: (أولئك أصحاب محمد - ﷺ -، فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدّقوا به).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ - يعني اليهود والنصارى وغيرهما من الطوائف.\nقال مجاهد: (من أهل الكتاب، و﴿الْأَحْزَابِ﴾، أهل الكتب يقرّبهم تحَزُّبهم. ﴿يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ قال: بعض القرآن).\nوعن ابن زيد: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، قال: هذا مَنْ آمَنَ برسول الله - ﷺ - من أهل الكتاب، فيفرحون بذلك. وقرأ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠].وفي قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾، قال: ﴿الْأَحْزَابِ﴾، الأممُ، اليهود والنصارى والمجوس، منهم من آمن به، ومنهم من أنكره).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾.\nأي: قل لهم يا محمد، أما أنا فأفرد الله تعالى بالتعظيم والعبادة ولا أشرك به، وإلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناس، إليه مصيري ومآلي ومرجعي.\nقال قتادة: (﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾، وإليه مصير كلّ عبد).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾. قال النسفي: (حكمة عربية مترجمة بلسان العرب).\nوقال ابن كثير: (أي: وكما أرسلنا قبلَكَ المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من","vol":"4","page":238},{"text":"السَّماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن مُحكمًا مُعْربًا، شرّفناك به وفَضَّلْنَاك على من سِواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجَليّ الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]).\nوقيل: نظم الآية - (وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا إليك القرآن حكمًا عربيًا، أي بلسان العرب، ويريد بالحكم ما فيه من الأحكام) - حكاه القرطبي.\nقلت: والبيان القرآني يحتمل كل ما سبق من التأويل، فالقرآن كلام عربي مبين يفصل بين الحق والباطل، ويحكم على كل شيء، وفيه حكمة بالغة لكل شيء، أنزله الله بلسان عربي فصيح، لغة نبينا محمد - ﷺ -.\nوقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾.\nقال القاسمي: (أي: لئن تابعتهم على دين، ما هو إلا أهواء بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج، فلا ينصرك ناصر، ولا يقيك واق. وهذا من باب الإلهاب والتهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين والتصلب، وأن لا يزلّ زالّ عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فكان رسول الله - ﷺ - من شدة الشكيمة بمكان).\n٣٨ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ردُّ الله على المشركين رفضهم النبوة إلا من مَلَك، بإثبات بشرية الرسول شأن الرسل قبله: يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويأتون الزوجات ويولد لهم، وما يقدر رسول أن يأتي بآية أو معجزة إلا بأمر الله، ولكل أجلٍ أمرٍ قضاه الله كتابٌ قد كتبه تعالى فهو عنده. وهو تعالى ينسخ الشرائع ويثبت ما يشاء منها وعنده أم الكتاب.\nإن الذي عليك - يا محمد - هو تبليغ الرسالة سواء أراك ربك مصارع المعاندين أو توفاك قبل ذلك، فإلى الله الإياب وعليه الحساب.","vol":"4","page":239},{"text":"فقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾. أي: إن شأنك يا محمد شأن الرسل الذين أرسلناهم قبلك، كانوا بشرًا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويأتون الزوجات ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية.\nقال القاسمي: (وهو ردٌّ لقولهم: لو كان نبيًا لكان من جنس الملائكة كما قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]، وإعلامٌ بأن ذلك سنة كثير من الرسل، فما جاز في حقهم لمَ لا يجوز في حقه؟ وقد قال تعالى له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما يقدر رسولٌ أرسله الله إلى خلقه أن يأتي أمَّتَهُ بآية وعلامة، من تسيير الجبال، ونقلِ بَلْدَةٍ من مكان إلى مكان آخر، وإحياء الموتى، ونحوها من الآيات، ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يقول: إلا بأمر الله الجبال بالسير، والأرضَ بالانتقال، والميتَ بأن يحيَا، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، يقول: لكل أجلٍ أمرٍ قضاه الله، كتابٌ قد كتبه فهو عنده).\nوقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ - له أكثر من تأويل عند المفسرين:\nالتأويل الأول: قيل يمحو الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما لا يُغَيّران.\nقال ابن عباس: (يدبر الله أمر العبادة، فيمحو ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت). وفي لفظ: (يدبر أمر السنة، فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت). وقال مجاهد: (إلا الحياة والموت والسعادة والشقاوة، فإنهما لا يتغيران).\nالتأويل الثاني: يمحو الله ما يشاء ويثبت من كتاب سوى أم الكتاب الذي لا يُغَيَّرُ منه شيء. وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ، فكأن المحو والإثبات من الصحف التي بأيدي الملائكة.\nقال عكرمة: (الكتاب كتابان: كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب).\nالتأويل الثالث: قيل بل يمحو كلّ ما يشاء، ويثبت كل ما أراد.","vol":"4","page":240},{"text":"يروي ابن جرير بسنده عن أبي عثمان النَّهدي: (أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقْوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة).\nثم روى عن ابن عباس قوله: (هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلاله، فهو الذي يمحو. والذي يثبت: الرجل يعملُ بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله، فهو الذي يثبت).\nالتأويل الرابع: قيل بل معنى ذلك يمحو من قد حان أجله ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله.\nقال الحسن: (يمحو من جاء أجله فذهب، والمثبت الذي هو حيّ يجري إلى أجله).\nالتأويل الخامس: يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفر. فعن عطاء، عن سعيد قال: (يثبت في البطن الشقاء والسعادة، وكلَّ شيء، فيغفر منه ما يشاء، ويؤخر ما يشاء).\nالتأويل السادس: ينسخ الله ما يشاء من أحكام كتابه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.\nقال ابن عباس: (﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من القرآن. يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب).\nقلت: والسياق يدل على التأويل السادس، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ - فيه إخبار أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه بل من عند الله الذي قدّر للشرائع أجلًا وغاية ثم ينسخها بالشريعة الأخرى ويثبت ما يشاء منها.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.- خطاب للنبي - ﷺ - للقيام ببلاغ قومه وإنذارهم والله يتولى مكرهم وحسابهم. قال النسفي: (وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم أو توفيناك قبل ذلك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ - فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ - وعلينا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم لا عليك فلا يهّمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم).","vol":"4","page":241},{"text":"٤١ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تَهْديِدٌ للمشركين وتَوَعُّدٌ لهم! أولم يروا كيف نفتح لمحمد - ﷺ - فتحًا بعد فتح حتى أوشك الفتح أن يطال أرضهم؟ والحكم لله وهو سريع الحساب. وقد مكر الطغاة في الأمم قبلهم فأحاط بهم مكر الله وطوّقهم وسيعلم الكفار لمن تكون العاقبة الحميدة. وما يزال هؤلاء الكفرة يكذبون نبوتك - يا محمد - فقل حسبي الله يشهد بما أرسلني به، وكذلك يشهد علماء أهل الكتاب بما يجدونه في كتبهم من صدق رسالتي ونبوتي ونعتي.\nفقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ - فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أولم ير مشركو مكة كيف نفتح لمحمد - ﷺ - أرضًا بعد أرض حتى أوشك أن يفتح أرضهم وهم لا يزالون متنطعين يسألون الآيات.\nقال ابن عباس: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، قال: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض). قال: (يعني بذلك ما فتح الله على محمد. يقول: فذلك نُقْصَانها).\nوقال الحسن: (هو ظهور المسلمين على المشركين). وقال الضحاك: (يعني أن نبي الله - ﷺ - كان يُنْتقَصُ له ما حوله من الأرَضِين، ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون، قال الله في \"سورة الأنبياء\": ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، بل نبي الله - ﷺ - وأصحابه هم الغالبون).\nالتأويل الثاني: أولم يروا أنا نأتي الأرض فنخرِّبها، فأوشكوا أن نخرب أرضهم ونهلكهم؟ قال ابن عباس: (أولم يروا إلى القرية تخربُ حتى يكون العُمْران في ناحية؟).\nوقال مجاهد: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، قال: خرابُها). وقال ابن جريج: (خرابُها وهلاك الناس). وقال عكرمة: (تُخرب من أطرافها).","vol":"4","page":242},{"text":"التأويل الثالث: ننقص من بركتها وثمرتها وأهلها بالموت.\nقال الشعبي: (لو كانت الأرض تُنْقَص لضاق عليك حُشُّك، ولكن تُنْقَصُ الأنفس والثمرات). وقال مجاهد: (﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، قال: في الأنفس، وفي الثمرات، وفي خراب الأرض). وعن ابن عباس: (يقول: نقصان أهلها وبركتها). وقال عكرمة: (هو قَبْضُ الناس). وقال: (هو الموت. ثم قال: لو كانت الأرض تنقص لم نجد مكانًا نجلسُ فيه).\nالتأويل الرابع: ننقصها بذهاب فقهائها وخِيارها.\nقال عطاء، عن ابن عباس: (ذهابُ علمائها وفقهائها وخِيار أهلِها).\nوقال مجاهد فيها: (موتُ العلماء).\nقلت: والتأويل الأول أقواها وأنسبها للسياق، فالآيات قبلها في تهديد المشركين وتوعدهم، واختاره ابن جرير، وابن كثير وقال: (والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية. كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف: ٢٧] الآية). واختاره النسفي وقال: (﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بما نفتح على المسلمين من بلادهم فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام وذلك من آيات النصرة والغلبة، والمعنى عليك البلاغ الذي حملته ولا تهتم بما وراء ذلك، فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من النصرة والظفر).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nقال القرطبي: (أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقص ولا تغيير. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي الانتقام من الكافرين، سريع الثواب للمؤمن. وقيل: لا يحتاج في حسابه إلى رَوِيّة قلب، ولا عقد بَنان).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\nتَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ لمشركي مكة في مكرهم وغيّهم وعنادهم، شأن من سبقهم من أقوام الرسل وتمادوا في الغيّ والكبر والمكر، فحاق المكر بأهله ونصر الله تعالى الرسل ونجّاهم من ذلك المكر وجعل العاقبة للمتقين.","vol":"4","page":243},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل ٥٠ - ٥٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦].\nوفي صحيح السنة في مفهوم المكر والكيد من الله بالكافرين أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نَسِيَ ذكَّرَه، وإن ذكرَ أعانه، وإذا أراد به غيرَ ذلك جعلَ له وزيرَ سوء، إن نَسِيَ لم يذكِّرْه، وإن ذكر لم يُعِنْه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان من حديث أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته] (٣).\nفقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ - كما قال القرطبي: (أي هو مخلوق له مكر الماكرين، فلا يضر إلا بإذنه). وقال القاسمي: (﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ إشارة إلى ضعف مكرهم وكيدهم لاضمحلاله وذهاب أثره، وأنه مما لا يسوء، وأن المكر المرهوب هو ما سيؤخذون به من إيقاع فنون النكال، وهم نائمون على فرش الإمهال، مما لا يخطر لهم على بال، كما يومئ إليه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الترمذي (٢/ ٦٤)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص (١٥٤)، وأخرجه ابن حبان (٢٤٥٥)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢٧٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٩٣٢) - كتاب الخراج والإمارة والفيء -. باب في اتخاذ الوزير.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وأخرجه ابن ماجه (٤٠١٨)، وابن حبان (٥١٧٥)، والبيهقي (٦/ ٩٤).","vol":"4","page":244},{"text":"نَفْسٍ﴾ أي فيوفيها جزاءها المعدّ لها على ما كسبت من فنون المعاصي التي منها مكرهم، من حيث لا يحتسبون ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي العاقبة الحميدة، وعلى من تدور الدائرة).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.\nإِخْبَارٌ عن تكذيب الكفار برسالة النبي - ﷺ - ونبوته - فقل لهم يا محمد -: حسبي الله يشهد بما أرسلني به، وكذلك يشهد بذلك علماء أهل الكتاب فيما يجدونه عندهم من صدق رسالتي ونبوتي ونعتي.\nقال القرطبي: (وهذا احتجاج على مشركي العرب لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب - من آمن منهم - في التفاسير).\nتم تفسير سورة الرعد\nبعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه\n° ° °","vol":"4","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - استواء الله على عرشه، حقيقة بلا تكييف ولا تمثيل ولا تجسيم.\n٢ - المخلوقات دالة على الخلاق العظيم، ومن بدأ الخلق يعيده ولا عجب.\n٣ - المشركون يستعجلون عذاب الله تحديًا وعنادًا وتكذيبًا، والله أعلم وأكبر من كل شيء.\n٤ - لكل إنسان قرين من الجن وقرين من الملائكة. فالشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، والمَلَكُ يبثُّ الأمل ويحث على الطاعة.\n٥ - السحاب الثقال هي الثقيلة بالماء. والرعد ملك من الملائكة موكل بالسحاب.\n٦ - مثل الحق كالماء الصافي والذهب الخالص، ومثل الباطل كالزبد المضمحل.\n٧ - الجنة لمن استجاب للحق، والنار لمن لم يستجب.\n٨ - المؤمن: مصل، منفق، خاشع، صابر، محسن لمن يسيء إليه.\n٩ - المعجزات لا تنفع قومًا صمّوا آذانهم عن الهدى وأقفلوا قلوبهم عن الحق.\n١٠ - قلوب المؤمنين تسكن وتطمئن عند ذكر الله.\n١١ - القرآن أفضل الكتب السماوية المتقدمة، لإعجازه الجن والإنس، ومن ابتغى الهدى في غير هذا القرآن أضله الله وأخزاه.\n١٢ - المتبع أهواء الكافرين ما له من نقمة الله من واق.\n١٣ - أم الكتاب: هي علمه تعالى الذي لا يتغير ولا يمحى.\n١٤ - ليس لأحد أن يتعقب حكم الله فيرده لقول أحد من خلقه.\n١٥ - شهادة الله لنبيه محمد - ﷺ - بالرسالة والنبوة كافية كاملة، وهي فوق كل شهادة.\n° ° °","vol":"4","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>١٤ - سُوْرَةُ إِبْرَاهِيمَ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>موضوع السورة</span>\nملة الخليل إبراهيم، ملة التوحيد لله والتعظيم والنصر للمؤمنين والخزي للكافرين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-138> منهاج السورة </span>-\n١ - انتصار الله تعالى للقرآن العظيم، الذي يخرج الناس بإذن الله الملك من الظلمات إلى النور المبين.\n٢ - الكفار اختاروا الدنيا على الآخرة، وصدوا عن سبيل الله، وهم أهل الضلال البعيد.\n٣ - حكمة الله في إرسال كل رسول بلغة قومه لإقامة حجته تعالى عليهم.\n٤ - إرسال الله نبيّه موسى بآياته، وتذكيره قومه بأنعم الله عليهم.\n٥ - قضاء الله مقابلة شكره بمزيد عطائه، وهو سبحانهُ الغني الحميد.\n٦ - إخبار الله تعالى عن أقوام سالفة تتابعوا على تكذيب الرسل، وقابلهم رسلهم بالصبر والتوكل على الله، حتى نزل نصر الله.\n٧ - استكبار الكافرين وتهديدهم لرسلهم، والخزي والنكال والدائرة عليهم، وأعمال الكفار كالرماد تحمله الريح العاصفة لا انتفاع لهم بها في الآخرة.","vol":"4","page":247},{"text":"٨ - تنبيه الله العباد على قدرته العجيبة بخلق السماوات والأرض، وأنه لو شاء أهلكهم وجاء بغيرهم.\n٩ - تصوير الله خروج الكفار للحشر، وتقابل الرؤساء والضعفاء في مشهد الذل، والمؤمنون في جنات النعيم.\n١٠ - مثل الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة، وقلوب العباد بيد الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعدله وحكمته.\n١١ - تغيير الكفار نعمة الله على أقوامهم بجحدهم النبوة، وإصرارهم على الشرك باللهِ، ومآلهم إلى نار الجحيم.\n١٢ - أَمْرُ الله عبادهُ بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق في سبيل الله قبل مجيء يوم انعدام البيع والصحبة.\n١٣ - نعم الله على العباد لا يمكن إحصاؤها، وإن الإنسان لظلوم كفار.\n١٤ - دعوة أبينا إبراهيم - ﵇ - بجعل البلد الحرام آمنًا وتجنيبه وولده عبادة الأصنام، وجعل الأفئدة من الناس تهوي قلوبهم قصد البيت الحرام، وببسط الرزق عليهم من كل مكان.\n١٥ - تسلية الله نبيّهُ بأنه تعالى غير غافل عما يمكر الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم الخزي والندامة الواقع بالمجرمين.\n١٦ - وَعْدُ الله نبيّه النصر الأكيد المبين، واللهُ عزيز ذو انتقام.\n١٧ - نَعْتُ الله تعالى يوم تبدل السماوات والأرض، للقيامِ ليوم الحشر.\n١٨ - المجرمون يوم الحساب مصفّدونَ بالأغلال، وسرابيلهم من قطران، وتغشى وجوههم النار.\n١٩ - كل نفس يوم القيامة بما كسبت رهينة، واللهُ سريعُ الحساب.\n٢٠ - هذه السورة تحمل النذارة للناس ليتداركوا أنفسهم بإفراده تعالى بالعبادة والتعظيم، قبل أن ينزل بهم العقاب الأليم.\n° ° °","vol":"4","page":248},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: انْتِصارُ الله تعالى للقرآن العظيم، الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور المبين، بإذن الله مالك السماوات والأرض وللكافرين عذاب أليم. الذين اختاروا الدنيا على الآخرة ومضوا يصدون الناس عن سبيل الله يبغون إشاعة الكفر والفواحش في الأرض، أولئك أهل الضلال البعيد.\nوقوله: ﴿الر﴾. قد سبق القول في الحروف المقطعة أوائل السور، وأن فيها بيانًا لإعجاز هذا القرآن المؤلف من جنس هذه الأحرف، ولا يستطيعُ أحد أن يُرَكِّبَ من مثل هذه الحروف سورة من مثله.\nوقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾. تاكيد للمعنى السابق، وانتصار لهذا القرآن، أنزله اللهُ عليكَ - يا محمد - فهو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، واختار لحملهِ وتلقيه منه أشرف رسول، بعثهُ الله تعالى إلى العالمين، وختم به النبوة والرسالة إلى الثقلين.\nوقوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: لتهديهم به من ظلمات الضلالة والكفر، إلى نور الإيمان وضيائه، وتُبَصِّرَ به أهل الجهل والعمى سُبل الرَّشاد والهُدَى).","vol":"4","page":249},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].\n٤ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].\nقال ابن القيم ﵀: (فأولياؤهم يعيدوهم إلى ما خلقوا فيهِ من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرقَ لهم نورُ النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم، فذلكَ إخراجهم من النور إلى الظلمات) (١).\nوفي صحيح السنة في مفهوم النور والظلمة أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقهُ في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلكَ النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ] (٢).\nالحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه من حديث عياض، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: إني خلقتُ عبادي حنفاءَ كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزِل بهِ سلطانًا] (٣).\n_________\n(١) انظر \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" ص (٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦ - ١٩٧)، وابن حبان (١٨١٢)، والحاكم (١/ ٣٠)، وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٧٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٦٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٦٦).","vol":"4","page":250},{"text":"قلت: فالظلمة هي ظلمةُ الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات.\nوالنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانهُ على عباده بِنَعْمانَ وهو واد إلى جنب عرفات.\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [أخذ اللهُ ﵎ الميثاق من ظهر آدم بِنَعمان - يعني عرفة - (وفي رواية: يوم عرفة). فأخرج من صُلْبِهِ كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديهِ كالذر ثم كلمهم قُبُلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾] (١).\nووَحَّد سبحانه لفظ النور، وجمع الظلمات، لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، مما يدل على شرف النور وتفرد الحق، وانتشار الباطل وتشعبه.\nوقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\nإشارة إلى المشيئة الإذنية: وهي المشيئة المرتبطة بعلم الله وعدله وحكمته، فما أحد اختار الإيمان رغم مشيئة الله، ولا أحد اختار الكفر رغم مشيئة الله، بل الكل داخل في اختيارهِ تحت مشيئتهِ سبحانه.\nكما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، يعني بتوفيق ربهم لهم بذلكَ ولطفهِ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٩١)، والحاكم عن ابن عباس مرفوعًا، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٢٣).","vol":"4","page":251},{"text":"بهم، ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ﴾، يعني: إلى طريق الله المستقيم، وهو دينهُ الذي ارتضاهُ، وشَرَعَهُ لخلقه).\nوقوله: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ - أي ملكًا وخلقًا وتصريفًا وتدبيرًا. قرأه قراء المدينة والشام برفع اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ على الابتداء، وقرأهُ قراء العراق والكوفة والبصرة بالخفض: ﴿اللَّهِ﴾ على البدل، وكلاهما قراءتان مشهورتان،\nوقولهُ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.\nتَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ للكفار من سوء العذاب يوم القيامة. قال الزجاج: (﴿وَوَيْلٌ﴾ هي كلمة تقال للعذاب والهلكة).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ - نَعْتٌ لأولئك الكفار، إذ اختاروا الحياةَ الفانية في هذه الدار الزائلة، على الحياة الأبدية السرمدية في الدار الآخرة الباقية، ولم يكتفوا بكفرهم وجنايتهم على أنفسهم، بل استطالوا على أهل العلم والحق لصدهم عن الدعوة إلى الله، مستخدمينَ بذلكَ كل أساليب الظلم والمكر لصد الناس عن سبيل الله ودينه الحق. قال القرطبي: (﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي يطلبون لها زَيْغًا وميلًا لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. أي في ذهاب عن الحق بعيد، وجور عن قصد السبيل، وتخبط في الظلمات والأهواء والفتن.\n٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تقديرُ الله تعالى حكمتهُ في إرسال كل رسول بلسان قومه ولغتهم ليبينَ لهم ويقيم عليهم حجة الله البالغة، فمن اهتدى فبتوفيق الله له ومن ضلّ فبعقوبة الله له واللهُ عزيز حكيم. وإِخْبارُ الله سبحانه عن إرساله نبيّه موسى ﵇ بآياته","vol":"4","page":252},{"text":"ليخرج قومه من الظلمات إلى النور، وليذكرهم بأنعم الله عليهم، وفي هذا التذكير دلالات لكل صبار شكور.\nفقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (هذا مِنْ لُطْفِهِ تعالى بخلقه أَنَّهُ يرسل إليهم رُسُلًا منهم بلغاتهم لِيفهمُوا عنهم ما يريدونه وما أُرسلوا به إليهم).\nوعن قتادة: (﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، الذي أرسل إليهم، ليتخذ بذلكَ الحجة).\nوفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لم يبعث الله تعالى نَبِيًّا إلا بلغةِ قومهِ] (١).\nوقوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nقال النسفي: (﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من آثر سبب الضلالة، ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ من آثر سبب الاهتداء ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يغالب على مشيئته ﴿الْحَكِيمُ﴾ فلا يخذل إلا أهل الخذلان).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.\nقال مجاهد: (﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾، قال: التسع البيّنات). وفي لفظ قال: (التسع الآيات، الطوفان وما معه).\nوعن ابن عباس: (﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، يقول: من الضلالة إلى الهدى).\nوقوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه﴾. قال مجاهد: (بأنعم الله)، أو قال: (بنعم الله)، وقال: (بالنعم التي أنعم بها عليهم، أنجاهم من آل فرعون، وفلق لهم البحر، وظلَّلَ عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسَّلوى).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.\nقال قتادة: (نعم العبد عبدٌ إذا ابتلي صبر، وإذا أُعطيَ شكر).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجهُ أحمد (٥/ ١٥٨)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١١٠٩٥): (رجاله رجال الصحيح). والحديث يشهد له القرآن - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥٠٧٣).","vol":"4","page":253},{"text":"وقال الشعبي: (الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شُكْر).\nقال القرطبي: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في التذكير في أيام الله ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي دلالات ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي كثير الصبر على طاعة الله، وعن معاصيه. ﴿شَكُورٍ﴾ لنعم الله).\nقال: (وإنما خصَّ بالآيات كل صبار شكور، لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وإن كان منذِرًا للجميع).\nومن كنوز صحيح السنة في مفهوم ودلالة هذه الآية، أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الدارمي في سننه، وأحمد في مسنده، بسند صحيح، عن صهيب قال: [بينما رسول الله - ﷺ - قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبتُ لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان لهُ خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (١).\nالحديث الثاني: أخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وأبو يعلى بسند رجاله ثقات عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبًا للمؤمن لا يقضي اللهُ لهُ شيئًا إلا كانَ خيرًا له] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطيالسي والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [عجبتُ للمسلم إذا أصابتهُ مصيبةٌ احتسب وصبر، وإذا أصابه خير حمدَ الله وشكر، وإنّ المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند حسن عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الدارمي (٢/ ٣١٨)، وأحمد (٦/ ١٦)، وسنده صحيح على شرط مسلم، وقد أخرج مسلم في صحيحه (٨/ ٢٢٧) نحوه، وهو رواية لأحمد (٤/ ٣٣٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٥/ ٢٤)، وأبو يعلى (٢٠٠/ ٢)، ورجاله ثقات، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٨).\n(٣) أخرجه الطيالسي (٢١١) بإسنادٍ صحيح. وانظر صحيح الجامع (٣٨٨١)، ورواه البيهقي وغيره.\n(٤) أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، وابن ماجه (٤٠٣١)، وسنده حسن. وانظر: \"الصحيحة\" (١٤٦).","vol":"4","page":254},{"text":"٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تَذْكِيرُ موسى ﵇ قومه بنعمة الله الكبيرة عليهم في نجاتهم من فرعون وجنده، الذين كانوا يذيقونهم سوء العذاب ويذبحونَ أبناءهم ويستبقون نساءهم، وفي ذلكم اختبار من الله شديد. وَقَضَاءُ الله تعالى بمقابلة شكره بمزيد عطائه ومقابلة جحد نعمه بالحرمان والعذاب الشديد. وإِعْلانُ موسى ﵇ لقومهِ أن الله تعالى غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود ولو كفر جميع خلقه، فإنما مردّ الكفر على أهله.\nفعن ابن عيينة: (﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، أياديَ الله عندكم وأيَّامه).\nوقوله: ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. أي: حين أنجاكم من أهل دين فوعون وطاعته.\nوقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. أي: يذيقونكم أذل العذاب وأصعبه، حين كانوا يذبحون مَنْ وجد من أبنائكم، ويستبقون إناثكم.\nوقد وردت الآية في سورة البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾، وفي الأعراف: ﴿يُقْتِّلُونَ﴾ بلا واو، وهنا في سورة إبراهيم جاءت مع الواو، فيكون التذبيح هنا زائدًا على جنس العذاب، في حين يكون مفسرًا له حيث ورد بلا واو.\nوقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. أي: اختبار عظيم، وبلاء شديد.\nوقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. أي قضى سبحانهُ زيادة نعمه للشاكرين.","vol":"4","page":255},{"text":"قال ابن زيد: (﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: وإذ قال ربكم، ذلك \"التأذن\").\nقال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾، أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم. ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعِزَّته وجَلاله وكبريائه، كما قال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. وقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها).\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.\nأي: وإن جحدتم النعم ولم تؤدوا شكرها قابلكم ربكم بحرمانها أو بتسليط العذاب عليكم، فإن النعم تُقابل بالشكر لا بالتمرد والعصيان.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ليرضى عن العبد أن يأكلَ الأكلةَ فيحمده عليها، ويشربَ الشربةَ فيحمدهُ عليها] (١).\nالحديث الثاني: أخرجَ أبو داود بسند صحيح عن أبي أيوب الأنصاري، قال: [كان رسول الله - ﷺ -، إذا أكل أو شرب، قال: الحمدُ لله الذي أطعم وسقى، وسَوَّغَه وجعلَ له مَخْرَجًا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي أمامة قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا رُفعت المائدة قال: \"الحمدُ لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غيرَ مَكْفِيٍّ، ولا مُوَدَّعٍ، ولا مستغنى عَنْهُ، ربُّنا\"] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا استجدَ ثوبًا سماهُ باسمه: إما قميصًا أو عمامة، ثم يقول: اللهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم - في الصحيح (٨/ ٨٧) -. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٣٠٥) كتاب الأطعمة، باب: في الحمد لله على الأكل والشرب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجهُ أبو داود (٣٨٥١)، كتاب الأطعمة، باب ما يقول الرجل إذا طعم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٢٨٤)، كتاب الأطعمة، باب ما يقال إذا فرغ من الطعام.","vol":"4","page":256},{"text":"لكَ الحَمْدُ أَنْتَ كسوتَنيهِ، أَسألُك مِنْ خَيْرِه وخَيْرِ ما صُنِعَ له، وأعوذُ بك من شرِّه وشَرِّ ما صنِعَ له] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\nالمقصود: أن الله تعالى غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود ولو كفر جميع خلقهِ، فإنما مردَّ الكفر على أهله.\nيروي ابنُ جرير بسندهِ عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي: (﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾، قال غني عن خلقه، ﴿حَمِيدٌ﴾، قال: مُسْتَحْمِدٌ إليهم).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ [التغابن: ٦].\nوفي صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ - أنه قال: [يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركُمْ وإِنْسَكُمْ وجِنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلكَ في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإِنْسَكُمْ وجِنَّكُمْ كانوا على أفجرِ قلب رجل منكم ما نقصَ ذلكَ في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكُم وآخِركم وإِنْسَكُم وجِنكم قامُوا في صَعيدٍ واحِدٍ فسَأَلُوني فأعطيتُ كُلَّ واحد مَسْألته. ما نقص ذلكَ من مُلكي شيئًا، إلا كما ينقصُ المِخيَطُ إذا أُدْخِلَ في البحر. . .] الحديث (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: إذا أحب عبدي لقائي أحببتُ لقاءه، وإذا كره لقائي كرهتُ لقاءه] (٣). ورواهُ البخاري والنسائي.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٤٠٢٠)، كتاب اللباس، وأخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (١٨٣٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري (٧٥٠٤)، كتاب التوحيد، ورواهُ أحمد والنسائي ومالك في الموطأ وغيرهم. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤١٧٩).","vol":"4","page":257},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: يا ابن آدم! مهما عَبَدْتني ورجوتني ولم تُشركْ بي شيئًا غفرتُ لكَ على ما كان مِنْكَ، وإن استقبلتني بملءِ السماء والأرض خطايا وذُنوبًا استقبلتكَ بملئِهنَّ من المغفرة، وأغفِرُ لكَ ولا أُبالي] (١).\n٩ - ١٢. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى عن أقوام سالفة لا يعلم عددهم إلا الله رَدُّوا رسلهم بعدما جاؤوهم بالحجج البينات والدلائل القاطعات، وواجهوهم بالتشكيك والتكذيب، وطالبوهم بالمعجزات والخوارق، فقابلهم الرسل بالصبر على الأذى والتوكل على الله، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.\nفقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ - خبر من الله تعالى عن هذه الأقوام المكذبة للرسل - قوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم - لا يعلم ولا يحصي عددهم إلا الله.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر تخريج: \"مشكاة المصابيح\" (٣٣٦٥)، وانظر المرجع السابق (٤٢١٧).","vol":"4","page":258},{"text":"وقوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. قال ابن جرير: (يعني بِحُجَجٍ ودلالاتٍ على حقيقة ما دعوهم إليه معجزات).\nوقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ - فيه أكثر من تأويل محتمل:\nالتأويل الأول: عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، قال: (عضوا عليها تَغَيُّظًا). أو قال: (عضوا على أناملهم). أو قال: (عضوا على أطراف أصابعهم).\nوقال ابنُ زيد: (أدخلوا أصابعهم في أفواههم. وقال: إذا اغتاظ الإنسان عضَّ يده).\nالتأويل الثاني: عن ابن عباس: (﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، قال: لما سمعوا كتاب الله عجِبوا، ورَجعوا بأيديهم إلى أفواههم).\nالتأويل الثالث: عن مجاهد: (﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، قال: ردوا عليهم قولهم وكذّبوهم). وقال قتادة: (كذبوا رسلهم وردّوا عليهم ما جاؤوا به من البينات، وردّوا عليهم بأفواههم، وقالوا: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾).\nوقوله: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾\nإخْبَارٌ عن قيل أولئك الأقوام الذين صرحوا لرسلهم بكفرهم بما أرسلوا به، يقولون: لسنا مصدقين لكم فيما جئتم به، بل عندنا شك قوي فيما تدعوننا إليه.\nوقوله: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يحتملُ شيئين في التأويل:\n١ - أفي وُجود اللهِ شك؟ وقد جُبلت الفِطر على الإقرار بوجوده، فإن عرض لها اضطراب فذكرتهم الرسل بما يدلُ عليه ويوصل إليه وهو أنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ - مبدعهما وموجدهما ومن فيهما، إذْ لا بُدَّ لذلكَ من صانع، ألا وهو الله لا إله إلا هو.\n٢ - أفي إلاهِيَّتهِ وتفرّده بالعبادة والتعظيم شك؟ فإن تفرّده بالخلق والملك والتدبير، يقتضي تفرده بالتعظيم والدعاء والعبادة.\nوقوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\nقال القاسمي: (أي: يدعوكم إلى الإيمان بإرساله إيانا، لا أنَّا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهمه قولكم ﴿تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى","vol":"4","page":259},{"text":"أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يمتعكم متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى).\nوقال ابن جرير: (يقول: يدعوكم إلى توحيدهِ وطاعته\" ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، يقول: فيستر عليكم بعضَ ذنوبكم بالعفو عنها، فلا يعاقبكم عليها، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾، يقول: وينسئ في آجالكم، فلا يعاقبكم في العاجل فيهلككم، ولكن يؤخركم إلى الوقت الذي كتَبَ في أمّ الكتاب أنه يقبضكم فيه، وهو الأجل الذي سمّى لكم).\nوفي التنزيل: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣].\nوقوله: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.\nأجابهم القوم: ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا في الصورة والهيئة، ولستم ملائكة أو خلقًا خارقًا، ومن ثمَّ فلا فضلَ بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا، فلم تُخصونَ بالنبوة والرسالة دوننا، وإنما تريدون صرفنا عن عبادة ما كان يعبدهُ آباؤنا من الأوثان، فأتونا بحجة بينة تثبت صدق ما تدعوننا إليه.\nقال النسفي: (﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة بينة، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتًا ولجاجًا).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\nإِخْبَارٌ عن إجابة رسلهم لهم، قالوا: صحيح أنّا بشرٌ مثلكم، وإنما يمنّ اللهُ بالرسالة والنبوة على من يشاء من عباده، فيصطفي لذلكَ من شاء من خلقه، ولا طاقة لنا كبشر على استحضار الآيات والمعجزات إلا بإذن الله لنا وتقديرهِ وتوفيقه، وما ثقتنا إلا باللهِ، عليهِ نتوكل وبه نستعين، شأن جميع المؤمنين.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.\nهو من تمام قيل الرسل لأممها: وَلمَ الا نثقُ كُلَّ الثقة بالله، ونستجير برحمته ونستعين بعنايته وكفايته ونصره، وهو الذي عَرَّفنا سبيل النجاة من سخطهِ وعذابه، وطريق السعادةِ في الدنيا والآخرة، وإنا سنتابعُ الطريق في دعوته متحمِّلين كل ألوان","vol":"4","page":260},{"text":"الأذى وما تلقوننا به من المكروه والمكر، وإنما يتوكل على الله المتوكلون.\n١٣ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: اسْتِكْبَارُ الكافرين وتهديدهم لرسلهم، وتَثْبِيتُ الله المرسلين بأن الدائرة ستكونُ على معانديهم، الخزي في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة. إنما مثل أعمال الذين كفروا بربهم وكذبوا رسله كالرماد تحمله الريح العاصفة فتنثره لا يقدرون على جمعه، وكذلك يجد الكافرون أعمالهم يوم القيامة هباءً منثورًا لا سبيل للانتفاع بها أحوج ما يحتاجون إلى نفعها.\nفقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.\nهو نَعْتُ صنيع الأمم بوسلها بعد التكذيب والعناد، فهم يلجؤون إلى التضييق والتهديد إن لم يحصل للملأ الكافر الانقياد، وقد وصف الله هذا المسلك من الطغاة عبر الزمان في آيات كثيرة:\n١ - قال تعالى - في شأن شعيب وتكذيب قومه له -: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨].\n٢ - وقال تعالى - في شأن لوط وتكذيب قومه له -: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦].\n٣ - وقال تعالى - في شأن نبينا محمد - ﷺ - مع قومه -: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦].","vol":"4","page":261},{"text":"وقال أيضًا: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].\nوقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾.\nهو فَصْلُ الأمر من الله تعالى تجاه مكر القوم والملأ الكافر برسولهم، بأنه تعالى سيهلك القوم الذين ظلموا وطغوا وأفسدوا في البلاد، وحاربوا الرسل وهم يدعونَ إلى دين الواحد الأحد.\nوقوله: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ - هو من تمام وعد الرحمن للمؤمنين الصابرين.\nقال قتادة: (وعدهم النصرَ في الدنيا، والجنة في الآخرة).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾. قال القرطبي: (أي مقامه بين يديّ يوم القيامة). والوعيد: الاسم من الوعد.\nقال الأخفش: (﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ أي عذابي، ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي القرآن وزواجره).\nوقيل: (﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ أي قيامي عليه، ومراقبتي له). كما في التنزيل: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.\nقال مجاهد: (﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾، قال الرسل كلها. يقولى: استنصروا، ﴿عَنِيدٍ﴾، قال: معاند للحق مجانبه). قال القرطبي: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي واستنصروا. أي أُذِن للرسل في الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم).\nقال ابن عباس: (كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرُونهم ويكذبونهم، ويدعونهم إلى أن يعودوا في مِلَّتهم، فأبى اللهُ ﷿ لرسلهِ وللمؤمنين أن يعودُوا في مِلّةِ الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يُسْكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز الله لهم ما وعدهم، واستفتحوا كما أمرهم أن يستفتحوا، وخاب كل جبار عنيد).\nقال إبراهيم: (﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، قال: هو الناكب عن الحق). وقال قتادة: (\"الجبار العنيد\"، الذي يأبى أن يقول: لا إله إلا الله).","vol":"4","page":262},{"text":"وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾.\nأي: وراء هذا الكافر جهنم بعد هلاكه، وشرابه ماء كالصديد وهو ما يسيلُ من أجسام أهل النار من القيحِ والدم. قال قتادة: (والصديد: ما يسيل من لحمه وجلده).\nوعن مجاهد: (﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ قال: قيح ودم)، وقال الضحاك: (يعني بالصديد: ما يخرج من جوف الكافر، قد خالط القيح والدم).\nوقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾.\nأي: يتحسَّاه جُرَعًا لا مرة واحدة لمرارته وحرارته، ولا يكاد يبتلعه لشدةِ أذاه، بل يتغصَّصُه ويتكرّهه.\nوقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.\nقال ابن عباس: (أنواع العذاب التي يُعذِّبهُ اللهُ بها يوم القيامةِ في نار جهنم، وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكن لا يموتُ، لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]).\nوعن ميمون بن مِهران: (﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾، قال: مِنْ كُلِّ عظم، وعِرْقٍ، وعَصَبٍ).\nوقال عكرمة: (حتى من أطراف شعره). وقال إبراهيم التيميّ: (من موضع كل شعرة، أي: من جَسَدِه، حتى من أطراف شعره). وقال ابن جرير: (أي: من أمامه وورائه، وعن يمينهِ وشماله، ومن فوقِه ومن تحتِ أرجُلِه، ومن سائر أعضاء جسده).\nوقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾. أي: وله بعد ما هو فيه من سوء الحال، عذاب أغلظ وأشد. قال ابن كثير: (أي: وله من بعد هذا الحال عذابٌ آخرُ غليظٌ، أي: مؤلم صعب شديدٌ أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمرُّ. وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤ - ٦٨]. فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارةً يردون إلى الجحيم، عياذًا باللهِ من ذلك).","vol":"4","page":263},{"text":"وفي التنزيل أيضًا:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٥ - ٥٨].\nوفي صحيح مسلم من طريق النعمان بن بشير مرفوعًا: [إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغهُ كما يغلي المرجل، ما يَرى أن أحدًا أشدُّ منهُ عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا]. ورواه البخاري (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: الذين كفروا بربهم وعبدوا غيره، فأعمالهم يوم القيامةِ كرماد اشتدت به الريح في يومٍ عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم، كما لا يُقْدَر على الرماد إذا أُرْسِلَ في يوم عاصف).\nوعن ابن جريجٍ: (﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾، قال: حملتهُ الريح في يومٍ عاصف).\nوالمقصود: هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عظموا غيره سبحانهُ، أو أشركوا في عبادته، وكذبوا رسله، فإنهم يرون أعمالهم التي ظنوا أنها تنفعهم كالرماد تحمله الريح العاصفة فتنثره لا يقدرون على جمعهِ في ذلكَ اليوم، وكذلكَ أعمالهم يجعلها اللهُ هباءً منثورًا، ولا يقدرونَ على الانتفاع بها يوم الحساب أحوج ما يحتاجون إلى ذلك.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري - حديث رقم - (٦٥٦١) - (٦٥٦٢) - كتاب الرقاق - ومختصر صحيح مسلم، حديث رقم، (٩٩) - (١٠٠).","vol":"4","page":264},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤].\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله لا يظلم مُؤمِنًا حَسَنَةً يُعطي بها في الدنيا ويَجْزِي بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطْعَمُ بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنةٌ يُجْزَى بها] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ - إشارة إلى انحراف سعيهم عن منهج النجاة، وكون أعمالهم على غير أساس واستقامة، ففقدوا الثواب، وبطل العمل وحصل الندم وانقطع الأمل.\n١٩ - ٢٠. قوله تعالى: \" ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيه الله تعالى على قدرته العجيبة في خلق السماوات والأرض ليدرك العباد ضعفهم وعجزهم، وأنه تعالى لو شاء أهلكهم وذهب بهم وجاء بغيرهم، وما ذلكَ عليه بعزيز.\nفقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ - إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى وثبوت المعاد.\nقال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا على مَعاد الأبدان يوم القيامة، بأنه خلق السماوات التي هي أكبرُ من خلقِ الناس، أفليس الذي قَدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتّساعها وعَظَمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلِفات، والآيات الباهرات، وهذه الأرضُ بما فيها من مهادٍ ووهادٍ، وأوتادٍ وبَرَاريَّ وصحارَى وقفار، وبحار وأشجار، ونبات وحيوانٍ، على اختلاف أصنافها ومنافِعها، وأشكالها وألوانها، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨)، كتاب صفات المنافقين. باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.","vol":"4","page":265},{"text":"وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣]).\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: كذبني ابنُ آدم، ولم يَكُنْ له ذلكَ، وشتمني، ولم يكن لهُ ذلك، فأما تكذيبهُ إيايَّ فزعمَ أني لا أقدِرُ أن أعيدَهُ كما كانَ، وأما شَتْمُهُ إيايَ، فقولهُ: لي ولد، فسبحاني أن أتّخِذَ صاحبة أو ولدًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [قال اللهُ تعالى: يؤذيني ابنُ آدم، يقول: يا خيبةَ الدهر! فلا يقولنَّ أحدُكم: يا خيبة الدهر! فإني أنا الدهرُ، أقلِّبُ ليلهُ ونهارهُ، فإذا شئتُ قبضتهما] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.\nقال النسفي: (أي هو قادرٌ على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقًا آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم إعلامًا بأنه قادرٌ على إعدام الموجود وإيجادِ المعدوم ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بمتعذر).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٧].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٤٨٢) - كتاب التفسير - باب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦].\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧/ ٤٥) من حديث أبي هريرة. انظر مختصر صحيح مسلم (١٨١٣) - كتاب البر والصلة - باب: النهي عن سبّ الدهر.","vol":"4","page":266},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣].\n٤ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].\nوكذلكَ قال القرطبي: (﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أفضل وأطوع منكم، إذ لو كانوا مثل الأولين فلا فائدةَ في الإبدال. ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي منيع متعذر).\n٢١ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تصوير الله خروج الكفار من قبورهم ليوم الحشر، وتقابل الأتباع الضعفاء مع المتبوعين المستكبرين الرؤساء، وتبرؤ الكبراء من الضعفاء، وكذلكَ تبرؤ الشيطان من أتباعه، والظالمون في عذاب أليم، والمؤمنون في جنات النعيم.\nفقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. قال ابن جرير: (وظهر هؤلاء الذين كفروا به يوم القيامةِ من قبورهم، فصاروا بالبَراز من الأرض ﴿جَمِيعًا﴾ يعني كلهم).\nوقوله: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.","vol":"4","page":267},{"text":"قال ابن جريج: (﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾، قال الأتباعُ، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾، قال: للقادة). أي: قال التُّباع - حين برزوا لله جميعًا للحساب - للمتبوعين الطغاة المتكبرين عن اتباع الرسل وإقامة دين الله وشرعه في الأرض والحكم به، إنا كنا لكم تبعًا في الدنيا نمضي بأمركم وننفذ مكركم، فهل أنتم دافعون عنا اليوم من عذاب الله من شيء.\nوقوله: ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾.\nقال النسفي: (أي لو هدانا اللهُ إلى الإيمانِ في الدنيا لهديناكم إليهِ، أو لو هدانا اللهُ طريق النجاةِ من العذابِ لهديناكم أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاةِ كما سلكنا بكم طريق الهلكة).\nوقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾.\nأي: إن الجزع والصبر سواء في حق من كتب اللهُ عليه النار، إذ لا منجى ولا ملجأ ولا مهرب من أمر الله الذي قد قضاه على الكافرين، وهذه المراجعة يمكن أن تكونَ قبل دخولهم النار وبعده.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧، ٤٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾ [الأعراف: ٣٨، ٣٩].","vol":"4","page":268},{"text":"وقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾.\nتَنَصُّلٌ من إبليس اللعين، من أتباعهِ الذين أطاعوه وكانوا من حزبهِ المشين، بعد أن قُضي الأمر ودخلَ أهل الجنة الجنةَ وأهل النار الجحيم، فخاطب الأتباع: إن الله وعدكم معشر الأتباع النار، ووعدتكم النصرة والتأييد والدفاع عنكم، فأخلفتكم وعدي، وصدق اللهُ وعده لكم. قال النسفي: (﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ كذبتكم).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. أي: وما كان لي عليكم من تسلط واقتدار لأجبركم على شيء مما دعوتكم إليه، وإنما هي وسوستي لكم، وتزييني لضلالكم وانحرافكم فأسرعتم في إجابتي وتركتم تحذير الله لكم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾؛ ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾. فلا تلقوا اللوم عليّ بل لوموا أنفسكم إذ جئتموني من غير حجة.\nوقوله: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾.\nأي: ما أنا بمغيثكم، ولا أنتم بمغيثيَّ من عذاب الله فمنجيَّ منه. وفي كلام العر: أصْرَخْتُ الرجل إذا أغثتُه. والمُصْرِخ المغيث.\nوقوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾.\nقال ابن جريج: (إني كفرتُ اليوم بما كنتم تدعونه في الدنيا من الشرك باللهِ تعالى).\nوقال قتادة: (إني عصيت الله). وقال الثوري: (كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا).\nوقوله: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nيقول: إن الكافرين بالله والمشركين في عبادته لهم عذاب يوم القيامة مؤلم موجع.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.\nذِكْرٌ للصورة المقابلة، وَعَطْفٌ على ذكر حال الأشقياء وما آلوا إليهِ من سوء المستقر في دار الخزي والنكال، بذكر حال السعداء وحسن مستقرهم في جنات النعيم","vol":"4","page":269},{"text":"التي تجري تحتها أنهار الماء والعسل واللبن والخمر لذة للنظر والشاربين، ماكثين فيها لا يحولون عنها ولا يزولون، والملائكة يدخلون عليهم ويحيونهم بالسلام.\nقال ابن جريج: (﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾: الملائكة يُسلِّمون عليهم في الجنة).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥].\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البزار والطبراني بسند جيد عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: [السلامُ اسمٌ من أسماء الله وضعهُ في الأرض، فأفشُوه بينكم، فإن الرجل المسلِمَ إذا مَرَّ بِقَومٍ فسَلَّمَ عليهم فردُّوا عليه، كان له عليهم فضل درجةٍ، فإن لم يردوا عليه ردّ عليهِ من هو خيرٌ منهم وأطيب] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند، والشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: أخلق اللهُ ﷿ آدَمَ على صورته طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب فسلِّم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحيةُ ذريتك. قال: فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلامُ عليكَ ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله. قال: فكلُ من يدخلُ الجنةَ على صورة آدم طوله ستون ذراعًا. فلم يزل ينقص الخلق بعده حتى الآن] (٢).\n_________\n(١) حديث حسن لشواهده. أخرجه البزار (١٩٩٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠٣٩٢)، وإسناده جيد، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٨٩٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٢٦)، كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلك (٦٢٢٧)، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام. وأخرجه مسلم (٢٨٤١)، كتاب الجنة ونعيمها، ورواه أحمد.","vol":"4","page":270},{"text":"٢٤ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: شبه سبحانهُ الكلمة الطيبة بأنها لشدة ثبات جذورها وتأثيرها في قلوب الناس لا تزال تثمر في حياتهم وقلوبهم، كالشجرة الطيبة التي لا تزالُ تؤتي أكلها في كل موسم وحين، فيُذكر صاحب الكلمة الطيبة بالإحسان والخير في كل وقت وحين. وأما الكلمةُ السيئة والأسلوب المؤذي فلا يزال يتركُ أثرًا سيئًا يُذكر صاحبه بسوء الخلق حتى لو كان عنده من العلم الكثير، فلا يجد في قلوب الناس مكانًا فَيُجْتَثُّ من حياتهم ويخرج من قلوبهم كما تُجتَثُّ الشجرة المؤذية من طريق الناس وتستأصل من جذورها.\nفمن كان من أهل الكلمة الطيبة التي أعلاها \"لا إله إلا الله\" ثبّته الله عند الغرغرة والاحتضار، وعند سؤال الملكين في القبر قبل الاستقرار، ومن كان جاحدًا لكلمة التوحيد يعيشُ على خلاف منهاجها أضلّه الله وأخزاهُ عند السؤال والامتحان، ليكون ذلك علامة سوء في الخاتمة وحرمان من الجنان، فقلوب العباد وأعمالهم بيد الله سبحانهُ يضل من يشاء ويهدي من يشاء بحكمته وعدله وعلمه ويفعل سبحانه ما يشاء.\nفعن ابن عباس: (﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾، قال: شهادةُ أن لا إله إلا الله، ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهو المؤمن، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: يُرفَعُ بها عمل المؤمن إلى السماء).\nوقال سعيد بن جبير ومجاهد: (إن ذلك عبارةٌ عن المؤمن، وقوله الطيِّب، وعمله الصالح، وإن المؤمن كالشجرة من النّخل، لا يزالُ يُرفع له عملٌ صالحٌ في كل حينٍ ووقتٍ، وصباح ومساء).\nوعن ابن عباس: (﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: هي شجرة في الجنة).","vol":"4","page":271},{"text":"وعن أنس وابن مسعود ﵄ قالا: (هي النخلة).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، وذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن نافع، عن ابن عمرَ قال: [كنا عند رسول الله - ﷺ - فقال: أخبروني بشجرة تُشبه - أو: كالرجل - المسلم، لا يتحاتُّ ورقُها وَلا وَلا وَلا، تؤتي أُكُلَها كُلَّ حين! قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النَّخلة، ورأيتُ أبا بكر وعمرَ لا يتكلمان فَكَرِهْتُ أَنْ أَتكَلَّم. فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله - ﷺ -: هيَ النخلة. فلمَّا قُمْنا قلتُ لِعُمَرَ: يا أبتاه، واللهِ لقد كانَ وقعَ في نفسي أنَّها النَّخْلةُ، فقال: ما مَنَعك أَنْ تَكَلَّم؟ قال: لم أَرَكُمْ تَكَلَّمُون، فكرِهْتُ أنْ أَتَكَلَّمَ أو أقولَ شيئًا. قال عمر: لأَنْ تكونَ قُلْتَها أَحَبُّ إليَّ من كذا وكذا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن من الشجرِ شَجَرةً لا يَسْقُط وَرَقُها، وإنها مَثَلُ المُسْلِم فحدِّثوني ما هي؟ فوقعَ الناسُ في شجرِ البوادي، قال عبد الله، ووقَعَ في نفسي أنها النخلة، فاسْتَحييتُ ثم قالوا: حدِّثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان عن مجاهد قال: [صحبتُ ابنَ عمر إلى المدينة، فلم أسمعهُ يحدِّث عن رسول الله - ﷺ - إلا حديثًا واحدًا، قال: كُنَّا عند النبي - ﷺ - فَأُتِيَ بِجُمَّار (٣) فقال: إنَّ مِنَ الشجر شجرةً مَثَلُها كَمَثَلِ المُسْلمِ. فأردت أن أقولَ: هي النَّخْلَةُ، فإذا أنا أصْغَرُ القَوْمِ فسكتُّ، قال النبي - ﷺ -: هِيَ النَّخْلَةُ] (٤).\nوخلاصة المعنى كما ذكر عطية العوفي: (﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾، قال: ذلكَ مثل المؤمن لا يزال يخرجُ منهُ كلامٌ طيبٌ وعمل صالح يَصْعَدُ إليهِ).\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري (٤٦٩٨)، كتاب التفسير، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٨١١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦١) - كتاب العلم - باب قول المحدّث: حدَّثنا وأخْبَرنا وأَنبأَنا، وانظر صحيح البخاري (١٣١)، ومسند أحمد (٢/ ٦١)، (٢/ ١٢٣)، وصحيح ابن حبان (٢٤٣).\n(٣) الجُمَّار: شحم النخل، ومنه يخرج الثمر.\n(٤) أخرجه البخاري (٧٢)، كتاب العلم، باب الفَهْم في العِلم. وانظر الحديث رقم (٢٢٠٩) منه، وأخرجه مسلم (٢٨١١)، وأحمد (٢/ ١٢)، وابن حبان (٢٤٤).","vol":"4","page":272},{"text":"وعن الربيع بن أنس قال: (﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾، قال: أصلُ عمله ثابتٌ في الأرض، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾، قال: ذكرُه في السماء).\nوقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (غُدوة وعشية). أو قال: (بُكْرةً وعشيًّا). قال: (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾، قال: يذكر الله كلّ ساعة من الليل والنهار).\n٢ - وقال الضحاك فيها: (المؤمن يطيع الله بالليل والنهار وفي كل حين).\n٣ - وقال الربيع بن أنس: (يَصْعَدُ عملهُ أولَ النهار وآخره). وقال: (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾، قال: تخرجُ ثمرتها كُلَّ حين. وهذا مثلُ المؤمن يعمل كل حين، كل ساعة من النهار وكل ساعة من الليل، وبالشتاء والصيف، بطاعة الله). وقال النسفي: (﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ بتيسير خالقها وتكوينه). قلت: وكذلكَ عمل المؤمن الصالح هو بتوفيق الله وتيسيره ومنّه وكرمه.\nوقيل الحين ستة أشهر أو سنة أو غير ذلك، وما سبق أعمّ من ذلك.\nوقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ويمثِّل الله الأمثال للناس، ويُشَبِّهُ لهم الأشباه، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، يقول: ليتذكروا حُجَّةَ الله عليهم، فيعتبروا بها ويتعظوا، فينزجروا عما هم عليه من الكفر به إلى الإيمان).\nوقوله: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾.\nقال أنس: (تلكم الحنظل، ألم تروا إلى الرياح كيف تُصَفِّقُها يمينًا وشمالًا).\nوقال مجاهد: (﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾، الحنظلة).\nقال ابن كثير: (هذا مثلُ كفرِ الكافرِ، لا أصلَ لهُ ولا ثباتَ، وشُبِّهَ بشجرةِ الحَنْظَلِ. ويقالُ لها: الشَّريان).\nقلت: والآية تشمل إضافة إلى كلام الكفر الفحش من القول والمنكر والبذيء، فإن صاحبه بعيد عن قلوب الناس لا أُنْسَ بلقائه ووجوده بينهم.\nوفي صحيح السنة المطهرة أحاديث في هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج العُقَيلي بسند حسن عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة مرفوعًا:","vol":"4","page":273},{"text":"[يا عائشة: إياك والفحشَ إياك والفحش، فإن الفحش لو كان رجلًا لكان رجل سوء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن سهل بن سعد، عن النبي - ﷺ - قال: [المؤمن يألف، ولا خيرَ فيمن لا يألفُ ولا يؤلف] (٢).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث جابر بلفظ: [المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس].\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه والبيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [خير الناس ذو القلب المحموم واللسان الصادق! قيل: ما القلب المحموم؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيهِ ولا بغي ولا حسد. قيل فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة. قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن] (٣).\nوقوله: ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾. قال قتادة: (استؤصلت من فوق الأرض). أي فما لهذه الشجرة الخبيثة المؤذية من قرار ولا أصل في الأرض تقوم عليه وتثبت بجذره، وكذلكَ كفر الكافر ومعصيتُه في الأرض. قال ابنُ عباس: (ضرب اللهُ مثل الشجرة الخبيثة كمثل الكافر. يقول: إن الشجرةَ الخبيثةَ اجتُثّت من فوق الأرض ما لها من قرار، يقول: الكافر لا يُقبل عمله ولا يصعد إلى الله، فليس لهُ أصلٌ ثابتٌ في الأرض، ولا فرعٌ في السماء. يقول: ليسَ له عمل صالح في الدنيا ولا في الآخرة).\nوقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. أي: يثبت الله المؤمنين على منهاج الإيمان باللهِ ورسوله محمد - ﷺ - في حياتهم الدنيا رغم تقلب الأحوال والفتن، ثم يثبتهم سبحانه عند سؤال الملكين في قبورهم ليشهدوا أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فيموتوا على دين الإسلام.\n_________\n(١) حديث حسن. رواه العقيلي (٢٥٩)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٣٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٥)، (٢/ ٤٠٠)، وأورده الهيثمي (٨/ ٨٧) وكذلكَ (١٠/ ٢٧٣)، وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح. وانظر للشاهد \"المجمع\" (١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٢٦ - ٤٢٧).\n(٣) حديث صحيح. انظر سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٤٢١٦)، وصحيح الجامع (٣٢٨٦)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤٨).","vol":"4","page":274},{"text":"وفي ذلكَ أحاديث من السنة الصحيحة العطرة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أُقْعِدَ المُؤمِنُ فيِ قَبرِهِ أُتِيَ ثم شَهِدَ أَنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلكَ قولُه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾] (١).\nثم قال البخاري: حدَّثنا محمد بن بشَّار: حدَّثنا غُنْدَرٌ: حَدثنا شعبة بهذا، وزاد: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في عذاب القبر.\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه، عن سَعد بن عُبيدة، عن البراء بن عازب، عن النبي - ﷺ - قال: [﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ قال: نزلت في عذاب القبر، يُقال له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد - ﷺ -، فذلكَ قولُهُ ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾] (٢). ولفظ الترمذي: [﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: \"في القبر إذا قيل له: من ربُّكَ وما دينُكَ ومَنْ نَبيُّك\"].\nالحديث الثالث: روى أحمد وأبو داود والبيهقي بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: [خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلحد، فجلس رسول الله - ﷺ - وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يدهِ عودٌ يَنْكُتُ بهِ في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا باللهِ من عذاب القبر. مرتين أو ثلاثًا. ثم قال: إن العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليهِ ملائكة من السماء بيض الوجوه كأنَّ وجوهَهم الشمسُ، معهم كفنٌ من أكفان الجنةِ وحنوطٌ من حَنُوطِ الجنّة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر. ثم يجيء ملكُ الموتِ حتى يجلسَ عند رأسهِ، فيقول: أيَّتُها النفسُ الطيِّبةُ، اخرجي إلى مغفرة من اللهِ ورضوانٍ. قال: فتخرجُ تسيل كما تسيلُ القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعُوها في يدهِ طرْفة عينٍ حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلكَ الكفن وفي ذلكَ الحنوطِ، ويخرجُ منها كأطيب نَفَحةِ مِسْكٍ وُجدت على وَجْهِ الأرض. فيصعَدُون بها، فلا يمرّون بها على ملأٍ من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (١٣٦٩)، كتاب الجنائز. باب ما جاء في عذاب القبر. وانظر (٤٦٩٩) منه.\n(٢) حديث صحيح أخرجه مسلم (٢٨٧١) كتاب الجنة ونعيمها، وانظر سنن أبي داود (٤٧٥٠)، وسنن الترمذي (٣١٢٠)، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٢٨٤)، والطبري (٢٠٧٥٩).","vol":"4","page":275},{"text":"الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الروح الطيِّب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمُّونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السَّماءِ الدنيا، فيستفتحون له، فَيُفْتَحُ له، فيشيّعُهُ من كل سماء مُقَرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماءِ السابعةِ، فيقولُ الله: اكتبوا كتابَ عبدي في عِلِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أُعيدهم، ومنها أُخرجهم تارةً أخرى. قال: فتعادُ روحهُ في جسدهِ، فيأتيه ملكان فيجلسانِه فيقولان له: من ربُّكَ. فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينُكَ؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول، هو رسول الله - ﷺ -. فيقولان له: وما عِلْمُكَ؟ فيقول: قرأتُ كتابَ الله، فآمنتُ به وصدّقت. فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينكَ؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنةٍ تعرض على المؤمن، فذلكَ حين يقول اللهُ ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، وَنَبِيّي محمد - ﷺ -، فينادِ منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبرهِ مدّ بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومكَ الذي كنتَ توعد. فيقول: مَنْ أَنْتَ؟ فوجْهُكَ الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملكَ الصالحُ. فيقول: ربّ، أقِمِ الساعة، ربِّ أقمِ الساعة، حتى أرجعَ إلى أهلي ومالي.\nقال: وإن العبد الكافرَ إذا كانَ في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نَزَلَ إليهِ من السماء ملائكةٌ سود الوُجوه معهم المُسُوح، فجلسوا منه مَدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرُجي إلى سَخَطٍ من الله وغَضَب. قال: فَتُفَرَّقُ في جسده، فَيَنْتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يَدَعوها في يدهِ طرفة عين، حتى يجعلوها في المُسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وُجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يَمُرُّونَ بها على ملأ من الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان. بأقبح أسمائه التي كان يُسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يُفتح له. ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: (﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله: أكتبوا كتابه في سِجِّين - في الأرض السفلى - فتُطرح روحُه طَرحًا. ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. فتعاد روحُه في جسده، ويأتيه","vol":"4","page":276},{"text":"مَلَكان فيُجلسانه ويقولان له: من ربُّكَ؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري؟ فيقولان: ما دينُك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري؟ فينادي مناد من السماء: أن كذَبَ، فَأَفرِشُوه من النار، وافتحوا لهُ بابًا إلى النار. فيأتيهِ من حَرِّها وسَمُومِها، وَيُضَيَّقُ عليهِ قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعهُ، ويأتيهِ رجلٌ قبيحُ الوجهِ، قبيحُ الثيابِ، مُنْتِنُ الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد! فيقول: ومن أَنت؟ فوجْهُكَ الوجهُ يجيءُ بالشر! فيقول: أنا عَمَلُكَ الخبيث، فيقول: رَبِّ، لا تُقِم الساعة] (١).\nوقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾. أي يخذل الله المنافق والكافر عند السؤال، فلا يوفقه للنطق بالشهادتين والحق الذي فيه النجاة، أحوج ما يحتاجُ إليه.\nقال ابن عباس: (أما الكافر، فتنزل الملائكة إذا حضره الموت، فيبسطُون أيديهم، \"والبَسطُ\"، هو الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت. فإذا أُدْخِل قبره فقيل له: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئًا، وأنساهُ اللهُ ذكر ذلك. وإذا قيلَ له: من الرسول الذي بُعث إليكَ؟ لم يهتد له، ولم يرجع إليهِ شيئًا، يقول الله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾).\nوقوله: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. قال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بذلك: وبيدِ الله الهداية والإضلال، فلا تنكروا، أيها الناس، قدرتَه، ولا اهتداءَ من كان منكم ضالًا، ولا ضلالَ مَنْ كانَ منكم مهتديًا، فإنَّ بيدهِ تصريفَ خلقه وتقليبَ قلوبهم، يفعلُ فيهم ما يشاء).\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذا المعنى، أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس، قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى هو الخالق القابض الباسط الرازق] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمامُ مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧)، والبيهقي في \"إثبات عذاب القبر\" (٢٠، ٥٥)، وصححه الحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠). وانظر أحكام الجنائز - الألباني ص ١٥٩.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٣٤٥١)، كتاب الإجازة، باب في التسعير. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٩٤٥)، ورواه ابن ماجه (٢٢٠٠)، ورواه الترمذي والبيهقي وأحمد - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٨٤٢).","vol":"4","page":277},{"text":"يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن قلوبَ بني آدم كلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحدٍ يصرفه كيف يشاء. ثم يقول رسول الله - ﷺ -: اللهم مصرف القلوب صرِّف قلوبنا إلى طاعتك] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن هانئ بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله هو الحَكَمُ، وإليهِ الحُكْمُ] (٢).\n٢٨ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الله تعالى نبيّهُ محمدًا - ﷺ - فيقول: ألم تنظر يا محمد إلى كفار قومكَ غيروا ما أنعم الله عليهم من نعمه فجعلوها كفرًا به، إذ جحدوا نبوتكَ ونعمةَ اللهِ العظيمة في إرسالكَ إليهم لتنقذهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وأنزلوا قومهم من مشركي قريش بذلكَ دار الهلاك، جهنم يصلونها وبئس المستقر. لقد أصروا على الشرك بالله على طريقة آبائهم في اتخاذ الأنداد والأوثان والطواغيت يعبدونها من دون الله، ويصرفون لها الخضوع والتذلل والرجاء والدعاء، وهم في ذلكَ ضالون مضلون عن سبيل الله - قل لهم يا محمد: تمتعوا بترويج فاسد عادات الآباء وتعظيم تقاليد الجاهلية فإن مآلكم في إصراركم هذا إلى النار.\nقال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - باب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾: (﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تَعْلَمْ، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]. ﴿الْبَوَارِ﴾: الهلاك. بارَ يَبُورُ بَوْرًا، ﴿قَوْمًا بَوْرًا﴾ [الفرقان: ١٨]: هالكين. حدَّثنا عليُّ بن عبد الله: حدَّثنا سفيان عَنْ عُمْرو، عَنْ عَطاءٍ: سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هُمْ كفّار أهل مكة).\nوقال السُّدي: (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآية! ذكر مسلم المستوفي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٥١)، وأحمد (٢/ ١٦٨ - ١٧٣)، والطبري (٦٦٥٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٤٩٥٥)، وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٤١٤٥)، ورواه النسائي.","vol":"4","page":278},{"text":"عن علي أنه قال: هما الأفجران من قريش: بنُو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فأحلّوا قومهم دار البوار يوم بدر، وأما بنو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أُحُدٍ. وكان أبو جهل يومَ بدر. وأبو سفيان يومَ أحد. وأما دار البَوار فهي جهنم).\nوروى نحوهُ ابن أبي حاتم عن عمرو بن مُرّ قال: (سمعتُ عليًا قرأ هذه الآية: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾، قال هما الأفجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة فأهلِكوا يوم بدر، وأما بنو أمية فمتِّعوا إلى حين).\nقلت: ولا شك أن الآية عامة تعم في مفهومها جميع الكفار، الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا ويتحاكمون لأهوائهم مستهزئين بشرع الله العظيم.\nوقوله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. أي مآلهم إلى النار في الآخرة وبئس المستقر.\nقال قتادة: (﴿دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ هي دارهم في الآخرة). وقال ابن زيد (﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ النار، قال: وقد بيَّنَ الله ذلكَ وأخبرك به؟ فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.\nأي: وجعلوا لله شركاء كي يضلوا الناس عن منهجِ عبادة الله الذي يحبهُ ويرضاه. قل لهم يا محمد: تمتعوا قليلًا بتعظيمِ جاهليتكم فإن مثواكم إلى النار.\nقال ابن جرير: (يقول: قل يا محمد لهم: تمتعوا في الحياة الدنيا وعيدًا من الله لهم، لا إباحة لهم التمتع بها، ولا أمرًا على وجهِ العبادة، ولكن توبيخًا وتهديدًا ووعيدًا، وقد بين ذلكَ بقوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ يقول: استمتعوا في الحياة الدنيا، فإنها سريعة الزوال عنكم، وإلى النار تصيرون عن قريب، فتعلمون هنالك غبّ تمتعكم في الدنيا بمعاصي الله وكفركم فيها به).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].\n٢ - قال تعالى: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠].","vol":"4","page":279},{"text":"وفي الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن اللهَ لَيُملي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).\n٣١ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ اللهِ تعالى عبادهُ المؤمنين بإقامِ الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق في سبيلهِ قبل مجيء يوم ينعدمُ فيه البيع وتُفقد فيهِ الخلة والصحبة. إنه تعالى الخالق الرزاق المسخّر المنعم الذي أعطاكم من كل ما سألتموه، وإن تحاولوا إحصاء نعم الله عليكم لا تدركوا بعض ذلك، وإنما الإنسان ظلوم كفار.\nفقول: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. قال ابن عباس: (يعني الصلوات الخمس).\nوقوله: ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. قال ابن عباس: (يقول: زكاة أموالهم). قال ابن كثير: (يقول تعالى آمرًا العباد بطاعته والقيام بحقِّه، والإحسان إلى خلقه، بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادةُ الله وحدَه لا شريكَ له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات، والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب. والمرادُ بإقامتها هو: المحافظة على وَقتها وحُدودها، وركُوعها وخشوعها وسُجودها. وأمر تعالى بالإنفاق مما رَزَق في السِّر، أي: في الخُفْيَةِ، والعَلانية وهى، الجهرُ، وليبادروا إلى ذلكَ لخلاص أنفسهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، كتاب التفسير، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٣١).","vol":"4","page":280},{"text":"وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾.\nقال قتادة: (إن الله ﵎ قد علم أن في الدنيا بيوعًا وخلالًا يتخالُّونَ بها في الدنيا، فلينظر رجل من يخالل، وعلام يصاحب، فإن كان للهِ فليداوم، وإن كان لغير الله فإنها ستنقطع).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].\nقال ابن جرير: (ليس هناكَ مُخَالّة خليل فيصفحَ عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمُخَالَّته، بل هناك العدلُ والقسط).\nوالخلال جمع خلة، والمقصود أنه لا ينفعُ أحدًا بيعٌ ولا فدية ولو كانَ بملء الأرض ذهبًا لو وجده، وكذلكَ لا ينفعهُ صداقة أحد ولا شفاعة أحد يوم القيامة إذا لقي الله كافرًا. قال القاسمي: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يوم القيامة ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: ليتداركَ به التقصير، أو يفتدي به ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ أي: مخالة. مصدر بمعنى المصاحبة، أي لا مفاداة فيه ولا خلة أحد بمغنية شيئًا من شفاعة أو مسامحة بمال يفتدى به).\nوقوله تعال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾.\nتَعْريفٌ من الله تعالى عباده بعض نعمه الكبيرة عليهم، كنعمة خلق ما في السماوات وما في الأرض، فالملائكةُ مسخرون لما ينفع العباد، وكذلكَ الأفلاكُ والمجرات، وجعل السماء سقفًا محفوظًا، وجعل الأرض فراشًا مبسوطًا، وأنزل من السماء الماء لحياة عباده وثمارهم وزروعهم ودوابهم، وسخّر السفن تجري بتيارات الهواء والماء في البحار لأسفارهم ومعاشهم ومنافعهم، وشقّ الأنهار تعبر الأقطار والأرجاء يشرب منها الناسُ والدواب والأشجار رحمة بهم، لعل في عرض بعض هذه النعم عبرة لهم لشكره سبحانه وتعظيمهِ حق التعظيم.","vol":"4","page":281},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.\nمتابعة في بَسْط النعم الجليلة التي ينتفع بها العبادُ صباح مساء. قال القرطبي: (﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ أي في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، والدُّؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية. وقيل: دائبين في السير امتثالًا لأمر الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار).\nقلت: وفي تعاقب الليل والنهار وحركة الشمس والقمر مواسم للتوبة والاستغفار فيها خيرٌ كبيرٌ.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣].\n٤ - وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١، ٦٢].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق مفهوم الآية أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله تعالى يَبْسُطُ يدَهُ بالليل ليتوبَ مُسيءُ النّهار، ويَبْسُطُ يدهُ بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل حتى تطلعَ الشمسُ مِنْ مَغْرِبها] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٧٥٩)، كتاب التوبة. باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة.","vol":"4","page":282},{"text":"[من تابَ قبلَ أَنْ تطلعَ الشمسُ من مَغْرِبها تابَ اللهُ عَليهِ] (١).\nوقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾.\nقال مجاهد: (من كل ما سألتموه ورغبتم إليه فيه). وقال رُكانة بن هاشم: (ما سألتموه وما لم تسألوه). وقال الضحاك: (يقول: أعطاكم أشياء ما طلبتموها، ولا سألتموها، صدق اللهُ كم من شيء أعطاناهُ الله ما سألناه إياه، ولا خطر لنا على بال).\nقال النسفي: (\"من\" للتبعيض\" أي أتاكم بعض جميع ما سألتموه، أو وآتاكم من كل شيء سألتموه وما لم تسألوه، فما موصولة، والجملة صلة لها).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.\nإخبار الله تعالى عبادهُ عن عجزهم عن القيام بحق شكره، إذ هم عاجزون عن إحصاء نعمه عليهم وفضله وإحسانه لهم، بل غالب حال الإنسان غفلة وظلم وجهل ونسيان للنعيم وحق المنعم جلّ ذكره.\nقال طلق بن حبيب: (إنَّ حقّ الله أثقل من أن تقوم بهِ العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد، ولكن أصبِحوا تَوَّابين وأمسُوا توَّابين).\nوفي صحيح السنة العطرة من آفاق معنى هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: [والذي نفسي بيده! لَتُسْأَلُنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لَنْ يُنْجِيَ أحدًا مِنكم عملُهُ، ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللهُ برحمته، ولكن سدّدوا وقاربوا واغْدُوا وَرُوحوا، وشيءٌ من الدُّلجَةِ، والقصدَ القَصْدَ تَبْلُغوا] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي أمامة: [أن النبي - ﷺ - كان إذا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٧٠٣)، كتاب الذكر والدعاء، باب استجاب الاستغفار والاستكثار منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠٣٨) - كتاب الأشربة - وهو جزء من حديث طويل.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٦٣)، وانظر (٥٦٧٣)، ورواه مسلم (٢٨١٦)، (٢٨١٧).","vol":"4","page":283},{"text":"رفع مائدته قال: الحمدُ للهِ كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيهِ، غيرَ مَكْفِيٍّ ولا مُوَدَّعٍ ولا مُسْتَغْنَىً عَنْهُ ربَّنا] (١).\nوفي رواية: [الحمدُ للهِ الذي كفانا وأرْوانا، غيرَ مَكْفِيٍّ ولا مَكْفُور].\n٣٥ - ٤١. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: دعوة أبينا إبراهيم - ﵊ - ربه بجعل البلد الحرامِ آمنًا، وتجنيبه وولده عبادة الأصنام، وبجعل أفئدة من الناس تهوي قلوبهم قصد مكة، وبِبَسْطِ الرزق عليهم من كل مكان. واستجابة الله دعاءه وإكرامه بإسماعيل وإسحاق في ذريته من الصالحين. وببلوغ دعائه إلى جميع المؤمنين.\nفعن مجاهد: (﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ قال: فاستجابَ اللهُ لإبراهيم دعوته في ولده، قال: فلم يعبد أحد من ولده صنمًا بعد دعوته. والصنم: التمثال المصوّر، ما لم يكن صنمًا فهو وثن، قال: واستجاب اللهُ له، وجعل هذا البلدَ آمنًا، ورزق أهله من الثمرات، وجعلهُ إمامًا، وجعلَ من ذُرِّيَتِهِ يقيم الصلاة، وتقبّل دعاءه، فأراهُ مناسِكَهُ، وتابَ عليه).\nوقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾. يعني الأصنام. قاله قتادة، وقال أيضًا:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٥٤٥٨)، كتاب الأطعمة، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه. وانظر (٥٤٥٩) للرواية الأخرى.","vol":"4","page":284},{"text":"(يعني الأوثان). قال ابن جرير: (يقول: يا ربّ إنّ الأصنامَ أضللن، يقول: أزلن كثيرًا من الناس عن طريق الهُدى وسبيلِ الحق حتى عبدوهنّ، وكفروا بك).\nوقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال النسفي: (فمن تبعني على ملتي وكان حنيفًا مسلمًا مثلي ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ فيما دون الشرك ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ - أو ومن عصاني عصيان شرك - فإنك غفور رحيم إن تاب وآمن).\nوعن قتادة: (﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: اسمعوا إلى قول خليل الله إبراهيم، لا والله ما كانوا طعَّانين ولا لعَّانين، وكان يقال: إنَّ من أشرّ عباد الله كلَّ طعان لعّان، قال نبي الله ابن مريم ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: [أن رسول الله - ﷺ - تلا قول إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ورفع يديه، قال: \"اللهم أمتي، اللهم أمّتي\". وبكى، فقال الله: اذهب يا جبريل إلى محمد - وربُّكَ أعلم - وسَله ما يُبكيك؟ فأتاهُ جبريل - ﵇ - فسألهُ، فأخبره رسول الله - ﷺ - ما قال. فقال الله: اذهب إلى محمد: فقل لهُ: إنا سنرضيكَ في أمتك ولا نسوؤك] (١).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ - الآية.\nقال ابن كثير: (وهذا يدل على أن هذا دعاء ثانٍ بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولّى عن هاجر وولدها، وذلكَ قبلَ بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه، تأكيدًا ورغبةً إلى الله ﷿).\nقال قتادة: (﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾، قال: مكة لم يكن بها زرع يومئذ). وقال: (﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾، وإنه بيتٌ طهَّره الله من السُّوء، وجعله قبلة، وجعله حَرَمه (٢)، اختاره نبيُّ الله إبراهيم لولده). قال ابن عباس: (أسكن إسماعيل وأمه مكة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٠٢) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وأخرجه ابن حبان (٧٢٣٤)، والطبري في \"التفسير\" (٢٠٨٤١).\n(٢) مفهوم المحرّم: أي من استحلال حرمات الله فيه، والاستخفاف بحقه.","vol":"4","page":285},{"text":"وقوله: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فعلت ذلكَ يا ربنا كي تؤدّى فرائضكَ من الصلاة التي أوجبتها عليهم في بيتك المحرّم).\nوقوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ - تتمة الدعاء، وكانت الإجابة بتشريع الحج.\nقال مجاهد: (لو قال أفئدة الناس تهوي إليهم، لازدحمت عليهم فارس والروم).\nوقال عكرمة وعطاء وطاووس: (البيت تهوي إليهِ قلوبهم يأتونه). وقالوا: (الحج - هواهم إلى مكة أن يحجوا). وقال ابن عباس: (إن إبراهيم خليل الرحمن، سأل الله أن يجعل أناسًا من الناس يهوَوْن سكنى أو سكن مكة).\nوالخلاصة: لقد استجاب الله تعالى دعوة أبينا إبراهيم ﵇، فشرع الحج، وشرع العمرة، يَستهوي ذلك قلوب المسلمين إلى تلك الديار فتنزع إليها.\nوقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وارزقهم من ثمرات النبات والأشجار ما رزقت سكان الأرياف والقرى التي هي ذوات المياه والأنهار، وإن كنتَ أسكنتهم واديًا غير ذي زرع ولا ماء، فرزقهم الله جلّ ثناؤه ذلك).\nوفي التنزيل: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧].\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.\nقال ابن عباس ومقاتل: (تعلم جميع ما أخفيه وما أعلنه من الوجد بإسماعيل وأمه حيث أُسْكِنَا بوادٍ غير ذي زرع).\nوقيل: قوله: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ - هو قول إبراهيم. وقيل هو من قول الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. ثناء على الله تعالى من إبراهيم ﵇ وشكر له على إجابته دعوته فيما سأله من الولد، وقد رزقه الله ما رزقه من الولد بعد الكِبَر رحمة منه وآية من لدنه، واللهُ","vol":"4","page":286},{"text":"سميع الدعاء مجيب لعباده قريب منهم ويزيدهم من نعمه كلما شكروا له واستقاموا على دينه.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].\nومن كنوز صحيح السنة في ذلكَ أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [تعوّذوا بالله من جهد البلاء، ودَرْك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند جيد عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله - ﷺ - يستحبُّ الجوامعَ من الدعاء، ويدعُ ما سِوَى ذلكَ] (٣).\nالحديث الرابع: أخرجَ الترمذي بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [دعوة ذي النون إذْ دعا ربَّه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانكَ إني كنتُ من الظالمين، فإنه لم يَدْعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجابَ له] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢٩٨)، كتاب الصلاة، باب الدعاء في السجود.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ٢٥٦)، وأخرجه مسلم (٨/ ٧٦)، وغيرهما.\n(٣) إسناده جيد. انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (١٣٣٢)، وتخريج المشكاة (٢٢٤٦)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤٨٢٥).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٥٠٥). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٧٨٥)، وكذلكَ صحيح الجامع (٢٦٠٢) لرواية الحاكم.","vol":"4","page":287},{"text":"ورواه الحاكم بلفظ: [ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كَرْبٌ، أو بلاءٌ، من أمر الدنيا دعا به فَفُرِّجَ عنه؟ دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانكَ إني كنتُ من الظالمين].\nوقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾.\nمتابعة الدعاء من إبراهيم ﵇: إذ سأل ربهُ أن يجعلهُ محافظًا على الصلاة مقيمًا لحدودها هو وذريته في ذلك، وأن يتقبل الله تعالى دعاءه في كل ما سألهُ.\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.\nقال ابن كثير: (وقرأ بعضهم ﴿ولوالدي﴾ على الإفراد. وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه، لما تَبَيَّن له عداوته لله ﷿ ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: كلّهم، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أي: يوم تحاسبُ عبادكَ فتجزيهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ).\n٤٢ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: خِطَابُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - مسليًا له بأنه - جلت عظمته - غير غافل عن مكر الظالمين، إنما يؤخرهم ليوم المذلة والخزي الذي سيحيط بهم صاغرين. فأنذر الناس - يا محمد - عذاب ذلك اليوم الذي تنزل به الندامة بالمجرمين، الذين يصدون عن سبيل الله ولم يعتبروا بمصير من قبلهم من الماكرين.","vol":"4","page":288},{"text":"فقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.\nقال ميمون بن مِهران: (هي وعيد للظالم وتعزية للمظلوم). والآية خطاب للنبي - ﷺ -: لا تحسَبَنَّ - يا محمد - الله ساهيًا عن أعمال هؤلاء المشركين من قومك، بل هو عالم بها وإنما يجازيهم بها في يوم كتب فيه مجازاتهم بها، وهو يوم الحساب. قال قتادة: (﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ قال: شخصت فيه والله أبصارهم، فلا ترتدّ إليهم).\nقال القرطبي: (﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم).\nوقوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. أي: مسرعين رافعي رؤوسهم.\nقال النسفي: (﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين إلى الداعي ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافعيها).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].\nوفي لغة العرب: أهطع الرجلُ إذا مدّ عُنقه وصَوّب رأسه، وأهْطَعَ في عَدْوِه إذا أسرع. ومنه قول الضحاك: (﴿مُهْطِعِينَ﴾، قال: شدَّة النظر الذي لا يطرف). قال ابن جرير: (والإهطاع في كلام العرب بمعنى الإسراع أشهر منه بمعنى إدامة النظر).\nوعن ابن عباس: (﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾، قال: الإقناع: رفع رؤوسهم).\nوقال قتادة: (المقنع الذي يرفع رأسه شاخصًا بصره لا يطرف).\nوقوله: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾. أي: لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، بل أبصارهم طائرة شاخصة، لشدة ما هم فيه من الهول والفِكرةِ والمخافة لما سينزل بهم.\nوقوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال ابن عباس: (ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة). وقال مرّة: (متخرقة لا تعي شيئًا). وقال مجاهد: (ليس من الخير شيء في أفئدتهم، كقولك للبيت الذي ليس فيه شيء إنما هو هواء). وقال ابن زيد: (الأفئدة: القلوب هواء كما قال الله، ليس فيها عقل ولا منفعة). وقال قتادة: (﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾","vol":"4","page":289},{"text":"انتزعت حتى صارت في حناجرهم لا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أمكنتها).\nوالراجح: أن المقصود خلو القلوب من العقل والخير من هول المشهد، حتى تصبح خاوية من الخير كالخراب.\nوقوله: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾.\nأي: أنذر الناس يا محمد يوم حلول العذاب في القيامة، فيقول الذين كفروا بربهم وكذبوا نبوتك: ربنا أخّر عنا عذابك وأمهلنا لفرصة أخرى نجبْ دعوة الحق فَنَصْدُقَك الإيمان ونصدّق المرسلين ونتابع دعوتهم.\nقال مجاهد: (﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال: مدّة يعملون فيها من الدنيا).\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾. أي: أو ما حلفتم أنه لا معاد ولا جزاء.\nقال مجاهد: (﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾، أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة). وقال: (هو قسم قريش أنهم لا يبعثون).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧، ٢٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠].\nومن كنوز صحيح السنة في مفهوم الآية أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ -","vol":"4","page":290},{"text":"قال: [يقول الله ﵎ لأهون أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنتَ مُفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أرَدْتُ مِنْكَ أهونَ من هذا وأنت في صُلْبِ آدم: أن لا تشرك ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك] (١).\nوفي لفظ: [فيقال له: كذبتَ، وقد سُئِلت ما هو أيسرُ من ذلك].\nوفي رواية: فيؤمر به إلى النار).\nوقوله: \"كَذَبْتَ\". قال النووي: (معناهُ لو رددناكَ إلى الدنيا لما افتديت لأنك سئلت أيسر من ذلك، فأبيت، فيكون من معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وبهذا يجتمعُ معنى هذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -[يؤتى بالعَبْدِ يَوْمَ القِيامةِ فيقولُ لهُ: ألمْ أَجعَلْ لكَ سَمْعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخَّرت لك الأنعام والحرث، وتَرَكْتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول: اليومَ أَنْساكَ كَمَا نَسيتني] (٢).\nقال أبو عيسى: (ومعنى قوله: \"اليوم أنساكَ كما نسيتني\": اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسّر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١]. قالوا: معناه اليوم نتركهم في العذاب).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾.\nقال ابن زيد: (سكنوا في قراهم مدين والحجر والقرى التي عذّب الله أهلها، وتبيَّن لكم كيف فعل الله بهم، وضرب لهم الأمثال). وقال مجاهد: (﴿الْأَمْثَالَ﴾: الأشباه).\nقال القاسمي: (﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ كعاد وثمود ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ أي بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٥)، كتاب صفات المنافقين، باب طلب الكفار الفداء بملء الأرض ذهبًا. ورواه البخاري (٢/ ٣٣٣)، (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٢)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٢٧ - ١٢٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٢٥٥٨)، أبواب صفة القيامة. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٧٨).","vol":"4","page":291},{"text":"وما تواترَ عندكم من أخبارهم ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم. أي ومع ذلك فلم يكن لكم فيهم معتبر ولا مزدجر).\nقلت: وفي الآية تقريع لأولئك الظالمين في سكناهم أماكن دمار الأمم التي أنزل اللهُ بها عذابهُ - وهو معنى لم أجد من المفسرين من لفت إليه - وهو من صُلب السنة الصحيحة. وفي ذلكَ حديثان.\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال لأصحابهِ - يعني لما وصلوا الحِجْر: وهي ديار ثمود فيما بين المدينة والشام -: [لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا تُصيبُكم ما أصابهم] (١). وفي لفظ لمسلم: (ثم قَنَّع رسول الله - ﷺ - رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي). وفي لفظ للبخاري: (ثم تَقَنَّعَ بردائه وهو على الرّحل).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره: [أن الناسَ نزلوا مع رسول الله - ﷺ - على الحجر أرضِ ثمود فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يُهريقوا ما استقوا، ويَعْلِفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة] (٢).\nقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٦٠): (ومنها: أن الماء الذي بآبار ثمود، لا يجوز شُربهُ، ولا الطبخُ منهُ، ولا العجينُ بهِ، ولا الطهارةُ بهِ، ويجوزُ أن يُسقى البهائم إلا ما كان من بئر الناقة. قال: ومنها: أنَّ من مرَّ بديار المغضوب عليهم والمعذبين، لم ينبغ له أن يدخُلَها، ولا يُقيمَ بها، بل يُسرع السير، ويتقنّع بثوبه حتى يجاوزَها، ولا يدخل عليهم إلا باكيًا معتبرًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ - له تأويلان:\n١ - قال ابن عباس: (ما كان مكرهم لتزول منه الجبال). وكان الحسن يقول: (وإن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٣٣٨١)، كتاب الأنبياء، ومسلم (٢٩٨٠)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٩ - ٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٨٠)، كتاب الزهد والرقائق، وانظر صحيح البخاري (٣٣٨١).","vol":"4","page":292},{"text":"كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال). فوجّهوا \"إنْ\" بمعنى \"ما\" أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه.\n٢ - قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، يقول شركهم، كقوله ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١]).\nوعن شِمر، عن عليّ قال: (الغدر: مكر، والمكر: كفر).\nقال القاسمي: (﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ أي بالنبي صلوات الله عليه \" ﴿مَكْرَهُمْ﴾ أي العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي جزاء مكرهم ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ أي في العظم والشدة ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ أي مُسَوّىً ومُعَدًّا لإزالة الجبال عن مقارّها، لتناهي شدته).\nقلت: والمعنى الثاني هو الراجح في مفهوم هذه الآية، وهو الأنسب للسياق.\n٤٧ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: متابعة الله خطابه لنبيهِ يَعِدُهُ بالنصر المبين. ويَنْعَتُ لهُ يومَ تُبدل السماوات والأرض حال المجرمين. وقد صُفِّدوا بالأغلال وسرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم نار الجحيم. ليجزي الله بعدله الصادقين والكاذبين. إنما هذا بلاغ للناس من الله رب العالمين.\nفقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ - تثبيت من الله تعالى لرسوله محمد - ﷺ - وتسلية له عما يلقاه من تكذيب قومهِ وعنادهم وجحود نبوَّته ﵊.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. قال ابن جرير: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: لا يمانع منه","vol":"4","page":293},{"text":"شيء أراد عقوبته، قادر على كل من طلبه، لا يفوته بالهرب منه. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ ممن كفر برسله وكذّبهم، وجحد نبوَّتهم، وأشرك به واتخذ معه إلهًا غَيْره).\nوقوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾.\nقال القاسمي: (وذلكَ أن تسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوَّى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت. وتبدل السماوات بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابًا).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث.\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على أرضٍ بيضاءَ عَفراءَ، كقُرصة النَّقِيّ، ليس فيها مَعْلَم لأحد] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه، وأحمد في مسنده، عن مسروق، عن عائشة، أنها قالت: [أنا أوّل الناس سأل رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، قالت: قلت: أينَ الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: على الصراط] (٢)\nوفي رواية: (هم في الظلمة دون الجسر).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - قال: [كنتُ قائمًا عند رسول الله - ﷺ - فجاءهُ حَبْرٌ من أحبارِ اليهود، فقال: السلامُ عليكَ يا محمد. فدفعتهُ دَفعةً كاد يُصرعُ منها، فقال: لِمَ تدفعُني؟ فقلتُ: ألا تقول: يا رسول الله؟ ! فقال اليهودي: إنَّما ندعُوهُ باسمهِ الذي سمَّاهُ بهِ أهلُه! فقال رسول الله - ﷺ -: إن اسمي محمدٌ الذي سمّاني به أهلي. فقال اليهودي: جئتُ أسألكَ. فقال رسول الله - ﷺ -: أينفعكَ شيءٌ إن حَدَّثتُكَ؟ فقال: أسمعُ بأذني. فنكتَ رسول الله - ﷺ -: بعودٍ معهُ، فقال: سَلْ. فقال اليهودي: أينَ يكونُ الناس حين تُبدلُ الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هم في الظلمة دون الجسر. قال: فمن أَوَّل الناس إجازةً؟ قال: فقال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٠)، وابن حبان (٧٣٢٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٩١)، والترمذي في الجامع (٣١٢١)، وابن ماجه في السنن (٤٢٧٩)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٥).","vol":"4","page":294},{"text":"فقراء المهاجرين. قال اليهودي: فما تُحْفَتُهُم حينَ يدخلونَ الجنة؟ قال: زيادة كبدِ الحوت. قال: فما غِذاؤُهم في أثرها؟ قال: يُنْحَر لهم ثورُ الجنةِ الذي كانَ يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عينٍ فيها تسمّى سلسبيلا. قال: صدقت. قال: وجئتُ أسألكَ عن شيء لا يعلَمه أحدٌ من أهلِ الأرض إلا نبيٌّ أو رجلٌ أو رجلان؟ قال: ينفعكَ إن حدَّثتك؟ قال: أسمعُ بأذني. قال: جئتُ أسألكَ عن الولد. قال: ماء الرجل أبيضُ وماء المرأة أصفرُ. فإذا اجتمعا فَعَلا مَنِيُّ الرجل مَنِيَّ المرأة أذْكَرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة منيَّ الرجل أنَّثَا بإذن الله. قال اليهودي: لقد صَدَقْتَ، وإنكَ لنبيٌّ. ثم انصرف، فقال رسول الله - ﷺ -: لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علمٌ بشيءٍ منهُ، حتى أتاني اللهُ به] (١).\nوقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: خرجتِ الخلائق جميعُها من قبورهم لله ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي قَهَرَ كل شيء وغَلَبَهُ، ودانت لهُ الرقابُ، وخضعت له الألبابُ).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ يقول: في وثاق). وقال الضحاك (الأصفاد: السلاسل). وقال قتادة: (مقرّنين في القيود والأغلال).\nوالأصفاد: جمع صَفَد، وهو القيد. قال الأعمش: (الصفد: القيد).\nوقال ابن زيد: (صفدت فيها أيديهم وأرجلهم ورقابهم، والأصفاد: الأغلال).\nوالخلاصة: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وتبرز الخلائق جميعًا من قبورها لديّانها، ترى - يا محمد - يومئذ المجرمين - الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم ومحاربة الرسل والدين الحق وأهله - مشدودين بالأغلال والقيود بعضهم إلى بعض، وقد جُمع يومئذ بين الأصناف المتماثلة والأشباه والنظراء من كل صنف وزوج من أهل الكفر والبغي والفساد في الأرض في صورة من الذل والهوان والخزي في عرصات القيامة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٣١٥)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٤٢٢)، وأخرجه البيهقي في \"البعث\" (٣١٥).","vol":"4","page":295},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٧، ٣٨].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].\nوفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينةِ الخبال] (١).\nوقوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾. أي: ثيابهم وقمصهم من كثرة ما طليت بهناء الإبل الذي هو سائل أسود اللون منتن الريح يسرعُ فيه اشتعال النار صار كالسرابيل وغلب على لباسهم. وقَطِرَان وقَطْرَان وقِطْران ثلاث لغات. ومن قرأها \"قَطْرٍ آنٍ\" فسّره بالنحاس المذاب.\nقال الحسن: (﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ يعني: الخَضْخَاض هِناء الإبل). وقال ابن عباس: (﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ نحاس). وعن الربيع بن أنس: (من قَطْرٍ آنٍ\" قال القطر: النحاس، والآن: يقول: قد أنى حرّه، وذلكَ أنه يقول: حميمٌ آن). وقال سعيد: (والآن: الذي قد انتهى حرّه).\nوعن ابن عباس: (من قَطْرٍ آنٍ\" قال: هو النحاس المذاب).\nقلت: وسواء المراد هِناء الإبل، أو النحاس المذاب فإنهُ لباس ألصق شيء بالنار، فبئس اللباس الذي جعلهُ اللهُ لباس المجرمين في النار.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي بسند حسن من حديث ابن عمرو. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وتخريج \"مشكاة المصابيح\" (٥١١٢)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٨٩٦).","vol":"4","page":296},{"text":"قال النسفي: (﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾ قمصهم ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ هو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فيهنأ به الإبل الحربى فيحرق الجرب بحدته وحره، ومن شأنهِ أن يسرع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل ليجتمع عليهم لذع القطران وحرقته وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، وكأنهُ ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة، نعوذ باللهِ من سخطهِ وعذابه).\nوفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أربعٌ من أمرِ الجاهليةِ لا يُتركن: الفخر بالأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحة، والنائحةُ إذا لم تَتُبْ قبل موتها تقام يوم القيامةِ وعليها سربالٌ من قطران ودِرْعٌ من جَرَبٍ] (١).\nوقوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ - كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]. أي: تضرب النار وجوههم فتعلوها باشتعالها، قال القاسمي: (وتخصيص الوجوه لكونها أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه، ولذلكَ قال: ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧]، ولكونها مجمع الحواس التي خلقت لإدراكِ الحق، وقد أعرضوا عنه، ولم يستعملوها في تدبره. كما أن الفؤاد أشرف الأعضاء الباطنة ومحل المعرفة، وقد ملؤوها بالجهالات. أفاده الزمخشري وأبو السعود) انتهى. قلت: وحكى نحوه النسفي في تفسيره.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nأي: ليجزي الله يوم الحساب المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وما حسابه لجميع عباده إلا أسرع من لمح البصر، إذ لا تخفى عليه خافية من أعمالهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حسابه سريع مجيئهُ. قال ابن كثير: (﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ أي: يوم القيامة، كما قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، يحتملُ أن يكون كقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، ويحتمل أنه في حال محاسبتهِ لعبده\n_________\n(١) حديث صحيح: أخرجه مسلم (٩٣٤)، وأحمد (٥/ ٣٤٢ - ٣٤٤)، وابن حبان (٣١٤٣)، وأخرجه البيهقي (٤/ ٦٣) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.","vol":"4","page":297},{"text":"سريعُ النّجاز، لأنه يعلم كلّ شيء؛ ولا يخفى عليه خافية، وإن جميعَ الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم. كقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وهذا معنى قول مجاهد: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إحصاءً. ويحتمل أن يكون المعنيان مُرادَين، واللهُ أعلم).\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾\nأي: هذا القرآن وما فيهِ من وعد ووعيد بلاغ لجميع الناس، كفاية في التذكير والموعظة، لينتفعوا بعظاته ويتعظوا بنذارته، وليوقنوا أنما إلههم إله واحد فيفردوه بالتعظيم والألوهية، وإنما يتذكر وينتفع بالذكرى أولو العقول والنهى.\nقال ابن زيد: (﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾، قال: القرآن: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾، قال بالقرآن).\nأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: أبشروا أبشروا، أليسَ تشهدونَ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآنَ سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسّكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا]. (١)\nتم تفسير سورة إبراهيم\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n° ° °\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ١٦٥)، ورواه عبد بن حميد في \"المنتخب من المسند\" (٥٨/ ١)، وابن نصر في \"قيام الليل\" (٧٤)، وسنده صحيح على شرط مسلم. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٧١٣).","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - ما أرسل رسول قط إلا بلسان قومهِ، فللهِ الحكمة البالغة.\n٢ - المؤمن صبار في الضرّاء، وشكور في السرّاء، فهو بخير على كل حال.\n٣ - كل الأقوام كذبوا رسلهم إلا من رحم الله، وأغلب الأمم كانت مؤمنة بالربوبية، كافرة بالألوهية.\n٤ - الإيمان بالربوبية يقتضي الإيمان بالألوهية والأسماء والصفات.\n٥ - كل الأقوام هددوا رسلهم بالنفي من الأرض.\n٦ - الأعمال التي لا تبنى على توحيد الله وتعظيمهِ، إنما هي هباء منثور.\n٧ - المؤمن كالنخلةِ، لا يزالُ يرفعُ لهُ عمل صالح في كل وقت وحين.\n٨ - المؤمنون يثبتهم الله تعالى على الأصول الثلاثة في القبر، وينعمون فيه.\n٩ - الكفار لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، ويعذبون في قبورهم.\n١٠ - سؤال الملكين في القبر حق، ونعيم القبر وعذابه حق وصدق، وإنكارُ ذلكَ ضلال.\n١١ - كل من بلغه الإسلام ولم يتبعهُ فقد بدل نعمة اللهِ وجحدها.\n١٢ - نعم الله تعالى على عبادهِ لا تحصى، وقليل من عباد اللهِ الشكور.\n١٣ - الظالمون لن يفلتوا من عدل الله، ولسوف يندمون ويبكون.\n١٤ - الشرك: تكاد السماواتُ يتفطرن منه وتنشقُ له الأرض وتخرّ الجبال منه هدًّا.\n١٥ - تبدّل الأرض يوم القيامة والسماوات، وبروز الجميع للواحد القهار، والقرآن أعظم بلاغ للناس، وما يذكرُ إلا أولو الألباب.\n° ° °","vol":"4","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>١٥ - سُورَةُ الحِجْرِ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٩٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>موضوع السورة</span>\nقصة الإنسان، وإغواء الشيطان\nنصر الله المرسلين، وهلاك ثمود - أصحاب الحجر - كبقية الأقوام المجرمين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-142> منهاج السورة </span>-\n١ - انتصار الله لكتابه الكريم، وإخبار عن الندامة التي ستلحق الكافريق، وتمنّيهم لو كانوا مسلمين.\n٢ - تهديد ووعيد للمستكبرين، الذين هم في شهواتهم وملذاتهم يرتعون.\n٣ - اتهام الكفار محمدًا بالجنون، وسؤالهم نزول الملائكة، وردّ الله عليهم، وتكفله تعالى بحفظ هذا الذكر العظيم.\n٤ - تسلية الله رسوله بوصله بسنن المرسلين، وجهادهم أقوامهم المستهزئين.\n٥ - تذكير الله عباده ببعض آياته البديعة من خلقه، السماء وطبقاتها ونجومها، والأرض وبَسْطها وجبالها ونباتها.\n٦ - إثبات خزائن منافع العباد بيد الله تعالى، والرياح والأمطار والأرزاق والآجال والأعمال تمضي بأمره وهو الحكيم الخبير.","vol":"4","page":300},{"text":"٧ - إخبار الله عن خلق الإنسان من طين، والجان من نار السموم، وذِكْر امتثال الملائكة أمر الله تعالى السجود لآدم، إلا إبليس اعترته الحميّة، وتعزّز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، وسأل الله النظرة، فأعطاه الله ذلك امتحانًا للذرية إلى يوم الدين.\n٨ - تَعهُّدُ إبليس إغواء ذرية آدم، وحماية الله عباده المخلصين، وجهنم ذات الأبواب السبعة موعد أتباع إبليس اللعين.\n٩ - نَعْتُ الله حال المتقين، في خلودهم في جنات النعيم.\n١٠ - ذِكْرُ الله خبر ضيوف إبراهيم، وإهلاك قوم لوط المجرمين.\n١١ - انتقام الله من قوم شعيب وقوم صالح لما كفروا وكذبوا رسلهم.\n١٢ - إثبات الله تعالى خلقه السماوات والأرض بالعدل والإنصاف، وأن الساعة قادمة، فالصفح أولى حتى يأتي أمر الله، واختصاص الله نبيه محمدًا - ﷺ - بفاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم.\n١٣ - الأمر بالصدع بالحق والجهر بالدعوة والله يكفيك - يا محمد - أمر المستهزئين.\n١٤ - تسلية الله نبيّه لئلا يقع في الضيق مما يقولون، فإنهم سوف يعلمون.\n١٥ - الاستعانة على الأمر ومشقة الطريق بالتسبيح والسجود والعبادة حتى مجيء الموت وهو اليقين.\n° ° °","vol":"4","page":301},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: انْتِصارُ من الله تعالى لهذا الكتاب العظيم، وإِعْلامٌ منه سبحانه عن الندامة التي ستلحق الكافرين، وأنهم سيتمنّون يومًا لو كانوا مسلمين، وتَهْدِيْدٌ وَوَعِيدٌ للمستكبرين الذين يأكلون وينغمسون في ألوان الشهوات معرضين عن الحق وسنن الأولين، فإنه ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون.\nفقوله: ﴿الر﴾. قد سبق بيان مفهوم ذلك من الحروف المقطعة أول السور وأنه دلالة على إعجاز هذا القرآن العظيم، الذي آياته وكلماته من جنس هذه الأحرف، ولا قدرة لأحد على معارضته ولا بسورة نحوه.\nوعن مجاهد: (﴿الر﴾ فواتح يفتتح بها كلامه ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال: التوراة والإنجيل).\nوقال قتادة: (﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال: الكتب التي كانت قبل القرآن).\nوقوله: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾. أي: وآيات قرآن بيّن الدلالة والهدى والرشاد. قال قتادة: (تبيّن والله هداه ورشده وخيره).\nوقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال ابن كثير: (إخبار عنهم أنهم سيندَمُون على ما كانوا فيه من الكفر، ويَتَمَنَّونَ لو كانوا مع المسلمين في الدنيا. ونقل السدِّي في تفسيره بسنَدِه المشهور عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما من الصحابة: أنَّ الكفار لما عُرِضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين. وقيل","vol":"4","page":302},{"text":"المرادُ أن كلَّ كافر يَوَدُّ عند احتضاره أن لو كان مؤمنًا. وقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]). وقيل: هو في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين. وقال سعيد بن جبير: (إذا أُخْرِجَ أهلُ التوحيد من النار وأُدخلوا الجنة، يَوَدُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين) - ذكره الترمذي.\nقلت: وكل ما سبق محتمل ممكن يتسع له مفهوم الآية. وقرأ نافع وعاصم ﴿رُبَمَا﴾ مخفّف الباء، والباقون قرؤوها بالتشديد، وهما لغتان. أي يودّ الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين.\nوقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\nتهديد ووعيد للكفار وهم يعيثون فسادًا في الأرض. أي: ذر يا محمد هؤلاء المشركين يأكلوا في هذه الدنيا وينغمسوا في ألوان الشهوات والملذات منشغلين بها عن طاعة الله وتعظيمه حتى تفجأَهم آجالهم ويروا العذاب.\nوفي التنزيل: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]. ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].\nقال الحسن: (ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل) - ذكره القرطبي ثم قال: (وصدق ﵁! فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى. وهذا أمر قد شوهِدَ بالعيان فلا يحتاج إلى بيان ولا يُطْلَب صَاحبه ببرهان، كما أن قصر الأمل يبعث على العمل، ويُحيل على المبادرة، ويحثّ على المسابقة).\nويروى عن أبي الدرداء ﵁ أنه قام على درج مسجد دمشق فقال: (يا أهل دمشق، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح، إنَّ من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرًا ويبنون مشيّدًا ويأملون بعيدًا، فأصبح جمعهم بُورًا وبنيانهم قبورًا وأملهم غرورًا. هذه عاد قد ملأت البلاد أهلًا ومالًا وخيلًا ورجالًا، فمن يشتري مني اليوم تركتهم بدرهمين! وأنشد:\nيا ذا المؤمل آمالًا وإن بَعُدَت ... منه ويزعم أن يحظى بأقصاها\nأنَّى تفوز بما ترجوه وَيْكَ وما ... أصبحت في ثقة من نَيْل أدناها)","vol":"4","page":303},{"text":"أخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن من حديث ابن عمرو مرفوعًا: [نجا أوَّلُ هذه الأمة باليقين والزهد، ويَهلكُ آخرُها بالبُخْل والأمل] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾.\nتنبيه لأهل مكة ولمن سار على منهاجهم في الكفر والطغيان وتكذيب الرسل: بأنه ما أهلك الله قرية إلا بعد إقامة حجّته البالغة على أهلها، وبأنه سبحانه لا يؤخر هلاك أمة حان أجل عقابها ونزول الدمار فيها.\nوقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.\nقال الزهري: (نرى أنه إذا حضر أجله، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدّم، وأما ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدّم ما شاء).\nوقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ما يتقدّم هلاك أمة قبل أجلها الذي جعله الله أجلًا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي جعل لها أجلًا).\n٦ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: اتِّهامُ الكفار محمدًا - ﷺ - بالجنون، وتنطُّعهم بطلب نزول الملائكة تشهد له بالنبوة إن كان من الصادقين، وردُّ الله تعالى عليهم طلبهم بأن الملائكة إنما تنزل بالرسالة على النبيين، أو بالعذاب على المجرمين، وتأكيدُ الله سبحانه أن هذا القرآن أنزله وتكفل بحفظه ولو كره الكافرون.\nوعن الضحاك: (﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ قال: القرآن).\nقال النسفي: (﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ يعنون محمدًا ﵇، وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء، كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن أبي الدنيا في اليقين (٣)، والأصبهاني في الترغيب (١٦٥)، والديلمي في زهر الفردوس (٤/ ١٢٣)، وانظر صحيح الجامع - حديث رقم - (٦٦٢٢).","vol":"4","page":304},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\nأي: هلّا تأتينا بالملائكة شاهدة لك على صدق ما تقول إن كنت صادقًا في دعواك النبوة والرسالة واختيار الله لك بالوحي.\nوفي التنزيل: - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢١، ٢٢].\nوقوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، قال: بالرسالة والعذاب).\nوهناك قراءات ثلاث متقاربات المعاني لقوله ﴿نُنَزِّلُ﴾. فقد قرأها قراء المدينة والبصرة \"ما تَنَزَّلُ\"، أي الفعل للملائكة. وقرأها بعض أهل الكوفة: \"ما نُنَزِّل\"، وبعضهم قرأها \"ما تُنَزَّلُ\".\nقال ابن جرير: (فتأويل الكلام: ما ننزل ملائكتنا إلا بالحق، يعني بالرسالة إلى رسلنا، أو بالعذاب لمن أردنا تعذيبه، ولو أرسلنا إلى هؤلاء المشركين على ما يسألون إرسالهم معك آية فكفروا لم ينظروا فيؤخروا بالعذاب، بل عوجلوا به كما فعلنا ذلك بمن قبلهم من الأمم حين سألوا الآيات فكفروا حينِ أتتهم الآيات، فعاجلناهم بالعقوبة). وقال القاسمي: (﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ أي مُؤخَّرِين).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.\nتقرير وتأكيد أن هذا القرآن أنزله الله وتكفل حفظه من التغيير والتحريف والتبديل.\nقال قتادة: (فأنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلًا ولا ينتقص منه حقًا، حفظه الله من ذلك). قال: (وقيل: الهاء في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من ذكر محمد - ﷺ -، بمعنى: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه).\nقال النسفي: (﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وهو ردّ لإنكارهم واستهزائهم في قولهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾، ولذلك قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ فأكّد عليهم أنه هو المنزل على القطع وأنه هو الذي نزله محفوظًا من الشياطين، وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيًا، فوقع التحريف، ولم يكل","vol":"4","page":305},{"text":"القرآن إلى غير حفظه، وقد جعل قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ دليلًا على أنه منزل من عنده آية، إذ لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام سواه. أو الضمير في \"له\" لرسول الله - ﷺ - كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾).\nوقال القاسمي: (﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي من كل مَنْ بغى له كيدًا. فلا يزال نور ذكره يسري، وبحر هداه يجري، وظلال حقّيّته في علومه تمتد على الآفاق، ودعائم أصوله الثابتة تطاول السبع الطباق، رغمًا عن كيد الكائدين، وإفساد المفسدين. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. وفي إيراد الجملة الثانية اسميةً، دلالة على دوام الحفظ).\nقلت: والحفظ للذكر يتناول حفظ التأويل، وإقامة الحجة على مدار الزمان بصواب التفسير، وهذا يتضمن حفظ الوحي الثاني - ألا وهو السُّنة - المفسرة للوحي الأول: القرآن. كيف لا، وقد جاءت كلمة \"الذكر\" في موضع آخر من القرآن لتدل على ذلك.\nقال تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\nأي: وأنزلنا إليك السنة وهي السيرة، لتفسر بها للناس هذا القرآن.\nقال الحافظ ابن كثير: (﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله عليك وحرصك عليه).\nفكلاهما في كِلاءة الله وحفظه، وقد تكفل الله بحماية فهم كتابه، ليبقى الدين بهذا النقاء والصفاء حجة الله على عباده.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، عن أبي سعيد الخدري قال: [كنا جلوسًا ننتظر رسولَ الله - ﷺ -، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، فقمنا معه، فانقطعت نعله، فتخلَّفَ عليها عليٌّ يَخْصِفُها، فمضى رسول الله - ﷺ - ومضينا معه، ثم قام ينتظره، وقمنا معه، فقال: \"إنَّ منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله\". فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكنه خاصف النعل. قال: فجئنا نبشِّرُه] (١).\nوفي رواية: (إنّ منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله. فقام أبو بكر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"خصائص علي\" ص (٢٩)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٣)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٨٧).","vol":"4","page":306},{"text":"وعمر، فقال: لا، ولكن خاصف النعل، وعليٌّ يخصِفُ نعله).\nوجاء في تدريب الراوي للسيوطي، وفي \"الباعث الحثيث\" شرح اختصار علوم الحديث، عن عبد الله بن المبارك: (وقد سئل: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾).\nوجاء في: \"الروض الباسم في الذّب عن سنة أبي القاسم\" عن العلامة محمد بن إبراهيم الوزير قال: (﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: وهذا يقتضي أن شريعة رسول الله - ﷺ - لا تزال محفوظة، وسنّتَه لا تبرح محروسة).\nوفي سنن أبي داود والبيهقي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة مَنْ يُجَدِّدُ لها دينها] وسنده صحيح (١).\nوأخرج ابن عدي في الكامل عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [يحمل هذا العلم من كل خلف عُدولُهُ، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين] (٢).\n١٠ - ١٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تَسْلِيةُ الله تعالى نبيّه بِوَصْلِهِ بسنن المرسلين، وقد جاؤوا أقوامهم بالبلاغ المبين، فكذبوهم وآذوهم واستهزؤوا بهم حتى طبع الله على قلوب المجرمين. فهم لا يؤمنون ولو أبصروا عظيم آيات الله في هذا الكون لقالوا نحن قوم مسحورون.\nفعن ابن عباس: (﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: أمم الأولين). و﴿شِيَعِ﴾ جمع شيعة، وشيعة الرجل: أولياؤه، والمقصود: تسلية النبي - ﷺ - عما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٢٩١)، والحاكم (٤/ ٥٢٢)، والبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (ص ٥٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٩٩).\n(٢) حديث حسن. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (٢٤٨)، وصحح بعض طرقه الحافظ العلائي في \"بغية الملتمس\"، وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٢٦٩).","vol":"4","page":307},{"text":"يلقاه من تكذيب قومه، بأنه ما أتى رسولٌ قبله في أمة إلا استهزؤوا به وكذبوه وعاندوه، وسخروا به وبمن تبعه، وتمردوا وعتوا في الأرض بغيًا وكبرًا. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.\nقال قتادة: (إذا كذبوا سلك الله في قلوبهم أن لا يؤمنوا به). وقال ابن جريج: (﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال: التكذيب). وقال الحسن: (الشرك). وقال ابن زيد: (هم كما قال الله، هو أضلهم ومنعهم الإيمان).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين بالاستهزاء بالرسل، كذلك نفعل ذلك في قلوب مشركي قومك الذين أجرموا بالكفر بالله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يقول: لا يصدّقون بالذكر الذي أنزل إليك. والهاء في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ من ذكر الاستهزاء بالرسل والتكذيب بهم).\nقلت: والآية دلالة على بعض عقوبات الله في حرمانه الهدى والهداية لمن استهزأ بفرصها وضيّعها، فإن للإيمان بالله ومتابعة الرسل مواسم وعزائم تتوجه نحو القلب فإن فوّتها ولم يكترث بها ربما لم تعد مرة أخرى، وكان الضياع والحرمان ثم الشقاء.\nففي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله - ﷺ - يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تَعْنون فتنةَ الرجل في أهله وماله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تِلكَ تُكفِّرُها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع رسول الله - ﷺ - يذكر التي تَموجُ موج البحر؟ قال حذيفة: فَأَسْكَتَ القومُ، فقُلتُ: أنا. قال: أنت لله أبوك؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [تُعرض الفِتَنُ كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قَلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قَلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصير على قلبين: على أبيضَ مثل الصفا فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السماواتُ والأرضُ، والآخر مُرْبادًّا كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفًا ولا يُنْكِرُ منكرًا، إلّا ما أُشرِبَ من هواه] (١).\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nقال قتادة: (وقائع الله فيمن خلا قبلكم من الأمم). وقال النسفي: (مضت طريقتهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠) - كتاب الفتن - باب: عرض الفتن على القلوب ونكتها فيه. وقوله \"مربادًا\": شدة البياض في سواد. و\"مجخيًا\": منكوسًا.","vol":"4","page":308},{"text":"التي سنّها الله في إهلاكهم حين كذبوا رسله، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.\nأي: ولو أريناهم أكبر آية - نحو فتح باب من السماء - ويسرنا لهم معراجًا يصعدون فيه إليها، وأبصروا من عظيم الآيات والدلائل على وجوب إفراد الله تعالى بالتعظيم، والتصديق بالوحي الذي نزل على محمد - ﷺ - سيد المرسلين، لقالوا إنما هو شيء نتخايله لا حقيقة له، بل سحرنا محمد بذلك.\nوعن مجاهد: (﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾، قال: سُدّت أبصارنا). وقال قتادة، عن ابن عباس: (أخذت أبصارنا). وقال العوفي، عن ابن عباس: (شبِّهَ علينا، وإنما سُحِرْنا). وقال الكلبي: (عَمِيت أبصارنا). وقال ابن زيد: (﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾، السكران الذي لا يَعْقِلُ). قال ابن جرير: (معنى ذلك: أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء على ما هو به، وذهب حدُّ إبصارها، وانطفأ نوره).\n١٦ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تَذْكيرُ الله تعالى عباده ببعض آياته البديعة من خلقه، فقد خَلَقَ السماء وجعلها سبع طبقات لكل منها ارتفاعها وملائكتها وأفلاكها، وَزَيَّنَ السماء الدنيا بالنجوم والكواكب الثواقب تبهر الناظرين، وتطرد بشهبها الشياطين، إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين، والأرض بسطها سبحانه ومهّدها وثبّتها بالجبال الشامخات وأنبت فيها من كل شيء بقدر معلوم، رزقًا للعباد وَلِمَنْ لَسْتُم له من الخلق برازقين.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال مجاهد: (كواكب). وقال قتادة: (وبروجها: نجومها).\nوقوله: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وزينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وأبصرها).","vol":"4","page":309},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.\nقال ابن عباس: (إن الشهب لا تقتل، ولكن تحرق وتخبل (١) وتجرح من غير أن تقتل).\nوالمقصود: أن الله تعالى قد حفظ السماء الدنيا من كل شيطان لعين أن يسترق الخبر يقضيه سبحانه في السماء، كما كانوا يفعلون قبل بعثة النبي ﵊، ولكن ربما خطف بعضهم جزءًا من الخبر قبل أن يحرقه الشهاب فيضيف عليه مئة كذبة فيصدق عند الجهال في الأرض بتلك الكلمة التي ألقاها إلى الساحر وأضاف لها ما أضاف من الكذب لتصبح قصة لها بداية ونهاية.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه - عند تفسير هذه الآية - عن أبي هريرة يبلغُ به النبي - ﷺ - قال: [إذا قضى الله الأمرَ في السماء ضَرَبت الملائكةُ بأجنحتها خُضْعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان - قال عليُّ: وقال غيرُه: صَفْوانٍ يَنْفُذُهُمْ، ذلكَ - فإذا فُزِّغَ عن قلوبِهم قالوا: ماذا قال ربّكُم؟ قالوا للذي قال: الحَقَّ وهو العليُّ الكبيرُ، فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُو السمع، ومسترِقُو السَّمع هكذا، واحِدٌ فوقَ آخرَ.- ووصف سفيانُ بيده وفرَّج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضَها فوْقَ بعض - فربَّما أدركَ الشِّهابُ المستَمِعَ قبل أن يَرْميَ بها إلى صاحِبهِ فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّما لم يُدْرِكْهُ حتى يَرْمِيَ بها إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسْفَلُ منه حتى يُلْقوها إلى الأرض - وَرُبَّما قال سفيانُ: حتى تنتَهِيَ إلى الأرض، فَتُلْقى على فَم السّاحر فَيَكْذِبُ معها مئة كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ فيقولون: ألم يُخْبِرْنا يَوْمَ كذا وكذا يكونُ كذا وكذا؟ فوجَدْناهُ حَقًّا - للكلمة التي سُمِعَتْ مِنَ السماء] (٢).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].\n_________\n(١) الخبل: فساد الأعضاء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٠١) - كتاب التفسير - سورة الحجر، آية (١٨)، وأخرجه أبو داود (٣٩٨٩)، والترمذي (٣٢٢٣)، وابن ماجه (١٩٤)، وابن حبان (٣٦).","vol":"4","page":310},{"text":"وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: دحوناها فبسطناها ومهدناها وجعلنا على بعض أجزائها الجبال الثابتات.\nقال قتادة: (﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾. وقال في آية أخرى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. وذُكِرَ لنا أن أمّ القرى مكة، مِنْها دُحيت الأرض. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ رواسيها: جبالها).\nوقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. يعني أنبت فيها سبحانه من الزروع والثمار المتناسبة.\nقال ابن عباس: (أي: معلوم). وقال ابن زيد: (من كل شيء يُوزَنُ ويُقَدَّر بِقَدَر).\nوقال ابن زيد: (ما تزِنهُ الأسواقُ).\nقال القاسمي: (أي وزن بميزان الحكمة، وقُدِّرَ بمقدار تقتضيه، لا يصلح فيه زيادة ولا نقصان. أو بمعنى مستحسن متناسب من قولهم: كلام موزون).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾.\nالمعايش: جمع معيشة. قال الحسن: (إنها الملابس). وقيل: (إنها التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة) - قال الماوردي: (وهو الظاهر). قال القرطبي: (﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ يعني المطاعم والمشارب التي يعيشونَ بها).\nوعن مجاهد: (﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: الدواب والأنعام). وقال منصور: (الوحش). قال ابن جرير: (وأحسن أن يقال: عني بقوله ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ من العبيد والإماء والدواب والأنعام).\nقال ابن كثير: (والقصْدُ أنه تعالى يمتنّ عليهم بما يَسَّرَ لهم من أسباب المكاسب ووُجوه الأسباب وصُنوف المعايش، وبما سَخَّرَ لهم من الدواب التي يركبونها والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقُهم على خالقهم لا عَليهم، فلهم هو المنفعة، والرزق على الله تعالى).\n٢١ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ","vol":"4","page":311},{"text":"بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إِثْباتُ خزائن منافع العباد بيد الله تعالى وإنما تصريف ذلك حسب مشيئته وحكمته جلت صفاته، وإِثْباتُ إرسال الله الرياح حوامل ملقحة تحمل الماء والتراب والخير والنفع الكثير، وكذلك المطر المنهمر والحياة والموت بأمر الله العزيز الكبير، الذي علم الأرزاق والآجال والأعمال والمرجع إليه وهو الحكيم الخبير.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.\nأي: كل خزائن منافع العباد عند الله تعالى وهو ينزل من ذلك بحكمته وتقديره.\nيروي ابن جرير بسنده عن أبي جحيفة، عن عبد الله، قال: (ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه عمن يشاء، ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾).\nوفي لفظ، قال عبد الله بن مسعود: (ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه حيث شاء، عامًا ها هنا وعامًا ها هنا، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾).\nقلت: فخزائن صنوف جميع الأشياء عند الله تعالى، ينزل منها بحكمته فيغطي بذلك حاجات عباده أو بعضها، أو يعاقبهم فيحرمهم من إنزالها، وينزل المعونة برحمته على قدر المؤنة، وينزل الفرج والصبر على قدر المصيبة.\nيروي الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ المعونة تأتي من الله للعبد على قَدْر المؤنة (١)، وإن الصبر يأتي من الله على قدْر البلاء] (٢). وفي رواية: (على قدر المصيبة).\nوفي لفظ آخر: [إنّ الله يُنزِلُ المعونة على قدر المؤنة، وينزل الصبر على قدر البلاء].\n_________\n(١) المؤنة: القوت، ويقال أيضًا: المؤونة. والجمع: مُؤن، ومؤونات.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البزار في \"مسنده\" (ص ١٥٦)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢٠٦/ ١)، وابن عساكر (٥/ ٢٠٥/ ٢)، ورواه الحاكم والبيهقي. انظر صحيح الجامع (١٩٤٨) (١٩١٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٦٦٤).","vol":"4","page":312},{"text":"وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ - أي: حوامل، تحمل الماء والتراب والسحاب والخير والنفع الكثير. وهي في الحقيقة لاقحة ملقحة، ولقحها: حملها الماء وإلقاحها السحاب والشجر: عملها فيه. قال ابن مسعود: (يرسل الله الرياح فتحمل الماء، فتجري السحاب، فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر) - ذكره بسنده ابن جرير، ثم قال: (فقد بين عبد الله بقوله: يرسل الرياح فتحمل الماء أنها هي اللاقحة بحملها وإن كانت ملقحة بإلقاحها السحاب والشجر).\nوعن الحسن: (﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: لواقح للشجر، قلت: أو للسحاب؟ قال: وللسحاب تمريه حتى يمطر).\nوقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾. قال القرطبي: (﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي من السحاب. وكل ما علاك فأظلّكَ يسمى سماء. وقيل: من جهة السماء. ﴿مَاءً﴾ أي قطرًا. ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم).\nوفي لغة العرب: سقيته الماء أي ليشرب هو، وأسقيته الماء: إذا جعلت له ماءً لشربه ولشرب أرضه وماشِيَتِه.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾. قال سفيان: (بِمَانِعين). قال ابن كثير: (ويَحتمِلُ أنّ المراد: وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزِلُه ونحفظُه عليكم، ونجعَلُه مَعِينًا وينابيعَ في الأرض، ولو شاء تعالى لأغارَه وذَهَبَ به، ولكن مِنْ رحمتِه أنزله وجعله عذبًا، وَحَفِظَهُ في العُيون والآبار والأنهار وغير ذلك، ليبقى لهم في طول السَّنةِ يشربون ويُسقُون أنعامَهُم وزُروعهم وثمارهم).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠].\nأخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: [ما من عامٍ بأكثر مطرًا من","vol":"4","page":313},{"text":"عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾] (١).\nوله شاهد عند البغوي في \"معالم التنزيل\" من حديث ابن مسعود يرفعه: [ليس من سنة بأمَرَّ من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾.\nقال النسفي: (أي نحيي بالإيجاد ونميت بالإفناء، أو نميت عند انقضاء الآجال ونحيي لجزاء الأعمال على التقديم والتأخير إذ الواو للجمع المطلق ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ الباقون بعد هلاك الخلق كلهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.\nقال عكرمة: (هم خلق الله كلهم، قد علم من خلق منهم إلى اليوم، وقد علم من هو خالقه بعد اليوم). وقال قتادة: (المستقدمين: من مضى، والمستأخرين: من بقي في أصلاب الرجال). وقال مجاهد: (من مات ومن بقي).\nوكان الحسن يقول: (المستقدمون في طاعة الله، والمستأخرون في معصية الله).\nوعن أبي الجوزاء قال: (المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة والمستأخرين).\nقلت: وكل ما سبق داخل في تأويل هذه الآية، كما أن النّص الصحيح جاء في تأكيد التفسير في صفوف القوم في الصلاة.\nفقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [كانت امرأة تُصلي خلف رسول الله - ﷺ -، حسناء من أحسن الناس، وكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لأن لا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٠٣)، وابن جرير في \"التفسير\" (١٩/ ١٥)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني في الصحيحة (٢٤٦١).\n(٢) حديث صحيح. انظر \"معالم التنزيل\" (٦/ ١٨٤ - منار)، والمرجع السابق (ج ٥) ص (٥٩٣).","vol":"4","page":314},{"text":"نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾] (١).\nوله أصل من حديث سفيان الثوري، أخرجه الحاكم عن رجل عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ قال: (﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: الصفوف المقدمة، و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: الصفوف المؤخرة) (٢).\nوأخرج ابن مردويه عن داود بن صالح قال: [قال سهل بن حنيف الأنصاري: أتدرون فيم أنزلت: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ. .﴾ الآية؟ قلت: في سبيل الله، قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة] (٣).\nوقد زعم ابن كثير ﵀ في الحديث السابق - حديث الترمذي - نكارة شديدة، ربما يعني أنه لا يعقل لأحد من المصلين التأخر للصف الآخر لينظر إلى امرأة. والجواب على ذلك بأن يقال: إذا ورد الأثر بطل النظر، ويحتمل عندئذ أن يكون الناس المستأخرون من المنافقين أو ممن أسلم حديثًا ولم ترسخ آداب الإسلام في سلوكهم.\nومن جهة أخرى، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمع أن المعنى المستفاد من سبب النزول يختلف قليلًا عما تدل عليه الآية بسباقها وسياقها، فإن عموم اللفظ يتسع لذلك، وقد اختار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀ حمل الآية على هذا العموم حيث قال: (وجائز أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء، والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكون الله ﷿ عمّ بالمعنى المراد منه جميع الخلق، فقال جلّ ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق وأحصيناهم وما كانوا يعملون ومن هو حيّ منكم، ومن هو حادث بعدكم أيها الناس! وأعمال جميعكم، خيرها وشرها، وأحصينا جميع ذلك، ونحن نحشرهم جميعهم فنجازي كلًا بأعماله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فيكون ذلك تهديدًا ووعيدًا للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء، ولكل من تعدى حد الله وعمل بغير ما أذن له به، ووعدًا لمن تقدّم في الصفوف لسبب النساء وسارع إلى محبة الله ورضوانه في أفعاله كلها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٤١) - أبواب تفسير القرآن - سورة الحِجْر، وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٩٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٧٢).\n(٢) انظر: مستدرك الحاكم (٢/ ٣٥٣)، والمرجع السابق (ج ٥) ص (٦١٠).\n(٣) انظر: \"الدر المنثور\" (٤/ ٩٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (ج ٥) ص (٦١٠)، وهو شاهد للحديث السابق الذي رواه الترمذي والطيالسي.","vol":"4","page":315},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال قتادة: (﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾: أي الأول والآخر). وقال عكرمة: (هذا من ها هنا، وهذا من ها هنا). وعن عطاء، عن ابن عباس قال: (وكلهم ميت، ثم يحشرهم ربهم). وقال الحسن: (قال عليّ: قال داود: سمعت عامرًا يفسر قوله ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: إن ربك حكيم في تدبيره خلقه في إحيائهم إذا أحياهم، وفي إماتتهم إذا أماتهم، عليم بعددهم وأعمالهم، وبالحيّ منهم والميت، والمستقدم منهم والمستأخر). وقال قتادة: (كل أولئك قد علمهم الله، يعني المستقدمين والمستأخرين).\n٢٦ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن خلقه الإنسان من صلصال من طين، والجان من نار السموم، وذِكْرُ خبر أمر الله الملائكة السجود لآدم وجدال إبليس المتكبر اللعين، الذي كتب الله عليه لعنته إلى يوم الدين، ثم أنظره فتنة للعالمين، إلى يوم الوقت المعلوم.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.\nقال ابن عباس: (خلق آدم من صلصال من حمأ ومن طين لازب، وأما اللازب: فالجيد، وأما الحمأ: فالحمأة، وأما الصَّلصال: فالتراب المرقَّق، وإنما سمي إنسانًا لأنه عهد إليه فنسي). وقال قتادة: (والصلصال: التراب اليابس الذي يسمع له","vol":"4","page":316},{"text":"صلصلة). أو قال: (الطين اليابس له صلصلة). والحمأ: جمع حَمأة، وهو الطين المتغيِّر إلى السواد. والمسنون الأملس.\nوالمقصود: أن الله تعالى خلق الإنسان الأول - آدم ﵇ - من قبضة من تراب جمعها من كل ترب الأرض، فجعلها في يده كالصلصال من الطين المتغير - إلى السواد - الأملس.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٤، ١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠].\nوفي سنن أبي داود والترمذي بسند صحيح عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله خلقَ آدم من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والخبيث والطيِّبُ، وبين ذلك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.\nأي: وكان خلق إبليس - وهو أبو الجن - من قبل خلق الإنسان، خلقه الله من نار السموم.\nقال ابن عباس: (السموم الحارّة التي تقتل). وقال الضحاك: (من لهب النار).\nوقيل: (من أحسن النار). قال ابن كثير: (ومقصود الآية التنبيه على شرف آدم ﵇، وطيب عنصره، وطهارة مَحْتِده (٢».\nوفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [خُلِقت الملائكة من نور، وخُلِقَ الجان من مارج من نار، وخُلِقَ آدم مما وصف لكم] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥)، وأحمد (٤/ ٤٠٠)، والحاكم (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢)، وأخرجه ابن حبان (٦١٦٠)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(٢) المحتد: الأصل والجوهر.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٢٢٦). وانظر مختصر صحيح مسلم (٢١٦٩) ص (٥٧٨). وقوله: \"مما وصف لكم\": أي من طين.","vol":"4","page":317},{"text":"ثم ذكر تعالى تنويهَه بذكر آدم ﵇ في ملائكته، وأمره لهم بالسجود له تشريفًا له وتكريمًا، وشمل الأمر إبليس الذي اعترته الحمية، وتعزّز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، فأتبعه الله السخطة واللعنة وطرده من الجنة والرحمة، فسأل الله النظرة، فأعطاه سبحانه النظرة، استكمالًا للبلية، واستحقاقًا للسخطة إلى يوم الدين. وقد مضى تفصيل ذلك في أول سورة البقرة، فلله الحمد والمنة.\n٣٩ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تَعَهُّدُ إبليس إغواء ذرية آدم إلا عباد الله المخلصين، الذين سيحميهم الله من محاولاته ومكره إلا من اتبعه من الغاوين. فإن جهنم موعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب قد كُتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس منه يلجون.\nفقوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. أي: بسبب إغوائك. وقيل: أقسم بإغواء الله له.\nوقوله: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن جرير: (لأحسننّ لهم معاصيك، ولأحببنّها إليهم في الأرض).\nوقوله: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. أي: لأصرفنهم عن سبيل الهدى والرشاد، إلى سبيل الغي والضلال.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال الضحاك: (يعني: المؤمنين). وقال قتادة: (هذه ثَنِيَّةُ الله تعالى ذكره).\nوفي التنزيل:\n﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].\nومن كنوز السنة المطهرة في آفاق مفهوم الآية أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح في الشواهد عن أبي سعيد","vol":"4","page":318},{"text":"- ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنّ الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث الحارث الأشعري عن النبي - ﷺ - قال: [وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يَحْرِزُ نفسَهُ من الشيطان إلا بذكر الله تعالى] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس في حجة الوداع فقال: [إنّ الشيطان قد يَئِسَ أن يُعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتابَ الله، وسنّة نبيّه. . .].\nوأصله في صحيح مسلم من حديث جابر بلفظ: [إن الشيطان قد أيسَ أن يَعْبُدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.\nقال مجاهد: (الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرِّج على شيء). وقيل المعنى: المرجع إلى الله ثم الجزاء والحساب.\nوعن ابن سيرين: (أنه كان يقرأ ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ يعني: رفيع).\nواختار ابن جرير القراءة الأولى ﴿عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ وهي الأشهر.\n_________\n(١) صحيح لشواهده. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦١)، والبيهقي في \"الأسماء\" (ص ١٣٤)، وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (١/ ١٤٦)، وأحمد (٣/ ٢٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٠٤)، فضيلة الاستغفار والذكر.\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٠٢)، والترمذي (٢٨٦٧) - (٢٨٦٨)، في الأمثال، باب ما جاء في مثل الصيام والصلاة والصدقة، وهو جزء من حديث طويل.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٣٨)، والترمذي (٣/ ١٢٧)، وأحمد (٣/ ٣١٣)، والحاكم باللفظ الأول، وأخرجه أبو يعلى (٢/ ٥٧٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٠٨).","vol":"4","page":319},{"text":"والخلاصة في تأويل الآية:\nالتأويل الأول: طريق الحق مرجعُها إلى الله تعالى، وإليه تنتهي، كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].\nالتأويل الثاني: أي مرجعكم كُلّكُم إليّ، وهو تهديد وتوعد من الله لإبليس ومن تبعه - ثم أجازيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].\nوكلاهما مما يحتمل من التأويل، ويتسع له البيان الإلهي المعجز.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.\nتأكيد على حماية الله تعالى عباده المؤمنين المخلصين من سبيل الشياطين.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن عبادي ليس لك عليهم حجة، إلا من اتبعك على ما دعوته إليه من الضلالة ممن غوى وهلك).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nتأكيد لمكان مستقر الطغاة والمجرمين، وهي جهنم موعد الكفار أجمعين.\nقال ابن كثير: (أي: جهنّم موعدُ جميع من اتَّبعَ إبليس، كما قال عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]).\nوقوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾.\nإخبار من الله تعالى عن جهنم، أن لها سبعة أبواب، قد كُتب لكل باب منها جزءٌ من أتباع إبليس، اختارهم الله لذلك الباب لولوج جهنم منه حسب أعمالهم وتبعًا لجرائمهم. قال قتادة: (هي والله منازلُ بأعمالهم).\nقلت: ونار جهنم كما أن لها سبعة أبواب، كذلك لها سبعون ألف زِمام (١).\nففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مَعَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (٢).\n_________\n(١) الزمام: ما يزم به الشيء، أي يشد به ويربط.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٤٩)، وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٧٥)، كتاب صفة النار، باب: في ذكر أزِمّة النار.","vol":"4","page":320},{"text":"٤٥ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ الله حال المتقين، فهم يوم الخلود في جنات وعيون، يدخلونها بسلام آمنين، لا غل ولا حسد ولا حقد في قلوبهم على سرر متقابلين، لا يمسهم فيها أي تعب وما هم منها بمخرجين، فإن الله هو الغفور الرحيم، وإن عذابه هو العذاب الأليم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ - بيان للصورة المقابلة، فأهل النار في جحيم وسموم، وأهل الجنة في جنات وعيون. فإن جزاء التقوى الجنة.\nوقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾، أي: سالمين من الآفات، مُسَلّمًا عليكم، ﴿آمِنِينَ﴾ أي: من كل خوف وفزَع، ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناءٍ).\nقلت: ويدخل أولًا السابقون السابقون، ثم أصحاب اليمين.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢].\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: يروي الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أتعلمُ أولَ زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم؟ فقال: المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسبُ وإنما كانت أسيافنا","vol":"4","page":321},{"text":"على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم فيقيلون فيها أربعين عامًا قبل أن يدخلها الناس] (١).\nوأما صفة دخول الزمر الجنة - فتدخل الزمرة الأولى، ثم الزمرة الثانية. وتفصيل ذلك:\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [أول زمرةٍ تَلِجُ الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصُقون فيها، ولا يمتخطون ولا يتغوَّطونَ، آنيتُهم فيها الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامِرُهُم الألُوَّة، ورشْحُهم المِسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مُخُّ سُوقِها من وراء اللحم من الحُسْن، لا اختلاف بينهم ولا تباغُض، قلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والثانية على لونٍ أحسنَ من كوكب دري في السماء، لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حُلّة، يبدو مُخُّ ساقها من ورائها] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.\nقال علي ﵁: (إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم).\nقال النسفي: (﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ وهو الحقد الكامن في القلب، أي إن كان لأحدهم غل في الدنيا على آخر نزع الله ذلك في الجنة من قلوبهم وطيّب نفوسهم. قال: وقيل معناه: طهّر الله قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة ونزع منها كل غل وألقى فيها التوادد والتحابب ﴿إِخْوَانًا﴾ حال ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ كذلك قيل تدور بهم الأسِرّة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين يرى بعضهم بعضًا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٧٠) على شرط مسلم، ورواه البيهقي وصححه الألباني، انظر صحيح الجامع (٩٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٨٥٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٤٦). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٥٦)، (١٩٥٧)، وصحيح الجامع (٢٥٦١) - (٢٥٦٣)، ورواه البخاري وغيره.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٦)، والترمذي (٢/ ٨٥ - ٨٧)، وانظر صحيح مسلم (٨/ ١٤٦)، وصحيح ابن حبان (٢٦٣١)، (٢٦٣٢).","vol":"4","page":322},{"text":"أخرج البخاري وأحمد من حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: [يخلص المؤمنون من النار، فَيُحْبَسُون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقتصّ لبعضهم من بعض، مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا ونُقّوا أُذِنَ لهُم في دخول الجنة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾.\nأي: لا ينالهم تعب في الجنة، بل هم في راحة دائمة ولذة مستمرة، في إقامة سرمدية لا منغّصَ لها ولا قاطع.\nوالنصب: التعب والمشقة والأذى، وقد ورد ذكر نفي ذلك - في السنة - في شأن خديجة ﵂ في بيت خاص لها في الجنة.\nفقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال: [أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتَتْ معها إناء فيه إدامٌ أو طعامٌ أو شرَابٌ، فإذا هي أتَتْكَ فاقرأ ﵍ من ربِّها ومِنّي، وبَشِّرها بِبَيْتٍ في الجنة من قَصَبٍ، لا صَخبَ فيه ولا نَصَب] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ يدخل الجنة يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلى ثيابُه ولا يَفْنى شبابُه] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.\nجَمْعٌ بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، وعليهما بناء التوازن في العبادة.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن اللهَ خلَقَ الرَّحْمة يَوْمَ خلقها مِئَةَ رحْمة، فأمْسكَ عِنده تِسْعًا وتِسْعين رَحْمةً، وأرسَلَ في خلقِهِ كلّهم رحمة واحِدة، فلو يعلم الكافِر بكل الذي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤٠)، وأحمد (٣/ ١٣)، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٨٢٠)، كتاب مناقب الأنصار، وانظر صحيح مسلم (٢٤٣٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٦)، كتاب الجنة ونعيمها، باب في دوام نَعيم أهل الجنة.","vol":"4","page":323},{"text":"عند الله من الرحمة لم يَيْأَسْ من الجنة، ولو يَعْلمُ المؤمنُ بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمَنْ من النار] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البزار بسند حسن عن أبي سعيد مرفوعًا: [لو تعلمون قَدْرَ رحمةِ الله لاتكلتم عليها].\nورواه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر مرفوعًا: [لو تَعْلمون قَدْر رحمةِ الله ﷿، لاتّكلتم وما عَمِلْتُم مِنْ عَمَلٍ، ولو عَلِمْتُم قَدْر غَضَبِهِ ما نفعكم شيء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج عبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\" بسند حسن عن أنس: [أن النبي - ﷺ - دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمّنه مما يخاف] (٣).\n٥١ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْر الله خبر الملائكة الذين أرسلهم الله لاستئصال قوم لوط المجرمين، فنزلوا ضيوفًا عند إبراهيم، فخاف منهم فبشروه بغلام عليم، كما بشروه بهلاك قوم آثمين، وبنجاة آل لوط إلا امرأته كانت من الغابرين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٦٩)، كتاب الرقاق، باب الرجاء مع الخوف، وانظر صحيح مسلم (٢٧٥٥)، وسنن الترمذي (٣٥٤٢)، ومسند أحمد (٢/ ٣٣٤).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن أبي الدنيا في \"حسن الظن\" (٢/ ١٩٣/ ١)، وقال الهيثمي (١٠/ ٢١٣): \"رواه البزار، وإسناده حسن\". انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢١٦٧).\n(٣) حديث حسن. أخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\" (ص ٢٤/ ٢٥)، وابن أبي الدنيا كما في \"الترغيب\" (٤/ ١٤١)، ورواه الترمذي وغيرهم.","vol":"4","page":324},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾. أي: أخبر عبادي - يا محمد - عن الملائكة الذين دخلوا ضيفًا على إبراهيم ﵊، حين بعثهم الله لإهلاك قوم لوط المجرمين.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾.\nإخبار من الله سبحانه عن الملائكة الذين نزلوا على إبراهيم الخليل - ﷺ -، فباشروه بالسلام، لكنه ما لبث أن أوجس منهم خيفة حينما رأى أيديهم لا تصل إلى العجل السمين الحنيذ الذي قرّبه إليهم ضيافة منه لهم. فقال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ - أي خائفون.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾.\nأي قالوا له لا تخف، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وهو إسحاق ﵊.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.\nقال مجاهد: (عجب من كبره، وكبر امرأته).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (قال ضيف إبراهيم له: بشرناكَ بحقّ يقين، وعلم منَّا بأن الله قد وهب لكَ غلامًا عليمًا، فلا تكن من الذين يقنطون من فضل الله، فييأسون منه، ولكن أبشر بما بشرناكَ به واقبل البشرى).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.\nقال النسفي: (أي لم أستنكر ذلكَ قنوطًا من رحمته ولكن استبعادًا لهُ في العادة التي أجراها).\nفي التنزيل: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].\nومن كنوز صحيح السنة في ذمِّ القنوط من رحمة الله حديثان:\nالحديث الأول: يروي الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأسُ من رَوْح الله، والأمْنُ من مكر الله] (١).\n_________\n(١) إسناده صحيح. انظر تحقيق \"فتح المجيد\" - الأرناؤوط (٤٢٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٩٢) - لتفصيل البحث.","vol":"4","page":325},{"text":"الحديث الثاني: روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن مسعود قال: [أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوطُ من رحمة الله، واليأسُ من رَوْح الله] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾.\nإِخْبارٌ من الله سبحانهُ عن سؤال إبراهيم لضيوفهِ - لما ذهب عنه الروع وجاءتهُ البشرى - عن سبب قدومهم ومجيئهم له، فأخبروه بإرسال الله تعالى لهم إلى قوم لوط المجرمين.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أخبروه أنهم سينجّون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المهلكين. ولهذا قالوا: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: الباقين المُهْلكين).\n٦١ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾.\nفي هذه الآيات: وصول الملائكة إلى لوط - ﵊ - فأنكرهم ولم يعرفهم، فأخبروهُ بأمرهم ومهمّتهم، وأمروه بالخروج بأهله ليلًا فإن موعد القوم الصبح فقد قضي فيه انتهاء أمرهم.\nفقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾.\nإخبار من الله عن إنكار لوط - ﵇ - للملائكة المرسلين في صورة شبابٍ حسانِ الوجوه، أي: إنه أنكرهم ولم يعرفهم.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ - قال مجاهد: (بعذاب قوم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن مسعود. انظر: \"فتح المجيد\" (٤٢٤) - تحقيق الأرناؤوط، والمرجع السابق (١/ ٤٩٢) لمزيد من التفصيل.","vol":"4","page":326},{"text":"لوط). قال ابن جرير: (فقالت له الرسل: بل نحن رسل الله جئناكَ بما كانَ فيه قومكَ يشكون أنه نازل بهم من عذاب الله على كفرهم به).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.\nأي: أتيناكَ يا لوط باليقين من الله - أن العذاب نازل بقومكَ المجرمين - وإنا لصادقون في خبرنا ذلكَ لك.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾.\nهو أمر الله للوط قبل حلول ساعة الانتقام: أن سر بأهلك ببقية من الليل، وكن من ورائهم وهم أمامكَ ولا يلتفت منكم وراءه أحد. قال مجاهد: (﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ لا يلتفت وراءه أحد، ولا يُعَرِّج). وقال قتادة: (﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ قال: أُمِرَ أن يكونَ خلف أهلهِ، يتبعُ أدبارهم في آخرهم إذا مشوا).\nقال ابن كثير: (يمشي وراءهم، ليكون أحفظَ لهم. وهكذا كانَ رسول الله - ﷺ -: يمشي في الغَزاة بما كان يكونُ ساقةً، يُرجي الضعيف، ويَحملُ المُنْقَطِع. وقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تَلتفِتُوا إليهم، وذرُوهم فيما حلَّ بهم من العذاب والنكال، ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُون﴾، كأنه كان معهم من يهديهم السبيل).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾.\nأي: تقدّمنا إليه في هذا أن دمارهم وقت الصباح، وفرغنا له من ذلكَ الأمر. قال ابن زيد: (أوحينا إليه). وقال ابن عباس: (قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يعني: استئصال هلاكهم مصبحين).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١].\n٦٧ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ","vol":"4","page":327},{"text":"بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾.\nفي هذه الآيات: مَجِيءُ أهل سدوم طمعًا بالحصول على أضياف لوط لفاحشتهم، واستِنْكارُ لوط - ﷺ - على قومه ونصيحته لهم، ولكنهم أصروا على المضي في طلبهم، فأتاهم أمر الله فدمَّر عليهم بلدتهم، وأمطرهم حجارة من السماء وجعلهم عبرة لمن بعدهم.\nفقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. أي: قدم أهل مدينةِ سدوم طمعًا بضيف لوط. قال قتادة: (استبشروا بأضياف نبيّ الله - ﷺ - لوط، حين نزلوا لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾.\nأي: قال لهم لوط هؤلاء أضيافي فلا تُخْجِلون، وخافوا الله في عملكم ولا تذلوني ولا تهينوني فيهم بالتعرض للنيل منهم بمكروه. قال القرطبي: (يجوز أن يكون من الخزي وهو الذل والهوان، ويجوز أن يكون من الخَزاية وهو الحياء والخجل).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (ألم ننهكَ أن تضيف أحدًا). والمقصود أحد تأويلين:\n١ - ألم ننهكَ عن استضافةِ الغرباء - وكانوا يقصدونهم لفاحشتهم.\n٢ - أو لم ننهكَ عن أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.\nقال قتادة: (أمرهم نبيّ الله لوط أن يتزوجوا النساء، وأراد أن يَقِيَ أضيافهُ ببناته).\nوالمقصود: أرشدهم لوط - ﷺ - إلى نسائهم وإلى الزواج وترك الحرام، وربما كنى ببناته عن بنات قومهِ، وقد تقدم بيان ذلكَ في سورة هود.\nوقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nأي: أقسم تعالى بحياة نبيّه - ﷺ - أن القوم كانوا غافلين عما ينتظرهم من العذاب، وكذلكَ قومكَ يا محمد لو أصروا على تكذيبكَ ومخالفتكَ.","vol":"4","page":328},{"text":"قال ابن عباس: (ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرمَ على الله من محمد - ﷺ -، وما سمعتُ الله أقسم بحياةِ أحد غيره، قال اللهُ تعالى ذكره: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾). وعن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: (ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد - ﷺ -، قال: وحياتكَ يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾). أو قال: (لَعَيْشُك ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: يَتَمادَوْن). وهي كلمة من كلام العرب، لفي سكرتهم: أي في ضلالتهم يعمهون: أي يلعبون). وقال الأعمش: (لفي غفلتهم يتردّدون).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾. أي: فأخذتهم صاعقة العذاب عند شروقهم. قال ابن جريج: (حين أشرقت الشمس، ذلكَ مشرقين).\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.\nأي: فرفعنا القرية وقلبناها بمن فيها، بعد مجيء الصوت القاصف عند شروق الشمس، فجعلنا عالي أرضهم سافلها، وأمطرناهم بحجارة من طين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.\nقال مجاهد: (للمتفرسين). وقال ابن عباس: (للناظرين). وقال قتادة: (للمعتبرين). قال ابن كثير: (أي: إنّ آثار هذه النِّقم ظاهرةٌ على تلكَ البلاد لمن تأمَّلَ ذلكَ وتَوَسَّمَهُ بعين بَصَره وبصيرته).\nأخرج البزار والطبراني بسند جيد عن أنس بن مالك قال: قال النبي - ﷺ -: [إنّ لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسُّم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾.\nقال قتادة: (بطريق واضح). وقال مجاهد: (مَعْلَم).\nوالمقصود: أن قرية سَدُوم التي حلَّ بها قوم لوط ونشروا فيها فاحشتهم وقلبها الله فوق رؤوسهم وقذفهم بالحجارة حتى أصبحت بحيرة خبيثة منتنة، هي قرية معلومة لقومكَ يا محمد، مستمرة إلى اليوم بطريق معلم واضح.\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجهُ البزّار (٣٦٣٢)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٩٥٦)، ورجاله ثقات، وحسَّنهُ الألباني - كما في صحيح الجامع - (٢١٦٤).","vol":"4","page":329},{"text":"كما في التنزيل: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: إن في هلاكهم لعبرة للمؤمنين على مر الدهور وتعاقب الأيام. قال القرطبي: (أي: لعبرة للمصدِّقين).\n٧٨ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن ظلم قومِ شعيب وانتقامهِ منهم، وكذلكَ ثمود قوم صالح أصحاب الوادي المعرضين عن آيات ربهم، فأخذتهم صيحة الهلاك وما أغنت عنهم بيوتهم ولا أموالهم ولا قوتهم.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾. المقصود: قوم شعيب وما كانوا عليه من ظلم. قال سعيد بن جبير: (أصحاب الأيكةِ: أصحاب غَيْضة). وقال الضحاك: (هم قوم شعيب، والأيكة: الغيضة). وقال قتادة: (والأيكة: الشجر الملتف).\nقال ابن كثير: (وكان ظُلمُهم بشركهم باللهِ وقطعهم الطريق، ونَقصِهم المكيال والميزانَ، فانتقم الله منهم بالصيحة والرَّجفة وعذاب يوم الظُّلة، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط، بَعْدَهم في الزمان، ومُسَامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: طريق مبين. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: طريق ظاهر. ولهذا لما أنذر شعيب قومهُ قال في نِذَارَتِهِ إياهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]).\nوقال ابن جرير: (﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يقول: وإن مدينة أصحابِ الأيكة، ومدينة قوم لوط. . لبطريق يأتمون بهِ في سفرهم، ويهتدونَ به ﴿مُبِينٍ﴾ يقول: يبينُ لمن ائتمَ به استقامتهُ، وإنما جعل الطريق إمامًا لأنه يُؤَمّ ويُتَّبع).","vol":"4","page":330},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾. المقصود: ثمود قوم صالح ﵇. قال قتادة: (أصحاب الحجر: أصحاب الوادي).\nوقال النسفي: (هم ثمود والحجر واديهم وهو بين المدينة والشام، ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني بتكذيبهم صالحًا، لأن كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعًا، فمن كذَّب واحدًا منهم فكأنما كذبهم جميعًا). وقال القاسمي: (ومن كذب واحدًا من الأنبياء ﵈، فقد كذب الجميع. لاتفاقهم على التوحيد والأصول التي لا تختلفُ باختلاف الأمم والأعصار).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.\nقال القرطبي: (المراد الناقة، وكان فيها آيات جَمَّة: خروجها من الصخرة (١)، ودُنُوُّ نتاجها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى تكفيهم جميعًا. ويحتمل أنه كان لصالح آيات أخر سوى الناقة، كالبئر وغيره. ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي لم يعتبروا).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾. أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، وإنما هو أشر وبطر، وعبثٌ وتكبّر، يظنون أن تلكَ البيوت تدفع عنهم عذاب الله.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فأخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا من اليوم الرابع من اليوم الذي وُعدوا العذاب، وقيل لهم: تمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام. . . يقول: فما دفع عنهم عذاب الله ما كانوا يجترحون من الأعمال الخبيثةِ قبل ذلك). وقال ابن كثير: (﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. أي: ما كانوا يستغلّونهُ من زروعهم وثمارهم التي ضَنّوا بمائها عن الناقةِ، حتى عقروها لئلا تُضيِّقَ عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلكَ الأموال، ولا نفعتهم لمَّا جاء أمرُ ربك).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بتوصيات تخص الأقوام السابقة التي دكّها الله\n_________\n(١) أخرج الله الناقة لهم بدعاءِ صالحٍ من صخرة صَمّاء، فكانت تسرح في بلادهم لها شِرْبٌ ولهم شِرْبُ يوم معلوم. فلما عتوا وعقروها قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].","vol":"4","page":331},{"text":"بالعذاب، ذكرها رسول الله - ﷺ - مرجعه من تبوك حين بلغ ديار ثمود:\nالوصية الأولى: لا تجوز السياحة في أماكن هلاك الأمم التي أنزل اللهُ بها عذابه.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي كبشة الأنماري قال: [لما كان في غزوة تبوك تسارع الناسُ إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلكَ رسول الله - ﷺ - فنادى في الناس: الصلاة جامعة، قال: فأتيتُ رسول الله - ﷺ - وهو ممسك بعيره وهو يقول: ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم، فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله! قال: أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ ! رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسدّدوا، فإن الله ﷿ لا يعبأ بعذابكم شيئًا وسيأتي قوم لا يَدفعون عن أنفسهم بشيء] (١).\nالوصية الثانية: عبور تلك الأماكن عند الحاجة بسرعة وبكاء وتغطية للرؤوس.\nأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال لأصحابهِ - يعني لما وصلوا الحِجْر: وهي ديار ثمود فيما بين المدينة والشام -: [لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكينَ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم] (٢).\nوفي رواية: (ثم قَنَّعَ رسول الله - ﷺ - رأسهُ وأسرع السير حتى أجاز الوادي).\nوفي لفظ للبخاري: (ثم تَقَنَّعَ بردائه وهو على الرَّحل).\nوفي لفظ لمسلم: (ثم زجَرَ فأسرع حتى خَلّفَها).\nقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٦٠): (ومن هذا إسراعُ النبي - ﷺ - السير في وادي مُحَسِّر بين مِنَى وعَرَفة، فإنه المكان الذي أهلك الله فيه الفيل وأصحابه).\nوالخلاصة: إن أماكن العذاب تركها الله في الأرض ليعتبر البشر، فلا ينبغي المشي فيها والسياحةُ خلال آثارها، بل الأليق بها أن يمر المسلم فيها مسرعًا خائفًا من الله أن ينزل بأمته ما أنزل بتلك الأمم، من المصائِب والدمار والنقم.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجهُ أحمد في المسند (٤/ ٢٣١)، وانظر كتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٥٣٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر الروايات المختلفة في صحيح البخاري (٣٣٨١) - كتاب الأنبياء، وفي صحيح مسلم (٢٩٨٠) - كتاب الزهد والرقائق، وفي مسند أحمد (٢/ ٩)، (٢/ ٥٨).","vol":"4","page":332},{"text":"الوصية الثالثة: عدم الشرب من بقية مياه تلك الأقوام أو استخدامها في الوضوء أو صنع الطعام.\nففي صحيح مسلم عن نافع أن عبدَ الله بن عمر أخبره: [أن الناس نزلوا مع رسول الله - ﷺ - على الحِجْرِ أرضِ ثمود فاستقوا من آبارها، وعجنوا بهِ العجين، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يُهريقوا ما استقوا، ويَعْلِفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقةُ] (١).\n٨٥ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إِثْباتُ الله تعالى خلقه السماوات والأرض بالعدل والإنصاف، وأنَّ الساعة قادمةٌ فاصبر - يا محمد - على الدعوة واصفح الصفح الجميل. فربكَ الخلّاقُ لا يعجزهُ شيء وسيجمعُ الناس من قبورهم إلى مشهدِ الحشر الكبير. لقد آتاكَ ربكَ فاتحة هذا القرآن العظيم، وهي أعظم سورةٍ في الكتاب الكريم، فلا تتمنّين ما بأيدي بعض القوم من الزينةِ الفانية والمتاع الزائل المهين. وتواضع لمن تبعكَ من المؤمنين، وقل لمشركي قومك: إنما أنا نذير لكم مبين، أنذركم نحو العقاب الذي أنزلهُ الله تعالى على الأمم السابقة التي اقتسمت القرآن المنزل عليها فآمنت ببعضه وكفرت ببعض وسيسألهم ربهم أجمعين، عما كانوا يعملون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٨٠)، كتاب الزهد والرقائق. وانظر تفصيل هذا البحث والدروس والنتائج والأحكام الخاصة به في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - (في أعقاب غزوة تبوك - (٣/ ١٥٣٠ - ١٥٤٠».","vol":"4","page":333},{"text":"فقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ﴾.\nأي: وما كان من خلق للسماوات والأرض وما بينهما مما في أطباق ذلكَ إلا بالعدل والإنصاف، لا بالظلمِ والجَور. قال ابن جرير: (وإنما يعني تعالى ذكره بذلكَ: أنهُ لم يظلم أحدًا من الأمم التي اقتصّ قَصَصَها في هذه السورة، وقصص إهلاكهِ إياها بما فعل به من تعجيلِ النقمة له على كفره به، فيعذّبه ويهلكه بغيرِ استحقاق، لأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما بالظلم والجور، ولكنهُ خلق ذلكَ بالحق والعدل).\nوفي التنزيل مما يشبهُ ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].\nوقوله: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.\nأي: والساعة قادمة فاعف عمن آذاك منهم واصفح، وأعرض عنهم إعراضًا جميلًا.\nكما في التنزيل: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩].\nوعن مجاهد: (﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ قال: هذا قبل القتال). وعن قتادة: (ثم نسخ ذلكَ بعد، فأمره الله تعالى ذكره بقتالهم، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدهُ ورسوله، لا يقبلُ منهم غيره).\nولا شكَّ أن هذه الآية مكية، وشرع القتال بعد الهجرة، فيكون المفهومُ كما ذهب مجاهد وقتادة أنه يرجع لأول الأمر، ثم نسخ الأمر بقتال المشركين.\nوقوله تعالى. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.\nتَأْكِيدٌ لأمر قيام الساعة الذي يكذب به المشركون، فالله تعالى هو الخلّاقُ لا يعجزهُ شيء، وهو القادر على جمع الأجساد بعد تفرقها في تراب الأرض.","vol":"4","page":334},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨١ - ٨٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].\nوفي سنن ابن ماجه ومسند أحمد بسند صحيح عن بسر بن جحاش القرشي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - قال: [يقول الله: يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتكَ من مثل هذه، حتى إذا سويتكَ وعدَّلتكَ مشيتَ بين بردتين وللأرض منكَ وئيد - يعني شكوى - فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنّى أوان الصدقة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.\nقال قتادة: (ذُكِرَ لنا أنهنّ فاتحةُ الكتاب، وأنهن يُثَنَّيْنَ في كل قراءة). وفي رواية: (في كل ركعة مكتوبة أو تطوُّع). وَرُوِيَ ذلكَ عن عُمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، قال ابن عباس: (والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصّكم اللهُ بها). وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، والقول الأول أصح وبه جاءت الأحاديث الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج الدارقطني والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا قرأتم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إنها أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسبع المثاني، و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحداها] (٢).\nوفي رواية: (إحدى آياتها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٥٧)، والحاكم (٢/ ٥٠٢)، وأحمد (٤/ ٢١٠)، وابن سعد (٧/ ٤٢٧)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وأقرّهُ الألباني - انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١١٤٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الدارقطني (١١٨)، والبيهقي (٢/ ٤٥)، والديلمي (١/ ١/ ٧٠)، وإسنادهُ صحيح. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١١٨٣)، وصحيح الجامع (٧٤٢).","vol":"4","page":335},{"text":"الحديث الثاني: روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المُعَلَّى قال: [كنتُ أصلي في المسجد فدعاني النبي - ﷺ - فلم أجبه حتى صليت ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله! إني كنتُ أصلي، قال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ثم قال: ألا أعلمكَ أعظم سورةٍ في القرآن قبل أن تخرجَ من المسجد؟ فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله! إنكَ قلتَ لأعلمنكَ أعظمَ سورةٍ من القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الحمدُ لله رب العالمين، أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم] (٢).\nوفي رواية للبخاري بلفظ: [أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم].\nقال ابن كثير: (فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا يُنافي وصفَ غيرها من السبع الطُّوَل بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا يُنافي وصفَ القرآنِ بكمالهِ بذلكَ أيضًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فهو مثاني من وجه، ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضًا).\nوقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. قال مجاهد: (الأغنياء الأمثال الأشباه). وقال ابن عباس: (يُنهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه).\nقال ابن جرير: (يقول: لا تَتَمَنَّيَنَّ يا محمد ما جعلنا من زينة هذه الدنيا متاعًا للأغنياء من قومكَ، الذين لا يؤمنون باللهِ واليوم الآخر، يتمتعونَ فيها، فإن منْ ورائهم عذابًا غليظًا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٤٧٤)، وأحمد في المسند (٣/ ٢١١).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (١٣١٠)، (١٣١١)، وانظر صحيح البخاري (٤٧٠٤) للرواية بلفظ: [أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم]، ورواه الترمذي. وفي الباب عنده عن أبي هريرة عن أُبَيّ بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما أَنْزَلَ الله في التوراة والإنجيلِ، مِثْلَ أمِّ القران، وهي السَّبْعُ المثاني، وهي مَقْسُومَةٌ بيني وبين عَبْدي، ولِعبدي ما سأل]. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٤٩٩).","vol":"4","page":336},{"text":"وقال القرطبي: (ومعنى ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: أمثالًا في النعم، أي الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى، فهم أزواج).\nوالمقصود: توجيه الله تعالى نبيهُ - ﷺ - إلى الاستغناء بهذا القرآن عما في أيدي القوم من زينة الدنيا الفانية، ومتاعها الزائل.\nوقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾. قال النسفي: (أي لا تتمن أموالهم ولا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام والمسلمون).\nوقيل: لا تحزن عليهم إن صاروا إلى العذاب فهم أهل للعذاب.\nوقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القاسمي: (أي تواضع لمن معكَ من فقراء المؤمنين وضعفائهم. وطب نفسًا عن إيمان الأغنياء والأقوياء).\nوأصل خفض الجناح من فعل الطائر، فإنه إذا ضمّ فرخه إليهِ بسط جناحهُ ثم قبضه على الفرخ، فكان ذلكَ مثلًا لتقريب الإنسان أتباعه.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾.\nأي: قل يا محمد لمشركي قومكَ: إنما أنا نذير لكم قد أبان إنذارهُ لكم من البلاء وما يُنتظر من العقاب للمتمادين في الشرك والكفر والضلال، مثل العقاب الذي أنزله تعالى على الأمم السابقة التي اقتسمت القرآن المنزل عليها فآمنت ببعضه وكفرت ببعض.\nقال ابن عباس: (هم اليهود والنصارى، آمنوا ببعض، وكفروا ببعض).\nوقال أيضًا: (هم أهل الكتاب، جزؤوهُ فجعلوه أعضاء أعضاء، فآمنوا ببعضهِ، وكفروا ببعضه).\nوقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، قال: هم أهل الكتاب، جزؤوه أجزاءً، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه).\nوقيل: (﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾، أي: المتحالفين. الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم).","vol":"4","page":337},{"text":"كما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]. وذلكَ في شأن قوم صالح. قال مجاهد: (تقاسموا: تحالفوا). وقال ابن زيد: (المقتسمون أصحاب صالح، الذين تقاسموا باللهِ لنبيتنه وأهله).\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤].\nوالخلاصة: كان من شأنِ المشركين في الأمم التي أرسل ديها الرسل أنهم لا يكذبون بشيء إلا أقسموا عليه، فسُمُّوا مقتسمين. وهم الذين جعلوا القرآن المنزل عليهم أعضاء يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه حسب أهوائهم، فجاء نبينا محمد - ﷺ - ينذر أمتهُ بأمر من الله سبحانهُ ويحذرها من تقليد صنيع تلك الأمم.\nوفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إنما مثلي ومثلُ ما بعثني اللهُ بهِ كمثل رجلٍ أتى قومهُ فقال: يا قوم، إني رأيتُ الجيشَ بعينيَّ، وإني أنا النذيرُ العريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ! فأطاعهُ طائفة من قومهِ فأدلجوا وانطلقوا على مَهْلهم فنجوا، وكذَّبه طائفةٌ منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيشُ فأهلَكهم واجتاحَهُمْ. فذلكَ مثلُ من أطاعني واتَّبعَ ما جئتُ بهِ، ومثلُ من عصاني وكذّب ما جئتُ به من الحق] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال مجاهد: (عن لا إله إلا الله). وقال أبو العالية: (يُسألُ العبادُ كلهم عن خَلَّتين يوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا المرسلين).\nقال البخاري: (وقال عِدة من أهل العلم في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عن لا إله إلا الله).\nقال النسفي: (أقسم بذاته وربوبيتهِ ليسأنن يوم القيامة واحدًا واحدًا من هؤلاء المقتسمين عما قالوه في رسول الله - ﷺ - أو في القرآن أو في كتب الله).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٨٢)، (٧٢٨٣)، ومسلم (١٢٨٣)، وأبو يعلى (٧٣١٠).","vol":"4","page":338},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابهِ فيم أبلاه، ومالهِ من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وماذا عملَ فيما علم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله يُدني المؤمن فيضع عليه كنَفَهُ (٢) ويسترُه فيقول: أتعرفُ ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى قَرَّرَهُ بذنوبه، ورأى في نفسهِ أنه قد هلكَ، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾] (٣).\nالحديث الثاني: روى النسائي ورجالهُ ثقات عن أنس مرفوعًا: [إن الله سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ، أحَفِظَ ذلكَ أم ضَيَّعَ؟ حتى يسأل الرجلَ عن أهل بيتهِ] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢/ ٦٧) من حديث ابن مسعود، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٩٤٦).\n(٢) أي: حفظه وستره.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ٧٤).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"عشرة النساء\" (٢/ ٨٩/ ٢)، وابن حبان (١٥٦٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٦٣٦)، وصحيح الجامع (١٧٧٠).","vol":"4","page":339},{"text":"٩٤ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾.\nفي هذه الآيات: مَجِيءُ أمر الله تعالى إلى رسوله - ﷺ - وهو بمكة بالصدع بالحق والجهر بالدعوة والخروج إلى الناس فقد كفاكَ ربك أمر المستهزئين، الذين أصروا أن يعيشوا مشركين، فأنت في حماية ربك فلا يضيق صدركَ بما يقولون، واستعن على أمر ربكَ بالتسبيحِ والسجود واعبد ربكَ حتى يأتيكَ الموت وهو اليقين.\nقال أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود: (ما زال النبي - ﷺ - مستخفيًا حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه).\nوقال الفراء: (أراد فاصدع بالأمر أي أظهر دينك).\nوأصل الصَّدْع في كلام العرب: الشَّقُّ، وتَصَدَّع القوم أي: تفرقوا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي يتفرقون يوم القيامةِ فريقًا في الجنةِ وفريقًا في السعير.\nفالآيةُ لها تأويلان محتملان:\nالتأويل الأول: أي فرّق جمعهم وكلمتهم يا محمد بأن تدعوهم إلى التوحيد، اصدع القوم بهذا الوحي فريقين، فإنهم يتفرقون بأن يجيبَ بعضهم ويعاند آخرون.\nقال القرطبي ﵀: (أي تتصدع جماعة الكفار).\nالتأويل الثاني: الصدع بمعنى الجهر. قال الرازي: (وصدع بالحق تكلم به جهارًا). ومنه قول ابن عباس: (﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، يقول: فأمضه. يقول: افعل ما تؤمر). وقال مجاهد: (﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: أي: بالقرآن. اجهر بالقرآن في الصلاة).\nقال ابن القيم ﵀: (دعا رسول الله - ﷺ - إلى الله مستخفيًا ثلاث سنين ثم نزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾).\nوخلاصة المعنى: بلغ - يا محمد - ما أنزل إليكَ من ربك من الوحي الكريم، ولا تأبه ولا تلتفت لمحاولات المشركين، فإن اللهَ كافيكَ وحافظكَ منهم.","vol":"4","page":340},{"text":"كما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩].\nوفي صحيح مسلم - من حديث قبيصة في بلاغ النبي - ﷺ - عشيرته وقومه - قال: [يا بني عبد مناف، يا بني عبد مناف! إني نذير، إنما مثلي ومثلكم، كمثل رجل رأى العدوَّ، فانطلق يريدُ أهله، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف: يا صباحاه، يا صباحاه! أُتيتُم أُتيتُم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: إنا كفيناك المستهزئين يا محمد، الذين يستهزئون بك، ويسخرون منك، فاصدع بأمر الله، ولا تخف شيئًا سوى الله، فإن الله كافيكَ من ناصبكَ وآذاك، كما كفاك المستهزئين، وكانوا رؤساء المستهزئين قومًا من قريش معروفين).\nقال سعيد بن جبير: (هم خمسة من رهط قريش: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو زمعة، والحارث بن عيطلة، والأسود بن قيس).\nوقيل: كانوا ثمانية. قال ابن عباس: (كلهم مات قبل بدر).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (تهديدٌ شديد، ووعيدٌ أكيد، لمن جعل مع الله معبودًا آخر).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.\nأي: إنا لنعلم - يا محمد - كم يضيق صدركَ وينقبض من أذى قومكَ لك، ومن محاولات مكرهم بدينكَ وأصحابك، فلا يهيدَنَّكَ ذلك ولا يمنعنكَ من الجهاد في تبليغ دعوة الحق، واستعن على ذلكَ بكثرة الذكر والصلاة والدعاء.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٠٧)، كتاب الإيمان.","vol":"4","page":341},{"text":"قال النسفي: (فافزع فيما نابك إلى الله - والفزع إلى الله هو الذكر الدائم وكثرة السجود - يَكْفِكَ ويكشف عنكَ الغم).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم والنسائي عن أبي هريرةَ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: [أقرب ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجد، فأكثِروا الدعاء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن نُعَيم بن هَمَّار: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [قال الله: يا ابن آدم، لا تعجِز عن أربع ركعاتٍ من أول النهار أكفكَ آخره] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن حذيفة ﵁ قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا حزبهُ أمر صلى] (٣). وفي روايةٍ: (فزع إلى الصلاة).\nالحديث الرابع: أخرج ابن حبان بسند حسن عن عليّ ﵁ يقول: [لقد رأيتنا ليلة بدرٍ وما فينا إلا نائم، غير رسول الله - ﷺ - يصلي ويدعو حتى أصبح] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.\nيقول تعالى ذكره لنبيهِ محمد - ﷺ -: واعبد ربكَ حتى يأتيكَ الموت الذي هو موقَنٌ به.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٤٨٢)، كتاب الصلاة، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٧٢٣)، و(٢/ ٤٢١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٢٨٩)، وأحمد (٥/ ٢٨٦)، وإسناده حسن صحيح.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٨)، والطبري (٨٥٠)، وابن حبان (١٩٧٥)، وغيرهم.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٢٥)، (١/ ١٣٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢٢٥٧) بإسناد حسن، رجاله رجال الصحيح غير حارثة، وهو ثقة.","vol":"4","page":342},{"text":"قال ابن جرير: (وقيل يقين، وهو موقن به). وقال البخاري: (قال سالم - يعني ابن عبد الله بن عمر - ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾: الموت).\nوفي التنزيل إخبار عن أهل النار - حين قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [لمدثر: ٤٣ - ٤٧].\nوفي صحيح البخاري عن أمّ العلاء - امرأة من نساء الأنصار بايعت النبي - ﷺ -: [أن عثمان بن مظعون طارَ لَهُ سَهْمُهُ في السُّكْنَى حين اقترعَتِ الأنصار سُكنى المهاجرين، قالت أمُّ العلاء: فسَكَن عندنا عثمان بن مظعون فاشتكى فَمَرَّضناهُ، حتى إذا تُوُفِّيَ وجعلناهُ في ثيابهِ دخل علينا رسول الله - ﷺ -، فقلت: رَحْمَةُ الله عليكَ أبا السائب، فشهادتي عليكَ لقد أَكْرمَكَ الله. فقال لي النبي - ﷺ -: وما يُدْريكِ أن الله أكرمه؟ فقلتُ: لا أدري بأبي أنتَ وأمي يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: أما عثمانُ فقد جاءهُ واللهِ اليقينُ، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعلُ به. قالت: فواللهِ لا أُزَكِّي أحدًا بعدهُ أبدًا، فأحزنني ذلكَ، قالت: فَنِمْتُ فرأيتُ لِعثمانَ عَيْنًا تجري فَجِئْتُ إلى رسول الله - ﷺ - فأخْبَرْتُهُ فقال: ذلكَ عَمَلُه] (١).\nوالخلاصة: هذا رسول الله - ﷺ - قد أمرهُ الله بعبادتهِ حتى آخر لحظة من حياته، وهو خير البشر قاطبة، وفي هذا ردٌّ على الزنادقة الذين يزعمون أنهم إذا وصلوا إلى اليقين - ويعنون بذلكَ المعرفة - رُفع عنهم التكليف، فنعوذ باللهِ من الانحراف عن منهاج النبوة في القول والعمل، ونسألُ الله الثبات على الدين الحق إلى يوم نلقاه، إنه سميع قريب.\nتم تفسير سورة الحجر\nبعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّهِ وكَرَمِه\n° ° °\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٨٧)، كتاب الشهادات، وأخرجه كذلكَ برقم (١٢٤٣)، (٣٩٢٩)، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٧٦٣٤)، وأحمد (٦/ ٤٣٦).","vol":"4","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - تمني الكفار لو كانوا مسلمين، حين يعرضون على نار الجحيم.\n٢ - تعهّد الله حفظ كتابهِ الكريم، من التبديل والتحريف ومكر الماكرين.\n٣ - اعتبار الكفار المعجزات سحرًا، فهم يسألونها ثم يمكرون مكرًا.\n٤ - الشهب حرس السماء يمنعون عنها استراق الشياطين السمع.\n٥ - الرياح أنواع: المبشرة، والمثيرة، والمؤلفة، والملقحة.\n٦ - الملائكة خلقت من نور، والجانُ من نار، والبشر من تراب.\n٧ - تعهد إبليس غواية بني آدم، ومنع الله تسلطهُ على عباده المخلصين.\n٨ - أهل الجنة لا غل بينهم ولا حقد ولا حسد، والمؤمن بين الخوف والرجاء.\n٩ - ﴿لَعَمْرُكَ﴾ - ما أقسم الله بحياة أحد إلا بحياة محمد - ﷺ -.\n١٠ - الواجب التقنع والإسراع والبكاء أو التباكي عند المرور بديار المعذبين.\n١١ - الفاتحة هي السبع المثاني لأنها تثنَّى في كل ركعة.\n١٢ - إقسام الله بنفسه الكريمة ليسألن الناسَ أجمعين، عما كانوا يعملون.\n١٣ - الأمر بالصدع بالحق والجهرِ بالدعوة ماض إلى يوم الدين.\n١٤ - التسبيح والسجود والقيام خيرُ معينٍ على مواجهةِ أعداء هذا الدين.\n١٥ - اليقينُ عند الزنادقة: أن يتيقن العبد أنه صار إلهًا ويسقط عنهُ التكليف، وإنما اليقينُ في الآية هو الموت، والنبي - ﷺ - ومن تبعه من باب الأولى - مأمور بالعبادةِ حتى بلوغ الموتِ وهو اليقين.\n° ° °","vol":"4","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>١٦ - سُورَةُ النَّحْلِ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٢٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>موضوع السورة</span>\n- بَسْط النعم، والتحذير من النقم -\n\"العسل - منتوج النحل - فيه شفاء للبدن\"\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-146> منهاج السورة </span>-\n١ - تأكيد الله تعالى وقوع الساعة بصيغة الماضي ليتدارك الناس أمرهم قبل أن تفاجئهم.\n٢ - اصطفاء الله من عباده رسلًا كما يشاء، فله الخلق والأمر، والبشرى للمتقين، والخزي والندامة على المشركين.\n٣ - امتنان الله تعالى على الإنسان بتسخير الأنعام له، وجعل فيها المنافع والدفء والزينة والمراكب ويخلق ما لا تعلمون.\n٤ - امتنان الله تعالى على عباده بنعمة الماء والشجر وأصناف الثمرات لعلهم يتفكرون.\n٥ - امتنان الله كذلك على عباده بنعمة الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، والبحار والفُلك واللحم والحلي، والجبال والأنهار، والاهتداء بالنجوم، وغير ذلك من النعم التي لا تُحصى.","vol":"4","page":345},{"text":"٦ - إعلام الله تعالى عباده أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وتحقير الأوثان التي يعبدها بعضهم.\n٧ - إثبات كفر المشركين، وحملهم أوزار من تبعهم من المبطلين، وشقوتهم يوم الدين.\n٨ - ثناء الله تعالى على المحسنين، ودخولهم الجنة في سلام آمنين.\n٩ - استخفاف الله بالمشركين، في اتباعهم سنن الذين من قبلهم من المستهزئين.\n١٠ - ذمّ الله المشركين احتجاجهم بالقدر على كفرهم، وثناؤه تعالى على المرسلين في دعوتهم إفراد الله بالتعظيم، ونبذ الطاغوت وسبل الشياطين.\n١١ - تسلية النبي - ﷺ - بأن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين، وأن قوله لشيء إذا أراد وجوده: كن فيكون.\n١٢ - ثناء الله تعالى على المهاجرين، الذين ظُلموا في سبيل الله وصبروا وكانوا من المتوكلين.\n١٣ - إثبات رجولة الأنبياء، والأمر بسؤال أهل العلم لفهم الدين، وإثبات نزول السنة لتبيان مجمل القرآن.\n١٤ - تهديد المشركين بالخسف والعذاب، إن لم يؤمنوا بهذا الكتاب، فكل شيء خلقه الله في هذا الكون في سجود له وتعظيم، والملائكة يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون.\n١٥ - إثبات الوحدانية لله العظيم، فله ما في السماوات والأرض وله الدين الحق المبين، وما بكم من نعمة فمن الله المنعم الكريم، الذي إن مَسَّكُم الضر فإليه تجأرون، وإن كشفه عنكم فأكثركم يشركون.\n١٦ - إثبات جهالة المشركين، في صرف الأموال للأصنام ووأد بناتهم وجعل البنات لله ولهم ما يشتهون، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.\n١٧ - تأخير الله مؤاخذة الناس بظلمهم، والمشركون غارقون في أهوائهم، وقد أنزل الله هذا القرآن على رسوله تبيانًا، وهدى، ورحمة للمؤمنين.\n١٨ - امتنان الله على العباد بنعمة الماء والأنعام، واللبن والنخيل والأعناب.\n١٩ - أمْرُ الله إلى النحل اتخاذ البيوت من الجبال والشجر، وإلهامها الأكل من كل الثمر، وإخراج العسل الذي فيه شفاء للناس.","vol":"4","page":346},{"text":"٢٠ - إثبات الخلق والحياة وتصريف العمر لله، وكذلك التفضيل في الرزق والولد، والإنعام بالأزواج والبنين والحفدة، والمشركون بنعمة الله يكفرون.\n٢١ - ذمُّ الله المشركين، وتمثيل الفرق بين المؤمنين والكافرين.\n٢٢ - إثبات أمر الغيب والساعة لله، وامتنان الله على العباد بالسمع والأبصار والأفئدة، وفي تسخير الطيور وحملها في جو السماء آيات لقوم يؤمنون.\n٢٣ - امتنان الله على عباده بنعمة البيوت والسكن وجلود الأنعام، ونعمة الظلال والجبال والسرابيل وغير ذلك.\n٢٤ - تحذير الله عباده اليوم الموعود، يوم يبعث الله فيه الشهود، والخزي ومضاعفة العذاب على المشركين، الذين يصدون عن سبيل الله ويفسدون في الأرض ولا يصلحون.\n٢٥ - اختصاص الله نبيّه بالشهادة على الأمم، وبالقرآن الذي يحمل الهدى والرحمة ويأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفواحش والظلم والطغيان.\n٢٦ - إثبات قهر مشيئته تعالى كل مشيئة، والتحذير من اتخاذ الأَيمان خديعة، والشراء بعهده تعالى ثمنًا قليلًا.\n٢٧ - تبشير المؤمنين أهل الأعمال الصالحة، بحياة طيبة في الدنيا والآخرة.\n٢٨ - الأمر بالاستعاذة من الشيطان، عند تلاوة القرآن، والشيطان ليس له سلطان على أهل الإيمان، بل على أتباعه من أهل الشرك والطغيان.\n٢٩ - ضعف عقول المشركين، أمام منهج التشريع في القرآن الكريم، الذي نزل به الروح الأمين، فيقولون إنما يعلمه بشر أعجمي وهذا لسان عربي مبين.\n٣٠ - استثناء المكره على الكفر من الوقوع في الكفر، ولكن من شرح بالكفر صدرًا فله عذاب أليم.\n٣١ - إخبار عن بعض المستضعفين بمكة الذين واتَوا المشركين على الفتنة، ثم تمكنوا من الهجرة، والله غفور رحيم.\n٣٢ - إخبار عن طبيعة مخاصمة النفوس يوم القيامة بشتى الوسائل قبل نزول القصاص.\n٣٣ - سنة الله في القرى الظالم أهلها، ونزول الخوف والجوع والعذاب.\n٣٤ - تقريب الله الحلال الطيب، وتحذيره الحرام الخبيث، والافتراء بالتحليل والتحريم.","vol":"4","page":347},{"text":"٣٥ - استحقاق اليهود التضييق عليهم بما كسبت أيديهم، وفتحه تعالى باب التوبة للمؤمنين الراجين أن يعفو عنهم، والله غفور رحيم.\n٣٦ - ثناء الله على خليله إبراهيم، فقد كان حنيفًا ولم يك من المشركين، بل كان إمام الشاكرين.\n٣٧ - رفعُ الله ذكر إبراهيم، وأمره نبينا بمتابعة ملته ملة التوحيد لله والتعظيم.\n٣٨ - إضلال الله اليهود عن يوم الجمعة فاختاروا السبت يوم عيد لهم، والله يفصل يوم القيامة بينهم.\n٣٩ - أمْرُ الله بالتماس طريق الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله، والله يهدي من يشاء وهو أعلم بالشاكرين. ودعوة للعدل في الاقتصاص والصبر خير للصابرين.\n٤٠ - المكر لا يحيق إلا بأهله الماكرين، والله تعالى في عون المتقين المحسنين.\n° ° °","vol":"4","page":348},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٩. قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تَأْكِيدُ الله تعالى وقوع الساعة بصيغة الماضي لِيَهُدَّ بذلك عزيمة المستعجلين المشركين. إنه تعالى ينزل الملائكة بالوحي على من يشاء من عباده فله الخلق والأمر فالبشرى للمتقين والخزي على المشركين. لقد خلق الإنسان من نطفة من ماء مهين، فلما ترعرع وكبر صار لربه المنعم كالخصم المبين، وكذلك خَلَقَ سبحانه الأنعام وجعل فيها المنافع والدفء والزينة وغير ذلك لقوم يفقهون. وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة ويخلق من المراكب ما لا تعلمون. كل ذلك ليهتدي الخلق إلى ربهم فيعظموه ويشكروه ولكن أكثر الناس لا يشكرون.\nفقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ - ردٌّ على بعض المشركين الذين كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة ونزول العذاب بهم استهزاءً وتكذيبًا. فأتى بصيغة الماضي ليدل على تأكيد وقوع الساعة لا محالة، وأنه عن قريب سيكون بمنزلة ما مضى من الأحداث.","vol":"4","page":349},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣، ٥٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].\n٤ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق مفهوم الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بالعبدِ يوم القيامة فيقول له: ألمْ أجعل لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعام والحرث، وتركتكَ تَرْأسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أَنَّكَ ملاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بأنْعَمِ أهل الدنيا من أهل النار يومَ القيامة، فَيُصبَغُ في النار صَبْغَة، ثم يقال: يا ابنَ آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مَرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب! . .] الحديث (٢).\nوقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ - تنزيه الله تعالى عن الشرك الذي كان عليه العرب ومن يدين بمثله من غيرهم.\nوقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. قال ابن عباس: (﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ يقول: بالوحي). وقال قتادة: (بالوحي والرحمة). أو قال: (يقول: ينزل بالرحمة والوحي من أمره ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيصطفي منهم رسلًا).\nوفي التنزيل: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].\nقال القرطبي: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. أي: على الذين اختارهم الله للنبوة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (٢٥٥٨) - أبواب صفة القيامة - وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (١٩٧٨).\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٨٦) - وهو جزء من حديث أطول.","vol":"4","page":350},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥].\nوفي شُعَب البيهقي بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني] (١).\nوله شاهد عند ابن عساكر بسند حسن من حديث وائل بن حجر بلفظ: [صلوا على النبيين إذا ذكرتموني، فإنهم قد بُعِثُوا كما بُعثت].\nوقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾. قال قتادة: (إنما بعث الله المرسلين أن يوحَّدَ الله وحده، ويُطاع أمره، ويجتنب سخطه).\nوالمقصود: بعث الله الرسل لينذروا البشر أن لا يحيدوا عن لا إله إلا الله، فهي منهاج التقوى والنجاة في الدنيا والآخرة.\nوفي التنزيل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.\nوفي صحيح مسلم عن جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار] (٢).\nوله شاهد عنده وفي المسند من حديث عثمان مرفوعًا: [من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة].\nوفي الصحيحين عن عتبان بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج \"فضل الصلاة\" (٤٢) - الألباني، وصحيح الجامع (٣٦٧٥) - (٣٦٧٦).\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (٩٣) - كتاب الإيمان. وانظر للشاهد صحيح مسلم (٢٦)، ورواه أحمد في المسند. انظر صحيح الجامع (٦٤٢٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٢٠٦)، وأخرجه مسلم (٣٣) - كتاب الإيمان.","vol":"4","page":351},{"text":"إِخْبارٌ من الله تعالى عن خلقه السماوات السبع وما فيهن، ومن الأرض مثلهن وما فيهن، وقد خلقهن بالحق لا للهزل واللعب، فكيف يشرك به بعد ذلك المشركون، ويعبدون من دونه ما لا يخلق ولا يضر ولا ينفع، ثم كان خلق الإنسان من ذلك الماء المهين، فلما ترعرع وكبر إذا هو لربه خصيم مبين، يكفر بنعمه ويجحد ألوهيته ويتبع سبيل الشياطين، ويحارب الصالحين والمرسلين.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤، ٥٥].\nوفي صحيح سنن ابن ماجه ومسند الإمام أحمد عن بُسْر بن جحَّاش قال: [بصق رسول الله - ﷺ - في كفِّه، ثم قال: يقول الله تعالى: ابنَ آدم، أنّى تُعْجِزني وقد خلقتك مِن مثل هذه؟ ! حتى إذا سَوَّيْتُكَ فَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بين بُرْدَيْكَ وللأرض منك وئيد، فجَمَعْتَ ومَنَعْتَ، حتى إذا بلغتِ الحلقوم قلتَ: أتصَدَّقُ، وأنّى أوانُ الصدقة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني بالدفء: الثياب، والمنافع: ما ينتفعون به من الأطعمة والأشربة). وقال أيضًا: (﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾، نَسْلُ كل دابة).\nوعن مجاهد: (﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: لباس ينسج، ﴿وَمَنَافِعُ﴾: مركب ولحم ولبن). وقال أيضًا: (نتاجها وركوبها وألبانها ولحومها). وقال قتادة: (﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾، يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبُلْغَة).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾.\nقال القاسمي: (﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ أي زينة ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي تردونها من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٧)، وأحمد (٤/ ٢١٠)، وصَحَّح إسناده البوصيري في \"الزوائد\"، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٥٩٩).","vol":"4","page":352},{"text":"مراعيها إلى مُراحها (١) - وهو مقرها في دور أهلها بالعشي - ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي تخرجونها بالغداة إلى المراعي).\nوقال الزمخشري: (منَّ الله بالتجمل بها كما مَنَّ بالانتفاع بها. لأنه من أغراض أصحاب المواشي. بل هو من معاظمها. لأن الرعيان، إذا روحوها بالعشي، وسرحوها بالغداة، فزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء، آنست أهلها وفرَّحت أربابها. وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس. ونحوه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]. فإن قلت: لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأن الجمال في الإراحة أظهر، إذا أقبلت ملأى البطون، حافلة الضروع، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها) انتهى.\nوقوله: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال عكرمة: (لو تكلفونه لم تبلغوه إلا بجهد شديد). وقال قتادة: (يقول: بجهد الأنفس).\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. أي ذو رحمة بكم، لتشكروه على نعمه عليكم، فيزيدكم من كرمه وفضله.\nوقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾. قال ابن عباس: (هذه للركوب، ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: هذه للأكل). قال النسفي: (عطف على الأنعام، أي وخلق هذه للركوب والزينة). وقال القرطبي: (ولما أفرد سبحانه الخيل والبغال والحمير بالذكر دل على أنها لم تدخل تحت لفظ الأنعام. وقيل: دخلت ولكن أفردها بالذكر لما يتعلق بها من الركوب، فإنه يكثر في الخيل والبغال والحمير).\nقلت: والعطف بين البغال والخيل والحمير لا يقتضي التساوي في حكم الأكل، فإن النهي جاء بالنص الصحيح عن أكل لحوم البغال والحمير، والإذن في أكل لحوم الخيل. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:\n_________\n(١) سمي المكان المُراح، لأنها تراح إليه عشيًا، فتأوي إليه، يقال: أراح فلان ماشيته. ويقال: سرحت الماشية إذا خرجت للمرعى. فالسرح بالغداة، والإراحة بالعشي.","vol":"4","page":353},{"text":"[نهى رسول الله - ﷺ - عن لحوم الحمر الأهلية، وأَذِنَ في لحوم الخيل] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: [ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال، والحمير. فنهانا رسول الله - ﷺ - عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل] (٢).\nالحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: [نَحَرْنا على عَهْدِ رسول الله - ﷺ - فَرَسًا فأكلناه ونحن بالمدينة] (٣).\nوقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي: من أمثال تلك المخلوقات وما يقوم مقامها في الركوب والنقل. ويدخل في ذلك جميع أنواع وسائل النفل المشاهدة، كالسيارات والطائرات والسفن والقطارات وغير ذلك مما فتح الله به على الإنسان وسخّره له.\nوقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. انْتِقالٌ من السُّبل الحِسّية إلى السبل الدينية والمعنوية (٤)، فكما أن الأنعام للركوب وحمل الأثقال إلى الأسفار البعيدة الشاقة، فكذلك طرق الهداية ومسالك الناس في هذه الحياة، فإنه ليس يوصل إلى الله تعالى منها إلا طريق الحق، وهو الطريق الذي ارتضاه الله للمرسلين، وأمر بسلوكه عباده المؤمنين.\nقال ابن عباس: (﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: على الله البيان أن يبين الهدى والضلالة). وقال مجاهد: (طريق الحق على الله). وقال قتادة: (يقول: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته). وقال ابن زيد: (﴿السَّبِيلِ﴾: طريق الهدى). وقال الضحاك: (يقول: على الله البيان، يبين الهدى من الضلالة، ويبين السبيل التي تفرّقت عن سبله، ومنها جائر). وعن ابن عباس: (﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يقول:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٢١٩)، (٥٥٢٠)، ومسلم (١٩٤١)، وأحمد (٣/ ٣٦١)، وأخرجه أبو داود (٣٧٨٨)، والنسائي (٧/ ٢٠١)، وابن حبان (٣٢٧٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٧٨٩). انظر صحيح سنن أبي داود (٣٢١٩) - كتاب الأطعمة - باب في أكل لحوم الخيل، ورواه أحمد في المسند (٣/ ٣٥٦)، والبيهقي (٩/ ٣٢٧)، وصححه الحاكم (٤/ ٢٣٥) ووافقه الذهبي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩٤٢)، وابن ماجه (٣١٩٠)، وأحمد (٣/ ٣٤٥)، وابن حبان (٥٢٧١) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂.\n(٤) وهذا وارد في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، وكقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].","vol":"4","page":354},{"text":"الأهواء المختلفة). وقال قتادة: (﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: أي من السبل، سبل الشيطان. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: \"ومنكم جائر ولو شاء الله لهداكم أجمعين\").\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولو شاء الله للطف بجميعكم أيها الناس بتوفيقه، فكنتم تهتدون، وتلزمون قصد السبيل، ولا تجورون عنه، فتتفرقون في سبل عن الحقّ جائرة).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].\nأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (١).\nوفي لفظ عند البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال النبي - ﷺ - لأبي بكر: [يا أبا بكر! لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس].\n١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: امْتِنانُ الله تعالى على عباده بنعمة الماء والشجر، والزرع والزيتون والنخيل والأعناب، وأصناف أخرى من الثمرات، جعلها بين أيديهم وسخّرها لمنفعتهم وسرورهم لعلهم يتفكرون.\nفقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: والذي أنعم عليكم هذه النعم، وخلق لكم الأنعام والخيل وسائر\n_________\n(١) حديث صحيح لغيره. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٢)، والبيهقي في \"الأسماء\" (١٥٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٤٢).","vol":"4","page":355},{"text":"البهائم لمنافعكم ومصالحكم، هو الربّ الذي أنزل من السماء ماءً، يعني: مطرًا لكم من ذلك الماء، شراب تشربونه، ومنه شراب أشجاركم، وحياة غروسكم ونباتها).\nوقوله: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال ابن عباس وعكرمة وقتاده: (أي: ترعون). ومنه الإبل السائمة، والسوم: الرعي. وقال الضحاك: (ترعون أنعامكم). وقال ابن عباس أيضًا: (﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ يقول: شجر يرعون فيه أنعامهم وشاءهم).\nوقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية. قال ابن كثير: (أي: يُخرِجها من الأرض بهذا الماء الواحد، على اختلاف صُنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها. ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]).\nقلت: فنعمة الماء والنبات والشجر هي من أكمل النعم التي تفضل الله بها على الإنسان، بعد نعمة استواء الخلق واكتمال صورته، ومن هنا كانت وصية النبي - ﷺ - لمعاذ إذا مرّ بشجر أن يذكر الله العظيم المنعم المتفضل.\nفقد أخرج الطبراني في \"الكبير\" بسند صحيح عن أبي سلمة قال: [قال معاذ: قلت يا رسول الله أوصني. قال: اعبُد الله كأنك تراه، واعدُدْ نفسك في الموتى، واذكُر الله عند كل حجرٍ، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة بجنبها حسنة، السِّرُ بالسِّرِ، والعلانيةُ بالعلانية] (١).\n١٢ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ\n_________\n(١) قال المنذري (٤/ ١٣٢): رواه الطبراني بإسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين أبي سلمة ومعاذ لكن له شواهد تقويه. انظر السلسلة الصحيحة - حديث رقم - (١٤٧٥).","vol":"4","page":356},{"text":"مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: امْتِنانٌ مُتَتَابِعٌ من الله سبحانه على عباده إضافة لما سبق: نعمة الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، والبحار والفلك التي تجري فيها، واللحم والحلي المستخرج منها، والجبال والأنهار، والاهتداء بالنجوم، كل ذلك آيات لقوم يتفكرون. فهل من يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون؟ ! إنكم إن تعدّوا نعمة الله عليكم تعجزوا عن إحصائها والله غفور رحيم.\nفقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾.\nتَذْكِيرٌ من الله تعالى لعباده بنعم كبيرة أخرى يتمتعون بها في حياتهم ويستفيدون من تسخيرها وتعاقبها، فنعمة الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم نعم قريبة متصلة بحياة الناس ومنافعهم.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].\nوقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].\n٤ - وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١، ٦٢].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ -","vol":"4","page":357},{"text":"يقول: [تَفْضُلُ صلاةُ الجميع صلاةَ أحدكم وحْدَهُ بِخَمْسِ وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾] (١).\nودوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال ابن جرير: (إن في تسخير الله ذلك على ما سخّره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله، ويفهمون عنه تنبيهه إياهم).\nوقوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. قال قتادة: (يقول: وما خلق لكم مختلفًا ألوانه من الدواب، ومن الشجر والثمار، نِعَم من الله متظاهرة فاشكروها لله). قال ابن كثير: (لما نبّه سبحانه على معالم السماء نبَّه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة، من الحيوانات والنبات والمعادن والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواصِّ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، أي: آلاء الله ونعمه فيشكرونها).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾.\nتَذْكِيرٌ بنعم أخرى في عالم البحار: من تسخير للسمك والحيتان، وإحلال لحمها في الحل والإحرام، وتسهيل استخراج اللآلئ والجواهر يلبسونها وتلبسها الزوجات زينة للأزواج الكرام، وشق السفن طريقها عبر الأمواج إلى شواطئ البلدان.\nقال ابن جرير: (سخر لكم البحر، وهو كل نهر، ملحًا كان ماؤه أو عذبًا ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو السمك الذي يصطاد منه ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهو اللؤلؤ والمرجان). وقال قتادة: (﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني حيتان البحر. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ قال: هذا اللؤلؤ).\nقال النسفي: (﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ المراد بلبسهم لبس نسائهم ولكنهن إنما يتزين بها من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم). ولكن يبدو أنه لا دليل على تخصيص اللؤلؤ والمرجان بالنساء. قال السيوطي في \"الإكليل\": (في الآية دليل على إباحة لبس الرجال الجواهر ونحوها). وقال صاحب \"فتح البيان\": (يجوز للرجال أن يلبسوا اللؤلؤ والمرجان، أي يجعلونهما حلية لهم كما يجوز للنساء. . وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٨) - كتاب الأذان - باب فضل صلاة الفجر في جماعة.","vol":"4","page":358},{"text":"الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان، ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلا النساء خاصة. فإن ذلك ممنوع، ورد الشرع بمنعه، من جهة كونه تشبُّهًا بهنّ، لا من جهة كونه حلية لؤلؤًا أو مرجانًا).\nوعن ابن عباس: (﴿مَوَاخِرَ﴾ قال: جَواري). وقال سعيد بن جبير: (معترضة). وقال الحسن: (مواقر). وقال قتادة والضحاك: (أي تذهب وتجيء، مقبلة ومدبرة بريح واحدة). قال القرطبي. (وأصل المَخْر شقّ الماء عن يمين وشمال. مَخَرت السفينة تَمْخَر وتمْخُر مَخْرًا ومخورًا إذا جرت تشق الماء مع صوت). وقال الجوهري: (ومَخَر السابح إذا شقّ الماء بصدره، ومخَر الأرض شقها للزراعة).\nوقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: ولتركبوه للتجارة وطلب الربح والسياحة في الأرض ورؤية بلاد الله الواسعة ومخلوقاته العجيبة، مما يزيدكم ذلك لله شكرًا.\nوقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. قال قتادة: (الجبال أن تميد بكم). وقيل: لئلا تميد بكم. والميد الاضطراب والتكفؤ. يقال: مادت السفينة إذا تكفأت بأهلها ومالت، ومنه الميد الذي يعتري راكب البحر، وهو الدوار. قال مجاهد (﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أن تكفأ بكم).\nوقوله: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾. قال ابن كثير: (أي: وجعل فيها أنهارًا تجري من مكان إلى مكان آخرَ، رِزقًا للعباد، يَنْبُعُ في موضع وهو رِزْقٌ لأهل موضع آخرَ، فيقطَعُ البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصلُ إلى البلد الذي سُخِّر لأهله، وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوبًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينًا وتنقطع في وقت، وما بين نَبْعٍ وجَمْعٍ، وقَوِيِّ السير وبطيئه، بحسب ما أراد وقدّر، وسخرِ ويسر. فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. وكذلك جعل في الأرض سُبُلًا، أي: طرقًا يُسْلَكُ فيها من بلاد إلى بلاد، حتى إنه تعالى ليقطع الجبل ليكون ما بينهما ممرًا ومسلكًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾). وقال قتادة: (﴿سُبُلًا﴾: أي طرقًا).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لكي تهتدوا بهذه السبل التي جعلها لكم في الأرض إلى الأماكن التي تقصدون، والمواضع التي تريدون، فلا تضلوا ولا تتحيروا).","vol":"4","page":359},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالعلامات: معالم الطرق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل).\nقلت: وتشمل العلامات الجبال الكبار، والآكام الصغار، ونحو ذلك مما يستدل به المسافرون أثناء النهار، وفي البر والبحار.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. أي: هل الأوثان والطواغيت التي لا تخلق أحقّ بالعبادة أم الله الخالق البارئ القهار، الذي خلق كل شيء وبيده أمر كل شيء. قال النسفي: (﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفون فساد ما أنتم عليه). وقال ابن جرير: (يقول: أفلا تذكرون نعم الله عليكم، وعظيم سُلطانه وقدرته على ما شاء، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضرًّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه مقيمون من عبادتكموها وإقراركم لها بالألوهة).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nتَنْبِيهٌ من الله سبحانه على كثرة نعمه وعظيم إحسانه إلى عباده بما لا يعد ولا يحصى، فحق عبادته غير مقدور، وكثيرٌ من تقصير عباده في شكرهم له مجبور، وهو الرحيم بعباده إذا أنابوا وتابوا فيتجاوز عن إساءات كبيرة ويعفو عن كثير.\nقال ابن كثير: (﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نِعمه لعجزتُم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذّبكم لَعَذَّبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير).\nقلت: والشكر هو سيلان اللسان بذكر الله ونعمائه، واختلاج القلب وتلهفه وتواضعه لكرمه، وإعمال الجوارح في طاعته وتعظيم أوامره.\nوقواعد الشكر خمسة: الخضوع للمشكور، ومحبته، والاعتراف بنعمته، وثناؤه عليها، وصرفها فيما يحبه ويرضاه.\nوآلات الشكر ثلاثة: اللسان والقلب والجوارح.\nوشكر الناس نوعان: شكر العامة، وشكر الخاصة:\n١ - شكر العامة: وهو شكر على ما يشغلهم على الغالب كالمطعم والمشرب والملبس","vol":"4","page":360},{"text":"والمنكح وعافية الأبدان. فقد قال جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].\nأخرج الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فَحَمِدَ الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة] (١).\nوفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن أنسس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢).\n٢ - شكر الخاصة: وهو يشمل إضافة إلى شكر العامة ما هو أهم وأكبر: الشكر على التوحيد والإيمان وحياة القلوب، والشكر على القرآن وعلى نبي الإسلام - ﵊.\nففي التنزيل:\n١ - قال جل ثناؤه: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].\n٢ - وقال جل ذكره: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].\n٣ - وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].\nومن صحيح السنة في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه]- ورواه البخاري (٣).\nالحديث الثاني: أخرج ابن حبان والطبراني بإسناد صحيح عن فضالة بن عبيد، أن\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبرانبي بإسناد حسن من حديث أبي أمامة. انظر صحيح الجامع الصغير (٥٤٣٨)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣١٨) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٠٦٧) - كتاب الأدب، باب فضل الحامدين.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري - حديث رقم - (٧٥٠٤) - كتاب التوحيد، ورواه أحمد. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤١٧٩).","vol":"4","page":361},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: [اللهم من آمن بك، وشهد أني رسولك، فحبِّب إليه لقاءك، وسَهِّل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا. ومن لم يؤمن بك ويشهد أني رسولك، فلا تحبب إليه لقاءك، ولا تسهل عليه قضاءك، وأكثر له من الدنيا] (١).\n١٩ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلام الله تعالى عباده أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وهذه الأوثان التي تُعْبَدُ من دونه غير قادرة على خلقهم ولا خلق شي ممن حولهم، فهي أموات لا أرواح فيها ولا تملك لأهلها ضرًا ولا نفعًا وما يشعرون أيان يوم بعثهم، وإنما إلهكم - أيها الناس - إله واحد والكافرون بالآخرة مستكبرون معظمون لأهوائهم، والله يعلم علانيتهم وإسرارهم، وهو تعالى لا يحب المستكبرين.\nفقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. أي: لا يخفى عليه شيء سبحانه مما أخفيتم ولا ما أعلنتم، فسواء أسررتم في ضمائركم أو أظهرتم على ألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، كل ذلك في علم الله تعالى.\nوفي التنزيل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء] (٢).\nوفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: [فرغ الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢٤٧٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (ق ٧٤/ ٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٣٣٨).\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤١) - باب: كتب المقادير قبل الخلق.","vol":"4","page":362},{"text":"﷿ إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (١). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.\nقال قتادة: (وهي هذه الأوثان التي تُعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها ضرًّا ولا نفعًا).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.\nأي: معبودكم الذي يستحق أن تصرف له العبادة والتعظيم هو الله الواحد الأحد. والذين يكذبون بالمعاد مستنكرون لما نَقُصُّ عليهم من قدرة الله - المنعم المتفضل - على إعادتهم، وأن الاستعداد للقائه يكون بعبادته تعالى وتعظيم أمره، بل هم مستكبرون عن إفراده بالألوهة، مشركون في عبادته، معظمون لأهواء عقولهم ونفوسهم.\nقال قتادة: (﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لهذا الحديث الذي مضى، وهم مستكبرون عنه).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني، وأحمد (٥/ ١٩٧)، وابن أبي عاصم (٣٠٣). وانظر الروايات المختلفة في صحيح الجامع (٤٠٧٧) - (٤٠٧٨) - (٤٠٧٩).","vol":"4","page":363},{"text":"يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١).\nوقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. أي: حقًا يعلم سبحانه ما تخفي صدور المشركين وما يبطنون من الاستكبار على الله، وما يعلنون ويظهرون من الكفر والصد عن سبيل الله.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. أي: لا يحب تعالى المستكبرين على طاعته والمصرين على تحكيم الأهواء والأنفس والشهوات.\nوفي التنزيل: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\nوفي صحيح مسلم عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كِبر، قيل: إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس] (٢).\nوله شاهد فيه عنه بلفظ: [لا يدخل النار أحد في قلبه مثقالُ حبة خردلٍ من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقالُ حبة خردل من كبرياء].\n٢٤ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ\n_________\n(١) حديث حسن صحيح. أخرجه أحمد في المسند، والترمذي في السنن (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وصحيح الجامع (٧٨٩٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٦٥)، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي، وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٥٤) - كتاب الإيمان.","vol":"4","page":364},{"text":"الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الله تعالى كفر المشركين بالتنزيل واتهامه بأنه أساطير الأولين، ليحملوا بذلك أوزارهم وأوزار من تبعهم من المبطلين، وقد مكر الذين من قبلهم فحرَّكَ الله قواعد بنيانهم لِيَخِرَّ السقف عليهم من حيث لا يشعرون، ثم يكون الخزي الأكبر والفضيحة يوم الدين على الكافرين، الذين تتوفاهم الملائكة ظالمين، ويقال لهم يوم القيامة ادخلوا أبواب جهنم خالدين، فلبئس مثوى المتكبرين.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال قتادة: (يقول: أحاديث الأولين وباطلهم). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين، ماذا أنزل ربكم، أيّ شيء أنزل ربكم، قالوا: الذي أنزل ما سطَّرَه االأوّلون من قبلنا من الأباطيل).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٨، ٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٤].\nوقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (إنها كقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾). وقال مجاهد: (يحملون أثقالهم: ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يُخَفّف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئًا). قال ابن جرير: (﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ يقول: ألا ساء الإثم الذي يأثمون، والثقل الذي يتحملون).\nوقوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.","vol":"4","page":365},{"text":"قال قتادة: (أتى الله بنيانهم من أصوله، فخرّ عليهم السقف). قال النسفي: (﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي من جهة القواعد وهي الأساطين، وهذا تمثيل، يعني أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها رسل الله فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنيانًا وعمدوه بالأساطين، فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وماتوا وهلكوا). وذهب بعض المفسرين أن المراد نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع فَأَهَبَّ الله الريح فخرّ عليه وعلى قومه. وقيل بل المراد بُخْتَنَصَّر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nقال القرطبي: (أي من حيث ظنوا أنهم في أمان).\nقلت: والآية تدل على احتيال الطغاة في المكر بدين الله والصد عن سبيل الله ومحاولة إضلال الناس بكل حيلة ووسيلة، فإذا صبر أهل الحق وواجهوا مكر الملأ بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت لهم العاقبة، وأتى الله بنيان أولئك الذي صنعوه فاجْتَثَّه من أصله وَأَبْطَلَ عملهم وأضلّه. وقد ورد أصل هذا المعنى في القرآن والسنة الصحيحة:\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].\nوفي صحيح السنة المطهرة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلته] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم من حديث أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيَّها قَبْلها، فجعلَه لها فَرَطًا وسلفًا بين يديها،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجه (٤٠١٨)، وابن حبان (٥١٧٥)، ورواه البيهقي (٦/ ٩٤).","vol":"4","page":366},{"text":"وإذا أراد هلكةَ أمّةٍ عذّبها ونبيُّها حيٌّ فأهلكها وهو ينظر، فأقَرَّ عينَه بهلكتِها حين كذبوه وعصوا أمره] (١).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله خلقَ شيء لم يمنعه شيء] (٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾. أي: يفضحهم ويظهر سرائرهم وما كانت تجنّه ضمائرهم.\nكما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠].\nوفي الصحيحين عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [لكل غادر لواءٌ يُعْرَفُ به يومَ القيامة] (٣). ورواه مسلم عن أبي سعيد بلفظ: [لكل غادر لواء عند اسْتِهِ يومَ القيامة] (٤). وفي لفظ آخر في مسند أحمد: [لكل غادر لواء يوم القيامة، يُرْفَعُ له بقدرِ غَدْرَتِه، ألا ولا غادرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامة]. وفي لفظ من طريق ابن عمر: [لكل غادر لواء ينصب له بغدرته].\nوقوله: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: تخالفوني). والمشاقّة: فعل ما يشقّ. تقول العرب: شاققت فلانًا فهو يشاقني: إذا فعل كل واحد بصاحبه ما يشقّ عليه. قال ابن جرير: (يقول: أين الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي اليوم، ما لهم لا يحضرونكم، فيدفعوا عنكم ما أنا مُحِلٌّ بكم من العذاب). كما قال تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣]. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٧/ ٦٥) من حديث أبي موسى مرفوعًا. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٥٩٦).\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم من حديث أبي سعيد، وانظر صحيح الجامع - حديث رقم - (٣٠٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢/ ٣٠١)، وأخرجه مسلم، وأحمد (٣/ ١٤٢)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥/ ١٤٢)، وانظر للفظ أحمد المسند (٣/ ٧)، (٣/ ٦١)، (٣/ ١٩)، وكذلك صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥٠٤٦).","vol":"4","page":367},{"text":"وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (فإذا توجّهت عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة، وأُسكِتُوا عن الاعتذار حين لا فرار ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمُخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أي: الفضيحة والعذاب اليوم محيط بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضرّه ولا ينفعه).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾.\nإِخْبَارٌ عن حال المشركين الظالمي أنفسهم في هيئتهم عند الاحتضار، ونزول ملائكة الجبار، لقبض أرواح هؤلاء الأشرار الفجار. ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي أظهروا الاستسلام، والسمع والطاعة والانقياد، وهم يقولون: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ - قال القرطبي: (أي من شرك). وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨].\nوفي صحيح مسلم عن أنس قال: [كنّا عند رسول الله - ﷺ - فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مُخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فَيُخْتَمُ على فيه، ويُقَال لأركانه انْطقي، فتَنطِقُ بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لَكُنَّ وسحقًا فعنكن كنت أناضل] (١).\nوقوله: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: إن الله ذو علم بما كنتم عليه من المكر بدين الله والمؤمنين، والصد عن سبيل الله القويم، تبغونها عِوَجًا وفسادًا في الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي يقال لهم ذلك عند الموت. وقيل: هو بشارة لهم بعذاب القبر، إذ هو باب من أبواب جهنم للكافرين). وقال ابن كثير: (﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٨/ ٢١٧). وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٣٣).","vol":"4","page":368},{"text":"أي: بئسَ المَقِيل والمُقام والمكان من دار هَوَانٍ، لمن كان متكبرًا عن آيات الله واتباع رسله. وهم يَدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادَهم في قبورها من حرِّها وسَمُومها، فإذا كان يومُ القيامة سُلِكَت أرواحهم في أجسادهم، وخُلِّدت في نار جهنم، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، كما قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]).\n٣٠ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: ثَنَاءُ الله تعالى على المحسنين المتقين، الذين يدخلون بإذنه وتوفيقه جنات عدن خالدين، وقد توفتهم الملائكة قبل ذلك طيبين، وقالوا لهم: سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون.\nفقوله: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾.\nهو إِخْبَارٌ عن حال السعداء المؤمنين، بخلاف حال الأشقياء المشركين، فإن الأشقياء لما قيل لهم ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أعرضوا عن الجواب واعتبروا ما جاءهم أساطير الأولين، وأما المؤمنون فأقروا بالوحي الكريم، الذي حمل لهم الخير الكبير، من وعد الله الجليل: وهو قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾. قال قتادة: (أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه). وقال الشهاب: (والحسنة التي في الدنيا الظفر وحسن السيرة وغير ذلك).\nوقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا، لفنائها وبقاء الآخرة). وقال النسفي: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره).","vol":"4","page":369},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أذنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشرٍ، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]] (١).\nويروي الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن عبد الملك بن بشير ورفع الحديث قال: [ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان. تقول الجنة: يا رب قد طاب ثمري واطردت أنهاري واشتقت إلى أوليائي فعجل إليَّ بأهلي. وتقول النار: اشتد حري وبعد قعري وعظم جمري فعجِّل عليَّ بأهلي] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾.\nأي: جنات إقامة وخلود، تجري الأنهار بين أشجارها وقصورها وبساتينها، وفيها من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، جعلها الله تعالى ثوابًا للمتقين.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٤٤) - كتاب بدء الخلق، وانظر (٤٧٧٩)، (٤٧٨٠)، ورواه مسلم في الصحيح (٢٨٢٤) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها -.\n(٢) انظر: \"صفة الجنة\" - وانلي - ص (٢١٤) - وإسناده حسن. وكتابي: \"أصل الدين والإيمان\" (٧٩٢) - في تفصيل نعيم أهل الجنة.","vol":"4","page":370},{"text":"٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧١، ٧٢].\nومن كنوز صحيح السنة في وصف أنهار الجنة وما فيها من المقام الكريم أحاديث:\nالحديث الأول: يروي البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن في الجنة مئة درجة أعدّها الله ﷿ للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن معاوية بن حيدة، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ في الجنة بَحْرَ الماء، وبحرَ العسل، وبحرَ اللبن، وبحرَ الخمر، ثم تشقّق الأنهار بعد] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [سَيحان وجيحان والفرات والنيل كلها من أنهار الجنة] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nإِخْبَارٌ عن حال المؤمنين عند الاحتضار، ونزول ملائكة الرحمة بالسلام والبشرى من الملك الرحيم القهار، الذي أمر بتبشيرهم بدخول الجنان جزاء الصبر والثبات على الحق إلى ساعة مفارقة دنيا الاغترار.\nقال القاسمي: (﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ١٤)، (٩/ ١٠١)، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٣٥)، وكذلك (٢/ ٣٣٩)، ورواه البيهقي في \"الأسماء\" (٣٩٨)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٧٠٣)، وانظر صحيح سنن الترمذي - (٢٠٧٨).\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٦٨)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٧٦) لمزيد من التفصيل في أنهار الجنة وما ورد فيها.","vol":"4","page":371},{"text":"والمعاصي وكل سوء ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لتدخل أرواحكم الجنة فإنها في نعيم برزخيٍّ إلى البعث. أو المراد بشارتهم بأنهم يدخلونها كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. . .﴾ [فصلت: ٣٠] الآيات).\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث البراء مرفوعًا - في صفة المؤمن في قبره بعد السؤال -: [ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرّك، أبشعر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: وأنت فبشّرك الله بخير من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعًا في إطاعة الله، بطيئًا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا. .] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: [فيفرجُ له فرجَةٌ قبلَ النار، فينظرُ إليها يَحْطمُ بعضُها بعضًا، فَيُقال له: انظُرْ إلى ما وقاك الله تعالى، ثم يُفرجُ له فرجَةٌ قبلَ الجنة، فينظرُ إلى زهرَتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك، ويُقال له: على اليقين كنتَ، وعليه مُتَّ، وعليه تُبْعَثُ إن شاء الله] (٢).\n٣٣ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾.\nفي هذه الآيات: اسْتِخْفَافُ الله تعالى بالمشركين، فهم ينتظرون الموت لقبض\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١)، وأحمد (٤/ ٢٨٧)، والنسائي (١/ ٢٨٢)، وأخرجه ابن ماجه (١/ ٤٦٩)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠)، وانظر: \"أحكام الجنائز\" (١٥٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٨). وانظر تخريج الترغيب (٤/ ١٨٨ - ١٨٩)، وصحيح الجامع (١٩٦٤) في أثناء حديث طويل. وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٤٤٣).","vol":"4","page":372},{"text":"أرواحهم، أو القيامة لنزول العذاب بهم، شأن الأمم الضالة قبلهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون.\nفعن قتادة: (قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال: بالموت، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠] وهو ملك الموت، وله رسل، قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ذاكم يوم القيامة).\nوقال مجاهد: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: عند الموت حين تتوفاهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ذلك يوم القيامة).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية.\nقال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: كما يفعل هؤلاء من انتظارهم ملائكة الله لقبض أرواحهم، أو إتيان أمر الله فعل أسلافهم من الكفرة بالله، لأن ذلك في كل مشرك بالله، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ يقول جل ثناؤه: وما ظلمهم الله بإحلال سُخْطِه ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم وكفرهم به، حتى استحقوا عقابه، فعجَّل لهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nقال القاسمي: (﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ جزاء سيئات أعمالهم من الشرك وإنكار الوحدانية وتكذيب الرسل ونحوها ﴿وَحَاقَ﴾ أي أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من العذاب الذي توعدتْهُم به الرسُل).\n٣٥ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ","vol":"4","page":373},{"text":"بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ الله تعالى المشركين احتجاجهم بالقدر على شركهم، شأن الأمم الضالة قبلهم، وما على الرسل إلا البلاع المبين. لقد بعث الله الرسل في أممهم يدعونهم لإفراد الله تعالى بالتعظيم، ونبذ الطاغوت وسبل الشياطين، فمن علم الله فيه خيرًا هداه، ومن علم كبره ومكره أضله، فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. إنك إن تحرص - يا محمد - على هداهم فاعلم أن الله لا يهدي من يُضل ويصرّ على الضلال وما لهم من ناصرين. لقد أقسموا بالله على إنكار البعث وأكثرهم كاذبون لا يعلمون، فإنما قول الله لشيء إذا أراد وجوده أن يقول له كن فيكون.\nفقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.\nاعْتِذارٌ تَافِهٌ من المشركين على شركهم بالله وتحريم ما لم ينزل به تشريعًا من البحائر والسوائب والوصائل معلقين ذلك كله على القدر، شأن الأمم المغرورة قبلهم.\nقال ابن كثير: (ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارهًا لِمَا فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة، ولما مَكَّننا منه. قال الله تعالى رادًا عليهم شبهتهم: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؟ أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لم يُعَيِّره عليكم ولا أنكره، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة، أي: في كل قرْن من الناس وطائفة رسولًا، وكلهم يَدْعون إلى عبادة الله، ويَنْهَوْن عن عبادة ما سواه).\nوقوله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.\nقال القرطبي: (أي بأن اعبدوا الله ووحّدوه. ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي اتركوا كلّ معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال).\nوقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾.\nقال النسفي: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ لاختيارهم الهدى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ أي لزمته لاختياره إياها).","vol":"4","page":374},{"text":"وقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.\nأي: إن كنتم معشر المشركين من قريش وغيرها غير مصدقي رسولنا فسيروا في أرجاء الأرض فانظروا كيف آل حال الأمم المكذبة قبلكم، وكيف صار آخر أمرهم إلى الخراب والدمار والعذاب والهلاك.\nوقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾\nإِخْبارٌ من الله تعالى رسوله - ﷺ -: أنّ حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إن كان الله أراد إضلالهم، لعلمه بفساد قلوبهم وانحراف فطرتهم وحبهم تعظيم الطواغيت والشهوات وإصرارهم على التمسك بنهج الجاهلية.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤].\n٤ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].\nوفي صحيح مسلم من حديث حذيفة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [تُعرض الفِتن كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلب أُشْرِبَها نُكتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نُكِتَ فيه نُكتةٌ بيضاء، حتى يصير على قلبين، على أبيضَ مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبادًا كالكوز مُجَخِّيًا، لا يَعْرِف معروفًا ولا يُنْكر مُنكرًا، إلا ما أشرب من هواه] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ - أي ينصرونهم ويحولون بينهم وبين وقوع العقاب بهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠) - كتاب الفتن. وقوله: \"مربادًا\" يعني: شدة البياض في سواد، و\"مُجَخّيًا\" أي: منكوسًا.","vol":"4","page":375},{"text":"وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾.\nقال قتادة: (تكذيبًا بأمر الله أو بأمرنا، فإن الناس صاروا في البعث فريقين: مكذِّبٌ ومصدق).\nوالمعنى: لقد حلف المشركون وأقسموا واجتهدوا في الحلف وغلّظوا الأيمان مستبعدين حدوث البعث بعد الموت، مكذبين الرسل بذلك، فردّ الله زعمهم وكذّبهم بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: فبجهلهم يخالفون الرسل ويَقعون في الكفر).\nوفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفُوًا أحد] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾.\nبَيَانٌ من الله تعالى حكمته من المعاد: ليبين للناس ما اختلفوا فيه من كل شيء، فيجازي المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم، وليعلم الذي جحدوا الحساب والجزاء والبعث بعد الموت أنهم كانوا كاذبين في دعواهم، وأن ذلك كما حملهم في الدنيا على متابعة كفرهم وظلمهم سيحملهم اليوم على مواجهة حرّ جهنم وسعيرها.\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٦].\nوفي صحيح السنة العطرة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم. قيل يا رسول الله! إن كانت لكافية. قال فُضِّلَتْ عليهن بتسعة وستين جزءًا كلهنَّ مثلُ حرّها] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٤٩٧٥)، وابن جرير (٢١٥٨٨) نحوه.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٧٦)، ورواه البخاري في صحيحه (٣٢٦٥) بلفظ قريب، ورواه أكثر أهل السنن.","vol":"4","page":376},{"text":"وفي لفظ: [فإنها فَضَلَتْ عليها بتسعة وستين جزءًا، كُلُّهُنَّ مثلُ حرِّها].\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له: ألمْ أَجْعَلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسَخَّرْتُ لك الأنعام والحرثَ، وتركْتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنك مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنْساك كما نسيتني] (١).\nالحديث الثالث: يروي الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائنا لهم، ولا في غير ذلك مما نخلق ونكوّن ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه، فإنما نقول له: كن فيكون، لا معاناة فيه، ولا كُلفة علينا).\n٤١ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إِثْبَاتُ الله تعالى سعادة المهاجرين، الذين ظُلِمُوا في سبيل الله وصبروا وعلى ربهم يتوكلون.\nفقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾.\nأي: إن مفارقة الأقوام وهجرة الأوطان فرارًا بالدين من ظلم الطغاة أجره عظيم عند الله، ويُهَيِّئ الله لأهله في الدنيا مسكنًا يرضونه صالحًا. وقيل في سبب ذلك أمران:\n١ - قال قتادة: (هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٥٥٨) - أبواب صفة القيامة. وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (١٩٧٨)، وأصله في صحيح مسلم.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، كما ذكر الهيثمي في \"المجمع\": (٥/ ٢٣٥)، وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٤/ ١)، وانظر السلسلة الصحيحة (٤٧١).","vol":"4","page":377},{"text":"حتى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارًا من المؤمنين). وعن مجاهد: (﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: المدينة).\n٢ - وقال ابن عباس: (هم قوم هاجروا إلى رسول الله - ﷺ - من أهل مكة من بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون). وقيل نزلت في أبي جندل بن سهيل. وقال مجاهد: (﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لنرزقنهم في الدنيا رزقًا حسنًا).\nقلت: والآية عامة في كل زمان ومكان، فإن الفرار بالدين ثوابه الرزق الحسن في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن عكرمة قال: [لما خرج صهيب مهاجرًا تبعه أهل مكة، فنثل كنانته فأخرج منها أربعين سهمًا فقال: لا تصلون إليَّ حتى أضع في كل رجل منكم سهمًا ثم أصير بعده إلى السيف فتعلمون أني رجل، وقد خلفت بمكة قينتين فهما لكم، ونزلت على النبي - ﷺ -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، فلما رآه النبي - ﷺ - قال: أبا يحيى ربح البيع. قال: وتلا الآية] (١).\nوقوله: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. قال قتادة: (إي والله لما يثيبهم الله عليه من جنته أكبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\nأي: الذين صبروا على أعباء الجهاد ومواجهة الطغاة، لحراسة الدين وسياسة الدنيا به في الأرض، لتكون كلمة الله هي العليا، وهم بالله يثقون وإليه يستندون في نوائب الأمور التي تنوبهم.\n٤٣ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٣/ ٤٠٠) من حديث عكرمة، وإسناده على شرط مسلم. وقد مضى تخريجه في سورة البقرة، آية (٢٠٧).","vol":"4","page":378},{"text":"أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إِثْبَاتُ الله رجولة الأنبياء الذين أرسلهم الله في جميع الأمم، ووجوب سؤال أهل العلم لفهم الدين على مدار الزمان، وإِثْباتُ نزول السنة وهي الوحي الثاني لِتُبَيِّنَ مجمل القرآن.\nفقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾. قال القرطبي: (نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوّة محمد - ﷺ - وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فهلّا بعث إلينا ملكًا، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى الأمم الماضية يا محمد ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ آدميين).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤، ٩٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨].\n٤ - وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].\n٥ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠].\nأخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح عن طلحة مرفوعًا: [إنما أنا بشرٌ مثلكم، وإن الظّن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله، فلن أكذِبَ على الله] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وابن ماجه، وأصله في صحيح مسلم (٧/ ٩٥) من حديث طلحة، ورافع بن خديج، وانظر: صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٣٣٧).","vol":"4","page":379},{"text":"وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ - فيه تأويلان:\n١ - قال ابن عباس: (قال لمشركي قريش: إن محمدًا في التوراة والإنجيل). وقال: (﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: يعني أهل الكتب الماضية، أبشرًا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون محمد رسولًا، ثم قال: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى: أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم). وقال سفيان: (﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب).\n٢ - قال ابن عباس: (أهل الذكر أهل القرآن). وقال ابن زيد: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال: الذكر: القرآن. وقرأ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] الآية).\nقلت: وكلا المعنيين حق. فلما عجب المشركون من إيحاء الله لرسوله، واصطفائه برسالته، أحيلوا لسؤال أهل الكتاب أو علماء الأخبار. وكذلك الحال عند كل معضلة أو فتوى فلا بد من الرجوع لأهل العلم.\nقال القاسمي: (فالذكر، إما بمعنى الكتاب لما فيه من الذكر والعظة، كقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ [يس: ٦٩]، أو بمعنى الحفظ لأخبار الأمم السالفة. وفي الآية دليل على وجوب الرجوع إلى العلماء فيما لا يعلم).\nوقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. قال مجاهد: (البينات: الآيات، والزبر: الكتب). والزُّبُر: جمع زَبُور، والعرب تقول: زَبَرْتُ الكتاب إذا كتبته.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].\nوالمعنى: لقد أرسلنا الرسل المتقدمين ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ - أي بالحجج والدلائل والبراهين ﴿وَالزُّبُرِ﴾ أي بالكتب، فرجوعكم إليهم منهاج صحيح في كشف الشبهات والتعرف على الحق.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nأي: وأنزلنا إليك - يا محمد - السّنة، وهي الوحي الثاني، لتبين للناس ما نزل","vol":"4","page":380},{"text":"إليهم - أي القرآن: وهو الوحي الأول - فتفسر لهم مجمل القرآن، وتُفَصِّل لهم ما يحتاجون معرفته عن أمور دينهم ومفهوم الإسلام والإيمان والإحسان، وسبيل النجاة من الفتن القادمة عبر الزمان، ومن عذاب الله يوم القيامة - لعلهم يعتبرون ويتعظون فيلزمون طريق النجاة.\nقال القرطبي ﵀: (فالرسول - ﷺ - مُبَيِّنٌ عن الله ﷿ مراده مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة وغير ذلك مما لم يُفَصِّلْه).\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀: (﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله عليك وحرصك عليه).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nقال مجاهد في التفسير: (﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -). وقال ميمون بن مهران: (الرد إلى الله، الردّ إلى كتابه، والردّ إلى رسوله إن كان حيًا، إن قبضه الله إليه فالردّ إلى السنة).\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق مفهوم الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: [ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنَعُه؟ ! فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية].\nوفي لفظ: [ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوهُ وتنزهوا عنه؟ فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٣٥٦)، ورواه أحمد وغيره. انظر صحيح الجامع (٥٤٤٩).","vol":"4","page":381},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا حدثتكم حديثًا، فلا تزيدُنَّ عليّ] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم عن ابن مسعود مرفوعًا: [إنه ليس شيءٌ يقربكم إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، وليس شيءٌ يقربكم إلى النار إلا قد نهيتكم عنه].\nوفي لفظ عند الطبراني: [ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [هلاك أمتي في الكتاب واللَّبن. قالوا: يا رسول الله ما الكتاب واللبن؟ قال: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ﷿، ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمعَ ويبدون] (٣).\nقال ابن عبد البر: (أهل البدع أضربوا عن السنن، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة، فضلوا وأضلوا).\nوفي \"شرح السنة\" للبغوي عن أبي بن كعب قال: (عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار أبدًا، وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة).\nوكان الإمام مالك يقول - كما ذكر الشاطبي في \"الاعتصام\" -: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا).\nوكان الإمام الشافعي يقول - كما يروي أبو نعيم في \"الحلية\" -: (حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاءُ من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١١) من حديث سمرة ﵁، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٤٦).\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٦٤٧)، وبلفظ مقارب، وأخرجه الشافعي وابن خزيمة كما ذكر الألباني في \"الصحيحة\" - حديث رقم - (١٨٠٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٥٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧٧٨)، وقوله: \"يبدون\" - أي يخرجون إلى البادية لطلب اللبن في المراعي على حساب واجبات دينهم.","vol":"4","page":382},{"text":"وجاء في \"طبقات الحنابلة\" - قول الإمام أحمد -: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والاقتداء، وترك البدع، وكل بدعة ضلالة).\n٤٥ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تهديدٌ من الله تعالى ووعيد للمشركين بالخسف والعذاب، إن لم يؤمنوا ويلتزموا هذا الكتاب، فإن الله تعالى خلق كل شيء في هذا الكون الفسيح في سجود له وتعظيم وهم لله داخرون، والملائكة يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون.\nفقوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. قال قتادة: (السيئات: الشرك). والآية تهديد ووعيد للعصاة المستهترين الذين يشيعون المنكر في الأرض، فإن الزلازل عذاب من الله يبعثه الله عند فشو الفواحش والمنكر بين العباد. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح من حديث عمران بن حصين، عن النبي - ﷺ - قال: [في هذه الأمة خَسْفٌ، ومَسْخٌ، وقَذْفٌ، إذا ظهرت القيانُ والمعازِفُ، وشُرِبت الخمور].\nوفي رواية مِنْ حديث ابن عمر بلفظ: [في هذه الأمة خسف، ومسخٌ، وقذف، في أهل القدر] (١).\nورواه الحاكم عن عبد الله بن عمرو بلفظ: [في أمتي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٠٦١)، والترمذي (٢/ ٢٢)، وقال حسن صحيح.","vol":"4","page":383},{"text":"ورواه ابن ماجه من طريق عبد الله، عن النبي - ﷺ - بلفظ: [بين يدي الساعة مسخٌ، وخَسْفٌ، وقَذْف] (١).\nالحديث الثاني: يروي الترمذي من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: [يكون في آخرِ هذه الأمة خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ. قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا ظهر الخَبَثُ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهرَ الفتن، ويكثرَ الهرجُ، وهو القتل] (٣).\nوقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nأي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم، فإن عذاب الفجأة فيه شدة على النفس إضافة لما قد يقع على الجسد.\nوفي التنزيل: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧].\nوفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر - أن النبي - ﷺ - كان يقول -: [اللهم إني أعوذ بك من زوال نِعمتك، وتَحوّل عافيتك، وفَجأةِ نِقمتكَ، وجميعِ سخطك] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال ابن عباس: (﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ يقول: في اختلافهم).\n٢ - قال قتادة: (﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في أسفارهم). وقال ابن عباس: (قال: إن شئت أخذته في سفر).\n٣ - قال ابن جريج: (التقلب: أن يأخذهم بالليل والنهار).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٠٥٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٧٨٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٢٨ - ٢٩) من حديث عائشة، وهو شاهد للحديث السابق، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (ج ٤) ص (٣٩٣).\n(٣) حديث صحيح أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (١٠٣٦) - كتاب الاستسقاء، باب ما قيل في الزلازل والآيات، ورواه أحمد.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٨٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄، ورواه الترمذي وأبو داود - انظر صحيح الجامع - (١٣٠٢).","vol":"4","page":384},{"text":"قال ابن جرير: (﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أو يهلكهم في تصرّفهم في البلاد، وتردّدهم في أسفارهم ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يقول جل ثناؤه: فإنهم لا يعجزون الله من ذلك إن أراد أخذهم كذلك).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧، ٩٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧].\nوفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوّف بذلك).\nوقال الضحاك: (يعني: يأخذ العذاب طائفة ويترك أخرى، ويعذّب القرية ويهلكها، ويترك أخرى إلى جنبها).\nقال ابن كثير: (﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، أي: أو يأخذهم الله في حال خَوفهم من أخذه لهم، فإنه يكونُ أبلغَ وأشدَّ حالة الأخْذِ، فإن حصولَ ما يُتَوقَّع مع الخوف شديد. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، أي: حيث لم يعاجلكم بالعُقوبة، كما ثبت في الصحيحين: \"لا أحد أصبرَ على أذىً يسمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم\").\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾.\nإِخْبَارٌ من الله تعالى عن سجود كل ذي ظلٍّ لله تعالى بكرة وعشيًا. قال قتادة: (أما اليمين: فأول النهار، وأما الشمال: فآخر النهار). وقال: (ظل كل شيء سجوده).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١٠٩)، وابن ماجه (٤٠١٨)، وابن حبان (٥١٧٥)، ورواه البيهقي (٦/ ٩٤).","vol":"4","page":385},{"text":"وعن ابن جريج: (﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ قال: الغدو والآصال، إذا فاءت الظِّلال، ظلال كل شيء بالغدوّ سجدت لله، وإذا فاءت بالعشي سجدت لله).\nوقال الضحاك: (يعني: بالغدوّ والآصال، تسجد الظلال لله غدوة إلى أن يفيء الظلّ، ثم تسجد لله إلى الليل، يعني: ظلّ كل شيء). وعن ابن عباس: (﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ يقول: تتميل). واختاره ابن جرير وقال: (إن الله أخبر في هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: مَيَلانها ودورانها من جانب إلى جانب، وناحية إلى ناحية). وعن مجاهد: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: صاغرون).\nوالخلاصة: إن جميع الأشياء والمخلوقات بأسرها: جمادها وحيواناتها، ومكلّفوها من الإنس والجن والملائكة، قد دانت لكبرياء الله وعظمته وجبروته، وكل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال - أي بكرة وعشيًا - فإنه ساجد بظله لله تعالى (١).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾.\nهو كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].\nوكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].\nوقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.\nأي: والملائكة تسجد لله في طاعة وتذلل، ولا يستكبرون عن عبادة ربهم ﵎.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند حسن عن أبي ذر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أَطَّت السماء وَحُقَّ لها أن تَئِطّ، ما فيها موضِعُ أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله\n_________\n(١) ذكره ابن كثير وقال: (وقال أبو غالب الشيباني: أمواج البحر صلاته). قال: ونزّلهم منزلة من يَعْقِل إذ أسند السجود إليهم.","vol":"4","page":386},{"text":"تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذّذتم بالنساء على الفُرُش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.\nدليل في علو الله تعالى، فهو سبحانه فوق عرشه، بائن من خلقه، وبعض الملائكة تعرج إليه بأعمال العباد، وبعضهم ينزل بالأمر قضاه تعالى في السماء، وجميعهم يفعلون ما يؤمرون، ويؤدون حقوق الله عليهم، ويجتنبون ما يُسخطه.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [الملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيسألهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: [الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد قال: قال\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في الجامع (٢٣١٢)، وابن ماجه في السنن (٤١٩٠)، وأحمد في المسند (٥/ ١٧٣). وإسناده حسن في الشواهد. انظر تخريج المشكاة (٥٣٤٧)، وصحيح الجامع (٢٤٤٥)، والسلسلة الصحيحة (١٠٥٩ - ١٠٦٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الشيخان وغيرهما، وفي رواية (يتعاقبون فيكم ملائكة. .) - انظر صحيح البخاري (٥٥٥)، (٣٢٢٣)، وصحيح مسلم (٦٣٢)، ومسند أحمد (٢/ ٣١٢).\n(٣) حديث صحيح. رواه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١/ ٣٥٠)، وأحمد (٢/ ١٦٠)، وغيرهم.","vol":"4","page":387},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء] (١).\n٥١ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الوحدانية لله العظيم، له ما في السماوات وما في الأرض وله الدين الحق المبين، وما بكم من نعمة - أيها الناس - فمن الله المنعم الكريم، الذي إن مسكم الضر فإليه تجأرون، وإن كشفه عنكم فأكثركم يشركون، ليتمتعوا بما في أيديهم من زينة الدنيا الفانية وسوف يعلمون.\nفقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.\nأَمْرٌ من الله تعالى عباده بإفراده بالألوهية، وصرف العبادة له وحده، فإنه لا إله إلا الله. وقد بعث الرسل جميعًا - صلوات الله وسلامه عليهم - بهذه الدعوة، دعوة التوحيد.\nففي التنزيل: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].\nوفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٣/ ١١١). وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم (٥١٤) ص (١٤٠) - وهو جزء من حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٣) - كتاب الإيمان. باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار، من حديث جابر ﵁.","vol":"4","page":388},{"text":"وفي صحيح مسلم عن عثمان ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة] (١).\nوقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ قال ابن جرير: (يقول: فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكًا).\nوقال النسفي: (نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم، وهو من طريقة الالتفات، وهو أبلغ في الترغيب من قوله فإياي فارهبوا، فارهبوني).\nوقوله: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.\nأي: لله ملك ما في السماوات والأرض من شيء، وكل خلق ورزق وحياة وإماتة فبأمره، ومن ثم فإن الطاعة والإخلاص له سبحانه إنما ينبغي له دائمًا ثابتًا وواجبًا.\nقال ابن عباس: (﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائمًا). وفي رواية أخرى قال: (واجبًا).\nوقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.\nأي: كيف تحذرون أيها الناس وترهبون أحدًا أن يسلبكم نعمة الله عليكم، وكل ما لديكم من صحة وعافية ورزق وخير فهو من ربكم، يقسم ذلك بينكم، وما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها.\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. أي إن أصابكم سقم أو شدة فإلى الله تصرخون وتستغيثون. قال مجاهد: (تضرعون دعاء). وقال ابن عباس: (الضُّر: السُّقْم).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.\nأي: ثم إذا رفع سبحانه عنكم الشدة والبلاء والسقم سارع بعضكم إلى ما كان عليه من الشرك بالله، وربما نسب الفرج لنفسه أو لجهده وقوته وجحد النعمة.\nقال القرطبي: (فمعنى الكلام التعجيب من الإشراك بعد النجاة من الهلاك، وهذا المعنى مكرر في القرآن).\nوفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٦) - كتاب الإيمان. باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، من حديث عثمان ﵁.","vol":"4","page":389},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود بسند صحيح عن أبي تميمة، عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله - ﷺ -، أو قال: شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مسَّكَ ضر فدعوته كشفَ عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (قيل: \"اللام\" ها هنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل، بمعنى قَيَّضنا لهم ذلك ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعمة الله عليهم، وأنه المُسْدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النِّقَم. ثم توعّدهم قائلًا: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾، أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلًا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي: عاقبة ذلك).\n٥٦ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الله تعالى جهالة المشركين، في صرف الأموال للأصنام وجعل البنات لله ولهم ما يشتهون، وإذا بشر أحدهم بالأنثى لجأ إلى الوأد خشية عار الجاهلين، إنه للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.\nفقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. إخبار من الله تعالى عن نوع آخر من جهالات المشركين وقبائحهم، فيجعلون لما لا يعلمون أنه يضر وينفع - وهي أصنامهم وأوثانهم - شيئًا من أموالهم يتقربون به إليه. وقيل بل الضمير في ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعود على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٠٨٤). انظر صحيح أبي داود (٣٤٤٢). ورواه أحمد. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (٩١٨)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم (٢٤٢).","vol":"4","page":390},{"text":"الأوثان. والتقدير: ويجعل هؤلاء المشركون للأصنام التي لا تعلم شيئًا نصيبًا. وكلا المعنيين محتمل.\nفَعَن مجاهد: (﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ قال: يعلمون أن الله خلقهم، ويضرّهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيبًا مما رزقناهم).\nوقال قتادة: (هم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم نصيبًا مما رزقناهم، وجزءًا من أموالهم يجعلونه لأوثانهم).\nوقال ابن زيد: (جعلوا لآلهتهم التي ليس لها نصيب ولا شيء، جعلوا لها نصيبًا مما قال الله من الحرث والأنعام، يسمون عليها أسماءها ويذبحون لها).\nوفي التنزيل: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦].\nوقوله: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.\nأي: والله لتسألن معشر المشركين عما تختلقون من الباطل والإفك على الله بدعواكم له شريكًا، وتصييركم لأوثانكم فيما رزقكم نصيبًا، ثم ليعاقبكم عقوبة تكون جزاءً لكفرانكم نعمه وافترائكم عليه. - ذكره ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: يجعلون لله البنات ترضونهنّ لي، ولا ترضونهنّ لأنفسكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا وُلِدَ للرجل منهم جارية أمسكها على هون، أو دسّها في التراب وهي حية). وقال: (﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قال: حزين). وقال الضحاك: (الكظيم: الكميد). وقال قتادة: (هذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى ذكره بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه، ويئد ابنته).","vol":"4","page":391},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.\nأي: يخشى رؤية الناس إن بُشِّر بأنثى، فهو في تأرجحٍ من أمره، فإن أبقاها أبقاها مهانة ذليلة يفضل الذكور عليها، ويحرمها من لطفه وإرثه والعناية بها، وإلا وأدها ودفنها حية في التراب على طريقة أهل الجاهلية. إنه بئس ما يحكم به هؤلاء المشركون، أنْ جعلوا لله ما يكرهون، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧].\nقال القرطبي: (﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بتكريم البنات وحسن رعايتهن، وما يعقب ذلك من عظيم الثواب وسبب النجاة يوم القيامة.\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فأخذتها فقَسَمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئًا، ثم قامت فخرجت وابنتاها، فدخلَ عليّ النبي - ﷺ - فحدّثته حديثَها، فقال النبي - ﷺ -: من ابتُلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كنّ له سترًا من النار] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم وابن ماجه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: [جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرتُ الذي صنعت لرسول الله - ﷺ - فقال: إن الله ﷿ قد أوجب بها الجنة أو أعتقها بها من النار] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤١٨) و(٥٩٩٥)، وأخرجه مسلم (٢٦٢٩)، وأحمد (٦/ ٣٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٣٠)، وابن ماجه (٣٦٦٨)، وابن حبان (٤٤٨)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٩٢) - من حديث عائشة ﵂.","vol":"4","page":392},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [مَنْ عالَ جاريتين حتى يُدرِكا، دخلتُ أنا وهو الجنة، كهاتين] (١).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد والطبراني بسند حسن في الشواهد، من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: [لا تَكْرَهوا البنات، فإنهنَّ المُؤْنِساتُ الغاليات] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nأي: كل النقص والعيب ينسب للمشركين الذين كفروا بلقاء ربهم، وكل الثناء وجميع المحامد لله العلي الكبير، وهو العزيز الحكيم.\nوعن قتادة: (﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله). أو قال: (الإخلاص والتوحيد).\n٦١ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تأخير الله تعالى مؤاخذة الناس بظلمهم رحمة بهم، والمشركون غافلون يجعلون لله ما يكرهون ويمضون كمن قبلهم من الجاهلين خلف أهوائهم، وقد زيّن لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم والعذاب مثواهم، وما أنزلنا عليك الكتاب - يا محمد - إلا لتبين لهم، وهدى ورحمة لمن آمن منهم.\nفقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.\nأي: لو يؤاخذ الله الناس بكفرهم وظلمهم وبغيهم لعاجلهم بالعذاب ولما ترك على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٣١)، والترمذي في الجامع (١٩١٤)، وابن حبان في صحيحه (٤٤٧)، وأحمد في المسند (٣/ ١٤٧).\n(٢) حسن لشواهده. أخرجه أحمد (٤/ ١٥١)، وابن عدي (٦/ ٢٧٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٣٢٠٦)، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٣١٠/ ٨٥٦).","vol":"4","page":393},{"text":"ظهر الأرض من دابة - كافرة، أو قيل: بل المراد العموم -. قال النسفي: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ قط، ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين).\nقلت: ويبدو أن الهلاك يعمّ إذا كثر الخبث، ثم يحشر الله الناس على نياتهم.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨].\nوفي صحيح السنة المطهرة من ذلك المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين أمِّ الحَكَم زينب بنتِ جَحْشٍ ﵂: [أن النبي - ﷺ - دخل عليها فَزِعًا يقول: لا إله إلا الله، وَيْلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقتربَ، فُتِحَ اليوم من رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مِثْلُ هذه - وحَلَّق بأصْبُعَيْه الإبهام والتي تليها -. فقلت: يا رسول اللهَ أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أم المؤمنين أُمِّ عبد الله عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [يَغْزو جَيْشٌ الكعبة، فإذا كانوا بِبَيْداءَ من الأرض يُخْسَفُ بأولهم وآخِرهم. قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يُخْسَفُ بأولهم وآخِرهم وفيهم أسواقُهم (٢) ومن ليسَ مِنْهم؟ ! قال: يُخْسَفُ بأولهم وآخِرهم، ثم يُبْعثون على نِيَّاتهم] (٣).\nالحديث الثالث: خَرَّجَ مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعثوا على نياتهم] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٧٤)، (١٣/ ٩)، (١٣/ ٩٥)، ومسلم (٢٨٨٠)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٢٨ - ٤٢٩).\n(٢) أي أهل أسواقهم أو السوقة منهم. وفيه أن من كثَّر سواد قوم في المعصية لحقته العقوبة، وفيه التحذير من مصاحبة أهل المعصية والظلم، وأن العمل بالنية.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ٢٨٤) - واللفظ له - وأخرجه مسلم - (٢٨٨٤) نحوه.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٧٩)، وأحمد في مسنده (٢/ ٤٠) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"4","page":394},{"text":"الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أم سلمة، عن النبي - ﷺ - بقصة جيش الخسف - قالت: قلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: [يُخْسَف بهم، ولكن يُبْعث يوم القيامة على نيته] (١).\nقال النووي في \"شرح صحيح مسلم\": (وفيه من الفقه التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين لئلا ينالهم ما يعاقبون به. قال: وفيه أنّ مَنْ كثَّرَ سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال القاسمي: (أي وقت تقتضيه الحكمة. يستغفر منهم من يستغفر فيغفر له، ويصرّ من يصرّ فيزداد عذابًا).\nوقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. قال الزهري: (نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة، ولا يقدّم، ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء، ويُقدِّمُ ما شاء). وقال ابن جرير: (﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يقول: فإذا جاء الوقت الذي وُقِّتَ لهلاكهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك ساعة فيمهلون ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ له حتى يستوفوا آجالهم).\nوقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. أي: ويجعلون لله البنات وتقول ألسنتهم الكذب: أن لهم الذكور من الأولاد. قال مجاهد: (قول قريش: لنا البنون، ولله البنات). وقال قتادة: (أي يتكلمون بأن لهم الحُسنى: أي الغلمان). وقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. أي: حقًا لهم النار، وأنهم متروكون فيها منسيون لقاء تفريطهم واستهتارهم. قال ابن عباس: (﴿لَا جَرَمَ﴾ يقول: بلى). وقال ابن كثير: (﴿لَا جَرَمَ﴾، أي: حقًا لا بد منه ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾، أي: يوم القيامة).\nوفي قوله: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ أكثر من تأويل متقارب:\n١ - قال سعيد بن جبير: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: منسيون مُضَيَّعُون). أو قال: (متروكون في النار، منسيون فيها). وقال مجاهد: (مَنْسيون). وقال قتادة: (مُضاعون).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٢٨٩) - كتاب المهدي، وانظر صحيح مسلم (٢٨٨٢)، ومسند أحمد (٦/ ٢٩٠)، وصحيح ابن حبان (٦٧٥٦) - من حديث أم سلمة.","vol":"4","page":395},{"text":"٢ - قال قتادة أيضًا: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: قد أُفرِطوا في النار: أي مُعْجَلون). أو قال: (يقول: مُعْجَلون إلى النار).\n٣ - قال سعيد: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: مُخْسَئون مُبْعدون).\nقال ابن كثير: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغيرهم: مَنْسِيُّون مُضَيَّعُون. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]. وعن قتادة أيضًا: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، أي: مُعْجَلُون إلى النار، من الفَرَط وهو السابق إلى الوِرْد. ولا منافاة، لأنهم يُعْجَل بهم يوم القيامة إلى النار، ويُنْسَونَ فيها، أي: يُخَلَّدُون).\nوقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. تسلية للنبي - ﷺ - بأن ما يلقاه من تكذيب قومه قد واجهه إخوته الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - قبله. قال ابن جرير: (﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يقول: فَحَسَّنَ لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان مقيمين، حتى كذبوا رسلهم، وردّوا عليهم ما جاؤوهم به من عند ربهم). وقال القرطبي: (﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي ناصرهم في الدنيا على زعمهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. وقيل: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ أي قرينهم في النار. ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، وأطلق عليه اسم اليوم لشهرته. وقيل: يقال لهم يوم القيامة: هذا وليّكم فاستنصروا به لينجيكم من العذاب، على جهة التوبيخ لهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. بيان لحجية القرآن للفصل بين الناس في كل ما يختلفون فيه، إضافة لكونه هدى للقلوب ورحمة للمتمسك بنوره وهديه من المؤمنين.\n٦٥ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنان الله تعالى على العباد بنعمة الماء والأنعام، واللبن السائغ","vol":"4","page":396},{"text":"الذي فيه شفاء للأنام، وبثمرات النخيل والأعناب وما يكون منها من منافع عبر الأيام.\nفقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. قال ابن كثير: (وكما جعل تعالى القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يُحْيي الأرض بعد موتها بما ينزله عليها من السماء من ماء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، أي: يفهمون الكلام ومعناه).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾. الأنعام: هي الإبل والبقر والغنم. وفي خلقها وطريقة عطائها والاستفادة من ألبانها وأصوافها ولحمها آية ودلالة على قدرة خالقها ولطفه ورحمته.\nوقوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. آية من آيات الآفاق، يريها الله تعالى عباده في أدق ما توصلت إليه الأبحاث والعلوم. فلقد اكتشف الدارسون أن اللبن في الأنعام يُسْتَخْلَصُ من بين الفَرْثِ في الأمعاء الدقيقة، فتبقى الفضلات التي تخرج في صورة بَعَرٍ، وغيره، بعد أن كانت كُلَّها فَرْثًا سائلًا، ثم تَدْخلُ المواد الغذائية في الدم، ثم يُستخْلَصُ اللبن من الدم في الضروع، وهذا كله متضمن في دقيق ألفاظ الآية السابقة، فتبارك الله أحسن الخالقين.\nوقوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال ابن عباس: (السَّكر: ما حُرِّمَ من شرابه، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرته). وقال أبو رزين: (نزل هذا وهم يشربون الخمر، فكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر). وبنحوه قال إبراهيم: (هي منسوخة نسخها تحريم الخمر). وقال مجاهد: (السكر: الخمر، والرزق الحسن: الرُّطب والأعناب. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ قال: هي الخمر قبل أن تحرّم). وقال قتادة: (أما السَّكر: فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن: فما تنتبذون، وما تُخَلّلون، وما تأكلون، ونزلت هذه الآية، ولم تحرّم الخمر يومئذ، وإنما جاء تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ - تناسب بديع مع مفهوم الآية وما جاء بعدها من تحريم ما أسكر، فإن العقل من أشرف ما في الإنسان، وقد مهّد بذلك تعالى لمجيء التحريم بعد ذلك تكريمًا لهذا العقل وصيانة له من الضياع والانهيار.\n٦٨ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ","vol":"4","page":397},{"text":"وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى إلى النَّحْلِ اتخاذ البيوت من الجبال ومن الشجر ومما يبنون ويعرشون. ثم إلهامها الأكل من كل الثمرات وسلوك الطرق المذلّلة لصناعة العسل الذي فيه شفاء للناس وآية لقوم يتفكرون.\nفقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. قال مجاهد: (ألهمها إلهامًا). وعن ابن عباس قال: (أمرها أن تأكل من الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللًا). وقال معمر: (قذف في أنفسها).\nوقوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾. قال معمر، عن أصحابه: (قذف في أنفسها أن اتخذي من الجبال بيوتًا).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾. قال ابن زيد: (﴿يَعْرِشُونَ﴾: الكَرْم). وقال ابن جرير: (يعني: مما يبنون من السقوف، فرفعوها بالبناء). قال ابن كثير: (المرادُ بالوحي ها هنا: الإلهامُ والهداية والإرشادُ إلى النحل أن تَتَّخِذَ من الجبال بيوتًا تأوي إليها، ومن الشجر ومما يعرشون. ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تَسْدِيدها ورصِّها، بحيث لا يكون بينها خَللٌ. ثم أذِنَ لها تعالى إذنًا قَدَرِيًا تَسْخيريًّا أن تأكل من كُلِّ الثمرات، وأن تَسلُكَ الطرق التي جعلها الله تعالى لها مُذَلَّلة، أي: سهلة عليها حيث شاءت في هذا الجو العظيم والبَرَارِي الشاسِعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعودُ كلُّ واحدةٍ منها إلى موضعها وبيتها، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها ومالها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع في أجنحتها، وتقيءُ العَسَلَ من فِيها، وتبيض الفراخ من دُبُرها، ثم تُصْبِحُ إلى مراعيها).\nوقوله: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. أي: ثم كلي أيتها النحل من جميع الثمرات فاسلكي طرق ربك مذلّلة لك. قال مجاهد: (﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ قال: لا يتوعّر عليها مكان سلكته). وقال قتادة: (﴿ذُلُلًا﴾ أي مطيعة). والذّلل: جمع ذَلُول.\nوقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. أي: يخرج من بطون النحل شراب، هو العسل، مختلف ألوانه، فمنه الأبيض والأحمر والأسحر وغير","vol":"4","page":398},{"text":"ذلك. قال قتادة: (ففيه شفاء كما قال الله تعالى من الأدواء. وقد كان ينهى عن تفريق النحل، وعن قتلها).\nوفي صحيح سنن أبي داود عن ابن عباس، قال: [إنَّ النبي - ﷺ - نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد] (١).\nوقد جاء في فضائل العسل وفوائده أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن كان في شيء من أدويتكم خيرٌ ففي شَرْطَةِ محجم، أو شَرْبَة من عسل، أو لذعةٍ بنار توافق داء، وما أحب أن أكتوي] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الشفاء في ثلاثة: في شَرْطة مِحْجَمٍ، أو شَرْبَةِ عَسَلٍ، أو كيّة بنار، وأنهى أمّتي عن الكيّ] (٣).\nوله شاهد في مسند أحمد من حديث عقبة قال: قال رسول الله - ﷺ - ثلاثًا: [إنْ كان في شيء شفاء فشرطة مِحْجَم، أو شربة عسلٍ، أو كيّة تصيبُ ألمًا، وأنا أكره الكيَّ ولا أحبّه].\nقال ابن جُريج: (قال الزهري: عليك بالعسل، فإنه جيد للحفظ، وأجوده أصْفاه وأبْيَضُه، وألينُه حِدة، وأصدقه حلاوة، وما يُؤْخَذُ من الجبال والشجر له فضل على ما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعى نحله).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة: [أن رسول الله - ﷺ - كان يُعْجِبُهُ الحَلْواءُ العَسَلُ] (٤).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إن أخي اسْتَطْلَقَ بطنُه؟ فقال: اسقه عسلًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٥٢٦٧) - باب في قتل الذر. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث (٤٣٨٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٦٨١)، كتاب الطب، وانظر (٥٨٦٠)، وأخرجه مسلم (٢٢٠٥)، وأخرجه أبو يعلى - حديث رقم - (٢١٠٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٦٨٠) - كتاب الطب. وانظر حديث (٥٦٨٣) - كذلك.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٤٣١) - (٥٦١٤)، وأخرجه مسلم (١٤٧٤)، وأبو داود (٣٧١٥)، وأخرجه ابن ماجه (٣٣٢٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٥٩).","vol":"4","page":399},{"text":"فسقاه عسلًا، ثم جاء فقال: يا رسول الله، سَقَيْتُهُ عسلًا فما زادَهُ إلا استطلاقًا! قال: اذهب فاسقه عسلًا. فذهب فسقاه، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقًا! فقال رسول الله - ﷺ -: صدقَ اللهُ وكَذَبَ بطنُ أخيك! اذْهَبْ فاسقه عسلًا. فذهب فسقاه فَبَرَأ] (١).\nقال بعضُ العلماء بالطب: (كان هذا الرجل عنده فضلاتٌ، فلما سقاه عَسَلًا وهو حارٌّ تحلّلت، فأسرعَت في الاندفاع، فزاد إسهالُه، فاعتقد الأعرابي أن هذا مضرَّةٌ، وهو مَصْلَحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليلُ والدفعُ، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدةُ المضرَّة بالبدن استمسك بطنه، وصَلحَ مزاجه، واندفعت الأسقامُ والآلام ببركة إشارته، عليه من ربِّه أفضلُ الصلاة والسلام) (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: فيعتبرون ويستدلون على وحدانيته سبحانه، وانفراده بألوهيته. وأنه هو الذي ألهم هذه الدواب الضعيفة فعلمت مساقط الأنداء، من وراء البيداء، فتقع على كل حرارة عبقة، وزهرة أنقة، ثم تصدر عنها بما تحفظه رضابا (٣)، وتلفظه شرابًا).\n٧٠ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الخلق والحياة والتصرف في العمر لله العليم القدير. وكذلك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٧١٦)، ومسلم (٢٢١٧)، والترمذي (٢٠٨٣)، وأحمد (٣/ ١٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) ذكره الحافظ ابن كثير في \"التفسير\" - انظر تفسير سورة النحل - آية (٦٩). قلت: وقوله - ﷺ - \"صدق الله وكذب بطن أخيك\" يشير إلى التفسير السابق للآية: أن المقصود من قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ العسل، ومن ذهب إلى أنه القرآن فلا مناسبة في الآيات لذلك.\n(٣) الرُّضَاب: بالضم هو الريق. والرَّاضِبُ: ضَرْبٌ من السِّدْر والسَّحُ من المطر. كذا في القاموس.","vol":"4","page":400},{"text":"التفضيل في الرزق والولد والخير وما المشركون برادّي ذلك على عبيدهم أفبنعمة الله يجحدون. الله تعالى هو الذي جعل لكم الأزواج والبنين والحفدة ورَزَقَكُم فكيف تكفرون! .\nفقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ - أي بِقبض أرواحكم من أبدانكم. فهو إخبار من الله تعالى عن تصرفه بخلقه، إذ أنشأهم من العدم، ثم يحييهم، ثم يميتهم.\nوقوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾. قال النسفي: (إلى أخسه وأحقره، وهو خمس وسبعون سنة، أو ثمانون، أو تسعون).\nوفي التنزيل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].\nوقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. قال ابن كثير: (أي: بعد ما كان عالِمًا أصبح لا يَدْري شيئًا من الفَنَدِ والخَرَفِ). قال ابن عباس: (﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، يعني إلى أسفل العمر، يصير كالصبي الذي لا عقل له).\nوفي صحيح السنة أحاديث في آفاق معنى الآية:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: [كان رسول الله - ﷺ - يتعوّذ يقول: اللهمّ إني أعوذ بك من الكسل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من البخل] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: [كان يأمر بهؤلاء الخمسِ ويُخْبِرُهُنَّ عن النبي - ﷺ - قال: اللهم إني أعوذُ بك من البُخْل، وأعوذ بك من الجُبْنِ، وأعوذ بكَ أن أُرَدَّ إلى أرذل العُمُرِ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٧١)، ومسلم (٢٧٠٦)، وأبو داود (١٥٤٠)، وأحمد (٣/ ١١٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٧٠) - كتاب الدعوات، باب التعوذ من البخل. وكذلك (٦٣٩٠). وأخرجه النسائي (٨/ ٢٥٦)، والترمذي (٣٥٦٧)، وابن حبان (١٠٠٥) (١٠١١)، وأخرجه أحمد (١/ ١٨٣)، (١/ ١٨٦) من حديث سعد بن أبي وقاص.","vol":"4","page":401},{"text":"عنه: [أنّ رسول الله - ﷺ - كان يدعو: أعوذُ بك من البُخْل والكسل، وأرْذَلِ العُمُرِ، وعذابِ القبر، وفتنة الدَّجال، وفتنة المحيا والممات] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن الله لا ينسى، ولا يتغيّر علمه، عليم بكلّ ما كان ويكون، قدير على ما شاء لا يجهل شيئًا، ولا يُعجزه شيء أراده).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني، فذلك قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾). وقال مجاهد: (﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال: مثل آلهة الباطل مع الله تعالى ذكره). وقال قتادة: (هذا الذي فُضِّلَ في المال والولد، لا يشرك عبده ماله وزوجته، يقول: قد رضيتَ بذلك لله، ولم ترضَ به لنفسك، فجعلت لله شريكًا في ملكه وخلقه).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال قتادة: (أي: والله خلق آدم، ثم خلق زوجته منه، ثم جعل لكم بنين وحفدة).\nوفي تفسير قوله: ﴿وَحَفَدَةً﴾ أكثر من تأويل:\n١ - قال ابن عباس: (﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: هم الولدُ وولَدُ الولد). وقال: (بنوك حين يحفدونك ويَرْفِدونك، ويعينونك ويخدمونك).\n٢ - قال مجاهد: (﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: ابنه وخادمه). أو قال: (الحفَدَةُ: الأنصار والأعوان والخُدَّام). وقال طاووس: (الحفدةُ: الخدمُ). وقال عكرمة: (الحفدة من خَدمك من ولدك وَوَلَدِ ولَدِك). وقال الضحاك: (إنما كانت العرب يخدمُها بنوها).\n٣ - وقال العوفي، عن ابن عباس: (بنو امرأة الرجل، ليسوا منه). وقال أيضًا: (هم الأصهار).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٤٧٠٧) - كتاب التفسير - سورة النحل، آية (٧٠)، وهي الآية موضع التفسير.","vol":"4","page":402},{"text":"ويقال: \"الحفدة\": الرجل يعمل بين يدي الرجل، يقال: فلان يحفد لنا أي يعمل لنا.\nقلت: وأصل الحَفْد في كلام العرب: خفة العمل. وفي الحديث: \"إليك نسعى ونحفدْ\": أي نسرع إلى العمل بطاعتك. قال الرازي: (الحَفْد: السرعة. والحَفَدَة: الأعوان والخدم وقيل الأختان وقيل الأصهار وقيل ولدُ الولد، واحدُهم حافِد). فكل ما سبق داخل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ - وإن كان قوله ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يشير بالخصوص إلى أولاد الأولاد وأولاد البنات من الأصهار، فعادة يعيشون في قرب الرجل وخدمته. وغاية الأمر التذكير بنعمة الله تعالى على العبد في المال والأهل والزوجة والولد.\nوقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. أي: من ألوان المطاعم وأصناف المشارب والملذات الحلال. وقوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾. أي: أفبعد كل هذا يصرفون العبادة أو الدعاء والتعظيم للأوثان والأصنام والطواغيت وينسون المنعم المتفضل ﷾.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له: ألمْ أجْعَلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخرْت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأسُ وتَرْبَعُ، فكنت تظنُّ أنك مُلاقيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).\n٧٣ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٢٥٥٨) - أبواب صفة القيامة، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٩٧٨).","vol":"4","page":403},{"text":"اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ الله المشركين في عبادتهم ما لا يملك لهم نفعًا، وتحذيرهم من تشبيه الله بالأشباه والأمثال. وتمثيل الله الكافر والمؤمن، فالكافر رزقه مالًا فعمل بمعصيته تعالى، والمؤمن رزقه كذلك فعمل بطاعته تعالى، فهما لا يستويان مثلًا. وتمثيل الله القائم على دينه والعاجز لا يقدر على خير، فالأول يدعو إلى الحق والعدل، والثاني عاجز مريض عالة لا يصلح لمهمة، فهما كذلك لا يستويان مثلًا.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: ورغم كل ما سبق بيانه من نعم الله على العباد، فإن المشركين بالله يعظمون من دونه أوثانا لا تملك لهم رزقًا من السماوات والأرض، فلا تقدر على إنزال القَطْرِ ولا إخراج النبات والثمار، بل ولا تقدر على شيء. قال قتادة: (هذه الأوثان التي تُعْبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقًا ولا ضرًا ولا نفعًا، ولا حياة ولا نشورًا).\nوقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. قال ابن عباس: (يعني اتخاذهم الأصنام، يقول: لا تجعلوا معي إلهًا غيري، فإنه لا إله غيري). وقال قتادة: (فإنه أحَدٌ صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد). والمقصود: لا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه - تعالى - لا مِثْل له، ولا شِبه.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه).\nوقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية - إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال قتادة: (هذا مثل ضربه الله للكافر، رزقه مالًا فلم يقدِّم فيه خيرًا، ولم يعمل فيه بطاعة الله، قال الله تعالى ذكره ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ فهذا المؤمن أعطاه الله مالًا، فعمل فيه بطاعة الله، وأخذ بالشكر، ومعرفة حقّ الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة، قال الله تعالى ذكره: ﴿هَلْ","vol":"4","page":404},{"text":"يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩]، والله ما يستويان ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾).\nوقال مجاهد: (ضرب الله هذا المثل، والمثل الآخر بعده لنفسه، والآلهة التي تعبد من دونه).\nيروي ابن جرير ورجاله رجال الصحيح عن ابن عباس: [في قوله ﷿: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ قال: نزلت في رجل من قريش وعبده، وفي قوله: ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: هو عثمان بن عفان. قال: والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأتي بخير ذاك مولى عثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه، وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما] (١).\nقال قتادة: (﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هو الوثن ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: الله يأمر بالعدل).\nقال النسفي: (الأبكم الذي ولد أخرس فلا يَفْهم ولا يُفهم ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ أي ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجح ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات مع رشد وديانة، فهو يأمر بالعدل والخير ﴿وَهُوَ﴾ في نفسه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم. وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من آثار رحمته ونعمته وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع).\n٧٧ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٢١٨١٤) - ورجاله رجال الصحيح. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة النحل، آية (٧٥ - ٧٦).","vol":"4","page":405},{"text":"تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الله تعالى أمر الغيب له وتحذيره عباده فجأة الساعة والقيام للحساب. وامتنان من الله تعالى على عباده أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا فرزقهم السمع والأبصار والأفئدة لإدراك العلوم وفهم المنافع والمضار لعلهم يشكرون. إن في تسخير الله الطيور وحملها في جو السماء لآيات لقوم يؤمنون.\nفقوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولله أيها الناس مِلك ما غابَ عن أبصاركم في السماوات والأرض دون آلهتكم التي تدعون من دونه، ودون كل ما سواه، لا يملك ذلك أحد سواه).\nوقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال قتادة: (هو أن يقول: كن، فهو كلمح البصر، فأمر الساعة كلمح البصر أو أقرب، يعني يقول: أو هو أقرب من لمح البصر).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]. أي: يكون ما يريد كطرف العين.\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nامتنان جديد من الله سبحانه على عباده، فهو الذي أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، ثم رزقهم السمع الذي يدركون به الأصوات، والأبصار اللاتي يبصرون بها المحسوسات والمرئيات، والأفئدة - وهي العقول - يميزون بها المنافع من المضرّات، ومركز العقل والفهم هو القلب، وهو مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، لعلهم يعرفون نعمة ربهم عليهم فيقدرونها ويقومُون بحق شكرها.\nقلت: وأعظم شكر تلك النعم صرفها في طاعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن","vol":"4","page":406},{"text":"المنكر، فإن ذلك خير عمل الجوارح والقلب، والله سوف يسأل العبد يوم القيامة عن صحته ونعمة العافية. وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢].\nومن كنوز صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [اغتنم خمسًا قبلَ خمس: حياتك قَبل موتك، وصحتك قبل سقَمك، وفراغك قبل شغلِكَ، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتَرْبَعُ، فكنت تَظُنّ أنك ملاقيَّ يومَك هذا؟] الحديث (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [يقولُ تعالى: من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب. وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بأفضل من أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبَّهُ، فإذا أحببتُه كنتُ سمْعَهُ الذي يسمع به، وبصره الذي يُبْصِرُ به، ويده التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن دعاني\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦٤١٢) - كتاب الرّقاق، باب الصحة والفراغ، ولا عيش إلا عيش الآخرة.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم (١٠٨٨) - وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٩١) لتفصيل البحث: \"نعمة استواء الخلق واكتمال صورته\".\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (٢٥٥٨) - أبواب صفة القيامة، وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (١٩٧٨)، وقد مضى بتمامه.","vol":"4","page":407},{"text":"لأجيبنّه، ولئن استعاذ بي لأعيذَنَّه، وما تردَّدْتُ في شيء أنا فاعله تردُّدي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءَتَه، ولا بُدَّ له منه] (١).\nيعني: إن العبد إذا صدق الله النية والعمل جعل الله جوارحه منساقة لأمر الله ورضاه، فلا يسمع إلا ما يرضي ربه تعالى، ولا يبصر إلا ما يحب سبحانه، وكذلك أعمال سائر جوارحه.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. قال قتادة: (﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾: أي في كبد السماء).\nوفي التنزيل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩].\nقال النسفي: (﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ هو الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في قبضهن وبسطهن ووقوفهن ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بقدرته. وفيه نفي لما يصوره الوهم من خاصية القوى الطبيعية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بأن الخلق لا غنى به عن الخالق).\n٨٠ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنان الله على عباده بنعمة البيوت والسكن والفائدة من جلود الأنعام في ذلك. ونعمة الظلال والجبال والسرابيل وآفاق المنافع من وراء هذا الخلق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١١/ ٢٩٢)، (١١/ ٢٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وانظر فتح الباري (١١/ ٢٩٥).","vol":"4","page":408},{"text":"والتسخير كذلك. ثم إن أكثر الناس بنعم الله يجحدون، وقليل من عباد الله الذين يشكرون.\nفقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ الآية. قال مجاهد: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قال: تسكنون فيه). وعن ابن عباس: (﴿أَثَاثًا﴾، قال: يعني بالأثاث: المال). وقال مجاهد: (﴿أَثَاثًا﴾: متاعًا). وقيل: هو الثياب. وقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ قال مجاهد: (إلى الموت). وقال ابن عباس: (﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ فإنه يعني: زينة، يقول: ينتفعون به إلى حين). وقال قتادة: (إلى أجل وبلغة).\nفالمعنى: والله جعل لكم أيها الناس من الحجر والمدر بيوتًا تسكنون فيها حين إقامتكم في دوركم وبلادكم، وجعل لكم خيامًا من الشعر والصوف والوبر والجلد تستخفون حملها ونقلها في أسفاركم لإقامة متنقلة وأيام محدودة، كما تستفيدون منها لإقامتكم في بلادكم وأمصاركم. قال ابن كثير: (﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾، أي: الغنم، ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾، أي: الإبل. ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾، أي: المَعْزِ - والضمير عائد على الأنعام - ﴿أَثَاثًا﴾، أي: تتخذون منه أثاثًا، وهو المال. وقيل: المتاع. وقيل: الثياب. والصحيح أعمُّ من هذا كلِّه، فإنه يتخذ منه الأثاث والبُسْط والثياب وغير ذلك، ويُتَّخَذُ مالًا وتجارة. وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾، أي: إلى أجل مسمى ووقت معلوم).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾. قال قتادة: (إي والله. . . من الشجر ومن غيرها). وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ - أي حصونًا ومعاقل ومواضع تسكنون فيها، والأكنان: جمع كِنّ (١). قال الرازي: (الكِنّ: السُّترة. والأكِنّة: الأغطية). قال قتادة: (﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ يقول: غيرانًا من الجبال يسكن فيها).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. قال قتادة: (يعني ثياب القطن والكتان والصوف وقمصها). وقوله: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. وهي الدروع التي تقي الناس في الحرب وما شابهها. قال قتادة: (هي سرابيل من حديد). والمراد دروع الحديد المصفَّح والزَّرَدِ ونحوها مما يرد سلاح العدو أثناء القتال ويصد ضرباته.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. قال قتادة: (هذه السورة\n_________\n(١) وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك. والمراد هنا بيوت السكن في مغاوير وتجاويف الجبال.","vol":"4","page":409},{"text":"تسمّى سورة النِّعَم). قال النسفي: (أي تنظرون في نعمته الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. قال القرطبي: (﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي ليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فإلينا).\nوقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - فيه أكثر من تأويل:\n١ - قال السدي: (يعني محمدًا - ﷺ -، أي يعرفون نبوته ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ويكذبونه).\n٢ - قال مجاهد: (يريد ما عدّد الله عليهم في هذه السورة من النعم، أي يعرفون أنها من عند الله وينكرونها بقولهم إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم).\n٣ - قال عَوْنُ بن عبد الله: (هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، ولولا فلان ما أصبت كذا، وهم يعرفون النفع والضر من عند الله).\n٤ - وقال الكلبي: (هو أن رسول الله - ﷺ - لما عرَّفهم بهذه النعم كلها عرفوها وقالوا: نَعَمْ، هي كلها نِعَم من الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا).\n٥ - وقيل: يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها، وينكرونها بترك الشكر عليها.\n٦ - وقيل: يعرفونها في الشّدة وينكرونها في الرخاء.\n٧ - وقيل: يعرفونها بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم.\n٨ - وقيل: يعرفونها بقلوبهم ويجحدونها بألسنتهم.\nقلت: وجميع ما سبق مما يحتمل التأويل، ويتسع له البيان الإلهي والإعجاز القرآني.\nوقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - قيل المراد جميعهم، وقيل المراد أغلبهم.\n٨٤ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ","vol":"4","page":410},{"text":"يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذير الله عباده اليوم الموعود، يوم يبعث الله فيه الشهود، فلا يؤذن بالاعتذار للذين كفروا، ولا يخفف العذاب عن الذين ظلموا، ولا يلقى الشركاء إلا التكذيب والخزي من الذين أشركوا، ويزيد الله الكافرين الذين كانوا يصدون عن سبيل الله عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون.\nفقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾. قال قتادة: (وشاهدها نبيّها، على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾).\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار، فيعتذروا مما كانوا بالله وبرسوله يكفرون ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فيتركوا الرجوع إلى الدنيا، فينيبوا ويتوبوا، وذلك كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.\nأي: إذا عاين المشركون الذين كذّبوا الرسِل عذاب جهنم بالدخول إليها فإنهم لا يخفف عنهم عذابها بالعذر الذي يلقونه ولا يُفَتَّرُ عنهم ساعة، ولا يُرجَؤون بالعقاب فقد فات وقت التوبة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nأي: وإذا أبصر المشركون يوم الحساب أوثانهم وأصنامهم والطواغيت التي كانوا يعبدونها من دون الله تقودهم إلى النار بأمر الله، قالوا ربنا هؤلاء الذين اتخذناهم أربابًا وجعلناهم لك شركاء، فكذبتهم الآلهة بأنها لم تكن آلهة ولا أمرتهم بعبادتها. قال القرطبي: (فيُنطق الله الأصنامَ حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار. وقيل: المراد بذلك الملائكة الذين عبدوهم).","vol":"4","page":411},{"text":"وقال أبو مسلم الأصفهانيّ: (مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على هذه الأصنام. وظنوا أنّ ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم. فعند هذا تكذبهم تلك الأصنام) - ذكره القاسمي.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].\nومن كنوز صحيح السنة في مفهوم هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يَجْمعُ الله الناس يوم القيامة فيقولُ: مَنْ كان يَعْبُدُ شيئًا فليتَّبعْه، فَيتَّبِعُ مَنْ كان يَعْبُدُ الشمسَ الشمسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كان يعبدُ القمرَ القمرَ، ويَتَّبِعُ مَنْ كان يعبد الطواغيتَ الطواغيتَ. .] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج الدارمي في سننه بسند جيد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إذا جمع الله العباد بصعيد واحد نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم ها هنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه، فيقعون سجدًا، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ويبقى كل منافق، فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٤٣٧) - كتاب التوحيد، وأخرجه مسلم (١٨٢)، وابن حبان (٧٤٢٩)، وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٨٥٦)، وابن أبي عاصم (٤٥٥) - في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الدارمي في سننه (٢/ ٣٢٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٨٤).","vol":"4","page":412},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nأي: استسلم المشركون لعذاب الله وخضعوا لِعِزِّه، وزال عنهم ما كان من تزيين الشيطان لهم في شفاعة آلهتهم، وخاب ما كانوا يؤمّلون من ذلك. قال قتادة: (﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. قال القاسمي: (أي يضاعف لهم العذاب كما ضاعفوا كفرهم بصدهم غيرهم عن الإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]. وفي الآية دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]).\n٨٩ - ٩٢. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾.\nفي هذه الآيات: اختصاص الله تعالى نبيّه محمدًا - ﷺ - بالشهادة على الأمم، وبالقرآن المبين الذي يحمل الهدى والرحمة والبشرى للمسلمين أولي الهمم. وأمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين بالعدل والإحسان، وتحذيرهم الفواحش والموبقات والطغيان، وتنبيههم على تعظيم أمر الأَيمان، فإليه يرجع يوم القيامة جميع الأنام.\nفقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾. تشريف من الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ - في اختصاصه برفيع المقام يوم حشر الخلائق،","vol":"4","page":413},{"text":"وجعل شهادته الحكم الفصل على أعمال أمته وتصديقهم له أو تكذيبهم، وعلى بلاغ الرسل لأممهم.\nوفي التنزيل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أحمد والبخاري عن أبي سعيد ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فَيُقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهد لكَ، فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى محمدٌ وأمته، فيُقال لهم: هل بَلّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فَيُقال: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بلَّغوا فصدَّقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: [يجيء نوحٌ وأمَّته، فيقول الله: هل بَلَّغت؟ فيقول: نعم أي ربِّ! فيقول لأمته: هل بَلَّغَكُم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبيّ، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. والوسط: العدل، فيُدعون، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي - ﷺ -: [اقرأ عليَّ القرآن، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٢٨٦)، وأحمد (٢/ ٣٢)، وانظر صحيح الجامع (٧٨٨٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨/ ١٣٩)، (٦/ ٢٨٦)، وأحمد (٣/ ٣٢)، ورواه الترمذي وغيره، انظر صحيح الجامع - حديث رقم - (٧٨٩٠).","vol":"4","page":414},{"text":"الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: حسبك الآن. فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان] (١).\nوقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال مجاهد: (مما أحل وحرّم). أو قال: (ما أمر به، وما نهى عنه). وقال ابن مسعود: (أنزل في هذا القرآن كل علم وكل شيء، فقد بيّن لنا في القرآن، ثم تلا هذه الآية). وقول ابن مسعود أشمل لمعنى الآية، فالقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه العباد من معرفة أمر دينهم ودنياهم، ومعاشهم ومعادهم.\nوقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن صَدَّق به، وعمل بما فيه من حدود الله، وأمره ونهيه، فاحل حلاله، وحرّم حرامه ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ يقول: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة، يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة، وعظيم كرامته).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾. أَمْرٌ من الله بالقسط، وندب إلى الإحسان، وصلة القرابة والأرحام. وعن ابن عباس: (﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، قال: شهادة أن لا إله إلا الله). وقال سفيان بن عُيينة: (العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كلِّ عاملٍ لله عملًا. والإحسان أن تكون سريرتُه أحسنَ من علانيته. والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسنَ من سريرته).\nوفي التنزيل حثٌّ على الإحسان وصلة الأرحام:\n١ - قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].\nومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال: [كان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٥٠)، وأخرجه مسلم (٨٠٠)، وأخرجه أحمد (١/ ٣٨٠).","vol":"4","page":415},{"text":"يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر. قال يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبُدَ ألله ولا تشرك به شيئًا، وتُقيمَ الصلاةَ المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه، فإنه يراك. .] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأبو داود في السنن من حديث أبي بكرة عن النبي - ﷺ - قال: [ما من ذنب أجدرُ أن يُعَجَّلَ لصاحبه العقوبةُ مع ما يدخر له، من البغي وقطيعة الرحم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة قاطِع] (٣). قال سفيان: (يعني قاطع رحم).\nوقوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. أي عن الكبائر والمنكرات والعدوان على الناس. قال ابن عباس: (الفحشاء: الزنا، والبغي: الكبر والظلم). وعن قتادة - في هذه الآية - قال: (ليس من خُلُق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به. وليس من خُلُق سَيّء كانوا يتعايَرُونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدَّمَ فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومَذَامِّها). قال ابن كثير: (فالفواحش: المحرمات. والمنكرات ما ظَهَرَ منها من فاعليها، ولهذا قال في الموضع الآخر: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وأما البغي فهو العدوان على الناس).\nقلت: والبغي عقوبته معجلة في الدنيا قبل الآخرة، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٣٠) - كتاب الإيمان - وانظر مختصر صحيح مسلم، باب: أول الإيمان قول لا إله إلا الله. وأخرجه أبو داود في السنن (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي (٨/ ٩٧) من حديث عمر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٩)، والترمذي (٢٥١١)، وأخرجه أبو داود (٤٩٠٢)، وانظر: \"صحيح الأدب المفرد\" (٢٣) - باب عقوبة عُقوق الوالدين.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٣٤٧)، وأخرجه مسلم - حديث رقم - (٢٥٥٦).","vol":"4","page":416},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحَ فإن الشُّحَ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لَيُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يذكركم أيها الناس ربكم لتذكروا فتنيبوا إلى أمره ونهيه، وتعرفوا الحقّ لأهله).\nوقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾. أَمْرٌ من الله تعالى عباده بالوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكّدة. قال مجاهد: (﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يقول: بعد تشديدها وتغليظها. ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ قال: وكيلًا).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].\nومن كنوز السنة في آفاق معنى الآية، أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: [لكل غادرٍ لواء يوم القيامة، يقال: هذه غَدْرةُ فلان] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعًا:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٥٧٨)، كتاب البر والصلة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨/ ٢٦٧)، وأخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٥٨٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٠/ ٤٦٤)، (١٢/ ٢٩٩)، وأخرجه مسلم - حديث رقم - (١٧٣٥)، من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"4","page":417},{"text":"[لكل غادر لواء عند اسْتِه يوم القيامة يُرْفَعُ له بِقَدْرِ غَدْرِه، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [المسلمون على شُروطهم] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ غَشَّنَا فليس منا، والمكر والخداعُ في النار] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. قال ابن كثير: (تهديد ووعيد لمن نقضَ الأيمانَ بعد توكيدها).\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. قال السدي: (هي خَرْقَاءُ بمكة كانت إذا أبرمت غزلها نقضته). وقال قتادة: (فلو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم: ما أحمق هذه! وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده). وقال مجاهد: (غزلها: حبلها، تنقضه بعد إبرامها إياه، ولا تنتفع به بعد). وقوله: ﴿أَنْكَاثًا﴾ يعني: أنقاضًا. والمقصود نقض العهد. قال ابن جرير: (﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتموه ﴿دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ يقول: خديعة وغرورًا ليطمئنوا إليكم، وأنتم مضمرون لهم الغدر، وترك الوفاء بالعهد، والنُّقلة عنهم إلى غيرهم من أجل أن غيرهم أكثر عددًا منهم).\nوعن ابن عباس: (﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ يقول: أكثر) أو قال: (يقول: ناس أكثر من ناس). قال مجاهد: (كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حِلْفَ هؤلاء، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ منهم، فنهوا عن ذلك). وعن قتادة: (﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ يقول: خيانة وغدرًا بينكم ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أن يكون قوم أعزّ وأكثر من قوم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٧٣٨) (١٦).\n(٢) حديث صحيح - أخرجه أبو داود في السنن (٣٥٩٤) - كتاب الأقضية، باب في الصلح. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٠٦٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (١١٠٧)، والطبراني في \"المعجم الصغير\" ص (١٥٣)، وفي \"المعجم الكبير\" (٣/ ٦٩/ ١). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٠٥٨).","vol":"4","page":418},{"text":"وفي لغة العرب: أربى - على وزن أفعل - من الربا، هذا أربى من هذا، إذا كان أكثر منه.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. قال سعيد بن جبير: (﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾، يعني بالكثرة). وقال ابن جرير: (أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد). ثم قال: (وليبينن لكم أيها الناس ربكم يوم القيامة إذا وردتم عليه بمجازاة كلّ فريق منكم على عمله في الدنيا، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].\nوفي صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي بكرة مرفوعًا: [ما مِنْ ذَنْبٍ أجدرُ أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند جيد عن أبي بكرة مرفوعًا: [ما مِنْ ذَنْبٍ أجدرُ أن يُعَجِّلَ الله تعالى لصاحبه العقوبةَ في الدنيا، مع ما يَدَّخِره له في الآخرة من قطيعة الرحم، والخيانةِ، والكذب، وإنَّ أعجلَ الطاعة ثوابًا لصلة الرحم، حتى إن أهلَ البيتِ ليكونوا فَجَرَة، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البيهقي في \"السنن الكبرى\" - بسند صحيح في الشواهد - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليس شيء أُطيعَ اللهُ فيه أعجلَ ثوابًا من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقابًا من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢)، وأحمد (٥/ ٣٦ - ٣٨)، والترمذي (٢/ ٨٣)، وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (ص ١٢)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٥٦)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني وبعض ألفاظه عند ابن حبان. انظر: \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٥٢)، و\"الترغيب\" (٣/ ٢٢٨) - للمنذري، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (ج ٢) (ص ٦٢٤).\n(٣) صحيح لشواهده. أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٥)، وانظر للرواية بعده \"المعجم الأوسط\" - للطبراني (١/ ١٥٥/ ٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٩٧٨).","vol":"4","page":419},{"text":"وله شاهد عند الطبراني في \"الأوسط\" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إن أعجلَ الطاعة ثوابًا صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونون فجارًا، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا وصلوا أرحامهم، وإن أعجل المعصية عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس يذهب المال، ويثقل في الرحم، ويذر الديار بلاقع].\n٩٣ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الله قَهْر مشيئته كل مشيئة، فهو - تعالى - يضل من يشاء ويهدي من يشاء بحكمته، وإليه المرجع للحساب جلّت عظمته. وتحذير منه سبحانه من اتخاذ الأيمان خديعة ومكرًا، والشراء بعهده ثمنًا قليلًا. وتبشير المؤمنين أهل الأعمال الصالحة الرفيعة، بحياة طيبة في الدنيا والآخرة.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ حنيفة مسلمة ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ من علم منه اختيار الضلالة ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ من علم منه اختيار الهداية ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يوم القيامة فتجزون به).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].","vol":"4","page":420},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nقال ابن كثير: (حذّر تعالى عباده من اتخاذ الأيمان دخلًا، أي: خديعةً ومَكْرًا، لئلا تَزِلَّ قدمٌ بعد ثبوتها، مثل لمن كان على استقامةٍ فحادَ عنها وزَلَّ عن طريق الهدى، بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصدِّ عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غَدَر به لم يبق له وثوقٌ بالدين، فانصدّ بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: لا تستبدلوا بعهد الله وبيعة رسوله عرضًا من الدنيا يسيرًا. وهو ما كانت قريش يَعِدُونهم ويمنونهم، إن ارتدوا ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي من إظهاركم في الدنيا وإثابتكم في الآخرة ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي من ذوي العلم والتمييز).\nوقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: كل ما عندكم أيها الناس وإن كَثُرَ لنافد فانٍ، وما عند الله خير وأبقى لمن صبر وعمل صالحًا، وليثيبَنَّ الله الذين صبروا بأجر أحسن أعمالهم. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وليثيبن الله الذين صبروا على طاعتهم إياه في السّراء والضّراء، ثوابهم يوم القيامة على صبرهم عليها، ومسارعتهم في رضاه، بأحسن ما كانوا يعملون من الأعمال دون أسوئها، وليغفرن الله لهم سيئها بفضله).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوعْدٌ من الله تعالى للمؤمنين أهل العمل الصالح أن يحييهم - سبحانه - حياة طيبة في الدنيا وأن يجازيهم بأحسن أعمالهم في الآخرة.\nوقد اشتملت أقوال أهل التأويل في هذه الآية على معان كثيرة متكاملة:\n١ - قال ابن عباس: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: الحياة الطيبة: الرزق الحلال في","vol":"4","page":421},{"text":"الدنيا). وفي لفظ: (الرزق الحسن في الدنيا). وفي لفظ آخر: (الرزق الطيب في الدنيا). وقال الضحاك: (الرزق الطيب الحلال).\n٢ - قال الحسن البصري: (الحياة الطيبة: القناعة).\n٣ - قال الضحاك: (يقول: من عمل عملًا صالحًا وهو مؤمن في فاقة أو ميسرة، فحياته طيبة، ومن أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن ولم يعمل صالحًا، عيشته ضنكة لا خير فيها).\n٤ - قال قتادة: (قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، فإن الله لا يشاء عملًا إلا في إخلاص، ويوجب من عمل ذلك في إيمان، قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وهي الجنة). وقال مجاهد: (الآخرة، يحييهم حياة طيبة في الآخرة). وقال الحسن: (ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة).\n٥ - وقيل: المقصود بالحياة الطيبة: السعادة، ذكره ابن عباس.\nقلت: والحياة الطيبة تشمل كل ما ذكر وأكثر، وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن معاذ بن عبد الله بن خُبيب عن أبيه عن عمه قال: كنا في مجلس، فجاء النبي - ﷺ - وعلى رأسه أثر ماء، فقال له بعضنا (١): نراك اليوم طيب النفس، فقال: أجل، والحمد لله، ثم أفاض القوم في ذكر الغنى، فقال: [لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: [قد أفلحَ من أسلم ورزق كَفَافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه] (٣).\nوله شاهد عند الترمذي من حديث فضَالة بن عُبيد: أنه سَمِعَ رسول الله - ﷺ - يقول:\n_________\n(١) هو يسار بن عبد الله الجهني ﵁.\n(٢) إسناده صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٢)، (٥/ ٣٨١)، والحاكم (٢/ ٣)، وأخرجه ابن ماجه (٢١٤١)، ورجاله ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٧٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٥٤)، والترمذي (٢٣٤٨)، وأحمد (٢/ ١٦٨)، وابن حبان (٦٧) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.","vol":"4","page":422},{"text":"[قد أفلح من هُدِيَ إلى الإسلام، وكان عيشه كَفَافًا، وَقَنِعَ به] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله لا يظلم المؤمن حسنةً، يُعْطَى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُعْطى بها خيرًا] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم وابن حبان بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق] (٣).\n٩٨ - ١٠٠. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى عباده بالاستعاذة به من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن، فإن الشيطان ليس له سلطان على أهل الإيمان، إنما سلطانه على الذين يتولونه من أهل الشرك والطغيان.\nفقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.\nقال ابن زيد: (فهذا دليل من الله تعالى دلّ عباده عليه). قلت: والأمر بالاستعاذة - خارج الصلاة - عند تلاوة القرآن هو للوجوب، كما هو داخل الصلاة لعموم الأمر. قال ابن كثير: (والمعنئ في الاستعاذة عند ابتداء القراءة، لئلا تَلْتَبِسَ على القارئ قراءته ويُخْلَطَ عليه، ويمنَعه من التدبر والتفكر).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٣٤٩)، وأحمد (٦/ ١٩)، وصححه ابن حبان (٧٠٥)، وكذلك الحاكم (١/ ٣٤ - ٣٥)، ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨)، وأحمد (٣/ ١٢٣)، (٣/ ٢٨٣)، وابن حبان (٣٧٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٢٣٢)، وأحمد (١/ ١٦٨)، والحاكم نحوه.","vol":"4","page":423},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\nقال الثوري: (ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه). وقيل: المعنى: لا حجة له عليهم. وقيل: ليس له تسلط وولاية على المؤمنين. قال النسفي: (فالمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه). قلت: وكل ما سبق داخل في آفاق مفهوم هذه الآية، فإن صدق الإيمان بالله والتوكل عليه حرز من الشيطان.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠].\nوفي صحيح السنة المطهرة من آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: روى أحمد في المسند، بسند صحيح، عن سبرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام فقال: تُسلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك. . . فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فَتُقتَل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنّ الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٣)، والنسائي (٦/ ٢١ - ٢٢)، وابن حبان (٤٥٩٣) وإسناده لا بأس به. انظر تخريج الترغيب (٢/ ١٧٣)، وصحيح الجامع (١٦٤٨).\n(٢) صحيح لغيره. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦١)، والبيهقي في \"الأسماء\" - ص (١٣٤) - بإسناد حسن.","vol":"4","page":424},{"text":"الحديث الثالث: روى مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إنّ الشيطان قد أيِسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾: حجته. ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾، قال: يطيعونه). وقال قتادة: (﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه). وقال الضحاك: (﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ - عدلوا إبليس بربهم، فإنهم بالله مشركون). وقال مجاهد: (يعدلون بربّ العالمين). وقال الربيع: (أشركوه في أعمالهم). قال ابن كثير: (ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى. وقال آخرون: معناه أنه شرِكهم في الأموال والأولاد).\nقلت: وكل ما سبق داخل في مفهوم الآية، فإن الشيطان يكتسب سلطانه من خضوع الناس له وطاعتهم لأوامره ووساوسه، حتى يضعف المطيع له أكثر وأكثر، وربما يحصل التلبّس والمسّ والصرع والدخول المؤذي وما يرافقه من النفث في العقد والسحر وغير ذلك.\nومن هنا جاءت النصوص الشرعية بمخالفته واتخاذه عدوًا فإنه رجيم.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١].\nوفي صحيح السنة - في آفاق معنى الآية - أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا قرأ ابن آدم السجدةَ فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أُمِرَ ابنُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٣٨). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٠٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٣٤٠) - لتفصيل البحث.","vol":"4","page":425},{"text":"آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فعصيت فليَ النار] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر، عن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبيِ الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: [إذا دخل الرجل بَيْتَهُ، فذَكَرَ الله ﷿ عِنْدَ دُخوله وعند طعامِه، قال الشيطان: لا مَبيتَ لَكُمْ ولا عَشَاء، وإذا دخلَ فلمْ يذكر اللهَ عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لمْ يذكر الله عند طَعامه، قال: أدركتم المبيتَ والعَشَاء] (٣).\n١٠١ - ١٠٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات ضعف عقول المشركين، أمام منهج التشريع في القرآن الكريم، الذي نزل به الروح الأمين، ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين، فهم يقولون إنما يعلمه بشر أعجمي وهذا لسان عربي مبين، والمشركون محرومون من الهداية ولهم عذاب أليم، فما يفتري النبي الكذب بل أولئك هم الكاذبون.\nفقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ - يعني رفعناها ونسخناها بغيرها. قال\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٣٦٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠١٩) - كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٠١٨) - كتاب الأشربة، الباب السابق، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.","vol":"4","page":426},{"text":"مجاهد: (نسخناها، بدّلناها، رفعناها، وأثبتنا غيرها). وقال قتادة: (هو كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nأي: إن ذلك من فعل الله تعالى بحكمته وعلمه ينسخ ما يشاء من الآيات والأحكام ويثبت ما يشاء. ولكن ضعف عقول المشركين يحملهم على اتهام الرسول - ﷺ - وأكثرهم جاهلون. قال ابن زيد: (قالوا: إنما أنت مفتر، تأتي بشيء وتنقضه، فتأتي بغيره. قال: وهذا التبديل ناسخ، ولا نبدّل آية مكان آية إلا بنسخ).\nوقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾. أي: نزل به جبريل ﵇ من عند ربه سبحانه بالصدق والعدل. قال محمد بن كعب: (روح القُدس: جبرئيل).\nوقوله: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. قال ابن كثير: (﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فَيُصدِّقوا بما نزل أولًا وثانيًا وتُخْبِتَ له قلوبهم، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، أي: وجعله هاديًا وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.\nاتهام للنبي - ﷺ - بأخذ العلم عن بعض الأعاجم، فكذبهم الله تعالى.\nأخرج ابن جرير - ورجاله رجال الصحيح - عن حُصين - وهو ابن عبد الرحمن - عن عبد الله بن مسلم الحضرمي: [أنه كان لهم عبدان من أهل عير اليمن، وكانا طفلين، وكان يُقال لأحدهما يسار، والآخر جبر، فكانا يقرآن التوراة، وكان رسول الله - ﷺ - ربما جلس إليهما، فقال كفار قريش: إنما يجلس إليهما يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾] (١).\nقال ابن جرير: (يقول الله تعالى ذكره مكذّبهم في قيلهم ذلك: ألا تعلمون كذب ما تقولون، إن لسان الذي تلحدون إليه، يقول: تميلون إليه بأنه يعلم محمدًا أعجميّ. . يقول: وهذا القرآن لسان عربي مبين).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٢١٩٣٨)، ورجاله رجال الصحيح إلا المثنى فيه كلام. قال الحافظ في \"الإصابة\": سنده صحيح، وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄، رواه الحاكم وصححه. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - النحل، (١٠٣).","vol":"4","page":427},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\nأي: إن الذين لا يؤمنون بهذا القرآن إعراضًا عنه وكبرًا أن يفهموه ويُصْغوا إليه قد أقفل الله قلوبهم وتوعدهم بعذاب أليم. إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن بآيات الله عنادًا واستكبارًا وأولئك هم الكاذبون. قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ هذا جواب وصفهم النبي - ﷺ - بالافتراء. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ هذا مبالغة في وصفهم بالكذب، أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم).\nوفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان بن حرب - لما سأل هرقل أبا سفيان عن صفات رسول الله - ﷺ - قال: [أفكنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. فقال هرقل: فما كان ليدَعَ الكذبَ على الناس ويذهبَ فيكذِبَ على الله، ﷿] (١).\n١٠٦ - ١٠٩. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾.\nفي هذه الآيات: استثناء المكره على الكفر من الوقوع في الكفر، ولكن من شرح بالكفر صدرًا لزمه تبعات الكفر وله عذاب عظيم. أولئك الذين استحبوا الدنيا على الآخرة والله لا يهدي القوم الكافرين. أولئك الذين ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مقابل إصرارهم فأصبحوا خاسرين.\nفقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم (٧) - كتاب بدء الوحي، عن ابن عباس عنه، في أثناء حديث طويل.","vol":"4","page":428},{"text":"وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nقال ابن عباس: (فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله، وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو من عدوه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم).\nقال ابن جرير: حدثنا ابنُ عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثَور، عن مَعْمَرٍ، عن عبد الكريم الجَزرِيّ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: (أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذّبوه حتى قارَبَهُم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: \"كيفَ تَجدُ قَلْبَكَ\"؟ قال: مُطْمَئِنًّا بالإيمان. قال النبي - ﷺ -: \"إن عادوا فَعُدْ\") (١).\nوالثبات على الدين أفضل، وهو أغيظ للمشركين، وأرضى لله سبحانه، فمن لم يستطع فيجوز له أن يُوالي على الكفر - عند الإكراه - إبقاءً لمهجته. فهذا بلال ﵁ قد ثبت على دينه رغم الأفاعيل التي كانوا يؤذونه فيها، وقد وضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، وهو يقول: أحدٌ أحدٌ، ويأبى أن ينطق بكلمة الكفر التي تفرحهم، وكذلك حبيبُ بن زيد الأنصاري لما قال له مُسَيْلَمَةُ الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إرْبًا إرْبًا وهو ثابت على ذلك.\nوذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حُذافة السهمي أحد الصحابة: (أنه أسرته الروم، فجاؤوا به إلى مَلِكهم، فقال له: تَنَصَّر وأنا أشرَكك في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميعَ ما تملك وجميعَ ما تملكه العربُ على أن أرجِعَ عن دين محمد - ﷺ - طرفةَ عين ما فعلمتُ! فقال: إذن أقتلك. قال: أنت وذاك! قال: فَأمرَ به فَصُلِبَ، وأمر الرماة فرَموه قريبًا من يديه ورِجْلَيْه، وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فَأُنزل، ثم أمر بقدر - وفي رواية: ببقرة من نحاس - فَأُحْميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظامٌ تلوحُ. وعَرَض عليه فأبى، فأمر به أن يُلقى فيها، فرفع في البكْرَةِ لِيُلْقَى، فبكى، فطمع فيه ودعاه فقال له: إني إنما بكيت\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢١٩٤٦)، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١٥٠٩)، والحاكم (٢/ ٣٥٧) والبيهقي (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وله شواهد في كتب السير. فالخبر بمجموع طرقه - وإن كان بعضها مرسلًا - يتقوى، والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":429},{"text":"لأن نفسي إنما هي واحدة، تلقى في هذا القدر الساعةَ في الله، فأحببتُ أن يكونَ لي بعَددِ كُلِّ شعرة في جسدي نفسٌ تُعذَّبُ هذا العذاب في الله).\nوقد ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، ثم قال: (وفي بعض الروايات: أنه سجنه وَمنعَ عنه الطعام والشراب أيامًا، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يَقْرَبه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكُلَ؟ قال: أما إنه قد حَلّ لي، ولكن لم أكن لأشمِّتك فيّ. فقال له الملك: فَقَبِّل رأسي وأنا أطْلِقُكَ. فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فَقَبَّلَ رأسه، فاطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: حقٌّ على كل مسلم أن يُقَبِّلَ رأس عبد الله بن حُذافة، وأنا أبدأ. فقام فَقَبَّلَ رأسه، ﵄).\nوأما الرِّدة عن الإسلام بعد الدخول فيه فيدخل في وعيد الآية، وهو العذاب العظيم في الآخرة، نتيجة لغضب الله وسخطه، إضافة إلى خزي عذاب الدنيا. وفي ذلك أحاديث.\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة: [أن عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابن عَباس فقال: لوْ كنْتُ أنا لم أُحَرِّقْهُمْ، لأن النبي - ﷺ - قال: لا تُعَذِّبُوا بعذاب الله. وَلَقَتَلْتُهُمْ كما قال النبي - ﷺ -: \"من بَدَّلَ دينه فاقتلوه\"] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي بُردَة عن أبي موسى - حين بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن ثم أتْبَعَهُ معاذَ بن جبل -: [فلما قدِمَ عليه ألقى له وسَادَةً قال: انْزِلْ، فإذا رجلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلمَ ثم تَهَوَّد، قال: اجْلِسْ، قال: لا أجلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضاءُ الله ورسوله، ثلاثَ مرات، فأمَرَ به فَقُتِلَ. .] الحديث (٢).\nورواه أحمد عن أبي بُرْدة بلفظ: [قدِمَ على أبي موسى معاذُ بن جبل باليمن، فإذا رجُلٌ عِنده، قال: ما هذا؟ قال: رجُلٌ كان يهوديًا فأسلم ثم تهوَّد، ونحن نريده على الإسلام مُنْذُ - قال: أحسبه - شهرين، فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. فَضُرِبَت\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٠١٧) - كتاب الجهاد والسير. باب: لا يُعَذَّبُ بعذاب الله.\nوأخرجه البخاري أيضًا (٦٩٢٢)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، وأحمد (١/ ٢١٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٢٣) - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم. باب: حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم.","vol":"4","page":430},{"text":"عنقه، فقال: قضى الله ورسوله أن من رَجَعَ عن دينه فاقتلوه. أو قال: \"مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فاقتُلوه\"] (١).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: حلّ بهؤلاء المشركين غضب الله، ووجب لهم العذاب العظيم، من أجل أنهم اختاروا زينة الحياة الدنيا على نعيم الآخرة، ولأن الله لا يوفق القوم الذين يجحدون آياته مع إصرارهم على جحودها).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. قال القاسمي: (إنما الجناح على من شرح بالكفر صدرًا أي طاب به نفسًا واعتقده، استحبابًا للحياة الدنيا الفانية، أي إيثارًا لها على الآخرة الباقية، فذاك الذي له من الوعيد ما بينته الآيات الكريمة، من غضب الله عليهم أولًا. وعذابه العظيم لهم، وهو عذاب النار ثانيًا. وعدم هدايتهم باختيارهم الكفر ثالثًا. ورابعًا بالطبع على قلوبهم بقساوتها وكدورتها. فلم ينفتح لهم طريق الفهم. وعلى سمعهم وأبصارهم بسدّ طريق المعنى المواد من مسموعاتهم وطريق الاعتبار من مبصراتهم إلى القلب. فلم يؤثر فيهم شيء من أسباب الهداية من طريق الباطن من فيض العلم وإشراق النور. ولا من طريق الظاهر بطريق التعليم والتعلم والاعتبار من آثار الصنع. وخامسًا بكونهم هم الغافلين، بالحقيقة، لعدم انتباههم بوجه من الوجوه. وامتناع تيقظهم من نوم الجهل بسبب من الأسباب. وجليٌّ، أن كل نقمة من هذه الخمس، على انفرادها، من أعظم الحواجز عن الفوز بالخيرات والسعادات. فكيف بها كلها!).\nوقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nأي: لا بد ولا عجبَ أن هؤلاء في صنيعهم وإصرارهم على الكفر سيلقون الخسارة في أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.\nقال الرازي: (ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة. فإذا حصلت هذه الموانع عظم خسرانه. فلهذا قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي الذين ضاعت دنياهم التي استنفدوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٣١) وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. وأخرجه البخاري (٦٩٢٣)، ومسلم (١٧٣٣) ح (١٣)، وأحمد (٤/ ١٤٠) عن أبي بردة مطولًا.","vol":"4","page":431},{"text":"في تحصيلها وسعهم، وأتلفوا في طلبها أعمارهم، وليسوا من الآخرة في شيء إلا في وبال التحسرات).\n١١٠. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾.\nفي هذه الآية: إِخبارٌ من الله تعالى عن بعض المستضعفين بمكة الذين واتَوْا المشركين على الفتنة، ثم تمكنوا من الهجرة والتخلص من مستنقع الجاهلية والفتن، تاركين بلادهم وأموالهم وأهليهم ابتغاء رضوان الله ومغفرته، فأولئك يَحْظون بمغفرة الله وعفوه بعد تعديل الوقوع السابق بالهجرة والصبر والجهاد.\nأخرج ابن جرير ورجاله ثقات عن ابن عباس قال: [كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، وقُتِلَ بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأُكرهوا فاستَغْفِروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. . . إلى آخر الآية، قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. . إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، ثم نجا من نجا، وقُتِلَ من قُتِل] (١).\n١١١. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾.\nفي هذه الآية: إخبار من الله سبحانه عن طبيعة مخاصمة النفوس يوم القيامة\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٢١٩٥٣). قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن شريك هو ثقة. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - النحل، آية (١١٠).","vol":"4","page":432},{"text":"واعتذارها بشتى الوسائل عما صدر من أصحابها من أعمال، ثم يفصل الله تعالى بإعطائه جزاء عملها وافيًا.\nقال النسفي: (فالنفس الأولى هي الجملة والثانية عينها وذاتها، فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره، كُلٌّ يقول نفسي نفسي، ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها، كقولهم: هؤلاء أضلونا، ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا، الآية، والله ربنا ما كنا مشركين).\nوفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: [كنا عند رسول الله - ﷺ - فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إِلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيُخْتَم على فيه، ويقال لأركانه انطُقي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل] (١).\n١١٢ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: سنة الله في القرى الظالم أهلها الشائع فيها الكفر والفواحش والآثام، يذيقها الله الخوف والجوع بعد الإنعام والأمان، وما ظلمهم الله بل أرسل إليهم رسوله فكذبوه فأذاقهم عقوبة أهل المكر والإجرام.\nوقد ذكر ابن عباس ومجاهد وقتادة أن المقصود بالقرية التي كانت آمنة مكة. فقد امتن الله تعالى على أهلها بنعمة الأمن والاستقرار، والناس يتخطفون من حولها ويلوذون بالفرار. وكان رزقها يأتي أهلها هينًا سهلًا من كل البقاع والأرجاء، فلما\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٣٣). وقوله: أناضل - أي أجادل وأدافع وأخاصم.","vol":"4","page":433},{"text":"جحدت نعمة الله عليها وأخصّها بعثة محمد - ﷺ - بدّلها الله خلاف حالها، وأذاق أهلها لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨].\nقال قتادة: (قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بدّ، إما أن يهلكها بموت وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله).\nوفي صحيح السنة العطرة من آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قرية، فقد أَحَلُّوا بأنفسهم عذابَ الله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا ظَهَرَ السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله ومغفرته] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند حسن عن العرس بن عميرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا عملتِ الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة: أَنْكرها - كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فَرَضِيَها، كان كمن شهدها] (٣). ثم روى في الباب عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني والحاكم. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٦٩٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤١)، والحاكم (٤/ ٥٢٣)، والبيهقي (٢/ ٤٤١/ ٢) - شعب الإيمان - وأخرجه أحمد كذلك (٦/ ٢٩٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٧٢).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٤٣٤٥) - كتاب الملاحم. باب الأمر والنهي. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٦٥١) - (٣٦٥٢).","vol":"4","page":434},{"text":"رجل من أصحاب النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - قال: [لَنْ يهلكَ الناس حتى يَعْذِروا، أو يُعْذِروا، من أنفسهم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. قال القرطبي: (هذا يدل على أنها مكة. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ وهو الجوع الذي وقع بمكة. وقيل: الشدائد والجوع منها).\nومن ذلك العذاب: أنهم لما استعصوا على رسول الله - ﷺ - وأبوا إلا خلافه، دعا عليهم بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كلَّ شيء لهم، فأكلوا العِلْهِزَ، وهو: وَبَرُ البعير، يُجْعَلُ بِدَمِهِ إذا نحروه. ثم إنهم بُدِّلوا بأمنهم خوفًا من رسول الله - ﷺ - وأصحابه - كما ذكر ابن كثير ﵀ - حين هاجروا إلى المدينة، مِنْ سَطْوَةِ سراياه وجيوشه، وجعلوا كل مالهم في سَفَالٍ ودمار، حتى فتحها الله على رسوله - ﷺ -. وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول - ﷺ - الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن به عليهم في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠، ١١]. وقوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١، ١٥٢]. ثم قال: (وكما أنه انعكس على الكافرين حالُهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرَّغَد، بَدَّل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمْنًا، ورَزَقَهم بعد العَيْلَة، وجعلهم أمراءَ الناس وحُكَّامهم وقادتهم وسادتهم وأئمتهم).\nوعن قتادة: (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ إي والله، يعرفون نسبه وأمره، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾، فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل).\n١١٤ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٤٣٤٧) - الباب السابق. وانظر صحيح أبي داود - حديث رقم - (٣٦٥٣).","vol":"4","page":435},{"text":"غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريب الله تعالى لعباده الحلال الطيب وتحبيبهم شكره، وتحريمه - تعالى - الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله مما يوجب سخطه، وكذلك الافتراء على أمره بالتحليل والتحريم الذي يوجب عقابه.\nفقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. أَمْرٌ من الله سبحانه عباده بتخيّر الحلال الطيب من الرزق واجتناب الخبيث الحرام من الأموال والطعام، والتماس شكره على نعمه تعالى، فهو المنعم المتفضل الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له. قال النسفي: (﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾: بدلًا عما كنتم تأكلونه حرامًا خبيثًا من الأموال المأخوذة بالغارات والغصوب وخبائث الكسوب).\nوفي معجم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فَحَمِدَ الله عليها إلا كان ذلك الحمدُ أفضلَ من تلك النعمة] (١).\nوله شاهد عند ابن ماجه بسند صحيح عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية. هو تحريم الله تعالى ما فيه مضرّة في الدين والدنيا من الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على غير اسم الله من ذبائح الجاهلية. قال قتادة: (إن الإسلام دين يطهره الله من كلّ سوء، وجعل لك فيه يا ابن آدم سعة إذا اضطررت إلى شيء من ذلك. قوله: ﴿فَمَنِ\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الطبراني من حديث أبي أمامة، وابن السني من حديث أنس بن مالك. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥٤٣٨).\n(٢) حديث صحيح. انظر سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٨٠٥) - كتاب الأدب - باب فضل الحامدين. وصحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٠٦٧).","vol":"4","page":436},{"text":"اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ غير باغ في أكله ولا عاد أن يتعدى حلالًا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة). وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ذو ستر عليه أن يؤاخذه بأكله ذلك في حال الضرورة، رحيم به أن يعاقبه عليه).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. قال ابن كثير: (نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حَلَّلوا وحرَّموا بمجرد ما وضعوه واصطلحوه عليه من الأسماء بآرائهم، من البحِيرة والسائِبة والوصيلةِ والحام، وغير ذلك مما كان شَرْعًا لهم ابتدعوه في جاهليّتهم. ثم قال: ويدخل في هذا كلُّ مُبْتَدِعٍ ابتدع بِدْعةً ليس له فيها مستند شرعي، أو حَلَّلَ شيئًا مما حرّمَ الله، أو حَرَّمَ شيئًا مما أباح الله، بمجرَّدِ رأيه وتشهِّيهِ).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. توعد أكيد، وتهديد شديد، لأولئك الذين يشرعون بأهوائهم متجاوزين حدود الله وشرعه وهدي رسوله، متاع زائل في الدنيا، وعذاب أليم في الآخرة.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩، ٧٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].\nومن صحيح كنوز السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم عن جابر ﵁ قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوتُه واشتدَّ غضبُه، حتى كأنه منذرُ جيش يقول: صَبَّحكم ومسَّاكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. ويقرن بين أصبعيه، السبابة والوسطى، ويقول: أما بعدُ، فإن خيرَ الحديث كتاب الله وخيرَ الهدي هديُ محمد - ﷺ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكُلَّ بدعة ضلالة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٨٦٧) - كتاب الجمعة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ٢١١) - كتاب الصلح. وأخرجه مسلم (١٧١٨) - كتاب الأقضية، من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂.","vol":"4","page":437},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح: [أن النبي - ﷺ - تلا هذه الآية على عدي بن حاتم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فقال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم! قال: أليس يُحلِّون لكم ما حرّم الله فتحلّونه، ويحرِّمون ما أحل الله فتحرّمونه؟ قال: بلى. قال النبي - ﷺ -: فتلك عبادتهم] (١).\n١١٨ - ١١٩. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: استحقاق اليهود التضييق من الله عليهم بما كسبت أيديهم، وفتحه - تعالى - باب التوبة والإنابة للراجعين إليه الراجين رحمته ليعفو عنهم ويتوب عليهم، والله غفور رحيم.\nفقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال الحسن: (في سورة الأنعام). والمقصود قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦].\nوقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. أي: إنما استحقوا ذلك التضييق بما كسبت أيديهم، فإن الله لا يظلم أحدًا من خلقه، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nأي: وأما الذين عصوا الله فجهلوا وركبوا المعصية والآثام، وما يسخط الرحمن، ثم راجعوا طاعة الله وندموا على ما فاتهم واستغفروا وتابوا، وأصلحوا فباشروا عمل\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الترمذي (٣٠٩٤) - في التفسير، ويتقوى بما أخرجه الطبري (١٦٦٣٤) عن حذيفة مرفوعًا. وانظر: \"فتح المجيد\" (١٠٧)، وكذلك كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٤٧) - لتفصيل مفهوم النهي عن التحاكم لغير الله.","vol":"4","page":438},{"text":"ما يحبه الله ويرضاه، فإن ربك - يا محمد - من بعد إقبالهم تائبين نادمين - لغفور رحيم.\nقلت: وهذا باب عظيم فتحه الله سبحانه تشرق به قلوب التائهين الذين أسرفوا على أنفسهم.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].\nوفي كنوز السنة المطهرة من آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [للهُ أَفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِه مِنْ أحدكم سقطَ على بعيره وقد أضَلَّهُ في أرض فلاة] (١).\nوفي لفظ لمسلم: [للهُ أَشدُّ فرحًا بتوبةِ عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامُه وشرابُه فأيسَ مِنْها، فأتى شجرة فاضطجع في ظِلّها، وقد أيسَ من راحلتهِ، فبينما هو كذلك إذا هو بها، قائمة عِنْدهُ، فأخذ بِخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطأَ من شدّة الفرح].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله تعالى يَبْسُطُ يَدهُ بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار، ويبْسُطُ يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلعَ الشمس من مَغْرِبها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله ﷿ يقبل توبة العبدِ ما لم يُغَرْغِر] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٩١ - ٩٢)، ومسلم - حديث رقم - (٢٧٤٧).\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٧٥٩).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٥٣٧)، وأخرجه أحمد (٦١٦٠) (٦٤٠٠)، وأخرجه الحاكم (٤/ ٢٥٧)، وصححه ابن حبان (٢٤٤٩)، وأخرجه ابن ماجه (٤٢٥٣)، وغيرهم.","vol":"4","page":439},{"text":"١٢٠ - ١٢٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء الله تعالى على خليله إبراهيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقد كان حنيفًا قانتًا لله ولم يك من المشركين، بل كان على هدى الله المستقيم وإمامًا من الشاكرين، فرفع الله ذكره في الأرض وإنه في الآخرة لمن الصالحين، وأوحى إلى نبينا محمد - ﷺ - اتباع ملته وإحياء منهاجه في نبذ الشرك وإحياء أصول هذا الدين.\nفقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ - فيه آفاق كثيرة:\nفالأمة: هي الجماعة من الناس والقرن منهم، كما أن العرب تطلقها أيضًا على الدين، والطريقة، والشرعة، والجماعة أرسل إليهم رسول، ومن هو على الحق مخالف لسائر الأديان.\nوأمُّ كل شيء أصله، ومنه سميت مكة أم القرى لأنها توسطت الأرض. قال ابن منظور في \"لسان العرب\": (والأمة الرجل الذي لا نظير له، ومنه قوله ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾). وقال القرطبي: (والأمة الجماعة، وتكون واحدًا إذا كان يقتدى به في الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾).\nوالقانت: هو الخاشع المطيع، ومنه قول ابن مسعود ﵁: (الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله).\nوقال الشَّعبي: حدثني فروَةُ بن نوفل الأشجعي قال: (قال ابنُ مسعود: إن مُعاذًا كان أمةً قانتًا لله حنيفًا. فقلت في نفسي: غَلِط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ فقال: تَدْري ما الأمة؟ وما القانت؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال:","vol":"4","page":440},{"text":"الأمة الذي يعلم الناس الخير. والقانت: المطيعُ لله ورسوله. وكذلك كان معاذ يُعَلّم الخير، وكان مطيعًا لله ورسوله).\nوقال مجاهد: (كان إبراهيم أمة، أي: مؤمنًا وحده، والناس كلهم إذ ذاك كفّار).\nوقوله: ﴿حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الحنيف: المُنْحَرِفُ قَصْدًا عن الشرك إلى التوحيد. قال ابن جرير: (وهذا إعلامٌ من الله تعالى أهل الشرك به من قريش أن إبراهيم منهم بريء، وأنهم منه برآء).\nوقوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾. أي: قائمًا بمقتضى نعم الله عليه من الشكر والإخلاص في العبادة. كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧].\nوقوله: ﴿اجْتَبَاهُ﴾. أي: اصطفاه للنبوة، واختاره للخُلّة.\nوقوله: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي: أرشده إلى الدين الحق - دين الإسلام - ليعبد ربه على شرع قويم ومنهاج سليم، بعيدًا عن الشبهات والشهوات والأهواء التي انخرط بها أكثر الناس، من أهل الكتاب وغيرهم.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. قال مجاهد: (لسان صدق). وقال قتادة: (فليس من أهل دين إلا يتولاه ويرضاه). قال ابن كثير: (أي: جَمَعْنا له خَيْرَ الدنيا من جميع ما يحتاجُ المؤمن إليه من إكمال حياته الطيبة).\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال النسفي: (لمن أهل الجنة). وقال ابن جرير: (يقول: وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة لمن صلح أمره وشأنه عند الله، وحسُنت فيها منزلته وكرامته).\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nدليل على كمال دين إبراهيم - ﵊ - وصحة منهجه، واستقامة مِلّته وتوحيده. فإن الله تعالى جعله أسوة في سلامة الدين وصحة المنهج، حتى أوحى إلى خاتم الأنبياء والمرسلين بالتزام ذلك الصراط المستقيم.\nوفي التنزيل: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١].\nحنيفًا: أي مسلمًا على الدين الذي كان عليه إبراهيم ﵇، متبرئًا","vol":"4","page":441},{"text":"- يا محمد - من الأوثان والأنداد والطواغيت التي يعكف عليها قومك، كما تبرأ من قبل منها أبوك إبراهيم.\n١٢٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾.\nفي هذه الآية: كان اليهود قد فُرِض عليهم الجمعة يوم عيد يجتمعون فيه للعبادة شأن بقية الأمم، فاختلفوا في تخصيص هذا اليوم واختاروا السبت بدلًا منه، فأضلهم الله عنه. وإنما الفصل يوم القيامة عند ربهم في كل ما كانوا فيه يختلفون.\nفعن مجاهد: (﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ اتبعوه وتركوا الجمعة). قلت: وقد أضل الله هذا العيد عن أهل الكتابين، فاختار اليهود يوم السبت، واختار النصارى يوم الأحد، وخبأ الله هديته - يوم الجمعة - لأمة محمد - ﷺ - ليكون عيدًا لهم. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة وحُذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [أضَلَّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحد، فجاء الله بنا فهدانا اللهُ ليوم الجُمعة، فجعلَ الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبَعُ لنا يوم القيامة، نحن الآخِرون من أهل الدنيا والأوّلون يومَ القيامة، المقضيُّ بينهم قبل الخلائق] (١).\nوفي رواية: [هُدينا إلى الجمعة وأضَلَّ الله عنها مَنْ كان قَبْلنا].\nالحديث الثاني: روى مسلم - كذلك - في صحيحه عن همّام بن مُنَبِّه أخي وهب بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، عن مُحَمّدٍ رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [نحنُ الآخِرون السابقون يومَ القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب مِنْ قَبْلِنا وَأُوتيناه مِنْ بَعْدِهم، وهذا يومُهُم الذي فُرِضَ عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فَهم لنا فيه تَبَعٌ، فاليهودُ غدًا، والنصارى بعد غدٍ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨٥٦) - كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٥٥) (٢١) - من حديث أبي هريرة - كتاب الجمعة، الباب السابق.","vol":"4","page":442},{"text":"الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه والنسائي في سننه، واللفظ لمسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [نحنُ الآخِرون الأوّلون يومَ القيامة، ونحن أوَّلُ من يَدْخُلُ الجنة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناهُ من بَعْدِهم، فاختلفوا، فَهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، هدانا الله له - قال: يوم الجمعة - فاليومُ لنا، وغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى] (١).\nقال ابن كثير: (لا شك أن الله تعالى شرع في كل مِلّة يومًا من الأسبوع، يجتمع الناس فيه للعبادة، فشرعَ تعالى لهذه الأمة يوم الجُمعة، لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، واجتمعت فيه وتمت النعمة على عباده. ويقال: إنه تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فَعَدَلوا عنه واختاروا السبت، لأنه اليوم الذي لم يخلُق فيه الربّ شيئًا من المخلوقات التي كمل خَلْقُها يوم الجمعة. فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nقال النسفي: (روي أن موسى ﵇ أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يومًا للعبادة، وأن يكون يوم الجمعة فأبوا عليه، وقالوا نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت، لأن بعضهم اختاروه وبعضهم اختاروا عليه الجمعة، فاذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم بينهم يوم القيامة فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله).\n١٢٥ - ١٢٨. قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨٥٥) (٢٠) - كتاب الجمعة - الباب السابق، من حديث أبي هريرة، وأخرجه النسائي (١٣٦٥).","vol":"4","page":443},{"text":"لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ اللهِ نبيَّه - وهو أمْرٌ لأمته - بالتماس طريق الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله، والله يهدي من يشاء وهو أعلم بالشاكرين. ودعوة إلى العدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحق، والصبر خير للصابرين. ولا يحيق المكر إلا بأهله الماكرين، والله تعالى في عون المتقين المحسنين.\nفقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.\nأي: التمس - يا محمد - في دعوتك الخلق إلى الكتاب والسنة واللطف واللين، والرفق والتيسير، واجتنب العنف والتعسير.\nقال ابن جرير: (﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ وهو ما أنزله عليك من الكتاب والسنة). وقال ابن كثير: (﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس يُذكرهم بها، ليحذروا بأس الله تعالى. ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدالٍ، فليكن بالوجه الحسن، برفق ولين وحسن خطاب).\nقال القرطبي: (أمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة. فهي محكمة في جهة العصاة من الموحِّدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: يروي الترمذي بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدًا؟ على كلِّ هين لين قريب سهل] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (٢٦٢٠) - أبواب صفة القيامة. وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٠٢٢).","vol":"4","page":444},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن سرجس، عن النبي - ﷺ - قال: [التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج العقيلي بسند حسن عن ابن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا: [يا عائشة: إياك والفحشَ، إياك والفحشَ، فإن الفحش لو كان رجلًا لكان رجل سوء] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: [إنه من أُعطي حظَّهُ من الرفق فقد أُعطي حظّهُ من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد في المسند عن سهل بن سعد، عن النبي - ﷺ - قال: [المؤمن يألف، ولا خيرَ فيمن لا يألف ولا يؤلف] (٤) وسنده صحيح.\nورواه الطبراني عن جابر بلفظ: [المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس].\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: قد عَلِمَ الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغَ منه، فادعهم إلى الله، ولا تَذْهَب نفسك على من ضَلَّ منهم حَسَرات، فإنه ليس عليك هداهم، إنما أنت نذير، عليك البلاع، وعلينا الحساب، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، و﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. دعوة إلى العدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحق، وأجر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في معجمه، وعبد بن حميد في مسنده. انظر تخريج المشكاة (٥٠٥٩)، وصحيح الجامع (٣٠٠٧).\n(٢) رواه العقيلي (٢٥٩) - من حديث ابن أبي مليكة. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٣٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٥٩)، وبنحوه الترمذي (١/ ٣٦٢)، وقال: حديث حسن صحيح. وانظر المرجع السابق - حديث رقم - (٥١٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٣٥)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٧٣): رواه أحمد والطبراني وإسناده جيد. وأورده كذلك في \"المجمع\" (٨/ ٨٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤٢٦).","vol":"4","page":445},{"text":"الصبر عند الله عظيم. قال ابن سيرين: (﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إن أخذ منك رجل شيئًا، فخذ منه مثله). وقال مجاهد: (لا تعتدوا).\nأخرج أحمد والترمذي وابن حبان بسند صحيح عن أبي بن كعب ﵁ قال: [لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثلوا بهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لَنُرْبِيَنَّ عليهم. فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. فقال رجل لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله - ﷺ -: كفوا عن القوم إلا أربعة] (١).\nقال النسفي: (﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ - أي: ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع الصابرين موضع الضمير ثناء من الله عليهم لأنهم صابرون على الشدائد).\nوقوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. تثبيت للأمر بالصبر وتوكيد له، وإعلام أنه كائن بمشيئة الله وعونه وتوفيقه.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نَفِدَ ما عِنْدَه، فقال لهم حين أنفق كُلَّ شيء بيده: ما يَكُنْ عِنْدي من خيْرٍ فلن أَدَّخِرَهُ عنكم، ومن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، ومن يتَصَبَّرُ يُصَبِّرْه الله. وما أُعطي أحدٌ عطاءَ خيرًا وأوسعَ من الصَّبْر] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾. أي: لا تحزن على هؤلاء المكذبين لك ولنبوتك - يا محمد -. وقوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا يضيق صدرك بما يقولون من الجهل، ونسبتهم ما جئتهم به إلى أنه سحر أو شعر أو كهانة. ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: مما يحتالون بالخدع في الصدّ عن سبيل الله، ومن أراد الإيمان بك، والتصديق بما أنزل الله إليك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٣٥)، والترمذي في الجامع (٣١٢٩)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢٨٩)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة النحل، آية (١٢٦). وأخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٦٥)، (١١/ ٢٦٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٠٥٣)، من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"4","page":446},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾\nقال الحسن: (اتقوا الله فيما حرّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم).\nفالذين اتقوا الله وخافوه حق مخافته، فاجتنبوا الفواحش والكبائر، وأقبلوا على طاعته حتى بلغوا مرتبة الإحسان، قابلهم ربهم سبحانه بمعية خاصة بهم، فكان النصر والتوفيق والمعونة والبر والفضل والتأييد.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ﴾ [التوبة: ٤٠].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله تعالى قال: مَنْ عادى لي وَلِيًّا فقد آذنته بالحَرْب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ مما افترضْتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كنتُ سَمْعَهُ الذي يسمعُ به، وبصرَهُ الذي يُبْصِر به، ويدَهُ التي يبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها، وإن سألني أعطيتُهُ، ولئنْ استعاذني لأعيذَنَّهُ] (١).\nومن أقوال أهل العلم في المعية:\n١ - قال الإمام مالك: (الله في السماء، وعلمه في كل مكان) (٢).\n٢ - وقال الإمام أحمد - وقد قيل له: الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان! - قال: (نعم، هو على عرشه، ولا يخلو شيء من علمه) (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١١/ ٢٩٢)، وكذلك (١١/ ٢٩٧).\n(٢) رواه أبو داود في المسائل، وعبد الله بن أحمد في السنة. انظر \"مختصر العلو\" - الذهبي - ص (١٤٠).\n(٣) ذكره الذهبي عن يوسف بن موسى القطان: ثقة من شيوخ البخاري - مات ٢٥٣ هـ. ورواه ابن القيم في \"الجيوش\" ص (٧٧). وانظر المرجع السابق.","vol":"4","page":447},{"text":"٣ - وقال نعيم بن حماد: (﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾: معناه أنه لا يخفى عليه خافية، بعلمه) (١).\nوالخلاصة: إن الله تعالى مع المتقين المحسنين بعونه وتأييده وتوفيقه ونصره، ومن وصل إلى هذه المرتبة فهنيئًا له ما بلغ إليه، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل معيته وينصرنا على أهل عداوته، إن رحمته قريب من المحسنين.\nتم تفسير سورة النحل\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n° ° °\n_________\n(١) إسناده صحيح. ذكره الذهبي عن محمد بن مخلد العطار، عن الرمادي. انظر: \"مختصر العلو\" ص (١٨٤).","vol":"4","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - المؤمن يبادر بإقامة منهج الإيمان، قبل حلول يوم المفاجأة والندامة والخسران.\n٢ - امتنان الله تعالى على عباده بوفير النعم، والرسل من أكبر تلك النعم.\n٣ - النهي عن أكل لحوم الحمير والبغال، والإذن في أكل لحوم الخيل.\n٤ - المضلون والمبتدعون يحملون أوزارهم يوم القيامة وأوزار من أضلوهم.\n٥ - المتقون ينعمون بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، والمشركون تعساء مثقلون في الدنيا وا لآخرة.\n٦ - لا حجة بالمشيئة الكونية، إذا كانت تتعلق بالمشيئة الشرعية.\n٧ - كل ذي ظل، ساجد بظله لله تعالى.\n٨ - \"السَّكر\": ما حرم من التمر والعنب، \"والرزق الحسن\" ما أحل منهما.\n٩ - العسل فيه شفاء للناس. صدق الله، وكذب بطن أخيك. . . اذهب فاسقه عسلًا.\n١٠ - ما دُمْتَ أبيت إشراكك مملوكك بمالك، فالله أحق منك بذلك.\n١١ - أيخلقك سبحانه وتعبد غيره؟ ! ويرزقك وتشكر سواه؟ ! .\n١٢ - إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها ومذامّها.\n١٣ - الوفاء بالعهود والمواثيق حق، وكذلك المحافظة على الأيمان.\n١٤ - العهد حال الضعف لا يبرر الغدر حال القوة.\n١٥ - اتهام المشركين للرسول بالافتراء عند نسخ الأحكام دليل سخف عقولهم.\n١٦ - كيف يتعلم الرسول القرآن العربي من أعجمي لا يعرف العربية.\n١٧ - الكفر باللسان عند الإكراه عذر، والثبات على الحق أفضل. ومن كَفَرَ بالرسالة حقيقة بدّل الله أمنَهُ خوفًا ورغَده جوعًا.\n١٨ - لا عبرة بالأكثرية المبطلة، فإن إبراهيم كان أمة وحده.\n١٩ - الجمعة يوم عيد للمسلمين، أضلَّ الله عنه اليهود إلى السبت، وهدانا الله إليه.\n٢٠ - الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمعاقبة بمثلها والصفح خير، ومعية الله للمحسنين المتقين بصفاته لا بذاته.","vol":"4","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>١٧ - سُورَةُ الإسْرَاءِ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١١)\nفضائلها وما ورد في ذكرها:\nلقد ورد في ذكر هذه السورة الكريمة أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابنَ مسعود - ﵁ - قال في بني إسرائيل، والكَهْف، ومَرْيم: [إنَّهُنَ مِنَ العِتاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِن تِلادي] (١).\nالمقصود هنَّ من أحبِّ السور إليه، ومن الكنوز الأولى التي تعلمها من القرآن.\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عائشة - ﵂ - تقول: [كان رسول الله - ﷺ - يصوم حتى نقول: ما يريد أن يُفْطِرَ، ويُفْطِرُ حتى نقولَ: ما يُريد أن يصومَ، وكان يقرأ كلَّ ليلة: \"بني إسرائيل\"، و\"الزُّمَر\"] (٢).\n_________\n(١) موقوف صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٩٤). والعتاق: هو كل ما بلغ الغاية في الجودة. وجاء في اللسان: \"وهن من تلادي\" يعني السورة، أي من قديم ما أخذت من القرآن، شبههن بتلاد المال. وهو: المال القديم الأصلي الذي وُلِدَ عندك.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٦/ ٦٨)، (٦/ ١٢٢)، والترمذي (٢٩٢٠)، (٣٤٠٥)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٣٤)، وإسناده حسن، رجاله ثقات.","vol":"4","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>موضوع السورة</span>\nرحلة الإسراء والمعراج ووحدة منهج المرسلين، والإيمان بالغيب وامتثال أوامر الله هو منهاج النجاة للمؤمنين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-150> منهاج السورة </span>-\n١ - تمجيد الله تعالى وإثبات حادثة الإسراء، ورؤية الآيات العجيبة من الله السميع البصير.\n٢ - عَطْف الله تعالى بذكر موسى ﵊ بعد ذكر محمد - ﷺ - وقد آتاه الله التوراة - كما آتى نبينا القرآن -، وجعله هدى لبني إسرائيل لئلا يتخذوا من دون الله نصيرًا ولا معبودًا.\n٣ - تنبيه الذرية على المنة في نجاة أبيهم نوح والمؤمنين، والوعيد لبني إسرائيل بالخزي إن سلكوا سبيل المفسدين.\n٤ - ثناء الله تعالى على القرآن، الذي يحمل الهداية لجميع الأنام، والنذارة للطغاة اللئام.\n٥ - امتنان الله تعالى على عباده بنعمة تعاقب الليل والنهار، وذكر الصحف التي توزع يوم القيامة على العباد وقد حوت جميع الأعمال الكبار والصغار.\n٦ - تأكيد عودة نفع الهداية على صاحبه، وعودة ضرر الضلال على مبتغيه، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يعذب الله قومًا حتى يبعث لهم رسولًا.\n٧ - الإصرار على الفسوق عقابه الدمار، وتاريخ الأمم شاهد بذلك.\n٨ - إمداد الله أهل الدنيا وأهل الآخرة، وتفضيل الدرجات في حياة الفريقين، والآخرة أعظم تفضيلًا، والشرك يقعد صاحبه مذمومًا مخذولًا.\n٩ - أمْرُ الله تعالى بإفراده بالعبادة والتعظيم، وخفض الجناح والإحسان للوالدين.","vol":"4","page":451},{"text":"١٠ - أمْرُ الله تعالى بإعطاء ذي القرابة والمساكين، والاجتناب للتبذير وسبل الشياطين.\n١١ - الوصية بالاقتصاد في العيش، والتحذير من البخل وقتل الأولاد خشية الفقر، والترهيب من الفواحش والغش والكبر والعجب والقول على الله بغير علم.\n١٢ - مكارم الأخلاق من وحي الله، والشرك أعظم الذنوب عند الله.\n١٣ - ختم الله على قلوب وأسماع المشركين، وتحديهم بالبعث بعد الموت ولو كانوا حجارة أو حديدًا، وهنالك يظنون أنهم ما لبثوا في غرور الدنيا إلا قليلًا.\n١٤ - أمْرُ الله عباده اختيار أحسن الكلام، وتفضيله تعالى بعض النبيين على بعض، وإسلام فئة من الجن وما زال بعض الإنس يعبدونهم، وعذاب الله محيط بالكافرين.\n١٥ - قضاء الله تعالى إهلاك الظالمين، وحثّه تعالى نبيّه على إبلاغ رسالته للعالمين، وقد أراه ليلة الإسراء عجائب قدرته، وشجرة الزقوم طعام الآثمين.\n١٦ - خبرُ سجود الملائكة لآدم، وامتنان إبليس، وتوعده إغواء الذرية، وتعهد الله إدخاله وأتباعه جهنم، وحماية الله المؤمنين منه والله ولي المتوكلين.\n١٧ - امتنان الله تعالى على عباده تسخيره لهم الفلك في البحر، وتَقَلُّب سلوك أكثر الناس بين الشدة والرخاء، وتكريم بني آدم وتفضيلهم على كثير من خلقه تفضيلًا.\n١٨ - توزيع الناس خلف أئمتهم وآلهتهم يوم الحشر، وأصحاب اليمين هم أهل السعادة.\n١٩ - تَوَعُّدُ الله أعداء نبيّه إبطال محاولات مكرهم، وتبشيره تعالى رسوله - ﷺ - إعلاء كلمة الحق وشوكة أهله، وإزهاق الباطل وحزبه، فإن الباطل كان زهوقًا.\n٢٠ - في القرآن رحمة وشفاء للمؤمنين، وخسارة للظالمين، والإنسان يستكبر عند حصول النعم، ويجزع عند نزول الألم، إلا من رحم الله.\n٢١ - كل إنسان يعمل على وجهته وطريقته، والروح من أمر الله، وهو العليم الحكيم.\n٢٢ - فضل الله على نبيّه بهذا الوحي الكريم، وعجز الثقلين لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، والله يصرف الآيات وأكثرهم لا يؤمنون.\n٢٣ - تنطّع المشركين في أمر الإيمان ومطالبتهم بالمعجزات، وامتناعهم عن الإيمان لكون الرسول من البشر، وأمر الهداية لله، ونار جهنم مثوى للمتكبرين.","vol":"4","page":452},{"text":"٢٤ - بُخْل المشركين، وكفر فرعون وإغراقه وجنده، واستخلاف بني إسرائيل.\n٢٥ - ثناء الله تعالى على القرآن، وعلى مهمة النبي ﵊، وعلى أهل العلم الذين يخرون سجدًا عند سماع آيات الرحمان.\n٢٦ - إثبات الأسماء الحسنى لله ولو كره الكافرون، وحثُّ الله نبيّه على التوسط في رفع الصوت بالقرآن لئلا يناله المشركون، وخَتْم السورة بتنزيهه تعالى عما يصفه به المبطلون.\n° ° °","vol":"4","page":453},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١. قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾.\nفي هذه الآية: تمجيد الله تعالى، وإثبات حادثة الإسراء، ومباركة الله جوانب المسجد الأقصى، ورؤية الآيات العجيبة في آفاق تلك الرحلة المدهشة، تثبيتًا لنبينا محمد - ﷺ - الله السميع البصير.\nفقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ - تمجيد الله تعالى نفسه عما لا يقدر عليه أحد سواه. فقد أسرى بعبده محمد - ﷺ - في جُنح الليل من مسجد مكة إلى بيت المقدس. وهو قوله: ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. قال ابن كثير: (وهو بيت المقدس الذي بإيلياءَ، مَعْدِن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل - ﵇ - ولهذا جُمعُوا له هنالك كلُّهم، فأمَّهُم في مَحِلَّتهم ودارهم، فدَلَّ على أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدَّم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين). قال النسفي: (﴿لَيْلًا﴾: نُصب على الظرف، وقيده بالليل، والإسراء لا يكون إلا بالليل للتأكيد، أو ليدل بلفظ التنكير على تقليل مدة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة).\nوقوله: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. أي جوانبه ببركات الدين والدنيا. قال القاسمي: (لأن تلك الأرض المقدسة مقر الأنبياء ومهبط وحيهم ومنمى الزروع والثمار. فاكتنفته البركة الإلهية من نواحيه كلها. فبركته إذن مضاعفة، لكونه في أرض مباركة، ولكونه من أعظم مساجد الله تعالى. والمساجد بيوت الله. ولكونه متعبد الأنبياء ومقامهم ومهبط وحيه عليهم، فبورك فيه ببركتهم ويمنهم أيضًا).\nوقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. أي لنري محمدًا - ﷺمن الآيات الدالة على وحدانية الله وصدق نبوته برؤية آفاق مثيرة مدهشة من ملكوت الله في أرجاء هذا الكون الفسيح.","vol":"4","page":454},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. أي: السميع لما يقوله المشركون بمكة معترضين على الرحلة النبوية المباركة، ولما يقوله عباده جميعهم، مؤمنهم وكافرهم، البصير بأعمال الخلق جميعًا، والمحيط والمحصي لكل ما صدر منهم ليجازيهم بهم يوم الحساب.\nلقد ثبت حادث الإسراء والمعراج بنص القرآن الكريم، وسميت بذلك هذه السورة \"سورة الإسراء\" إثباتًا للحدث.\nوفي التنزيل - في شأن الإسراء -: قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١ - ١٨].\nوالإسراء: هو الرحلة من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، وقد سمي بالأقصى لأنه أبعد المساجد الثلاث التي تزار وتشد إليها الرحال في الإسلام.\nوقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه أن الإسراء وقع بعد موت أبي طالب، وكان فيما يبدو بعد العودة من رحلة الطائف المؤلمة تسلية ومواساة من الله لرسوله - ﷺ -.\nوأما المعراج: فهو ارتفاع بعد الإسراء في طباق السماوات إلى مستوى تنقطع عنده علوم الخلائق ثم العودة إلى مكة. والمعراج لغة على وزن مِفْعال: من العروج أي الآلة التي يُعْرَج - أي يصعد - فيها، ولا نعلم كيف هو ولا نسأَل وحكمه كحكم المغيبات نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته.\nوقد ذهب قوم إلى أن الإسراء كان مرتين مرة في اليقظة ومرة منامًا، وقالوا: بالروح لا بالجسد، وينسبون لعائشة ومعاوية أنه أسري بروحه ولم يُفْقد جسده، وكل ذلك لم يصح عنهما، وقد ردّه العلماء المحققون.\nقال الإمام الطحاوي ﵀: (والمعراج حق وقد أسري بالنبي - ﷺ - وعُرِجَ بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله تعالى من العُلا، وأكرَمه الله تعالى بما شاء فأوحى إلى عبده ما أوحى).","vol":"4","page":455},{"text":"لقد كان الإسراء والمعراج بالروح والجسد، لا بالحلم والنوم، وإلا لم يكن له معنى التحدي والإعجاز، وقد تواترت نصوص الكتاب والسنة على إثبات ذلك، وقد هيّأ الله تعالى نبيّه - ﷺ - لتلك الرحلة المعجزة:\nيروي البخاري عن أنس عن مالك بن صعصعة أنَّ رسول الله - ﷺ - حدّثهم عن ليلة أسري به قال: [بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان أتاني آت، فشق ما بين هذه إلى هذه - يعني ثغرة نحره إلى شعرته - فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانًا، فغسل قلبي ثم حُشي ثم أعيد] (١).\nفإلى تفصيل هذه الرحلة النبوية العظيمة، وهذا المؤتمر الكبير الذي حضره الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:\nأخرج البخاري ومسلم - واللفظ لمسلم - عن أنس، أنّ رسول الله - ﷺ - قال: [أُتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحَّبَ بي ودعا لي بخير - وفي رواية البخاري: (وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خَلَصْتُ فإذا فيها آدم. فقال: هذا أبوك فسلِّم عليه، فَسَلَّمْتُ عليه فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح) - ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا فرحبا بي ودعوا لي بخير. (وفي رواية البخاري: فقالا: مرحبًا بك من أخ ونبي). ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، فإذا هو قد أعطي شطرَ الحسن فرحب بي ودعا لي بخير. (قال: مرحبًا بك من أخ ونبي) (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح). ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٣٢٠٧)، كتاب بدء الخلق.","vol":"4","page":456},{"text":"فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. (قال: مرحبًا بك من أخ ونبي). (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح)، قال الله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.\nثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ فقال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير. (قال: مرحبًا بك من أخ ونبي) (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح). ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير (قال: مرحبًا بك من أخ ونبي) (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح). (وفي رواية البخاري: فلما جاوزت بكى، فقيل له: ما أبكاك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي). ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم (فقال: هذا أبوك فسلم عليه. قال: فسلمت عليه فرد السلام. قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح (مرحبًا بك من ابن ونبي» مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتَها من حُسْنها، فأوحى الله إليّ ما أوحى، ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب! خفف على أمتي فحطّ عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عني خمسًا. قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد! إنهن خمس صلوات كلَّ يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا. ومن همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئًا، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت","vol":"4","page":457},{"text":"إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فسَلْهُ التخفيف. فقال رسول الله - ﷺ -: فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>فوائد ونتائج من حادثة الإسراء والمعراج، وذِكْرُ ما روي من الآيات الكبرى في تلك الرحلة:</span>\n١ - لم ير النبي - ﷺ - ربَّه، وقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ صحّ عن النبي - ﷺ - أن هذا المرئي جبرائيل، رآه مرتين على صورته التي خلق عليها.\n٢ - قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ دليل على أن الإسراء كان بجسده ﵊ في اليقظة، فالعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق وهو الصحيح، ولا يمتنع عقلًا، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه لو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة ومن ثمَّ إنكار النبوة.\n٣ - فإن قيل: ما الحكمة من الإسراء لبيت المقدس أولًا؟ قيل: إنه كان إظهارًا لصدق دعوى الرسول - ﷺ - المعراج، وذلك حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فوصفه لهم.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثْبتها، فَكُرِبْتُ كربًا ما كربت مثله، فرفعه الله لي أنظرُ إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم] (٢).\n٤ - في حديث المعراج إثبات صفة العلو لله سبحانه.\nفقوله ﵊ - كما في حديث أنس الذي رواه مسلم -: [ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل] إثبات لصفة العلو، كما قال سبحانه في سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\n٥ - في الإسراء نعت لبعض صفات بعض الرسل، ولقاء مالك خازن النار.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٥١٧)، وأخرجه مسلم (١/ ١٤٨)، وانظر \"فتح القدير\" (١٣/ ٤٨٨). وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٢٨ - ١٣٢) لتفصيل أخبار الحدث.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١/ ١٥٦ - ١٥٧)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٣٢) - لمزيد من التفصيل. وكذلك بحثه: \"الإسراء والمعراج\" في كتابي: السيرة النبوية (١/ ٣٦٠).","vol":"4","page":458},{"text":"ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة السابق: [وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرْبٌ جَعْدٌ كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثقفي، فإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: يا محمد! هذا مالك خازن النار فسلّم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام] (١).\n٦ - في المعراج أوحى الله لنبيّه خواتيم سورة البقرة.\nففي صحيح مسلم من حديث عبد الله قال: [فأعطي رسول الله - ﷺ - ثلاثًا: الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات] (٢).\n٧ - في المعراج: دخل رسول الله - ﷺ - الجنة ورأى نهر الكوثر فيها، ورأى في أصل سدرة المنتهى أنهارًا أربعة تفجر منها.\nفقد أخرج البخاري عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قبابُ الدر المجوف، قلتُ: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينُه مِسْكٌ أذفَرُ] (٣). والأذفر هو الشديد الرائحة.\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث حذيفة وفيه: [حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لي أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار] (٤).\nوفي صحيح البخاري من حديث مالك بن صعصعة وفيه: [وَرُفِعت لي سِدْرَةُ المنتهى فإذا نَبِقُها كأنه قلال، وورقها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فسألت جبريل فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات] (٥).\n٨ - في المعراج: رأى رسول الله - ﷺ - عذاب الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم، وأبصر عذاب خطباء القول الذين لا يمتثلونه بالعمل.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه (١/ ١٥٦ - ١٥٧)، وانظر التفصيل في المرجع السابق.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١/ ١٠٩)، ومختصر صحيح مسلم - حديث (٨١) - ص (٢٨).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٧٣١).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٢ - ٣٩٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - (٨٧٤).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - (انظر: فتح الباري ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢).","vol":"4","page":459},{"text":"ففي المسند بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لما عرج بي ربي ﷿، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم] (١).\nوعند البيهقي بسند حسن عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أتيت ليلة أسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت وَفَتْ، فقلت: يا جبريل: من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به] (٢).\n٩ - رأى عن يمين آدم أهل الجنة، وعن يساره أهل النار.\nفقد خرّج البخاري من حديث أنس: [. . . فلما فُتِحَ علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسْوِدة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى. فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسَمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى] (٣).\nفصدقه المؤمنون بكل ما ذكره لهم، وعلى رأسهم الصديق ﵁، وقد سُمِّيَ بذلك من يومئذ، فهو خيرُ المؤمنين بنبيِّه - ﷺ -.\n٢ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٢٤)، وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (٢/ ٦٠).\n(٢) حديث حسن. أخرجه البيهقي بسند حسن من حديث أنس. انظر: صحيح الجامع - حديث (١٢٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - (انظر: فتح الباري: ٦/ ٤٧٧).","vol":"4","page":460},{"text":"أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾\nفي هذه الآيات: عَطْفُ الله تعالى بذكر موسى ﵊ بعد ذكر محمد - ﷺ -، وقد آتاه الله التوراة - كما آتى نَبيّنا القرآن - وجعلها تعالى هدى لبني إسرائيل لئلا يتخذوا من دون الله نصيرًا ولا معبودًا. وحثٌّ وتنبيه للذرية على المِنّة في نجاة أبيهم نوح ومن آمن معه ليتشبهوا بهم. وحكم الله على بني إسرائيل في عواقب إفسادهم في الأرض وعواقب إحسانهم، وتتابع سنن الله في ذلك، وقد جعل الله في الآخرة جهنم سجنًا للكافرين المفسدين.\nفقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال قتادة: (جعله الله لهم هدى، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعله رحمة لهم). والآية: عطف بذكر موسى ﵊، بعد ذكر محمد - ﷺ - عبد الله ورسوله وكليمه، وكثيرًا ما يقرن الله بين ذكر موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وكلاهما كلمه الله، وآتى موسى التوراة، كما آتى محمدًا القرآن، وأمتهما يوم القيامة أكبر الأمم.\nوقوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾. قال مجاهد: (شريكًا). وقال ابن جرير: (ومعنى الكلام: وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا حفيظًا لكم سواي). ثم فسّر قول مجاهد فقال: (وكأن مجاهدًا جعل إقامة من أقام شيئًا سوى الله مقامه شريكًا منه له، ووكيلًا للذي أقامه مقام الله).\nوالخلاصة في المعنى: يقول: لئلا تتخذوا وليًا من دوني ولا نصيرًا ولا معبودًا، بل الله وحده هو الوكيل والنصير والمعبود لا شريك له.\nوقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. قال قتادة: (والناس كلهم ذرية من أنجى الله في تلك السفينة. وذُكر لنا أنه ما نجا فيها يومئذ غير نوح وثلاثة بنين له، وامرأته وثلاث نسوة، وهم: سام، وحام، ويافث، فأما سام: فأبو العرب، وأما حام: فأبو الحبش. وأما يافث: فأبو الروم). وقال مجاهد: (بنوه ونساؤهم ونوح، ولم تكن امرأته) - والله تعالى أعلم.\nقال ابن كثير: (تقديره: يا ذُرِّية من حملنا مع نوح. فيه تهييجٌ وتَنْبيهٌ على المِنَّة،","vol":"4","page":461},{"text":"أي: يا سُلالة من نَجّيْنا فحملنا مع نوح في السفينة، تَشَبَّهُوا بأبيكم، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدًا - ﷺ -. وقد ورد في الحديث، وفي الأثر عن السَّلف: أن نوحًا - ﵇ - كان يحمدُ الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كلِّه، فلهذا سُمِّيَ عبدًا شكورًا).\nقلت: ومن كنوز السنة العطرة نحو ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: [أنا سيد الناس يوم القيامة. إلى أن ذكر المحشر فقال: فيأتون نوحًا: فيقولون: يا نوحُ، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سمّاك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك. .] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَ الله لَيَرْضى عن العَبْدِ أنْ يأكُلَ الأكْلَةَ أو يشربَ الشَّربةَ، فيحمدُ الله عليها] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. قال ابن عباس: (هو قضاء قضي عليهم). أي: أخبرهم سبحانه في ما أنزل عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين وسيتجبرون ويطغون ويفجرون. وقال القاسمى: (﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ أي كتاب اللوح المحفوظ، أي حكمنا فيه ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ يعني أرض فلسطين بيت المقدس التي بارك الله حولها. والإفساد بالكفر والمعاصي. قال: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أي: ولتستكبرن وتتعظمنَّ عن طاعة الله تعالى، أو لتظلمن الناس).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.\nأي: فإذا حان موعود الأولى من المرتين، بالعقوبة على أولى المفسدتين، أخرجنا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤)، وأحمد (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، والترمذي (٢٤٣٤)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٤٦٥)، وهو جزء من حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٣٤)، وأحمد (٣/ ١١٧)، والترمذي (١٨١٧)، وأبو يعلى (٤٣٣٢) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"4","page":462},{"text":"لقتالكم قومًا ذوي قوة وبطش وبأس في الحرب فيقتحمون أماكنكم ومحالكم للقتل والسبي والنهب، وعد الله ولا يخلف الله الميعاد.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. قال قتادة: (ثم رددت الكرة لبني إسرائيل). وقال ابن زيد: (جعلناكم بعد هذا أكثر عددًا).\nوالمعنى: إن بني إسرائيل لما طغوا وتمردوا وقتلوا الأنبياء والعلماء، قيل: سلط الله عليهم جالوت وجنوده، ثم ردّ لهم الكرّة فقتل داود (١) جالوت. وقيل: سلط الله عليهم \"بُخْتَنَصَّر\" ملك بابل. قال سعيد بن المسيب: (ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.\nأي: إن أحسنتم يا بني إسرائيل، فأطعتم الله وأصلحتم أمركم فإنكم تحسنون لأنفسكم، فهذا هو ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، وإن أسأتم بارتكابكم المعاصي والآثام، وما يسخط الرحمن، انقلب وبال ذلك عليكم في الدنيا والآخرة، فإذا جاء ميقات المرة الآخرة من مرتي إفسادكم في الأرض ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لِيَسوءَ مجيء ذلك الوعد للمرّة الآخرة وجوهكم فيقبّحها). وليدخلوا المسجد كما دخله العدو قبل ذلك وليدمروا ما علوا تدميرًا.\nوقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾.\nقال النسفي: (عسى ربكم أن يرحمكم بعد المرة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ مرة ثالثة، ﴿عُدْنَا﴾ إلى عقوبتكم، وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة عليهم. وعن ابن عباس ﵄: سُلِّطَ عليهم المؤمنون إلى يوم القيامة ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ محبسًا، يقال للسجن محصر وحصير).\nوقال ابن عباس: (﴿حَصِيرًا﴾ أي: سجنًا). وقال مجاهد: (يُحصرون فيها). وقال\n_________\n(١) أي بعث الله لهم ملكًا هو طالوت ومعه قائد يسمى داود.","vol":"4","page":463},{"text":"الحسن: (فراش ومهاد). والمعنى متقارب، فإن جهنم مستقر للكافرين ومَحْصر وسجن لا خلاص منه.\nفالمعنى: سيدخل في المرة الآخرة عدو لكم - أيها اليهود - إلى بيت المقدس قاهرًا لكم مُدَمِّرًا ما عمرتموه. قال قتادة: (قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ للإفساد ﴿عُدْنَا﴾: قد عاد بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحيّ محمد - ﷺ - وأصحابه، يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون).\nقلت: وقد تكون العودة والكرة الآتية عند دخول المسلمين مع الخليفة المهدي محمد بن عبد الله في آخر الزمان إلى بيت المقدس، في حين يستفرد عيسى بن مريم ﵊ بالأعور الدجال إمامهم المُنتظر. وفي آفاق ذلك أحاديث من السنة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [فُسْطاط المسلمين يومَ الملحمة الكبرى بأرض يُقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ] (١).\nورواه أبو داود بلفظ: [إن فسطاطَ المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يتبع الدجال من يهود أصفهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئَ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد (٤)، فإنه من شجر اليهود] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر \"فضائل الشام\" (١٥)، وصحيح الجامع الصغير - حديث - (٤٠٨١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٢٩٨) - كتاب الملاحم. باب في المَعقل من الملاحم. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث - (٣٦١١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٩٤٤)، كتاب الفتن.\n(٤) الغرقد: شجر فيه شوك، يزرعه اليهود ويكثرون من زراعته.\n(٥) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٩٢٢) - كتاب الفتن، ورواه كثير من أهل السنن.","vol":"4","page":464},{"text":"٩ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء الله تعالى على هذا القرآن، فهو يحمل الهداية للناس والبشرى للمؤمنين، والوعيد والخزي للكافرين. وَذِكْرُ تعجّل الإنسان في دعائه بالشر أحيانًا، ولو قابله الله بعجلة الإجابة لهلك. وامتنان الله تعالى على عباده بنعمة تعاقب الليل والنهار، وما يحمل ذلك لهم من فوائد كثيرة ونعم جليلة. وتحذير الله عباده الصحف التي تجمع أعمالهم فتنشر يوم القيامة عليهم ليجتهدوا في ملئها بالأعمال الصالحة، فكل سيقرأ كتابه يوم الحساب وكفى بنفسه يومئذ عليه حسيبًا.\nفقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. قال ابن زيد: (للتي هي أصوب: هو الصواب وهو الحق، قال: والمخالف هو الباطل. وقرأ قول الله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]. قال: فيها الحق ليس فيها عوج. وقرأ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢]، يقول: قيمًا مستقيمًا).\nوقوله: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾.\nقال ابن جريج: (الجنة، وكلّ شيء في القرآن أجر كبير، أجر كريم، ورزق كريم فهو الجنة).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وأن الذين لا يصدقون بالمعاد إلى الله، ولا يقرّون بالثواب والعقاب في الدنيا، فهم لذلك لا يتحاشون من ركوب معاصي الله","vol":"4","page":465},{"text":"﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ يقول: أعددنا لهم، لقدومهم على ربهم يوم القيامة ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ويعني موجعًا، وذلك عذاب جهنم).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.\nقال ابن عباس: (يعني قول الإنسان: اللهم العنه واغضب عليه، فلو يُعَجل له ذلك كما يُعجل له الخير، لهلك). وقال قتادة: (يدعو على ماله، فيلعن ماله وولده، ولو استجاب الله له لأهلكه). وقال أيضًا: (يدعو على نفسه بما لو استجيب له هلك، وعلى خادمه، أو على ماله). وقال مجاهد: (ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته، فيعجل، فيدعو عليه، ولا يحب أن يصيبه). وقال ابن عباس: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ قال: ضَجرًا لا صَبر له على سراء ولا ضرّاء).\nوفي التنزيل نحو ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: [سِرْنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة بَطْنِ بُواط، وهو يَطْلُبُ المَجْديَّ بنَ عَمْرٍو الجُهنيَّ، وكان الناضِحُ يَعْقُبُه منا الخمسةُ والسِّتةُ والسَّبْعةُ، فدارتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأنصارِ على ناضِحٍ له، فأناخَهُ فرَكِبَهُ، ثم بعثَهُ فتَلَدَّنَ عليه بعضَ التلدُّن، فقال له: شَأْ (١) لعنك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: مَنْ هذا اللاعِنُ بعيرَهُ؟ قال: أنا، يا رسول الله! قال: انْزِل عنه، فلا يَصْحَبْنا ملعون، لا تَدْعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تَدْعوا على أموالكم، لا تُوافِقوا من الله ساعة يُسْألُ فيها عطاءٌ فيستجيب لكم] (٢).\nقال النسفي: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأني المتبصر. أو أريد بالإنسان الكافر وأنه يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل به كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة، وكان الإنسان عجولًا، يعني أن العذاب آتيه لا محالة فما هذا الاستعجال).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.\nقال ابن عباس: (كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس\n_________\n(١) كلمة زجر للبعير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠٠٩) - كتاب الزهد. وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٥٧٤٢).","vol":"4","page":466},{"text":"آية النهار، فمحونا آية الليل: السواد الذي في القمر). وقال مجاهد: (ظلمة الليل، وسدفة النهار).\nفإن الله سبحانه يمتنّ في هذه الآية على عباده بتلك الآيات العظام، من تعاقب الليل والنهار، وظلمة الليل وضوء النهار، يسكنون في الليل وينتشرون للمعايش والأعمال والأسفار في النهار، وليعلموا عددَ الأيام والجمع والشهور والأعوام، وما يرافق ذلك من تحديد آجال الديون والعبادات والمعاملات والإجارات، وقد فصل الله تعالى لعباده كل ما يحتاجون معرفته مما تقوم به حياتهم وعبادتهم وسعادتهم في الدارين.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١، ٦٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥].\nوفي صحيح السنة المطهرة من آفاق مفهوم الآية أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله تعالى يبسُطُ يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار، ويَبْسُطُ يدَه بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمس من مغربها] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تابَ قبلَ أن تطلعَ الشمس من مغربها تاب الله عليه] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٧٥٩) - كتاب التوبة - باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٧٠٣) - كتاب الذكر والدعاء - باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، من حديث أبي هريرة.","vol":"4","page":467},{"text":"وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال ابن عباس: (عمله وما قدر عليه، فهو ملازمه أينما كان، فزائل معه أينما زال). وقال: (الطائر: عمله، قال: والطائر في أشياء كثيرة، فمنه التشاؤم الذي يتشاءم به الناس بعضهم من بعض). وقال مجاهد: (طائره: عمله، وما كتب الله له). وقال ابن كثير: (وطائره: هو ما طار عنه من عمله من خير وشر، يُلزم به ويجازى عليه).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٤]، .\nومن كنوز السنة الصحيحة في مفهوم الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن لغيره، عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [طائرُ كلِّ إنسان في عنقه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن جرير في \"التفسير\" بسند رجاله ثقات، من طريق قتادة عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: [لا عدوى، ولا طيرة، وكلَّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه] (٢).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكل إنسان ألزمناه ما قُضِىَ له أنه عامله، وهو صائر إليه من شقاء أو سعادة يعمله في عنقه لا يفارقه، وإنما قوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ مَثَلٌ لِما كانت العرب تتفاءل به أو تتشاءم من سوانح الطير وبوارحها، فأعلمهم جل ثناؤه أن\n_________\n(١) حسن لغيره. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٤٢)، (٣/ ٣٤٩)، (٣/ ٣٦٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٠٧).\n(٢) أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (١٥/ ٣٩) ورجاله ثقات رجال الشيخين، لكن قتادة لم يسمع من جابر، وروايته عنه صحيفة، قال أحمد: \"قُرِئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها\". وانظر السلسلة الصحيحة ج (٤) ص (٥٣٤).","vol":"4","page":468},{"text":"كل إنسان منهم قد ألزمه ربه طائره في عنقه، نحسًا كان ذلك الذي ألزمه من الطائر، وشقاءً يورده سعيرًا، أو كان سعدًا يورده جنات عدن).\nوقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. قال مَعْمَرٌ: (وتلا الحسنُ البصري: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، يا ابن آدم، بَسَطتُ لك صحيفتَك، وَوُكِّلَ بك مَلَكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أَقْلِل أو أكثر، حتى إذا متَّ طُوِيتْ صحيفتُك فجعلت في عنقك مَعَكَ في قَبْرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، قد عدل - والله - عليك من جَعلك حَسِيبَ نَفْسِك).\nعن قتادة: (﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا).\n١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيد الله تعالى عودة نفع الهداية على العبد الملتمس الهداية، وعودة ضرر الضلال على مبتغيه، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وما كان الله ليعذب قومًا حتى يقيم عليهم الحق على لسان الرسل، فإن أصروا على الكفر والفسوق دمّرهم تدميرًا. وتخويف لكفار مكة أنه تعالى: كم أهلك من قوم كفروا من بعد نوح وكفى بالله بذنوب عباده خبيرًا بصيرًا.\nفقوله: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾\nأي: من اختار طريق الهدى والاستقامة على الحق فهو ينفع نفسه، ومن جار عن قصد السبيل فهو يضر نفسه ويهدّد أمنه في الدار الآخرة.\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ - كقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] قال قتادة: (والله ما يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذ","vol":"4","page":469},{"text":"إلا بعمله). قلت: إلا أن يكون من دعاة الإثم والضلالة، أو الابتداع في الدين، فإنه يحمل أوزار من أضَلّهم إضافة إلى أوزاره، عدلًا من الله تعالى.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [مَنْ دعا إلى هدى، كان له مِنَ الأجرِ مثلُ أجورِ من تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومَنْ دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مِثْلُ آثامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك مِنْ آثامهم شيئًا] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله، قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَةً حَسَنَةً، فعُمِلَ بها بَعْدَهُ، كُتِبَ له مِثْلُ أجْرِ من عَمِلَ بها، ولا يَنْقُصُ مِنْ أجورهم شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً، فَعُمِلَ بها بَعْدَهُ، كتِبَ عليه مثلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بها، ولا يَنْقُصُ مِنْ أوزارهم شيءٌ] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. قال قتادة: (إن الله ﵎ ليس يعذب أحدًا حتى يسبق إليه من الله خبر، أو يأتيه من الله بيِّنَة، وليس معذبًا أحدًا إلا بذنبه).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم).\nوفي التنزيل من أمثلة ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٦٧٤) - كتاب العلم - باب من سنَّ سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم - حديث رقم - (١٠١٧)، كتاب العلم، الباب السابق، وله قصة.","vol":"4","page":470},{"text":"وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].\nومن صحيح السنة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: [تحاجت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالت النّار: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرينَ والمتجبِّرينَ، وقالت الجنة: مالي لا يدخُلني إلا ضُعَفاء الناس وسَقَطُهُم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابٌ أعذِّبُ بكِ مَنْ أشاءُ مِنْ عبادي، ولكل واحِدةٍ منهما مِلْؤُها. فأمّا النار: فلا تَمْتَلِئُ حتى يَضَعَ رِجْلَهُ فتقول: قَطْ قَطْ، فهنالِكَ تَمْتَلِئ ويُزْوى بعضُها إلى بَعْض، ولا يَظلم الله ﷿ مِنْ خلقه أحدًا. وأما الجنة: فإن الله ﷿ ينْشِئُ لها خَلْقًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع - ﵁ - أن نبيَّ الله - ﷺ - قال: [أربعةٌ يحتجون يوم القيامة، رجلٌ أصَمُّ لا يسمع شيئًا، ورجل أحمَقُ، ورجل هَرِمٌ، ورجلٌ مات في فتْرَةٍ. فأما الأصمُّ فيقول: ربِّ، لقد جاء الإسلام وما أسمعُ شيئًا. وأما الأحمق فيقول: ربِّ، لقد جاء الإسلام والصبيان يَحْذِفوني بالبَعْرِ. وأما الهَرِمُ فيقول: ربِّ، لقد جاء الإسلام وما أعقِلُ شيئًا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: ربِّ، ما أتاني لك رسولٌ. فيأخذُ مواثيقهم ليُطيعُنَّهُ، فيرسِلُ إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفسُ محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: [كُلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسَانِه،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٥٠) - كتاب التفسير، وانظر (٤٨٤٩)، ورواه مسلم وغيره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٤)، والبزار (٢١٧٤)، والبيهقي في \"الاعتقاد\" ص (١٣٥)، وصحح إسناده الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢١٦)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٨٢٧)، وله شواهد عند البغوي (ق ٩٤/ ١)، والديلمي (١/ ١/ ١٧١)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٣٤).","vol":"4","page":471},{"text":"كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمْعاء، هل تحسّون فيها مِنْ جَدْعاء. وفي رواية لمسلم: قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين] (١).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [سُئِل رسول الله - ﷺعن أولاد المشركين؟ فقال: الله إذْ خَلقَهُمْ أعلمُ بما كانوا عاملين] (٢).\nقلت: فأولاد المشركين الذين اشتركوا في الآثام مع آبائهم ثم ماتوا يختلفون في الحكم عن أطفال المشركين الذين لم يكن لهم ذنوب يعاقبون بها - والله تعالى أعلم. وهذا يفسر قوله - ﷺ -؟ (الله أعلم بما كانوا عاملين).\nفقد أخرج أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٠٨) بسنده عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: [سألت رسول الله - ﷺ - عن ذراري المشركين لم يكن لهم ذنوب يعاقبون بها فيدخلون النار، ولم تكن لهم حسنة يجازون بها فيكونون من ملوك الجنة؟ فقال النبي - ﷺ -: هم خدم أهل الجنة].\nوفي لفظ عند ابن مندة في \"المعرفة\" (٢/ ٢٦١/ ١) من حديث سنان بن سعد عن أبي مالك قال: [سئل النبي - ﷺ - عن أطفال المشركين؟ قال: هم خدم أهل الجنة] (٣).\nوفي التنزيل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال الحسن: (خلقنا). وقال مجاهد: (لقد خلقنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس).\nقال ابن جرير: (لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم). قال الإمام الطحاوي: (وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد) \"متن الطحاوية: ٨٣\".\nوأما أطفال المسلمين فهم في الجنة باتفاق أهل العلم.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٦٦٥٨) ح (٢٣)، وصحيح البخاري (١٣٨٤)، وأخرجه النسائي (٤/ ٥٨)، من حديث أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (١٣٨٣)، وفي لفظ: سئل رسول الله - ﷺ - عن ذراري المشركين؟ فقال: اللهم أعلم بما كانوا عاملين. انظر صحيح البخاري، حديث (١٣٨٤) - كتاب الجنائز.\n(٣) حسن لشواهده. وانظر مسند أبي يعلى (١٠١١ - ١٠١٢)، ومسند البزار (٢٣٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٤٦٨).","vol":"4","page":472},{"text":"وقد أخرج أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\"، وأحمد في المسند، عن أبي هريرة مرفوعًا: [أطفال المسلمين في جَبَل في الجَنَّةِ يَكْفُلُهم إبراهيمُ وسارةُ حتى يدفعونهم إلى آبائهم يوم القيامة] (١).\nوفي لفظ أحمد: [ذراري المسلمين في الجنة، يكفلهم إبراهيم ﵇].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.\nيعود تأويل هذه الآية إلى طريقة قراءة قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾، فالله تعالى لا يأمر بالفسق والفحشاء والفساد والإفساد.\nفقد قرأها قرّاء الحجاز والعراق بالتخفيف: ﴿أَمَرْنَا﴾، في حين قرأها أبو عثمان بالتشديد: \"أمَّرْنا\". وذكر عن الحسن البصري أنه قرأها: \"آمَرْنا\". فيكون المعنى وفقًا لذلك:\nالتأويل الأول: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾. قال ابن عباس: (بطاعة الله، فعصوا) - واختاره ابن جرير.\nالتأويل الثاني: \"أمَّرْنا مترفيها\" مشدّدة من الإمارة. قال الربيع بن أنس: (سَلَّطنا). وقال أبو العالية: (جعلنا عليها مترفيها: مستكبريها). وكذلك روي عن ابن عباس قال: (سَلَّطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب). وقال مجاهد: (أمَّرنا مترفيها: بعثنا).\nالتأويل الثالث: \"آمَرْنا مترفيها\" بمعنى أكثرنا فسقتها. قال عكرمة: (أكثرناهم). وقال الضحاك: (أكثرنا مترفيها: أي كبراءها). وقال قتادة: (يقول: أكثرنا مترفيها: أي جبابرتها، ففسقوا فيها وعملوا بمعصية الله ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. وكان يقال: وإذا أراد أن يهلكها أكثر مترفيها).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. وعيد من الله تعالى لمشركي قريش في تكذيبهم نبيهم - محمدًا - ﷺ - وتهديد لهم بالعقاب. قال القرطبي: (أي كم من قوم كفروا حلّ بهم البوار. يخوّف كفار مكة).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢٦٣)، والديلمي (١/ ١/ ١١٨)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٢٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٦٧).","vol":"4","page":473},{"text":"وقال ابن كثير: (ومعناه أنكم أيهِا المكذبون لستم أكرم على الله منهم، وقد كذّبتم أشرفَ الرسل وأكرم الخلائق، فَعُقوبتكم أولى وَأحرى). قال النسفي: (﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ وإن أخفوها في الصدور ﴿بَصِيرًا﴾ وإن أرخوا عليها الستور).\n١٨ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى أنَّ من طلب زينة هذه الحياة الدنيا فإنه يُعطى منها حسب مشيئته تعالى ثم مرده في الآخرة إلى نار جهنم يدخلها مذمومًا مخذولًا. ومن طلب سبيل الآخرة وتقدم إلى ذلك بالإيمان الصادق والعمل الصالح فإنه سيلقى جزاء سعيه جزاء موفورًا. فالله سبحانه يعطي كلًا من الفريقين وما كان عطاء الله محظورًا. فانظر - يا محمد - كيف قسم الله الهداية والأرزاق وفاوت بين الفريقين في منهاج الحياة، ثم مصير الآخرة أكبر مفاضلة وأعظم تفضيلًا. فاحذر أيها الإنسان الشرك بالله فإن الشرك يقعد صاحبه مذمومًا مخذولًا.\nفقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ - الآية. قال قتادة: (يقول: من كانت الدنيا همّه وسدمه وطلبته ونيته، عجَّل الله له فيها ما يشاء، ثم اضطره إلى جهنم، قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مذمومًا في نعمة الله مدحورًا في نقمة الله). قال ابن زيد: (العاجلة: الدنيا). وعن أبي إسحاق الفزاري يقول: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ قال: (لمن نريد هلكته). وعن ابن عباس: (﴿مَذْمُومًا﴾ يقول: ملومًا).\nقال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه ما كلّ من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصُل له، بل إنما يحصُل لمن أراد الله ما يشاء. وهذه مقيّدة لإطلاق ما سواها من الآيات، فإنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾، أي في الدار الآخرة، ﴿يَصْلَاهَا﴾، أي: يَدْخُلها حتى تغمُرَه من جميع جوانبه، ﴿مَذْمُومًا﴾، أي: في حال","vol":"4","page":474},{"text":"كونه مذمومًا على سوء تَصَرُّفه وصنيعه، إذا اختار الفاني على الباقي، ﴿مَدْحُورًا﴾، مُبعَدًا مَقْصِيًّا حقيرًا ذليلًا مهانًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾. قال قتادة: (شكر الله حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم).\nوالمقصود: أنَّ من طَلَبَ نعيم الآخرة وتقدم إلى ذلك بالإيمان الصادق والعمل الصالح على منهاج النبوة، فإن الله سبحانه سيجزيه على حسن سعيه ويتجاوز عن سَيِّئ عمله.\nوقوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.\nقال قتادة: (أي منقوصًا، وإن الله ﷿ قسم الدنيا بين البرّ والفاجر، والآخرة خصوصًا عند ربك للمتقين). وقال الحسن: (كلًا نعطي من الدنيا البر والفاجر). قال ابن جريج: قال ابن عباس: (فيرزق من أراد الدنيا، ويرزق من أراد الآخرة). قال ابن جريج: (﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ قال: ممنوعًا).\nوالمقصود: أنَّ الله تعالى يعطي كُلًا ما يستحقه من الشقاوة والسعادة في الآخرة، وأما في الدنيا فيرزق المطيع والعاصي جميعًا على وجه التفضل، وما كان عطاء الله ممنوعًا عن عباده وإن عصوا أمره.\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. أي:\n١ - انظر يا محمد - نظرة اعتبار - إلى هذين الفريقين، كيف هدينا هذا سبيل سعادته، وكيف خذلنا الآخر حين أصر على سلوك سبيل شقاوته، فتفاوت الفريقان في منهاج الحياة الدنيا الذي يقرّر مصير الآخرة.\n٢ - ثم انظر - يا محمد - كيف فضلنا بين الناس في أرزاق الدنيا ومعايشها، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك.\nوأما الآخرة فإن تفاوت الناس فيها أعظم وأكبر بكثير من تفاوتهم في الدنيا، فأهل الجنة يتفاوتون في درجات الجنة وفي مقامات النعيم حسب أعمالهم، وأهل النار يتفاوتون في دركات النار وفي منازل الشقاء حسب درجة كفرهم وخبث أفعالهم وحالات نفاقهم.","vol":"4","page":475},{"text":"ففي التنزيل: (من أحوال أهل الجنة).\n١ - قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨، ٥٩].\nوفي صحيح السنة: (من أحوال أهل الجنة).\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنّ أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرُهم. قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنّ في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ في الجنة مئة درجة، أعدّها الله ﷿ للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تتفجر أنهار الجنة] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١) - من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني بإسناد حسن من حديث أبي مالك الأشعري. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢١١٩)، وتفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٨٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ١٤)، (٩/ ١٠١)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٩).","vol":"4","page":476},{"text":"وفي التنزيل: (من أحوال أهل النار).\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].\nوفي صحيح السنة: (من درجات أهل النار).\nالحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: [أهونُ أهل النار عَذابًا أبو طالب، وهو مُنْتَعِلٌ بِنَعْليْن من نارٍ يَغْلي منهما دماغُه] (١)\nالحديث الثاني: أخرج مسلم عن سمرة بن جندب أن النبي - ﷺ - قال: [منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِه، ومنهم من تأخذه النار إلى تَرْقُوَتِه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يحشر المتكبِّرون يومَ القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقُون من عُصَارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾.\nقال قتادة: (يقول: مذمومًا في نعمة الله، وهذا الكلام وإن كان خرج على وجه الخطاب لنبي الله - ﷺ -، فهو معنيٌّ به جميع من لزمه التكليف من عباد الله جلّ وعزّ). قال النسفي: (﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾: فتصير جامعًا على نفسك الذم والخذلان. وقيل مشتومًا بالإهانة محرومًا عن الإعانة، إذ الخذلان ضد النصر والعون).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ١٣٥) من حديث ابن عباس، وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٩٩)، (١٠٠).\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه من حديث سمرة. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٥٣) - في تفصيل أكبر من حديث المقداد بن الأسود.\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، ورواه أحمد، انظر صحيح الجامع (٧٨٩٦).","vol":"4","page":477},{"text":"والمقصود: لا تشرك أيها الإنسان بالله الذي بيده نصرك وعونك ونفعك وضرّك، بل أفرده بالعبادة والتعظيم، فإنه وحده مالك النفع والضر لك.\nوفي التنزيل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠].\nوفي سنن أبي داود ومسند أحمد، بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ أصابَتْهُ فاقَةٌ فأنزلها بالناس لم تُسَدّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما بموت عاجلٍ، أو غِنى عاجل] (١).\n٢٣ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى بإفراده بالعبادة والإحسان للوالدين، وخفض الجناح لهما والدعاء لهما، والله أعلم بمن يقوم بحق التعظيم له والبر بالوالدين، وهو سبحانه للأوابين والتائبين غفور رحيم.\nفقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أمر) - أي هكذا أمر تعالى بإفراده سبحانه بالعبادة لا شريك له. وقال قتادة: (أمر ألا تعبدوا إلا إياه. وفي حرف ابن مسعود: \"وصَّى ربك ألا تعبدوا إلا إياه\"). وعن مجاهد: (﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ قال: وأوصى ربك).\nوقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأمركم بالوالدين إحسانًا أن تحسنوا إليهما وتبرّوهما).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (١٦٤٥) - كتاب الزكاة - باب في الاستعفاف، وانظر صحيح سنن أبي داود (١٤٤٨)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٠٧)، وأبو يعلى (٥٣١٨)، وصححه الحاكم (٢/ ٤٠٨) ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":478},{"text":"وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾\nقال القرطبي: (﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ أي: لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرّم). قال مجاهد: (إن يَبْلُغانِّ عندك الكبر فلا تقل لهما أف حين ترى الأذى، وتميط عنهما الخلاء والبول، كما كانا يميطان عنك صغيرًا، ولا تؤذهما). قال ابن كثير: (أي: لا تُسْمِعهما قولًا سيئًا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيِّئ). وقال عطاء: (﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: لا تنفض يدك على والديك). وقال ابن جرير: (﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ يقول جل ثناؤه: ولا تزجُرهما).\nوقوله ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. قال ابن جريج: (أحسن ما تجد من القول). وقال قتادة: (أي قولًا ليِّنًا سهلًا).\nوقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال هشام بن عروة عن أبيه: (هو أن لا تمتنع من شيء يريدانه). أو قال: (هو أن تلين لهما حتى لا تمتنع من شيء أحبّاه). والمقصود: بذل غاية التواضع للوالدين بالقول والفعل، والأثر السابق في عروة ثبت بسند صحيح. فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن عُروة قال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال: (لا تمتنع من شيء أحبّاه) (١).\nوقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. قال النسفي: (ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها، وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك، والمراد بالخطاب غيره ﵇، والدعاء مختص بالأبوين المسلمين. وقيل: إذا كانا كافرين له أن يسترحم لهما بشرط الإيمان وأن يدعو الله لهما بالهداية).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ثم أنزل الله ﷿ بعد هذا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]).\nوقد ورد الأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما كثيرًا في القرآن والسنة الصحيحة:\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩) - باب لين الكلام لوالديه - وانظر: \"صحيح الأدب المفرد\" - حديث رقم - (٩).","vol":"4","page":479},{"text":"ففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].\nوفي صحيح السنة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [سألت النبي - ﷺ -: أي العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: برُّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهادُ في سبيل الله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَجْزِي وَلدٌ والدًا إلّا أنْ يجِدَهُ مَمْلوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ، فَيُعْتِقَهُ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْنِ صَحابتي؟ قال: أمُّك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثُمّ مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أبوك] (٣).\nقال القرطبي: (إن الأم تستحق الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [رَغِمَ أنفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ عَليَّ. ورغِمَ أنفُ رجُلٍ دخل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٠/ ٣٣٦)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥١٠)، وأبو داود (٥١٣٧)، وأخرجه الترمذي (١٩٠٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٣٣٦)، ومسلم (٢٥٤٨)، ومقتضى الحديث أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وكأن ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الإرضاع.","vol":"4","page":480},{"text":"عليه شهرُ رمضانَ فانسلخ قبل أن يُغفَرَ له، ورغِمَ أنف رجُلٍ أدركَ عنده أبواه الكِبَرَ فلم يدخلاه الجنة] (١). وفي رواية: (أو أحدهما).\nوعند مسلم في صحيحه نحوه، عنه، عن النبي - ﷺ - قال: [رَغِمَ أنفُ، ثم رَغِمَ أنفُ، ثم رَغِمَ أنفُ رجلٍ أدرك والديه، أحدهما أو كِلاهما عند الكبر، ولم يَدْخُلِ الجنة] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده قال: [صَعِدَ رسول الله - ﷺ - المنبر فلما رقِيَ عتبةً قال: آمين. ثم رقيَ أخرى فقال: آمين. ثم رقيَ عتبةً ثالثة فقال: آمين. ثم قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد! من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله. فقلت: آمين. قال: ومن أدرك والديه أو أحدَهما فدخل النار فأبعده الله. فقلت: آمين. قال: ومن ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك فأبعده الله. فقلت: آمين] (٣).\nقلت: فإن كان الأبوان مشركين، وماتا على ذلك، فإنه لا يجوز للابن الاستغفار لهما. ومن ذلك ما بوّب البخاري في كتابه: \"الأدب المفرد\" - باب: لا يستغفر لأبيه المشرك. روى فيه عن ابن عباس، في قوله ﷿: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. قال: (فنسختها الآية التي في براءة ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ربكم أيها الناس أعلم منكم بما في نفوسكم من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم وتكرمتهم، والبر بهم، وما فيها من اعتقاد الاستخفاف بحقوقهم، والعقوق لهم، وغير ذلك من ضمائر صدوركم. وقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ يقول: إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم، وأطعتم الله فيما أمركم به من البرّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٥٤٥)، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٤)، وأخرجه ابن حبان (٩٠٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٥١)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٤٦)، وغيرهما.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\"، وبنحوه الحاكم - وقال: صحيح الإسناد. انظر صحيح الترغيب (١/ ٩٨٥ - ٩٨٦).\n(٤) حسن الإسناد. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٣) من حديث ابن عباس ﵄، وانظر صحيح الأدب المفرد - حديث رقم - (١٧).","vol":"4","page":481},{"text":"بهم، والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة في واجب لهم عليكم مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه، فإنه كان للأوابين بعد الزّلة، والتائبين بعد الهفوة غفورًا رحيمًا).\nومن أقوال أهل التأويل:\n١ - قال سعيد بن جبير: (﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ قال: البادرة تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير).\n٢ - وعن حبيب بن أبي ثابت: (﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أن لا يؤاخذ به).\nوقيل في الأوابين أكثر من تأويل:\n١ - قال ابن عباس: (المسبحين). أو قال: (﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ يقول: للمطيعين المحسنين).\n٢ - قال قتادة: (هم المطيعون، وأهل الصلاة).\n٣ - وقال ابن المنكدر: (الصلاة بين المغرب والعشاء).\n٤ - وقال عون العُقيلي: (الذين يصلون صلاة الضحى).\n٥ - وقال سعيد بن المسيب (﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: الذي يصيب الذنب ثم يتوب ثم يصيب الذنب ثم يتوب).\n٦ - وقال سعيد بن جبير فيها: (الراجعين إلى الخير).\n٧ - وقال عبيد بن عمير: (الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله منها).\n٨ - وقال مجاهد: (الأوابون: الراجعون التائبون).\nقلت: وكل ما سبق يدل على مفهوم الأوابين، فإن الأواب هو التائب من الذنب الراجع إلى طاعة الله، الملتمس المغفرة ذنوبه ألوان العمل الصالح.\nوفي الصحيحين من حديث ابن عمر: [أن رسول الله - ﷺ - كان إذا رجع من سفر قال: آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤)، وأحمد (٢/ ٦٣)، وأبو داود (٢٧٧٠)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"4","page":482},{"text":"وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [صلاة الضحى صلاة الأوابين] (١).\n٢٦ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى بإعطاء ذي القرابة والمسكين وابن السبيل حقّه من البذل والإحسان، والابتعاد عن التبذير فإنه منهج الشيطان. واختيار الردّ بالحسنى والوعد الطيب لأهل المسألة حالة العجز ورجائك عطاء المنان.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ قال: هو أن تصل ذا القرابة والمسكين وتحسن إلى ابن السبيل).\nوالآية عطف على سابقتها، فبدأ سبحانه وصيته ببر الوالدين، ثم عطف بذكر الأرحام والوصية بالأقربين، وكذلك المسافر المنقطع والمسكين.\nوفي التنزيل: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨].\nوأما السنة المطهرة فقد تواترت فيها النصوص في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - قال: [مَنْ أَحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقِه، وَيُنْسَأَ له في أثرِهِ، فليصل رحمه] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله خَلَقَ الخَلْقَ حتى إذا فرغ من خَلْقِهِ، قالت الرَّحم: هذا مقامُ العائذِ بِكَ من القطيعة؟ قال: نَعَمْ، أما تَرْضَينَ أن أصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وأقْطَعَ من قَطَعَكِ؟ قالت: بلى\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (١٢٨٦)، وصحيح الجامع - حديث رقم - (٣٧٢١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧)، وأحمد (٣/ ٢٢٩)، وابن حبان (٤٣٨)، من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"4","page":483},{"text":"يا رب، قال: فَهُوَ لكِ. قال رسول الله - ﷺ -. فاقرؤوا إن شئتم. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي والحاكم وأحمد بسند جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: [تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر] (٢).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث عمرو بن سهل بلفظ: [صلة القرابةِ مثراةٌ في المال، مَحَبَّةٌ في الأهل، منسأة في الأجل].\nوقوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. التبذير الإنفاق في غير حق. قال قتادة: (التبذير الإنفاق في المعصية، وفي غير الحق وفي الفساد). وقال مجاهد: (لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا. ولو أنفق مُدًّا في غير حقه كان مبذرًا).\nوقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾. يعني أشباههم في ذلك. قال النسفي: (أمثالهم في الشرارة، وهي غاية المذمة لأنه لا شر من الشيطان، أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف).\nوقوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. أي جحودًا، لأنه تجاهل نعمة الله عليه وأهمل شكره وعمل بمعصيته. قال القرطبي: (أي احذروا متابعته والتشبه به في الفساد).\nوالخلاصة: إنَّ هذه الأمة وسط في الإنفاق كما هي وسط في كل شيء، لا غلو ولا إفراط ولا تفريط.\nوفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٨٧) - كتاب الأدب - باب: مَنْ وصلَ وَصَلَهُ الله.\n(٢) إسناده جيد. أخرجه الترمذي (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، والحاكم (٤/ ١٦١)، وأحمد (٢/ ٣٧٤). وانظر للشاهد: صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٦٦٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧٦).","vol":"4","page":484},{"text":"تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفوقوا، ويكره لكم: قِيْلَ وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن حسين بن علي مرفوعًا: [إن الله يحبُّ معاليَ الأمور وأشرافها، ويكرهُ سَفْسَافَها] (٢).\nوفي لفظ عند الحاكم من طريق سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ﷿ كريمٌ، يُحِبُّ الكرم ومعالي الأخلاق، وَيُبْغِضُ سَفْسَافَها] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد، عن أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال: [أتى رجلٌ من بني تميم إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني ذو مالٍ كثير، وذو أهل وَوَلدٍ وحاضِرَة، فأخبرني: كيف أُنفِقُ وكيف أصنَعُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: تخرج الزكاة من مالك، فإنها طُهْرةٌ تُطَهِّرُك، وتصِل أقرباءك، وتعرف حقَّ السَّائل والجار والمسكين. فقال: يا رسول الله، أقلل لي؟ قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، فقال: حسبي يا رسول الله، إذا أديتُ الزكاةَ إلى رسولك فقد برئتُ منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمُها على من بدلها] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.\nقال ابن جريج، قال عكرمة: (إن سألوك فلم يجدوا عندك ما تعطيهم ابتغاء رحمة، قال: رزق تنتظره ترجوه ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ قال: عدهم عدة حسنة: إذا كان ذلك، إذا جاءنا ذلك فعلنا، أعطيناكم، فهو القول الميسور). وقال الحسن: (قل لهم قولًا لينًا سهلًا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٧١٥).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٤٠/ ١)، وابن عدي (١١٤/ ١)، وانظر صحيح الجامع الصغير (١٨٨٦)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٧٨).\n(٣) صحيح الإسناد. أخرجه الحاكم (١/ ٤٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٥٥)، (٨/ ١٣٣)، وانظر المرجع السابق - السلسلة الصحيحة - حديث رقم - (١٣٧٨).\n(٤) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٦)، والطبراني في الأوسط (٨٧٩٧)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٦٣)، وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح. وأورده الحافظ ابن كثير في \"التفسير\" (سورة الإسراء: آية: ٢٦).","vol":"4","page":485},{"text":"وخلاصة المعنى: أي إن سألك أقرباؤك ومن أُمرت بإعطائهم وليس عندك شيءٌ، فعِدْهم بلين ورفق بالوصل إن شاء الله.\n٢٩ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾.\nفي هذه الآيات: وصية الله تعالى عباده بالاقتصاد في العيش والبعد عن الإسراف أو البخل والله هو الرزاق الكريم. والتحذير من قتل الأولاد خشية الفقر فإن ذلك من سبيل الشيطان الرجيم. والنهي عن الاقتراب من الزنى أو قتل النفس التي حرم الله أو أخذ مال اليتيم أو الغش واللعب بالميزان فكل ذلك يسخط الرحمان الرحيم. وكذلك القول في الدين بغير علم أو الاتباع بالتوهم والظن، وكذلك الكبر والعجب، كل ذلك محرم في الدين.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. أَمْرٌ بالاقتصاد في العيش والبعد عن الإسراف أو البخل، وعبّر عن البخل بإمساك المغلولة يده إلى عنقه، فلا يستطيع بسطها، وعبّر عن الإسراف ببسط اليد فلا يبقى فيها شيء.\nقال الحسن: (لا تجعلها مغلولة عن النفقة، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا﴾: تبذّر بسرف). وقال","vol":"4","page":486},{"text":"ابنِ زيد: (﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ قال: مغلولة لا تبسطها بخير ولا بعطية، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ في الحق والباطل، فينفد ما معك، وما في يديك، فيأتيك من يريد أن تعطيه فيحسر بك، فيلومك حين أعطيت هؤلاء، ولم تعطهم).\nقال ابن عرفة: (﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾: يقول لا تسرف ولا تُتلف مالك فتبقى محسورًا منقطعًا عن النفقة والتصرف، كما يكون البعير الحسير، وهو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به).\nقلت: والحسير مأخوذ من الكَلال والإعياء. فإن العرب تقول: حَسَرَ البعير إذا أعْيا.\nوفي التنزيل: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]. أي كليل منقطع.\nومن كنوز السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [مَثَلُ البخيل والمُنْفقِ كمثلِ رَجُلينِ عَلَيْهما جُبَّتانِ مِنْ حديدٍ مِنْ ثُدِيِّهِما إلى تَرَاقيهما، فأما المُنْفِقُ فلا يُنْفِقُ إلا سَبَغَتْ أو وَفَرَتْ على جِلْدِه حتى تُخْفِيَ بَنانَه، وَتَعْفُوَ أثَرَهُ. وأما البخيل فلا يريد أن يُنْفِقَ شيئًا إلا لَزِقَتْ كل حَلْقَةٍ مكانَها فهو يُوَسِّعُها ولا تَتَّسِعْ] (١).\nوفي لفظ: [ضرب رسول الله - ﷺ - مَثَلَ البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُبَّتان من حديد قد اضْطَرّت أيديهما إلى ثُديِّهما وتراقِيهما، فجعل المتصدق كلما تصدَّق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامِلَهُ وتَعْفُوَ أثره (٢)، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كلُّ حَلْقةٍ بمكانها. قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله - ﷺ - يقول بأصبعيه هكذا في جَيْبه فلو رَأيْتَه يُوَسِّعها ولا تتوسَّع].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن هشام بن عُروة، عن زوجته فاطمة بنتِ المنذر، عن جَدَّتها أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٤٣) - كتاب الزكاة - باب مثل البخيل والمتصدق، وأخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٠٢١)، وأخرجه الشافعي (١/ ٢٢)، وأحمد (٢/ ٢٥٦)، والنسائي (٣/ ٧٠)، وابن حبان (٣٣١٣) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أي تنتشر عنه الجبة حتى تمحو أثر مشيه لسبوغها. وقوله: \"قلصت\" أي انضمت وارتفعت.","vol":"4","page":487},{"text":"[أَنْفِقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعِيَ الله عليك، ولا توكي فيوكِيَ الله عليك] (١). وفي لفظ: [ولا تُحصِي فَيحصيَ الله عليك]. وفي لفظ: [أنفقي ولا تحصي، فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعيَ الله عليك].\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما مِنْ يوم يُصبح العبادُ فيه إلا ومَلَكان يَنْزلان من السماء، يقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنْفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعْطِ ممسكًا تَلَفًا] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج البزار بسند صحيح عن بلال - وعن أبي هريرة - أن النبي - ﷺ - قال: [أنْفِقْ يا بلالُ! ولا تخشَ من ذي العرشِ إقلالًا] (٣).\nوله شاهد في معناه عند الإمام مسلم من طريق مَعْمر، عن همّام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله قال لي: أَنْفِقْ أنفِقْ عليك] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - مرفوعًا: [إياكم والشُّحَ، فإنه أهلكَ مَنْ كان قَبْلكم، أمرهم بالبُخْل فَبَخِلوا، وأمَرَهُم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور فَفَجَرُوا] (٥).\nالحديث السادس: أخرج البيهقي وأحمد بسند صحيح عن بريدة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما يُخرج رجلٌ شيئًا من الصدقة، حتى يفكَّ عنها لَحْيَيْ سبعين شيطانًا] (٦)،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٣٣)، ومسلم (١٠٢٩)، وأحمد (٦/ ٣٤٥)، وابن حبان (٣٢٠٩)، من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٤٢) - كتاب الزكاة - وأخرجه مسلم (١٠١٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البزار من حديث بلال وأبي هريرة، وأخرجه الطبراني من طريق ابن مسعود، انظر: تخريج \"مشكاة المصابيح\" (١٨٨٥)، وتخريج \"الترغيب\" (٢/ ٤٠)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٥٠٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٩٩٣) ح (٣٧).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٦٩٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ١٩٥)، والحاكم (١/ ١١)، وغيرهم، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٠)، والبيهقي في \"السنن\" (٤/ ١٨٧)، وصححه الحاكم (١/ ٤١٧) على شرطهما، ووافقه الذهبي، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٦٨).","vol":"4","page":488},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾\nقال ابن زيد: (يقدر: يقلّ، وكل شيء في القرآن يَقْدِرُ كذلك، ثم أخبر عباده أنه لا يرزؤُه ولا يؤوده أن لو بسط عليهم، ولكن نظرًا لهم منه، فقال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. قال: والعرب إذ كان الخصب وبُسطَ عليهم أشِروا، وقتل بعضهم بعضًا، وجاء الفساد، فإذا كان السنة شُغِلوا عن ذلك).\nوخلاصة المعنى: إن ربك - يا محمد - يوسع رزقه على من يشاء ويُقَتِّر على من يشاء من عباده، فهو سبحانه ذو خِبْرة بهم، يعلم من تصلحه سعة الرزق ومن تفسده، فهو الحكيم في تصريف شؤون عباده وتدبير معايشهم وأرزاقهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. قال مجاهد: (﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ الفاقة والفقر). وقال قتادة: (أي خشية الفاقة، وقد كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الفاقة، فوعظهم الله في ذلك، وأخبرهم أن رزقهم ورزق أولادهم على الله).\nوالآية تدل على رحمة الله بعباده أكثر من الوالد بولده، فقد كان أهل الجاهلية لا يورِّثون البنات، وربما قتل أحدهم ابنته لئلا تكثر عيلته، فأخبر سبحانه أن هذا القتل ذنب كبير عند الله. فقال سبحانه: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أي: إثمًا عظيمًا. وقرأ بعضهم ﴿كان خَطَأً كبيرًا﴾، والمعنى متقارب.\nوفيم سورة الأنعام آية مشابهة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتل ولَدك خشية أن يَطْعَمَ معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تُزَاني حَليلةَ جارِك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.\nنهي عن مقاربة الزنا ودواعيه، أو التماس أسبابه، فإنه كان ذنبًا كبيرًا وسَاءَ طريقًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٧٦)، وأحمد (١/ ٤٣٤)، والترمذي (٣١٨٣)، وغيرهم، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"4","page":489},{"text":"ومسلكًا. قال القرطبي: (قال العلماء: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا، فإن معناه لا تدنوا من الزنى). والزنى يمد ويقصر، وقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ قد نصب على التمييز، والتقدير: وساء سبيله سبيلًا.\nقلت: وأول طريق الزنى إطلاق البصر، فإن الاستهتار به يورث ما بعده، والشيطان يزين المعصية ولا يزال بالعبد يوسوس له بعدها، فَيُسَهِّل له اللمس والقبلة حتى يقع في الفاحشة. ومن هنا جاء أمر الله تعالى بغض البصر:\nقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].\nثم جاء تفصيل فساد ذلك الطريق في السنة المطهرة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [كُتِبَ على ابن آدم نصيبُه من الزِّنا مُدْرِكٌ ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسانُ زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفْضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي أمامة قال: [إن فتىً شابًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القومُ عليه فزجَرُوه، وقالوا: مَهْ مَهْ. فقال: ادنُهْ. فدنا منه قريبًا، فقال: اجْلس. فَجَلس، قال: أَفتُحبُّه لأمّك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبُّه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أتحبُّه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فِداك. قال: ولا الناس يُحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبُّه لِعَمَّتِك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري - نحوه - (١١/ ٢٢)، وأخرجه مسلم - واللفظ له - (٢٦٥٧) (٢١)، وأخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٢١٥٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٣٣٨) - كتاب الحيض- باب تحريم النظر إلى العورات. وفي رواية: عُرْية الرجل وعُرْية المرأة مكان - عورة -. ويقال أيضًا: عِرْية، بالكَسر.","vol":"4","page":490},{"text":"لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتِك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبّونه لخالاتهم. قال: فوضعَ يَده عليه وقال: اللهم، اغفِر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحَصِّن فرجه. قال: فلم يكنْ بعد ذلك الفتى يلتفتُ إلى شيء] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. نهيٌ عن قتل النفس بغير سبب شرعي. قال قتادة: (وإنا والله ما نعلم بحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، إلا رجلًا قتل متعمدًا، فعليه القَوَد، أو زَنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو كفر بعد إسلامه فعليه القتل).\nوفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].\nوفي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسْلمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّبُ الزاني، والمُفارِقُ لدينهِ التارِكُ للجماعة] (٢).\nوفي جامع الترمذي وسنن النسائي عن ابن عمر، ﵄، عن رسول الله - ﷺ - قال: [لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم] (٣).\nورواه ابن ماجه من حديث البراء بلفظ: [لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق].\nوقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: فقد جعلنا لولي المقتول ظلمًا سلطانًا على قاتل وليه، فإن شاء استقاد منه فقتله بوليه، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بذلك، وحدّدت فيها الدية الشرعية في القتل العمد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٥٧) من حديث أبي أمامة، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٢٩): ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٨٧٨) - كتاب الديات. وأخرجه مسلم (١٦٧٦) - في القسامة والمحاربين والقصاص والديات. باب ما يباح به دم المسلم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع (١٣٩٥)، والنسائي في السنن (٧/ ٨٢)، وأخرجه ابن ماجه في السنن (٢٦١٠) من حديث البراء.","vol":"4","page":491},{"text":"فقد أخرج ابن ماجه بسند حسن عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، دُفِعَ إلى أولياء القتيل. فإن شاؤوا قَتَلوا، وإنْ شاؤوا أخذوا الدية. وذلك ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعَةً، وأربعونَ خَلِفَةً. وذلك عَقْلُ العَمْدِ. ما صُولِحوا عليه، فهو لهم. وذلك تشديد العَقْلِ] (١).\nوقوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ - فيه ثلاثة أقوال متكاملة.\n١ - لا يقتل غير قاتله. قاله الضحاك والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير.\n٢ - لا يقتل بدل وليِّه اثنين كما كانت العرب تفعله. قال مجاهد: (لا يسرف القاتل في القتل). وقال الحسن: (كان الرجل يُقتل فيقول وليه: لا أرضى حتى أقتل به فلانًا وفلانًا من أشراف قبيلته). وقال سعيد بن جبير: (لا تقتل اثنين بواحد).\n٣ - لا يُمَثَّل بالقاتل. قال طلق بن حبيب: (﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾: لا تقتل غير قاتله، ولا تُمَثِّلْ به). وقال قتادة: (لا تقتل غير قاتلك، ولا تمثِّل به).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾. قال مجاهد: (إن المقتول كان منصورًا). وقيل المراد الولي وهو أقرب للسياق. قال ابن كثير: (أي: إن الولي منصورٌ على القاتل شرعًا، وغالبًا قَدَرًا).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال النسفي: (أي: بالخصلة والطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه وتثميره).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ، أن رسول الله - ﷺ - قال: [يا أبا ذَرٍّ! إني أراك\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٢٦٢٦) - كتاب الديات. باب من قتل عمدًا، فرضوا بالدية. والحِقّة من الإبل ما طعن في السنة الرابعة، والجذعة ما طعن في الخامسة، والخَلِفَة: الحامل منها.","vol":"4","page":492},{"text":"ضعيفًا، وإني أحِبُّ لك ما أُحِبُّ لِنَفْسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولَّيَنَّ مال يتيم] (١).\nوقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال ابن جرير: (يقول: حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل، وتدبير ماله، وصلاح حاله في دينه).\nوقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. قال الزجاج: (كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد). وقال القاسمي: (﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أي العقد الذي تعاقدون به الناس في الصلح بين أهل الحرب والإسلام، وفيما بينكم أيضًا. والبيوع والأشربة والإجارات ونحوها ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ أي مطلوبًا. يطلب من المعاهد الثبات عليه، وعدم إضاعته. أو: صاحبه مسؤول عن نقضه إياه. والمعنى: لا تنقضوا العهود الجائزة بينكم وبين من عاهدتموهم، فتخفروها وتغدروا بمن أعطيتموه إياها).\nوقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. أي: إذا كلتم للناس فأوفوهم حقوقهم ولا تبخسوهم شيئًا، وزنوا بالميزان المستقيم، وهو العدل الذي لا اعوجاج فيه. قال مجاهد: (القسطاس: العدل بالرومية). وقال الحسن: (القَبَّان).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال قتادة: (أي خير ثوابًا وعاقبة). قلت: ولا شك أن الوفاء بالكيل، والوزن بالعدل والقسط، يَعُمّ خيره معاش الناس ومعادهم، فإن الغش والتلاعب في البيوع والتجارة يُفسد نفوس الناس وعلاقاتهم، ويُثقل تبعات ذلك أوزارهم في أخراهم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ - فيه قولان متقاربان:\n١ - قال ابن عباس: (يقول: لا تقل). وقال قتادة: (لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، (وعلمت ولم تعلم)، فإن الله ﵎ سائلك عن ذلك كله).\n٢ - قال ابن عباس: (يقول: لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم). قال ابن جرير: (وأصل القفو: العضه والبهت. ومنه قول النبي - ﷺ -: \"نحن بنو النَّضْر بن كِنانةَ لا نَقْفو أمَّنا ولا نَنْتفي من أبينا\").\nوخلاصة المعنى: نهيٌ من الله تعالى عباده عن القول بغير علم، أو الاتباع بالتوهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٢٦) - كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة.","vol":"4","page":493},{"text":"والظن والخيال، بل لا بد من الحجة البالغة في صحة الأقوال والأفعال عند التماس الحق أو التحاكم.\nوفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].\nوفي صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: [إياكُم والظَّنَّ، فإن الظَّنَ أكْذَبُ الحديث، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تناجَشُوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والبخاري من حديث ابن عباس مرفوعًا: [مَنْ تَحَلَّمَ حلمًا كُلِّفَ يوم القيامة أن يَعْقِدَ بين شعيرتين، وليس بفاعل] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنَّ مِنْ أفرى الفِرى أن يُرِيَ عَيْنَهُ ما لمْ تَرَ] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي مسعود، قال لأبي عبد الله، أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود: ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في: \"زعموا\"؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَموا] (٤).\nقال أبو داود: أبو عبد الله هذا: حذيفة.\nالحديث الخامس: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ تقوَّلَ عَلَيَّ ما لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأ مقعده من النار] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٦٦) - كتاب الأدب، وأخرجه مسلم (٦٥٦٣)، وأبو داود (٤٩١٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٦٥)، وكذلك ابن حبان (٥٦٨٧) من حديث أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٠٤٢)، وأحمد (١/ ٢١٦)، وأبو داود (٥٠٢٤)، بأتم منه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٠٤٣) - كتاب التعبير، باب من كذبَ في حُلمه.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩٧٢) - في الأدب - باب قول الرجل: \"زعموا\"، وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٤١٥٨).\n(٥) حديث حسن صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٤) - باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله - ﷺ -. وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٢)، وتخريج \"مشكاة المصابيح\" (٥٩٤٠).","vol":"4","page":494},{"text":"الحديث السادس: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول، على هذا المنبر: [إياكم وَكَثْرَةَ الحديث عني. فمن قال عليَّ فليقُل حقًّا أو صِدْقًا. ومَنْ تقوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فليتبوأ مَقْعَدَهُ من النار] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. قال ابن جرير: (معناه: إن الله سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها، من أنه سمع أو أبصر أو علم، تشهد عليه جوارحه عند ذلك بالحق).\nوقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. أي: متبخترًا متكبرًا متمايلًا كتمايل أهل العُجُب والتجبُّر. وقوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: إنك لن تقطع الأرض باختيالك. قال النسفي: (لن تجعل فيها خرقًا بدوسك لها وشدة وطأتك). وقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. قال قتادة: (يعني بكبرك وموحك). وقال: (لا تمش في الأرض فخرًا وكبرًا، فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال، ولا تخرق الأرض بكبرك وفخرك). وقيل: بل المقصود لن تحاذي الجبال قوة.\nوفى التنزيل: قول لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].\nوفي السنة المطهرة من آفاق مفهوم هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (٢).\nالحديث الثاني: خرّج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثقالُ ذرة من كِبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغمْطُ الناس] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٣٥) - في الباب السابق، وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، (١٠/ ٤٠٨)، وأخرجه مسلم (٢٨٥٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩١)، وأخرجه أبو داود (٤٠٩١)، وأخرجه الترمذي (١٩٩٩).","vol":"4","page":495},{"text":"[بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُه نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَه، يختال في مِشْيَتهِ، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة] (١).\nالحديث الرابع: أخرج البيهقي بسند حسن عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: [لو لم تكونوا تذنبون، لخِفت عليكم ما هو أكبر من ذلك، العُجْبَ العجب] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.\nقال ابن كثير: (أما من قرأ \"سيئةً\"، أي: فاحشة: فمعناه عنده: كُلُّ هذا الذي نهينا، من قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إلى ها هنا، فهو سيّئة مُؤاخَذ عليها ﴿مَكْرُوهًا﴾ عند الله، لا يحبه ولا يرضاه. وأما من قرأ ﴿سَيِّئُهُ﴾ على الإضافة فمعناه عنده، كُلُّ هذا الذي ذكرناه من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى ها هنا، فسيئه، أي: قبيحه مكروه عند الله، هكذا وجَّه ذلك ابن جرير ﵀).\n٣٩ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - أَنَّ ما أَمَرَهُ به من تلك الأخلاق الجميلة وما نهاهُ عنه من الصفات الذميمة إنما هو وَحْيٌ ليبلغه الناس، وأنَّ أخطر تلك النعوت السيئة هو الشرك بالله الذي يوقع صاحبه في جهنم ملومًا مدحورًا. وردُّ على مشركي العرب قولهم: الملائكة بنات الله. وأنَّ هذا القرآن مليء بالحجج والعبر والأمثال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٠/ ٢٢١)، (١٠/ ٢٢٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٠٨٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه البيهقي من حديث أنس، وابن عدي (١٦٤/ ١) وسنده حسن. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٦٥٨).","vol":"4","page":496},{"text":"لينزجر الظالمون عن الشرك بالله. إن الله هو الواحد الأحد الذي تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن وهو الحليم الغفور.\nفقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾. قال المهايمي: (أي من العلم المحكم الذي لا يتغير بشبهة). وقال القاسمي: (أي مما يحكم العقل بصحته، وتصلح النفس بأسوته). قال ابن كثير: (يقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونَهيناكَ عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحيناه إليك يا محمد، لتأمر به الناس).\nوقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾. أي: ولا تشرك بالله في عبادتك فتلقى في جهنم ملومًا - تلومك نفسك وعارفوك من الناس - مُبْعدًا مقصيًا في النار. والخطاب للأمة على لسان نبيها المعصوم - ﷺ -. قال ابن عباس: (﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ يقول: مطرودًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾.\nرَدُّ على مشركي العرب في قولهم: الملائكة بنات الله. قال ابن جرير: (يقول: أفخصكم ربكم بالذكور من الأولاد ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدونهن، وتقتلونهن، فجعلتم لله ما لا ترضونه لأنفسكم). قال القاسمي: (﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصة المحدثات. ثم بإيثاركم أنفسكم عليه، حيث تجعلون له ما تكرهون).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. أي: ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من العبر والأمثال، والتذكير بالوعد والوعيد، لعلهم يذّكرون تلك الحجج والمواعظ فينزجروا عن تعظيم غير الله والشرك به والافتراء والظلم، ولكن الظالمين لا يزدادون بهذه الذكرى إلا بعدًا عن الحق وكبرًا وكفرًا.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾.\nقال قتادة: (يقول: لو كان معه آلهة إذن لعرفوا فضله ومرتبته ومنزلته عليهم، فابتغوا ما يقرّبهم إليه). قال: (لا تبغوا القُرب إليه، مع أنه ليس كما يقولون). قال ابن جرير: (- يقول -: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر لو كان الأمر كما تقولون، من أن معه آلهة، وليس ذلك كما تقولون، إذن لابتغت تلك الآلهة القُربة من الله ذي العرش العظيم، والتمست الزُّلفة إليه، والمرتبة منه).","vol":"4","page":497},{"text":"وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.\nقال القرطبي: (نزّه سبحانه نفسه وقدّسه ومجده عما لا يليق به).\nوقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾. أي تقدّسه السماوات السبع وتمجّده وتعظمه سبحانه، وكذا الأرض، ومن فيهن من سائر المخلوقات، والكل يشهد أنه الرب الواحد الأحد، الإله الحق الصمد.\nوقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. قال قتادة: (كل شيء فيه الروح يسبح، من شجر أو شيء فيه الروح). قلت: بل الحيوانات والنباتات والجمادات كلها تسبح الله العظيم، في لغات لا يعلمها إلا الله السميع العليم.\nوفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: [كنا نسمَعُ تسبيح الطعام وهو يُؤكل] (١). وفي رواية: [كنا نأكل مع رسول الله - ﷺالطعام ونحن نسمع تسبيحه].\nالحديث الثاني: أخرج مسلم عن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن] (٢).\nالحديث الثالث: يروي ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [المؤذن يُغْفَرُ له مَدي صوته. ويستغفِرُ له كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ وشاهدُ الصلاة يُكتب له خمسٌ وعشرون حسنةً، ويُكَفَّرُ له ما بينهما] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري في صحيحه عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَةَ الأنصاري ثم المازني، عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له: [إني أراك تُحِبُّ الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمِكَ أو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٥٧٩)، والترمذي (٣٦٣٣)، وأخرجه ابن حبان (٦٤٩٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٧٧)، وأحمد (٥/ ٨٩)، والترمذي (٣٦٢٤)، وأخرجه الطيالسي (١٩٠٧)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٤٨٢).\n(٣) حسن صحيح. أخرجه ابن ماجه (٧٢٤) - كتاب الأذان، باب فضل الأذان وثواب المؤذنين.","vol":"4","page":498},{"text":"بادِيَتِكَ فأذَّنْتَ للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوتِ المؤذِّن جِنٌّ ولا إِنْسٌ ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - ﷺ -] (١).\nورواه ابن ماجه بلفظ: [إذا كنت في البوادي، فارفع صوتك بالأذان. فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يَسْمَعُه جِنٌّ ولا إِنْسٌ ولا شَجَرٌ ولا حَجَرٌ إلا شهِدَ له].\nالحديث الخامس: أخرج أحمد ورجاله ثقات من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [إن نبيَّ الله نوحًا - ﷺ - لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ \"لا إله إلا الله\"، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كنَّ حَلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله. وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر] الحديث (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي: يحلم على عباده فلا يعاجل العصاة منهم بالعقوبة، بل يؤجلهم ويُنْظرهم ويفسح لهم وقتًا للتوبة، فإن تابوا غفر لهم.\n٤٥ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾.\nفي هذه الآيات: مكرُ الله تعالى بالمشركين بجعل المانع الحائل بين القرآن وقلوبهم وآذانهم مقابل تكذيبهم واتهامهم النبي - ﷺ - بالرجل المسحور، فلا يهتدون سبيلًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٩) - كتاب الأذان. باب رفع الصوت بالنداء. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٥٩١) - كتاب الأذان والسّنة فيها، الباب السابق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٤٨)، وأخرجه البيهقي في \"الأسماء\" (٧٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٤).","vol":"4","page":499},{"text":"فعن قتادة: (قوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ قال: الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفِعُوا به، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم).\nوالمقصود: أن الله تعالى جعل مانعًا حائلًا بين القرآن والمشركين جزاء استهتارهم بالوحي العظيم. قيل: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ بمعنى ساتر. وقيل مستورًا عن الأبصار فلا تراه، وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. ﴿أَكِنَّةً﴾: جمع كنان، وهو ما ستر الشيء، والمراد ما يغشى القلب. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أي: لئلا يفهموا هذا القرآن. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة عند قراءتك عليهم القرآن أكنة، وهي جمع كنان، وذلك ما يتغشَّاها من خذلان الله إياهم عن فهم ما يُتلى عليهم).\nوقوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. الوَقر في الأذن: الثقل. قال ابن كثير: (وهو الثِّقلُ الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به).\nوقوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. أي: إذا عظمت ربك وحده أثناء تلاوتك القرآن - يا محمد - وقلت موحدًا: لا إله إلا الله أدبر المشركون راجعين. قال أبو الجَوْزاء أوْس بن عبد الله: (ليس شيء أطْرَدَ للشيطان من القلب من قول لا إله إلا الله، ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. وقال قتادة: (إن المسلمين لما قالوا: \"لا إله إلا الله\"، أنكر ذلك المشركون، وكبُرت عليهم، وَصَافَّها إبليس وجنودُه، فأبى الله إلا أن يُمْضِيَها وينصرَها ويظهرها على من ناوأَها، إنها كلمة من خاصم بها فَلَج، ومن قاتَلَ بها نُصِرَ، إنما يَعْرِفُها أهل هذه الجزيرة من المسلمين، التي يقطعها الراكب في ليال قلائلَ، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرّون بها).\nوقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾. قال القرطبي: (قيل: الباء زائدة في قوله ﴿بِهِ﴾ أي يستمعونه. وكانوا يستمعون من النبي - ﷺ - القرآن ثم ينفرون فيقولون: هو ساحر ومسحور، كما أخبر الله تعالى به عنهم، قاله قتادة وغيره. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ أي متناجون في أمرك). قال مجاهد: (هي مثل قيل الوليد بن المغيرة","vol":"4","page":500},{"text":"ومن معه في دار الندوة). وقال قتادة: (ونجواهم أن زعموا أنه مجنون، وأنه ساحر، وقالوا: أساطير الأولين).\nوقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. أي: إذ يقول الظالمون أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة للناس: إن تتبعون إلا رجلًا مَطْبوبًا قد خبله السحر فاختلط عليه أمره، ومرادهم بذلك تنفير الناس عن النبي - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.\nقال مجاهد: (مخرجًا، الوليد بن المغيرة وأصحابه). قال القاسمي: (أي: مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون ﴿فَضَلُّوا﴾ أي عن الحق والهداية بك ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي فلا يهتدون لطريق الحق لضلالهم عنه وبعدهم منه. وأن الله قد خذلهم عن إصابته. أو المعنى: فلا يستطيعون سبيلًا إلى طعن يمكن أن يقبله أحد، بل يخبطون بما لا يرتاب في بطلانه أحد. كالمتحير في أمره لا يدري ماذا يصنع).\n٤٩ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: استهزاء الكافرين بأمر البعث بعد فناء العظام وزوال الأجسام، وتحدّي الله لهم بأنهم لو كانوا حجارة أو حديدًا أو أكبر من ذلك فإنهم مدعُوّون للوقوف بين يديه مع جميع الأنام، ويظنون حين ذلك أنهم ما لبثوا في غرور الدنيا إلا القليل من الأيام.\nفقوله: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: غُبارًا). وقال مجاهد: (رفاتًا: ترابًا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي قريش، وقالوا بِعَنَتِهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ لم نتحطم ولم نتكسَّر بعد مماتنا وبلانا، ﴿وَرُفَاتًا﴾ يعني ترابًا في قبورنا).\nوقوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ - إنكار منهم للبعث بعد الموت.","vol":"4","page":501},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٠ - ١٢].\nوفي سنن الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول لَهْ: ألم أجعلْ لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولَدًا، وسَخَّرْتُ لك الأنعامَ والحرثَ، وتركتُكَ ترأسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنكَ مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.\nقال القاسمي: (أي يعظم في نفوسكم عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه. فإنه يحييكم ولا يعجزه بعثكم. فكيف، إذا كنتم عظامًا مرفوتة وقد كانت موصوفة بالحياة قبل، والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد). وقال مجاهد: (ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله كما كنتم). وقال الضحاك: (كونوا الموت إن استطعتم، فإن الموت سيموت. وليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من الموت).\nوقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾. أي: فسيقولون بعد إقامة الحجة عليهم ولزومها بهم: فمن يعيدنا؟ ! ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال قتادة: (﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال: السماء والأرض والجبال، ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي خلقكم).\nوقوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: سيحركونها إليك استهزاء). وقال قتادة: (أي يحركون رؤوسهم تكذيبًا واستهزاء). وأصل النّغض في كلام العرب: حركة بارتفاع ثم انخفاض، أو بالعكس.\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. أي: يقولون لك - يا محمد -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٢٥٥٨) - أبواب صفة القيامة. وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (١٩٧٨).","vol":"4","page":502},{"text":"فمتى البعث الذي تخبرنا عنه، ومتى يعيدنا خلقًا جديدًا! فقل لهم: إن الأمر قد يكون قريبًا، فكل آت قريب.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: بأمره). قال قتادة: (أي بمعرفته وطاعته). قال ابن كثير: (أي: تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته). وقال ابن جرير: (معناه: فتستجيبون لله من قبوركم بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد في كل حال).\nقال القاضي: (استعار لهما الدعاء والاستجابة، للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما. وإن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض] (١).\nوقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال قتادة: (أي في الدنيا، تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقَلَّت، حين عاينوا يوم القيامة).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٢)، وأخرجه مسلم (٢٧٨٧)، وغيرهما من أهل السنن.","vol":"4","page":503},{"text":"٤ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].\nوفي سنن الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (١).\n٥٣ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - أن يأمر عباده اختيار الكلام الأحسن في مخاطباتهم ومحاوراتهم، وإلا نزغَ الشيطان بينهم وأوقعهم في شباك العداوة والبغضاء والاقتتال. إنّ ربكم أيها الناس أعلم من يستحق الهداية أو الخذلان، وأعلم بمن في السماوات والأرض لا يخفى عليه شيء، وقد فضل بعض النبيين على بعض وآتى داود زبورًا، فلا يُستبعد أن يؤتي محمدًا قرآنًا. إن آلهة المشركين لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويلًا. وكذلك فإن فئة الجن الذين كان بعض الإنس يعبدونهم أسلموا فهم يبتغون مرضاة ربهم ويخافون عذابه - وما زال أولئك الإنس يعبدونهم - وعذاب الله يحذره المؤمنون وسيحيط يومًا بالكافرين.\nفقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. قال الحسن: (التي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله، يقول له: يرحمك الله، يغفر الله لك). قال ابن كثير: (يأمر ﵎ رسوله - ﷺ - أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة،\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج \"المشكاة\" (٥٥٢٧)، وصحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (١٩٨٠).","vol":"4","page":504},{"text":"فإنه إذا لم يفعلوا ذلك نَزَغَ الشيطان بينهم، وأخرج الكلامَ إلى الفعال، ووقع الشرُّ والمخاصمة والمقاتلة، فإنّ الشيطان عدوٌّ لآدم وذريته من حينَ امتنع من السجود لآدم، فعداوتُهُ ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشُير الرجلُ إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان يَنْزَغُ في يده، فربما أصابه بها).\nقلت: وقد حفلت النصوص القرآنية والنبوية بآفاق هذه المعاني السامية:\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨].\nوفي صحيح السنة المطهرة:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابَبْتُم؟ أفشوا السلام بينكم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني والبيهقي بإسناد حسن عن شقيق قال: [لبّى عبد الله ﵁ على صفا، ثم قال: يا لسان قل خيرًا تغنم، اسكت تسلم، من قبل أن تندم. قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٥٤) - كتاب الإيمان.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني (٣/ ٧٨/ ١ - ٢)، والبيهقي كما في \"الترغيب\" (٤/ ٨)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٥٣٤). وقال الألباني: وهذا إسناد جيد، وهو على شرط مسلم.","vol":"4","page":505},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [لا يُشيرَنَّ أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يَدْري أحدُكم لعلَّ الشيطانَ أن يَنْزغ في يده، فيقع في حفرة من نار] (١).\nوفي رواية لمسلم: [من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى يَدَعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه].\nوقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. أي: ربكم أعلم بكم أيها الناس، فمن استحق منكم الهداية وفّقَهُ سبحانه لطاعته، ومن كان قاسي القلب عن الإخبات لربه ﷿ وأصرّ على معصيته خذله عن الهداية وطريق النجاة، وأسْلمه للعذاب، وإنما أنت - يا محمد - نذير ولست عليهم بوكيل. قال ابن جريج: (﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ قال: فتؤمنوا ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، فتموتوا على الشرك كما أنتم).\nوقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال القاسمي: (أي فلا يخفى عليه شيء فيهما. فهو أعلم بهؤلاء (٢) ضرورة. وفيه إشارة إلى رحمته تعالى ببعثة الرسل، لحاجة الخلق إليها. وإلى مشيئته فيمن يصطفي لرسالته، ويختار لنبوّتِه، ويعلمه أهلًا لها).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال النسفي: (فيه إشارة إلى تفضيل رسول الله - ﷺ -). قال ابن جريج: (كلم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافة). وقال قتادة: (اتخذ الله إبراهيم خليلًا، وكلّم موسى تكليمًا، وجعل الله عيسى كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، وهو عبد الله ورسوله، من كلمة الله وروحه، وآتى سليمان مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورًا، كنا نحدّث دعاء عُلِّمه داود، تحميد وتمجيد، ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر).\nوفي التنزيل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nقلت: ولا شك أن محمدًا ﵊ أفضل الأنبياء والرسل صلوات الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (٢٦١٧)، وأحمد (٢/ ٣١٧)، وابن حبان (٥٩٤٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) يعني المشركين من قريش الذين كانوا يعادون رسول الله - ﷺ - ويكفرون بالوحي والبعث بعد الموت.","vol":"4","page":506},{"text":"وسلامه عليهم أجمعين، وسيد ولد آدم، وما جاء من النهي عن التفضيل بين الأنبياء - كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا -: [لا تفضلوا بين أنبياء الله. . .] الحديث (١)، فإن المقصود النهي عن التفضيل بينهم بمجرد التشهِّي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، وأما ما ثبت من ذلك في التنزيل أو في السنة الصحيحة فإن الأصل في ذلك الاتباع.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. تنبيه على فضله وشرفه - ذكره ابن كثير. قال القرطبي: (الزبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد. أي كما آتينا داود الزبور فلا تنكروا أن يؤتى محمد القرآن. وهو في مُحاجّة اليهود).\nوقال النسفي: (﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ دلالة على وجه تفضيله (٢)، وأنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم، لأن ذلك مكتوب في زبور داود، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. وهم محمد وأمته).\nقلت: وكل ما سبق يدخل في مفهوم الآية، فهي تشير إلى فضل نبينا محمد - ﷺ - وأمته، وكذلك إلى فضل داود ﵇ وتلاوته، وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [خُفِّفَ على داود القرآنُ، فكان يأمْرُ بِدَابَّتِهِ لِتُسْرَجَ، فكان يقرأ قبل أن يفرُغَ] (٣) - يعني القرآن.\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.\nروى مسلم في صحيحه عن عبد الله: [﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٣٧٣) - كتاب الفضائل - باب من فضائل موسى - ﷺ -، في أثناء حديث طويل.\n(٢) يعني النبي محمدًا ﵊.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧١٣) - كتاب التفسير. باب قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.","vol":"4","page":507},{"text":"واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾] (١).\nثم ساقه من طريق أخرى إلى ابن مسعود وفيه: (فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت).\nورواه الحاكم - على شرط مسلم - وفيه: [فأنزل الله ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وذكر الآيتين، إلى قوله، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾].\nقال ابن عباس: (الوسيلة: القربة). وقال قتادة: (الوسيلة: القربة والزلفى).\nوخلاصة المعنى كما قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابًا ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: يبتغي المدعُوّون أربابًا إلى ربهم القُربة والزُّلفة، لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أيهم بصالح عمله واجتهاده في عبادته أقرب عنده زلفة ﴿وَيَرْجُونَ﴾ بأفعالهم تلك ﴿رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ﴾ بخلافهم أمره ﴿عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿كَانَ مَحْذُورًا﴾ متقى).\n٥٨ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾\nفي هذه الآيات: قضاءُ الله تعالى بإهلاك أهل القرى حالة عتوهم وبغيهم وتمردهم على دينه ورسله، وإنّ كثيرًا من الآيات والمعجزات لا تزيد الظالمين إلا عتوًا وكبرًا. وحضُّ الله نبيّه - ﷺ - على المضي في إبلاغ دعوته وهو سبحانه يعصمه من الأذى، وقد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠٣٠)، وأخرجه البخاري (٤٧١٥) - كتاب التفسير - عند هذه الآية من سورة الإسراء، وأخرجه الواحدي (٦٨٢)، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الإسراء، آية (٥٦ - ٥٧).","vol":"4","page":508},{"text":"أراه الله ليلة الإسراء عجائب قدرته، وشجرة الزقوم التي هي طعام أهل الشرك الذين يزدادون طغيانًا وعتوًا، وعذاب الله سيحيط بهم قريبًا.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. المعنى: يقول جل ذكره: ما من قرية إلا نحن مهلكو أهلها بالفناء - أي الموت - فمبيدوهم استئصالًا قبل يوم القيامة، أو معذبوها ببلاء كقتل بالسيف أو غير من ذلك من صنوف العذاب عذابًا شديدًا. قضاء الله وحكمه وكتابته ذلك في اللوح المحفوظ.\nقال قتادة: (قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بدّ، إما أن يهلكها بموت، وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٨، ٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].\nومن صحيح السنة في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا ظَهَرَ السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم قوم صالحون، يصيبهم ما أصابَ الناسَ، ثم يرجعون إلى رحمة الله ومغفرته] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قرية، فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤١)، والحاكم (٤/ ٥٢٣)، وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤٤١/ ٢)، عن عائشة مرفوعًا. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٧٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني والحاكم عن ابن عباس. انظر صحيح الجامع (٦٩٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان - (٢/ ١٢١٠) - لتفصيل مفهوم الآية وعلاقتها بالقدر.","vol":"4","page":509},{"text":"أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، ورجاله رجال الصحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [سأل أهل مكة النبي - ﷺ - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن نُؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكتُ مَنْ قبلهم. قال: لا، بل أستأني بهم، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾] (١).\nوفي رواية: [قالت قريش للنبي - ﷺ -: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصَّفا ذَهَبًا، ونؤمِنُ بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل - ﵇ - فقال: إنّ ربك يقرأ عليك السلامَ ويقول لك: إن شئت أصبحَ الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عَذَّبتُهُ عذابًا لا أُعَذِّبهُ أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحتُ لهم باب التوبة والرحمة. فقال: بل باب التوبة والرحمة. فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾] (٢).\nوتأويل الآية: أي كما أن معجزة صالح - ﷺ - لم تنفع في جلب ثمود إلى الإيمان، فإن المشركين من قريش لن تنفعهم معجزة يعطيها الله لمحمد ﵊، قياسًا على عبر التاريخ والزمان، وعلى سنة الأولين مع رسلهم عبر القرون والدهور والأيام.\nوعن قتادة: (﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: إن الله يخوف الناس بما يشاء من آياته، لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون).\nوقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾. قال الحسن: (يقول: أحاط بالناس، عصمك من الناس). وقال: (يقول: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك، فعرف أنه لا يُقتل). وعن مجاهد: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ قال: فهم في قبضته). وقال قتادة: (أي منعك من الناس حتى تبلغ رسالة ربك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٣١٠)، وأحمد (١/ ٢٥٨)، وأخرجه الطبري (٢٢٩٨)، وصححه الحاكم (٢/ ٣٦٢) ووافقه الذهبي، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الإسراء، آية (٥٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٤٢ - ٣٤٥)، وإسناده جيد كما ذكر الحافظ ابن كثير، السيرة النبوية (١/ ٣٦٢)، وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ٢٥٨).","vol":"4","page":510},{"text":"والخلاصة: يحض الله تعالى نبيه - ﷺ - على المضي في إبلاغ دعوته، وله الضمان من الله بالعصمة من أذى الناس ممن أراد به سوءًا وهلاكًا.\nوقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: [﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: هي رؤيا عَيْنٍ أُرِيَها رسول الله - ﷺليلة أسرِيَ به، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: شجرة الزقوم] (١).\nقال القاسمي: (قال الأكثرون: يعني ما رآه النبي - ﷺ - ليلة الإسراء من الآيات. فلما ذكرها النبي - ﷺ - للناس، أنكر بعضهم ذلك وكذّبوا. وجعل الله ذلك ثباتًا ويقينًا للمخلصين. فكانت فتنة، أي اختبارًا وامتحانًا).\nيروي ابن جرير عن ابن عباس وقتادة: (أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم هذا - يعني النبي صلوات الله عليه - أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر! فكذبوا بذلك). وفي رواية: (أن أبا جهل قال: أيخوفني بشجر الزقوم؟ ثم دعا بتمر وزبد وجعل يأكل ويقول: تزقموا، فما نعلم الزقوم غير هذا).\nقال النسفي: (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ معناه: والشجرة الملعون آكلها وهم الكفرة، لأنه قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. فوصفت بلعن أهلها على المجاز، ولأن العرب تقول لكل طعام مكروه ضار: ملعون، ولأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة). وقيل: الملعون بمعنى المؤذي، لأنها تغلي في البطون كغلي الحميم. ومن ثمّ فوصفها بما سبق إما مجاز مرسل أو استعارة.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٦٥].\nقال ابن جريج: (طلعها كأنه رؤوس الشياطين، والشياطين ملعونون).\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٧١٦) - كتاب التفسير، سورة الإسراء، آية (٦٠).","vol":"4","page":511},{"text":"وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال رسول الله - ﷺ -: [لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشَهم، فكيف بمن يكون طعامه!؟] (١).\nوقوله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾. أي: ونخوف هؤلاء الكفار بالوعيد والعذاب، والشقاء والنكال، وطعام الزقوم الذي هو كالمهل يغلي في البطون، وما يزيدهم هذا التخويف إلا تماديًا في الكفر والضلال، وعنادًا وكبرًا واستهزاءً بما يوصف لهم من سيِّئ الحال والمآل، وذلك من خذلان الله لهم ومكره بهم.\n٦١ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الله خبر سجود الملائكة لآدم بأمره، واستكبار إبليس عن ذلك وتَعَهُّده بإغواء الذرية، وتَعَهُّد الله إدخاله وأتباعه في نار جهنم، وإطلاقه في هذه الحياة الدنيا يدعو إلى معصية الله ليستجيب له المبطلون، وينجو بعون الله من كيده المؤمنون.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾. تذكير من الله تعالى عباده عداوة إبليس القديمة لأبيهم آدم وذريته، ليحذروا من مكر هذا المستكبر اللعين، الذي أظهر الحسد والبغضاء وأبى أن يمتثل أمر الله بالسجود لآدم، وتعزز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، وقال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي بإسناد صحيح من حديث ابن عباس. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (٥٦٨٣)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٥١٢٦).","vol":"4","page":512},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فيه إظهار إبليس الجراءة والكفر، والرب سبحانه يَحْلُم ويُنْظِر، يقول: أرأيت هذا الذي أمرتني بالسجود له، تكريمًا منك إليه، لئن أخرت إهلاكي إلى يوم القيامة لأستولين على ذريته ولأستميلنهم ولأضلنهم إلا قليلًا منهم. قال مجاهد: (﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، قال: لأحتوينهم). وقال ابن عباس: (يقول: لأستولين على ذريته إلا قليلًا). وقال ابن زيد: (لأضِلّنَهُم) - وكلها متقاربة في المعنى متكاملة.\nأخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.\nقال مجاهد: (موفورًا: وافرًا). وقال ابن جرير: (يقول: ثوابا مكثورًا مكملًا). والمعنى: توعد من الله تعالى أتباع إبليس بالشقاء. قال قتادة: (عذاب جهنم جزاؤهم، ونقمة من الله من أعدائه فلا يعدل عنهم من عذابها شيء).\nوقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال مجاهد: (اللعب واللهو). أو قال: (باللهو والغناء). والمعنى: استخفف واستجهل من استطعت منهم بصوت الغناء واللعب لتشغلهم بفاحش القول ومزامير اللهو عن طاعة الله ﷿. وفي كلام العرب: استفزه: استخفه. والفز الخفيف.\n٢ - وقال ابن عباس: (صوته كل داع دعا إلى معصية الله).\n٣ - وقال قتادة: (﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال: بدعائك).\nوكلها معان يحتملها التأويل وبيان الآية، ويشمل صوته الوسوسة والغناء الماجن والمزمار.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦١)، والبيهقي في \"الأسماء\" ص (١٣٤)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٠٤).","vol":"4","page":513},{"text":"وقوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ - فيه أكثر من تأويل:\n١ - قال قتادة: (إن له خيلًا ورجلًا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه). وقال: (الرجال، المشاة). وقال مجاهد: (كل راكب وماشٍ في معاصي الله تعالى).\n٢ - قال ابن عباس: (خيله: كل راكب في معصية الله، ورجله: كل راجل في معصية الله). وقال مجاهد: (ما كان من راكب يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس، وما كان من راجل في معصية الله فهو من رجال إبليس. الرَّجْل: جمع راجل، كما التَّجْر: جمع تاجر، والصَّحْب: جمع صاحب).\n٣ - قال النسفي: (﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ اجمع وصح بهم، من الجلبة وهو الصياح ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ بكل راكب وماش من أهل العيث). وقال ابن كثير: (يقول: واحمل عليهم بجنودك خَيَّالتهم ورجّالتهم).\nوكلها معان متقاربة متكاملة في المعنى، مفادها استفزاز إبليس اللعين بني آدم إلى معصية الله والكفر به وسوء الظن به تعالى.\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله - ﷺ - قال: [يقول الله ﷿: إني خلقت عبادي حُنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم] (١).\nوقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:\nأ - أما الأموال:\n١ - قال مجاهد: (ما أكل من مال بغير طاعة الله). أو قال: (التي أصابوها من غير حلها).\n٢ - قال عطاء بن أبي رباح: (الشرك في أموال الربا).\n٣ - قال الحسن: (مرهم أن يكسبوها من خبيث، وينفقوها في حرام). وقال: (قد والله شاركهم في أموالهم، وأعطاهم الله أموالًا فأنفقوها في طاعة الشيطان في غير حق الله تبارك اسمه). وقال ابن عباس: (كل مال في معصية الله). وقال ابن زيد: (مشاركته إياهم في الأموال والأولاد، ما زَيَّنَ لهم فيها من معاصي الله حتى ركبوها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٦٥)، وأخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٦٦)، وغيرهما، من حديث عياض بن حمار مرفوعًا.","vol":"4","page":514},{"text":"٤ - قال ابن عباس: (مشاركته في الأموال أن جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة لغير الله). وقال الضحاك: (يعني ما كانوا يذبحون لآلهتهم). قال ابن جرير: (فكل ما أطيع الشيطان فيه من مال وعصي الله فيه، فقد شارك فاعل ذلك فيه إبليس).\nب - وأما الأولاد:\n١ - قال ابن عباس: (﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ قال: أولاد الزنا). وقال الضحاك: (أولاد الزنا، يعني بذلك أهل الشرك).\n٢ - قال ابن عباس: (ما قتلوا من أولادهم، وأتوا فيهم الحرام). يعني وأدهم أولادهم وقتلهم.\n٣ - قال الحسن: (قد والله شاركهم في أموالهم وأولادهم، فمجسوا وهوّدوا ونصّروا وصبغوا غير صبغة الإسلام وجزؤوا من أموالهم جزءًا للشيطان). وقال قتادة: (قد فعل ذلك، أما في الأولاد فإنهم هوّدوهم ونصّروهم ومجّسُوهم).\n٤ - قال أبو صالح، عن ابن عباس: (مشاركته إياهم في الأولاد، سموا عبد الحارث وعبد شمس وعبد فلان).\nقال ابن جرير: (وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كلُّ مولود وَلَدته أنثى عُصِيَ الله فيه بتسميته بما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله. أو بالزنا بأمه، أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصي الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه مَنْ وُلِدَ ذلك الولدُ له أو منه).\nقلت: ويدخل في ذلك ترك التسمية عند الجماع، والتهاون بمثل هذه الوصايا النبوية.\nففي الصحيحين عن ابن عباس ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لو أنَّ أحدَهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جَنِّبْنا الشيطان وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّرْ بينهما ولدٌ في ذلك لم يَضُرَّه الشيطان أبدًا] (١).\nوقوله: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال النسفي: (وعِدْهم المواعيد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤١)، (٣٢٧١)، ومسلم (١٤٣٤)، وأحمد (١/ ٢١٧)، وأبو داود (٢١٦١)، والترمذي (١٠٩٢)، وابن ماجه (١٩١٩)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٩٨٣)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":515},{"text":"الكاذبة من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب).\nوفي التنزيل: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\nوقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. قال قتادة: (وعباده المؤمنون، وقال الله في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]).\nقال ابن كثير: (إخبارٌ بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحِفْظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾، أي: حافظًا ومؤيدًا وناصرًا).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].\nومن كنوز صحيح السُّنَّة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن سبرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام فقال: تُسْلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك؟ ! فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تُهاجِرُ وتدع أرضك وسماءك. . فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فَتُقتل فَتُنْكح المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد. . .] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث الحارث الأشعري، عن النبي - ﷺ - قال: [وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٨٣)، والنسائي في السنن (٦/ ٢١ - ٢٢)، وابن حبان في صحيحه (٤٥٩٣)، وسنده لا بأس به، وانظر صحيح الجامع الصغير (١٦٤٨).","vol":"4","page":516},{"text":"لا يَحْرِزُ نفسَهُ من الشيطان إلا بذكر الله تعالى] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنّ المؤمن لَيُنْضي شياطينه، كما يُنْضي أحدُكم بعيرَه في السفر] (٢). يُنْضي، أي: يأخذُ بناصيته ويقهَرُه.\n٦٦ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عباده تسخيره الفلك لهم تسير في البحر لمنافعهم، وإذا مسّهم الضر أثناء ركوبهم أفردوه تعالى بالدعاء ثم ما لبثوا أن عادوا لشركهم بعدما أنجاهم. فهل أمنتم - أيها الناس - خسفه البرّ بكم أو إعادتكم في ظلمات البحر تعصف بكم الرياح لتهلككم. إنه تعالى هو الذي كَرَّمَكُم وحَمَلَكُم في البر والبحر ورزقكم وفَضَّلكم على كثير من عباده ثم أكثركم يشركون.\nفعن ابن عباس: (﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ يقول: يجري الفلك). وقال قتادة: (يسيرها في البحر). وقال ابن زيد: (يجريها). قال ابن جرير: (﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجاراتكم ومطالبكم ومعايشكم،\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند (٤/ ٢٠٢)، ورواه الترمذي في السنن (٢٨٦٧)، (٢٨٦٨) في الأمثال، باب ما جاء في مثل الصيام والصلاة والصدقة. وهو حديث صحيح. وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما.\n(٢) إسناده حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٣٥٨٦).","vol":"4","page":517},{"text":"وتلتمسون من رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾). قال القاسمي: (﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيث سهل لكم أسباب ذلك).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. أي: إن أصابكم خوف الغرق في البحر والوقوع في الهلاك أفردتم الله تعالى بالتوحيد والدعاء والتعظيم، فإذا ذهب الخوف عدتم إلى العصيان وجحود النعم وأغفلتم شكر المنعم سبحانه.\nقال النسفي: (ذهب عن أوهامكم كل ما تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده، فإنكم لا تذكرون سواه، أو ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم، ولكن الله وحده الذي ترجونه على الاستثناء المنقطع ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإخلاص بعد الخلاص). قال ابن كثير: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، أي: سَجِيَّتُه هذا، يَنْسَى النِّعم ويجحَدُها، إلا من عَصَم الله).\nوقوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ - يعني ناحية البر. والمقصود: هل ظننتم إن نجاكم من أهوال البحر وأبلغكم البر ثم عدتم إلى كفر نعمه وعصيانه ألا ينتقم منكم ويرسل عليكم الزلازل والخسوف والدمار!؟ .\nوقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾. قال قتادة: (حجارة من السماء). وقال ابن جريج: (مطر الحجارة إذا خرجتم من البحر). وعن مجاهد: (هو المطر الذي فيه حجارة). وأصل الحاصب: الريح تحصب بالحصباء، والحصباء: الأرض فيها الرمل والحصى الصغار.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧].\nوفي صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله","vol":"4","page":518},{"text":"- ﷺ -: [لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهَر الفتن، ويكثر الهرج - وهو القتل] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح من حديث عمران بن حصين، عن النبي - ﷺ - قال: [في هذه الأمة خَسْفٌ، ومَسْخٌ، وقذْف، إذا ظهرت القِيانُ والمعازِفُ، وشُرِبَتِ الخمورُ] (٢).\nوفي رواية من حديث ابن عمر بلفظ: [في هذه الأمة خسف، ومسخ، وقذفٌ، في أهل القدر].\nورواه الحاكم عن عبد الله بن عمرو بلفظ: [في أمتي خسفٌ ومَسْخٌ وقذف].\nورواه ابن ماجه من طريق عبد الله، عن النبي - ﷺ -، بلفظ: [بين يدي الساعة مسخٌ، وخَسْفٌ، وقَذْف].\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عائشة مرفوعًا: [يكون في آخر هذه الأمة خَسْفٌ ومسْخٌ وقذْف. قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا ظهر الخبثُ] (٣).\nورواه من طريق عمران بن حصين وفيه: (فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذاك؟ قال: إذا ظهرت القَيْناتُ والمعازِفُ وشُرِبَت الخمور).\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ - أي ناصرًا يمنعكم من بأس الله وعذابه، أو ينقذكم من أهواله وآلامه.\nوقوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾. قال ابن عباس: (القاصفُ ريح البحار التي تكسِرُ المراكب وتُغرِقها). أي: أم هل أمنتم أن يعيدكم إلى البحر - بعد أن نجاكم إلى البر - فيرسل عليكم ريحًا شديدة فيغرقكم بها بكفركم. قال القرطبي: (القاصف: الريح الشديدة التي تَكْسر بشدة، من قصف الشيء يَقْصِفُه، أي كسره بشدة. والقصف: الكسر، يقال: قصفت الريح\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٣٦) - كتاب الاستسقاء. باب ما قيل في الزلازل والآيات.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح الترمذي (١٨٠١)، وصحيح الجامع (٤١٤٩)، (٤١٥٠)، (٢٨٥٣)، وكذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٧٨٧).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٧٧٦)، وصحيح الجامع (٨٠١٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٩٨٧).","vol":"4","page":519},{"text":"السفينة. وريح قاصف: شديدة). وقال ابن كثير: (﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾، أي: يَقْصِف الصواري (١)، ويُغرق المراكب).\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. قال ابن عباس: (نصيرًا). وقال مجاهد: (نصيرًا ثائرًا). أي يأخذ بثأركم بعدكم. وقال قتادة: (ولا نخاف أحدًا يتبعنا بشيء من ذلك).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.\nردٌّ على من قصَرَ تكريم الله الإنسان على العقل، بل العقل جزء من هذا التكريم الشامل. وقد جاء في كلام المفسرين أكثر من تأويل لآفاق هذا التكريم:\nالتأويل الأول: قيل باليدين يأكل فيهما. قال ابن جُريج: (وفضلناهم في اليدين يأكل بهما، ويعمل بهما، وما سوى الإنس يأكل بغير ذلك).\nالتأويل الثاني: بتسليط الإنسان على غيره وتسخير الخلق له. قال ابن جرير: (بتسليطنا إياهم على غيرهم من الخلق، وتسخيرنا سائر الخلق لهم. قال: ذكر لنا أن ذلك تمكنهم من العمل بأيديهم، وأخذ الأطعمة والأشربة بها ورفعها بها إلى أفواههم، وذلك غير متيسر لغيرهم من الخلق).\nالتأويل الثالث: قيل بل التكريم بالنطق والتمييز. قال الضحاك: (كرّمهم بالنطق والتمييز).\nالتأويل الرابع: قيل بل التكريم بامتداد القامة وانتصابها. قال عطاء: (كرمهم بتعديل القامة وامتدادها).\nالتأويل الخامس: قيل كرمهم بحسن الصورة. وقيل بل بالكلام والخط. وقيل بل بالفهم والتمييز. ذكره القرطبي.\nالتأويل السادس: قيل بل كرمهم بجعل محمد - ﷺ - منهم. قال محمد بن كعب: (بأن جعل محمدًا - ﷺ - منهم).\nالتأويل السابع: قيل بل أكرم الرجال باللّحى والنساء بالذوائب. ذكره بعض المفسرين.\n_________\n(١) صواري السفينة: هي الأعمدة التي ينصب عليها الشراع.","vol":"4","page":520},{"text":"التأويل الثامن: قيل بل كرمهم بالعقل وهو عمدة التكليف، وبه يُعرف الله ويُفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله. قال القرطبي: (إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب. فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء).\nومن المفسرين من جمع بعض هذه الصفات في معنى التكريم، كما أفاد القاسمي ﵀ حيث قال: (﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾: أي بالنطق والتمييز والعقل والمعرفة والصورة والتسلط على ما في الأرض والتمتع به، ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: أي يسرنا لهم أسباب المعاش والمعاد بالسير في طلبها فيهما، وتحصيلها ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي فنون المستلذات التي لم يرزقها غيرهم من المخلوقات ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي عظيمًا، فحقَّ عليهم أن يشكروا هذه النعم، بأن يعبدوا المتفضل بها وحده ويقيموا شرائعه وحدوده).\nوكذلك فيما قاله الإمام النسفي ﵀ في التفسير: (﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بالعقل والنطق والخط، والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد، والاستيلاء وتسخير الأشياء، وتناول الطعام بالأيدي).\nوأشمل من ذلك ما ذكره الإمام القرطبي والحافظ ابن كثير رحمهما الله تعالى. فقد قال القرطبي: (كرّمنا: تضعيف كرم، أي جعلنا لهم كرمًا أي شرفًا وفضلًا. وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال. وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره. وتخصيصهم بما خصّهم به من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم، لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب ويأكلون المركّبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان يأكل لحمًا نيئًا أو طعامًا غير مركب. قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني لذيذ المطاعم والمشارب. قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحَلْوى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفِراسة).\nوقال الحافظ ابن كثير: (يخبر تعالى على تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه","vol":"4","page":521},{"text":"لهم على أحسن الهيئات وأكملها، وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أن يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه، وجعل لهم سمعًا وبصرًا وفؤادًا يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية، وحملناهم في البر أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضًا على السفن الكبار والصغار، ورزقناهم من الطيبات أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي، وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلًا أي من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات).\nقلت: فالتكريم الذي امتن الله به سبحانه على الإنسان هو: أن خلقه مخلوقًا متكاملًا بيده، ثم نفخ فيه من روحه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا وعقلًا وهيئة، في أحسن تقويم من فضله، ثم أسجد له ملائكته، وسخَّر له كَوْنًا واسعًا يتذلل له ولطاعته، وهيأ له في الآخرة جنة عرضها السماوات والأرض لتستقبل من قام بأمره.\nفلو كان التكريم كما يزعم بعضهم بالعقل فقط للزم أن يكون إبليس مجنونًا، لأنه قال: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾، ومن قال هذا فليراجع عقله. وللزم كذلك أن من سلبه سبحانه عقله فقد أهانه، كلا - فالكل مُفْتَقِرٌ إلى رحمته، والكل محفوف بما لا يبصر من نعمه، ولا يعْدِل شيء في الدنيا دخولَ جنته، والخلود في ظل رضوانه ونعيمه وكرمه.\nخبر النبي - ﷺ - أخرجه الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عتبة بن عبد، عن النبي - ﷺ - قال: [لو أن رجلًا يُجَرُّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله تعالى لحقِره يوم القيامة] (١).\nفالكل تحت ألطافه ورحمته سبحانه، والكل محتاج إلى فضله وآلائه.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٨٥)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ١٥). ورواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١٥). وانظر صحيح الجامع (٥١٢٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٧٥)، وكتابي: تحصيل السعادتين (٩٤ - ١٠١) لمزيد من تفصيل هذا البحث.","vol":"4","page":522},{"text":"٧١ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن توزيع الناس يوم الحشر خلف أئمة منهاجهم ودينهم، فمن أوتي كتابه بيمينه كان من أهل السعادة. ومن كان في الدنيا أعمى عن حجج الله بُعِثَ يوم القيامة أعمى وأضل طريقًا.\nفقوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ - فيه أكثر من تأويل:\n١ - قال مجاهد: (نبيّهم).\n٢ - وقال أبو العالية: (بأعمالهم).\n٣ - وقال الضحاك: (بكتابهم).\n٤ - وقال الحسن: (بكتابهم الذي فيه أعمالهم).\n٥ - وقال ابن عباس: (الإمام ما عمل وأملى، فكتب عليه، فمن بعث متقيًا لله جعل كتابه بيمينه، فقرأه واستبشر، ولم يظلم فتيلًا، وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]. والإمام: ما أملى وعمل).\nقلت: والراجح ما اختاره شيخ المفسرين في معنى الإمام - قال ابن جرير: (معنى ذلك: يوم ندعو كل أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به، ويأتمون به في الدنيا، لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فيما اؤْتُمَّ واقتدي به، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها).\nقلت: ويؤيد هذا ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: [يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: مَنْ كان يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فيتَّبِعُ مَنْ كان يَعْبُدُ الشَمْسَ الشَّمْسَ، ويَتَّبِعُ من كان يعبُدُ القمرَ القمرَ، ويتبعُ مَنْ كان يعبد الطواغيتَ الطواغيتَ. .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٤٣٧) - كتاب التوحيد، وأخرجه مسلم (١٨٢) - كتاب الإيمان.","vol":"4","page":523},{"text":"قال ابن كثير: (أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح، يقرؤه ويحبُّ قراءته، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾).\nوعن قتادة: (﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قال: الذي في شق النواة). فالفتيل هو الخيط المستطيل المنفتل في شق النواة، أي: والله تعالى لا يظلم عبده ولا ينقصه من ثوابه أدنى شيء.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\nقال النسفي: (ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ كذلك ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ من الأعمى أي أضل طريقًا).\nأي: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله وآياته بعثه الله يوم القيامة أعمى، كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦] وكقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧].\nوفي الصحيحين عن أنس ﵁: [أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة] (١).\n٧٣ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن تأييده رسوله - ﷺ - وتثبيته وعصمته من كيد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦)، وأحمد (٣/ ٢٢٩)، وابن حبان (٧٣٢٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"4","page":524},{"text":"المشركين ومحاولات الفجار الماكرين. وأنه تعالى هو حافظه ومؤيده ومظهر دينه.\nقال النسفي: (المعنى: إن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ لتقول علينا ما لم نقل، يعني ما اقترحوه من تبديل الوعد وعيدًا والوعيد وعدًا ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك خليلًا، ولكنت لهم وليًا، وخرجت من ولايتي ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ ولولا تثبيتنا وعصمتنا ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ لقاربت أن تميل إلى مكرهم ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ركونًا قليلًا، وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت ﴿إِذًا﴾ ولو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين لعظيم ذنبك بشرف منزلتك ونبوتك، كما قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾، الآية. وأصل الكلام: لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار).\n٧٦ - ٨١. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧) أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - أنه إن كاد قومك ليستخفونك من الأرض ليخرجوك منها فليعلموا أنهم إن فعلوا لم يلبثوا بعدك إلا قليلًا. سنة الله في الأمم ورسلها ولا تغيير لسنته تعالى ولا تجد لها تحويلًا. فحافظ على الصلوات المفروضة وبادر إلى قيام الليل، فعسى بذلك أن يُقَوِّيك ربك ويبعثك مقامًا محمودًا. واسأل ربك فرجًا قريبًا ومخرجًا إلى مكان تأمن فيه على دينك وعلى أصحابك، واستبشر بالحق يعلو قريبًا ويزهق الباطل، فإن الباطل كان زهوقًا.\nفقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الآية. قال ابن جرير:","vol":"4","page":525},{"text":"(يقول ﷿: وإن كاد هؤلاء القوم ليستفزونك من الأرض: يقول: ليستخفونك من الأرض التي أنت بها ليخرجوك منها ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقول: ولو أخرجوك منها لم يلبثوا بعدك فيها إلا قليلًا، حتى أهلكهم بعذاب عاجل). وقال قتادة: (ولم يلبثوا بعده إلا قليلًا حتى أهلكهم الله يوم البدر).\nوقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾. قال قتادة: (أي سنة الأمم والرسل كانت قبلك كذلك إذا كذبوا رسلهم وأخرجوهم، لم يناظروا أن الله أنزل عليهم عذابه).\nوقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ - فيه أقوال مختلفة:\n١ - عن عبد الله قال: (هذا دلوك الشمس، وهذا غسق الليل، وأشار إلى المشرق والمغرب).\n٢ - قال ابن عباس: (دلوك الشمس: غروبها).\n٣ - وفي رواية عنه: (دلوكها: ميلها). أي: ميلها للزوال، والصلاة عند ذلك صلاة الظهر). وقال ابن عباس: (غسق الليل: بدوّ الليل). وقال مجاهد: (غسق الليل: غروب الشمس). وقال الضحاك: (يعني ظلام الليل).\nوالراجح في ذلك ما قاله ابن جرير: (عنى بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: صلاة الظهر، وذلك أن الدلوك في كلام العرب: الميل، يقال منه: دلك فلان إلى كذا: إذا مال إليه).\nقلت: وعلى هذا فالآية يدخل فيها أوقات الصلوات الخمسة: الظهر من دلوك المثمصس، ثم العصر، والمغرب والعشاء في غسق الليل: أي ظلامه. ثم قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، يعني: صلاة الفجر. قال قتادة: (وقرآن الفجر: صلاة الصبح).\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [فَضْلُ صلاةِ الجميع على صلاة الواحد خمسٌ وعشرون درجة، وتجتمع ملائكةُ الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. يقول أبو هريرة - ﵁ -: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾] (١).\nوفي سنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁: [عن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٨)، وأخرجه مسلم (٦٤٩) ح (٢٤٦)، وغيرهما.","vol":"4","page":526},{"text":"- ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ - قال: تشهده ملائكة الليل والنهار] (١).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فَيَعْرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتُم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون] (٢).\nوعن قتادة: (وأما قوله ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ فإنه يقول: ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون تلك الصلاة). وقال: (كنا نحدث أن عندها يجتمع الحرسان من ملائكة الله: حرس الليل وحرسُ النهار).\nوقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾. التهجد هو قيام الليل، وهو ما كان بعد نوم. وقد أمر الله تعالى به رسوله بعد المكتوبات. قال علقمة: (التهجد بعد النوم). وقال الحجاج بن عمرو: (إنما التهجد بعد رقدة).\nوفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -: [أنه سُئِل: أيُّ الصلاةِ أفضلُ بعد المكتوبة؟ قال: صلاة الليل] (٣).\nوفي سنن أبي داود بإسناد حسن عن عائشة ﵂ قالت: [إن كان رسول الله - ﷺ - ليوقظه الله ﷿ بالليل، فما يجيء السَّحَرُ حتى يَفْرُغَ من حِزْبه] (٤).\nوفي الصحيحين والسنن عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: [يَنْزِلُ ربُّنا ﵎ كُلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا، حينَ يبقى ثلثُ الليل الآخِرُ فيقولُ: مَنْ يدعوني فأستجيبَ لهُ؟ مَنْ يسألُني فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأغفِرَ له] (٥).\nوفي تأويل قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ قولان:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٦٧٠) - كتاب الصلاة، باب وقت صلاة الفجر، ورواه الترمذي (٣١٣٥)، والنسائي في \"التفسير\" (٣١٣)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٧٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢)، والنسائي (١/ ٢٤٠)، وأحمد (٢/ ٤٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١١٦٣)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والنسائي (٣/ ٢٠٧)، وأحمد (٢/ ٣٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٣١٦) - أبواب قيام الليل. وانظر صحيح سنن أبي داود (١١٦٨).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٨٠)، وسنن أبي داود (١٣١٥) - أبواب قيام الليل. باب أي الليل أفضل.","vol":"4","page":527},{"text":"١ - يقول: نفلًا لك عن فرائضك التي فرضتها عليك. قال ابن عباس: (يعني بالنافلة أنها للنبي - ﷺ - خاصة، أُمر بقيام الليل وكُتب عليه). وهو أحد قولي الشافعي، واختاره ابن جرير وقال: (وذلك أن رسول الله - ﷺ - كان الله تعالى قد خصه بما فرض عليه من قيام لله دون سائر أمته).\n٢ - قيل: بل المقصود أن قيام الليل نافلة للنبي - ﷺ - على الخصوص، فهي نافلة فضل، لأن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال مجاهد: (النافلة للنبي - ﷺ - خاصة من أجل أنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة، فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها، فليست للناس نوافل).\nقلت: وكلا المعنيين حق، وتدل عليهما نصوص الكتاب والسنة.\nوقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال ابن كثير: (أي: افعل هذا الذي أمرتُك به لِنُقيمك يوم القيامة مقامًا يحمدُك فيه الخلائق كُلُّهم وخالِقهم ﵎). وقال ابن جرير: (قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد - ﷺ - يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربُّهم من عظيم ما هم فيه من شدَّة ذلك اليوم).\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن في الشواهد، عن أبي هريرة مرفوعًا: [المقامُ المَحْمودُ: الشفاعة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن أبي عاصم في \"السنة\" - بسند حسن لشواهده - عن داود الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة: [عن النبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: الشفاعة] (٢). وفي رواية غيره: (هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي).\nالحديث الثالث: أخرج ابن حبان والحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين عن كعب بن مالك مرفوعًا: [يُبْعثُ الناسُ يومَ القيامة، فأكونُ أنا وأمتي على تَلٍّ،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٤٧٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٧٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٣٦٩) - تفسير المقام المحمود.\n(٢) صحيح لغيره. أخرجه ابن أبي عاصم (٧٨٤) - كتاب السنة - تحقيق الألباني، وانظر كتاب: \"التوحيد\" - ابن خزيمة - (ص ١٩٨)، وسنن الترمذي (٢/ ١٩٣)، والمرجع السابق.","vol":"4","page":528},{"text":"ويَكْسوني ربِّي حُلَّةً خَضْراء، ثم يُؤْذنُ لي، فأقولُ ما شاء الله أن أقولَ، فذاك المقامُ المحمودُ] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي في السنن، وأحمد في المسند، بسند حسن، عن الطفيل بن أبي، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: [إذا كان يوم القيامة كنت إمامَ الناس وخطيبهم وصاحب شفاعتهم ولا فخر] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر - ﵄ - يقولى: [إنّ الناس يعبرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تَتْبَعُ نَبِيَّها، يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي - ﷺ -، فذلك يوم يبعثُه الله مقامًا محمودًا] (٣).\nالحديث السادس: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [مَنْ قال حينَ يسمعُ النِّداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثْه مَقامًا محمودًا الذي وَعَدْتَهُ، حَلّتْ له شفاعتي يوم القيامة] (٤).\nالحديث السابع: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما زال الرَّجُلُ يسْأَلُ الناس حتى يأتِيَ يَوْمَ القيامة ليسَ في وجهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ. وقال: إن الشمس تَدْنو يوم القيامة حتى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدمَ، ثم بموسى، ثم بمحمّدٍ - ﷺ -، وزاد عبد الله بن صالح: حَدَّثني اللَّيْثُ قال: حَدَّثني ابنُ أبي جَعْفَرٍ: \"فيَشْفَعُ لِيُقْضى بَيْنَ الخلق، فَيَمْشي حتى يَأخُذَ بِحَلَقَةِ البابِ فيومَئذٍ يَبْعَثُهُ مقامًا مَحْمودًا، يحمدُهُ أهلُ الجَمْعِ كُلُّهُم\"] (٥).\nوقد ذكرت أحاديث الشفاعة بتفصيلها في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان (٦٤٤٥)، والحاكم (٢/ ٣٦٣)، وأحمد (٤٥٦)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: وهو كما قالا. انظر الصحيحة (٢٣٧٠).\n(٢) إسناده حسن. أخرجه أحمد (٥/ ١٣٧)، والترمذي (٢/ ٢٨٢)، وأخرجه ابن أبي عاصم - كتاب السنة - (٧٨٧) - تحقيق الألباني.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧١٨) - كتاب التفسير - سورة الإسراء - آية ٧٩ - .\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧١٩) - كتاب التفسير - الباب السابق، ورواه أكثر أهل السنن.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٧٤) - (١٤٧٥)، كتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثُّرًا.","vol":"4","page":529},{"text":"الصحابة والتابعين لهم بإحسان - في بحث الإيمان باليوم الآخر - باب الشفاعة، فلله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. قال قتادة: (مدخل صدق: المدينة، ومخرج صدق: مكة). وقال ابن عباس: (كان النبي - ﷺ - بمكة ثم أُمِرَ بالهجرة فأنزل الله ﵎ اسمه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾). فلقد علم النبي - ﷺ - أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سلطانًا نصيرًا فأعطاه.\nقال الحسن: (كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله - ﷺ - ليقتلوه، أو يطردوه، أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة فأمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾). ثم قال في قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: (يوعده لينزِعَنَّ مُلك فارس وعز فارس، وليجعلنه له، وعزَّ الروم وملكَ الروم، وليجعلنه له).\nوقال قتادة: (﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: وإن نبي الله علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله ﷿، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، وإن السلطان رحمة من الله جعلها بين أظهر عباده، لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم).\nوفي الأثر عن عمر وعن عثمان: (إن الله ليزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن). قال ابن كثير: (أي: ليمنعُ بالسلطان عن ارتكاب الفواحشِ والآثام ما لا يمتنع كثيرٌ من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. قال قتادة: (الحق: القرآن. ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ قال: هلك الباطل وهو الشيطان). وقال ابن جريج: (﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ قال: دنا القتال ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ قال: الشرك وما هم فيه).\nوالآية: تهديد ووعيد لكفار قريش بأن يوم نصر الحق قد اقترب، وفيه يكون اندحار باطلهم وشركهم، شأن الباطل أمام سلطان الحق على مدار الزمان.\nوفي التنزيل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].\nوفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [دخل النبي - ﷺ - مكّة وحول البيت ستون وثلاث مئة نُصُبٍ، فجعل يَطْعَنُها بِعُودٍ في يده، ويقول: ﴿جَاءَ","vol":"4","page":530},{"text":"الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]] (١).\nوله شاهد عند أبي يَعْلى من حديث جابر ﵁ قال: [دخلنا مع النبي - ﷺ - مكة، وحول البيت ثلاث مئة وستون صنمًا يُعْبدون من دون الله. فأمر بها رسول الله - ﷺ - فَأُكِبَّتْ لوجهها، وقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾] (٢).\n٨٢ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار عن عظمة هذا القرآن وما في آياته ووقعها على قلوب المؤمنين، ونفوس المبتلين، وتعب الحائرين، فهو يُذهب ما في القلوب من أمراض، من شك ونفاق، وشرك وزيغ، وضيق وسوء ظن، ويملؤها بالحكمة والإيمان، ورحيق الاطمئنان، وحسن ظن بالله يوصل إلى مرتبة الإحسان، ولا يزيد الظالمين إلا الحرمان والخسران. إنه إذا أنعم الله على الإنسان استكبر، وإذا مسه الشر جزع، إلا من رحم الله. فَأَخْبِر المشركين - يا محمد - أنّه كُلٌّ يعمل على وجهته وطريقته، والله أعلم بمن هو أهدى طريقًا. ويسألك اليهود عن الروح، فقل: الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا.\nفقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. قال قتادة: (إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ﴾ به ﴿إِلَّا خَسَارًا﴾ أنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، وإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين). وقال النسفي: (﴿وَرَحْمَةٌ﴾: وتفريج للكروب وتطهير للعيوب وتكفير للذنوب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٧٨)، (٤٧٢٠)، ومسلم (١٧٨١)، والترمذي (٣١٣٨)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٧٧)، وابن حبان في صحيحه (٥٨٦٢).\n(٢) إسناده صحيح، ليس فيه إلا عنعنة أبي الزبير، لكن يتأيد بما قبله، فهو صحيح.","vol":"4","page":531},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].\nوفي صحيح السنة المطهرة في مفهوم هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضَعُ به آخرين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مثلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّةِ، ريحُها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثلُ التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن مثلُ الرَّيْحانَةِ، ريحها طيب وطعمها مُرٌّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مرٌّ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان عن أبي مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه] (٣).\nوقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. قال مجاهد: (تباعد منا). قال ابن جرير: (يقول ﵎: وإذا أنعمنا على الإنسان، فنجيناه من كرب ما هو فيه في البحر، وهو ما قد أشرف فيه عليه من الهلاك بعصوف الريح عليه إلى البرّ، وغير ذلك من نعمنا، أعرض عن ذكرنا، وقد كان بنا مستغيثًا دون كلّ أحد سوانا في حال الشدّة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٨١٧) - كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها. ورواه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٢١٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٥٤٢٧)، (٧٥٦٠)، وأخرجه مسلم (٧٩٧) - في الكتاب السابق - باب فضيلة حافظ القرآن. ورواه أحمد وأصحاب السنن بألفاظ متقاربة. انظر صحيح الجامع (٥٧١٥) - (٥٧١٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٠٩)، ومسلم (٨٠٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٢١).","vol":"4","page":532},{"text":"التي كان فيها ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ يقول: وبعد منا بجانبه يعني نفسه، كأن لمْ يدعنا إلى ضرٍّ مسّه قبل ذلك).\nوقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: قنوطًا). وقال قتادة: (يقول: إذا مسه الشرّ أيسِ وقَنِط).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].\nيروي الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأس من رَوْح الله، والأمْنُ من مكر الله] (١).\nوله شاهد أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" عن ابن مسعود قال: [أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأسُ من رَوْح الله].\nوقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ - فيه أقوال متقاربة.\nقال ابن عباس: (على ناحيته). وقال مجاهد: (على حِدَتِهِ وطبيعته). وقال قتادة: (على نِيَّتِه). وقال ابن زيد: (الشاكلة: الدين). أي: (على دينه). وقال مقاتل: (جِبلته).\nوقوله: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾. تهديد للمشركين ووعيدٌ لهم. قال القرطبي: (والمعنى: أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألفها، وهذا ذمٌّ للكافر ومدحٌ للمؤمن. ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أي بالمؤمن والكافر\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه الطبراني ورجاله ثقات. انظر تحقيق فتح المجيد (٤٢٢)، وكذلك للشاهد بعده، وانظر تفصيل هذا البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٩٢).","vol":"4","page":533},{"text":"وما سيحصل من كل واحد منهم. وقيل: ﴿أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أي أسرع قبولًا. وقيل: أحسن دينًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أخرج أحمد والشيخان عن إبراهيم بن علقمة عن عبد الله (١) قال: [بَيْنا أنا أمشي مع النبي - ﷺ - في خَرِبِ المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه فمرّ بِنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح! وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه. فقال بعضهم: لنسألنّه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾] (٢). وفي رواية: (لما نزل عليه الوحي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾).\nوأخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: [قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلا قليلًا وقد أوتينا التوراة فيها حكم الله، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾] (٣).\nوالسورة مكية، وقد يكون تكرر النزول بالمدينة، وعلى ذلك يكون الفهم لهذه الأحاديث. والآية تدل على أن الروح من أمر الله مما استأثر به تعالى، وأن علم الناس في ذلك قليل.\n٨٦ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ\n_________\n(١) هو عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٢١)، ومسلم (٢٧٩٤)، وأخرجه الترمذي (٣١٤١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع (٣١٣٩)، وأحمد في المسند (١/ ٢٥٥)، وأبو يعلى (٢٥٠١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٥١٠).","vol":"4","page":534},{"text":"اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى فضله على نبيّه محمد - ﷺ - بهذا الوحي الكريم، وأنه لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لعجزوا ولرجعوا صاغرين. والله تعالى يُصَرِّفُ في هذا القرآن من كل مثل لِيَذكَّرَ العباد ويتعظوا فيأبى أكثرهم إلا أن يعيشوا كافرين.\nفقوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. قال النسفي: (والمعنى: إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف فلم نترك له أثرًا). وقال القرطبي: (أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه حتى ينساه الخلق. ويتصل هذا بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي ولو شئت أن أذهب بذلك القليل لقدرت عليه).\nقلت: وذهاب العلم وفشو الجهل ورفع القرآن من الأرض من علامات الساعة، عقوبة من الله للمستهترين.\nففي صحيح سنن ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوبِ. حتى لا يُدْرَى ما صِيامٌ ولا صلاةٌ ولا نُسُكٌ ولا صدقة. ولَيُسْرى على كتاب الله، ﷿، في ليلة. فلا يبقى في الأرض منه آية. وتَبْقَى طوائفُ من الناس، الشيخ الكبير والعجوز. يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله. فنحن نقولها] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يتقارب الزمانُ، ويُقبض العلمُ، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قيل: وما الهرج؟ قال: القتل] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٤٠٤٩)، كتاب الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم، وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٢٧٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٥٩). وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٥٧)، كتاب العلم، باب: في رفع العلم وظهور الجهل. وكذلك - حديث رقم - (١٨٥٦) من الكِتاب نفسه. باب: في قبض العلم. ورواه البخاري.","vol":"4","page":535},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. أي ناصرًا يردّه إليه، ويعيده لك محفوظًا مسطورًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. أي: إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، أو يحمل المعنى على الاستثناء المنقطع، والتقدير: أي ولكن رحمة من ربك تركته - يا محمد - غير مذهوب به. قال النسفي: (وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظًا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.\nتكذيب من الله تعالى لادعاء الكفار وزعمهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا. والمعنى: لو اجتمع فصحاء الجن والإنس وكان بعضهم لبعض عونًا ونصيرًا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فإنهم لا يستطيعون ذلك، وإن الله تعالى سيخذلهم. قال ابن جريج: (ظهيرًا: معينًا. يقول: لو برزت الجن وأعانهم الإنس فتظاهروا لم يأتوا بمثل هذا القرآن).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولقد بَيَّنا للناس في هذا القرآن من كل مثل، احتجاجًا بذلك كله عليهم، وتذكيرًا لهم، وتنبيهًا على الحق ليتبعوه ويعملوا به ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ يقول: فأبى أكثر الناس إلى جحودًا للحقّ، وإنكارًا لحجج الله وأدلته).\n٩٠ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تَنَطُّعُ المشركين في أمر الإيمان، بالمطالبة بالمعجزات والتحكم","vol":"4","page":536},{"text":"بها على مرّ الأيام، وما دفعهم إلى ذلك إلا الكبر والبغي، ورسول الله بشر - ﵊ -.\nفقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.\nهو من قيل المشركين للنبي - ﷺ - على وجه التنطع. قال قتادة: (أي حتى تَفْجُر لنا من الأرض عيونًا: أي ببلدنا هذا). والينبوع: العينُ الجارية.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾.\nأي: أو يكون لك بستان من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلال النخيل والكروم. قال القاسمي: (وإنما قدموا في عنتهم هذا المقترح، لأنهم كانوا يرِدون بلاد الشام والعراق، ويرون ما فيها من البساتين والأنهار).\nوقوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. قال ابن عباس: (يعني قِطعًا). قال ابن كثير: (أي: إنك وعدتنا أن يوم القيامة تَنْشَقُّ السماءُ وتَهِي، وتُدَلَّى أطرافها، فعجّل ذلك في الدنيا، وأسقطها كسَفًا، أي: قطعًا).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].\nولكن نبي الرحمة - ﷺ - سأل إنظارهم عسى أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا.\n٢ - وقال تعالى: - عن سؤال قوم شعيب نحو ذلك -: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧].\nفعاقبهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم.\nوقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ - فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: أي: حتى يأتي الله والملائكة كلَّ قبيلة فيعاينونهم، أي قبيلة قبيلة، قال مجاهد: (قبائل على حدتها كلّ قبيلة).\nالتأويل الثاني: معناه: أن تأتي بالله والملائكة عيانًا نقابلهم مقابلة، فنعاينهم معاينة. قال قتادة: (﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ نعاينهم معاينة).","vol":"4","page":537},{"text":"قلت: والتأويل الثاني أرجح من الأول، وأليق بكلام العرب، وهو اختيار ابن جرير.\nوقوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول من ذهب).\nوقوله: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ أي تصعد في درج السماء.\nوقوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾. قال قتادة: (أي كتابًا خاصًا نؤمر فيه باتباعك). أي: لن نصدقك في أمر رقيك إلى السماء حتى تنزل لنا كتابًا منشورًا نقرأ فيه أمرنا باتباعك والإيمان بك.\nوقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾. قال القاسمي: (أي تنزه ربي عن فعل ما اقترحتموه من المحال وما يناقض حكمته. وما أنا إلا بشر رسول. عَليَّ أن أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم. وقد أتيتكم بما يدل على صدق رسالتي مما أوحاه إليّ. وذلك ما تحدّيتكم بالإتيان بسورة مثله في الهداية والإصلاح. كما أمرني ربي. ولا أقترح عليه، سبحانه، ما لا يجوز أن يكون، أو ما يكون فعله عبثًا، لخلوّه عن الفائدة).\n٩٤ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾.\nفي هذه الآيات: امتناع الناس عن الإيمان لِكَوْنِ الرسول من البشر، وإنما حملهم على هذا التنطع الكبر والبطر، فإنه لو كان في الأرض ملائكة لناسب إرسال الله إليهم ملكًا مثلهم، والله خبير بعباده بصير بأعمالهم. إنما أمر الهداية والضلال بيد الله، فمن","vol":"4","page":538},{"text":"حرمه الله نور الهداية فقد أخزاه، ومن كفر بالله واليوم الآخر فنار جهنم مأواه، أَوَلَمْ يَرَ الكفار أنَّ خلق السماوات والأرض أكبر من خلقهم وإعادتهم بعد موتهم؟ ! ولكن الظالمين يجحدون، وبقدرة الله يكفرون.\nفقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي: أكثرهم، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ ويتابعوا الرسل، إلا استعجابُهم من بَعْثَتِه البشر رسلًا).\nوفي التنزيل نحو ذلك كثير:\n١ - قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦].\n٣ - وقال تعالى: - من قول فرعون وملئه -: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧].\n٤ - وقال تعالى: - من قيل الأمم لرسلهم -: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾. قال النسفي: (ردّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ على أقدامهم كما يمشي الإنس ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما يجب علمه ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ حال، أي ساكنين في الأرض قارين ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ يعلمهم الخير ويهديهم المراشد).\nوالخلاصة: إن الله تعالى يبعث الرسل إلى القوم من جنسهم، ليفقهوا عنه ويَفْهموا منه، ولو بعث إلى البشر رسولًا ملَكًا لما حصل ذلك، ولا أمكنهم الأخذ عنه.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.\nأي: قل - يا محمد - لهؤلاء المتنطعين في اقتراحاتهم: الله تعالى نعم الكافي والحاكم، وهو ذو خبرة وعلم بما يصلح لعباده من التدبير والتصريف، ومن يستحق منهم الهداية أو الضلال.","vol":"4","page":539},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾.\nأي: إن مَنْ ينعم بهداية الله له فلا مُضِلّ له، ومن يَشْقى بضلاله إياه - نتيجة استحقاقه ذلك - فلا هادي له.\nوفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄: [أن ضِمادًا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يديَّ، قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد. فقال: أعِدْ علىّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر. فقالما: هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه، فقال رسول الله - ﷺ -: وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي. .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤].\nوقوله: ﴿عُمْيًا﴾ أي: لا يبصرون، ﴿وَبُكْمًا﴾ أي: لا ينطقون، ﴿وَصُمًّا﴾، يعني: لا يسمعون. وذلك مقابلة لهم بالمثل من أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا تجاه الحق، فقد كانوا بكمًا وعميًا وصمًا عن هذا الوحي العظيم، فحشروا على ذلك أحوج ما يحتاجون إلى تلك الحواس. ثم إن منقلبهم ومصيرهم إلى جهنم.\nوفي الصحيحين عن أنس ﵁: [أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرج مسلم في كتاب الجمعة - حديث رقم - (٨٦٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦)، وأحمد (٣/ ٢٢٩)، وابن حبان (٧٣٢٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"4","page":540},{"text":"وعن ابن عباس: (في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ قال: سكنت). وقال مجاهد: (طفِئت). وعن قتادة: (قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ يقول: كلما احترقت جلودهم بُدّلوا جلودًا غيرها، ليذوقوا العذاب). وقال الضحاك: (وذلك إسعارُ النار عليهم والتهابها فيهم وتأججها بعد خبوّها، في أجسامهم). أي: كلما سكنت النار عليهم زادها الله لهبًا ووَهجًا وجَمْرًا ليذيقهم العذاب، جزاء بما كانوا يكفرون بوحي الله العظيم، ونبوة رسوله الكريم، ويستبعدون البعث للحساب بعد الموت وفناء الأجساد والعظام مستهزئين. وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. وقوله: ﴿وَرُفَاتًا﴾ أي بالية نخرة.\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾.\nأي: إن الذي أبدع هذه السموات والأرض وخلقها من العدم قادر على إعادة خلقهم، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧].\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. قال القرطبي: (والأجل: مدّة قيامهم في الدنيا ثم موتهم). وقال ابن كثير: (أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلًا مضروبًا ومدة مقدّرة لا بد من انقضائها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤]).\nوقوله: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: فأبى الكافرون إلا جحودًا بحقيقة وعيده الذي أوعدهم وتكذيبًا به).\n١٠٠ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا","vol":"4","page":541},{"text":"الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ الله تعالى بُخْلَ المشركين وإمساكهم عن الإنفاق في سبل الخير. وإمامهم من قبل فرعون الذي كفر بتسع آيات واتهم موسى بالسحر، وحاول محاصرته ومن معه من المؤمنين حتى أغرقه الله وجنوده أهل البغي والشرّ، واستخلف بني إسرائيل من بعدهم في الأرض ليكون الفصل بين الفريقين يوم الحشر.\nفقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾.\nقال ابن عباس: (الفقر). وقال قتادة: (أي خشية الفاقة). والخطاب للمشركين كما قال ابن جرير: (قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيها الناس تملكون خزائن أملاك ربي من الأموال. وعنى بالرحمة في هذا الموضع: المال ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ يقول: إذن لَبَخِلْتُم به، فلم تجودوا بها على غيركم، خشية من الإنفاق والإقتار).\nوقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: بخيلًا). وقال قتادة: (بخيلًا، ممسكًا).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: [يَدُ الله ملأى لا يَغيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ الليلَ والنهار. أرأيتم ما أنفق منذُ خلقَ السماوات والأرض؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يده] (١).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (التسع الآيات البينات: يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات).\n٢ - قال محمد بن كعب: (هي اليد، والعصا، والخمس في الأعراف، والطَّمْسَة، والحجر).\n٣ - وقال ابن عباس أيضًا ومجاهد وقتادة: (هي يدُه، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٧٤١١) - كتاب التوحيد، وانظر كذلك - حديث رقم - (٤٦٨٤)، ورواه مسلم في الصحيح (٩٩٣).","vol":"4","page":542},{"text":"قلت: وكلها أقوال متكاملة، ودلائل قاطعة على صحة نبوته وصِدْقه فيما أخبر به موسى - ﷺ - عمن أرسله إلى فرعون.\nوقوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾.\nأي اسأل يا محمد بني إسرائيل (١) إذ جاءهم موسى وذهب إلى فرعون وأظهر آياته ودعاه للإيمان بالله تعالى فاتهمه فرعون بالسحر.\nوقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾.\nأي: قال موسى: لقد علمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات إلا خالق السماوات والأرض حُججًا وأدلة على صدق ما جئتك به، وبينات مكشوفات تؤكد صحة قولي، ولكنك معاند جاحد. كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].\nوقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال ابن عباس: (ملعونًا). أو قال: (يعني: مغلوبًا). وقال مجاهد: (مثبورًا: أي هالكًا). وقال عطية: (مبدّلًا). وقال ابن زيد: (أظنك ليس لك عقل يا فرعون) - أي مخبولًا. وفي لغة العرب: رجل مثبور: أي محبوس عن الخيرات هالك. قال الرازي: (الثبور: الهلاك والخسران).\nقلت: فالهالك يشمل كل ما سبق من المعاني والله تعالى أعلم. قال النسفي: (كأنه قال: إن ظننتني مسحورًا فأنا أظنك مثبورًا هالكًا، وظني أصح من ظنك، لأن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما عرفت صحته ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها، وأما ظنك فكذب بحت).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾.\nأي: فأراد فرعون أن يُخرج موسى وقومه من أرض مصر، أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال، فاستفزه الله إلى البحر هو وجنوده وحاق به مكره، وكان فيه إغراقه مع قبطه.\nقال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، أي يُجْليَهم منها ويزيلهم عنها، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾، وفي هذا بشارة لمحمد - ﷺ - بفتح مكة مع أن\n_________\n(١) أي بما عندهم من التوراة حول ذلك. قال القاسمي: (فيظهر للمشركين صدقك، ويزداد المؤمن بك طمانينة قلب. لأن الأدلة إذا تظاهرت، كان ذلك أقوى وأثبت).","vol":"4","page":543},{"text":"هذه السورة نزلت قبل الهجرة، وكذلك وقع، فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾ [الإسراء: ٧٦، ٧٧]).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. أي قلنا من بعد فرعون لبني إسرائيل اسكنوا الأرض التي أراد فرعون أن يستفزكم منها فإذا كان يوم القيامة جئنا بكم وبعدوكم جميعًا. قال ابن عباس: (جميعًا). وقال قتادة: (أي جميعًا، أولكم وآخركم). قال النسفي: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ جمعًا مختلطين إياكم وإياهم، ثم نحكم بينكم ونميز بين سعدائكم وأشقيائكم، واللفيف الجماعات من قبائل شتى).\n١٠٥ - ١٠٩. قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على القرآن، وعلى مهمة النبي ﵊، وعلى الذين أوتوا العلم الذين يخرون سجدًا عند سماع آيات الرحمان.\nفقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وبالحق أنزلنا هذا القرآن، يقول: أنزلناه نأمر فيه بالعدل والإنصاف والأخلاق الجميلة، والأمور المستحسنة الحميدة، وننهى فيه عن الظلم والأمور القبيحة، والأخلاق الردية، والأفعال الذميمة. ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ يقول: وبذلك نزل من عند الله على نبيه محمد - ﷺ -).\nوفي التنزيل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦].\nقال ابن كثير: (أي متضمنًا، علْمَ الله الذي أراد أن يُطْلِعَكُم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه).\nوفي معجم الطبراني بسند صحيح عن جبير قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أبشروا","vol":"4","page":544},{"text":"أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. أي: وما أرسلناك يا محمد إلا مبشرًا برحمة الله ورضوانه وجنته لمن أطاعك، ونذيرًا بسخط الله وغضبه وناره لمن عصاك.\nوقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ - فيه قراءتان.\n١ - \"فَرَقْناه\" - بالتخفيف. قال ابن عباس: (يقول: فصلناه). أي فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزة من السماء الدنيا، ثم نزل مُفَرّقًا مُنَجّمًا على الوقائعِ إلى رسول الله - ﷺ - في ثلاث وعشرين سنة.\n٢ - \"فَرَّقْناه\" - بالتشديد. قرأ بها ابن عباس: أي أنزلناه آية آية، مُبَيَّنًا مُفَسَّرًا. قال ابن عباس: (يقول: أنزل آية آية). وقال: (أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة). وقال ابن زيد: (\"وقرآنًا فرَّقناه\": فرّقه، لم ينزله جميعه).\nوقوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. أي: لتبلغه الناس وتتلوه عليهم على مَهَل.\nقال ابن جريج: (في ترتيل). وقال مجاهد: (على تؤدة).\nوقوله: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. أي: شيئًا بعد شيء، حسب الحوادث والمناسبات.\nوقولُهُ تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. أي - قل يا محمد لكفار قومك الذين يعترضون على هذا الوحي العظيم: وسواء آمنتم به أم كفرتم لا يُغَيِّر شيئًا، فهذا القرآن حق في نفسه، عظيم في شأنه، موصوف في كتب التنزيل، والذين أوتوا العلم من أهل الكتاب المتمسكين بالحق المكتوب عنده إذا يتلى عليهم يخرون تعظيمًا لله ساجدين، شكرًا منهم لله على إدراكهم هذا الرسول الكريم. قال ابن عباس: (﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ يقول: للوجوه). والأذقان جمع ذَقَن، وهو أسفل الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.\nقال ابن جرير: (- أي يقولون - تنزيهًا لربنا مما يضيف إليه المشركون به، ما كان\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ٧٧/ ١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ١٦٥)، وأخرجه ابن نصر في \"قيام الليل\" (٧٤) - انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧١٣).","vol":"4","page":545},{"text":"وعد ربنا من ثواب وعقاب، إلا مفعولًا حقًا يقينًا، إيمان بالقرآن وتصديق به).\nواستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ الآية، على استحباب هذا الذكر في سجود التلاوة - ذكره السيوطي في \"الإكليل\".\nوفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول في سجوده: \"سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي\"] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.\nقال القرطبي: (هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم. وحقّ لكل من توسّم بالعلم وحضل منه شيئًا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل).\nوذكر ابن جرير بسنده إلى عبد الأعلى التيمي قوله: (من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي علمًا ينفعه، لأن الله نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية).\nوفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا] (٢).\nوفي الآية دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى أو بسبب المعاصي والزلل. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن مطرف، عن أبيه، قال: [رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي، وفي صدره أزيزٌ كأزيز الرَّحى من البكاء - ﷺ -] (٣).\n١١٠ - ١١١. قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ الأسماء الحسنى لله تعالى ولو كره الكافرون. وحثُّ الله نبيّه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٤٨٤)، ورواه غيره من أهل السنن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"الكبير\" - من حديث أبي الدرداء - انظر صحيح الجامع (٢٥٦٦)، وصحيح الترغيب (١/ ١٨٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٩٠٤) - في الصلاة - باب البكاء في الصلاة. انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٧٩٩).","vol":"4","page":546},{"text":"على التوسط في رفع الصوت بالقرآن لئلا يناله المشركون. وخَتْمُ السورة بتنزيهه تعالى عما يصفه به المبطلون.\nقال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد، لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله ﷿، المانعين من تسميته بالرحمن: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي: لا فرقَ بين دعائكم له باسم ﴿اللَّهَ﴾ أو باسم ﴿الرَّحْمَنَ﴾، فإنه ذو الأسماء الحسنى).\nوفي التنزيل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].\nوقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. له سبب للنزول أو أكثر في صحيح السنة:\nففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: [نزلت ورسول الله - ﷺ - مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبُّوا القرآن ومَنْ أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾] (١).\nوفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قال: [أنزل ذلك في الدعاء].\nوأخرج ابن جرير وابن إسحاق بسند حسن عن ابن عباس قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبَوا أن يستمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله - ﷺ - بعض ما يتلو وهو يُصلي، استرق السمع دونهم فَرَقًا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهَبَ خشيةَ أذاهم فلم يستمع. فإن خفضَ رسول الله - ﷺ - صوته لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل الله - ﷿ - ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرَّقوا عنك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا تُسمع من أراد أن يسمَعَها ممن يسترق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٢٢)، ومسلم (٤٤٦)، والترمذي (٣١٤٦)، والنسائي في \"التفسير\" (٣٢٠)، وأحمد (١/ ٢٣)، (١/ ٢١٥)، والطبري (٢٢٨٢٥).","vol":"4","page":547},{"text":"ذلك دونهم، لعله يَرْعَوي إلى بعض ما يسمَع فينتفع به، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾.\nتنزيهٌ من الله تعالى لنفسه الكريمة عن النقائص، بعد إثبات صفات الجمال والكمال والأسماء الحسنى. قال ابن جرير: (لأن ربّ الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فيكون عاجزًا ذا حاجة إلى معونة غيره ضعيفًا، ولا يكون إلهًا من يكون محتاجًا إلى معين على ما حاول، ولم يكن منفردًا بالمُلك والسلطان).\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾. قال مجاهد: (لم يُحالف أحدًا، ولا يبتغي نَصْر أحد). وقال ابن كثير: (أي: ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له وَلِيٌّ أو وزيرٌ أو مُشِيرٌ، بل هو تعالى خالقُ الأشياء وحدَه، لا شريكَ له ومقَدِّرها ومُدَبِّرها بمشيئته وحدَه، لا شريك له).\nوقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. أي: عظِّمه وأَجِلَّه تعظيمًا يليق بجلاله، وإجلالًا يليق بجماله وكماله.\nوفي مسند الإمام أحمد وسيرة ابن هشام من حديث عدي بن حاتم - لما قدم على رسول الله - ﷺ - بعد أن فرّ منه - قال: [وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما يُفِرُّك!؟ أَيُفِرُّك أن تقول: لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال: قلت: لا. قال: ثم تكلم ساعة، ثم قال: إنما تَفِرُّ أن يُقال: الله أكبر، وهل تعلم شيئًا أكبرُ من الله؟ قال: قلت: لا. قال: فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون. قال: فقلت: إني حنيف مسلم. قال: فرأيت وجهَه ينبَسِطُ فرحًا. .] الحديث (٢).\nتم تفسير سورة الإسراء\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n° ° °\n_________\n(١) حسن لشواهده. انظر تفسير ابن جرير الطبري (٢٢٨٣٠)، والصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة الإسراء، آية (١١٠).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٧٨) ورجاله ثقات، وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ٥٧٨ - ٥٨١)، وكتابي: السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - (٣/ ١٤٦٨ - ١٤٧٢).","vol":"4","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الإسراء والمعراج تكريم الله لعبده ورسوله محمد لم ينله رسول قبله.\n٢ - الإسراء والمعراج لم يكن منامًا أو رؤيا، وإنما كان بالروح والجسد.\n٣ - في رحلة الإسراء والمعراج، كان لقاء نبينا بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وقد ارتقى - ﷺ - سماء فسماء.\n٤ - في ليلة الإسراء فرضت الصلاة خمسين، ثم خففت إلى خمس.\n٥ - لم ير محمد - ﷺ - ربه، والذي دنا فتدلى: جبريل ﵇.\n٦ - رفع الله لمحمد - ﷺ - المسجد الأقصى وبدأ يصفه لقريش.\n٧ - القرآن يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل وبشرى للمؤمنين.\n٨ - يجمع عمل الإنسان في كتاب فيكون عليه حسيبًا.\n٩ - لا يعذب الله أحدًا قبل إنذاره برسول، وأهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل، وإنما يكون امتحانهم يوم القيامة.\n١٠ - التفاوت كائن يوم القيامة بين درجات أهل الجنة، وكذلك بين درجات أهل النار.\n١١ - قرن الله تعالى عبادته ببرّ الوالدين، ليعرف عباده بحقهما الكبير.\n١٢ - يوصي رسول الله - ﷺ - بالأب مرة وبالأم ثلاثًا لعظم حقها.\n١٣ - النهي عن التبذير، والأمر بوصل الأقرب فالأقرب، والرفق بالمساكين.\n١٤ - لا تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، ولا تقرب الزنى ودواعيه.\n١٥ - لا تقتل النفس ولا تقرب مال اليتيم، وأوف العهد والكيل، إن العهد كان مسؤولًا.\n١٦ - لا تتكلم بما لا تعلم، ولا تتبختر بمشيتك، وتواضع لله يرفعك الله.","vol":"4","page":549},{"text":"١٧ - كل السيئات مكروهة عند الله تعالى، فاحذروا فعل ما يكره.\n١٨ - ما من شيء - حتى الجماد - إلا ويسبح بحمد الله حقيقة، كل قد علم صلاته وتسبيحه.\n١٩ - إذا دلّ الدليل على شيء وجب اتباعه.\n٢٠ - لو سمّى المؤمن عند الجماع، وقدر له ولد، لا يضره الشيطان.\n٢١ - إن كان لا ينفع في البحر غير الله، فإنه لا ينفع في البر غيره.\n٢٢ - الإمام: هو كتاب الأعمال الذي يعطاه العبد يوم القيامة.\n٢٣ - المقام المحمود هو الشفاعة العظمى، وهو للرسول الأعظم - سيد ولد آدم - ﷺ -.\n٢٤ - كل الرسل تقول يوم الحشر: نفسي نفسي، إلا رسولنا - ﷺ - فيقول: أمتي أمتي.\n٢٥ - إن الله ليمنع بالسلطان عن الذنوب والآثام، ما لا يمنع بالقرآن.\n٢٦ - القرآن شفاء للقلوب من الشك والشرك والنفاق والزيغ.\n٢٧ - استئثار الله تعالى بعلم ماهية الروح، وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا.\n٢٨ - يحشر الكفار على وجوههم عميًا بكمًا صمًا خالدين في النار.\n٢٩ - الآيات والمعجزات من الله خلقًا، ويجريها على يد رسوله تأييدًا.\n٣٠ - نزول القرآن بالحق، وكل أسماء الله حسنى، وليس لله ولد ولا شريك ولا معين، تعالى سبحانه عن ذلك علوًا كبيرًا.\n° ° °","vol":"4","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>١٨ - سُورَةُ الكَهْفِ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١٠).\nفضائلها وما ورد في ذكرها:\nلقد ورد في فضلها وفضل أولها وآخرها أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵄ يقول: [قرأ رجلٌ الكَهْفَ وفي الدّار الدّابةُ، فَجَعلت تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ الرَّجل، فإذا ضَبَابَةٌ، أو سَحَابَةٌ غَشِيَتْه، فذكره للنبي - ﷺ - فقال: اقرأ فُلانُ! فإنها السكينة نَزَلَتْ للقرآنِ أو تَنَزَّلتْ للقرآن] (١).\nوفي لفظ لمسلم: [قال البراء: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفِر، فلما أصبح أتى النبي - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِنْ أول سورة الكهف عُصِمَ من الدجال] (٣). وفي لفظ عند الحاكم: [عصم من فتنة الدجال].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦١٤) - كتاب المناقب، وأخرجه مسلم (٧٩٥)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٨١)، والترمذي في الجامع (٢٨٨٥)، وأخرجه ابن حبان (٧٦٩).\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢١٠٦)، كتاب فضائل القرآن، باب: تنزل السكينة لقراءة القرآن.\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٩٨)، وأخرجه أبو داود (٤٣٢٣)، وأخرجه الترمذي (٢٨٨٦)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٩٥١).","vol":"4","page":551},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن معدان، عن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: [من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عُصِمَ من فتنة الدَّجال] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم عن النواس بن سمعان قال: [ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال فقال: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته. .] الحديث (٢).\nالحديث الخامس: أخرج النسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: [من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين] (٣).\nورواه الدارمي موقوفًا على أبي سعيد بلفظ: [من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>موضوع السورة</span>\nقصة أصحاب الكهف منهاج الفئة المؤمنة، وسنن الله في أهل الإيمان والكفر وإهلاك القرى الظالمة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-155> منهاج السورة </span>-\n١ - الحمد والثناء على الله منزل الكتاب، نذيرًا للعباد يوم الحساب، وبشيرًا للمؤمنين بالجنة والنجاة من العقاب، وإنذارًا للذين نسبوا لله الولد من أهل الكتاب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٦)، ومسلم (٨٠٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٧٨٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٠٤٨)، كتاب الفتن.\n(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٦٨)، والبيهقي في \"السنن\" (٣/ ٢٤٩)، وأخرجه الدارمي (٢/ ٤٥٤) موقوفًا، كما في الرواية بعده، وانظر صحيح الجامع - حديث رقم - (٦٣٤٧).","vol":"4","page":552},{"text":"٢ - تثبيت الله تعالى نبيّه - ﷺ - في جهاده قومه الذي تمردوا عن الإيمان، وكذبوا بالنبوة والقرآن، فهذه الدنيا دار فانية، مزينة بزينة زائلة.\n٣ - قصة أهل الكهف قصة فتية مؤمنين، فروا بدينهم من مكر الظالمين، وقد ضرب الله عليهم النوم سنين طويلة، ثم بعثهم لإظهار آية من آيات قدرته العجيبة.\n٤ - ذكر تقلب الشمس حول الكهف بأمر الله حفظًا على الفتية المؤمنين، وكلبهم باسط ذراعيه بالباب ولو أبصرتهم لكنت من الهاربين.\n٥ - مجيء وقت إيقاظهم، وإرسال بعضهم للمجيء بطعام لهم، وأَمْرُهُ بالتلطف لئلا يفطن الطغاة إلى أمرهم.\n٦ - كشف الله أمرهم، ليعلم من كذب بهذا الحديث أن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها.\n٧ - اتخاذ أهل النفوذ عليهم مسجدًا، وتنازع القوم في عددهم دون جدوى.\n٨ - تنبيه الله العباد إلى ذكره وربط الأمور بمشيئته تعالى، فمشيئته قاهرة لكل مشيئة.\n٩ - إخباره تعالى عن لبث أهل الكهف في كهفهم ثلاث مئة وتسع سنين، والله هو العليم الحكيم لا يخفى عليه شيء وله الحكم لا شريك له.\n١٠ - أمْرُ الله رسوله بتلاوة القرآن، والصبر في الحياة مع أهل الإيمان، وعدم الافتتان بأهل الزينة أهل الكبر والحرمان.\n١١ - من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، والعاقبة للمتقين، والعذاب على الكافرين.\n١٢ - ذكر قصة الرجلين: لأحدهما جنتان فهو مستكبر مفتخر على صاحبه بالمال والثمر والنفر، شاك بالبعث بعد الموت وأنه لو حصل لكان له حسن المنقلب والمستقر، وصاحبه يحذره مغبة الشرك والكبر، وهو يُصِرّ على كفره حتى أرسل الله عليه الجوائح والمصائب وهلك المال والثمر، وصار في الندم والبؤس وذاق عاقبة من كفر وما شكر.\n١٣ - تمثيل بديع لهذه الحياة الدنيا الفانية، والباقيات الصالحات هي البقية الباقية.","vol":"4","page":553},{"text":"١٤ - وَصْفُ الله أحوال القيامة: تسيير الجبال وبروز الأرض وموقف الحشر وتوزيع الصحف والتحسر والندامة.\n١٥ - أمْرُ الله الملائكة السجود لآدم، وقصة امتناع إبليس وعداوته، وتقريع المشركين في شركهم وذلهم يوم القيامة.\n١٦ - تصريف الله الأمثال في هذا القرآن، وتكذيب الناس الرسل بطرق متوارثة عبر الزمان. قوامها العناد والفلسفة وسؤال المعجزات والاستهزاء بالرسل الكرام.\n١٧ - التحذير من التغافل عن حجج الله وما يعقب ذلك من الختم والطبع على القلوب والإقفال على الآذان، ورحمته تعالى بعدم معاجلة المذنبين.\n١٨ - سنة الله في إهلاك القرى الظالم أهلها في وقت وأجل مسمى.\n١٩ - قصة لقاء موسى بالخضر، وبيان المشاهد والمواقف في ذلك.\n٢٠ - قصة ذي القرنين وسياحته في البلاد، يقيم الحق والميزان بين العباد، وخبر يأجوج ومأجوج.\n٢١ - تفصيل إبراز جهنم يوم القيامة للكافرين، الذين كانوا في تغافل وتكذيب بيوم الدين.\n٢٢ - الأخسرون الأخسرون الذين بطل عملهم يوم القيامة وهم يظنون أنهم محسنون.\n٢٣ - تعظيم كلمات الله وآفاقها ومعانيها وروائع علومها، وعجز البحر أن يكفي مدادًا لها.\n٢٤ - إثبات بشرية الرسول - ﷺ -، وتلقيه الوحي من الله رب السماوات والأرض.\n٢٥ - ذِكرُ سر النجاة وسعادة الدارين: إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، والتماس العمل الصالح على منهاج الوحيين.\n° ° °","vol":"4","page":554},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٨. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: كل الحمد والشكر لله منزل الكتاب عدلًا قيمًا، نذيرًا وبشيرًا، ومحذرًا الذين تطاولوا على الله ونسبوا له الولد كذبًا وزورًا. فلا تهلك نفسك - يا محمد - بحزنك على قومك في تمردهم عن الإيمان، والتكذيب بالنبوة والقرآن، فإن هذه الدنيا دار فانية، مزينة بزينة زائلة، لا تستقيم لأحد لأنها دار اختبار، وليست بدار قرار، وستصير بعد الزينة إلى الخراب والدمار.\nفقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. حَمْدٌ وتقديس من الله لنفسه الكريمة على إنزاله هذا الكتاب العزيز.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: الحمد لله الذي خصّ برسالته محمدًا وانتخبه لبلاغها عنه، فابتعثه إلى خلقه نبيًا مرسلًا، وأنزل عليه كتابًا قيمًا، ولم يجعل له عِوَجًا).\nوعن ابن عباس: (﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ يقول: أنزل الكتاب عَدلًا قيمًا، ولم يجعل له عِوَجًا). وقال ابن إسحاق: (أي: معتدلًا لا اختلاف فيه). وعن الضحاك: (قيمًا: قال: مستقيمًا).","vol":"4","page":555},{"text":"قال ابن كثير: (فإنه - أي القرآن - أعظم نعمةٍ أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابًا مستقيمًا لا اعوجاجَ فيه ولا زيغَ، بل يَهدي إلى صراط مستقيم، بَيِّنًا واضِحًا جليًا، نذيرًا للكافرين وبشيرًا للمؤمنين، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا ولا زَيغًا ولا مَيْلًا، بل جعله معتدلًا مستقيمًا. ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾، أي: مستقيمًا).\nوقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾. تهديد للكافرين بعذاب من عند الله في الدارين. قال محمد بن إسحاق: (عاجل عقوبة في الدنيا وعذابًا في الآخرة). وقال قتادة: (﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾: أي: من عنده).\nوقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. بشارة للمؤمنين أهل العمل الصالح بالثواب الجزيل في جنات النعيم يوم القيامة. ولهذا قال: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. قال ابن إسحاق: (أي: في دار خلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به عن الله، وعملوا بما أمرتهم).\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملحُ، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. أي: من مشركي قومه وغيرهم.\nقال ابن إسحاق: (يعني قريشًا في قولهم: إنما نعبد الملائكة، وهنّ بنات الله). وفي صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ليس أحدٌ أصبرَ على أذى سَمِعَهُ من الله، إنهم ليَدْعون له ولدًا، وإنه ليُعافيهم ويرزقُهم] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٤٨) - كتاب الرقاق، وأخرجه مسلم (٨/ ١٥٣)، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٩٩) - كتاب الأدب، باب الصبر في الأذى.","vol":"4","page":556},{"text":"إِلَّا كَذِبًا﴾. أي: لا حجة لهؤلاء القائلين هذا القول ولا لأسلافهم، وإنما يقولون كبيرًا من الإثم ويفترون على الله أعظم الكذب.\nقال محمد بن إسحاق: (ما يقول هؤلاء القائلون اتخذ الله ولدًا بقيلهم ذلك إلا كذبًا وفرية افتروها على الله).\nونُصبت ﴿كَلِمَةً﴾ على التمييز، والتقدير: كبرت كلمتُهم هذة كلمةً. وقيل: على التعجب، والتقدير: أعظِمْ بكلمتهم كلمة.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله: كَذَّبَني ابنُ آدم ولم يكنْ له ذلك، وشَتَمني ولم يكنْ له ذلك، فأما تكذيبُه إياي فزعَمَ أني لا أقْدرُ أن أُعِيدَهُ كما كان، وأما شَتْمُهُ إيّايَ فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أنْ أتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.\nأي: فلعلك يا محمد مهلك نفسك بحزنك على آثار قومك في تمردهم عن الإيمان بالنبوة والتصديق بهذا القرآن.\nقال قتادة: (﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، يقول: قاتل نفسك). وقوله: ﴿أَسَفًا﴾ قال: (غضبًا). وقال مجاهد: (جزعًا). وقال قتادة أيضًا: (حزنًا عليهم).\nوالآية تسلية من الله تعالى لنبيّه الكريم، على حزنه على إصرار المشركين، على عقائد الجاهلية ومحاربة هذا الدين، وترك التصديق بالقرآن الكريم، وهو مفهوم قوله: ﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٨٢) - كتاب التفسير - سورة البقرة، آية (١١٦).","vol":"4","page":557},{"text":"وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nإخبار من الله جل ذكره أن هذه الدنيا دار فانية، مزينة بزينة زائلة، لا تستقيم لأحد لأنها دار اختبار وليست بدار قرار.\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ الله مُسْتَخْلِفُكم فيها فينظرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإنّ أول فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء] (٢).\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ - فيه أقوال متقاربة.\n١ - قال ابن عباس: (يهلك كل شيء عليها ويبيد). وقال مجاهد: (﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾: بلقعًا).\n٢ - قال قتادة: (الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات).\n٣ - قال ابن إسحاق: (يعني: الأرض، إن ما عليها لفانٍ وبائد، وإن المرجع لإليّ، فلا تأس، ولا يحزنك ما تسمع وترى فيها).\n٤ - قال ابن زيد: (الجُرز: الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى أنه يقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة: ٢٧]. قال: والجرز: لا شيء فيها، لا نبات ولا منفعة. والصعيد: المستوي).\nوخلاصة المعنى: هذه الدنيا ستصير بعد الزينة إلى الخراب والدمار، وإلى الفناء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، والبيهقي (٦/ ٩٤) من حديث أبي موسى ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٧٤٢)، وقوله: \"مستخلفكم\" أي: جاعلكم ذرية تخلفون القرون الذين قبلكم.\n(٣) إسناده حسن. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٢٤٠١)، وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"4","page":558},{"text":"والزوال، وفي ذلك تسلية للنبي - ﷺ - عَمّا يلقاه من قومه: أن لا عليك أن سيهلكوا جميعًا، فلا تحزن عليهم ولا تضيق من مكرهم وعنادهم.\n٩ - ١٢. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى نبيّه محمدًا - ﷺ - عن قصة أصحاب الكهف وما فيها من العبر والآيات والمعجزات. يقول: وليس - يا محمد - أمرهم عجيبًا في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر والنجوم، وتعاقب الليل والنهار، وخلق الجبال الشواهق والأنهار والبحار، أكبر من ذلك. لقد أوى الفتية المؤمنون إلى الكهف فرارًا بدينهم، راجين رحمة ربهم، فضرب عليهم النوم سنين طويلة، ثم بعثهم سبحانه لإظهار آية من آيات قدرته العجيبة، وليستفيد من بعدهم في تعظيم الله والمثابرة على عبادته والتوكل عليه.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال مجاهد: (يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك).\n٢ - قال ابن عباس: (يقول: الذي آتيتُكَ من العلم والسُّنَّة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم).\n٣ - وقال محمد بن إسحاق: (ما أظهرتُ من حُججي على العباد أعجبُ من شأن أصحاب الكهف والرقيم).\nقال النسفي: (والكهف: الغار الواسع في الجبل، والرقيم: اسم كلبهم أو قريتهم أو اسم كتاب كتب في شأنهم أو اسم الجبل الذي فيه الكهف).","vol":"4","page":559},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.\nإخبار عن قلة مؤمنة فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فلجؤوا إلى غار في جبل متضرعين إلى ربهم ﷿: أن يبسط عليهم حمايته ورحمته ويجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، وفي عاقبة صبرهم سترًا ورشدًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾.\nأي: ثم بعثنا هؤلاء الفتية من رقدتهم لنعلم واقعًا ما علمنا أنه سيقع، من اختلاف الطائفتين من مدة مكثهم. قال مجاهد: (أمدًا: عددًا). وقال ابن عباس: (﴿لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ يقول: بعيدًا). وقال ابن جرير: (ويعني بالأمد: الغاية).\nوخلاصة المعنى كما قال القاسمي: (أي لنعلم واقعًا ما، علمنا أنه سيقع. وهو أي الحزبين المختلفين في مدة لبثهم، أشد إحصاءً، أي إحاطة وضبطًا لغاية مدة لبثهم فيعلموا قدر ما حفظهم الله بلا طعام ولا شراب، وأمنهم من العدوّ، فيتمّ لهم رشدهم في شكره، وتكون لهم آية تبعثهم على عبادته).\n١٣ - ١٦. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - أنّ ما يقصه عليه من خبر هؤلاء الفتية المؤمنين، إنما هو بالصدق واليقين، وقد زادهم إيمانًا إلى إيمانهم، وربط على","vol":"4","page":560},{"text":"قلوبهم، إذ صبروا على هجران الديار، إلى كهف بأحد الجبال، حفاظًا على دينهم، وخلاصًا من شرك قومهم، فآواهم سبحانه وأيدهم برحمته وجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا.\nفقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: نحن يا محمد نقص عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بالحق، يعني: بالصدق واليقين الذي لا شك فيه. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ يقول: إن الفتية الذين أوَوا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهِم الملأ من مشركي قومك، فتية آمنوا بربهم ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ يقول: وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانًا وبصيرة بدينهم، حتى صبروا على هجران دار قومهم، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله، وفراق ما كانوا فيه، من خفض العيش ولينه، إلى خشونة المكث في كهف الجبل).\nوفي الآية فائدتان جليلتان:\nالفائدة الأولى: أهمية الشباب لحمل هذا الدين والبذل من أجله.\nوهذا جلي في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾، فالشباب قوة الإسلام ومستقبله القادم. ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله شبابًا. وقد لاحظ العباس عمّ النبي - ﷺ - أن معظم رجال بيعة العقبة كانوا من الشباب فقال لابن أخيه: (ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب. هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث) (١).\nإن الشباب مصدر قوة الأمة ومحل طاقتها الكامنة، فَإنْ صَلَحَ الشباب فإن ذلك يُبَشِّرُ بأمة قوية تريد أن تشغل مكانها تحت الشمس، وإن فسد الشباب وتعلقت قلوبهم بالفواحش والآثام، أو سُلِّطَت عليهم عوامل الهدم والشد إلى الخلف، كان ذلك نذير سوء ومصدر قلق وتهديد لتلك الأمة.\nومن هنا حرص الإسلام على تربية الشباب على روح الجهاد والشهادة في سبيل الله، فإنه لا أعلى من ذلك ولا أرفع، فإذا ارتبط قلب الفتى بحب الله ونصرة دينه كان ذلك جامعًا لخيري الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠) - في أثناء حديث بيعة العقبة، ورجاله ثقات.","vol":"4","page":561},{"text":"ففي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، . . .] (١).\nوفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتكَ قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغَك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك] (٢).\nالفائدة الثانية: الإيمان يزيد وينقص.\nوهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. وفي القرآن آيات كثيرة نحو ذلك، منها:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].\nومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس مرفوعًا: [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه] (٤). وفي صحيح مسلم: [لا تؤمنوا حتى تحابوا]. [من حمل علينا السلاح فليس منا].\nالحديث الثالث: رورى البخاري عن ابن مسعود قال: (اليقين: الإيمان كله) (٥). وعن معاذ كان يقول: (اجلس بنا نؤمن ساعة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٢٣) - كتاب الزكاة، وأخرجه مسلم (١٠٣١) - كتاب الزكاة.\n(٢) حديث صحيح. رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس، وروَاه أحمد في \"الزهد\"، وأبو نعيم من حديث عمرو بن ميمون مرسلًا. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٠٨٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٥) - كتاب الإيمان، وانفر مختصر صحيح مسلم (٢٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٣) - كتاب الإيمان. وانظر مختصر صحيح البخاري (١٣)، ومختصر صحيح مسلم (٤٢) (١٢٣٥) لما بعده.\n(٥) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري (ص ٦ - ٧) - تحقيق الألباني. وكذلك لما بعده.","vol":"4","page":562},{"text":"وقد فصلت ذلك في كتابي: أصل الدين والإيمان، فلله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. أي: ثبتناها. قال قتادة: (يقول: بالإيمان). أي: ألهمناهم الصبر وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى عزفت أنفسهم عما كانوا عليه من خفض العيش.\nوقوله: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: حين قاموا بين يدي الجبار دقينوس فقالوا له إذ عاتبهم على تركهم عبادة آلهته: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾). قال ابن كثير: (﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾. ولن: لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا، ولهذا قال عنهم: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾، أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا).\nوعن قتادة: (قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ يقول: كذبًا). وقال ابن زيد: (قال: لقد قلنا إذن خطأ، قال: الشطط: الخطأ من القول).\nوقوله: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾.\nهو من قيل الفتية أصحاب الكهف عن قومهم: أنهم اتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله، فلولا يأتون على عبادتها بسلطان بين. قال قتادة: (يقول: بعذر بين). وقال ابن جرير: (يقول: هلا يأتون على عبادتهم إياها بحجة بينة).\nوقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.\nقال قتادة: (ومن أشد اعتداءً وإشراكًا بالله، ممن اختلق، فتخرّص على الله كذبًا، وأشرك مع الله في سلطانه شريكًا يعبده دونه، ويتخذه إلهًا).\nوقوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: وإذ فارقتُموهم وخالفتُموهم بأديانكم في عبادتهم غيرَ الله، ففارقُوهم أيضًا بابدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾، الذي أنتم فيه، ﴿مِرْفَقًا﴾، أي: أمرًا تَرتفِقُون به. فعند ذلك خَرَجوا هُرَّابًا إلى الكهف، فأوَوْا إليه، فَفَقدهم قومهم","vol":"4","page":563},{"text":"من بين أظهرهم، وتَطلَّبهم الملك، فيقال: إنه لم يظفر بهم، وعَمَّى الله عليه خبرهم).\nقلت: والهروب من الفتن والفرار بالدين إلى حيث الأمن على الإيمان هو عمل منهجي صحيح عند اختلاط الرايات وظهور الدعاة على أبواب جهنم.\nففي التنزيل: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠].\nوفي صحيح السنة المطهرة في مفهوم ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يوشِكُ أن يكون خَيرَ مالِ المسلمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال، ومواقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدينه من الفتن] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه، من حديث حذيفة مرفوعًا: [تكون دعاة على أبواب جهنم، مَنْ أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله! صِفْهم لنا، قال: نَعَمْ، هُمْ قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، ويتكلَّمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزَمُ جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تِلكَ الفِرَق كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ على أصلِ شجرة، حتى يدرككَ الموتُ، وأنت على ذلك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: [كيف بكم وَبِزَمانٍ يوشِكُ أن يأتيَ، يُغَرْبَلُ الناسُ فيه غَرْبَلَةً، وتَبْقَى حُثالةٌ مِنَ الناس، قَدْ مَرِجَتْ عُهودُهُمْ وأماناتُهم، فاختلفوا، وكانوا هكذا؟ (وشبَّك بين أصابعه) قالوا: كيف بنا يا رسول الله! إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون بما تَعْرِفون. وتدعون ما تُنكرون. وتقبلون على خاصَّتِكم. وتذرون أمْرَ عَوَامِّكُمْ] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (١٩) - كتاب الإيمان، باب: من الدين الفِرار من الفتن. وأخرجه أيضًا برقم (٣٣٠٠)، (٣٦٠٠)، ورواه أبو داود (٤٢٣٧)، والنسائي (٨/ ١٢٣ - ١٢٤)، وأحمد (٣/ ٤٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٨٤٧) - كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كل حال. .، وذلك في أثناء حديث طويل، ورواه الترمذي وغيره من أهل السنن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (٣٩٥٧) - كتاب الفتن. باب التثبت في الفتنة. انظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣١٩٦).","vol":"4","page":564},{"text":"١٧ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تَقَلُّبُ الشمسِ حول الكهف بأمر الله حفظًا على الفتية المؤمنين، فهم في نوم عميق وكلبهم باسط ذراعيه بالباب فلو أبصرتهم لوليت منهم وكنت من الهاربين.\nفعن ابن عباس: (﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقول: تميل عن كهفهم يمينًا وشمالًا). وقال: (لو أن الشمس تطلق عليهم لأحرقتهم، ولو أنهم لا يقلبون لأكلتهم الأرض). وقال سعيد بن جبير: (﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تتركهم ذات الشمال).\nقال ابن جرير: (وإنما معنى الكلام: وترى الشمس إذا طلعت تعدل عن كهفهم، فتطلع عليه من ذات اليمين، لئلا تصيب الفتية، لأنها لو طلعت عليهم قبالهم لأحرقتهم وثيابهم، أو أشحبتهم. وإذا غربت تتركهم بذات الشمال، فلا تصيبهم).\nوهناك قراءتان مشهورتان لقوله: ﴿تَزَاوَرُ﴾. فهي بالتخفيف ﴿تَزَاور﴾ في قراءة الكوفيين، وهي بالتشديد ﴿تَزَّاور﴾ في قراءة قراء المدينة ومكة والبصرة. وهما متقاربتان في المعنى.\nقال ابن عباس: (تزاور: تميل). قال ابن كثير: (هذا فيه دليل على أن باب الكهف كان من نحو الشمال، لأن الله تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تَزْوَرّ محنه ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، أي: يتقلّص الفيءُ يمنة. قال: وذلك أنها كلّما ارتفعت في الأفق تقلَّصَ شعاعُها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان. ولهذا قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾، أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية الشرق).","vol":"4","page":565},{"text":"وقوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. قال سعيد بن جبير: (في مكان داخل).\nأي: هم في متسع منه داخلًا، بحيث لا يَمسّهم حر الشمس الذي لو أصابهم لأحرق ثيابهم وأجسامهم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. قال النسفي: (أي ما صنعه الله بهم من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة آية من آيات الله). وقال ابن كثير: (﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، حيث أرشدهم تعالى إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانُهم).\nوقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.\nأي: من يهد الله إلى الحق فيوفقه لسلوك سبيله فهو المهتدي حقًا، شأن هؤلاء الفتية الذين أرشدهم سبحانه إلى طريق الهداية والنجاة من بين قومهم، ومن يضلل الله عن سبيله ممن أهملوا سبيل الحق والتماسه من الله تعالى بالرجاء والدعاء، فلن تجد له ناصرًا ومؤيدًا وهاديًا ومعينًا.\nوقوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾. قال القاسمي: (خطاب لكل أحد. أي: تظنهم، يا مخاطب، أيقاظًا لانفتاح أعينهم، وهم رقود مستغرقون في النوم، بحيث لا ينبههم الصوت).\nوقوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. أي: نقلبهم أثناء نومهم مرة للجنب الأيمن، ومرة للجنب الأيسر. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (لو أنهم لا يقلَّبون لأكلتهم الأرض).\nوقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال ابن هشام: (الوصيد الباب).\nقال القرطبي: (والوصيد أيضًا الفناء). وعن ابن عباس: (﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قال: بالباب، وقالوا بالفناء).\nوقوله: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾.\nأي: لو نظر إليهم أحد وهم في أثناء رقدتهم لولّى هاربًا من هيبة المنظر، ولاعتراه من الذعر والرعب الكثير، لما ألبسوا من الحال المهيب لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس، حتى يقضي الله بحكمته أجلًا ضربه لذلك.","vol":"4","page":566},{"text":"١٩ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إيقاظُ الله أهل الكهف ليسأل بعضهم بعضًا عما صُنِع بهم ويستدلوا بذلك على قدرة ربهم ﷿ فيشكروه على ما أنعم عليهم. وإرسالُ الفتية أحدهم ببعض الفضة والدراهم التي كانت معهم إلى مدينتهم التي خرجوا منها ليتخيّر لهم من الطعام الطيب الحلال، مع الوصية له بأخذ الحذر والتلطف عند الدخول والخروج لئلا يفطق الطغاة إلى أمرهم فينالوا منهم.\nفقوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾. قال النسفي: (أي: وكما أنمناهم تلك النومة كذلك أيقظناهم إظهارًا للقدرة على الإنامة والبعث جميعًا ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ليسأل بعضهم بعضًا ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله ويزدادوا يقينًا ويشكروا ما أنعم الله به عليهم).\nوقوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. أي: كم مدة ما رقدتم، وهذا يدل على عدم استنكارهم لهيئاتهم وأحوالهم وأبشارهم وأشعارهم وصحة أبدانهم.\nوقوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ - إجابة منهم عما هو طبيعي في حياة الناس عند الرقود. قال المهايمي: (فمن نظر إلى أنهم دخلوا غدوة وانتبهوا عشية، ظن أنهم لبثوا يومًا، ومن نظر إلى أنه قد بقيمت من النهار بقية، ظن أنهم لبثوا بعض يوم).\nوقوله: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. قال القاسمي: (إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدة لبثهم. كأن هؤلاء قد علموا بالأدلة، أو بإلهام من الله، أن المدة متطاولة، وأن مقدارها مبهم، فأحالوا تعيينها على ربهم).\nوقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا","vol":"4","page":567},{"text":"فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. أي: فأرسلوا واحدًا منكم ببعض ما استصحبتم من الفضة والدراهم إلى مدينتكم التي خرجتم منها، ليتخيَّر لكم من الطعام الطيب الحلال فيأتيكم به لتطعموه وتسدوا به الجوع بعد النوم.\nوقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وليترفق في شرائه ما يشتري، وفي طريقه ودخوله المدينة. يقول: ولا يعلمن بكم أحدًا من الناس).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. سنة عظيمة بين أهل الحق والباطل، فإن الباطل يتبعه الطغاة والمتكبرون، وهم يرون في أهل الحق والصدق خصومهم، فيهمّون بهم بكل وسيلة ليثنوهم عما هم فيه من التمسك بالحق وتعظيم الله وحده لا شريك له، فإن تابعوهم على مرادهم فلا فلاح لهم في الدنيا والآخرة.\nقال ابن جريج: (﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ قال: يشتموكم بالقول، يؤذوكم).\nوقال الزجاج: (﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ معناه بالحجارة، وهو أخبث القتل) - وهذا المعنى أقوى وأرجح، لوجود العزم على قتلهم من قبل.\nقال القرطبي: (والرجم فيما سلف هي كانت على ما ذكر قبله عقوبة مخالفة دين الناس إذ هي أشفى لجملة أهل ذلك الدِّين من حيث إنهم يشتركون فيها).\nقلت: وهذه الآية الكريمة تشكل منهجًا في الحذر والتهيؤ للتصدي لمحاولات أهل الباطل، فإن أهل الحق أهل ذكاء وفطنة، أهل وعي وحنكة، يفهمون الواقع الذي يعيشون فيه، ويدركون طبيعة الأعداء وما يخططون، وليسوا بالسذج ولا البسطاء الذين يسهل الضحك عليهم، أو يكون من السهل خداعهم.\nوفي التنزيل: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قالى القرطبي: (هذا وصاة بالحذر. . . لئلا ينال العدو أمله ويدرك فرصته).\nومنه قول عمر ﵁: (لست بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني).\nفدعا الإسلام العظيم إلى الحذر والدقة ومنع الطيش والغباء، وأخرج رجالًا هم مثال البشرية في الدقة والعلم والإتقان.","vol":"4","page":568},{"text":"أخرج البيهقي بسند حسن عن كليب، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله يحب من العامل إذا عمل أن يُحْسِن] (١).\nورواه من طريق عائشة بلفظ: [إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه].\nوله شاهد عن ابن سعد في الطبقات بلفظ: [وإن العبد إذا عمل عملًا أحب الله أن يتقنه].\n٢١ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن كشفه خبر أهل الكهف ليعلم من كذب بهذا الحديث أنَّ وعد الله حق والساعة آتية لا ريب فيها، وإعلامُه تعالى عن اتخاذ أهل النفوذ عليهم مسجدًا، وتنازع القوم في عددهم دون جدوى. وتنبيه الله العباد إلى ذكره وربط الأمور بمشيئته تعالى، فإنه لا يكون أمر إلا بإرادته وقضائه ﷿.\nفعن قتادة: (﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يقول: أطلعنا عليهم ليعلم من كذب بهذا الحديث، أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها).\nوقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ - ردٌّ على من أنكر البعث\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البيهقي في \"الشعب\"، ورواه الطبراني في الكبير كما في المجمع (٤/ ٩٨)، وله شاهد عند ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ١٥٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١١١٣)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٨٧٦).","vol":"4","page":569},{"text":"وأمر القيامة من أهل ذلك الزمان. قال عكرمة: (كان منهم طائفة قد قالوا: تُبْعَثُ الأرواح ولا تُبْعث الأجساد).\nوقوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ - يعني: الذين أعثروا على الفتية في تنازعهم في أمر القيامة. قال ابن كثير: (فمن مُثْبت لها ومِنْ مُنْكر، فجعل الله ظهورَهم على أصحاب الكهف حُجَّة لهم وعليهم).\nوقوله: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾. أي: سُدّوا عليهم باب كهفهم الذي هم فيه، وذروهم على حالهم.\nقيل: لما استغرب الرجل الذي أرسلوه ليشتري لهم طعامًا تغير الأحوال، عمد إلى رجلٍ ممن يبيع الطعام فأنكر ضرْب تلك النقود، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها، حتى حملوه إلى ولي الأمر، فلما أرشدهم إلى الكهف دخل وأخفى الله أمرهم، وقيل بل سلّم عليهم الملك وفطن أمرهم وكان مسلمًا، ثم ودَّعوه وسلموا عليه وعادوا إلى مضاجعهم وتوفاهم الله ﷿، والله أعلم بحقيقة ذلك. فهنالك قال أصحاب الكلمة والنفوذ فيهم كما حكى الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. قال النسفي: (يصلي فيه المسلمون، ويتبركون بمكانهم).\nقلت: وليس في الذي صنعوه حجة على دفن الصالحين في المساجد أو اتخاذ القبور فيها أو بناء المساجد عليها. فإن ذلك لم يكن تصرف أهل العلم في ذلك الزمان بل أهل النفوذ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن شريعتنا ناسخة لما قبلها. وقد جاءت رسالة النبي - ﷺ - بالوعيد الشديد على من فعل ذلك.\nففي التنزيل: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].\nوفي صحيح السنة المطهرة في الترهيب من ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: [لما نُزِلَ برسول الله - ﷺ - طفِقَ يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها فقال: - وهو كذلك - لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرِزَ قبره، غير أنه خَشِيَ أن يُتَّخَذَ مسجدًا] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٤٤٤) في الصلاة، ومسلم (٥٣١) في المساجد ومواضع الصلاة، من حديث عائشة ﵂.","vol":"4","page":570},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي عبيدة قال: [كانَ آخِرُ ما تكلمَ به أن قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ، لا يبقَيَنَّ دينان بأرض العرب] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في المسند، عن أبي هريرة مرفوعًا: [اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد] (٢). هذا لفظ أحمد. ولفظ مالك: [اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد].\nوقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.\nإخبار من الله تعالى عن اختلاف الناس في عِدّة أهل الكهف على ثلاثة أقوال. ويبدو من إشارة الآية ضعف القولين الأولين. قال قتادة: (﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: أي قذفًا بالغيب). أو قال: (قذفًا بالظن). والمراد محاولة للقول بلا علم قد يصيب وقد يخطئ.\nوأما القول الثالث: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فقد جاء الأثر عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال: (أنا من القليل الذي استثنى الله ﷿، كانوا سبعة) - وفي روايات ذلك أسانيد صحيحة إلى ابن عباس. وإنما الأحسن من كل هذا ما أرشد الله تعالى إليه بقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إذ العبرة بمعاني القصة ومنهاجها لا بِعدّة أصحابها وأسمائهم وصفاتهم.\nوعن ابن زيد: (﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ قال: لا تمار في عدتهم). وعن مجاهد: (﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: أي حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم، ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ من يهود، قال: ولا تسأل يهود عن أمر أصحاب الكهف، إلا ما قد أخبرتك من أمرهم). وعن ابن عباس: (﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ قال: هم أهل الكتاب).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٩٥)، وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٣/ ١٧٧١) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٤٦) من حديث أبي هريرة، ومالك (٨٥) في الصلاة، وانظر المرجع السابق (٣/ ١٧٧١).","vol":"4","page":571},{"text":"إرشادٌ من الله سبحانه لرسوله - ﷺ - وأمته من باب الأولى - الأدب فيما يُعزم عليه من الفعل في المستقبل، وذلك برد المشيئة دومًا إلى علام الغيوب ﵎. قال القرطبي: (فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل كان كاذبًا، وإذا قال: لأفعلن ذلك إن شاء الله خرج عن أن يكون محقّقًا للمخبر عنه).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال سليمانُ بن داودَ ﵉: لأطوفَنَّ الليلة بمئة امرأة، تَلِدُ كُلُّ امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله. فقال له المَلَكُ: قُلْ: إنْ شاءَ الله، فلم يقل ونسِيَ، فأطافَ بِهنَّ، ولم تَلِدْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ نِصْفَ إنسان. قال النبي - ﷺ -: لو قال إنْ شاءَ الله، لمْ يحنَثْ، وكانَ أرْجَى لحاجته] (١).\nوفي لفظ مسلم: [فلم تحمِلْ منهن إلا امرأة واحدة، فجاءت بشق رجل، وَايْمُ الذي نفس محمد بيده! لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فُرْسَانًا أجمعون].\nوفي لفظ آخر: [فقال رسول الله - ﷺ -: لو كان استثنى، لولدت كُلُّ واحدةٍ منهن غلامًا فارسًا، يُقاتِل في سبيل الله].\nوفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر، يبلغ به النبي - ﷺ -، قال: [مَنْ حَلَفَ على يمينٍ، فقال: إن شاء الله فقد استثنى] (٢).\nوله شاهد عنده عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ حَلَفَ فاستثنى، فإن شاء رَجَعَ، وإن شاء ترك غيرَ حِنْثٍ].\nوقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ - أمر بالذكر بعد النسيان.\nقال الحسن: (إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله، فليقل: إن شاء الله).\nوقال عكرمة: (اذكر ربك إذا عصيت).\nقلت: فإن صح تفسير الحسن فهو خاص بالنبي - ﷺ -، وإلا فالاستثناء المفيد لا يصح إلا متصلًا في مجلس الذكر. والأولى حمل الآية على ذكر الله تعالى الذي يطرد الشيطان، وذلك أن منشأ النسيان من الشيطان، كما في التنزيل: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٤٢) - واللفظ له - كتاب النكاح. ورواه مسلم (١٦٥٤) بروايات كثيرة، ورواه النسائي (٧/ ٣١)، وأحمد (٢/ ٢٧٥)، وأبو يعلى (٦٢٤٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٢٦١) - (٣٢٦٢) - كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين. ورواه ابن ماجه (٢١٠٥)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٢٧٩٤) - (٢٧٩٥).","vol":"4","page":572},{"text":"الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. ومن ثم فالخطاب يعمّ جميع الأمة.\nوفي الحديث: [إذا نسيَ أحدُكم اسمَ الله على طعامه فليقل إذا ذكر: باسم الله أولَه وآخره] (١).\nوقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إذا سُئلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجَّه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك. وقيل غير ذلك في تفسيره، والله أعلم).\n٢٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن لبث أهل الكهف في كهفهم ثلاث مئة وتسع سنين، وأنه تعالى الأعلم بذلك والأبصر بكل موجود والأسمع لكل مسموع، ولا يخفى عليه شيء، وأنّه الحكم لا يشاركه أحد في قضائه وحكمه ﷿.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.\nقال النسفي: (الجمهور على أن هذا إخبار من الله ﷾ أنهم لبثوا في كهفهم كذا مدة). وفي الآية إشارة إلى تفاوت ما بين السنين الشمسية والسنين الهلالية، فإن الفرق بين كل مئة سنة بالقمرية إلى الشمسية هو ثلاث سنين. ومن ثمّ فقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ تفصيل ثلاث مئة سنة بالشمسية أنها ثلاث مئة سنة وتسع سنين بالهلالية، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nأي: لا يعلم مدة لبث أصحاب الكهف في كهفهم إلا الله علام الغيوب، فسلموا له علم ما غاب عنكم ولا تخوضوا به دون علم، ولا تتكلفوا علم ما لا يفيدكم.\nوقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ - مبالغة في المدح.\nقال قتادة: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع، تبارك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في مسنده. انظر الإرواء (١٩٦٥)، وصحيح الجامع (٨١٨).","vol":"4","page":573},{"text":"وتعالى). وقال ابن زيدة (يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا). قال القاسمي: (أي ما أبصره لكل موجود! وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه شيء ولا يحجب بصره وسمعه شيء).\nوقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول جلّ ثناؤه: مَا لِخَلْقِهِ دون ربهم الذي خلقهم ولي، يلي أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مُصَرَّفون، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ يقول: ولا يجعل الله في قضائه، وحكمه في خلقه أحدًا سواه شريكًا، بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم، وتدبيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحبّ).\n٢٧ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى رسوله - ﷺ - بتلاوة كتابه وإحكام الصلة به، فإنه لا مُغَيِّر لما أوعد بكلماته، ولا ملجأ منه إلا إليه. وكذلك أَمْرُه بالصبر في الحياة مع المؤمنين المستضعفين الذين يرجون رحمته تعالى ويخشون عذابه، وعدم الافتتان بأهل الزينة والمتاع ممن اتبع هواه وكان أمره باطلًا.\nفقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ - أَمْرٌ من الله تعالى رسولَه - ﷺ - بتلاوة كتابه الكريم وزيادة الصلة به لإبلاغه إلى الناس.\nوقوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك أهل معاصيه، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك).\nوقال ابن كثير: (﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾، أي: غير مُغَيِّر لها ولا محرف ولا مؤوّل).\nوقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. قال مجاهد: (ملجأ). وقال قتادة: (موئلًا). وقال ابن زيد: (لا يجدون ملتحدًا يلتحدونه، ولا يجدون من دونه ملجأ ولا أحدًا يمنعهم). وأصل الملتحد من اللحد، يقال: لحدت إلى كذا، إذا ملت إليه. ومنه اللحد يكون في القبر.","vol":"4","page":574},{"text":"وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾\nأي: اصبر نفسك يا محمد على مجالسة أصحابك الذين يتضرعون إلى الله تعالى بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير صباح مساء يبتغون نصره ورضاه، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أوضعفاء.\nوقد كان بعض أشراف قريش يتكبرون عن مجالسة النبي - ﷺ - والسماع منه طالما جلس معه ضعفاء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود، فحدّث نفسه بشيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].\nففي صحيح مسلم عن سعد ﵁ قال: [فيَّ نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تدْني هؤلاء] (١).\nوفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن أبي الكَنود، عن خباب. في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. . إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]. قال: [جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حِصْنٍ الفزاري، فوجدوا رسول الله - ﷺ - مع صُهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين. فلما رأوهم حول النبي - ﷺ - حقروهم. فأتوه فَخَلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعلَ لنا منك مجلسًا، تَعْرِفُ لنا به العرب فضلنا. فإن وفود العرب تأتيك فنسْتحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد. فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك. فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت. قال: \"نعم\"، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا. قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليًا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبرائيل ﵇ فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٨٧٨) - حديث رقم - (٢٤١٣).","vol":"4","page":575},{"text":"قال: فدنونا منه حتى وضعنا رُكَبَنا على ركبته. وكان رسول الله - ﷺ - يجلس معنا. فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا. فأنزل الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ (ولا تجالس الأشراف) ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (يعني عيينة والأقرع) ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. (قال: هلاكًا)، قال: أمْرُ عيينة والأقرع. ثم ضرَب لهم مثلَ الرجلين ومثلَ الحياة الدنيا.\nقال خباب: فكنا نقعد مع النبي - ﷺ -. فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم] (١).\nوفي سنن ابن ماجه أيضًا بإسناد صحيح عن سعد قال: [كنا مع النبي - ﷺ - ستة نفر، فقال المشركون للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع فحدّث نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال ابن عباس: (لا تجاوزهم إلى غيرهم). أي: لا تتعدهم إلى غيرهم تبغي بمجالستهم الشرف والفخر. وعَن ابن زيد: (﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: تريد أشراف الدنيا).\nوقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾.\nأي: ولا تطع يا محمد من غلب الشقاء على قلبه ممن يسألونك طرد المؤمنين ليقبلوا مجالستك، وممن يؤثرون اتباع هوى نفوسهم على طاعة ربهم وعبادته.\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.\nقال مجاهد: (ضياعًا). وقال عباد بن راشد عن داود: (ندامة). وقال أبو الكنود، عن خباب: (﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾: هلاكًا). وقال ابن زيد: (مخالفًا للحق، ذلك الفُرُط). واختار ابن جرير أن يكون المعنى: (ضياعًا وهلاكًا). وقال ابن كثير: (﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي: أعماله وأفعاله سفَهٌ وتفريطٌ وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا مُحِبًّا لطريقته، ولا تَغْبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٣٢٩) - كتاب الزهد - باب مجالسة الفقراء.\n(٢) حديث صحيح. انظر سنن ابن ماجه (٢/ ١٣٨٣)، ورواه أحمد والحاكم من حديث سعد ﵁. انظر كتابي: السيرة النبوية (١/ ٢٤٣) لتفصيل البحث والروايات.","vol":"4","page":576},{"text":"بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]).\n٢٩ - ٣١. قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾.\nفي هذه الآيات: توجيهُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - إلى الأسلوب الأمثل في مواجهة قومه بوضعهم أمام اختيار أحد السبيلين: سبيل الهدى والإيمان، وسبيل الكفر والطغيان. فالسبيل الأول مآل أهله إلى الجنان، حيث الأنهار وأساور الذهب وأنعم الثياب وأسعد الأيام. والسبيل الثاني مآل أهله إلى صلي النيران، حيث الأغلال والحريق وماء المهل وأتعس الأزمان.\nفقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ - إرشادٌ من الله تعالى لنبيّه كيف يواجه هؤلاء المتكبرين من قومه. قال ابن جرير: (- يقول -: الحق أيها الناس من عند ربكم، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال يهدي من يشاء منكم للرشاد، فيؤمن، ويضل من يشاء عن الهدى فيكفر، ليس إليّ من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من كان للحق متبعًا).\nوقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. أي: فإن شئتم فاختاروا الإيمان وطريق الجنان، وإن أبيتهم إلا الكفر فقد اخترتم طريق الهلاك والخسران. ولا شك أن مشيئتكم مقهورة بمشيئة الله العزيز الحكيم.\nقال ابن عباس: (من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر. قال: وإنما هو تهديد ووعيد).\nوقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. أي: سورها وجدارها.\nقال ابن عباس: (هي حائط من نار). وقال ابن زيد: (يقول: أحاط سرادق النار","vol":"4","page":577},{"text":"التي أعدّها الله للكافرين بربهم، وذلك فيما قيل: حائط من نار يطيف بهم كسرادق الفسطاط).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾.\nالمهل: سائل أسود مُنْتِنٌ غليظٌ حارٌّ، يشوي وجه الكافر إذا قرّبه من وجهه ليشرب منه. قال ابن عباس: (المهل: ماء غليظ مثل دُرْدِيِّ الزيت). وقال مجاهد: (هو كالدم والقيح). وقال عكرمة: (هو الشيء الذي انتهى حَرُّه). وقال الضحاك: (ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود، وأهلها سود). وكلها أقوال متكاملة.\nوالمعنى: هذا غياث الظالمين في نار جهنم من شدة العطش، فإنه إذا طلبوا الماء يغاثون بماء المُهْل الذي يشوي الوجوه ويسقط ما عليها من لحم وجلد من شدة حرّه.\nوقوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.\nأي: بئس الشراب هذا الماء الملتهب الذي يغاث به أهل جهنم، وساءت النار لهم متكأ ومنزلًا ومقيلًا. قال مجاهد: (﴿مُرْتَفَقًا﴾: أي مجتمعًا). والارتفاق لغة من المرفق أو الرفق. قال الرازي: (مُرتَفِقًا: أي مُتَّكِئًا على مِرْفق يده). والعرب تقول: ارتفق فلان أىِ: اتكأ. أو بات على مرفقه لا يأتيه نوم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.\nبيان لحال السعداء بعد ذكر حال الأشقياء، فالمؤمنون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وعملوا على منهاج النبوة أولئك يحفظ الله لهم أجور أعمالهم ليوافيهم بها.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. أي: جنات إقامة. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾. أي: من تحت غرفهم ومنازلهم في صور بديعة وسعادة كبيرة.\nوقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.\nأي: يلبسون فيها من الحلي أساور من ذهب، ومن الثياب الديباج والحرير الأخضر اللون.\nقال ابن كثير: (فالسندس: ثياب رِفاعٌ رِقاقٌ كالقمصان وما جَرَى مجراها، وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق).\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.\nقال قتادة: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: هي الحجال. قال معمر، وقال غيره: السُّرُرُ في","vol":"4","page":578},{"text":"الحجال). قال النسفي: (خَصَّ الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم). وقال القاسمي: (﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ أي: الجنات المذكورة ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي متكأً. وقيل المرتفق المنزل والمستقر، لآية: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]، وآية: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]).\n٣٢ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: خطاب الله تعالى لنبيه - ﷺ -: واضرب - يا محمد - لهؤلاء المشركين المستكبرين من قومك، الذي يترفعون عن مجالسة ضعفاء المسلمين ومساكينهم ويفتخرون عليهم بالأموال والأحساب، مثلًا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين محفوفتين بالنخل، ممتلئتين بالزرع، تجري خلالهما الأنهار، فافتخر صاحبهما على صاحبه بالمال والثمر والنفر، ودخل جنته في هيئة الكبر، مستبعدًا هلاك الأرض وقيام الساعة، ظانًا - إن حصلت القيامة - حسن المنقلب، وأسعد المستقر.\nفقولُه تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.\nقال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين، وهو متصل بقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾). قال ابن كثير: (فضرب لهم مثلًا برجلين، جعل الله ﴿لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾، أي: بستانين من أعناب، محفوفَتين بالنخل المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزُروع، وكُلٌّ من الأشجار والزروع مثمر مُقبِلٌ في غاية الجودة).\nوقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾.\nأي: كلتا الجنتين أخرجت ثمارها بوفاء دون نقصان، والأنهار تتخَرَّق في","vol":"4","page":579},{"text":"أرجائهما. قال قتادة: (﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: أي لم تنقص منه شيئًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.\nقرأ أهل الحجاز والعراق: ﴿ثُمُرٌ﴾. وقرأها غيرهم: ﴿ثُمْرٌ﴾، وقرأها آخرون: ﴿ثَمَرٌ﴾. فعلى القراءة الأولى قيل المراد المال. قال مجاهد: (﴿وكان له ثُمُرٌ﴾ قال: ذهب وفضة). وقال ابن عباس: (يعني أنواع المال). وقيل بل يدخل في المراد الثمار. قال قتادة: (الثمر من المال كله يعني الثمر، وغيره من المال كله).\nوعلى القراءة الثانية: ﴿ثُمْرٌ﴾ جمع ثَمرَة. والمقصود الثمار.\nوالقراءة الثالثة: ﴿ثَمَرٌ﴾ بفتح الثاء والميم. وهي قراءة مشهورة. قرأها عاصم وشيبة ويعقوب وأبو جعفر وابن أبي إسحاق. والمقصود بالثمر جمع ثمرة.\nقلت: والقراءة الثالثة: ﴿ثَمَرٌ﴾ أحبُّ إلي، وينصرف المعنى إلى الثمار وهو أنسب للسياق، لقوله تعالى بعدها: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾.\nوعن قتادة: (﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: وتلك والله أمنية الفاجر: كثرة المال، وعزّة النفر).\nوقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾.\nقال النسفي: (﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وإحدى جنتيه، أو سماها جنة لاتحاد الحائط، وجنتين للنهر الجاري بينهما ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ضار لها بالكفر ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ أي أن تهلك هذه الجنة، شك في بيدودة جنته لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين تنطق ألسنة أحوالهم بذلك).\nوالخلاصة: هذه صورة غفلة المتكبر المتجبر إذا رأى المال والزروع والثمار والأنهار يتملك منها، فيحمله اغتراره على المبالغة في الكبر والعجب والكفر بالله ونعمه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾.\nهو تتمة طغيان المتكبر الغافل، يحمله غرروه وما هو عليه من العجب على الكفر بالمعاد والحساب، وإن آمن به على سبيل الشك فيفترض لنفسه خير المنقلب عند ربه، قياسًا على ما هو فيه من الفتنة في الدنيا.\nقال قتادة: (﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ كفور لنعم ربه، مكذّب بلقائه، متمنّ على","vol":"4","page":580},{"text":"الله). وقال ابن زيد: (﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ شكّ، ثم قال: ﴿وَلَئِنْ﴾ كان ذلك ثم ﴿رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ ما أعطاني هذه إلا ولي عنده خير من ذلك).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧].\nأي: في الدار الآخرة، فهو يتألى على ربه ﷿.\nوفي المسند بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج] (١).\n٣٧ - ٤١. قوله تعالى. ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذيرُ الصاحب المؤمن صاحبه المستكبر من مغبة الجحود والكفر، مذكرًا له مراحل خلقه حتى صار رجلًا يتكلم بالقوة والكبر، ناصحًا له التواضع لله ونسب القوة له تعالى والقهر، فلربما انتقم الجبار وأحال الجنة إلى أرض قفر، وأغار الماء في الأرض فلا سبيل لبلوغه ولا حيلة في ذلك ولا أمر.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ - هو قول صاحب ذلك الرجل صاحب الجنتين، الأقل منه مالًا وولدًا، يخاطبه ويكلمه كيف تكفر بالله خالق أبيك آدم من تراب، ثم أنشأك من نطفة أبيك في رحم\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٤٥)، وابن جرير في \"التفسير\" (٧/ ١١٥)، وسنده قوي. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤١٤).","vol":"4","page":581},{"text":"أمك، ثم عدّلك بشرًا سويًا، رجلًا قويًا. قال ابن جرير: (يقول: أكفرت بمن فعل بك هذا أن يعيدك خلقًا جديدًا بعد ما تصير رفاتًا).\nوقوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.\nهو قول ذلك الصاحب المؤمن يعترف لربه تعالى بالربوبية ولا يشرك به في الألوهية، بل يعبده وحده لا شريك له. قال ابن كثير: (أي: أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالربوبية والوحدانية، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له).\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.\nردٌّ من المؤمن على الكافر وتوبيخ ووصية له، ويُحْمَلُ المعنى في قوله: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ على تأويلين:\nالتأويل الأول: ﴿مَا﴾ في موضع رفع، والتقدير: هذه الجنة هي ما شاء الله. قال الزجاج والفراء: (الأمر ما شاء الله، أو هو ما شاء الله، أي الأمر مشيئة الله تعالى). وقال النسفي: (ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر ما شاء الله. . .).\nالتأويل الثاني: قيل بل الجواب محذوف، والتقدير: ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون.\nقال ابن جرير: (يقول عز ذكره: وهلا إذ دخلت بستانك، فأعجبك ما رأيت منه، قلت ما شاء الله كان). وذكر النسفي أيضًا هذا التأويل فقال عن ﴿مَا﴾ في قوله تعالى ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: (أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف، يعني: أي شيء شاء الله كان. والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها، الأمر ما شاء الله اعترافًا بأنها وكل ما فيها إنما حصل بمشيئة الله، وأن أمرها بيده، إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربها).\nوتأول الحافظ ابن كثير المعنى أنه حَضٌّ على هذا النوع من الذكر عند رؤية النعم من المال والولد فقال: (هذا تحضيض وحثٌّ على ذلك، أي: هلا إذ أعجبتك جَنّتُك حين دَخَلْتَها وَنَظرْتَ إليها حَمدْت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يُعْطِ غيرك، وقلت: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه","vol":"4","page":582},{"text":"شيء من حاله أو ولده أو ماله، فليقل: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وهذا مأخوذٌ من هذه الآية الكريمة).\nقلت: والسياق في الآيات لا يدل على هذا التأويل، فإن الآية في موضع الردّ من المؤمن على تنطع الكافر وغروره وعجبه، حيث دخل جنته وهو ظالم لنفسه بكبره وكفره وقوله ما أظن أن تبيد هذه أبدًا وما أظن الساعة قائمة، فأجابه المؤمن بأن الأصل في ذلك الإخبات لله الخالق الأحد الصمد، ونَسْبُ كل وجود إلى مشيئته وإرادته سبحانه، فكان الأَوْلى إذ دخلت جنتك أقررت بأن وجودها وبقاءها ما كان إلا بمشيئة الله، وأن ما اجتمع لك من المال والثمر والبناء والإعمار فهو بتوفيق الله وقوته وتأييده. وأما خشية العين عند النظر إلى بديع المال والجمال فقد أرشدنا رسول الله - ﷺ - إلى التبريك، وهو الدعاء بالبركة. وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه: [أن رسول الله - ﷺ - خرج وساروا معه نحو مكة، حتى إذا كانوا بشعب الخرّار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلًا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة (١)، فلبط سهل، فَأُتيَ رسول الله - ﷺ - فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل! والله ما يرفع رأسه ولا يفيق، قال: هل تتهمون فيه من أحد؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله - ﷺ - عامرًا فتغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ - ثم قال - اغتسل له. فغَسَل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه فصبّه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه، ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس] (٢).\nوفي لفظ في الموطأ: [علامَ يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برّكت إن العين حق. توضأ له، فتوضأ عامر، فراح سهل مع رسول الله - ﷺ - ليس به بأس].\n_________\n(١) المخبأة: العروس العذراء التي لا تظهر على الناس، وفي لفظ عند مالك في الموطأ: \"ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء\".\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند، ومالك في الموطأ، انظر تخريج المشكاة (٤٥٦٢)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٩٠٨)، وتفصيل هذا البحث في كتابي: منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن (٣٣٥).","vol":"4","page":583},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن عامر بن ربيعة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق] (١). وفي رواية أنه قال لعامر بن ربيعة: [ألا برّكتَ؟].\nوفي لفظ لأحمد: [إذا رأى أحدكم ما يعجبه في نفسه أو ماله فليُبَرِّك عليه، فإن العين حق]. وفي لفظ آخر: [إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله ما يعجبه فليبرك فإن العين حق].\nوأما قوله: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. أي: ما اجتمع هذا المال والخير إلا بقوة الله وقدرته.\nقال القرطبي: (أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع). وقال النسفي: (﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ إقرارًا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها هو بمعونته وتأييده).\nوفي كنوز السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁: [قال له رسول الله - ﷺ -: يا عبد الله بن قيس، ألا أعَلِّمُكَ كلِمةً هي من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال له: [ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟ تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقول الله: أسلم عبدي واستسلم] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن قيس بن عبادة: [أن أباه دفعه إلى النبي - ﷺ - يخدمه، قال: فمرّ بي النبي - ﷺ - وقد صليت، فضربني برجله وقال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني والحاكم بإسناد صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (٥٧٠)، وتخريج الكلم الطيب (٢٤٣)، والمرجع السابق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦١٠)، ومسلم (٢٧٠٤)، وأبو داود (١٥٢٦)، والترمذي (٣٤٦١)، وابن ماجه (٣٨٢٤)، وأحمد (٤/ ٤١٨)، وابن حبان (٨٠٤).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٦٩) (٢/ ٥٣٥) من حديث أبي هريرة، ورواه الحاكم، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٩٩).","vol":"4","page":584},{"text":"ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله] (١).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من قال - يعني إذا خرج من بيته - باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، يُقال: كُفيت وَوُقِيتَ وتنحى عنه الشيطان] (٢).\nوقوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾.\nهو قول المؤمن للكافر: إن ترن أيها الرجل أقل منك مالًا وولدًا. فعسى ربي أن يرزقني خيرًا من بستانك هذا، وما ذلك على الله بعزيز. قال النسفي: (في الدنيا أو في العقبى).\nوقوله: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال قتادة: (عذابًا). وعن ابن عباس، قال: (الحسبان: العذاب). قال ابن كثير: (والظاهر أنه مَطَرٌ عظيم مزعج، يقلعُ زَرْعَها وأشجارها).\nوقوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. قال ابن عباس: (مثل الجُرُز). وقال ابن زيد: (صعيدًا زلقا وصعيدًا جُرُزًا واحد ليس فيها شيء من النبات). وقال قتادة: (أي قد حُصِدَ ما فيها فلم يُترك فيها شيء).\nوالمقصود: يحولها الحسبان من السماء إلى أرض ملساء بلاقع، فتعود خرابًا ﴿زَلَقًا﴾ أي لا يثبت في أرضها قدم لامْلِسَاسِها ودروس ما كان نابتًا فيها.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾. الغَوْر مصدر بمعنى غائر. أي: أو يصبح ماؤها غائرًا في طبقات الأرض لا وسيلة لإخراجه والاستفادة منه. قال قتادة: (﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾: أي ذاهبًا قد غار في الأرض. وقوله: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ يقول: فلن تطيق أن تدرك الماء الذي كان في جنتك بعد غوْره، بطلبك إياه).\nوالغائر ضدّ النابع، فالنابع يندفع إلى وجه الأرض ويراه الناس، وأما الغائر فيطلب اسفل الأرض ويغيب. وفي التنزيل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، أي: جار وسائح.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٤/ ٢٨٤)، والحاكم (٤/ ٢٩٠)، وأحمد (٣/ ٤٢٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٧٤٦).\n(٢) حسن لشواهده. أخرجه الترمذي (٣٤٢٦)، وأبو داود (٥٠٩٥)، والنسائي في الكبرى (٩٩١٧)، وأخرجه ابن حبان (٨٢٢) من حديث أنس، وله شواهد كثيرة.","vol":"4","page":585},{"text":"٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إهلاكُ الله أرض المستكبر وإرسال الجوائح على المال والثمر، فإذا بالرجل يقلب كفيه ويندم على الشرك والكفر، ولكن بعد ضياع الفرصة والوقوع في العجز حيث لا نصير من أهل ولا نفر.\nفقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أي: أحاط الهلاك والجوائح بأمواله وثماره، ووقع ما كان يحذر، وصدق حدس المؤمن فيه، من حلول الدمار ونزول المصيبة به، وبما ألهاه عن طاعة الله ﷿.\nوقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾. أي: يضرب إحدى يديه على الأخرى ندمًا وحسرة.\nقال قتادة: (أي يصفق كفيه متأسفًا مُتَلهِّفًا على الأموال التي أذهبها عليها).\nوقوله: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وهي خالية على نباتها وبيوتها).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. قال قتادة: (يقول: يتمنى هذا الكافر بعدما أصيب بجنته أنه لم يكن كان أشرك بربه أحدًا، يعني بذلك: هذا الكافر إذا هلك وزالت عنه دنياه وانفرد بعمله، ودّ أنه لم يكن كفر بالله ولا أشرك به شيئًا).\nوقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nقال مجاهد: (عشيرته). وقال قتادة: (أي جند ينصرونه. يقول: يمنعونه من عقاب الله وعذاب الله إذا عاقبه وعذّبه).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ أي: ممتنعًا. أي لم يكن ممتنعًا من نزول العذاب به. وقيل: لم يكن مسترِدًّا بدل ما ذهب منه.\nوقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ - فيه أكثر من تأويل حسب القراءة.","vol":"4","page":586},{"text":"قرأ قراء الكوفة: ﴿الوِلاية﴾ - أي: هنالك الحكمُ لله الحق. فالوِلاية بكسر الواو: من الملك والسلطان. واختار ابن جرير هذه القراءة.\nوقرأ قراء من المدينة والبصرة وبعض الكوفيين ﴿الوَلاية﴾ بفتح الواو، أي: هنالك المُوالاة لله. قال ابن كثير: (أي: هنالك كلُّ أحد من مؤمن أو كافر، يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب).\nوأما لفظ ﴿الْحَقِّ﴾ فمن رفعه كان صفة للولاية، ومن كسر القاف كان نعتًا لله عز جل، ومثال الرفع قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]. ومثال الكسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢].\nوقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول عزّ ذكره: خير للمنيبين في العاجل والآجل ثوابًا ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾، يقول: وخيرهم عاقبة في الآجل إذا صار إليه المطيع له، العامل بما أمره الله، والمنتهي عما نهاه الله عنه، والعقب هو العاقبة).\nوهناك قراءتان لقوله تعالى: ﴿عقبًا﴾ بضم العين والقاف، أو ضم العين وتسكين القاف، وهما مشهورتان في قراء الأمصار ولهما المعنى نفسه.\n٤٥ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تمثيل الله تعالى هذه الحياة بماء نزل من السماء فاختلط بالحب في الأرض فخرج النبات والزرع ثم يبس وكسرته الرياح والله على كل شيء قدير. وتقريره تعالى أن المال والبنين زينة هذه الحياة الدنيا وأن الباقيات من الأعمال الصالحات هي الخير المستمر نفعه، المضمون ثوابه.","vol":"4","page":587},{"text":"فقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ الآية.\nأي: صف يا محمد لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مثلَ الحياة الدنيا ليفهموها على صورتها الحقيقية: إنها كالماء النازل من السماء اختلط به نبات الأرض من الحبِّ الذي هو مدفون في التراب حتى استوى النبات فالتف وتكاثف، وخالط بعضه بعضًا.\nقال القاسمي: (فشبَّ وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: بعد ذلك الزَّهو ﴿هَشِيمًا﴾ أي: جافًا يابسًا مكسورًا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أي: تفرقه وتنسفه ذات اليمين وذات الشمال كأن لم يكن، وهكذا حال الدنيا وحال مجرميها، فإن ما نالهم من شرف الحياة كالذي حصل للنبات من شرف النموّ، ثم يزولون زوال النبات).\nقلت: والتشبيه لتقلب أحوال الدنيا على الناس بالماء وحركته تشبيه بليغ، فإن الماء لا يستقيم على حالة واحدة وكذلك الدنيا، فالماء لا يبقى ويذهب وكذلك تفنى هذه الدنيا، والماء إذا جاوز مقداره حدًا معينًا أصبح مهلكًا، وكذلك الدنيا إذا أسرف الإنسان في تحصيلها وجمع حطامها انقلبت عليه.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١].","vol":"4","page":588},{"text":"ومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: [قد أفلح مَنْ أسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ الله بما آتاه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإن الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها، فينظُرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن سهل بن سعد، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - بذي الحُلَيْفَةِ. فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها. فقال: [أَتُرَوْنَ هذِهِ هَيِّنَةً على صاحِبِها؟ فوالذي نفسي بيده! للدنيا أهْوَنُ على الله، من هذهِ على صاحِبِها. ولو كانت الدنيا تَزِنُ عِنْدَ الله جناحَ بعوضَةٍ، ما سقى كافِرًا مِنْها قَطْرَةً أبدًا] (٣).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾. قال القرطبي: (من الإنشاء والإفناء والإحياء، سبحانه!).\nوقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.\nردٌّ على عُيينة بن حِصْن والأقرع بن حابس وأمثالهما لما افتخرا على سلمان وصهيب وخباب وتكبرا على مجالستهم. ومن ثمَّ فهي عامة في شأن كل المستكبرين في الأرض المفتخرين بما فتنهم الله به من المال والولد. قال النسفي: (﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لا زاد القبر وعدة العقبى).\nقلت: وفي المال جمال ونفع، وفي البنين قوةٌ ودفع، فإن استفاد العبد من ذلك في طاعة الله كان ذلك زينة له في الدنيا وثوابًا في الآخرة. ولكن أغلب الناس يُفتنون بالمال والولد في دنياهم ولا يقيمون بهما ما يصلحون أخراهم. ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٥٤) - كتاب الزكاة. باب في الكفاف والقناعة. وأخرجه أحمد (٢/ ١٧٣)، والترمذي (٢٣٤٨)، وابن ماجه (٤١٣٨)، وابن حبان (٦٧٠)، والبيهقي (٤/ ٢٩٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٤٢) - كتاب الذكر والدعاء، أو كتاب الرقاق. باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٤١١٠) - كتاب الزهد. باب مثل الدنيا. وانظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٣٣١٨).","vol":"4","page":589},{"text":"وفي هذه الآية أكثر من تأويل:\n١ - قال ابن عباس: (الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس).\n٢ - وقال سعيد بن جبير وعطاء عن ابن عباس: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).\nوكذلك رواه ابن جرير عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.\n٣ - وقيل: الباقيات الصالحات النيات والهمات، لأن بها تقبل الأعمال وترفع. قاله الحسن.\n٤ - وقيل: الباقيات الصالحات: الأعمال الصالحة، والكلم الطيب، والولد الصالح.\nقلت: وأكثر ما ذكر يدخل في مفهوم الباقيات الصالحات. وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥].\nوفي صحيح السنة المطهرة ما يدل أنّ \"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\" هي عنوان الباقيات الصالحات:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند جيد من حديث الحارث مولى عثمان ﵁ قال: [جلس عثمانُ يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء، أظنّهُ أنه سيكون فيه مُدُّ، فتوضأ ثم قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - يتوضأ وُضوئي هذا، ثم قال: مَنْ توضأ وُضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر، غفرَ له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلّى العصر غُفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلّى المغرب غُفِرَ له ما بينها وبين العصر، ثم صلّى العشاء غُفِرَ له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيتُ يتمرَّغُ ليلته، ثم إن قام فتوضا وصلى صلاة الصبح غُفِرَ له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات. قالوا: هذه الحسناتُ، فما الباقيات الصالحات","vol":"4","page":590},{"text":"يا عثمان؟ قال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج النسائي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [خذوا جُنَّتَكُمْ مِنَ النار، قولوا: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يومَ القيامة مُقَدِّماتٍ، ومُعَقِّباتٍ، ومُجَنِّباتٍ، وهنَّ الباقيات الصالحات] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن سمرة بن جندب، عن النبي - ﷺ - قال: [أَرْبَعٌ، أفضلُ الكلامِ. لا يَضُرُّكَ بأيِّهِنَّ بدأتَ: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر] (٣).\nوأما ما ورد في بقية الأعمال الصالحة مما يستمر أجره:\nالحديث الرابع: أخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي أمامة مرفوعًا: [أربعة تجري عليهم أجورهم بعدَ الموت: مَنْ ماتَ مرابطًا في سبيل الله، ومَنْ عَلَّمَ علمًا أُجريَ لهُ عمله ما عملَ به، ومَنْ تصدَّق بصدقة فأجرُها يجري له ما وجدتْ، ورجل ترك ولدًا صالحًا فهو يدعو له] (٤).\nوله شاهد عن ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إنَّ مما يلحقُ المؤمنَ من عمله وحسناته بعدَ موته: عِلمًا نشره، وولدًا صالحًا تركهُ، ومُصْحفًا وَرَّثَهُ، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقُه من بعد موته].\nالحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن\n_________\n(١) رجاله ثقات. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٧١) من حديث الحارث مولى عثمان، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٩٧) وقال: ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي والحاكم عن أبي هريرة. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٢٠٩)، وتخريج الترغيب (٢/ ٢٤٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٣٨١١) - في فضل التسبيح، وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٠٧٣)، وأصله في صحيح الإمام مسلم.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعًا. انظر تخريج الترغيب (١/ ٧١)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٨٩٠). وانظر للشاهد كذلك صحيح الجامع (٢٢٢٧)، والإرواء (١٠٧٩)، وأحكام الجنائز (١٧٦) - الألباني.","vol":"4","page":591},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: [إذا ماتَ الإنسانُ انقطع عنه عَمَلُهُ إلا مِنْ ثلاثةٍ: إلا مِنْ صَدَقَةٍ جارِيةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به، أو وَلَدٍ صالحٍ يدعو له] (١).\nقال القرطبي: (﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي أفضل ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ أي أفضل أملًا من ذي المال والبنين دون عمل صالح، وليس في زينة الدنيا خير).\n٤٧ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ الله الأحوال قرب القيامة: من تسيير الجبال، وبروز الأرض، ثم موقف الحشر، ثم العرض في صفوف، ثم توزيع الصحف، وما يعقب ذلك من الخزي على المجرمين، والتحسر والتندم على الخوض في سبيل الكافرين، ولا يظلم الله أحدًا من العالمين.\nفقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكر: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ عن الأرض، فَنَبُسُّها بَسًّا، ونجعلها هباء منبثًا ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ظاهرة، وظهورها لرأي أعين الناظرين من غير شيء يسترها من جبل ولا شجر هو بروزها). وعن مجاهد: (﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ قال: لا خمَرَ فيها ولا غيابة ولا بناء، ولا حجر فيها). وقال قتادة: (ليس عليها بناء ولا شجر).\nوتسيير الجبال عن أماكنها هو من الأمور العظام وعظيم أهوال يوم القيامة.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩، ١٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٦٣١) - كتاب الوصية. باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.","vol":"4","page":592},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. قال ابن كثير: (يقول تعالى: إنه تذهب الجبالُ، وتتساوى المهادُ، وتبقى الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾، أي: سطحًا مستويًا لا عِوجَ فيه، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾، أي: لا وادي ولا جبل. ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، أي: باديةً ظاهرة، ليس فيها مَعْلم لأحد ولا مكان يوارِي أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم، لا تخفى عليه منهم خافية).\nوقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. أي: جمعناهم لموقف الحساب فلم نترك أحدًا منهم تحت الأرض صغيرًا ولا كبيرًا، ذكرًا ولا أنثى.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٤، ٩٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠].\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [يحشر الناس يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلًا. قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: يا عائشة: الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض] (١).\nوقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾. قال النسفي: (مصطفين ظاهرين ترى جماعتهم كما ترى كل واحد لا يحجب أحد أحدًا، شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان).\nوقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ - تقريع بالمشركين المنكرين لهذا المشهد على رؤوس الأشهاد، وتوبيخ لكل من كفر بالمعاد.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٥٠)، وقوله: \"غُرْلًا\" - أي: دون ختان كما خلقهم الله، ورواه البخاري.","vol":"4","page":593},{"text":"وقوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾.\nظاهر الخطاب لعموم الناس، وإنما المراد به الخصوص، وهم المنكرون للبعث وقيام الساعة.\nوفي سنن الترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يؤتى بالعبد يومَ القيامة فيقول له: ألمْ أجعلْ لك سمعًا وبَصَرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرتُ لك الأنعام والحرثَ، وتركتك ترأسُ وتَرْبعُ، فكنتَ تظُنُّ أنك مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساكَ كما نسيتني] (١).\nقال أبو عيسى: ومعنى قوله: \"اليوم أنساك كما نسيتني\": اليوم أتركك في العذاب.\nوقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.\nأي: يضع الله تعالى كتاب أعمال عباده في أيديهم، فمن آخذٍ كتابه بيمينه، ومن آخذِهِ بشماله، وحينئذ ترى المجرمين المشركين خائفين مما تضمنته كتبهم من جرائم أعمالهم التي عملوها في الدنيا.\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.\nقال السدي: (الصغيرة ما دون الشرك، والكبيرة الشرك). وقال سعيد بن جبير: (إنَّ الصغائر اللَّمَمُ كالمسيس والقُبَل، والكبيرة المواقعة والزِّنى).\nوالمعنى: يتحسر المجرمون يوم الحساب عند استلام كتب أعمالهم، وقد اشتملت على الجليل والحقير، والفتيل والقِطمير، والصغير والكبير، أحصاها الله عليهم فضبطها وحفظها وضمّنها كتبهم.\nوقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾.\nقال القرطبي: (أي وجدوا إحصاء ما عملوا حاضرًا. وقيل: وجدوا جزاء ما عملوا حاضرًا).\nوفي التنزيل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٥٨) - أبواب صفة القيامة. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٧٨)، ورواه مسلم بنحوه في أثناء حديث طويل.","vol":"4","page":594},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: ولا يجازي ربك أحدًا يا محمد بغير ما هو أهله، لا يجازي بالإحسان إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئة إلا أهل السيئة، وذلك هو العدل).\nوعن الضحاك: (أي لا يأخذ أحدًا بجرم أحد، ولا يأخذه بما لم يعمله). وقيل: (لا ينقص طائعًا من ثوابه، ولا يزيد عاصيًا في عقابه).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر له تسعةٌ وتسعون سجِلًا، كل سجل مَدُّ البصر، ثم يقول الله ﵎: هل تُنْكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، ثم يقول: ألك عذرٌ، ألك حسنةٌ؟ فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظُلمَ عليك اليوم، فَتُخرجُ له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (٤٣٠٠) - كتاب الزهد. باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٤٦٩)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٩٥١). ورواه الحاكم وغيره.","vol":"4","page":595},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، أنه سَمِعَ جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديثٌ عن رَجُلٍ سَمِعَه من رسول الله - ﷺ -، فاشتريت بعيرًا ثم شَدَدْتُ عليه رحلي، فَسِرْتُ عليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبدُ اللهِ بن أُنَيسٍ. فقلت للبواب: قل له: جابرٌ على الباب. فقال: ابنُ عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج يَطَأُ ثوبه، فاعتَنَقني واعتنقته، فقلت: حديثٌ بلغني عنك أنك سمِعتَه من رسول الله - ﷺ - في القصاص، فَخَشيتُ أن تموتَ أو أموتَ قبل أن أسمَعَه. فقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: [يَحشُر الله - ﷿ - الناسَ يومَ القيامة، أو قال: العبادَ، عُراةً غُرْلًا بُهْمًا - قلتُ: وما بُهْمًا؟ قال: ليس معهم شيء - ثم يناديهم بصوت يسمَعُه من بَعُدَ، كما يسمَعُه من قَرُبَ: أنا الملك، أنا الدَّيان، لا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخلَ النار وله عند أحدٍ من أهل الجنة حقٌّ، حتى أُقِصَّهُ منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند أحدٍ من أهل النار حقٌّ حتى أُقِصَّهُ منه حتى اللَّطمةُ. قال: قلنا: كيف، وإنما نأتي الله عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذر، عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: [قال الله تعالى: يا عبادي إني حَرَّمْتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] الحديث (٢).\n٥٠ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى الملائكة السجود لآدم، فسجدوا إلا إبليس - وهو\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٩٥)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٤٥): ورجاله وثقوا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ١٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠).","vol":"4","page":596},{"text":"من الجن - اعترته الحمية، واستكبر عن أمر ربه، فحذّر سبحانه من عداوته. وتوبيخ للمشركين في اتخاذهم الشياطين أولياء وهم خلق من خلق أمثالهم، وتقريعٌ لهم يوم الحشر حين يُدعون لمناداة الشركاء الذين أشركوا فيهم بالله لينصرونهم وينقذونهم من الخزي والهلاك الذين هم مقبلون عليه، فإذا بينهم وبين آلهتهم المزعومة مهلك وهَوْل عظيم وأمر كبير، وكلاهما في نار السعير.\nفقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. أي: سجود تكريم، والخطاب لجميع الملائكة.\nقال النسفي: (سجود تحية أو سجود انقياد). وقد كان هذا السجود فيما احتج به موسى على آدم ﵉.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [احتجّ آدم وموسى ﵉ عند ربهما. فحجّ آدمُ موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسْجَدَ لَكَ ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض. قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وبكلامه، وأعطاكَ الألواح فيها تبيان كل شيء وقرَّبكَ نَجِيًّا، فبكم وجدتَ اللهَ كتب التوراة قبلَ أن أُخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عَمِلْتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلُقَني بأربعين سنة. قال رسول الله - ﷺ -: فَحَجَّ آدم موسى] (١).\nوقوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.\nأي: فسجد الملائكة ممتثلين أمر ربهم، إلا إبليس - وهو من الجن، كان يعيش مع الملائكة فجاء اللفظ للتغليب - فقد أبى أن يسجد لآدم عداوة وحسدًا، وغرورًا وكبرًا، وتعزّز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [خُلِقَت الملائكة من نور، وخُلقَ إبليس من مارج من نار، وخُلِقَ آدم مما وُصِفَ لكم] (٢).\nوقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. أي: خرج عن طاعته. والفسق في كلام العرب:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٥٠). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤٢) - كتاب القدر. باب: في إثبات القدر، وتحاجّ آدم وموسى ﵉.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٩٦) - كتاب الزهد. وفي لفظ: \"وخلق الجان من مارج من نار\".","vol":"4","page":597},{"text":"الخروج، يقال: فسقت الرُّطبة: إذا خرجت من أكمامها. \"وفسقت الفأرة من جُحرها\" إذا خرجت منه للعَيْث والفساد.\nوقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.\nقال القاسمي: (أي فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي، وهم لكم عدوٌّ يبغون بكم الغوائل ويوردونكم المهالك؟ وهذا تقريع وتوبيخ لمن آثر اتّباعه وإطاعته. ولهذا قال تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ﴾ أي الواضعين الشيء في غير موضعه ﴿بَدَلًا﴾ بئس البدل من الله إبليس، لمن استبدله فأطاعه بدل طاعته).\nقلت: وعداوة إبليس لذرية آدم عميقة وكبيرة، حتى إنه يبعث كل يوم سراياه ليخربوا بيوت بني آدم بكفر أو قتل أو طلاق أو نشر للرذيلة والفواحش وغير ذلك.\nففي صحيح مسلم عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول ما صنعتَ شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١).\nوله شاهد عند ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلَّقَ امرأته فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقّ والديه فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلبِسُه التاج] (٢).\nوقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾.\nتوبيخ للمشركين في اتخاذهم الشياطين أولياء وهم خلق من خلق أمثالهم، وردٌّ على المتعالمين الذين يريدون أن يجزموا بنظرياتهم العلمية المتأرجحة فيقرّروا حقائق في الخلق لا يعلمها إلا الله. قال ابن كثير: (يقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عَبيدٌ أمثالكُم، لا يملكون شيئًا، ولا أشهدتهم خَلْقِي للسماوات\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨١٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣١٤) من حديث جابر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٦٥)، ورجاله ثقات رجال البخاري. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٢٨٠).","vol":"4","page":598},{"text":"والأرض، ولا كانوا إذْ ذاك موجودين، يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كُلِّها، ومُدَبِّرُها ومُقَدِّرها وَحْدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ الآية [سبأ: ٢٢]).\nوقوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. قال قتادة: (أي: أعوانًا).\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾. تقريع وتوبيخ آخر للمشركين. أي: ادعوا اليوم الذين كنتم تزعمون في دار الدنيا أنهم شركائي في العبادة لينصروكم وينقذوكم مما أنتم مقبلون عليه من الخزي والهلاك.\nوقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾. أي: فاستغاثوا فلم يغيثوهم.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال ابن عباس: (مَهْلِكًا). وقال ابن زيد: (الموبق: المهلك، الذي أهلك بعضهم بعضًا فيه). وقال مجاهد: (واديًا في النار).\nقال القاسمي: (﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الكفار وآلهتهم ﴿مَوْبِقًا﴾ أي مهلكًا يشتركون فيه، وهو النار. أو عداوة في الشدة نفس الهلاك).\nوخلاصة المعنى: أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين إلى نصرة يوم القيامة، بل بينهم وبين آلهتهم المزعومة مهلك وهوْلٌ عظيم وأمر كبير، وكلاهما في نار السعير.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِركَه] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٨٥) - كتاب الزهد - باب: تحريم الرياء. ورواه ابن ماجه وغيره.","vol":"4","page":599},{"text":"وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾. قال قتادة: (علموا).\nأي: لما رأى المجرمون النار يوم القيامة علموا أنهم داخلوها، وأيقنوا لا محالة أنهم مستقرون فيها، ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولم يجدوا عن النار التي رأوا معدلًا يعدلون عنها إليه، يقول: لم يجدوا من مواقعتها بدًّا، لأن الله قد حتم عليهم ذلك).\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن في الشواهد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُنْصَب الكافر مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا. وإن الكافر ليرى جهنم، ويظنُّ أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة] (١).\nوله شاهد عن ابن جرير في التفسير قال: حدثني يونس، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [إن الكافر ليرى جهنَّم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة] (٢).\n٥٤ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تصريفُ الله الأمثال في هذا القرآن، وتكذيب الناس الرسل بطرق\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٧٥)، وأبو يعلى (١٣٨٥)، والحاكم (٤/ ٥٩٧)، وحسّنه الهيثمي (١٠/ ٣٣٦) في \"المجمع\"، مع أنه من رواية درّاج عن أبي الهيثم، وفيها ضعف، لكن ورد من طريق آخر عن دراج عن ابن حجيرة، وهو ثقة، عن أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه ابن حبان (٧٣٥٢)، ودراج حسن الحديث في روايته عن غير أبي الهيثم. وقد حسّن إسناده الشيخ شعيب، وانظر تفسير ابن كثير (٤٤٠٥) - تحقيق المهدي.\n(٢) أخرجه الطبري في \"التفسير\" (٢٣١٥٤) بهذا الإسناد، وانظر الحديث السابق.","vol":"4","page":600},{"text":"متوارثة عبر الزمان، قوامها العناد والجدل وسؤال المعجزات والاستهزاء بالرسل الكرام.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. أي: ولقد وضحنا في هذا القرآن للناس وفصلنا أسباب النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، ومع ذلك فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، يحب التقلل من التكاليف الشرعية التي هي سرّ سعادته وسرّ منزلته عند ربه، ولا ينجو من ذلك إلا من نوّر الله قلبه وهدى بصيرته. قال ابن زيد: (الجدل: الخصومة، خصومة القوم لأنبيائهم، وردّهم عليهم ما جاؤوا به). قلت: بل وكثير من المسلمين اليوم واقعون في مرض الجدل بدل الإخبات للحق.\nوفي الصحيحين والمسند عن عَليّ بِن حُسين، أن حُسَيْنَ بنَ عليٍّ أخبره: أَنَّ عليَّ بن أبي طالب أخبره: [أن رسول الله - ﷺ - طَرَقَهُ وفاطِمةَ بنتَ النبي - ﷺ - ليلةً فقال: ألا تُصلِّيان؟ فقلت: يا رسولَ الله، أنفسنا بيدِ الله، فإذا شاء أن يَبْعَثَنا بَعَثَنا، فانصرف حين قلتُ ذلك ولم يَرْجِعْ إليَّ شيئًا، ثم سَمِعْتهُ وهو مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَه وهو يقولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. قال مجاهد: (فجأة). وقال ابن زيد: (قبلًا معاينة ذلك القبل) - وهو أرجح. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن تَمَرُّد الكفرة في قديم الزمان وحديثِه، وتكذيبهم بالحق البَيِّن الظاهر، مع ما يشاهدون من الآيات والآثار والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهِدُوا العذابَ الذي وُعِدُوا به عِيانًا، كما قال أولئك لنبيهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]، وآخرون قالوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]. وقالت قريش: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٦ - ٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. ثم قال ﷿: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٢٧)، كتاب التهجد، وكذلك (٤٧٢٤)، وأخرجه مسلم (٧٧٥)، والنسائي في \"التفسير\" (٣٢٥)، وأخرجه أحمد (١/ ٩١)، وابن حبان (٢٥٦٨).","vol":"4","page":601},{"text":"الْأَوَّلِينَ﴾، مِنْ غِشْيانهم بالعذاب، وأَخْذِهم عن آخرهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي: يَرَوْنَهُ عيانًا مواجهة ومقابلة).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾.\nقال القاسمي: (أي وما نرسلهم، قبل إنزال العذاب، إلا لتبشير من آمن بالزلفى والكرامة، وإنذار من كفر بأن تأتيه سنة من مضى ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ كاقتراح الآيات ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي ليزيلوا بالجدال، الحقّ الثابت عن مقره. وليس ذلك بحاصل لهم. قال: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا﴾ أي وإنذارهم. أو والذي أنذروا به من العقاب ﴿هُزُوًا﴾ أي استهزاء وسخرية وهو أشد التكذيب. وصف بالمصدر مبالغة).\nوأصل الإدحاض في كلام العرب إزلاق القدم وإزالتها عن موطئها. قال الرازي: (دَحَضَتْ رِجْله: زَلِقَتْ). فاستعير ذلك المفهوم من زلل القدم إلى زلل العقل والمنهج والتفكير.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعًا: [ثم يُضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة. . قيل يا رسول الله! وما الجِسْرُ؟ قال: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ] (١).\n٥٧ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: التحذير من التغافل عن آيات الله وحججه وقوارعه وما يعقب ذلك من الختم والطبع على القلوب وإقفال الآذان عن سماع الحق، وأنه تعالى برحمته لا يعاجل بالعذاب بل يحلم ويستر والموعد للحساب يوم القيامة. وإنّ من سننه تعالى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٣) - كتاب الإيمان - في أثناء حديث الشفاعة، وفي رواية: \"دَحْضٌ مَزْلقة\" أي تزلَقُ فيه القدم. انظر صحيح البخاري (٤٥٨١)، ومسند أحمد (٣/ ٥٦).","vol":"4","page":602},{"text":"إهلاك القرى الظالم أهلها في وقت مكتوب وأجل مسمّى.\nفقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. أي: لا أحد أشد ظلمًا ممن تغافل عن آيات الله وسننه وحججه ولم يلق لها بالًا. قال قتادة: (﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾: أي نسيَ ما سلف من الذنوب). وقال ابن جرير: (يقول: ونسي ما أسلف من الذنوب المهلكة فلم يتب، ولم ينب).\nوقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. أي: لقد جعلنا على قلوب هؤلاء المعاندين للحق أغطية وفي آذانهم ثقلًا عن استماع هذا الوحي وفهمه. قال القرطبي: (بسبب كفرهم، أي نحن منعنا الإيمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.\nقال النسفي: (﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ﴾ يا محمد ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ إلى الإيمان ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾ فلا يكون منهم اهتداء البتة ﴿إِذًا أَبَدًا﴾ مدة التكليف كلها).\nوقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ الآية.\nأي: وربك - يا محمد - غفور ذو رحمة واسعة، لو أخذ هؤلاء المسرفين المستكبرين المعرضين عن الحق وعاجلهم بنقمته وعقابه لما ترك لهم من أثر، ولكنه يحلُم على عباده ويسترُ ويغفر. قال ابن كثير: (وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمرّ منهم فله يومٌ يشيب فيه الوليد، وتضَعُ كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أي: ليس لهم عنه محيدٌ ولا مَحيصٌ ولا مَعْدِلٌ). وعن ابن عباس: (﴿مَوْئِلًا﴾ يقول: ملجأ). وقال مجاهد: (محرزًا). وقال قتادة: (أي لن يَجِدوا من دونه وليًا ولا ملجأ). وعن ابن زيد: (ليس من دونه ملجأ يلجؤون إليه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١].","vol":"4","page":603},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].\nومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ليس أحَدٌ - أو ليس شيْءٌ - أصْبَرَ على أذى سمِعَهُ من الله، إنهم ليَدْعونَ له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزُقُهم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الشيخان وبعض أهل السنن عن أبي بُردة، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.\nقال القاسمي: (﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ أي قرى عاد وثمود وأضرابهم ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ بالكفر والطغيان ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي وقتًا مُعَيَّنًا لا محيدَ لهم عنه).\nقلت: والخطاب وإن كان لقريش وهي تكذب أشرف رسول وأعظم نبي، إلا أنه ينسحب إلى جميع الأمم التي تحيد عن الحق وتتكبر عليه، فإن الظلم ظلمات في الدنيا والآخرة.\n٦٠ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٦٠٩٩) - كتاب الأدب - باب الصبر في الأذى. وكذلك أخرجه برقم (٧٣٧٨) - كتاب التوحيد -.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦) - كتاب التفسير - سورة هود، آية (١٠٢). ورواه مسلم.","vol":"4","page":604},{"text":"الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ قصة لقاء موسى ﵊ بالخضر، وما كان من ترتيب لذلك اللقاء بإذن الله، وإنما دفع موسى لهذا اللقاء حرصه على جمع خصال الخير والسبق إلى المعالي، وطلب العلم، والله هو العليم الحكيم.\nأخرج الحاكم بسند صحيح على شرط مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني أبي بن كعب، أن النبي - ﷺ - قال: [لما لقِيَ موسى الخَضِرَ ﵉، جاء طَيْرٌ، فألقى مِنْقارَهُ في الماء، فقال الخَضِرُ لموسى: تَدْري ما يقولُ هذا الطَّيْر؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول: ما عِلْمُكَ وعلمُ موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء] (١).\nفقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.\nقال ابن زيد: (لا أبرح: لا أنتهي). وقال قتادة: (والبحران: بحر فارس وبحر الروم. وبحر الروم مما يلي المغرب، وبحر فارس مما يلي المشرق). وقال محمد بن كعب القُرَظي: (مجمع البحرين عند طنجَةَ). أي في أقصى بلاد المغرب، والله تعالى أعلم.\nوإنما مفهوم الآية: أن موسى ﵇ قال لفتاه - يوشع بن نون -: لا أزال سائرًا حتى أبلغ هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، فقد ذُكِرَ لموسى أن فيه عبدًا عنده من العلم ما ليس عند موسى.\nوقوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. قال ابن عباس: (دهرًا). وقال قتادة: (الحقب: زمان). وقال ابن زيد: (الحقب: الزمان). وقيل: الحقب سبعون سنة أو ثمانون سنة. والمقصود: أي لا أزال أسير حتى أبلغ ذلك المكان، ولو أني أسير حقبًا من الزمان. قال القاسمي: (أي لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. أي المكان الذي فيه ملتقى البحرين. فأجد فيه الخضر. أو أسير زمانًا طويلًا إن لم أجده ثمة، فأتيقن فوات المطلب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٦٩) بإسناد على شرط مسلم. وانظر: \"الصحيحة\" (٢٤٦٧).","vol":"4","page":605},{"text":"قلت: وإنما دفع موسى ﵇ إلى تلك الرحلة الشاقة حرصه على جمع خصال الخير وسبقه إلى المعالي بين أهل زمانه.\nفقد أخرج ابن حبان في صحيحه بإسناد حسن عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: [سأل موسى ربّه عن ست خصال، كان يظن أنها له خالصة، والسابعة لم يكن موسى يحبُّها:\n١ - قال يا رب! أي عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرُ ولا يَنْسى.\n٢ - قال: فأيُّ عبادك أهدى؟ قال: الذي يتبع الهدى.\n٣ - قال: فأيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم للناس كما يحكُمُ لنفسه.\n٤ - قال: فأيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي لا يشبع من العلم، يجمع عِلْمَ الناس إلى علمه.\n٥ - قال: فأيُّ عبادك أعزّ؟ قال: الذي إذا قَدَرَ غَفَر.\n٦ - قال: فأيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يرضى بما يؤتى.\n٧ - قال: فأيُّ عبادك أفقر؟ قال: صاحب منقوص (١).\nقال رسول الله - ﷺ -: ليس الغِنى عنْ ظَهْر، إنما الغنى غنى النفس، وإذا أراد الله بعبد خيرًا، جعل غناه في نفسه، وتُقاه في قلبه، وإذا أراد الله بعبد شرًا جعل فقره بين عينيه] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.\nأي: فلما بلغ موسى وفتاه مجمع البحرين أضلا حوتهما الذي سلك في البحر مسلكًا. قال مجاهد: (يعني بالسرب: المسلك والمذهب، يَسْرب فيه: يذهب فيه ويسلكه).\nقال ابن كثير: (وذلك أنه كان قد أُمِرَ بحمل حُوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت فهو ثَمَّة. فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهنالك عين يقال لها: عين الحياة، فناما هنالك، وأصابَ الحوتَ من رَشَاش ذلك الماء، فاضطرب، وكان في\n_________\n(١) أي فقير النفس، يحب لنفسه ولا يحب لغيره.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٥٠/ ٨٦ - موارد)، والديلمي (١/ ١/ ٩٢)، وكذلك (٢/ ١٠٢/ ٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٣٥٠).","vol":"4","page":606},{"text":"مِكْتَلٍ مع يُوشَع، وطَفَرَ (١) من المِكْتلِ إلى البحر، فاستيقظ يُوشَع - ﵇ - وسقط الحوت في البحر وجعل يسير فيه، والماءُ له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي: مثل السَّرَبِ في الأرض).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.\nأي فلما تركا حدود المكان الذي نسيا فيه الحوت وغادراه، قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا عناء وتعبًا.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.\nأي: أجاب الفتى موسى بقوله: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فهنالك نسيت الحوت وما كان ذلك النسيان إلا من الشيطان، فاتخذ الحوت طريقه إلى البحر سربًا، وكان لموسى وفتاه عجبًا. قال قتادة: (فكان موسى لما اتخذ سبيله في البحر عجبًا، يعجب من سرب الحوت).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.\nأي: قال موسى لفتاه - حينئذ - هذا الذي نطلب فرجعا أدراجهما يشقان طريقهما ويَقُصّان أثر مشيهما، ويقفُوان أثرهما، ليصلا إلى مرادهما.\nوقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.\nأي: فلما انتهيا إلى الصخرة قافلين إذا رجل مُسَجّى بثوب فسلم عليه موسى، فإذا هو الخَضِرُ ﵇، قد وهبه الله رحمة من عنده، وعلّمه من عنده علمًا.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إنما سُمِّيَ الخَضِرُ لأنَّه جَلَسَ على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فإذا هيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْراءَ] (٢).\nقال القرطبي: (الفروة هنا وجه الأرض، قاله الخطابي وغيره. والخضر نبيّ عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبيّ، والآية تشهد بنبوّته، لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضًا فإن الإنسان لا يتعلم ولا يَتَّبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي).\n_________\n(١) طفر: أي وثب، والمِكتل: زنبيل يُعمل من خوص.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٠٢) - كتاب أحاديث الأنبياء، ورواه الترمذي (٣١٥١).","vol":"4","page":607},{"text":"٦٦ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تفصيلُ الحوار الذي دار بين موسى والخضر - ﵉ -، وتفصيل المشاهد والمواقف التي أتيا عليها والتي تحمل الآيات والدروس والعبر عبر الأيام.\nأخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: [إنا لَعِنْدَ ابنِ عَبّاسٍ في بَيْتِه. إذْ قال: سَلوني، قلتُ: أيْ أبا عَبَّاسٍ، جعلني الله فِداءَكَ، إنَّ بالكوفة رَجُلًا قاصًّا يقال له: نَوْفٌ، يَزْعُمُ أَنَّهُ ليس بموسى بني إسرائيل - وفي لفظ: إنَّ نَوْفًا البَكاليَّ يَزْعُمُ: أن موسى نبي الله ليس بموسى الخَضِر -، فقال ابن عباس: كذَبَ عَدُوُّ الله، حَدّثنى أُبَيّ بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -:\nموسى رسول الله - ﷺ -، قال: ذَكَّرَ الناس يومًا حتى إذا فاضَتِ العيونُ وَرَقَّتِ القُلوبُ، ولّى فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فقال: أيْ رسولَ الله، هل في الأرض أحدٌ أعلمُ منك؟ قال: لا، (وفي لفظ: فقيل له: أي الناس أعلم؟ قال: أنا)، فَعُتِبَ عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إلى الله. (وفي لفظ: فَعَتَبَ الله عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه)، وأوحى الله إليه: بلى","vol":"4","page":608},{"text":"عَبْدٌ من عبادي بِمجْمعِ البَحْرين هو أعْلمُ منك، قال: أي رَبِّ، كيف السبيل إليه؟ قال: تأخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحوتَ فاتّبِعه. (وفي لفظ: خُذْ حوتًا مَيِّتًا حيثُ يُنْفَخُ فيه الروح). قال: فخرج موسى ومعه فتاه يُوشَعُ بن نُونٍ، ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها. (وفي لفظ: فقال موسى لفتاه: لا أكلّفُكَ إلا أن تُخْبرني بِحيث يفارقك الحوت، قال: ما كَلَّفْتَ كثيرًا، فذلك قوله جلّ ذِكْرهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾).\nقال: فوضع موسى رأسه فنام. وفي أصل الصَّخرة عَينٌ يُقالُ لها: الحَياةُ، لا يُصيبُ منْ مائها شَيْءٌ إلا حَيِيَ، فأصابَ الحوتَ مِنْ ماء تلك العين، قال: فتحرّك وانسلَّ مِنَ المِكْتَلِ فدخل البحر، فلما استيقظ ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الآية، قال: ولم يجد النّصَبَ حتى جاوزَ ما أُمِرَ به، قال له فتاه يوشعُ بنُ نون: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ الآية.\nقال: فرجعا يَقُصّان في آثارِهما فوجدا في البحر كالطّاقِ - مَمَرَّ الحوت -، فكان لفتاه عجبًا وللحوت سَربا. وفي لفظ: (فكان للحوت سربًا ولموسى ولفتاه عجبًا. فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾).\nفَلَمَّا انتهيا إلى الصخرة، إذا هُما برجلٍ مُسَجّىً بثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عليه موسى، قال: وأنَّى بأرْضِكَ السّلامُ!؟ فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم (١). قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمني مما عُلِّمْتَ رشدًا؟ قال له الخَضِرُ: يا موسى إنَّكَ على عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَكَهُ الله لا أعْلَمُهُ، وأنا على عِلْمٍ مِنْ عِلمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ الله لا تعلَمُه، قالَ: بلْ أَتَّبِعُكَ، قال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلقا يَمْشيان على السّاحِل، فَمَرت بهما سَفينةٌ فعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَملوهم في سفينتهم بغَير نَوْلٍ - يقول: بِغَير أجْرٍ - فرَكِبا السفينة.\nقال: ووقَعَ عُصْفورٌ على حَرْفِ السَّفينة فَغَمَسَ مِنْقارَهُ في البحر، فقال الخَضِرُ لموسى: ما عِلمُكَ وعِلْمي وعِلْمُ الخلائقِ في علمِ الله إلا مقدارُ ما غَمَسَ هذا العصفور مِنْقَارَهُ.\n_________\n(١) وفي رواية: قال فما شأنك؟ قال: جئتُ لتعلمني مما علمت رشدا. قال: أما يكفيك أن التوراة بيديْكَ وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علمًا لا ينبغي أن تعلمَهُ وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه.","vol":"4","page":609},{"text":"قال: فلم يَفْجأْ موسى إلّا إذْ عَمَدَ الخَضِرُ إلى قَدُوم فخرق السفينة، فقال له موسى: قَوْمٌ حملونا بغيرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سفينتهم فخرقتها. (وفي لفظ: قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ - قال مجاهد: مُنْكرًا - قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كانت الأولى نِسيانًا، والوُسْطى شَرْطًا، والثالثةُ عَمْدًا).\nفانطلقا إذا هما بغلام يلعبُ مع الغِلمان، فأخذ الخَضِرُ برأسه فقطعه، (وفي لفظ: قال سعيد: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين)، قال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فقال بيده هكذا، فأقامه، فقال له موسى: إنا دخلنا هذه القرية فلم يُضَيِّفونا ولم يُطْعِمُونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. فقال رسول الله - ﷺ -: وَدِدْنا أنَّ موسى صَبَرَ حتى يُقَصَّ علينا من أمْرِهِما (١). قال: وكان ابن عباس يقرأ: \"وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا\". وأما الغلام فكان كافرًا] (٢).\nوقوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. أي: مما هو رشاد إلى الحق ودليل على هدى.\nوقوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: حتى أحدث أنا لك مما ترى من الأفعال التي تستنكرها أذكرها لك وأبين لك شأنها، وأبتدئك الخبر عنها).\nوقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. قال قتادة: (نكرًا). أو قال: (عجبًا). وقال مجاهد: (منكرًا). وعن ابن عباس: (﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: بما تركت من عهدك). وقوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي: لا تضيق عليّ أمري معك، وصحبتي إياك.\nوعن ابن عباس: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ قال: والزكية التائبة). وفي قراءة أهل الحجاز والبصرة: (زاكية). قال سعيد بن جبير: (مسلمة). وقيل: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ أي صغيرة لم تعمل الخبث، ولا حملت إثمًا بعد فقتلتَه).\n_________\n(١) وفي لفظ: \"وَدِدْنا أنّ موسى كان صَبَرَ حتى يَقُصَّ الله علينا من خبرهما\".\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"كتاب التفسير\" - حديث رقم (٤٧٢٥)، (٤٧٢٦) (٤٧٢٧) - في روايات متقاربة. وأخرجه أحمد (٥/ ١١٧ - ١١٨)، ومسلم (٢٣٨٠)، وأخرجه أبو داود (٤٧٠٧)، والترمذي (٣١٤٩)، وابن حبان (٦٢٢٠) من طريق عن سفيان به.","vol":"4","page":610},{"text":"وقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: بغير قصاص بنفس قتلت، فلزمها القتل قودًا بها). وقال ابن كثير: (أي: بغير مُسْتند لقتله).\nوعن قتادة: (﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ والنُّكْرُ أشدّ من الإمر). والمعنى: لقد جئت أمرًا منكرًا، وأقدمت على فعل ليس من المعروف في شيء. وقال البخاري: (نكرًا: داهية).\nوقوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. أي: قد بلغت العذر في شأني، أو قد أعذرت إليَّ مرة بعد مرة.\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي بن كعب قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا دعا بدأ بنفسه، وقال: رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر لرأى من صاحبه العجب، ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مثقَّلَةً] (١).\nوقوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾. أي: يسقط ويقع. أي وجدا في القرية حائطًا يوشك على الانهيار فأقامه وأصلحه رغم أنهم لم يطعموهم. قال قتادة: (﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وتلا إلى قوله ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ شرّ القرى التي لا تُضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقه). وفي الحديث: (حتى إذا أتيا أهل قرية لئامًا) (٢)، أي بخلاء. وعن سعيد بن جبير: (﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ قال: رفع الجدار بيده فاستقام). قال ابن كثير: (إسْنادُ الإرادة ها هنا إلى الجِدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدَثات بمعنى الميل. والانقضاض هو السقوط).\nوفي النهاية قال الخضر لموسى - ﵉ - ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ - لأنك شرطت ذلك على نفسك عند قتل الغلام ألا تسألني عن شيء بعدها وإلا ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾، فهذا أوان فراق بيني وبينك، وسأنبئك بتفسير ما لم تستطع عليه صبرًا.\n٧٩ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٩٨٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٣١٠)، وابن جرير (٢٣٢٣٢)، وابن حبان (٩٨٩)، وأخرجه مسلم (٢٣٨٠) ح (١٧٢)، في أثناء حديث طويل.\n(٢) جاء في رواية مسلم (٢٣٨٠) ح (١٧٢)، دون البخاري.","vol":"4","page":611},{"text":"أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تأويل الخضر المواقف التي لم يصبر عليها موسى - ﵉ -، فَخَرْقُهُ السفينة كان لحمايتها لأصحابها من ملك ظالم غاصب، وقتلُ الغلام كان رحمة بأبويه من مستقبل فاسد، وصلاحُ الأبوين كان سببًا في حماية الله كنزهما لذريتهما من بعدهما، وكل ذلك من وحي الله العليم الحكيم.\nأخرج البخاري في صحيحه من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: [﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾: وكان أمامهم، قرأها ابن عباس: \"أمامهم ملك\". قال البخاري: يزعمون عَنْ غير سعيد: أنهُ هُدَدُ بن بُدَدَ، والغلام المقتول، يزعمون: اسمُه حَيْسُورُ، ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فأردت إذا هي مَرَّت به أن يَدَعَها لِعَيْبِها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها - ومنهم من يقول: سدّوها بقارورة، ومنهم من يقول: بالقار، ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وكان كافرًا. ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ لقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: هما به أرحَمُ منهما بالأول الذي قتل خَضِرٌ. وزعم غيرُ سعيد أنهما أبدِلا جارية. وأما داود بن أبي عاصم فقال: عن غير واحد: إنَّها جارية] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبيّ بن كعب، عن النبي - ﷺ - قال: [الغلامُ الذي قتلهُ الخَضِرُ طُبِعَ يومَ طبع كافرًا] (٢).\nوالخلاصة: كان خرق الخضر ﵇ للسفينة عن حكمة غير ظاهرة، وهذا ما حمل موسى ﵇ على الإنكار، فقد خرق السفينة ليعيبها لأنهم كانوا يمرون بها على ملك ظالم يأخذ كل سفينة صالحة لنفسه، فأراد بعيبها أن يرده عن أخذها لينتفع بها أصحابها المساكين. وأما الغلام الذي قتله الخضر فإنه كان طُبعَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٢٦) - كتاب التفسير - سورة الكهف، الآية (٦١) وما بعدها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٣٨٠) ح (١٧٢)، والترمذي (٣١٤٨) في أثناء حديث طويل. وأخرجه أبو داود (٤٧٠٥)، (٤٧٠٦)، وابن جرير (٢٣٢٤٧)، وابن حبان (٦٢٢٢).","vol":"4","page":612},{"text":"- بعلم الله - كافرًا. فخشي أن يحملهما حُبُّهُ على متابعته على الكفر.\nقال قتادة: (قد فَرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب).\nوأما الجدار فإنما أصلحه لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة (١)، وكان تحته كنز مدفون لهما، فأراد الله ببركة صلاح والدهما أن يحفظ ذريته من بعده. قال ابن عباس: (حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح). قال ابن كثير: (﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾، ها هنا أسند الإرادة إلى الله تعالى، لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله. وقال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾ وقال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، فالله أعلم).\nوقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. أي: إنما كان ما فعلته في الأحوال الثلاثة رحمة من الله بأصحاب السفينة ووالدي الغلام ووَلدي الرجل الصالح.\nوقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ - دلالة على نبوة الخضر ﵇، أي إنما أمرت بفعل ما أمرت به وَوُقِفْتُ عليه.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. أي: ذلك تفسير ما ضقت به ذرعًا ولم تعلم حكمته. وفيه مقابلة كل مقام بما يقابله، فإن قوله: ﴿تَسْطِعْ﴾ جاء بعد حل الإشكال وتوضيح ما وراء الستار، وقبل ذلك كان الأمر مُحَيِّرًا ثقيلًا فناسب القول: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.\n٨٣ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يسألك يا محمد بعض مشركي قومك عن خبر ذي القرنين فقل سأقص عليكم من أمره خبرًا موثوقًا. إنَّه رجل صالح من عباد الله الصالحين، دانت له\n_________\n(١) في الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة. فقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ أتبع بقوله: ﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾. وفي التنزيل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١] والمراد مكة والطائف.","vol":"4","page":613},{"text":"البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وتحرك بأمر الله في أرجاء هذه المعمورة، شرقًا وغربًا، وآتاه الله تعالى مثل ما يؤتى الملوك، ومن الأسباب والطرق والوسائل القوية لفتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي وكَسْر الأعادي، وكبْتِ ملوك الظلم وإذلال أهل الشرك، ومن كل شيء يُحتاج إليه لإقامة الحق ومنهاج العدل في الأرض. فتابع المسير في أرجاء هذه المعمورة شرقًا وغربًا.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ويسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن ذي القرنين ما كان شأنه، وما كانت قصته، فقل لهم: سأتلو عليكم من خبره ذكرًا).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. قال ابن عباس: (سببًا: يعني علمًا). وقال قتادة: (منازلَ الأرض وأعلامها). وقال ابن زيد: (تعليم الألسنة، قال: كان لا يغزو قومًا إلا كلَّمهم بلسانهم).\nقال ابن كثير: (أي: أعطيناه مُلكًا عظيمًا متمكنًا، فيه له من جميع ما تُؤتى الملوك، من التمكين والجنود، وآلات الحرب والحصَارات. ولهذا مَلكَ المشارِقَ والمغارِبَ من الأرض، ودانت له البلادُ، وخَضَعت له ملوك العِباد، وخَدَمته الأمم، من العَرَب والعَجم. ولهذا ذكر بعضُهم أنه سُمِّيَ ذا القرنين لأنه بلغ قَرْني الشمس مشرقها ومغربها).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. قال ابن عباس: (يعني بالسبب المنزل). وقال مجاهد: (منزلًا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب). وقال مجاهد أيضًا: (﴿سَبَبًا﴾: طرَفي الأرض). وقال قتادة: (أي اتَّبع منازِلَ الأرض ومعالمها).\nقال النسفي: (والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة، فأراد بلوغ المغرب فأتبع سببًا، يوصله إليه حتى بلغ. وكذلك أراد المشرق فأتبع سببًا، وأراد بلوغ السدين فأتبع سببًا).\nقلت: والذي يظهر من عجائب ما صنع ذو القرنين ومن قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ أنه نبيٌّ يوحى إليه، وقد تحرك في الأرض بأمر الله.","vol":"4","page":614},{"text":"أخرج أبو داود والحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما أدري تُبَّعٌ ألعينًا كان أم لا؟ وما أدري ذا القرنين أنَبِيًّا كان أم لا؟ وما أدري الحُدود كفاراتٌ أم لا؟] (١).\nقال ابن عساكر (٢): (وهذا الشك من النبي - ﷺ - كان قبل أن يبين له أمره، ثم أخبر أنه كان مسلمًا، وذاك فيما أخبرنا. . . ثم ساق الحديث: \"لا تسبُّوا تبعًا فإنّه كان قد أسلم\" (٣».\nوبنحوه قال الهيثمي: (يحتمل أنه - ﷺ - قاله في وقت لم يأته فيه العلم عن الله، ثم لما أتاه قال ما رويناه في حديث عبادة وغيره). يعني قوله - ﷺ -: \". . . ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له. .\" أخرجه الشيخان وغيرهما.\nوقال القشيري أبو نصر: (قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ - إن كان نبيًا فهو وحى، وإن لم يكن نبيًا فهو إلهام من الله تعالى).\nقلت: والراجح عندي من هذه الآية والحديث السابق أنه نبيٌّ، والله تعالى أعلم.\n٨٦ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾.\nفي هذه الآيات: وصولُ ذي القرنين إلى أقصى الغرب من الأرض، ورؤيته الشمس تغرب في البحر المحيط، وعندها قوم من الناس فعرفوا قَدْرَه وتحاكموا إليه، فحَكَمَ على المشرك بربه المفسد في الأرض بالقتل، ثم يُرَدُّ إلى ربه ليحكم بأمره يوم القيامة. وأما المؤمن العامل بالصالحات فله التوقير في الدنيا وحسن المنقلب في الآخرة.\nفقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾. قال ابن كثير: (أي: فسلك طريقًا حتى وصل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٦٧٤) - دون الجملة الثالثة - والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٦)، وعنه البيهقي (٨/ ٣٢٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢١٧).\n(٢) انظر: تاريخ ابن عساكر (٣/ ٢٥١/ ١)، (٦/ ٥٧/ ١)، (١١/ ٣٠٢/ ١)، (١٦/ ٦٦/ ٢).\n(٣) حسن لشواهده. أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٠)، ورواه ابن عساكر - انظر المرجع السابق.","vol":"4","page":615},{"text":"إلى أقصى ما يُسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض).\nوقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. قال ابن عباس: (ذات حَمْأة) وهو الطين الأسود. وقال كعب الأحبار: (أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء). وهناك قراءة لابن عباس: ﴿في عين حامية﴾ (١) يعني حارة. ولا منافاة بين القولين - كما ذكر ابن كثير والقاسمي -: إذ قد تكون حارَّةً لمجاورتها وَهجَ الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل. قال ابن كثير: (أي: رأى الشمس في منظره تغربُ في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرُبُ فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مُثَبتَة فيه لا تُفارِقُهُ).\nوقوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾.\nأي: إنه رأى عندها أمة من الأمم. قال القاسمي: (ثم أشار تعالى إلى أنه مكَّنَهُ منهم، وأظهره بهم، وحكَّمَهُ فيهم، وجعل له الخيرة في شأنهم، بقوله: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ أي بالقتل وغيره ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ بالعفو. ثم بَيّنَ عدله وإنصافه، ليحتذى حذوه، بقوله سبحانه).\nوقوله: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾. قال قتادة: (بالقتل).\nأي: أما من استمر على الكفر والشرك بربه والإفساد والظلم في الأرض فسوف نعاقبه بالقتل.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾. قال النسفي: (في القيامة، يعني أما من دعوته إلى الإسلام فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم وهو الشرك فذاك هو المعذب في الدارين).\nوقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾. أي: وأما من تابعنا على الإيمان بالله والعمل الصالح فإن جزاءه الجنة في الدار الآخرة.\nوقوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. قال مجاهد: (معروفًا).\nقال ابن جرير: (يقول: وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر لنا تعليمه مما يقربه إلى الله ويلين له من القول).\n_________\n(١) قلت: وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب: [أَنَّ النبي - ﷺ - قرأ: \"في عَيْنٍ حَمِيئةٍ\"]. صحيح الترمذي (٢٣٣٧).","vol":"4","page":616},{"text":"٨٩ - ٩١. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾.\nفي هذه الآيات: يتابع ذو القرنين مسيره من مغرب الشمس إلى مطلعها، يقيم الحق وميزان العدل في الأرض، وكلما مَرَّ بأمَّةٍ قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله ﷿، فإن دانو له بالطاعة تركهم، وإلا أذلهم وأرغم أنوفهم وكسر شوكتهم، واستباح أموالهم وأمتعتهم، وربما استخدم من كل أمة ما يستعين به في جيوشه على قهر القرى المتاخمة لهم، فلما بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لا بناء يحجب الشمس عنهم، ولا مضارب أحد من الناس تكون بينهم وبين الشمس، فإذا اشتدت عليهم الشمس دخلوا في أسراب لهم، فإذا ذهبت حِدّتها أو زالت خرجوا من أسرابهم إلى أعمالهم في حروثهم ومعايشهم. والله تعالى عليم بكل أحوال هذا الرجل القائم بأمره وبكل شؤون جيشه ومسيرهم وأحوال الأقوام التي يقيم فيهم حكم الله ﷿.\nفقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾. قال القرطبي: (أي سلك طريقًا ومنازل).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال قتادة: (ذكرَ لنا أنهم بأرض لا تُنْبِتُ لهم شيئًا، فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حُروثهم ومعايشهم).\nوقال الجوهري: (المعنى أنه انتهى إلى موضع قوم لم يكن بينهم وبين مطلع الشمس أحد من الناس. والشمس تطلع وراء ذلك بمسافة بعيدة).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾. قال مجاهد: (عِلْمًا).\nقال ابن كثير: (أي: نحن مُطَّلِعونَ على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرّقَت أُمَمهم وتقطَّعت بهم الأرض، فإنه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]).\n٩٢ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ","vol":"4","page":617},{"text":"فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾.\nفي هذه الآيات: وصول ذي القرنين إلى منطقة بين السدين، وقصة استجارة القوم به من فساد يأجوج ومأجوج، وتفصيل بنائه السد الذي يحجبهم عن الناس إلى يوم ميعاد خروجهم آخر الزمان بإذن الله.\nفقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾. أي: ثم سار ذو القرنين فسلك طرقًا ومنازل من مشارق الأرض حتى بلغ بين السدين. قال ابن كثير: (وهما جبلان متناوحان بينهما ثُغْرَةٌ يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويُهلكون الحرث والنسل). وعن قتادة: (﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ وهما جبلان). قال ابن جرير: (﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ يقول عز ذكره: وجد من دون السدين قومًا لا يكادون يفقهون قول قائل سوى كلامهم).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.\nقرأ عاصم والأعرج ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾، وأما قراء الحجاز والعراق فقرؤوا: \"ياجوج وماجوج\" بغير همز. وهما قراءتان معروفتان في الأمصار. ويأجوج ومأجوج قوم من نسل نوح ﵊ من أولاد يافث، تُركوا وراء السد الذي بناه ذو القرنين.\nوالخلاصة: إنه لما وصل ذو القرنين ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ - وهما جبلان بينهما ثغرة، يخرج منهما يأجوج ومأجوج فيعيثون فيها فسادًا - وجد العبد الصالح في رحلته في تلك الأرجاء قومًا لا يكادون يفقهون قولًا لاستعجام لسانهم وبعدهم عن الناس، وشكوا إليه أمر فساد هؤلاء القوم يأجوج ومأجوج، فقالوا له: ﴿يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ - قال ابن عباس: (أجرًا عظيمًا) - ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ فتحجبهم عنا وتخلصنا من سوئهم وشرورهم، وكان الله سبحانه قد أعطى","vol":"4","page":618},{"text":"ذا القرنين قوة وسلطانًا، فكان - كما مضى - يقيم الحق والعدل ويحكم بين الناس.\nفأجابهم ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾. أي: ما أعطاني ﷾ من الملك والتمكين في الأرض خير لي من الذي تجمعونه وتفكرون بإهدائه لي. وهذا كقول سليمان ﵊ لوفد بلقيس الذين حاولوا حجب نفوذه وسلطانه بهداياهم فقال لهم: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾.\nوقال لهم ذو القرنين: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾. أي: ساعدوني بقوة بعملكم وبآلات البناء. قال مجاهد: (﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ يقول: أجعل بينكم وبين يأجوج ومأجوج ردمًا. والردم: حاجز الحائط والسد، إلا أنه أمنع منه وأشد). وعن ابن عباس قال: (﴿رَدْمًا﴾: هو كأشدّ الحجاب).\nوقوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾. أي: قطع الحديد - قاله ابن عباس ومجاهد، فإن الزبر جمع زبرة وهي القطعة منه. قال مجاهد: (وهي كاللبنة)، يقال كل لبنة زنة قنطار.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾. قال مجاهد: (رؤوس الجبلين). أي وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولًا وعرضًا ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ أي أَجَّجَ عليه النار ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ أي صار كله نارًا ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. قال مجاهد وقتادة: (هو النحاس المذاب).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.\nقال قتادة: (﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ من فوقه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي من أسفله). أي: فما قدروا أن يصعدوا ويرتقوا فوق هذا السد المنيع ولا قدروا على نقبه من أسفله، فقد صنعه ذو القرنين بأحدث وسائل زمانه واستخدم في بنائه أشد وأمتن مَواد البناء، فقد دخل في إنشائه الحديد والحجارة والنار والنحاس، فيا له من سد متين ذي مقاومة حدية عالية.\nقال الحافظ بن كثير: (ولما كان الظهور عليه أسهلَ من نقبه قابل كلًا بما يناسبه فقال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾).\nلقد حجب ذو القرنين ﵇ بهذا البنيان العظيم أشدَّ الناس شرورًا وفاحشة في الأرض، فإن يأجوج ومأجوج قوم مفسدون، خَبأهم الله فتنة في آخر الزمان لمن ضل أو من كفر، وجعل خروجهم من علامات يوم القيامة، وجعل نهايتهم من الأرض من","vol":"4","page":619},{"text":"أشد أيام الفرح بهجة في الدنيا، ليضيفها إلى فرحة التخلص من مكر اليهود في الأرض وجنسهم، ليفرح بها عيسى بن مريم ومن سيكون معه في الطور من المؤمنين.\nإن يأجوج ومأجوج قوم أحياء يحفرون في كل يوم في محاولة منهم للخروج من ذلك السجن الذي كتبه الله عليهم قسطًا وعدلًا، إلا أنهم يمكرون ويمكر الله بهم وهو خير الماكرين، إلى أن يأذن الله بخروجهم.\nوفي التنزيل: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال ابن عباس: (أي يسرعون في المشي إلى الفساد). والحدب المرتفع من الأرض.\nوأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن يأجوج ومأجوج يحفرون كُلَّ يوم، حتى إذا كادوا يَرَوْن شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فسنحفره غدًا، فيعيده الله أشَدَّ ما كان، حتى إذا بلغت مُدَّتُهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فسنحفره غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون الماء ويتحصَّنُ الناس منهم في حصونهم. فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع عليها الدمُ الذي احفَظَّ، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نغفًا في أقفائهم فيقتلون بها. قال رسول الله - ﷺ -: والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتَسْمَنُ وتَشْكَرُ شَكَرًا من لحومهم] (١).\nوقد فُصِّلَ ذلك الحدث تفصيلًا رائعًا في حديث الإمام مسلم عن النواس بن سمعان، حيث قال رسول الله - ﷺ -: - بعد أن يقتل عيسى بن مريم ﵊ المسيح الدجال -: [ثم يأتي عيسى إلى قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فَحَرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. . فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم ويقول: لقد كان بهذه مرة ماء. ثم يسيرون إلى جبل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥١٠ - ٥١١)، والترمذي في الجامع (٣١٥٣)، وابن ماجه (٤١٩٩) في السنن، والحاكم (٤/ ٤٨٨)، ورجاله ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٧٣٥)، وصحيح الجامع (٢٢٧٢).","vol":"4","page":620},{"text":"الخَمَر (وهو جبل بيت المقدس) فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هَلُمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا، ويُحْصَرُ نبيُّ الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه، فيرسِلُ الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زَهَمُهم ونتنُهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البُخْت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله] (١).\nوفي رواية: [تطرحهم بالنهبل - اسم موضع -، ويستوقد المسلمون من قُسِيِّهم ونُشَّابِهم وجعابهم سبع سنين، ثم يرسل الله مطرًا لا يَكُنُّ منه - أي لا يمنع من نزوله - بيتُ مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركَها كالزَّلفة - أي كالمرآة - ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك ورُدّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرّمانة، ويستظلون بِقِحْفِها ويبارك في الرِسْلِ، حتى إنَّ اللِّقْحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللِّقْحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفَخْذَ من الناس، فبيناهم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبِضُ روحَ كُلِّ مؤمن وكُلِّ مسلم، ويبقى شرارُ الناس يتهارجون فيها تهارجَ الحُمُر فعليهم تقوم الساعة].\nوأما قوله: \"ثم يأتي عيسى إلى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم\". قال النووي في شرح صحيح مسلم: (قال القاضي: يحتمل أن هذا المسح حقيقة على ظاهره فيمسح على وجوههم تبركًا وبرًا، ويحتمل أنه إشارة إلى كشف ما هم فيه من الشدة والخوف).\nوقوله: \"لا يدان لأحد بقتالهم\" - أي لا طاقة لأحد على حربهم. قال النووي: (يقال ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان، لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد).\nوقوله: \"فحرّز عبادي إلى الطور\". أي: اجعل الطور لهم حرزًا بأن ينضموا إليه من هؤلاء القوم الذين هم من كل حدب ينسلون، أي من كل نشز يمشون مسرعين. والخَمَر: الشجر الملتف، والمراد بالحديث جبل بيت المقدس. وأما النَغَفَ فهو دود\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٩٧ - ١٩٨) من حديث النواس بن سمعان. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٠٤٨)، كتاب الفتن.","vol":"4","page":621},{"text":"يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدته نغفة، وقوله \"فرسى\": أي قتلى، واللّقحة: بكسر اللام وفتحها لغتان معروفتان، والكسر أشهرها، وهي القريبة العهد بالولادة، واللقوح ذات اللبن. وأما الفئام فهم الجماعة من الناس، وكذا الفخذ في اللغة الجماعة من الأقارب. قال النووي: (وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة).\nوفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [سيوقِدُ المسلمون من قِسِيِّ يأجوج ومأجوج ونُشَّابهم وأتْرِسَتِهم سبعَ سنين] (١).\nلقد حذّرَ النبي - ﷺ - من هذه الفتنة - فتنة يأجوج ومأجوج - تحذيرًا كثيرًا، وخاف منها على أمته خوفًا كبيرًا، واستيقظ يومًا فزعًا لذلك كأنه يرى أمامه شرًا مستطيرًا.\nفقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن زينب بنتِ جحش ﵂ أنها قالت: [استيقظ النبي - ﷺ - من النوم مُحْمَرًا وَجْهُهُ يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوجَ مثل هذه، وعقد سفيان تسعين أو مئة. قيل: أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كَثُرَ الخَبَثُ] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.\nقال ابن جرير: (قال: هذا الذي بنيته وسوّيته حاجزًا بين هذه الأمة ومن دون الردم رحمة من ربي رحم بها من دون الردم من الناس، فأعانني برحمته لهم حتى بنيته وسوّيته ليكفّ بذلك غائلة هذه الأمة عنهم. . . فإذا جاء وعد ربي الذي جعله ميقاتًا لظهور هذه الأمة وخروجها من وراء الردم لهم، جعله دكاء، يقول: سوّاه بالأرض).\nقال قتادة: (﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: لا أدري الجبلين يعني به، أو ما بينهما). وكان وعد الله، في دكّ هذا الردم وخروج هؤلاء القوم فتنة للناس عند استهتارهم بدينهم، وعدًا حقًا والله لا يخلف الميعاد.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ - فيه تأويلان:\n١ - أن يعود الضمير على يأجوج ومأجوج. والمعنى كما ذكر السدي، قال: (ذاك حين يخرجون على الناس). قال ابن كثير: (أي: يوم يُدَكُّ هذا السَّدُ ويخرجُ هؤلاء\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٢٩٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١٠٥٦ - ١٠٦٢) - لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣/ ٩ - ١٠)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٦٥ - ١٦٦).","vol":"4","page":622},{"text":"فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم).\n٢ - أن يكون الوصف لحالة الخلق قبيل النفخ في الصور لقيام الساعة. واختاره ابن جرير.\nقال ابن زيد: (هذا أول القيامة، ثم نفخ في الصور، على أثر ذلك فجمعناهم جمعًا).\nقلت: وكلا المعنيين حق، فإن خروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم من علامات اقتراب الساعة، والساعة لا تقوم إلا على شرار القوم وهم يتهارجون فيها تهارج الحمر. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: [تفتحُ يأجوجُ ومأجوجُ. فيخرجون كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيعمُّون الأرض، وينحازُ منهم المسلمون، حتى تصيرَ بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، حتى أنهم ليمرون بالنَّهر فيشربونه، حتى ما يذرون فيه شيئًا فيمرُّ آخِرُهُمْ على أثرهم، فيقول قائلهم: لقد كان بهذا المكان، مرة، ماءٌ. ويَظْهَرون على الأرض. فيقول قائلهم: هؤلاء أهل الأرض، قد فرغنا مِنْهم، ولَنُنَازِلَنَّ أهلَ السماء. .] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس] (٢).\nقلت: فإذا نفخ في الصور واجتمع الجن والإنس جميعًا بين يدي ربهم، نادى الله آدم أن أخرج بعث النار، فتمتلئ جهنم من يأجوج ومأجوج. وتفصيله في:\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يقول الله ﷿: يا آدَمُ! فيقول: لبيكَ وسَعْديكَ! والخيرُ في يديك! قال: يقول: أخرج بَعْثَ النار، قال: وما بَعْثُ النار؟ قال: مِنْ كل ألف تِسْعَ مئة وتِسْعَةً وتسعين، قال: فذاك حين يشيب الصغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: فاشتد ذلك عليهم. قالوا: يا رسول الله أيُّنا\n_________\n(١) حسن صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٣٠٧)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٠٦١) - لتفصيل البحث في علامات الساعة، وصفات يأجوج ومأجوج.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٢٠٨). وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٠٢٢)، والمرجع السابق (٢/ ١٠٦٤) - شهود شرار الناس لقيام الساعة.","vol":"4","page":623},{"text":"ذاكَ الرجل؟ فقال: أبشروا. فإن من يأجوجَ ومأجوجَ ألْفٌ، ومنكم رجلٌ. قال: ثم قال رسول الله: \"والذي نفسي بيده! إني لأَطْمَعُ أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة\" فحمدنا الله وكبَّرْنا. ثم قال: \"والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة\" فحمدنا الله وكبَّرنا. ثم قال: \"والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا شَطْرَ أهلِ الجنة\". إنَّ مَثَلَكُم في الأمم كمثل الشَّعْرَةِ البيضاء في جِلدِ الثوْرِ الأسودِ أو كالرَّقْمَةِ (١) في ذراع الحمار] (٢).\n١٠٠ - ١٠٦. قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تفصيلُ إبراز جهنم يوم القيامة للكافرين، الذين كانوا في غفلة وعناد وتكذيب بيوم الدين. فهل ظنوا أن اتخاذهم عباد الله - كالملائكة وعيسى ﵈ - أولياء نافعهم أو صارف عنهم العذاب المهين. إنّ الأخسرين الذين بطل عملهم وهم يحسبون أنهم من المحسنين. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ووعده ووعيده المبين، فاستحقوا جهنم يصلونها مع المستهزئين.\nفقوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾. أي: أبرزناها للكافرين أمام أعينهم قبل أن يدخلوها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والضيق في نفوسهم والهلع في قلوبهم، ولها يومئذ سبعة أبواب لكل باب أهله في صليها وولوجها.\n_________\n(١) كالرقمة: قال أهل اللغة: الرقمتان في الحمار هما الأثران في باطن عضديه. وقيل: هي الدائرة في ذراعيه. وقيل: هي الهنة الناتئة في ذراع الدابة من الداخل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٣٠)، وأخرجه مسلم (٢٢٢) - واللفظ له - كتاب الإيمان، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٢ - ٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"4","page":624},{"text":"وفي التنزيل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال قتادة: (هي والله منازلهم بأعمالهم).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، معَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (١).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى: وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله، فيتفكَّرُون فيها ولا يتأمَّلون حججه، فيعتبرون بها، فيتذكرون وينيبون إلى توحيد الله، وينقادون لأمره ونهيه، وكانوا لا يستطيعون سمعًا، يقول: وكانوا لا يطيقون أن يسمعوا ذكر الله الذي ذكَّرَهم به، وبيانه الذي بَيَّنَهُ لهم في آي كتابه، بخذلان الله إياهم، وغلبة الشقاء عليهم، وشُغْلهم بالكفر بالله وطاعة الشيطان، فيتعظون به، ويتدبرونه، فيعرفون الهدى من الضلالة، والكفر من الإيمان).\nوالمقصود: إنه لما تعامى هؤلاء الكفار وتغافلوا وتصامّوا عن سماع الحق وإبصار الهدى واتباع سبيل المرسلين، أصَمَّ الله أسماعهم عن سماع الحق فخذلهم عن فهمه وعقله. قال مجاهد: (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: لا يعقلون). أو قال: (لا يعلمون).\nوفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].\nقلت: والاستطاعة الواردة في الآية بمفهوم خلق القدرة على ذلك العمل، وتأتي بمعنى التوفيق. والمعنى: إن الله يخذل الكافرين نتيجة استهزائهم بالحق وتماديهم بالباطل فلا يستفيدون من سمعهم في الحق، وكذلك يخذل المنافقين عن السجود له في أرض المحشر. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣].\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٤٢)، وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٧٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٤٩١٩) - كتاب التفسير - سورة القلم. وانظر كذلك - حديث رقم - (٢٢) منه.","vol":"4","page":625},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾. قال النسفي: (أي أفظن الكفار اتخاذهم عبادي يعني الملائكة وعيسى ﵈ أولياء نافعهم بئس ما ظنوا). وقال القاسمي: (﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي هيأنا ﴿جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ أي شيئًا يتمتعون به عند ورودهم. و\"النزل\" ما يقام للنزيل أي الضيف. وفيه استعارة تهكمية. إذ جعل ما يعذبون به في جهنم كالزقوم والغسلين، ضيافة لهم).\nوفي التنزيل: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢].\nوفي صحيح ابن ماجه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عملَ عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِركَهُ] (١).\nوفي لفظ: [قال الله ﷿: أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك. فَمَنْ عَمِلَ لي عَمَلًا أشْركَ فيه غَيْري، فأنا منه بريءٌ. وهو للذي أشرك].\nوفي الباب عن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا جمع الله الأولين والآخرين، يومَ القيامة، لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فيه، نادى مُناد: مَنْ كان أشْرَكَ في عملٍ لَهُ لله، فليطلب ثوابَهُ من عِنْدِ غير الله. فإن الله أغنى الشركاء عن الشِّرك] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.\nأي: هل أخبركم بالأخسرين من الخلق؟ إنهم الذين سلكوا مناهج غير مشروعة وعملوا أعمالًا باطلة غير مرضية في ميزان الشريعة، وهم يظنون أنهم مقبولون مرضيون محبوبون، وإنما يفاجَؤون ببوارها يوم القيامة. وهي آية عامة تشمل كل من ضل عن منهاج النبوة، ولو أخلص لأي منهاج آخر.\nقال البخاري في صحيحه: حَدَّثني محمدُ بنُ بَشَّار: حَدَّثنا محمدُ بن جَعْفَر: حَدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو، عن مُصْعَب قال: [سألت أبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ هم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٢) - كتاب الزهد. باب الرياء والسمعة. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٣٨٧) - وأصله في صحيح الإمام مسلم.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٣)، الباب السابق. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٣٨٨).","vol":"4","page":626},{"text":"الحَرُوريَّة؟ قال: لا، هم اليهودُ والنصارى، أما اليَهودُ فكذَّبُوا محمدًا - ﷺ -، وأمَّا النَّصارى كَفَروا بالجنة وقالوا: لا طعامَ فيها ولا شرابَ، والحَرُورِيَّهُ الذين يَنْقُضُون عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ ميثاقه، وكان سَعْدٌ يُسَمِّيهم الفاسقين] (١).\nقال الحافظ ابن كثير: (فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وُجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامَّة في كل من عبدَ الله على غير طريقة مَرْضِيّة يَحْسب أنه مصيبٌ فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطىٌ وعملهُ مردودٌ، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.\nأي: إنهم الذين جحدوا التنزيل وحجج الله التي تدعوهم إلى إفراده تعالى بالتعظيم والعبادة، وكفروا بلقائه في يوم يضع سبحانه فيه أعمال العباد على الميزان، فما وافق الحق رجح وما كان على غير ميزان الشريعة جعله هباء منثورًا.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: [إنه ليأتي الرَّجُلُ العظيم السمينُ يَوْمَ القيامة، لا يَزِنُ عِند الله جَناحَ بعوضة - وقال -: اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أولئك ثوابهم جهنم بكفرهم بالله، واتخاذهم آيات كتابه، وحجج رسله سخريًا، واستهزائهم برسله).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٢٨) - كتاب التفسير - سورة الكهف - آية (١٠٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٢٩) - كتاب التفسير - سورة الكهف - آية (١٠٥)، ورواه الإمام مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٤٦٧٨).","vol":"4","page":627},{"text":"١٠٧ - ١٠٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار عن الصورة المقابلة لأصحاب الجحيم، صورة السعداء في جنات النعيم، في الفردوس سرّ الجنة وأعلاها ووسطها تحت عرش الرحمن الكريم، ﴿نُزُلًا﴾ أي ضيافة لهم خاصة بهم من ربهم العلي العظيم. وهم فيها مقيمون لا يظعنون عنها أبدًا ولا يرحلون.\nوفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [من آمنَ بالله ورسوله، وأقام الصلاةَ، وصامَ رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلسَ في أرضه التي وُلِدَ فيها. قالوا: يا رسول الله، أفلا نُنَبِّئُ الناسَ بذلك؟ قال: إنَّ في الجنة مئةَ درجةٍ أعَدَّها الله للمجاهدين في سبيله، كُلُّ درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فَسَلوه الفِردوس، فإنهُ أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقَه عرشُ الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة] (١).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث العرباض، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه سرّ الجنة].\nقال القاسمي في \"التفسير\": (﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾: أي تحولًا، لبلوغهم الكمال في نعيمها. فلا شوق لهم فيما وراءها. وفيه تنبيه على شدة رغبتهم فيها، وحبهم لها. مع أنه قد يتوهم، فيمن هو مقيم في مكان دائمًا، أنه يسأمه أو يمله. فأخبر أنهم، مع هذا الدوام والخلود السرمديّ، لا يختارون عن مقامهم متحوَّلًا).\n١٠٩ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٤٢٣) - كتاب التوحيد، وكذلك (٢٧٩٠)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٣٥)، وابن حبان (٤٦١١). وانظر للشاهد صحيح الجامع (٦٠٦).","vol":"4","page":628},{"text":"تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تعظيمُ كلمات الله وآفاق معانيها وروائع علومها، وإثبات بشرية الرسول - ﷺ - وتلقيه الوحي من الله رب السماوات والأرض وباريها، وذِكْرُ سرّ النجاة وسعادة الدارين: إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، والتماس العمل الصالح على منهاج الوحيين.\nفعن مجاهد: (﴿الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ للقلم). قال قتادة: (يقول: إذًا لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه).\nوالمقصود: قل - يا محمد - مخبرًا عن عظمة كلمات ربك وصفاته وآياته وحكمه: لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي تكتب به كلمات الله وحكمه وما يخبر عن آياته ومعاني أسمائه وصفاته لنفد البحر قبل الفراغ من ذلك، ولو رفدته بحور الدنيا ومحيطاتها.\nوفى التنزيل نحو ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].\nقال الربيع بن أنس: (إن مثلَ علم العباد كُلِّهم في علم الله كَقَطْرَةٍ من ماء البحور كُلِّها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ يقول: لو كان البحر مِدَادًا، والشجر كُلُّها أقلامٌ، لانكسرت الأقلام وفنيَ ماءُ البحر، وبَقِيت كلماتُ الله قائمةً لا يُفنيها شيء، لأن أحدًا لا يستطيع أن يقْدُرَ قدرها وَلا يُثني عليه كما ينبغي، حتى يكونَ هو الذي يُثني على نفسه، إن رَبَّنا كما يقول وفوق ما نقول، إنَّ مَثَلَ نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبَّةِ من خَرْدَلٍ في خلال الأرض).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. قال القرطبي: (أي لا أعلم إلا ما يعلِّمني الله تعالى، وعلم الله تعالى لا يحصى، وإنما أمرت بأن أبلغكم بأنه لا إله إلا الله).\nوقال ابن كثير: (يقول تعالى لرسوله محمد - صلوات الله وسلامه عليه -: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فمن يَزْعُمُ أني كاذب","vol":"4","page":629},{"text":"فَلْيَأتِ بمثلِ ما جئتُ به، فإني لا أعلمُ الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخَبَر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعَني الله عليه. وأنا أخبركم ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ الذي أدعوكم إلى عبادته، ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له).\nوقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.\nأي: فمن كان يرجو لقاء الله فيخاف الموقف بين يديه، ويأمل الفوز بثوابه وجناته، والظفر بلذة النظر إلى وجهه، فليعمل عملًا خالصًا لوجهه موافقًا لشريعته، ولا يشرك بعبادته أحدًا.\nوالآية دليل على ركني العمل الصالح المتقبل:\nالركن الأول: أن يكون العمل خالصًا لوجه الله العظيم.\nالركن الثاني: أن يكون موافقًا للشريعة المطهرة، كما جاء في التنزيل وهدي الرسول الكريم.\nقال الفضيل بن عياض: (فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة).\nوقال شيخ الإسلام - ابن تيمية -: (وإذا كانت جميع الحسنات، لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه الله، وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال. في الكلم الطيب، والعمل الصالح، في الأمور العلمية، والأمور العملية العبادية).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].\nومن كنوز السنة المطهرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال:","vol":"4","page":630},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - يرويه عن ربِّه ﷿، أنه قال: [أنا خيرُ الشركاء، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري، فأنا منه بريءٌ، وهو للذي أشرك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أبي سعيد بن أبي فَضَالَةَ الأنصاري - وكان من الصحابة - أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إذا جَمَعَ الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشركَ في عملٍ عملهُ لله أحدًا فليطلبْ ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد والطبراني بسند جيد عن أبي بكرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله به، ومن راءى راءى الله به] (٤).\nوفي رواية من طريق ابن عمرو: [من سَمَّعَ الناس بعمله، سَمَّعَ الله به مسامعَ خلقه وصغّره وحقّره].\nوعن سفيان: (﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قال: لا يرائي) - رواه ابن جرير.\nتم تفسير سورة الكهف\nبعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه\n° ° °\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٥٦٤) (٣٣)، وكذلك رقم (٣٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٨٩)، وأحمد (٢/ ٣٠١ - ٤٣٥)، والطيالسي (٢٥٥٩)، وأخرجه ابن ماجه (٤٢٠٢)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٩٥).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣١٥٤)، وابن ماجه (٤٢٠)، وأحمد (٣/ ٤٦٦)، وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٦٨١٧)، وله شواهد كثيرة.\n(٤) إسناده جيد. أخرجه أحمد (٥/ ٤٥)، والبزار (٣٥٦٣)، والطبراني كما في \"المجمع\" (١٠/ ٢٢٢)، وقال الهيثمي: وأسانيدهم حسنة. وأصل معناه في صحيح مسلم.","vol":"4","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - القرآن نذارة للكافرين، وبشارة للمؤمنين العاملين.\n٢ - الشباب أقبل للحق من الشيوخ الذين انغمسوا في الباطل وشابوا على ذلك.\n٣ - تعارف أصحاب الكهف بالإيمان الذي جمع قلوبهم على الهدى.\n٤ - لا تشرع العزلة إلا عند وقوع الفتن والخشية على الدين.\n٥ - قصة أهل الكهف دليل على البعث والنشور.\n٦ - حذر الرسول - ﷺ - من اتخاذ القبور مساجد، ولعن فاعل ذلك.\n٧ - يغاث الكافرون يوم القيامة بالمهل، ويرفل المؤمنون في حلل السندس.\n٨ - استدراج الله الكافر بكثرة الرزق لا يعني أن ذلك كرامة.\n٩ - مردود حسن ظن المؤمن بربه، خير من المال والولد.\n١٠ - التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير هن الباقيات الصالحات.\n١١ - الذنوب تجمع على الرجل يوم القيامة كما يجمع ركام الحطب.\n١٢ - ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن.\n١٣ - يفرق الله بين المشركين وآلهتهم يوم القيامة.\n١٤ - إن توقع العذاب والخوف من أهواله قبل وقوعه عذاب ناجز.\n١٥ - جزاء الإعراض عن الحق الحيلولة دون فهمه جزاء وفاقًا.\n١٦ - مشروعية السفر المتعب لطلب العلم، ويؤجر المؤمن على جهاده.\n١٧ - عتب الله تعالى على موسى - ﵇ - لأنه لم يرد العلم إليه تعالى.\n١٨ - إن موسى صاحب الخضر، هو موسى صاحب بني إسرائيل.\n١٩ - لم يصبر موسى على كل ما فعله الخضر، فحصلت المفارقة.","vol":"4","page":632},{"text":"٢٠ - الخضر نبي - ﷺ - وتوفاه الله في حينه، وأخبار حياته موضوعة.\n٢١ - ذو القرنين ملك مؤمن موحد، آتاه الله ملكًا وسلطانًا عظيمًا.\n٢٢ - يأجوج ومأجوج أكبر فتنة بعد الدجال، ولكن الله يصرعهم دون قتال.\n٢٣ - التقم إسرافيل الصور وحنى جبهته واستمع متى يؤمر.\n٢٤ - الضالون هم الأخسرون أعمالًا، ويحسبون أنهم على حق.\n٢٥ - كلام الله أجلّ وأعلى وأمنع من أن يحصى، ومن كان يؤمن بالله ولقائه فليعمل صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا.\n° ° °","vol":"4","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>١٩ - سورة مريم</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٩٨).\nأخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن أم سلمة ﵂في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة-[فقال له النجاشي -أي لجعفر بن أبي طالب ﵁-: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأهُ عليّ. فقرأ عليه صَدْرًا من كهيعص. قالت: فبكى واللهِ النجاشي حتى أخْضلَ لحيتَهُ، وبكت أساقفَتُهُ حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إنَّ هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>موضوع السورة</span>\nقصة مريم وابنها عيسى ﵉، وخبر الأنبياء والرسل الكرام، ومصير المكذبين، ومستقر المتقين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-159> منهاج السورة</span>-\n١ - مناجاة زكريا ربه يشكو إليه الضعف ويسأله الوريث لحمل الأمانة ومنهاج النبوة.\n٢ - نزول البشارة على زكريا يبشره الله بغلام اسمه يحيى، وتَعَجُّبُه من ذلكَ وقد كبر وامرأتهُ لم تلد، واللهُ على كل شيء قدير.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٩٠)، (١/ ٢٠٢ - ٢٩٢) بسند صحيح عن زوجة رسول الله - ﷺ -، وصححه أحمد شاكر في التعليق على المسند، حديث رقم (١٧٤٠)، وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٣١١ - ٣١٥).","vol":"4","page":634},{"text":"٣ - سؤال زكريا ربه آية على البشارة، فَحُبِسَ لسانه عن الكلام ثلاث ليالِ إلا رمزًا.\n٤ - أمْرُ الله تعالى يحيى حمل الكتاب بقوة، وإنعامهُ تعالى عليهِ بالعلم والفهم والعمل الصالح وبر الوالدين والأمان في المواطن الثلاث: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيًّا.\n٥ - قصة مريم ﵍، وإيجاد الله ولدها - من غير أب - عيسى ﵇.\n٦ - اعتزال مريم بحملها مكانًا نائيًا، وتحرك المخاض، ومناداة الصبي تحتها، وامتنان الله عليها بالطعام والشَّراب وقرة العين، ونذرها الإمساك عن الكلام.\n٧ - مجيء مريم قومها تحملُ وليدها أمام تعجبهم من أمرها، وتكلم الصبي في المهد.\n٨ - تبيان الله خبر عيسى على الحقيقة، وتنزيه نفسه تعالى عن الولد، وأن أمرهُ تعالى كن فيكون، ودعوة عيسى قومه إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة والتعظيم.\n٩ - ذِكْرُ اختلاف الناس في شأن عيسى ﵇، وتوعد الله الكافرين مشهد يوم عظيم.\n١٠ - ذِكْرُ استماع الكفار وإبصارهم يوم القيامةِ بعد فوات الأوان، وإنذار النبي - ﷺ - مشركي قومه يوم التحسر والندم وشدة الزحام، وإخبار الله سبحانه أنه الخالق المتصرف وإليهِ مرجعُ جميع الأنام.\n١١ - حوار إبراهيم - ﷺ - مع أبيه يدعوه إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة والتعظيم، ويحذره مغبة أتباع منهاج الشيطان الرجيم، ثم اعتزاله قومه وشركهم، ومؤانسة الله لهم بإسحاق ويعقوب في المرسلين.\n١٢ - ذكر خبر موسى وهارون، وخبر إسماعيل وإدريس، وثناء الله على المرسلين.\n١٣ - ذكر حال الأشقياء الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وما ينتظرهم من العذاب، إلا من تدارك نفسه بالتوبة واستغفر ربه وأناب.\n١٤ - إعلانُ جبريل ﵇، أن تَنزُّلَهُ بأمر الله رب السماوات والأرض، وشد عزيمة النبي - ﷺ - في الصبر على مشاق الطريق.\n١٥ - تكذيب الكافر بالبعث والحساب، وقد خلقه الله من العلم ووعدهُ على كفره العذاب، فالنار حق والصراط على جهنم يسقط فيها المجرمون، وينجو بإذن الله المتقون.","vol":"4","page":635},{"text":"١٦ - إخبار عن سلوك الكفار حين تُتلى عليهم آيات الرَّحمان، وقد أهلك الله من قبلهم من المستهزئين وكانوا أشد قوة وأصحاب صروح وبنيان، فالله يمهل الكافرين، ويثبت ويهدي المؤمنين.\n١٧ - تهديد ووعيد لذلك الكافر الذي يزعم أن له عند الله مالًا وولدًا.\n١٨ - اتخاذ الكافرين آلهة من دون الله سيكفرون بها يوم الدين، والله تعالى يرسل الشياطين تؤز الكافرين.\n١٩ - نَعْتُ الله حال المتقين كيفَ يردون إليه وفدًا، في حين يساق المجرمون إلى جهنم وردًا، ولا شفيعَ لهم فإن الشفاعة تنال من اتخذ عند الله عهدًا: شهادة أن لا إله إلا الله ينال بها العبد سعادة ومَجدًا. وأما من زعم لله ولدًا فإن السماوات والأرض والجباب تكاد تتمزق لفريته هدًّا. فكل ما في السماوات والأرض يأتي يوم القيامة عبدًا، واللهُ أحصاهم جميعًا وعدّهم عدًا.\n٢٠ - ضمان من الله تعالى لعبادهِ المؤمنين، بجعل المودة لهم في الأرض وحسن الذكر في الصالحين، وهذا القرآنُ بشارة للمتقين، ونذارة للفجار الآثمين.\n* * *","vol":"4","page":636},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن مناجاة عبده زكريا، يشكو إلى ربه الوهن والضعف والمشيب المنذر بالرحيل، ولا وريث يحمل أمانة هذا الدين، فهو يسأل الله تعالى وريثًا على منهاج النبوة.\nفقوله: ﴿كهيعص﴾ - هو على مفهوم الحروف المقطعة السابقة في أوائل السور. ومفاده الإعجاز لهذا الكتاب العظيم، المؤلف من هذه الحروف المعروفة، والتحدي قائم إلى قيام الساعة أن يأتي أحد بمثل هذا النظم الكريم.\nوقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: هذا ذكر رحمة ربكَ بعبده زكريا).\nوزكريا -﵊- هو أحد أنبياء بني إسرائيل، وكان يأكل من عمل يديهِ في النِّجارة. وقد صنّف الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل بابًا سماهُ: \"بابُ من فضائل زكرياء، - ﷺ -\". روى فيهِ عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [كان زَكَرِيَاءُ نَجَّارًا] (١). ورواه ابن ماجه بلفظ: [كانَ زَكريا نَجَّارًا].\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. قال ابن جريج: (لا يريدُ رياء).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرج مسلم (٢٣٧٩)، كتاب الفضائل، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٩٦ - ٤٠٥ - ٤٨٥)، وأخرجه ابن ماجه (٢١٥٠)، وأبو يعلى (٦٤٢٦).","vol":"4","page":637},{"text":"وقال قتادة: (أي سرًّا، وإن الله يعلم القلب النقي، ويسمع الصوت الخفي).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.\nقال السدي: (فكان نداؤه الخفي الذي نادى بهِ ربه أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ يعني بقوله: ﴿وَهَنَ﴾ ضعف ورقَّ من الكبر). وقال مجاهد: (نحَلَ العظم). وقال قتادة: (أي ضعف العظم مني). وقال الثوري: (وبلغني أن زكريا كانَ ابن سبعين سنة).\nوالمقصود: أنه يشكو إلى الله ﷿ الضعف وقد خارت القوى. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾. قال النسفي: (تمييز، أي فشا في رأسي الشيب، واشتعلت النَّارُ إذا تفرقت في التهابها وصارت شعلًا، فشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار).\nوعن ابن جريج: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ يقول: قد كنتُ تعرفني الإجابة فيما مضى).\nأي: لم أعهد منكَ ربِّ إلا الإجابةَ في الدعاء، وما خيبتني قط عند الرجاء، بل كنتَ تجيبني وتقضي حاجتي ما سألتك.\nوقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾.\nالموالي هنا الأقارب وبني العم والعصبة الذين يلونه في النسب. والعرب تسمي بني العم الموالي.\nقال مجاهد: (أرادَ بالموالي العصبة). وقال أبو صالح: (الكلالة). وروي عن عثمان بن عفان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين: أنهم كانوا يقرؤونها: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أي: قلت عصباتي من بعدي. ومن ثمَّ قال للآية تأويلان:\nالتأويل الأول: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: (خاف أن يرثوا مالهُ وأن ترثهُ الكلالة فأشفق أن يرثه غير الولد).\nالتأويل الثاني: قال الزجاج وغيره: (إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب وليًا يقوم بالدين بعده).\nوالراجح التأويل الثاني لثلاثة أسباب:\n١ - الأنبياء أعظم قدرًا ومنزلة من الإشفاق على أموالهم ودنياهم من بعدهم.","vol":"4","page":638},{"text":"٢ - لم يذكر أن زكريا كان كثير المال، بل كان نجارًا يأكلُ من عمل يدهِ.\n٣ - لقد ثبتَ في الصحيحين وبعض السنن من حديث أبي بكر مرفوعًا: [إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة] (١). وكذلكَ في سنن أبي داود وابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: [وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ورثوا العلمَ فمن أخذه أخذ بحظ وافر] (٢).\nوهذا التأويل هو اختيار القرطبي وابن كثير والقاسمي وغيرهم من المفسرين. قال القاسمي: (﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أي الذين يلون أمر رهطي من بعد موتي، لعدم صلاحية أحد منهم لأن يخلفني في القيام بما كنت أقوم به، من الإرشاد ووعظ العباد، وحفظ آداب الدين. والتمسك بهديه المتين).\nوقوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وكانت امرأتي لا تلد).\nوقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾. أي: فارزقني من عندكَ ولدًا يكون لي وارثًا ومعينًا.\nوقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال الحسن: (نبوّته وعلمه). وقال السدي: (يرث نبوته ونبوة آل يعقوب). وقال مجاهد: (كان وراثته عِلْمًا، وكان زكريا من ذرية يعقوب).\nوقال أبو صالح: (يكون نبيًّا، كما كانت آباؤه أنبياء).\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. أي: مرضيًا في أخلاقه وأفعاله، راضيًا بقضائكَ وقدرك، تحبّهُ وتحبّبه إلى خلقك.\n٧ - ١١. قوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري (٢٩٠٤)، (٤٨٨٥) ومسلم (١٧٥٧) وأبو داود (٢٩٦٣)، وأحمد (١/ ٢٥)، وابن حبان (٦٦٠٨) من حديث عمر، وفي الباب عن أبي بكر وعائشة وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، كتاب العلم، باب فضل العلم، وكذلكَ ابن ماجة في السنن (٢٢٣)، وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم- (٣٠٩٦).","vol":"4","page":639},{"text":"تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: نزولُ البشارة من الله على زكريا بغلام يولد له اسمه يحيى يُفرد بتسميته. وتعجب زكريا من حصول ذلكَ وامرأتهُ لم تلد وقد كبر هو وعَسَا عَظْمُه ونحُل. وتثبيتُ الله إياه بذكر عجائب قدرته في خلقه قبل يحيى وقد كان عدمًا. وسؤال زكريا ربه آية على البشارة فقال آيتك أن يُحْبسَ لسانُكَ عن الكلام ثلاث ليال وأنتَ صحيح سوي. فخرج على قومهِ فأشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا.\nفقوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ - فيه إجابةُ الله تعالى ذلكَ الدعاء.\nقال القرطبي: (في الكلام حذف، أي فاستجاب الله دعاءه فقال: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ فتضمنت هذه البشرى ثلاثة أشياء: أحدها: إجابة دعائه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث: أن يفرد بتسميته).\nوفي التنزيل نحو ذلك: قال سبحانه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٨ - ٣٩].\nوعن قتادةَ: (قوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ عبدٌ أحياه الله للإيمان). أي: إنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان، واللهُ تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال ابن عباس: (يقول: لم تلد العواقر مثله ولدًا قط).\n٢ - وقال مجاهد: (﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: شبيهًا. وبنحوه قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي شبيهًا.\n٣ - وقال قتادة: (لم يسمَّ يحيى أحد قبله). وقال ابن زيد: (لم يسمّ أحد قبله بهذا الاسم). واختاره ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.\nقال ابن زيد: (العتي: الذي قد عتا عن الولد فيما يرى نفسه لا يولد له). وعن ابن عباس قال: (يعني بالعتي: الكبر). وقال مجاهد: (نُحول العظم).","vol":"4","page":640},{"text":"قال ابن كثير: (هذا تعجب من زكريا - ﵇- حين أُجيبَ إلى ما سأل، وَبُشِّرَ بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يُولَدُ له، والوجهُ الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأتهُ عاقرٌ لم تَلد من أول عمرها مع كِبَرِها، ومع أنه قد كبر وعَتا، أي: عسَا عَظْمُهُ ونحُل، ولم يبق فيه لقاحٌ ولا جماع).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.\nأي: قال الملكُ مجيبًا لزكريا فيما تَعَجَّبَ منه: هذا قضاء الله في إيجاد الولد منكَ ومن زوجتك، وهو أمر يسير سَهْل على الله تعالى وأعجبُ من ذلك أن أوجدتكَ من قبل يحيى ولم تك شيئًا بل كنتَ عدمًا. قال القرطبي: (أي كما خلقكَ اللهُ تعالى بعد العدم ولم تك شيئًا موجودًا، فهو القادر على خلق يحيى وإيجاده).\nوفي التنزيل نحو ذلك: قوله سبحانه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.\nقال ابن زيد: (قال: قال رب اجعل لي آية أن هذا منك). يعني: اجعل لي علامةً ودليلًا على ما بشرتني به ملائكتكَ من قدوم هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ليطمئن قلبي وتسكن نفسي إلى ما وعدتني. قال: آيتكَ أن يُحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، وأنتَ صحيح سوي من غير مرض ولا علة.\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. قال: ثلاث ليال متتابعات).\nقال السدي: (يقول من غير خَرَس إلا رمزًا، فاعتُقل لسانهُ ثلاثة أيام وثلاث ليال).\nوقال ابن زيد: (فحبس لسانه، فكان لا يستطيع أن يكلم أحدًا، وهو في ذلكَ يسبح، ويقرأ التوراة ويقرأ الإنجيل، فإذا أرادَ كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم).\nقلت: والذي ذهب إليه ابن زيد هو الراجح في فهم الآية، لموافقة ذلكَ لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.","vol":"4","page":641},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.\nقال ابن جريج: (أشرف على قومهِ من المحراب). أي: الذي بُشِّرَ فيه بالولد. وقال ابن زيد: (المحراب: مُصلاه، وقرأ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]). وعن مجاهد: (﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار إليهم. وفي رواية كتب لهم في الأرض). وقال قتادة: (أومى إليهم). قال ابن زيد: (ما أدري كتابًا كتبهُ لهم، أو إشارة أشارها، واللهُ أعلم، قال: أمرهم ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، وهو لا يكلمهم).\n١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى يحيى أخذ التوراة بقوة وعزيمة، وإنعامُه تعالى عليه بالعلم والفهم والرحمة والعمل الصالح الزكي، وبر الوالدين ولين الجانب، وأتبع ذلكَ سبحانهُ بأمان عليه في المواطن الثلاثة: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيًّا.\nفقوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. قال مجاهد وقتادة: (بجدّ). وقال ابن زيد: (القوة أن يعمل ما أمره الله به، ويجانب فيه ما نهاه الله). والخطاب ليحيى بن زكريا بعدما ولد وصار صبيًا مُهَيَّأً لحمل الأمانة. والمقصود بالكتاب: التوراة، أي يقول الله له: يا يحيى خذ هذا الكتاب الذي أنزله الله على موسى، وهو التوراة بجدٍّ وعزيمة، وأقم أمر الله في الأرض.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. قال ابن كثير: (أي الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حديث السِّن).\nوقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. قال ابن عباس: (يقول: ورحمة من عندنا). وقال مجاهد: (وتعطفًا من ربه عليه). وقال عكرمة: (محبّةً عليه). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ورحمة منا ومحبّة له آتيناه الحكم صبيًا). وقيل: هي رحمة عظيمة يشفق بها على الخلق. قلت: وكذا المعنيين حق.\nوقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾. معطوف على ﴿وَحَنَانًا﴾. والزكاة هنا: الطهارة من الذنوب والعمل بطاعة الله.","vol":"4","page":642},{"text":"قال قتادة: (الزكاة: العمل الصالح). وقال ابن جريج: (العمل الصالح الزكيّ).\nقال النسفي: ﴿وَزَكَاةً﴾ أي طهارة وصلاحًا فلم يعمد بذنب).\nوقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾. أي: مسلمًا مطيعًا. قال ابن عباس: (طهر فلم يعمل بذنب).\nوقوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾. أي: كما أقام دينهُ وقام بطاعة ربه ﷿، فإنّه جَمَعَ إلى ذلك بِرَّ الوالدين ومجانبة عقوقهما. قال القرطبي: (و﴿جَبَّارًا﴾ متكبرًا. وهذا وصف ليحيى ﵇ بلين الجانب وخفض الجناح). وقال القاسمي (﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ أي: متكبرًا عاقًّا لهما، أو عاصيًا لربه).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.\nأي: وأمان عليهِ من الله في هذه المواطن الثلاثة، وهي أدقّ الأحوال في تاريخ الإنسان.\nيروي ابن جرير بسندهِ عن سفيان بن عيينة يقول: (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسهُ خارجًا مما كانَ فيهِ، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يُبعثُ فيرى نفسهُ في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾).\n١٦ - ٢١. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾.\nفي هذه الآيات: عَطْفٌ على قصة زكريا -﵇- وإيجاد الله منه الولد -الزكي الطَّاهر- حال كبره وعقم زوجته، بقصة مشابهة مناسبة للقران والمماثلة، وهي قصة مريم في إيجاده تعالى منها ولدها عيسى - ﵉ - من غير أب.","vol":"4","page":643},{"text":"فقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾.\nأي: اذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزلهُ عليكَ بالحق مريم ابنة عمران -﵍- حين اعتزلت من أهلها فاتخذت موضعًا قبل مشرق الشَّمس دون مغربها.\nقال قتادة: (﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾. أي انفردت من أهلها). وعن ابن عباس: (﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: خرجت مكانًا شرقيًّا). قال السدي: (خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله: فانتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا: في شرقيّ المحراب).\nقال ابن عباس: (إني لأعلم خلق الله لأيّ شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة، لقول الله: فانتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة). وفي رواية عنه قال: (إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحجّ لله، وما صرفهم عنهما إلا قيل ربك: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ فصلوا قبل مطلع الشَّمس). وقال قتادة: (﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾: شاسعًا متنحيًا).\nومريم بنت عمران -كما ذكر الحافظ ابن كثير في التفسير- من سلالة داود ﵇، وكانت من بَيْتٍ طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادةِ أمِّها لها في [آل عمران]، وأنها نذرتها مُحَرَّرة، أي: لخدمة بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلكَ، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدُّؤوب، وكانت في كفالةِ زوج أختها -وقيل: خالتها- زكريا نبيُّ بني إسرائيل إذْ ذاك وعظيمهم، الذي يرجعون إليه في دينهم. ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بَهرهُ، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، فذكر أنه كانَ يجد عندها ثَمَرَ الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء. فلما أرادَ الله تعالى -وله الحكمة والحجّة البالغة- أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾، أي: اعتزلتهم وتنحَّت عنهم، وذهبت إلى شرقيّ المسجد المقدس.\nوقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾. أي: توارت عنهم واستترت بستر يحجبها عنهم.","vol":"4","page":644},{"text":"وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. قال وهب بن منبه: (وجدت عندها جبريل قد مثله الله بشرًا سويًّا). أي أرسل اللهُ إليها جبريل في صورة رجل من بني آدم معتدل الخلق.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾.\nقال ابن جريج: (خشيث أن يكون إنما يريدها على نفسها). والمقصود: أنها فزعت منه حين رأته فاستجارت بالرحمن لدفعه عنها إن كان أرادها بسوء. قال السدي: (تقول: أستجير بالرحمن منكَ أن تنال مني ما حرّمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه). قال ابن كثير: (أي: إن كنت تخاف الله، تذكيرٌ لهُ بالله. وهذا هو المشروع في الدفع أن يكونَ بالأسهلِ فالأسهل، فخَوَّفته أولًا باللهِ ﷿).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.\nأي: فأجابها الملك مطمئنًا لها ليزيل عنها الخوف الذي اعتراها على نفسها: ما الأمر كما تظنين، ولكني رسول ربكِ، بعثني إليكِ ليهب الله لك غلامًا زكيًّا.\nقال ابن جرير: (والغلام الزكي: هو الطَّاهر من الذنوب).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.\nأي: فأجابت متعجبة -كيف يكون مني غلامٌ ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور. قال النسفي: (﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ زوج بالنكاح ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فاجرة تبغي الرجال أي تطلب الشهوة من أي رجل كان، ولا يكون الولد عادة إلا من أحد هذين).\nوالبَغِيّ: هي الزانية، وقد جاء هذا اللفظ في السنة كذلك، كما جاء في القرآن. ففي الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال: [نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن] (١).\nوقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾.\nقال السدي: (قال لها جبريل: هكذا الأمر كما تصفين، من أنك لم يمسسكِ بشر ولم تكوني بغيًّا، ولكن ربك قال: هو علي هين: أي خَلْقُ الغلام الذي قلتِ، أن أهبه لك عليَّ هين، لا يتعذّر عليّ خلقه، وهبته لك من غير فحل يفتحلك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧)، وأبو داود (٣٤٨١) والترمذي (١٢٧٦)، وابن ماجه (٢١٥٩)، وأحمد (٤/ ١١٩ - ١٢٠)، وابن حبان (٥١٥٧).","vol":"4","page":645},{"text":"وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾. قال القاسمي: (أي برهانًا يستدلون به على كمال قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع خلقهم. فخلق أباهم آدمَ من غير ذكر ولا أنثى. وخلق حواء من ذكر بلا أنثى. وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجدهُ من أنثى بلا ذكر. فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه).\nوقوله: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ورحمة منّا لك، ولمن آمن به وصدّقه أخلقه منكِ).\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. قال وهب بن منبه: (أي إن الله قد عزم على ذلك، فليسَ منه بدّ).\nويحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل لمريم، أو هو خبر الله لرسوله محمد - ﷺ -.\n٢٢ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: اعتزال مريم ﵍ بحملها مكانًا نائيًا عن الناس، وتحرك المخاض عليها فألجأها إلى جذع النخلة وتمنيها أن لو كان نُسِي أثرها، ومناداة الصبي من تحتها يطمئنها، وامتنان الله تعالى عليها بالطعام والشراب وقرة العين، وإخبارها قومها بالإشارة نذرها الصيام وهو الإمساك عن الكلام.\nفقوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾. قال ابن عباس: (مكانًا نائيًا). وقال مجاهد: (قاصيًا).\nقال ابن جرير: (يقول: فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتَنَحَّت به عن الناس مكانًا قصيًا. يقول: مكانًا نائيًا قاصيًا عن الناس).","vol":"4","page":646},{"text":"وعن ابن جريج: (يقولون: إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها). يعني الملك، فحملت بإذن الله، ثم انصرف عنها.\nوقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال مجاهد: (ألجأها المخاض). قال ابن جريج: وقال ابن عباس: (ألجأها المخاض إلى جذع النخلة). وقال قتادة: (اضطرّها المخاض إلى جذع النخلة). وهي نخلة في المكان الذي تَنَحَّتْ إليهِ، ولا دليل على موقعهِ الدقيق من بيت المقدس، فالأولى عدمُ الخوض بذلك. وإنما المقصود أنه ألجأها ألم الولادة إلى الاستناد بذلكَ الجذع لتعتمد عليه وتستتر به.\nوقوله: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. أي: كما قال ابن عباس: (لم أخلق، ولم أك شيئًا). وقال السدي: (نسيًا. نُسي ذكري. ومنسيًا: تقول: نسي أثري، فلا يُرى لي أثرٌ ولا عين). وعن قتادة: (أي شيئًا لا يعرفُ ولا يذكر).\nقال القاسمي: (وإنما قالت ذلك، لما عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود، الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد. فلحقها فرط الحياء وخوف اللائمة إذا بهتوها وهي عارفة ببراءة الساحة، وبضد ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام).\nوقوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.\nأي ناداها الملك جبريل ﵇ مطمئنًا لها ألا تحزني ولا تهتمي بالوحدة وعدم الطعام والشراب ومقالة الناس فها قد جعل ربك بقربك نهرًا صغيرًا.\nفعن ابن عباس: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾: جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها).\nوعن قتادة: (إنه المَلَكُ جبريل ﵊، أي ناداها من أسفل الوادي).\nوقيل: ناداها ابنها عيسى، والأول أرجح.\nقال القرطبي: (وقوله: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ تفسير النداء، و\"أَنْ\" مفسّرة بمعنى أي، المعنى: فلا تحزني بولادتك. ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ ويعني عيسى. والسريّ من الرجال العظيم الخصال السّيد). وعن ابن عباس: (السري: النهر). وبه قال عمرو بن ميمون: (نهر تَشْربُ منه). وقال الضحاك: (هو النهر الصغير بالسريانية). وقال وهب بن منبه: (هو ربيع الماء). وقال السدي: (هو النهر) - واختاره ابن جرير.","vol":"4","page":647},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.\nقال ابن عباس: (كان جذعًا يابسًا، فقال لها: هزّيه \"تساقط عليك رطبًا جنيًا\").\nقال القاسمي: (أي حضر أوانُ اجتنائه). والمقصود أن الله تعالى قد امتن عليها بأن جعل عندها طعامًا وشرابًا.\nقال الزمخشري: (فإن قلت: ما كان حزنها لفقد الطعام والشراب حتى تسلَّى بالسريّ والرطب! قلت: لم تقع التسلية بهما من حيث إنهما طعامٌ وشراب، ولكن من حيث إنهما معجزتان تُريان الناس أنها من أهل العصمةِ، والبعد من الريبة، وأنَّ مثلها، مما قرفوها به، بمعزل. وأن لها أمورًا إلهية خارجة عن العادات، خارقة لما ألفوا واعتادوا، حتى يتبيّن لهم أن ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها).\nقلت: بل لا مانع من كون التسيلة بالسري والرطب من بابِ الاطمئنان، والأنس بالطعام والشراب في تلك الوحدةِ إضافة لكون ذلكَ معجزة تميزها وتشهد لبراءتها واختصاصها من الله تعالى.\nوقوله: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي: كلي واشربي وطيبي نفسًا ولا تغتمي. وقيل: جمعنا لك في السري والرطب فائدتين: إحداهما الأكل والشرب والثانية سلوة الصدر، لكونهما معجزتين. وكان عمرو بن ميمون يقول: (ما من شيء خير للنُّفَساء مِنْ التَّمر والرُّطَب) - ويتلو هذه الآية.\nوقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.\nأي: فإن رأيت آدميًّا يسألك عن حالك فقولي: إني نذرتُ للرحمن صمتًا وإمساكًا عن الكلام. قال ابن عباس: (يعني بالصوم: الصمت). وقال أنس بن مالك: (صومًا: صمتًا) - رواه ابن جرير. قال النسفي: (وإنما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة، وقد تسمى الإشارةُ كلامًا وقولًا: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ آدميًّا).\n٢٧ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)","vol":"4","page":648},{"text":"وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾.\nفي هذه الآيات: مجيء مريم قومها تحمل وليدها، وتعجب قومها من أمرها، وتكلُّم الصبي في المهد منزهًا ربه تعالى ومبرئًا أمهُ مما نسب إليها، ومثبتًا لنفسه النبوة من الله له والوصية بالصلاة والزكاة وبر الوالدة وحمايته من الشقاء، والسلام عليهِ في هذه المواطن الثلاثة: يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حَيًّا.\nفقوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾. قال وهب بن منبه: (أنساها يعني مريم كرب البلاء وخوف الناس ما كانت تسمعُ من الملائكة من البشارة بعيسى، حتى إذا كَلّمها، يعني عيسى، وجاءها مصداقُ ما كان الله وعدها احتملته ثم أقبلت به إلى قومها).\nوقوله: ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. قال مجاهد: (أي: أمرًا عظيمًا).\nأي: فلما رأوها والطفل بيدها أنكروا ذلكَ عليها واستعظموه وقالوا لها: يا مريم لقد أحدثت حدثًا عظيمًا، جئت بأمر عجيب.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.\nأي: يا شبيهة هارون في العبادة والزهادة، لقد كنت من أهل بيت يعرفون بالصلاح والعفاف، فكيف صدر منكِ هذا؟ وفيه تأويلان محتملان:\n١ - قال السدي: (قيل لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾، أي: أخي موسى، وكانت من نَسْلهِ، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر).\n٢ - قال قتادة: (كان رجلًا صالحًا في بني إسرائيل يسمى هارون، فشبَّهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح). وقال أيضًا: (كانت من أهل بيتِ يُعرفون بالصلاح، ولا يُعرفون بالفساد، ومن الناسِ من يُعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحًا محببًا في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر).\nوأما ما ذُكِرَ عَن القرظي من أنها أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي","vol":"4","page":649},{"text":"هارون التي قصت أثر موسى، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾ [القصص: ١١]، فقول خطأ محض بعيد كل البعد عن الصحة.\nففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: [أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياءُ أولاد علّات، ليْسَ بيني وبينهُ نبيّ] (١).\nوفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة قال: [لما قَدِمْتُ نَجْرانَ سألوني، فقالوا: إنكم تقرؤون: \" ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمتُ على رسول الله - ﷺ -: سألته عن ذلك، فقال: \"إنهم كانوا يُسَمُّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم\"] (٢).\nقال النسفي: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وكان أخاها من أبيها ومن أفضل بني إسرائيل، أو هو أخو موسى ﵇ وكانت من أعقابه وبينهما ألف سنة، وهذا كما يقالُ: يا أخا همدان أي يا واحدًا منهم). وقال ابن جرير: (وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ يقول: ما كانَ أبوك رجل سوء يأتي الفواحش ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ يقول: وما كانت أمك زانية).\nوقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. قال قتادة: (أمرتهم بكلامه). وقال وهب بن منبه: (أشارت إليه أن كلموه).\nوقوله: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. أي كيف يتكلم ويفصح من كان في مهده في الصغر؟ ! .\nقال ابن كثير: (أي: إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قصَّتَها، وقالوا لها ما قالوا معرّضين بقذفها ورَمْيها بالفرية، وقد كانت يومَها ذلكَ صائمةً صامتةً، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامهِ، فقالوا: مُتَهَكِّمين بها، ظانِّين أنها تَزْدري بهم وتلعب بهم: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.\nوقوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.\nهو أول كلام نطق به عيسى ﵊، فنَزَّه جناب ربه تعالى، وبرّأ الله سبحانهُ عن الولد، وأثبت لنفسهِ العبودية لربه ﷿. قال القرطبي: (فكان أوّل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٤٢) - كتاب أحاديث الأنبياء، وانظر حديث (٣٤٤٣) منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢١٣٥) كتاب الآداب، والترمذي في الجامع (٣١٥٥)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٥٢)، وغيرهم.","vol":"4","page":650},{"text":"ما نطقَ به الاعترافُ بعبوديتهِ لله تعالى وربوبيته، ردًّا على من غلا من بعده في شأنه).\nوقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. الكتاب: الإنجيل، قال عكرمة: (أي: قضى أن يؤتيني الكتاب فيما قضى).\nوالآية كما قال ابن كثير: (تبرئة لأمِّهِ مما نسبت إليه من الفاحشة).\nوالمقصود: أن اللهَ ﵎ كتبه نبيًّا قبل أن يخلقهُ، وقضى بإنزالِ الإنجيل عليه يوم يقوم بمنهاج النبوة ودعوة الخلق إلى توحيد الله العظيم.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. أي: بشرف العلم والدعوةِ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنفع في وجوه الخير. قال مجاهد وسفيان: (معلمًا للخير حيثما كنت).\nوقال مجاهد: (نفّاعًا). وذكر ابن جرير بسنده عن وُهيب بن الورد مولى بني مخزوم، قال: (لقي عالم عالمًا لما هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمكَ الله، ما الذي أعلن من علمي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد اجتمع الفقهاء على قول الله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان).\nوقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وقضى أن يوصيني بالصلاة والزكاة، يعني المحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضَها عليَّ. وفي الزكاة معنيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤديها. والآخر: تطهير الجسد من دنس الذنوب، فيكون معناه: وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي).\nوالآية شبيهة بوصية الله تعالى لخاتم الرسل محمد - ﷺ -: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وكذلكَ أوصى عيسى ﵊ بإقامة الدين: وعنوان ذلكَ الصلاة والزكاة، ما دام حيًّا.\nوقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾. أي: وكذلكَ أمرني ببر والدتي. وقد ورد ذلكَ القِران كثيرًا في القرآن الكريم، فإن طاعة الله يعقبها بر الوالدين وصلة الرحم، ومن ذلك:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].\n٢ - وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].","vol":"4","page":651},{"text":"٣ - وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].\nوكذلكَ فإن السنة الصحيحة قد حفلت بآفاق هذا القران في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [سألتُ النبي - ﷺ -: أيُّ العملِ أحَبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاةُ على وقتها. قلتُ: ثم أيّ؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلتُ: ثم أيّ؟ قال: الجهادُ في سبيل الله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الشيخان وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: [أقبل رجلٌ إلى نبيِّ الله - ﷺ -، فقال: أُبايِعُكَ على الهجرةِ والجهاد أَبْتَغي الأجرَ مِنْ الله تعالى. قال: فهل لكَ مِنْ والِدَيكَ أحدٌ حَيٌّ؟ قال: نَعَمْ بل كلاهُما. قال: فتبتغي الأجْرَ من الله تعالى؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديكَ، فأَحسن صُحْبَتَهُما] (٢).\nوفي رواية لهما: أجاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: أحيٌّ والِداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد].\nوالمقصود -كما ذكر أهل العلم- جهاد النفس في وصول البر إليهما، والتلطف بهما، وحسن الصحبة، والطاعة في غير ذلك. وفي الحديث دليل لعظم فضيلة بر الوالدين، وأنه آكد من الجهاد، إذا كان فرض كفاية، فيحرم عليه أن يجاهد إلا بإذنهما، أما إذا تعين فلا إذن- كما أفاد الفقهاء.\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي أيوبَ الأنصاري ﵁ أنّ رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. فقال النبي - ﷺ -: [تَعْبُدُ الله، ولا تشركُ به شيئًا، وتُقيمُ الصلاةَ، وتؤتي الزكاة، وتَصلُ الرحم] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. أي: حفظني من الفسق والعقوق.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٠/ ٣٣٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وأخرجه مسلم كذلكَ -حديث رقم- (٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٩٧ - ٩٨)، (١٠/ ٣٣٨)، ومسلم (٢٥٤٩)، وأخرجه أبو داود (٢٥٢٩)، وأخرجه النسائي (٦/ ١٠) - (٧/ ١٤٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٠٨)، وكذلكَ أخرجه مسلم (١٣)، وغيرهما.","vol":"4","page":652},{"text":"قال ابن كثير: (أي: ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته وبرِّ والدتي، فأشقى بذلك).\nقال سفيان الثوري: (الجبّار الشقي: الذي يُقبل على الغضب). وقال بعض السلف: (لا تجدُ أحدًا عاقًّا لوالديهِ إلا وجدته جَبَّارًا شقيًّا، ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾، قال: ولا تجدُ سَيِّئَ الملكة إلا وَجَدْتَهُ مُختالًا فَخورًا، ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]- ذكره ابن جرير في \"التفسير\".\nوقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.\nفيه إثبات العبودية -من عيسى ﵇- مرة أخرى لله العظيم، تأكيدًا ودحضًا لما سيكون من الاعتداء في ذلكَ من بعده، فهو مخلوق كغيره له ثلاثة أيام من دهره: يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه من قبره ليقوم بين يدي ربه، وهو يرجو رحمة الله تعالى وسلامته وأمنه في هذه الأحوال الثلاثة.\n٣٤ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تبيانُ الله خبر عيسى على الحقيقة، وتنزيه نفسه تعالى عن الولد، وبيانُ أنّ أمرَه إذا أرادَ شيئًا أن يقول له كن فيكون، وإثبات من عيسى ﵇ الربوبية والألوهية لله وحده، ودعوة قومه إلى إفراده تعالى بالعبادة وذلكَ هو الصراط المستقيم.\nوذِكرُ اختلاف الناس في شأنه، وتوعّد للكافرين، مشهد يوم عظيم.\nفقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ - أي يختصمون ويختلفون.\nقال القرطبي: (أي ذلكَ الذي ذكرناه عيسى ابن مريم فكذلك اعتقدوه). وقال","vol":"4","page":653},{"text":"أبو حاتم: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾: المعنى هو قول الحق). وقيل. التقدير هذا الكلام قول الحق. وقال الكسائي: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ نعت لعيسى) - أي كما سمي كلمة الله.\nوقرأ عاصم وعبد الله بن عامر ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ بالنصب على الحال، أي أقول قولًا حقًّا. وقرأ الأكثرون ﴿قولُ الحق﴾ بضم اللام. والتقدير: هو قول الحق.\nوعن قتادة: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ امترت فيه اليهود والنصارى، فأما اليهود فزعموا أنه ساحر كذّاب، وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله، وثالث ثلاثة، وإله، وكذبوا كلهم، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه).\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: ما ينبغي لله أن يتخذ ولدًا، فهو يتنزه وينزه ذاته عن ذلك، وما أمره إذا أراد شيئًا إلا أن يقول له كن فيكون.\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠].\nوقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: [قال اللهُ: كَذَّبني ابنُ آدمَ ولمْ يَكُنْ له ذلك، وشتمني ولمْ يكُنْ له ذلكَ، فأما تكذيبُه إيّايَ فزعَمَ أني لا أَقْدِرُ أَنْ أعيدَهُ كما كان، وأما شَتْمُه إيّايَ فقوله: لي وَلَدٌ فَسُبْحَاني أَنْ أَتَّخِذَ صاحِبةً أوْ ولدًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\nإثبات من عيسى ﵊ الربوبية والألوهية لله وحده، فإنه عبد لله كغيره، وإرشادٌ منهُ إلى إفرادهِ تعالى بالعبادة، وذلكَ طريق الهداية والاستقامة والرشاد.\nقال وهب بن منبه: (عَهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه أنَّ \"الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم\". أي إني وإياكم عبيد الله، فاعبدوه ولا تعبدوا غيره).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٨٢)، كتاب التفسير، سورة البقرة، عند آية (١١٦).","vol":"4","page":654},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nقال قتادة: (اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا). ثم قال: (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ شهدوا هولًا إذن عظيمًا).\nقال ابن كثير: (أي: واختلفت أقوالُ أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمرِه ووضوح حاله، وأنه عبدُه ورسوله وكَلِمتُه ألقاها إلى مَرْيمَ وروحٌ منه، فَصَمَّمتْ طائفة -وهم جمهور اليهود، عليهم لعائن الله- على أنه ولدُ زنْيَة، وقالوا: كلامهُ هذا سِحْرٌ.\nوقالت طائفة أخرى: إنما تكَلَّم الله. وقال آخرون: هو ابن الله. وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو قولُ الحقِّ، الذي أرشد الله إليهِ المؤمنين).\nوفي الصحيحين -واللفظ للبخاري- عن أبي موسى ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ليسَ أحدٌ - أو ليس شيءٌ - أصْبَرَ على أَذىً سمِعَه من الله، إنهم ليَدُعونَ له ولَدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم] (١).\nورواه مسلم بلفظ: [ما أحدٌ أصبرَ على أذىً يسمعهُ، من الله ﷿، إنهم يجعلون له نِدًّا، ويجعلون لهُ ولدًا، وهو مع ذلكَ يرزقُهم، ويعافيهم، ويعطيهم].\nوإنَّما النجاة من عذاب الله يوم القيامة بإقامة التوحيد لله وإثبات الرسالة للمرسلين، وقد صنف الإمام مسلم في صحيحه بابًا سمّاه: \"باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا\" -روى فيه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -[من شهدَ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدهُ ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، ورواه البخاري (٢).\n٣٨ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٩٩)، كتاب الأدب. باب الصبر في الأذى، وأخرجه مسلم (٨/ ١٣٤) وانظر: مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٩٢٨)، كتاب التوبة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٣٤٢)، كتاب الأنبياء، من حديث عبادة بن الصامت ﵁. وأخرجه مسلم (٢٨) في الإيمان.","vol":"4","page":655},{"text":"مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ استماع الكفار وإبصارهم يوم القيامة بعد فوات الأوان، وإنذارٌ من النبي - ﷺ - لمشركي قومه يوم التحسر والندم وشدة الزحام، وإخبارٌ من الله سبحانه أنه الخالق المالك المتصرف وإليه مرجعُ جميع الأنام.\nفقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. قال قتادة: (أسمع قوم وأبصرهم). وقال: (ذاكَ واللهِ يوم القيامة، سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر).\nوالآية: إخبارٌ من الله تعالى عن حال الكفار يوم القيامة أنهم يكونون يومئذ أسمع شيء وأبصره، وقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾. مبالغة في حضور السمع والبصر، والمعنى: ما أسمعهم وأبصرهم، ولكن ذلك كان منهم حين فات الأوان.\nكما في التنزيل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].\nوقوله: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nأي: لكن الكافرون اليوم -في الدنيا- في ذهاب عن سبيل الحق، وضياع في متاهات الضلال يبين لمن تأمله أنهم لا يبتغون الهدى ولا يبحثون عن الرشاد وسبيل النجاة.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: وأنذر -يا محمد- هؤلاء المشركين وجميع الخلائق يوم التحسر والندم، إذ فصل الله بين أهل الجنة وأهل النار وصار كل فريق إلى ما قُضِيَ له من الخلود في ذلك، وهم اليوم في حياتهم الدنيا يخوضون في الغي والشهوات غافلين عما أنذروا به، بل ولا يوقنون به ولا يصدقون.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بالموت كهَيْئَة كَبْشٍ أَمْلَحَ فَينادي مُناد: يا أهل الجنة، فيَشْرَئِبُّون ويَنْظُرون فيقول: هل تَعْرِفون هذا؟ فيقولون: نَعَمْ، هذا الموتُ، وكلُّهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيَشْرَئِبُّون ويَنْظُرون فيقول: هل تَعْرِفُونَ هذا؟ فيقولون: نَعَمْ، هذا الموتُ، وكُلُّهُمْ قد رآه، فيُذْبَحُ، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا مَوْتَ،","vol":"4","page":656},{"text":"ويا أهل النار خلودٌ فلا مَوْتَ، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ -وهؤلاء في غفلةِ أهلُ الدنيا- وهم لا يؤمنون] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.\nإخبارٌ من الله سبحانهُ أنه الخالق المالك المتصرف الباقي، وجميع الخلق يهلكون ويفنون، وهو الحي القيوم لا تأخذهُ سنة ولا نوم، وهو يرث الأرض ومن عليها وإليه يُرجعون.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ونحن وارثو الأرض ومن عليها من الناس، بفنائهم منها، وبقائها لا مالك لها غيرنا، ثم علينا جزاء كل عامل منهم بعمله، عند مرجعه إلينا، المحسن منهم بإحسانه، والمسيء بإساءته).\n٤١ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾.\nفي هذه الآيات: حوار نبي الله إبراهيم ﵊ مع أبيه يدعوه لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، ويحذره اتباع الشيطان الرجيم، ما يعقب ذلكَ يوم القيامة من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٣٠) -كتاب التفسير- سورة كهيعص، عند هذه الآية، ورواه مسلم (٢٨٤٩)، وأحمد (٣/ ٩)، والبيهقي في \"البعث\" (٥٨٤)، وله شواهد بروايات كثيرة - من حديث أبي هريرة وابن عمر ﵄.","vol":"4","page":657},{"text":"العذاب الأليم، وتمرد آزر على الحق واعتزال إبراهيم، وإكرام الله له بإسحاق ويعقوب في الأنبياء والمرسلين، وإعلاؤه تعالى في الأرض ذكر خليله إبراهيم.\nفقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾.\nقال القرطبي: (ومعنى الآية: اقرأ عليهم يا محمد في القرآن أمر إبراهيم فقد عرفوا أنهم من ولده، فإنه كان حنيفًا مسلمًا وما كان يتخذ الأنداد، فهؤلاء لم يتخذون الأنداد؟ ! وهو كما قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: اذكره حين قال لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ﴾ ويقول: ما تصنع بعبادة الوثن الذي لا يسمع ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ شيئًا ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يقول: ولا يدفعُ عنكَ ضرّ شيء، إنما هو صورة مصوّرة لا تضرّ ولا تنفع. يقول: ما تصنع بعبادة ما هذه صفته؟ اعبد الذي إذا دعوته سمع دعاءكَ، وإذا أحيط بك أبصركَ فنصرك، وإذا نزل بك ضرّ دفع عنك).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.\nقال ابن كثير: (يقول: فإنْ كنتُ من صُلْبِكَ وترى أني أصغر منكَ، لأني ولدُكَ، فاعلم أني قد اطّلعتُ من العلم من الله على ما لم تَعْلَمهُ أنتَ ولا اطّلعتَ عليهِ ولا جاءكَ بعد، ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب).\nوقوله: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾.\nقال النسفي: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ لا تطعه فيما سوّل من عبادة الصنم ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ عاصيًا). والعصي هو ذو العصيان، كما العليم هو ذو العلم- كذا في كلام العرب.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾.\nهو نصيحة إبراهيم ﵊ لوالده، أنْ أصغ إلى الوحي تنجُ ولا تكن للشيطان وليًا. إني أخافُ أن تنال عذاب النار كما ينتظر إبليس فإنه كان للرحمن عصيًا.\nقال ابن جرير: (والخوف في هذا الموضع بمعنى العلم، كما الخشيةُ بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾).","vol":"4","page":658},{"text":"فيكون المعنى: يا أبتِ إني أعلم أنكَ إن متّ على عبادة الشيطان أنه يمسكَ عذاب من عذاب الله فتكون وليًا للشيطان دون الله فتهلك.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.\nقال ابن كثير: (يعني إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها؟ فانته عن سَبِّها وشَتْمِها وعَيْبها، فإنك إن لم تنتهِ عن ذلك اقتصصتُ منكَ وشتمتُكَ وسَبَبْتُكَ وهو قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾).\nوعن السدي: (﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قال: بالشتيمة والقول). وقال ابن جريج: (بالقول، لأشتمنّكَ) وقال له: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ فيه معنيان محتملان:\nالمعنى الأول: قال الحسن: (واهجرني زمانًا طويلًا). أي: اهجرني حينًا طويلًا ودهرًا.\nالمعنىُ الثاني: قال ابن عباس: (اجتنبني سويًّا). وفي رواية: (اجتنبني سالمًا قبل أن يصيبكَ مني عقوبة).\nفيكون المعنى على هذا التأويل: واهجرني سويًّا سالمًا من عقوبتي إياك، ووَجَّهوا معنى المليّ إلى الاضطلاع والغنى، فإن العرب تقول: فلان مليّ في هذا الأمر: إذا كان مضطلعًا به غنيًّا فيه. والتقدير: واهجرني وعرضُك وافر من عقوبتي وجسمكَ معافى من أذاى.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.\nقال ابن عباس: (لطيفًا). والحفي في لغة العرب اللطيف.\nوالمعنى: أجاب إبراهيم - ﷺ - والده آزر: أما أنا فستكون في سلام مني لشرف الأبوة وحرمةِ بِرِّ الوالدين، فلا ينالكَ مني أذى أو مكروه، وسأسأل الله العظيم أن يَهْديكَ ويغفر لك، إنه كانَ بني رحيمًا لطيفًا أن هداني للحق وإخلاص العبادة له.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾.\nهو مدح من الله سبحانهُ لإبراهيم ﵊، إذ وقف على ثوابت المنهج الصائب منهج الحق، فقال لأبيه وقومه المستهزئين المستكبرين المعاندين المصرّين على الشرك والظلم: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: وأعتزلكم وشرككم","vol":"4","page":659},{"text":"وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾: فأخلص له العبادة والدعاء كي لا أشقى شقاء المشركين به وبعبادته، فإليهِ تعالى يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، ومن ثم فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليهِ.\nوهذا التبرؤ كان بعد الاستغفار من إبراهيم لأبيهِ والدعوة له ولقومه، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]. وكذلكَ فإن المسلمين استغفروا لقراباتهم من المشركين حتى أنزل اللهُ الأمر بالاقتداء بإبراهيم ﵊: فقال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤].\nيعني: إلا في هذا القول الذي كان من إبراهيم بداية الأمر ثم أقلع عنه، فلا تتأسوا به في ما كان قبل إقلاعه، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤].\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.\nأي: فلما اعتزل قومه وهم على شركهم وإصرارهم آنسنا وحشته من فراقهم، وأبدلناهُ خيرًا منهم، ومن هو أفضل وأحسن منهم وأكرم، فوهبنا له ابنه إسحاق وابن ابنه يعقوب بن إسحاق، وجعلناهم أنبياء ورزقناهم الثناء الحسن.\nوخلاصة القول: لما اعتزل فاسد بني البشر، أبدلهُ اللهُ بخير بني البشر، فجعل النبوة والرسالة في ذريته.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: [الكريمُ ابنُ الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسفُ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٩٠) وكذلكَ (٤٦٨٨)، ورواهُ أحمد في المسند (٢/ ٩٦).","vol":"4","page":660},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.\nقال ابن عباس: (يعني الثناء الحسن). قال ابن جرير: (وكان الذي وهب لهم من رحمته، ما بسط لهم في عاجل الدنيا من سعة رزقه، وأغناهم بفضله. وإنما وصف جلّ ثناؤه اللسان الذي جعل لهم بالعلوّ، لأن جميع أهل الملل تحسن الثناء عليهم).\n٥١ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكرُ الله تعالى خبر عبده موسى وكان رسولًا نبيًّا، وناداه من جانب الطور الأيمن وقربه ووهب له أخاه هارون نبيًّا.\nفقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾.\nأي: واذكر يا محمد في القرآن المنزل إليكَ من ربكَ موسى بن عمران، واقصص على قومكَ أنه كانَ مخلصًا ورسولًا نبيًّا.\nوقرأ عامة قراء المدينة والبصرة ﴿مُخْلَصًا﴾ أي يخلص لله في العبادة ولا يشرك به.\nوقرأها عامة قراء الكوفة خلا عاصم ﴿مُخْلَصًا﴾ أي أخلصه الله واصطفاه لرسالته وجعله نبيًّا مرسلًا إلى بني إسرائيل. وهما قراءتان مشهورتان.\nقال ابن جرير: (كان - ﷺ - مُخْلِصًا عبادة الله، مُخْلَصًا للرسالة والنبوّة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.\nقال قتادة: (قوله: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ قال: جانب الجبل الأيمن).\nقال ابن كثير: (أي: من جانِبهِ الأيمن من موسى، حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوةً، رآها تلوح فقصدها، فوجدها جانب الطور الأيمن منه، غَرْبيّه عند شاطئ الوادي. فكلمه الله تعالى، وناداه وقربه فناجاه).\nوقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.\nقال ابن عباس: (كان هارونُ أكبر من موسى، ولكن أراد وهب له نبوّته).","vol":"4","page":661},{"text":"والمعنى: ووهبنا لموسى رحمة منا أخاه هارون، أيّدناه بنبوته وأعنّاه بها، فكان نعم العون لأخيهِ.\nوفي التنزيل ما يفسِّر ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٣ - ١٤].\nقال بعض السلف: ما شَفَعَ أحدٌ في أحدٍ شفاعةً في الدنيا أعظمَ من شفاعة موسى في هارون أن يكونَ نبيًّا.\n٥٤ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكرُ الله خبر عبده إسماعيل وكان صادقًا رسولَا نبيًّا، وثناؤه تعالى عليه إذ كان يأمر أهلهُ بالصلاة والزكاة، وكان عند الله مرضيًّا.\nفقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾.\nثناء عطرٌ من الله تعالى على إسماعيل بن خليل الله إبراهيم ﵉، هو والد العرب. والمعنى: واذكر يا محمد -كذلك- في هذا القرآن إسماعيل واقصص خبره على قومك، إنه كان لا يكذب وعده، ولا يخلف عهده، وكان رسولًا نبيًّا.\nقال ابن جريج: (﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ قال: لم يَعِدْ ربه عِدةً إلا أنجزها).\nوقيل: إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح وعلى قضاء الله وأمره فصبر حتى فدي.\nقال القرطبي: (﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ قيل: أرسل إسماعيل إلى جُرْهُم. وكل الأنبياء كانوا إذا وعدوا صدقوا، وخصّ إسماعيل بالذكر تشريفًا له. واللهُ أعلم).\nوقال ابن كثير: (﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾، في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق، لأنه إنما وُصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وُصِفَ بالنبوة والرسالة).","vol":"4","page":662},{"text":"وفي صحيح مسلم من حديث واثلة بن الأسقع ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾.\nمتابعة في الثناء الطيب على إسماعيل ﵊، حيث وُصف بالمثابرة في العبادة، وعنايته بأهله في المسارعة بالطاعة، وأهمها الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى نال درجة الرضا عند ربه ﷿.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦].\nومن كنوز السنة العطرة في ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [رَحِمَ اللهُ رجلًا قام من الليل فصلّى وأيقظ امرأتَه، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رَحِمَ اللهُ امرأة قامت من الليل فصَلَّت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نَضَحَتْ في وجههِ الماء] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته، فَصَلَّيا ركعتين، كُتِبَا مِنْ الذاكرين اللهَ كثيرًا والذاكرات] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٧٦)، والترمذي (٣٦١٠)، وأحمد (٤/ ١٠٧)، وأبو يعلى (٧٤٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٣٠٨)، والنسائي (٣/ ٢٠٥)، وأحمد (٢/ ٢٥٠)، وابن حبان (٢٥٦٧)، وصححه الحاكم (١/ ٣٠٩) ووافقه الذهبي، وإسنادهُ قوي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٣٠٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٣١٠)، وابن ماجة (١٣٣٥)، وابن حبان (٢٥٦٨)، والبيهقي (٢/ ٥٠١)، وانظر صحيح سنن أبي داود (١١٦١).","vol":"4","page":663},{"text":"٥٦ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء من الله تعالى على إدريس ﵊، وأنه كان صديقًا نبيًّا، ورفعه الله تعالى مكانًا عليًّا.\nقال النسفي: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ هو شرف النبوة والزلفى عند الله، وقيل معناه رفعته الملائكة إلى السماء الرابعة وقد رآه النبي - ﷺ - ليلة المعراج فيها).\nوفي صحيح مسلم من حديث أنس -حديث الإسراء والمعراج- قال رسول الله - ﷺ -: [ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِثَ إليهِ؟ قال: قد بُعِثَ إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بني ودعا لي بخير. قال الله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾] (١).\n٥٨. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾.\nفي هذه الآية: ثناءُ الله تعالى على المرسلين، من ذرية آدم وممن حمل مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هداهم واصطفاهم للنبوة والكرامة وإقامة الدين، في تعظيمهم لأمر ربهم وخرورهم عند سماع آياته ساجدين باكين.\nقال القاسمي: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس ﵇، وما فيه من معنى البعد، للإشعار بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل).\nوقال ابن كثير: (يقول تعالى: هؤلاء النبيّون -وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء ﵈، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس-).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٦٢) - كتاب الإيمان، من حديث أنس بن مالك. ورواه البخاري وأكثر أهل السنن.","vol":"4","page":664},{"text":"وقوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. أي: بفنون النعم الدينية والدنيوية، وضروب الاختصاص في الذكر والنصر.\nوقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾.\nقال السدي وابن جرير: (فالذي عُني به من ذُرِّيةِ مَنْ حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عُني به ذُرِّية إبراهيم إسحاقُ ويعقوب وإسماعيل، والذي عُني به من ذرية إسرائيل موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى ابنُ مريم).\nقال ابن جرير: (ولذلكَ فَرَّق أنسابهم، وإن كان يجمَعُ جميعهم آدمُ، لأنَّ فيهم من ليس من وَلَدِ مَنْ كان مع نوح في السفينة، وهو إدريسُ، فإنه جَدُّ نُوح).\nقال ابن كثير: (قلت: هذا هو الأظهر أن إدريسَ في عَمود نسب نوح ﵉).\nوقوله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾. أي: هديناهم للحق واجتبيناهم للنبوة والكرامة وإقامة الدين.\nوقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.\nقال القاسمي: (أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة، مع مالهم من علوّ الرتبة، وسمو الزلفى عنده تعالى. وفي الآية استحباب السجود والبكاء عند سماع التلاوة).\nقال ابن كثير: (أجمع العلماء على مشروعية السجود هاهنا، اقتداء بهم، واتباعًا لمنوالهم).\n٥٩ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾.\nفي هذه الآيات: عطفٌ على ذكر حال السعداء، بذكر حال الأشقياء، الذين","vol":"4","page":665},{"text":"أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون العذاب، إلا من آمن وعمل صالحًا وتداركَ نفسه بالتوبة إلى الله وأناب، فأولئك يدخلون الجنة ويرزقون فيها بغير حساب.\nفقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي قرون أُخر، خلفوا زمان الأنبياء في الأرض وقوله: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ فيه تأويلان:\n١ - قال القاسم بن مخيمرة: (إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركًا كان كفرًا). وقال مسروق: (لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس، فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن: إضاعتهن عن وقتهن).\n٢ - وقال القرظي: (يقول: تركوا الصلاة). واختاره ابن جرير.\nقلت: بل مفهوم الإضاعة يشمل التأويلين معًا، فهو إضاعة من أركانها وواجباتها وحدودها وخشوعها ومواقيتها أو ترك لها بالكلية فترة من الزمن أو نحو ذلك.\nوتفصيل ذلك:\n١ - أما تركها بالكلية جحودًا فهو كفر وخروج عن الملة، وهو مذهب الجمهور من العلماء.\nوفي ذلكَ أدلة من الحديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة] (١).\nوفي لفظ: [بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة].\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة، عن أبيهِ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [العَهْدُ الذي بَيْنَنا وبَيْنَهم الصلاةُ فمن تركها فقد كفرَ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم وأصحاب السنن. انظر صحيح مسلم (٨٢)، وسنن أبي داود (٢٦٢٠)، وسنن الترمذي (٢٦١٨ - ٢٦٢٠)، وسنن النسائي (١/ ٢٣٢)، وسنن ابن ماجة (١٠٧٨)، ورواه أحمد في المسند (٣/ ٣٧٠) من طرق من حديث جابر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٦٢١)، وابن ماجة (١٠٧٩)، والنسائى (١/ ٢٣١)، وأحمد (٥/ ٣٤٦)، من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعًا.","vol":"4","page":666},{"text":"قال: [ليس بين العبد والشِّرك إلا تركُ الصلاة. فإذا تركها فقد أشرك] (١).\n٢ - وأما تركها تكاسلًا وانشغالًا مع الإقرار بها وبوجوبها فهو كفر دون كفر.\nأي: هو كفر غير مخرج عن الملة، وهو مذهب ابن عباس وغيره من الصحابة وأهل العلم.\nوقد جاء لفظ الكفر في السنة بهذا المعنى في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [سباب المسلم فسوق وقتاله كفر] (٢).\nالحديث الثاني: أخرجَ الترمذي عن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك] وسنده صحيح (٣).\nقال الترمذي: (وتفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: فقد كفر أو أشرك على التغليظ. والحجة في ذلكَ حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال: \"ألا إن الله ينهاكم أن تَحْلفوا بآبائكم\". وحديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من قال في حِلفه: واللات والعزَّى فَليقل: لا إله إلا الله\". وهذا مثل ما رُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"الرياء شرك\").\nالحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرةَ، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت] (٤).\n٣ - والآية في تتمتها وصف لمعالجة ما فات من الصلاة وغيرها من الفرائض والواجبات سواء من انقطاع أو انتقاص. وهو قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾.\nأي: أقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها في طريق الحرام، ورضوا بالحياة الفانية وفضلوها على دار المقام، فهؤلاء سيلقون غيًا: أي خسارًا يوم القيامة. إلا من تدارك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (١٠٨٠)، كتاب الصلاة. باب ما جاء فيمن ترك الصلاة. وانظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٨٨٥).\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (٦٦)، ورواه البخاري وأكثر أهل السنن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١٥٩٠). وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (١٢٤١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٥٨). انظر مختصر صحيح مسلم (٥٥)، كتاب الإيمان، باب: الطعن في النسب والنياحة من الكفر.","vol":"4","page":667},{"text":"نفسهُ بالتوبة والإيمان والعمل الصالح قبل فوات الأوان، فهؤلاء يدخلون الجنة ويتجاوز الله عما سلف منهم ببركة الصدق وصحيح العمل والإيمان.\nومن ثمَّ فإن تعويض ما فات من الصلوات ليس بما يسمونه قضاءها، فإن الصلاة التي فاتت قد فات وقتها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. وإنما كما صرحت هذه الآية بالإكثار من النوافل والعمل الصالح بعد التوبة وتصحيح الإيمان.\nوفي ذلكَ جاءت السنة العطرة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة وأبو داود والترمذي بسند صحيح عن أنس بن حكيم الضبِّي قال: قال لي أبو هريرة: إذا أتيت أهل مصرك فأخبرهم أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إنَّ أَوَّل ما يُحاسَبُ به العَبْدُ المسلِمُ يوم القيامة، الصلاة المكتوبة. فإن أتَمَّها، وإلا قيلَ: انظروا هَلْ له من تطوُّع؟ فإن كان له تطوُّعٌ أكْمِلَت الفريضة من تطوعه ثم يُفْعَل بسائر الأعمال المفروضة مِثْلُ ذلك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [إنَّ أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعزَّ لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمّها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتمّوا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم] (٢).\nالحديث الثالث: روى أبو داود كذلك في الباب عن تميم الداري، عن النبي - ﷺبهذا المعنى- قال: [ثم الزكاة مثل ذلكَ، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾.\nأي: سيدخل التائبون المغفور لهم بذنوبهم وتقصيرهم جنات إقامة التي أخبر بها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (١٤٢٥)، في الصلاة. باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة. وانظر صحيح ابن ماجة (١١٧٢)، وصحيح سنن أبي داود (٧٧٠)، وصحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٣٣٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجهُ أبو داود في السنن (٨٦٤)، وهو في حكم المرفوع، كما يدل عليه الحديث الذي قبله. وذكره أبو داود في باب: \"قول النبي - ﷺ -: كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه\".\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٨٦٦) وانضر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٧٧١).","vol":"4","page":668},{"text":"تعالى عباده ووعدهم بها بظهر الغيب، ولا مخلف لوعده سبحانه. قال النسفي (﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها). وقال ابن كثير: (﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾، تأكيد لحصول ذلكَ وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدّله، كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾، أي: كائن لا محالة. وقوله ها هنا: ﴿مَأْتِيًّا﴾ أي: العباد صائرون إليه، وسيأتونه). وقيل: مأتيًا أي آتيًا، وكلا المعنيين حق.\nوقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾.\nأي: لا يسمعون في الجنة ساقط الكلام ولغوه وتافهه وسفسافه، بل يسمعون سلامًا من الملائكة أو من بعضهم على بعض، ويحتمل أن يكون التقدير: لا يسمعون إلا ما فيه السلامة من النقص والعيوب. فهو استثناء منقطع عند الجمهور. كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. أي: في أوقات تتعاقب، يعرفون مُضيَّها بأضواء وأنوار.\nقال مجاهد: (ليس بكرة ولا عَشِيًّا، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا).\nوعن قتادة قال: (فيها ساعتان بكرة وعشيّ، فإن ذلكَ لهم ليس ثَمَّ ليل، إنما هو ضوء ونور).\nوالمقصود: تعاقب الرزق عليهم في مثل وقت البُكرات ووقت العشيات، لا أن هناكَ ليلًا ونهارًا. قال النسفي: (أي يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار من الدنيا إذ لا ليل ولا نهار ثمَّ لأنهم في النور أبدًا، وإنما يعرفون مقدار النهار برفع الحجب ومقدار الليل بإرخائها، والرزق بالبكرة والعشي أفضل العيش عند العرب فوصف الله جنته بذلك.\nوقيل: أراد دوام الرزق كما تقول أنا عند فلان بكرة وعشيًا تريد الدوام).\nقلت: وهذا من بديع التفسير، وأبدع منه ما جاء في صحيح السنة المطهرة في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: [أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخلُ الجنَّةَ على صورةِ القمَرِ لَيْلَةَ البدر، والذين على إِثْرِهم كأشدّ","vol":"4","page":669},{"text":"كَوْكَبٍ إضَاءَةٍ، قلوبُهم على قلبِ رجلٍ واحدٍ لا اختلاف بينهم ولا تباغُضَ، لكل امرئٍ منهم زوجتان، كُلُّ واحدةٍ مِنْهُما يُرى مُخُّ ساقِها من وراء اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، يُسَبِّحونَ اللهَ بُكْرَةً وعَشِيًّا، لا يَسْقَمُونَ ولا يَمْتَخِطونَ، ولا يَبْصُقون، آنيتُهم الذَّهبُ والفِضَّةُ، وأمشاطُهم الذَّهب، ووَقودُ مجامرِهم. الألُوَّةُ -قال أبو اليمان: يعني العُودَ ورَشْحُهُمْ المِسْكُ. وقال مجاهد: الإبكَارُ: أوَّلُ الفجر، والعَشِيُّ: مَيْلُ الشَّمس إلى أنْ -أُرَاهُ- تَغْرُبَ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمامُ أحمد بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الشهداء على بارق نهرٍ ببابِ الجنَّةِ، في قبَّةٍ خضراءَ، يخرُجُ عليهم رزقُهم من الجنة بكرة وعشيًّا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [المؤمن إذا اشتهى الولدَ في الجنةِ، كانَ حَمْلُهُ وَوَضعُهُ في ساعةٍ واحدةٍ، كما يشتهي] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾.\nأي: هذه الصفات العالية البديعة للجنة هي منازل المؤمنين الأتقياء يوم القيامة.\nوفي التنزيل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]. وقد بدأها سبحانه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\nوفي مسند البزار بسند جيد عن عدي بن الفضل عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد موقوفًا ومرفوعًا: [خلق الله ﵎ الجنة، لبنة من ذهب، ولبنةٌ من فضةٍ، ومِلاطُها المسكُ، فقال لها: تكلّمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقالت الملائكة: طوبى لك، منزل الملوك] (٤). وفي رواية: [منازل الملوك].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٤٦)، كتاب بدء الخلق. وانظر صحيح مسلم (٢٨٣٤)، ومسند أحمد (٢/ ٣١٦)، وجامع الترمذي (٢٥٣٧)، وصحيح ابن حبان (٧٤٣٦).\n(٢) رجاله ثقات. أخرجه أحمد (١/ ٢٦٦)، والطبري (٨٢١٣)، والطبراني (١٠٨٢٥)، وابن حبان (٤٦٥٨)، وصححه الحاكم (٢/ ٧٤)، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٩٨): ورجال أحمد ثقات. وانظر صحيح الجامع (٣٦٣٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٣٣٨)، والترمذي وابن حبان. انظر صحيح الجامع (٦٥٢٥).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البزار من حديث أبي سعيد. انظر: \"زوائد البزار\" (٣١٧)، ومجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧)، وسلسلة الصحيحة -حديث رقم- (٢٦٦٢).","vol":"4","page":670},{"text":"٦٤ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ جبريل ﵇ لنبينا - ﷺ - أن تَنزُّلَهُ بأمر الله العظيم، له الأمر كله وهو السميع العليم، رب السماوات والأرض وما بينهما -فاعبده يا محمد واصطبر على مشاق الطريق- فهو الأحد الصمد لا شبيه له، وله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.\nأخرج البخاري والترمذي والنسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [قال رسول الله - ﷺ - لجبريل: ما يمنعكَ أن تزورنا أكثرَ مما تزورُنا؟ قال: فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآية] (١).\nوقوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ - فيه أقوال محتملة:\n١ - قال الربيع: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ يعني الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآخرة ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ والنفختين).\n٢ - وعن قتادة: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ من أمر الدنيا (وَمَا ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما بين الدنيا والآخرة. أو قال: ما بين النفختين). وروي نحوه عن ابن عباس.\n٣ - وقال ابن جريج: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ ما مضى أمامنا من الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قال: ما بينَ ما مضى أمامهم، وبين ما يكونُ بعدهم).\nقلت: وكلها أقوال محتملة في تفسير المراد من الآية، واللهُ تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. قال مجاهد: (ما نسيك ربك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاوي (٣٢١٨) - كتاب بدء الخلق- وكذلكَ (٤٧٣١)، (٧٤٥٥)، وأخرجه الترمذي (٣١٥٨)، والنسائي في \"التفسير\" (٣٣٩).","vol":"4","page":671},{"text":"وفي التنزيل نحوه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣].\nأخرج البزار بسند جيد عن أبي الدرداء يرفعه -قال: [ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلالٌ، وما حرَّم فهو حرامٌ، وما سكتَ عنهُ فهو عافية، فاقبلوا من الله عافِيَتَه، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾] (١).\nوقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾.\nأي: ربك -يا محمد- رب السماوات والأرض وما بينهما، خالق كل شيء والمتصرف في كل شيء، فهو الحاكم لا معقب لحكمه، فاثبت على عبادته. قال النسفي: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: اصبر على مكافأة الحسود، لعبادة المعبود، واصبر على المشاق، لأجل عبادة الخلاق، أي: لتتمكن من الإتيان بها).\nوقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. أي: شبيهًا.\nقال ابن عباس: (هل تعلم للرب مِثْلًا أو شِبهًا). وقال أيضًا: (ليسَ أحدٌ يُسَمَّى الرحمنَ غيره). وقال ابن جريج: (لا شريكَ لهُ ولا مثل). وعن قتادة: (قوله: (﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لا سمى لله ولا عِدل له، كِلّ خلقهِ يقرّ له، ويعترف أنه خالقه، ويعرف ذلكَ، ثم يقرأ هذه الآية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]).\n٦٦ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تكذيبُ الكافر بالبعث والحساب، وقد خلقهُ الله من العدم ووعده\n_________\n(١) أخرجه البزار (١٢٣) (٢٢٣١)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٥٥): ورجاله ثقات.","vol":"4","page":672},{"text":"على كفره العذاب، فالنارُ حق والصراط على جهنم يسقط فيها المجرمون، وينجو بإذن الله المتقون.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ - إنكار وتعجب واستبعاد للإعادة بعد الممات.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ الكافر الذي لا يصدق بالبعث بعد الموت: أخرج حيًّا فأبعث بعد الممات وبعد البلاء والفناء! إنكارًا منه ذلك). قال القاسمي: (أي يقول بطريق الإنكار والاستبعاد: أأخرج حيًّا بعدما لبثتُ في القبر مدة).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [فيلقى العبدَ -أي يوم القيامة- فيقول: أي: فُلْ -معناه يا فلان-! ألم أكرِمْكَ وأُسَوِّدكَ وأزوجْكَ وأسخِّر لك الخيل والإبل وأذَرْكَ تَرْأَسُ وتربعُ؟ فيقول: بلى أي ربِّ، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساكَ كما نسيتني] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾.\nاستدلال من الله جل ثناؤه بالبدأةِ على الإعادة، وهذا من حجج الله تعالى البالغة.\nكما في التنزيل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [قال الله تعالى: كذّبني ابنُ آدمَ، ولم يكنُ له ذلك، وشتمني ولم يكن لهُ ذلك، فأما تكذيبهُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٢١٦) من حديث أبي هريرة. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٣٢) - كتاب التوبة وقبولها وسعة رحمة الله وغير ذلكَ -باب: تقرير النعم يوم القيامة على الكافر والمنافق- في أثناء حديث طويل.","vol":"4","page":673},{"text":"إيّايَ فقوله: لَنْ يُعيدني كما بدأني، وليسَ أوَّلُ الخَلْقِ بأَهْوَنَ عَلَيَّ من إعادتهِ، وأما شتمهُ إيّايَ فقوله: اتَّخَذَ اللهُ ولدًا، وأنا الأحد الصَّمدُ، لمْ أَلِدْ ولم أُولَدْ، ولم يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ] (١).\nوأخرج البخاري نحوه عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [قال اللهُ: كَذبني ابنُ آدمَ ولم يَكُنْ لهُ ذلك، وشتمني ولمْ يكُنْ له ذلكَ، فأما تكذيبهُ إيَّايَ فزعَمَ أني لا أقدرُ أن اعيدَهُ كما كانَ، وأما شَتْمُهُ إيّايَ فقولُه: لي وَلَدٌ، فسبحاني أن أتخِذ صاحبةً أو ولدًا].\nوقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾.\nقسمٌ عظيم من الله سبحانه، إذ أقسم بنفسه الكريمةِ أنه لا بد -يا محمد- أن يَحْشُرَ هؤلاء المستنكرين البعث والمعاد، وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله ثم ليحضرنهم قعودًا حول جهنم.\nقال النسفي: (﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي الكفار المنكرين للبعث ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ الواو للعطف، وبمعنى مع أوقع، أي يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة، وفي إقسام الله باسمهِ مضافًا إلى رسوله تفخيم لشأن رسوله).\nوالجثي جمع الجاثي. قال ابن عباس ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ يعني القعود، وهو مثل قوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨]). وعن السدي: (﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾، قال: يعني قيامًا).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ثم لنأخذن من كل جماعة منهم أشدّهم على الله عتوًا وتمرّدًا فلنبدأنّ بهم). والشيعة هم الجماعة المتعاونون على أمر.\nقال مجاهد: ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾: أمة. وقوله: ﴿عِتِيًّا﴾ قال: كفرًا). قال ابن عباس: (يقول: أيهم أشدّ للرحمن معصية، وهي معصيته في الشرك). وعن أبي الأحوص قال: (نبدأ بأكابر فالأكابر جرمًا). وعن قتادة قال: (ثم لننزعنَّ من أهل كلِّ دين قادتهم ورؤوسهم في الشر).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٧٤) -كتاب التفسير- وانظر (٤٤٢٨) - للرواية الأخرى.","vol":"4","page":674},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾.\nقال ابن كثير: (ثمّ هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمرادُ أنه تعالى أعلمُ بمن يستحقُّ من العباد أن يَصْلَى بنار جهنم ويخلُد فيها ومَنْ يستحقّ تَضعِيفَ العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.\nهو من ذكر الصراط يوم القيامة. والصراط: جسر على جهنم، يُوَجَّه الناس إليهِ بعد مفارقتهم مكانَ الموقف إلى الظلمةِ التي دون الصراط حيث يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون ويحال بينهم بسور يمنعهم الوصول إليهم.\nففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: [إن رسول الله - ﷺ - سُئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر].\nوفي رواية قالت: [سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: على الصراط] (١).\nوعن قتادة: (﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: هو المرّ عليها). أي المرور على الصراط.\nوعن أبي الأحوص عن عبد الله: في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: (الصراط على جهنم مثلُ حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلِّم سلِّم).\nوفي صحيح سنن الترمذي عن عبد الله قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قال: [يردونها ثم يصدرون بأعمالهم] (٢).\nوكذلك روى الترمذي بسند صحيح عن السدي قال: سألت مُرَّة الهمداني عن قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فحدثني: أن عبد الله بن مسعود حدثهم قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يَردُ الناسُ النارَ، ثم يَصْدُرُونَ عنها بأعمالهم، فأوَّلهُم كلمْحِ البَرْقِ،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٩١)، ورواه أحمد في المسند -حديث رقم- (٣٥١٦).\n(٢) صحيح موقوف، وهو في حكم المرفوع. أخرجه الترمذي في السنن (٣٣٨٢) - عند تفسير سورة مريم- آية- (٧١). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٢٧).","vol":"4","page":675},{"text":"ثم كالريح، ثم كحضْرِ الفَرس، ثم كالراكب في رحلهِ، ثم كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثم كَمَشْيِهِ] (١).\nوأما قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، قال مجاهد: (قضاء) - أي: قضاء مقضيًا.\nوقال قتادة: (قسمًا واجبًا).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.\nقال قتادة: (على ركبهم. قال: إن الناس وردوا جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فَأُنْجُوا منها، وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا بذنوبهم).\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر عن أم مُبَشِّر عن النبي - ﷺ - قال: [والذي نفسي بيدهِ، لا يلج النارَ أحدٌ بايع تحت الشجرة. قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليسَ اللهُ يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال: ألا تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾] (٢).\nفأخبرها ﵊ أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه يقال نَجّاه الله منهم، كما قال سبحانهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ ولم يكن العذاب أصابهم بل أصاب غيرهم (٣).\nيروي الحاكم والبيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة، إلى أن قال: فَيُعْطَوْن نورهم على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يُعطى نورَهُ مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نورهُ فوق ذلكَ، ومنهم من يُعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلكَ بيمينه حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة، إذا أضاء قدّم قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دَحضٌ، مَزَلَّة، فيقال لهم: امضوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٣٣٨١)، كتاب التفسير، سورة مريم، آية (٧١). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٢٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجهُ مسلم في صحيحه (٢٤٩٦)، وأخرجهُ أحمد في مسنده (٦/ ٤٢٠).\n(٣) انظر شرح العقيدة الطحاوية -لابن أبي العز الحنفي- مسألة الصراط. وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٧٥٢) - بحث الصراط على جهنم والشفاعة.","vol":"4","page":676},{"text":"على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشدِّ الرَّجل، يَرْمُلُ رَمَلًا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخرّ يدٌ، وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمدُ لله الذي نجّانا منك بعد أن أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يُعطَ أحدٌ) (١).\nفصفة الصراط كحدّ الموسى في دقتهِ، لا ينفع في المرور عليه إلا توفيق الله ورحمته.\nيروي الحاكم بسند صحيح عن سلمان، عن النبي عليه الصلاة السلام، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكةُ: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول اللهُ تعالى: لمن شئتُ من خلقي، فتقول الملائكةُ: سبحانكَ ما عبدناكَ حق عبادتكَ، ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكةُ: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من حْلقي، فيقولون: سبحانكَ ما عبدناكَ حق عبادتك] (٢).\nكما لا يستطيعُ أن يتدخلَ في الموقف ويشفع، إلا من أذن الله له بالكلام وأكرمه بالشفاعة، وإنما يُضرب الجسر على جهنم ثم تحل الشفاعة.\nففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن ناسًا قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله - ﷺ -: نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحْوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدرِ صَحْوًا ليسَ فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: ما تضارّون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذَّن مؤذن: ليَتَّبع كلُ أمة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبُدُ الله من بَرٍّ وفاجرٍ، أتاهم رب العالمين، قال: فماذا تنظرون؟ يتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا فارَقنا الناس في الدنيا أفقرَ ما كنا إليهم ولم نصاحبهم.\nوفي رواية: فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من\n_________\n(١) انظر تفصيل ذلكَ في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٥٣ - ٧٥٤).\n(٢) حديث صحيح. رواه الحاكم (٤/ ٥٨٦) بسند صحيح من حديث سلمان ﵁، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).","vol":"4","page":677},{"text":"كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة. كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سَلِّم سَلِّم، فيمرّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مُسَلَّم (١)، ومخدوش مرسَل (٢)، ومكدوس في نار جهنم (٣)، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق -قد تبين لكم- من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. .] الحديث (٤).\n٧٣ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن سلوك الكفار حين تُتلى عليهم آيات الله واضحة بينة ظاهرة الدلالة والحجّة كيف يصدون ويعرضون ويفتخرون على الذين آمنوا كذبًا أنهم خير منازل وأرفع مكانة وأعمر ناديًا، والله قد أهلك من قبلهم أقوامًا كانوا أشد قوة وأكثر متاعًا. إن الله يمهل الكافرين حتى يوقعهم في شباك العذاب، ويزيد المؤمنين هدى وعند الله لهم خير الثواب.\nفعن ابن عباس: (﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال: المقام: المسكن، والنديّ: المجلس والنّعمة والبهجة التي كانوا فيها. أو قال: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه).\nوعن مجاهد: (في قول الله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ قال: قريش تقولها لأصحاب\n_________\n(١) أي: نجاة وسلامة.\n(٢) أي: خدش ولكن صاحبه ينطلق ويصل مع الإرهاق.\n(٣) أي: متراكم بعضه فوق بعض في جهنم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ١١٨)، وانظر الحديث بتمامه مع تفصيل بحث الصراط والشفاعة في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٥٥ - ٧٥٩).","vol":"4","page":678},{"text":"محمد - ﷺ -، ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال: مجالسهم، يقولونه أيضًا). قال قتادة: (رأوا أصحاب محمد - ﷺ - في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فَعَرَّض أهل الشرك بما تسمعون قوله ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ يقول: مجلسًا). وقال أيضًا: (الندي: المجلس، وقرأ قول الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] قال: مجلسه).\nقال ابن كثير: (﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، أي: أحسنُ منازل وأرفعُ دُورًا وأحسنُ نديًّا، وهو مجتمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمرُ وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]. وقال قومُ نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.\nأي: كم أهلكنا قبلهم من أمم كانوا على رَغَدٍ من العيش أكبر، وأموال وأمتعة أكثر، وأشكال ومناظر أجمل. وكلام المفسرين متقارب حول هذا المعنى.\nقال ابن عباس: (﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، الرئي: المنظر، والأثاث: المتاع).\nوعن الحسن: (الأثاث: أحسن المتاع، والرئي: المال). وعن قتادة: (﴿وَأَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ قال: أحسن صورًا، وأكثر أمولًا). وقال: (أي. أكثر متاعًا وأحسن منزلة ومستقرًا، فأهلك الله أموالهم، وأفسد صورهم عليهم ﵎).\nوقوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. أي: قل يا محمد لمن أصر على الكفر: إنّ الله يمد له ليمكر به.\nقال مجاهد: (فَلْيَدَعْهُ الله في طغيانه). قال النسفي: (وهذا الأمر بمعنى الخبر، أي من كفر مدّ له الرحمن يعني أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغيانًا وضلالًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وإنما أخرج على لفظ الأمر إيذانًا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل ليقطع معاذير الضلال).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾.","vol":"4","page":679},{"text":"أي: حتى إذا باغتهم وعد الله بالعذاب في الدنيا بالقتل والأسر على أيدي المسلمين، أو قامت القيامة لينالهم فيها من الخزي والنكال، فهنالك يعلمون أن المؤمنين هم كانوا خيرًا مقامًا وأحسن نديًا لا الكفار.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾.\nقال القرطبي: (أي ويثبت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم في النّصرة، وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم). قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي جزاء، ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أي في الآخرة مما افْتَخَرَ به الكفار في الدنيا). قيل: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ من الردّ، أي خيرٌ ردًا على عاملها بالثواب. وقيل: أي خيرٌ مرجعًا فكل أحد يرد إلى عمله الذي عمله.\nقلت: وهذه الهداية المذكورة في الآية على نوعين:\nالنوع الأول: قوله: ﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ - أي قبلوا بهداية الرسل وصدقوا بها وتابعوهم على الحق. وهي الهداية المسماة: هداية الدلالة والإرشاد.\nالتوع الثاني: قوله ﴿هُدًى﴾ - أي يزيد الله أصحاب الهداية السابقة -هداية الدلالة والإرشاد- هداية خاصة، وهي هداية التوفيق والإلهام، نتيجة لصدقهم في قبول هداية المرسلين، ورسوخهم في ما يقتضيه ذلك من الإيمان واليقين (١).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته\n_________\n(١) انظر بحث -مراتب الهداية والضلال- في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٩٣).","vol":"4","page":680},{"text":"عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، وإن استعاذني لأعيذنَّه، وما تردّدتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١).\nوأما الباقيات الصالحات فهي جميع أعمال الآخرة، وقد جاء تخصيص عطر لشيء من ذلك في السنة الصحيحة:\nفقد أخرج النسائي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: أخُذوا جُنَّتكم من النار، قولوا: سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يومَ القيامة مُقَدِّماتٍ، ومُعَقِّباتٍ، ومُجَنِّباتٍ، وهُنَّ الباقياتُ الصالحاتُ] (٢).\n٧٧ - ٨٠. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تهديد شديدٌ ووعيد أكيد لذلك الكافر الذي يظن أنّ له عند الله مالًا وولدًا، وكأنه اطلع على الغيب أو اتخذ عند الله عهدًا، كلا سيحيق المكر به ويحرمه الله المال والولد فيأتي يوم القيامة فردًا.\nأخرج البخاري ومسلم عن خَبَّاب قال: [كنتُ قَيْنًا في الجاهليةِ وكان لي على العاصي بن وائل دَيْن فأتَيْتُه أتقاضاه. فقال: لا أُعطيكَ حتى تكْفُرَ بمحمد، فقلت: لا أكْفُرُ حتى يميتَكَ الله ثم تُبْعَثَ. قال: دَعْني حتى أموتَ وأُبْعَثَ فَسأوُتى مالًا وولدًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤/ ٢٣١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ١٤٢/ ٢)، ويشهد له ما في مسند أحمد (٦/ ٢٥٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁. انظر تخريج الترغيب (٢/ ٢٤٨)، وصحيح الجامع (٣٢٠٩).","vol":"4","page":681},{"text":"فأقضيكَ، فنزلتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾] (١).\nورواه أحمد وفي لفظه: [قال: فإني إذا مِتُّ ثم بُعثتُ جئتني ولي ثَمَّ مالٌ وولدٌ، فأعطيتك. فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾].\nوعن مجاهد: (﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قال: العاص بن وائل يقوله).\nوقوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ - إنكار على هذا المدّعي الكاذب، أي: هل علم الغيب أم اتخذ عند الله مَوْثِقًا. قال البخاري: (﴿عَهْدًا﴾: موثِقًا).\nوعن ابن عباس: (﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: لا إله إلا الله، فيرجوه بها).\nوقوله: ﴿كَلَّا﴾. قال ابن كثير: (هي حرف رَدْع لما قبلها وتأكيد لما بعدها).\nوقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾.\nقال ابن جرير: (أي سنكتب ما يقول هذا الكافر بربه، القائل ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾ في الآخرة ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ يقول: ونزيده من العذاب في جهنم بقيله الكذب والباطل في الدنيا، زيادة على عذابه بكفره بالله).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.\nأي: نسلبه المال والولد -عكس ما ادّعى- ويأتينا يوم القيامة فردًا من المال والولد.\nقال قتادة: (﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾: لا مال له ولا ولد). وقال ابن زيد: (﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها. ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ قال: فردًا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير).\n٨١ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٠٩١)، كتاب البيوع، وأخرجه مسلم (٢٧٩٥)، والترمذي (٣١٦٢)، وانظر مسند أحمد (٥/ ١١١)، وصحيح ابن حبان (٤٨٨٥).","vol":"4","page":682},{"text":"سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾.\nفي هذه الآيات: اتخاذُ الكافرين آلهة من دون الله سيكفرون بها يوم يلقون الخزي والعذاب، وسوء الحساب، فالله تعالى يرسل الشياطين على الكافرين ليزدادوا غيًّا، وإنما هم صائرون في وقت محدود إلى عذاب الله ليذوقوا نكالًا.\nفقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾. يعني مشركي قريش.\nقال القرطبي: (وظاهر الكلام أن ﴿عِزًّا﴾ راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله.\nووحّد لأنه بمعنى المصدر، أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله).\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال ابن عباس: (يقول: أعوانًا).\nوقال مجاهد: (عونًا عليهم تخاصمهم وتكذبهم). وقال ابن زيد: (الضد: البلاء).\nوقال عكرمة: (الضدّ: الحسرة).\nوعن السدي: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾، أي: بعبادة الأوثان. وقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، أي: بخلاف ما رَجَوْا منهم). وقال: (الخصماء الأشداء في الخصومة).\nوالمعنى: يجيبهم الله تعالى بقوله؛ كلّا-: أي ليس الأمر كما تظنون وتتوهمون، بل سيكفرون بعبادة هذه الأصنام أو ينكرون أنهم عبدوها، أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.\nقال ابن عباس: ﴿أَزًّا﴾ يقول: تغريهم إغراء. قال: تؤزّ الكافرين إغراء في الشرك، امض امض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار، امضوا في الغيّ امضوا).\nوقال قتادة: (تزعجهم إزعاجًا في معصية الله). أو قال: (تزعجهم إلى معاصي الله إزعاجًا).\nوقال السدي: (تطغيهم طُغيانًا).","vol":"4","page":683},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].\n٢ - وقال تعالى. ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩].\nقال ابن زيد: (نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).\nوفي المسند بإسناد حسن عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الشيطان قال: وعِزَّتك يارب لا أبرحُ أُغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (١).\nقلت: وإنما يتابع الشيطان زحفه على الكفار ما دام انعدم منهم الاستغفار، فيحملهم بأزّه على محاربة دين الله في الأرض ونشر الفواحش والمعاصي والآثام.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. قال ابن عباس: (نعدّ أنفاسهم في الدنيا). وقال السدي: (السنين، والشهور، والأيام، والساعات).\nأي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في حلول نقمة الله بهم، فإن لهم أجلًا هم بالغوه ثم هم صائرون بحلوله إلى عذاب الله وسخطه ونكاله.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية، حديثان:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله لَيُملي للظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْه. قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الحاكم (٤/ ٢٦١)، وأحمد (٣/ ٢٩/ ٤١)، والبيهقي في \"الأسماء\" (ص ١٣٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٤).","vol":"4","page":684},{"text":"أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والطبراني بسند قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (٢).\n٨٥ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ الله تعالى حال المتقين كيف يردون إليه وفدًا، في حين يساق المجرمون إلى جهنم وردًا، لا شفيع لهم فإن الشفاعة تنال من اتخذ عند الله عهدًا: شهادة أن لا إله إلا الله ينال بها العبد سعادة ومَجْدًا.\nفقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ - إشارة إلى حسن الاستقبال والتكريم كما يستقبل الوفود. قال القاسمي: ﴿وَفْدًا﴾ أي وافدين عليه. وأصل الوفود القدوم على العظماء للعطايا والاسترفاد. ففيه إشارة إلى تبجيلهم وتعظيمهم، المزورِ والزائرِ).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. أي: عِطاشًا. قال قتادة: (ظماءً إلى النار). والوِرْد جمع وارد، وحقيقة الورد المسير إلى الماء فيسمى به الواردون. وفي ذكرهم بالسَّوق إشعار بإهانتهم واستخفافهم.\nقال النسفي: (أي يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يوسف. أي اذكر يوم نحشر. ذكر المتقون بأنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته كما يفد الوفود على الملوك تبجيلًا لهم. والكافرون بأنهم يساقون إلى النار كانهم نَعَم عطاش تساق إلى الماء استخفافًا بهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، كتاب التفسير، سورة هود، آية (١٠٢)، ورواه مسلم.\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وقال الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٤/ ١١٥): رواه أحمد والطبراني والبيهقي في \"الشعب\" بسند حسن. وانظر سلسلة الأحاديث الصححيحة (٤١٤).","vol":"4","page":685},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. أي: لا تنال الشفاعة إلا أهل الإيمان والعمل الصالح.\nقال ابن كثير: (أي: ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]. وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾، هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقّها).\nوعن ابن عباس: (العهدُ شهادة أن لا إله إلا الله ويبرأُ من الحَوْل والقُوَّة، ولا يرجو إلا الله ﷿). وقال ابن جريج: (المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: عملًا صالحًا).\n٨٨ - ٩٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إنكار وتهديد، ووعيد شديد، لمن زعم أن للرحمن ولدًا، فالسماوات تتصدع والأرض تتشقق والجبال تخرّ لهذا الافتراء هدًّا، فكل ما في السماوات والأرض يقدم يوم القيامة عبدًا، والله أحصاهم جميعًا وعدّهم عدًا، وكل عبد يأتي يوم القيامة فقيرًا إلى ربه متذللًا فردًا.\nفقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾.\nإنكار شديد على من زعم أنه لله ولدًا، تعالى الله وتقدس عما يقولون علوًا كبيرًا، وذلك بعد تقريره سبحانه في أرجاء هذه السورة عبودية عيسى ﵊، وخَلْقِه من مريم بلا أب. قال ابن عباس: (﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ يقول: قولًا عظيمًا). وقال: (يقول: لقد جئتم شيئًا عظيمًا وهو المنكر من القول). وفي لغة العرب: أدّ فهو آد والاسم الإدّ، إذا جاء بشيء عظيم منكر. قال الجوهري: (الإدّ والإدّة الداهية والأمر الفظيع).","vol":"4","page":686},{"text":"وقراءة العامة ﴿إِدًّا﴾ بالكسر، وقراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي ﴿أَدًّا﴾ بالفتح، وأما بالمدِّ \"آدٌّ\" فهي لغة لبعض العرب.\nوقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾. أي: يتشققن. قال الضحاك: (أي: يتشققن فرقًا من عظمة الله).\nوقوله: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾. أي: تتصدع، قال ابن زيد: (أي: غضبًا لله ﷿).\nوقوله: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. قال ابن عباس: (هدمًا أي تسقط بصوت شديد). وقال سعيد بن جبير: ﴿هَدًّا﴾: ينكسر بعضها على بعض متتابعات).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: يكاد يكون ذلك عند سماعِهنّ هذه المقالة من فَجَرة بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالًا، لأنهن مخلوقات ومُؤسَّساتٌ على توحيده، وأنَّه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبةَ له، ولا كُفْءَ له، بل هو الأحد الصمد).\nوعن ابن عباس قال: (إن الشِّرك فَزِعت منه السماوات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثَّقلين، فكادت أن تزولَ منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسانُ المشرك، كذلك نرْجُو أن يغفر الله ذنوب الموحِّدين).\nوفي التنزيل:\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي - ﷺ -: [ما أحَدٌ أصْبَرَ على أذىً سمعه من الله، يَدَّعون له الولدَ ثم يعافيهم وَيَرْزُقُهُم] (١).\nورواه مسلم عنه بلفظ: [ما أحَدٌ أصْبَرَ على أذًى يَسْمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له نِدًّا، ويجعلون له وَلدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويُعطيهم] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣٧٨) - كتاب التوحيد، وكذلك (٦٠٩٩) - كتاب الأدب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٠٤) (٤٩ - ٥٠) - كتاب صفات المنافقين، من حديث أبي موسى مرفوعًا. وانظر مسند أحمد (٤/ ٣٩٥).","vol":"4","page":687},{"text":"قال القرطبي: (أي لا يليق به ذلك ولا يوسف به ولا يجوز في حقه، لأنه لا يكون ولدٌ إلا من والد يكون له والد وأصل، والله سبحانه يتعالى عن ذلك ويتقدس).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.\nقال القاسمي: (أي مملوكًا له يأوي إليه بالعبودية والذل).\nو﴿إِنْ﴾: نافية بمعنى ما. والتقدير: ما كل من في السماوات والأرض إلا سيأتي يوم القيامة خاضعًا لله مقرًّا له بالعبودية والذل.\nوفي التنزيل:\n﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]- أي صَاغرين أذلاء.\nوالآية ردُّ آخر على من نسب لله الولد، بل الكل عبيد لله لا نسب بينه وبينه.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لقد أحصى الرحمن خلقه كلهم، وعدّهم عدًا، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم، وعرف عددهم، فلا يعزب عنه منهم أحد. ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. يقول: وجميع خلقه سوف يرد عليه يوم تقوم الساعة وحيدًا لا ناصر له من الله، ولا دافع عنه، فيقضي الله فيه ما هو قاضٍ، ويصنع به ما هو صانع).\nوفي مسند الإمام أحمد وسنن الإمام النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلَّا أن تُخْبِرَنا يا رسول الله، فقال للذي في يده اليمنى، هذا كتاب من ربّ العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزادُ فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا يُنقصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: فلأي شيء إذن نعَملُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرغَ منه؟ قال رسول الله - ﷺ -: سدّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قام بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم ﷿","vol":"4","page":688},{"text":"من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).\n٩٦ - ٩٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾.\nفي هذه الآيات: ضمانٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين، بجعل المودة في الأرض وحسن الذكر في الصالحين، وهذا القرآن قد يَسَّر ذكره لك ربك -يا محمد- لتبشر به المتقين، وتنذر الفجار الآثمين، أن يصيروا كما صار قبلهم من كفر من الأمم فأصبحوا خامدين.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ - بشارة عاجلة للمؤمن في الحياة الدنيا.\nفعن ابن عباس: (﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: محبة في الناس في الدنيا). أو قال: (حبّا).\nوقال: (الودّ من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق).\nوقال مجاهد: (يحبهم ويحببهم إلى خلقه). أو قال: (يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين).\nوقال قتادة: (ما أقبل عبدٌ إلى الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه، وزاده من عنده).\nوفي الأثر عن عثمان بن عفان ﵁، كان يقول: (ما من الناس عبد يعمل خيرًا ولا شرًا، إلا كساه الله رداء عمله). ذكره ابن جرير من طريق قتادة.\nوفي المسند وصحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال: يا جبريلُ، إني أحبُّ فلانًا فأحِبَّه. قال: فيحبُّه جبريلِ. قال: ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحبُّ فلانًا. قال: فَيحِبُّه أهل السماء، ثم يُوضعُ له القبولُ في الأرض. وإنّ الله إذا أبغض عبدًا دعا جبريل فقال: يا جبريلُ، إني أبغضُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٧)، والنسائي في الكبرى (١١٤٧٣)، والترمذي (٢١٤١).","vol":"4","page":689},{"text":"فلانًا فأبغضْهُ. قال: فيبغضُهُ جبريلُ. ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغِضُ فلانًا فأبغِضُوه. قال: فَيُبْغِضُه أهلُ السماء، ثم توضَعُ له البغضاء في الأرض] (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إذا أحَبَّ الله عَبْدًا نادى جِبْرَئيلَ: إني قَدْ أَحْبَبْتُ فُلانًا فأحِبَّهُ. قال: \"فينادي في السماء، ثم تُنْزَلُ لهُ المحبّةُ في أهل الأرض، فذلك قوله الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. وإذا أبْغَضَ الله عبدًا نادى جِبْرئيلَ: إني قدْ أبْغَضتُ فلانًا، فينادي في السماء، ثم تُنْزَلُ له البغضاء في الأرض] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.\nأي: إنما يسرنا هذا القرآن بلسانك يا محمد، وهو اللسانُ العربي المبين الفصيح الكامل، لتبشر به المؤمنين المخبتين لربهم بشائر الظفر والفوز في الدنيا والآخرة، وتنذر به قومًا مالوا عن الحق واختاروا طريقًا عوجا باطلًا. قال ابن عباس: (﴿قَوْمًا لُدًّا﴾: فجّارًا).\nقال مجاهد: (﴿قَوْمًا لُدًّا﴾: لا يستقيمون). وقال السدي عن أبي صالح: (عُوجًا عن الحق). وقال الحسن: (صُمًّا عن الحق) وقال غيره: (صُمُّ آذان القلوب). وقال الضحاك: (الألدّ: الخصم). وقال القُرظي: (الألدّ: الكذاب).\nوقال ابن زيد: (الألد: الظلوم، وقرأ قول الله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]).\nقلت: وأصل اللَّد: شدة الخصومة. قال الرازي: رجُل \"ألَدُّ\" بَيِّنُ \"اللَّدَد\" أي شديد الخصومة). وقوم لُدٌّ. أي أهل لدَد وجدل بالباطل، لا يقبلون الحق، والخطاب وإن كان لكفار قريش فإنه ينسحب على جميع الطغاة والكفرة إلى يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.\nأي: كم مضى من سنتنا في إهلاك أمم الكفر والطغيان، لما كذبوا الله والرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام، هل ترى منهم أحدًا يا محمد أو تسمع لهم صوتًا؟ !\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٠٩)، (٧٤٨٣)، وأخرجه مسلم (٢٦٣٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٧)، وكذلك (٢/ ٥٠٩)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٦٤) من طرق عن أبي هريرة به.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٨٤)، كتاب التفسير، سورة مريم، آية (٩٦). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٢٨)، وأصله في الصحيحين والمسند كما مضى.","vol":"4","page":690},{"text":"أم إنهم بادوا جميعًا وأهلكوا، وخلت ديارهم وأوحشت منازلهم، وصاروا عبرة لمن يعتبر.\nوعن قتادة: ﴿وَهَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ قال: هل ترى عينًا، أو تسمع صوتًا). وعن ابن عباس: (﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ قال: صوتًا). وقال: (رِكْزُ الناس أصواتهم). وعن ابن زيد: (﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ قال: أو تسمع لهم حِسًّا. قال: والركز: الحسّ).\nقلت: والرِّكز في كلام العرب الصَّوْت الخفي. والمعنى: هل تسمع لأولئك الهلكى همسًا أو صوتًا خفيًا! أم سكنوا لمصرعهم وغاب حسهم وانقرضوا وبادوا عن آخرهم.\nتم تفسير سورة مريم بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه","vol":"4","page":691},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الذي خلق من العدم، قادر أن يهب مولودًا رغم الهرم.\n٢ - وجود الرزق عند مريم ﵍، إثبات للكرامات التي يختص الله بها أهل الإيمان.\n٣ - هين على الله أن يخلق مولودًا بلا أب، ومثل عيسى كمثل آدم في الخلق.\n٤ - ليس عيسى الله ولا ابنه، ولا ثالث ثلاثة، بل هو عبد الله ورسوله.\n٥ - يموت يوم القيامة الموت، فالحياة خالدة في الجنة والنار.\n٦ - الأنبياء ﵈، قدوة في منهاجهم لجميع الأنام.\n٧ - من أضاع الصلاة فهو لسواها أضيع، ومن إضاعتها إضاعة مواقيتها.\n٨ - التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومن تاب وأناب فله الجنة بإذن الله.\n٩ - الجنة منازل الأتقياء، سلام ونور ونعيم خالد جزاء الصدق والوفاء.\n١٠ - من خلق الخلق من عدم، ألا يعيده من وجود؟ !\n١١ - تعبر الخلائق على الصراط النار، فتكون بردًا على المؤمنين، وجحيمًا على الكافرين.\n١٢ - يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان.\n١٣ - سيعلم الكفار في الآخرة أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا، والمؤمنون يحشرون إلى ربهم وفدًا، ويساق المجرمون إلى جهنم وردًا.\n١٤ - إذا أحبّ الله عبدًا أمر جبريل بحبه، وأن ينادي الملائكة أحبوه، ثم يوضع له القبول والمحبة في الأرض.\n١٥ - يسّر الله القرآن باللسان العربي المبين، وفيه بشرى للمتقين، وإنذار ووعيد للكافرين.","vol":"4","page":692},{"text":"التَّفْسِيرُ المَأمُونُ عَلَى مَنْهَجِ التَّنزيلِ وَالصَّحِيح المَسْنُونِ\nتَفْسِيرُ القُرآنِ الكريمِ عَلى مِنْهاجِ الأصْلَيْنِ العَظِيْمَيْنِ\n- الوَحْيَيْنِ: القُرآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ- عَلى فِهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ\nتَفْسيرٌ مَنْهجيٌّ فِقْهيٌّ شَامِلٌ مُعَاصِرٌ\nالجُزْءُ الخَامِس\nتأليف الأستاذ الدكتور\nمَأمُون حَمُّوش","vol":"5","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"5","page":2},{"text":"التَّفْسِيرُ المَأمُونُ عَلَى مَنْهَجِ التَّنزيلِ وَالصَّحِيح المَسْنُونِ","vol":"5","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م\nموافقة وزارة الإعلام\nرقم: ٩١٠٩٢\nورقم: ٩١٤٥١\nتاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م\nدمشق- سورية\nيطلب من المؤلف\nدمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١\nالمدقق اللغوي\nالدكتور أحمد راتب حموش","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>٢٠ - سورة طه</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٣٥).\nأخرج الحاكم والطحاوي بإسناد حسن عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة مرفوعًا: [اسمُ الله الأعظمُ في سور من القرآن ثلاث: في \"البقرة\" و\"آل عمران\" و\"طه\"] (١).\nقال القاسم أبو عبد الرحمن: (فالتمست في \"البقرة\" فإذا هو في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي \"آل عمران\" فاتحتها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي \"طه\": ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>موضوع السورة</span>\nقصة موسى وفرعون منهاج للجماعة المؤمنة في مجاهدة الطغاة والمجرمين، وهذا القرآن سبيل السعادة للبشرية في الدارين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-163> منهاج السورة </span>-\n١ - ثناء الله على القرآن، نَزله رحمة لنبيّه وتذكرة للأنام، والله على العرش استوى، ويعلم السر وأخفى، وله الأسماء الحسنى.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٦)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٦٣)، وإسناده حسن. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٤٦).","vol":"5","page":5},{"text":"٢ - ذكر قصة موسى ﵇، وتكليم الله له ورعايته وحمايته، وإظهار آية العصا وآية اليد، ليذهب مطمئنًا بالقوة لدعوة فرعون وقد طغى.\n٣ - رجاء موسى ربه شرح صدره، وتيسير أمره، وإزالة العجمة من لسانه، وجعل هارون وزيرًا له، وإجابة الله دعوته.\n٤ - امتنان الله على موسى حمايته ورعايته منذ طفولته إلى شبابه إلى وقت نبوته.\n٥ - خشية موسى بطش فرعون به وبأخيه، وإنزال الله الطمأنينة على قلبه.\n٦ - إبلاغ موسى فرعون رسالة ربه، ومحاولة فرعون التكذيب بالربوبية، ومقابلة موسى له بقوارع الوحي وحجج الله البالغة.\n٧ - استكبار فرعون، واتهامه لموسى بالسحر، وانصرافه لجمع السحرة للمكر والكيد، وتحذير موسى لهم مغبة الوعد والوعيد.\n٨ - بدء الاستعراض من السحرة بحبالهم وعصيهم، وشعور موسى بالخوف من سحرهم، وتثبيت الله له ليلقي عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، ونزول السحرة ساجدين، معلنين أمام الملأ: آمنا برب موسى وهارون.\n٩ - استنفار فرعون لضبط نفوذه وسلطانه، وتهديدهُ السحرة بالقتل والصلب، وإيثار السحرة ما عند الله.\n١٠ - أمْرُ الله موسى المسير بالمؤمنين ليلًا ثم اختراق البحر بهم، واتباع فرعون له بجنوده وغرقهم عن آخرهم.\n١١ - امتنان الله على بني اسرائيل بالنعم الكبيرة، ومواعدة موسى جانب الطور الأيمن وتكليمه، وإنزال التوراة والمن والسلوى.\n١٢ - قدوم موسى لميقات ربه، وإضلال السامري القوم بعبادة العجل، ورجوع موسى غضبان أسفًا يحذر قومه مغبة ما وقعوا به من الشرك بالله.\n١٣ - نصيحة هارون لبني إسرائيل بطاعة الرحمان ﷿، وعدم الوقوع في هذه الوثنية القبيحة، ورجوع موسى مؤنبًا هارون، وحواره مع السامري وتوعده له.\n١٤ - تسلية الله نبيّه - ﷺ - في ذكره أخبار ما قد سبق، ونَعْتُ المجرمين يوم القيامة في ذلهم وحوارهم، ووصف أهوال الموقف يوم الحشر والحساب.","vol":"5","page":6},{"text":"١٥ - ثناء الله على القرآن، ووصيته لنبيّه الإنصات لجبريل ﵇.\n١٦ - عهدُ الله إلى آدم ونسيانه، وأمره تعالى الملائكة السجود له، وامتناع إبليس وتحذير الله عداوته، ووسوسة الرجيم للأبوين حتى أكلا من الشجرة، والتماس آدم التوبة من ربه حتى تاب عليه وهدى.\n١٧ - هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض، وإرسال الله الرسل، وضمانه السعادة للمؤمنين، والشقاء للكافرين، وذلك في الدارين.\n١٨ - ترتيب الله المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، وذكر حال الأمم التي زلزلها بكفرها، وحثّ الله رسوله على الصبر والتسبيح.\n١٩ - تنبيه الله نبيّه إلى ترك النظر إلى المستكبرين المترفين، والانشغال باستنقاذ أهله من النار بإقام الصلاة والصبر على ذلك، ورزق الله مقسوم والعاقبة للمتقين.\n٢٠ - سؤال المشركين الآيات والمعجزات، وهذا القرآن أكبر معجزة، وفي اتباع هذا النبي منهاج الهداية والنجاة.","vol":"5","page":7},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n١ - ٨. قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء الله تعالى على القرآن، نَزَّله نورًا ورحمة لنبيّه وتذكرة للأنام، إنه الله تعالى على العرش استوى، يعلم ما في السماوات وما في الأرض ويعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.\nفقوله تعالى: ﴿طه﴾ - هو من مثيل الحروف المقطعة التي سبقت في أوائل السور، وأنها أفضل ما تدل على إعجاز هذا الكتاب الذي هو من جنس هذه الأحرف.\nوقوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. انتصار مباشر لهذا القرآن، بعد الافتتاح بتلك الحروف المقطعة، وأنه كلام الله العظيم المعجز، الذي فيه سرّ النجاة من شقاء الدنيا والآخرة، وسرّ حصول سعادة الدارين.\nقال قتادة: (﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ لا والله ما جعله الله شقيًّا، ولكن جعله رحمةً ونورًا، ودليلًا إلى الجنة).\nقال النسفي: (﴿لِتَشْقَى﴾ لتتعب لفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا، أو بقيام الليل (١».\n_________\n(١) أي كقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ - كما قال مجاهد. وقد كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل حتى تورمت قدماه.","vol":"5","page":8},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.\nقيل: هو استثناء منقطع، أي: ولكن أنزلناه تذكرة. وقيل نصب ﴿تَذْكِرَةً﴾ على المصدر، أي أنزلنا لتذكِّرَ به تذكرة. أو على المفعول لأجله، والتقدير: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به، ما أنزلناه إلا تذكرة. وكلها وجوه محتملة تدل على الإعجاز.\nقال قتادة: (وإن الله أنزل كتبه، وبعث رسله رحمة رحم الله بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر له أنزل الله فيه حلاله وحرامه).\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ - فيه إشارة إلى صفة العلو لله العلي العظيم، فإنه تعالى فوق العرش يدبر الأمر، وهو بائن من خلقه كما وصف سبحانه نفسه.\nوقوله: ﴿تَنْزِيلًا﴾ مصدر، أي نزلناه تنزيلًا. وقيل: بدل من ﴿تَذْكِرَةً﴾.\nوقرأ أبو حيوة الشامي ﴿تَنْزِيلًا﴾ بالرفع، والنصب أرجح وأشهر. والعُلا: أي العالية الرفيعة، وهي جمع العُليا. والمعنى كما قال ابن كثير: (هذا القرآنُ الذي جاءك يا محمد تنزيلٌ من ربِّ كلِّ شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتِها، وخلق السماوات العُلا في ارتفاعها ولطافَتِها).\nوقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ - أي علا وارتفع، كما يليق بجلاله وكماله.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾.\nقال القاسمي: (بيان لشمول قهره وملكته للكل. أي كلها تحت ملكته وقهره وسلطنته وتأثيره. لا توجد ولا تتحرك ولا تسكن ولا تتغير ولا تثبت إلا بأمره).\nوقال النسفي: (﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ما تحت سبع الأرضين أو هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.\nقال ابن عباس: (السّر: ما علمته أنت، وأخفى: ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه).\nوقال أيضًا: (يعني بأخفى: ما لم يعلمه، وهو عامله، وأما السّر: فيعني ما أسرّ","vol":"5","page":9},{"text":"في نفسه). أو قال: (السّر: ما أسرّ ابن آدم في نفسه. وأخفى: قال: ما أخفى ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله، فالله يعلم ذلك). أو قال: (وأخفى: ما لا يعلم الإنسان مما هو كائن). وعن مجاهد: (﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: أخفى: الوسوسة). وقال عكرمة: (أخفى حديث نفسك). وقال سعيد بن جبير: (﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: السرّ: ما أسررت في نفسك، وأخفى من ذلك: ما لم تحدث به نفسك). وقال أيضًا: (أنت تعلم ما تُسِرُّ اليوم، ولا تعلم ما تُسِرُّ غدًا، والله يعلم ما تُسِرُّ اليوم، وما تُسِرُّ غدًا).\nقلت: وكلها أقوال مفيدة تثري المعنى وتزيد من بيان آفاقه ومدلولاته وإعجاز لفظه.\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.\nقال القاسمي: (﴿اللَّهُ﴾ أي ذلك المُنْزِل الموصوف بهذه الصفات هو الله ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أي الفضلى، لدلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والأفعال التي هي النهاية في الحسن).\n٩ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: قصة موسى ﵊ وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليم الله تعالى له، وذلك بعدما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صِهْره في رعاية الغنم وسار بأهله قاصدًا بلاد مصر بعدما غاب عنها أكثر من عشر سنين، فخرج ومعه زوجته فأضل الطريق وكانت ليلةً شاتية، ونزل منزلًا بين شعاب وجبال في ذلك البرد والظلام، فجعل تَقْدَحُ بِزَنْدٍ معه ليوريَ نارًا فلم يخرج شَرَرٌ منه، وهناك ظهر له من جانب الطور نارًا، من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم إني","vol":"5","page":10},{"text":"آنست نارًا لعلي آتيكم منها بشهاب من نار أو أجد عندها ما يدلني على الطريق. فلما اقترب من النار ناداه ربه تعالى بأجمل العبارات، وبشره بالنبوة وأمره بعبادته وإقام الصلوات، وأكّد له أمر الساعة ليحذر الناس من مغبة الوقوع في الشرك والآثام والموبقات.\nفقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾. تسلية من الله لرسوله - ﷺ - عما يلقاه من أعدائه المشركين. أي هل أتاك - يا محمد - خبر موسى. قال النسفي: (ليتأسى به في تحمل أعباء النبوة بالصبر على المكاره ولينال الدرجة العليا كما نالها موسى).\nوقوله: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. قال ابن عباس: (لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضلّ الطريق. قال: كان في الشتاء، ورُفعت لهم نارٌ، فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾.\nيروي ابن جرير عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه اليمائي: (لما قضى موسى الأجل، خرج ومعه غنم له، ومعه زند له، وعصاه في يده يهشّ بها على غنمه نهارًا، فإذا أمسى اقتدح بزنده نارًا، فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بأهله وبغنمه، فتوكأ على عصاه، فلما كانت الليلة التي أراد الله بموسى كرامته، وابتداءه فيها بنبوته وكلامه، أخطأ فيها الطريق حتى لا يدري أين يتوجه، فأخرج زنده ليقتدح نارًا لأهله ليبيتوا عليها حتى يصبح، ويعلم وجه سبيله، فأصلد زنده فلا يوري له نارًا فقدح حتى أعياه، لاحت النار فرآها، ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾).\nوقوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾. أي لعلي أجيئكم من النار بشعلة. والقبس في كلام العرب: النار في طرف القصبة أو العود.\nوقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. قال ابن عباس: (يقول: من يدلّ على الطريق).\nوقال قتادة: (من يهديني إلى الطريق).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. أي: فلما أتى النار موسى ناداه ربه، إني أنا ربك فاخلع نعليك وأفض بقدميك إلى بركة الوادي. قال مجاهد: (أمر أن يباشر بقدميه بركة الأرض). وقال ابن أبي نجيح: (في قوله: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ يقول: أفض بقدميك إلى بركة الوادي). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿طُوًى﴾: هو اسم للوادي).","vol":"5","page":11},{"text":"وفي التنزيل: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.\nأي: إني اصطفيتك للرسالة من بين جميع أهل زمانك فأصغ لهذا الوحي العظيم.\nوفي التنزيل نحو ذلك: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤].\nوقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾.\nقال ابن كثير: (هذا أول واجب على المكلّفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له). قلت: وهذه الكلمة العظيمة هي أصل العبادة وهي دعوة الرسل جميعًا وسرّ سعادة الدنيا والآخرة.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].\nوفي صحيح مسلم عن عثمان ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [من مات وهو يعلم أنهُ لا إله إلا الله دخل الجنة] (١).\nوفي الصحيحين عن عتبان بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿] (٢).\nوقوله: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾. قال ابن جرير: (يقول: فأخلص العبادة لي دون كل ما عبد من دوني).\nوقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ - فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أقم الصلاة عند ذكرك لي. ذكره ابن كثير. قال مجاهد (إذا ذكر عبَد ربه).\nالتأويل الثاني: أقم الصلاة لتذكرني فيها. ذكره القرطبي.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٦) - كتاب الإيمان، بابُ الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١١/ ٢٠٦)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٣٣) - كتاب الإيمان، من حديث عتبان بن مالك ﵁ مرفوعًا.","vol":"5","page":12},{"text":"التأويل الثالث: أقم الصلاة لأذكرك بالمدح في عليين بها. قال القرطبي: (فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول).\nالتأويل الرابع: أقم الصلاة إذا نسيتها حين تذكرها. قال إبراهيم: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾: يصليها حين يذكرها).\nالتأويل الخامس: أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة.\nقلت: وكلها معان متكاملة يتسع لها اللفظ الإلهي المعجز، وقد دلّت السنة الصحيحة على بعضها في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ -: [مَنْ نَسِيَ صلاةً فَلْيُصَلِّ إذا ذكَرَ، لا كفّارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ -: [إذا رقَدَ أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلّها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي في سننه بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: [لما قفل رسول الله - ﷺ - من خيبر أسرى ليلة حتى أدركه الكَرى أناخ فعرّس ثم قال: \"يا بلال اكْلأ لنا الليلة\". قال: فصلى بلال، ثم تساند إلى راحلته مستقبل الفجر، فغلبته عيناه فنام، فلم يستيقظ أحد منهم، وكان أولهم استيقاظًا النبي - ﷺ - فقال: \"أي بلالٌ\"، فقال بلال: بأبي أنت يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فقال رسول الله - ﷺ -: \"اقْتادُوا\"، ثم أناخ فتوضأ فأقام الصلاة، ثم صلى مثل صلاته في الوقت في تمكُّث، ثم قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. أي: إن الساعة جائية أكاد أخفيها لنفسي لا تأتيكم إلا بغتة. قال ابن عباس: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ يقول: لا أظهر عليها أحدًا غيري).\n_________\n(١) حديث صححيح. أخرجه البخاري (٥٩٧) - كتاب مواقيت الصلاة. وفي رواية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. ورواه مسلم (٦٨٤)، وأبو داود (٤٤٢)، والترمذي (١٧٨)، والنسائي (١/ ٢٩٣)، وابن ماجة (٦٩٦)، وأحمد (٣/ ٢٤٣)، وابن حبان (١٥٥٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦٨٤)، (٣١٦)، ورواه أحمد (٣/ ١٨٤) من طريق المثنى به.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٨٧) في التفسير، سورة طه، آية (١٤)، وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٣٠)، وصحيح سنن أبي داود (٤٢٠ - ٤٢١)، وفي صحيح مسلم نحوه.","vol":"5","page":13},{"text":"وقال: (لا تأتيكم إلا بغتة). وعن سعيد بن حبير: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال: من نفسي).\nوقال السُّدي: اليس أحدٌ من أهل السماوات والأرض إلا قد أخفى الله عنه عِلْمَ الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: ﴿آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾، يقول: كتمتُها من الخلائق، حتى لو استطعتُ أن أكتُمَها من نفسي لفعلتُ).\nوقال قتادة: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾، وهي في بعض القراءة ﴿أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾، ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤].\nومن صحيح السنة العطرة:\nأخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن بريدة، عن النبي - ﷺ - قال: [خمسٌ لا يعلمهُنَّ إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيب، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسِبُ غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾] (١).\nوقوله: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾. أي: لتثاب كل نفس قضى الله امتحانها في الدنيا بما تسعى. فمن يعمل صالحًا فلنفسه، ومن يعمل غير ذلك فإثمه على نفسه.\nوفي التنزيل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٣)، وكذلك (٢/ ٢٤)، (٢/ ٥٢)، وهو في صحيح البخاري في كتاب التفسير من حديث ابن عمر- نحوه - ورواه مسلم وغيره.","vol":"5","page":14},{"text":"وفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنما يبعث الناس على نياتهم] (١).\nورواه من حديث جابر بلفظ: [يحشر الناس على نياتهم].\nوبنحوه عند ابن حبان من حديث عائشة: [... ثم يبعثون على نياتهم وأعمالهم].\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾.\nأي: فلا يردنّك عن التهيؤ للساعة يا موسى والتأهب لها من لا يؤمن بها ومضى خلف شهواته وأهوائه معظمًا لها، فتهلك بذلك وتشقى.\nقال الزمخشري: (وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله).\n١٧ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إبرازُ الله تعالى آية لموسى، عصاه ألقاها فانقلبت بإذن الله حية تسعى، قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى، ثم أراه آية أخرى، يده ضمّها إلى جناحه فخرجت بيضاء بإذن ربه الأعلى. ليذهب محملًا باليقين ممتثلًا أمر الله إلى فرعون الذي طغى.\nفقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ - استفهام تقرير.\nأي هو تنبيه من الله سبحانه ليقرّر بنفسه أنها خشبة يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، لِيُعَرِّفَه قدرته تعالى على تحويلها إلى حية تسعى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٢٢٩)، (٤٢٣٠) - كتاب الزهد - باب في النية، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٠٧) - (٣٤٠٨)، ورواه ابن حبان في صحيحه نحوه، وقد مضى.","vol":"5","page":15},{"text":"قال النسفي: (والسؤال للتنبيه لتقع المعجزة بها بعد التثبت، أو للتوطين لئلا يهوِّله انقلابها حَيَّة، أو للإيناس ورفع الهيبة للمكالمة).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. أي: فأجاب موسى أنها عصاه يعتمد عليها حال المشي ويهزّ بها الشجرة ليسقط ورقُها لترعاه غنمه، وأن له بها مصالح ومنافع أخرى.\nقال قتادة: (﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾: أخبط بها الشجر). وقال: (كان نبي الله موسى - ﷺ - يهشُّ على غنمه ورق الشجر). وقال السدي: (يقول: أضرب بها الشجر للغنم، فيقع الورق). وقال الضحاك: (يقول: أضرب بها الشجر حتى يسقط منه ماتأكل غنمي).\nوعن ابن عباس: (﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ قال: حوائج أخرى قد علمتها). وقال مجاهد: (حاجات). أي حاجات أخرى سوى ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ - ابتداء لأسباب ظهور المعجزة. قال ابن عباس: (لما قيل لموسى: ألقها يا موسى، ألقاها) - أي العصا التي كانت في يده.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾. أي: قَلَبَ الله أوصافها وأعراضها، فصارت العصا حَيَّةً بإذن الله ﴿تَسْعَى﴾ أي: تنتقل وتمشي وتتحرك. قال وهب بن منبه: (تهتزّ، لها أنياب وهيئة كما شاء الله أن تكون، فرأى أمرًا فظيعًا، فولى مدبرًا).\nوفي التنزيل: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]. فنودي: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠].\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.\nقال وهب بن منبه: (فولى مُدبرًا، ولم يعقّب، فناداه ربه: يا موسى أقبل ولا تخف ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. قال: أي سنردها عصًا كما كانت).\nوعن ابن عباس: (﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ يقولى: حالتها الأولى). أي سنردها إلى هيئتها الأولى عصًا كما كانت.\nوقوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾.\nأي: أدخل يدك - يا موسى - في جيبك كما تفسّره الآية الأخرى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]. وكذلك الآية: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ","vol":"5","page":16},{"text":"﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢]. فهذا برهان ثانٍ لموسى - ﷺ - إذْ أمره ربه أن يدخل يده في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء: أي من غير برص ولا أذى ولا شين.\nوعن ابن عباس: (﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ قال: من غير برص). قال الحسن: (أخرجها الله من غير سوء، من غير برص، فعلم موسى أنه لقي ربه).\nوقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾.\nقال ابن جرير: (كي نريك من أدلتنا الكبرى على عظيم سلطاننا وقدرتنا).\nوقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. أي تجاوز قدره وحدّه، وتمرَّدَ على ربه.\nقال ابن كثير: (أي: اذهب إلى فرعون ملك مصر، الذي خَرَجت فارًّا منه وهاربًا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وَمُرْهُ فليُحْسِن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى).\n٢٥ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: رجاءُ موسى ﵊ رَبّه، أن يشرح صدره، وييسر أمره، ويزيل العجمة من لسانه، ويجعل هارون وزيرًا له يعينه في أمره، رجاء إقامة منهج التعظيم لله وحده والإكثار من ذكره، إنه هو السميع البصير.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ - سؤال من موسى ﵇ ربّه ﵎ ليشرح صدره فيما بعثه به، إلى أكبر طغاة الأرض وأكثرهم جنودًا وأعمرهم ملكًا. وأن يكون له في مهمته عَونًا ونصيرًا وظهيرًا.\nقال ابن زيد: (﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قال: جرأة لي). وقال القرطبي: (﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ أي وسَّعه ونوّره بالإيمان والنبوة ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ أي سهّل عليّ ما أمرتني به من","vol":"5","page":17},{"text":"تبليغ الرسالة إلى فرعون). وقوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ - أي أزل العجمة التي في لساني يفقهوا عني ما أخاطبهم به بالكلام. قال ابن عباس: (كانت في لسانه رُتَّة). قيل: يعني العجمة التي كانت فيه من جمرة النار التي أطفأها في فيه وهو طفل). وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾. هو من تمام سؤال موسى ربه عونه في تيسير مهمته لدعوة ذلك الطاغية المتجبر فرعون. فسأل ربه أن يجعل له عونًا من أهل بيته. قال النسفي: (﴿وَزِيرًا﴾ ظهيرًا أعتمد عليه، من الوزر الثقل، لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنته، أو من الوزر الملجأ، لأن الملك يعتصم برأيه، ويلتجئ إليه في أموره، أو معينًا من الموازرة وهي المعاونة).\nأخرَج النسائي بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [من ولي منكم عملًا فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا إن نسي ذكَّرَه، وإن ذكَر أعانه] (١).\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد مرفوعًا: [ما بعث الله من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصمه الله] (٢).\nوقوله: ﴿هَارُونَ﴾ عطف بيان لـ \"وزيرًا\"، وقوله ﴿أَخِي﴾ بدل أو عطف بيان آخر.\nوعن ابن عباس: (﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ يقول: اشدد به ظهري). وقال ابن زيد: (يقول: اشدد به أمري، وقوّني به، فإن لي به قوّة). وعن مجاهد: (﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال: ظهري). وفي لغة العرب: أزر فلان فلانًا: إذا أعانه وشدّ ظهره. قال الرازي: (الأزْر: القوة. وقوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ أي ظهري. و\"آزره\" أي عاوَنَه).\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ يقول: واجعله نبيًّا مثل ما جعلتني نبيًّا، وأرسله معي إلى فرعون). وقال ابن كثير: (﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: في مشاورتي).\nوقوله تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾.\nأي: كي نعظمك بالذكر والتسبيح والدعاء، فإنك العليم بأحوالنا البصير بحاجاتنا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٧/ ١٥٩) من حديث القاسم عن عائشة أم المؤمنين ﵂، وإسناده صحيح، ويشهد له الحديث الذي بعده.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧١٩٨)، وأخرجه أحمد (٣/ ٣٩) من حديث أبي سعيد، ورواه أحمد (٢/ ٢٨٩) وأبو يعلى (٦٠٠٠)، وصححه ابن حبان (٦١٩١) من حديث أبي هريرة.","vol":"5","page":18},{"text":"قال القاسمي: (أي كي نتعاون على تسبيحك وذكرك. لأن التعاون - لأنه مهيج الرغبات - يتزايد به الخير ويتكاثر ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ أي عالمًا بأحوالنا، وبأن المدعوّ به مما يفيدنا).\nوعن مجاهد قال: (لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا).\n٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إجابةُ الله تعالى دعوة موسى - ﷺ -، وامتنانه عليه بإلهام أمه أيام طفولته قذفه بالتابوت في اليم ليلقيه الله إلى بيت عدوه، ثم إرجاعه إلى أمه لإرضاعه أثناء سعي أخته في ذلك، ثم ما كان من حماية الله له أثناء الشباب بعد قتله القبطي واختباره اختبارًا كثيرًا.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾.\nقال القرطبي: (لما سأله شرح الصدر، وتيسير الأمر إلى ما ذكر، أجاب سؤاله، وأتاه طِلْبَتَه ومرغوبه).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾.\nقال ابن كثير: (تذكير له بنِعَمِهِ السَّالِفة عليه، فيما كان ألهم أمَّه حينَ كانت تُرْضِعُهُ، وتحذو عليه من فرعون وَمَلئِه أن يقتلوه، لأنه كان قد وُلِدَ في السَّنة التي يقتلون فيا الغلمان. فاتخذت له تابُوتًا، فكانت ترضِعُه ثم تَضَعُه فيه، وتُرسِلُه في البحر - وهو النيل - وتُمْسِكُه إلى مَنْزلها بحبل، فذهبت مرة لتربطه فانفلت منها وذهب به البحر،","vol":"5","page":19},{"text":"فَحصل لها من الغمِّ والهمَّ ما ذكره الله عنها في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]، فذهب به البحر إلى دار فِرعون، ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فحَكَم الله - وله السلطان العظيم والقدرة التامة - أن لا يُرَبَّى إلا على فراش فرعون، ويُغْذَى بطعامه وشرابه، مع محبَّتِه وزوجته له. ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. أي: عند عَدُوّك، جعلتُه يُحبُّك. قال سلمة بن كُهيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال: حَبَّبْتُكَ إلى عبادي).\nوعن ابن إسحادق قال: (لما ولدت موسى أمه أرضعته، حتى إذا أمر فرعون بقتل الولدان من سنته تلك عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تعالى، جعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينا هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به وآسية ابنةُ مُزَاحم امرأته جالسة إلى جنبه، فقال: إنّ هذا لشيء في البحر، فأتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاؤوا به، ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله عليه محبته، وعطف عليه نفسه، وعنى جل ثناؤه بقوله: يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ فرعون هو العدوّ، كان لله ولموسى).\nوعن السدي: (﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر، وهو النيل).\nوقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.\nقال قتادة: (هو غذاؤه، ولتغذى على عيني). وقال ابن جريج: (أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر). وقال أبو نهيك: (ولتعمل على عيني). قال ابن جرير -شيخ المفسرين-: (معناه: ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي).\nوالمقصود: أنّ تربية موسى ﵊ إنما كانت برعاية الله سبحانه، لأن العرب حين تقول: (فلان يسير على عيني) يعنون: برعايتي. و(رَبَّيْتُه على عيني) أي: تحت نظري ومراقبتي وإشرافي.\nقلت: فلفظ \"العين\" في التنزيل قد يفيد الصفة التي لابد من إثباتها لله سبحانه، وقد يفيد العناية والرعاية، والله المستعان.","vol":"5","page":20},{"text":"وقوله. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾.\nإخبار من الله تعالى أنه لما استقر موسى ﵇ رضيعًا في بيت فرعون، عَرَضوا عليه المراضع فأباها، وهو قوله سبحانه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فجاءت أخته وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]. أي: هل أدلكم على مرضعة ترضِعُه لكم بالأجرة؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثَدْيها، فَقَبِلَهُ، فردّ الله موسى إلى أمه وأدخل عليها السرور والفرح من جديد، وأزال عنها الهم والحزن، ونالها إضافة إلى سرورها أجر الإرضاع، ولثواب الله في الآخرة أطيب وأكمل.\nوقوله: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.\nقال ابن جرير: (﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني جل ثناؤه بذلك: قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه عليه الإسرائيلي، فوكزه موسى). وقال مجاهد: (﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾: من قتل النفس). أي: نجيناك ممّا نزل بك من غم ذلك القتل وما تبعه من محاولة القوم أن يقتلوك بما صدر منك، فخلصناك منهم، حتى هربت إلى أهل مدين، فلم يبلغوا إلى قتلك أو قودك سبيلًا. ثم لجأت إلى ذلك الرجل الصالح فطمأنك وقال لك: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ يقول: اختبرناك اختبارًا). أو قال في رواية أخرى: (ابتليت بلاء). والمقصود: استعراض تلك المحن والبلايا التي قضى الله لموسى أن يمرّ بها حتى يكتمل ويصلب ويواجه حمل أمانة الوحي والنبوة.\nوفي صحيح مسلم عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: [يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبَكم للكبيرة؟ ! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الفتنة تجيء من ها هنا\"، وأومَأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى ﵇ الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله ﷿ له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٩٠٥) (٥٠) - كتاب الفتن. باب الفتنة نحو المشرق.","vol":"5","page":21},{"text":"وقوله: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: لقد جئت لميقات يا موسى). وقال مجاهد: (على ذي موعد). وقال قتادة: (قدر الرسالة والنبوة).\nوالمقصود: لقد لبثت يا موسى تلك السنين مقيمًا في أهل مدين فارًّا من فرعون وملئه، وكنت ترعى على صهرك، حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، لتأتي من جديد إلى مصر على قدر الله وإرادته لتبدأ مرحلة جديدة، وهي مرحلة القيام بأعباء الرسالة والنبوة ومواجهة الطواغيت.\n٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنان الله تعالى على موسى - ﷺ - في لبثه سنين في أهل مدين آمنًا من فرعون، ثم مجيئه إلى مصر على موعد لبدء مرحلة جديدة هي القيام بأعباء النبوة، ليذهب مع أخيه هارون بأمر الله لمقابلة الطاغية فرعون ودعوته إلى الحق بقول لين لعله يتذكر أو يخشى.\nوقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ - أي اخترتك نبيًّا، واجتبيتك رسولًا، واصطفيتك لنفسي كما أريد وأشاء للقيام بأمري ونهيي.\nوفي صحيح البخاري - عند تفسير هذه الآية - عن محمد بن سِيرينَ عن أبي هريرة عن رسول الله قال: [التقى آدمُ وموسى، فقال موسى لآدمَ: أنت الذي أَشْقَيْتَ الناسَ وأَخْرَجْتَهم من الجنة؟ قال له آدمُ: أَنْتَ الذي اصْطفاك الله برساليِهِ، واصْطفاكَ لِنَفْسِهِ، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجَدْتَها كُتِبَ عَلَي قبلَ أن يَخْلُقَني؟ قال: نعم، فَحَجَّ آدمُ موسى] (١).\nوقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.\nأي: اذهب أنت وهارون بأدلتي وحججي إلى فرعون الذي تمرّد في ضلاله وعتا في غَيِّه وظلمه، فادعواه إلى الحق ولا تضعفا في ذكري فإن في ذِكْرِكُما لي قوة وعزيمة لكما.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٤٧٣٦) - كتاب التفسير- سورة طه - آية (٤١)، ورواه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٦٥٢).","vol":"5","page":22},{"text":"قال ابن عباس: (﴿وَلَا تَنِيَا﴾ يقول: لا تبطئا). وقال: (يقول: ولا تضعفا في ذكري).\nقال ابن زيد: (الواني: هو الغافل المفرط ذلك الواني).\nوالمقصود: استحضار عظمة الله ﷿ بذكره عند لقاء الطاغية أو الظالم، فإن ذلك ممّا يهوّن على المؤمن أمر العتاة والبغاة وأهوال اقتحام حواجز الكبر التي يصنعها أئمة الكفر في الأرض لِيَحُولوا دون وصول دعوة الله إلى الناس في الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.\nأي اذهبا إلى فرعون الذي تمرّد وعتا، وتَجَهْرَم على الله وعصا، ودعا الناس إلى عبادته وتعظيمه من دون الله، ومع ذلك استميلاه بِلَيِّنِ القول ولطيفه لعله يتذكر أو يخشى.\nقال ابن كثير: (هذه الآية فيها عبرةٌ عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العُتُوِّ والاستكبار، وموسى صَفْوَةُ الله من خَلْقِهِ إذ ذاك، ومع ذلك أُمِرَ ألَّا يخاطِبَ فِرْعون إلا بالملاطفة واللِّين، كما قال يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويُناديه؟).\nويُروى هنا من شعر زيد بن عمرو بن نُفيل، أو أمية بن أبي الصَّلْت فيما ذكره ابن إسحاق:\nوأنْتَ الذي من فَضْلِ مَنٍّ ورحْمَةٍ ... بَعَثْتَ إلى موسى رسولًا مُناديًا\nفقلتَ له: فاذهَبْ وهارونَ فادعُوا ... إلى الله فرعونَ الذي كان باغِيًا\nفقُولا له: هل أنْتَ سَوَّيْتَ هذِه ... بلا وَتَدٍ حتى اسْتَقَلَّتْ كما هِيَا؟\nوقولا له: آأنت رَفَّعْتَ هذِهِ ... بلا عَمَدٍ؟ أَرْفِقْ إذن بك بانِيًا\nوقولا له: آأنت سَوَّيْتَ وَشطَها ... مُنيرًا إذا ما جَنَّهُ الليل هاديًا؟\nوقولا له: مَنْ يُخرجُ الشمس بُكْرَةً ... فَيُصْبحَ ما مَسَّت مِنَ الأرض ضاحِيًا؟\nوقولا له: من يُنْبِتُ الحبَّ في الثّرى ... فَيُصبحَ ممْه البَّقْلُ يَهْتَزُّ رابيًا؟\nويُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّهُ في رؤوسه ... ففي ذاكَ آياتٌ لِمَنْ كان واعِيَا\n٤٥ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا","vol":"5","page":23},{"text":"تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾.\nفي هذه الآيات: خشيةُ موسى بطش فرعون به وبأخيه، وطمأنَةُ الله له بأنهما تحت رعايته وحمايته - جلّت عظمته -، وأمْرُه تعالى لهما بلقاء فرعون وإخباره أنهما رسولا الله تعالى إليه ليطلق بنى إسرائيل من الاستعباد، وقد أتيناك بحجة على صدق دعوانا، والسلام من عذاب الله على من أسلم واتبع الهدى. فإن العذاب - كما أوحي إلينا من ربنا - على من كذّب بكتاب الله وتولى عن طاعته.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾.\nالإفراط: الإسراف والإشطاط والتعدي. والتفريط: التواني.\nقال ابن زيد: (﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ قال: نخاف أن يعجل علينا إذ نبلغه كلامك أوأمرك، يفرط ويعجل). وعن مجاهد: (﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ قال: عقوبة منه). وعن ابن عباس: (﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾: يعتدي).\nوالمقصود: خشية موسى وهارون ﵉ من اعتداء فرعون عليهما عند سماعه كلام الحق، فيحمله ذلك على الشطط في الطغيان والعقوبة والبغي. فهما يستجيران بالله من حدوث ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.\nطمأنة من الله سبحانه لرسوليه موسى وهارون ﵉ من أن ينالهما أذى من فرعون، فهو تعالى معهما بسمعه وبصره، والمراد بحفظه ونصره وتأييده.\nقال ابن عباس: (أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنع، لست بغافل عنكما فلا تهتما).\nقلت: وجميع آيات المعية مُفَسَّرة بما قبلها أو بعدها، وهذه الآية العظيمة واحدة من تلك الآيات، فالله سبحانه معنا بصفاته لا بذاته، فذاته الكريمة فوق العرش وهو يدبر الأمر في هذا الكون، كما قال سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].","vol":"5","page":24},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾.\nأي: فأتيا فرعون فأخبراه أنكما رسولا الله تعالى إليه أن أطلق بني إسرائيل من الاستعباد والاسترقاق، ولا تعذبهم بتكليف المشاق، وقد أيناك بحجة على صدق دعوانا، وقد سلم من عذاب الله من أسلم واتبع الهدى.\nوبنحو ذلك كتب رسول الله - ﷺ - إلى هرقل عظيم الروم كتابًا - كما روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس - وفيه: [بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتَّبَعَ الهدى، أما بعْدُ: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ الله أجرك مرتين ....]، الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.\nقال قتادة: (- أي - كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النا زعات: ٣٧ - ٣٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [كُلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله، ومَنْ يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى] (٢).\n٤٩ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٧) - كتاب بدء الوحي، في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٧٢٨٠) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.","vol":"5","page":25},{"text":"رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: محاولةُ فرعون أثناء لقائه موسى وهارون إنكار وجود الصانع الخالق، وتأكيد موسى على ربوبية الله ﷿ الذي خلق كل شيء فَقَدَّرَهُ تقديرًا، فهو تعالى الذي مهّد الأرض وجعل فيها السبل وأنزل الماء وأخرج النبات متاعًا للإنسان والأنعام ثم المرجع إليه تعالى، فإليه يصرف التعظيم وجميع أعمال العبادة، فما كان من فرعون إلا أن استكبر وكذب وأبى.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. في الكلام محذوف تقديره: فَأَتَيَاه فَأَبْلَغَاه رسالةَ ربهما ﷿ فقال: من ربكما يا موسى. قال النسفي: (خاطبهما ثم نادى أحدهما لأن موسى هو الأصل في النبوة وهارون تابعه). وقد أراد فرعون بذلك إنكار وجود الصانع الخالق، رب كل شيء وإلهه ومليكه.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.\nهو جواب موسى البليغ المفحم. قال ابن عباس: (يقول: خلق لكل شيء زوجة، ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده). وقال مجاهد: (أعطى كل شيء صورته ثم هدى كل شيء إلى معيشته). وقال أيضًا: (سوَّى خلق كلّ دابة ثم هداها لما يُصلحها وعلَّمها إياه، ولم يجعل الناس في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الناس، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرًا). وقال حميد عن مجاهد: (هداه إلى حيلته ومعيشته).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧].\nقلت: وهذه الهداية هي هداية الخالق جميع خلقه لمصالحهم، وهي النوع الأول","vol":"5","page":26},{"text":"من مراتب الهداية: الهداية العامة للخلق. فإن الله سبحانه قد هدى الأشياء والمخلوقات لأسلوب حياتها ولوظيفتها منذ أن خلقها. كما روى الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).\nقال الراغب الأصبهاني ﵀: (كُلُّ ما أوجده الله تعالى فإنه هداه لما فيه مصلحتُه كما نبَّه عليه بقوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. لكن هدايته للجمادات بالتسخير فقط، كالأشياء الأرضية التي إذا تركت تنحو نحو الأسفل، وكالنار التي تنحو نحو العلوّ. وهدايته للحيوانات إلى أفعال تتعاطاها بالتسخير والإلهام، كالنحل فيما يتعاطاه من السياسة ومن عمل العسل، وكالسُّرْفة (٢) فيما تبنيه من الأبنية، وكالعنكبوت في نسجه) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾.\nمحاولةٌ ماكرةٌ من فرعون لصرف المسألة الأولى - مسألة الربوبية - وإبعادها، لَمَّا واجَهَهُ موسى ﵊ بتلك الحجة الدامغة: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. فأعاده موسى بذكاء وحنكة إلى المسألة التي يهرب منها: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.\nقال ابن كثير: (أصح الأقوال في معنى ذلك أنَّ فرعونَ لما أخبرهُ موسى بأنَّ ربَّهُ الذي أرسله هو الذي خلقَ ورزقَ وَقَدَّرَ فهدى، شَرَعَ يحتج بالقُرون الأولى، أي: الذين لم يَعْبدوا الله، أي: فما بالُهم إذا كان الأمرُ كما تقول لم يعبُدوا ربَّك، بل عبدوا غيره؟ فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبُدوه، فإن عَمَلَهم عند الله مضبوطٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٩)، وأحمد (٢/ ٣٢٧)، والنسائي في الكبرى (١١٠١٠)، وأخرجه البيهقي في \"الصفات\" (٢/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(٢) السُّرْفة: دويبة تتخذ لنفسها بيتًا مربعًا من دقاق العيدان، تضم بعضها إلى بعض باللعاب، ثم تدخل فيه وتموت.\n(٣) ذكره الراغب في كتابه: \"تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين\". وانظر تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٩٣ - ٩٠٧) في بحث القدر، مراتب الهداية والضلال.","vol":"5","page":27},{"text":"علمهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوط وكتابُ الأعمال، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، أي: لا يَشِذُّ عنه شيء، ولا يفوته صغيرٌ ولاكبيرٌ، ولا ينسى شيئًا. يَصِفُ علمه تعالى بأنه بكل شيء محيطٌ، وأنه لا ينسى شيئًا، ﵎ وتقدّس، فإن علمَ المخلوق يعتريه نُقصانان، أحدُهما: عدمُ الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانُه بعد عِلمه، فنزّه نفسه عن ذلك).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾.\nمتابعة من موسى ﵊ في ذكر بعض صفات الرب سبحانه: إنه - تعالى - الذي جعل لكم الأرض قرارًا تستقرون عليها وتمشون في حوائجكم وتسافرون على ظهرها، وجعل لكم فيها طرقًا ومسالك (١) تسلكون فيها لأعمالكم وأسفاركم، وأنزل من السماء ماء فأخرج لكم به من ألوان النباتات والثمار المختلفة الأكل والطعوم والأنواع. كلوا منها وأطعموا بهائمكم، وفي ذلك آيات كبيرة لأصحاب العقول وأولي الألباب.\nقال القرطبي: (﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ أمر إباحة. ﴿وَارْعَوْا﴾ من رعت الماشية الكلأ، ورعاها صاحبها رعاية، أي أسامها وسرحها، لازم ومتعد، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ أي العقول. الواحدة نُهْيَة. قال لهم ذلك، لأنهم الذين يُنْتهى إلى رأيهم. وقيل: لأنهم ينهون النفس عن القبائح. وهذا كله من موسى احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جوابًا لقوله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. وبيّن أنه إما يستدل على الصانع اليوم بأفعاله).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾.\nأي: من الأرض خلقنا أباكم آدم ﵇ ثم كنتم من بعد ذلك الأصل، ثم نعيدكم بعد مماتكم إلى الأرض، ثم تخرجون منها للبعث والحساب.\nقال ابن زيد: (﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ قال: مرة أخرى الخلق الآخر).\nأخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح من حديث البراء عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرّون بها على ملأ من الملائكة\n_________\n(١) كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١].","vol":"5","page":28},{"text":"إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ ! فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، فيستفتحون لها فيفتح، فيشيّعه من كل سماء مقرّبوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿: اكتبوا لعبدي كتابا في عِلّيين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده ...] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولقد أرينا فرعون آياتنا، يعنى أدلتنا وحججنا على حقيقة ما أرسلنا به رسولينا موسى وهارون إليه كلها ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ أن يقبل من موسى وهارون ما جاءا به مق عند ربهما من الحق استكبارًا وعتوًّا).\n٥٧ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: اتهام فرعون موسى بالسحر ومحاولة تقويضه بسحر مثله، واجتماع الناس لرؤية مشهد السحرة في مبارزتهم موسى، وتحذير موسى القوم من مغبة الكذب على الله وإنكار الحق أمام تشجيع فرعون لهم.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾.\nمحاولةٌ من فرعون للتخلص من سلطان حجج موسى وقوة أدلته بالاتهام بالسحر واللجوء إلى المكر والحيلة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧)، والحاكم (١/ ٣٧)، والآجري في \"الشريعة\" ص (٣٦٧) - (٣٧٠) من حديث البراء، وله شواهد عند ابن ماجة والطيالسي وأبي داود وغيرهم.","vol":"5","page":29},{"text":"قال النسفي: (فيه دليل على أنه خاف منه خوفًا شديدًا، وقوله: ﴿بِسِحْرِكَ﴾ تعلل، وإلا فأي ساحر يقدر أن يخرج ملكًا من أرضه؟ !).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾.\nأي: فلنعارضَنَّكَ بسحر مثل سحرك، فاختر لذلك مكانَ موعدٍ على النَّصَفِ بيننا وبينك. قال مجاهد: (﴿مَكَانًا سُوًى﴾: منصفًا بينهم). وقال قتادة: (نصفًا بيننا وبينك، أي عادلًا بيننا وبينك).\nقلت: وأصل قوله ﴿سُوًى﴾ من الاستواء، كما قال ابن زيد: (﴿مَكَانًا سُوًى﴾: مكانًا مستويًا يتبين للناس ما فيه، لا يكونُ صُوَبٌ ولا شيءٌ فيغيب بعضُ ذلك عن بعض، مُسْتَوٍ حينَ يُرَى).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾.\nأي: في يوم عيدهم ذلك. قال ابن عباس: (فإنه يوم زينة يجتمع الناس إليه ويحشر الناس له).\nوعن ابن جريج قال: (يوم زينة لهم، ويوم عيد لهم ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ إلى عيد لهم).\nوقال السدي: (﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وذلك يوم عيد لهم). وقال ابن زيد: (يوم العيد، يوم يتفرَّغُ الناس من الأعمال، ويشهدون ويحضُرون ويرون). قال ابن كثير: (﴿ضُحًى﴾ أي: ضَحْوَة من النهار ليكونَ أظهرَ وأجلَى وأَبْيَنَ وأوضحَ. وهكذا شأنُ الأنبياء، كُلُّ أمرهم واضحٌ بيِّنٌ، ليس فيه خَفاءٌ ولا ترويج. ولهذا لم يقل: ليلًا، ولكن نهارًا ضُحىً).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ - فيه إشارة إلى انتفاض فرعون لمواجهة ما أشغله وأهمه، فشرع يجمع الكيد والسحر والسحرة الماهرين من جميع مدائن مملكته، ثم حضر بقوة سلطانه وأبّهته وكيده وسحرته.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾. أي: بادأهم موسى ﵊ حين اجتمعوا بالتحذير من بطش الله إن عاندوا حججه وآياته سبحانه بالكذب والافتراء - يقول ذلك للسحرة.","vol":"5","page":30},{"text":"وعن ابن عباس: (﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ يقول: فيهلككم). وقال قتادة (فيستأصلكم بعذاب فيهلككم). وقال ابن زيد: (يهلككم هلاكًا ليس فيه بقية، قال: والذي يسحت ليس فيه بقية).\nقلت: وأصل السحت في كلام العرب الاستئصال. قال الرازي: (أسحته: استأصله).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾.\nقال قتادة: (قال السحرة بينهم: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر). وقال وهب بن منبه: (فترادّ السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر).\nأي: تشاجر السحرة فيما بينهم أن هذا ليس بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي، وتناجوا فيما بينهم.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.\nقال وهب بن منبه: (أشار بعضهم إلى بعض بتناج: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾). وقال قتادة: (موسى وهارون صلى الله عليهما).\nوالمعنى: قال السحرة فيما بينهم: هذان الرجلان - يعنون موسى وهارون - فيما يبدو ساحران خبيران بصناعة السحر، فحذار أن يغلباكم اليوم ويستوليا على قلوب الناس ويستبدا بطريقة السحر لهما ينتفعان بها دونكم، بعدما كان لكم منها رزق وعيش ومكانة وصدارة. فإذا كان ذلك وانتصرا وتبعهما العامة قاتلا فرعون وجنوده فانتصرا عليه وأخرجاكم من أرضكم.\nوعن ابن عباس: (﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يعني: مُلْكَهُم الذي هم فيه والعيش).\nوعن مجاهد: (﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: أولي العقل والشرف والأنساب).\nقال قتادة: (وطريقتهم المُثلى يومئذ كانت بنو إلصرائيل، وكانوا أكثر القوم عددًا وأموالًا وأولادًا. قال عدو الله: إنما يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهما).\nقلت: والمقصود أنهم خافوا على طريقتهم التي كانوا عليها من إتقانهم السحر","vol":"5","page":31},{"text":"وأساليبه والتي كانت تدرّ عليهم الأموال والمناصب والصدارة بين بني إسرائيل وعند فرعون وملئه.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾.\nأي: اجتمعوا صفًا واحدًا، ثم ألقوا ما في أيديكم مرةً واحدة، فإنكم إذا فعلتم ذلك كان أهيبَ في صدور الرائين، ومن ثمّ تكون لكم الغلبة على هذين الرجلين.\nوعن وهب بن منبه قال: (جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ أي قد أفلح من أفلح اليوم على صاحبه).\nوالمقصود: إنْ كانت لكم الغلبة فقد أفلحتم اليوم بعطايا فرعون، وتمكّن فرعون من رياسته العظيمة وملكه العجيب.\n٦٥ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾.\nفي هذه الآيات: بدء الاستعراض من السحرة بحبالهم وعصيهم أمام موسى وأعين الناس، وشعور موسى بالخوف من رهبة ما رأى، وتثبيت الله تعالى له بأمره إلقاء ما في يمينه لتحصد سحرهم وكذبهم، وانتهاء المشهد بسجود السحرة لله قائلين آمنا برب هارون وموسى.\nفقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾.\nأي: قال السَّحرة لموسى لما استعدوا لبدء اللقاء والسجال إما أن تلقي أنت أولًا وإما أن نبدأ نحن بالإلقاء. فأجابهم موسى - ﵊ - بل أنتم ألقوا. قال ابن كثير: (أي: أنتم أولًا لنرى ماذا تصنعون من السَّحر، وليظهر للناس جليَّةُ أمرهم).\nوقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾.\nفي الكلام متروك، والتقدير: فألقى السحرة ما معهم من الحبال والعصي.","vol":"5","page":32},{"text":"والمعنى: فإذا الحبال والعصي تتحرك وتضطرب وتميد بما أودعوها من الزئبق. قال النسفي: (رُوي أنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت فخيلت ذلك).\nأي: يخيّل للناظر أنها حيات تسعى باختيارها ويركب بعضها بعضًا حتى امتلأ منها الوادي.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.\nقال القاسمي: (أي: أحس ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ وذلك لما جُبِلَ عليه الإنسان من النفرة من الحيات. أو خاف من توهم الخلق المعارضة، بأن لهم من حبالهم وعصيهم حيات، كما أن له من عصاه حية). وقال ابن كثير: (أي: خاف على الناس أن يفْتَتِنُوا بسِحرهم ويَغْترّوا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾، يعني عصاه، فإذا هي تلقف ما صنعوا، وذلك أنها صارت ثعبانًا عظيمًا هائلًا ذا عيون وقوائمَ وعُنُق ورأس وأضراس، فجعلت تتبَعُ تلك الحبالَ والعصي حتى لم تُبقِ منها شيئًا إلا تَلَقَّفَتْهُ وابتلَعَتْهُ، والسحرةُ والناسُ ينظرون إلى ذلك عِيانًا جَهْرَةً، نَهَارًا ضحوةً. فقامت المعجزةُ، واتضح البرهان، ووقع الحق وبطل السِّحر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾).\nوقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾.\nأي: فخرّ السحرة سجدًا حين رأوا ما أبهر العيون والعقول والقلوب، وهم يلهجون بذكر الرحمن ﷿ ويقولون: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾.\nقال القرطبي: (﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ لما رأوا من عظيم الأمر وخرق العادة في العصا، فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي).\n٧١ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ","vol":"5","page":33},{"text":"السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾.\nفي هذه الآيات: استنفارُ فرعون لضبط سلطانه أمام زعزعة الحق لمكره وكيده، وتهديدُه السحرة بالقتل والتقطيع والصلب، وإيثار السحرة المؤمنين ما عند الله.\nفقوله: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ - هو من كفر فرعون وعناده وكبره وغروره حين شعر بالهزيمة وانحسار السلطان. قال القرطبي: (إنكار منه عليهم، أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. قال القاسمي: (أي فاتفقتم معه ليكون لكم الملك). وقال ابن كثير: (قال قولًا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بَهْتٌ وكذِبٌ: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، أي: أنتم إنما أخذتم السّحر عن موسى، واتَّفَقْتُم أنتم وإياه عليَّ وعلى رعيتي لتظهروه، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣]).\nوقال القرطبي: (﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. أي رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم. وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته).\nوقوله: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.\nقال وهب بن منبه: (يقول: فلأقطعن أيديكم وأرجلكم مخالفًا بين قطع ذلك، وذلك أن يقطع يمنى اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين، فيكون ذلك قطعًا من خلاف).\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يقول: ولأصلبنكم على جذوع النخل).\nقال السدي: (فقتلهم وقطعهم، كما قال عبد الله بن عباس بن قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]. وقال: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء).","vol":"5","page":34},{"text":"وقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: ولتعلمنّ أيها السحرة أيّنا أشدّ عذابًا لكم، وأدوم، أنا أو موسى).\nوقال النسفي: (﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ أنا على ترك إيمانكم بي أو رب موسى على ترك الإيمان به. وقيل يريد نفسه لعنه الله وموسى صلوات الله وسلامه عليه بدليل قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾.\nأي: لن نختارك على ما أكرمنا الله به من الهدى والإيمان بعظيم الحجج والبرهان.\nوقوله: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يحتمل تأويلين عند المفسرين:\nالتأويل الأول: أن يكون معطوفًا على البينات. والتقدير: لن نختارك على ما جاءنا من الإيمان، ولا على فاطرنا وخالقنا الرحمان، فهو المستحق للعبادة وحده العزيز المنّان.\nالتأويل الثاني: أن يكون قسمًا، وجوابه لن نؤثرك مقدّم على القسم. والتقدير: والله الذي فطرنا لن نختارك على ما جاءنا من الحق والهدى والإيمان.\nوقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. أي من القتل والصلب وألوان التعذيب. قال وهب بن منبه: (أي اصنع ما بدا لك).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. قال وهب: (أي ليس لك سلطان إلا فيها. ثم لا سلطان لك بعده).\nوقوله: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾.\nأي إنا أقررنا لربنا بتوحيده، وصدقنا بوعده ووعيده، ونحن نرجو بذلك أن يغفر لنا خطايانا وما تعلمناه من السحر وعلمناه، وتجرأنا به على مواجهة الحق ومعارضة آيات الله بإكراهك لنا على ذلك.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قال ابن إسحاق: (خير منك ثوابًا، وأبقى عذابًا). وعن محمد بن كعب، ومحمد بن قيس في قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قالا: (خيرًا منك إنْ أُطِيع، وأبقى منك عذابًا إن عُصي).","vol":"5","page":35},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.\nقال ابن كثير: (الظاهرُ من السِّياق أن هذا من تَمام ما وَعَظَ به السحرةُ لفرعون، يُحذِّرونه من نِقْمَة الله وعذابه الدائم السَّرمَدِي ويُرَغِّبونه في ثوابه الأبديَّ المخلَّد، فقالوا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾، أي: يلقى الله يوم القيامةِ وهو مجرم، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. كقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]).\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملحُ، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت] (١).\nوفي لفظ عند البخاري: [فيزداد أهل الجنة فَرَحًا إلى فرحهم، ويزداد أهلُ النار حُزْنًا إلى حُزنهم].\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يَحْيَون، ولكن أناسٌ تُصيبهم النار بذنوبهم فتميتُهم إماتةً، حتى إذا صاروا فحمًا أُذِنَ في الشفاعة، فجيء بهم ضبائِرَ، فَبُثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نباتَ الحبَّةِ تكون في حَميل السيل] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾.\nأي: ومن يأت ربه يوم القيامة صادق الإيمان صحيح الدين قد عمل ما أمره الله واجتنب ما نهاه عنه، فأولئك لهم البشارة ببلوغ درجات الجنة العُلا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٤٨) - كتاب الرقاق، وأخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٥٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٥)، وأحمد في المسند (٣/ ١١)، (٣/ ٧٨)، وابن ماجة في السنن (٤٣٠٩)، وغيرهم.","vol":"5","page":36},{"text":"وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر بعض هذه الدرجات العاليات، وبديع الغرف الآمنات، والروضات الفاتنات، وذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ أهل الجنة يَتَراءَوْن أهْلَ الغُرَفِ منْ فَوقِهم، كما تتراءَوْنَ الكوكبَ الدُّرّيَّ الغابرَ في الأفق من المشرقِ أو المغرب لتفاضُلِ ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازِلُ الأنبياء لا يَبْلُغها غيرُهم؟ قال: بَلى، والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [في الجنة مئة درجةٍ ما بَيْنَ كُلَّ درجتين مئةُ عام] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال: [في الجنة مئةُ درجة، ما بين كلِّ درجتين كما بينَ السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تُفَجَّرُ أنهارُ الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العَرْش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن معاذ بن جبل، أن رسول الله - ﷺ - قال: [مَن صام رمضانَ وصلَّى الصلاة وحجَّ البيتَ، لا أدري أذَكَرَ الزكاة أم لا. إلا كان حقًّا على الله أنْ يَغْفِرَ لَهُ إنْ هاجَرَ في سبيل الله أو مكثَ بأرضه التي وُلدَ بها. قال معاذ: ألا أخبر بها الناس؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ذرِ الناس يعملونَ فإنَّ في الجنة مئةَ دَرَجَةٍ ما بين كلِّ درجَتَيْن كما بَيْنَ السَّماء والأرض، والفِرْدَوسُ أعلى الجنة وأوسَطها وفوقَ ذلك عرشُ الرَّحمن، ومنها تُفَجَّر أنهارُ الجنة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفِرْدَوس] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٦) - كتاب بدء الخلق، وكذلك (٦٥٥٦)، وأخرجه مسلم (٢٨٣١)، وأحمد (٥/ ٣٤٠)، وأخرجه ابن حبان (٧٣٩٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٦٦٢) - أبواب صفة الجنة. باب ما جاء في صفة درجات الجنة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٢)، (٥/ ٣١٦)، والترمذي (٢٦٦٤) - واللفظ له - انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٥٦) - أبواب صفة الجنة، الباب السابق.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي بسند صحيح من حديث معاذ. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٥٥) - أبواب صفة الجنة. وسلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٩٢١).","vol":"5","page":37},{"text":"وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾.\nأي: جنات إقامة تتخللها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، وهو جزاء من تزكى بالإيمان والعمل الصالح، فطهَّر نفسه من الشرك وعمله من الرياء، وصدق المرسلين وتابعهم على منهاجهم.\n٧٧ - ٧٩. قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾.\nفي هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى موسى - ﷺ - المسير بالمؤمنين ليلًا- للخلاص من قبضة فرعون وبطشه - واختراق البحر بهم، واتباع فرعون وجنوده لهم، وخوضهم في البحر الذي أطبق مياهه عليهم، ليغرق فرعون وجنده بكفرهم.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾.\nقال مجاهد: (﴿يَبَسًا﴾: يابسًا). وعن ابن عبالس: (﴿لَا تَخَافُ﴾ من آل فرعون ﴿دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ من البَحْر غرقًا). قال قتادة: (يقول: لا تخاف أن يدركك فرعون من بعدك ولا تخشى الغرق أمامك).\nفإنه حين أبى فرعون أن يرسل مع موسى بني إسرائيل، أوحى الله إلى موسى أن يُسري بهم في الليل ويخلّصهم من قبضة فرعون وبطشه، فخرج بهم ليلًا فأصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب فرعون وأرسل يجمع الجند من أرجاء بلاده ويقول: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ (١)، ثم مضى في الجند والعتاد ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ - أي: عند طلوع الشمس. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: نظر كل فريق إلى الآخر، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. ووقف موسى ببني إسرائيل، البحر أمامهم، وفرعون وراءهل، فأوحى الله تعالى إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي: كالجبل\n_________\n(١) انظر سورة الشعراء، الآيات [٥٤ - ٦٣].","vol":"5","page":38},{"text":"العظيم. قال ابن كثير: (وأرسلَ الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يابسًا كوجه الأرض، ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾، أي: من فرعون، ﴿وَلَا تَخْشَى﴾، يعني من البحر أن يغرق قومك).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾.\nأي: فلحقهم فرعون بمن معه فخاض وراءهم حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده من اليم -أي من البحر- ما غشيهم فغرقوا جميعًا. وسلك فرعون بذلك بقومه طريق الضلال وسبيل أهل النار. قال القاسمي: (﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي علاهم منه وغموهم، ما لا يحاط بهوله ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ أي أوردهم الهلاك، بعتوّه وعناده في الدنيا والآخرة. وما هداهم سبيل الرشاد).\n٨٠ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.\nفي هذه الآيات: يمتن ﷾ على بني إسرائيل ببعض النعم الكبيرة، والآلاء الوفيرة، وأعظمها ما كان من نجاتهم من فرعون وجنده أهل الآثام والشرور الخطيرة، وهم ينظرون إلى مصارعهم إذ غرقوا عن آخرهم في صبيحة واحدة، وما نجا منهم أحد. ومواعدة الله موسى وبني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن وتكليمه تعالى موسى وإنزال التوراة والمن والسلوى ليحمدوه تعالى ويعظموه ويتوبوا إليه، وهو الغفار لمن تاب وعمل صالحًا ثم اهتدى.\nفقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ - أي فرعون وجنوده، فقد كانوا يسومونكم سوء العذاب، يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم. فأقر أعينكم برؤية مصارعهم. قال تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\nومن ثمَّ فكان من شكر تلك النعمة على بني إسرائيل أن يعظموا التوراة ولا يخالفوا نبيَّ الله موسى، وأن يحمدوا الله دومًا على الخلاص من ذلك الطاغية الفاجر.","vol":"5","page":39},{"text":"أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [ما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة واليهودُ تصومُ عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليومُ الذي أظهر الله فيه موسى على فرعونَ. فقال: نحن أولى بموسى، فصوموه] (١).\nوفي رواية: [أنتم أحقُّ بموسى منهم فصوموا].\nوفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄: [أن رسول الله - ﷺ - قدِمَ المدينة، فوجَدَ اليهودَ صِيامًا، يَوْمَ عاشوراء. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعونَ وقومه، فصامه موسى شُكْرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله - ﷺ -: فنحن أحقُّ وأوْلى بموسى منكم. فصامه رسول الله - ﷺ - وأمرَ بصيامه]. (٢) وفي لفظ للبخاري: [قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمَرَ بصيامه].\nوفي صحيح البخاري عن أبي مسعود ﵁ قال: [كانَ يوم عاشوراء تعدُّه اليَهود عيدًا، قال النبي - ﷺ -: فصوموه أنتم] (٣).\nوقوله: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾.\nوذلك بعد هلاك فرعون، فقد واعد الله تعالى موسى وبني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن، فكلّم موسى وأعطاه التوراة، وهناك سأل موسى الرؤية، وسقط بنو إسرائيل أثناء ذلك في عبادة العجل.\nوقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. أي: رحمة من الله تعالى بهم، فيأخذون حاجتهم إلى الغد. والمنّ: حلوى كانت تنزل عليهم من السماء. والسَّلوى: طائر يسقط عليهم. وهذا امتنان عظيم من الله سبحانه على بني إسرائيل وآية من آيات الثبات على الحق ولكن أكثرهم لا يعلمون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٠٠٤)، كتاب الصوم، وأخرجه كذلك برقم (٤٦٨٠)، (٤٣٣٧)، ورواه مسلم في الصحيح (١١٣٠) ح (١٢٧)، وأخرجه أبو داود (٢٤٤٤)، وأحمد (١/ ٢٩١) وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١١٣٠) ح (١٢٨)، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٢٠٠٥) - كتاب الصوم - باب صوم يوم عاشوراء.","vol":"5","page":40},{"text":"وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ يقول: ولا تظلموا). وقال قتادة: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ يقول: فينزل عليكم غضبي).\nقال القرطبي: (﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي من لذيذ الرزق. وقيل: من حلاله إذ لا صنع فيه لآدمي فتدخله شبهة). وقال ابن كثير: (﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾، أي: كلوا من هذا الذي رزقتُكم، ولا تطغوا في رِزقي فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به). وقوله: ﴿فَيَحِلَّ﴾ منصوب بالفاء في جواب النهي. وقرأها الأعمش: ﴿فَيَحِلَّ﴾، ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ من الحلول أي الوقوع. وهي بالكسر ﴿فَيَحِلَّ﴾ من حلَّ يحِلّ إذا وجب وهما قراءتان والكسر أشهر.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾. قال ابن عباس: (أي فقد شقي). وقال الزجاج: (فقد هلك).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.\nهو باب عظيم من أبواب رحمة الله تعالى فتحه لعباده إلى قبيل قيام الساعة، فكل من تاب من ذنبه مهما كان -من الشرك حتى الصغائر- وأتبعه بالعمل الصالح وثبت على الإيمان، فإنه سيصير بإذن الله إلى المغفرة والجنان.\nوعن ابن عباس: (﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: لم يشكُك). وقال قتادة: (يقول: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه). وعن الربيع بن أنس: (﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أخذ بسنّة نبيه - ﷺ -). وقال ابن زيد: (أصحاب العمل). وقال سعيد بن جبير: (أي: استقام على السنة والجماعة).\nقلت: وجميعها تفيد المعنى وتزيده وضوحًا وجلاء وتكشف آفاقه وأبعاده.\n٨٩ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ","vol":"5","page":41},{"text":"مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾.\nفي هذه الآيات: قدوم موسى لميقات ربه، وإضلال السامري بني إسرائيل بعبادة العجل، ورجوع موسى غضبان أسفًا محذرًا قومه عبادة من لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا.\nفقوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾.\nأي: وأيّ شيء أعجلك عن قومك يا موسى، فتقدمتهم وخلفتهم وراءك.\nفإنه بعد هلاك فرعون، مضى موسى ببني إسرائيل: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩]. وواعده ربه ثلاثين ليلة ثم أتمّها بعشر، واختار من قومه سبعين رجلًا لميقات ربه - كما مر في سورة الأعراف.\nقال النسفي: (مضى معهم إلى الطور على الموعد المضروب ثم تقدمهم شوقًا إلى كلام ربه وأمرهم أن يتبعوه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ أي: أيّ شيء أوجب عجلتك؟ استفهام إنكار، وما مبتدأ وأعجلك الخبر).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: قومي على أثري يَلْحقون بي. يقول: وعجلت أنا فسبقتهم رب، كيما ترضى عني).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.\nأي: فإنا ياموسى قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل الذي دعاهم إليه السامري، فأطاعوه حين استخفهم بذلك، وعصوا أمرك وأمر أخيك هارون وركبوا الأهواء.\nوقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. أي: يجمع بين الغضب والحزن على ما صدر. قال ابن عباس: (يقول: حزينًا). وقال قتادة: (أي حزينًا على ما صنع قومه من بعده).","vol":"5","page":42},{"text":"وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾. قال القرطبي: (وعدهم ﷿ الجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أن يسمعهم كلامه التوراة على لسان موسى، ليعملوا بما فيها فيستحقوا ثواب عملهم. وقيل: وعدهم النصر والظفر. وقيل: وعده قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية).\nوقوله: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾. أي: فهل نسيتم بسبب طول العهد وحصلت الغفلة.\nوقوله: ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾.\nقال النسفي: (أي أردتم أن تفعلوا فعلًا يجب به عليكم الغضب من ربكم: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الآيات فأخلفوا موعده باتخاذ العجل).\nوقوله: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. قال ابن عباس: (بأمرنا). وقال قتادة: (بطاقتنا).\nوقال ابن زيد: (يقول: بهوانا، قال ولكنه جاءت ثلاثة، قال ومعهم حلي استعاروه من آل فرعون وثياب).\nقال الزمخشري: (أي ما أخلفنا موعدك، بأن ملكنا أمرنا. أي لو ملكنا أمرنا، وخلينا وراءنا، لما أخلفناه. ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده).\nوالمقصود: اعتراف منهم بالضعف وحصول الخطأ، والوقوع في الفتنة.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾.\nأي: حملنا أثقالًا وأحمالًا من حلي القبط - قوم فرعون -، وهو حليُّ نسائهم ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي في النار لسبكها فكان هذا إلقاء السامري.\nوقوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾.\nأي: أخرج لهم من تلك الحليّ المذابة عجلًا جسدًا له خوار- أي صوت عجل. والمقصود أنه صنع منه شكل عجل يخور كما يخور العجل وجعل فيه منافذ ومخارق، بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج من جراء ذلك صوت يشبه صوت العجل.\nوقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.\nأي: فقال السامري والضلال الذين افتتنوا به هذا إلهكم وإله موسى نَسِيَه هاهنا","vol":"5","page":43},{"text":"وذهب يتطلَّبه. وعن ابن عباس: (﴿فَنَسِيَ﴾، أي: نَسِيَ أن يذكِّركم أن هذا إلهكم).\nوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (فقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، قال: فعكفوا عليه وأحيّوه حبًا لم يحبُّوا شيئًا قطّ يعني مثله، يقول الله: ﴿فَنَسِيَ﴾، أي: ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري).\nقلت: وكلها تأويلات محتملة تدل على ضلال السامري ومن اتبعه وانخراطهم في سخافة عبادة العجل، ولذلك سفّه الله أحلامهم وعاب عليهم الجهل الذي وقعوا فيه كما تدل على ذلك الآية الآتية.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.\nأي: أفلا يرون أن العجل الذي عبدوه لا يجيبهم إذا سألوه أو خاطبوه ولا يملك لهم في دنياهم ولا في أخراهم ضرًا ولا نفعًا. قال ابن عباس: (لا والله ما كان خُوارُه إلا أن يدخُلَ الريح في دُبره فيخرج من فيه، فَيُسمَع له صوتٌ).\n٩٥ - ٩٨. ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾.\nفي هذه الآيات: نصيحة هارون لبني إسرائيل بطاعة الرحمان ﷿ وعدم السقوط في هذه الوثنية القبيحة، وإصرار القوم على أمرهم، ورجوع موسى مؤنبًا هارون، وحواره مع السامري وتوعده له، وتأكيده لقومه أن إلههم الحق هو الله الذي لا إله غيره قد وسع كل شيء علمًا.","vol":"5","page":44},{"text":"فقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾. هو تحذير هارون لعبدة العجل من بني إسرائيل قبل رجوع موسى إليهم. قال السدي: (يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل).\nقال ابن جرير: (يقول: إنما اختبر الله إيمانكم ومحافظتكم على دينكم بهذا العجل، الذي أحدث فيهم الخوار، ليعلم به الصحيح الإيمان منكم من المريض القلب الشاك في دينه).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.\nأي: وإن ربكم الرحمان خالق كل شيء ومليكه، وهو وحده المستحق للعبادة، فاتبعوني فيما آمركم به واجتنبوا ما أنهاكم عنه.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا﴾.\nهو من عِنَادِ ضُلَّالِ بني إسرائيل. قال ابن كثير: (أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه. وخالفوا هارونَ في ذلك وحاربوه، وكادوا أن يقتلوه).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾.\nقال ابن عباس: (لما قال القوم: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ أقام هارون فيمن تبعه من المسلمين ممن لم يُفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوّف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ وكان له هانبًا مطيعًا).\nوالمعنى: لما رجع موسى ورأى ما وقع به القوم من الفتنة امتلأ غيظًا وألقى ما كان بيده من الألواح الإلهية، وراجعهم في ذلك وعاتبهم، ثم أخذ برأس أخيه هارون يستخبر منه: أي شيء منعك إذ رأيتهم ضلوا عن دينهم ألا تتبعني فتخبرني بالأمر أوّل ما وقع.\nوعن ابن جريج: (قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ قال: أمر موسى هارون أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، فذلك قوله: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بذلك).","vol":"5","page":45},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.\nفي الكلام محذوف، والتقدير: ثم أخذ موسى بلحية أخيه هارون ورأسه يجرّه إليه. فاعتذر إليه هارون أن تأخر عليه ولم يلحقه فيخبره خشية أن يقول له موسى: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾: لم تحفظ قولي).\nقال ابن كثير: (- في قوله -: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾، ترفَّقَ له بذكر الأمِّ، مع أنه شقيقُه لأبوَيه، لأنّ ذكر الأم هاهنا أرَو وأبلَغ في الحنوَّ والعَطْف).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. هو قول موسى للسامري: أن ما شأنك وما الذي دعاك إلى ما صنعت. قال ابن زيد: (ما أمرك؟ ما شأنك؟ ما هذا الذي أدخلك فيما دخلت فيه). وقال السدي: (ما لك يا سامري).\nوقوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. أي علمت أمرأ لم يعلموه فصرت به بصيرًا.\nوقوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.\nقال ابن عباس: (قبض قبضة منه من أثر جبريل، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلًا جسدًا له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى).\nوعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: (لما قذفت بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آل فرعون في النار، وتكسّرت ورأى السامريّ أثر فرس جبرئيل ﵇، فأخذ ترابًا من أثر حافره (١)، ثم أقبل إلى النار فقذفه فيها. وقال: كن عجلًا جسدًا له خوار، فكان للبلاء والفتنة).\nوقال ابن زيد: (﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ قال: كذلك حدثتني نفسي). أي: زينت لي نفسي. قلت: والمقصود أن الله ﵎ أراد ما كان من التقاء التراب من أثر حافر فرس جبريل، مع الحليّ في النار ليخرج من ذلك عجل له خوار ليفتتن الناس به ويمتحنوا في صدق إيمانهم بالله. وهذا كما يحصل اليوم من خرق العادة على يد\n_________\n(١) قيل: رأى السامري أثر جبريل يوم فلق البحر، وقيل: وقت ذهابه بموسى إلى الطور. والله أعلم.","vol":"5","page":46},{"text":"بعض الناس الذين يتعاملون مع الجن، فيكون منهم بإذن الله ما يفتن الناس، فيثبت الصادق على دينه ويسقط المنافق.\nوقوله: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: كما أخَذْت ومَسِسْتَ ما لم يكن لك أخذُه ومسُّه من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا أن تقولَ: لا مِسَاسَ، أي: لا تُماسَّ الناسَ ولا يمسُّونك).\nوعن قتادة: (﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قال: عقوبةٌ لهم، وبقاياهم اليوم يقولون: لا مسَاس).\nقلت: والمقصود عقوبة السامري أن لا يَمسّ ولا يُمَسّ، والمراد منعه من الناس ومخالطتهم.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾. قال الحسن: (لن تغيب عنه). والمراد: يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.\nأي: وانظر إلى ذلك العجل الذي أقمت على عبادته لنحرقنه بالنار قطعة قطعة، ثم لنذرينه في البحر تذرية يغيب معها ذلك الوثن.\nقال ابن عباس: (﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ الذي أقمت عليه. ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ فحرّقه ثم ذراه في اليم). وقال: (﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ يقول: لنذرينه في البحر). قال: (واليمّ: البحر).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.\nهو من قول موسى لقومه. أي: ما لكم أيها القوم من إله إلا الله، فهو وحده الذي تصلح العبادة له. قال قتادة: (﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يقول: ملأ كل شيء علمًا ﵎).\nونصب ﴿عِلْمًا﴾ على التمييز، أي هو عالم بكل شيء، كما قال سبحانه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وكقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - ﷺ -","vol":"5","page":47},{"text":"يقول: [كتبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعَرْشُه على الماء] (١).\n٩٩ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تسليةٌ من الله تعالى لنبيّه محمد - ﷺ - في ذكره أخبار ما سبق، وأنَّ من أعرض عن قبول هذا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة يحمل إثمًا عظيمًا. وفي النار يكون من الخالدين، فبئس الحمل وبئس المستقر. إنه يوم ينفخ في القَرْن نفخة القيام تحشر الملائكة المجرمين يومئذ زرق العيون من شدة الأهوال، فيقول بعضهم لبعض ما لبثتم في الدنيا إلا قليلًا، عشرة أيام أو نحوها. فيقول أوفاهم عقلًا بل لبثتم يومًا واحدًا.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾.\nقال القرطبي: (أي كما قصصنا عليك خبر موسى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ قصصًا كذلك من أخبار ما قد سبق، ليكون تسلية لك، وليدل على صدقك. ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ يعني القرآن. وسمى القرآن ذكرًا، لما فيه من الذكر كما سمى الرسول ذكرًا، لأن الذكر كان ينزل عليه. وقيل: ﴿آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ أي شرفًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي شرف وتنويه باسمك).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾. قال مجاهد: (إثمًا). والمعنى: من تولى وأدبر عن قبول هذا القرآن وجعله منهجًا له في حياته فإنه يأتي يوم القيامة يحمل إثمًا عظيمًا.\nوقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ أي: خالدين في النار بأوزارهم فبئسما حملوا. قال ابن عباس: (﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ يقول: بئسما حملوا. قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٥٣) - كتاب القدر، وبنحوه في مسند أحمد بلفظ (قَدَّرَ الله المقادير)، وفي معجم الطبراني بلفظ: (فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا).","vol":"5","page":48},{"text":"يعني بذلك: ذنوبهم). أي بئس الحمل حملهم الذي آل بهم إلى الخلود في العذاب.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾.\nأي: يوم يَنْفُخُ إسرافيل في الصور نفخة الفزع ثم الصعق ثم نفخة القيام بين يدي رب العالمين للحساب والجزاء، وتحشر الملائكة المجرمين يومئذ زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال.\nوالصور قرْن ينفخ إسرافيل فيه بأمر الله تعالى، وما زال يحمله ينتظر إشارة الأمر له بذلك.\nففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [الصور قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه] (١).\nوأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كيف أنعمُ وصاحب القَرْن قد التقم القرن وحنى جبهته، يسمع متى يؤمر فينفخ؟ فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: فما نقول؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾.\nقال ابن عباس: (﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يتسارون بينهم). أي: يقول بعضهم لبعض: ما لبثتم في الدنيا إلا قليلًا. عشرة أيام أو نحوها.\nوقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾.\nقال شعبة: (﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾: أوفاهم عقلًا). وقال ابن كثير: (﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾، أي: في حال تناجيهم بينهم، ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾، أي: العاقل الكامل فيهم، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾، أي: لِقِصَر مُدَّةِ الدنيا في أنفسهم يوم المعاد، لأن الدنيا كُلَّها وإن تكررت أوقاتها وتعاقَبَت لياليها وأيامُها وساعاتُها كأنها يومٌ واحِدٌ، ولهذا يستقصر الكافوون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة. وكان غرضهم في ذلك دَرْءَ قيام\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٧٤٢) - كتاب السنة - باب في ذكر البعث والصور. وأخرجه الترمذي (٣٢٤٣)، (٣٢٤٤)، وأحمد (٢/ ٣١٢)، وصححه ابن حبان (٧٣١٢)، والحاكم (٢/ ٤٣٦)، وكذا الذهبي. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٩٦٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٧)، (٣/ ٧٣)، والترمذي (٢٤٣١)، والحاكم (٤/ ٥٥٩).","vol":"5","page":49},{"text":"الحجة عليهم، لقِصَر المدَّة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٥ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]. أي: إنما كان لُبثكم فيها قليلًا، ولو أنكم كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصَرَّفتم فأسأتُم التصرَّف، قَدَّمتم الحاضِرَ الفاني على الدائم الباقي).\n١٠٥ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: نَسْفُ الله الجبال يوم القيامة فلا منخفض ولا مرتفع، واتباع الناس صوت داعي الله إلى موقف الحشر مسرعين لا انحراف لهم عنه، وسكون الأصوات لله تعالى من هيبة الموقف، والشفاعة لا تكون إلا بإذن الله العليم الحكيم، الذي خشعت له الوجوه وقد خسر من حمل ظلمًا، وربح المؤمن فلا يخاف لعمله هضمًا.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل لهم: يذريها ربي تذرية، ويطيرها بقلعها واستئصالها من أصولها، ودكّ بعضها على بعض، وتصييره إياها هباء منبثًا).\nوقوله: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: مستويًا لا نبات فيه). وقال ابن زيد: (الصفصف: المستوي). والمقصود أنه سبحانه يذهب الجبال يوم","vol":"5","page":50},{"text":"القيامة عن أماكنها ويمحقها ويُسيرها ويذر الأرض بساطًا واحدًا. قال ابن كثير: (القاع: هو المستوي من الأرض. والصفصف تأكيدٌ لمعنى ذلك. وقيل: الذي لا نبات فيه. والأول أولى. وإن كان الآخر مُرادًا أيضًا باللازم).\nوقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. أي: لا ترى يومئذ في الأرض منخفضًا ولا مرتفعًا، ولا واديًا ولا محدّبا. قال ابن عباس: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ يقول: واديًا، ولا أمتًا: يقول: رابية). وعن مجاهد: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ قال: ارتفاعًا، ولا انخفاضًا).\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾. أي: يومئذ يتبع الناس صوت داعي الله إلى موقف الحشر مسرعين لا انحراف لهم عنه. قال القاسمي: (أي يجيبونَ الداعي إلى المحشر، فينقلبون من كل صوب إليه). وقال النسفي: (﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي لا يعوج له مدعو، بل يستوون إليه من غبر انحراف متبعين لصوته).\nوقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. أي: سكنت الأصوات لله تعالى من هيبة الموقف فلا كلام لأحد إلا من أذن الله له قولًا.\nقال ابن عباس: (﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾، يقول: سكنت. ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ قال: وطء الأقدام). أو قال: (همس الأقدام، وهو الوطء). وفي رواية قال: (يقول: الصوت الخفي). وعن مجاهد: (﴿هَمْسًا﴾ قال: خفض الصوت. أو قال: تخافتًا، قال: كلام الإنسان لا تسمع تحرّك شفتيه ولسانه). وقال ابن جريج: (هو صوت وقع الأقدام بعضها على بعض إلى المحشر). وعن سعيد بن جبير: (﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ قال: الحديث وسره، وَوَطْء الأقدام).\nوخلاصة المعنى: وسكنت الأصوات وذلّت يومئذ للرحمان هيبة وإجلالًا، فلا تسمع إلا صوتًا خفيفًا لتحريك الشفاه أو وقع الأقدام لتأخذ أماكنها في أرض المحشر.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾.\nأي: لا يستطيع أن يتقدم - يومئذ - بالشفاعة أحد إلا أن يأذن الله تعالى لمن يشاء ويرضى.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].","vol":"5","page":51},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].\nوفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع إلى ربك، فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله. فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته. فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد. فيأتوني فأقول: أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد وأخرّ له ساجدًا. فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول يا رب أمتي أمتي. فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخزُ له ساجدًا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخرُّ له ساجدًا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل. ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخرُّ له ساجدًا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله! قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا:\n[حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده! ما مِنْ أحَدٍ منكم بأشَدَّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"التوحيد\" من حديث أنس، انظر: مختصر صحيح البخاري - حديث رقم - (٢١٣٣)، وأخرجه مسلم في الإيمان (١٩٣).","vol":"5","page":52},{"text":"مُنَاشدةً لله في استيفاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون: رَبَّنا كانوا يصومون معنا وَيُصَلُّون ويَحُجُّون، فيقال لهم: أخرجوا مَنْ عَرَفْتُمْ -فَتُحَرَّمُ صُوَرُهم على النار- فَيُخرجونَ خَلْقًا كثيرًا قَدْ أَخذتِ النارُ إلى نِصْفِ ساقيه وإلى رُكبَتَيْه. ثم يقولون: ربَّنا! ما بقَيِ فيها أحدٌ مِمَّنْ أَمَرْتنا به. فيقول: ارجِعوا، فَمَنْ وَجَدْتُم في قلبه مثقالَ دينارٍ مِنْ خيْرٍ فأخرِجوه، فَيُخْرِجون خَلْقًا كثيرًا، ثم يقولون: رَبَّنا! لم نَذرْ فيها أحدًا مِمَّنْ أمَرْتَنا به. ثم يقول: ارجعوا، فَمَنْ وَجَدتُمْ في قلبه مِثْقَالَ نصفِ دينارٍ مِنْ خير فَأَخْرِجوه، فَيُخرجونَ خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: رَبَّنا! لمْ نَذَرْ فيها مِمَّنْ أمَرْتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذَرَّةٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيخرجون خَلْقًا كثيرًا، ثم يقولون: رَبَّنا لم نَذَرْ فيها خيرًا. فيقول الله تعالى: شَفَعَت الملائكةُ وشَفَعَ النبيونَ وشفعَ المؤمنون، ولم يَبْقَ إلا أرحَمُ الراحمين، فَيَقْبضُ قَبْضَةً من النار فَيُخرجُ منها قومًا لم يعملِوا خيرًا قطُّ، قد عادوا حُمَمًا فَيُلْقِيهم في نَهْرٍ في أفواهِ الجنة يقال له نَهْرُ الحياة، فيَخْرجُونَ كما تخْرُجُ الحبَّةُ في حميل السَّيل ..........] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.\nقال قتادة: (﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الساعة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يعلم ربك يا محمد ما بين أيدي هؤلاء الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يقول: ويعلم أمر ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا).\nوقال النسفي: (﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أي بما أحاط به علم الله). أي لا يحيط الخلق بربهم علمًا، بل الله تعالى قد أحاط بكل شؤون خلقه علمًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ذلت).\nوقال مجاهد: (خشعت). وقال ابن زيد: (استأسرت الوجوه للحي القيوم. صاروا أسارى كلهم له. قال: والعاني: الأسير).\nوالمقصود: خضعت الوجوه يومئذ وذلت، فاستسلمت الخلائق جميعها لجبّارها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٨٣) - كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، في أثناء حديث طويل.","vol":"5","page":53},{"text":"الحيّ: الذي لا يموت، القيوم: الذي لا ينام، الذي هو قيِّم على كل شيء بالحفظ والتدبير ولا قِوام لشيء إلا به.\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. قال قتادة: (من حمل شركًا). وقال ابن زيد: (الظلم هاهنا: الشرك).\nقلت: بل الظلم يشمل عند الإطلاق الشرك والمعاصي وأكل الحقوق والبغي، ومن ثمَّ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، يصيب صاحبه من الخيبة يومئذ حسب مظلمته.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].\nوفي صحيح السنة المطهرة في التخويف من الظلم أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشّح فإن الشّحَ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nالحديث الثاني: خَرّجَ مسلم - كذلك - في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاء - التي لا قرن لها - من الشاة القرناء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: [مَن كانت عِنْدَه مظْلَمَةٌ لأخيه فليتحَلَّلْهُ مِنْها، فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أن يُؤْخَذَ لأخيه من حَسناتِه، فإن لم يكنْ له حسناتٌ أُخِذَ من سيئاتِ أخيه فطُرِحت عليه] (٣).\nوفي لفظ: [من كانت له مظلمةٌ لأخيه مِنْ عِرْضِهِ أو شيءٍ فليتحلَّلْهُ منه اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم، إنْ كان له عملٌ صالح أُخِذَ منه بقدْرِ مَظْلَمتِهِ، وإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات صاحبه فَحُمِلَ عليه].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٧٨) - كتاب البر والصلة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٨٢) - كتاب البر والصلة - الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٤٤٩) - كتاب المظالم، وأخرجه كذلك (٦٥٣٤) - كتاب الرقاق.","vol":"5","page":54},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.\nأي: ومن يكن في حياته الدنيا على منهج الإيمان والعمل الصالح فإنه يأتي يوم القيامة آمنًا لا يظلم من عمله شيئًا ولا ينقص من حق عمله.\nوالآية هي الصورة المقابلة للصورة السابقة صورة الظالمين، فإنه تعالى بعد أن ذَكَرَ حالهم ثنّى بذكر المتقين ومآلهم.\nقال قتادة: (﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وإنما يقبل الله من العمل ما كان في إيمان). وعن ابن عباس: (﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال: لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم، فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته).\nوعن حبيب بن أبي ثابت قال: (الهضم: الانتقاص). قال قتادة: (﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال: لا يخاف أن يظلم، فلا يجزى بعمله، ولا يخاف أن ينتقص من حقه، فلا يوفى عمله).\nوقال الحسن: (لا ينتقص الله من حسناته شيئًا، ولا يحمل عليه ذنب مسيء. وأصل الهضم: النقص).\n١١٣ - ١١٤. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ الله على هذا القرآن العربي المبين، الذي قد فُصِّل فيه الوعد والوعيد فهو ذكرى للذاكرين، فتقدّس الله الملك الحق العليم الحكيم. وأمْرُ الله نبيّه الإنصات لجبريل عند تلاوته القرآن، ثم ليقبل عليه بالحفظ ورجاء الله زيادته في العلم والإيمان.\nفقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. أي بلسان عربي مبين فصيح، وهو لسانكم أيها العرب. قال القرطبي: (أي كما بيّنا لك في هذه السورة من البيان، فكذلك جعلناه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي بلغة العرب).\nوقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾. أي خوفناهم فيه بضروب من الوعيد. قال","vol":"5","page":55},{"text":"القاسمي: (أي بعبارات شتى، تصريحًا وتلويحًا، وضروب أمثال، وإقامة براهين).\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قال قتادة: (ما حُذّروا به من أمر الله وعقابه، ووقائعه بالأمم قبلهم).\nوقوله: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. أي موعظة وتذكرًا، أو مقامًا وشرفًا. قال قتادة: (﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ قال: جِدًا وورعًا. وقد قال بعضهم - معناه -: أو يحدث لهم شرفًا بإيمانهم به).\nوقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾. أي تناهى سبحانه في العلو والعظمة، وتنزه وتقدس.\nقال ابن كثير: (أي: تَنزَّهَ وتقدَّسَ الملكُ الحق، الذي هو حَقٌّ، ووعده حقٌّ، ووعيده حقٌّ، ورسُله حقٌّ، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، وكل شيء منه حقٌّ. وعدله تعالى ألا يُعَذَّبَ أحدًا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خَلْقِه، لئلا يبقى لأحدٍ حُجَّةٌ ولا شبهة).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.\nأي: بل أنصت - يا محمد - لجبريل وهو يتلوه عليك، فإذا فرغ الملك من قراءته فاقرأه بعده.\nوالآية كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].\nقال القاسمي: (وقد كان رسول الله - ﷺ - إذا لَقَّنَهُ جبريل الوحيَ، يتبعه عند تلفط كل حرف وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ. فأرشد إلى أن لا يساوقه في قراءته، وأن يتأنَّى عليه ريثما يسمعه ويفهمه. ثم ليقبل عليه بالحفظ بعد ذلك).\nقلت: بل ضمن الله تعالى له حفظه في صدره بقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. أي نحن سنجمعه لك في صدرك لئلا تنشغل بعناء حفظه عن مهام الدعوة والجهاد، وإنما تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئًا.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄","vol":"5","page":56},{"text":"قال: [كانَ النبي - ﷺ - إذا نزل عليه الوحيُ حَرَّك به لسانَه يريد أن يَحفَظهُ، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]] (١).\nوفي الباب بعده قال البخاري: حدثنا عُبَيدُ الله بنُ موسى عن إسرائيلَ، عن موسى بن أبي عائشة: أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قال: وقال ابن عباس: [كان يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذا أُنزلَ عليه، فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ - يخشى أنْ يَتَفَلَّتَ منهُ - ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾: أن نَجْمَعَهُ في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أَنْ تَقْرَأَه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يقول: أُنزل عليه ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أن نُبَيّنَهُ على لسانك] (٢).\nوفي رواية قال: [فكان إذا أتاهُ جبريلُ أطْرَقَ، فإذا ذَهَبَ قرأَهُ كما وَعَدَهُ الله]. وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. أي رب زدني علمًا إلى ما علمتني. قال ابن عيينة: (ولم يزل - ﷺ - في زيادة العلم حتى توفاه الله ﷿).\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك: [أَنَّ الله ﷿ تَابعَ الوَحْيَ على رسول الله - ﷺ - قبل وفاته، حتى تُوُفِّيَ، وأكثَرُ ما كان الوحيُ يومَ توفي رسول الله - ﷺ -] (٣).\n١١٥ - ١٢٢. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: عهدُالله تعالى إلى آدم ونسيانه، وأمره تعالى الملائكة السجود لآدم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٩٢٧) - كتاب التفسير- سورة القيامة، آية (١٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٢٨) - كتاب التفسير، وانظر كذلك (٤٩٢٩) للرواية بعده.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠١٦) - كتاب التفسير، وانظر مسند أحمد (٣/ ٢٣٦)، وكذلك النسائي في \"فضائل القرآن\" (٨) من حديث أنس.","vol":"5","page":57},{"text":"وجحود إبليس، وتحذير الله آدم وزوجته عداوته، ووسوسة الرجيم لهما حتى أكلا من الشجرة وبدت سوآَتهما، والتماس آدم التوبة من ربه حتى تاب عليه وهدى.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. قال مجاهد: (ترك أمر ربّه).\nوعن ابن عباس قال: (إنما سُمَّيَ الإنسان لأنه عُهِدَ إليه فنسي).\nوالمقصود: لقد وصينا آدم من قبل وجود هؤلاء أن لا يقرب الشجرة فخالف إلى ما نُهِيَ عنه. وهكذا النسيان في ذرية آدم وحدوث الغفلة، فأساس أمر بني آدم قائم على ذلك. وإنما خير الخطائين التوابون.\nوقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال قتادة: (صبرًا). وقال عطية: (حفظًا لما أمرته به).\nوقال ابن زيد:) العزم: المحافظة على ما أمره الله ﵎ بحفظه، والتمسك به).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾.\nأي امتنع واستكبر. وكان ذلك الأمر من الله لملائكته بالسجود لآدم تشريفًا له وتكريمًا - كما مضى في سورة البقرة -. وإنما اعتز إبليس بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، واعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة.\nوقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾.\nقال الحسن: (﴿فَتَشْقَى﴾ شقاء الدنيا، لا يُرى ابن آدم إلا ناصبًا).\nأي: هذا الشيطان - يا آدم - عدو لك ولزوجك حواء - ﵉ - حيث لم يسجد لك ولم ير فضلك، وأظهر لك العداوة والحسد، فلا يكون سببًا لإخراجكما من الجنة.\nقال النسفي: (﴿فَتَشْقَى﴾ فتتعب في طلب القوت، ولم يقل فتشقيا مراعاة لرؤوس الآي، أو دخلت تبعًا، أو لأن الرجل هو الكافل لنفقة المرأة). وقال القرطبي: (وإنّما خصّه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج).","vol":"5","page":58},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾.\nأي: إن لك في الجنة: الكسوة والطعام والشراب والمسكن، فاحذر من التفريط في ذلك.\nوعن ابن عباس: (﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ يقول: لا يصيبك فيها عطش ولا حرّ). أو قال: (يقول: لا يصيبك حرّ ولا أذى). وقال سعيد بن جبير: (لا تصيبك الشمس). قال القرطبي: (أعلمنا في هذه الآية: أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام والشراب والكسوة والمسكن، فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها، لأن بها إقامة المهجة).\nوقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.\nقال قتادة: (يقول: فألقى إلى آدم الشيطان وحدّثه. يقول: قال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها خلدت فلم تمت، وملكت ملكًا لا ينقضي فيبلى).\nوقوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأكل آدم وحوّاء من الشجرة التي نُهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمر ربهما ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ يقول: فانكشفت لهما عوراتهما، وكانت مستورة عن أعينهما).\nقلت: وفي الآية دليل أن موافقة إبليس تفضي إلى ظهور العورة والعيوب، وكشف الستر والفضيحة، وما فيه أذى على النفوس وفي واقع الحياة.\nوقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. أي أقبلا يغطيان عليهما من ورق شجر الجنة. قال قتادة: (يقول: يوصلان عليهما من ورق الجنة).\nوقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. أي: ففسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا. وقيل معناه: جهل موضع رشده، وسلامة أمنه واستقراره. والغيّ الجهل.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [حاجَّ موسى آدم فقال له: أنتَ الذي أخْرَجْتَ الناسَ من الجنة بذنبكَ فأشقيتَهُم؟ قال آدمُ: يا موسى أنت","vol":"5","page":59},{"text":"الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمْرٍ كتبه الله عليَّ قبلَ أن يَخْلُقني؟ أوْ قَدَّرَهُ عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله - ﷺ -: فَحجَّ آدم موسى] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [احتجَّ آدم وموسى ﵉ عند رَبِّهما، فحَجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدمُ الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكتَهُ، وأسْكَنَكَ في جنَّتهِ، ثم أهْبَطْتَ الناس بخطيئتكَ إلى الأرض؟ قال آدم ﵇: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاكَ الألواح فيها تِبْيانُ كل شيءً، وقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فبكم وجدتَ الله كتبَ التوراةَ قبِل أن أُخْلَقَ؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. قال: نعم. قال: أفتلومني علًى أن عملتُ عملًا كتبهُ الله على أن أعْمَلَهُ، قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله - ﷺ -: فحَجَّ آدمُ موسى] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: اصطفاه ربه من بعد معصيته إياه فرزقه الرجوع إلى ما يرضى عنه، والعمل بطاعته، وذلك هو كانت توبته التي تابها عليه. وقوله ﴿وَهَدَى﴾ يقول: وهداه للتوبة، فوفَّقَهُ لها).\n١٢٣ - ١٢٦. قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض بأمر الله، وإرسال الله الرسل والأنبياء للبيان والهدى، وضمانه تعالى للمؤمنين السعادة في الدارين، وللمعرضين عن هديه وذكره الشقاء في الدارين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٣٨) - كتاب التفسير، سورة طه، آية (١١٧). وأخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢)، وأحمد (٢/ ٢٤٨)، وبعض أهل السنن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٥٢) ح (١٥) - كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى صلى الله عليهما وسلم، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":60},{"text":"فقوله: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.\nهو كقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، . يعني آدم وحواء وإبليس.\nقال ابن كثير: (﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، قال: آدم وذرَّيته، وإبليس وذريته).\nوقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. قال أبو العالية: (الأنبياء والرسل والبيان).\nوقال القرطبي: (يعني الرسل).\nوقوله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. قال ابن عباس: (لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة). وقال ابن عباس: (ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، ألا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية). وعنه قال: (من قرأ القرأن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، ثم تلا الآية).\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: الشقاء). وقال مجاهد: (﴿ضَنْكًا﴾: ضيقة). وقال قتادة: (الضنك: الضيق). قال ابن كثير: (قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾، أي: خالَف أمري وما أنزلته على رسولي، أَعْرَضَ عنه وتناساه وأخذ من غير هداه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أي في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراحَ لصدره، بل صَدْرُهُ ضَيّقٌ حَرجٌ لضلاله، وإن تَنَعَّمَ ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلُص إلى اليقين والهدى، فهو في قلقٍ وحيرة وشك. فلا يزال في ريبة يتردَّد، فهذا من ضَنْكِ المعيشة). وبعض المفسرين ذهب إلى أن المعيشة الضنك في عذاب القبر، وجعلوا هذه الآية أحَد الأدلة على عذاب القبو. قلت: والآية تعمّ في عمومها شقاء الدنيا وحياة البرزخ.\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال مجاهد: (يحشر أعمى البصر). وقال أبو صالح: ليس له حجة). قال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك ما قال الله تعالى ذكره، وهو أن يحشر أعمى عن الحجة ورؤية الشيء كما أخبر جلّ ثناؤه، فعمّ ولم يخصص) (١).\n_________\n(١) قلت: وقد يراد أن الكافر يحشر أعمى، ثم يبصر مقعده في جهنم فيكون أعمى في حال المحشر وبصيرًا فيما بعده. والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":61},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾.\nقال القرطبي: (بأي ذنب عاقبتني بالعمى. ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أي في الدنيا، وكأنه يظن أنه لا ذنب له).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.\nقال قتادة: (نسي من الخير، ولم ينس من الشر). وقال مجاهد: (وكذلك اليوم تترك في النار). والمقصود مقابلة الجزاء للعمل، فإن تناسي آيات الله وحججه وأوامره في الدنيا يقابله يوم القيامة تناسي صاحبه في عذاب جهنم.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى العبد يوم القيامة فيقول له: ألمْ أجعلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا وسَخَّرْت لك الأنعام والحرثَ، وتركتك تَرْأَسُ وتَرْبَعُ فكنتَ تَظُنُّ أنَّكَ ملاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليومَ أنساك كما نسيتني] (١).\nقال أبو عيسى: (ومعنى قوله: \"اليوم أنساك كما نسيتني\": اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسَّر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب).\nوأصله في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال - ﷺ -: [فيلقى العبدَ فيقول: أي فُلْ (٢)! ألم أكرِمْكَ وأُسَوِّدْك وأُزَوِّجْكَ وأسخِّر لك الخيلَ والإبل وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى أي ربِّ، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أنَّك ملاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني] (٣).\n١٢٧ - ١٣٠. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٥٥٨)، أبواب صفة القيامة. انظر صحيح الترمذي (١٩٧٨).\n(٢) معناه: يا فلان، وهو ترخيم على خلاف القياس.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٢١٦)، كتاب التوبة وقبولها، من حديث أبي هريرة. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٣٢).","vol":"5","page":62},{"text":"الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ترتيبُ الله المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، ولعذاب الآخرة أشد ألمًا وأدوم زمانًا. وتنبيهه تعالى على حال الأمم التي زلزلها بآثامها لتكون عبرة وبيانًا. واستحقاق مشركي العرب العذاب لكن قد جعل الله لذلك أجلًا وزمانًا ومكانًا. وحثُّ الله نبيّه على الصبر والتسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها والأخذ من الليل والنهار قنوتًا وقيامًا.\nفقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: من العذاب الضنك في الدنيا والبرزخ. قال ابن القيم في \"الجواب الكافي\": (وفسّرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك. والآية تتناول ما هو أعمّ منه، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات، فإن عمومها من حشا المعنى. فإنه سبحانه رتّب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره. فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأوصاف النعم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب، والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه. وإنما تواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر. فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر. فإنه يفيق صاحبه، ويصحو. وسكو الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا سكر في عسكر الأموات. فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله - ﷺ - في الدنيا وفي البرزخ ويوم المعاد. ولا تقرّ العين ولا يهدأ القلب ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل، فمن قرّت عينه بالله، قرّت به كلُّ عين. ومن لم تقر عينه بالله، تقطعت نفسه على الدنيا حسرات).\nوفي التنزيل: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤].","vol":"5","page":63},{"text":"وأخرج الطبراني في \"الصغير\" بسند صحيح عن البراء، عن النبي - ﷺ - قال: [ما اختلج عرق ولا عينٌ إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر] (١).\nوقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. أي أشد ألمًا وأدوم زمانًا.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾.\nقال النسفي: (يريد أن قريشًا يمشون في مساكن عاد وثمود وقوم لوط ويعاينون آثار هلاكهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ لذوي العقول، إذا تفكروا علموا أن استئصالهم لكفرهم فلا يفعلون مثل ما فعلوا).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ [السجدة: ٢٦].\nوخلاصة المعنى: أنَّ الأمة إذا عصت ربها وأصرّت على مخالفة أوامره سلّط الله عليها ألوان الذل والعذاب وهانت عليه، كما كان حال الأمم السالفة التي زلزلها الله بآثامها.\nأخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا ظَهَرَ الزنا والرِّبا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذابَ الله] (٢).\nوأخرج البيهقي في \"شعب الإيمان\"، وأبو نعيم في \"الحلية\" بسند صحيح عن عائشة مرفوعًا: [إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله ﷿ بأسه بأهل الأرض، وإن\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الطبراني في \"المعجم الصغير\" رقم (١٠٣٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٢١٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم والطبراني. انظر صحيح الجامع الصغير- حديث رقم - (٦٩٢).","vol":"5","page":64},{"text":"كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. بيان لحكمة تأخير عذابهم مع ما ورد من الإشارة في الآية السابقة لاستحقاقهم ذلك العذاب.\nقال ابن كثير: (أي: لولا الكلمة السابقة من الله، وهو أنه لا يعذِّبُ أحدًا إلا بعد قيام الحجَّة عليه - والأجلُ المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدّةٍ مُعَيَّنة - لجاءهم العذاب بغتة).\nوقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.\nأي: فاصبر - يا محمد - على تكذيب قومك واتهامهم لك بالسحر والجنون وكلام الشَّعر، وعظِّم ربك بالثناء عليه والتسبيح والحمد قبل طلوع الشمس - وذلك صلاة الصبح - وقبل غروبها - وتلك صلاة العصر-.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بتأكيد هذا المعنى في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأكثر أهل السنن عن جرير بن عبد الله البَجَليِّ ﵁ قال: [كنا جلوسًا عند رسول الله - ﷺ - فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم كما تَرَوْنَ هذا القمر، لا تُضَامون في رُؤْيَتِه، فإن استطَعْتُم ألا تُغْلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي بَكْرِ بنِ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ، عن أبيه: قال: [سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لن يلجَ النارَ أحدٌ صَلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها\" يعني الفجر والعَصْرَ. فقال له رجل من أهل البصرة: آنْتَ سمعتَ هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم. قال الرجل: وأنا أشهد أني\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤٤١/ ٢)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢١٨)، ورواه أحمد في المسند (٦/ ٢٩٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٧٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٤)، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، وأخرجه كذلك (٤٨٥١)، ورواه مسلم (٦٣٣)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٥٥١)، وابن ماجة (١٧٧)، وأحمد (٤/ ٣٦٠)، وابن حبان (٧٤٤٢).","vol":"5","page":65},{"text":"سَمِعْتُهُ من رسول الله - ﷺ -، سَمِعَتْهُ أُذُنايَ وَوَعاهُ قلبي] (١).\nوقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ قال: آناء الليل: جوف الليل). وقال الحسن: (من أوّله، وأوسطه، وآخره). والمقصود: ومن ساعات الليل فتهجد به، ومن أطراف النهار فسَبِّح كذلك لعلك ترضى بثواب الله لك.\nوعن قتادة: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ قال: هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ قال: صلاة العصر. ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ قال: صلاة المغرب والعشاء. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ قال: صلاة الظهر). وعن ابن زيد: (﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ قال: الثواب، ترضى بما يثيبك الله على ذلك).\nقال النسفي: (﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ أي اذكر الله في هذه الأوقات رجاء أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك ويسر قلبك).\nقلت: والخطاب وإن كان للنبي - ﷺ - بالصبر وإقامة الصلوات المكتوبة، والتماس الصلوات النافلة - مما يعين على مواجهة الأذى والمحن -، فهو للأمة من باب الأولى. والعاقبة رضوان الله تعالى.\nففي الصحيحين والمسند من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقك؟ فيقول: أنا أُعطيكم أَفْضلَ من ذلك، قالوا: يا ربَّ وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا] (٢)،\n١٣١ - ١٣٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٦٣٤)، كتاب المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما. ورواه أبو داود (٤٢٧)، والنسائي (١/ ٢٣٥)، وأحمد (٤/ ١٣٦)، وابن حبان (١٧٤٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٤٩)، كتاب الرقاق، وكذلك (٧٥١٨)، وأخرجه مسلم (٢٨٢٩)، وأحمد (٣/ ٨٨)، والترمذي (٢٥٥)، وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٢٨٢).","vol":"5","page":66},{"text":"الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: حثُّ الله نبيّه على ترك النظر إلى المترفين أهل الاستكبار، فما هم فيه من متاع الحياة الدنيا صائر إلى الزوال، وإنما هم في امتحان واختبار. وأمرُه له تعالى باستنقاذ أهله من النار، بإقام الصلاة والصبر على ذلك، ورزق الله مقسوم والعاقبة للمتقين.\nفقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. قال مجاهد: (يعني الأغنياء، فقد آتاك الله خيرًا مما آتاهم). وعن أبي رافع: (يعني بقوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ رجالًا منهم أشكالًا). قال القاسمي: (﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي أصنافًا من الكفرة). وقال ابن كثير: (يقول تعالى لنبيه محمد - صلوات الله وسلامُه عليه -: لا تنظر إلى ما متَّعنا به هؤلاء المترفين وأشباههم ونُظراءهم، وما هم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة، ونِعمةٌ حائِلة، لِنَختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور).\nوقوله: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أي زينتها. وهو منصوب على أنه بدل من ﴿أَزْوَاجًا﴾ أو نُصب بـ ﴿مَتَّعْنَا﴾ على تضمينه معنى: أعطينا وخوّلنا.\nوقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال قتادة: (لنبتليهم فيه).\nوقوله: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. أي مما متعنا به هؤلاء في هذه الدنيا.\nقال ابن جرير: (﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ الذي وعدك أن يرزقكه في الآخرة حتى ترضى، وهو ثوابه إياه ﴿خَيْرٌ﴾ لك مما متعناهم به من زهرة الحياة الدنيا. ﴿وَأَبْقَى﴾ يقول: وأدوم، لأنه لا انقطاع له ولا نفاد).\nقلت: والآية وإن كانت خطابًا للنبي - ﷺ -، فإنها منهاجُ حياة لكل مسلم، لئلا يغتر بما فَتن الله به الطغاة في الأرض وهم يعيثون فيها فسادًا ويحاربون دينه وأولياءه. بل إن النبي - ﷺ - خشي على هذه الأمة من زهرة الدنيا وزينتها وما يفتح عليهم فيها من ذلك. فإلى ذكر بعض هذه الأحاديث من سنته العطرة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - جلس ذات يوم على المِنْبَر، وجَلَسْنا حَوْلَهُ فقال: [إنّ مما أخافُ عليكم","vol":"5","page":67},{"text":"من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتِها ....] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج الشيخان من حديث ابن عباس عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - في حديث اعتزال النبي - ﷺ - لنسائه - قال: [ثم رفعت بصري في بيتهِ فوالله ما رأيت فيه شيئًا يردّ البصر عن أَهَبَةٍ ثلاثة، فقلت: يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارسَ والرومَ وُسِّعَ عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله، وكان متكئًا فقال: أو في شكٍّ أنت يا ابن الخطاب! أولئك قومٌ عُجِّلتْ لهم طيباتُهم في الحياة الدنيا ...] الحديث (٢).\nوفي رواية مسلم: [فقال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا. قلت: بلى].\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي في \"الشمائل\" بسند صحيح عن مالك بن دينار قال: [ما شبِعَ رسولُ الله - ﷺ - من خُبْزٍ قطّ، ولا لحمٍ إلا على ضفف (٣)] (٤).\nقال مالك: (سألت رجلًا من أهل البادية: ما الضفف؟ قال: أن يتناول مع الناس).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ -، ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صبًّا، حتى لا يُزيغَ قلب أحدكم إن أزاغهُ إلا هيَ، وَايْمُ الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء] (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.\nأي: استنقذ أهلك من عذاب الله بإقام الصلاة والصبر على ذلك، واعلم أن رزقك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (١٤٦٥) - كتاب الزكاة، ورواه مسلم (١٠٥٢) في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٩) - كتاب العلم، و(٣٧٨) كتاب الصلاة. وكذلك (٢٤٦٨) - كتاب المظالم. ورواه مسلم (١٤٧٩) - كتاب الطلاق.\n(٣) قال عبد الله بن عبد الرحين شيخ الترمذي: (قال بعضهم: هو كثرة الأيدي).\n(٤) حديث صحيح. انظر: \"مختصر كتاب الشمائل\" (١٠٩)، باب ما جاء في عيش رسول الله - ﷺ -.\n(٥) إسناد حسن، رجاله ثقات. أخرجه ابن ماجة (٥) - باب اتباع سنة رسول الله - ﷺ -. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٦٨٨).","vol":"5","page":68},{"text":"مقسوم في دنياك فلا يشغلك عن إقامة أمر دينك ودين أهلك، ثم العاقبة الصالحة لأهل التقوى.\nفربط سبحانه تعالى العبادة بمفهوم الرزق، فإن الشيطان يهم بالعبد كلما حاول تفريغ جزء من وقته لأهله، فجاءت الآية تطمئن المؤمن أن الصبر على تعليم الأهل والولد الحق والصلاة وحب الله ورسوله والجهاد في سبيله لا يؤخر من الرزق شيئًا.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: يروي الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لو أنكم توكلون على الله تعالى حقَّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي وابن حبان بسند جيد عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [من كانت الآخرة همَّه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٦١). انظر صحيح سنن الترمذي (١٩١١)، وتخريج: \"مشكاة المصابيح\" (٢٣). ورواه أحمد.\n(٢) إسناده جيد. أخرجه الترمذي (٢٤٦٦)، وأحمد (٢/ ٣٣٨)، وابن ماجة (٤٠١٧)، والحاكم (٤٤٣٢)، وابن حبان (٣٩٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٥٩).","vol":"5","page":69},{"text":"ومن كانت الدنيا همَّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له] (١).\n١٣٣ - ١٣٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: سؤال المشركين رسول الله - ﷺ - الآيات والمعجزات، وإنما أهلك الله القرون السالفة بعد وضوح البينات وظهور الدلالات. ولو أُهلك هؤلاء قبل إرسال هذا الرسول الكريم، وتنزيل هذا الكتاب العظيم، لاحتجوا على إهلاكهم معترضين. فقل لهم يا محمد: كل منا منتظر، فانتظروا فستعلمون من أصحاب الصراط المستقيم، وأتباع المنهج القويم، منهاج النجاة والهداية للعالمين.\nفقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. هو من قيل المشركين لرسول الله - ﷺ -.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هلا يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى قومه صالح بالناقة وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص).\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال مجاهد: (التوراة والإنجيل).\nوقال قتادة: (الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في مساكنهم).\nوالمقصود: أولم يأتهم في هذا القرآن العظيم أخبار القرون قبلهم والأمم التي سلفتهم من أهل الكتاب وغيرهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه الترمذي (٢٥٩٦)، وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٠٠٣).","vol":"5","page":70},{"text":"وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [ما مِنَ الأنبياء نَبِيٌّ إلا أُعْطيَ منَ الآيات ما مِثْلُهُ أومِنَ - أوْ آمَنَ - عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وَحْيًا أوْحاه الله إليَّ، فأرجو أني أكثرهُمْ تابِعًا يومَ القيامة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾.\nأي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المعاندين المتكبرين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم، لاحتجوا بأنهم كيف يُهلكون ولما يرسل إليهم رسول يدعوهم إلى الإيمان، وما يجب عليهم في حق الله تعالى من اتباع شرعه وتعظيم دينه.\nقال النسفي: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ بنزول العذاب ﴿وَنَخْزَى﴾ في العقبى).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩ - ١١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٧٢٧٤) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. ورواه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٥٢) كتاب الإيمان.","vol":"5","page":71},{"text":"وإنما يحتج يوم القيامة فتقبل حجته عند ربه من لم تبلغه دعوة الرسل، أو حال دونه ودون فهمها وبلوغها حائل.\nفقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن الأسود بن سريع مرفوعًا: [أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: يا رب جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل. وأما الذي مات على الفترة فيقول: يا رب ما أتاني رسولك، فيأخذ مواثيقهم ليطعنه، فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار. قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾.\nأي: قل - يا محمد - لهؤلاء المكذبين من قومك: كُلّ منا منتظر لمن يكون له الفلاح والعاقبة والظفر، فانتظروا وترقبوا، فستعلمون من أصحاب الطريق المستقيم ومن المهتدي الذي قد أصاب منهاج الهداية والنجاة.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٤ - ٢٦].\n٤ - وقال تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني (٧٩/ ٢)، وأحمد (٤/ ٢٤)، وابن حبان (١٨٢٧)، وأخرجه الديلمي (١/ ١/ ١٧١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٣٤).","vol":"5","page":72},{"text":"وفي سنن ابن ماجة ومعجم الطبراني من حديث سهل بن سعد عن النبي - ﷺ - قال: [عند الله خزائن الخير والشر مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وويل لمن جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير] (١).\nتم تفسير سورة طه\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج السنة (٢٩٦ - ٢١٩)، وصحيح الجامع الصغير- حديث رقم - (٣٩٨٧).","vol":"5","page":73},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-164> دروس ونتائج وأحكام </span>-\n١ - الرحمان على العرش استوى، وكل أسماء الله حسنى.\n٢ - موسى - ﷺ - كليم الله، ومحمد - ﷺ - خليله وكليمه.\n٣ - إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكَّره، وإن ذكَر أعانه. وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكَر لم يُعِنْه.\n٤ - معية الله لعباده بصفاته لا بذاته، فهو تعالى يدبر الأمر من فوق عرشه.\n٥ - استنفار فرعون لحماية سلطانه من الزوال، وقد أراه سحرته إيمانًا كالجبال.\n٦ - الشرك أخفى في الأمة من دبيب النمل، والله يذهبه بالتوكل.\n٧ - استصغار الكفار مدة مكثهم في هذه الحياة الدنيا إلى يوم واحد.\n٨ - من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكًا، ويحشره ربه يوم القيامة أعمى.\n٩ - انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم. والعاقبة للمتقين، والخسران للمترفين المستكبرين.\n١٠ - القرآن الكريم أكبر معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة.","vol":"5","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>٢١ - سورة الأنبياء</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١٢)\nأخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله قال: [بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء هُنَّ من العِتاق الأُوَلِ، وهُنَّ من تلادي] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>موضوع السورة</span>\nقصص الأنبياء منهاج النجاة للمؤمنين، وسبيل الشقاء والخزي للكافرين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-167> منهاج السورة </span>-\n١ - إعلام الله تعالى عن اقتراب الساعة، والناس في غفلة عن الذكر يلعبون.\n٢ - استبعاد الناس النبوة لبشر مثلهم، شأن الأمم السالفة قبلهم.\n٣ - إثبات بشرية الرسول، ووجوب الرجوع في فهم الدين لأهل العلم والفضل.\n٤ - إثبات العاقبة والنصر للمرسلين، والخزي والذل على الكافرين، وهذا الكتاب شرف للعرب فيه ذكرهم لو كانوا يعقلون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٤٧٣٩) -كتاب التفسير-، سورة الأنبياء، من حديث عبد الله بن مسعود.","vol":"5","page":75},{"text":"٥ - محاولة المجرمين الفرار عند تطويق الله لهم بالعذاب المهين، واعترافهم أنهم كانوا ظالمين، حتى صاروا حصيدًا خامدين.\n٦ - تأكيد الله خلقه السماوات والأرض بالحق لا باللهو واللعب، وتقرير سنته في رفع كلمة الحق وإسكات كلمة أهل الكذب، فله ما في السماوات والأرض والملائكة في عبادتهم له لا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون.\n٧ - استخفاف الله بآلهة قوم لا تضر ولا تنفع ولا تحيى ولا تميت فهو الإله الحق الأحد الصمد، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.\n٨ - ثناء الله على الملائكة، وإبطاله دعوى الكفار اتخاذه الولد منهم.\n٩ - لفت أنظار الكفار إلى عظيم قدرته تعالى، وواسع نعمه وكرمه عليهم.\n١٠ - تولي الله نصر دينه، وكل نفس ذائقة الموت وإنما الناس في اختبار ثم إلى ربهم يرجعون.\n١١ - استهزاء المشركين بالرسول، وخلق الإنسان من عجل، وتقرير العذاب على المشركين المستهزئين.\n١٢ - تسلية الله نبيّه عما يلقاه من أذى المشركين، وتقريره تعالى نعمه على الكافرين.\n١٣ - إقرار المكذبين بذنوبهم عند حلول العذاب، والوزن يكون بالعدل يوم الحساب.\n١٤ - اشتمال التوراة على الفرقان بين الحق والباطل، وهذا القرآن في غاية الإعجاز والجلاء والوضوح وهو الكتاب الكامل.\n١٥ - إلهامُ الله تعالى إبراهيم - ﷺ - الحق من صغره، وثناؤه تعالى عليه في محاججة قومه.\n١٦ - تحطيم إبراهيم الأصنام واستخفافه بعفول قومه، ونجاته من النار بإذن ربه.\n١٧ - نجاة إبراهيم ولوط - عليهما الصلاة والسلام - إلى بلاد الشام، وإكرام الله تعالى إبراهيم بإسحاق ويعقوب أئمة من الصالحين، وحماية الله نبيّه لوطًا من القوم الفاسقين.\n١٨ - نجاةُ نوح - ﷺ - بإذن الله من الكرب العظيم، وإغراق الله قومه المكذبين.\n١٩ - ثناؤه تعالى على داود وسليمان، وتفهيمه سليمان مسألة الكرم وغنم القوم، وتسخير الجبال والطير وعمل الدروع لداود، والريح والشياطين لسليمان.","vol":"5","page":76},{"text":"٢٠ - ثناء الله تعالى على صبر أيوب ﵇، وكشفه ضره رحمة به وذكرى للأنام.\n٢١ - ثناء الله تعالى على إسماعيل وإدريس وذي الكفل في الصابرين، وإدخالهم في رحمته إنهم من عباده الصالحين.\n٢٢ - تضييق الله تعالى على يُونس - ﷺ - وإدخاله في بطن الحوت، ودعوته ربه من ذلك السجن بخير الدعاء، الذي كشف به غمّه وجعله للمؤمنين من خير الرجاء.\n٢٣ - ثناء الله تعالى على زكريا ﵇، وإجابة دعوته بأن وهب له يحيى وأصلح له زوجه. وذكر قصة مريم وابنها عيسى ﵉ عقب قصة زكريا وابنه يحيى ﵉، وثناء الله على مريم ورفع ذكرها في الأنام.\n٢٤ - وحدة منهج الأنبياء، واختلاف الناس عليهم، وكتابة الملائكة أعمال الأولياء.\n٢٣ - تأكيد هلاك الأمم المكذبة، وفَتْح سد يأجوج ومأجوج قبيل الساعة، وإسرار الكفار الندامة عند معاينة أهوال القيامة.\n٢٦ - تأكيد وقوع المشركين وآلهتهم في نار العذاب، والبشرى للمؤمنين يوم الحساب، وهذا النبي الكريم رحمة لجميع العالمين.\n٢٧ - وَحْيُ الله تعالى إلى نبيّه ﵊، أنه تعالى الإله الحق الذي لا ينبغي أن يعبد غيره الأنام.\n٢٨ - إعلانُ البراءة من القوم المشركين، إن أصروا على الجاهلية والمكر بالإسلام والمسلمين.\n٢٩ - إخبارُ الله تعالى نبيّه ليعلم قومه أن حلول وقت عقابهم قد يكون قريبًا، وإنما هم في فتنة والله يمكر بهم مكرًا شديدًا.\n٣٠ - لا يعلم السر وأخفى إلا الرحمان، فله الحكم وهو الرب الإله الحق المستعان.","vol":"5","page":77},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلامُ الله اقتراب قيام الساعة والناس في غفلتهم لاهون، وما يأتيهم من قرآن يذكرهم سبيل نجاتهم إلا استقبلوه وهم يلعبون، ويستبعدون النبوة لبشر مثلهم ويتهمونه بالسحر أو الشعر أو الجنون، والله تعالى يهدّدهم وبالقياس على الأمم السالفة الهالكة فهم لا يؤمنون.\nفقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.\nتنبيه من الله تعالى عباده على دنو قيام الساعة وهم غائبون في غفلتهم، لاهون في دنياهم، معرضون عن أخراهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢].","vol":"5","page":78},{"text":"ومن كنوز صحيح السنة في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ -: [قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]- قال: وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، - ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج النسائي بسند صحيح عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -: [﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ قال: في الدنيا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم والطبراني بإسناد صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [اقتربت الساعةُ، ولا يزدادُ الناسُ على الدنيا إلا حِرصًا، ولا يزدادون من الله إلا بُعدًا] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾.\nأي: ما ينزل من قرآن يذكرهم به ربهم ويعظهم ويرشدهم فيه إلى ما فيه سعادتهم إلا استمعوه ثم تابعوا لعبهم ومضوا في لهوهم.\nقال قتادة: (يقول: ما ينزل عليهم من شيء من القرآن إلا استمعوه وهم يلعبون. ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ يقول: غافلة قلوبهم).\nوقوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾ أي جديد إنزاله، حديث أمر الله لرسوله ببلاغه. قال ابن عباس: (ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرّفوه وبدّلوه، وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدثُ الكتب بالله تقرؤونه مَحْضًا لم يَثُبْ) - رواه البخاري بنحوه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٧٣٠)، كتاب التفسير، سورة كهيعص، في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٣٣٢) من حديث أبي سعيد ﵁، وانظر صحيح مسلم (٢٨٤٩) ح (٤١) نحوه.\n(٣) صحيح الإسناد. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٢٤)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩٧٨٧)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٤٢)، (١٨/ ٣١٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥١٠).","vol":"5","page":79},{"text":"وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.\nأي: أظهر هؤلاء المعرضون المناجاة فيما بينهم يقولون: هل محمد إلا بشر مثلكم فكيف اختصَّ بالوحي دونكم، فهم يستبعدون كونه نبيًّا لأنه بشر.\nوقوله: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. قال ابن زيد: (قاله أهل الكفر لنبيهم لما جاء به من عند الله، زعموا أنه ساحر، وأن ما جاء به سحر، قالوا: أتأتون السحر وأنتم تبصرون).\nقال ابن كثير: (أي: أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nتهديد ووعيد لأولئك المعرضين الذين يفترون الكذب ويختلقون الشبهات. وقراء مكة قرؤوا أول الآية: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ على وجه الخبر. وأما قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين فقرؤوا ذلك: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ على وجه الأمر. وهما قراءتان مشهورتان في الأمصار. والمعنى كما قال النسفي: (قال محمد - أو قل يا محمد - للذين أسروا النجوى ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي يعليم قول كل قائل هو في السماء أو الأرض سرًّا كان أو جهرًا ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضمائرهم).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾.\nإخبار عن تردد القوم في افترائهم وشكهم. فأضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام مما يعتري المرء في نومه فظنها وحيًا، ثم عدلوا عق ذلك فقالوا: بل هو كلام مفترى من عنده، ثم بدا لهم أنه شاعر. وهذه هي طبيعة الباطل يترنح ويتأرجح ويتخبّط أهله. قال ابن جرير: (﴿فَلْيَأْتِنَا﴾ يقول: قالوا فليجئنا محمد إن كان صادقًا في قوله، أن الله بعثه رسولًا إلينا، وأن هذا الذي يتلوه علينا وحي من الله أوحاه إلينا ﴿بِآيَةٍ﴾ يقول: بحجة ودلالة على حقيقة ما يقول ويدّعي ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ يقول: كما جاءت به الرسل الأولون من قبله من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وكناقة صالح، وما أشبه ذلك من المعجزات التي لا يقدر عليها إلا الله، ولا يأتي بها إلا الأنبياء والرسل).","vol":"5","page":80},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: قياسًا على السنن الماضية في الأمم السالفة، لا يتوقع سلوك هؤلاء مع رسولهم بغير ما قابل الأوائل أنبياءهم لما رأوا الآيات، لقد قابلوهم بالتكذيب والتنطع والعناد حتى نزل بهم الهلاك والعذاب، وهذا ما يبدو من هؤلاء كذلك.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩].\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: [يجيء نوحٌ وأُمَّتُه، فيقول الله: هل بَلَّغْتَ؟ فيقول: نعم أي ربِّ! فيقول لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والوسط: العدل، فيُدعون، فيشهدون له بالبلاع، ثم أشهد عليكم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند والنسائي في السنن بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقالُ له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغَّكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهد لك، فيقول محمد وأمته ...] الحديث (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٢٨٦)، (٨/ ١٣٩)، وأحمد (٣/ ٣٢). وانظر: صحيح الجامع الصغير- حديث رقم - (٧٨٩٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٥٨)، وابن ماجة (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤)، والنسائي وغيرهم، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٤٤٨).","vol":"5","page":81},{"text":"فالتكذيب سمة ظاهرة في أقوام الرسل جميعهم، وهذا ما كان من قريش أيضًا في بادئ الأمر حين أظهر النبي - ﷺ - دعوته.\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن ابن عباس ﵄ قال: [لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النبي - ﷺ - على الصفا فجعل ينادي: يا بني فِهْر، يا بني عَدِيّ لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرجَ أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أنَّ خيلًا بالوادي تريد أن تغيرَ عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١).\n٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الله بشرية ورجولة الأنبياء، وضرورة الرجوع عند الخلاف وسوء الفهم لأهل العلم، وإثبات العاقبة والنصر للمرسلين، والخزي والذل على الكافرين. وهذا الكتاب فيه ذكركم - معشر العرب - أفلا تعقلون.\nفقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾. ردٌّ على من استبعد كون الرسل من البشر.\nأي: لقد سبق - يا محمد - في الأمم التي خلت قبل أمتك رسل أوحى الله إليهم لينذروا قومهم، فما الذي دعاهم لإنكار إرسال الله إليك لهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٧٧٠)، كتاب التفسير. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النجوية على منهج الوحيين (١/ ١٨٦ - ١٨٨).","vol":"5","page":82},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].\n٣ - وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].\nوإنما يصدر من هؤلاء ما صدر من سفهاء الأقوام فيما مضى من قولهم لرسلهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾.\nوقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ - فيه ضرورة الرجوع لأهل العلم لفهم أمور الدين ونفي شبه المبطلين.\nقال قتادة: (يقول: فاسألوا أهل التوراة والإنجيل - قال أبو جعفر: أراه أنا قال: - يخبروكم أن الرسل كانوا رجالًا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق).\nوقال ابن زيد: (﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال: أهل القرآن، والذكر: القرآن، وقرأ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾).\nوقد ورد في فضل العلم وطلبه والسؤال عنه أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: في صحيح سنن ابن ماجة من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [... وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء. إنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا دِرْهَمًا. إنما وَرَّثوا العلم. فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر] (١).\nالحديث الثاني: وفي الباب عن زربن حبيش قال: أتيت صفوان بن عَسَّال المُرادي، فقال: ما جاء بك؟ قُلتُ: أنبط العلم. قال: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ما مِنْ خَارجٍ خَرَجَ مِنْ بيتِهِ في طلب العِلم إلا وَضَعَت له الملائكة أجنحتها، رِضًا بما يصنع] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢٢٣)، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. انظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (١٨٢)، وهو جزء من حديث أطول.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢٢٦) في الباب السابق. وانظر صحيح ابن ماجة (١٨٥).","vol":"5","page":83},{"text":"الحديث الثالث: روى الطبراني في الأوسط، والبزار في المسند، بإسناد حسن عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع] (١). وفي رواية: [فضل العلم أحبُّ إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾.\nأي: لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، بل جعلناهم - مثلك يا محمد - أجسادًا يطعمون ويموتون.\nقال الضحاك: (يقول: لم أجعلهم جَسدًا ليس فيهم أرواح لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم جسدًا فيها أرواح يأكلون الطعام).\nوعن قتادة: (قوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾: أي لا بد لهم من الموت أن يموتوا).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾.\nهو إشارة من الله سبحانه إلى المهمّ في أمر الرسل: أنهم نُصروا على المكذبين من أقوامهم، وكانت لهم العاقبة في نهاية الأمر، وأهلك الله المعاندين المسرفين.\nقال قتادة: (والمسرفون: هم المشركون).\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: شرفكم).\nوقال مجاهد: (﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال: حديثكم). وقال الحسن: (دينكم).\nوقال سفيان: (نزل القرآن بمكارم الأخلاق، ألم تسمعه يقول: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nقلت: وكل ما سبق يحتمله التأويل، وإن كان المقصود الأعلى في هذه الآية التنبيه على شرف هذا القرآن، وتحريض قريش والعرب على معرفة قدره ورفعته وسموه.\nقال ابن كثير: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: هذه النعمة وتتلقَّونها بالقبول، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤].\n_________\n(١) حديث حسن. رواه البزار والطبراني عن حذيفة، والحاكم عن سعد. انظر الروض النضير (١/ ٤٤٠) وتخريج العلم (١١٢/ ١٣)، وصحيح الجامع الصغير (٤٠٩٠).","vol":"5","page":84},{"text":"١١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تصوير الله تعالى هلاك المجرمين، ومحاولتهم الهرب عند نزول العذاب المهين، ثم اعترافهم أنهم كانوا ظالمين، حتى أُسكتوا عن آخرهم وصاروا خامدين.\nفقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾. قال مجاهد: (وكم أهلكنا). وأصل القَصْم في كلام العرب: الكَسْر. وقوله: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ المراد أهل القرية التي ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾، وظلمها هو نقضها العهد مع الله سبحانه، نقضها \"لا إله إلا الله\".\nوقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أي: أنشأنا بعد إهلاكها أمة أخرى.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي محاولين الفرار.\nقال ابن جرير: (- يقول -: فلما عاينوا عذابنا قد حَلَّ بهم إذا هم يهربون سراعًا عجلى يَعْدون منهزمين).\nوقوله: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾. أي لا تفروا.- خطاب محلى وجه الاستهزاء وقد فاتهم قطار النجاة.\nوقوله: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. قال قتادة: (ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. قال مجاهد: (لعلكم تفقهون). وقال قتادة: (لعلكم تُسألون من دنياكم شيئًا استهزاء بهم).\nأي لا تركضوا ولا تفروا لعلكم تسألون عن أنواع الخمور التي تعرفونها وعن أصناف المعازف والمسكرات التي كنتم تتقنونها. لا تركضوا وارجعوا لعلكم تسألون عن أسماء نجوم اللهو والفجور والمجون التي كنتم تفقهون بها. لا تركضوا لعلكم تسألون عن فقه استعمال وسائل نقل المنكرات وكشف العورات. لا تركضوا وارجعوا","vol":"5","page":85},{"text":"لعلكم تسألون عن الحيل التي كنتم تتعاملون بها في بيعكم وشرائكم وتجارتكم، وعن طرق التلاعب بالأسعار وسبل الرشوة والاحتكار.\nأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: [خمسٌ بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طفَّفوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر] (١).\nوله شاهد عن ابن ماجة والبزار والبيهقي - واللفظ له - بسند صحيح من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: [يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سُلِّطَ عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جُعل بأسهم بينهم] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. اعتراف منهم بما كانوا عليه من الذنوب والآثام، ولكن بعدما فات وقت الندم وحاق بهم الخسران.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾.\nقال قتادة: (يقول: حتى هلكوا). والمقصود: ما زال ذلك الاعتراف والتأنيب لأنفسهم حتى سكنت حركتهم، وانطفأت شرارتهم، وصاروا همودًا لا حراك لهم.\n١٦ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الطبراني في الأوسط (١/ ٨٥/ ١)، وبنحوه الحاكم (٢/ ١٢٦)، (٤/ ٥٤٠)، وانظر صحيح الجامع - حديث رقم - (٣٢٣٥).\n(٢) حديث صحيح. رواه ابن ماجة (٤٠١٩)، والبيهقي (٣/ ٣٤٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٦).","vol":"5","page":86},{"text":"﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيد الله خلقه السماوات والأرض بالحق لا باللهو واللعب، وتقرير سنته تعالى في رفع كلمة الحق وإسكات كلمة أهل الكذب، فله سبحانه ما في السماوات والأرض والملائكة في عبادتهم له لا يستحسرون، ينزهونه الليل والنهار لا يفترون.\nفقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾.\nقال قتادة: (يقول: ما خلقناهما عبثًا ولا باطلًا).\nوالمقصود: أن الله ﵎ خلق السماوات والأرض بالعدل والقسط وخلق العباد لتعظيمه وحده لا شريك له وإفراده بالعبودية.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.\nقال مجاهد: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا، وما خلقنا جنة ولا نارًا، ولا موتًا ولا بعثًا).\nقال القاسمي: (﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ استئناف مقرر لما قبله من انتفاء اللعب واللهو. أي لو أردنا أن نتخذ ما يتلهى به ويلعب لاتخذناه من عندنا).\nوقال قتادة: (﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: أي ماكنا فاعلين). وقال مجاهد: (كل شيء في القرآن ﴿إِنْ﴾ فهو إنكار).\nوقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾.\nقال قتادة: (والحق كتاب الله القرآن، والباطل: إبليس، فيدمغه فإذا هو زاهق: أي ذاهب) أو قال: ﴿زَاهِقٌ﴾: هالك).","vol":"5","page":87},{"text":"والمقصود: أن آيات الله فيها بيان الحق الذي يدحض الباطل فإذا هو ذاهب مضمحل هالك.\nوقوله: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل أيها المفترون مما تشركون فتنسبون لله الولد وتكذبون. قال ابن جريج: (﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ قال: تشركون).\nوقال قتادة: (﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾: أي تكذبون).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.\nإخبار عن عبودية الملائكة لله تعالى مالك السماوات والأرض، وهم بذلك لا يَبْعَبون ولا يَملّون، بل هم في سجود وذكر وتعظيم لله هم فيه دائبون.\nقال ابن عباس: (﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يرجعون). وقال مجاهد: (لا يحسَرون).\nوقال قتادة: (لا يَعْيَوْن). وقال ابن زيد: (﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.\nقال: لا يستحسرون، لا يملُّون ذلك الاستحسار، قال: ولا يفترون، ولا يسأمون).\nوقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. أي هم في تسبيح دائم لا ينقطعون عنه.\nقال ابن عباس عن كعب: (إنهم ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطَّرف والنَّفس).\nوقال كعب الأحبار أيضًا: (إنهم جُعل لهم التسبيح، كما جُعِلَ لكم النفس، ألمست تأكل وتشرب وتقوم وتقعد، وتجيء وتذهب، وأنت تَنَفَس؟ قلت (١): بلى، قال: فكذلك جُعل لهم التسبيح).\nوفي التنزيل ونحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].\nوفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند حسن عن أبي ذر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وَحُقَّ لها\n_________\n(١) القائل: عبد الله بن الحارث، الراوي عن كعب الأحبار- كما ذكر ابن جرير بسنده إليه.","vol":"5","page":88},{"text":"أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضعٌ جبهته لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (١).\nوله شاهد عند ابن نصر في \"الصلاة\" من حديث عائشة مرفوعًا: [ما في السماء الدنيا موضع قدم، إلا عليه ملك ساجد، أو قائم، فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾].\nوشاهد آخر عنده من حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: (بينما رسول الله - ﷺ - مع أصحابه ﵃ إذ قال لهم: هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء. قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تُلام أن تَئِطَّ، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد، أو قائم].\n٢١ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: استخفافُ الله بآلهة القوم لا تحيي ولا تميت، فلو كان في السماء والأرض آلهة غير الله معبودون لفسدتا، والله تعالى لا يُسأل عما يفعل وجميع خلقه يُسألون. فالمشركون مدعوون لإثبات استحقاق آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع أن تُعبد ولكنهم بعبادتهم جاهلون. والله تعالى هو الذي بيده النفع والضر وحده، فهو المستحق للعبادة ولكن أكثرهم لا يعلمون.\nفقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ - استهزاء بآلهة لا تحيي ولا تميت.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والترمذي وابن نصر في \"الصلاة\" (٤٣/ ٢)، و(٤٤/ ١) من حديث عائشة، وحكيم بن حزام، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٥٩) - (١٠٦٠).","vol":"5","page":89},{"text":"قال مجاهد: (ينشرون: يُحيون). وقال ابن زيد: (يقول: أفي آلهتهم أحد يحيي ذلك ينشرون). قال القرطبي: (أنشر الله الميت فَنُشِر أي أحياه فحيي).\nوربما قال قائل: لقد كانوا يقرون لله ﷿ أنه خالق السماوات والأرض وأنه القادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى، إلا أنهم ينكرون البعث - وما كانوا ينسبون لآلهتهم ذلك! ! فكيف يكون توجه الآية؟ . الجواب: اسم القادر﷿- يقتضي ذلك.\nقال الزمخشري: (لكنهم بادعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. والإنشاء من جملة المقدورات. ثم قال: وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الإلهية لما صحت صحّ معها الاقتدار على الإبداء والإعادة).\nوقال القاسمي: (سر قوله تعالى ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هو التحقير، أي تحقير الأصنام بأنها أرضية سفلية).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\nأي: لو كان في السماء، والأرض آلهة غير الله معبودون لفسدتا، تنّزه الله سبحانه عن أن يكون له شريك أو ولد، وتقدّس عما يفتري الظالمون والأفاكون عُلوّا كبيرًا.\nوفي التنزيل:\n﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -. [يا أبا المنذر، أي آية في كتاب الله أعظم؟ - قلت: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارًا ثم قال أبي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ - فضرب صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده أن لهذه الآية لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.\nقال ابن جريج: (المعنى لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٤١ - ١٤٢) من حديث أبي بن كعب ﵁ مرفوعًا، وانظر صحيح مسلم (٢/ ١٩٩) نحوه.","vol":"5","page":90},{"text":"عملهم، لأنهم عبيد). وقال قتادة: (لا يسألُ عما يفعل بعباده، وهم يُسألون عن أعمالهم).\nوفي الأثر عن علي ﵁: (أن رجلًا قال له: يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يُعصى؟ قال: أفيعصى ربنا قهرًا؟ قال: أرأيت إن منعني الهدى ومنحني الردى أأحسن إليَّ أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو فضله يؤتيه من يشاء. ثم تلا الآية: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾] الحجر: ٩٢ - ٩٣].\nوفي سنن الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطّلِع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يَتَّبع كُلُّ إنسان ما كان يعبد .....]، الحديث (١).\nوقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾.\nأي: أم اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتخلق وتحيي وتميت، قل لهم - يا محمد - هاتوا دليلكم على ما تزعمون، فهذا القرآن فيه خبر من معي مما وعدهم الله به من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وخبر من قبلي من الأمم السالفة في الكتب المتقدمة.\nوعن قتادة: (﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ يقول: هاتوا بينتكم على ما تقولون. ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يقول: هذا القرآن فيه ذكر الحلال والحرام. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يقول: ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم وإلى ما صاروا).\nوعن ابن جريج: (﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ قال: حديث من معي، وحديث من قبلي).\nوقو له: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\nأي: بل أكثر هؤلاء المشركين يجهلون الحق فهم يعرضون عنه ولا يصغون إليه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٦٩٥) - كتاب السنن - أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في خلود أهل الجنة، وأهل النار، وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٧٢).","vol":"5","page":91},{"text":"وعن قتادة: (﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن كتاب الله).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.\nفيه: وحدة دعوة الرسل، ووحدة منهاج النبوة، فهو يتلخّص بكلمة النجاة وسرّ السعادة في الدارين: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.\nقال قتادة: (أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد، لا يقبل منهم عمل حتى يقولوه ويقرّوا به، والشرائع مختلفة في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة، حلال وحرام. وهذا كله في الإخلاص لله والتوحيد له).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥].\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا أَوْلى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إِخْوَةٌ لِعَلّاتٍ، أُمَّهاتُهُمْ شتى ودينهم واحد] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: [كُنْتُ رَديف النبي - ﷺ - على حمار، فقال لي: يا معاذُ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشركُ به شيئًا. قلت: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ الناس؟ قال: لا تُبَشِّرهم فيتكلوا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن عتبان بن مالك عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٤٢)، (٣٤٤٣)، كتاب أحاديث الأنبياء، ورواه مسلم وغيره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٣/ ٣٠٠)، كتاب التوحيد، وأخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٣٠)، كتاب الإيمان.","vol":"5","page":92},{"text":"[إنَّ الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿] (١).\n٢٦ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إبطالُ ادعاء الكفار أن الله اتخذ ولدًا من ملائكته، وثناء من الله تعالى على الملائكة فهم لا يتكلمون ولا يشفعون إلا بإذنه، وهم من ربهم مشفقون.\nفقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾.\nقال قتادة: (قالت اليهود: إن الله ﵎ صاهر الجنّ، فكانت منهم الملائكة، قال الله ﵎ تكذيبًا لهم وردًّا عليهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وإن الملائكة ليس كما قالوا، إنما هم عباد أكرمهم الله بعبادته).\nوالمقصود: دحض ادعاء الكفار أن الله اتخذ ولدًا من ملائكته، تنزه سبحانه وتعالى عما يفتري الظالمون علوًا كبيرًا، وتبرئة الملائكة مما ينسبون لهم، وأنهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ - ثناء من الله تعالى على الملائكة، فهم لا يتكلمون إلا بما يأمره سبحانه.\nوقوله: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. قال قتادة: (لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يعملون عملًا إلا به).\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: يعلم ما قدّموا وما أضاعوا من أعمالهم).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يعلم ما بين أيدي ملائكته ما لم يبلغوه،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٣٣)، كتاب الإيمان، من حديث عتبان بن مالك ﵁ مرفوعًا. وانظر صحيح البخاري (١١/ ٢٠٦).","vol":"5","page":93},{"text":"ما هو، وما هم فيه قائلون وعاملون، وما خلفهم: يقول: وما مضى من قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور ما عملوا فيه).\nوقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. أي: لا تشفع الملائكة إلا لمن ﵁.\nقال ابن عباس: (يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله).\nوقال مجاهد: (لمن رضي عنه).\nوفي التنزيل:\nقوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].\nوقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون. يقول: حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: مَنْ ادّعى منهم أنه إله من دون الله، أي: مع الله، ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، أي: كُلَّ من قال ذلك. وهذا شرطٌ، والشرطُ لا يلزمُ وقوعُه، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، وقَولِهِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].\n٣٠ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يلفت الله تعالى أنظار الكفار إلى عظيم جبروته وكمال سلطانه، وقهره لجميع المخلوقات، فهل رأى الجاحدون ألوهيته أو المشركون بعبادته كيف","vol":"5","page":94},{"text":"كانت السماوات والأرض في التصاق ففتق هذه من هذه، فجعل السماوات سبعًا، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فإذا السماء تمطر بإذنه تعالى، وإذا الأرض تنبت بإذنه، وقد جعل من الماء حياة كل شيء من خلقه أفلا يؤمنون.\nوجعل في الأرض الجبال تثبيتًا لها وكذلك المسالك بين الجبال يهتدون عليها في أسفارهم ومعايشهم، والسماء سقفًا موفوعًا محفوظًا من الشياطين، وكثير من الناس عن هذه الآيات والنعم الكبيرة معرضون. وهو الذي خلق الليل والنهار وكذلك الشمس والقمر وكل في دوران منتظم يجرون.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ... الآية، يقول: كانتا ملتصقتين، فرفع السماء ووضع الأرض). قال: (كانتا ملتزقتين، ففتقهما الله). وقال قتادة: (كانتا جميعا، ففصل الله بينهما بهذا الهواء).\nقال القاسمي: (وقال بعض علماء الفلك في تفسير هذه الآية: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (١) أي ذرات، أي غازات أي سديم. ثم تجاذبت كما يتجمع السحاب فصارت كتلة واحدة. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ أي كتلة واحدة. فدارت ثم تقطعت وتفصلت بالقوة الدافعة، فتكونت الأرض والسماوات، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ أي فصلناهما، فصارتا كرات من الماء في يومين. ثم قال: وفي هذا الوقت كان عرشه على الماء. أي كان ملكه وسلطانه على الماء والله أعلم).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: وأحيينا بالماء كل شيء يرونه في هذه الحياة الدنيا من البشر والبهائم والزروع والثمار والأشجار وغير ذلك. أفلا يدعوهم ذلك إلى أن يصدقوا ربهم تعالى الإيمان!؟ .\nوعن قتادة: (﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قال: كل شيء حي خُلِق من الماء).\n_________\n(١) والآية بتمامها: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].","vol":"5","page":95},{"text":"قال ابن جرير: (وقوله: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهة من فعل ذلك ويفردونه بالعبادة).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾.\nأي: وكذلك جعلنا في الأرض الجبال الشامخات الثابتات كيلا تتكفأ الأرض بالناس. والرواسي: جمع راسية، وهي الثابتة. قال قتادة: (رواسي: أي جبالًا). قال: (كانوا على الأرض تمور بهم، لا تستقرّ، فأصبحوا وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي أوتادًا للأرض).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. الفجاج: المسالك، واحدها فجّ. أي: وكذلك جعلنا في الأرض مسالك بين الجبال يتحركون عليها لحاجاتهم ومعايشهم، ويهتدون أثناء السير فيها إلى أسفارهم.\nقال ابن عباس: (﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾ سبلًا، قال: بين الجبال). وقال قتادة: (﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾: أي أعلامًا. وقوله: ﴿سُبُلًا﴾ أي طرقًا، وهي جمع السبيل).\nقال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾، أي: ثغرًا في الجبال يَسْلُكُون فيها طُرُقًا من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وإقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض، يكون الجَبَلُ حائلًا بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجْوَةً لغيره، ليَسْلُكَ الناسُ فيها من هاهنا إلى هاهنا، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾. قال مجاهد: (مرفوعًا). وقال قتادة: (سقفًا مرفوعًا، وموجًا مكفوفًا). والمقصود: ومن آياتنا كذلك أن جعلنا السماء سقفًا على الأرض كالقبة عليها ﴿مَحْفُوظًا﴾ عاليا محروسًا من أن يُنال. قال ابن جرير: (يقول: حفظناها من كل شيطان رجيم).\nوقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. قال مجاهد: (الشمس والقمر والنجوم آيات السماء). أي: وهم عن هذه الآيات العظيمة التي تحويها السماء ذات الاتساع الكبير والارتفاع الشاهق المثير، من كواكب ونجوم، وشمس وقمر، ومجرات وأفلاك، ذات حركة ودوران، ومسارات لها انتظام، لا يتفكرون في بارئها وصانعها،","vol":"5","page":96},{"text":"ولا يعتبرون بمبدعها ومُسَيِّرها، ولا ينتبهون للوازم ذلك كله من إفراد الله - تعالى - العظيم القهار بالعبادة والمحبة والطاعة والإخبات.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].\nوفي مسند الطيالسي وسنن البيهقي بسند حسن عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: [تفكروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله] (١).\nورواه أبو نعيم من حديث ابن عباس بلفظ: [تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله].\nوله شاهد آخر عند أبي نعيم في \"الحلية\" من حديث عبد الله بن سلام مرفوعًا، بلفظ: [لا تفكروا في الله، وتفكروا في خلق الله، فإن ربنا خَلَقَ مَلَكًا، قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العُليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام، والخالق أعظم من المخلوق] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.\nأي: وهو سبحانه خالق الليل بسكونه وظلامه، وخالق النهار بضيائه وأنسه، ويطوّل هذا تارة ويقصِّره أخرى، والثاني كذلك، وخلق الشمس وحركتها وضياءها، وخلق القمر ومنازله وحركته، وكل في فلك يسبحون. قال مجاهد: (يَجْرون).\n_________\n(١) حديث حسن. أخر جه البيهقي في (الشعب) (١/ ٧٥)، والطبراني في \"الأوسط\" (٦٤٥٦)، ورواه الطيالسي وغيره. انظر السلسلة الصحيحة (١٧٨٨)، وصحيح الجامع (٢٩٧٢) - (٢٩٧٣).\n(٢) إسناده حسن في الشواهد. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٦٦ - ٦٧) من حديث عبد الله بن سلام مرفوعًا، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم، (١٧٨٨) وشواهده.","vol":"5","page":97},{"text":"وقال ابن عباس: (يدورون). والفلك في لغة العرب: كل شيء دائر.\nقال القرطبي: (أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام: ٩٦].\n٣٤ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تولّي الله نصر دينه فهو الحي الذي لا يموت والأنبياء والرسل يموتون. وكل نف ذائقة الموت وإنما الناس في اختبار ثم إلى ربهم يرجعون.\nفقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾. ردٌّ على المشركين الذين كانوا يدفعون نبوته - ﵊ - ويقولون: شاعر نتربص به ريب المنون. قال القرطبي: (فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك).\nوفي التنزيل:\n﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].\nوقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ أي: أفإن مت يا محمد فهؤلاء يؤمِّلون أن يعيشوا بعدك أو يخلدوا في الأرض بعد غيابك!؟ لا، لن يكون هذا، بل هم ميتون بكل حال عشت أو مت، والكل إلى فناء.\nوقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كل نفس منفوسة من خلقه، معالجة غصص الموت، ومتجوعة كأسها).\nوقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قال ابن عباس: (بالرخاء والشدة، وكلاهما بلاء). وقال قتادة: (يقول: نبلوكم بالشر بلاء والخير فتنة).","vol":"5","page":98},{"text":"وقال ابن زيد: (نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون). وعن علي عن ابن عباس: (قوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ يقول: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحوام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ يقول: وإلينا يُردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها).\n٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: استهزاء المشركين بالرسول وهم أحق أن يُستهزأ بهم. والإنسان خُلق من عَجَل والكفار المستعجلون للعذاب سيرون ما ينزل بهم. وتقريبٌ من الله لهؤلاء المنكرين البعث والعذاب ما هم مقبلون عليه من العذاب المهين.\nفقوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾.\nقال القاسمي: (عُنِيَ بهذه الآية مستهزئو قريش، كأبي جهل وأضرابه ممن كان يسخر من رسالته صلوات الله عليه، ويتغيظ لسبّ آلهتهم وتسفيه أحلامهم).\nوقوله: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. أي: فهم أحق أن يستهزأ بهم.\nقال ابن جرير: (يقول: فيعجبون من ذكرك يا محمد آلهتهم التي لا تضرّ ولا تنفع بسوء ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ الذي خلقهم وأنعم عليهم، ومنه نفعهم، وبيده ضرّهم، وإليه مرجعهم بما هو أهله منهم أن يذكروه به كافرون).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ","vol":"5","page":99},{"text":"لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢].\nوقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال قتادة: (خلق عجولًا).\nقال النسفي: (والظاهر أن المراد الجنس، وأنه ركب فيه العجلة، فكأنه خلق من العجل، ولأنه يكثر منه).\nقلت: والذي يبدو من السياق أن المقصود تسرّع الإنسان في الجناية على نفسه قبل التأني والبحث، فيستجيب لوسوسة شيطانه في نَفْخِهِ فيه الكبر والاستهزاء بغيره ولو كان غيره يدعو إلى الحق، وهذا حال المشركين حين قابلوا الوحي والنبوة بالعجب والتنطع والعجلة وركبوا موجة الكبر التي حرَّكها إبليس في نفوسهم حتى ران على قلوبهم وكان الهلاك بإصرارهم.\nوقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.\nهو جواب الله تعالى لأولئك المتعجلين نزول العذاب بهم والانتقام منهم. وهنا نكتة لطيفة كما قال ابن كثير ﵀: (والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ لأنه تعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، يُؤجِّلُ ثم يُعَجَّلُ، وَيُنْظِرُ ثم لا يؤخِّر، ولهذا قال: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾، أي: نِقَمِي وحُكْمِي واقتداري على مَنْ عصاني، ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nإخبار من الله سبحانه عن سلوك هؤلاء المشركين كمَنْ قبلهم في استعجال الرسل بوقوع العذاب بهم، تكذبيًا منهم بذلك وجحودًا واستبعادًا.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\nتقريبٌ من الله سبحانه لهؤلاء المنكرين البعث والحساب والعذاب لما هم مقبلون عليه من النكال بوصفه أحوالهم وهم في غمرات الجحيم، لا يستطيعون ردّ النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم ولا سبيل لهم يومئذ إلى فرج أو نصر أو خلاص مما هم فيه.","vol":"5","page":100},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠].\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: [يقول الله ﵎ لأَهْوَنِ أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك ولا أدخلكَ النار، فأبيتَ إلا الشرك] (١).\nوفي لفظ آخر: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع ....] الحديث.\nوفي جامع الترمذي ومسند أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقونَ من عُصارةِ أهل النار، طينةِ الخبال] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.\nأي: بل تأتيهم النار فجأة كما تأتيهم الساعة بغتة فلا يجدون أنفسهم إلا وقد أحيط بهم في سعير النار ولهبها وسمومها فلا حيلة حينئذ لردها ولا هم يمهلون أو يؤخرون لتوبة واعتذار، فقد فات أوان التوبة والاستغفار.\nقال الفراء: (فتبهتهم: أي تحيرهم). وقيل: فتفجؤهم. وقال الجوهري: (بَهَتَه بَهْتًا أخذه بغتة). والمقصود: أن النار تغشاهم فجأة وتلفح وجوههم حتى تحيرهم في اندفاعها نحوهم، ولا حيلة عندهم لردها أو دفعها. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي؟ ولا يؤخّر عنهم هذا الحال السيِّئ ساعة واحدة. وقال القرطبي: (أي: لا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٣٤)، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٣٣) - كتاب صفة القيامة، من حديث أنس بن مالك.\n(٢) حديث حسن. رواه أحمد في المسند، والترمذي في السنن - حديث رقم - (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وصحيح الجامع (٧٨٩٦). وقد مضى تخريجه.","vol":"5","page":101},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: [نارُكم هذه التي يوقد ابنُ آدم، جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم. قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فُضِّلَت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها] (١).\n٤١ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تثبيت الله تعالى نبيّه - ﷺ - بأن له في طريق الأنبياء قبله أسوة، فالمكر سيحيق بالمستهزئين. قل لهؤلاء المشركين - يا محمد -: من الذي يحفظكم بالليل والنهار من أمر الرحمن إذا نزل بكم، بل أنتم عن ذكر ربكم وشكره معرضون. فهل لكم آلهة تمنعُ نزواط العذاب بكم؟ أم هي هزيلة لا تستطيع نصر أنفسها ولا هي مصحوبة بالنصر والتأييد؟ ! إنما غرّ هؤلاء متاع الحياة الدنيا فهلّا نظروا إلى أطراف البلاد كيف يفتحها الله للمسلمين، ويتعظوا بهذا الوحي الكريم، وإنما الصم لا يسمعون ولا يعقلون ما ينذرون.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nتسلية من الله تعالى لرسوله - ﷺ - عما يلقاه من إيذاء المشركين واستهزائهم وتكذيبهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٤٩ - ١٥٠). وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٧٦) - كتاب صفة النار.","vol":"5","page":102},{"text":"قال النسفي: (سلّى رسول الله - ﷺ - عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء أسوة، وأن ما يفعلونه به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا).\nوفي التنزيل:\n﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤].\nوقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾.\nقال ابن عباس: (يحرسكم). وقال قتادة: (قل من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن).\nوالخطاب لهؤلاء المشركين المستعجلين العذاب. أي: قل لهم يا محمد، من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا انتشرتم من أمر الرحمان إن نزل بكم، ومن عذابه إن وقع عليكم.\nوقوله: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يعترفون بنعمه عليهم وإحسانه إليهم، بل يُعرضون عن آياته وآلائه). وقال القرطبي: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي عن القرآن. وقيل: عن مواعظ ربهم. وقيل: عن معرفته.\n﴿مُعْرِضُونَ﴾ لاهون غافلون).\nوقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾.\nأي: أم لهؤلاء المشركين آلهة تقدر على نصرهم إذا نزل بهم عذابنا وحل بهم سخطنا ونقمتنا.\nوقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال قتادة: (يعني الآلهة).\nأي: بل هم من الضعف والمهانة والعجز بحيث لا تستطيع آلهتهم الهزيلة المخلوقة الدفاع عنهم ولا عن نفسها إذا قضى الله تعالى نزول العذاب بهم.\nوقوله: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾. قال مجاهد: (لا ينصرون). أو قال: (ولا هم يحفظون).\nوعن ابن عباس: (يقول: ولا هم منا يُجارون). وقال قتادة: (لا يُصحبون من الله بخير).\nقال القاسمي: (ومعناه: كيف تستطيع آلهتهم التي يدعونها من دوننا أن تمنعهم","vol":"5","page":103},{"text":"منا، وهي لا تستطيع نصر أنفسها ولا هي بمصحوبة منا بالنصر والتأييد).\nوقوله: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾.\nقال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن المشركين: إنما غرَّهم وحملهم على ما هم فيه من الضَّلال أنهم مُتِّعوا في الحياة الدنيا ونُعِّمُوا، وطالَ عليهم العُمر فيما هُم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء).\nوقوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.\nقال الحسن البصري: (يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر). أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون - يا محمد - كيف نخرّب البلاد في النواحي المجاورة والأرجاء المختلفة بقهرنا أهلها وغلبهم وإجلائهم. قال القاسمي: (أي ننقص أرض الكفر فَنُخَرِّبُها من نواحيها بقهرنا أهلها وغلبتنا لهم وإجلائهم عنها بالسيوف، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به ويحذروا منا أن ننزل من بأسنا بهم نحو الذي قد أنزلنا بمن فعلنا ذلك به من أهل الأطراف).\nوقوله: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ - تقريعٌ للمشركين بغرورهم وجهلهم بالله وقدرته وجبروته. قال قتادة: (يقول: ليسوا بغالبين، ولكن رسول الله - ﷺ - هو الغالب).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾. أي بهذا التنزيل العظيم. قال قتادة: (أي بهذا القرآن).\nوقوله: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾. أي لا يجدي هذا الإنذار عمن ختم الله على قلبه وطمس على سمعه وجعل على بصره غشاوة.\nقال سعيد، عن قتادة: (يقول: إن الكافر قد صمَّ عن كتاب الله لا يسمعه، ولا ينتفع به ولا يعقله، كما يسمعه المؤمن وأهل الإيمان).\n٤٦ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إقرار المكذبين بذنوبهم عند حلول العذاب بهم، والوزن يوم القيامة هو الحق فلا تظلم نفس مثقال ذرة وكفى بالله حفيظًا.","vol":"5","page":104},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\nالنفحة: النصيب والحظ. قال الرازي: (ونَفْحَةٌ من العذاب: قِطْعةٌ منه). وقال قتادة: (يقول: لئن أصابتهم عقوبة). والمعنئ: ولئن نزل بهؤلاء المكذبين قطعة من عذاب الله لرأيتهم يعترفون بذنوبهم ويقرّون أنهم كانوا في هذه الحياة الدنيا ظالمين.\nوقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ونضع الموازين العَدْل ليوم القيامة. الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدّد الأعمال الموزونة فيه).\nقلت: ويؤيد هذا ما روى الحاكم بسند صحيح عن سلمان، عن النبي - ﷺ - قال: [يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن عائشة: [أن رجلًا قعد بين يدي رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله: إن لي مَمْلوكين، يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال: \"يُحْسَبُ ما خانوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبوك، وعِقابُكَ إيَّاهم، فإن كان عقابُك إياهم بِقَدْرِ ذنوبهم كان كَفافًا لا لَكَ ولا عليكَ، وإنْ كانَ عقابُك إياهم دونَ ذنوبهم كان فَضْلًا لك، وإنْ كان عقابُك إياهم فوقَ ذنوبهم اقْتُصَّ لهم مِنْكَ الفَضْلُ\".\nقال: فتنحّى الرجل، فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أما تَقْرأ كِتابَ الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية.\nفقال الرجل: والله يا رسول الله، ما أجد لي ولهم شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦)، والآجري في \"الشريعة\" (٣٨٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٩٤١).\n(٢) صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٣١) - كتاب التفسير - سورة الأنبياء.","vol":"5","page":105},{"text":"وقوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾.\nأي: فلا يظلم الله نفسًا وإن كان الذي له من عمل الحسنات أو السيئات وزن حبة من خردل جئنا بها فأحضرناها. قال ابن زيد: (كتبناها وأحصيناها له وعليه).\nوقال: (يؤتى بها لك وعليك، ثم يعفو إن شاء أو يأخذ، ويجزي بما عمل له من طاعة). وعن مجاهد: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ قال: جازَيْنا بها).\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي عالمين حافظين، ولا أحد أسرع حسابًا منا.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\n٤ - وقال تعالى - من قيل لقمان -: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁، عن النبي - ﷺ - فيما روى عن الله تبارك وتعالئ أنه قال: [يا عبادي إني حَرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله - ﷿ - يستخلِصُ رجلًا من أُمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشُرُ عليه تسعةً وتسعين سِجِلًا، كُل سجلٍّ مَدُّ البصر، ثم يقول: أَتُنكِرُ من هذا شيئًا؟ أظَلَمتْكَ كَتَبتي الحافِظُون؟ قال: لا، يا رب. قال: أفلك عُذْرٌ أو حسنةٌ؟ قال: فَيُبْهَتُ الرجلُ فيقول: لا، يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدةً، لا ظلم اليوم عليك. فَيُخرجُ له بطاقة فيها: \"أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله\"، فيقول: أَحْضِروه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠).","vol":"5","page":106},{"text":"فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقةُ مع هذه السِّجلاتُ! فيقال: إنك لا تُظلم.\nقال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة. قال: ولا يثقل شيءٌ باسم الله الرحمن الرحيم] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان وأحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] (٢).\n٤٨ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾.\nفي هذه الآيات: اشتمال التوراة على الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والذكرى للمؤمنين الذين هم من الساعة مشفقون. وهذا القرآن كذلك كتاب مبارك في غاية الإعجاز والجلاء والوضوح فعجب من قوم له ينكرون.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾. قال مجاهد: (الكتاب).\nوقال قتادة: (الفرقان: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله به بين الحق والباطل).\nوقال ابن زيد: (الفرقان: الحق آتاه الله موسى وهارون، فرق بينهما وبين فرعون، قضى بينهم بالحق، وقرأ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] قال: يوم بدر). قال: (يعني النصر).\nوالآية كغيرها من الآيات يقرن الله تعالى بين ذكر موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وبين كتابيهما.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجة (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣)، والحاكم (١/ ٦ - ٥٢٩)، وابن حبان (٢٢٣)، ورجاله ثقات.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٠٦)، (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤)، والترمذي (٣٤٦٧)، وابن ماجة (٣٨٠٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٢)، وابن حبان (٨٣١).","vol":"5","page":107},{"text":"قال ابن كثير: (وجامعُ القول في ذلك أن الكتب السماوية تَشتمِلُ على التفرقة بين الحق والباطل، والهُدى والضلال، والغَيِّ والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصُل نورًا في القُلوب، وهدايةً وخوفًا وإنابةً وخشية، ولهذا قال: ﴿الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: تذكيرًا لهم وعظة).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾.\nيشتمل على ركني النجاة: خشية الله بالغيب، والعمل والاستعداد للقائه يوم القيامة. فالإيمان: قول وعمل. والقول قولان: قول القلب وقول اللسان. والعمل عملان: عمل القلب وعمل الجوارح.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣].\nوقوله: ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: خائفون وجلون حذرون.\nأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن في الشواهد عن شداد بن أوس أن رسول الله - ﷺ - قال: [قال الله ﷿: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمْنَين ولا خوفين، إنْ هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع فيه عبادي] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. قال قتادة: (أي هذا القرآن).\nأي: أفأنتم معشر العرب منكرون لهذا القرآن المبارك الذي أنزله الله تعالى على محمد - ﷺ - كما أنزل التوراة من قبل على موسى ﵊، وهو الكتاب المعجز الذي لا يأتيه الباطل عن بين يديه ولا من خلفه، وفيه ذكر أخبار الأمم وأخبار ما يجري وما سيكون إلى يوم القيامة، وأخبار كل شيء، فكيف تنكرونه وهو في هذه الغاية من الجلاء والوضوح والبيان والإعجاز.\n٥١ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٨)، والبزار كما ذكر الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٠٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٤٢).","vol":"5","page":108},{"text":"عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إلهامُ الله تعالى إبراهيم - ﷺ - الحق من صغره، وثناؤه تعالى عليه في قوة محاججته لأبيه وقومه في عكوفهم على عبادة الأوثان والأصنام، وترك عبادة الرحمان، فاطر السماوات والأرض، وله الخلق والأمر، وهو ربّ جميع الأنام.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال مجاهد: (هديناه صغيرًا).\nوعن قتادة قال: (يقول: آتيناه هداه). والمقصود: هداه الله من صغره وألهمه الحق وقوة الحجة ليفيد منها عند جداله قومه.\nكما في التنزيل:\n﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣].\nوقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وكنا عالمين به أنه ذو يقين وإيمان بالله وتوحيد له، لا يشرك به شيئًا). والمقصود: أنه كان أهلًا لهذا الاختصاص من الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.\nقال مجاهد: (الأصنام). قال ابن كثير: (هذا هو الرُّشد الذي أوتيه من صِغره، الإنكارُ على قومه عبادةَ الأصنام من دون الله ﷿، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾، أي: مُعْتكِفون على عِبادتها).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾.\nاحتجاج فاسدٌ من القوم إذ اعتبروا صنيع الآباء الضُّلال حجة تُسَوِّغ لهم عبادتهم الأوثان من بعدهم.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nإخبارٌ من الله تعالى عن قول إبراهيم - ﵊ - مجيبًا لهم في","vol":"5","page":109},{"text":"احتجاجهم الفاسد على عبادة الأوثان بصنيع الآباء: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في منهاج عبادتكم في ذهاب عن سبيل الحق وجور عن قصد السبيل، لا يخفى ذلك على عاقل، بل هو ظاهر بَيِّن.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾.\nقال النسفي: (أي أجادٌّ أنت فيما تقول أم لاعبٌ، استعظامًا منهم إنكاره عليهم، واستبعادًا لأن يكون ما هم عليه ضلالًا).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.\nأي: بل ربكم أيها القوم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وخلق ما فيهن من المخلوقات، ومن جملتها أصنامكم وآلهتكم الضعيفة التافهة التي تصرفون لها العبادة بسبب خفة عقولكم وفراغ قلوبكم من الإيمان بالله الخالق العظيم الواحد الأحد، وأنا أشهد أنه لا إله غيره، ولا ربّ سواه، وإليه كل الخلق والأمر وله صحيح العبادة.\n٥٧ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تحطيمُ إبراهيم - ﷺ - أصنام قومه، واستخفافه بعقولهم عند","vol":"5","page":110},{"text":"محاكمتهم له، واجتماعهم على تحريقه فأنجاه الله -قال: يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم-، وَردّ كيدهم في نحرهم وجعلهم الأخسرين.\nفقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَتَاللَّهِ﴾ أصله والله، وفي التاء معنى التعجب من تسهيل الكيد على يده مع صعوبته وتعذره لقوة سلطة نمرود). وقال ابن كثير: (أقسم الخليلُ قسمًا أسْمَعَهُ بعض قومه: ليكيدَنَّ أصنامَهُم، أي: ليحرِصَن على أذاهم وتَكْسِيرهم بعد أن يُوَلُّوا مُدْبرين، أي: إلى عيدهم. وكان لهم عيدٌ يخرجون إليه).\nقال السُّدِّيُّ: (لما اقترب وقتُ ذلك العيد قال أبوه: يا بُنَيَّ، لو خَرَجْتَ معنا إلى عيدنا لأعجبك دينُنا! فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسَه إلى الأرض وقال: إني سقيم. فجعلوا يمرون عليه وهو صريعٌ فيقولن: مَهْ! فيقول: إني سقيم. فلما جَاز عامَّتُهم وَبقِيَ ضُعَفاؤهم، قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾، فسمعه أولئك).\nوقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: حُطامًا). وقال مجاهد: (كالصَّريم).\nوقال قتادة: (أي قطِعًا). والمقصود: فكسر أصنامهم وجعلهن قطعًا - من الجذ وهو القطع، جمع جذاذة -.\nوقوله: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (إلا عظيمًا لهم عظيم آلهتهم). وقال مجاهد: (جعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي ترك). قال قتادة: (كادهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون).\nوالمقصود: تَرَكَ كبيرَ الأصنام قاصدًا لعلهم يرجعون إليه فيسألونه عن كاسرها فيتبين لهم عجزه، أو لعلهم يظنون أنه هو غار لنفسه وأَنِفَ أن تُعْبد معه هذه الأصنام الصِّغار فكسرها. وقيل: لعلهم يرجعون إلى إبراهيم أو إلى الله. والتفسير الأول أنسب للسياق ومكيدة إبراهيم - ﷺ - بهم.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال القاسمي: (﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ أي هذا الفعل الفظيع ﴿بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ","vol":"5","page":111},{"text":"الظَّالِمِينَ﴾ أي لجرأته على إهانتها وهي الجديرة عندهم بالتعظيم. أو لإفراطه في التجذيذ والحطم، وتماديه في الاستهانة بها. أو بتعريض نفسه للهلكة. والاستفهام للإنكار والتوبيخ والتشنيع).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾. أي: سمعنا فتى يعيبهم يقال له إبراهيم.\nقال ابن جريج: (يذكرهم يعيبهم). وقال ابن إسحاق: (سمعناه يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحدًا يقول ذلك غيره، وهو الذي نظن صنع هذا بها).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: أحضروه على مرأى الناس ليشهدوا عقوبته.\nقال ابن إسحاق: (﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: أي ما يصنع به). قال ابن كثير: (وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم ﵇، أن يُبَيِّنَ في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقولهم في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضَرًّا، ولا تستطيع لها نصرًا، فكيف يُطلَبُ منها شيءٌ من ذلك).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.\nأي: سألوه في مشهد الناس أحقًّا أنت الذي فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ ! - وإنما أرادوا إقامة البينة عليه ثم عقوبته أمام الملأ ليكون عبرة لمن يعتبر - فكادهم صلوات الله وسلامه عليه بإجابة ذكية بأن نسب الفعل إلى كبيرهم ليضعهم أمام تفاهة منهجهم في التفكير والعبادة. قال قتادة: (قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ... الآية، وهي هذه الخصلة التي كادهم بها). وقال ابن إسحاق: (غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهن).\nقال القرطبي: (إن كانوا ينطقون فاسألوهم. فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين، تنبيهًا لهم على فساد اعتقادهم. كأنه قال: بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء. وقيل: بيّن أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد).\nولا شك أن قول إبراهيم - ﷺ - ذلك من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب.","vol":"5","page":112},{"text":"وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لمَ يَكْذِبْ إبراهيم إلا ثلاثًا] (١).\nوفي الصحيحين والمسند عنه مرفوعًا: [لم يَكْذِبْ إبراهيمُ ﵊ إلا ثلاثَ كذَباتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ في ذات الله ﷿، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقال: بَيْنا هو ذاتَ يومٍ وسارةُ إذ أتى على جَبَّارٍ من الجبابرةِ، فقيل لهُ: إن هذا رجُلٌ مَعَهُ امرأةٌ مِنْ أَحْسَنِ الناس، فأرْسَلَ إليهِ فسألهُ عَنْها، فقال: مَنْ هذه؟ قال: أختي، فأتى سارةَ فقال: يا سارةُ، ليس على وجهِ الأرض مؤمنٌ غيري وغيرُكِ، وإنَّ هذا سألني عَنْكِ فأَخْبَرْتُه أنَّكِ أختي فلا تُكَذّبيني، فأرسلَ إليها، فلَمَّا دَخَلَتْ عليهِ ذَهَبَ يتناولها بيدهِ فأُخِذَ، فقال: ادعي اللهَ لي ولا أَضُرُّكِ، فَدَعَت اللهَ فأُطْلِقَ ثم تَناوَلَها الثانية فأُخِذَ مِثْلَها أو أشدَّ، فقال: ادعي اللهَ لي ولا أَضُرُّكِ، فدعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ، فدَعَا بَعضَ حَجَبَتِهِ فقال: إنَّكَ لم تأتِني بإنسانٍ، إنما أَتَيْتَني بِشَيطانٍ، فأخْدَمَها هاجرَ، فأَتَتْهُ وهو قائِمٌ يُصَلي فأومأَ بيدهِ: مَهْيَم؟ قالت: ردَّ الله كيدَ الكافر - أو الفاجر - في نَحْرهِ وأخدم هاجر. قال أبو هريرةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يا بني ماء السماء] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾. أي بترك حراستكم الآلهة. أو كما قال النسفي: (فرجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم لما أخذ بمخانقهم ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ على الحقيقة بعبادة ما لا ينطقُ لا من ظلمتموه حين قلتم من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، فإنه من لا يدفعُ عن رأسهِ الفاس، كيف يدفعُ عَنْ عابديهِ الباس).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾.\nأي: ثم أطرقوا في الأرض وأصابتهم حيرة من أمرهم، ثم قالوا لإبراهيم: كيفَ تقول لنا سلوهم وهم لا ينطقون وأنتَ تعلمُ أَنها لا تنطق! قال قتادة: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أدركتِ الناسُ حيرة سوء).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥٧)، كتاب أحاديث الأنبياء، وانظر كذلك (٢٢١٧) منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥٨)، كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلك (٥٠٨٤)، وأخرجه مسلم (٢٣٧١)، وأبو داود (٢٢١٢)، ورواه أحمد (٢/ ٤٠٣)، وابن حبان (٥٧٣٧).","vol":"5","page":113},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾.\nقال ابن إسحاق: (يقول: ألا ترون أنهم لم يدفعوا عن أنفسهم الضر الذي أصابهم، وأنهم لا ينطقون فيخبرونكم من صَنَعَ ذلكَ بهم، فكيف ينفعونكم أو يضرون).\nوالمقصود: أنَّ إبراهيم - ﷺ - استفاد من حيرتهم وعجزهم عن تفسير الموقف بأَنْ واجههم بفساد المنهج الذي هم عليه: كيفَ تعبدون من لا ينطقُ ولا يضر ولا ينفع؟ ! .\nوقوله تعالى: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: قُبحًا لكم وللَالهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضرُ ولا ينفعُ، فتتركوا عبادته، وتعبدوا الله الذي فطر السماوات والأرض، والذي بيدهِ النفع والضر).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.\nقال ابن إسحاق: (أجمع نمرود وقومه في إبراهيم فقال: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار إن كنتم ناصريها).\nفبنوا له بنيانًا، وأوقدوا فيهِ نارًا، ثم ألقوهُ في النار. فقال إبراهيم عند ذلكَ: \"حسبي الله ونعم الوكيل\".\nففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، قالها إبراهيم - ﷺ - حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا: إنَّ الناسَ قد جَمَعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (١).\nوفي رواية له عن ابن عباس ﵄ قال: [كانَ آخِرَ قول إبراهيم - ﷺ - حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.\nقال ابن جريج: (قوله: ﴿بَرْدًا﴾ قال: بردت عليه ﴿وَسَلَامًا﴾ لا تؤذيه).\nقلت: وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لنبيِّه وخليله إبراهيم ﵊، ومعجزة باقية في ذكراها تتلوها الأجيال المتعاقبة على مرّ الدهور والأزمان. فإن الصدق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨/ ١٧٢)، حديث رقم (٤٥٦٣) - (٤٥٦٤) - كتاب التفسير.","vol":"5","page":114},{"text":"مع الله في نصر دينه لا بد أن يقابله خرق للعادات ونصر من الله لأوليائه وعباده الصالحين.\nوفي التنزيل:\n﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].\nوفي سنن ابن ماجة وجامع الترمذي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا] (١).\nولفظ الترمذي: [لو أنكم كنتم تَوَكَّلونَ على الله حقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تغذو خِماصًا، وتروحُ بِطانًا].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.\nأي: أراد القوم بمكرهم إيقاع الكيد والنكال والعذاب بإبراهيم ﵊، فردّ الله تعالى المكر ليحيق بأهله، وجعلهم من المغلوبين الأسفلين الخاسرين.\n٧١ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: نجاةُ إبراهيم ولوط - عليهما الصلاة والسلام - إلى بلاد الشام. وإكرام الله إبراهيم بإسحاق ويعقوب أئمة من الصالحين، يدعون إلى الدين الحق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤١٦٤)، والترمذي (٢٤٦١). انظر صحيح الترمذي (١٩١١).","vol":"5","page":115},{"text":"ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وكانوا لله عابدين. وإعطاء الله تعالى نبيَّه لوطًا - ﷺ - علمًا وحكمًا وحمايته من القوم الفاسقين، وإدخاله في رحمته إنه كان من الصالحين.\nفقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.\nقال قتادة: (كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى أرض الشام، وكان يقال للشأم عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشأم، وما نقص من الشأم زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى بن مريم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذّاب الدجال).\nوالمقصود: أن الله ﵎ لما سَلَّم إبراهيم - ﵊ - من نار قومه، أخرجه من بين ظهرانيهم إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها.\nقلت: والشام مُهاجَرُ الأمة من الفتن إلى قيام الساعة، وفيها بقية المؤمنين والماء. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، وذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم في \"المستدرك\" بسند صحيح عن عبد الله موقوفًا - في حكم المرفوع -: [يُوشِك أن تَطْلُبوا في قُراكم هذه طَسْتًا مِنْ ماءٍ فلا تجدونَهُ، يَنْزَوي كلُّ ماءٍ إلى عُنْصُرِه، فيكون في الشام بقيَّةُ المؤمنين والماء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ قال: [سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يا طوبى للشام! يا طوبى للشام! يا طوبى للشام! قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام].\nوفي رواية: [طوبى للشام، إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه] (٢).\nوفي لفظ: [لأنَّ ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه].\nالحديث الثالث: أخرج أحمد في المسند عن أبي الدرداء مرفوعًا: [بينما أنا نائم إذ رأيتُ عمودَ الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري، فعُمِدَ به إلى الشام. ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٠٤) بسند صحيح من حديث عبد الله موقوفًا - في حكم المرفوع -، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٠٧٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٣٣)، والحاكم (٢/ ٢٢٩)، وأحمد (٥/ ١٨٤). وسنده صحيح.","vol":"5","page":116},{"text":"وله شاهد عند الطبراني من حديث عبد الله بن عمر أن النبي - ﷺ - قال: [رأيتُ في المنام أخذوا عمودَ الكتاب فعمدوا به إلى الشام، فإذا وقعت الفتنُ فالأمن بالشام] وسنده حسن (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: ووهبنا له إسحاق ولدًا، ويعقوب ابن ابنه نافلة).\nوقال قتادة: (والنافلة: ابن ابنه يعقوب). أي أعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. وعنى بقوله: ﴿وَكُلًّا﴾ إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ - أي أَهل صلاح وتقوى وعمل بطاعة الله ﷿.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. هو تحصيل الصبر واليقين بالله ﷿ والعمل بطاعته. كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فبالصبر واليقين، تُنال الإمامة في الدين.\nقال قتادة: (جعلهم الله أئمة يُقتدى بهم في أمر الله. وقوله: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يقول: يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونهم إلى الله وإلى عبادته).\nوقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾.\nأي: وأوحينا إليهم فيما أوحينا إليهم من الشرائع إقام الصلاة بحدودها وأركانها وواجباتها وخشوعها، والإنفاق في سبيل الله زكاة للأموال والخيرات، فكانوا عند حسن الظن في صدق الإيمان وحسن العبادة. قال قتادة: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ يقول: كانوا لنا خاشعين، لا يستكبرون عن طاعتنا وعبادتنا).\nوقوله: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وآتينا لوطًا حكمًا، وهو فصل القضاء بين الخصوم، وعلمًا: يقول: وآتيناه أيضًا علمًا بأمر دينه، وما يجب عليه من فرائضه).\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج \"فضائل الشام\" - الألباني. وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٠٠٨ - ١٠١٦).- لتفصيل البحث في فضائل الشام.","vol":"5","page":117},{"text":"وقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾.\nأي: ونجيناه من العذاب الذي أنزلناه بأهل قرية سدوم التي انتشر في أهلها فعل الفواحش - من إتيانهم الذكور في أدبارهم - وكان لوط - ﷺ - قد بعث إليهم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾. أي: أصحاب سوء من العمل خارجين عن طاعة الله.\nوقوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾. قال ابن زيد: (في الإسلام).\nقال القرطبي: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ في النبوة. وقيل: في الإسلام. وقيل: الجنة. وقيل: عنى بالرحمة إنجاءه من قومه ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾).\n٧٦ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾.\nفي هذه الآيات: نجاةُ نوحٍ - ﷺ - بإذن الله من الكرب العظيم، وإغراق الله تعالى القوم الذين كذبوه وكانوا ظالمين.\nفقوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾. أي: واذكر يا محمد نوحًا إذ نادى ربه من قبلك، ومن قبل إبراهيم ولوط، لِنُهِلِكَ من كَذَّبه من قومه وأسرف في العتو والطغيان.\nوفي التنزيل:\n﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].\nوقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.\nأي: فاستجبنا له دعاءه وأهلكنا القوم الظالمين. ونجيناه وأهله أهل الإيمان من ولده وحلائلهم ومن مضى على منهاج الإيمان، من أهوال ذلك الطوفان.\nوفي التنزيل:\n﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى","vol":"5","page":118},{"text":"الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٠ - ١٤].\nوقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. قال أبو عبيدة: ﴿مِنَ﴾ بمعنى على. وقيل: المعنى فانتقمنا له.\nقال النسفي: (مَنَعْناه منهم أي من أذاهم). والمقصود: أن النصر كان لنوح - ﷺ - ومن مضى على منهاجه - في آخر الأمر وحين الفصل، وكان الهلاك والغرق من نصيب أهل التكذيب والطغيان، وأهل الاستهزاء والعصيان.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. أي: إنهم كانوا على منهاج سوء فاستأصلهم الغرق أجمعين.\nقال ابن كثير: (أي: أهلكهم الله بعامَّةٍ، ولم يُبْق على وجهِ الأرض منهم أحدًا، إذْ دَعا عليهم نبيُّهم).\n٧٨ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تفهيم الله سليمان في مسألة الكرم وغنم القوم، وتسخير الجبال مع داود يسبحن والطير، وتعليمه عمل الدروع الملبوسة، وتسخير الريح والشياطين لسليمان، عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام.\nفقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾.\nقال أشعث عن أبي إسحاق عن مّرة عن ابن مسعود: (كان ذلك الحَرْث كرمًا قد نبتت عناقيده). وعن مّرة: (كان الحرث نبتًا).","vol":"5","page":119},{"text":"والمقصود: أنه من حرث الأرض من غرسه أو نباته.\nقال ابن عباس: (﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: رعت). وقال ابن إسحاق: (النفش: الرعية تحت الليل). وعن قتادة: (النفش بالليل، والهَمْل بالنهار).\nقلت: وفي لغة العرب: لا يكون النفش إلا بالليل، والهَمَلُ يكون ليلًا ونهارًا. قال الرازي: (و﴿نَفَشَتْ﴾ الإبل والغنم أي رَعَت ليْلًا بلا راع. قال: وأنفَشَها غيرُها تركها ترعى ليلًا بلا راع).\nوتفصيل الخبر كما رواه ابن جرير من طريق أشعث عن أبي إسحاق عن مرة، عن ابن مسعود - في قوله ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ - قال: (كَرْم قد أنْبَتَ عناقيده، فأفسدَتْه. قال: فقضى داودُ بالغنم لصاحب الكَرْم. فقال سليمان: غيرُ هذا يا نبيَّ الله! قال: وما ذاك؟ قال: تدفَعُ الكَرْمَ إلى صاحب الغنم فيقَومُ عليه حتى يعودَ كما كان، وتَدْفَعُ الغَنَم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا كان الكَرْمُ كما كان دَفَعْتَ الكَرْم إلى صاحبه، ودَفَعْتَ الغنم إلى صاحبها، فذاك قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾).\nوله شاهد عند ابن أبي حاتم عن خُدَيج عن أبِي إسحاق عن مُرَّة عن مَسُروق قال: (الحَرْثُ الذي نَفَشَت فيه الغنم إنما كان كَرْمًا نَفَشَت فيه الغنمُ، فلم تَدع فيه ورقة ولا عُنقودًا من عِنَب إلا أكَلَته، فأتوا داودَ فأعطاهم رِقَابها. فقال سليمان: لا، بل تِؤخذ الغَنَمُ فَتُعطى أهل الكَرْمِ، فيكون لهم لَبَنُها ونفعُها، ويُعطى أهل الغَنَم الكَرْم فيَعْمُروه ويُصلحوه، حتى يعود كالذي كان ليلةَ نَفَشَت فيه الغنمُ، ثم يُعطى أهلُ الغنم غَنَمَهم، وأهلُ الكرمِ كَرْمهُم).\nقلت: وأما في شرعنا، فعلى أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، وعلى أصحاب المواشي حفظ مواشيهم بالليل. فإن فرّط صاحب الماشية في ضبط وحبس ماشيته ليلًا فانتشرت وأفسدت شيئًا من زروع الناس فعليه ضمان ذلك.\nوأدلة ذلك كثيرة:\n١ - الدليل الأول: أخرج ابن ماجة وأبو داود بسند صحيح عن مُحَيِّصَةَ: [أنَّ ناقة للبراء بن عازب، دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله - ﷺ -، على أهل","vol":"5","page":120},{"text":"الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل] (١). وفي لفظ ابن ماجة: أفقضى أن حِفْظَ الأموال على أهلها بالنهار. وعلى أهل المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل].\n٢ - الدليل الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن حرام بن مُحَيِّصَة الأنصاري، عن البراء بن عازب، قال: [كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فَكُلِّمَ رسول الله - ﷺ - فيها، فقضى: أنَّ حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشِيَتُهم بالليل] (٢).\nوقوله: \"ضارية\" أي التي تعتاد رعي زرع الناس. والحائط: البستان. وقوله: \"أن حفظ الأموال\" أي البساتين. فما أتلفت الماشية بالنهار فالتقصير من صاحب البستان، فلا ضمان، وما أتلفت بالليل فالتقصير من صاحبها، وعليه الضمان.\n٣ - الدليل الثالث: يروي ابن جرير بإسناده عن عامر - أي الشعبي، وكذلك عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي: [أنَّ شاةً وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شُرَيح، فقال الشعبي: انظروه فإنه سيسألهم ليلًا وقعت فيه أو نهارًا، ففعل. ثم قال: إن كان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: والنَّفْش بالليل والهَمَل بالنهار].\nوفي لفظ ابن جرير، قال عامر: (جاء رجلان إلى شُريح، فقال أحدهما: إن شياه هذا قطعت غَزْلًا لي، فقال شريح: نهارًا أم ليلًا؟ قال: إن كان نهارًا فقد برئ صاحب الشياه، وإن وإن ليلًا فقد ضمن، ثم قرأ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: كان النفش ليلًا) (٣).\nوهذا التفريق بين الليل والنهار حكمته ظاهرة، كما قال القرطبي ﵀: (وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم ترعى بالنهار، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن - حديث رقم - (٢٣٣٢) - كتاب الأحكام، وأخرجه أبو داود (٣٥٦٩) - كتاب الإجازة. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٠٤٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٣٥٧٠) - كتاب الإجازة، باب المواشي تفسد زرع قوم، انظر صحيح سنن أبي داود (٣٠٤٨)، وصحيح سنن ابن ماجة (١٨٨٨) - باب الحكم فيما أفسدت المواشي.\n(٣) أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٢٤٧٠١)، ويشهد لهذا القضاء من شريح الدليلان قبله.","vol":"5","page":121},{"text":"الزروع، لأنه وقت التصرف في المعاش، كما قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١]. فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه وسكنه، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص: ٧٢] وقال: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرّط صاحب الماشية في ردّها إلى منزله، أو فرّط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئًا فعليه ضمان ذلك).\nفائدة: أما قوله - ﷺ -: [العَجْمَاءُ جُرْحُها جُبَارٌ] (١)، فالمقصود ما انفردت به البهيمة فأتلفته دون سائق أو قائد. أو يقال: هو حديث عام، ثم خصّ منه الزرع والحوائط بحديث البراء السابق. والله تعالى أعلم.\nوقد ذهب مالك والجمهور إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وبعض الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، فما أفسدت البهائم ليلًا أو نهارًا لا يلزم صاحبها شيء، واستدلوا بحديث: \"جُرْح العجماء جُبار\"، والراجح قول مالك والجمهور وأنه عموم ورد فيه التخصيص، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. أي: لا يخفى علينا من ذلك الحكم شيءٌ، ولا يغيب عنا علمه. وفي الآية دليل على أن أقل الجمع اثنان.\nوقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. أي: ألهمنا سليمان صحة الحكم في المسألة ودقة الفتوى.\nقال الحسن: (أثنى على سليمان ولم يذمَّ داود).\nقلت: والآية تشير إلى أن الصواب كان مع سليمان ﵊، ولكن داود مأجور كذلك في اجتهاده. وبذلك جاءت سنة نبينا محمد - ﷺ -، في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأصحاب السُنن عن عمرو بن العاص أنه\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -: [العَجْماء جُرْحها جُبارٌ، والبئر جُبَارٌ، والمَعْدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ]. انظر صحيح البخاري (٦٩١٢) - كتاب الديات. وأخرجه مسلم (١٧١٠). والعجماء البهيمة، وسميت بذلك لأنها لا تتكلم، جبار: أي جنايتها هدر ليس فيها ضمان. و\"المعدن جبار\" أي لا زكاة فيما يستخرج منه. و(الركاز) الكنوز المدفونة قبل الإسلام، وفيها الخمس.","vol":"5","page":122},{"text":"سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [إذا حكمَ الحاكِمُ فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن بريدة، عن النبي - ﷺ - قال: [القُضاة ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به. ورجلٌ عرف الحق، فجار في الحكم، فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كانت امرأتان مَعَهمُا ابناهُما، جاءَ الذئبُ فذهب بابن إحداهُما، فقالت صاحِبَتُها: إنَّما ذهبَ بابنِكِ، وقالت الأخرى: إنما ذهبَ بابنكِ، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سُليمان بنِ داود ﵉ فأخبرتاه، فقال: ائْتُوني بالسِّكين أشُقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تَفْعَلْ يرحَمُكَ الله، هو ابْنُها، فقضى به للصغرى] (٣). قال أبو هريرة: (والله إنْ سمعتُ بالسِّكين إلا يومئذ وما كُنّا نقولُ إلا المُدْية).\nوقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.\nقال النسفي: (﴿حُكْمًا﴾ نبوة، ﴿وَعِلْمًا﴾ معرفة بموجب الحكم).\nوقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾.\nقال ابن كثير: (وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا تَرَنَّمَ به تَقِفُ الطيرُ في الهواء فَتُجاوِبُه، وتَرُدُّ عليه الجبال تأويبًا).\nقلت: والصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا وجمالًا، ويزداد المستمع له تأثرًا، فيزداد القلب بذلك تعلقًا وخشية، وقد جاء ذلك في صحيح السنة في أحاديث:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٧٣٣٢)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، وأخرجه مسلم (١٧١٦)، وأبو داود (٣٥٧٤)، والترمذي (١٣٢٦)، والنسائي (٨/ ٢٢٣)، وابن ماجة (٢٣١٤)، وأحمد (٤/ ١٩٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٣٥٧٣)، كتاب الأقضية، وابن ماجة (٢٣١٥)، والحاكم (٤/ ٩٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٢٧)، كتاب أحاديت الأنبياء، وأخرجه مسلم (١٧٢٠)، وأحمد (٢/ ٣٢٢)، والنسائي (٨/ ٢٣٤ - ٢٣٦)، وبوّب عليه في كتاب القضاء: \"باب الحاكم يوهِمُ خِلافَ الحُكْمِ ليستعْلِمَ الحقَّ\".","vol":"5","page":123},{"text":"الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبي حسنِ الصوتِ يتغنى بالقرآن يجهر به] (١).\nوهو بمعنى: ما استمع الله لشيء من كلام الناس كما استمع لمن تغنى بالقرآن، إشارة إلى الرضى والقبول.\nالحديث الثاني: أخرج مسلم وأحمد والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁: [أنَّ رسول الله - ﷺ - قال له: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود. فقال أبو موسى: لو علمت مكانك لحبَّرْتُ لك تحبيرًا] (٢).\nوأصل الزمر الغناء، والمراد الصوت الحسن، وآل داود هو داود نفسه، وقوله \"لحَبَّرتُ\": يريد تحسين الصوت وتحزينه.\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوتَ الحسنَ يزيد القرآن حُسْنًا] (٣).\nوقوله: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: قضينا ذلك في أم الكتاب من تسخير الجبال والطير مع داود - ﷺ -.\nقال القاسمي: (إشارة إلى أنه ليس ببدع في جانب القدرة الإلهية، وإن كان عند المخاطبين عجيبًا).\nوفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧ - ١٩].\nوقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾. أي: عمل الدروع الملبوسة، فقد كانت قبل ذلك صفائح فجعلها حلقًا وسردها، أي أدخل بعضها في بعض.\nقال قتادة: (كانت صفائح، فأوّل من سَرَدها وحَلَّقها داود ﵇).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٥٤٤)، كتاب التوحيد، وانظر مختصر صحيح مسلم (٢١١١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٩٣)، والنسائي في \"فضائل القرآن\" (٨٣)، وأحمد (٥/ ٣٤٩).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (١٣٢٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٧٢).","vol":"5","page":124},{"text":"وفي التنزيل:\n﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١].\nأي لا تُدِقَّ المسمار فيقلَقَ في الحَلْقةَ، ولا تُغَلِّظْهُ فَيَفْصمَها، واجعله بِقَدَر.\nقال الحكم بن عُتيبة: (لا تُغْلِظْهُ فَيَفْصِمَ، ولا تُدِقَّهُ فَيَقلَق).\nوقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾. أي: لتحفظكم من جراحات قتالكم، وتحرز أجسامكم عند لقاء عدوكم.\nوقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾. أي: لنعم ربكم عليكم، وتسخيره من الوسائل ما فيه مصلحتكم.\nقال القرطبي: (أي على تيسير نعمة الدروع لكم. وقيل: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ بأن تطيعوا رسولي).\nوقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.\nقال قتادة: (ورث الله سليمان داود، فورثه نبوّته وملكه وزاده على ذلك أن سخّر له الريح والشياطين).\nوقال ابن زيد: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ قال: عاصفة شديدة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها، قال: الشام).\nوقد جاء في التفاسير أنه كان لسليمان ﵊ بساط من خشب يوضع عليه الخيل والجند والمتاع، فيأمر الريح فترفعه، فما يدري القوم إلا وقد أظلهم بسلطانه وهيبته ﵊.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦].\nوقوله: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾. أي: لا يخفى علينا شيء.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وسخرنا أيضًا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر، ويعملون عملًا دون ذلك من البنيان والتماثيل والمحاريب).","vol":"5","page":125},{"text":"وفي التنزيل:\n﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٧ - ٣٨].\nأي بعض الشياطين في غوص في أعماق البحار، يستخرجون له الجواهر واللآلئ، وبعضهم في البناء، وبعضهم في الصناعة، والكل تحت أمره وسلطانه.\nوقوله: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾. أي: لأعدادهم وتحركاتهم وأعمالهم.\nقال ابن كثير: (أي: يحرسُه اللهُ أن ينالَه أحد الشياطين بسوء بل كلٌّ في قبضته وتحت قهره، لا يتجاسرُ أحد منهم على الدُّنُوِّ إليهِ والقربِ منه، بلِ هو يحكم فيهم إن شاء أطلقَ، وإن شاءَ حَبَسَ منهم من يشاء. ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾).\n٨٣ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: واذكر يا محمد أيوبَ إذ نادى ربه إثر الضر والبلاء الذي نزل بهِ، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فاستجاب الله له وكشف ما مسّهُ من ضر وجهد وبلاء، وأكرمه بأن آتاهُ أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا رحمة منه سبحانه وعبرة لأهل الصبر على الحق وآلام الطريق.\nوعن نوف البِكَاليِّ قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: أوتيَ أجْرَهم في الآخرة، وأعطي مثلهم في الدنيا).\nأخرج أبو يعلى في \"المسند\" وأبو نعيم في \"الحلية\" بسند جيد عن أنس بن مالك مرفوعًا: [إنَّ نبيَّ الله أيوب - ﷺ - لبث بهِ بلاؤهُ ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانهِ كانا يغدوانِ إليهِ ويروحان، فقال أحدهما لصاحبهِ ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبهُ أحدًا من العالمين، فقال لهُ صاحبه: وما ذاكَ؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمهُ الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكرَ ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنتُ أمر بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهيةَ أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرجُ إلى حاجتهِ فإذا قضى حاجتهُ أمسكتهُ امرأتهُ بيده حتى يبلغ،","vol":"5","page":126},{"text":"فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاستبطأته، فتلقته تنظر وقد أقبل عليها وقد أذهب اللهُ ما بهِ من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأتهُ قالت: أي بارك اللهُ ديك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، واللهِ على ذلكَ ما رأيتُ أشبهَ منكَ إذ كانَ صحيحًا، فقال: فإني أنا هو: وكان له أندران - أي بيدران - أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرضت الأخرى في أندر الشعير الوَرِق حتى فاض] (١).\n٨٥ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء الله تعالى على إسماعيل وإدريس وذي الكفل في الصابرين، وإدخالهم في رحمته إنهم من الصالحين.\nقال النسفي: (﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ بن إبراهيم ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ بن شيت بن آدم ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ أي اذكرهم، وهو إلياس أو زكريا أو يوشع بن نون وسمي به لأنه ذو الحظ من الله، والكفل الحظ، ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي هؤلاء المذكورون كلهم موصوفون بالصبر).\nقال ابن كثير: (وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبيّ).\nوقوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾. قال القاسمي: (أي في النبوة أو في نعمة الآخرة).\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. أي من أهل الخير والصلاح والرشاد.\n٨٧ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١/ ١٧٦ - ١/ ١٧٧)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٧).","vol":"5","page":127},{"text":"فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تضييق الله على يونس وإدخاله في بطن الحوت، ودعوته ربه من ذلكَ السجن بخير الدعاء، الذي كشف اللهُ به غمّهُ وهو لجميع المؤمنين من خير الرجاء.\nفقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ - يعني الحوت. أي: اذكر يا محمد صاحب النون، أي صاحب الحوت، وهو يونس بن متى، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nوقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: غضب على قومه).\nوقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. أي: فظن أن لن نعاقبه بالتضيق عليه ببطن الحوت.\nوقال مجاهد: (فظن أن لن نعاقبه بذنبه). وقال قتادة: (ظن أن لن نقضي عليه العقوبة). وكلا المعنيين محتمل: التضييق أو التقدير والقضاء.\nومثال الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].\nومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢].\nوإنما كانَ ذلكَ حين بعثَ اللهُ يونس ﵊ إلى أهل \"نِيْنَوى\" بالموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم متوعدًا بالعذاب بعد ثلاث، فخافوا بعد خروجه وعلموا أن دعوة النبي حق، فخرجوا بذراريهم وأنعامهم إلى الصحراء يستغفرون ويجأرون فرفع اللهُ عنهم العذاب، وامتحن يونس ﵇ في ركوب السفينة ونزول القرعة به ليلتقمه الحوت.\nوقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. هو من أعظم الدعاء عند الكرب والمصيبة، وقد جعله الله تعالى شرعًا ماضيًا في أمة محمد - ﷺ - إلى قيام الساعة.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند صحيح، عن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [دعوةُ ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت، ﴿لَا","vol":"5","page":128},{"text":"إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قطُّ إلا استجابَ اللهُ له] (١).\nوعن ابن مسعود ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل).\nوقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾. أي: فاستجبنا دعاءه إذ دعانا في بطن الحوت، ونجيناه من غمّ الذنب والحبس.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: من هول المصائب والشدائد إذا جأروا إلى الله تعالى بالدعاء وجوامع الكلم من ذلك.\nأخرج أبو يعلى بسند حسن عن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من دعا بدعاء يونس استُجيبَ لهُ] (٢).\nقال أبو سعيد الأشج - أحد رواة الحديث -: (يُريدُ به ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾).\n٨٩ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جلَّ ثناؤه: واذكر يا محمد زكريا حين جار إلى ربه بالدعاء فقال: ربّ لا تذرني وحيدًا لا ولد لي ولا عقب، وارزقني وارثًا من آل يعقوب يرثني ويقوم بالأمر من بعدي في الناس إنك أنتَ خير الوارثين. يقول جل ذكره: فاستجبنا لزكريا دعاءه وآتيناهُ سؤلهُ فوهبنا له يحيى ولدًا ووارثًا، وأصلحنا لهُ امرأتهُ إذ كانت عقيمًا لا تلد - فجعلها الله ولودًا -. يقول تعالى: إنّ الذين سميناهم لك يا محمد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٧٣٢) وأحمد والحاكم. انظر تخريج الترغيب (٢/ ٢٧٣)، و(٣/ ٤٣)، وصحيح الجامع الصغير (٣٣٧٨)، وصحيح سنن الترمذي (٢٧٨٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو يعلى (٧٠٧)، ورجاله ثقات. ويشهد له ما قبله.","vol":"5","page":129},{"text":"- زكريا وزوجه ويحيى - كانوا يسارعون في الطاعات والقربات ويعبدون ربهم رغبًا ورهبًا، وكانوا أهل إخبات ورقة وخشوع.\nفقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾.\nقال ابن كثير: (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾. أي: خِفيةً من قومه).\nوقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾. قال ابن جرير: (لا ولد لي ولا عقب).\nوقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. قال القرطبي: (أي خير من يبقى بعد كل من يموت). وهو ثناء ودعاء ورجاء مناسب للمسألة.\nوقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾. أي ولدًا ووارثًا.\nوقوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾. قال ابن عباس: (وهبنا لهُ ولدها).\nوقال قتادة: (كانت عاقرًا، فجعلها اللهُ وَلودًا، ووهب له منها يحيى).\nقال ابن جرير: (إن الله أصلح لزكريا زوجهُ، كما أخبر تعالى ذكره بأن جعلها ولودًا حسنة الخُلُق).\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ - ثناء على مسارعتهم إلى الطاعات واستقامة منهج عبادتهم.\nقال ابن جريج: (رغبًا في رحمة الله، ورهبًا من عذاب الله). وقال ابن زيد: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال: خوفًا وطمعًا، قال: وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر).\nوقوله: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. قال النسفي: (متواضعين خائفين).\nقال قتادة: ﴿خَاشِعِينَ﴾ أي: متذلِّلين لله ﷿). وقال أبو العالية: (خائفين).\nوقال مجاهد: (مؤمنين حقًّا). وكلها معان متقاربة متكاملة.\n٩١. قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾.\nفي هذه الآية: ذكر قصة مريم وابنها عيسى ﵉ عقب ذكر قصة زكريا وابنهِ يحيى ﵉ - كما تكرر ذلكَ في غير موضع من القرآن - لمناسبة ذلكَ. فإخراج","vol":"5","page":130},{"text":"ولد من شيخ كبير وعجوز عاقر لم تلد في شبابها تمهيد مناسب لإخراج ولد من أم بلا أبي، واللهُ على كلِّ شيءٍ قدير.\nفقوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ - يعني مريم ﵍، كما قال جل ثناؤهُ في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]. والمراد الثناء على عفتها وتأكيد طهارتها وبراءتها من كل ما نُسب إليها من المبطلين.\nوقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.\nقال النسفي: (أجرينا فيها روح المسيح، أو أمرنا جبريل فنفح في جيبِ درعها فأحدثنا بذلكَ النفخ عيسى في بطنها، وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى ﵇).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال ابن عباس: (العالمين الجنّ والإنس). قال القاسمي: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا﴾ أي نباهما ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ أي في كمال قدرته واختصاصه من شاء بما شاء. وقد كان من آيتهما إتيان الرزق لمريم في غير أوانه، وتثمير النخل اليابس، وإجراء العين، ونطق ابنها في المهد، وإحياء الموتى. وإبراء الأكمه والأبرص).\n٩٢ - ٩٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ الله تعالى لوحدة منهاج النبوة، فإن الأنبياء الذين ذكرهم قبل ذلك يخرجون في أصول دينهم من مشكاة واحدة، واختلاف الناس على أنبيائهم بين مصدق لهم ومكذب وكلهم إليه تعالى راجعون، والملائكةُ لأعمال أهل الإيمان والسعي الدؤوب في الصحف كاتبون.\nفعن ابن عباس ومجاهد: (﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، يقول: دينكم دينٌ واحد).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا أولى الناس بعيسى","vol":"5","page":131},{"text":"ابن مريم، في الأولى والآخرة. قالوا: كيف؟ يا رسول الله! قال: الأنبياءُ إخوةٌ من عَلّات، وأُمَّهاتهم شتَّى، ودينهم واحد، فليسَ بَيْنَنا نبيٌّ] (١).\nقال الزجاج: (انتصب ﴿أُمَّةً﴾ على الحال، أي في حال اجتماعها على الحق، أي هذه أمتكم ما دامت أمة واحدة واجتمعتم على التوحيد، فإذا تفرقتم وخالفتم فليسَ من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق).\nوقوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. أي: أفردوني بالعبادة والتعظيم.\nوفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢].\nوقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾. قال ابن زيد: (تقطعوا: اختلفوا، في الدين).\nقال ابن كثير: (أي: اختلفت الأمم على رُسُلِها، فمن بين مُصَدِّق لهم ومكذِّب).\nوقوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾. تَوَعُّدٌ لأهل الزيغ والضلال، وأهل العناد وتكذيب الرسل بعذاب النكال. فالمرجع إلى الله تعالى يوم القيامة فيجازي كلًّا بعمله، فيسعد المحسن ويشقى المسيء.\nوقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾.\nأي: من عمل الصالحات وقد جاء مؤمنًا على منهاج الإيمان لا اعوجاج فيه ولا انحراف، فإن الله تعالى يثيبه ويبارك له سعيه فلا يظلم مثقال ذرة.\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله لا يظلمُ مُؤمنًا حسَنةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فَيُطْعَمُ بحسناتِ ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرةِ، لم تَكُنْ لهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بها] (٢).\nوقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾. أي: نكتب عمله الصالح كله، صغيره وكبيره، وقليلهُ وكثيره، لينعم بثوابه وتضاعف أجره يوم القيامة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٣٦٥) (١٤٥)، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨) - كتاب صفات المنافقين. حديث (٥٦)، (٥٧).","vol":"5","page":132},{"text":"وفي كنوز السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى الكثير الكثير، ومن ذلك:\nالحديث الأول: أخرج أحمد ومالك والحاكم بسند صحيح في الشواهد من حديث بلال بن الحارث المزني أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ..] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن لغيره عن أبي ذر مرفوعًا: [تبسُّمكَ في وجه أخيكَ لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيكَ عن المنكر صدقة، وإرشادكَ الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك الرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوكَ في دلو أخيكَ لك صدقة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة وأحمد بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن الرَّجل لتُرْفَعُ درجتهُ في الجنة، فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدكَ لك] (٣).\n٩٥ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدُ هلاك الأمم التي دمّرها الله، وفَتْحُ سد يأجوج ومأجوج علامة من علامات اقتراب الساعة، وإسرار الكفار الندامة عند رؤية أهوال القيامة.\nفقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال ابن عباس: (وجب)، والتقدير: حرام على أهل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مالك (٢/ ٩٨٥/ ٥)، والترمذي (٢/ ٥٢)، وابن ماجة (٣٩٦٩)، وأحمد (٣/ ٤٦٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٨٨٨).\n(٢) حسن لغيره. أخرجه الترمذي (١/ ٣٥٤)، وابن حبان (٨٦٤)، وانظر الصحيحة (٥٧٢).\n(٣) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٣٦٦٠)، وأحمد (٢/ ٥٠٩)، وانظر صحيح الجامع (١٦١٣).","vol":"5","page":133},{"text":"قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. قال عكرمة: (﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال: لم يكن ليرجع منهم راجع، حرام عليهم ذلك).\nوفي رواية عن ابن عباس: (فلا يرجع منهم راجع، ولا يتوب منهم تائب).\nوالمقصود: كتب الله تعالى على كل أمة أهلكها أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، ومن ثمَّ فلا يرجعون إلى التوبة بعد فوات أوانها.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.\nأي: حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج الذي بناهُ ذو القرنين وحجبهم به عن الناس وخرجوا مسرعين من كل مرتفع من الأرض يعيثون في أرجائها فسادًا.\nفالحدب المرتفع من الأرض. قال ابن عباس: (﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أي يسرعون في المشي إلى الفساد).\nويأجوج ومأجوج قوم من نسل نوح ﵊ من أولاد يافث، تُركوا وراء السد الذي بناهُ ذو القرنين - كما مَرَّ ذكره في سورة الكهف مفصلًا -.\nأخرج البخاري في صحيحه عن زينب بنت جحش ﵂، أنها قالت: [استيقظ النبي - ﷺ - من النوم مُحْمَرًا وَجْهُهُ يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد سفيان تسعين أو مئة. قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث] (١).\nفهم يحفرون كل يوم في محاولة منهم للخروج من ذلكَ السجن الذي كتبه الله عليهم قسطًا وعدلًا، إلا أنهم يمكرون ويمكر اللهُ بهم وهو خير الماكرين.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن يأجوج ومأجوج يحفرون كُلَّ يومٍ، حتى إذا كادوا يرَوْنَ شعاعَ الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فسنحفره غدًا، فيعيدهُ الله أشدَّ ما كان، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فسنحفره غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس، فَيَنْشِفُون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم. فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع عليها الدمُ الذي احفَظَّ، فيقولون:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣/ ٩ - ١٠)، وأخرجه مسلم (٨/ ١٦٥ - ١٦٦).","vol":"5","page":134},{"text":"قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نَغَفًا في أقفائهم فيقتلون بها. قال رسول الله - ﷺ -: والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسْمَنُ وتَشْكَرُ شَكَرًا من لحومهم] (١).\nوقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. قال ابن زيد: (اقترب يوم القيامة منهم).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج، اقترب الوعد الحقّ، وذلكَ وعد الله الذي وعد عبادهُ أن يبعثهم من قبورهم للجزاء والثواب والعقاب). والمقصود: أن خروج يأجوج ومأجوج علامة اقتراب يوم النشور والحساب.\nوقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: من شدة ما يشاهدونه من الأهوال والأمور العظام. والتقدير: فإذا جاء الوعد الحق بأهواله ودنت الساعة بعلاماتها وحقائقها شخصت أبصار الذين كفروا.\nقال النسفي: (﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي مرتفعة الأجفان لا تكادُ تطرف من هول ما هم فيه).\nوقوله: ﴿يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ - أي في الدنيا.\nقال القاسمي: (أي لم نعلم أنه حق). والمقصود: أن الكفار لما رأوا أهوال يوم الحساب وعاينوا عظيم البلاء أيقنوا أنهم كانوا في لهو وغفلة عن هذه الحقائق ولم يستعدوا لها وأسروا الندامة.\nوقوله: ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. قال القرطبي: (يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها).\nوالمقصود: أن الكفار أيقنوا يومئذ برؤية سجلات أعمالهم وفيها جبال آثامهم ومعاصيهم.\nأخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: [ليسَ أحدٌ يحاسبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليسَ يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلكَ العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٥١٠ - ٥١١)، والترمذي (٢/ ١٩٧)، والحاكم (٤/ ٤٨٨)، وابن حبان (١٩٠٨)، وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٠٥٦)، لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٩)، وأخرجهُ مسلم (٢٨٧٦)، من حديث عائشة.","vol":"5","page":135},{"text":"٩٨ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾.\nفي هذه الآيات: خطابُ الله تعالى لأهل مكة من مشركي قريش ومن مضى على منهاجهم في عبادة الأوثان وتعظيم الأصنام بأن ما تعبدونه من دون الله من الآلهة إنما هم وقود جهنم التي أنتم إليها داخلون. وأن لهؤلاء المشركين وآلهتهم زفيرًا في نارِ جهنم وهم فيها لا يسمعون. والذين سبقت لهم من الله السعادة هم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، فلا فزع ولا نصب وتستقبلهم الملائكة بالبشرى: هذا يومكم الذي كنتم توعدون.\nفقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال ابن عباس: (شجر جهنم).\nأو قال: (وقودها). وقال مجاهد: (حَطبها). وقال قتادة: (حطب جهنم يقذفون فيها).\nوفي التنزيل: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].\nوقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. أي: فيها داخلون.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (الآلهة التي عبد القوم، قال: العابد والمعبود).\nوالمعنى: لو كان هؤلاء آلهة كما زعمتم ما دخلوا النار، وكل من العابد والمعبود في النار خالدون.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.","vol":"5","page":136},{"text":"أي: لهؤلاء المشركين وآلهتهم زفير في نار جهنم وهم في النار لا يسمعون.\nقال النسفي: ﴿لَهُمْ﴾ للكفار ﴿فِيهَا زَفِيرٌ﴾ أنين وبكاء وعويل ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ شيئًا ما، لأنهم صاروا صمًا وفي السماعِ نوع أنس فلم يعطوه).\nوفي التنزيل: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]. والزفير: خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج أنفاسهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.\nقال عكرمة: (﴿الْحُسْنَى﴾ الرحمة). وقال غيره: السعادة.\nأخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. قال عبد الله ابن الزِّبَعْرَى: أنا أخصم لكم محمدًا، فقال: يا محمد! أليس فيما أنزل عليكَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾؟ قال: نعم. فهذه النصارى تعبدُ عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرًا وهذه بنو تميم تعبد الملائكة فهؤلاء في النار؟ ! فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾] (١).\nوعن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية، قال المشركون: عيسى يعبد، وعزير والشمس والقمر! فانزل ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾] (٢).\nوالخلاصة: إن الذين سبقت لهم من الله السعادة أحسن الله مآلهم وثوابهم بما أسلفوا من الأعمال الصالحة في الدنيا، فنجاهم سبحانهُ من العذاب وحصَّل لهم رفيع الثواب.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، أن النبي - ﷺ - قال: [إن الله ﷿\n_________\n(١) أخرجه الطبراني عن ابن عباس، والحاكم من طريق آخر وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقهُ الذهبي. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - سورة الأنبياء - الآيات: \"٩٨ - ١٠١\".\n(٢) أخرجه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" بسند صحيح. وانظر المرجع السابق.","vol":"5","page":137},{"text":"يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لَبَّيْكَ، ربنا وسَعْدَيْك، والخيرُ في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ يا رَبِّ! وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا مِنْ خلقِك. فيقول: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ! وأيُّ شيء أفضلُ من ذلكَ؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني، فلا أسخَطُ عليكم بعدهُ أبدًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: لا يسمع أهل الجنة حسيسَ النار إذا نزلوا منزلهم من الجنة. قال: وهم فيما تشتهيه نفوسهم من نعيمها ولذاتها ماكثون فيها، لا يخافون زوالًا عنها، ولا انتقالًا عنها).\nقال ابن جرير: (ويعني بالحسيس: الصوت والحس).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله ﷿: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَرٍ] (٢).\nزاد في رواية: (ذُخْرًا، بَلْهَ (٣) ما أطلعكم الله عليه).\nومصداق ذلكَ قول الله تعالى في كتابه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].\nوقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. قال ابن عباس: (يعني النفخة الآخرة).\nوقال سعيد بن جبير: (النارُ إذا أطبقت على أهلها). وقال الحسن: (انصراف العبد حين يؤمر به إلى النار). وقيل: الموت، وقيل غير ذلك.\nقلت، وفي التنزيل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. فيكون الفزع للحشر وأهواله، فأهل الإيمان يأمنون ذلك الفزع يومئذ بفضل رحمة الله بهم.\nوقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.\nأي: وتستقبلهم الملائكةُ يهنئونهم ويبشرونهم قائلين لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجهُ مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٨٢٩) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، من حديث أبي سعيد ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٢٤) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.\n(٣) بَلْهَ: بمعنى دع أو سوى، أي سوى ما ذكر في القرآن. والتقدير: دع ما أُطْلعتم عليه فإنه يسيرٌ في جنب ما ادُّخِرَ لهم.","vol":"5","page":138},{"text":"كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فيه عظيم الثواب، وجزيل التكريم، ورفيع الحِباء، مقابل ما صبرتم في الدنيا على طاعة الله وتعظيم أمره، واجتناب نهيه وحراسة دينهِ في الأرض.\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [حُفَّتْ الجنَّةُ بالمكاره، وحُفَّت النارُ بالشهوات] (١).\n١٠٤ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.\nفي هذه الآيات: طيُّ الله السماء يوم القيامةِ كطي الصحف، وثبوت البشرى للمؤمنْين الصابرين على منهاج النبوة بملك الدنيا وسياستها وعز الآخرة. وهذا النبي الكريم، إنما هو رحمة لجميع العالمين.\nفقوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: كطي الصحيفة على الكتاب). وفي رواية: (كطي الصحف).\nوقال مجاهد: (السِّجل الصحيفة). والمقصود: كطي الصحف على ما فيها من المكتوبات.\nوقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. أي: كما بدأ سبحانه الخلق فهو القادرُ على إعادتهم وإحيائهم من قبورهم ليوم البعث والحساب. قال مجاهد: (حُفاة عُراة غُرْلًا).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: [خطب النبي - ﷺ - فقال: إنكم محشورون إلى الله حُفاةً عُرَاةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، ثم إنَّ أوَّلَ مَنْ يكْسَى يوم القيامة إبراهيم، ألا إنَّهُ يُجاء برجالٍ من أمتي، فيؤخذُ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي، فيُقالُ: لا تَدْري ما أَحْدَثوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٢٢) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.","vol":"5","page":139},{"text":"بَعْدك. فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾ فيقال: إنَّ هؤلاء لمْ يزالوا مُرْتَدين على أعقابهم مُنْذُ فارقتهم] (١).\nوقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ذلك واجب الوقوع، فهو من جُملة وعد الله الذي لا يُخلف ولا ويُبَدَّل ولا بد من وقوعه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿الزَّبُورِ﴾ الكتاب ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قال: أم الكتاب عند الله). وقال سعيد: (كتبنا في القرآن من بعد التوراة).\nقال القاسمي: (﴿الصَّالِحُونَ﴾: أي العاملون بطاعته. المنتهون إلى أمره ونهيه. دون العاملين منهم بمعصيته، المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته. و﴿الزَّبُورِ﴾ علم على كتاب داود ﵇، ويقال: المراد بهِ كل كتاب منزل. والذكر - قالوا - التوراة أو أم الكتاب. يعني اللوح الذي كتبَ فيه كل شيء قبل الخلق، واللهُ أعلم).\nقلت: والآية تحمل البشرى للمؤمنين الصابرين على إقامة منهج الله تعالى بملك الدنيا وسياستها وعز الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: عاملين). وقال كعب: (لأمة محمد).\nقال ابن كثير: (أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناهُ على عبدنا محمد - ﷺ - لبلاغًا: لَمَنْفَعة وكفايةً لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شَرَعَه وأحبَّهُ ورَضِيَه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشَهَوات أنفسهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. أي: رحمة مهداة من الله لجميع خلقه.\nقال النسفي: (لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن لم يتبع فإنما أتي من عند نفسه حيث ضيّع نصيبه منها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين في الدارين وللكافرين في الدنيا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٤٠) - كتاب التفسير - سورة الأنبياء، آية (١٠٤)، وأخرجه مسلم (٢٨٦٠)، ح (٥٧)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٣٥)، (١/ ٢٥٣).","vol":"5","page":140},{"text":"بتأخير العقوبة فيها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين والكافرين في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال والمسخ والخسف).\nوبعض أهل اللغة يذهبون إلى نصب ﴿رَحْمَةً﴾ على الحال، والتقدير: \"ذا رحمة\". ومنهم من يجعلها مفعولًا له. فيكون \"إلا\" للحصر، و\"رحمة\": مفعول لأجلهِ منصوب، وهذا وجه قوي.\nوفي التنزيل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج ابن سعد في \"الطبقات\" والحاكم في \"المستدرك\" بسند صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن عساكر بسند صحيحع لشواهده عن علي مرفوعًا: [إن الله بعثني إلى كل أحمرَ وأسودَ، ونُصرت بالرُّعب، وَأُحِلَّ ليَ المغنمُ، وجُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأعطيتُ الشفاعة للمذنبين من أمتي يوم القيامة] (٢)،\nالحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: [قيلَ يا رسول الله! ادْعُ على المشركين، قال: إني لمْ أبْعَثْ لعَّانًا، وإنما بُعِثْتُ رحمةً] (٣).\nالحديث الرابع: روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [اللهمَّ إنما أنا بَشَرٌ، فأَيُّما رَجُلٍ من المسلمين سَبَبْتُهُ، أو لَعَنْتُهُ، أو جَلَدْتُهُ، فاجْعلها له زكاةً ورحمة] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو ابن أبي قرة قال: [كان\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ١٩٢) عن أبي صالح بإسناد صحيح مرسل، والحاكم في \"المستدرك\" ووصله عن أبي هريرة. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٩٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن عساكر، وله شواهد كثيرة. انظر \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٧٢٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٩٩) - كتاب البر والصلة، وأبو يعلى (٦١٧٤).\n(٤) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٦٠١) - كتاب البر والصلة، وانظر: (٢٦٠٢)، (٢٦٠٠) من الباب نفسه.","vol":"5","page":141},{"text":"حذيفة بالمداين، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله - ﷺ - لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناسٌ ممن سمعَ ذلكَ من حذيفة، فيأتونَ سلمان فيذكرون له قول حذيفة. فيقول سلمان: حذيفة أعلمُ بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له قد ذكرنا قولك لسلمان، فما صدقك ولا كذبك!\nفأتى حذيفة سلمان وهو في مَبْقَلَةٍ فقال: يا سلمان، ما يمنعكَ أن تصدقني بما سمعتُ من رسول الله - ﷺ -؟ فقال سلمان: إن رسول الله - ﷺ -، كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه. أما تنتهي! حتى تورِّثَ رجالًا حب رجال، ورجالًا بغض رجال، وحتى توقعَ اختلافًا وفرقة؟ ولقد علمت أن رسول الله - ﷺ -، خطب فقال: \"أيُّما رَجُل من أمتي سَبَبْتُهُ سَبَّةً، أوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً في غضبي، فإنما أنا مِنْ وَلدِ آدم، أَغْضَبُ كما يَغْضَبُونَ، وإنما بَعثني رَحْمةً للعالمينَ، فاجْعَلها عليهم صلاة يوم القيامة\". والله لتَنْتَهِيَنَّ! أَوْ لأكْتُبَنَّ إلى عُمر] (١).\n١٠٨ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى نبيه ﵊، أنَّهُ تعالى الإلهُ الحق الأحد الصمد الذي لا ينبغي أن يعبدَ غيرَهُ الأنامِ، وإعلانُ البراءةِ من القوم إن أصروا على الجاهيلة واجتنابِ الإسلام، وإخبارُ الله نَبِيَّهُ لِيُعْلِمَ قَوْمَهُ أن حلول وقت عقابهم إنما هو بيد الرحمان، فهو يعلم السر وأخفى وله الحكم وهو المستعان.\nفقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد - ﷺ -: قل يا محمد: ما يوحي إلي ربي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٦٥٩)، وأحمد (٥/ ٤٣٧) بإسنادٍ حسن. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٨٩٤) - كتاب السُّنة، باب في النهي عن سب أصحاب رسول الله - ﷺ -.","vol":"5","page":142},{"text":"إلا أنَّهُ لا إله لكم يجوز أن يُعبدَ إلا إلهٌ واحدٌ، لا تصلحُ العبادة إلا له، ولا ينبغي ذلكَ لغيره. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يقول: فهل أنتم مذعنون لهُ أيها المشركون، العابدون الأوثان والأصنام بالخضوع لذلك، ومتبرئون من عبادة ما دونه من آلهتكم).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. قال ابن جريج: (فإن تولوا يعني قريشًا). قال القرطبي: (أي إن أعرضوا عن الإسلام ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا).\nوالمقصود: إعلان البراءة من القوم إن أصروا على الجاهلية واجتناب الإسلام.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨].\nوقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾. قال ابن جريج: (الأجل).\nوالمقصود: إخبار الله تعالى نبيّهُ - ﷺ - ليقول لقومه المعاندين: إن الوقت والأجل الذي يحل به عقاب الله بكم لا أعلمه، وربما كان قريبًا أو يؤخره تعالى بحكمته إلى أجل أبعد، فالأمر راجع إلى مشيئته وحكمته جلت عظمته وقدرته، وإنما أنا لكم نذير.\nوفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [مثلي ومثلُ ما بعثني اللهُ بهِ كمثل رجل أتى قومًا، فقال: يا قوم إني رأيتُ الجيش بعيني، وإني أنا النذيرُ العُريان، فالنجاءَ النجاءَ، فأطاعهُ طائفةٌ مِنْ قومهِ، فأدلجوا، وانطلقوا على مهلِهم فنجوا، وكذبته طائفةٌ منهم، فأصبحوا مكانَهم، فَصَبَّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلكَ مَثَلُ من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثلُ من عصاني وكذّب بما جئت بهِ من الحق] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.\nأي: إنه تعالى يعلمُ السر وأخفى، ويعلم الغيب وما سيكون، ويعلم ما تخفي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٨٢)، كتاب الرقاق. وأخرجهُ مسلم (٢٢٨٣)، الفضائل، من حديث أبي موسى ﵁.","vol":"5","page":143},{"text":"الصدور، ويعلم ما يسرون وما يعلنون، فلا يغيبُ عنه شيء من أمر خلقه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: لعل ما أُقرِّب لكم من العذاب والساعة، أن يؤخَّر عنكم لمدتكم، ومتاع إلى حين، فيصير قولي ذلكَ لكم فتنة).\nوقال ابن جرير: (لعل تأخيرهُ ذلكَ عنكم مع وعده إياكم، لفتنة يريدها بكم، ولتتمتعوا بحياتكم إلى أجل قد جعله لكم تبلغونه، ثم ينزل بكم حيئنذ نقمته).\nوقوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. أي: قل يا محمد: يا رب افصل بيني وبين قومي ممن كذبني بالحق. قال ابن عباس: (لا يحكم بالحق إلا الله، ولكن إنما استعجل بذلكَ في الدنيا، يسأل ربه على قومه). قلت: وهذه الدعوة قد مضى عليها الأنبياء من قبل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nففي التنزيل نحو ذلك: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].\nوقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. أي: قل يا محمد: وربنا الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وغمرت نعمتهُ كل عباده، أستعينُ به على تكذيبكم وعنادكم وجحودكم آلاءه ورحمته بكم بإرساله لي بالنبوة ومنهج النجاة لكم.\nقال النسفي: (﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ﴾ العاطف على خلقه ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾ المطلوب منه المعونة ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ - قال: كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة لهم والغلبة فكذب اللهُ ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسول الله - ﷺ - والمؤمنين، وخذلهم - أي الكفار - وهو المستعانُ على ما يصفون).\nتم تفسير سورة الأنبياء بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه","vol":"5","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - اقتربت الساعةُ ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصًا، ولا يزدادون من الله إلا بعدًا.\n٢ - شرف العرب بهذا القرآن والنبي ﵊، ووجوب الرجوعِ لفهم الدين إلى أهل العلم والإيمان.\n٣ - تعاقب سنن الله في أمم المكذبين، واعتراف القوم بظلمهم حين نزول العذاب المهين.\n٤ - سنة الله رفع لواء الحق وأهله، وتنكيس لواء الباطل وإزهاقه.\n٥ - الله تعالى هو الإله الحق الأحد الصمد، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.\n٦ - الميزان يوم القيامة له كفتان، والوزن يومئذ بالحق فلا تظلم نفس شيئًا.\n٧ - التوراة والإنجيل والقرآن فرقان بين الحق والباطل، والقرآن ناسخ لكل الشرائع قبله وهو الكتاب الكامل.\n٨ - سنة الله تعالى في تأييد ونجاة المرسلين ومن معهم من المؤمنين، وإنزالُ الهلاك والعذاب على الملأ الكافر وأتباعهم من المجرمين.\n٩ - وحدة منهاج الأنبياء، فإن الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى.\n١٠ - خروج يأجوج ومأجوج آخر الزمان، بعد هلاك الدجال على يد المسيح عيسى ﵇.","vol":"5","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>٢٢ - سورة الحج</span>\nقال الجمهور: (السورة مختلطة، منها مَكِّي ومنها مَدَنيّ). وعدد آياتها (٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>موضوع السورة</span>\nتشريع الحج إلى بيت الله الحرام وإحياء ملة إبراهيم ﵊.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-171> منهاج السورة </span>-\n١ - الأمر بصدق التقوى لمواجهة أحداث زلزلة الساعة وأهوال القيامة.\n٢ - ذمّ المكذبين بالبعث والنشور، والمتبعين في منهاجهم كل شيطان مريد.\n٣ - الاستدلال على البعث ببدء الخلق، ومراحل خلق الإنسان حتى البعث من القبر.\n٤ - نَعْتُ أرباب الضلال بعد وصف الضُّلال، فهم يجمعون بين قلة العلم وحب الجدل.\n٥ - نَعْتُ حال أكثر الناس في تأرجح صلتهم بالله، فهم يعبدونه على شرط العافية والرزق، فإن نزل بهم بعض الآلام والمصائب تغيّر حالهم.\n٦ - ذكر أهل السعادة بعد ذكر أهل الشقاوة، فهم في روضات الجنات ناعمون.\n٧ - دعوة للحاقدين على نصر هذا الدين أن يموتوا بغيظهم، فإن الله ناصر رسوله ودينه.","vol":"5","page":146},{"text":"٨ - الفصل بين الملل يوم القيامة، واشتراك جميع المخلوقات في السجود لله، وامتناع الكافرين وقد حقّ عليهم الخزي والعذاب.\n٩ - اختصام الفريقين يوم القيامة: فريق الأولياء، وفريق الكفرة الأعداء. فالفريق الأول أهل النعيم، والفريق الثاني أهل الشقوة والجحيم.\n١٠ - ذَمُّ الله الصادّين عن سبيله والمسجد الحرام، وَأَمْرُ الله إبراهيم بعمارة البيت ومناداة الناس للحج من جميع البلدان.\n١١ - تعظيمُ الحرمات وتعظيم الشعائر من تقوى القلوب، والبُدْن فيها منافع ثم محلها إلى البيت العتيق، وذبحُ المناسك على اسم الله أَمْرٌ للمؤمنين المخبتين، والله تعالى يناله التقوى من المؤمنين.\n١٢ - دفاع الله تعالى عن المؤمنين، وسخطه على الخائنين الكافرين، وتشريع القتال لإقامة هذا الدين، ودفْعُ الله الناس بعضهم ببعض لنصرة الحق المبين.\n١٣ - الوعد للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالشوكة والتمكين.\n١٤ - إخبار الله تعالى عن تكذيب الأمم المرسلين، ونزول الدمار والهلاك على القوم المسرفين المستكبرين.\n١٥ - استعجال المشركين العذاب وليسوا بمعجزين، ولهم في الآخرة عذاب الجحيم، والمؤمنون موعودون بالنصر في الدنيا ولهم في الآخرة جنات النعيم.\n١٦ - إبطال الله وساوس وأماني الشيطان، ونسخ الله بحكمته بعض الأحكام.\n١٧ - استمرار الكفار في الشك والريب من هذا القرآن، حتى تنزل بهم ساعة الانتقام.\n١٨ - ثناء الله على المهاجرين والمجاهدين، ووعدهم بالنصر المبين والرزق الكريم.\n١٩ - ربْطُ النصر بأمر الله، والله هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال.\n٢٠ - إخبار الله عن عجائب آياته في هذا الكون، ولكن الإنسان كفور.\n٢١ - تقرير الله الشرائع في كل أمة، وجعل لشريعة محمد - ﷺ - ناسخة لكل لشريعة، وتهديد ووعيد للذين جعلوا منهاجهم جدال المرسلين.","vol":"5","page":147},{"text":"٢٢ - إخبارُ الله عن كمال قدرته وكتابته كل شيء، ونعتُ سلوك المجرمين تجاه المؤمنين، والنار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير.\n٢٣ - تسفيهُ آلهة المشركين، فهي عاجزة عن خلق ذباب واحد، وهم عاجزون عن الانتصار لها لو سلبها الذباب شيئًا، فضعف الطالب والمطلوب، والله هو القوي العزيز.\n٢٤ - اجتباءُ الله الرسل وعلمه بأعمالهم وما هم قادمون عليه، ومردّ جميع الأمور ومصير جميع العباد إلى الله تعالى.\n٢٥ - أمْرُه تعالى عباده المؤمنين بالصلاة والجهاد وبذل وسعهم لخدمة هذا الدين، ملة أبيهم إبراهيم الذي سمّاهم المسلمين.","vol":"5","page":148},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله عباده أنْ يَصْدُقوه التقوى فإن زلزلةَ أهوال القيامة شيء عظيم. فهنالك تترك الأم ولدها لشدة الكرب وتُسْقِطُ كل حامل حملها وترى الناس سكارى من شدة الخوف وليس من الشراب، فلقد عَظُم ما يعاينونه من الأهوال.\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.\nترغيب وترهيب، وتطميع وتخويف، يحث الله تعالى بذلك عباده على استفراغ وسعهم في تقواه، والاستعداد لمواجهة أحداث يوم عصيب، وأهوال قيام الساعة.\nوأصل الزلزلة شدة الحركة، فهي من زَلَّ عن الموضع إذا زال عنه وتحرّك. والجمهور على أنها الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة، والتي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة.\nقلت: والراجح أن هذه الزلزلة تشمل إضافة لذلك أهوال يوم الحشر وما يكون فيه من أمور عظيمة، فإن لفظة \"الزلزلة\" تستعمل في تهويل الشيء، وقد جاءت السُّنةُ الصحيحة بتفصيل زلزلة ذلك اليوم في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عمران بن حصين قال: [كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فتفاوت بين أصحابه في السير، فرفع رسول الله - ﷺ - صوته بهاتين الآيتين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - إلى قوله - ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فلما سمع ذلك أصحابه حثوا المطي وعرفوا أنه عِندَ قَول يقوله. فقال:","vol":"5","page":149},{"text":"\"هَلْ تَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذلِكَ؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"ذلك يَوْمٌ يُنادي الله فيه آدمَ فيناديه رَبُّهُ فيقول: يا آدمُ ابْعَث بَعْثَ النار. فيقول: أي رَبِّ وما بعثُ النار؟ فيقول: مِنْ كلِّ ألف تِسْعُ مَئَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسعون إلى النار، وواحِدٌ إلى الجنة\". فَيَئِسَ القومُ حتى ما أبْدَوا بِضاحِكةٍ. فلما رأى رسول الله - ﷺ - الذي بأصحابه قال: \"اعملوا وأبشروا، فوالذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِه، إنّكمُ لَمعَ خليقَتَيْنِ ما كانتا مع شيء إلا كَثَّرتاهُ: يأجوجُ ومأجوجُ، ومَنْ ماتَ مِنْ بني آدم، وَبَني إبليسَ\".\nقال: فسُرِّيَ عن القوم بعض الذي يجدون، قال: \"اعملوا وأبْشِروا فوالذي نَفْسُ محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشَّامَةِ في جَنْب البعير أو كالرَّقْمَةِ في ذراع الدّابة\"] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي - ﷺ -: [يقول الله ﷿ يومَ القيامة: يا آدمُ، فيقولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيك. فَيُنادَى بِصَوْتٍ: إنَّ الله يأمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إلى النار. قال: يا رَبّ وما بَعْثُ النار؟ قال: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ -أُراه قال- تِسْعَ مئَةٍ وتِسْعَةً وَتِسْعينَ، فحينَئذٍ تضُعُ الحامل حَمْلَها ويشيبُ الوليد ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فَشَقَّ ذلك علىٍ الناس حتى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ، فقال النبي - ﷺ -: \"مِنْ يأجوجَ ومأجوجَ تِسعَ مئَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعينَ ومنْكم وَاحدٌ. ثم أنتم في الناس كالشَّعْرَةِ السَّوْداء في جَنْبِ الثَّوْرِ الأبيضِ أو كالشَّعْرَةِ البيضاء في جَنْبِ الثَّوْر الأسْوَدِ، وإني لأرجو أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة\" فَكَبَّرْنا، ثُمَّ قال: \"ثُلُثَ أهل الجنة\" فَكَبَّرْنا، ثم قال: \"شَطْرَ أهل الجنة\" فَكَبَّرْنا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو يعلى وابن حبان والحاكم بسند حسن من حديث أنس قال: [﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - إلى - ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: نزلت على النبي - ﷺ - وهو في مَسير له، فرفع بها صوته حتى ثابَ إليه أصحابه فقال: \"أتدرون أيَّ يوم هذا؟ هذا يوم يقول الله ﷿ لآدم - ﷺ - يا آدم قم فابعث بَعْثَ أهل النار، من كل ألف تِسع مئةٍ وتسعة وتسعون إلى النار وواحد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٩٤) - في التفسير، سورة الحج، الآيات: \"١ - ٢\". وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٥٣٤)، وصحيح مسلم (١/ ١٣٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٤١)، كتاب التفسير، سورة الحج، باب قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ١٢] وانظر صحيح مسلم (٢٢٢)، ومسند أحمد (٣/ ٣٢).","vol":"5","page":150},{"text":"إلى الجنة\". فَكَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال النبي - ﷺ -: \"سَدِّدُوا وقارِبوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشَّامَة في جنب البعير أو كالرَّقْمة في ذراع الحمار وإن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثّرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والإنس\"] (١).\nوعن ابن زيد: (﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ قال: تترك ولدها للكرب الذي نزل بها). وقال الحسن: (ذهلت عن أولادها بغير فطام). والمقصود: شدة الهول يوم الحشر ومتاعب النفوس القادمة على الحساب.\nوعن الحسن: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾، يقول: وتسقط كل حامل من شدّة كرب ذلك حملها). قال: (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب).\nوعن ابن جريج: (﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قال: ما هم بسكارى من الشراب ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾).\nوعن ابن وهب قال: (قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قال: ما شربوا خمرًا ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ولكنهم صاروا سكارى من خوف عذاب الله عند معاينتهم ما عاينوا من كرب ذلك وعظيم هوله، مع علمهم بشدّة عذاب الله).\nوالمقصود: أن الناس يصيرون يومئذ في دهشة في عقولهم، فتغيب أذهانهم من شدة الهول حتى يحسبهم من ينظر إليهم أنهم سكارى وما هم كذلك على الحقيقة.\n٣ - ٤. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ الله تعالى مُكَذّبي البعث والنشور، ومنكري قدرة الله تعالى على إحياء مَنْ في القبور، وَهُمْ بذلك مُتَّبعون كل شيطان مريد من أهل الجن أو الإنس\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو يعلى (٣١٢٢)، وصححه ابن حبان (٧٣٥٤)، والحاكم (١/ ٢٩)، (٤/ ٥٦٦) ووافقه الذهبي، وإسناده على شرطهما، وهو متصل الإسناد، وتقدم شاهداه.","vol":"5","page":151},{"text":"أصحاب العتو والغُلُوّ والشرور. لقد قضي على الشيطان وكتب عليه أن أتباعه يقتبسون من ضلاله المفضي إلى عذاب السعير.\nفعن ابن جُريج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال: النضْر بن الحارث.\nويعني بقوله: ﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ من يخاصم في الله، فيزعم أن الله غير قادر على إحياء من قد بَلي وصار ترابًا، بغير علم يعلمه، بل بجهل منه بما يقول، ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ في قيله ذلك وجداله في الله بغير علم ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾).\nولا شك أن هذا حال كثير من أهل البدع والضلال، فهم يعرضون عن اتباع الحق بدليل صحيح، ويَمْضوُنَ خلف أهوائهم وما ألْفَوا عليه آباءهم ومشايخهم، فيقعون في الغلو أو الابتداع أو تحكم المردة من الشياطين.\nففي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إياكم والغُلُوّ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو] (١).\nوفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ] (٢).\nوقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾. قال قتادة: (كُتب على الشيطان، أنه من اتبع الشيطان من خلق الله). وقال مجاهد: ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ قال: الشيطان اتبعه. وقوله: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ يقول: فإن الشيطان يضله، يعني: يُضِلّ من تولاه).\nوالمقصود: قضي على الشيطان وسبق أن كتب عليه أنه يُضل أتباعه ولا يهديهم الحق.\nوقوله: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: ويسوق من اتّبَعهُ إلى عذاب جهنم الموقدة، وسياقه إياه إليه بدعائه إياه إلى طاعته ومعصية الرحمن، فذلك هدايته من تبعه إلى عذاب جهنم).\nقلت: والآية تجمع بين مراتب الضلال الثلاث:\nأ- الضياع والانحراف.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢١٥) من حديث عبد الله بن عباس، وسنده صحيح. انظر تحقيق: \"فتح المجيد\" (٢٤٩ - ٢٥٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ٢٢١) - في الصلح، وأخرجه مسلم (١٧١٨) - في الأقضية.","vol":"5","page":152},{"text":"ب- الترك والإهمال والتناسي والخذلان.\nج- الهداية إلى النار يوم القيامة.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤].\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال] (١).\n٥ - ٧. قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: استدلالٌ على البعث ببدء الخلق، فالله تعالى بدأ خلق الإنسان من طين، ثم من نطفة من ماء مهين، ثم سواه علقة فمضغة لِيُتَابع تشكيله وتخطيطه أو يُوقَف فيكون الإسقاط، فتارة يستقر في الرحم وتارة لا يستقر، ثم يخرج الجنين طفلًا\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وتخريج المشكاة (٥١١٢)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٨٩٦).","vol":"5","page":153},{"text":"فيرعاه ليصبح شابًّا يمدُّه بالهمة والقوة، ثم قد يُقبضُ في حالة الشباب، وقد يُمَدّ له في العمر إلى الشيخوخة والهرم، وظهور علامات العجز وضعف العقل والفهم، وكذلك الأرض تتحرك بالنبات بنزول المطر عليها، وتخرج الأصناف من الثمار والزروع. كل ذلك بسبب أن الله هو الحق وحده المحي والمميت، فهو الذي يبعث من في القبور ليوم الحشر والحساب.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾.\nردٌّ على المنكرين للبعث والمعاد، بذكره سبحانه إحاطته بأحوال العباد، فهو خلقهم أول مرة من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قال قتادة: (تامة وغير تامة). وقال مجاهد: (السِّقط مخلوق وغير مخلوق).\nقال النسفي: (يعني إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم وقد كنتم في الابتداء ترابًا وماء، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا وهو صيرورة الخلق ترابًا وماء ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي أباكم ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ خلقتم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ أي قطعة دم جامدة ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ أي لحمة صغيرة قدر ما يمضغ ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب، كأن الله ﷿ يخلق المضغة متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولًا ثم من نطفة ثانيًا ولا مناسبة بين التراب والماء، وقدر أن يجعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظامًا قادر على إعادة ما بدأه).\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: [حَدَّثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق- قال: إنّ أحدكم يجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذي (٢١٣٧)، وابن ماجة (٧٦)، وأحمد (١/ ٣٨٢)، وابن حبان (٦١٧٤).","vol":"5","page":154},{"text":"قال ابن كثير: (وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يومًا كذلك، يُضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصيرِ مضغة: قطعةً من لحم لا شكلَ فيها ولا تخطيط، ثم يشْرَعُ في التشكيل والتخطيط، فيُصَوَّرُ منها رأس ويَدان، وصدر وبطن، وفخذان، ورِجْلان، وسائر الأعضاء. فتارة تُسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تُلقيها وقد صارت ذات شَكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، أي كما تشاهدونها).\nوقوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال مجاهد: (التمام).\nوقال ابن زيد: (الأجل المسمى: إقامته في الرحم حتى يخرج).\nوالمقصود: أنه تارة يستقر الحمل في الرحم وتارة لا يستقر. قال القرطبي: (والأجل المسمى يختلف بحسب جنين وجنين، فَثَمَّ من يسقط وثَمَّ من يكمل أمره ويخرج حَيًّا).\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. أي: في حالة من الضعف في البدن والحواس يحتاج إلى رعاية الأهل وحنان الأبوين. قال القرطبي: (﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي أطفالًا، فهو اسم جنس. وأيضًا فإن العرب قد تسمّي الجمع باسم الواحد).\nوقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾. أي: في كمال الشباب واستواء العقل وحسن المنظر.\nقال ابن جرير: (يقول: ثم لتبلغوا كمال عقولكم ونهاية قواكم بعمركم).\nوقوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.\nأي: ومنكم من يقبض في حالة شبابه وقوته، ومنكم من يُمَدُّ له في العمر إلى حالة الشيخوخة والهرم، وظهور علامات العجز وضعف العقل والفهم.\nوفي التنزيل:\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].\nقلت: ومَنْ بلّغَهُ الله من العمر ستين سنة فقد أقام حجته تعالى عليه في العمر،","vol":"5","page":155},{"text":"فيكون بذلك قد أخذ حدّه الكامل ليختار طريق الإيمان أو طريق الكفر، وإنما الناس في غفلة عن ذلك.\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [أعذر الله إلى امرئٍ أخَّرَ أجله حتى بلغ ستين سنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [إذا بلغَ الرجل من أمتي ستين سنة، فقد أعذر الله إليه في العمر] (٢).\nورواه عبد بن حميد من حديث سهل بن سعد بلفظ: [إذا بَلَّغَ الله العبدَ ستين سنة فقد أعْذَرَ إليه، وأبْلَغَ إليه في العُمُرِ].\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم بسند صحيح عن سهل بن سعد مرفوعًا: [من عَمَّرَ من أمتي سبعين سنة، فقد أعذر الله إليه في العمر] (٣).\nوله شاهد في المسند من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: [لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله إليه] (٤).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن لذاته عن أبي هريرة مرفوعًا: [أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك] (٥).\nوقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾. قال ابن جريج: (لا نبات فيها).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. قال قتادة: (حسنت، وعُرِف الغيث في ربوها).\nوالمقصود: تحركت بالنبات بنزول المطر عليها، ﴿وَرَبَتْ﴾. أي: ضاعفت النبات\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٢٠٠ - فتح)، وانظر مسند أحمد (٢/ ٢٧٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، والخطيب في \"التاريخ\" (١/ ٢٩٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٨٩). وانظر لرواية عبد بن حميد -بعده- صحيح الجامع (٤٠٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٢٨)، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.\nقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٨٠) - عقب الحديث ١٠٨٩ - (وهو كما قالا).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٥)، وانظر مستدرك الحاكم (٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨).\n(٥) حسن لذاته، صحيح لغيره. أخرجه الترمذي (٢/ ٢٧٢)، وابن ماجة (٤٢٣٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٩٦/ ٢)، وأنظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٥٧).","vol":"5","page":156},{"text":"واشتد ثمرها، فأنبتت ما فيها من الألوان والفنون من أصناف الثمار والزروع وأنواع النباتات المختلفة الطعوم والروائح والأشكال والمنافع والألوان.\nوقوله ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. قال قتادة: (حسن). والبهيج: ما هو حسن المنظر طيب الريح.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾. قال القاسمي: (أي ذلك الذي ذكر من خلق الإنسان على أطوار مختلفة، وتصريفه في أحوال متباينة، وإحياء الأرض بعد موتها، حاصل بسبب أن الله هو الحق وحده في ذاته وصفاته وأفعاله. المحقق لما سواه من الأشياء. فهي من آثار ألوهيته وشؤونه الذاتية وحده، وما سواه مما يعبد باطل، لا يقدر على شيء من ذلك).\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾. أي: كما أحيا النطفة والأرض الميتة، فهو سبحانه القادر على ذلك.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن في الشواهد، عن عبد الله بن سلام مرفوعًا: [لا تفكروا في الله، وتفكروا في خلق الله، فإن ربنا خلَقَ مَلَكًا، قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام، والخالق أعظم من المخلوق] (١).\nالحديث الثاني: روى الطبراني في \"الأوسط\" بسند حسن لشواهده، عن عبد الله بن\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٦٦ - ٦٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٧٨٨)، وما في حاشيته من التحقيق.","vol":"5","page":157},{"text":"عمر مرفوعًا: [تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ﷿] (١).\nوله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا به. وزاد: [فإنكم لن تدركوه إلا بالتصديق].\nوشاهد من حديث ابن عباس بلفظ: [تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند حسن عن أبي رزين، قال موسى العقيلي، قال: [قلت: يا رسول الله، أكلنا يرى ربه؟ مخليًا به يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: يا أبا رزين، أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليًا به؟ قلت: بلى! قال: فالله أعظم فإنما هو خلق من خلقِ الله، فالله أجل وأعظم] (٣).\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: لا يمتنع على قدرته العجيبة شيء.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. أي: قادمة لا شك في ذلك ولا ريب.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. أي: من الأموات، لموقف الحشر، ونوال الثواب والعقاب.\n٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: وَصْفُ أرباب الضلال بعد نَعْتِ الضُلّال، فَهُمْ في حالة تَنَطُّعٍ وغُرور، وقِلَّةٍ في العلم والحجةَ، وإنما يدفعهم للكلام بغير علم حب الرياسة والظهور، أولئك سيلقون الخزي والنكال يوم النشور.\nفقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.\nقال ابن كثير: (لما ذكر تعالى حال الضُّلال الجُهَّال المقلِّدين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ\n_________\n(١) حسن في الشواهد. اْخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٦٤٥٦) من حديث ابن عمر، والبيهقي في \"الشعب\" (١/ ٧٥)، وانظر للشاهد ابن عساكر في \"المجلس\" (١٣٩) من الأمالي (٥٠/ ١)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٧٨٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" من حديث ابن عباس. انظر صحيح الجامع (٢٩٧٣).\n(٣) حديث حسن. رواه ابن ماجة (١٨٠)، وأبو داود (٤٧٣١) -كتاب السنة- باب في الرؤية. وانظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣٩٥٧).","vol":"5","page":158},{"text":"مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، ذكر في هذه حال الدُّعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبِدَع، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِي﴾، أي بلا عقل صحيح، ولا نَقْل صريح، بل بمجرَّدِ الرأي والهوى).\nوالمقصود: وصف حال طائفة من المدّعين أهل التنطع والغرور بأن جدالهم لا يكون ببرهان وحجة، ولا ببيّنة وبصيرة، ولا بوحي من كتاب أو سنة، وإنما هو التعالم أو حب الظهور، الذي يفسد ويقطع الظهور.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤].\nوفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تعلم علمًا مما يُبْتغى به وجهُ الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة] (١). يعني ريحها.\nوفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاءَ، ولا تخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار] (٢).\nوقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. قال المبرّد: (العِطْفُ ما انثنى من العنق). وقال المفضّل: (والعطف الجانب، ومنه قولهم: فلان ينظر في أعطافه: أي في جوانبه). وعِطْفَا الرجل من لدُن رأسه إلى وَركيْه. والعرب تقول: ثنى فلان عني عِطفه إذا أعرض واستكبر. والمقصود بالآية وصف المعرض عن الحق في جداله واستكباره.\nفقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ - قال ابن عباس: (يقول: مستكبرًا في نفسه). أو قال: (يعرض عن ذكري). وقال مجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجة وغيرهما. وانظر صحيح أبي داود (٣١١٢).\n(٢) حديث صحيح. رواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم. انظر صحيح الجامع الصغير (٧٢٤٧).","vol":"5","page":159},{"text":"أي: (لاوِي عُنُقِهِ، وهي رقبته). وقال ابن زيد: (لاويًا رأسه، معرضًا موليًا، لا يريد أن يسمع ما قيل له). قلت: والعطف الجانب.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٨ - ٣٩].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُهُ نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَهُ، يختال في مِشْيَتِهِ، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة] (١).\nالحديث الثاني: خَرَّج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثقالُ ذرة من كِبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (٣).\nوقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: ليصد المؤمنين بالله عن دينهم، ويقف عثرة دون دخول الناس في الدين الحق.\nوقوله: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: لهذا المجادل في الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٢٢١)، (١٠/ ٢٢٢)، وأخرجه مسلم (٢٠٨٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩١)، وأخرجه أبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، (١٠/ ٤٠٨)، وأخرجه مسلم (٢٨٥٣).","vol":"5","page":160},{"text":"بغير علم، في الدنيا خزي وهو القتل والذّل، والمهانة بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر).\nوقوله: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أي: نسلط عليه في الآخرة عذاب الحرق في جهنم. ويكون بذلك قد جمع له عذاب الدارين.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾. تقريع وتوبيخ، أي إنما صَلِيتَ هذا العذاب بما اجترحت يداك وبما اكتسبت من عمل. قال النسفي: (أي السبب في عذاب الدارين هو ما قدمت نفسه من الكفر والتكذيب، وكنى عنها باليد لأن اليد آلة الكسب).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.\nأي: هو المُقْسِط سبحانه والعادل في حكمه بين عباده فلا يظلم تعالى أحدًا.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله - ﷺ -، فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ..] الحديث (١).\n١١ - ١٣. قولى تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ حال كثير من الناس يعبدون الله على شرط القوة والرزق والعافية، فإن نزل بهم من المصائب والفتن انقلبوا إلى الجادّة الثانية، وأشركوا بالله وجحدوا نعمه الباقية.\nفعن مجاهد: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: على شَكٍّ، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ رخاء وعافية ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾: استقر ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ عذاب ومصيبة ﴿انْقَلَبَ﴾ ارتدّ ﴿عَلَى وَجْهِه﴾ كافرًا).\nوعن قتادة: (﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ يقول: أكثر ماله، وكثرت ماشيته اطمأنَّ وقال: لم\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٨/ ١٧)، ورواه أحمد في المسند (٣/ ١٦٠).","vol":"5","page":161},{"text":"يصبني في ديني هذا منذ دخلته إلا خير ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ يقول: وإن ذهب ماله، وذهبت ماشيته ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾).\nوعن ابن زيد قال: (هذا المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه، وتغيّرت انقلب، ولا يقيم على العبادة إلا لما صَلَحَ من دنياه. وإذا أصابته شدّة أو فتنة، أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر).\nوفي صحيح البخاري -عند تفسير هذه الآية- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: كان الرَّجُلُ يَقْدَمُ المدينة، فَيُسْلِمُ، فإنْ ولَدَتِ امرأتُهُ غُلامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قال: هذا دينٌ صالحٌ، وإنْ لمْ تَلِدِ امْرأتُهُ ولمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قال: هذا دينُ سُوءٍ] (١).\nوقوله: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾. أي: ما أصاب من الدنيا ولا سَعِدَ في الآخرة، فالكفرُ بالله ونعمه يورث الشقاء والإهانة في الدار الآخرة.\nقال القرطبي: (وخسرانه الدنيا بأن لا حظّ له في غنيمة ولا ثناء، والآخرة بأن لا ثواب له فيها).\nوقال النسفي: (والخسران في الدنيا بالقتل فيها، وفي الآخرة بالخلود في النار).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. أي: هذا الخسران في الدارين، هو أبلغ الخسارة وأظهرها. قال القاسمي: (أي الواضح الذي لا يخفى على ذي بصيرة).\nوقوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾. قال ابن زيد: (يكفر بعد إيمانه).\nوقال أبو السعود: (﴿يَدْعُو﴾: استئناف مبين لعظيم الخسران). والمقصود: أنه يستنصر الأوثان والأنداد ويسترزقها ويستغيث بها وهي لا تنفعه ولا تضره، بل سيكون هذا التوجّه الفاسد سبب خسارته في الدنيا وشقائه في الآخرة.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. أي: ذلك المنهج هو منهج الشقاء الأبعد عن الاستقامة.\nقال ابن جرير: (يقول: ارتداده ذلك داعيًا من دون الله هذه الآلهة هو الأخذ على غير استقامة، والذهاب عن دين الله ذهابًا بعيدًا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٧٤٢) - كتاب التفسير- سورة الحج، آية (١١).","vol":"5","page":162},{"text":"وقوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: ضَرَرُه في الدنيا قبل الآخرة أقربُ من نفعه فيها، وأما في الآخرة فَضَرَرُهُ محقَّقٌ متيقّنٌ).\nوقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾. قال مجاهد: (يعني الوثن).\nوقال ابن زيد: (العشير: هو المعاشر الصاحب، وقد قيل: عني بالمولى في هذا الموضع: الوليّ الناصر).\nقلت: وعموم الآية يشمل كل ما عبد من دون الله وصرفت له العبادة والتعظيم، من الأوثان وطواغيت الإنس والجن، فإنه بئس المولى: أي الناصر الصاحب، وبئس العشير: أي المعاشر المصاحب.\n١٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾.\nفي هذه الآية: عَطْفٌ على ذكر أهل الشقاوة، بذكر أهل النجاة والسعادة، فإن أهل الإيمان والعمل الصالح سيرثون جنان النعيم، تجري من تحتها الأنهار في سرور مقيم، فإنه تعالى هدى هؤلاء وأشقى أولئك: بعلمه وحكمته وكمال عدله، فهو سبحانه أعلم بالشاكرين، وهو تعالى يفعل ما يريد.\nأخرج ابن أبي عاصم في \"السّنة\"، بسند صحيح عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: [قلت يا رسول الله: أرأيت عملنا هذا على أمر قد فرغ منه أم على أمر نستقبله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: بل على أمر قد فرغ منه. قال عمر: ففيم العمل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: كلا، لا يُنال إلا بعمل. فقال عمر: إذن نجتهد] (١).\nوكذلك روى الآجري، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\"، عن هشام بن حكيم: [أن رجلًا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله: أنبتدئ الأعمال أم قد قُضِيَ القضاء؟ فقال: إنَّ الله تعالى أخذ ذرية آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل\n_________\n(١) رجاله ثقات. أخرجه ابن أبي عاصم في \"كتاب السنة\" (١٦١). قال الألباني: حديث صحيح. ورجال إسناده ثقات. انظر \"تخريج كتاب السنة\" ص (٧١).","vol":"5","page":163},{"text":"الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار] (١).\nقال الإمام الطحاوي ﵀: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عددَ مَنْ يدخل الجنة وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خُلِقَ له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله) (٢).\n١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: دَعْوَةُ الحاقدين على نَصْرِ الله نبيّه أن يموتوا بغيظهم، ويخنقوا أنفاسهم، فإن الله أنزل عليه القرآن بالحق، ووعده النصر، وهو تعالى يوفق ويهدي من يريد.\nفعن قتادة: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: من كان يظنّ أن لن ينصر الله نبيّه - ﷺ -، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ يقول: بحبل إلى سماء البيت ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ يقول: ثم ليختنق ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾، أي: ليتوصَّلَ إلى بلوغ السماء، فإن النصرَ إنما يأتي محمدًا من السماء، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ذلك عنه، إن قَدَرَ على ذلك).\nوعن السدي: (﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾: يعني من شأن محمد - ﷺ -).\nوقال عطاء: (فلينظرْ هل يَشْفي ذلك ما يجدُ في صدره من الغيظ).\nوغاية المعنى: من ظَنَّ أن الله سيخذل محمدًا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه، فإن الله تعالى تكفّل بنصره وتأييده وإظهاره على عدوه، فمن لم يعجبه ذلك فليخنق نفسه وليحترق غيظًا. فهو كما قال ابن عباس: (من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا، فليربط حبلًا في سقف، ثم ليختنق به حتى يموت).\n_________\n(١) سنده صحيح. أخرجه الآجري (ص ١٧٢)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٣٢٦).\n(٢) متن العقيدة الطحاوية. وانظو تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٠٣ - ٩٠٧).","vol":"5","page":164},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].\nوقد حصل لنبينا محمد - ﷺ - من التأييد العجيب والنصر البليغ يوم بدر، حتى أراه الله مصرع أعدائه أمام عينه، وشاركته الملائكة ذلك الظفر.\nففي صحيح البخاري ومسند أحمد عن رفاعة عن النبي - ﷺ - قال: [جاء جبريل فقال: ما تعدّون من شهد بدرًا فيكم؟ قلت: خيارنا. قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة هم عندنا خيار الملائكة] (١).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ - يعني هذا القرآن. أنزله الله تعالى آيات واضحات في اللفظ والمعنى، معجزات في البيان والآفاق، ليكون حجة منه سبحانه على عباده.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾. أي: يوفق لإصابة الحق من شاء فهو أعلم بالشاكرين.\n١٧ - ١٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾\nفي هذه الآيات: فَصْلُ الله بين الطوائف في اختلاف منهاج عبادتها وتوجهاتها يوم القيامة والله على كل شيء شهيد. إنَّ الله تعالى يسجد له من في السماوات ومن في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في المغازي (٣٩٩٢)، باب شهود الملائكة بدرًا، ورواه أحمد وابن ماجة وابن حبان من طريق رافع بن خديج. انظر صحيح الجامع (٣٠٨١).","vol":"5","page":165},{"text":"الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والمؤمنون، وأبى السجود الكافرون، فحق عليهم العذاب، فما يصح الخروج عن طاعة ربّ الأرباب.\nفعن قتادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. قال: (الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويصلون للقبلة، ويقرؤون الزبور .. والمجوس: يعبدون الشمس والقمر والنيران. والذين أشركوا: يعبدون الأوثان. والأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.\nأي: إنّ الله تعالى يحكم بينهم بالعدل يوم القيامة فيجازي كلًّا منهم ما يستحق، فمن آمن به تعالى وأقام أركان الإيمان أدخله الجنة، ومن كفر به وكذّب بالوحي أدخله النار، إنه سبحانه شهيد على أعمالهم جميعًا، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم، ولا يُظْلَمُ عنده أحد من عباده.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾. قال مجاهد: (ظلال هذا كله).\nوالمعنى: ألم تر -يا محمد- بقلبك، أن كل شيء في هذا الكون الفسيح يسجد لله العظيم، فالملائكة في السماوات، والحيوانات في جميع الجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، كل قد علم صلاته وتسبيحه. قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾، إنما ذكر هذه على التنصيص، لأنها قد عُبدت من دون الله، فَبَيَّنَ أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مُسَخَّرة، ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].","vol":"5","page":166},{"text":"ومن صحيح السنة العطرة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، والنسائي وابن حبان في صحيحه، عن أبي ذر الغِفاري قال: [سألت رسول الله - ﷺ - عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] قال: مستقرّها تحت العرش].\nوفي رواية أخرى: قال أبو ذر: [دخَلْتُ المسجدَ ورسول الله - ﷺ - جالِسٌ، فلما غابت الشمس قال: يا أبا ذر! هل تدري أينَ تذهَبُ هذه الشمس؟ قال: قلتُ: الله ورسوله أعلَمُ. قال: فإنها تذهب فتستأذن في السجود، فيؤذَنُ لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حَيْثُ جِئْتِ، فتطلعُ من مَغْرِبها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند حسن -واللفظ لابن ماجة- عن ابن عباس قال: [كنت عند النبي - ﷺ - فأتاه رجل فقال: إني رأيت البارحة، فيما يرى النائم، كاني أُصَلّي إلى أصل شجرة. فقرأت السجدة فسجدت. فسجدت الشجرة لسجودي. فسمعتها تقول: اللهم احطُط عني بها وِزرًا، واكتب لي بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا. قال ابن عباس: فرأيت النبي - ﷺ - قرأ السجدة فسجد. فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة] (٢).\nوفي لفظ الترمذي: [قال الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد: قال لي ابن جريج: يا حسن! أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني رأيتني الليلة وأنا نائم، كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: \"اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضَع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود\".\nقال الحسن: قال لي ابن جريج: قال لي جدك: قال ابن عباس: فقرأ النبي - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٩)، كتاب الإيمان، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٧٦)، وأحمد في المسند (٥/ ١٧٧)، وابن حبان (٦١٥٣) - (٦١٥٤)، وغيرهم.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (١٠٥٣) في الصلاة، باب سجود القرآن، وأخرجه الترمذي (٥٨٤). وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٨٦٥)، وصحيح سنن الترمذي (٤٧٣).","vol":"5","page":167},{"text":"سجدة ثم سجد. فقال ابن عباس: فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، وابن ماجة في السنن، بسند حسن عن أبي ذر ﵁ عن النبي - ﷺ -: [إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضِعُ أربع أصابعَ إلا وملك واضِعٌ جبهته لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرُش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (١).\nوقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾. قال مجاهد: (المؤمنون). قال ابن جرير: (يقول: ويسجد كثير من بني آدم، وهم المؤمنون بالله).\nوقوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾. قال مجاهد: (وكثير أبى السجود، لأن قوله ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يدل على معصية الله وإبائه السجود، فاستحقّ بذلك العذاب). وقال أيضًا: (وكثير من بني آدم حقّ عليه عذاب الله، فوجب عليه بكفره به، وهو مع ذلك يسجد لله كله).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا قرأ ابْنُ آدم السَّجْدَةَ فسَجَدَ، اعتزلَ الشيطانُ يبكي، يقول: يا وَيْلَهُ -وفي رواية: يا وَيْلي! - أُمِرَ ابْنُ آدمَ بالسجود فسَجَدَ فله الجَنَّة، وأمِرْتُ بالسجود فَأبَيْتُ فَلِيَ النَّار] (٢).\nوفي رواية: \"فعصيت فلي النار\".\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾.\nأي: ومن يهن الله بالشقاوة فما له من مكرم بالسعادة.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. قال النسفي: (من الإكرام والإهانة وغير ذلك، وظاهر هذه الآية والتي قبلها ينقض على المعتزلة قولهم، لأنهم يقولون شاء أشياء ولم يفعل، وهو يقول يفعل ما يشاء).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند، والترمذي في الجامع (٢٤٢٨)، وابن ماجة في السنن (٤١٩٠). انظر صحيح سنن الترمذي (١٨٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨١)، كتاب الإيمان. ورواه ابن ماجة (١٠٥٢)، وأحمد (٢/ ٤٤٣).","vol":"5","page":168},{"text":"١٩ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: اختصامُ الفريقين عند ربهم يوم القيامة: فويق الأولياء، وفويق الكفرة الأعداء. فالكفار في نار العذاب يصب على رؤوسهم الحميم، فيصهر به ما في بطونهم والجلود، ويضربون بسياط من جديد، ويمنعون من الخروج ليتضاعف عليهم العذاب الشديد.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: [نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في ستة من قويش: علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة] (١).\nوفي رواية: عن قَيْسِ بن عُبَادِ، عن أبي ذر ﵁ أنه كان يُقسم قسمًا: [إنَّ هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبيه، وعُتْبَة وصاحِبَيْه يوم بَرَزُوا في يوم بدر] (٢).\nوأخرج البخاري في الصحيح، والنسائي في التفسير، عن قَيْسِ بن عُبادٍ، عن عليٍّ ﵁ قال: [أنا أوّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يدي الرحمن للخصومة يومَ القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. قال: هم الذين بارزوا يوم بَدْرٍ: عَليٌّ وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ، وشَيْبَةُ بنُ ربيعةَ وعُتْبَةُ بن ربيعةَ والوليدُ بنُ عُتبة] (٣).\nوالمقصود: إخبار من الله تعالى عن الفريقين المتخاصمين الذين خرجوا للمبارزة يوم بدر، الفريق الأول: أهل الإيمان حمزة وعلي وعبيدة ﵃. والفريق الثاني: أهل الكفر من أبناء عمومتهم عتبة وشيبة والوليد بن عتبة عليهم سخط الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٩٦٦)، كتاب المغازي. وانظر كذلك (٣٩٦٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٤٣)، كتاب التفسير، سورة الحج، آية (١٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٤٤)، كتاب التفسير، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٣٦٢).","vol":"5","page":169},{"text":"وغضبه. قال مجاهد: (مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث). وقال عطاء: (هم المؤمنون والكافرون). قلت: وخصام الفريقين كان في الإيمان بالوحي وتصديق النبوة.\nوقوله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾. أي: فُصِّلَت لهم ثياب ملتهبة من النار.\nقال مجاهد: (الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار).\nوقال سعيد: (﴿ثِيَابٌ مِنْ نَار﴾: ثياب من نحاس، وليس شيء من الآنية أحمى وأشد حَرًّا منه).\nوقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾. قال مجاهد: (يقول: يصب على رؤوسهم ماء مُغْلى).\nوقال سعيد: (هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشَّحم والأمعاء).\nوقوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. أي يذيب هذا السائل المغلي شحومهم وأمعاءهم وكذلك يشوي جلودهم حتى تتساقط.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. المقامع: جمع مِقْمَعة.\nقال النسفي: (سياط مختصة بهم يضربون بها). وقيل: المقامع المطارق، وهي المرازب.\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\nأي: كُلّما هموا بالخروج من النار أعيدوا فيها بالضرب من الملائكة بالمقامع والإهانة وغير ذلك، وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق المؤلم الموجع.\nقال الفضيل بن عياض: (والله ما طمعوا في الخروج، إنَّ الأرجُلَ لَمُقَيَّدَة، وإن الأيدي لموثَّقَةٌ، ولكن يرفعُهم لَهَبُها، وتَرُدُّهم مقامِعُها).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠].","vol":"5","page":170},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [نارُكم جُزْءٌ من سبعين جُزْءًا من نار جهنم. قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: فُضِّلتْ عليهن بِتِسْعةٍ وستِّينَ جُزْءًا كُلُّهنَ مِثْلُ حَرِّها] (١).\n٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكْرُ الصورة المقابلة للصورة السابقة، فأهل الجنة في النعيم المقيم، في الوقت الذي فيه أهل النار في أشد الجحيم، فالمؤمنون تجري من تحتهم الأنهار ويحلون من أساور الذهب واللؤلؤ ويلبسون الحرير وينعمون بتمام المِنّة. وقد هداهم الله إلى طيب القول وإلى منازلهم في الجنة.\nفقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: تتخَرّق في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقُصورها، يَصْرفونها حيث شاؤوا وأين شاؤوا).\nوقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾. الأساور: جمع أَسْوِرة، وأسورة واحدها سِوار. قال القرطبي: (قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبَس في الدنيا الأساور والتِّيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة، وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. قال هنا وفي فاطر: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر: ٣٣]. وقال في سورة الإنسان: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٦٥)، كتاب بدء الخلق. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٧٦).","vol":"5","page":171},{"text":"وقوله: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ - منصوب بفعل محذوف دلّ عليه الأول. أي: ويحلون لؤلؤًا.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: سمعت خليلي - ﷺ - يقول: [تبلغ الحِليةُ منَ المؤمن حيثُ يَبْلغُ الوضوء] (١).\nوفي التنزيل:\n﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١].\nقال ابن القيم: (جمَّل البواطن بالشراب الطهور، والسواعد بالأساور، والأبدان بثياب الحرير)، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أَوَّلُ زُمْرَةٍ تلجُ الجنة صورَتُهم على صورة القمر ليلةَ البدر، لا يَبْصُقون فيها ولا يَمْتَخِطون، ولا يَتَغوَّطُون، آنِيَتُهم فيها الذهب، أمْشاطهم من الذهب والفضة، ومَجامِرُهُم الألُوَّةُ، ورشْحُهم المِسْكُ، ولكل واحدٍ منهم زَوْجَتان يُرَى مُخُّ سوقِهما من وراء اللحم من الحُسْن، لا اختلاف بينهم ولا تباغُضَ، قلوبهم قَلْبٌ واحِدٌ، يُسبِّحونَ الله بُكرةً وعَشِيًّا] (٢).\nوقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.\nقال ابن جرير. (يقول: ولبوسهم التي تلي أبشارهم فيها ثياب حرير).\nفكما أن ثياب أهل الشقاء قد فُصِّلت لهم من نار، فكذلك -في مقابلة ذلك- ثياب أهل النعيم من الحرير بنوعيه -السندس والإستبرق- قد فُصِّلت لهم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٣].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٠)، كتاب الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٤٥)، كتاب بدء الخلق، ورواه مسلم (١٩٥٣) - (١٩٥٧).","vol":"5","page":172},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١].\nوالسندس مَا رَقَّ من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه. قال الزجاج: (هما نوعان من الحرير).\nوقوله في آية \"الإنسان\" -\"عاليهم\"-: يفيد أن ذلك اللباس ظاهر بارز للزينة والجمال.\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: [أهدى أكيدر (١) دومة إلى النبي - ﷺ - جبة من سندس، فتعجب الناس من حسنها، فقال: لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذا] (٢).\nوله شاهد فيهما من حديث البراء قال: [أهدي لرسول الله - ﷺ - ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه، فقال رسول الله - ﷺ -: تعجبون من هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنما يلبَسُ الحريرَ في الدنيا مَنْ لا خَلاقَ له في الآخرة] (٤).\nويشهد له رواية أخرى فيه عنه قال: قال النبي - ﷺ -: [مَنْ لبس الحرير في الدنيا لم يَلْبَسْهُ في الآخرة].\nالحديث الثالث: خرَّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر] (٥).\n_________\n(١) أي: أميرها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٤٨)، كتاب بدء الخلق، وكذلك (٢٦١٥) - (٢٦١٦)، ورواه مسلم (٢٤٦١)، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل سعد بن معاذ، ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٨٣٦)، كتاب اللباس، باب منْ مسّ الحرير من غير لُبْسٍ، ورواه مسلم. انظر صحيح مسلم (٢٤٦٩)، الكتاب السابق، الباب السابق.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٨٣٥)، كتاب اللباس. وانظر للشاهد حديث (٥٨٣٤) منه.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٦)، كتاب الجنة ونعيمها. باب في دوام نعيم أهل الجنة.","vol":"5","page":173},{"text":"وقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة.\n١ - قال ابن عباس: (ألهموا). وقيل: الطيب من القول: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الأذكار المشروعة.\n٢ - قال ابن زيد: (هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]).\n٣ - قال ابن جرير: (وهداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله).\n٤ - قال ابن كثير: (فهُدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب) - يعني في الجنة. ولا شك أن الكلام الطيب يشمل تحية أهل الجنة، وتحية الملائكة لهم \"السلام\"، وكذلك التسبيح والتحميد.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [إبراهيم: ٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦].\nوفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [إنَّ أهلَ الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يَتْفِلونَ ولا يبولون، ولا يتغوَّطون ولا يمتخِطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جُشاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ المسْكِ، يُلْهمون التسبيح والتحميد، كما يُلهمونَ النَّفَس] (١). وفي رواية: (ويُلهمون التسبيح والتكبير، كما يُلهمون النَّفَس).\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [قلوبهم قلبٌ واحدٌ، يسبحون الله بُكرةً وعَشِيًّا] (٢).\nوقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾. أي: في الدنيا والآخرة. والحميد فعيل بمعنى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٥) - كتاب الجنة ونعيمها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٤٥)، وأخرجه مسلم (٢٨٣٤) ح (١٧)، وقد مضى بتمامه.","vol":"5","page":174},{"text":"مفعول: أي محمود. قال النسفي: (أي أرشد هؤلاء في الدنيا إلى كلمة التوحيد وإلى صراط الحميد أي الإسلام، أو هداهم الله في الآخرة وألهمهم أن يقولوا الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم إلى طريق الجنة. والحميد الله المحمود بكل لسان).\nقلت: والهداية المذكورة في هذه الآية هي النوع الرابع من أنواع الهداية. فالهداية كما وردت في القرآن والسنة تقسم إلى الأقسام الآتية:\n١ - هداية الخالق العامة لجميع خلقه لمصالحهم. كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣].\n٢ - هداية الدلالة والإرشاد. وهي هداية البيان وإقامة الحجة من الرسل على أممهم. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمً﴾ [النساء: ١٦٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].\nوفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خيرِ ما يعلمه لهم وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم ..] الحديث (١).\n٣ - هداية التوفيق والإلهام. وهي هداية خاصة بالمؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن قتادة بن النعمان، أنّ رسول الله - ﷺ - قال: [إذا أحبَّ الله عَبْدًا حَماهُ في الدنيا كما يَظَلُّ أحدُكُم يَحْمي سَقيمَهُ الماء] (٢).\n٤ - هداية الله المؤمنين يوم القيامة إِلى الجنة. وهي هداية في الدار الآخرة إلى مساكن النعيم والخلود. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩]. قال مجاهد: (يهديهم ربهم بإيمانهم: يكون لهم نورًا يمشون به). وقال ابن جرير: (يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح، وأحمد في المسند. انظر مختصر صحيح مسلم (١١٩٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢١٢٣) - أبواب الطب. انظر صحيح سنن الترمذي (١٦٥٩).","vol":"5","page":175},{"text":"وعن مجاهد: (﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٥ - ٦]. قال: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا). وقال ابن عباس: (هم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم).\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن نبيّ الله - ﷺ - قال: [إذا خَلَصَ المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، يتقاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا] (١).\nوله شاهد فيه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة].\n٢٥ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ الله الكفار الذين يصدون عن سبيله ويمنعون المؤمنين من المسجد الحرام الذي جعله الله للصلاة والطواف والعبادة يقصده الناس من جميع الأمصار. وتوعّد من يَهّم في الحرم بأمر فظيع من الشرك أو المعاصي الكبار بعذاب أليم. وتعيين الله تعالى لخليله إبراهيم مكان البيت للعمارة والعبادة، وأمره مناداة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤٠) - كتاب المظالم. وانظر مسند أحمد (٣/ ١٣)، (٣/ ٧٤).","vol":"5","page":176},{"text":"الناس بالحج إليه من جميع الأقطار. ليجمعوا أثناء حجهم من المنافع الأخروية والدنيوية ويشكروا الله على كتابتهم في الحجاج والعُمّار.\nفقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال النسفي: (أي يمنعون عن الدخول في الإسلام). وقال ابن كثير: (﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: ومن صفتهم مع كُفرهم أنهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي: ويصدون عن المسجد الحرام مَنْ أراده من المؤمنين الذين هم أحقُّ الناس به في نفس الأمر).\nفقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ حال من فاعل كفروا، والتقدير: وهم يصدون، أي هي صفة استمرار منهم، فقد جمعوا بين الكفر والصد عن سبيل الله والمسجد الحرام، احتكارًا وكبرًا وعلوًا في الأرض بالظلم والإفساد.\nوقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. أي: جعله الله للصلاة والطواف والعبادة لجميع الناس حاضرهم وباديهم. والعاكف: المقيم الملازم. والبادي: أهل البادية ومَنْ يقدُم عليهم.\nقال القرطبي: (يقول: سواء في تعظيم حرمته وقضاء النّسك فيه الحاضرُ والذي يأتيه من البلاد، فليس أهل مكة أحقّ من النازح إليه).\nفائدة: دور مكة توهب وتورث وتباع وتملك بخلاف الأرض.\nوهذا مأخوذ من فعله - ﷺ - يوم الفتح إذ لم يقسم أراضي مكة بين الغانمين.\nوذهب الإمام أحمد إلى أن الإمام مخيَّرٌ بين وقفها وقسمتها، وبنحوه ذهب أبو حنيفة. ولكن هناك فرق بين الأرض وبين الدور، فأرض مكة وقف من الله على العالمين فهي أرض لا تقسم كسائر القرى المفتوحة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ الآية.\nقال ابن القيم: (وأما مكة، فإن فيها شيئًا آخر يمنع من قسمتها ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى، وهي أنها لا تُملك، فإنها دارُ النسك، ومتعبَّدُ الخلق، وحرَمُ الرب تعالى الذي جعله للناس سواء العاكِفُ فيه والباد، فهي وقف من الله على العالمين) (١).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٣٤)، وكتابي: السيرة النبوية (١٣٠٠ - ١٣١٢) لتفصيل البحث.","vol":"5","page":177},{"text":"وقال في موضع آخر: (فإن الأرض ليست داخلةً في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها، ولهذا قال عمر: إنها غيرُ المال). ثم قال: (فالصواب القول بموجب الأدلة من الجانبين، وأن الدور تُملكُ، وتوهبُ، وتورثُ وتُباع، ويكون نقلُ الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه، لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويُعيدها كما كانت، وهو أحق بها يَسْكنُها ويُسْكِنُ فيها من شاء) (١).\nوإليه ذهب الشافعي ﵀: إلى أن رِباع مكة تملك وتورَّث وتؤجَّر، واحتج بما روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال: [قلت يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عَقيلٌ من رِباع؟ وفي رواية: (يا رسول الله أين نَنْزِلُ غدًا؟ قال النبي - ﷺ -: \"وهل تركَ لنا عقيلٌ من مَنْزِلٍ؟ \"). ثم قال: لا يرث المؤمن الكافر، ولا الكافر المؤمن\"] (٢).\nوكذلك احتجّ بما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارًا بمكة، فجعلها سِجْنًا بأربعة آلاف درهم، وهو أول من حبس في السجن في الإسلام.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني أن تستحل من الحرام ما حرّم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم).\nوعن ابن عباس أيضًا: (﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك). وقال مجاهد: (هو أن يعبد فيه غير الله).\nوكذلك عن مجاهد: (﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: يعمل فيه عملًا سيئًا).\nوقال ابن زيد: (الإلحاد: الظلم في الحرم).\nوالخلاصة: إنَّ مَنْ يَهُمُّ في الحرم بأمرٍ فظيع من الشرك أو المعاصي الكبار عامدًا قاصدًا الظلم غير متأول فقد وجب له عذاب أليم.\nوذهب بعض علماء العربية أن الباء في قوله تعالى: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ زائدة، والتقدير: ومن يرد فيه إلحادًا. ومثله قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، والتقدير: تُنْبِتُ الدُّهن.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٣٧)، وانظر المرجع السابق ص (١٣١١ - ١٣١٢) - المجلد الثالث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٢٨٢) - (٤٢٨٣)، كتاب المغازي، ورواه مسلم (١٣٥١)، وأبو داود (٢٩١٠)، وابن ماجة (٢٧٣٠)، وأحمد (٥/ ٢٠١)، والبيهقي (٦/ ٣٤)، وغيرهم.","vol":"5","page":178},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد بإسناد على شرط الشيخين عن سعيد بن عمرو قال: [أتى عبد الله بن عمرو بن الزبير: وهو جالس في الحِجر فقال: يا ابن الزُّبير، إياكَ والإلحادَ في الحَرَم، فإني أشهد لسمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: يُحِلُّها ويُحلُّ به رجُلٌ من قريش، لو وُزِنَتْ ذنوبُه بذنوب الثقلين لوزَنَتْها. قال: فانظر لا تكون هو] (١).\nوفي رواية: [يا ابن الزبير، إياكَ والإلحادَ في حرم الله، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنه سَيُلحِدُ فيه رجلٌ من قُرَيش، لو توزنُ ذنوبُه بذنوب الثقلين لَرَجَحَتْ، فانظر لا تكونُه] (٢).\nوقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ - أي عيَّنا له موضعه وأريناه أصله ليبنيه.\nقال ابن جرير: (بوأنا: وطأنا له مكان البيت). وقال النسفي: (واذكر يا محمد حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعًا يرجع إليه للعمارة والعبادة، وقد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها فكنست مكان البيت فبناه على أساسه القديم) - وبنحوه ذكر القرطبي.\nقلت: والذي ذكره القرطبي والنسفي له ما يشهد له من حديث أبي قلابة -كما ذكر الذهبي- قال: (لما أهبط الله تعالى آدم قال: \"يا آدم إني مهبط معك بيتًا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي\". فلم يزل كذلك حتى كان الطوفان رفع، فكانت الأنبياء تحجه، يأتونه فلا يعرفون موضعه، حتى بوأه الله تعالى لإبراهيم ﵇). قال الذهبي: (وهو ثابت عن أبي قلابة، وأين مثل أبي قلابة في الفضل والجلالة؟ هرب من تولية القضاء من العراق إلى الشام) (٣).\nوفي التنزيل ما يؤيد ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].\n_________\n(١) إسناده على شرطهما. أخرجه أحمد (٢/ ١٩٦ - ٢١٩)، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٣٦)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٨٥) وقال: رجاله ثقات. وكون الحجاج هو المراد بالحديث أقرب من كونه ابن الزبير، فالحجاج لم يقتصر على رمي الكعبة بالمنجنيق، بل قتل الآلاف من المسلمين، فجزاه الله بما كسبت يداه.\n(٣) انظر: مختصر العلو (١٢٩)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٨٩) - الأثر (٥).","vol":"5","page":179},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].\nفالأساسات التي قام عليها البيت موجودة من قبل، وإنما رفع البناء عليها وجدّده إبراهيم بمعاونة ابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام.\nوفي صحيح البخاري عن أبي ذر ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله، أيُّ مَسْجدٍ وُضِعَ في الأرض أؤَل؟ قال: \"المسجد الحرام\"، قال: قلت: ثم أيُّ؟ قال: المسجِدُ الأقصى. قلت: كم كانَ بينَهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أيْنَما أدْرَكتْكَ الصلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهِ فإن الفَضْلَ فيه] (١). وفي رواية: (ثم قال: حَيْثما أدركتك الصلاة فصَلِّ والأرض لك مسجدٌ).\nقلت: وإنما جدّد سليمان ﵊ بناء بيت القدس بعد خرابه كما هو معلوم.\nوقوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾.- \"أنْ \"- هي التفسيرية. أي المفسرة للقول، والتقدير: قائلين له ﴿ألَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ - أي ابنه خالصًا على اسمي وحدي، لتكون العبادة لله وحده.\nوقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾. قال مجاهد: (من الشرك). وقال قتادة: (من الشرك وعبادة الأوثان).\nوقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.\nقال ابن زيد: (القائم والراكع والساجد هو المصلي، والطائف هو الذي يطوف به.\nوقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ يقول: والركع السجود في صلاتهم حول البيت).\nقال ابن كثير: (أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروفٌ، وهو أخصُّ العبادات عند البيت، فإنه لا يفْعَل ببقعة من الأرض سواها، والقائمين، أي: في الصلاة، ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فقرن الطواف بالصلاة، لأنهما لا يُشرَعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٦٦)، كتاب أحاديث الأنبياء، وانظر (٣٤٢٥) منه.","vol":"5","page":180},{"text":"إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثنى من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب، وفي النافلة في السَّفر، والله أعلم).\nقلت: والطواف في البيت صلاة، فيجب لها الوضوء والتطهر من الجنابة، إلا أنه أبيح فيها الكلام. وللطائف أن يقرأ القرآن ويدعو ويسبح ويهلل وغير ذلك مما هو مشروع في الذكر.\nفقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير. وفي رواية: فأقلوا فيه الكلام] (١).\nوقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾.\nأي: ناد في الناس داعيًا لهم إلى إقامة هذه المناسك العظيمة بحج بيت الله الحرام.\nوعن سعيد بن جبير قال: (لما فرغ إبراهيم من بناء البيت أوحى الله إليه أن أذّن في الناس بالحج. فخرج فنادى في الناس: يا أيها الناس إن ربكم قد اتَّخَذَ بيتًا وأمركم أن تحجوه. قال: قال ابن عباس: فسمعه ما بين السماء والأرض، ألا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون).\nوقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿رِجَالًا﴾ على أرجلهم، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِر﴾ قال: الإبل).\nفجُمع لأنه أريد بكل ضامر: النوق. ولذلك قال: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. قال ابن عباس: (من مكان بعيد).\nوفي التنزيل:\n﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. قال ابن كثير: (فليس أحدٌ من أهل الإسلام إلا وهو يَحِنُّ إلى رؤية الكعبة والطواف، والناس يقصِدُونها من سائر الجهات والأقطار).\nوقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال مجاهد: (الأجر في الآخرة، والتجارة في الدنيا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٩٦٠). انظر صحيح سنن الترمذي (٧٦٧)، ورسالتي: الحج والعمرة ص (٣٢) لتفصيل أكبر.","vol":"5","page":181},{"text":"وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾. قال قتادة: (أيام العشر، والمعدودات أيام التشريق).\nوقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ - أي الهدايا والبُدْن التي أهدوها من الإبل والبقر والغنم.\nوقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ - أمر إباحة لا وجوب. قال مجاهد: (إنما هي رخصة).\nوقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.\nقال عكرمة: (هل المضطرُّ الذي عليه البؤس، والفقير: المتعفِّف). وقال مجاهد: (هو الذي لا يبسط يده). وقال قتادة: (هو الزَّمِنُ). وقال مقاتل: (هو الضَّرير).\nقلت: وقد ذكر البخاري في \"كتاب العيدين\" من صحيحه، بابًا سمّاه: باب فضل العمل في أيام التشريق، وقال ابن عباس: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيامُ التشريق، وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرة يَخْرجان إلى السوق في أيام العشر يُكبِّران ويكبِّرُ الناس بتكبيرهما، وكبَّر محمدُ بن عَليٍّ خلف النافلة.\nثم روى البخاري في الباب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [ما العملُ في أيام (العشر) أفضلُ منها في هذه. قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهادُ، إلا رجُلٌ خرجَ يُخاطِرُ بنفسه وماله فلمْ يَرْجِعْ بشيءٍ] (١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال ابن عمر: (التفثُ: المناسكُ كلُّها).\nوقال مجاهد: (حلق الرأس وحلق العانة وقص الأظفار وقص الشارب ورمي الجمار). وزاد ابن جريج: (والأخذ من اللحية).\nقلت: والراجح ما ذكره ابن عمر من أن التفث جميع المناسك، لحديث عروة بن مُضَرس مرفوعًا: [من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى يَدْفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تَمَّ حَجُّه وقضى تَفَثَهُ] (٢).\nوقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ - وهو ما نذر المرء على نفسه في الحج من شيء مشروع أو مباح. فإن كان غير مشروع أو غير مباح فلا وفاء به.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩٦٩)، والترمذي (٧٥٧)، وأحمد (١/ ٢٢٤)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٨٩١)، وابن ماجه (٣٠١٦). انظر صحيح الترمذي (٧٠٧).","vol":"5","page":182},{"text":"فقد أخرج البخاري عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: [من نذر أن يُطيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نذَرَ أن يعصي الله فلا يعصه] (١).\nوفي سنن النسائي بسند صحيح عن عِمران بن حُصَين، عن النبي - ﷺ - قال: [النذر نَذْران، فما كان مِنْ نَذْرٍ في طاعة الله فذلك لله، وفيه الوفاء. وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه، ويكفِّره ما يكفِّر اليمين] (٢).\nوقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.\nقال ابن الزبير: (إنما سمي البيت العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس أنه قال: [أُمِرَ الناس أن يكون آخرَ عهدهم بالبيت الطوافُ، إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض] (٣).\nفيودِّع المسلم البيت بطواف، كما استقبله بطواف، فإن قضى حجّه واستطاع أن يتابع بعد فترة بعمرة كان ذلك خيرًا كبيرًا.\nفقد أخرج الترمذي والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوب، كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة] (٤).\nوأخرج البزار بسند صحيح عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الحجَّاجُ والعُمَّار وَفْدُ الله، دعاهم فأجابوه، سألوه فأعطاهم] (٥).\n٣٠ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٥٠٤) - في الأيمان والنذور.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي -كما في صحح الجامع (٦٦٨٠) - وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان. (١/ ٤٦٠) لتفصيل البحث.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨)، والبيهقي (٥/ ١٦١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٨٠٧)، والنسائي (١١٥)، وانظر صحيح الجامع (٢٩٠١).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البزار (١١٣٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٢٠).","vol":"5","page":183},{"text":"خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تعظيمُ الحرمات تعظيمٌ للدين، والشركُ أكبر الآثام وعقابه أليم. وتعظيمُ الشعائر من تقوى القلوب، ولكم في البدن منافع في الشرب والركوب، إلى وقت وجوب نحرها عند البيت العتيق.\nفعن مجاهد، في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال: (الحرمة: مكة والحجّ والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها). وقال الليث: (حرمات الله ما لا يحل انتهاكها).\nوقال قوم: (الحرمات هي الأمر والنهي). وقال الزجاج: (الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه).\nقلت: وكل ما سبق داخل في مفهوم حرمات الله، فإن تعظيم الشرع الممثل بالقرآن والسنة العطرة وما جاء فيهما من أحكام يورث الخير في الدنيا والآخرة.\nقال ابن القيم: (وأول التعظيم تعظيم الأمر والنهي، وهو أن لا يُعارضا بترخص جاف، ولا يُعَرَّضا لتشدّد غال).\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله حَدَّثَه: [أنه سمع رجلًا من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر: عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال. فقال الشامي: إنَّ أَباك قد نهى عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله - ﷺ -! أمرُ أبي يُتبَع، أم أمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله - ﷺ -. فقال: لقد صنعها رسول الله - ﷺ -] (١).\nوقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. أي هذا التعظيم لأحكام هذا الدين يتبعه عند الله يوم القيامة ثوابٌ جزيل وخير وفير.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٨٣٠)، أبواب الحج. باب ما جاء في التمتع. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٦٥٨).","vol":"5","page":184},{"text":"﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: وأحلّ الله لكم أيها الناس الأنعام، أن تأكلوها إذا ذكَّيتموها، فلم يحرّمِ عليكم منها بحيرة، ولا سائبة، ولا وصيلة، ولا حاميًا، ولا ما جعلتموه منها لآلهتكم ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يقول: إلا ما يتلى عليكم في كتاب الله، وذلك: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردّية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذُبح على النُصب، فإن ذلك كله رجس).\nوقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. قال ابن عباس: (يقول تعالى ذكره: فاجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان). أي: فعبادة الأوثان هي الرجس من ذلك.\nوقوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. أي: واحذروا قول الكذب وما هو افتراء على الله.\nوعن ابن عباس: (﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ يعني: الافتراء على الله والتكذيب).\nوعن عاصم، عن وائل بن ربيعة، عن عبد الله، قال: (تعدل شهادة الزور بالشرك، وقرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾).\nوفي الصحيحين وسنن الترمذي عن أبي بَكْرَةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ألا أُنَبِّئكُمُ بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين -وكان مُتَّكِئًا فجَلَسَ- فقال: ألا وقولُ الزور، ألا وشهادةُ الزور. فما زال يكرِّرُها، حتى قلنا: ليته سكتَ] (١).\nوقوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾. أي مستقيمين على الإخلاص لله وتوحيده وتعظيم شرعه. و﴿حُنَفَاءَ﴾ نصب على الحال.\nوقوله: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾. أي: لا تدعون مع الله إلهًا غيره. فله العبادة وله الكبرياء وحده لا شريك له.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٧٦)، وأخرجه مسلم (٨٧)، وأخرجه الترمذي (١٩٠١).","vol":"5","page":185},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.\nقال قتادة: (هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بُعده من الهدى وهلاكه).\nوعن مجاهد: (﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ قال: بعيد).\nوالمقصود: أنّ مثل المشرك بالله في بعده عن الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه كمثل ذلك الذي خرّ من السماء فتخطفه الطير في الهواء وتقطعه وتمزقه، فهلك، أو هوت به الريح في مكان بعيد فلقي مصيره الفاجع.\nوفي حديث البراء -في المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم- في صعود ملائكة العذاب بروح الكافر وخروج الريح الخبيثة منها، قال رسول الله - ﷺ -: [فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان -بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا-، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرح روحه من السماء طرحًا حتى تقع في جسده، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.\nيشمل تعظيم أوامر الله جميعها، ومن ذلك استحسان البُدن واستسمانها، وأداء مناسك الحج كما جاءت في القرآن وصحيح السنة، دون ترخص جاف أو تشدّد غال.\nقال مجاهد: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: الاستسمان والاستعظام).\nأو قال: (استعظام البدن، واستسمانها، واستحسانها).\nوقال ابن زيد: (الشعائر: الجمار، والصفا والمروة من شعائر الله، والمَشْعَر الحرام، والمزدلفة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠)، وأحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وكذلك (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦) في أثناء حديث طويل، وقد مضى بتمامه.","vol":"5","page":186},{"text":"وقال محمد بن أبي موسى: (الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبِجَمْع (١) من شعائر الله، ورمي الجمار من شعائر الله، والبُدْن من شعائر الله، ومن يعظمها فإنها من شعائر الله في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ فمن يعظمها فإنها من تقوى القلوب).\nوفي كنوز صحيح السنة العطرة من ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة فقال: أما إني رَسولُ رَسُولِ الله - ﷺ - إليكم، يقول لكم: [قِفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس: [أنَّ رسول الله - ﷺ - ضحّى بكبشين أَملحَين أقرنين] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عائشة وعن أبي هريرة: [أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن يضحي، اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين. فذبح أحدهما عن أمّته، لمن شهد لله بالتوحيد، وشهد له بالبلاع. وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد - ﷺ -] (٤).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن البراء قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العَوْراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمريضة البَيِّنُ مَرَضُها، والعَرْجاءُ البيِّنُ ظَلَعُها، والكسيرة التي لا تُنْقي] (٥).\nوالظلع: هو العرج، والكسيرة: المنكسرة الرجل التي لا تقدر على المشي.\nوقوله: \"لا تنقي\" من أنقى إذا صار ذا نِقيٍ. فالمعنى: التي ما بقي لها مخ من غاية العجف.\n_________\n(١) جَمْع: المزدلفة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٩١٩) - كتاب المناسك. باب موضع الوقوف بعرفة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (١٩٦٦)، وأبو داود (١٧٩٤)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٧٠) من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣١٢٢)، كتاب الأضاحي. وانظر صحيح ابن ماجة (٢٥٣١).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٥)، وابن ماجة (٣١٤٤)، وأحمد (٤/ ٢٨٤)، ورجاله ثقات.","vol":"5","page":187},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.\nأي: لكم في هذه البدن منافع من الركوب عند الحاجة وشرب ألبانها عند الضرورة إلى أن تنحر، وهو الأجل المسمى، ثم محلها -وهو وقت وجوب نحرها- انتهاؤه إلى البيت العتيق، وهو الكعبة. وأقوال أئمة التفسير حول هذا المعنى:\n١ - قال ابن عباس: (﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: ما لم يسمّ بدنًا).\n٢ - قال مجاهد: (﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هديًا ذهب كله). وقال: (لكم في ظهورها وألبانها وأوبارها، حتى تصير بُدْنًا). أو قال: (في أشعارها وأوبارها وألبانها، قبل أن تسميها بدنة). وفي لفظ: (قبل أن تسمى هديًا).\n٣ - وعن عطاء قال: (منافع في ألبانها وظهورها وأوبارها، إلى أجل مسمى: إلى أن تقلد).\n٤ - وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها وإن كان هَدْيًا، إذا احتاج إلى ذلك.\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: في الصحيحين عن أنس ﵁: [أنّ النبي - ﷺ - رأى رجلًا يسوقُ بَدَنَةً، قال: \"اركبْها\"، قال: إنّها بَدَنَةٌ. قال: \"ارْكَبْها\"، قال: إنّها بَدَنَةٌ، قال: \"اركبها\" ثلاثًا] (١). وفي لفظ: [فقال في الثالثة أو في الرابعة: ارْكَبْها وَيْلكَ أو وَيْحَك].\nالحديث الثاني: روى مسلم عن أنس قال: [مُرَّ على النبي - ﷺ - ببدنة أو هَدِيّة، فقال: \"اركبْها\" قال: إنها بَدَنَةٌ أو هَدِيّةٌ، فقال: \"وإنْ\"] (٢).\nالحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله سُئِلَ عَنْ رُكوبِ الهَدْي؟ فقال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [ارْكبْها بالمعروف إذا أُلْجِئْتَ إليها، حتى تجدَ ظَهْرًا] (٣). وفي لفط: [اركبْها بالمعروف، حتى تجد ظهْرًا].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٦٩٠)، كتاب الحج، وكذلك (٢٧٥٤) - (٢٧٥٥)، كتاب الوصايا، ورواه مسلم (٢٣٢٣)، والترمذي (٩١١)، والنسائي (٥/ ١٧٦)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٢٣)، كتاب الحج، في روايات مختلفة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٢٤)، كتاب الحج، باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.","vol":"5","page":188},{"text":"٣٤ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ذْبحُ المناسك وإراقة الدماء على اسم الله أمْرُ الله في جميع الأمم والبشرى للمخبتين. الذين ذلّت قلوبهم لله بالخشوع وجوارحهم بأداء الصلاة وإيتاء الزكاة والصدقات وكانوا مع الصابرين.\nفعن مجاهد: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قال: إهراق الدماء ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عليها).\nوعن ابن عباس: (﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾، قال: عيدًا). وقال عكرمة: (ذَبْحًا).\nقال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه لم يزل ذبحُ المناسك وإراقة الدّماء على اسم الله مَشْروعًا في جميع المِلَل).\nوقوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.\nقال القرطبي: (أي على ذبح ما رزقهم. فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له، لأنه رازق ذلك. ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه: فالإله واحد لجميعكم، فكذلك الأمر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له).\nوفي الصحيحين عن أنس قال: [ضحّى النبي - ﷺ - بكَبْشَينِ أمْلَحين، فرأَيْتُه واضِعًا قدَمَهُ على صِفاحِهما يُسَمِّي ويكبِّرُ فَذَبَحَهُما بيده] (١).\nفالسنة أن يذبح الرجل بيده إن تيسَّر، وأن يستقبل بذبيحته القبلة.\nفقد روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر: [أنه كان يكره أن يأكل ذبيحة ذبحت لغير القبلة] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٥٨)، كتاب الأضاحي، وأخرجه مسلم (١٩٦٦)، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه عبد الرزاق (٨٥٨٥) بإسناد صحيح عنه. وانظر كتابي: الحج والعمرة على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (ص ٥٠ - ٥٢) لتفصيل أكبر.","vol":"5","page":189},{"text":"فيضجعها على جانبها الأيسر ويضع قدمه اليمنى على جانبها الأيمن. قال الحافظ في الفتح \"١٠/ ١٦\": (ليكونَ أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها بيده اليسار).\nوأما الإبل فالسنة أن ينحرها وهي قائمة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها ووجهها قِبَل القبلة، ويقول عند الذبح: (بسم الله والله أكبر، اللهم إنّ هذا منك ولك، اللهم تقبّل مني).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وقيل: إنما قيل للبهائم بهائم لأنها لا تتكلم- ذكره ابن جرير.\nوقوله: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾.\nأي فلله إلهكم الحق اخضعوا وذلوا له بالعبودية والطاعة، وبشر -يا محمد- المنيبين لربهم المتواضعين لأمره المذعنين لطاعته، الخاشعين لذكره.\nوعن مجاهد: (﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين). أو قال: (المطمئنين إلى الله).\nوقال قتادة: (المتواضعين). وقال عمرو بن أوس: (المخبتون: الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا). وقال السدي: (الوَجِلين). وقال الثوري: (﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، قال: المطمئنين الراضِينَ بقضاء الله، المستسلمين له).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. أي: خافت من تذكر عظمته قلوبهم، وهو أحسن التفسير للآية السابقة ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾. قال ابن زيد: (من شدة في أمر الله، ونالهم من مكروه في جنبه).\nوقوله: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾. أي بأركانها وواجباتها ووضوئها وشروطها.\nوقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من الأموال ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في الواجب عليهم إنفاقها فيه في زكاة، ونفقة عيال، ومن وجبت عليه نفقته، وفي سبيل الله).\n٣٦ - ٣٧ قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ","vol":"5","page":190},{"text":"سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تشريعُ ذبح البدن وذِكْرُ اسم الله عليها مصطفة، وتذليل لحومها ولبنها وركوبها إنما هو فضل الله عليكم -أيها المؤمنون- لعلكم تشكرون. إنه لن يصل إلى الله لحمها ودمها وإنما يناله التقوى منكم، ومن ذلك إتمام مناسككم، والبشرى للمحسنين.\nفعن عطاء: (﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قال: البقرة، والبعير). وقال مجاهد: (إنما البُدْن من الإبل). قلت: فالبدن يشمل البقر والإبل، وهو من أفضل ما يهدى إلى بيت الله الحرام. وقد صحّ أن النبي - ﷺ - جعل البقرة في الأضاحي عن سبعة، وكذلك البَدَنة، وإليه ذهب الإمام الشافعي، وكذلك الإمام أحمد في المشهور عنه.\nففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال. [نحرنا مع رسول الله - ﷺ - عامَ الحديبية، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة] (١).\nوأما إسحاق وغيره من الفقهاء فقد ذهبوا إلى أن البدنة تجزئ عن عشرة.\nوفي التحقيق فإن البدنة تجزئ عن سبعة أو عشرة حسب حجمها. وعليه تدل مجموع الأحاديث، ومن ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن رافع بن خديج: [أن رسول الله - ﷺ - قَسَمَ بينهم الغنائم، فعدل الجَزُور بِعَشْرِ شِياه] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم عن جابر قال: [خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مُهِدِّينَ بالحج معنا النساءُ والولدانُ، فلما قدمنا مكة، طُفْنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأمرنا رسولُ الله - ﷺ - أن نشترك في الإبل والبقر كُلُّ سبعة منا في بَدَنة] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند حسن عن ابن عباس قال: [كنّا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣١٨)، كتاب الحج، ورواه البخاري وغيره من أهل السنن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٣٠٧)، كتاب الشركة، باب من عدل عَشَرَةً من الغنم في القَسْم. وانظر كتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٧٢٣) لتفصيل البحث.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٣١٨)، كتاب الحج. باب الاشتراك في الهدي.","vol":"5","page":191},{"text":"مع النبي - ﷺ - في سفر، فحضَر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سَبْعة، وفي الجزور عشرة] (١).\nوواضح أن أحاديث السبعة أكثر وأصح. قال ابن القيم: (وإما أن يُقال: عَدْلُ البعير بعشرة من الغنم، تقويمٌ في الغنائم لأجل تعديل القِسمة، وأما كونُه عن سبعة في الهدايا، فهو تقدير شرعي، وإما أن يُقال: إن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والإبل، ففي بعضها كان البعير يعدل عشر شياه، فجعله عن عشرة، وفي بعضها يَعْدِلُ سبعة، فجعله عن سبعة، والله أعلم) (٢).\nوقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. قال مجاهد: (أجرٌ ومنافع). وقال إبراهيم النَخعِيُّ: (يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها).\nوقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال ابن عباس: (قيامًا على ثلاث قوائم، معقولة يدُها اليسرى، يقول: [باسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك).\nوقال مجاهد: (إذا عُقِلت رجلُها اليسرى قامت على ثلاث). قال: (﴿صَوَافَّ﴾: تُصَفُّ بين يديها).\nوفي قراءة لابن مسعود: \"صوافن\"- قال قتادة: (أي: مُعَقّلة قيامًا). وفي قراءة طاووس والحسن: ﴿فاذكروا الله عليها صوافي﴾، يعني خالصةً لله ﷿، وكذلك رواه مالك عن الزهري. وقال عبد الرحمن بن زيد: (\"صوافي\": ليس فيها شِرْكٌ كَشِرْكِ الجاهلية لأصنامهم).\nواختار ابن جرير القراءة المشهورة: ﴿صَوَافَّ﴾ بمعنى مصطفة، واحدها: صافة، وقد صفت بين أيديها وهي المعقولة إحدى قوائمها.\nوقال القرطبي: (﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي انحروها على اسم الله، و﴿صَوَافَّ﴾ أي قد صُفّت قوائمها. والإبل تُنحر قيامًا معقولة. وأصل هذا الوصف في الخيل، يقال: صَفَنَ الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى سُنْبُك الرابعة، والسّنبك طرف الحافر).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٥)، والنسائي (٧/ ٢٢٢)، والترمذي (٩٠٥).\n(٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، وكتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٧٢٤).","vol":"5","page":192},{"text":"وقد جاءت السنة العطرة بهذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن زِيادِ بن جُبيرٍ قال: [رأَيْتُ ابنَ عمرَ ﵄ أتى على رَجُلٍ قد أناخ بدنَتَهُ يَنْحَرُها، قال: ابعثها قيامًا مُقَيَّدةً، سُنَّةَ محمدٍ - ﷺ -] (١).\nقال البخاري في كتاب الحج من صحيحه -باب نحرِ البُدْن قائمة- وقال ابن عمر ﵄: سنة محمد - ﷺ -. وقال ابن عباس ﵄: ﴿صَوَافَّ﴾: قيامًا.\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند حسن عن جابر: [أنَّ رسول الله - ﷺ - وأصحابَه كانوا ينحرون البُدْن معقولةَ اليُسْرى، قائمة على ما بقي من قوائمها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أبي رافع: [أنّ رسول الله - ﷺ - كان إذا ضحّى اشترى كبشين سمينين أقرنيق أملحَين، فإذا صلى وخطبَ الناس أُتي بأحدهما وهو قائم في مُصَلّاه فَذَبحه بنَفْسِهِ بالمُدْية، ثم يقول: \"اللهمّ، هذا عن أمتي جميعها، مَنْ شَهِدَ لك بالتوحيد وشَهدَ لي بالبلاغ\". ثم يُؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: \"هذا عن محمد وآل محمد\" فيطعِمُها جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما] (٣).\nوقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. أي: إذا سقطت على جنوبها ميتة. فكنى عن الموت بالسقوط. قال مجاهد: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت إلى الأرض).\nأو قال: (نحرت). وقال ابن زيد: (فإذا ماتت). وقال ابن إسحاق: (إذا فرغت ونُحِرت).\nوالمقصود: لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها، ولا بد من الإسراع في الذبح وتحديد الشفرة لئلا تُعَذّب البهيمة.\nففي صحيح مسلم عن شداد بن أوس قال: [ثِنْتان حَفِظْتُهُمَا عَنْ رسول الله - ﷺ - قال: إنَّ الله كتب الإحسانَ على كل شيء، فإذا قَتَلتُمْ فأحِسنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُم فأحسنوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٧١٣)، كتاب الحج. باب نحر الإبل مقيدة. وأخرجه مسلم (١٣٢٠)، وأبو داود (١٧٦٨)، وأحمد (٢/ ٣)، وابن حبان (٥٩٠٣) من حديث ابن عمر.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (١٧٦٧)، ويشهد له ما قبله.\n(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٨)، (٦/ ٣٩١ - ٣٩٢)، وأخرجه ابن ماجة كما مضى، والحديث صحيح.","vol":"5","page":193},{"text":"الذَّبْحَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَليُرحْ ذبيحته] (١).\nوفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند حسن عن أبي واقد اللَّيثيّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما قُطِعَ من البهيمة وهي حَيَّةٌ فهو مَيْتةٌ] (٢).\nوقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال مالك: (يستحب ذلك). فهو أمر إباحة لا وجوب.\nوعن مجاهد: (هي رخصة. وقال: إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل).\nوقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة:\n١ - قال ابن عباس: (القانع: المستغني بما أعطيته، وهو في بيته. والمعتز: الذي يتعرَّض لك، ويلمّ بك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل، وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البدن).\n٢ - قال مجاهد: (القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته. والمعتزّ: الذي يتعزض لك ولا يسألك). وقال: (القانع: أهل مكة. والمعتزّ: الذي يعتريك فيسألك).\n٣ - قال قتادة: (القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك).\nوقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ أنّ الأضحية تُجَزَّأُ ثلاثةَ أجزاء، فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء.\nوفي صحيح البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: قال النبي - ﷺ -: [مَنْ ضَحّى منكم فلا يُصْبِحَنَّ بعدَ الثالثة وبَقيَ في بيتهِ منه شيء. فلما كان العامُ المقبلُ قالوا: يا رسول الله، نفعلُ كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادَّخِروا، فإن ذلك العام كان بالناس جَهْدٌ فأرَدْتُ أن تُعينوا فيها] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٩٥٥)، كتاب الصيد والذبائح. باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة.\n(٢) حسن صحيح. أخرجه أبو داود (٢٨٥٨)، وابن ماجة (٣٢١٦)، والترمذي (٤٤٨٠)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢١٨)، والحاكم (٤/ ٢٣٩) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٥٦٩) - كتاب الأضاحي. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٩٢٩).","vol":"5","page":194},{"text":"وفي لفظ مسلم: (فكلوا وادّخِروا وتصدقوا) (١). وفي رواية: (كلوا وتزودوا وادّخروا).\nوفي لفظ آخر: (كلوا وأطعموا واحْبِسوا أو ادّخِروا) (٢).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nأي: هذا التذليل من الله تعالى لهذه البدن لكم: في ركوبها ولحومها ولبنها إنما هو فضل الله وكرمه عليكم لعلكم تحسنون شكره وعبادته.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\nقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].\nولكنْ: قليل من عباد الله هم الشاكرون، وأكثر الناس في غفلة عن نعم الله التي تغمرهم.\nففي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن عتبة بن عبد، عن النبي - ﷺ - قال: [لو أنَّ رجلًا يُجَرُّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله تعالى لَحَقِرَهُ يوم القيامة] (٣).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له: ألمْ أجْعل لك سَمْعًا وبَصَرًا ومالًا وَوَلدًا وسَخَّرْت لك الأنعام والحرث، وتركتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنك ملاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (٤).\nوقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.\nقال إبراهيم: (ما أريد به وجه الله). وهو كما قال ابن زيد: (إن اتقيت الله في هذه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩٧١) - كتاب الأضاحي. وانظر للرواية الأخرى (١٩٧٢) منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩٧٣) - كتاب الأضاحي، في ختام حديث أطول.\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح الجامع (٥١٢٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٧٥)، وكتابي: تحصيل السعادتين على منهج الوحيين (٩٨ - ٩٩) لتفصيل هذا البحث.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٥٥٨). أبواب صفة القيامة. انظر صحيح سنن الترمذي- حديث رقم- (١٩٧٨)، وأصله في صحيح مسلم.","vol":"5","page":195},{"text":"البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيمًا لشعائر الله، ولحرمات الله).\nوعن ابن جريج قال: (كان أهل الجاهلية ينضَحُون البيتَ بلُحوم الإبل ودِمَائها، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: فنحن أحق أن ننضح. فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم] (١).\nوفي رواية: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم].\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nأي: كذلك سخر الله لكم هذه البدن وذلّلها كي تعظموا الله على ما هداكم له من أمر دينكم وإتمام مناسك حجكم.\nقالى ابن زيد: (﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: على ذبحها في تلك الأيام ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول: وبشِّر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة).\n٣٨ - ٤١، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: دفاعُ الله عن المؤمنين، وسخطه على الخائنين الكافرين، وتشريعُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٦٤) (٣٣)، وأخرجه أيضًا برقم (٣٤) - وهي الرواية الأخرى.","vol":"5","page":196},{"text":"القتال لإقامة هذا الدين، ودفعُ الله الناس بعضهم ببعض لنصرة الحق المبين. والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر موعودون بالشوكة والتمكين.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا بالله وبرسوله، إن الله لا يحبّ كلّ خوّان يخون الله، فيخالف أمره ونهيه ويعصيه، ويطيع الشيطان ﴿كَفُورٍ﴾ يقول: جَحود لنعمه عنده، لا يعرف لمنعمها حقه فيشكره عليها).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، وإن استعاذني لأعيذنّه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١).\nفمن كان وليًّا لله آذن الله تعالى من عاداه بالحرب، وكان في عناية الله وحراسته.\nوفي صحيح مسلم عن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ صلّى صلاة الصبح فهو في ذِمَّة الله، فلا يَطْلُبَنَّكُم الله من ذِمَّتِهِ بشيء، فإنه من يَطْلُبْهُ من ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثم يَكْبّهُ على وجهه في نار جهنم] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٥٠٢) - كتاب الرقاق، باب التواضع.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٦٥٧) - كتاب المساجد- باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، من حديث جندب ﵁.","vol":"5","page":197},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.\nأخرج أحمد في المسند ورجاله رجال الصحيح، وكذلك الترمذي في السنن بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لمّا خرجَ النبي - ﷺ - من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيّهم! إنا لله وإنا إليه راجعون، لَيَهْلِكُنَّ. قال: فأنزل الله ﷿: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ قال أبو بكر ﵁: فعرفت أنه سيكون قتال. قال ابن عباس: (وهي أول آية نزلت في القتال)] (١)\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: هو قادرٌ على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبلو جُهدَهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦]).\nوعن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ قال: وقد فَعَل).\nوفي التنزيل أيضًا:\n١ - قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].\n٢ - وقال تعال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].\nأخرج الخطيب في \"التاريخ\" وبنحوه الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن أنس\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣١٧٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٣٤٥)، وأخرجه ابن جرير (٢٥٢٥٤) - (٢٥٢٥٥)، وإسناده صحيح، ورواه أحمد والحاكم وغيرهم.","vol":"5","page":198},{"text":"مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْرِ، والفَرَجُ مع الكَرْب، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (١).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.\nقال ابن عباس: (أُخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعنى محمدًا وأصحابه).\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾.\nأي: ما كان لهم من ذنب حين أخرجهم الكفار واضطروهم إلى الهجرة إلا أنهم أخلصوا التوحيد لله بقولهم: ربنا الله وحده لا شريك له، وأفردوه بالعبادة والتعظيم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨].\nوفي صحيح البخاري من حديث أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله أين تنزل غدًا؟ قال النبي - ﷺ -: [وهل ترك لنا عقيل مِنْ منزل] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.\nالصوامع: المعابد الصِّغار التي تخصّ الرهبان. قال مجاهد: (صوامع الرهبان).\nوقال الضحاك: (﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ وهي الصوامع الصغار يبنونها).\nوالبيع أوسع من الصوامع، وأكثر عابدين فيها، وهي خاصة بالنصارى أيضًا. وقيل بل هي كنائس اليهود.\nقال الضحاك: (البيع: بيع النصارى). وقال مجاهد: (﴿وَبِيَعٌ﴾ قال: وكنائس).\nوقال ابن زيد: (البيع: الكنائس). وروي عن ابن عباس: (أنها كنائس اليهود).\nوالصلوات: قال ابن عباس: (يعني بالصلوات الكنائس). وقال الضحاك: (﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ كنائس اليهود، ويسمون الكنيسة صلوتًا). وقال أبو العالية: (هي مساجد الصابئين).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، وانظر مسند أحمد (١/ ٣٠٧)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، والسلسلة الصحيحة (٢٣٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٢٨٢) - كتاب المغازي. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية. (٣/ ١٢٧٦) - في أثناء فتح مكة.","vol":"5","page":199},{"text":"وقال مجاهد: (﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام بالطرق)، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَسَاجِد﴾ قال رفيع: (مساجد المسلمين). وقال قتادة: (المساجد: مساجد المسلمين يذكر فيها اسم الله كثيرًا).\nوقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. قال الضحاك: (الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرًا).\nوقيل: بل الضمير في قوله ﴿فِيهَا﴾ عائد إلى المساجد لأنها أقرب المذكورات.\nقال ابن جرير: (الصوابُ لَهُدِّمَت صوامع الرهبان وبيعُ النصارى وصلواتُ اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسمُ الله كثيرًا، لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب). وقال بعض أهل العلم: (هذا تَرَقٍّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن ينتهي إلى المساجد، وهي أكثر عُمَّارًا وأكثر عُبّادًا، وهم ذوو القَصْدِ الصحيح).\nوالخلاصة: هذه سنة من سنن الله تعالى في خلقه وعباده، فإنه لولا أنه سبحانه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شرَّ أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدّره من الأسباب والتصريف لشؤون وأحوال العباد، لفسدت الأرض، وأهلك القوقي الضعيف، ولَبَالَغَ المتجبرون والطغاة في عتوهم وبطشهم، ولكن إرادة الله وأقداره تكسرهم وتمنعهم.\nوقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾.\nسنة أخرى من سنن الله تعالى، وهي في أوليائه وأتباع أنبيائه ورسله. فإنهم إن صدقوا الله تعالى نَصْرَ دينه، صَدَقَهُم الله جل ثناؤه النصرَ والتمكين.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨].\nوفي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الرحمن بن","vol":"5","page":200},{"text":"كعب بن مالك عن أبيه مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: [إن المؤمنَ يجاهدُ بسيفه ولسانه] (١).\nوفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: هو القوي فيمكن المؤمنين بقوته وجبروته ليقهروا عدوهم، وهو العزيز فكل الطغاة مقهورون بعزته مهزومون بكبريائه أذلاء تحت حكمه وقضائه.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. هو غاية التمكين، ومنهاج المؤمنين، فإن في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقامة للدين.\nقال أبو العالية: (كان أمرهم بالمعروف أنهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده، لا شريك له، ونهيهم عن المنكر، أنهم نهوا عن عبادة الأوثان، وعبادة الشياطين، قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلهم، فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان، فقد نهى عن المنكر).\nوفي التنزيل:\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى﴾ [النور: ٥٥].\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾. قال زيد بن أسلم: (وعند الله ثواب ما صنعوا).\nقال ابن جرير: (يقول: ولله آخر أمور الخلق، يعني: أن إليه مصيرها في الثواب عليها، والعقاب في الدار الآخرة).\nوفي التنزيل:\n﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥].\nوفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: [من أَحْسَنَ في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣٨٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٣١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم والترمذي. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١١٠٢).","vol":"5","page":201},{"text":"الإسلام لم يُؤاخذ بما عمِلَ في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأول والآخر] (١).\n٤٢ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن تكذيب الأمم المرسلين، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم، وقوم لوط وكذلك كُذِّبَ موسى رغم الحجج البينات، والأدلة القاطعات الواضحات، فأملى تعالى للكافرين، ثم أخذهم بعذاب مهين. إنه كم من قرية كذَّبَ أهلها فنزل بها العذاب، فإذا هي خراب، وبئر لا يُستسقى منها ولا يردها أحد، وقد كانت تعج بالواردين، وَقَصْرٍ محكم البنيان، لم يمنع أهله من الخزي والخذلان. أفلم يبصر هؤلاء المكذبون أثناء تحركهم في الأرض مصارع أمثالهم من الأمم المكذبة الزائلة، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ الآية.\nتسلية من الله سبحانه لنبيه محمد - ﷺ - عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم له، وإخباره أن هذا الموقف الساقط الذي يواجه به قومه ما يأتيهم من الحق والحجة والبرهان إنما هو سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذبة مع رسل الله إليهم.\nوقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٢٤) -كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم-، ورواه مسلم في الصحيح (١٢٠) ح (١٩٠) - كتاب الإيمان- باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية.","vol":"5","page":202},{"text":"بالنقمة والعذاب ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة، وبالحياة موتًا وهلاكًا، وبالعمارة خرابًا؟ يقول: فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني مُنْجِزك وعدي فيهم، كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم، وأنجيتهم من بين أظهرهم).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ الله لَيُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه. قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١).\nوقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾.\nأي: وكم -يا محمد- من قرية أهلكتها وهي مكذبة لرسولها، وتقوم على الكفر وفعل المعصية.\nوقوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال الضحاك: (خواؤها: خرابها، وعروشها: سقوفها).\nوقال قتادة: ﴿خَاوِيَةٌ﴾: خربة ليس فيها أحد).\nوقوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. أي: لا يُستقى منها، ولا يرِدُها أحد بعد أن كانت تعجّ بكثرة الواردين لها، والمزدحمين على السقاية منها.\nوعن عطاء عن ابن عباس: (﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: التي تُرِكت، وقال غيره: لا أهل لها).\nوعن قتادة قال: (عطلها أهلها، تركوها).\nوقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - عن عكرمة: (﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مُجَصَّص). قال: (والجصّ بالمدينة يسمى الشِّيد).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، والبيهقي (٦/ ٩٤)، وأخرجه ابن ماجة (٤٠١٨)، وابن حبان (٥١٧٥).","vol":"5","page":203},{"text":"٢ - وعن مجاهد: (﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقِصَّة أو الفضة). وقال: (بالقصة يعني بالجصّ).\n٣ - قال قتادة: (كان أهله شيّدوه وحصَّنوه، فهلكوا وتركوه). وقال الضحاك: (﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ يقول: طويل).\nوكلها أقوال محتملة، وإنما العبرة من كل ما سبق أن شدة البناء والإحكام والتحصين والارتفاع لم تحم أهل القصر والبنيان من حلول بأس الله ونقمته بهم لما جاء أجلهم وحان وقت عذابهم مقابل تكذيبهم وبغيهم.\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.\nأي: أفلم يسيروا -هؤلاء المكذبون رسلهم الجاحدون قدرة ربهم على إحداث التغيير والدمار- فينظروا إلى مصارع ضربائهم وأمثالهم من الأمم الماضية المكذّبة الزائلة.\nوقوله: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.\nقال النسفي: (أي يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه، ويسمعون ما يجب سماعه من الوحي).\nوقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرةُ سليمةً فإنها لا تنفذ إلى العِبَر، ولا تدري ما الخبر).\nفائدة: القلب مركز التفكير والفقه، وليس العقل الذي في الدماغ.\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\nوالحق أن الدماغ هو متأثر بالقلب الذي هو من جهة: مركز حياة الأبدان وموجه حركتها، وبتعطله تتعطل الحياة. ومن جهة ثانية: فهو مركز الفكر والعقل والفقه والوعي والفهم.","vol":"5","page":204},{"text":"وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: [ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسدَ الجسد كلّه، ألا وهي القلب] (١).\n٤٧ - ٥١. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾.\nفي هذه الآيات: استعجالُ المشركين العذاب ولن يخلف الله وعده في الانتقام منهم، وإن مقدار ألف سنة عند خَلْقِه كيوم واحدٍ عنده بالنسبة إلى حكمه. إنه كم من قرية طغى أهلها فكان إنظارهم ثم نزول العذاب بهم وإلى الله المصير. قل -يا محمد- معلنًا للناس أنك نذير مبين، فالمؤمنون لهم مغفرة لذنوبهم وهم في جنات النعيم، والكافرون ليسوا معجزين ولهم عذاب الجحيم.\nفقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾. أي: استهزاء وكبرًا. والمقصود: طغاة مكة الذين كذبوا النبوة وجحدوا الدار الآخرة.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦].\nوفي مسند الإمام أحمد بإسناد قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢)، كتاب الإيمان. وكذلك (٢٠٥١)، ورواه مسلم. وانظر تفصيل البحث -العلاقة بين الروح والقلب والنفس والعقل- في كتابي: تحصيل السعادتين على منهج الوحيين (١٩٨ - ٢١٢).","vol":"5","page":205},{"text":"العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ - عام في أوليائه وأعدائه.\nقال ابن جرير: (ولن يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم، من إحلال عذابه ونقمته بهم في عاجل الدنيا، ففعل ذلك، ووفى لهم بما وعدهم، فقتلهم يوم بدر).\nقلت: ووعد الله تعالى في الانتقام من أعدائه لا يقتصر على الدنيا، بل يشمل خزي يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\nقال ابن عباس: (من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض). وقال النسفي: (أي كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام الشدائد طوال).\nقال ابن كثير: (أي: هو تعالى لا يعجَلُ، فإنَّ مقدارَ ألفِ سنةٍ عند خَلْقِهِ كيوم واحدٍ عنده بالنسبة إلى حُكمِهِ، لعِلْمِهِ بأنَهُ على الانتقام قادر، وأنه لا يفوتُه شيء، وإن أجَّلَ وأنْظَرَ وأمْلَى).\nوفي جامع الترمذي ومسند أحمد بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: [يدخلُ فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، خمس مئة عام] (٢).\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص: [أن النبي -ﷺ- قال: إني لأرجو، أنْ لا تعجزَ أمتي عند ربها أن يؤخرهم نِصفَ يوم. قيل لسعد: وكم نصف ذلك اليوم؟ قال: خمس مئة سنة] (٣).\nوله شاهد عنده من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله -ﷺ-: [لَنْ يُعْجزَ الله هذه الأمةَ من نصف يوم] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٤).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي في الجامع (٢٣٥٣) - (٢٣٥٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٩٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٣٤٨)، وابن حبان (٦٧٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٣٥٠)، كتاب الملاحم. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٥٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٣٤٩)، كتاب الملاحم، باب قيام الساعة، من حديث أبي ثعلبة الخشني. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣٦٥٥).","vol":"5","page":206},{"text":"وأخرج ابن جرير بسنده إلى أبي نَضْرَة، عن سُمَير بن نَهار قال: قال أبو هريرة: (يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم. قلت: وما نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.\nقال النسفي: (أي: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حينًا ﴿وَثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع إلي فلا يفوتني شيء).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\nردٌّ على كفار مكة حين سألوا رسول الله -ﷺ- تعجيل العذاب، فأخبرهم أنه إنما عليه النذارة وليس إليه أمر العقاب، فالله يحكم ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١].\nوقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.\nقال ابن جريج: (الجنة). فإن أهل الإيمان والعمل الصالح موعودون من ربهم بستر ذنوبهم ومضاعفة حسناتهم.\nقال محمد بن كعب القرظي: (إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، فهو الجنة).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\n١ - قرأ قراء المدينة والكوفة \"معاجزين\".\nقال ابن عباس: (\"معاجزين\": مشاقّين)، أو قال: (مراغمين). وعن قتادة قال: (كذّبوا بآيات الله، فظنوا أنهم يُعجزون الله، ولن يعجزوه).\n٢ - وقرأ بعض قراء مكة والبصرة: \"مُعَجِّزين\" أي عَجَّزوا الناس وثَبَّطُوهم عن اتباع رسول الله -ﷺ- وعن الإيمان بالقرآن. قال مجاهد: (قوله: \"مُعَجِّزين\": مُبَطِّئين، يَبُطِّئُونَ الناس عن اتباع النبي -ﷺ-).\nوالقراءتان مشهورتان في الأمصار، والمعنى متقارب، فإن المكذبين بآيات الله\n_________\n(١) موقوف في حكم المرفوع. رواه ابن جرير في \"التفسير\"، ويشهد له حديث الترمذي (٢٣٥٣).","vol":"5","page":207},{"text":"ووعده ووعيده يحسبون أنهم يفلتون من حكم الله ويحاربون أولياءه ويصدون الناس عن سبيل الله، ونار الجحيم تنتظرهم لتكون مستقرهم ومآلهم.\n٥٢ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إبطالُ الله وساوس وأماني الشيطان من دعوة الرسل، وجعل تلك الأماني والوساوس فتنة للشاكين المنافقين والقاسية قلوبهم، ففي إنزال إلله آيات القرآن ونسخ ما ألقى الشيطان تثبيت للمؤمنين، ودحض لأمنيات المبطلين، والله يهدي المؤمنين إلى صراط مستقيم.\nفقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية.\nقال البخاري: (وقال ابن عباس في ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾: إذا حَدَّثَ ألقى الشيطان في حديثه، فيُبْطِلُ الله ما يكقي الشيطان ويُحْكِمُ آياته، ويُقال أُمْنِيَّتُهُ قِراءتُه، ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]: يقرؤون ولا يكتبون) (١).\nوقال القاسمى: (﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي رغب في انتشار دعوته، وسرعة علوّ شرعته ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي بما يصد عنها، ويصرف المدعوّين عن إجابتها ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي يبطله ويمحقه ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يثبتها ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ يعلم الإلقاءات الشيطانية، وطريق نسخها من وجه وحيه ﴿حَكِيمٌ﴾ يحكم آياته بحكمته).\nقلت: وأما ما ذكر المفسّرون عند هذه الآية من قصة الغرانيق: أن رسول الله -ﷺ-\n_________\n(١) انظر صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الحج، الحاشية.","vol":"5","page":208},{"text":"مدح أصنام الكفار بقوله: \"تلك الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لترتجى\" فهو كذب وافتراء وباطل. ويبدو أنه من صنع المشركين الذين لم يتمالكوا عند سماع سورة النجم يتلوها رسول الله -ﷺ- عند الكعبة إلا أن خرّوا ساجدين.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄: [أَنَّ النبي -ﷺ- سجدَ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس] (١).\nوكذلك أخرج البخاري من طريق عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أقرأ النبي -ﷺ- النجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غيرَ شيخ، أخذ كفًا من حصى، أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافرًا] (٢).\nوالذي يظهر في التحقيق أنه لما توالى على الذين سجدوا من المشركين اللوم والعتاب ممن لم يحضر من رفاقهم وعشائرهم، لجؤوا إلى الكذب والافتراء وزعموا أن رسول الله -ﷺ- مدح أصنامهم فسجدوا لذلك. ثم إن القصة لا تثبت من الجهة الحديثية، فإن أسانيدها مظلمة يحطم بعضها بعضًا (٣)، فضلًا عن أنها مرفوضة متنًا لاصطدامها مع العصمة النبوية، في قضية الوحي والتوحيد والأمور الإيمانية الشرعية.\nوقوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.\nقال ابن جريج: (يقول: وللذين قست قلوبهم عن الإيمان بالله، فلا تلين ولا ترعوي، وهم المشركون بالله). وقال: (﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: هم المنافقون).\nوالآية تشير إلى بعض مقتضيات حكمته تعالى من ذلك أنه يجعل هذا الإلقاء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٧١) - كتاب الكسوف، وكذلك في كتاب سجود القرآن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٧٠) - الكتاب السابق. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٣١٠ - ٣١١).\n(٣) قال ابن كثير: (وكلها مرسلات ومنقطعات). فالزنادقة -فيما يبدو- ركبوا الأسانيد إلى التابعين بل وصل به بعضهم إلى ابن عباس. وقد حكم ببطلان قصة الغرانيق، أبو بكر بن العربي، والشوكاني، والبيهقي، وابن إسحاق صَاحب السيرة حيث سئل عن هذه القصة فقال: هذا من وضع الزنادقة. نقله عنه أبو حيان في البحر. وقال أبو منصور الماتريدي: (هذا الخبر من إيحاء الشيطان إلى أوليائه الزنادقة). وجمع الألباني رسالة في بطلان طرق هذا الخبر سماها: \"نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق\".","vol":"5","page":209},{"text":"الشيطاني فتنة للشاكين المنافقين والقاسية قلوبهم عن قبول الحق، ابتلاء لهم ليزدادوا عتوًا وإثمًا، ورحمة للمؤمنين ليزدادوا يقينًا وثباتًا.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. أي: في ضياع وضلال ومخالفة وعناد عن قبول الحق والإذعان إليه.\nوقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾. هو إخبار من الله تعالى عن بعض حكمته من إنزال آيات القرآن، في دحض أمنيات الشيطان. قال ابن جريج: (﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: يعني القرآن).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لوسوله، ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد، ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾: يقول: فيصدقوا به، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾: يقول: فتخضع للقرآن قلوبهم، وتذعن بالتصديق به، والإقرار بما فيه).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nيدل على هداية التوفيق والإلهام، للثبات على الحق والإيمان، ضد محاولات كيد الشيطان.\nقال النسفي: (فيتأولون ما تشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبون لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة).\nأخرج البيهقي بسند حسن عن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذري قال: قال رسول الله -ﷺ-: [يحمل هذا العلم من كل خلف عُدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين] (١).\n٥٥ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ\n_________\n(١) الحديث روي موصولًا من طريق جماعة من الصحابة، وصحح بعض طرقه الحافظ العلائي. انظر تفصيل ذلك في كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٢٦٩).","vol":"5","page":210},{"text":"فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾.\nفي هذه الآيات: استمرارُ الكفار في الشك والريب من هذا القرآن حتى تنزل بهم ساعة النقمة فجأة أو عذاب يوم القيامة. إنه في ذلك اليوم يتفرد الله تعالى بالملك والحكم فالمؤمنون في جنات النعيم، والكفار في شقاء الجحيم.\nفعن ابن جريج: (﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: من القرآن).\nأي: لا يزال الكفار في شك وريب من هذا القرآن الذي أحكم الله آياته. واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾. أي حتى تأتيهم ساعة النقمةِ فجأة، فيحلّ بهم بأس الله وسخطه. قال مجاهد: (﴿بَغْتَةً﴾: فجأة). وقال قتادة (﴿بَغْتَةً﴾، بَغَتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وَغِرَّتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغْتَرُّ بالله إلا القوم الفاسقون).\nوقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال مجاهد: (قال أبي بن كعب: هو يوم بدر) - واختاره ابن جرير. وقال مجاهد -في رواية أخرى- وعكرمة: (هو يومُ القيامة لا ليلةَ له).\nقلت: والسياق يدل على القول الثاني، وهو وعيد القيامة وما يكون من الهول والمصيبة على الكفار في ذلك اليوم العقيم، ولذلك قال تعالى في الآية بعدها: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. واختاره الحافظ ابن كثير وقال: (وهذا القولُ هو الصحيح -يشير إلى قول عكرمة ومجاهد- وان كان يوم بدر من جُملة ما أوعدوا به).\nوقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. أي السلطان والحكم لله يوم يحشر الناس، ويوضع الميزان، ويكون القصاص.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].","vol":"5","page":211},{"text":"ومن كنوز السنة العطرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي -ﷺ-، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يرنُ هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانَك ما عبدناك حقّ عبادتك. ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١).\nالحديث الثاني: خزج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعًا: [لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة] (٣).\nورواه من طريق أبي حجيرة عنه مرفوعًا بلفظ: [ألا والذي نفسي بيده، ليختصمن كل شيء يوم القيامة حتى الشاتان فيما انتطحتا] (٤).\nوفيه من حديث أبي ذر قال: [رأى رسول الله -ﷺ- شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر! أتدري فيمَ تنتطحان؟ قلت: لا، قال: ولكن ربك يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة] (٥).\nالحديث الرابع: أخرج الشيخان عن عائشة: [أن النبي -ﷺ- قال: ليس أحد يحاسَبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أو ليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (٦).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الحاكم (٤/ ٥٨٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم وبعض أهل السنن. انظر مختصر صحيح مسلم (١٨٣٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٦٧).\n(٤) إسناده حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٩٠)، واتطر الصحيحة ج (٣) ص (٦٠٩).\n(٥) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٢)، وانظر تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٤٢).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٩)، وأخرجه مسلم (٢٨٧٦)، وغيرهما.","vol":"5","page":212},{"text":"وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.\nنعتٌ لِمُسْتَحِقّي جنات الخلد والنعيم المقيم، إنهم المؤمنون على منهاج النبوة، أهل العمل الصالح والمسابقة في الخيرات.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\nنَعْتٌ لِمُسْتَحِقّي صلي الجحيم والعذاب المهين، إنهم الذين كفروا بالوحي وكذبوا النبوة، فإن جَزاء الاستكبار عن الإيمان بالله وحده ومتابعة الرسل هو نار جهنم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينةِ الخبال] (١).\n٥٨ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على المهاجرين والمجاهدين ووعدهم الرزق الحسن وخير المنازل إذا قضوا في سبيل الله والله خير الرازقين. ووعدٌ لِمَنْ بُغِي عليه من المؤمنين فأخرجوا من ديارهم بانتصار الله لهم من المشركين الظالمين.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي وأحمد. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وتخريج المشكاة (٥١١٢)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٨٩٦).","vol":"5","page":213},{"text":"فقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾.\nفيه أجر مفارقة العشائر والأوطان، والأهلين والخلّان، لإعلاء كلمة الحق ودين الرحمن، ولو كان ثمن ذلك الأرواح والأبدان.\nقال النسفي: (﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خرجوا من أوطانهم مجاهدين ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ في الجهاد ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ حتف أنفهم ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قيل الرزق الحسن الذي لا ينقطع أبدًا).\nوقد حفلت السنة العطرة بآفاق هذا الرزق الحسن في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: أنّ رسول الله -ﷺ- قال: [تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جَاهَدَ في سبيله، لا يُخْرِجُهُ إلا الجهادُ في سبيله وتصديقُ كَلِماتِه، بأنْ يُدْخِلهُ الجَنَّةَ أو يرجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الذي خرجَ منه مع ما نالَ من أجْرٍ أو غنيمة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [انتدب الله لِمَنْ خرجَ في سبيله لا يُخْرجُه إلا إيمانٌ بي وتصديق بُرِسُلي أنْ أَرْجِعَهُ بما نالَ مِنْ أَجْرٍ أو غنيمة أو أدخِلَهُ الجنة، ولولا أَنْ أَشقَّ على أمتي ما قَعَدْتُ خَلْفَ سَريّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أني أقتل في سبيل الله، ثم أُحْيَا، ثم اقْتَلُ ثم أُحْيَا ثم أقتلُ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله -ﷺ- قال: [ثلاثة كُلُّهم ضامِن على الله ﷿، رجلٌ خرج غازيًا في سبيل الله، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله ﷿] (٣).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٤٥٧)، كتاب التوحيد، ورواه مسلم وغيره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦)، كتاب الإيمان، باب: الجهادُ من الإيمان. وانظر الحديث (٢٧٨٧)،) (٢٧٩٧، (٧٢٢٧) منه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٤٩٤)، كتاب الجهاد، وانظر صحيح سنن أبي داود (٢١٧٨).","vol":"5","page":214},{"text":"وقال النسفي: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ لأنه المخترع للخلق بلا مثال، المتكفل للرزق بلا ملال).\nيروي ابن جرير في التفسير، وكذلك ابن أبي حاتم -واللفظ له- قال: (حَدّثنا أبو زُرْعةَ، حدثنا زيد بن بِشْر، أخبرني همَامٌ، أنه سمع أبا قبيل وربيعةَ بنَ سَيْفٍ المَعَافِرِيَّ يقولان: كنا بِرودِسَ، ومعنا فَضالةُ بن عُبَيد الأنصاري صاحبُ رسول الله -ﷺ- فَمُرَّ بجنازتين، إحداهما قتيل والأُخرى مُتَوفّى، فمال الناسُ على القتيل، فقال فَضالة: ما لي أرى الناسَ مالُوا معَ هذا وتركوا هذا؟ ! فقالوا: هذا قتيلٌ في سبيل الله تعالى. فقال: والله ما أُبالي من أيِّ حُفْرتَيْهما بُعِثْتُ، اسمعوا كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾).\nوقوله: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ - أي الجنان. وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾.\nوعدٌ من الله تعالى المؤمنين بالنصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم.\nقال القرطبي: (﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي بالكلام والإزعاج من وطنه، وذلك أن المشركين كذّبوا نَبيَّهم وآذَوا مَنْ آمن به وأخرجوه وأخرجوهم من مكة، وظاهروا على إخراجهم ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ أي لينصرنَّ الله محمدًا -ﷺ- وأصحابه، فإن الكفار بغوا عليهم).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.\nأي: إنه تعالى ذو عفو وصفح عمن انتصر من ظالمه، غفور لما صَدَر من انتصاره مِمَّن ظَلَمه مثل ما فُعِل به من الظلم.\n٦١ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ","vol":"5","page":215},{"text":"النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾.\nفي هذه الآيات: رَبْطُ نصر الله الغائب الموعود، بقدرته في هذا الكون المشهود، والله هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، سبحانه هو السميع البصير العلي الكبير.\nفقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.\nأي: ذلك النصر للمظلوم ممن بغى عليه هو بعض ما يجريه الله تعالى في هذا الكون من التدبير، فهو القادر على كل شيء، ومن آيات قدرته إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل: أي إدخاله مِنْ هذا في هذا، ومِنْ هذا في هذا، فتارة يطولُ الليل ويقصر النهار كما هو في الشتاء، وتارة يطولُ النهار ويقصر الليل كما هو في الصيف، ذلك بأنه خالق الليل والنهار ومصرفهما.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\nقال النسفي: (فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر والبغي والإنصاف، وأنه سميع لما يقولون ولا يشغله سمع عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، بصير بما يفعلون ولا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي، وإن توالت الظلمات).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾. أي: الإله الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي التعظيم إلا إليه، فهو الخالق الواحد الأحد المهيمن القهار.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾.\nأي: إنَّ كل ما عُبِدَ مِنْ غير الله باطل، من الأصنام والأوثان والطواغيت والشياطين.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿الْعَلِيُّ﴾ ذو العلوّ على كل شيء، هو فوق كل شيء، وكل شيء دونه. ﴿الْكَبِيرُ﴾ يعني العظيم، الذي كل شيء دونه، ولا شيء أعظم منه).\nوفي التنزيل من أدلة العلو:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا","vol":"5","page":216},{"text":"يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].\nومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن أنس: أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي -ﷺ- تقول: [زَوَّجَكُنَّ أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات].\nوفي لفظ: [إن الله أنكحني في السماء].\nوفي رواية: [زوجنيك الرحمن من فوق عرشه] (١).\nالحديث الثاني: خَرَّجَ مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله -ﷺ-: [ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: [اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى الله كأنها شرارة] (٣).\nوأما ﴿الْكَبِيرُ﴾: فهو الموصوف بالجلال وكبر الشأن:\n١ - قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].\nفالله تعالى هو الكبير لأنه أكبر من كل شيء، والمتعال: لأنه علا كل شيء وقهره وأحاط بكل شيء علمًا، فهو الذي خضعت له الرقاب ودان له العباد طوعًا وكرهًا.\n٦٣ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"التوحيد\"، والترمذي (٢/ ٢١٠)، وأحمد (٣/ ٢٢٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري ومسلم في أثناء حديث طويل. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (٥١٤) ص (١٤٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٢٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٨٧١).","vol":"5","page":217},{"text":"اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن عجائب آياته في هذا الكون، من إنزاله الماء واخضرار الزرع، وتسخيره ما في الأرض والفلك تجري في البحر، وحمله السماء أن تقع على الأرض وإحياؤه الموتى، ولكن الإنسان كفور.\nفقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.\nدلالة جديدة على قدرة الله وعظيم سلطانه، فهو الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا، فينزل الماء على الأرض اليابسة الممحلة فتصبح خضراء عُقيب المطر قد أخرجت نباتها بإذن ربها.\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر: ٢١].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. أي: لطيف باستخراج النبات من الأرض، خبير بحاجة العباد وفاقتهم.\nقال ابن عباس: (﴿خَبِيرٌ﴾ بما ينطوي عليه العبد من القنوط عند تأخير المطر. ﴿لَطِيفٌ﴾ بأرزاق عباده).\nوقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال القرطبي: (خلقًا وملكًا، وكلٌّ محتاج إلى تدبيره وإتقانه).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. أي: الغني في كل شيء، المحمود على كل حال.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nذِكْرٌ لنعمة أخرى مما امتن الله به على عباده، فقد سخّر لعباده ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار وغير ذلك.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله -ﷺ- بيدي فقال: [خلق الله","vol":"5","page":218},{"text":"التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).\nوقوله: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾.\nأي: وكذلك سَخَّرَ لكم الفلك تجري في البحر بأمره، ولكم من جَرْيها منافع كثيرة، في النقل والتجارة والأسفار.\nوقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ - هو كقوله تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].\nقال ابن كثير: (أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فَهَلك مَنْ فيها، ولكن من لُطْفِهِ ورحمته وقدرته، يُمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nأي: إنه تعالى رحيم بعباده رغم ذنوبهم وظلمهم، فكل ما سبق بعض أفضاله وآلائه فيهم: من ألوان التسخير الكثيرة، وإمساك السماوات لئلا تقع عليهم، وغير ذلك من النعم وألوان الرزق التي تدل على رأفته سبحانه بهم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١].\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [لَيْسَ أحدٌ أصْبَرَ على أذى سَمِعَه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٨٩)، كتاب صفات المنافقين. باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٦٠٩٩)، كتاب الأدب، باب الصبر في الأذى، من حديث أبي موسى. وكذلك (٧٣٧٨).","vol":"5","page":219},{"text":"وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- فيما يرويه عن ربه ﵎- قال: [يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ في أرحام أمهاتكم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ لإيصال جزائكم ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم، ودفع عنه من صنوف النقم، أو لا يعرف نعمة الإنشاء المبدئ للوجود، ولا الإفناء المقرب إلى الموعود، ولا الإحياء الموصل إلى المقصود؟ !).\n٦٧ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريرُ الله الشرائع في كل أمة وجعل شريعة نبينا محمد -ﷺ- ناسخة لجميع الشرائع قبلها. وتهديد ووعيد للذين جعلوا منهاجهم جدال المرسلين، ويوم الفصل يعلمون ما كانوا فيه يمترون.\nفقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: عيدًا).\nوقال مجاهد: (إراقة الدم بمكة). وقال قتادة: (﴿مَنْسَكًا﴾: ذبحًا وحَجًّا).\nوأصل المنْسَك الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردّد إليه لخير أو شر، ولكنه غالبًا ما يربط بالتعبد وأعمال العبادة. ومنه مناسك الحج. قال الرازي: (و\"المَنْسِك\" بفتح السين وكسرها الموْضِعُ الذي تُذْبَحُ فيه النَّسَائِك، وقرئ بهما قولُه تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾).\nقلت: والراجح من سياق الآية أن المقصود أعم من الذبح، فقوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٧)، وأحمد (٥/ ١٦٠) في أثناء حديث طويل.","vol":"5","page":220},{"text":"نَاسِكُوهُ﴾ أي شرعًا هم عاملون به مأمورون باتباع تفاصيله. وهذا متكرر في كل أمة مضت من الأمم، حتى ختم الله الرسالات ونسخ الشرائع بشريعة محمد -ﷺ- التي لا يُقبل اليوم غيرها.\nوقوله: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾. قال الزجاج: (أي فلا يجادلنك). قال القرطبي: (أي لا ينازعنك أحد منهم فيما يشُرع لأمتك، فقد كانت الشرائع في كل عصر).\nوقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾.\nأي: لا تلتفت -يا محمد- إلى جدال المشركين، وامض في دعوتك إلى التوحيد والدين الحق، فإنك أنت على الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: إن جادلوك بالباطل فأعرض عن مماراتهم.\nقال مجاهد: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ قال: قول أهل الشرك: أما ما ذبح الله بيمينه ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم).\nوالآية فيها تهديد ووعيد، فإن جدال الأنبياء والمرسلين ليس كجدال أحد من الناس.\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.\nقال النسفي: (هذا خطاب من الله للمؤمنين والكافرين، أي يفصل بينكم بالثواب والعقاب، ومسلاة لرسول الله -ﷺ- مما كان يلقى منهم).\nوقال القرطبي: (في هذه الآية أدبٌ حَسَن علّمه الله عبادَه في الرد على من جادل متَعنِّتًا ومِراء ألا يجاب ولا يُناظر ويُدفع بهذا القول الذي علّمه الله لنبيّه -ﷺ-).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا","vol":"5","page":221},{"text":"أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٤ - ٢٦].\n٤ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: ٨].\nوفي مستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن سابط عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود! إني رسولُ رسولِ الله -ﷺ-: [تعلمون المعادَ إلى الله، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (١).\n٧٠ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن كمال علمه وقدرته وكتابته كل شيء وما هو كائن إلى الأبد، والمشركون على مدار الزمان يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع وينسون الواحد الأحد. وإذا تُتلى على مشركي قريش -وأمثالهم- آيات القرآن الواضحة الدلالة والحجة علت وجوههم الكراهة لما يسمعون، وجوارحهم الهمّ بالبطش بالذين يؤمنون، فقل لهم -يا محمد-: أفأنبئكم أيها المشركون بأكره إليكم من ذلك: النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير.\nفقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\nإخبار عن كمال علمه سبحانه وإحاطته بخلقه وتمام تقديره، وكتابته تفاصيل كل\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه الحاكم (١/ ٨٣)، وله شواهد كثيرة. وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٦٨).","vol":"5","page":222},{"text":"ذلك في اللوح المحفوظ، فلا ينفذ قضاء في هذا الكون إلا قد عَلِمَه وكَتَبَه، وأن كل شيء عليه تعالى يسير.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].\nوفي كنوز السنة العطرة من آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إنَّ الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صبحيح من حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة] (٢).\nوفي رواية: [إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد].\nوفي لفظ: [اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: [جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله -ﷺ- في القدر. فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩]] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٥١) - في القدر باب: كتب المقادير قبل الخلق. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤١) بلفظ: (كتب الله مقادير الخلائق ...).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧)، والترمذي في التفسير (٢/ ٢٣٢)، وانظر تخريج: \"مشكاة المصابيح\" (٩٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٠٦) لتفصيل البحث.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد ومسلم وبنحوه البخاري. انظر مختصر صحيح مسلم (١٨٣٨).","vol":"5","page":223},{"text":"وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ.\nإخبار عن حال المشركين على مدار الزمان، فإنهم يدعون آلهة لا تضر ولا تنفع، ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو تعظيم مسلك الآباء والأجداد بلا في ليل ولا حجة ولا برهان، ولا يليق التعظيم والكبرياء إلا بالله ﷿.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله -ﷺ-: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعِزُّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذّبته] (١).\nورواه أحمد عنه بلفظ: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفتُه في النار].\nوقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. أي: من ناصر ينصرهم ويدفع عنهم ما كتب الله عليهم من الشقاء والنكال والعقاب.\nوقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾.\nأي: وإذا تتلى على مشركي قريش آيات القرآن الواضحة الدلالة والحجة تتبين في وجوههم -يا محمد- العبوس والكراهة لما يسمعون من الحق، شأن المشركين مع الوحي على مدار الزمان.\nوقوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾.\nقال ابن عباس: (﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يقول: يبطشون). أو قال: (يقعون بمن ذكرهم).\nوقال مجاهد: (يكادون يقعون بهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٣٥ - ٣٦)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٥٢) نحوه، ورواه أحمد باللفظ الآخر، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٤٠).","vol":"5","page":224},{"text":"قال النسفي: (﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يبطشون، والسطو الوثب والبطش ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ هم النبي -ﷺ- وأصحابه).\nوقوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nقال الضحاك: (يقول: أفأنبئكم أيها المشركون بأكره إليكم من هؤلاء الذين تتكرّهون قراءتهم القرآن عليكم، هي ﴿النَّارُ﴾، وعدها الله الذين كفروا).\nفقوله: ﴿النَّارُ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي. والمقصود: ستكون النار أغيظَ عليكم -معشر المشركين- من غيظكم من التالين الذكر، وأشد عليكم مما تجدونه من جرّاء ذلك من الضجر والكراهة، بل ستكون النار يوم القيامة مصدر تعاستكم وشقائكم، فبئست النار المستقر والمنزل والمقام لكم.\n٧٣ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تسفيه آلهة المشركين بضرب مثل لعجزها، فهي عاجزة عن خلق ذباب واحد، وهم عاجزون عن الانتصار لها لو سلبها الذباب شيئًا، فضعف الطالب والمطلوب. إنهم لم يقدروا الله حق قدره حين أشركوا به والله هو القوي العزيز.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾.\nأي: ضرب مثل لسخافة وحقارة الأصنام التي يعبدها المشركون فانصتوا له وتفهّموا مغزاه. قال ابن زيد: (هذا مثل ضربه الله لآلهتهم).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾.\nأي: إن الذين تدعون وتعبدون من دون الله من الأوثان والطواغيت والسادة والشياطين وغيرهم مما يدعى ويعبد من الآلهة الباطلة لن يقدروا على خلق الذباب المعروف في صغره وضعفه ولو اجتمعوا من أجل ذلك.","vol":"5","page":225},{"text":"قال القرطبي: (الذباب اسم واحد للذكر والأنثى، والجمع القليل أَذِبَّة والكثير ذِبّان).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي -ﷺ- قال: [قال الله ﷿: ومن أظلمُ مِمَّنْ ذهبَ يخلقُ كَخَلْقي؟ فليخلُقوا ذَرَّةً، أوْ لِيَخْلُقوا حَبَّةً أو شعيرة] (١).\nوفي مسند الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن أبي زُرْعة عن أبي هريرة -رفع الحديث- قال: [ومن أظلم مِمَّن خَلَقَ كخلقي! فَلْيَخْلُقُوا مثلَ خَلقي ذَرّة، أو ذُبابة، أو حَبَّة] (٢).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: هم عاجِزونَ عن خَلْقِ ذُبَابٍ واحدٍ، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سَلَبَها شيئًا من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك. هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾).\nوعن ابن عباس: (﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ قال: آلهتهم ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذباب).\nأي عجز الطالب وهو الصنم أو الآلهة الباطلة أن تستنقذ من الذباب شيئًا سلبه، كالطيب وما أشبهه، فالذباب هو المطلوب، والصنم أو الوثن هو الطالب.\nوقوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال ابن زيد: (حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: هو القوي سبحانه الذي كل شيء دونه ضعيف فقير محتاج إلى عونه وقوته، وهو العزيز الذي قد عزَّ كلَّ شيء فقَهَرَهُ وغلبه، ولا يليق الكبر إلا به سبحانه.\nأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال الله ﷿:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٥٥٩)، كتاب التوحيد، وكذلك (٥٩٥٣)، وأخرجه مسلم (٢١١١)، وابن حبان (٥٨٥٩)، وأخرجه البيهقي) (٧/ ٢٦٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٩١) ح (٨٨٣٩)، وسنده حسن في الشواهد.","vol":"5","page":226},{"text":"الكبرياء ردائي، والعزة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيه في النار] (١).\nورواه أبو داود بلفظ: [قال الله ﷿: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحِدًا مِنهما، قَذَفْتُهُ في النار] (٢).\n٧٥ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾.\nفي هذه الآيات: اجتباءُ الله الرسل، وعلمه بأعمالهم وما هم قادمون عليه وبعد فنائهم، ومرد الأمور والعباد كله إلى الله. وأمْر الله تعالى عباده المؤمنين بإقامة ركوعهم وإتمام سجودهم والتذلل الكامل لربهم وفعل الخيرات لعلهم يفلحون. وأمره لهم بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وألسنتهم وأنفسهم وبذل وسعهم في ذلك، فهو اختارهم لدينه واصطفاهم لحرب أعدائه والجهاد في سبيله، وما أراد بهم الحرج والتضييق، بل ملة أبيهم إبراهيم الذي سماهم المسلمين، ليكونوا بذلك شهداء مع نبتهم على بلاع الرسل ضد أممهم المكذبة بذلك يوم القيامة، فليقابلوا شكر هذه النعمة العظيمة بالقيام بحقها من الصلاة والزكاة وإقامة الدين وتمكين الصلة بالله نعم المولى ونعم النصير.\nفقوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾.\nإخبار منه تعالى أنه يختار من الملائكة رسلًا -كجبريل وميكائيل- يرسلهم إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٨) ورجاله ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٤١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٤٠٩٠)، كتاب اللباس. باب ما جاء في الكبر. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٦).","vol":"5","page":227},{"text":"أنبيائه ومن شاء من عباده، ويختار من الناس من شاء أنبياء يرسلهم إلى الناس لإبلاع رسالاته.\nوقد حفلت السنة العطرة بذكر آفاق ذلك في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: أجلس جبريل إلى النبي -ﷺ- فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذُ خُلقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك: أملكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول الله -ﷺ-: لا، بل عبدًا رسولًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو يعلى والبزار بسند صحيح عن علي قال: [قال لي النبي -ﷺ- ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، أو يكون في الصف] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. أي: سميع لأقوال عباده، بصير بأعمالهم وشؤونهم.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\nأي: يعلم أفعال ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يرسلهم، ويعلم ما يكون مما لم يأت مما هم قادمون عليه وبعد فنائهم، ومَرَدّ الأمور والعباد كله إلى الله سبحانه.\nوفي التنزيل:\n﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٣١)، وسنده صحيح على شرط مسلم. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٠٠٢).\n(٢) إسناده صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٤٧)، وأبو يعلى (٣٤٠). وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٥٤٠) - لتفصيل البحث.","vol":"5","page":228},{"text":"قال النسفي: (والذي هو بهذه الصفات لا يسأل عما يفعل، وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره واختيار رسله).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\nأمر منه سبحانه لعباده المؤمنين بإقامة ركوعهم وإتمام سجودهم -لله تعالى- في صلاتهم، والتذلل لربهم والخضوع له بالطاعة في أعمالهم كلها، وفعل الخيرات التي يرجى من ورائها النجاح والفلاح.\nوقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾. أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، ابذلوا ما بوسعكم.\nقال ابن عباس: (لا تخافوا في الله لومة لائم).\nوبنحوه قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. أي عظموا أمره وخافوه سبحانه حق الخوف.\nوقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. قال ابن زيد: (هو هداكم).\nقال ابن جرير: (يقول: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه، والجهاد في سبيله).\nوقال ابن كثير: (﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضّلكم وشرَّفكم وخَصَّكم بأكرم رسول، وأكملِ شرع).\nوفي التنزيل:\n﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي -ﷺ-: [ما مِنَ الأنبياء نبيٌّ إلا أُعطي من الآيات ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنما كان الذي أوتيتُهُ وَحْيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعًا يومَ القيامة] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٨١)، كتاب فضائل القرآن، وانظر (٧٢٧٤)، ورواه مسلم.","vol":"5","page":229},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.\nقال ابن عباس: (الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مَخْرجًا من ذلك).\nوقال أبو العالية: (إن الله لم يضيق عليكم، لم يجعل عليكم في الدين من حرج).\nوقال الضحاك: (جعل الدين واسعًا، ولم يجعله ضيقًا).\nقلت: ويشمل هذا على ما رخّصَ الله لعباده في حالات الحرج من مرض أو ضيق أو عجز أو بعض ما يكون من ذلك في الحضر والسفر.\nوأمثلة ذلك كثيرة: في الاستنجاء والوضوء أو التيمّم والصلاة وما يكون في السفر من قصر وجمع، وكذلك جمع في الحضر حالة الضيق أو الحرج، وفي الصيام والحج وبعض أنواع البيوع والمعاملات والتي تدل بمجموعها على مرونة هذا الدين واستيعابه لكل أحوال العباد.\nومن أحاديث السنة العطرة في ذلك:\nالحديث الأول: روى النسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله -ﷺ- قال: [إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فَلْيَسْتَطِبْ بها فإنها تجزئ عنه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي والنسائي بسند حسن عن صفوان قال: [كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: [جمع رسول الله -ﷺ- بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر] (٣).\nقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: (أراد أن لا يحرج أمته).\nالحديث الرابع: أخرج النسائي والطبراني بسند حسن عن ابن عمر قال: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي (١/ ٤٢)، وأبو داود (٤٠/ ٦١/ ١)، وانظر صحيح النسائي (٤٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٩٦/ ٦٥/ ١)، والنسائي (١/ ٨٤)، وسنده حسن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٧٠٥/ ٤٨٩/ ١)، والنسائي في السنن (١/ ٢٩٠)، وأخرجه كذلك أبو داود في السنن (١١٩٨/ ٧٧/ ٤).","vol":"5","page":230},{"text":"رسول الله -ﷺ-: [إذا حضر أحدكم الأمر يخشى فوته فليصل هذه الصلاة. (يعني الجمع بين الصلاتين)] (١).\nالحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أسامةَ بن شريك قال: [خرجت مع النبي -ﷺ- حاجًا، فكان الناس يأتونه، فَمَنْ قال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوفَ أو قدّمت شيئًا أو أخّرت شيئًا فكان يقول: لا حرَجَ لا حرجَ] الحديث (٢).\nالحديث السادس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي -ﷺ- قال: [لقد رأيت رسول الله -ﷺ- بالعَرْج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر] (٣).\nالحديث السابع: أخرج الإمام مسلم عن عائشة قالت: [دَخَلَتْ هندُ بنتُ عُتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النَّفَقَةِ ما يكفيني ويكفي بَنيَّ إلا ما أخذتُ من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك مِنْ جُناح؟ فقال رسول الله -ﷺ-: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك] (٤).\nإلى غير ذلك من المرونة العالية في منهاج الفقه الإسلامي المستنبط من سيرته العطرة - صلوات الله وسلامه عليه.\nوقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾. قال الزجاج: (المعنى اتبعوا ملة أبيكم). وقال الفرّاء: (انتصب على تقدير حذف الكاف، كأنه قال كمِلّة). وبنحوه أفاد ابن جرير حيث قال: (نصب ﴿مِلَّةَ﴾ بمعنى: وما جعل عليكم في الدين من حرج، بل وسّعه، كملّة أبيكم، فلما لم يجعل فيها الكاف اتصلت بالفعل الذي قبلها فنصبت، وقد يحتمل نصبها أن تكون على وجه الأمر بها، لأن الكلام قبله أمر، فكأنه قيل: اركعوا واسجدوا، والزموا ملة أبيكم إبراهيم).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه النسائي (١/ ٩٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ١٩٤ - ٢/ ١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٧٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٠١٤)، كتاب المناسك، وسنده صحيح.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٣٤٨). وانظر صحيح سنن أبي داود (٢٠٧٢).\nوالعَرْج: قرية على أيام من المدينة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (١٧١٤)، كتاب الأقضية. وانظر تفصيل ذلك في كتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٣٠١ - ١٣٢٠).","vol":"5","page":231},{"text":"وقال النسفي: (أي اتبعوا ملة أبيكم، أو نصب على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم).\nوقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ - فيه تأويلان محتملان:\n١ - قال ابن عباس: (يقول: الله سماكم المسلمين من قبل). وقال مجاهد: (الله سماكم).\n٢ - قال ابن زيد: (﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني إبراهيم، وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]).\nواختار الأول ابن جرير ﵀، وإن كان التأويل الثاني سالكًا بإعادة الضمير إلى إبراهيم.\nويمكن أن يقال: الله تعالى سمانا المسلمين -كما جاء في النص الآتي من حديث الحارث الأشعري- وكذلك صدر ذلك في كلام ودعاء إبراهيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nوقوله: ﴿وَفِي هَذَا﴾ - يعني القرآن.\nقال مجاهد: (الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي الذكر).\nوفي مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بسند صحبح من حديث الحارث الأشعري مرفوعًا: [ومن دعا بدعوةِ الجاهلية فهو مِنْ جُثاء جهنم، وإن صامَ وصلى وزعمَ أنه مسلم، فادعوا بدعوة اللهِ التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عبادَ الله] (١).\nوفي رواية: [ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثاء جهنم. قالوا: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ فقال: وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سمّاهم الله ﷿: المسلمين المؤمنين، عباد الله].\nوقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.\nقال مجاهد: (﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال: في الكتب كلها والذكر ﴿وَوَفِي هَذَا﴾ يعني القرآن، وقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يقول تعالى ذكره اجتباكم الله وسماكم أيها المؤمنون بالله وآياته، من أمة محمد -ﷺ- مسلمين، ليكون محمد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٢)، والترمذي (٢٨٦٧)، (٢٨٦٨) في الأمثال، وأخرجه النسائي عِند تفسير هذه الآية، ورواه ابن حبان والحاكم. انظر فتح المجيد (٤٩٤ - ٤٩٥).","vol":"5","page":232},{"text":"رسول الله شهيدًا عليكم يوم القيامة، بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم شهداء حينئذٍ على الرسل أجمعين، أنهم قد بلّغوا أممهم ما أرسلوا به إليهم).\nقلت: وهذا المعنى قد ورد في القرآن وصحيح السنة.\nففي التنزيل:\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nومن كنوز السنة العطرة:\nالحديث الأول. أخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ - في خطبته -ﷺ- في حجة الوداع أيام التشريق- قال: [ألا إن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد ثلاثًا] (١).\nوله شاهد في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: [أن رسول الله -ﷺ- قال في خطبته يوم عرفة: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. وفي لفظ: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت)].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- قال: [يجيء نوحٌ وأمَّتُه، فيقول الله: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم، أي ربِّ! فيقول لأمته: هَلْ بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبيّ؟ فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والوسط: العدل، فَيُدْعَون، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند والنسائي وابن ماجة في السنن، بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبيُّ ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فَيُقال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٠٢)، كتاب المغازي، باب حجة الوداع. وانظر للشاهد بعده مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (٧٠٧) ص (١٨٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٢٨٦)، (٨/ ١٣٩)، وأحمد (٣/ ٣٢)، وغيرهما.","vol":"5","page":233},{"text":"له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فَيُدْعى دومه، فيقال لهم: هل بلَّغَكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهدُ لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى محمدٌ وأمتُه، فَيقالُ لهم: هل بلَّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيُّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بَلَّغوا فصدَّقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (١).\nوقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. أي: فأقيموا الإسلام في حياتكم، وأخصُّ ذلك صلاتكم وزكاتكم. قال ابن كثير: (أي: قابلوا هذه النعمةَ العظيمة بالقيام بِشُكْرِها، وأدّوا حَقَّ الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعةِ ما أوجَبَ، وتَرْكِ ما حَرَّم. ومن أهمِّ ذلك إقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو الإحسان إلى خلقِ الله بما أوجبَ للفقير على الغني، من إخراجِ جُزْءٍ نَزْرٍ من ماله في السَّنة للضعفاء والمحاويج).\nوقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وثقوا بالله، وتوكلوا عليه في أموركم).\nوقوله: ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾. أي: حافظكم ومؤيدكم ومعينكم وناصركم على أعدائكم.\nوقوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. أي: فنعم الولي ونعم الناصر المعين.\nوفي المعجم \"الأوسط\" للطبراني بسند حسن، من حديث أنس، أن رسول الله -ﷺ- كان يقول: [يا وليَّ الإسلام وأهله، مسِّكني بالإسلام حتى ألقاك] (٢).\nتم تفسير سورة الحج بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٣/ ٣٢)، وصحيح البخاري (٦/ ٢٨٦)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٨٨٩).\n(٢) حديث حسن. رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقات. انظر: \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٨٦)، وكذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٧٦).","vol":"5","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - يوم زلزلة الساعة يوم عظيم، يأمر الله فيه آدم أن يخرج بعث النار: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعون -واحد إلى الجنة من المؤمنين، والبقية إلى النار من يأجوج ومأجوج-.\n٢ - المؤمنون في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود.\n٣ - مراتب الضلال: أ- الضياع والانحراف.\nب- الترك والإهمال والتناسي والخذلان.\nج- الهداية إلى النار يوم القيامة.\n٤ - الملك الموكل بالرحم يؤمر بكتابة أربع كلمات: العمل والرزق والأجل والمستقر.\n٥ - أعمار هذه الأمة بين الستين والسبعين، وأقلهم من يتجاوز ذلك.\n٦ - تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ﷿.\n٧ - التعالم وحب الرياسة والظهور، يفسد المجتمع ويقطع الظهور.\n٨ - أهل النار: كل عُتل جَوَّاظ مستكبر، والكبر بَطرُ الحق وغَمْطُ الناس.\n٩ - المنافق يعبد الله على حرف، والمؤمن يعبد الله في كل حال.\n١٠ - علم الله فيما لم يزل عدد أهل الجنة وعدد أهل النار، فلا زيادة ولا نقصان.\n١١ - يُقال للمستكبرين الذين يصدون عن سبيل الله ويكيدون لمنع حصول الشوكة والقوة لأهله: موتوا بغيظكم، إن الله ناصر دينه وأوليائه.\n١٢ - كل ما خلق الله من شيء فهو يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدًا لله وهم داخرون. ولله يسجد ما في السماوات والأرض، وكل قد علم صلاته وتسبيحه.","vol":"5","page":235},{"text":"١٣ - من يُهن الله بالشقاوة فما له من مكرم بالسعادة.\n١٤ - نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، كلهن مِثلُ حَرِّها.\n١٥ - المؤمنون في الجنة جَمَّل الله بواطنهم بالشراب الطهور، وسواعدهم بالأساور، وأبدانهم بثياب الحرير.\n١٦ - مراتب الهداية: أ- هداية الخلق العامة.\nب- هداية الدلالة والإرشاد.\nج- هداية التوفيق والإلهام.\nهـ- هداية المؤمنين يوم القيامة إلى الجنة.\n١٧ - دور مكة توهب وتورث وتباع وتملك بخلاف الأرض.\n١٨ - الهمّ في الحرم بأمر أثيم، يوجب له من الله العذاب الأليم.\n١٩ - المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض ثم المسجد الأقصى.\n٢٠ - الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير، فأقلوا فيه الكلام.\n٢١ - ما من أيام العمل الصالح أحب فيهن إلى الله من أيام العشر.\n٢٢ - التفث: المناسك كلها. ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، ويكفره ما يكفِّر اليمين.\n٢٣ - الحجاج والعمار وفدُ الله، دعاهم فأجابوه، سألوه فأعطاهم.\n٢٤ - الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وأول التعظيم تعظيم الأمر والنهي، وهو أن لا يُعارضا بترخصٍ جاف، ولا يُعَرّضا لتشدّد غال.\n٢٥ - أكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور.\n٢٦ - منافع البدن: الركوب عند الحاجة، والشرب من ألبانها عند الضرورة.\n٢٧ - السنة ذبحُ الرجل بيده، وأن يستقبل القبلة بذبيحته، وأن يحدّ شفرته، ويريح ذبيحته.\n٢٨ - إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.\n٢٩ - إن الله يدافع عن المؤمنين، ويمكر بالكافرين، ويفضح المنافقين.","vol":"5","page":236},{"text":"٣٠ - القتال شوكة للمؤمنين، والنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا.\n٣١ - الصوامع للوهبان، والبيع والصلوات لأهل الكتاب، والمساجد للمسلمين.\n٣٢ - التمكين في الأرض لإقامة الدين، ومحاصرة الشرك والفسق والمجرمين.\n٣٣ - إن الله تعالى ليملي للظالم ويستدرجه، فإذا أخذه لم يفلته.\n٣٤ - ليس العمى عمى البصر، إنما العمى عمى البصيرة.\n٣٥ - القلب مركز العقل والفقه، والدماغ مركز المحاكمات والتفكير.\n٣٦ - يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم: خمس مئة عام.\n٣٧ - قصة الغرانيق من أماني الشيطان، والله يبطل الباطل ويحق نصرة الحق والرسل وأهل الإيمان.\n٣٨ - يقتص الخلق بعضهم من بعض يوم القيامة، حتى الجماء من القرناء.\n٣٩ - أجر مفارقة العشائر والأوطان، والأهلين والخلّان، لإعلاء كلمة الرحمان، هو دخول الجنان.\n٤٠ - من راح إلى المسجد فهو ضامن على الله، ومن دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله، والمجاهد في سبيل الله ضامن على الله: الغنيمة أو الجنة.\n٤١ - لكل أمة شريعة ومنسك، وشريعة محمد ناسخة للشرائع قبلها.\n٤٢ - أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد.\n٤٣ - المشركون يحاولون البطش بأهل الحق، والله ناصر أوليائه ولو كره الكافرون.\n٤٤ - الحرج: الضيق، والله تعالى لم يجعل علينا في الدين من حرج.\n٤٥ - مَنْ دعا بدعوة الجاهلية فهو من جُثاء جهنم، وإن صامَ وصلى وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوةِ الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله.","vol":"5","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>٢٣ - سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>موضوع السورة</span>\nوصف المؤمنين والثناء عليهم والانتصار لهم في الدارين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-175> منهاج السورة</span>-\n١ - الثناء على المؤمنين في خشوعهم في صلاتهم وإعراضهم عن اللغو في كلامهم وعلاقاتهم، وأدائهم لزكاة أموالهم، وحفظهم لفروجهم وأماناتهم وعهودهم، وضمان جنات الفردوس لمستقرهم.\n٢ - خلقُ الإنسان من نطفة فعلقة فمضغة، ثم تشكيل العظام واللحم، فالحياة فالموت فالبعث فالحساب فالمستقر.\n٣ - خلقُ السماوات وإنزال المطر وإخراج الزرع والثمر وخلق الأنعام وذكر منافعها.\n٤ - إرسال الله تعالى الرسل: خبر نوح وقومه واستهزائهم، وأمر الله تعالى له بصناعة السفينة وقصة النجاة للمؤمنين، والغرق للكافرين.\n٥ - تتابع الرسل في الأمم، واستمرار التكذيب والعناد حتى نزول النِّقَم.\n٦ - قصة موسى وهارون مع فرعون وقومه، وانتهاء التكذيب بإهلاكه وجنده.","vol":"5","page":238},{"text":"٧ - أمْرُ الله تعالى الرسل وعباده المؤمنين بأكل الحلال، وامتثال الصالح من الأعمال.\n٨ - سنة الله في استدراج القوم الظالمين، ثم استئصالهم من حيث لا يشعرون.\n٩ - ثناء الله على الخاشعين المحسنين، المسارعين في الخيرات لعلهم يفلحون.\n١٠ - التكاليف الشرعية متحملة، وكتاب الأعمال دقيق ينطق بالصغائر والكبائر، والقوم في غفلة عن مصيرهم، وإنما يستجيرون عند نزول الهلاك بهم.\n١١ - ذم أهل الهوى في منهاج عبادتهم، فهم في ضلالة وطغيان يعمهون.\n١٢ - إنزالُ المصائب على المشركين لعلهم يذكرون، وتنبيههم إلى نعم الله عليهم لعلهم يشكرون، وصرفهم لرؤية عجائب قدرته تعالى لعلهم يعقلون.\n١٣ - اقتضاء الإيمان بالربوبية الإيمان بتوحيد الألوهية، والمشركون هم الكاذبون.\n١٤ - نفي الولد والشريك عن الله، وتعذد الآلهة يقتضي خراب العالم.\n١٥ - الأمر بالدفع بالتي هي أحسن والاستعاذة بالله من همزات الشياطين أو أن يحضرون.\n١٦ - طلب المحتضر من الكفار الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحًا، وعذاب القبر حق.\n١٧ - انعدام الانتفاع بالأنساب والقربى عند النفخ في الصور، والأعمال على الميزان: فمن ثقلت موازينه كان من المفلحين، ومن خفت موازينه كان من الخاسرين.\n١٨ - اعتراف أهل الشقاء يوم القيامة بشقوتهم، وتمنيهم الخروج من النار، فيخرسهم الجبار، وينتصر لأوليائه، ويخزي أعداءه.\n١٩ - اعتراف المشركين يوم الحشر بمكثهم في الحياة الدنيا يومًا أو بعض يوم.\n٢٠ - أهل الشرك يومئذ في الأشقياء، وأهل الإيمان هم أهل الدعاء والابتهال إلى الله والرجاء، وسيكونون من المرحومين وفي منازل السعداء.","vol":"5","page":239},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١١. قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على المؤمنين، الخاشعين في صلاتهم والمعرضين عن لغو القول وللزكاة هم فاعلون، ولفروجهم هم حافظون، ولأماناتهم وعهدهم هم راعون، وعلى صلواتهم يحافظون، لقد حُقّ لهم ميراث جنات الفردوس هم فيها خالدون.\nفقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (قد أدرك الذين صدقوا الله ورسوله محمدًا -ﷺ-، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات الخلود في جنّات ربهم، وفازوا بِطَلِبتهم لديه).\nقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا: [خلق الله ﵎ الجنة، لبنةٌ من ذهبٍ، ولبنةٌ من فضة، وملاطُها المسكُ، فقال لها: تكلّمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ","vol":"5","page":240},{"text":"الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقالت الملائكة: طوبى لك، منزل الملوك] (١).\nوخرّجه البيهقي موقوفًا بلفظ: [إنّ الله ﷿ أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ثم شقق فيها الأنهار، وغرس فيها الأشجار، فلما نظرت الملائكة إلى حسنها قالت: طوبى لك منازل الملوك، .\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. أي: الذين هم في صلاتهم متذللون خائفون وجلون. قال ابن عباس: (يقول: خائفون ساكنون). وقال مجاهد: (السكون فيها). وقال الزهري: (سكون المرء في صلاته). وقال الحسن: (كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح). وقال أيضًا: (﴿خَاشِعُونَ﴾: خائفون). وقال قتادة: (الخشوع في القلب). قال ابن كثير: (والخشوع في الصلاة إنما يحصُل لمن فَرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عَفَا عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرَّة عين).\nأخرج أحمد وأبو داود بسند جيد عن سالم بنِ أبي الجعد، أنَّ مُحَمد بنَ الحنفيَّة قال: دخلت مع أبي على صِهْرٍ لنا من الأنصار، فحَضَرت الصلاةُ، فقال: يا جاريةُ، ائتني بِوَضوءٍ لعلي أُصَلِّي فأسترِيحَ. فرانا أنْكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [قُمْ يا بلالُ، فأرِحْنا بالصلاة] (٢).\nوفي رواية عن سالم بن أبي الجعد أيضًا قال: قال رجل: [ليتني صليت فاسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: يا بلالُ أقِم الصلاةَ، أرِحْنا بها].\nوفي المسند وسنن النسائي بسند صحيحِ عن أنس، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: [حُبِّبَ إليَّ من دُنْياكم: النِّساءُ والطِّيب، وَجُعِلتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. يشمل الشرك، واللغو من القول،\n_________\n(١) صحيح موقوف ومرفوع. أخرجه البزار (٣٥٠٨)، وأبو نعيم (٦/ ٢٠٤)، وفي \"صفة الجنة\" (١/ ١٣٧/ ١٤٠)، والبيهقي في \"البعث\" (٢٣٦) من حديث أبي سعيد. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث (٢٦٦٢) - ولا شك أن الموقوف هنا له حكم المرفوع.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٩٨٥) - (٤٩٨٦). وأحمد (٥/ ٣٧١)، والطحاوي في \"المشكل\" (٥٥٤٩)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٤١٧١) - (٤١٧٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٧/ ٦١)، وأحمد (٣/ ١٢٨)، (٣/ ٢٨٥)، وأخرجه أبو يعلى (٣٤٨٢) من حديث أنس. وانظر صحيح الجامع (٣١١٩).","vol":"5","page":241},{"text":"والباطل، والمعاصي. قال ابن عباس: (يقول: الباطل). وقال الحسن: (﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن المعاصي). وقال قتادة: (أتاهم -والله- من أمر الله ما وقذهم عن ذلك). يعني عن كل ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾.\nيشمل زكاة النفس من الشرك والدنس، وزكاة الأموال والصدقات الواجبة، فقد فرضت الزكاة بمكة مجملة عامة ثم حُدِّدَت أنصبتها في المدينة، فالآية وإن كانت مكية فهي تدل على ما وجب عليهم بادئ الأمر من مطلق الزكاة.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم وما ملكت أيمانهم).\nوالمقصود: أنَّ حفظ الفروج عن مواقعة الزنا واللواط وما حرّم الله تعالى هو من صفات المؤمنين، وبورك لهم في مواقعة الحلال من الزوجات وما ملكت الأيمان.\nأخرج أحمد بسند حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، عن النبي -ﷺ- قال: [احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قيل: إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينّها أحد فلا يرينّها. قيل: إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: الله أحقُّ أن يُستحيا منه من الناس] (١).\nقال ابن عروة الحنبلي في \"الكواكب\" (٥٧٥/ ٢٩/ ١): (ومباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه حتى الفرج لهذا الحديث، ولأن الفرج يحل له الاستمتاع به فجاز النظر إليه ولمسه كبقية البدن).\nقلت: وهذا الذي ذكره ابن عروة الحنبلي ﵀ داخل في آفاق مفهوم قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (نهاهم الله نهيًا شديدًا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين). وقال ابن زيد: (﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: الذين\n_________\n(١) رواه أصحاب السنن إلا النسائي ففي \"العشرة\" (١/ ٧٦)، ورواه أحمد (٥/ ٣ - ٤)، والبيهقي (١/ ١٩٩)، واللفظ لأبي داود (٢/ ١٧١) وسنده حسن.","vol":"5","page":242},{"text":"يتعدون الحلال إلى الحرام). وقال عطاء، عن أبي عبد الرحمن: (من زنى فهو عاد).\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ يقول: فمن التمس لفرجه مَنْكَحًا سوى زوجته وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحلَّ الله لهم، إلى ما حرَّمَ عليهم).\nوقد استدل الإمام الشافعي ﵀ على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة وقال: (فهذا الصنيع خارجٌ عن هذين القسمين -يعني الأزواج وما ملكت الأيمان-).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.\nأي: ومن صفات هؤلاء المؤمنين الوفاء بالعهود وحفظ الأمانات، وأداؤها إلى أصحابها.\nقال القرطبي: (والأمانة والعهد يجمع كلَّ ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولًا وفعلًا، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغيو ذلك، وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعمّ من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد).\nقلت: وقد جاءت نصوص الوحيين بالوفاء بالعهود وتحريم الخيانة والغدر.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].\nوفي صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [المسلمون على شروطهم] (١).\nورواه الطبراني من حديث رافع بن خديج بلفظ: [المسلمون عند شروطهم فيما أحِلّ].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٣٥٩٤) من حديث أبي هريرة. وانظر للروايات بعده صحيح الجامع (٦٥٩٠) - (٦٥٩٢).","vol":"5","page":243},{"text":"وله شاهد عند الحاكم من حديث أنس بلفظ: [المسلمون عند شروطهم، ما وافق الحق من ذلك].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: قال النبي -ﷺ-: [لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غَدْرةُ فلان] (١).\nوفي لفظ لمسلم من حديث أبي سعيد: [لكل غادر لواء عند اسْتِه يوم القيامة يُرْفَعُ له بقدرِ غَدْرِه، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [المسلم أخو المسلم، لا يخونُه، ولا يكذِبُهُ، ولا يخذُلُه، كل المسلم على المسلم حرام، عِرضُهُ، ومالهُ ودمهُ] (٣).\nالحديث الرايع: خَرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: [آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حَدَّث كَذبَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.\nأي: يحافظون على أدائها في أوقاتها، تامة بأركانها وواجباتها وشروطها.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁: [قلت: يا رسول الله، أيُّ العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أيُّ؟ قال: برُّ الوالدين. قلت: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٥).\nوفي جامع الترمذي بإسناد صحيح عن القاسم بن غنام، عن عمته أم فروة، وكانت ممن بايعت النبي -ﷺ- قالت: سئل النبي -ﷺ-: أي الأعمال أفضل؟ قال: [الصلاة لأول وقتها] (٦).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٤٦٤)، (١٢/ ٢٩٩)، وأخرجه مسلم (١٧٣٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في الصحيح (١٧٣٨) (١٦) - من حديث أبي سعيد.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح الترمذي (١٥٧٢)، وصحيح الجامع الصغير (٦٥٨٢).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٩) - كتاب الإيمان، باب خصال المنافق.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٧)، (٥٩٧٠)، ومسلم (٨٥)، وأحمد (١/ ٤٥١).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١٧٠) - في الصلاة. باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل. وانظر صحيح سنن الترمذي (١٤٤)، وصحيح أبي داود (٤٥٢).","vol":"5","page":244},{"text":"وفي الباب عن عائشة قالت: [ما صلى رسول الله -ﷺ- صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله] (١).\nقال الشافعي: (والوقت الأول من الصلاة أفضل. ومما يدل على فضل أول الوقت على آخره: اختيار النبي -ﷺ- وأبي بكر، وعمر، فلم يكونوا يختارون إلا ما هو أفضل، ولم يكونوا يدَعون الفضلَ، وكانوا يصلون في أول الوقت).\nوفي المسند وسنن ابن ماجة عن ثوبان مرفوعًا: [استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمَالكم الصلاة، ولا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nهو غاية البشرى في نهاية المطاف، فإن تعظيم حرمات الله وشعائره يورث أجمل الجنان - جنة الفردوس تحت عرش الرحمان.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢].\nأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-:\n[ما مِنكم مِنْ أحَدٍ إلا له مَنْزِلان، مَنْزِلٌ في الجنة، ومَنْزِلٌ في النار. فإذا مات، فدخلَ النار، ورِثَ أهلُ الجنة مَنْزِلَه. فذلك قولهُ تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾] (٣).\nوله شاهد في صحيح مسلم عن أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي -ﷺ- قال: [يجيءُ يومَ القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوبٍ أمثالِ الجبال، فيغفرها الله لهم، ويَضَعُها على اليهود والنصارى] (٤).\nوفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [فإذا سألتم الله فاسألوه\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (١٧٤) - الباب السابق. وانظر صحيح الترمذي (١٤٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٦)، (٥/ ٢٨٢)، وابن ماجة (٢٧٧)، والحاكم (١/ ١٣٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٣٤١)، آخر كتابه السنن. باب صفة الجنة، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٥٠٣)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢٧٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٦٧) ح (٥١).","vol":"5","page":245},{"text":"الفردوس فإنه أوسطُ الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة] (١).\nقال مجاهد: (الفردوس: بستان بالرومية). وقال ابن جرير: (﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ﴾ البستان ذا الكَرْم، وهو ﴿الْفِرْدَوْسَ﴾ عند العرب)، والله تعالى أعلم.\nقلت: وجنان الله تعالى في الدار الآخرة ثمان، أعلاها جنة الفردوس وأجملها.\nققد أخرج البخاري عن أنس: [أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر، وكان في النظّارة، أصابه سهم طائش فقتله، فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله، أخبرني عن حارثة؟ فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليَرَيَنَّ الله ما أصنع. فقال: ويحك أهبلت؟ ! أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس] (٢).\nوفي رواية: [إنها جنان ثمان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى].\n١٢ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريرُ الله تعالى خلق الإنسان الأول من قبضة جمعها من تراب الأرض، ثم تتابع النسل من نطفة فعلقة فمضغة، ثم كان تشكيل العظام وكسوته باللحم، فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم يكون الموت بعد اكتمال السعي في هذه الحياة الدنيا، ثم القيام للحساب بين يدي رب العالمين.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾.\nقال قتادة: (استُلّ آدم من الطين). وقال أيضًا: (استلّ آدم من طين، وخُلقت ذرّيته من ماء مهين).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٩٠) -كتاب الجهاد والسير، وأحمد في المسند (٢/ ٣٣٥)، وابن حبان (٤٦١١) - في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. انظر فتح الباري (٧/ ٣٠٤)، شرح صحيح البخاري -حديث رقم- (٣٩٨٢).","vol":"5","page":246},{"text":"والمقصود: أنّ خلق آدم كان من سلالة -وهي المستلة- من كل تربة من ترب الأرض المختلفة، قبضها الله تعالى وأوجد منها آدم ﵇.\nأخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إن الله خَلق آدم من قَبْضَةٍ قبضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض: جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسَّهلُ والحَزْنُ والخبيثُ والطيب] (١).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾.\nأي: ثم جعلنا النسل المتتابع بعد الخلق الأول نطفة تتوضع في الرحم في مكان مُعَدّ لذلك، قد هُيِّئَ ليستقر فيه الجنين إلى بلوغ أمره. فالضمير في قوله ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ عائد على جنس الإنسان.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣].\nوالعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته، لأنهما مسلولان منه.\nقال مجاهد: (﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ من مَنِيّ آدم). والماء المهين: هو الماء الضعيف، والمراد المنيّ.\nوقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾.\nإخبار عن انتقال من حال إلى حال، حتى يتشكل الإنسان في أحسن تقويم، فالنطفة -وهي الماء الدافق الذي يخرج من صُلب الرجل، وهو ظهره، وترائب المرأة، وهي عظام صدرها ما بين الترقُوة إلى السرة- تصير علقة حمراء. قال عكرمة: (وهي دم). أي: قطعة من دم، ثم تصير مضغة، أي: قطعة من لحم، لا شكل فيها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥)، وأحمد (٤/ ٤٠٠)، (٤/ ٤٠٦)، والحاكم (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢)، وابن حبان (٦١٦٠). وانظر صحيح أبي داود (٣٩٢٦).","vol":"5","page":247},{"text":"ولا تخطيط، ثم تصير بإذن الله عظامًا، ثم يلبس الله تعالى العظام لحمًا.\nوأول عظم يتشكل من الإنسان هو عجب الذنب، قال ابن عباس: (وهو عَظْمُ الصلب).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [لَيْسَ من الإنسان شيءٌ إلا يَبْلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذّنَب، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة] (١).\nوفي لفظ لمسلم وأبي داود وابن ماجة: [كل ابن آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، ومنه يُرَكَّبُ] (٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. يشَمل نفخ الروح فيه، ثم إخراجه إلى الحياة لينتقل فيها من الطفولة إلى الشباب فالكهولة فالشيخوخة.\nقال ابن عباس: (نفخ الروح فيه). وقال الضحاك: (يعني الروح تنفخ فيه بعد الخلق). وقال ابن عباس أيضًا: (خرج من بطن أمه بعدما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهلّ، ثم كان من خلقه أن دُل على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى إلى أن فُطِمَ، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد).\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ أحدكم يُجمع خلقُهُ في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخُ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٥) - كتاب التفسير، وكذلك (٤٨١٤)، وأخرجه مسلم (٢٩٥٥)، والنسائي (٤/ ١١١ - ١١٢).\n(٢) انظر صحيح مسلم (٢٩٣٣)، وسنن أبي داود (٤٧٤٣)، وابن ماجة (٤٢٦٦)، ومسند أحمد (٢/ ٣٢٢)، (٢/ ٤٢٨)، وصحيح ابن حبان (٣١٣٩).","vol":"5","page":248},{"text":"ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة] (١).\nوله شاهد فيهما وفي المسند بسند صحيح عن أنس ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إنّ الله تعالى وَكَّلَ بالرحم ملكًا يقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب شقي أم سعيد؟ ذكر أو أنثى؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه] (٢).\nوقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\nأي: فتعالى أمره سبحانه في قدرته وعلمه، وهو خير المقدرين وخير الصانعين.\nقال مجاهد: (يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾.\nأي: ثم إنكم بعد ما ذُكر من مراحل إنشائكم لمفارقون لهذه الحياة الدنيا، وذلك عند انقضاء آجالكم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. أي: من قبوركم للحساب والمجازاة. قال النسفي: (تحيون للجزاء). ثم يُوَفّى كل عامل عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].\nوفي مستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: [تعلمون المعادَ إلى الله، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت في أجسادٍ لا تموت] (٣).\n١٧ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأبو داود (٤٧٠٨)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٩٥)، ومسلم (٢٦٤٦)، وأحمد (٣/ ١٤٨)، وغيرهم.\n(٣) صحيح الإسناد. أخرجه الحاكم (١/ ٨٣)، وله شواهد كثيرة. انظر \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٦)، وكذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٦٦٨).","vol":"5","page":249},{"text":"فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: عَطْفٌ على خلق الإنسان، بِذِكْرِ خَلْقِ السماوات السبع العظام، وإنزال المطر من السماء وإسكانه في جوف الأرض وإخراج الزرع والفواكه والنخيل والثمار. وفي خلق الأنعام عبرة ومنافع لكم أيها الناس ومنها تأكلون، وتركبون عليها وكذلك على الفلك تُحملون.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾. قال ابن عباس: (الطرائق: السماوات).\nوقال مجاهد: (يعني: السماوات السبع).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].\nوقوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وما كنا في خلقنا السماوات السبع فوقكم عن خلقنا الذي تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تسقط عليهم فتهلكهم).\nفالمعنى كلما في التنزيل: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].\nقال ابن كثير: (أي: وهو سبحانه لا يحجُب عنه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضًا، ولا جبلٌ إلا يعلم ما في وَعْره، ولا بَحْرٌ إلا يعلم ما في قَعْرِه، يعلم عدَدَ ما في الجبال والتلال والرمَال، والبحار، والقِفار والأشجار، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]).\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن جريج: (ماء هو من السماء).\nوالمقصود: ذِكْرُ حِكْمَتِه سبحانه بإنزال ماء المطر بحسب الحاجة، لينتفع به العباد","vol":"5","page":250},{"text":"وتحيا به البلاد، وقد سلكه ينابيع في الأرض لتحصل الفائدة منه عند طلبه.\nوقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾.\nقال النسفي: (أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه، فقيِّدوا هذه النعمة بالشكر).\nوقولهُ تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأحدثنا لكم بالماء الذي أنزلناه من السماء، بساتين من نخيل وأعناب، ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يقول: ومن الفواكه تأكلون).\nوخصّ سبحانه بالذكر النخيل والأعناب لأنها أشرف الثمار وأهمها عند العرب، وخاصة أهل الحجاز. فالنخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكرهم سبحانه بأجَلِّ ما يعرفون من نعم الله عليهم في طعامهم ليفردوه سبحانه بالشكر والتعظيم.\nقال القرطبي: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي في الجنات. ﴿فَوَاكِهُ﴾ من غير الرطب والعنب. ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصة إذ فيها مراتب وأنواع، والأول أعم لسائر الثمرات).\nوقوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾.\nالمقصود بالشجرة هنا: شجرة الزيتون. والطور: الجبل. و﴿سَيْنَاءَ﴾ و\"سِيْناء\" قراءتان مشهورتان. فأهل الكوفة قرؤوها بفتح السين، وأهل المدينة والبصرة بكسرها. وطور سيناء هو طور سينين، وهو الجبل الذي كَلَّمَ الله عليه موسى ﵇، وما حوله من جبال الزيتون.\nقال ابن عباس: (﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: هو جبل بالشام مبارك. قال: الجبل الذي نودي منه موسى -ﷺ-). وقال قتادة: (هو جبل حسن). قال الضحاك: (الطور: الجبل بالنبطية، وسيناء: حسنة بالنبطية).\nوقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي تنبت ومعها الدهن. قال مجاهد: (بثمره). وعن ابن عباس: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ يقول: هو الزيت يؤكل ويُدَّهن به). وقيل: الباء زائدة","vol":"5","page":251},{"text":"والتقدير: تُنبت الدهن. وقيل: التقدير: تنبت جناها ومعه الدهن، فالمفعول محذوف.\nوقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. قال ابن زيد: (هذا الزيتون صبغ للآكلين، يأتدمون به ويصطبغون به).\nقال القاسمي: (﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي ملتبسة بالدهن المستصبح به ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ أي وبإدام يغمس فيه الخبز فـ (الصبغ) كالصباغ ما يصطبغ به من الإدام. ويختص بكل إدام مائع، يقال: \"صبغ اللقمة: دهنها وغمسها\" وكل ما غمس فقد صبغ. كذا في \"المصباح\" و\"التاج\").\nقلت: وفضل الزيت وارد في القرآن الكريم كذلك في سورة النور.\nقال تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾.\nوأما السنة العطرة فقد جاء في فضائل الزيت والادهان به أحاديث صحيحة، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن أبي أسيد ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند حسن في الشواهد عن عمر أن رسول الله -ﷺ- قال: [ائتدموا بالزيت وادّهنوا به، فإنه يخرجُ من شجرة مباركة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: [ائتدموا من هذه الشجرة، يعني الزيت، ومَنْ عُرِضَ عليه طيبٌ فَلْيُصِبْ منه] (٣).\nقال ابن القيم في \"زاد المعاد\": (الزيت حار رطب في الأولى، وغلط من قال: يابس، والزيت بحسب زيتونه، فالمعتصر من النضيج أعدلُه وأجوده، ومن الفج فيه برودة ويُبوسة، ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين، ومن الأسود يُسخن ويرطب\n_________\n(١) حديث صحيح لشواهده. أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٧)، والحاكم (٢/ ٣٩٧) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (١٨٥١)، وابن ماجة (٣٣١٩)، ورجاله ثقات. وانظر صحيح الجامع (١٨)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٧٩).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الطبراني بسند حسن. وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٤٣)، وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٩)، والمرجع السابق.","vol":"5","page":252},{"text":"باعتدال، وينفع من السموم، ويطلق البطن، ويخرج الدود، والعتيق منه أشد تسخينًا وتحليلًا، وما استُخْرِجَ منه بالماء فهو أقل حرارة، وألطف وأبلغ في النفع، وجميع أصنافه ملينة للبشرة، وتبطئ الشيب. قال: وماء الزيتون المالح يمنع من تَنَفُّطِ حرق النار، ويشد اللّثَةَ، وورقُه ينفع من الحمرة والنّملة، والقروح الوسخة، والشَّرى، ويمنع العرق، ومنافعه أضعاف ما ذكرنا) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.\nذكرُ بعض نعم الله تعالى في تسخير الأنعام للناس، فطريقة خلقها تشدّ إلى التأمل في عظيم قدرته سبحانه، واللبن الخارج من بين الفرث والدم آية كبرى، وبعض الأنعام كالإبل يُحمل عليها ويُركب ظهرها ويشرب درّها، آية أخرى. ثم يضاف إلى كل ذلك تذليل لحومها للأكل، وما يكون من غذائها من عظيم الفائدة للأبدان، آيات لقوم يتفكرون.\nقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ يقول: وعلى الأنعام وعلى السفن تحملون، على هذه في البرّ، وعلى هذه في البحر).\n٢٣ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إرسالُ الله تعالى نبيَّه نوحًا -ﷺ- يدعو قومه لإفراد الله سبحانه بالعبادة والتعظيم، ومقابلةُ الملأ الكافر له بالاستهزاء وأنه بشر ليس بملك كريم، وأنهم ما سمعوا بمثل ذلك في آبائهم الأولين، ثم اتهامهم له بالجنون وتواصيهم بانتظار اقتراب استراحتهم منه وريب المنون.\n_________\n(١) انظر تفصيل البحث في كتابي: منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن (٣٠٣).","vol":"5","page":253},{"text":"فقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.\nإخبار من الله تعالى عن إرساله لنبيه نوح ﵊ لينذر قومه عذاب الله وانتقامه ممن أشرك به ولم يفرده بالعبادة والتعظيم.\nوقوله: ﴿أَفَلَا تتَقُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: ألا تخافون من الله في إشراككم به؟ !).\nوقوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾. يعني السادة والأشراف والأكابر منهم. ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾. قال النسفي: (أي يطلب الفضل عليكم ويترأس).\nوقال القرطبي: (أي يسودكم ويشرُف عليكم بأن يكون متبوعًا ونحن له تبع).\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾.\nأي: لو شاء الله إرسال رسول لأرسل ملكًا من عنده ولم يكن بَشَرًا.\nوقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. أي: ما سمعنا ببعثه البشر في أجدادنا والأمم قبلنا. قال النسفي: (أي: بإرسال بشر رسولًا، أو بما يأمرنا به من التوحيد وسب آلهتنا، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة للبشر).\nوقوله ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: ما بنوح إلا الجنون، إذ يزعم أن الله اختاره من بينكم لرسالته، واختصه بالوحي من دونكم.\nوقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين). وقال ابن كثير: (أي: انتظروا به ريبَ المنون، واصبروا عليه مُدَّةَ حتى تستريحوا منه).\n٢٦ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ","vol":"5","page":254},{"text":"الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآياتِ: استنصارُ نوح - ﷺ - بالله من تكذيب قومه المجرمين، وَوَحْيُ الله تعالى إليه بصناعة السفينة وإدخال فيها من كل زوجين وأهله المؤمنين، وحمدُ الله عند ركوبها على النجاة من القوم الظالمين، ودعائه تعالى عند النزول منها اختيار خير المنازل لعباده الصالحين.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.\nفيه إعلام بانسداد الطريق بين نوح ﵊ وقومه الذين أصروا على التكذيب والعناد، وعدم الانتفاع بأي بلاغ. فهنالك استنصر نوح ربَّه عليهم كما قال تعالى في سورة القمر: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾.\nوقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. هو جواب الله تعالى دعاء نوح - ﷺ -، فأمره بصنع السفينة وإحكامها وإتقانها.\nوفي سورة هود: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. قال ابن عباس: (بعين الله). وقال قتادة: (بعين الله ووحيه). وقال ابن جرير - في آية القمر المشابهة -: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾: (تجري السفينة التي حملنا نوحُا فيها بمرأى منا ومنظر).\nقلت: فلفظ \"العين\" في التنزيل يفيد الصفة التي لابد من إثباتها لله ﷿، وقد يفيد العناية والرعاية - كما هو هنا - وقد يفيد الأمرين معًا، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾.\nقال القاسمي: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي عذابنا ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ كناية عن الشدة. كقولهم \"حمي الوطيس\". و﴿التَّنُوْرُ﴾ كانون الخبز حقيقة. وأطلقه بعضهم على وجه الأرض ومنبع الماء، للآية مجازًا ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي فأدخل في الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ أي من كل أمة ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾).\nقال ابن كثير: (أمره تعالى بصَنْعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، أي: ذكرًا وأَنثى من كُلِّ صِنْفٍ من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾، أي: من سبقَ فيه القولُ","vol":"5","page":255},{"text":"من الله بالهلاك، وهم الذين لم جمومنوا به من أهله، كابنه وزوجته، والله أعلم).\nوقوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم).\nوالمقصود: لا يكن بك شفقة عليهم إذا رأيتهم حوصروا بالماء وحلّ بهم الغرق والهلاك، فإن الله تعالى قد قضى إغراق قومكَ الذين كفروا وكانوا مجرمين.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nيعني: إذا اعتدلت يا نوح أنت ومن معك من المؤمنين في السفينة فاحمدوا الله العظيم أن نجاكم من القوم المشركين. وهذا ما فعله نوح - ﷺ - حِين أمر قومه بذلك.\nففي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]. فذكر نوح ربه آمرًا قومه بذلك عند ابتداء سيره وعندَ انتهائه.\n٢ - وقال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤].\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄: [أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبَّرَ ثلاثًا، ثم قال: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هَوِّن علينا سفرنا هذا، واطْوِ عَنَّا بُعْدَه، اللهم أنت الصاحِبُ في السفر والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المَنْظَرِ وسوءَ المُنْقَلَب في المال والأهل. وإذا رجع قالهنّ وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون\" (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن علي بن ربيعة قال: [شهدت عليًا أُتِيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله. ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٩٨)، وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٧٤٣).","vol":"5","page":256},{"text":"لَمُنْقَلِبُونَ﴾. ثم قال: الحمد لله ثلاثًا، الله أكبر ثلاثًا، سبحانك إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك. فقلت: من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - صنع كما صنعت، ثم ضحك فقلت: من أي شيء ضحكت يا رسول الله؟ قال: إنّ ربَّك لَيَعْجَبُ مَنْ عبدِه إذا قال: ربِّ اغفر لي ذُنوبي، إنه لا يَغْفِرُ الذنوبَ غَيْرُك] (١). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه نوح ﵇: وقل إذا سلمك الله وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا﴾ من الأرض ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ من أنزل عباده المنازل).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾.\nأي: إن في إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لدلالات بينات على صدق الأنبياء في دعوتهم، وصدق الله لهم في نصرهم على عدوهم، وإنما قضى الله تعالى ابتلاء القوم بعضهم ببعض ليميز الخبيث من الطيب، ثم يحق الحق ويزهق الباطل.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [آل عمران: ١٧٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [التوبة: ١٦].\nوقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨].\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنَّها قالت: [أَتَيْنَا رسول الله - ﷺ -، نعوده في نسائه، فإذا سقاء معلق نحوه يقطر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٦٩١) - أبواب الدعوات - باب ما يقول: إذا ركب دابة، انظر صحيح سنن الترمذي (٢٧٤٢)، وصحيح أبي داود (٢٢٦٧).","vol":"5","page":257},{"text":"ماؤه عليه من شدة ما يجد من حرّ الحمى، قلنا: يا رسول الله لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (٢).\nالحديث الثالث: يروي الدارمي وأحمد بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: [بينا رسول الله - ﷺ - قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٣).\n٣١ - ٤١. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تتابعُ الرسل في الأمم وتكذيب الملأ الكافر بالنبوة في كل زمان\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٥).\n(٢) إسناده حسن. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، وابن ماجة (٤٠٣١)، وانظر المرجع السابق (١٤٦).\n(٣) صحيح على شرط مسلم. أخرجه الدارمي (٢/ ٣١٨)، وأحمد (٦/ ١٦) من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب. وانظر صحيح مسلم (٨/ ٢٢٧).","vol":"5","page":258},{"text":"وحين، والتشكيك في أمر المعاد والبعث من القبور والقيام لرب العالمين، واستنصار كل رسول بالله العظيم، لينزل العذاب فيحيط بالقوم الظالمين.\nفقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.\nأي: ثم أوجدنا من بعد مهلك قوم نوح قومًا آخرين. قيل المراد عاد، وقيل ثمود وهو الراجح لذكر مهلكهم في آخر الآياتِ بالصيحة، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.\nأي: فبعث الله فيهم رسولًا من بينهم يحذرهم مغبة الشرك وعبادة الأوثان، ويحثهم على إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وينذرهم بأسه تعالى وبطشه إن أصروا على الكفر وما هم عليه من الانحراف والجحود.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح، وعنى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، وبقومه: ثمود ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ يقول: الذين جحدوا توحيد الله، وكذّبوا بلقاء الآخرة: يعني كذبوا بلقاء الله في الآخرة. وقوله: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يقول: ونعَّمناهم في حياتهم الدنيا، بما وسَّعنا عليهم من المعاش، وبسطنا لهم من الرزق، حتى بطروا وعَتَوا على ربهم، وكفروا. قال: وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يقول: قالوا: بعث الله صالحًا إلينا رسولًا من بيننا وخصه بالرسالة دوننا وهو إنسان مثلنا يأكل مما نأكل منه من الطعام ويشرب مما نشرب، وكيف لم يرسل ملكًا من عنده يبلغنا رسالته).\nقال ابن كثير: (فكذبوه وخالفوه، وأبوا من اتباعه لكونِه بشرًا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، فكذّبوا بلقاء الله في القيامة، وأنكروا المعاد الجُثماني، وقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ أي بعيد بعيد ذلك).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.\nكقول كفار مكة: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].","vol":"5","page":259},{"text":"وكقيلهم وهم يقسمون كذبًا - كما حكى الله عنهم في سورة النحل -: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]. مما يدل أن منهج الكفر واحد منذ القرون الأولى إلى قيام الساعة.\nوقوله تعالى: (﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾\nقال النسفي: (أي ما هو إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه وفيما يعدنا من البعث، ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: استفتح الرسول وطلب النصر من الله على قوم أصروا على كفرهم وتكذيبهم.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.\nإجابةُ الله دعوة رسوله بأن الندم سيحيط بهم مصبحين نتيجة استهزائهم بالوحي والنبوة.\nوقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾.\nأي: وقع بهم انتقام الله تعالى باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم وتماديهم.\nوقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. اي صيرناهم كالغثاء لا قيمة له. والغثاء ما ارتفع على السيل ونحوه. قال ابن عباس: (جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر).\nوقال مجاهد: (كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل).\nقال النسفي: (شبههم في دمارهم بالغثاء، وهو حميل السيل ما بلي واسودّ من الورق والعيدان).\nوقوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. أي: هلاكًا لهم. أو بُعْدًا لهم من رحمة الله. والفاء عاطفة، و﴿بُعْدًا﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف والتقدير: ابعدوا بعدًا.\nأي: أبعد الله القوم الظالمين بإهلاكهم إذ أصروا على الكفر بربهم وتكذيب رسله ووحيه.\n٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا","vol":"5","page":260},{"text":"وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: استمرارُ إرسال الله تعالى الرسل في القرون المتتابعة، واستمرار تكذيب الملأ الكافر وأتباعهم في الأمم المتلاحقة، وختام ذلك نزول نقمة الله على المكذبين وتصييرهم أحاديث للأجيال القادمة.\nفقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾.\nأي: ثم أوجدنا من بعد هلاك هؤلاء أممًا وأقوامًا آخرين.\nقال ابن عباس: (يريد بني إسرائيل). قال القرطبي: (وفي الكلام حذف: فكذبوا أنبياءهم فأهلكناهم).\nوقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (يعني: بل يؤخذون حسبَ ما قدَّر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعِلْمِهِ قبل كَوْنِهِم، أمة بعد أمة وقرنًا بعد قرنٍ، وجيلًا بعد جيل، وخلفًا بعد سلف).\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. معنى ﴿تَتْرَا﴾ تتواتر. قال ابن عباس: (يعني يتبع بعضهم بعضًا).\nوالمقصود: ثم واترنا رسلنا على أجيال الخلق يتبع بعضهم بعضًا ترغيبًا وترهيبًا.\nوقوله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾. أي: بالهلاك.\nوقوله ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾. أي أخبارًا وأحاديث للناس لِضَرْبِ المثل والتعجب. قال الأخفش: (إنما يقال هذا في الشر ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ ولا يقال في الخير، كما يقال: صار فلان حديثًا أي عبرة ومثلًا، كما قال في آية أخرى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]).\nوقوله: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فأبعد الله قومًا لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون برسوله).\n٤٥ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا","vol":"5","page":261},{"text":"لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾.\nفي هذه الآياتِ: إخباره تعالى أنه تابع الرسالة فبعث موسى وأخاه هارون - ﵉ - إلى فرعون وقومه بحجة الحق البالغة وسلطان الوحي العظيم. فقابلوا ذلك بالكبر والبغي والعلو في الأرض واتباع سبيل الشياطين، وعاملوهما كما عاملت الأمم السابقة الهالكة رسلها مستنكرين بشريتهما محتجين بانقياد الناس - بالإكراه والظلم - لهم، فجاء العذاب وقصم الله فرعون والقبط، وأكرم الله موسى والمؤمنين معه بهدي التوراة ليكون لهم نورًا في الدنيا ونجاة في الآخرة.\nقال النسفي: (﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعملون بشرائعها ومواعظها).\nوقال ابن كثير: (وأنزل على موسى الكتاب - وهو التوراةُ - فيها أحكامهُ وأوامِرُه ونواهيه، وذلك بعدما قَصَمَ الله فِرعونَ والقبط، وأخذهم أخذَ عزيز مقتدر. وبعد أن أنزل الله التوراة لم يُهلك أمة بعامَّة، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ [القصص: ٤٣]).\n٥٠. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾.\nفي هذه الآية: يخبر تعالى أنه جعل عيسى وأمه مريم - ﵉ - حجة على أهل ذلك الزمان، في إظهار قدرته جل ذكره بإنشاء الأجسام من غير أصل، فهو كآدم خلقه من تراب وقال له كن فكان، وهذه الآية باقية إلى قيام الساعة، وأنه تعالى برحمته آوى عيسى وأمه إلى أرض منبسطة مرتفعة ذات خصب وماء.\nفعن قتادة: (﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ قال: ولدته من غير أب هو له، ولذلك وُحِّدت الآية، وقد ذكر مريم وابنها).\nوقال ابن عباس: (الربوة: المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات).","vol":"5","page":262},{"text":"قال: (وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَار﴾ يقول: ذات خصب ﴿وَمَعِينٍ﴾ يعني ماء ظاهرًا). وقال (المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]).\nوقال مجاهد: (ربْوة مستوية). وقال سعيد بن جبير: (﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ استوى الماء فيها). وقال قتادة: (﴿وَمَعِينٍ﴾ الماء الجاري). وقال: (هو بيت المقدس).\nوخلاصة القول: لقد آوى الله تعالى عبده عيسى بن مريم - ﷺ - وأمه إلى أرض مرتفعة خصبة تحفل بالنبات والثمر والماء رحمة منه تعالى بهما. وظاهر آيات القرآن أن ذلك كان في بيت المقدس، والله تعالى أعلم.\n٥١ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.\nفي هذه الآياتِ: أمْرُ الله تعالى الرسل وعباده المؤمنين بأكل الحلال، وامتثال الصالح من الأعمال، والدعوة إلى الدين الحق، واجتناب الفرقة أو الانزلاق إلى الشبهات والشهوات، والتنبيه إلى سنة الله في استدراج القوم الظالمين، ثم استئصالهم من حيث لا يشعرون.\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\nأمرٌ من الله سبحانه لعباده المرسلين بأكل الحلال وترك الحرام وامتثال صالح الأعمال، وهو - تعالى - عليم باعمالهم ومجازيهم بجميعها أحسن الثواب. قال الحسن: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: الحلال). والخطاب وإن كان موجهًا للرسل فهو لأتباعهم من باب أولى، وإنما خصّ الموسلين بالكلام لأنهم قدوة العباد وأسوة البشرية جميعًا.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:","vol":"5","page":263},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يُطيل السفَرَ أشعثَ أغبرَ، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا ربِّ! يا ربِّ! وَمَطْعَمُهُ حرامٌ، ومَشْرَبُهُ حرامٌ، ومَلْبَسُهُ حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنّى يُستجابُ لذلك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.\nيعني: وإن ملتكم معشر الأنبياء ملة واحدة، ودينكم دين واحد، وهو دين التوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، فاتقوا الله ربكم وادعوا الخلق إلى هذا الدين القويم.\nقال ابن جريجٍ: (﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: الملة والدين).\nوقد نصب قوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الحال.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾.\nأي: تمزقت أمم الرسل فيما بينهم، وجعلوا دينهم أديانًا، واتبعوا الشبهات والشهوات. و﴿زُبُرًا﴾: جمع زبور. أي كتبًا مختلفة. قيل: تفرقوا في دينهم فرقًا كل فرقة تنتحل كتابًا. وعن الحسن قال: (قطعوا كتاب الله قطعًا وحرفوه).\nوقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي كل فريق بما هم عليه من الهوى والضلال معجبون.\nقال النسفي: (كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ من الكتاب والدين أو من الهوى والرأي ﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون معتقدون أنهم على الحق).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾. تهديد ووعيد. أي: فدع يا محمد هؤلاء القوم الذين انغمسوا في غَيهم وضلالهم إلى حين حلول عذابهم أو انقضاء آجالهم. قال مجاهد: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: في ضلالهم).\nوقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾: نعطيهم، نسارع لهم، قال: نزيدهم في الخير، نُمْلي لهم، قال: هذا لقريش).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٠١٥) - كتاب الزكاة، ورواه الترمذي في الجامع (٢٩٨٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٢٨).","vol":"5","page":264},{"text":"قال ابن كثير: (يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لِكَرامَتِهمِ علينا ومَعَزَّتهم عندنا؟ ! كلَّا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]، لقد أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاءً، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ [القلم: ٤٤، ٤٥].\n٣ - وقال تعالى: وَ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨].\nومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله لَيُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لمْ يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٢).\nالحديث الثالث: خرّج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله لا يَظْلِمُ مؤمنًا حسنة، يُعطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجة (٤٠١٨)، وأخرجه ابن حبان (٥١٧٥)، والبيهقي (٦/ ٩٤).","vol":"5","page":265},{"text":"الكافِرُ فَيُطْعَمُ بحسنات ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكُنْ له حسَنةٌ يُجْزى بها\" (١).\n٥٧ - ٦١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾.\nفي هذه الآياتِ: ثناءُ الله تعالى على عباده المؤمنين، الذين جمعوا إلى إيمانهم إحسانًا وشفقة من يوم الدين، والذين يسارعون في الخيرات وقلوبهم وجلة أن لا يقبل منهم يوم يعرضون على رب العالمين.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾.\nقال الحسن البصري: (إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنًا).\nفالمؤمنون بالله وجلون خائفون مع إحسانهم وإيمانهم ومبادرتهم إلى الطاعات والقربات.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. يشمل الآياتِ الكونية والشرعية.\nقال النسفي: (﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي بكتب الله كلها، لا يفرقون بين كتبه كالذين تقطعوا أمرهم بينهم وهم أهل الكتاب).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾.\nأي: يفردون ربهم سبحانه بالعبادة والتعظيم، ويوحدونه في أسمائه وصفاته ومحامده لا شريك له.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.\nأي: يعطون الصدقات ويتقربون بالطاعات وهم خائفون أن لا يقبل منهم. قال ابن عباس: (المؤمن ينفق ماله ويتصدق وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع). وقال سعيد بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨) - كتاب صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا، ورواه أحمد.","vol":"5","page":266},{"text":"جبير: (يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت، وهي من المبشرات).\nأخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: [سألت رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا، يا بِنْتَ الصديق ولكنهم الذين يَصومون ويُصلون وَيتَصَدَّقون وهم يخافون أن لا تُقْبَلَ منهم، أولئك الذين يُسارعون في الخيرات وهم لها سابقون] (١).\nوفي لفظ ابن ماجة: [قالت: أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا. يا بنت أبي بكر. \"أو يا بنت الصديق! \"، ولكنه الرجل يصومُ وَيتَصَدَّق ويُصَلِّي، وهو يخاف أن لا تُقْبَّلَ منه].\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: سبقت لهم السعادة).\nوقال ابن زيد: (والخيرات: المخافة والوجل والإيمان، والكف عن الشرك بالله، فذلك المسابقة إلى هذه الخيرات، وقوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ كان بعضهم يقول: معناه: سبقت لهم من الله السعادة، فذلك سبوقهم الخيرات التي يعملونها).\nقلت: والحديث السابق يدل على أن حالة القلب الذي يخشى صاحبه عدم القبول وهو مجتهد في الإيمان والعمل الصالح هي حالة صِحِّية يُرجى لصاحبها السبق والفوز في الآخرة. وقد جاءت نصوص الوحيين بذلك:\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٤٠١)، وابن ماجة (٤١٩٨). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٣٧)، وصحيح سنن ابن ماجة (٣٣٨٤)، ورواه أحمد.","vol":"5","page":267},{"text":"ومن كنوز السنة العطرة:\nأخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أنس: [أن النبي - ﷺ - دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف] (١).\n٦٢ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾.\nفي هذه الآياتِ: التكاليف الشرعية متحملة، وكتاب الأعمال دقيق ينطق بصغائر الأعمال وكبارها، والقوم في غفلة عن مصيرهم، وإنما يستجيرون ويستغيثون عند نزول الهلاك بهم.\nفقوله: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾\nفيه دليل أن التكاليف الشرعية هي في حدود سعة الإنسان، وأن الشرائع التي أمر الله بها يطيق العبد حملها والقيام بها.\nذكر الشاطبي في \"الموافقات\": (أن المشقة الشرعية لا يجوز دفعها لأنَّها دفع للتكليف). واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].\nوذلك بعد قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: ٢].\n_________\n(١) إسناده حسن. أخرجه الترمذي (٩٩٤)، وابن ماجة (٤٢٦١). وعبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\" (ص ٢٤)، وانظر صحيح سنن الترمذي (٧٨٣)، وصحيح ابن ماجة (٣٤٣٦).","vol":"5","page":268},{"text":"وبيّن أن المشقة قد تبلغ من الأعمال العادية ما يظن أنه غير معتاد، ولكنه في الحقيقة معتاد.\nوقوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (يعني: كتاب الأعمال، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يبخسون من الخير شيئًا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين).\nوقوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال مجاهد: في عمى من هذا القرآن).\nقال ابن جرير: (وعنى بالغمرة: ما غمر قلوبهم، فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من المواعظ والعبر والحجج).\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾، أي: سيئة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ يعني الشرك ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾، قال: لابُدَّ أن يعملوها) (١). وقال مجاهد: (الخطايا).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يستغيثون). قال ابن زيد: (المترفون: العظماء. ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يقول: فإذا أخذناهم به جأروا، يقول: ضجّوا واستغاثوا مما حلّ بهم من عذابنا).\nوالجؤارُ: رفع الصوت، كما يجأر الثور، والخطاب لأهل مكة وما حلّ بطغاتهم يوم بدر، وهو حال الأمم التي ينزل بها سخط الله وعذابه على مدار الزمان.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾.\nأي: سواء جأرتم أم لم تجأروا، فقد حَل بكم سخط الله ونزل العذاب ولا طريقة لرفعه. قال الربيع بن أنس: (﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ لا تجزعوا الآن حين نزل بكم العذاب، إنه لا ينفعكم، فلو كان هذا الجزع قبلُ نفعكم).\n_________\n(١) وقيل: لابد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، فقد حقت عليهم كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنهم أشقياء أهل سوء خاتمة. وفي الصحيحين والمسند عن ابن مسعود، قال رسول الله - ﷺ -: [فوالذي لا إله غيره، إن الرجلَ ليعمل بعمل أهل الجَنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذِراع، فَيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخُلها]. رواه البخاري في صحيحه (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأحمد في مسنده (١/ ٣٨٢).","vol":"5","page":269},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: تدبرون). وقال مجاهد: (تستأخرون).\nقلت: والخطاب لأهل مكة لما عُرض عليهم الحق وهذا الوحي العظيم، فاستكبروا وطغوا وعاندوا. فوصفهم الله سبحانه بقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مستكبرين بحرم البيت أنه لا يظهر علينا فيه أحد). وقال مجاهد: (﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال: بمكة بالبلد). وقال الحسن: (مستكبرين بحرمي). وقال قتادة: (مستكبرين بالحرم).\nثم وصفهم سبحانه بقوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾. وأصل المر والمسامرة في لغة العرب: الحديث بالليل.\nومنه قولهم: سَمَرَ يَسْمُرُ فهو سامِرٌ. قال الرازي: (السُّمار: وهم القوم يَسْمُرون).\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿سَامِرًا﴾ يقول: يَسْمرون حول البيت).\nوقال مجاهد: (سامرًا: مجلسًا بالليل). وقال ابن زيد: (كانوا يَسْمرون ليلتهم ويلعبون: يتكلمون بالشعر والكهانة وبما لا يدرون).\nقال ابن جرير: (يقول: تَسْمرون بالليل، ووحّد قوله: ﴿سَامِرًا﴾ وهو بمعنى السُّمَّار، لأنه وضع موضع الوقت. ومعنى الكلام: وتهجرون ليلًا، فوضع السامر موضع الليل، فوحد لذلك. وقد كان بعض البصريين يقول: وُحِّد ومعناه الجمع، كما قيل: طفل في موضع أطفال، ومما يبين عن صحة ما قلنا في أنه وضع موضع الوقت، فوحد لذلك، قول الشاعر:\nمِن دونهم إن جِئْتهُمْ سَمَرًا ... عَزف القِيَانِ ومَجْلِسٌ غَمْر\nفقال: سمرًا لأن معناه: إن جئتهم ليلًا وهم يسمُرون، وكذلك قوله: سامرًا).\nقلت: وعندئذ يكون قوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ على وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ يكون المقصود إعراضهم عن القرآن أو البيت أو رسول الله - ﷺ -.\nقال ابن عباس: (يهجرون ذكر الله والحق)، وقال السدي: (السبّ).\nالوجه الثاني: أنَّ يكون المقصود تياديهم بالقول كما يهجُر الرجل في منامه وذلك إذا هذى، فوصفهم بأنهم يقولون في القرآن باطلًا من القول وما لا معنى له، وقد وردَ في اللغة الهَجْرُ بمعنى الهذيان.","vol":"5","page":270},{"text":"فعن سعيد بن جبير: (تَهْجُرون: قال: يَهْجرون في الباطل). وفي رواية: (قال: يسمرون بالليل يخوضون في الباطل). وقال مجاهد: (بالقول السيِّئ في القرآن). وقال ابن زيد: (الهذيان الذي يتكلم بما لا يريد ولا يعقل، كالمريض الذي يتكلم بما لا يدري).\nوكلا الوجهين يحتمله البيان الإلهي الكريم، وهو موافق لقراءة عامة قراء الأمصار، كما ذكر شيخ المفسرين ﵀، إذ اختار القراءة بفتح التاء وضم الجيم، قال: الإجماع الحجة من القراء).\nوأما القراءة الثانية بضم التاء وكسر الجيم: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ فقرأ بها نافع بن أبي نعيم، وهي بمعنى: يُفحِشون في المنطق ويقولون الخنا. قال الرازي: (والهَجْر: ضدُّ الوصل)، وأهْجَرَ الرجل إذا أفحش في القول. ومنه تفسير ابن عباس: (تُهْجِرون: قال: تقولون هُجْرا). وقال الحسن: (تُهجرون رسولي). وقال قتادة: (يقول: يقولون سوءًا). وقال الضحاك: (يقولون المنكر والخنا من القول، كذلك هَجْر القول).\nوخلاصة القول: إن كفار مكة لما طغوا أخذوا يَسْمرون بالليل يتغنون بكلام فاحش يؤذي الله ورسوله، ويتمادون بلغو القول وهم يَهْذون ويلعبون ويطربون. والآية السابقة تشبه قوله تعالى في سورة \"النجم\": ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال ابن عباس: (هو الغناء بالحميرية، سمد لنا: غنى لنا). وقال مجاهد: (هو الغناء يقول أهل اليمن: سَمَدَ فلان إذا غنى).\n٦٨ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾.\nفي هذه الآياتِ: ذمُّ الله تعالى منهج الكفار في التعامل مع الحق فهم معرضون، ولو","vol":"5","page":271},{"text":"اتبع الحق أهواءهم لفسد الكون فإنهم قوم جاهلون مفسدون. فهل تسألهم - يا محمد - أجرًا على دعوتك لهم أم أنت محتسب في دعوتك إياهم إلى الصراط المستقيم. إن الذين لا يؤمنون بالآخرة تائهون في ضلالتهم ولو كشفنا عنهم ضرَّهم لعادوا في طغيانهم يترددون.\nفقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nإنكار على المشركين سوء تعاملهم مع الوحي الكريم، وعدم تفهمهم آيات هذا الذكر الحكيم. قال قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾: إذن والله يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تَدَبَّرَهُ القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوه بما تشابَه، فهلكوا عند ذلك).\nوفي قوله: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أم جاءهم أمر ما لم يأت آباءهم الأولين فأنكروه وأعرضوا عنه. ذكره ابن جرير.\nالتأويل الثاني: قيل: ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل. قال القرطبي: (أي بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه وتركوا التدبر به).\nالتأويل الثالث: قال ابن عباس: (وقيل: المعنى أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت آباءهم الأولين فتركوا الأعز).\nقلت: والإعجاز القرآني يحتمل كل ذلك، ومفاد الآية الإنكار على طغاة مكة وأمثالهم عبر الزمان إعراضهم عن الهدى والحق وهذا القرآن العظيم، خوفًا على التقاليد والأعراف وموروث الأجداد. قال القاسمي: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي من الهدى والحق، فاستبدعوه واستبعدوه، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال. مع أن المجيء بما لم يعهد، لا يوجب النفرة. لأن المألوف قد يكون باطلًا، فتقتضي به الحكمة التحذير منه).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.\nتوقيف للقوم وتقريع وتقبيح. قال سفيان: (بلى! قد عرفوه ولكنهم حسدوه).\nقال النسفي: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ محمدًا بالصدق والأمانة ووفور العقل وصحة النسب وحسن الأخلاق! ! أي عرفوه بهذه الصفات ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ بغيًا وحسدًا).","vol":"5","page":272},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.\nأي: أم يتهمون رسولهم بالجنون؟ ! فهو يأتي من الكلام بما لا معنى له! !\nكلا، فالأمر ليس كذلك، فهم يعلمون حقًّا أنه أرجحهم عقلًا وأفضلهم رأيًا وأثقبهم ذهنًا، وأنه جاءهم بالحق الأبلج والصراط القويم الذي فيه تهديد أهوائهم الفاسدة، وشهواتهم الحاكمة، وأعرافهم الجاهلية البالية. فلما لم يجدوا طريقًا لردِّ هذا الوحي العظيم الذي يهدِّد منازلهم الجاهلية، نسبوه إلى الجنون في محاولة لكسر شوكته - ﷺ -.\nوقوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾.\nقال مجاهد وابن جريجٍ: (الحق: الله). والمعنى: ولو أجابهم الله ﷿ وأجرى التدبير على أهواء هؤلاء المشركين لحصل الفساد في السماوات والأرض لفساد أهوائهم وإراداتهم.\nوقوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾.\nفي تأويل الآية هنا قولان متكاملان:\nالقول الأول: الذكر هنا هو القرآن، أتيناهم به. قال ابن عباس: (أي ببيان الحق وذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين)، فهم عنه معرضون.\nالقول الثاني: أي: بل أتيناهم بشرفهم، لأن هذا القرآن كان شرفًا لهم إذ نزل على رجل منهم وخوطبوا به بلغتهم فأعرضوا عنه وكفروا به. قال السدي وسفيان: (﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ أي بما فيه شرفهم وعزّهم). وقال قتادة: (أي بما لهم فيه ذكر ثوابهم وعقابهم).\nوقوله: ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. أي غافلون مستكبرون.\nوقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾. قال الحسن: (أجرًا). وقال قتادة: (جُعْلًا). وقوله: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. أي فرزق ربك خير فلا يستطيع أحد أن يرزق مثل رزقه، أو أن ينعم مثل إنعامه.\nقال ابن كثير: (أي: أنت لا تسألهم أجرةً ولا جُعلًا ولا شيئًا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ","vol":"5","page":273},{"text":"الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]، وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠، ٢١]).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾.\nأي: وإنما تدعوهم أنت - يا محمد - إلى صراط الله القويم، الذي فيه النجاة وسعادة الدارين، وإن الذين يكذبون بالآخرة ويوم الحساب لعادلون عن سواء السبيل وجائرون منجرفون. قال الرازي: (\"نكبَ\" - فلان - عن الطريق: عَدَل. وتنكَّب عنه تَنكُّبًا أي مال وعدل). قال ابن عباس: (﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ يقول: عن الحق لعادلون).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح عن أبي تميمةَ عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله - ﷺ -، أو قال: شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشفَ عنكَ، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردَّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: [قام رسول الله - ﷺ - حين أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢)، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ١٤٨) لتمام الحديث، ورواه أحمد بلفظ مقارب.","vol":"5","page":274},{"text":"لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبدِ مَنافٍ لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباسُ بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمةَ رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنتَ محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم والترمذي بسند صحيح عن جابر مرفوعًا: [إني رأيت في المنام كأن جبريلَ عند رأسي، وميكائيل عند رجلى، يقول أحدهما لصاحبه: اضربْ له مثلًا، فقال: اسمع سمعت أذُنكَ، واعقِل عقلَ قلبُك، إنما مثلك ومثلُ أمّتك كمثل ملكٍ اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بَيْتًا، ثم جعل فيها مائدةً، ثم بعثَ رسولًا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فاللهُ هو الملكُ، والدارُ الإسلامُ، والبيتُ الجنةُ، وأنت يا محمد رسول، مَنْ أجابكَ دخلَ الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجَنَّة، ومن دخل الجَنَّة أكَلَ ما فيها] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى: ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضرّ الجوع والهزال. ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ يعني: في عتوّهم، وجرأتهم على ربهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يعني يترددون).\nوقال ابن كثير: (يُخبر تعالى عن غلظهم في كُفرهم، بأنه لو أزاح عِلَلَهُم وَأَفْهَمَهُم القرآن لما انقادِوا له، ولَاسْتَمَرُّوا على كُفرهم وطغيانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٩]، فهذا من باب عِلمه تعالى بما لا يكون، ولو كان كيف كان يكون. قال الضحاك، عن ابن عباس: كل ما فيه \"لَوْ\" فهو مما لا يكون أبدًا) انتهى.\n٧٦ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٧١) - كتاب التفسير، وانظر كذلك (٤٧٧٠) منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٩٣)، وأصله عند البخاري. وانظر صحيح الجامع (٢٤٦١).","vol":"5","page":275},{"text":"تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nفي هذه الآياتِ: إنزالُ الله المصائب والشدائد في المشركين ليردَّهم ذلك عن الكفر والباطل الذي هم غارقون فيه، وتذكيرهم بنعم الله عليهم في السمع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرون. وتنبيههم إلى عجائب قدرته تعالى في بث الخلق في الأرض والإحياء والإماتة واختلاف الليل والنهار لعلهم يعقلون. ومقابلة المشركين ذلك بالكبر والغرور واتهام قوارع الحق بأنها من أساطير الأولين.\nأخرج ابن جرير والنسائي وابن حبان والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: [جاء أبو سفيان إلى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد! أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العِلْهزَ - يعني الوبر والدم - فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (١). ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾: أي فما خشعوا. ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: ما لجؤوا إلى ربهم بالاستغفار والدعاء.\nوالمقصود: ابتلاهم الله بالمصائب والشدائد عسى أن يردهم ذلك عَمَّا هُمْ غارقون فيه من الكفر والضلالة، فما نفعهم ذلك، بل تابعوا في غَيِّهم وضلالهم ومخالفتهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٠ - ١٣].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٣٧٢)، وابن حبان (٩٦٧)، والطبراني (١٢٠٣٨) من طرق، وصححه الحاكم (٢/ ٣٩٤)، وأخرجه ابن جرير (٦٥٦٣٣)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٤/ ٨١) من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة المؤمنون - آية (٧٦).","vol":"5","page":276},{"text":"وفي الأثر عن عمر: (لا أبالي على أي حال أصبحت أو أمسيت. إن كان الغنى، إنّ فيه للشكو، وإن كان الفقر إن فيه للصّبر).\nوقال بعض السلف: (نعمته فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما بسط لي منها. إني رأيته أعطاها قومًا فاغتروا).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.\nقال القاسمي: (يعني ما نزل بهم من القتال والقتل يوم بدر، أو باب المجاعة والضر. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي حزنى نادمون على ما سلف منهم، في تكذيبهم بآيات الله، في حين لا ينفعهم الندم والحزن).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون بالبعث بعد الممات، السمع الذي تسمعون به، والأبصار التي تبصرون بها، والأفئدة التي تفقهون بها، فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك ابتداء إعادته بعد عدمه وفقده).\nوقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. أي: ما أقلّ شكركم لله على ما تفضل به عليكم من نعمة السمع والبصر والفؤاد والعقل وغيرها من النعم التي لا تعد ولا تحصى.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\nقال النسفي: (خلقكم وبثكم بالتناسل ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nأي: وأمر الحياة والموت بيده سبحانه، فيحيي النسم بالإنشاء، ويميتها بالإفناء، وتعاقب الليل والنهار بأمره، في الظلمة والنور، والزيادة والنقصان، كل ذلك إليه وحده لا مصرف له سواه، أفبعد ذلك تنكرون قدرته تعالى على البعث للحساب ومقايضة الأعمال وتصريف الثواب والعقاب؟ !\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.\nإخبار عن تعاقب السنن في الأمم المتتابعة، فقول الآخرين يشبه قول الأولين، فكما لم يعتبر المشركون الأولون بآيات الله ولم يتدبروا حججه البالغة، كذلك مضى","vol":"5","page":277},{"text":"من بعدهم على العناد والتكذيب. يقولون: أئذا متنا وعدنا ترابًا، قد فنيت أجسامنا، وبرأت عظامنا من لحومنا، أئنا لمبعوثون من قبورنا أحياء كما كنا؟ إن هذا لشيء عجيب وما هو بكائن!\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nأي: لقد وُعدنا هذا نحن منك، وأَباؤنا من قبل مجيئك - يا محمد - من قوم مثلك زعموا أنهم رسل الله، فلم نر له حقيقة، وما هو إلا من أباطيل الأولين وترّهاتهم.\n٨٤ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾.\nفي هذه الآياتِ: قوارعُ من الوحي الكريم، في إثبات اقتضاء الإيمان بالربوبية الإيمان بتوحيد الألوهية، فالرب الذي يملك ويجير وبيده ملكوت كل شيء هو الإله الحق المستحق للعبادة والتعظيم، والمشركون هم الكاذبون.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nتوجيه الله تعالى نبيه محمدًا - ﷺ - للأسلوب الأمثل في مواجهة شرك قومه عن طريق إقرارهم لله تعالى بالربوبية، لماذا لم يفردوه سبحانه بالألوهية؟ ! ولماذا لم يوحدوه وينزهوه تعالى في أسمائه وصفاته ومحامده!؟\nفهم مُقِرُّون أَنَّ الأرض ومن فيها لله فقل لهم - يا محمد - ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال النسفي: (فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها كان قادرًا على إعادة الخلق، وكان حقيقًا بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية).","vol":"5","page":278},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: من هو خالقُ العالم العُلْوي بما فيه من الكواكب النيِّرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومَنْ هو ربُّ العرش العظيم؟ يعني الذي هو سَقْفُ المخلوقات. ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، أي: إذا كنتم تعترفون بأنه رب السماوات ورب العرش العظيم، أفلا تخافون عِقابَه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراكِكُم به؟ !).\nقلت: وقد وصف الله تعالى في هذه الآية عرشه بالعرش العظيم لأنه أعظم المخلوقات، ونهاية الخلق، فليس فوقه إلا الله.\nقال ابن عباس: (إنما سمّي عرشًا لارتفاعه).\nووصفه في آية أخرى بالعرش الكريم فقال جل ثناؤه في آخر السورة: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٦].\nوالكريم: أي الحسن البهي، فجمع عرش الرحمن بين العظمة في الاتساع والعلو، والحسن الباهر. والله تعالى قد تعالى فوق العرش وكلِّ ما دونه، كما قال سبحانه في الآية السابقة: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾. فليس ثمَّ مكانٌ ولا حدودٌ فوق العرش، فإن ذلك كله ينقطع عنده، وما فوقه إلا الله جلت عظمته.\nوقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق ذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في الصحيح من حديث أبي ذر - أيضًا - أن النبي - ﷺ - قال يومًا: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١/ ١١٤)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص (٢٩٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٩).","vol":"5","page":279},{"text":"[إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ...] الحديث (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن خزيمة بسند صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره] (٢).\nقلت: فالكرسي تحت عرش الرحمن وهو موضع قدمي الباري ﷿، فتبارك الله أحسن الخالقين.\nوقوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال مجاهد: (خزائن كلّ شيء). فهو سبحانه الملك المتصرف بشؤون خلقه جميعًا لا رادّ لأمره.\nقال تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: [كانَتْ يمينُ النبي - ﷺ -: لا، ومُقَلِّب القلوب] (٣).\nوفي لفظ: [كثيرًا ما كان النبي يَحْلِفُ: لا، ومُقَلِّبِ القلوب].\nالحديث الثاني: خرّج مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول: إنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [إنَّ قلوبَ بني آدم كلّها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يُصرِّفه حيث يشاء. ثم قال رسول الله - ﷺ -: اللهم مصرف القلوب! صَرِّف قلوبنا على طاعتك] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يُذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ٩٦). وانظر مختصر صحيح مسلم (٢١٣٨).\n(٢) صحيح موقوف رجاله كلهم ثقات. أخرجه ابن خزيمة في \"التوحيد\"، وعبد الله بن أحمد في \"السنة\". انظر مختصر العلو (٤٥/ ص ٤٠٢) - تحقيق الألباني.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٢٨) - كتاب الإيمان والنذور، وكذلك (٦٦١٧) - في القدر.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٥١)، كتاب القدر، باب تصريف الله القلوب كيف شاء.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٩٤)، وأحمد (٢/ ٣٠٨)، وله روايات كثيرة. وانظر للشاهد مسند أحمد (٣/ ٢٣٨)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٠١).","vol":"5","page":280},{"text":"وله شاهد في المسند من حديث أنس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [والذي نفسي بيده - أو قال: والذي نفس محمد بيدِه - لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله ﷿، لغَفَرَ لكم، والذي نفس محمد بيده - أو قال: والذي نفسي بيده - لو لم تخطئوا لجاء الله ﷿ بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم].\nوقوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nأي: وهو السيد العظيم الذي يحتاج إليه جميع خلقه، فَيَمْنَعُ من يشاء ولا يُمنع منه، وَيُؤمِّنُ مَنْ يشاء، ولا يُؤمَّنُ مَنْ أخافه، إن كنتم - أيها الجاحدون - تعلمون.\nأخرج أبو داود وأحمد بسند صحيح عن أبي جري جابر بن سليم قال: [رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله - ﷺ -، قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين، قال: لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك. قال: قلت: أنت رسول الله - ﷺ -؟ قال: أنَّا رسول الله الذي إذا أصابك ضرٌّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عامُ سنة فدعَوْتَه أنْبَتَها لك، وإن كنت بأرصْ قَفْراء أو فلاة فَضَلَّتْ راحلتك فدعوتَهُ رَدَّها عليك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: تكذبون). أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي تتجه الخلائق إليه بحاجاتها فيجير من يشاء، ولا يجار عليه، هو الله الواحد الأحد لا شريك له.\nفقل لهم يا محمد: فكيف تُصرف عقولكم وتشركون في عبادته. قال القرطبي: (أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده. أو كيف يُخَيَّلُ إليكم أن تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع! والسحر هو التخييل. وكل هذا احتجاج على العرب المقرّين بالصانع).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nقال ابن كثير: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: في عبادتهم مع الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٠٨٤) - كتاب اللباس. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢).","vol":"5","page":281},{"text":"غيره، ولا دليلَ لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة: ﴿وَمَنْ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادهم إلى ما هُم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك اتباعًا لآبائهم وأسلافِهم الحيارَى الجُهَّال، كما قال الله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].\n٩١ - ٩٢. قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾.\nفي هذه الآياتِ: نفي الولد والشريك عن الله تعالى، وأنه لو قُدِّر تعدد الآلهة لم ينتظم الوجود، إذ يحاول كل واحد نَظْمَ خلقه وضَبْطَ ملكه، ولا بد من أن يقهر أحدهما الآخر، وسيظهر أثر ذلك في الكون. ولما كان هذا الوجود متسقًا منتظمًا في عالَمَيْه العلوي والسفلي دَلّ ذلك على وحدانية الصانع وأنه الإله الحق الأحد الصمد عالم الغيب والشهادة لا شريك له.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك: ٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].\nأي: يعلم سبحانه ما يغيب عن مخلوقاته وما يشاهدونه ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:\nأي تقدس وتنزه سبحانه عما يشرك به الكافرون.\n٩٣ - ٩٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ","vol":"5","page":282},{"text":"السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تعليمُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - أن يدعو بنجاته مما هو نازل بالقوم المشركين. وإخباره أن الله تعالى لو شاء لأراه الخزي والنقمة بالمعاندين. وأَمْرُهُ تعالى له بالدفع بالتي هي أحسن والاستعاذة به - جلت عظمته - من همزات الشياطين أو أن يحضرون.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: قل يا محمد: ربِّ إنْ تُرِيَنِّي في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك).\nوقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾ جواب لقو له: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ - اعترض بينهما بالنداء.\nوالخلاصة: هذا دعاء عظيم يحتاج المسلم أن يدعو به ربه تعالى عند حلول النقم، كي يجنّبه سبحانه الفتن، ومصارع السوء والمحن.\nوفي السنة العطرة من آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" والترمذي وأحمد، بسند صحيح لشواهده، عن العباس بن عبد المطلب قال: [قلت يا رسول الله علمني شيئًا أسأاله الله ﷿. قال: سل الله العافية. فمكثت أيامًا، ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله. فقال لي: يا عباس يا عم رسول الله! اسألوا الله العافية في الدنيا والآخرة\" (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني والحاكم بسند حسن عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال لعمه العباس: [يا عَمِّ! أكثِر الدعاء بالعافية] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن معاذ بن رفاعة قال: قام\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٢٦)، والترمذي (٢/ ٢٦٦)، وأحمد (١/ ٢٠٩). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٢٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني (١١٩٠٨)، والحاكم (١/ ٥٢٩)، وانظر المرجع السابق.","vol":"5","page":283},{"text":"أبو بكر الصديق على المنبر، ثم بكى، فقال: قام رسول الله - ﷺ - عام الأول على المنبر، ثم بكى فقال: [سلوا اللهَ العَفْوَ والعافيةَ، فإن أحدًا لمْ يُعْطَ بَعْدَ اليقين خيرًا من العافية] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة - قال: أحْسِبُهُ قال: في المنام - فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، قال: فوضع يَدَهُ بين كَتِفَيَّ حتى وَجَدْتُ بردها بين ثديي - أو قال: في نَحري - فعلمت ما في السماوات وما في الأرض. قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم في الكفارات، والكفارات: المكث في المسجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد إذا صليت فقل: اللهم إني أسالك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.\nأي: لو شئنا - يا محمد - لأريناك ما سينزل بهم من العذاب والفتن نتيجة عنادهم وإصرارهم على شركهم. قال القرطبي: (نبّه على أن خلاف المعلوم مقدور، وقد أراه الله تعالى ذلك فيهم بالجوع والسيف، ونجّاه الله ومن آمن بهِ من ذلك).\nوقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.\nأمر من الله تعالى بالعفو والصفح ومكارم الأخلاق، فهو الترياق النافع في معاملة الناس، وينعكس خيره على العبد بالشيء الكثير.\nقال الحسن: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظًا، ويصفح عما يكره).\nقلت: وهذا الدافع بالإحسان نافع مع المسلمين عامة، ومع الكفار زمن الدعوة\n_________\n(١) حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٨١١) من حديث معاذ بن رفاعة. وكذلك ابن ماجة (٣٨٤٩). انظر صحيح الترمذي (٢٨٢١)، ورواه أحمد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٣٤٦٣) - أبواب تفسير القرآن، سورة (ص). وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٥٨٠).","vol":"5","page":284},{"text":"والغربة، فإذا وجب الجهاد وقتال المشركين وجب التنكيل بهم والغلظة عليهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصلت: ٣٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو يعلى بسند حسن في الشواهد عن أنس قال: [لقي رسول الله - ﷺ - أبا ذر فقال: يا أبا ذر! ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله قال: عليك بحُسْن الخُلقِ، وطول الصَّمْتِ، فو الذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما] (١).\nوفي رواية: (ما تَجَمَّلَ الخلائق بِمثلهما).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في \"خلق أفعال العباد\" والحاكم في المستدرك بسند صحيح عن يزيد بن المقدام بن شريح بن هاني عن المقدام عن أبيه عن هاني: [أنه لما وفدَ على رسول الله - ﷺ - قال: يا رسول الله أي شيء يوجب الجَنَّة؟ قال: عليك بِحُسْنِ الكلام، وبَذْلِ الطعام] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود وأحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: [أثقل شيء في الميزان الخلق الحسن] (٣).\nوله شاهد عند الترمذي وزاد فيه: [وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة].\n_________\n(١) حسن لشواهده. إْخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ ٨٣٤) من حديث أنس بن مالك، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٣٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (ص ٧٩)، والحاكم (١/ ٢٣)، وابن حبان في صحيحه (١٩٣٧ - ١٩٣٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨٩)، وأحمد (٦/ ٤٤٦)، والترمذي (٣/ ١٤٦).","vol":"5","page":285},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.\nأمر من الله سبحانه لنبيه - ﷺ - بالاستعاذة من شياطين الجن؟ لأنهم لا يقبلون رشوة ولا ينفع معهم جميل، بعكس شياطين الإنس فإنه يمكن شراؤهم بحسن الخلق وطيب المعاملة، وهذا منهج قويم يحتاجه المسلمون في حياتهم.\nقال ابن زيد: (همزات الشياطين: خَنْقُهم الناس، فذلك همزاتهم. ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ في شيء من أمري).\nوالهمزات: جمع هَمْزة، والهَمْزُ هو الغَمْز. قال الرازي: (وهمزات الشياطين خَطَراته التي يُخْطِرُها بقلب الإنسان). وكذلك الهمز: هو النَّخْسُ والدفع. والمقصود: الاستعاذة بالله من نزعات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى، ومن محاولات اقترابه من العبد بمسّ وإيذاء أو سحر.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].\nومن كنوز السنة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: يروي الديلمي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تسبوا الشيطان، وتعوذوا بالله من شره] (١).\nالحديث الثاني: خرّج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال] (٢).\nوله شاهد عنده من حديث ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يأكُلَنَّ أحدُكم بشماله ولا يشَربَنَّ بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها].\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الديلمي (٤/ ١٤٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٢٢).\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٠١٩). وانظر للشاهد (٢٠٢٠) (١٠٦)، وأخرجه مالك (٢/ ٩٢٢).","vol":"5","page":286},{"text":"الحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لو أنَّ أحَدَهُمْ، إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم الله، اللهمَّ جَنِّبْنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنا، فإنه، إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُما ولدٌ في ذلك، لم يَضُرَّه شيطانٌ أبدًا] (١).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي اليَسَر: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يدعو: [اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردِّي، وأعوذ بك من الغرق، والحوق، والهرم، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك: أنَّ أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا] (٢).\n٩٩ - ١٠٠. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾.\nفي هذه الآياتِ: إخبارٌ من الله جَلَّت عظمته عن حال المحتضر من الكفار وقد أوشك على الرحيل من هذه الدنيا وبلغت الروح الحلقوم، وعاين نزول أمر الله به، فقال - لعظيم ما يعاين مما هو مُقْدم عليه من العذاب - تندمًا على ما فات ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ كي أعمل صالحًا فيما تركت قبل اليوم من العمل وضيعت من العمر، ولكنه لا يجاب إلى ذلك ويمكث في عذاب القبر في البرزخ إلى يوم البعث والحساب.\nفقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.\nقال ابن زيد: (﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾: هذه في الحياة الدنيا، ألا تراه يقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة، قبل أن يذوق الموت).\nوقوله: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾: يريد شهادة أن لا إله إلا الله).\nقال القرطبي: (﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي فيما ضيَّعت وتركت العمل به من الطاعات. وقيل: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ من المال فأتصدق. و﴿لعل﴾ تتضمَّنُ ترددًا، وهذا الذي يسأل الرجعة قد\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (١٤٣٤) - كتاب النكاح. باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٥٥٢) - كتاب الصلاة. وانظر صحيح أبي داود (١٣٧٣).","vol":"5","page":287},{"text":"استيقن العذاب، وهو يوطِّن نفسه على العمل الصالح قطعًا من غير تردد. فالتردد إما يرجع إلى رده إلى الدنيا، وإما إلى التوفيق، أي أعمل صالحًا إن وفقتني، إذ ليس على قطع من وجود القدرة والتوفيق لو رُدَّ إلى الدنيا).\nوقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾.\nكلا: حرفُ رَدْعٍ وزَجْر، فهي كلمة ردّ، والمقصود بالآية أحد تأويلين:\nالتأويل الأول: أي ليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا.\nالتأويل الثاني: قيل: بل لو أجيب إلى ما يطلب لما وفّى بما يقول، بل غلبه كفره مرّة أخرى.\nقلت: وكلا التأويلين محتمل يدل عليه السياق.\nفدليل التأويل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١٠، ١١].\nودليل التأويل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٧، ٢٨].\nوقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.\nكل حاجز بين شيئين فهو برزخ، قال الجوهري: (البرزخ الحاجز بين الشيئين).\nوالمقصود هنا بالبرزخ الحياة ما بين الدنيا والآخرة، من وقت خروج الروح إلى وقت البعث للحساب.\nقال مجاهد وابن زيد: (البَرْزَخُ ما بين الموت إلى البعث). وقال الضحاك: (ما بين الدنيا والآخرة).\nومن كنوز صرح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند جيد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا قُبِرَ الميتُ، أو قال أحدُكم، أتاه ملكان، أسودان أزرقان، يُقال لأحدهما: المُنْكرُ، والآخرُ: النكيرُ، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبدُ الله ورسولهُ، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ،","vol":"5","page":288},{"text":"فيقولان: قد كنا نعلمُ أنك تقولُ هذا، ثم يُفسَحُ له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم يُنَوَّر له فيه، ثُم يقال له نَمْ، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهُم؟ فيقولان: نَمْ كنَوْمَةِ العروس الذي لا يوقِظُهُ إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مَضْجَعِه ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون، فقلت: مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئِمُ عليه، فتختلف أضلاعُه، فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعَثَهُ الله من مضجعِه ذلك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الموتى ليعذَّبون في قبورهم، حتى إنَّ البهائم لتسمعُ أصواتهم] (٢).\nوله شاهد عند الإمام أحمد من حديث عائشة مرفوعًا: [عذاب القبر حق].\nالحديث الثالث: أخرج ابن حبان من حديث أم بشر ﵂ قالت: [دخل عليّ رسول الله - ﷺ - وأنا في حائط من حوائط بني النجار، فيه قبور منهم قد ماتوا في الجاهلية، فسمعهم وهم يعذبون، فخرج وهو يقول: استعيذوا بالله من عذاب القبر، قالت: قلتُ: يا رسول الله! وإنهم ليُعَذَّبونَ في قبورهم؟ قال: نعم عذابًا تسمعُهُ البهائِم] (٣).\n١٠١ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: انعدامُ الانتفاع بالأنساب والقربى عند النفخ في الصور للقيام لرب العالمين. فمن ثقلت أعماله في الميزان كان من المفلحين، ومن خفت حسناته وثقلت سيئاته كان من الخاسرين، ومأواه إلى نار الجحيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ١٦٣)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٨٦٤).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني (٣/ ٧٨/ ٢) بإسناد حسن. وانظر للشاهد مسند أحمد (٦/ ١٧٤)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٧٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٧٨٧)، وأحمد (٦/ ٣٦٢). وانظر المرجع السابق (١٤٤٤).","vol":"5","page":289},{"text":"فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (فذلك حين ينفخ في الصور فلا حي يبقى إلا الله).\nوالمعنى: إذا نفخ في الصور يوم النشور، وقام الناس من القبور، فيومئذ لا تنفع الأنساب والقربى، ولا يجدي إلا الصدق مع الله في العبادة والامتثال.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ [المعارج: ١٠].\nقال النسفي: (﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا، لأن كلًّا مشغول عن سؤال صاحبه بحاله. ولا تناقض بين هذا وبين قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فالقيامة مواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون فيتساءلون).\nقلت: وأما نسبه - ﷺ - فمتصل يوم القيامة فلا ينقطع كما تنقطع بقية الأنساب، وإنما ينتفع به أهله ما أقاموا منهاج النبوة ولم يحدثوا في الدين. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الطبراني في \"المعجم الكبير\" بسند حسن عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: [كُلُّ سَبَبٍ ونسَبٍ مُنْقَطِع يومَ القيامة، إلا سببي ونَسَبي] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول على هذا المنبر: [ما بالُ رجال يقولون: إن رَحِمَ رسول الله - ﷺ - لا تنفعُ قومه؟ بلى، والله، إنَّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني - أيها الناس - فَرَطٌ لكم. فإذا جئتم قال رجل: يا رسول الله، أنا فلانُ بن فلان. وقال آخر: أنَّا فلانُ بن فلان. فأقول: أما النسبُ فقد عرفتُ، ولكنكم أحدثتم بعدِي، وارتددتُم القهقرى] (٢).\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ١٢٩/ ١)، وانظر السلسلة الصحيحة (٢٠٣٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٨)، (٣/ ٣٩)، (٣/ ٦٢)، وأخرجه أبو يعلى (١٢٣٨)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٦٤): رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد وثق. والحديث حسن في الشواهد.","vol":"5","page":290},{"text":"الحديث الثالث: أخرج أبو بكر الشافعي في \"الفوائد\" والخطيب في \"التاريخ\" بِسند حسن لغيره عن عقبة بن عامر قال: [خَطَب عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب ابنته من فاطمة، وأكثر تردده إليه، فقال: يا أبا الحسن! ما يحملني على كثرة ترددي إليك إلا حديث سمعته من رسول الله - ﷺ - يقول: \"كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يومَ القيامة، إلا سَبَبي ونَسبي\". فأحبَبْتُ أن يكون لي منكم أهل البيت سبب وصهر. فقام عليّ فأمر بابنته من فاطمة فَزُيِّتَتْ، ثم بعث بها إلى أمير المؤمنين عمر، فلما رآها قام إليها فأخذ بساقها، وقال: قولي لأبيك: قد رضيت، قد رضيت، فلما جاءت الجارية إلى أبيها قال لها: ما قال لك أمير المؤمنين؟ قالت: دعاني وقبلني، فلما قمت أخذ بساقي، وقال قولي لأبيك قد رضيت، فأنكحها إياه، فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب، فعاش حتى كان رجلًا، ثم مات] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (أي: من رَجَحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجُوا من شرِّ ما منه هربوا).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم بسند صحيح عن سلمان، عن النبي - ﷺ - قال: [يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة:\n_________\n(١) أخرجه أبو بكر الشافعي في \"الفوائد\" (٧٣/ ٢٥٧/ ١)، وابن عدي (٦/ ٢)، والخطيب في \"التاريخ\" (٦/ ١٨٢)، وللحديث شواهد كثيرة ترتقي به للحسن. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٣٦) عقب الحديث المذكور.","vol":"5","page":291},{"text":"يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] (٢).\nالحديث الثالث: خرّج مسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الطهورُ شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁: [أنه كان يجني سِواكًا من الأراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله: مِمَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: ومن خَفَّت موازين حسناته، فرجَحت بها موازين سيئاته، ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: غَبَنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يقول: هم في نار جهنم).\nوالمقصود: من ثقلت سيئاته في الميزان فرجحت كفتها على كفة حسناته فهؤلاء الذين خابوا وهلكوا وخسروا الصفقة، وهم في جهنم ماكثون مقيمون لا يظعنون.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إنه ليأتي الرجل\n_________\n(١) رواه الحاكم (٤/ ٥٨٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٥٦٣) - كتاب التوحيد، وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة - حديث رقم - (٢٦٩٤).\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٢٠).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد وغيره بسند حسن. انظر تخريج الطحاوية (٨٢) - تحقيق الألباني.","vol":"5","page":292},{"text":"العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]] (١).\nوقوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ.\nأي: يسْفعُ وجوههم لهب النار، فتحرقها، فتتقلص الشفاه عن الأسنان في تكشّر وعُبوس.\nقال ابن جريجٍ، عن ابن عباس: (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: تنفح، وَهُمْ فِيهَا ﴿كَالِحُونَ﴾ والكلوحُ: أنَّ تتقلّص الشفتان عن الأسنان، حتى تبدو الأسنان).\nوقال علي، عن ابن عباس: (﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ يقول: عابسون).\nقلت: وقوله: ﴿كَالِحُونَ﴾ من الكلوح، وهو يجمع في كلام العرب بين التكشر والعبوس.\nقال الرازي: (الكلوحُ: تكشُّرٌ في عبوس). والمقصود: حرق الوجوه في نار جهنم يصير أصحابها في حالة مشوهة ومنظر قبيح.\nقال القاسمي: (وتخصيص الوجوه لأنَّها أشرف الأعضاء. فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار).\n١٠٥ - ١١١. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾.\nفي هذه الآياتِ: اعترافُ أهل الشقاء يوم القيامة بشقوتهم وضلالهم وتمنيهم الخروج من النار، فَيُخْرِسُهُم الجبار، وينتصر لأوليائه، ويخزي أعداءه بما كانوا يسخرون. وينجي الذين اتقوا بمفازتهم بما كانوا يعملون ويصبرون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (و٤٧٢) - كتاب التفسير، سورة الكهف، آية (١٠٥).","vol":"5","page":293},{"text":"فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. تقريع للطغاة وتوبيخ بعدما وقعوا في شباك جهنم.\nقال ابن كثير: (هذا تقريعٌ من الله تعالى لأهل النار وتوبيخ لهم على ما ارتكبوا من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي: قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت الكتب، وأزلت شبُهَكم، ولم يبق لكم حجة تُدْلونَ بها كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك: ٨ - ١١]).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾.\nفيه أكثر من تأويل:\n١ - قال مجاهد: (﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾: التي كتبت علينا).\n٢ - قال القرطبي: (غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤدّيان إليها).\n٣ - قيل: المقصود حسن الظن بالنفس وسوءُ الظن بالخلق.\nقلت: وكلها أقوال متقاربة متكاملة، مفادها أن الطغاة اعترفوا متأخرين بعدما لفحتهم نار جهنم أنهم اختاروا طريق الشقاوة في الحياة الدنيا، فتحاكموا لأهوائهم وشهواتهم ومناهج الضلال وصدّوا عن سبيل الله، فحق عليهم الشقاء الذي كتبه الله عليهم بعلمه وعدله وحكمته.\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.\nهو أمل لا تحقيق لهُ، وأمنية لا إجابة لها، فالكفار في جهنم يتمنون الرجعة ويعاهدون ربهم أن لا يعودوا إلى آثامهم وجرائمهم ولكن دون جدوى، فقد فاتهم قطار النجاة، وقضى الله انتهاء الحياة الدنيا، وسيتابعون حياتهم في نار جهنم في نحيب وبكاء.","vol":"5","page":294},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر: ٣٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١١، ١٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٢، ١٣].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أنَّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم بسند حسن عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [إن أهل النار ليَبْكون حتى لو أُجْرِيت السفن في دموعهم جَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم] (٢).\nالحديث الثالث: يروي ابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن قيس قال: كنت عند أبي بردة ذات ليلة. فدخل علينا الحارث بن أقيْشٍ. فحدثنا الحارث ليلتئذ، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن مِنْ أمتي مَنْ يَدْخُلُ الجنةَ بشفاعتِهِ أكثَرُ مِنْ مُضَرَ. وإن مِنْ أُمَّتي مَنْ يَعْظُمُ للنارِ حتى يكونَ أَحَدَ زواياها] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. كلام تسكيت وتوبيخ وتحقير، وما هو بكلام تشريف.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٥٥٧)، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٥٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٣٢٣) - في صفة النار، انظر صحيح ابن ماجة (٣٤٩٠).","vol":"5","page":295},{"text":"قال ابن عباس: (هذا قول الرحمن ﷿، حين انقطع كلامهم منه).\nقال النسفي: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾ اسكتوا سكوت ذلة وهوان ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفع العذاب عنكم، فإنه لا يرفع ولا يخفف). وقال القرطبي: (أي ابْعُدوا في جهنم، كما يقال للكلب اخْسَأ أي ابْعُد).\nقال أبو الدرداء: (فعند ذلك يئسوا من كل خير، فيدْعون بالويل والشَّهيق والثبور) - ذكره بسنده ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nقال مجاهد: (هُمْ بلال وخَبّاب وصُهَيْب، وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم).\nوقال ابن زيد: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾: يسخرون منهم كما سخر قوم نوحٍ بنوح، اتخذوهم سخريًا: اتخذوهم هُزؤًا، لم يزالوا يستهزئون بهم).\nوالمقصود: انتصار الرحمن ﷿ لأوليائه من أعدائه، فقد كان المجرمون يضحكون في الحياة الدنيا من المؤمنين وتضرعهم ودعائهم وعبادتهم وإخلاصهم في منهاجهم لله ﵎.\nكما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦].\nوفي شرح السنة عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يا أيها الناس! ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم، كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرّح العيون، فلو أن سُفُنًا أُزْجِيَتْ (١) فيها لجرت] (٢).\n_________\n(١) أي: أرسلت.\n(٢) حسن لشواهده. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٩١)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٦٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧٩).","vol":"5","page":296},{"text":"وقوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. قال ابن كثير: (أي: حَمَلَكُم بغضُهم على أن نسيتم مُعَاملتي).\nوقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي استهزاء من عبادتهم وحرصهم على إرضاء ربهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾. انتصار آخر من الله تعالى وبشارة للمؤمنين.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إني أيها المشركون بالله المخَلَّدون في النار، جزيت الذين اتخذتموهم في الدنيا سخريًا من أهل الإيمان بي، وكنتم منهم تضحكون. ﴿الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ على ما كانوا يلقَون بينكم من أذى سخريتكم وضحككم منهم في الدنيا، أنهم هم الفائزون).\nوالمقصود: هذا يوم ثواب صبر المؤمنين على الأذى في سبيل علو أمر دينهم، وتحديهم للطغاة في إقامة ما أمرهم به ربهم ونالهم بسببه الأذى، فهم اليوم أصحاب الظفر الفائزون بجنات الخلود والنعيم المقيم.\n١١٢ - ١١٨. قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: اعترافُ المشركين يوم الحشر بمكثهم في الحياة الدنيا يومًا أو بعض يوم، وتقريعُ الباري ﷿ لهم بظنهم أنهم إليه لا يرجعون، فتعالى الله الملك الإله الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم، فإنه من يشرك بالله كان من الأشقياء الخاسرين، وأما المؤمنون فإنهم في ابتهال إلى الله ودعاء ورجاء ليكونوا بإذنه تعالى من عباده المرحومين.","vol":"5","page":297},{"text":"فقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.\nأي: كم تُلَخِّصون ما أمضيتم في الحياة الدنيا أمام ما تستقبلون من الزمان في الدار الآخرة.\nقال القرطبي: (وهذا السؤال للمشركين في عَرَصات القيامة أو في النار).\nوقوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.\nقال النسفي: (استقصروا مدة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة).\nوقوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾. قال مجاهد: (الملائكة). وقال قتادة: (فاسأل الحُسّاب). أو قال: (فاسأل أهل الحساب). وكلا التأويلين ممكن.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: مُدَّةً يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تَصَرَّفتم لأنفسكم هذا التصرف السيِّئ ولا استحققتم من الله سُخطَه في تلك المدة اليسيرة، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون لَفُزْتُم كما فَازوا).\nوالمقصود: سَتُخْتَزَلُ الحياة الدنيا بجميع أفراحها وآلامها في بعض يوم من أيام الحياة الآخرة، وسيعلم الكافرون ضخامة الجُرم الذي صنعوه إذ خسروا الصفقة وضيعوا العمر بالكفر والشهوات، فأورثهم ذلك شقاء سرمديًا يوم القيامة.\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُوْتى بِأَنْعَمِ أهل الدنيا، مِنْ أهلِ النار، يومَ القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مَرَّ بكَ نعيمٌ قطُ؟ فيقول: لا، والله! يا ربِّ! وَيُؤتى بأشَدِّ الناس بُؤْسًا في الدنيا، مِنْ أهل الجَنَّةِ، فَيُصبَغُ صَبْغَة في الجَنَّة، فيقال له: يا ابن آدَمَ! هَلْ رأيْتَ بُؤسًا قَطُّ؟ هل مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيقولُ: لا، والله! يا رب! ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رأيتُ شِدَّةً قطُّ] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٧) - كتاب صفات المنافقين، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار، وصبغ أشدهم بؤسًا في الجَنَّة.","vol":"5","page":298},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم لعبًا وباطلًا، وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء، فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾.\nأي: فتنزَه الله الملك الحق وتقدس عما ينسب إليه المشركون من الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق عباده عبثًا أو سفهًا، بل هو الحكيم لا معبود بحق سواه رب العرش الكريم.\nقال ابن كثير: (فذكر العرش لأنه سقفُ جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريمٌ، أي: حَسَنُ المنظر بَهيُّ الشكل، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ قال: بينة). أو قال: (حجة).\nوالمقصود: من يدع مع الله الذي لا تصلح العبادة إلا له معبودًا آخر لا حجة له بذلك، فإنما يوفى حساب عمله السَّيِّئ عند ربه الأحد الصمد الذي أشرك به، ومن ثمَّ فلا فلاح للكافرين لا في الدنيا ولا في الآخرة.\nقال الرازي: (نبّه تعالى بالآية، على أن كل ما لا برهان فيه، لا يجوز إثباته، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد).\nوفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي تميمة عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله - ﷺ -، أو قال: شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تدعو؟ قال: [أدعو إلى ربكَ الذي إن مَسَّكَ ضرّ فدعوته كشَفَ عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته رَدَّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٠٨٤). انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢)، وصحيح الجامع الصغير (٢٤٢)، ورواه أحمد.","vol":"5","page":299},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nأمر من الله تعالى لنبيّه - ﷺ - بالابتهال إليه ودعائه واستغفاره والثناء عليه، فإنه تعالى خير من رحم ذا ذنب، وخير من عفا، وخير من فرّج الكروب والمحن والمصائب، ومِنْ ثَمَّ فأمته - ﷺ - محتاجة إلى هذا الخطاب من باب أولى.\nفبالاستغفار يبسط الله تعالى لعباده السرور والنعم.\nقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة] (١).\nوفي صحيح مسلم عن الأغَرِّ بنِ يَسَار المزَنِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مئة مرّة] (٢).\nوفي لفظ: [إنه لَيُغَانُ على قلبي، وإني أستغفر الله في اليوم مئة مرّة].\nوالغَيْنُ: هو ما يتغشى القلب من الغفلات.\nوالله نسأل مغفرة الذنوب والزلات، والنجاة يوم الحسرات، إنه تعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم.\nتم تفسير سورة \"المؤمنون\" بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١١/ ٨٥)، وأخرجه الترمذي (٣٢٥٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٠٢) (٤٢) - كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه. وانظر للفظ بعده (٢٧٠٢) (٤١) من الباب نفسه.","vol":"5","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - قالت الجَنَّة: قد أفلح المؤمنون. فقالت الملائكة: طوبى لك منازل الملوك.\n٢ - الخشوع في الصلاة يحصل لمن فَرَّغَ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها.\n٣ - احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، والله أحق أن يُستحيا منه من الناس.\n٤ - المسلمون على شروطهم فيما أحِلّ، وفيما وافق الحق من ذلك.\n٥ - لكل غادر لواء يوم القيامة، والمسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله.\n٦ - أفضل الأعمال: الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.\n٧ - جنة الفردوس أوسط وأعلى الجَنَّة، وفوفها عرش الرحمان، ومن الفردوس تتفجّر أنهار الجَنَّة.\n٨ - صُلب الرجل هو ظهره، وترائب المرأة عظام صدرها.\n٩ - كل ابن آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنْبَ، مِنْهُ خُلِقَ، ومنه يُرَكَّب.\n١٠ - تعلمون المعاد إلى الله، ثم إلى الجَنَّة أو النار، وإقامة لا ظعن فيه، وخلود لا موت، في أجسادٍ لا تموت.\n١١ - النخيل والأعناب أشمرف الثمار وأهمها عند العرب، والزيت يؤكل ويدّهن به، وهو يخرج من شجرة مباركة.\n١٢ - دعاء الركوب للسفر: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. الحمد لله ثلاثًا، الله أكبر ثلاثًا، سبحانك إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.\n١٣ - إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإجابة الدعاء متعلقة بطيب المأكل والملبس.","vol":"5","page":301},{"text":"١٤ - المؤمنون يتقربون إلى الله بمختلف الطاعات وهم خائفون مشفقون أن لا يقبل منهم.\n١٥ - التكاليف الشرعية متحملة، وكتاب الأعمال دقيق ينطق بالصغائر والكبائر.\n١٦ - التزام الاستغفار، يقابله الغفار بإغداق النعم والأرزاق والأمطار.\n١٧ - اقتضاء الإيمان بتوحيد الربوبية الإيمان بتوحيد الألوهية.\n١٨ - الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره.\n١٩ - سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية.\n٢٠ - حسن الخلق، وطول الصمت، ما عمل الخلائق بمثلهما.\n٢١ - همزات الشياطين خطراته ونزعاته ومحاولات اقترابه من العبد بمس أو إيذاء أو سحر. وفي الحديث: أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت.\n٢٢ - البرزخ ما بين الموت إلى البعث، وسؤال الملكين وعذاب القبر حق.\n٢٣ - الميزان حق، فمن ثقلت موازينه نجا، ومن خفت موازينه هلك، وفي هذه الأمة من يَعْظُم للنار حتى يكون أحدَ زواياها.\n٢٤ - كل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، وهذا يوجب صحة النظر وفساد التقليد.\n٢٥ - الغَيْنُ ما يتغشى القلب من الغفلات، وبالاستغفار يزول وتتنزل الرحمات.\n* * *","vol":"5","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>٢٤ - سُوْرَةُ النَّوُرِ</span>\nوهي سورة مدنية في غالبها، وعدد آياتها (٦٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>موضوع السورة</span>\nأحكام العفاف والستر\nونور الوحي في حياة وقلوب المؤمنين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-179> منهاج السورة </span>-\n١ - التنبيه على شأن هذه السورة، وذكر عقوبة الزنى لغير المحصن.\n٢ - الإعلام بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، وتحريم نكاح الزانية أو تزويج الزاني.\n٣ - تحريم القذف وبيان حدّه وعواقبه، وتشريع الملاعنة وأحكامها.\n٤ - قصة أهل الإفك، وبراءة عائشة - ﵂ - إلى يوم القيامة.\n٥ - تشريع آداب عالية في الاستئذان قبل الدخول، واستثناء الأماكن العامة.\n٦ - الأمْرُ بغض البصر - للمؤمنين والمؤمنات - عما لا يحل النظر إليه، وأَمْرُ المؤمنات بعدم إبداء زينتهن إلا الوجه والكفين، وبيان ما يحل إظهاره أمام المحارم، والنهي عن الضرب بالأرجل لما يحرك الفتنة على الرجال.","vol":"5","page":303},{"text":"٧ - الترغيب في التزويج للأحرار والعبيد والوعد بالغنى والرزق على ذلك.\n٨ - الأمر بالاستعفاف حتى يكون النكاح، والترغيب بمساعدة المكاتبين، والتحذير من إكراه الإماء على الزنى.\n٩ - تمثيل بديع لقلب المؤمن الذي شعّ بنور الوحي الكريم، والله تعالى منوّر السماوات والأرض وهادي أهلهما وهو بكل شيء عليم.\n١٠ - ذِكْرُ أطهر البيوت في الأرض عقب ذكر أطهر القلوب وأزكاها، وفضيلة إعمار المساجد والثناء على عمارها.\n١١ - ضرب مثلين لنوعي الكفار: الرؤساء والأتباع. لا تنفعهم أعمالهم يوم الحساب، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.\n١٢ - إثباتُ تسبيح جميع المخلوقات، وسوقُ الله السحاب وإنزاله المطر، ولمعان البرق يأخذ بالبصر، وتعاقب الليل والنهار، وخَلْقُ كل دابة من ماء، آيات لقوم يتفكرون.\n١٣ - ذِكْرُ بعض صفات المنافقين، يعلنون الإيمان وما هم بمؤمنين، ويعرضون عن التحاكم لله ورسوله وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. وأما المؤمنون فهم يخبتون لله ويرضون بحكمه وأولئك هم الفائزون.\n١٤ - فضحُ المنافقين في تأكيدهم الخروج للجهاد مع رسول الله بالحلف وهم كاذبون. ومن يطع الله ورسوله ينعم بنور الهداية ومن يعرض فما على الرسول إلا البلاغ المبين.\n١٥ - وعْدُ الله تعالى المؤمنين الاستخلاف في الأرض والتمكين، وعجزُ الكافرين عن الهروب من عذاب الله الأليم.\n١٦ - آداب رفيعة في الاستئذان، وبيان وجوب ذلك على الأطفال إذا بلغوا الحلم، ولا جناح على القواعد من النساء أن يضعن ثيابهن غير متبرجات وأن يلتمسن العفاف والله سميع عليم.\n١٧ - رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، وجواز الأكل من بيوت القرابة، والأمر بإلقاء السلام عند الدخول.","vol":"5","page":304},{"text":"١٨ - إرشاد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الأدب مع نبيهم، وإذا دخلوا أو خرجوا فليستأذنوا ولا يتفرقوا إلا عن أمره.\n١٩ - النهي عن مناداة الرسول كمناداة غيره، أو ظن دعائه كدعاء غيره.\n٢٠ - الوعيد الشديد على من تعمد مخالفة أمر الرسول - ﷺ - والله بكل شيء عليم.\n* * *","vol":"5","page":305},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٢. قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تعظيمُ الله تعالى شأن هذه السورة الكريمة المشتملة على بيان أحكام العفاف والستر لقوم يَذَّكَرون. إن عقوبة الزنى لغير المحصن الجلد دون رأفة مع شهود هذا الحدّ من طائفة من المؤمنين.\nفقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾. سورة: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي، أو هذه. و﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة لها. قال القاسمي: (والتنكير للتفخيم). وقال ابن كثير: فيه تنبيه إلى الاعتناء بها ولا يَنْفي ما عداها).\nوقوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾. أصل الفرض القطع، أي جعلناها مقطوعًا بها - حكاه النسفي. وقد قرأ قُرَّاءٌ من الحجاز والبصرة بتشديد الراء: \"وَفَرَّضناها\". قال مجاهد: (أي بَيَّنا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود). فالتأويل: فصّلناها ونزّلنا فيها فرائض مختلفة. وأما عامّة قراء المدينة والكوفة والشام فقرؤوها بالتخفيف: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾. قال ابن عباس: (يقول: بيناها). وقال البخاري: (يقول: فَرَضنا عليكم وعلى مَنْ بَعْدكم). والقراءتان مشهورتان في الأمصار، ولا مانع من اختيار إحداهما.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال ابن جريجٍ: (الحلال والحرام والحدود). والمقصود: اشتمال السورة على آيات واضحات الدلالة صريحات البيان في مفاهيم الستر والعفاف وغير ذلك من الأحكام الشرعية، التي يحفظ الله بها النفوس والبيوت من سبل الشياطين.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن جريجٍ: (يقول: لتتذكروا بهذه الآياتِ البينات التي أنزلناها).","vol":"5","page":306},{"text":"وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. فيه تفصيل حكم الزاني والزانية في الإسلام، مع ما جاء بيانه في السنة المطهرة. وتفصيل ذلك:\nالزاني إما أن يكون بكرًا أو محصنًا:\nأ - حدّ الحر المحصن.\nإذا زنى الحر المحصن المكلف مختارًا فحدّه الرجم حتى يموت. والمقصود بالمحصن مَنْ سَبَقَ له الوطء بنكاحٍ صحيح. والمكلف هو البالغ العاقل، فلا حدّ على الصبي والمجنون لحديث: \"رفع القلم عن ثلاثة\" (١).\nفقد أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري: [أن رَجُلًا من أسلم أتى رسول الله - ﷺ - فَحدَّثه أنه قد زنى، فشهد على نفسه أربع شهادات، فأمر به رسول الله - ﷺ - فَرُجِمَ، وكان قد أُحْصِن] (٢).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس يومًا فقال: [إنَّ الله بعث محمدًا - ﷺ - بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف] (٣).\nب - حدّ الرقيق.\nإذا زنى غير الحر - عبدًا كان أو أمة - فلا رجم عليه، ولكن يجلد خمسين جلدة، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يَعْقِل أو يُفيقَ] وسنده صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٦٦٠)، وصحيح الترمذي (١١٥٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٤٤٠٧). انظر صحيح سنن أبي داود (٣٧٢٥)، ورواه الترمذي في الجامع (١٤٥٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١)، وأبو داود (٤٣٩٥)، وأخرجه الترمذي (١٤٥٦)، من حديث عبد الله بن عباس ﵄.","vol":"5","page":307},{"text":"أخرج الإمام مالك في الموطأ، والبيهقي بسند حسن، عن عبد الله بن عياش المخزومي قال: [أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة، خمسين خمسين في الزنا] (١).\nج - حدّ البكر.\nقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.\nأخرج البخاري عن زيد بن خالد الجهني قال: [سمعت النبي - ﷺ - يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مئة وتغريب عام] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: [خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم] (٣).\nء - من أُكره على الزنا فلا حدّ عليه.\nفقد أخرج البيهقي بسند صحيح عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: [أتي عمر بن الخطاب ﵁ بامرأة جهدها العطش، فمرّت على راع فاستسقت، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال عليّ ﵁: هذه مضطرة أرى أن تخلي سبيلها، ففعل] (٤).\nوقوله: (﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. قال مجاهد: (أن تقيم الحدّ). قال ابن زيد: (فتدعوهما من حدود الله التي أمر بها، وافترضها عليها). والمقصود: عدم تعطيل حدود الله، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية الا تكون حاصلة، فإذا رفعت الحدود إلى السلطان وجب إقامتها وعدم تعطيلها. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه مالك (١٥٠٨/ ٥٩٤)، وكذلك البيهقي (٨/ ٢٤٢) بسند حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٨٣١)، وانظر: \"إرواء الغليل\" (٢٣٤٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٦٩٠)، وأبو داود (٤٣٩٢)، والترمذي (١٤٦١)، وأخرجه ابن ماجة (٢٥٥٠)، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٠٣٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البيهقي (٨/ ٢٣٦)، وانظر الإرواء (٢٣١٣)، وكتاب: \"الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز\" - (ص ٤٣٠ - ٤٣٤).","vol":"5","page":308},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: [تَعافوا الحدودَ فيما بينكم، فما بلغني مِنْ حَدٍّ فقدْ وَجَبَ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [حَدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خيرٌ لأهل الأرض مِنْ أنْ يُمْطَروا أربعين صَبَاحًا] (٢).\nورواه من حديث ابن عمر بلفظ: [إقامةُ حَدٍّ من حدود الله، خيرٌ من مَطَرِ أربعين ليلةً، في بلاد الله ﷿].\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عُبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أقيموا حُدودَ الله في القريب والبعيد. ولا تأخذكم في الله لَوْمَةُ لائمٍ] (٣).\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن كنتم تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة، وللثواب والعقاب).\nوقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال قتادة: (نفر من المسلمين) (٤).\nوالمقصود: ليكون ذلك موعظة للناس وعبرة ونكالًا وإعلانًا لسلطان الحق في الأرض.\n٣. قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nفي هذه الآية: إخبارُ الله تعالى بحقيقةِ مهمة: الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي: لا يُطاوعه على مُراده من الزنا أو فجوره إلا زانية مثله، أو مشركة تَسْتَبيحُ ذلك، وكذلك حُرِّم على المؤمنين نكاح الزانية أو تزويج الزاني، فإن الزنى من صفات المشركين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٣٧٦) - كتاب الحدود. وانظر صحيح أبي داود (٣٦٨٠).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٢٥٣٨). وانظر صحيح ابن ماجة (٢٠٥٦) - (٢٠٥٧).\n(٣) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن - حديث رقم - (٢٥٤٠) - كتاب الحدود، باب إقامة الحدود، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٠٥٨).\n(٤) قال مالك: (الطائفة أربعةُ نفرٍ فصاعدًا؛ لأنه لا يكون شهادةٌ في الزنا دون أربعة شهداء فصاعدًا) - رواه عبد الرزاق، وهو قول الشافعي. قلت: والمهمّ في الأمر حضور بعض المسلمين للحكمة السابقة في الاعتبار وإظهار سلطان الحق.","vol":"5","page":309},{"text":"أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [كان رَجُلٌ يقال له: مَرْثَدُ بن أبي مَرْثَدٍ، وكان رجلًا يحمل الأُسارى من مكة حتى يأتيَ بهم المدينة. قال: وكانت امرأة بَغِيٌّ بمكة يقال لها: عَناق، وكانت صديقة له، وأنه واعد رجلًا من أُسارى مكة يَحْملُهُ. قال: فجئتُ حتى انتهيتُ إلى ظل حائطٍ من حوائطِ مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عَنَاق فأبْصَرَتْ سوادَ ظلٍّ تحت الحائط، فلما انتهَتْ إليَّ عَرَفَتْني، فقالت: مَرْثَد؟ فقلت: مَرْثَد. فقالت: مرحبًا وأهلًا، هَلُمَّ فَبِت عندنا الليلة. قال: فقلت: يا عناقُ، حَرَّمَ الله الزنا. فقالت: يا أهلَ الخيام، هذا الرجُل يحملُ أَسْراكم، قال: فتبعني ثمانية ودخلتُ الخَنْدَمَةَ (١)، فانْتَهيْتُ إلى غار - أو: كَهْف - فدخلت فيه، فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالُوا، فَطَلَّ بولُهم على رأسي، فأعماهم الله عني. قال: ثم رجَعوا ورجعتُ إلى صاحبي فَحَمَلْتُه، وكان رجلًا ثقيلًا، حتى انتهيْتُ إلى الإِذْخَرِ، ففككت عنه أكبُلَهُ، فجعلت أحمِلُه ويُعينني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، أَنكِحُ عناقًا؟ - مرتين - فأمسك رسول الله - ﷺ - فلم يرد عَليَّ شيئًا، حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال رسول الله - ﷺ -: يا مَرْثَدُ، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، فلا تَنْكِحَها] (٢).\nوأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو: [أنَّ رجلًا من المسلمين استأذن رسول الله - ﷺ - في امرأة يقال لها: أم مهْزُولٍ - كانت تُسافِحُ، وتشترط له أن تُنفق عليه - قال: فاستأذن رسول الله - ﷺ - أو: ذُكِرَ له أمرُها - قال: فقرأ عليه نبيُّ الله - ﷺ -: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾] (٣).\nوفي رواية: [فأنزل الله ﷿: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾]).\n_________\n(١) الخندمة: جبل بمكة.\n(٢) إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٢٠٥١)، والترمذي (٣١٧٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥٣٣٨)، والبيهقي (٧/ ١٥٣)، والحاكم (٢/ ١٦٦) مختصرًا. وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة النور، آية (٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٥٩)، وانظر لما بعده (٢/ ٢٢٥)، ورواه النسائي في \"التفسير\" (٣٧٩)، والبيهقي (٧/ ١٥٣)، والحاكم (٢/ ١٩٣ - ١٩٤) وصححه ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٧٤): ورجال أحمد ثقات.","vol":"5","page":310},{"text":"قلت: وفي قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ - تحريم صريح بتزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المُسَافح حتى يتوب توبة صادقة نصوحًا، وكذلك تحريم تَزَوُّج الرجل الصالح بالمرأة الزانية الفاجرة إلا أن تقلع عن فعلها المشين وتصدق التوبة والعفاف. وقد جاءت السنة المطهرة بآفاق ذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَنكحُ الزاني المجلودُ إلا مِثله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثة لا يدخلون الجَنَّة، ولا ينظر الله إليهم يومَ القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأة المترجِّلة (٢) والديُّوث. وثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، ومدمنُ الخمر، والمَنَّانُ بما أعطى] (٣).\nوله شاهد عند الطبراني من حديث عمار بن ياسر بلفظ: [ثلاثة لا يدخلون الجَنَّة أبدًا: الدَّيوثُ، والرَّجُلةُ منَ النساء، ومدمنُ الخمر].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: [ثلاثةٌ قَدْ حَرَّمَ الله عليهم الجَنَّة: مدمن الخمر، والعاقُّ، والدَّيوث الذي يقر في أهله الخبث] (٤).\n٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تحريم القذف وبيان حدّه وعواقبه، والذين يستهينون بأمر القذف أولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٠٥٢)، كتاب النكاح. وانظر صحيح أبي داود (١٨٠٧).\n(٢) هي المرأة المتشبهة بالرجال.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٣٤)، والنسائى (٥/ ٨٠)، والطبراني (١٣١٨٠) وأخرجه ابن حبان (٧٣٤٠)، والبيهقي (٨/ ٣٨٨)، وانظر للشاهد صحيح الجامع (٣٠٥٧).\n(٤) حسن لشواهده، أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٦٩)، (٢/ ١٢٨) من حديث عبد الله بن عمر، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - عقب الحديث - (٦٧٤).","vol":"5","page":311},{"text":"فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.\n﴿يَرْمُونَ﴾: أي يقذفون بالزنى. و﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: أي المسلمات الحرائر العاقلات البالغات العفيفات عن الزنى. فيه بيان حد القذف، فمن قذف مسلمًا، وليس لديه أربعة شهداء عدول يشهدون أنهم رأوه - أو رأوها - على الزنا، حُدَّ ثمانين جلدة، ولم تقبل شهادته أبدًا في أي واقعة كانت، لظهور كذبه.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣].\nقال القاسمي: (وتخصيص النساء لخصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع. وإلا فلا فرق فيه بين الذكر والأنثى). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: [اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات] (١).\nوقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال ابن زيد: (الكاذبون).\nوقوله تعالى: (﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: إلا الذين تابوا من بعد القذف وأصلحوا أعمالهم، فإن الله تعالى غفور رحيم، يقبل توبتهم ويعفو عنهم.\nقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\": (ذهب الجمهور إلى أن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل. ويزول عنه اسم الفسق. سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. روى البيهقي عن ابن عباس في هذه الآية: فمن تاب فشهادته في كتاب الله تقبل. وتأولوا قوله تعالى: ﴿أَبَدًا﴾ على أن المراد ما دام مصرًّا على قذفه. لأن \"أبد كل شيء\" على ما يليق به).\nوقال الزمخشري: (والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها، أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط. كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوهم، وردّوا شهادتهم وفسّقوهم. أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والتفسيق، إلا الذين تابوا عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ٢٩٤) في الوصايا، وأخرجه مسلم (٨٩) في الإيمان.","vol":"5","page":312},{"text":"القذف وأصلحوا، فإن الله يغفر لهم، فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مُفَسَّقين).\nوفي صحيح البخاري في \"كتاب الشهادات\" - باب شهادة القاذف والسارق والزاني - عن عمر ﵁، أنه جَلَدَ أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعًا، بقذف المغيرة بالزنى، لما شهدوا بأنهم رأوه متبطن المرأة. ولم يَبُتَّ زيادٌ الشهادة. ثم استتابهم وقال: من تاب قبلتُ شهادته. وفي رواية قال لهم: من أكذب نفسه قبلت شهادته فيما يستقبل. ومن لم يفعل، لم أجز شهادته. فأكذب شبل نفسه ونافع. وأبى أبو بكرة أن يرجع.\nوقد ذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى أنه إذا تاب قُبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق. وخالف أبو حنيفة وذهب إلى أن الفسق يرتفع بالتوبة ويبقى مردودَ الشهادة أبدًا، وما عليه الجمهور أقرب وأرجح، والله تعالى أعلم.\n٦ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تشريع الملاعنة، إذا قذف الرجل زوجته ولا شهود له فيحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بذلك، فَيُحْلِفُه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء، إنه لصادق في رميه إياها بالزنا. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كذب في دعواه، فإذا قال ذلك بانت منه وتوجه عليها حدّ الزنا. ويدرأ عنها الحد أن تُلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به. ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ولولا لطفُ الله ورحمته ومنّه على المؤمنين ما شرع هذا الفرج من الضيق والخلاص من الحرج، وهو مع ذلك تواب لما يجترحه عباده من الآثام، رحيم بهم إذا أقبلوا عليه وأنابوا إليه، حكيم في أقواله وأفعاله وتشريعه.\nأخرج البخاري ومسلم وأحمد ومالك وأكثر أهل السنن عن سهل بن سعد: [أن","vol":"5","page":313},{"text":"عويمرًا أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع إمرأته رجلًا يقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ سَلْ لي رسول الله - ﷺ - عن ذلك. فأتى عاصم النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، فَكَرِه رسول الله - ﷺ - المسائل، فسأله عويمر فقال: إنَّ رسول الله - ﷺ - كره المسائل وعابها. قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله - ﷺ - عن ذلك. فجاء عويمر فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله - ﷺ -: قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك، فأمرها رسول الله - ﷺ - بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها، ثم قال: يا رسول الله، إنْ حبستها فقد ظلمتها فَطَلَّقها فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين. ثم قال رسول الله - ﷺ -: انظروا فإن جاءت به أَسْحَمَ أَدْعَجَ العينين عظيم الأليتين خَدَلَّجَ الساقين فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وَحَرَةٌ فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله - ﷺ - من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه] (١).\nوفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس: [أنَّ هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - ﷺ - بشريك بن سحماء، فقال النبي - ﷺ -: البيِّنة أو حدّ في ظهرك. فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي - ﷺ - يقول: البينة وإلا حدٌّ في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يُبْرِّئ ظهري من الحد. فنزل جبريل وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فانصرف النبي - ﷺ - فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد، والنبي - ﷺ - يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظَنَنَّا أنَّها ترجع. ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت. فقال النبي - ﷺ -: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابع الإليتين، خَدَلَّجَ الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك. فقال النبي - ﷺ -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٤٥)، ومسلم (١٤٩٢) ح (٢)، (٣)، وأخرجه أبو داود (٢٢٤٧)، (٢٢٤٨)، وأحمد (٥/ ٣٣٤)، وابن ماجة (٢٠٦٦)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٧٤٧)، وأبو داود في السنن (٢٢٣٧)، والترمذي في الجامع (٣٢٢٩)، وأخرجه ابن ماجة (٢٠٦٧)، وغيرهم.","vol":"5","page":314},{"text":"الأحكام المترتبة على اللعان:\nإذا تلاعن الزوجان ترتب على تلاعنهما هذه الأحكام:\n١ - التفريق بينهما.\nففي الصحيحين عن ابن عمر قال: [لاعنَ النبي - ﷺ - بين رجل وامرأة من الأنصار وفرّق بينهما] (١).\n٢ - التحريم المؤبد.\nلقول سهل بن سعد - كما روى أبو داود والبيهقي بسند صحيح -: (مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا) (٢).\n٣ - استحقاق الملاعَنَة الصداق.\nففي الصحيحين عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته؟ فقال: فرّق النبي - ﷺ - بين أخوي بني العجلان، وقال: الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا. وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا. فقال: الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا، ففرّق بينهما. قال أيوب: فقال لي عمرو بن دينار: إن في الحديث شيئًا لا أراك تحدثه، قال: قال الرجل: مالي؟ قال: قيل: لا مال لك، إن كنت صادقًا فقد دخلت بها، وإن كنت كاذبًا فهو أبعد منك] (٣).\n٤ - التحاق الولد بالملاعنة.\nففي الصحيحين عن ابن عمر: [أنّ النبي - ﷺ - لاعَنَ بين رجل وامرأته، فانتفى من ولدها، ففرَّق بينهما، والحق الولد بالمرأة] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣١٤)، وأخرجه مسلم (١٤٩٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٢٣٣)، والبيهقي (٧/ ٤١٠)، وانظر الإرواء (٢١٠٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣١١)، ومسلم (١٤٩٣)، وأبو داود (٢٢٤١)، والنسائي (٦/ ١٧٧)، من حديث سعيد بن جبير.\n(٤) متفق عليه. أخرجه البخاري (٥٣١٥)، ومسلم (١٤٩٤)، وأبو داود (٢٢٤٢)، والترمذي (١٢١٨)، والنسائي (٦/ ١٧٨)، وابن ماجة (٢٠٦٩).","vol":"5","page":315},{"text":"٥ - ثبوت التوارث بين الملاعنة وولدها.\nففي الصحيحين وسنن أبي داود - في حديث سهل بن سعد - قال ابن شهاب: (فكانت السنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، وكان ابنها يُدعى لأمه. قال: ثم جرت السنة في ميراثها أنَّها ترثه، ويرث منها ما فرض الله له) (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ نكتة لطيفة في اختصاصها بالغضب إن صدق عليها، واختصاصه من قبل باللعن إن كان من الكاذبين. قال ابن كثير: (فَخَصَّها بالغضب، لأنَّ الغالب أن الرجل لا يَتَجَشَّم فضيحة أهله وَرَمْيَها بالزنا إلا وهو صادقٌ مَعْذورٌ، وهي تعلمُ صدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غَضَب الله عليها، والمغضوبُ عليه هو الذي يعلم الحقَّ ثم يحيدُ عنه).\nقال القاسمي: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾: أي لحرجتم وشق عليكم كثير من أموركم، ولكن لرحمته ولطفه، شرع لكم من الفرج والمخرج، ما أنزله وأحكمه).\n١١ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ\n_________\n(١) متفق عليه. أخرجه البخاري (٣٣٠٩)، ومسلم (١٤٩٢)، وأبو داود (٢٢٣٥)، من حديث سهل.","vol":"5","page":316},{"text":"وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تبرئة عائشة أم المؤمنين مما رماها به المنافقون، أهل الإفك والبهتان المبين، وتأديب الله تعالى عباده المؤمنين بآداب حفظ أعراضهم وسمعة بيوتهم وعدم الخوض في حكايات الثرثارين والكاذبين، وبيان بعض السنن والحكم التي قضاها الله ﵎ في العالمين. فإلى تفصيل حادثة الإفك وما تبعها من أحكام وآداب شرعية عالية.\nلقد سقطت ورقة عبد الله بن أبي بن سلول في قومه إثر القرآن النازل في تكذيبه، وفضح ما كان من محاولته لإثارة الفتنة وتحريك دعوى الجاهلية بين المسلمين، وذلك أثناء العودة من غزوة بني المصطلق، فكان قومه بعد ذلك يعنفونه ويلومونه كلما ظهرت منه حماقة أو خطأ أو غباء، حتى إن ابنه عبد الله همَّ بقتله والتخلص منه.\nيروي ذلك ابن إسحاق بسند حسن، قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: [أن عبد الله أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتلَ عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلًا فمُرني به، فأنا أحمل إليك رأسَه، فوالله لقد علمت الخزرجُ ما كان لها من رجل أبرَّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتلَه، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتلَه، فأقتلَ رجلًا","vol":"5","page":317},{"text":"مؤمنًا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله: بل نترَفَقُ به، ونُحْسنُ صُحْبَتَهُ ما بقي معنا] (١).\nورواه الطبراني والبزار بلفظ آخر وفيه أن النبي - ﷺ - قال له: (لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته) وسنده صحيح (٢).\nوقد ظهر مباشرة أثر هذه الحكمة النبوية في معالجة النفاق، إذ أصبح رأس النفاق موضع التوبيخ من قومه، كلما بدرت منه حماقة جديدة أو فاحت رائحة الغل والحقد من قلبه.\nففي رواية ابن إسحاق السابقة: (قال: وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويُعَنِّفونه. فقال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلتُه يوم قلتَ لي اقتُله، لأُرْعِدت له آنُفٌ، لو أمرتها اليوم بقَتْلِه لقتلته، قال: قال عمر: قد والله علمتُ لأمرُ رسول الله - ﷺ - أعظمُ بركة من أمري) (٣).\nثم وقف عبد الله ﵁ على باب المدينة يمنع أباه من دخولها، واستل سيفه مهددًا والده رأس النفاق أن لا يدخلها إلا بإذن من رسول الله - ﷺ -.\nروى ذلك الإمام الترمذي بإسناد حسن عن جابر، قال: [فقال له ابنُه عبد الله بن عبد الله: والله لا تَنْقَلِب حتى تُقِرَّ أنك الذليل ورسولُ الله - ﷺ - العزيز ففعل] (٤).\nوهنا دخل المدينة ذليلًا صاغرًا ولكنه بيت شرًّا، فما لبث فيها قليلًا حتى أحدث فتنة عمياء كادت تودي بصواب طائفة من المسلمين، وتركت آخرين منهم حيارى قلقين لا يعرفون رشدًا من أمرهم، حين أقدم الخبيث على اتهام سيدة البراءة عائشة ﵂ بالزنا والفاحشة، وعلى إيذاء النبي - ﷺ - بالتطاول على عرضه وبسط القول فيه كذبًا وزورًا.\nفلندع أم المؤمنين، أسوة الطاهرات العفيفات في الأمة، تروي لنا خبر الإفك\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٢٩١) بسند حسن.\n(٢) حديث حسن. قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣١٨): رواه البزار ورجاله ثقات. وانظر صحيح السيرة - إبراهيم العلي - ص ٢٥٥.\n(٣) انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢)، وهو حديث حسن لغيره كما مضى.\n(٤) انظر: سنن الترمذي (٣٣١٥)، كتاب التفسير، وهو حسن صحيح.","vol":"5","page":318},{"text":"وما نزل ببيت النبوة ومجتمع المسلمين حينئذ من الأذى:\nفقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يخرج سفرًا قرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين أذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحيل، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه.\nفأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلهن العلقة من الطعام، فلم يستثكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه. وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت.\nوفي رواية لابن إسحاق: (فتَلفَّفت بجلبابي: ثم اضطجعتُ في مكاني، وعرفت أن لو قد افتُقدت لرُجع إليّ).\nقالت: وكان صفوان بن المُعَطّل السُّلَمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم وأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته. (وفي رواية ابن إسحاق: قالت: فوالله إني لمُضطجعة إذ مَرَّ بي صفوان بن المعطَّل السُّلَمي، وقد كان تخلَّف عن العسكر لبَعْض حاجته، فلم يبتْ مع الناس، فرأى سوادي، فأقبل حتى وقف عليّ، وقد كان يراني قبل أنْ يُضربَ علينا الحجاب، فلما رآني قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله - ﷺ - وأنا متلفِّفَةٌ في ثيابي، قال: ما خلَّفك يرحمك الله؟ قالت: فما كَلَّمْتُه، ثم قرّب البعير، فقال: اركبي، واستأخر عني. قالت: فركبت، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعًا، يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس، وما افتقدْت حتى أصبحتُ، ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجلُ يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتعج العسكر - أي تحرك واضطرب -، والله ما أعلم بشيء من ذلك).","vol":"5","page":319},{"text":"وأما رواية البخاري: قالت: فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا معرسين في نحو الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرًا، والناس يفيضون من قول أصحاب الإفك ويريبني في وجهي أني لا أرى من النبي - ﷺ - اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟ لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مِرطها فقالت: تَعِسَ مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبين رجلًا شهد بدرًا. فقالت: يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فَسلم فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي إلى أبوي. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله - ﷺ - فأتيت أبواي فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنيّة! هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله! أو لقد يتحدث الناس بهذا، قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يَرْقَأ لي دَمْعٌ ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرًا. وأما عليّ فقال: يا رسول الله لَمْ يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله - ﷺ - بريرة فقال: يا بريرة! هل رأيت فيها شيئًا يريبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمض عليها قط أكثر من أنَّها جارية حديثة سِنٍّ تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله - ﷺ - من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول. فقال رسول الله - ﷺ -: من يَعْذِرُني (١) من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي؟ فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو\n_________\n(١) أي من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه فلا يلومني.","vol":"5","page":320},{"text":"سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية، فقال: كذبت لعمرو الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن الحضير فقال: كذبت لعمرو الله والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين.\nفثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله - ﷺ - على المنبر، فنزل وخفضهم حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتي ويومًا حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي. قال: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله - ﷺ - فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فِيَّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء.\nقالت: فتشهد ثم قال: يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله - ﷺ - مقالته قلص دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله - ﷺ -! قال: والله وما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -؟ فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله - ﷺ - فيما قال قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -؟ . قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لَتُصَدِّقُنِّي، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيمت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى أنه ليتحدر مثل الجمان من العرق في يوم شات، فلما سري عن رسول الله - ﷺ - وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله فقد برأك الله. فقالت أمي: قومي إلى رسول الله - ﷺ -. فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ - الآياتِ - فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر ﵁، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قاله لعائشة،","vol":"5","page":321},{"text":"فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه. وكان رسول الله - ﷺ - يسأل زينب بنت جحش عن أمري! فقال: يا زينب! ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا، قالت: وهي التي كانت تساميني فَعصمها الله بالورع] (١).\nفإلى تفصيل ما نزل من القرآن الكريم، وهو يفضح سوءة المنافقين، ويرتقي بالمؤمنين المخلصين، ليرفعهم إلى مستوى الأدب الرفيع وحسن الظن، فإن المنافقين والشياطين يحبون أن تشيع الفاحشة في الأرض، ويودون خراب بيوت المسلمين.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nوفي التفاسير عن ابن عباس: (قوله: ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ... الآية قال: الذين افتروا على عائشة: عبد الله بن أبي، وهو الذي تولى كِبْره، وحسان بن ثابت، ومِسْطَح، وحَمْنة بنت جحش).\nفقد أغري بدعاية رأس النفاق جماعة من المؤمنين استزلهم الشَيطان فوقعوا في الإفك منهم حسان بن ثابت، ومِسْطَحُ بن اثاثة، وحَمْنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي - ﷺ - التي عصمها الله بالورع، بينما هلكت أختها وخاضت مع الخائضين.\nوقوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لا تظنوا ما جاؤوا به من الإفك شرًّا لكم عند الله، وعند الناس، بل ذلك خير لكم عنده وعند المؤمنين، وذلك أن الله يجعل ذلك، كفارة للمرمي به، ويُظهر براءته مما رمي به، ويجعل له منه مخرجًا).\nوعن علقمة بن وقاص وغيره قالوا: قالت عائشة: (كان الذي تولى كبره: الذين يجمعهم في بيته، عبد الله بن أبي بن سَلُول).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤١٤١)، كتاب المغازي. وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - حادثة الإفك - لتفصيل البحث.","vol":"5","page":322},{"text":"وقال ابن زَيد: (أما الذي تولى كبره منهم، فعبد الله بن أُبي بن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها).\nوعن عروة عن خالته عائشة قال: (وأخبرت أنه كان يحدّث به عنهم، فيقره ويسمعه ويستوشيه).\nوقال مجاهد: (والذي تولى كِبْرَهُ هو عبد الله بن أبي بن سلول، وهو بدأه).\nثم عاتب الله من خاض بالإفك من المؤمنين، وعلمهم الأدب الرفيع الذي كان ينبغي أن يتحلّوا به إذا ما عصفت بهم محاولات أهل المكر والكذب والنفاق، فقال جل ذكره: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾.\nقال ابن زيد في التفسير: (الخير ظنّ المؤمن أن المؤمن لم يكن ليفجر بأمه، وأن الأم لم تكن لتفجر بابنها، إن أراد أن يفجر فجر بغير أمه، يقول: إنما كانت عائشة أمًّا، والمؤمنون بنون لها، محرّمًا عليها، وقرا: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية).\nفي حين أثنى الله على أبي أيوب وطائفة من المؤمنين كذبوا الخبر لثقتهم بآل بيت النبوة، وإدراكهم طبيعة المهزلة الساقطة التي كان يديرها المنافقون، فما إن سمع أبو أيوب بها قال: (سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم).\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة ﵂: [أنَّ رسول الله - ﷺ - خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما تشيرونَ عليّ في قوم يَسُبّون أهلي ما علمتُ عليهم من سوءٍ قط. وعن عروة قال: لما أُخبرت عائشةُ بالأمر قالت: يا رسول الله أتأذنُ أن أنطَلِقَ إلى أهلي فأذِنَ لها وأرسل معها الغلامَ. وقال رجلٌ من الأنصار سبحانك ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾] (١).\nوفي التفاسير عن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار: [أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أمّ أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك. قال: فلما نزل القرآن، ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ وذلك حسان وأصحابه\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٩/ ٩٢)، وفتح الباري (١٣/ ٣٤٤).","vol":"5","page":323},{"text":"الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ... الآية: أي كما قال أبو أيوب وصاحبته].\nفهلَّا جاء هؤلاء العصبة الذين اختلقوا الإفك ورموا أم المؤمنين عائشة ﵂ بالبهتان، بأربعة شهداء يشهدون على حقيقة ما يزعمون، فإذْ لم يفعلوا فأولئك عند الله هم الكاذبون. ولولا تفضل الله عليكم أيها الخائضون، بتركه تعجيل عقوبتكم في الدنيا، ثم رحمته بقبول توبتكم وعفوه عنكم في الدنيا والآخرة، لمسكم فيما خضتم فيه من أمرها عذاب عظيم معجل في الدنيا، لقاء ما أسرفتم على أنفسكم وآذيتم أمكم ونبيكم.\nوقد أمر النبي - ﷺ - بإقامة حد القذف على مسطح وحسان وحمنة كما يروي البزار والبيهقي بإسناد حسن، وأما رأس النفاق فلا داعي لإقامة الحد عليه، إذ إن في إقامته عليه كفارة، وهو ممن توعده الله جهنم يصلاها ذليلًا صاغرًا، ويذوف فيها عذابًا أليمًا، فهو أدنى بكثير من أن يقام عليه الحد، هذا تفسير، والتفسير الآخر أورده ابن القيم بزاد المعاد: أنَّ ذلك المنافق كان لا يترك دليلًا ضده يدينه في كلامه، فكان لا يتكلم بالإفك أمام المؤمنين، وأميل إلى التفسير الأول.\nثم عاب الله على الذين تلقونه بألسنتهم وخاضوا فيه دون دليل أو علم، وهم يحسبون ذلك هينًا وهو عند الله عظيم، وإنما كان الأليق بهم أن يقولوا: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم.\nفعن مجاهد: (إذ تلقونه بألسنتكم: قال: ترْوونه بعضُكم عن بعض).\nوقال ابن جرير: (يقول: وتلقيكم ذلك كذلك، وقولكُموه بأفواهكم، عند الله عظيم من الأمر، لأنكم كنتم تؤذون به رسول الله - ﷺ - وحليلته. فلولا أيها الخائضون في الإفك، الذي جاءت به عصبة منكم ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ممن جاء به ﴿قُلْتُمْ﴾ ما يحل لنا أن نتكلم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوه به ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ تنزيهًا لك يا رب، وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء).\nثم أخبر المؤمنين ليحذروا: أنَّ هناك من يحب أن تَشيع الفاحشة في صفوفهم، ويخرب بيوتهم ويهددها من الداخل، وأولئك لهم عذاب اليم، فإياكم أن تتبعوا خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر وفاسد القول والعمل. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾. قال ابن عباس: (ما اهتدى منكم من الخلائق لشيء من","vol":"5","page":324},{"text":"الخير، ينفع به نفسه، ولم يتق شيئًا من الشر يدفعه عن نفسه).\nوقال ابن زيد: (ما زكى: ما أسلم، وقال: كل شيء في القرآن من زكى أو تزكى فهو الإسلام). والله سميع لما تقولون، عليم بكل ما يصدر عنكم، فهو محصيه عليكم ليجازيكم به.\nثم خاطب الله الصديق الذي أصيب في أهله ونالت ألسنة المفترين ابنته الطاهرة، وقد كان عزم على قطع معونته وصدقاته عن مسطح بن أثاثة الذي خاض في الإفك مع الخائضين، فقال أبو بكر بعدما نزلت براءة عائشة ﵂: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعدما قاله لعائشة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾.\nفقال أبو بكر كما يروي البخاري من حديث عائشة ﵂: [بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه].\nثم بين سبحانه أنّ جزاء كل من يرمي محصنة لم تقارف سوءًا هو اللعن في الدنيا والآخرة ما لم يحدث توبة ويقام عليه الحد فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾.\nواختار ابن جرير قولَ مَنْ قال: (نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه بها فيها).\nثم أخبر سبحانه أن هؤلاء المفترين القاذفين المحصنات بالسوء ستشهد عليهم يوم القيامة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وسوف ينالون يومئذ ما يستحقون، ثم بين جل ذكره أن الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين.\nقال ابن عباس: (يقول: الخبيثات من القول، للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال، للخبيثات من القول).\nوقال الضحاك وَزاد: (والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول، فهذا في الكلام، وهم الذين قالوا لعائشة ما قالوا، هم الخبيثون. والطيبون المبرؤون مما قال الخبيثون).\nووعد الطيبين أن ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قال قتادة: (مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم في الجَنَّة).","vol":"5","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>دروس ونتائج وأحكام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>١ - الولاء والبراء هو محور منهج الإيمان عند المسلمين:</span>\nفالولاء يكون لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء يكون من الشرك والمشركين والمنافقين، وهذا عبد الله ابن المنافق ابن سلول قد أظهر تألقًا عاليًا في امتثال مفهوم الولاء والبراء كما بَيَّنَهُ الوحي الكريم، وسجل رقمًا عالميًا آنذاك في مفهوم الحب والبغض في الله، فآثر أن يفوم بنفسه بتخليص المجتمع المسلم من أمراض والده التي تهدد سلامة الجماعة المؤمنة وأمنها، الأمر الذي يدل على دخول الإيمان إلى أعماق قلوب أولئك الرجال حتى أحدث تغييرًا واضحًا في مقاييسهم وعلاقاتهم وسلوكهم، فقال لأبيه رأس النفاق: (والله لا تنقلب حتى تقرّ أنك الذليل ورسول الله العزيز).\nوقد علل النبي - ﷺ - لعبد الله منعه من قتل أبيه بالحر على سمعة الإسلام ونبي الأمن والسلام، فقال له - كما يروي البزار ورجاله ثقات -: [لا يتحدث الناس أن محمدًا قتل أصحابه].\nلقد أسهب الوحي الكريم في تعميق مفهوم الولاء والبراء في قلوب المؤمنين زمن التنزيل، لينعكس ذلك على تصوراتهم ويقينهم وأعمال جوارحهم، فجاءت النصوص تؤصل ذلك المفهوم المنهجي مرّة بعد مرّة، لتدرك الجماعة المؤمنة أهميته، ولتمضي الأمة من بعدهم على ذلك السبيل القويم.\nفقد قال الله في سورة المجادلة: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾.\nوقال في سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾.\nوفي الصحيحين والمسند عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحب إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرءَ لا يحبه","vol":"5","page":326},{"text":"إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>٢ - بشرية الرسول وعدم علمه بالغيب:</span>\nفقد قاسى النبي - ﷺ - ألمَ ما يقال في عرضه، وفي أحب الناس إليه زوجته عائشة بنت أحب الناس إليه أبي بكر الصديق قرابة شهر، ولو كان يعلم الغيب أو يقدر على استحضار الوحي لفعل، ولخفف بذلك عن نفسه ومن حوله تلك المعاناة التي دامت أيامًا طويلة، وفي هذا أكبر دليل على أنه بشر يأتيه الخبر من الوحي، فإذا تأخر عنه فترة من الزمن عايش الأحداث كغيره وحاكم الأمور ببشريته وبما معه من أدلة وهدي ونور.\nوفي هذا يقول الدكتور العمري: (وفي حادثة الإفك توضيح دقيق لبشرية الرسول - ﷺ -، فقد تأثّر أبلغ التأثر لرمي المنافقيق زوجه. ومع حرصه عليها وحبه لها ولأبيها، فإنه لم يتمكن من الكشف عن الغيب أو استحضار الوحي الذي انقطع عنه شهرًا ليجري عليه الابتلاء والامتحان) (٢).\nلقد قال الله في سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nوفي صحيح الإمام البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: [قال النبي - ﷺ - لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾] (٣).\nوكذلك لو كان الوحي - كما يزعم بعض المستشرقين وبعض المنهزمين - أنه إلهام نفسي أو تألق عقلي أو تفاعل بين الأفكار والخواطر التي تجوب داخل النفس، لكان ذلك الألم النفسي كافيًا لانبثاق شيء من الإلهام والخواطر التي تحول دون استمرار هذه المعاناة للعواطف الملتهبة المتقلبة وتؤدي لإنهاء الصواع، وقد أشار إلى ذلك الدكتور العمري في كتابه \"السيرة النبوية الصحيحة\".\nولكن الأمر كما قال الله في سورة الحاقة: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾.\nوكما قال في سورة الأعراف: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٢١)، كتاب الإيمان، وصحيح مسلم (٤٣)، كتاب الإيمان.\n(٢) انظر كتاب: \"السيرة النبوية الصحيحة\" (٢/ ٤١٣).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٧٣١)، كتاب التفسير.","vol":"5","page":327},{"text":"أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾.\nوفي كنوز السنة الصحيحة تأكيد كبير لهذا المفهوم في الإسلام.\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن رافع بن خديج، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيءٍ من رأي، فإنما أنا بشر] (١).\nوله شاهد صحيح في المسند من حديث طلحة بلفظ: [إنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلتُ لكم: قال الله، فلن أكذب على الله]. وهو رواية لمسلم من حديث رافع (٢).\nوفي الصحيحين والمسند عن أم سلمة عن النبي - ﷺ - قال: [إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكونَ ألحن بحجّته من بعض، فأقضيَ له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها] (٣).\nوفي صحيح الإمام مسلم عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: [إنما أنا بشر، وإني اشترطْتُ على ربي ﷿: أيَّ عبدِ من المسلمين شَتَمْتُهُ، أو سَبَبْتُهُ، أن يكون ذلك له زكاةً وأجرًا] (٤).\nوفيه وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة بسند صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فاذا نَسِيَ أحدُكم فليسجُدْ سجدتين وهو جالس] (٥).\nوكذلك يروي ابن سعد بإسناد صحيح عن محمود بن لبيد عن النبي - ﷺ - أنه قال: [إنما أنا بشر تدمَعُ العين ويخشع القلبُ، ولا نقول ما يُسخِط الربَّ، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون] (٦).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٣٦٢)، كتاب الفضائل.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٣٦١)، كتاب الفضائل، من حديث رافع بن خديج.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٦٩٦٧) كتاب الحيل، وصحيح مسلم (١٧١٣) كتاب الأقضية، من حديث أم سلمة ﵂.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٦٠٢)، كتاب البر والصلة.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٥٧٢) ح (٩٤). ورواه أحمد وابن ماجة.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ١٤٢)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٧٣٢).","vol":"5","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>٣ - براءة عائشة إلى يوم القيامة:</span>\nقال الحافظ ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾: (وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن).\nلقد عوض الله عائشة ﵂ عن محنتها ودموعها البريئة التي انهمرت في أيام المحنة والصبر، ومنعتها من النوم والراحة، أن شرفها بصدق توكلها ببراءة في قرآن يُتلى يتعبد به الناس على مر الدهر والأزمان. فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾. وقد ذكرها ابن عباس بتلك الشهادة من الله أثناء موتها حين دخل عليها فقال لها: (أبشري فإنك زوجة رسول الله - ﷺ -، وكان يحبك ولم يتزوج بكرًا غيرك، ونزلت براءتك من السماء) - تفسير ابن كثير -.\nلقد شرفها الله بنزول الوحي لتبرئتها ولم تكن هي تتوقع ذلك، فكانت تقول: (ولشأني في نفسي كانَ أحقرَ من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يُتلى) أخرجاه في الصحيحين عنها.\nوجاء جبريل يومًا إلى النبي - ﷺ - وبعث لها معه سلامًا، فأقرأها إياه.\nففي صحيح الإمام مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله، قالت: وهو يرى ما لا أرى] (١).\nوبقيت عائشة ﵂ محبوبَة نبينا الأولى من بين زوجاته، ينتظر يومها بفارغ الصبر. روى مسلم عنها قالت: [إن كان رسول الله - ﷺ - ليتفقد، يقول: (أين أنا اليوم، أين أنا غدًا)، استبطاء ليوم عائشة، قالت: فلما كان يومي، قبضه الله بين سَحْري (٢) ونحري] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٤٤٧)، كتاب فضائل الصحابة.\n(٢) السحْر: الرئة.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٧/ ١٣٧)، وهو في مختصر صحيح مسلم برقم (١٦٦٣)، باب: في فضائل عائشة - ﵂ - أم المؤمنين ﵂.","vol":"5","page":329},{"text":"وفي صحيح مسلم أيضًا عنها قالت: [أرسلَ أزواجُ النبي - ﷺ - فاطمةَ بنتَ رسول الله - ﷺ - إلى رسول الله - ﷺ -، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مِرْطي، فأذِنَ لها، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنكَ العدلَ في ابنةِ أبي قُحافة (١) وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله - ﷺ -: أي بنية ألستِ تُحبِّين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه، قالت: فقامَتْ فاطمة ﵂ حين سمعت ذلك من رسول الله - ﷺ -، فرجعت إلى أزواج رسول الله - ﷺ - فأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله - ﷺ -، فقلن لها: ما نراك أغْنَيْتِ عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله - ﷺ - فقولي له: إن أزواجَكَ ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا، قالت عائشة: فأرسل أزواجُ النبي - ﷺ - زينب بنت جَحْشٍ ﵂ زوجَ النبي - ﷺ -، وهي التي كانت تساميني (٢) منهن في المنزلة عند رسول الله - ﷺ -، ولم أرَ امرأةً قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدَق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظمَ صدقةً، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصَدَّقُ به وتقرَّبُ به إلى الله تعالى ما عدا سَوْرَةً من حِدَّةٍ كانت فيها، تُسْرعُ منها الفَيْئَة - تعني فيها شدة في الخلق وسرعة في الغضب لكنها تسرع الرجعة ولا تصر -، قالت: فاستأذنت على رسول الله - ﷺ - ورسول الله - ﷺ - مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنَكَ العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقَعَتْ بي، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقبُ رسول الله - ﷺ -، وأرقبُ طَرْفَهُ هل يأذن لي فيها، قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفتُ أن رسول الله - ﷺ - لا يكرهُ أن أنتَصِرَ، قالت: فلما وَقَعْتُ بها لم أَنْشَبْها - أي لم أمهلها - حين أنحيت عليها - أي قصدتها بالمعارضة وانتصرت منها -، قالت: فقال رسول الله - ﷺ - وتَبَسَّمَ: إنها ابنةُ أبي بكر] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>٤ - الأصل في المؤمنين الظن بأنفسهم خيرًا:</span>\nفقد نبه الله سبحانه المؤمنين إلى ذلك حين نزلت الآياتِ من سورة النور تبرئ عائشة، وترتقي بالمجتمع المسلم إلى رفيع الأدب والخلق: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ\n_________\n(١) المراد التسوية في محبة القلب بينها وبينهن، وهو أمر لا تكليف فيه ولا يملكه أحد.\n(٢) أي تعادلني وتضاهيني في الحظوة والمنزلة الرفيعة.\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٦٦٢)، الباب السابق.","vol":"5","page":330},{"text":"وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾.\nوقد تألق من بين المؤمنين بهذا الخلق أبو أيوب ﵁، وكذلك زينب بنت جحش التي قالت: (أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا). وكذلك أسامة بن زيد ﵁.\nوقد جاءت السنة الصحيحة لتؤصل جذور هذا الخلق الكريم في قلوب المؤمنين، وَلِتَعِدَ على ذلك الأجر العظيم.\nفقد أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله - ﷺ - قال: [من ذَبَّ عَنْ عِرْض أخيه بالغَيْبَة، كان حقًّا على الله أن يعتقَه من النار] (١).\nوالمسلمون بذلك يُفَوِّتون الفرصة على شياطين الإنسَ والجن، الذين يهمهم أن تشيع الفاحشة بين صفوفهم، ويتمنون بذلك خراب بيوتهم وتمزيق روابطهم وصلاتهم. وفي هذا يقول الدكتور العمري: (والحق أن حادثة الإفك كادت تشعل نار العصبية من جديد بين الأوس والخزرج هذه المرة، حيث تجادل زعماؤهم بغضب في المسجد، وكان هذا هو مقصد المنافقين أن يهدموا وحدة المسلمين ويزعزعوا ثقتهم بقيادتهم، ويشعلوا نار الفتنة بينهم، ولكق الله سلم، وتمكن الرسول ﵊ من تهدئة الجميع والحفاظ على وحدتهم والخروج من الامتحان الصعب بنجاح) (٢).\nوقد أجاد ابن القيم ﵀ في وصفه لموقف أسامة حين أخذ يسلي رسول الله - ﷺ - ويشير عليه بإمساك أهله دون التفات لمحاولات الأعداء ومكرهم وكلامهم فقال: (وأشار عليه أُسامةُ وغيرُه بإمساكها، وألا يلتفت لكلام الأعداء، .. لَمَّا عَلمَ حُبَّ رسول الله - ﷺ - لها ولأبيها، وعلمَ من عفتها وبراءتها، وحَصانتها ودَيانتها ما هي فوقَ ذلك، وأعظمُ منه، وعرف من كرامةَ رسول الله - ﷺ - على ربِّه ومنزلته عنده، ودفاعه عنه، أنه لا يجعلُ رَبَّةَ بيته وحبيبته من الحساء، وبنتَ صدِّيقه بالمنزلة التي أنزلها به أرباب الإفك، وأن رسول الله أكرمُ على ربه، وأعزُّ علَيه من أن يجعل تحته امرأة بغيًّا، وعلم أن الصديقة حبيبةَ رسول الله - ﷺ - أكرمُ على ربها من أن يَبْتَليها بالفاحشة، وهي تحت رسوله.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد بإسناد صحيح. انظر صحيح الجامع (٦١٤٦).\n(٢) انظر كتاب: \"السيرة النبوية الصحيحة\" (٢/ ٤١٢).","vol":"5","page":331},{"text":"قال: وَمَنْ قَوِيَتْ معرفته لله ومعرفته لرسوله وقدره عندَ الله في قلبه، قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة، لما سمعوا ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>٥ - تمحيص الله لقلوب المؤمنين بالابتلاء وتأخر الوحي:</span>\nفقد كانت الأيام التي وافقت حادثة الإفك مدرسة للصحابة ليتلقوا فيها تربية خاصة يراد منها أن ترفعهم وتصقل نفوسهم وقلوبهم.\nوقد فصّل ابن القيم القول في ذلك فقال: (فإن قيل: فما بال رسول الله - ﷺ - توقَّفَ في أمرها، وسأل عنها، وبحث، واستشار، وهو أعرفُ بالله، وبمنزلتِهِ عنده، وبما يليق به، وهَلَّا قال: سُبْحانك هذا بُهتان عظيم، كما قاله فضلاءُ الصحابة؟ فالجوابُ: أن هذا من تمام الحِكَمِ الباهِرَةِ التي جعل اللهُ هذه القصة سببًا لها، وامتحانًا وابتلاءً لرسوله - ﷺ -، ولجميع الأمة إلى يومِ القيامة، ليرفع بهذه القصة أقوامًا، ويضعَ بها آخرين، ويزيدَ الله الذين اهتَدوا هُدىَ وإيمانًا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا، واقتضى تمامُ الامتحان والابتلاء أن حُبِسَ عن رسول الله - ﷺ - الوحي شهرًا في شأنها، لا يُوحى إليه في ذلك شيء لتتم حِكمتُهُ التي قدَّرها وقضاها، وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنون الصادقون إيمانًا وثباتًا على العدل والصدق، وحُسْنِ الظن بالله ورسوله، وأهل بيته، والصديقين من عباده، ويزداد المنافقون إفكًا ونفاقًا، وَيُظْهِر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادةُ من الصديقة وأبويها، وتَتمَ نعمةُ الله عليهم، ولتشتد الفاقةُ والرغبة منها ومِن أبويها، والافتقارُ إلى الله والذلُّ له، وحُسْنُ الظن به، والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأسَ من حصول النُّصْرَةِ والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وفّتْ هذا المقام حقَّه، لما قال لها أبواها: قُومي إليه، وقد أنزل اللهُ عليه براءتَها، فقالت: والله لا أقومُ إليه، ولا أحْمَدُ إلا الله، هو الذي أنزل براءتي.\nوأيضًا فكان من حِكمة حَبْسِ الوحي شهرًا، أن القضية مُحِّصَتْ وتمحَّضَتْ .. فوافى الوحي أحوجَ ما كان إليه رسول الله - ﷺ - وأهلُ بيته، والصِّدِيقُ وأهلُه، وأصحابُه والمؤمنون، فورد عليهم ورودَ الغيث على الأرض أحوجَ ما كانت إليه.\n_________\n(١) انظر تمام ذلك في كتاب: \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٦٠).","vol":"5","page":332},{"text":"ثم قال: وأيضًا فإن الله سبحانه أحبَّ أن يُظهِرَ منزلةَ رسوله وأهلِ بيته عنده، وكرامتهم عليه، وأن يخرجَ رسولَه عن هذه القضية، ويتولى هو بنفسه الدفاعَ والمنافحةَ عنه ... بل يكونُ هو وحدَه المتوليَ لذلك، الثائرَ لرسولِه وأهل بيته.\nوأيضًا فإن رسول الله - ﷺ - كان هو المقصود بالأذى، والتي رُمِيَتْ زوجتُه، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه، أو ظنه الظن المقاربَ للعلم ببراءتها، ولم يظنَّ بها سوءًا قط، وحاشاه، وحاشاها، ولذلك لما استعذر من أهل الإفك، قال: \"مَنْ يعذِرني في رجل بلغني أذاهُ في أهلي، والله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي\"، فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لكمال صبره وثباته، ورفقه، وحسن ظنه بربه، وثقته به، وفّى مقامَ الصبر والثبات، وحسن الظن بالله حقَّه، حتى جاءه الوحي بما أقَرَّ عينَهُ، وسَرَّ قلبَهُ، وعظمَ قدره، وظهر لأمته احتفالُ ربه به، واعتناؤه بشأنه) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٦ - ثبوت إقامة الحد على القاذفين:</span>\nفقد قال الله جل ثناؤه في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾.\nلقد أمر النبي - ﷺ - بإقامة الحد - حد القذف - على مسطح وحسان وحمنة.\nفقد أخرج البيهقي بسند حسن عن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: [لما تلا رسول الله - ﷺ - القصة التي نزل بها عذري على الناس نزل رسول الله كيد فأمر برجلين وامرأة ممن كان باء بالفاحشة في عائشة فجلدوا الحد، قال: وكان رماها عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش رموها بصفوان بن المعطل السلمي] (٢).\nقال ابن القيم في زاد المعاد: (ولما جاء الوحيُ ببراءتها، أمرَ رسول الله - ﷺ - بمن صَرَّح بالإفك، فحُدُّوا ثمانين ثمانين، ولم يُحد الخبيثُ عبد الله بن أبي، مع أنه رأس أهل الإفك، فقيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلًا\n_________\n(١) انظر تمام ذلك في كتاب: \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٦١/ ٢٦٢).\n(٢) انظر سنن البيهقي (٨/ ٢٥٠) بإسناد حسن. ويشهد له ما في سنن الترمذي (٣١٨١) كتاب التفسير، وكذلك ما في سنن ابن ماجة (٢٧٦٥)، كتاب الحدود.","vol":"5","page":333},{"text":"لذلك، وقد وَعَدَهُ الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد، وقيل: بل كان يستوشي الحديثَ ويجمعه ويحكيه، ويُخْرجه في قوالب من لا يحسب إليه، وقيل: الحدُّ لا يثبتُ إلا بالإقرار، أو بِبَيِّنَة، وهو لم يُقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذكُرُه بين أصحابه، ولم يشهدُوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين. وقيل: حدُّ القذف حقُّ الآدمي، لا يُستوفى إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حقٌّ لله، فلا بُدَّ من مطالبة المقذوف، وعائشة لم تُطالب به ابنَ أبي.\nوقيل: بل تَرَكَ حدّه لمصلحة هي أعظمُ من إقامته، كما تركَ قتله مع ظهور نفاقِه، وتكلمه بما يوجب قتله مرارًا، وهي تأليفُ قومه، وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعًا فيهم، رئيسًا عليهم، فلم تُؤمن إثارةُ الفتنة في حده، ولعله تُرِك لهذه الوجوه كلها.\nفجلد مِسْطَحَ بن أثاثة، وحسانَ بن ثابت، وحَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ، وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيرًا لهم وتكفيرًا، وترك عبد الله بن أبي إذن، فليس هو من أهل ذاك) (١).\nوجملة القول: إن عبد الله بن أبي لم يكن أهلًا لإقامة الحد عليه وهو ممن أسرف في محاربة الله ورسوله، وقد توعده الله بعذاب عظيم، وأنزل في ذمه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٧ - مشروعية الإقراع بين النساء في السفر وجواز خروجهن للغزو ومشاركتهن بذلك:</span>\nوهذا كما حدث يوم أحد، فكذلك حدث في غزوة بني المصطلق، إذ كانت القرعة من نصيب عائشة.\nوقد مضى في حديث البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يخرج سفرًا قرع بين أزواجه (وفي لفظ عند ابن إسحاق: أقرع بين نسائه) فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه).\n(وفي رواية ابن إسحاق: فلما كانت غزوة بني المُصْطلق أقرع بين نسائه، كما كان\n_________\n(١) انظر كتاب: \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"5","page":334},{"text":"يصنع، فخرج سَهْمي عليهن معه، فخرج بي رسول الله - ﷺ -).\n٢٧ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تشريع آداب شرعية عالية في الاستئذان قبل الدخول ثم إلقاء السلام، ويستثنى من ذلك الأماكن العامة التي فيها منافع مشتركة للناس، فيجوز دخولها دون استئذان، والله يعلم السر والعلن وما تبدون وما تكتمون.\nفعن ابن عباس: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ قال: الاستئناس: الاستئذان). قال النسفي: (والاستئناس في الأصل الاستعلام والاستكشاف، من أنِسَ الشيء إذا أبصره ظاهرًا مكشوفًا، أي حتى تستعلموا أيطلق لكم الدخول أم لا). فقد أمر الله تعالى المؤمنين بالتحلي بهذه الآداب الرفيعة فيما بينهم، فلا يشُرع لهم أن يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأذنوا قبل دخولهم ويسلموا بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>آداب الاستئذان:</span>\n١ - يشرع الاستئذان ثلاثًا - كما جاء في السنة العطرة - فإن أُذِن له وإلا انصرف.\nففي الصحيحين والمسند عن أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي موسى الأشعري قال: [جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم، هذا عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ، فلم يَأذَنْ لهُ، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم، هذا الأشْعَرِيُّ، ثم انْصَرَفَ، فقال: رُدُّوا عَلَيَّ، رُدُّوا عَليَّ، فجاءَ فقال: يا أبا موسى! ما رَدَّكَ؟ كُنَّا في شُغْلٍ، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"الاستئذان ثلاث، فإنْ أُذِنَ لكَ وإلا فارجعْ\". قال: لتأتِيَنِّي على هذا بِبَيِّنةٍ، وإلا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، وفي رواية: (وإلا أوجعتك). وفي لفظ: (قال: فوالله لأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وبَطْنَكَ، أو لتأتِيَنَّ بِمَن يشهَدُ لك على هذا). فذهب أبو موسى. قال عمر: إنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تجدوه عِندَ المِنْبَرِ عَشِيَّةً، وإنْ لمْ","vol":"5","page":335},{"text":"يجدْ بَيِّنَةً فلم تجدوه، فلما أن جاء بالعشِيّ وَجَدَهُ، قال: يا أبا موسى! ما تقولُ؟ أقدْ وَجَدْت؟ قال: نعم، أُبَيُّ بن كَعْبٍ، قال: عَدْلٌ، قال: يا أبا الطُفَيْل! ما تقولُ هذا؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذلك يا ابن الخطاب! فلا تكونَنَّ عذابًا على أصحاب رسول الله - ﷺ -. قال: سبحان الله! إنما سَمِعْتُ شيئًا، فأحْبَبْتُ أن أتَثَبَّت] (١). وفي رواية: (فقال عمر: خَفِيَ عليَّ هذا مِنْ أمْرِ رسول الله - ﷺ -، ألهاني عنه الصَّفْقُ بالأسواق).\nوفي المسند وسنن أبي داود بسند جيد عن أنس: [أن رسول الله - ﷺ - استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله. فقال سعد: وعليك السلام ورحمةُ الله، ولم يسمع النبي - ﷺ - حتى سَلَّم ثلاثًا، وردَّ عليه سعد ثلاثًا ولم يُسْمِعْه. فرَجَعَ النبي - ﷺ - فاتَّبَعَهُ سعد فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ما سَلَّمْتَ تسليمةً إلا وهِيَ بأذني، ولقد رَدَدْتُ عليك ولم أُسْمِعْكَ، وأردتُ أن أستكثر مِن سلامك ومن البركة. ثم أدخله البيت. فقرَّب إليه زبيبًا، فأكل نبيُّ الله، فلما فرَغ قال: أكل طعامَكُم الأبرار، وَصَلَّت عليكم الملائكة، وأفطر عندكمُ الصائمون\" (٢).\n٢ - يكره قول المستأذن \"أنا\" إذا قيل له: من هذا؟ .\nفقي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: [أتيتُ النبي - ﷺ -، فَدَعَوْتُ، فقال النبي - ﷺ -: مَنْ هذا؟ قلتُ: أنَّا، قال: فخرج وهو يقول: أنَا، أنَا] (٣).\n٣ - يحرم النظر في بيت غيره.\nففي صحيح مسلم عن سهل بن سعد: [أنَّ رجلًا اطلَعَ في جُحْرٍ في باب رسول الله - ﷺ -، ومع رسول الله - ﷺ - مدرىً يَحُكُّ به رأسَهُ، فلما رآه رسول الله - ﷺ -: قال: لو أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُني لطَعَنْتُ به في عَيْنِكَ. وقال رسول الله - ﷺ -: إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِنْ أجْلِ البَصَر] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٠٦٢)، ومسلم (٢١٥٣)، وأبو داود (٥١٨١)، وأحمد (٣٩٨)، (٤٠٠) وكذلك أخرجه ابن حبان (٥٨٠٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٣٨)، والبزار (٢٠٠٧)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٣٤): ورجالهما رجال الصحيح. وأخرج أبو داود (٣٨٥٤) وأبو يعلى (٤٣١٠) عجزه فقط.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٥٥) - كتاب الآداب، باب كراهة قول المستأذن أنا، إذا قيل من هذا، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٥٦) - كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره.","vol":"5","page":336},{"text":"ثم روى في الباب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [منْ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهم، فَقَدْ حَلَّ لهم أن يفقؤوا عَيْنَه] (١).\nوفي رواية: [لو أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عليك بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، ما كان عليك مِنْ جُناحٍ].\n٤ - ينبغي للمستاذن ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، وليكن الباب عن يمينه أو يساره.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن هزيل، قال: جاء رجل فوقف على باب النبي - ﷺ - يستاذن، فقام على الباب مُسْتَقْبلَ الباب، فقال له النبي - ﷺ -: أهكذا - عنك - أو هكذا، فإنما الاستئذان من النَّظَر] (٢).\n٥ - ينبغي للمستأذن إلقاء السلام قبل الدخول إذا أُذِنَ له.\nففي سنن أبي داود بسند صحيح عن ربعيّ، قال: [حدثنا رجل من بني عامر: أنَّه استأذن على النبي - ﷺ - وهو في بيت فقال: ألج؟ فقال النبي - ﷺ - لخادمه: اخْرُجْ إلى هذا! فَعَلِّمْهُ الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي - ﷺ -، فدخل] (٣).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. أي: ذلكم الذي يعلمكم الله تعالى من الاستئذان والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية وعاداتها في الدخول بغير إذن. قال النسفي: (فكان الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيت غيره يقول حييتم صباحًا وحييتم مساء ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا وتعملوا ما أمرتم به في باب الاستئذان).\nوقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. أي: فإن كانت تلك البيوت خالية من أهلها فلا يشرع لكم دخولها، إذ لا يجوز للمرء التصرف في ملك غيره إلا بإذنه.\nوقوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾. أي: إن طلب الانصراف فانصرفوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٥٨) - كتاب الآداب، الباب السابق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٥١٧٤) - كتاب الأدب، باب في الاستئذان، وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٤٣١٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٥١٧٧) وإسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضرّ.","vol":"5","page":337},{"text":"ولا تحرجوا الناس. قال سعيد بن جبير. (لا تقفوا على أبواب الناس).\nوقوله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾. أي رجوعكم أزكى لكم وأطهر وأقرب للتقوى. قال قتادة: (قال رجل من المهاجرين: لقد طلبتُ عُمُري كُلَّه هذه الآية فما أدركتُها: أن أستأذِنَ على بعضي إخواني، فيقول لي: ارجع، فأرجعُ وأنا مغتبط، لقوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. أي: هو عليمٌ بامتثالكم ما يأمركم به من محاسن الآداب، واجتنابكم ما ينهاكم عنه من قبيحها، وهو بكل شيء عليم.\nوقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. استثناء من عموم ما سبق، فلا حرج بدخول الأماكن غير المسكونة كالمطاعم والمحلات التجارية والأماكن المعدة لنزول المسافرين والتجار وغير ذلك مما فيه قضاء لحاجاتكم وإيواء لأمتعتكم ومنافع لكم.\nقال قتادة: (﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾: هي الخانات، تكون لأهل الأسفار). وقال مجاهد: (كانوا يضعون في بيوت في طرق المدينة متاعًا وأقتابًا، فَرُخِّصَ لهم أن يدخلوها)، وقال أيضًا في تفسير الآية: (هي البيوت التي ينزلها السفْر، لا يسكنها أحد).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. قال القاسمي: (وعيد لمن يدخل مدخلًا من هذه المداخل، لفسادٍ، أو اطلاع على عورات. أفاده أبو السعود).\n٣٠ - ٣١. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى","vol":"5","page":338},{"text":"عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾.\nفي هذه الآياتِ: أَمْرُ الله المؤمنين والمؤمنات بغض البصر عما لا يحل النظر إليه، وتعليق السلامة في النسب والفروج على ذلك. وأَمْرُ المؤمنات بعدم إبداء زينتهن إلا الوجه والكفين، وارتداء الجلباب الشرعي الذي يغطي كل شيء خاصة العنق والصدر، ويستثنى المحارم في إظهار مواضع الزينة العامة أمامهن، والتحذير من الضرب بالأرجل على الأرض لما يحرك الفتنة على الرجال، والأمر بالتوبة إلى الله ابتغاء الفلاح وسعادة الدارين.\nفقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى﴾. أمْرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين بغض البصر عما لا يجوز لهم النظر إليه من المحارم، ورَبْطُ ذلك بحفظ الفروج وزكاة النفوس وتقوى الله ﷿.\nقال ابن عباس: (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ قال: يغضوا أبصارهم عما يكره الله). وقال ابن زيد: (يغض من بصره: أن ينظر إلى ما لا يحلّ له، إذا رأى ما لا يحل له غضّ من بصره، لا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال الله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾).\nوفي كلام العرب: غَضَّ طرفهُ أي خفضه، ويقال غضَّ بصره يغضّه غضًّا.\nوهذا الأمر من معالي الأخلاق التي دعا لها الإسلام وأقرها في مكارم الأخلاق.\nومن ذلك قول عنترة:\nوأغضُّ طرفي ما بَدَتْ لي جارتي ... حتى يُواري جارتي مأواها\nقال البخاري: (وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن (إن نساء المعجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن! قال: اصرف بصرك، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾) (١). وقال بعض السلف: (النظر سِهام سمٍّ إلى القلب). قال القرطبي: (ولقد كره الشَّعبي أن يُديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته، وزمانه خير من زماننا هذا! وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذاتٍ محرّمة نظر شهوة يردّدها).\n_________\n(١) أورده بإثر حديث (٦٢٢٧)، وسعيد هذا هو أخو الحسن البصري.","vol":"5","page":339},{"text":"وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذه الآداب الرائعة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إياكم والجلوسَ على الطرقات. فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدّ نتحدث فيها. فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقَّهُ. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غضُّ البصر، وكفّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، وأحمد في مسنده، عن جرير بن عبد الله البَجَلي ﵁ قال: [سألت النبي - ﷺ - عن نَظْرَةِ الفَجْأَةِ، فأمرني أن أصرف بصري] (٢). قال مجاهد: (إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزيَّنها لمن ينظر، فإذا أدبرت جلس على عَجُزها فزيّنها لمن ينظر).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ - لعلى: [يا عليُّ، لا تُتبع النظرةَ النظرةَ، فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة] (٣).\nقال خالد بن أبي عمران: (لا تُتْبِعَنَّ النظرة النظرة، فربما نظر العبد نظرةً نَغِلَ (٤) منها قلبه كما يَنْغَلُ الأديم فلا ينتفع به).\nالحديث الرابع: أخرج الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، والبغوي بسند حسن عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [اكفُلُوا لي بست أكفلْ لكم بالجنة: إذا حَدَّثَ أحدُكم فلا يكذب، وإذا اؤْتُمِنَ فلا يَخُنْ، وإذا وعد فلا يُخْلِف، وغُضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيديكم، واحفظوا فُروجكم] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٢٢٩)، وأحمد (٣/ ٣٦)، وابن حبان (٥٩٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٥٩)، وأبو داود (٢١٤٨)، والترمذي (٢٧٧٦)، وأحمد (٤/ ٣٥٨)، (٤/ ٣٦١)، وابن حبان (٥٥٧١).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود بسند حسن (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧)، وأخرجه أحمد (٥/ ٣٥١)، وانظر صحيح سنن أبي داود (١٨٨١).\n(٤) النّغل: الفساد.\n(٥) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨٠١٨)، و\"الأوسط\" (٢٥٦٠)، وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت يتقوى به. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٢٥).","vol":"5","page":340},{"text":"الحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تباشر المرأةُ المرأةَ لتنعتها لزوجها، كأنما ينظر إليها] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: إن الله ذو خبرة بما تصنعون أيها الناس، فيما أمركم به من غضّ أبضاركم عما أمركم بالغضّ عنه، وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نهاكم عن إظهارها له).\nوقوله: (﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. تخصيص للإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد، وإلا فإن قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عام، ويتناول المذكور والإناث، فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا المرأة أن تنظر إلى الرجل، إن رافق ذلك شهوة.\nقلت: وأما بغير شهوة فيجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة وهو يكلمها لحاجة ضوورية، كما يجوز للمرأة أن تنظر للرجل - بدون شهوة - بشكل عام. فإلى تفصيل ذلك:\n١ - يباح للمرأة النظر إلى الرجل، لأن الأصل أن الرجل لم يُسْتر ولم يُحْجَب عن المرأة.\nففي صحيح مسلم من حديث فاطمة بنت قيس أن النبي - ﷺ - أمرها أن تَعْتَدَّ في بيتِ أم شريك، ثم قال: [تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدّي عندَ ابن أم مكتوم، فإنه رجلٌ أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني] الحديث (٢).\nوفي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن عروة بن الزبير، أن عائشة ﵂ قالت: [لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يومًا على باب حُجْرَتي والحَبَشَةُ يلعبونَ في المسجد، ورسول الله - ﷺ - يَسْتُرني بردائه أنْظُرُ إلى لعبهم] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٢١٥٠) - كتاب النكاح. انظر صحيح سنن أبي داود (١٨٨٢). ورواه البخاري.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٤٨٠) - كتاب الطلاق، ورواه مالك (٢/ ٥٨٠)، والشافعي (٢/ ١٨)، وأحمد (٦/ ٤١٢) في أثناء حديث مطول.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٥٤) - كتاب الصلاة، ورواه مسلم نحوه، ورواه أحمد في المسند (٦/ ٢٤٧).","vol":"5","page":341},{"text":"أما حديث: \"أفعمياوان أنتما\" فضعيف عند المحدثين، وهو يعارض حديث فاطمة بنت قيس السابق، الذي رواه مسلم ومالك وأحمد وغيرهم.\n٢ - يجوز للرجل النظر للمرأة دون شهوة في حاجة لا بد منها. فما دام قد أذن الله للمرأة بكشف وجهها جاز أن ينظر لها لسبب ما إلا إذا شعر بنظره الشهوة.\nففي سنن أبي داود بسند صحيح عن أم حبيبة: [أنَّها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي - ﷺ -، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله - ﷺ -، مع شرحبيل بن حسنة] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أنس قال: [لما انقضت عدة زينبَ بنتِ جحش قال رسول الله - ﷺ - لزيد بن حارثة: ما أَجِدُ أحدًا آمنَ عندي وأوثق في نفسي منك، أنت زينب فاخطبها علي. قال: فانطلق زيد فأتاها وهي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في صدري فلم أستطع أن أنظر إليها حين عرفت أن الرسول - ﷺ - قد ذكرها] الحديث (٢).\n٣ - ويحرم النظر عند وجود داعي الشهوة ويجب الرجوع إلى الأصل وهو غض البصر.\nففي صحيح مسلم وسنن أبي داود عن جابر: [أن النبي - ﷺ - رأى امرأة، فأتى امْرأته زينب، وهي تَمْعَسُ مَنِيئةً (٣) لها، فقضى حاجته، ثم خَرَج إلى أصحابه فقال: إنَّ المرأة تُقْبِلُ في صورةِ شيطان، وتُدْبِرُ في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأتِ أهلَهُ، فإن ذلك يرُدُّ ما في نفسه] (٤).\nوفي لفظ: [إذا أحدُكُم أعجبَتْه المرأة، فوقعت في قلبه فَلْيَعْمِد إلى امرأتِه فَليُواقِعْها، فإن ذلك يرُدُّ ما في نفسه]. وفي رواية أبي داود: (فإنه يضمر ما في نفسه).\nوفي الصحيحين وسنن أبي داود عن ابن عباس قال: [ما رأيت شيئًا أشبه باللمم، مما قال أبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ -: إنّ الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢١٠٧) - كتاب النكاح. انظر صحيح أبي داود (١٨٣٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٢٨)، وأحمد في المسند (٣/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(٣) معست الجلد أي دلكته، فالمنيئة فعيلة بمعنى الجلد، والمراد الدباغ والإصلاح.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٠٣) - كتاب النكاح، وأبو داود (٢١٥١) - في النكاح أيضًا.","vol":"5","page":342},{"text":"وفي لفظ: [واليدان تزنيان، فزناهما البطش، والرجلان تزنيان، فزناهما المشي، والفم يزني، فزناه القبلُ]. وفي لفظ: [والأذن زناها الاستماع] (١)،\nوقوله: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. قال سعيد بن جبير: (عن الفواحش). وقال قتادة: (عمّا لا يَحِل لهنّ). وقال مقاتل: (عن الزنا). وقال أبو العالية: (كل آية أنزلت في القرآن يُذكَرُ فيها حِفْظُ الفروج فهو من الزنا، إلا هذه الآية: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾، ألا يراها أحدٌ. وفي لفظ: فإنه يعني الستر) - ذكره ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. تصريح بوجوب ستر الزينة كلها وعدم إظهار شيء منها أمام الأجانب إلا ما ظهر بغير قصد منهن، فلا يؤاخذن عليه إذا بادرن إلى ستره.\nومن أقوال أئمة التفسير في مفهوم هذه الآية:\n١ - عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: (الزينة زينتان: فالظاهرة منها: الثياب، وما خفي: الخلخالان والقُرطان والسِّواران).\n٢ - عن ابن عباس قال: (الظاهر منها: الكحل والخدّان). وقال: (الزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم).\n٣ - عن سعيد بن جبير: (﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الوجه والكفّ). وقال الأوزاعي: (الكفين والوجه).\nوروى البيهقي عن ابن عباس وغيره: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: الوجه والكفان). قلت: والذي يرجح من النصوص المختلفة ومن سياق الآية أنّ الذي استثني ما كان ظهر من المرأة من غير قصد فبادرت إلى ستره، وأما الوجه والكفان فلا يجب على المرأة سترهما. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال: [لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي - ﷺ - وأبو طلحة بين يدي النبي - ﷺ - مجوَّب عليه بحجفة (٢) له ... ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم وإنهما لمشمرتان أرى خَدم سوقهما\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الشيخان، وأبو داود - واللفظ كله له - انظر صحيح سنن أبي داود (١٨٨٤)، (١٨٨٥) - (١٨٨٦).\n(٢) أي مترس عليه \"بحجفة\" أي بترس.","vol":"5","page":343},{"text":"- يعني الخلاخيل - تنقزان (١) القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم] (٢).\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (وهذه كانت قبل الحجاب، ويحتمل أنَّها كانت عن غير قصد للنظر).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح في الشواهد عن عائشة: [أن أسماء بنت أبي بكر، دخلت على رسول الله - ﷺ -، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله - ﷺ -، وقال: يا أسماءُ إنَّ المرأة إذا بلغت المَحيضَ، لم يَصْلُحْ أن يُرَى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه] (٣).\nالحديث الثالث: خرّج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس ﵄ - في حجة الوداع - أنه قال: [كان الفضل بن عباس رديفَ رسول الله - ﷺ -، فجاءته امرأةٌ من خَثْعَمَ تستفتيه، فجعل الفضل ينظرُ إليها، وتنظرُ إليه، فجعل رسول الله - ﷺ - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ...] (٤).\nوفي رواية: [فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابًا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما].\nوقوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾. أَمْرٌ من الله تعالى النساء المؤمنات بلى الخمار على العنق والصدر. و\"الخمر\" جمع خمار، وهو ما يغطى به الرأس. و\"الجيوب\" جمع \"الجيب\" وهو موضع القطع من الدرع والقميص، وهو من الجوب وهو القطع. وهذه الآية تدل على ما دلت عليه بعض الأحاديث السابقة من عدم وجوب ستر المرأة لوجهها لأن الخمار غطاء الرأس، فأمَرَ تعالى بليِّ الخمار على العنق والصدر دلالة على وجوب سترهما، ولم يأمر بلبسه على الوجه فدل على أنه ليس بعورة. قال ابن حزم في \"المحلى\" (٣/ ٢١٦ - ٢١٧): (فأمرهن الله تعالى بالضرب\n_________\n(١) أي: تثبان و\"القرب على متونهما\"، أي: تحملانها وتقفزان بها وثبًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٧/ ٢٩٠) من حديث أنس ﵁.\n(٣) صحيح في الشواهد. أخرجه أبو داود (٤١٠٤) - كتاب اللباس. باب فيما تبدي المرأة من زينتها.\nوانظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٥٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٣٤) - كتاب الحج. وانظر (١٢١٨) من حديث جابر في حجة الوداع، وانظر مسند أحمد (١/ ٢١١).","vol":"5","page":344},{"text":"بالخمار على الجيوب، وهذا نصٌّ على ستر العورة والعنق والصدر، وفيه نص على إباحة كشف الوجه لا يمكن غير ذلك).\nوقد ذكر القرطبي (١٢/ ٢٣٠) وغيره في سبب نزول هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾: (أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة، وهي المقانع، سدلنها من وراء الظهر كما يصنع النبط، فيبقى النحر والعنق والأذُنان لا ستر على ذلك. فأمر الله تعالى بلي الخمار على الجيوب).\nوفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة ﵂، أنَّها قالت: [يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أكنف (١) مروطهن فاختمرن بها] (٢).\nوأخرج الطبراني في \"المعجم الكبير\" بسند صحيح عن الحارث بن الحارث الغامدي قال: [قلت لأبي ونحن بمنى: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فنزلنا، \"وفي رواية: فتشرفنا\"، فإذا رسول الله - ﷺ - يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به، وهم يردون عليه قوله ويؤذونه، حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس، وأقبلت امرأة قد بدا نحرها تبكي، تحمل قدحًا فيه ماء ومنديلًا، فتناوله منها، وشرب وتوضأ، ثم رفع رأسه إليها فقال: يا بنية! خمري عليك نحرك، ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذُلًّا. قلت: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. توضيحٌ لمحارم المرأة الذين يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، وهم: زوجها، والدها، والد زوجها، ابنها، ابن زوجها، أخوها، ابن أخيها، ابن أختها، النساء المسلمات، أَمَتُها ورقيقها من الرجال والنساء، والأجراء والأتباع ممن لا أرب له في النساء كالأبله والأحمق ونحو ذلك. قال ابن كثير: (كل هؤلاء محارم\n_________\n(١) وفي رواية عند أبي صالح: أكثف.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٤٠٢) - كتاب اللباس. انظر صحيح أبي داود (٣٤٥٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (ج ١/ ٢٤٥/ ٢)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤/ ٤٦ - ١/ ٢٤٣ - ١)، وانظر: \"حجاب المرأة المسلمة\" ص (٣٦) وقال الألباني: هذا الحديث صحيح.","vol":"5","page":345},{"text":"المرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بِزينتها، ولكن من غير اقتصادٍ وتَبَهْرُج).\nقلت: وقوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني مواضع الزينة، وهي في العادة:\n١ - الخاتم والسوار في الكفين.\n٢ - القُرْط على شحمة الأذنين.\n٣ - الدُّمْلوج في المعضد.\n٤ - القلادة: في العنق.\n٥ - الخَلْخَال: في الساقين.\nفهذه المواضع هي مواضع زينة النساء، وهي في التحقيق مواضع الوضوء، فجاز للمرأة إظهار هذه المواضع أمام مَنْ سبق من المحارم.\nوأما قول بعض الفقهاء: \"عورة المرأة من السرة إلى الركبة\" فهذا مما لا دليل عليه، فإن كان قياسًا على الرجل فهو قياس مع الفارق للنصوص الصريحة الآتية:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: [المرأة عوْرة، فإذا خَرَجَتْ استَشْرَفها الشَّيْطان] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن منِ حديث ابن مسعود قال: [النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بِها بأسٌ، فيَسْتَشْرِفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحدٍ إلا أعجبتِه، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيُقال: أين تريدين؟ فتقول: أعودُ مريضًا، أو أشهد جنازةً، أو أصلي في مسجد! وما عَبَدَت امرأة ربَّها مثلَ أن تعبده في بيتها] (٢).\nفهذه النصوص تدل أن المرأة كلها عورة وليس فقط: \"ما بين السرة والركبة\" فإن ذلك مما لا دليل عليه، أضف إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الدال على مواضع الزينة، فهل الثدي وتحت الإبط موضع زينة عند العرب تضع المرأة فيه شيئًا من زينتها؟ ! الجواب: لا، بل هو موضع فتنة وزينة للزوج لا لغيره، فتنبَّه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (١١٨٩). انظر صحيح سنن الترمذي (٩٣٦)، وتخريج: \"مشكاة المصابيح\" - حديث رقم - (٣١٠٩).\n(٢) إسناده حسن. انظر تخريج الترغيب (١/ ٣٤٥)، وقوله: \"فيستشرفها الشيطان\" أي ينتصب ويرفع بصره إليها ويَهُمُّ بها؛ لأنَّها قد تعاطت سببًا من أسباب تسلطه عليها.","vol":"5","page":346},{"text":"وأما تفصيل بعض مفردات الآية السابقة:\nفالبعل هو الزوج. قال القرطبي: (يرى الزينة من المرأة وأكثر من الزينة، إذ كل محلٍّ من بدنها حلال له لذةً ونظرًا. ولهذا المعنى بدأ بالبعولة).\nوأبناء بعولتهن: المراد ذكور أولاد الأزواج، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سَفَلوا، من ذُكران كانوا أو إناث، كبني البنين وبني البنات، وكذلك آباء البعولة والأجداد وإن عَلوْا من جهة الذكران لآباء الآباء وآباء الأمهات وكذلك أبناؤهن وإن سَفَلوا. ذكره القرطبي ثم قال: (وكذلك أبناء البنات وإن سفلن، فيستوي فيه أولاد البنين وأولاد البنات. وكذلك أخواتهن، وهم مَنْ ولده الآباء والأمهات أو أحد الصِّنفين. وكذلك بنو الإخوة وبنو الأخوات وإن سَفَلُوا من ذُكران كانو! أو إناث كبني بني الأخوات وبني بنات الأخوات. وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح، فإن ذلك على المعاني في الولادات وهؤلاء محارم).\nوأما قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. فالمقصود النساء المسلمات، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات. ولا حرج لغير المسلمات أن تظهر المرأة أمامهن كما تظهر أمام نساء المؤمنات إلا إن كنّ ممن يَصِفْنَ لأزواجهن أو للرجال ما تزيْن، فعندئد يحرم على المرأة إظهار زينتها أمامهن، وهذا الحكم لا يخصّ النساء غير المسلمات فقط، بل ينسحب على النساء المسلمات إن الثشركن بعلة وصف المحاسن لأزواجهن أو للرجال.\nوأما ما ذهب إليه بعض الفقهاء من تحريم إظهار المرأة المسلمة شيئًا من بدنها أمام المرأة المشركة فهذا مما لا دليل عليه، والعلة السابقة وهي: وصف المحاسن قد تشترك بها المسلمة والكافرة كما أشرت، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يشمل العبيد والإماء المسلمات والكتابيات. قال ابن عباس: (لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته).\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن أنس: [أنَّ النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب، إذا قَنَّعت به رأسها، لم يبلغ رجليها، وإذا غَطَّت به رجليها لم يبلغ رأسها. فلما رأى النبي - ﷺ - ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوك وغلامُك] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤١٠٦) - كتاب اللباس، باب لبس النساء، (٣٤) باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته. وانظر صحيح أبي داود (٣٤٦٠).","vol":"5","page":347},{"text":"وأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن جابر: [أن أم سلمة استأذنت رسول الله - ﷺ -: في الحجامة. فأمر النبي - ﷺ - أبا طيبة أن يحجمها. وقال: حسبت أنه كان أخاها من الرضاعة، أو غلامًا لم يحتلم] (١).\nوقوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ الإرْبَةُ الحاجة. وقوله: ﴿التَّابِعِينَ﴾ قال قتادة: (هو التابع يتبعك يصيب من طعامك). قال ابن عباس: (فهذا الرجل يتبع القوم، وهو مُغَفَّلٌ في عقله، لا يكترث للنساء ولا يشتهيهنَّ).\nوقال مجاهد: (الذين لا يهمهم إلا بطونهم، ولا يُخافون على النساء). وقال أيضًا: (﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ قال: هو الأبله، الذي لا يعرف شيئًا من النساء). وقال الشعبي: (تبع الرجل وحشمه: الذي لم يبلغ أرَبَه أن يطَّلع على عورة النساء). وقال سعيد بن جبير: (المعتوه). وقال الزهري: (هو الأحمق، الذي لا همة له بالنساء ولا أرب).\nقلت: وكلها أقوال متقاربة تتوجَّهُ إلى مَنْ لا فَهْمَ له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء، وإنما يكون في القوم أو نشأ بينهم ويتبعهم لإرفاقهم إياه ولا حاجة له في النساء.\nوفي صحيح مسلم وسنن أبي داود - واللفظ له - عن عائشة قالت: [كان يدخل على أزواج النبي - ﷺ - مُخَنَّث، فكانوا يعدونه، من غير أولي الإربة، فدخل علينا النبي - ﷺ - يومًا، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلت، أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي - ﷺ -: \"ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخُلَنَّ عليكن هذا\". فحجبوه] (٢).\nوفي زيادة عند أبي داود: (وأخرجه، فكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم).\nوفي رواية: [فقيل: يا رسول، إنه إذن يموت من الجوع، فأذن له أن يدخل في كلّ جمعة مرتين فيسأل ثم يرجع].\nوقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. قال مجاهد: (لم يَدْروا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٤٨٠) في الحجامة - كتاب الطب. انظر صحيح ابن ماجة (٢٨٠٣)، وصحيح سنن أبي داود (٣٤٥٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٨١)، وأبو داود (٤١٠٧)، وانظر للزيادة (٤١٠٩)، (٤١١٠).","vol":"5","page":348},{"text":"ما ثَمَّ، من الصِّغَرِ قبل الحُلُم). قال ابن كثير: (يعني لِصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهنّ، من كلامِهنَّ الرَّخيمِ، وتَعَطُّفِهن في المِشْيَةِ وحَرَكاتِهنَّ وسكناتِهنَّ، فإذا كان الطفلُ صغيرًا لا يفهَمُ ذلك فلا بأس بدُخوله على النساء، فأما إن كان مُرَاهِقًا أو قريبًا منه بحيث يعرف ذلك ويَدْريه، ويُفَرِّقُ بين الشوهاء والحسناء، فلا يُمَكَّن من الدخول على النساء).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر: [أن رسول الله - ﷺ - قال: إياكم والدخولَ على النِّساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحَمْوَ؟ قال: الحَمْوُ: المَوْتُ\" (١).\nالحديث الثاني: خرّج مسلم في صحيحه عن ابن عباس يقول: سمعت النبي - ﷺ - يخطب يقول: [لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو مَحْرم] الحديث (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث جابر بن سمرة قال: [خطب عمر الناس بالجابية فقال: إن رسول الله - ﷺ - قام في مثل مقامي هذا فقال: أحسنوا إلى أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يحلف أحدهم على اليمين قبل أن يستحلف عليها، ويشهد على الشهادة قبل أن يُستشهد، فمن أحبَّ منكم أن ينال بحبوحة الجَنَّة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلونَّ رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان، ومن كان منكم تسرّه حسنته وتسوؤه سيئته فهو مؤمن] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال ابن عباس: (فهو أن تقرعَ الخَلْخال بالآخر عند الرجال، ويكون في رجليها خلاخل، فتحركهنّ عند الرجال، فنهة الله ﷾ عن ذلك؛ لأنه من عمل الشيطان).\nويبدو أنَّها كانت عادة في الجاهلية، تضرب المرأة برجلها الأرض إذا مشت فيسمع طنين خلاخيلها، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٣٢) - كتاب النكاح، وأخرجه مسلم (٢١٧٢)، وأحمد (٤/ ١٤٩)، والترمذي (٢١٧١)، وابن حبان (٥٥٨٨)، والبيهقي (٧/ ٩٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٤١) - كتاب الحج، في أثناء حديث أطول، ورواه البخاري.\n(٣) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (١/ ١٧٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٣١).","vol":"5","page":349},{"text":"قلت: وكل ما كان من التكلف من المرأة في إظهار الزينة في الطريق داخل في مفهوم وآفاق هذه الآية كفتحات بعض الثياب، وإظهار بعض الألوان على الرأس أو الأغطية، والروائح العطرة التي تفوحُ في أثناء المسير فتحرك شهوة الرجال، وغير ذلك من أعمال الفتنة، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن زينب امرأة عبد الله قالت: [قال لنا رسول الله - ﷺ -: إذا شَهِدَتْ إحداكُنَّ المَسْجِدَ فلا تَمَسَّ طِيبًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أيما امرأة أصابت بَخُورًا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة] (٢).\nالحديث الثالث: روى أبو داود والترمذي بسند حسن عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا استعطرت المرأةُ فمَرَّت على القوم ليجدوا ريحها، فهي كذا وكذا. قال قولًا شديدًا] (٣).\nولفظ الترمذي: [كُلُّ عَيْن زانية، والمرأةُ إذا استعْطَرت فَمَرَّت بالمجلس فهي كذا وكذا. يعني: زانية].\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة، قال - أي: الراوي عنه -: [لَقِيَتْهُ امرأة وجد منها ريح الطيب ينفح ولذيلها إعْصَار (٤)، فقال: يا أمَةَ الجبَّار، جئتِ من المسجد؟ قالت: نعم! قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم! قال: إني سمعتُ حِبِّي أبا القاسم - ﷺ - يقول: لا تُقْبَلُ صلاة لامرأةٍ تطيَّبَتْ لهذا المسجد، حتى ترجِعَ فتغتَسلَ غُسْلَها من الجنابة] (٥).\nوقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أمر من الله عباده المؤمنين بالتوبة إليه مما كان منهم من الصفات الجاهلية المذمومة، والتقرب إليه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٤٣) ح (١٤٢) - كتاب الصلاة باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٤٤)، الباب السابق، ورواه أبو داود (٤١٧٥).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٤١٧٣). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٢٣٧).\n(٤) أي غبار ترفعه الريح.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤١٧٤)، وابن ماجة (٤٠٠٢)، وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٥١٧).","vol":"5","page":350},{"text":"بامتثال ما يحب من العادات والآداب والأخلاق الرفيعة المعلومة، ليدركوا بذلك السعادة في الدنيا والآخرة.\n٣٢ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nفي هذه الآياتِ: الترغيبُ في التزويج، للأحرار والعبيد، والوعد بالغنى والرزق على ذلك. والأمْرُ بالاستعفاف حتى يكون النكاح، ومساعدة المكاتبين، والتحذير من إكراه الإماء على الزنى، وهذه الآياتِ فيها موعظة للمتقين.\nفقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ أمر بالتزويج، على كل من قدر عليه، فإن الزواج من سنة الأنبياء والمرسلين، ونَبيُّنا - ﷺ - سيكاثر بذريات أمته الأمم يوم القيامة.\nفقد أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [النِّكاحُ مِنْ سُنَّتي، فَمَنْ لم يَعْمَلْ بسنَّتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثرٌ بكم الأمم. ومن كان ذا طَوْلٍ فَلْيَنكحْ وَمَنْ لم يَجِدْ فعليه بالصيام، فإن الصومَ له وجاء] (١).\nوفي الصحيحين وسنن ابن ماجة وأبي داود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يا معشرَ الشباب! من استطاع مِنكم الباءة فليتزوَّج. فإنه أغضُّ للبصرِ وأحْصَنُ للفرجِ. ومَنْ لمْ يَسْتطِعْ فعليه بالصوم، فإنه له وجاء] (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (١٨٤٦) - كتاب النكاح. باب ما جاء في فضل النكاح، انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٤٩٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠)، وأبو داود (٢٠٤٦)، وابن ماجة (١٨٤٥)، والترمذي (١٠٨١) والنسائي (٦/ ٥٧)، وأحمد (١/ ٣٧٨)، وابن حبان (٤٠٢٦).","vol":"5","page":351},{"text":"والأيامى: جمع أيِّم. قال الرازي: (﴿الْأَيَمَى﴾: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، الواحد منهم \"أيِّم\" سواء كان تزوّج من قبل أو لم يتزوّج. وامرأة أيّم بِكْرًا كانت أو ثَيّبًا). قال القرطبي: (المقصود من قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الحرائر والأحرار، ثم بين حكم المماليك فقال: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يعني المذكور والإناث، والصلاح الإيمان).\nقال أبو السعود: (واعتبار الصلاح في الأرقاء، لأَنَّ مَنْ لا صلاحَ لهُ منهم، بمعزل من أن يكون خليقًا بأن يعتني مولاه بشأنه، ويشفق عليه، ويتكلف بما لا بد منه شرعًا وعادة، من بذل المال والمنافع. بل حقّه ألا يستبقيه عنده).\nوقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. حثٌّ على الإقدام على الزواج فإن الله وعد الرزق على التقوى. قال ابن عباس: (رغَّبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعَدَهم عليه الغِنى).\nيروي ابن جرير بسنده عن ابن مسعود قوله: (التمسوا الغِنى في النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾).\nوفي التنزيل: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].\nومن كنوز صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج ابن عدي في \"الكامل\" بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [حقٌّ على الله عونُ مَنْ نَكَحَ التِماسَ العفافِ عما حَرَّمَ الله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثةٌ حقٌّ على الله تعالى عونهم: المجاهِدُ في سبيل الله، والمكاتَبُ الذي يريدُ الأداءَ، والناكحُ الذي يريدُ العفاف] (٢).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: واسع الفضل والمنّ والكرم، عليمٌ بأحوال عباده من الفقر والغنى وغير ذلك وما يصلح لهم.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن عدي بسند حسن. انظر صحيح الجامع (٣١٤٧)، ويشهد له ما بعده.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٢٥١)، والترمذي (١٦٥٥)، والنسائي (٦/ ٦١)، وابن ماجة (٢٥١٨)، وابن حبان (٤٠٣٠)، والحاكم (٢/ ١٦٠).","vol":"5","page":352},{"text":"وقوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. أمْرٌ من الله تعالى لمن لا يستطيع نكاحًا بلزوم التعفُّفِ والابتعاد عن الحرام حتى يأتي الله بالفرج والسعة.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].\nوفي الصحيحين والمسند والسنن عن علقمة بن قيس قال: [كنت مع عبد الله بن مسعود بمنى. فخلا به عثمان. فجلست قريبًا منه. فقال له عثمان: هل لك أن أزوجك جارية بكرًا تذكرك من نفسك بعض ما قد مضى؟ فلما رأى عبد الله أنه ليس له حاجة سوى هذا، أشار إلي بيده. فجئت وهو يقول: لئن قلت ذلك، لقد قال رسول الله - ﷺ -: [يا معشر الشباب! مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج. فإنه أَغَضُّ للبصَرِ وأحْصَنُ للفرْجِ. ومن لم يَسْتَطِعْ، فعليه بالصَّوم، فإنه له وجاء] (١).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. أمْرٌ من الله تعالى للسادة بمعاونة عبيدهم إن أرادوا المكاتبة للخروج من حال الرِّق. واشترط أهل العلم أن يكون للعبد كسب يكفيه للوفاء.\nومفهوم المكاتبة: أن يكاتِبَ الرجل عبده على مال يؤديه مُنجَّمًا عليه، فإذا أدّاه فهو حُرّ. ويجوز حالًا كما يجوز منجمًا ومؤجلًا لإطلاق الأمر. واختلف العلماء هل الأمر هنا للوجوب أم للاستحباب على قولين:\nالقول الأول: الوجوب. وهو قول الشافعي في القديم، ومذهب ابن جرير شيخ المفسرين.\nقال البخاري: (وقال رَوْحٌ، عن ابن جريجٍ، قلتُ لعطاء: أواجبٌ عليَّ إذا علمتُ له مالًا أن أكاتِبَهُ؟ قال: ما أراه إلا واجبا. وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء: أَتأثُرُه عن أحد؟ قال: لا. ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبرَه أن سِيرينَ سألَ أنسًا المُكاتَبَةَ، وكان كثير المال فأبى، فانطلق إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كاتِبْه. فأبى، فضربَهُ بالدُّرة، ويتلو عمر - ﵁ -: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. فكاتبه) - ذكره البخاري تعليقًا.\nوله شاهد عند ابن جرير بسند صحيح عن قتادة، عن أنس بن مالك: (أن سيرين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠)، وابن ماجة (١٨٤٥)، واللفظ له، وأبو داود (٢٠٤٦)، والترمذي (١٠٨١)، والنسائي (٦/ ٥٧)، وأحمد (١/ ٣٧٨).","vol":"5","page":353},{"text":"أراد أن يُكَاتبه، فتلكّأ عليه، فقال له عمر: لتُكاتِبَنَّه).\nالقول الثاني: الندب وعدم الوجوب. وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والشافعي في الجديد. قال ابن وهب: قال مالك: (الأمر عندنا أن ليس على سَيِّد العبد أن يكاتِبَهُ إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدًا من الأمة أكره أحدًا على أن يكاتِبَ عبده).\nقال مالك: (وإنما ذلك أمرٌ من الله تعالى وإذنٌ منه للناس، وليس بواجب). واحتج الشافعي في مذهبه الجديد على عدم الوجوب بحديث حنيفة الرقاشي- الذي أخرجه أبو يعلى وأحمد بسند حسن- مرفوعًا: [لا يحل مالُ امرئٍ مسلم إلا بطيب نفس منه] (١).\nقلت: والراجح الندب لا الوجوب، فإن الرجل حرٌّ في ماله، فلو طلب منه عبدُهُ المكاتبة فإن شاء كاتبه وإن شاء لم يفعل. قال الشعبي: (إن شاء كاتَبَهُ، وإن شاء لم يكاتبه). ومن ثمَّ فإنَّ الأمرَ في الآية أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتّم وإيجاب، وهو قول الجمهور.\nقال القرطبي: (وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك، ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن. وكذلك لو قال له أعتقني أو دَبِّرني أو زوّجني لم يلزمه ذلك بإجماع، فكذلك الكتابة، لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراضٍ. وقولهم: مطلق الأمر يقتضي الوجوب صحيح، لكن إذا عَرِيَ عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب، وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه، فعلّق الوجوب على أمر باطن وهو علم السيد بالخيرية. وإذا قال العبد: كاتبني، وقال السيد: لم أعلم فيك خيرًا، وهو أمر باطن، فيرجع فيه إليه ويعوّل عليه. وهذا قويّ في بابه).\nوأما قوله: ﴿خَيْرًا﴾ ففيه أقوال متكاملة:\n١ - قال مالك بن أنس: (الخير: القوة على الأداء). أو قال: (الاكتساب والأداء). وهو قول الشافعي.\n٢ - وقال الحسن: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: صدقًا، ووفاء، وأداء، وأمانة). وقال مجاهد: (مالًا وأمانة). وقال ابن عباس: (إن علمتم لهم مالًا).\n٣ - وقال عمرو بن دينار: (أحسبه كل ذلك المال والصلاح).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو يعلى (١٥٧٠)، وأحمد (٥/ ٧٢)، وانظر صحيح الجامع (٧٥٣٩).","vol":"5","page":354},{"text":"٤ - وقال ابن زيد: (إن علمت فيه خيرًا لنفسك، يؤدي إليك ويصدّقك ما حدثك، فكاتبه).\n٥ - وقال عبيدة السَّلْماني: (إقامة الصلاة والخير).\nوقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال النسفي: (أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾).\nقلت: وقد صنّف البخاري في صحيحه كتابًا سماه: كتاب المكاتب، وذكر فيه بابًا: باب استعانة المكاتَبِ وسؤاله الناس. روى فيه عن عائشة ﵂ قالت: [جاءت بَريرةُ فقالت: إنِّي كاتَبْتُ أهلي على تِسْع أواقٍ في كُلِّ عام أُوقيَّةٌ فأعينيني، فقالت عائشة ﵂: إنْ أحَبَّ أهلُك أنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ فيكون ولاؤُكِ لي، فَذَهَبتْ إلى أهلها فأبَوْا ذلك عليها، فقالت: إنّي قدْ عرَضْتُ ذلك عليهم، فأبَوْا إلا أنْ يكونَ الولاءُ لهُمْ، فسمعَ بذلك رسول الله - ﷺ - فسألني فأخْبَرْتُه فقال: خُذيها فَأعْتِقيها واشترطي لهم الولاء، فإنَّ الولاءَ لِمَنْ أعْتَقَ. قالتْ عائِشة: فقام رسول الله - ﷺ - في الناس فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بَعْدُ، ما بالُ رجالٍ يشتَرِطون شُروطًا ليست في كتاب الله؟ فأيّما شَرْطٍ كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإنْ كانَ مئةَ شَرْطٍ، فقضاءُ الله أحَقُّ، وشرْطُ الله أوثَقُ، ما بالُ رجالٍ يقولُ أحدُهم: أَعْتِقْ يا فُلانُ وَليَ الولاءُ، إنما الولاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ] (١). وفي لفظ: [اشتريها فأعْتقيها ودَعيهم يشترطوا ما شاؤوا. فاشترتها عائشة فأعتقتها واشترط أهلها الولاء. فقال النبي - ﷺ -: الولاء لمن أعْتَقَ وإنِ اشترطوا مئةَ شرط].\nوفي رواية: قال رسول الله - ﷺ -: [الولاءُ لِمَنْ أعْطى الوَرِقَ وَوَليَ النِّعمة].\nوقوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهُنّ، فقال الله: لا تكرهوهنّ على الزنا من أجل المنالة في الدنيا، ومن يكرههنّ فإنّ الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهنّ: يعني إذا أكرهن).\nوقال ابن زيد: (﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: غفور رحيم لهن حين أكرهن، وَقُسِرْن على ذلك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٥٦٣) - (٢٥٦٥) كتابِ المكاتب، وانظر الحديث (٤٥٦) منه.\nوللرواية الأخرى (٦٧٦٠) - كتاب الفرائض، وهي رواية مُفَسِّرة للحديث.","vol":"5","page":355},{"text":"وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذكلر أسباب نزول هذه الآية:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: [كان عبد الله بنُ أبي بن سلول يقول لجارية له: اذهبي فابْغِينا شيئًا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم- أيضًا- عن جابر ﵁: [أنَّ جاريةً لعبد الله بن أُبيّ بن سلول يقال لها: مُسَيْكَةُ، وأُخرى يقال لها: أُمَيْمَةُ، فكان يريدهما \"وفي رواية: فكان يكرههما\" على الزِّنى، فَشَكَتا ذلك إلى النبي - ﷺ -، فأنزلَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني ورجاله رجال الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: [كانت لعبد الله بن أبي جارية تزني في الجاهلية، فلما حُرِّمَ الزنا قالت: لا والله لا أزني أبدًا، فنزلت الآية] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾. تأكيد لآيات القرآن أنزلها الله واضحات مفسِّرات لأحكام هذا الشرع العظيم، ويأتي الوحي الثاني وهو: السنة المطهرة، لتزيد في ذكر آفاق هذه الأحكام وتبيان مدلولاتها ومعانيها.\nوقوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. أي: وأنزلنا في هذا القرآن أخبارَ الأمم الماضية والقرون الغابرة وما حَلَّ بها حين خالفت منهاج رسلها وتطاولت على الوحي النازل إليها.\nوقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: زاجرًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: لمن اتّقى الله وخافه).\n٣٥. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠٢٩) كتاب التفسير، سورة النور، آية (٣٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠٢٩) ح (٢٧) - كتاب التفسير، الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطبراني- ورجاله رجال الصحيح- ورواه البزار بنحوه، انظر الصحيح المسند من أسباب النزول- الوادعي- سورة النور، آية (٣٣)، وروى ابن جرير نحوه في التفسير- حديث رقم- (٢٦٠٨٤).","vol":"5","page":356},{"text":"مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآية: نَعْتُ الله سبحانه -هادي أهل السماوات والأرض، ومنورهما- لقلب المؤمن المشعّ بنور الوحي العظيم، في نموذج رائع من التمثيل، وضرب رفيع من التشبيه، يعجز أهل الأرض ولو اجتمعوا على الإتيان بمثله، والله بكل شيء عليم.\nفعن ابن عباس: (﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول: الله سبحانه هادي أهل السماوات والأرض). وقال مجاهد فيها: (يدبِّر الأمر فيهما، نجومِهما وشمسِهما وقَمَرِهما). وعن أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: (فبدأ بنور نفسه، فذكره، ثم ذكر نور المؤمن فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، يقول: مثل نور المؤمن).\nوفي لفظ: (يقول: مَثَلُ نور مَنْ آمن به. قال. هو عبد جعل الله القرآن والإيمان في صدره).\nوكذلك قال سعيد بن جبير -والضحاك-: (﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: قال: مثل نور المؤمن).\nوهذا هو التأويل الأول للآية.\nالتأويل الثاني: قيل بل عني بالنور محمد - ﷺ -، والهاء في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ عائدة على اسم الله.\nروي ذلك عن كعب قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: مثل محمد - ﷺ -، كمشكاة).\nالتأويل الثالث: قيل بل المراد بالنور هدى الله وبيانه، وهو القرآن، والهاء من ذكر الله.\nقال ابن عباس: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: مثلُ هداهُ في قلب المؤمن). وقال الحسن: (مثل هذا القرآن في القلب، كمشكاة). وقال ابن زيد: (نور القرآن الذي أنزل على رسوله - ﷺ - وعباده، هذا مثل القرآن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾).\nقلت: ولا شك أن نوره تعالى هذا الوحي العظيم وهدي نبيّه الكريم يشع في قلب","vol":"5","page":357},{"text":"عبده المؤمن، فحجابه سبحانه النور، وكتابه نور، وسيرة رسوله - ﷺ - نور على نور، وقلب عبده المؤمن منوّر بهذا الخير كله.\nوأما المشكاة ففي معناها أكثر من قول:\nالقول الأول: قيل هي كل كوّة لا منفذ لها، وهو مثل ضربه الله لقلب محمد - ﷺ -.\nقال ابن عباس: (المشكاة: كوّة البيت). وفي لفظ: (موضع الفتيلة). وقال كعب: (المشكاة وهي الكوة، ضربها الله مثلًا لمحمد - ﷺ -).\nالقول الثاني: قيل بل عني بالمشكاة صدر المؤمن، وبالمصباح: القرآن والإيمان، وبالزجاجة: قلبه.\nفعن أبي العالية عن أبي بن كعب: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ﴾ قال: (مثل المؤمن قد جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاة، قال: المشكاة: صدره. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ قال: والمصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره. ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ قال: والزجاجة قلبه. ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ﴾، قال: فمثله مما استنار فيه القرآن والإيمان كأنه كوكب دري، يقول: مضيء، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال: والشجرة المباركة: أصله المباركة الإخلاص لله وحده وعبادته، لا شريك له. ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: فمثله مَثل شجرة التفّ بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أُجيرَ من أن يُصيبه شيء من الغيرِ، وقد ابتُلي بها، فثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إنْ أُعطي شكَر، وإن ابتُلي صَبَر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحيّ يمشي في قبور الأموات، قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يتقلَّب في خمسةٍ من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدْخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة في الجنة).\nوقال ابن عباس: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ قال: مثل هداه في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسّه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءًا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى، ونورًا على نور، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه قبل أن تجيئه المعرفة ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ حين رأى الكوكب من غير أن يخبره أحد أن له ربًا، فلما أخبره الله أنه ربه، ازداد هدى على هدى).","vol":"5","page":358},{"text":"وفي قوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قال: يعني إيمان المؤمن وعمله.\nالقول الثالث: قيل هو مثل للمؤمن، والمصباح مثل لفؤاده، والمشكاة مثل لجوفه.\nقال مجاهد: (المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن وجوفه، المصباح مثل الفؤاد، والكوّة مثل الجوف).\nوقيل غير ذلك، واختار ابن جرير قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: (مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد، الذي أنزله إليهم، فآمنوا به، وصدقوا بما فيه، في قلوب المؤمنين، مثل مشكاة، وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة .. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو السراج، وجعل السراج وهو المصباح مثلًا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات المبينات ثم قال: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ .. فقال: الزجاجة، وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه كأنها كوكب دري. قال: مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه، واستناره بنور القرآن، واستضاءته بآيات ربه المبينات، ومواعظه فيها، بالكوكب الدري).\nقلت: وجميع الأقوال متقاربة، وهي اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وإن كنت أميل إلى القول الثاني وتفصيلاته الدقيقة، وأن معنى قوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ هو نور الوحي على نور الإيمان، نور السنة على نور الفطرة، نور التشريع والدين الحق على نور الميثاق، نور الهداية طَمَسَ ظلمة الشهوات وازدحامها على النفس والعقل والقلب، نورٌ على نور، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.\nإن أساس التوازن الصحيح بين إرشاد العقل ومحاكماته الدقيقة من جهة، وبين ضغط قوى الغرائز وميلها إلى التفلت من جهة أخرى، هو الاستعانة بالله العظيم، والاستمداد من وحيه الكريم، وهو معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فلا نجاة للعبد من خطر نفسه واندفاع غرائزه إلا بموازنة ذلك بعلم الكتاب والسنة، وملء العقل والقلب بنورهما المشع، الذي ينعكس صحةً في العقل وقراراته ومحاكماته، ونورًا في القلب وهدى وأمنًا واستقرارًا في حركاته وتقلباته، وحركة صحيحة وعملًا صالحًا يظهر على الجوارح.\nوقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي: يعاقب الله ذكر الأمثال في القرآن لتنبيه عباده إلى منافعهم ومصالح دنياهم وأخراهم، وهذا المثل","vol":"5","page":359},{"text":"العظيم الذي ضربه سبحانه لنور الوحي الذي يسطع على القلوب فتفرز الحياةَ والإشعاعَ المضيء هو من أنفع الأمثال لهم، والله أعلم بمن يستحق الهداية وهذا النور ممن يستحق الضلال والخلود في الظلام.\n٣٦ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ أطهر البيوت في الأرض عقب ذكر أطهر القلوب وأزكاها، فَلَقُلوبٌ عمرت بالإيمان يناسب أصحابها بيوتٌ عمرت بذكر الرحمان، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من الفضل والإحسان، والله يرزق من يشاء بغير حساب.\nفقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال ابن عباس: (وهي المساجدُ تُكْرَم، ونهي عن اللغو فيها). وقال مجاهد: (مساجد تُبنى). وقال قتادة: (هي هذه المساجد، أمر الله سبحانه ببنائها ورَفعها، وأمر بِعِمَارَتها وتطهيرها). وقال الحسن: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ يقول: أن تُعَظَّم لذكره).\nيروي ابن جرير بسنده عن عمرو بن ميمون قال: (أدركت أصحاب رسول الله - ﷺ - وهم يقولون: المساجد: بيوت الله، وإنه لحقٌّ على الله أن يُكْرِمَ من زاره فيها).\nوقد حفلت السنة العطرة بآفاق هذه الآية في أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عُبيد الله الخَوْلاني أنه سمع عثمانَ بن عفان، عِنْد قول الناس فيه حين بنى مسجدَ الرسول - ﷺ -: إنكم قد أكْثَرتُم، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [مَنْ بنى مَسْجدًا لله يبتغي به وَجْه الله تعالى بنى الله له بيتًا في الجنة] (١). وفي رواية: (مِثْلَهُ في الجنة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٠) - كتاب الصلاة، وأخرجه مسلم (٥٣٣) - كتاب المساجد. وانظر للرواية الثانية (٥٣٣) ح (٢٥) - باب فضل بناء المساجد والحث عليها. وأخرجه أحمد (١/ ٦١) والترمذي (٣١٨)، والبيهقي (٢/ ٤٣٧)، وابن حبان (١٦٠٩).","vol":"5","page":360},{"text":"وفي رواية لمسلم عن مَحْمودِ بنِ لَبيدٍ، أنَّ عثمانَ بن عفان أراد بناء المسجد، فكِرهَ الناس ذلك، فأحَبُّوا أنْ يَدَعَهُ على هيئتهِ. فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [مَنْ بنى مَسْجِدًا لله بنى الله له في الجنة مِثْله].\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - قال: [مَنْ بنى مَسْجِدًا لله كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أصْغَرَ، بنى الله له بيتًا في الجنة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [مَنْ بَنى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فيه اسمُ الله، بَنَى الله له بيتًا في الجنة] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود وابن ماجة عن عائشة: [أن رسول الله - ﷺ - أمر بالمساجد أن تبنى في الدور، وأن تطهر وتطيب] (٣).\nقلت: وبناؤها لا بد أن يكون على منهاج النبوة، وإلا فإن زخرفتها وإضاعة الأموال في تزيينها من علامات انهيار الأمة وضعفها ومن علامات الساعة. والأحاديث في ذلك كثيرة، منها:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تقوم الساعةُ حتى يتباهى الناسُ في المساجد] (٤).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن ابن عباس قال: [قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أُمِرْتُ بتشييدِ المساجد\". قال ابن عباس: لتزخرفنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى] (٥).\nالحديث الثالث: أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن عن سعيد بن أبي سعيد مرفوعًا:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (٧٣٨) - كتاب المساجد والجماعات. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٦٠٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (٧٣٥) - الكتاب السابق- باب من بنى لله مسجدًا. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٦٠١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٣٣)، والترمذي (٥٩٤)، وابن ماجة (٧٥٨)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٧٣٩) - كتاب المساجد والجماعات. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٦٠٤) - باب تشييد المساجد، وصحيح أبي داود (٤٣٢).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٤٤٨) - كتاب الصلاة. باب في بناء المساجد. وانظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٤٣١).","vol":"5","page":361},{"text":"[إذا زوقتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم] (١).\nوفي رواية: [إذا زخرفتم مساجدَكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم].\nوقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. قيل: آيات كتابه، وقيل: هو كل ذكر ورجاء ودعاء. قال ابن عباس: (يقول: يُتلى فيها كتابه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩].\nومن كنوز صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال. [بينما نحنُ في المسجد مع رسول الله - ﷺ - إذْ جاء أعرابيٌّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: مَهْ مَهْ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تُزْرِمُوه، دَعُوه\"، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - ﷺ - دعاه فقال له: إنَّ هذه المساجِدَ لا تَصْلُحُ لشيءٍ مِنْ هذا البَوْلِ والقَذَرِ، إنما هي لِذِكْرِ الله ﷿، والصَلاةِ، وقراءةِ القرآن، أو كما قال رسول الله - ﷺ -، قال: فأمر رجلًا من القوم، فجاءَ بِدَلْوٍ مِنْ ماءً، فَشَنَّهُ (٢) عليه] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم والنسائي عن بُريدة: [أنَّ رجلًا أنشدَ في المسجد، فقال: مَن دعا إلي الجمَل الأحمر؟ فقال النبي - ﷺ -: لا وَجَدتَ، إنما بُنِيت المساجدُ لما بُنيت له] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: [نهى رسول الله - ﷺ - عن البيع والابتياع، وعن تناشُد الأشعارِ في المساجد] (٥).\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٠٠/ ٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٥١).\n(٢) أي فصبه عليه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٥) - كتاب الطهارة، وانظر صحيح البخاري (٢١٩)، (٢٢١)، (٦٠٢٥)، وكذلك مسند أحمد (٣/ ٢٢٦)، وسنن النسائي (١/ ٤٧).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٥٦٩)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١٧٤)، وابن ماجة (٧٦٥)، وابن حبان (١٦٥٢).\n(٥) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٠٧٩)، والترمذي (٣٢٢)، وأحمد (٢/ ١٧٨)، وغيرهم.","vol":"5","page":362},{"text":"الحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن حبان بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: [إذا رأيتم من يبيعُ أو يبتاعُ في المسجد فقولوا: لا أربحَ الله تجارتك. وإذا رأيتُم من يمشُدُ ضالة في المسجد فقولوا: لا رَدَّها الله عليك] (١).\nوقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾. أي: يصلي لله ويذكره فيها غدوة وعشيًّا رجال لا تشغلهم أعمال البيع والصفق في الأسواق للتكسب عنْ ذِكر الله وإقامة صلاة الجماعة وأداء الزكاة المفروضة. قال ابن عباس: (﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يقول: يصلي له فيها بالغداة والعشي، يعني بالغدو: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أوّل ما افترض الله من الصلاة، فأحبّ أن يذكرهما، ويذكر بهما عبادته). وقال الحسن: (أذن الله أن تبنى، فيصَلّى فيها بالغدو والآصال). والوقف التام على قوله: \"والآصال\" عند من قرأ من القرّاء: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ - بفتح الباء مِن \"يُسَبَّح\" على البناء لما لم يُسَمَّ فاعله. والقراءة بالكسر ﴿يُسَبِّحُ﴾ أشهر في الأمصار.\nقلت: وقوله: ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل \"يُسَبِّح\" مرفوع. والوقف على نهايات الآيات مستحب دومًا، لأن النبي - ﷺ - كان يقطع قراءته فيقرأ آية آية، وكثير من الاجتهادات في غير ذلك مما لا دليل عليه.\nففي جامع الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أم سلمة قالت: [كانَ يُقَطِّعُ قِراءتَهُ آيةً آيةً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقف: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف] (٢).\nقال ابن كثير: (فقوله: ﴿رِجَالٌ﴾ فيه إشعار بهممهم السامية، ونِياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صاروا عُمَّارًا للمساجد، التي هي بيوتُ الله في أرضِه، ومواطِنُ عبادتِه وشكره، وتوحيده وتنزيهه، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]). وعن ابن عباس: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يقول: عن الصلاة المكتوبة). وقال السدي: (عن الصلاة في جماعة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١٣١)، وابن حبان (١٦٥٠)، وانظر صحيح مسلم (٥٦٨) نحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٣١٠٧) - أبواب القراءات. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٣٦)، ورواه الحاكم.","vol":"5","page":363},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].\nومن كنوز السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: [أتى النبي - ﷺ - رجل أعمى، فقال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله - ﷺ - أن يرخِّصَ له فيصليَ في بيته فرخصَ له، فلما ولّى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجِبْ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة وأبو داود بسند صحيح عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا مِنْ عُذْر] (٢).\nقال الشافعي: (لا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر).\nالحديث الثالث: روى مسلم عن عبد الله قال: [لقد رأيتنا وما يتخَلَّفُ عن الصلاة إلا مُنافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُه، أو مريضٌ، إنْ كان المريضُ ليمشي بين رجلين حتى يأتيَ الصلاة. وقال: إن رسول الله - ﷺ - عَلَّمَنا سُنَنَ الهدى، وإنَّ مِن سُنَنِ الهدى، الصلاة في المسجد الذي يؤذَّنُ فيه] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند صحيح عن علي ﵁ عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٦٥٣) - كتاب المساجد. باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء.\n(٢) حديث صحيح. رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم من حديث عبد الله بن عباس. انظر صحيح سنن أبي داود (٥٦٠)، وصحيح الجامع (٦١٧٦)،\n(٣) حديث صحيح. خرَّجه مسلم (٦٥٤) - كتاب المساجد، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى.","vol":"5","page":364},{"text":"قال: [إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، يغسلُ الخطايا غسلًا] (١).\nالحديث الخامس: أخرج ابن أبي شيبة وابن خزيمة بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [ما تَوطَّنَ رجلٌ المساجِدَ للصلاةِ والذكر إلا تَبَشْبَشَ الله تعالى إليه كما يَتَبشْبَشُ أهل الغائب بغائبهم إذا قدِمَ عليهم] (٢).\nوقوله: \"تَبَشْبَشَ\" أصله من فرح الصديق بمجيء الصديق واللطف في المسألة والإقبال، والمراد هنا تلقيه ببره وتقريبه وإكرامه.\nالحديث السادس: أخرج الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن سلام مرفوعًا: [إنَّ للمساجد أوتادًا، هم أوتادُها، لهم جلساءُ من الملائكة، فإن غابوا سألوا عنهم، وإنْ كانوا مَرْضَى عادوهم، وإن كانوا في حاجةٍ أعانوهم] (٣).\nوأما النساء فلا تجب عليهن صلاة الجماعة، ولا يمنعن منها إلا من فتنة، وبيوتهن خير لهن.\nففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله]. وفي لفظ لأحمد وأبي داود: [وبيوتُهُنَّ خيرٌ لهنَّ] (٤). وفي رواية: [وليخرجْنَ وهُنَّ تفِلات]. أي: لا ريحَ لهنَّ.\nوفي صحيح مسلم عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله - ﷺ -: [إذا شِهَدتْ إحداكنَّ المسجدَ فلا تمسَّ طيبًا] (٥).\nوقوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. قال القرطبي: (﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ يعني يوم القيامة. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ يعني من هوله وحذر الهلاك).\n_________\n(١) رواه أبو يعلى والبزار والحاكم بسند صحيح. انظر صحيح الترغيب (١/ ٣١١).\n(٢) إسناده صحيح ورجاله ثقات. انظر المرجع السابق (١/ ٣٢٣)، وكذلك (١/ ٣٠١).\n(٣) حديث صحيح. رواه الحاكم مرفوعًا. انظر صحيح الترغيب (١/ ٣٢٧)، في الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢)، وأحمد (٢/ ٧٦)، (٢/ ٧٧). وأخرجه أبو داود (٥٦٧). وانظر للرواية بعدها سنن أبي داود (٥٦٥).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٤٣)، وأحمد (٦/ ٣٦٣)، والنسائي (٨/ ١٥٥).","vol":"5","page":365},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٩ - ١٠].\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمدت رسول الله - ﷺ - يقول: [يحشر النالس يوم القيامة حُفاة عُراة غُرْلًا. قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: يا عائشة: الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض] (١).\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال النسفي: (أي يسبحون ويخافون ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم، أي ليجزيهم ثوابهم مضاعفًا ويزيدهم على الثواب الموعود على العمل تفضلًا).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. تقرير للزيادة، وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشيئة، وسعة كرم الرحمان ﷿، ومقابلة الإحسان بالإحسان. قال القاسمي: (﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ كناية عن السعة. والمراد أنه لا يدخل تحت حساب الخلق وعدّهم).\nأخرج ابن أبي الدنيا والبزار بسند حسن عن ابن عمر مرفوعًا: [لو تَعْلَمون قَدْر رحْمةِ الله ﷿، لاتَّكلْتُم عليها] (٢).\nوفي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن العرباضِ بن سارية قال: كان النبي - ﷺ - يخرج علينا في الصفة وعلينا الحوتكية فيقول: [لو تَعْلمون ما ذُخِرَ لكم، ما حَزِنْتم على ما زُوِيَ عنكم، ولَيُفْتَحَنَّ لكم فارِدسُ والروم] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم، حديث رقم، (١٩٥٠)، ورواه البخاري.\n(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في \"حسن الظن\" (٢/ ١٩٣/ ١)، وانظر: \"زوائد البزار\" للهيثمي (٤/ ٨٥/ ٣٢٥٦)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢١٦٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٢٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١٤)، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢١٦٨): إسناده شامي صحيح.","vol":"5","page":366},{"text":"٤٠ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: مَثَلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار: الرؤساء والأتباع. لا تنفعهم أعمالهم يوم الحساب أحوج ما يحتاجون إلى نفعها، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.\nفقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾. القيعة: جمع قاع، والقاع واحد القِيعَان، والمقصود الأرض المستوية المتسعة المنبسطة. والسراب: ما يُرى نصف النهار في اشتداد الحرّ، كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض. قال القرطبي: (وسفي السَّرابُ سرابًا لأنه يَسْرُبُ أي يجري كالماء).\nوعن ابن عباس: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ يقول: الأرض المستوية). وقال: (هذا مثل ضربه الله لرجل عطش، فاشتدّ عطشه، فرأى سرابًا، فحسبه ماء، فطلبه وظن أنه قد قدر عليه، حتى أتاه، فلما أتاه لم يجده شيئًا، وقُبض عند ذلك. يقول: الكافر كذلك، يحسب أن عمله مُغْنٍ عنه، أو نافعه شيئًا، ولا يكون آتيًا على شيء حتى يأتيه الموت، فإذا أتاه الموت، لم يجد عمله أغنى عنه شيئًا، ولم ينفعه إلا كما نفع العطشان المشتدّ إلى السراب).\nوقال ابن زيد: (هذا مثل ضربه الله للذين كفروا ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾: قد رأى السراب، ووثق بنفسه أنه ماء، فلما جاءه لم يجده شيئًا، قال: وهؤلاء ظنوا أن أعمالهم صالحة، وأنهم سَيَوْجعون منها إلى خير، فلم يرجعوا منها إلا كما رجع صاحب السراب، فهذا مثلٌ ضربه الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه).\nوفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [إذا كان يوم القيامة أذَّنَ مؤذَنٌ: تَتْبَعُ كُلُّ أُمّةٍ ما كانت تَعْبُدُ، فلا يبقى مَنْ كان يَعْبُدُ غَيْر الله من الأصْنام","vol":"5","page":367},{"text":"والأنصاب إلا يتساقطون في النّار، حتى إذا لم يُبْقَ إلا مَنْ كان يَعْبُدُ الله بَرٌّ أو فاجِرٌ وغُبَّراتُ أهلِ الكتاب، فَيُدعى اليهودُ، فيُقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نَعْبُدُ عُزَيْرًا ابنَ الله، فيقال لهم: كَذَبْتُم ما اتَّخَذَ اللهُ من صاحِبَةِ ولا وَلَدٍ، فماذا تَبْغُون؟ فقالوا: عَطِشْنا رَبَّنا فاسْقِنَا، فيشَارُ ألا تَرِدون! فَيُحْشَرونَ إلى النارِ كأنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كُنّا نعبدُ المسيح ابنَ الله، فيُقالُ لهم: كذبتم ما اتَّخَذَ الله من صاحبة، فيقال لهم: ماذا تَبْغُونَ؟ فكذلك مِثْلَ الأول] الحديث (١).\nوقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾. أي: وإنما وجد في نهاية المسير زبانية العذاب تعتله إلى النار، فيما قضاه الله تعالى عليه من الذل والعذاب والهوان. وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. قال النسفي: الأنه لا يحتاج إلى عد وعقد، ولا يشغله حساب عن حساب، أو قريب حسابه لأن ما هو آت قريب).\nوقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾. قال قتادة: (وهو العميق). والمقصود: كثير الماء، فنسب إلى اللج وهو معظم ماء البحر.\nفبعد أن ذكر الله أحوال أئمة الكفر أصحاب الجهل المركب، عطف بذكر أصحاب الجهل البسيط. قال ابن كثير: (وهم الطَّماطم الأغْشامُ المقلِّدون لأئمة الكفر، الصمُّ البكم الذين لا يعقلون).\nوقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهو كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، وكقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]).\nوعن أبي بن كعب قال: (ضرب مثلًا آخر للكافر، فقال. ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ...﴾ الآية، قال: فهو يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومَدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة، إلى النار).\nقال ابن جرير: (فجعل الظلمات مثلًا لأعمالهم، والبحر اللجي مثلًا لقلب الكافر،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٨١) - كتاب التفسير، ومسلم (١٨٣) في أثناء حديث طويل.","vol":"5","page":368},{"text":"يقول: عَمِلَ بنية قلب قد غَمَرَه الجهل، وتغشَّته الضلالة والحيرة، كما يغشى هذا البحر اللُّجي موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، فكذلك قلب هذا الكافر الذي مثل عمله مثل هذه الظلمات، يغشاه الجهل بالله، بأن الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وجعل على بصره غشاوة، فلا يبصر به حجج الله، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض).\nوقال النسفي: (شبهها (١) ثانيًا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب).\nوقوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾. أي: لا يقارب رؤيتها من شدة الظلمة، والتمثيل كناية عن انعدام صفع أعمال الكفار لهم في آخرتهم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. أي: من لم يهده الله لنور الوحي العظيم يهتدي به في ظلمات الجهل والشبهات والهوى، فماله من نور يهتدي به غيره، بل يبقى في الضلال وظلمات الغي والأهواء.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].\n٤ - وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ الكهف: ١٧].\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب اشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضرّه فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (٢).\n_________\n(١) أي أعمال الكفار.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٩٩٠) - كتاب الفتن.","vol":"5","page":369},{"text":"٤١ - ٤٦. توله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ تسبيح جميع ما في السماوات والأرض والطير لله الملك العزيز الحكيم. هو الذي يسوق السحاب بقدرته ويجمعه ويُراكم بعضه على بعض ليخرج من خلاله المطر وينزل البَرَدَ وإن لمعان البرق الذي يرسله يكاد يذهب بالأبصار. فسبحان مقلب شؤون خلقه ومعاقب الليل والنهار. لقد خلق سبحانه كل دابة من ماء فهي تمشي على البطن أو على رجلين أو أربع يخلق ما يشاء وينزل الآيات ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nفقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فتعلم أن الله يصلي له من في السماوات والأرض، من ملك وإنس وجن، ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ في الهواء أيضًا تسبح له). وقال القرطبي: (ومعنى ﴿صَافَّاتٍ﴾ مصطفات الأجنحة في الهواء).\nوفي التنزيل:\nقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. قال مجاهد: (صلاته: للناسِ، وتسبيحه عامة لكل شيء). قال ابن كثير: (أي: كلٌّ قد أرشَدَه إلى طريقته ومَسْلكِهِ في عبادة الله ﷿).","vol":"5","page":370},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. أي: عليم: بتسبيح عباده وصلاتهم وأعمالهم كلها، فلا يعزب عن علمه شيء.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. أي: ولله سلطان السماوات والأرض وملكها، وكل ملك دون ملكه إلى الزوال، فخزائن السماوات والأرض بيده فأفردوه بالطاعة والخوف والرجاء، فإن مرجعكم إليه لا محالة.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾. قال ابن كثير: (يذكر تعالى أنه بقدرته يسوق السحابَ أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يجمعه بعد تفرّقه، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾، أي: متراكما، أي: يَرْكب بعضُه بعضًا).\nقلت: وفي لغة العرب: زجّى الشيءَ تزجية إذا دفعه برفق، والمزجَى: الشيء القليل، وبضاعة مزجاة أي قليلة. والمقصود: يسوقُ الله السحاب بأمره حتى يجمعه ثم يجعله متراكمًا بعضه على بعض ليخرج المطر من خلاله، وهو الوَدْق. وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾. قال ابن زيد: (الودْق: القطر، والخِلال: السحاب). وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. فيه تأويلان محتملان:\nالتأويل الأول: خلق الله في السماء جبالًا من بَرَد، فهو ينزل منها بَرَدًا. أو خلق في السماء جبالًا فيها برد فهو ينزّل منها ما شاء.\nالتأويل الثاني: قيل بل المعنى: ينزل من السماء قدر جبال، أو مثل جبال من بَرَب إلى الأرض. أو ينزل من السماء بردًا يكون كالجبال.\nوقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال القرطبي: (فيكون إصابته نقمة، وصرفه نعمة). قلت: وقد تكون إصابته برفق رحمة لهم ولزروعهم وماشيتهم، وتأخيره عنهم الغيث امتحانًا لهم. وقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. السنا: ضوء البرق ولمعانه. قال ابن عباس: (﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ قال: ضوء برقه). وقال قتادة: (يقول: لمعان البرق يذهب بالأبصار).\nوقوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. أي: يُعاقبُ الله الليل والنهار، فيأتي بأحدهما بعد الآخر، ويزيد في أحدهما وينقص من الآخر، ويغيّر النهار بظلمة السحاب مرةً وبضوء الشمس أخرى، كما يغيّر الليل أحيانًا بظلمة السحاب أو ضوء القمر، وفي كل ذلك موضع اعتبار لأولي البصائر والعقول والنهى،","vol":"5","page":371},{"text":"ليلجؤوا إليه دومًا بالرجاء والدعاء ويفردوه بالتسبيح والتعظيم.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾. إشارة جديدة إلى عظمته تعالى وقدرته العجيبة، فهو خلق كل أنواع مخلوقاته على اختلاف ألوانها وحجومها وأشكالها وطريقة تحركها من ماء واحد. قال النسفي: (أي من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو من ماء مخصوص وهو النطفة).\nوقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾. أي: ثم فاضل بينها في طريقة حركتها، فالحية تمشي على بطنها، والإنسان والطير على رجلين، والأنعام وسائر الحيوانات كل يمشي على أربع، إن في ذلك لآية كبيرة على بديع قدرته سبحانه واستحقاقه العبادة وحده لا شريك له.\nوقوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: ويُحدث الله ما يشاء من الخلق مما هو أعجب وأدق فلا حدود لقدرته وهو على كل شيء قدير.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. إرشادٌ منه تعالى إلى تدبر آيات قرآنه وفهم بدائع هذه الحكم والأمثال والعبر التي أودعها كتابه، ثم من استحق الهداية فإنه تعالى يوفقه لها ويجعله على صراط مستقيم.\n٤٧ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكْر بعض صفات المنافقين، يُعلنون الإيمان وما هم بمؤمنين، ويعرضون عن التحاكم لله ورسوله وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. وأما المؤمنون فيخبتون لله ويرضون بحكمه وحكم رسوله وأولئك هم الفائزون.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا","vol":"5","page":372},{"text":"أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. نَعْتُ لبعض صفات المنافقين، يظهرون الطاعة والإيمان، ويُبْطِنُون المكر والعصيان. قال ابن جرير: (﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: لتركهم الاحتكام إلى رسول الله - ﷺ -، وإعراضهم عنه إذا دُعُوا إليه).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. أي: وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلى التحاكم إلى كتاب الله وهدي رسوله ترى فريقًا منهم كارهين منكرين مستكبرين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي: وإن كان لهم -أي لهؤلاء المنافقين- حقٌّ عند من يدعونهم إلى كتاب الله ورسوله، لرأيتهم يأتون إلى رسول الله للمطالبة بحقهم مسرعين منقادين لحكمه وقضائه لاستخلاص حقهم. وقال مجاهد: (﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ قال: سِراعًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال النسفي: (قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين الحيف في قضائه، ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله، وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله ﵊، فمن ثمّ يأبون المحاكمة إليه).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي: إنما صفة المؤمنين إذا دعوا للتحاكم لله ورسوله عند الخصومة الانقياد الكامل وإعلان السمع والطاعة، فهؤلاء أهل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨].","vol":"5","page":373},{"text":"٤ - وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\nقال ابن عباس: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرَّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسق).\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الدارمي بسند صحيح عن زياد بن حُدَير قال: [قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه زَلَّةُ العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن عدي بن حاتم قال: [أتيت النبي - ﷺ -، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: \"يا عَدِيُّ اطْرَحْ عنك هذا الوثَن\"، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قال: \"أما إنّهم لم يكونوا يَعْبُدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحَلَّوا لهم شيئًا استَحَلُّوه، وإذا حَزَموا عليهم شيئًا حرَّموه\"] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن هانئ بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكم] (٣). والحَكَمُ: هو الحاكم، وحقيقته: الذي سُلِّمَ له الحُكم ورُدَّ إليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. قال قتادة: (﴿يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمرأه، ويترك ما نَهَيا عنه، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فيما مضى من ذنوبه، ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يُسْتَقبل). قال ابن كثير: (وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، يعني: الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كلِّ شَرٍّ في الدنيا والآخرة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الدارمي (١/ ٧١) من حديث زياد بن حُدَير، وانظر تخريج المشكاة (١/ ٢٦٩). قال الألباني: وسنده صحيح. وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٣٤) -توحيد التشريع- لمزيد من تفصيل هذا البحث.\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٧١) - أبواب تفسير القرآن، سورة التوبة، آية (٣١). وله شاهد عند الطبري (١٦٦٣٤) من حديث حذيفة موقوفًا.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٩٥٥). وانظر صحيح سنن أبي داود (٤١٤٥)، وصحيح الجامع (١٨٤١)، والإرواء (٢٦٨٢)، ورواه النسائي.","vol":"5","page":374},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٣ - ٣٥].\nقال ابن عباس: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: حزن النار). وقال قتادة: (كانوا في الدنيا يعملون وينصبون، وهم في خوف أو يحزنون). قلت: فأول لحظات السعادة الأبدية، والشعور بلذة الفوز والظفر، عند وضع أول قدم على باب الجنة.\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنّ أهل الجنة يتراءَون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرُهم. قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين] (١).\n٥٣ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾.\nفي هذه الآيات: فَضْحُ الله تعالى المنافقين في تأكيدهم الخروج للجهاد مع رسول الله - ﷺ - بالحلف وهم كاذبون. إنه من يطع الله ورسوله ينعم بنور الهداية ومن يعرض فما على الرسول إلا البلاغ المبين.\nفقوله: (﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾. إخبار عن حال أهل النفاق في استخدامهم أغلظ أيمانهم وأشدّها في الحلف لرسول الله - ﷺ - لئن أمرهم بالخروج إلى جهاد عدوه وعدو المؤمنين ليخرجن. قال القرطبي: (﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: أي طاقة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٦)، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٦١).","vol":"5","page":375},{"text":"ما قدروا أن يحلفوا). وقال مقاتل: (من حلف بالله فقد أجهد في اليمين). وقوله: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾. قال مجاهد: (قد عُرفت طاعتكم إليَّ أنكم تكذبون ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: يقول: إن الله ذو خبرة بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما، أو غير ذلك من أموركم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم بكل ذلك).\nوقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. أي: أخلصوا في اتباع كتابه وسنة نبيّه وذروا النفاق والرياء والكذب. قال النسفي: (صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم). وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾. أي: فإن تتولوا فإنه وبال ذلك عليكم، وضرره راجع إليكم، فإن الرسول عليه البلاغ -وهو ما حَفَلهُ الله تعالى- وأما أنتم فعليكم ما حُمِّلْتُم من التكليف ووجوب الإذعان لأمر الله والقيام بطاعته، فإن أبيتم وقعتم تحت سخط الله وتعرضتم لعقابه.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. أي: إن تطيعوا رسولكم ترشدوا وتصيبوا الحق وطريق الهداية إلى سعادتكم في الدارين.\nوقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. أي البلاغ بالوحي الذي فيه إقامة الحجة عليكم. قال ابن جرير: (يقول: فليس على محمد أيها الناس إلا أداء رسالة الله إليكم، وعليكم الطاعة، وإن أطعتموه لحظوظ أنفسكم تصيبون، وإن عصيتموه بأنفسكم فتوبقون).\n٥٥ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾.\nفي هذه الآيات: وَعْدُ الله تعالى المؤمنين الاستخلاف في الأرض والتمكين، فمن","vol":"5","page":376},{"text":"كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون. وأمْرٌ بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول الكريم. وتقرير عجز الكافرين عن الهروب من عذاب الله وماواهم النار ولبئس المصير.\nأخرج الحاكم والطبراني بسند رجاله ثقات عن أبي بن كعب ﵁ قال: [لما قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا ترون أنا نعيش حتى نكون آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ إلى وَمَن ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يعني بالنعمة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾] (١).\nوقد حصل وعد الله تعالى لرسوله - ﷺ - ولأصحابه من بعده، فقد أظهر الله نبيّه على مكة وخيبر والبحرين وسائر الجزيرة العربية وكامل أرض اليمن، وأخذ جزية مجوس هجر وبعض أطراف الشام، وهاداه هرقل والمقوقس والنجاشي ملك الحبشة بعد أصحمة. وتابع الصديق الفتوح بعده، فدانت له جزيرة العرب وبعث الجيوش إلى الشام وبلاد فارس ومصر، ففتحت دمشق وبصرى وبعض مناطق حوران في زمانه، وأكمل الفتوح من بعده عمر ﵁ ففتحت الشام في عهده بأكملها، وكذلك بلاد مصر وأغلب فارس، ثم تابع عثمان ﵁ حتى حكم أقصى المشارق والمغارب بالإسلام، وأذلّ جيوش الكفر والطغيان. وهذه الآية عامة في كل زمان ومكان، فهي موعود الله تعالى للمؤمنين الصادقين عبر الأيام.\nوالبشائر في ذلك كثيرة كما جاء في السنة العطرة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد وابن حِبّان بسند صحيح عن المقداد بن الأسود\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقات. والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\"- الوادعي- سورة النور، آية (٥٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٧١)، وأبو داود (٤٢٥٢)، وأحمد (٥/ ٢٧٨)، والترمذي (٢/ ٢٧)، وابن ماجة (٢٩٥٢).","vol":"5","page":377},{"text":"مرفوعًا: [ليبلغَنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذلّ به الكفر] (١).\nالحديث الثالث: روى أحمد والدارمي بسند حسن عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي، وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابًا قال: فقال عبد الله: [بينما نحن حول رسول الله - ﷺ - نكتب، إذ سئل رسول الله - ﷺ -: أيُّ المدينتين تفتح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله - ﷺ -: مدينة هرقل تفتح أولًا. يعني قسطنطينية] (٢).\nالحديث الرابع: روى أحمد في المسند، بسند صحيح عن حذيفة مرفوعًا: [تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت] (٣).\nوخلاصة الآية: وعدٌ من الله تعالى للمؤمنين القائمين بدينهم على منهاج النبوة بالاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف لِيُعْبَدَ الله وحده في الأرض لا شريك له ومن خرج بعد ذلك عن الطاعة فله عذاب عظيم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. أي أقيموا أيها الناس الصلوات التي فرضها الله عليكم بحدودها وأركانها وواجباتها وشروطها، وأدوا زكاة أموالكم على اختلاف أنواعها المفصلة في السنة المطهرة، واتبعوا هدي نبيكم -﵊- ولا تنحرفوا عنه ولا تبتدعوا فيه لتنالكم شفاعة ربكم ولتأمنوا عنده يوم القيامة.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه ابن حبان في صحيحه (١٦٣١)، (١٦٣٢)، ورواه أحمد والطبراني وجماعة من المحدثين. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣).\n(٢) حديث حسن الإسناد. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، والدارمي (١/ ١٢٦)، والحاكم (٣/ ٤٢٢).\nو\"رومية\"- هي رومة عاصمة إيطالية اليوم، وانظر السلسلة الصحيحة (٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٣)، وانظر المرجع السابق، حديث رقم (٥).","vol":"5","page":378},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: لا تحسبن -يا محمد- جولة الكفار مستمرة باقية، بل إنهم واقعون تحت مكر الله تعالى فلا يعجزونه، فإن الهلاك يهددهم في الدنيا، وعذاب جهنم نازل بهم لا محالة في الآخرة، ولبئس القرار لهم يومئذ والمأوى نار الجحيم.\n٥٨ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآيات: آداب رفيعة في استئذان الأقارب والأطفال والخدم، وبيان أوقات الأمر بذلك في ثلاثة أحوال: قبل صلاة الفجر حيث الناس نيامٌ على فرشهم، ووقت القيلولة مظنة الإنسان أن يضع ثيابه، ومن بعد صلاة العشاء فهو وقت النوم، وفي غير هذه الأوقات لا جناح عليهم في الدخول والحركة والتطواف في الخدمة ولو رأوا شيئًا من أوضاعكم للإذن لهم في ذلك. وإذا بلغ الأطفال الحلم فعليهم الاستئذان، ولا جناح على القواعد من النساء أن يضعن ثيابهن غير متبرجات، وأن يلتمسن العفاف والله سميع عليم.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال مجاهد: (عبيدكم المملوكون). وهي عامة في جميع أملاك الأيمان، من الذكور والإناث. فعن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن قال: (هي في الرجال والنساء، يستأذنون على كل حال، بالليل والنهار).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾. قال مجاهد: (لم يحتلموا من أحراركم). وقال","vol":"5","page":379},{"text":"عطاء: (فذلك على كل صغير وصغيرة أن يستأذن). وقوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾. أي: لبستأذنوا في ثلاثة أوقات من ساعات ليلكم ونهاركم. قال ابن عباس: (يقول: إذا خلا الرجل بأهله بعد صلاة العشاء، فلا يدخل عليه خادم ولا صبيّ إلا بإذن، حتى يصلِّي الغداة، فإذا خلا بأهله عند صلاة الظهر فمثل ذلك).\nوقوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. العورات هنا الساعات التي تكون فيها العَورة، والمعنى: هذه الخصال أو الأحوال ثلاث عورات في هذه الأوقات. قال ابن كثير: (فيؤمر الخدم والأطفال ألا يَهْجُموا على أهل البيت في هذه الأحوالى، لما يُخشى مني أن يكون الرجلُ على أهله، أو نجو ذلك من الأعمال، ولهذا قال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: إذا دخلوا في غير هذه الأحوال فلا جُناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك، ولا عليهم إذا رأوا شيئًا في غير تلك الأحوال، لأنه قد أذِنَ لهم في الهجوم، ولأنهم ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: في الخدمة وغير ذلك).\nوقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال ابن عباس: (ثم رخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن، يعني فيما بين صلاة الغداة إلى الظهر، وبعد الظهر إلى صلاة العشاء، أنه رخص لخادم الرجل والصبي أن يدخل عليه منزله بغير إذن، قال: وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ فأما من بلغ الحلُم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: كما بينت لكم أيها الناس أحكام الاستئذان في هذه الآية، كذلك يبين الله لكم جميع أعلامه (١)، وأدلته وشرائع دينه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده، حكيم في تدبيره إياهم، وغير ذلك من أموره).\nوقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (أما من بلغ الحُلُم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله، يعني من الصبيان الأحرار، إلا بإذن على كل حال). وقال عطاء: (واجب على الناس أجمعين أن يستأذنوا إذا احتلموا، على من كان من الناس). وقال ابن شهاب عن ابن المسيب: (يستأذن الرجل على أمه). وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. قال ابن\n_________\n(١) هكذا وقع في تفسير الطبري، ولعل الأصح \"أحكامه\" بدل \"أعلامه\".","vol":"5","page":380},{"text":"المسيب: (يقول: هكذا يبين الله لكم آياته، أحكامه وشرائع دينه، كما بين لكم أمر هؤلاء الأطفال في الاستئذان بعد البلوغ).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي: عليم بما يصلح لعباده من الآداب والتشريع وكل شيء من أحوالهم، حكيم في تدبيره وخلقه وتشريعه وتقديره.\nوقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. القواعد من النساء: أي اللواتي قعدن عن الولد من الكبر، فلا يحضن ولا يلدن، والواحدة قاعد. قال الرازي في \"مختار الصحاح\": (القاعد من النساء التي قعَدَت عن الولد والحيض). وعن سعيد بن جبير وقتادة: (﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: هُنَّ اللواتي انقطع عنهن الحيضُ ويَئِسْنَ من الولد). وعن مجاهد: (﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ قال: لا يردنه ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: جلابيبهن). وعن ابن مسعود قال: (الجلبابُ، أو الرِّداء).\nوالمقصود: مَنْ لم يبق لهن تشوّفٌ إلى التزويج من النساء القواعد فليس على إحداهن من الحَجْر في التَسَتُّر كما على غيرها، فلها أن تضع الجلباب والرداء يكون فوق الثياب عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء، غير متبرِّجات بزينة. وفي قراءة أبي بن كعب: \"أن يضعن من ثيابهن\".\nأخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية، فنسخ واستُثْنِيَ من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية] (١).\nوعن سعيد بن جبير: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، يقول لا يتبرّجن بِوَضْع الجلباب أن يُرى ما عليها من الزينة). والتبرج: هو إظهار المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تستره.\nفمقصود الآية: أنْ لا يُقابل الإذنُ لقواعد النساء بِوَضْع بعض ثيابهن تخفيفًا عليهن بإبراز الزينة أو تكلف ذلك أمام الرجال، فإن ذلك ينافي الحياء والعفاف.\nوقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. إرشاد للأفضل والأَوْلى، وهو تَرْكُ وضع الثياب مع وجود الجواز. قال القاسمي: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أي من\n_________\n(١) حسن الإسناد. أخرجه أبو داود (٤١١١) - كتاب اللباس، وانظر صحيح أبي داود (٣٤٦٤).","vol":"5","page":381},{"text":"وضع تلك الثياب ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ لأنه أبلغ في الحياء وأبعد من التهمة والمظنة. ولذا يلزمهن، عند المظنة، ألا يضعن ذلك. كما يلزم مثله في الشابة ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي فيسمع مقالهن مع الأجانب، ويعلم مقاصدهن من الاختلاط ووضع الثياب. وفيه من الترهيب ما لا يخفى).\n٦١. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾.\nفي هذه الآية: رفْعُ الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض وأمثالهم ممن لا يجب عليهم النفير للجهاد -وكذلك أنتم- في الأكل من بيوت القرابة كالآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والأخوال والخالات والأصدقاء. والأمْرُ بإلقاء السلام عند الدخول والله يبين الآيات لقوم يعقلون.\nأخرج البزار ورجاله رجال الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: [كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله - ﷺ - فيدفعون مفاتيحهم إلى ضُمَنائِهم (١) ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما أحببتم، فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا، إنهم أذنوا عن غير طيب نفس، فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ\n_________\n(١) الضمانة الزمانة، ضمن الرجل فهو ضَمنٌ أي زمن مبتلى.","vol":"5","page":382},{"text":"عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾] (١).\nوفي رواية الزهري: [فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طِيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء. فأنزل الله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾].\nوالمقصود: لا حرج على هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآية، أن يأكلوا من بيوت من ذكره الله فيها. وفائدة إقحام النفس بقوله: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أن المراد به ليس على الضعفاء المطعمين، ولا على الذاهبين إلى بيوت القرابات، أو مَنْ هو في مثل حالهم وهم الأصدقاء- حرج في الأكل من بيوت من ذُكِر.\nوعن الفرّاء: (قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي بيوت أزواجكم وعيالكم). أضافه إليهم، لأن بيت المرأة كبيت الزوج. وقال ابن قتيبة: (أراد بيوت أولادهم). فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء، لأن الولد من كسب الوالد، وماله بمنزلة مال أبيه.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [إن أطْيَبَ ما أكَلَ الرجلُ من كسْبِهِ، وإن ولَدَهُ من كسْبِهِ] (٢) وفي رواية: [إن أَطْيبَ ما أكَلْتُم من كَسْبِكُم، وإن أولادَكم مِنْ كَسْبِكُم]. وفي رواية عند أبي داود: [ولد الرجل من كسْبِهِ، من أطيب كسبِهِ، فكلُوا من أموالهم] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو: [أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنّ لي مالًا وولدًا، وإنَّ والدي يحتاج مالي؟ قال: أنت ومالكَ لوالدك، إنَّ أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البزار ورجاله رجال الصحيح. انظر الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي- سورة النور، آية (٦١)، وقال السيوطى في \"لباب النقول\": سنده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢١٣٧) - كتاب التجارات، باب الحث على المكاب. وانظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (١٧٣٨). وحديث رقم- (١٨٣٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٣٢٩) - كتاب الإجا زة. انظر صحيح أبي داود (٣٠١٤).\n(٤) حديث حسن صحيح. أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجة (٢٢٩٢)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٠١٣)، وصحيح ابن ماجة (١٨٣٦).","vol":"5","page":383},{"text":"ورواه ابن ماجة بلفظ. [جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إنّ أبي اجتاع مالي. فقال: أنت ومالُكَ لأبيك. وقال رسول الله - ﷺ -: إن أولادَكم مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكم، فكلوا مِنْ أموالهم].\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن جابر بن عبد الله: [أن رجلًا قال: يا رسول الله! إنّ لي مالًا وولدًا. وإن أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال: أَنْتَ ومَالُكَ لأبيك] (١).\nقال القاسمي في \"التفسير\": ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ يعني أموال المرء، إذا كان له عليهم قيّم ووكيل يحفظها له، أن يأكل من ثمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتح كونها في يده وحفظه).\nوقال ابن كثير في \"التفسير\": (وقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، أي: بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جُناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشقُّ عليهم ولا يَكْرَهون ذلك).\nقلت: وهذا فهم لطيف للآية، فإنه لا بد من الشعور بسماح الصديق بذلك وعدم إحراجه مع أهله. وعليه يفهم قول قتادة: (إذا دخلت بيتَ صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه). وفي الأثر عن جعفر الصادق: (من عظم حرمة الصديق، أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة، بمنزلة النفس والأب والأخ والابن).\nوقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. رخصة من الله تعالى أن يأكل الرجل وحده، ومع الجماعة، وإن كان الأولى والأفضل الأكل مع الجماعة رجاء حصول البركة.\nوقد جاءت الأحاديث الصحيحة بروائع هذا المعنى:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن وحشي: [أنهم قالوا: يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع. قال: فَلعَلَّكُم تأكلون متفرِّقين؟ قالوا: نعم. قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يُبَارَكْ لكمْ فيه] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني في \"الأوسط\" بسند حسن عن ابن عمر قال: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢٢٩١). وانظر صحيح ابن ماجة (١٨٥٥).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٣٢٨٦) - كتاب الأطعمة. باب الاجتماع على الطعام، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٦٥٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٦٤).","vol":"5","page":384},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [كلوا جميعًا ولا تتفرّقوا، فإنَّ طعامَ الواحد يكفي الاثنين، وطعامَ الاثنين يكفي الأربعة] (١).\nوله شاهد عنده في \"المعجم الكبير\" بلفظ: [طعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية، فاجتمعوا عليه، ولا تتفرقوا عنه].\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة -والترمذي نحوه- بسند حسن عن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كلوا جميعًا ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة. كلوا جميعًا ولا تفرقوا، فإن البركة في الجماعة] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الطحاوي بسند صحيح عن عبد الله بن عباس مرفوعًا: [إنّ البركة تنزل وسط القصعة، فكلوا من نواحيها، ولا تأكلوا من رأسها] (٣).\nوهو عند ابن ماجة من حديث واثلة بلفظ: [كلوا باسم الله مِنْ حَوالَيْها، وأعْفُوا رأسَها، فإنَّ البركة تأتيها مِنْ فوقها].\nوقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. قال الضحاك: (﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: يقول: سلموا على أهاليكم إذا دخلتم بيوتكم، وعلى غير أهاليكم، فسلموا إذا دخلتم بيوتهم).\nوقال سعيد بن جبير وقتادة: (فليسلم بعضكم على بعض).\nقلت: والآية عامة في أمر الله تعالى المؤمنين بإلقاء السلام بعضهم على بعض سواء في المساجد أو البيوت أو أماكن التقائهم على اختلاف أنواعها، ولا دليل على تخصيص شيء من ذلك دون شيء كما ذهب بعض المفسِّرين.\nونصب قوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ بتقدير: سلموا تحية، أو تحيّون أنفسكم تحية من عند الله، وهي السلام. قال النسفي: (﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه، والمحيا من عند الله\n_________\n(١) حسن بكثرة طرقه. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٧٥٩٧)، وانظر السلسلة الصحيحة -حديث رقم- (٢٦٩١). وانظر \"المعجم الكبير\" (٣/ ١٩٤/ ١). للشاهد بعده.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٣٢٥٥)، وله شاهد عند مالك (٢/ ٩٢٨/ ٢٠)، وعند الترمذي (١/ ٣٣٥)، وفي مسند أحمد (٢/ ٢٤٤)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٨٦).\n(٣) إسناده صحيح. أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٥٥)، وانظر سنن ابن ماجة (٢/ ٣٠٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٣٠).","vol":"5","page":385},{"text":"﴿مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق).\nفالسلام هو اسم الله تعالى، ففي التحية به ذكر الله ودعاء بالسلامة.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تَدْخلون الجنة حتى تُؤْمِنوا، ولا تُؤمنوا حتى تحابُّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فَعَلْتُموه تحابَبْتُم؟ أفشوا السلام بينكم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ السَّلامَ اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض، فأفشوا السلام بينكم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام] (٣). وفي رواية في الأدب المفرد: [تدخلوا الجنان].\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. أي: هكذا يفصل الله لكم أحكام دينكم، لتفقهوا عنه تعالى أمره ونهيه وأدبه وبيان شرعه وهديه.\n٦٢ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٤) - كتاب الإيمان. وفي رواية: \"والذي نفسي بيده! لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ... \" الحديث.\n(٢) حديث حسن. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٨٩). انظر صحيح الأدب المفرد (٧٦٠).\n(٣) حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٣٤٠)، وابن ماجة (٣٦٩٤)، وأحمد (٢/ ١٧٠). وانظر صحيح الأدب المفرد (٧٥٢).","vol":"5","page":386},{"text":"تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إرشادٌ من الله تعالى عباده المؤمنين إلى الأدب مع نبيهم - ﷺ -، فإذا دخلوا أو خرجوا فليستأذنوا ولا يتفرقوا إلا عن أمره. والنهي عن مناداة الرسول كمناداة غيره أو ظن دعائه كدعاء غيره. والوعيد الشديد على من تعمد مخالفة أمره، والله بكل شيء عليم.\nفقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾. قال ابن كثير: (وهذا أيضًا أدَبٌ أرشد الله عبادَه المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، ولا سِيَّما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- من صلاة جُمُعَةٍ أو عيد أو جماعة، أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. شهادةٌ من الله تعالى لملتزمي هذه الآداب الرفيعة مع نبيّهم بصدق الإيمان وكماله.\nوقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فإذا استأذنك يا محمد الذين لا يذهبون عنك إلا بإذنك في هذه المواطن لبعض شأنهم، يعني لبعض حاجاتهم التي تعرض لهم، فأذن لمن شئت منهم في الانصراف عنك لقضائها ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ﴾ يقول: وادع الله لهم بأن يتفضل عليهم بالعفو عن تبعات ما بينه وبينهم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لذنوب عباده التائبين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها، بعد توبتهم منها).\nقلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه الآداب العالية في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عمر: [أنه أتى النبي - ﷺ -، وهو في مشْرُبَةٍ له، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم! أيدخل عمر؟] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذى بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤/ ١٩٢)، والبخاري (٤٩١٣) نحوه، وأبو داود (٥٢٠١).","vol":"5","page":387},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [إذا انتهى أحدكُمْ إلى المَجْلِس فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأوك بأحقَّ من الآخرة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن ربعيّ، قال: [حدثنا رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي - ﷺ - وهو في بيت فقال: ألج؟ فقال النبي - ﷺ - لخادمه: \"اخْرُجْ إلى هذا! فَعَلِّمْهُ الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل \"؟ فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي - ﷺ -، فدخل] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى مرفوعًا: [إذا استأذن أحدُكم ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له فليرجِعْ] (٣).\nوقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فيه تأويلان متكاملان:\nالتأويل الأول: التحذير من مناداته باسمه، أو رفع الصوت بالنداء له.\nقال ابن عباس: (كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم الله ﷿ عن ذلك إعظامًا لنبيِّه - ﷺ -. قال: فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله). وقال مقاتل: (لا تُسَمُّوه إذا دعوتموه يا محمد، ولا تقولوا يا ابن عبد الله، ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله).\nوهذا المعنى كقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\nالتأويل الثاني: التنبيه إلى أن دعوته - ﷺ - مستجابة، ليست كأي دعاء من غيره.\nفعن الحسن البصري وعطية العوفي: (أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا).\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه أبو داود (٥٢٠٨)، والترمذي (٢٨٦١). انظر صحيح أبي داود (٤٣٤٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٥١٧٧) - في الأدب- باب كيف الاستئذان. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٤٣١٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٢٤٥)، ومسلم (٦/ ١٧٨)، وأبو داود (٥١٨٠).","vol":"5","page":388},{"text":"وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. قال مقاتل: (هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحاب محمد - ﷺ - حتى يخرجوا من المسجد).\nوقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. تهديد ووعيد، لكل متجرئ على مخالفة أمر رسول الله - ﷺ - وهديه. والمعنى: فليحذر من خالف شريعة الرسول - ﷺ - باطنًا وظاهرًا أن تصيبهم في قلوبهم فتنة: من كفر أو نفاق أو بدعة، أو يصيبهم عذاب أليم في الدنيا: بقتل أو حَدٍّ أو حبس أو نحوه، ذكره الحافظ ابن كثير ﵀.\nقلت: بل التهديد للمتجرئ على مخالفة الرسول - ﷺ - بالعذاب الأليم يشمل حصوله في الدارين: الدنيا والآخرة، وقد جاء هذا التحذير والوعيد في أكثر من حديث في السنة المطهرة:\nالحديث الأول: روى مسلم عن جابر قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احْمَرَّتْ عيناه، وعلا صَوْتُه، واشْتَدَّ غضبُه، حتى كانه مُنْذِرُ جَيْشٍ يقول: صَبَّحَكُمْ مَسّاكُمْ! ويقول: بُعِثْتُ أنا والساعةُ كهاتين. ويقرن بين إصْبَعَيْه السَبَّابَةِ والوُسْطى، ويقول: أما بَعْدُ، فإن خير الحديث كِتابُ الله، وخَيْرُ الهَدْي هَدْيُ محمد، وشَرُّ الأمور مُحْدثاتها، وكُلُّ بِدْعة ضلالة] (١).\nالحديث الثاني: يروي ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عمر: [أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تمنعوا إماءَ الله أن يصلين في المسجد\". فقال ابن له: إنا لنمنعهن، فقال، فغضب غضبًا شديدًا، وقال: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتقول: إنا لنمنعهن؟] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله حدّثه: [أنه سمع رجلًا من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر: عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال. فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله - ﷺ -: أَمْرُ أبي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٦٧) - كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (١٦). باب تعظيم حديث رسول الله - ﷺ - والتغليظ على من عارضه.","vol":"5","page":389},{"text":"يُتْبَع، أم أمْرُ رسول الله - ﷺ -؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله - ﷺ -. فقال: لقد صنعها رسول الله - ﷺ -] (١).\nوقد ذكر الإمام الشاطبي في \"الاعتصام\": (أن الزبير بن بكار قال: سمعت مالكًا بن أنس -وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة حيث أحرم رسول الله - ﷺ -. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تَفْعَل. قال: فإني أريد أنْ أُحْرِمَ من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأيُّ فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال الإمام مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله - ﷺ -، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. بيان لكمال علمه تعالى وقدرته، وتأكيد لكمال سلطانه وملكوته وجبروته.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\nقال ابن زيد: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ صنيعكم هذا أيضًا ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يقول: ويوم يَرْجِعُ إلى الله الذين يخالفون عن أمره ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ يقول: فيخبرهم حينئذ ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ في الدنيا، ثم يجازيهم على ما أسلفوا فيها، من خلافهم على ربهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٨٣٠). أبواب الحج. باب ما جاء في التمتع. وانظر صحيح سنن الترمذي (٦٥٨) وقال الألباني: صحيح الإسناد.","vol":"5","page":390},{"text":"﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقول: والله ذو علم بكل شيء عملتموه أنتم وهم وغيركم، وغير ذلك من الأمور، لا يخفى عليه شيء، بل هو محيط بذلك كله، وهو مُوفٍّ كل عامل منكم أجر عمله يوم ترجعون إليه). قال القرطبي: (و﴿يَعْلَمُ﴾ هنا بمعنى علم). وقال النسفي: (أدخل قد ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، والمعنى أن جميع ما في السماوات والأرض مختص به خلقًا وملكًا وعلمًا، فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجهدون في سترها).\nتم تفسير سورة النور\nبعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *","vol":"5","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الزاني الحر المحصن المكلف حدّه الرجم حتى الموت.\n٢ - الزاني غير الحر -العبد أو الأمة- لا رجم عليه، ويجلد خمسين جلدة.\n٣ - حَدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خيرٌ لأهل الأرض مِنْ أن يُمْطروا أربعين صباحًا.\n٤ - الزاني لا يطأ إلا زانية مثله أو مشركة، وحُزَمَ على المؤمنين نكاح الزانية أو تزويج الزاني، وإن الزنى من صفات المشركين.\n٥ - ثلاثة لا يدخلون الجنة: الدَّيوثُ، والرَّجُلةُ من النساء، ومدمنُ الخمر.\n٦ - قذف المحصنات الغافلات المؤمنات من السبع الموبقات.\n٧ - مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا، ويلحق الولد بالمرأة.\n٨ - براءة عائشة إلى يوم القيامة، والأصل في المؤمنين الظن بأنفسهم خيرًا.\n٩ - إنما جُعِلَ الاستئذان من أجل البَصَر، ومن اطَّلعَ في بَيْتِ قومٍ بغير إذنهم، فقد حَل لهم أن يفقؤوا عَيْنَه.\n١٠ - حقّ الطريق: غَضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.\n١١ - لا تباشر المرأة المرأةَ لتنعتها لزوجها، كأنما ينظر إليها.\n١٢ - وجوب ليِّ الخمار على العنق والصدر للمرأة، والوجه ليس بعورة.\n١٣ - المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها، ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو مَحْرم.\n١٤ - كلُّ عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرَّت بالمجلس فهي زانية.\n١٥ - النكاح من سنته - ﷺ -، ومن لم يعمل بسنته فليس منه، ومن كان ذا طَوْلٍ فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصيام، فهو له وجاء.","vol":"5","page":392},{"text":"١٦ - رغبّ الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى.\n١٧ - ثلاث حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف.\n١٨ - الله نور السماوات والأرض: أي منورهما وهادي أهلهما.\n١٩ - من بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثله.\n٢٠ - لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد، وإذا زَخْرَفْتُم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم.\n٢١ - إذا رأيتم من يبيع أو يبتاعُ في المسجد فقولوا: لا أربحَ الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردّها الله عليك.\n٢٢ - من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أَقرَّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسق.\n٢٣ - إن الله تعالى هو الحَكَمُ، وإليه الحُكم.\n٢٤ - ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، وستفتح روما كما فتحت قسطنطينية، وستكون خلافة على منهاج النبوة.\n٢٥ - العورات -في الآية-: الساعات التي تكون فيها العورة، فلا يدخل الخادم أو الصبي إلا بإذن.\n٢٦ - القواعد من النساء: هن اللواتي قعدن عن الولد من الكبر، فلا يحضن ولا يلدن، والواحدة قاعد. فليس على إحداهن من الحَجْر في التستر كما على غيرها.\n٢٧ - رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، وأطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كَسْبه.\n٢٨ - كلوا جميعًا ولا تتفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وإن البركة في الجماعة.\n٢٩ - اعبدوا الرحمان، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام، وإذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذن له فليرجع.\n٣٠ - مخالفة أمره - ﷺ - مظنة الوقوع في الفتنة، أو نزول العذاب الأليم.\n* * *","vol":"5","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>٢٥ - سورة الفرقان</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٧٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>موضوع السورة</span>\nالفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-192> منهاج السورة</span>-\n١ - ثناء الله تعالى على نفسه منزل الفرقان بين الحق والباطل قد أحسن كل شيء خلقه، فهو الملك الأحد الصمد والمشركون هم الخاسرون.\n٢ - افتراء الكفار على الوحي والرسول بالاتهام والتكذيب، وتوعد الله لهم بالنكال والتعذيب.\n٣ - تنطع المشركين في طلب الآيات والمعجزات، وتكذيبهم بالساعة والبعث بعد الممات.\n٤ - دعوةُ الكافرين لمقارنة منازل النعيم مع مدارك الجحيم، وتبرؤ عيسى وعزير والملائكة من عبادة الظالمين.\n٥ - إثبات بشرية الرسل، وإخبار عن شقاء المشركين يوم يرون الملائكة، والمؤمنون يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا.","vol":"5","page":394},{"text":"٦ - تَفَطُّر السماء يوم القيامة، ونزول الملائكة لأرض المحشر وندم الظالمين، وانتصار الرسول للقرآن الكريم.\n٧ - تنطّعُ الكافرين واعتراضهم على نزول القرآن مفرقًا لا جملة واحدة، وحكمة الله في ذلك تخرسهم، ويوم القيامة يحشرون أذلاء على وجوههم.\n٨ - تسلية الله رسوله عما يلقاه من أذى المشركين، بذكر أحوال الرسل قبله وإهلاك الظالمين.\n٩ - تَمَسُّكُ المشركين بدين الآباء الفاسد، وتشبيههم بالأنعام بل هم أضل سبيلًا.\n١٠ - امتنان الله على عباده بنعمة الظل والليل والنهار والرياح والمطر.\n١١ - تحميلُ الله نبيّه كامل مهمة الإنذار للثقلين، والأمر بمجاهدة المشركين بالقرآن الكريم، وتذكيره تعالى عباده بنعمة الماء العذب والماء المالح والتزاوج والنسب والصهر والمودة والرحمة.\n١٢ - توبيخُ الكفار في عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم، وأمره تعالى نبيّه بالتوكل عليه وتنزيهه، وهم يكفرون بالرحمان، ولا يسجدون له بل يزدادون من المكر والطغيان.\n١٣ - تنزيه الله تعالى الذي خلق البروج في السماء والشمس والقمر، وجعل الليل والنهار متعاقبين لمن أراد أن يشكر أو يذكر.\n١٤ - ثناء الله على عباده المؤمنين، فهم يمشون على الأرض هونًا، ويبيتون لربهم\nسجدًا وقيامًا، ولا يسرفون ولا يزنون ولا يقتلون النفس التي حزم الله، والله تعالى يعفو عن التائبين. ولا يشهدون الزور ويبتعدون عن اللغو ويثابرون في الدعاء سائلين الله أن يقر أعينهم في أزواجهم وذرياتهم ويجعلهم قدوة للمتقين.\n١٥ - جزاء التقوى جنات النعيم، وجزاء التكذيب بالحق الخزي في الدارين.\n* * *","vol":"5","page":395},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تقديسُ الله منزل الفرقان بين الحق والباطِل، المَلِك الأحد الصمد لم يتخذ ولدًا ولا شريك له في الملك وقد أحسن كل شيء خَلقَه، والمشركون خائبون في اتخاذهم آلهة من دونه لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا ولا تستطيع إماتة ولا إحياء ولا نشورًا.\nفقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.\nقال الضحاك عن عبد الله بن عباس: (تبارك: تَفاعَلَ من البركة). فالمعنى كما قال ابن جرير: (يقول: تبارك الذي نَزَّلَ الفصل بين الحق والباطل، فصلًا بعد فصل، وسورة بعد سُورة، على عبده محمد - ﷺ -، ليكون محمد لجميع الجن والإنس، الذي بعثه الله إليهم داعيًا إليه، نذيرًا: يعني منذِرًا يُنذرهم عِقابه، ويخوّفهم عذابه، إن لم يوحدوه، ولم يخلصوا له العبادة، ويخلَعوا كل ما دونه من الآلهة والأوثان).\nوقد وصف الله تعالى نبيّه في هذه الآية بأجمل صفة له، وهي صفة العبودية، فقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ نعت مدح وثناء، لأنه أضافه إلى عبوديته جل ثناؤه. وقد تكررت هذه الصفة العطرة في القرآن، في مدح نبينا ﵊.\n١ - ففي مقام الإسراء، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ","vol":"5","page":396},{"text":"الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].\n٢ - وفي مقام إثبات التنزيل، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].\n٣ - وفي مقام الدعوة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس: سمع عمرَ ﵁ يقولُ على المِنْبَرِ، سمعت النبي - ﷺ - يقول: [لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عَبْدُهُ، فقولوا: عَبْدُ الله ورسولُهُ] (١).\nكما وصفه بأنه -﵊- مبعوث إلى الثقلين: الجن والإنس. فقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ إثبات رسالته إلى جميع الخلق.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطيتُ جوامِعَ الكلِم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لي المَغَانِمُ، وَجُعِلَتْ ليَ الأرض طهورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، وَخُتِمَ بيَ النبيُّون] (٢).\nوقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾.\nإثباتُ الملك الكامل لله تعالى، وتنزيهٌ له سبحانه عن الشريك والولد.\nوقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. أي: أحدث كل شيء وحده فأحسن خلقه، وهيأه لما يصلح له بلا خلل، فالإنسان في أحسن تقويم، وجميع الخلق كذلك في أحسن تقدير، فتبارك الله أحسن الخالقين.\nوقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. تَعَجُّبٌ من اتخاذ المشركين آلهة عاجزة عن الخلق، مع أن الخلق أهم صفات الإله. قال القرطبي: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ يعني الآلهة. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لمَّا اعتقد المشركون فيها أنها تضرّ وتنفع، عبَّر عنها كما يُعَبِّرُ عما يعقل).\nوقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. أي: لا دفع ضرّ وجلب نفع، فحذف\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٤٥) - كتاب أحاديث الأنبياء، وانظر (٦٨٣٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٢٣) - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ورواه أحمد والبخاري.","vol":"5","page":397},{"text":"المضاف. قال النسفي: (ولا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها ولا جلب نفع إليها).\nوقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾. النشور: الإحياء بعد الموت، وهذه صفة يتحدى الله تعالى بها الخلق جميعًا. كما قال جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].\nوقال جل ثناؤه: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤].\nقال القاسمي: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ أي: لا يملكون دفع ضر ولا جلب نفع ولا إماتة أحد وإحياءه أوّلًا وبعثه ثانيًا. ومن كان كذلك فبمعزل عن الألوهية، لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها. وفيه تنبيه على أن الإله يجب أن يكون قادرًا على البعث والجزاء. أفاده القاضي).\n٤ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: افتراء الكفار على الوحي والرسول بالاتهام والتكذيب، وَتَوعُّدُ الله -الذي أنزل هذا القرآن- المعاندين بالنكال والتعذيب.\nفقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ - هو قول الكفار في القرآن يزعمون أن محمدًا - ﷺ - اختلقه وتخرّصه. والإفك: الكذب. وقوله: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. قال مجاهد: (يهود). قال ابن كثير: (أي: واستعان على جَمْعه بقوم آخرين).\nوقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾. قال ابن جريج، عن مجاهد: (قال: كذبًا). قال القاسمي: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا﴾ أي بجعل الصدق إفكًا، والبريء عن الإعانة معينًا. ﴿وَزُورًا﴾ أي باطلًا لا مصداق له، يعلمون من أنفسهم أنه باطل وبهتان).","vol":"5","page":398},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. أي: وزعموا أن ما جاء به من هذا الوحي العظيم إنما هو من كتب الأوائل استنسخها فهي تقرأ عليه أول النهار وآخره. قال ابن جريج: (﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أشعارهم وكهانتهم). قال ابن كثير: (وهذا الكلامُ -لسَخافتِه وكذِبهِ وبَهْتِهِ منهم- كُلُّ أحد يعلم بطلانه، فانه قد عُلِمَ بالتواتر وبالضرورة: أن محمدًا رسول الله لم يكُنْ يُعاني شيئًا من الكتابة، لا في أول عُمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أوَّلِ مَوْلدِهِ إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخَلَه ومخرجه، وصِدْقه وبرَّه وأمانتَه ونزاهَتَه من الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم لم يكونوا يُسَمُّونه في صِغَره وإلى أن بُعثَ إلا الأمينَ، لما يَعْلَمون من صِدْقِهِ وبِرِّه. فلما أكرَمَهُ الله بما أكرَمَهُ به، نصبوا له العداوةَ، ورمَوْه بهذه الأقوال التي يعلَم كلّ عاقل براءَته منها، وحاروا ماذا يقذفونه به، فتارةً من إفكهم يقولون: ساحرٌ، وتارةً يقولون: شاعرٌ، وتارةً يقولون: مجنونٌ، وتارةً يقولون: كذابٌ، قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨]).\nوقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. تسكيت لهم وزجْرٌ لافترائهم وقرْعٌ لكذبهم. فهذا الوحي العظيم، هو كلام رب العالمين، أنزله بعلمه، فهو الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض وأسرارهما.\nفَعن ابن جريج: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: ما يسرّ أهل الأرض وأهل السماء). قال النسفي: (﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿أَنْزَلَهُ﴾ أي القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي يعلم كل سرّ خفي في السماوات والأرض، يعني أن القرآن لما اشتمل على علم الغيوب التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد ﵊ من غير تعليم دل ذلك على أنه من عند علام الغيوب).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال القرطبي: (يريد غفورًا لأوليائه رحيمًا بهم).\n٧ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ","vol":"5","page":399},{"text":"جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: التفاتُ المشركين إلى النقد البارد لطبيعة شخص من أرسل إليهم، وانصرافهم عن الوحي العظيم المنزل بشأنهم لنجاتهم وسعادتهم، فهم كالأقوام من أمم الرسل قبلهم يحتجون على الرسول بأنه يأكل مثلهم ويدخل الأسواق للتكسب والتجارة، ويتنطعون في طلب الآيات والمعجزات والخيالات، وقد كذبوا بالساعة وقد توعدهم الله بسوء العذاب ونوال النكال.\nفقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾.\nقال ابن جرير: (وقال المشركون ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾: يعنون محمدًا - ﷺ -، الذي يزعم أن الله بعثه إلينا ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ كما نأكل، ﴿وَيَمْشِي﴾ في أسواقنا كما نمشي. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾: يقول: هلا أنزل إليه ﴿مَلَكٌ﴾ إن كان صادقًا من السماء ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ منذرًا للناس، مصدّقًا له على ما يقول، أو يلقى إليه كنز من فضة أو ذهب، فلا يحتاج معه إلى التصرف في طلب المعاش ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ يقول: أو يكون له بستان ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾).\nوقوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. قال القاسمي: (أي مغلوبًا على عقله).\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. توبيخ للمشركين وتسخيف لحججهم الدالة على تفاهة عقولهم، إذ تجرؤوا على القدح بنبوّتك يا محمد بأساليب سخيفة فخسروا طريق الهداية وحُوصروا في باطلهم. قال ابن عباس: (﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي التمسوا الهدى في غير ما بعثتك به إليهم فضلوا، فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهُدى في غيره).\nوقال مجاهد: (﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال: مَخْرجًا يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك).","vol":"5","page":400},{"text":"وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾. قال ابن عباس: (من أن تمشي في الأسواق، وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس).\nوقال مجاهد: (مما قالوا وتمنّوا لك، فيجعل لك مكان ذلك ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قال: بيوتًا مبنية مشيدة، كان ذلك في الدنيا، قال: كانت قريش ترى البيت من الحجارة قصرًا كائنًا ما كان). فالمعنى: تقدّس الذي إن شاء جعل لك يا محمد خيرًا مما قالوا وتخيّلوا، بساتين ثمار وجمال، تجري من تحتها الأنهار، وبيوتًا مبنية مشيدة من حجارة وزخارف وعمران، ولكن اقتضت حكمته أن يكون الجهاد في الدنيا لإعلاء كلمة الحق لا لسكن القصور والنظر في الأموال، وأن يكون هذا القرآن بما بسط الله فيه من الآيات البديعة مصدر الإيمان والاستدلال، وقد هيأ الله في الدار الآخرة من النعيم لرسله وأوليائه ما يعجز عنه الوصف والخيال، فسبحان الله الكريم الحكيم المتعال.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾.\nأي: بل أتوا بأعجب من ذلك الذي تنطّعوا به، وهو تكذيبهم بالساعة، وقد قضى الله تعالى لمن كذب بالساعة نارًا يصلاها ويذوق سعيرها ولهبها.\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾.\nقال النسفي: (أي إذا كانت منهم بمرأى الناظرين في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت التغيظ والزافر، أو إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبًا على الكفار).\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يخرجُ عُنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، يقول: إني وُكِّلت بثلاث: بكل جَبَّار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصوِّرين] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾. معنى مقرَّنين: مُكتَّفين مقيدين مسلسلين بالأغلال. وعن الضحاك: (﴿ثُبُورًا﴾ أي هلاكًا). وقال ابن عباس: (ويلًا).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٥٧٤)، وقال: حسن غريب صحيح. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥١٢).","vol":"5","page":401},{"text":"قال القاسمي: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي هلاكًا. أي نادوه نداء المتمني الهلاك، ليسلموا مما هو أشد منه. كما قيل: أشد من الموت ما يُتمنى معه الموت).\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾. قال ابن عباس: (أي: لا تدعوا اليوم ويلًا واحدًا، وادعوا ويلًا كثيرًا).\nوعن الضحاك: (الثبور: الهلاك). قال ابن كثير: (والأظهر أن الثُّبور يجمع الهلاك والويل والخسارَ والدَّمار، كما قال موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي: هالكًا).\nوفي مستدرك الحاكم بسند حسن عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ أهل النار ليَبْكونَ حتى لو أُجْرِيت السفن في دموعهم جَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم] (١).\n١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: دعوةُ الكافرين لمقارنة منازل النعيم مع مدارك الجحيم، فالمتقون في جنات ونعيم، ومقام كريم، خالدين في الملذات وفي رضوان رب العالمين.\nفقوله: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾.\nقال القرطبي: (قيل: إنما قال ذلك لأن الجنة والنار قد دخلتا في باب المنازل، فقال ذلك لتفاوت ما بين المنزلتين).\nفالمعنى: قل -يا محمد- لهؤلاء الأشقياء الذين سلكوا سبيل الجحيم، والجلوس في السعير مُقَرَّنِينَ، والخلود في مضايق جهنم بأنهم كانوا مجرمين، أذلك خير لكم أم طاعة الله التي كانت توردكم حياض النعيم، والتلذذ بألوان الطعام والشراب والملذات مع المتقين!؟\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥)، وابن ماجة (٤٣٢٤) من حديث أبي موسى، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧٩).","vol":"5","page":402},{"text":"وقوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾. أي ثوابًا ومستقرًا ومرجعًا.\nقال النسفي: (وإنما قيل كانت لأن ما وعد الله كأنه كان لتحققه، أو كان ذلك مكتوبًا في اللوح قبل أن خلقهم).\nوقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾. أي من ألوان الملذات وأشكال النعيم.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٤ - ٥٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣١ - ٣٦].\nومن روائع السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [غدوةٌ في سبيل الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفُها على رأسها خير من الدنيا وما فيها] (١). والنصيف: الخمار.\nالحديث الثاني: أخرج مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يقول الله ﷿: أعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، ذُخْرًا، بَلْهَ ما أطلعكم الله عليه] (٢). ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي والدارمي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [مَوْضِعُ سَوْطِ أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وقرأ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري (١١٥٠) و(١١٥٢)، وصححيح الجامع (٤٠٢٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٢٤) ح (٤). وأخرجه ابن ماجة (٤٣٢٨) - في صفة الجنة.","vol":"5","page":403},{"text":"عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾] (١).\nوقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. أي: هم في هذا النعيم في خلود لا انقطاع له.\nوقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾.\nقال ابن عباس: (فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه).\nوقال ابن زيد: (سألوه إياها في الدنيا، طلبوا ذلك فأعطاهم وعدهم، إذ سألوه أن يعطيهم، فأعطاهم، فكان ذلك وعدًا مسؤولًا، كما وقَّت أرزاق العباد في الأرض قبل أن يخلقهم، فجعلها أقواتًا للسائلين، وقَتَ ذلك على مسألتهم، وقرأ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]).\nوكان بعض أهل العربية يرى أن معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: وعدًا واجبًا. لابد أن يقع وأن يكون، حكاه ابن جرير في التفسير.\n١٧ - ١٩. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الخزي الذي ينتظر المشركين يوم الحشر في عبادتهم آلهة من دون الله، وتبرؤ عيسى وعزير والملائكة ممن عبدوهم، والظالمون في عذاب كبير.\nفقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ - تقريع وتوبيخ للكفار يوم القيامة في عبادتهم آلهة من دون الله. قال مجاهد: (عيسى، وعُزير، والملائكة).\nوقوله: ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾.\nخطاب من الله تعالى للذين كان هؤلاء المشركون قائمين على عبادتهم.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٠١٧) و(٣٢٨٨)، والدارمي (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، والحاكم (٢/ ٢٩٩)، وأحمد (٢/ ٤٣٨)، وانظر صحيح ابن ماجة (٣٤٩٥).","vol":"5","page":404},{"text":"قال ابن جرير: (يقول: أأنتم أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغيّ والضلالة، حتى تاهوا وهلكوا، أم هم ضلوا السبيل، يقول: أم عبادي هم الذين ضلوا سبيل الرشد والحق، وسلكوا العطب).\nوقوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. يجيب به المعبودون يوم القيامة. وهي كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧].\nوكقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١].\nوكذلك في هذه الآية: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواك، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك. بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أَمْرِنا ولا رِضانا ونحن بُرآءُ منهم ومن عبادتهم).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾. أي طال عليهم العمر وهم منغمسون في شهواتهم حتى نسوا الذكر وقست قلوبهم.\nقال القاسمي: (ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم، ليعرفوا حقها ويشكروها، فانهمكوا في الشهوات حتى نسوا الذكر، أي ذكرك. أو التذكر في آلائك، والتدبر في آياتك، فجعلوا أسباب الهداية، بسوء اختيارهم، ذريعة إلى الغواية- أفاده أبو السعود).\nوقوله: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. قال ابن عباس: (هلكى). وقال الحسن: (هم الذين لا خير فيهم). وقال ابن زيد: (يقول: ليس من الخير في شيء. البور: الذي ليس فيه من الخير شيء). والمقصود: فكانوا بكفرهم وانغماسهم في غيهم وشهواتهم هالكين.\nوقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾. قال مجاهد: (عيسى وعزير والملائكة، يكذِّبون المشركين بقولهم). والمقصود: تبرؤ الذين عُبِدوا من دون الله مِمَّن عَبدوهم.\nقال النسفي: (ومعناه: فقد كذبوكم بقولهم: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من","vol":"5","page":405},{"text":"دونك من أولياء. قال: وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول).\nوفي التنزيل نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركَه] (١).\nوقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. قال ابن جريج: (لا يستطيعون صرف العذاب عنهم، ولا نصر أنفسهم). وقال مجاهد: (المشركون لا يستطيعونه).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾. قال ابن جريج: (﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾: بشرك). وقال الحسن: (هو الشرك). قال ابن جرير: (ومن يشرك بالله فيظلم نفسه، فذلك نذقه عذابًا كبيرًا).\n٢٠ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات بشرية الرسل، وطلب المشركين تنزل الملائكة عليهم استكبارًا وغرورًا، وإخبار الله تعالى عن شقائهم يوم يرون الملائكة ويقولون حجرًا محجورًا. وأما المؤمنون فهم يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا.\nفقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٨٥) - كتاب الزهد. باب تحريم الرياء.","vol":"5","page":406},{"text":"الْأَسْوَاقِ﴾. تأييد للنبي - ﷺ - واحتجاج من الله تعالى على مشركي قومه الذين استنكروا بشرية الرسول وأكله الطعام ودخوله الأسواق للتكسب والتجارة.\nقال ابن جرير: (فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا مَنْ إنهم ليأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، كالذي تأكل أنت وتمشي، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. يشمل التفاوت بين الناس واصطفاء الرسل والأنبياء. قال الحسن: (يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرًا مثل فلان، ويقول هذا الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيًا مثل فلان، ويقول هذا السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحًا مثل فلان).\nوقال ابن جريج: (يُمْسِك عن هذا، ويوسِّع على هذا، فيقول: لم يعطني مثل ما أعطى فلانًا، ويبتلي بالوجع كذلك، فيقول: لم يجعلني ربي صحيحًا مثل فلان، في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع).\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ قال: يقول الله: لو شئت أن أجعلَ الدنيا مع رسلي فلا يخالَفون، لَفَعلتُ، ولكنّي قد أردت أن أبتليَ العِبادَ بهم، وأبتليهم بهم).\nوفي صحيح مسلم من حديث عِياضِ بن حِمارٍ المُجَاشِعيِّ مرفوعًا: [وإن الله نَظَرَ إلى أهل الأرض فَمَقَتَهم، عربَهُم وعَجَمَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وأبْتَلِيَ بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يَغْسلُهُ الماءُ، تَقْرَؤُهُ نائمًا ويقظان] (١).\nويوم خُيِّرَ النبي - ﷺ - بين مقام الملك ومقام العبودية اختار المقام الثاني لشرفه وعلوه.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: [جلس جبريل إلى النبي - ﷺ - فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزلَ منذ خُلِقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربك:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٦٥) - كتاب الجنة ونعيمها، في أثناء حديث طويل.","vol":"5","page":407},{"text":"أملكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول الله - ﷺ -: لا، بل عبدًا رسولًا] (١).\nوقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾. قال ابن جريج: (إن ربك لبصير بمن يجزع، ومن يصبر).\nوقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ الآية. فيه تأويلان متكاملان:\nالتأويل الأول: قال ابن جريج: (قال كفار قريش: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيخبرونا أن محمدًا رسول الله - ﷺ - أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾).\nوهذا الذي طلبوه يشبه ما حكى الله عنهم في سورة الإسراء حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].\nالتأويل الثاني: ذكره الحافظ ابن كثير حيث قال: (لولا أنزل علينا الملائكة: أي بالرسالة كما تنزل على الأنبياء).\nوهو كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [١٢٤].\nفأجابهم الجبار سبحانه بأنهم لن يروا الملائكة في يوم خير لهم، بل في يوم شؤم عليهم، وشر يحيط بهم، وهو ساعة الاحتضار، حين تبشرهم الملائكة بالنار، والغضب من الجبار، كما قال جل وعزّ في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٣١) بسند صحيح على شرط مسلم، وأخرجه ابن حبان (٦٣٦٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٠٢).","vol":"5","page":408},{"text":"فبشرهم بقدوم الملائكة في أحرج ساعات حياتهم، وهم يبسطون أيديهم إليهم بالضرب والإزعاج وتقطيع العصب، أحوج ما يحتاجون إلى من يخفف عنهم سكرات الموت وآلام النزع والفراق، ليرون خلاصة تكذيب المرسلين في هذه الدقائق الحالكة، والملائكة ينهالون عليهم بالضرب والنَّهْرِ والإيلام، كما قال جل ذكره في سورة الأنفال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]. وكما قال في سورة محمد: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧].\nوقد أخرج الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن عن البراء مرفوعًا: [.. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب ..] الحديث (١).\nفتأبى الأرواح الخروج من أجسادهم فتفرق في البدن، فيضربونه لينتزعونها وقد تقطع مع خروجها العروف والعصب.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾. قال مجاهد: (يعني يوم القيامة). وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال الضحاك: (تقول الملائكة: حرامًا محرمًا أن تكون لكم البشرى). وقال قتادة: (هي كلمة كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا نزل به شدة قال: حجرًا، يقول: حرامًا محرّمًا). فأصل الحِجْر في كلام العرب: الحرام.\nومن ثمَّ فللآية تأويلان ممكنان:\nالتأويل الأول: قول مجاهد: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ قال: يوم القيامة، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قال: عوذًا معاذًا، الملائكة تقوله).\nالتأويل الثاني: أنه خبرٌ من الله عن قيل المشركين إذا عاينوا الملائكة. قال ابن جُريج: (حِجْوًا: عوذًا يستعيذون من الملائكة).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.\nقال مجاهد: (﴿وَقَدِمْنَا﴾: عَمَدنا، ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ يقول: فجعلناه\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وأخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١)، وصححه الألباني في أحكام الجنائز فقرة (١٠٨).","vol":"5","page":409},{"text":"باطلًا، لأنهم لم يعملوه لله وإنما عملوه للشيطان).\nقال القرطبي: (فأما الهباء المنبث فهو ما تثيره الخيل بسنابكها من الغبار. والمنبث: المتفرق).\nأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي عامر الألهاني، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [لأعْلَمَنَّ أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضًا، فيجعلها الله هباءً منثورًا. قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، جَلِّهِمْ لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانْكم، ومِنْ جِلْدَتِكُم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله لا يَظلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعطي بها في الدنيا ويَجْزِي بها في الآخرة، وأما الكافر فَيُطْعَمُ بحسناتِ ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تَكُنْ له حَسَنَةٌ يُجْزَى بها] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\nقال ابن عباس: (إنما هي ضَحْوَةٌ، فيقيلُ أولياء الله على الأسرَّةِ مع الحور العين، ويقيلُ أعداءُ الله مع الشياطين مُقَرَّنين).\nوقال سعيد بن جبير: (يفرغ الله من الحساب نصفَ اللهار، فيقيلُ أهل الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾).\nوعن قتادة: (﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أي: مأوى ومنزلًا).\nقال النسفي: (والمستقر: المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم يتجالسون ويتحادثون. ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾: مكانًا يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، ولا نوم في الجنة، ولكنه سمى مكان استراحتهم إلى الحور مقيلًا على طريق التشبيه).\nوفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ - قال: [إن في الجنة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٢٤٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٠٥)، وأبو عامر الألهاني اسمه عبد الله بن غابر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨) - كتاب صفات المنافقين، ح (٥٦)، (٥٧).","vol":"5","page":410},{"text":"خيمةً مِنْ لُؤلؤة مُجَوَّفة، عَرْضُها سِتُّونَ مِيلًا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون] (١). وفي رواية:\n[إن للمؤمنينَ في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضًا].\nوفي لفظ آخر: [الخيمة درّة طولها في السماء ستون ميلًا، في كل زاوية أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون].\nقال ابن القيم: (وهذه الخيم غير الغرف والقصور، بل هي خيام في البساتين وعلى شواطئ الأنهار).\n٢٥ - ٣١. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.\nفي هذه الآيات: تَفَطُّرُ السماء يوم القيامة وانفراجها بالغمام ونزول الملائكة لأرض المحشر وكان يومًا على الكافرين عسيرًا. ونَدَمُ الظالم وعضّه على يديه متمنيًا أن لو كان قد اتخذ مع الرسول سبيلًا، ولم يتخذ فلانًا من أصحاب السوء خليلًا. وقولُ الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا. وعداوة المجرمين للأنبياء والمرسلين والصالحين وكفى بالله هاديًا ونصيرًا.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.\nإخبار من الله ﷿ عن أهوال القيامة من انشقاق السماء وتفطّرها وانفراجها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٧٩) - كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (٢٨٣٨) ح (٢٤)، وأخرجه الترمذي (٢٥٢٨)، وأحمد (٤/ ٤١١)، وابن حبان (٧٣٩٥).","vol":"5","page":411},{"text":"بالغمام ونزول الملائكة من السماء للإحاطة بالخلائق في أرض المحشر ثم مجيء الرب ﵎ لفصل القضاء.\nقال مجاهد: (وهذا كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]).\nقال القاسمي: (﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أي ينصدع نظامها فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما يرى اليوم. فيخرب العالم بأسره. و\"الباء\" بمعنى \"مع\" أي مع السحب الجوية. أو بمعنى \"عن\" أي تنفطر عن الغمام الذي يسوِّد الجو ويظلمه، ويغم القلوبَ مرآه ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ فيحيطون بالخلائق في المحشر).\nوقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.\nالمُلْكُ الثابت يومئذ لله تعالى، وكل ملك دونه يزول، فلا يبقى يومئذ إلا ملكه.\nوكان ذلك اليوم شديد العسرة والضيق على الكافرين، لأنه يوم الفصل وكشف السرائر وإقامة العدل والحق المبين.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩، ١٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (١). وفي لفظ مسلم: [ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون].\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله قال: [جاء رجلٌ من أهل الكتاب إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا أبا القاسم! إن الله يُمْسِكُ السماوات على إصْبَع، والأرضين على إصْبَع، والشَّجَرَ والثَّرَى على إصْبَعٍ، والخلائق على إصْبَعٍ، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٢) - كتاب التفسير، وانظر صحيح مسلم (٢٧٨٨)، وسنن أبي داود (٤٧٣٢)، ومسند أبي يعلى (٥٥٥٨) من حديث ابن عمر.","vol":"5","page":412},{"text":"قال: فرأيت النبي - ﷺ - ضَحِكَ حتى بَدَتْ نواجِذُهُ، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.\nبيان لندم الظالم يوم القيامة غاية الندم، حتى يعض على يديه من شدة ما اجترح من الآثام، ورفقة سيِّئ الخِلّان، حتى أسرف على نفسه بالكبر والكفر وطاعة الشيطان، وهنالك يتبرأ اللعين منه ويخذله كما خذله في الدنيا عن طاعة ربه، وزين له المعصية ليركبها، ومازال يمنيه الطاعة ليسوِّفها.\nأخرج أبو نعيم في (الدلائل)، وابن مردويه بسند يرقى للحسن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: [أنّ أبا معيط كان يجلس مع النبي - ﷺ - بمكة لا يؤذيه، وكان رجلًا حليمًا، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلًا فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشدّ مما كان أمر! فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صَبَأ، فبات بليلة سوء! فلما أصبح أتاه أبو معيط فَحَيَّاه فلم يردّ عليه التحية فقال: ما لك لا تردّ عليَّ تحيتي؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟ فقال: أو قد فعلتها قريش؟ قال: فما يبرئ صدورهم إنْ أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه وتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم ففعل، فلم يزد النبي - ﷺ - أن مسح وجهه من البزاق ثم التفت إليه فقال: إن وجدتك خارجًا من جبال مكة أضرب عنقك صبرًا، فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا، قال: قد وعدني هذا الرجل إنْ وجدني خارجًا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرًا، فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم فلما هزم الله المشركين وَحَلَ (٢) به جمله في جدد من الأرض، فأخذه رسول الله - ﷺ - أسيرًا في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط، فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: نعم، بما بزقت في وجهي، فأنزل الله في أبي معيط: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٦) ح (٢١) - كتاب صفات المنافقين، باب صفة القيامة والجنة والنار. وفي رواية أنه قرأ الآية كلها [الزمر: ٦٧].\n(٢) أي وقع في الوحل.","vol":"5","page":413},{"text":"قوله ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.\nإخبارٌ من الله عن شكوى رسوله إليه في استهزاء قومه الذين بعث إليهم بهذا القرآن، فلا يصغون إليه ولا يسمعونه، بل يكثرون اللغط والفوضى عند سماعه يُتلى لئلا يؤثر في قلوب الناس.\nكما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].\nقال ابن زيد: (لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلى الله قالوا لا، وقرأ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] قال: ينهون عنه، ويبعدون عنه).\nوعن مجاهد: (قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قال: يهجُرون فيه بالقول، يقولون: هو سحر). وقال: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] قال: مستكبرين بالبلد سامرًا مجالس تهجرون، قال: بالقول السَّيِّئ في القرآن غير الحق).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (يوطن محمدًا - ﷺ - أنه جاعل له عدوًا من المجرمين كما جعل لمن قبله).\nكما في التنزيل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢، ١١٣].\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه: وكفاك يا محمد بربك هاديًا يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، ونصيرًا: يقول: ناصرًا لك على أعدائك، يقول: فلا يهولنك أعداؤك من المشركين، فإني ناصرك عليهم، فاصبر لأمري، وامض لتبليغ رسالتي إليهم).\nقلت: والخطاب يعمّ ببشائره كل من سار على منهاج النبوة في العلم والإيمان\n_________\n(١) أخرجه ابن مردويه، وأبو نعيم في \"الدلائل\". انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول، الوادعي - سورة الفرقان، الآيات (٢٧ - ٢٩).","vol":"5","page":414},{"text":"والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقارعة أهل الباطل ومجاهدتهم لإعلاء دين الله في الأرض.\nأخرج الخطيب في \"التاريخ\" بسند صحيح عن أنس مرفوعًا:\n[النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفَرَجُ مع الكَرْب، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، وإنَّ معَ العُسْرِ يُسْرًا] (١).\n٣٢ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تَنَطُّعٌ من الكفار واعتراض سفيه أن نزَّلَ الله القرآن مُفَرَّقًا لا جملة واحدة، فكان الجواب من الله تعالى أنه إنما يثبت بذلك قلب نبيه على الحق، وكذلك قلوب المؤمنين الذين تنزل الآيات إجابة لتساؤلاتهم، وحلًا للمشكلات المستجدة في حياتهم، وهذا القرآن يحمل القوارع على الطغاة وأحسن الأمثال التي فيها إسكاتهم، ويوم القيامة يحشرون أذلاء على وجوههم.\nفقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.\nقال ابن عباس: (كان الله ينزل عليه الآية، فإذا علمها نبي الله نزلت آية أخرى، ليعلمه الكتاب عن ظهر قلب، ويثبت به فؤاده).\nوعن ابن جُرَيج: (قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ كما أنزلت التوراة على موسى، قال: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ قال: كان القرآن ينزَّل عليه جوابًا لقولهم، ليعلم محمد أنَّ الله يجيب القوم بما يقولون بالحق. ويعني بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لنصحح به عزيمة قلبك ويقين نفسك، ونشجعك به).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٣٨٢)، وقال: الحديث صحيح.","vol":"5","page":415},{"text":"وفي قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ تأويلان متكاملان:\nالتأويل الأول: عن إبراهيم: (﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ قال: نزل متفرّقًا). قال الحسن: (كان ينزّل آية وآيتين وآيات جوابًا لهم إذا سألوا عن شيء أنزله الله جوابًا لهم، وردًّا عن النبيّ فيما يتكلمون به، وكان بين أوله وآخره نحو من عشرين سنة). قال ابن جرير: (قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ يقول: وشيئًا بعد شيء علمناكه حتى تحفظه، والترتيل في القراءة: الترسل والتثبت).\nالتأويل الثاني: قال قتادة: (﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: وبَيَّناه تبيينًا). وقال ابن زيد: (وفسّرناه تفسيرًا).\nوقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾.\nقال ابن جريج: (الكتاب بما تردّ به ما جاؤوا به من الأمثال التي جاؤوا بها وأحسن تفسيرًا).\nوعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ - أي: بما يلتمسون به عيبَ القرآن والرسول، ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، أي: إلا نزَلَ جبريلُ مِنَ الله بجوابهم).\nوقوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. أي: وأحسن مما جاؤوا به من المثل بيانًا وتفصيلًا. قال ابن عباس: يقول: (أحسن تفصيلًا). وقال مجاهد: (بيانًا). وقال الضحاك: (يقول: تفصيلًا).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾.\nإخبار من الله سبحانه عن سوء صفة المشركين في مظهر حشرهم يوم القيامة، فهم يحشرون بين الناس في صورة هي غاية من الذل والخزي والقبح إهانة لهم. قال مجاهد: (الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم).\nوقال النسفي: (﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي مكانة ومنزلة أو مسكنًا ومنزلًا).\nوالمقصود: أن المؤمنين في نعيم وسرور، والكافرين في ذل وصغار وأسوأ منزلة.\nوفي الصحيحين عن أنس: [أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه","vol":"5","page":416},{"text":"يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة] (١).\nوقوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. قال مجاهد: (طريقًا). وقال مقاتل: (أي: دينًا وطريقًا).\n٣٥ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تسلية من الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ - عما يلقاه من تكذيب قومه\nوأذاهم، وتوعد لقومه أن يحل بهم ما حَلّ من نقمة الله بالأمم المكذبة المعاندة قبلهم، يقول: فلقد آتينا -يا محمد- موسى التوراة كما آتيناك الفرقان، وجعلنا معه أخاه هارون ﴿وَزِيرًا﴾ أي: مُعينًا وظهرًا. فقلنا لهما: اذهبا إلى فرعون وقومه بالبلاغ المبين، فكذبوهما فدمرناهم تدميرًا.\nوكذلك قوم نوح من قبل لما واجهوا الرسل بالتكذيب والاستهزاء بالوحي أغرقناهم بالطوفان، وأعددنا لهم في الآخرة عذابًا أليمًا غير ما نزل بهم في الدنيا. وكذلك دمّرنا عادًا وثمود وأصحاب الرس (قال مجاهد: الرّس: بئر كان عليها قوم) ﴿وَقُرُونًا﴾. أي: وأممًا ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ أي: بَيْنَ أضْعاف مَنْ ذُكِرَ أهلكناهم. وكل هذه الأمم التي قَضَيْنا إهلاكها أنذرناها قبل ذلك وأعذرنا إليها بالعبر والمواعظ فأصروا على كفرهم فدمرناهم بالعذاب إبادة ومحوناهم من الوجود عبرة لغيرهم. ولقد أتى هؤلاء المشركون على آثار قرية قوم لوط فرأوا ما حلّ بهم وكفى بذلك عبرة، ولكن ليس مع قوم لا يوقنون بالعِقاب والثواب ولا يؤمنون بقيام الساعة.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٧٦٠)، وصحيح مسلم (٢٨٠٦)، ومسند أحمد (٣/ ٢٢٩) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"5","page":417},{"text":"وعن قتادة: (﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ قال: كلّ قد أعذر الله إليه، ثم انتقم منه).\nوعن الحسن: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ قال: تبَّرَ الله كُلًّا بعذاب تتبيرًا).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين ذكرنا لكم أمرهم استأصلناهم، فدمرناهم بالعذاب إبادة، وأهلكناهم جميعًا).\nقلت: وأصل (التَّبَار) في لغة العرب الهلاك، قال الرازي: (و\"تَبِّره تتبيرًا\": كَسَّره وأهْلكَهُ، وهؤلاء (متَبَّر) ما هُمْ فيه أي مُكَسَّر مُهْلَك).\nفيكون المعنى: كل هذه الأمم التي سَلَف ذِكْرُها كَسَّرنا بنيانها وأهلكنا أهلها واستأصلناهم لَمّا طَغَوا فبادوا جميعًا.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾.\nيعني قرية قوم لوط، وهي سَدُوم، التي جعل الله عاليها سافلها وأمطرها حجارة من سجيل.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦]\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩].\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾. قال ابن كثير: (أي: فيعتبروا بما حَلَّ بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول ومخالفتهم أوامرَ الله). قلت: والخطاب لقريش، أي أفلم يمروا كثيرًا أثناء تجارتهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء، فيتفكروا فيؤمنوا.\nوقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾. قال ابن جُريج: (بعثًا).\nقال النسفي: (بل كانوا قومًا كفرة بالبعث لا يخافون بعثًا فلا يؤمنون، أو لا يأملون نشورًا كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم).\nوقال القرطبي: (﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: أي لا يصدقون بالبعث. ويجوز أن","vol":"5","page":418},{"text":"يكون معنى \"يَرْجون\" يخافون. ويجوز أن يكون على بابه ويكون معناه: بل كانوا لا يرجون ثواب الآخرة).\nقلت: وقد صَنَّفَ الإمام مسلم في صحيحه في \"كتاب صفات المنافقين\" بابًا سماه:\n\"بابُ جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا\". روى فيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله لا يَظْلِمُ مُؤْمنًا حَسَنَةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافِرُ فَيُطْعَمُ بحسناتِ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنة يُجْزى بها] (١).\nوفي رواية: [إن الكافر إذا عَمِلَ حسنةً أطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يَدَّخِرُ له حسناته في الآخرة، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته].\nوهذه الرواية مفسِّرة للرواية الأولى، فإن أعمال الخير من الكافر بالآخرة والبعث والحساب إنما يأخذ ثوابها في الدنيا، من زينتها وزخارفها وملذاتها وشهواتها ومناصبها، فإذا قدم يوم القيامة نثر الله أعماله فجعلها هباء منثورًا.\n٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: استهزاء المشركين بالرسول، ودعوتهم قومهم للتمسك بدين الآباء الفاسد، وسوف يعلمون من أضل سبيلًا. فالهوى والشهوات آلهة قوم لا يفقهون ولا يسمعون إن هم إلا كالأنعام بل أضل سبيلًا.\nفقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾.\nإنْ نافية. والتقدير: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا سخرية\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٨٠٨) - كتاب صفات المنافقين ح (٥٦)، وانظر للرواية الثانية ح (٥٧) من الباب نفسه.","vol":"5","page":419},{"text":"واستهزاء، يريدون التنقّص والإشارة بالعيب أن اختارك الله عليهم واصطفاك من بينهم.\nوقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾. أي يقولون: أهذا الذي بعث الله إلينا رسولًا من بين خلقه. قال ابن كثير: (أي: على سبيل التنقُّصِ والازدِراء -قَبَّحَهُم الله-). وقال القاسمي: (والإشارة للاستحقار. لأن كلمة \"هذا\" تستعمل له).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [الرعد: ٣٢].\nوفي المسند بإسناد حسن عن ربيعة بن عَبَّاد الدُّؤَلى قال: [رأيت رسول الله - ﷺ - بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله ﷿، ووراءه رجل أحول تقدُ وجنتاه وهو يقول: أيها الناس، لا يغرّنكم هذا من دينكم ودين آبائكم. قلت: من هو؟ قالوا: هذا أبو لهب] (١).\nوفي رواية: [ورسول الله يقول لهم: يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا -ويزدحم الناس عليه صامتين وهو يكرر دعوتهم- وأبو لهب يصيح: إنه صابئ كاذب، يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى].\nوروى أحمد وابن ماجة بسند جيد عن جابر قال: [كان رسول الله - ﷺ - يعرض نفسه على الناس في الموسم فيقول: ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي] (٢).\nوقوله: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. قال ابن جريج: (ثبتنا عليها). قال القرطبي: (أي قالوا قد كاد أن يصرفنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ أي حبسنا أنفسنا على عبادتها).\n_________\n(١) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٣/ ٤٩١ - ٤٩٢)، (٣/ ٤٩٣)، (٤/ ٣٤١) وسنده حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٢٢)، (٣/ ٣٣٩)، ورجاله ثقات. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ٣٩٠) لتمام البحث.","vol":"5","page":420},{"text":"وقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: سيبين لهم حين يعاينون عذاب الله قد حلّ بهم ... من الراكب غير طريق الهدى، والسالك سبيل الردى أنت أو هم).\nقلت: ولا شك أنهم عاينوا ذلك ورأوه يوم بدر، بل إنّ الله أسمعهم توبيخ نَبيّه لهم وهم صرعى يوشك أَنْ يلقوا في حفرهم.\nففي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أنس قال: [وقال رسول الله - ﷺ - بيده -أي قبل المعركة- فوضعها فقال: هذا مصرع فلان غدًا، وهذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله تعالى، فالتقوا فهزمهم الله ﷿، فوالله ما أماط رجل منهم عن موضعِ كفيّ النبي - ﷺ -. قال: فخرج إليهم النبي - ﷺ - بعد ثلاثة أيام وقد جَيَّفُوا فقال: يا أبا جهل، يا عتبة، يا شيبة، يا أمية، قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا. فقال له عمر: يا رسول الله تدعوهم بعد ثلاثة أيام وقد جَيَّفوا! فقال: ما أنتم بأسْمَعَ لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون جوابًا، فأمر بهم فَجُرُّوا بأرجلهم فألقوا في قليب بدر] (١).\nقال قتادة: (أحياهم الله له حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة وندما) (٢).\nوقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. قال القرطبي: (عَجَّبَ نبيَّه - ﷺ - من إضمارهم على الشرك وإصرارهم عليه مع إقرارهم بأنه خالقهم ورازقهم، ثم يعمد إلى حجر يعبده من غير حجة). قال ابن عباس: (الهوى إله يعبد من دون الله، ثم تلا هذه الآية).\nوقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. أي حفيظًا وكفيلًا لتحمله على الرجوع إلى منهاج الإيمان. وهو تسلية للنبي - ﷺ - عن إصرار قومه على منهاجهم الفاسد. قال ابن عباس: (كانَ الرجلُ في الجاهلية يعبدُ الحجرَ الأبيض زمانًا، فإذا رأى غيرَه أحسَنَ منه عبد الثاني وترك الأول).\nوقوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾.\nأي سماع تدبر وإصغاء، وتعقل للفهم والانتفاع. والمقصود: بل هم بمنزلة من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٧٣) كتاب الجنة وصفة نعيمها، وأحمد (١/ ٢٦).\n(٢) انظر: \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\" (٧/ ٣٠٠) - من رواية البخاري.","vol":"5","page":421},{"text":"لا يسمع ولا يعقل. قال النسفي: (أم منقطعة، معناه: بل أتحسب، كأن هذه المذمة أشدّ من التي تقدّمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذنًا، ولا إلى تدبره عقلًا).\nوقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: ما هم إلا كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها، ولا تفقه، بل هم من البهائم أضل سبيلًا لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفرة لا يطيعون ربهم، ولا يشكرون نعمة من أنعم عليهم، بل يكفرونها، ويعصون من خلقهم وبرأهم).\n٤٥ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عباده بنعمة مدّ الظل وجعل الليل لباسًا والنوم سباتًا والنهار نشورًا. وإرساله تعالى الرياح بشرًا وإنزال الماء من السماء طهورًا. ليحيي به أرضًا يابسة ويسقيه من خلقه أنعامًا وأناسيّ كثيرًا. وتصريفه تعالى مياه المطر في البلاد والفيافي والبحار ليذكر الناس ولكن أكثرهم أبى إلا كفورًا.\nقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس). وقال مجاهد: (ظل الغداة قبل أن تطلع الشمس). فالمعنى: ألم تر يا محمد كيف مدّ ربك الظل بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس. قال ابن كثير: (من هاهنا شرَعَ تعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده، وقُدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة).\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: دائمًا). وقال مجاهد:","vol":"5","page":422},{"text":"(لا تصيبه الشمس ولا يزول). وقال ابن زيد: (دائمًا لا يزول).\nوقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. قال قتادة: (دليلًا يتلوهُ وَيتْبَعُهُ حتى يأتيَ عليه كُلِّه). وقال ابن عباس: (يقول: طلوع الشمس). وقال ابن زيد: (أخرجت ذلك الظلّ فذهبت به). والمقصود: لولا طلوع الشمس على ذلك الظل لما عُرِف، فإن الضِّد يعرف بِضده، وبضدها تتميز الأشياء.\nوقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾. أي: الظل، وقيل: الشمس. ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: قال ابن عباس: (يقول: سريعًا). وقال مجاهد: (خفيًا). وقال غيره: (سهلًا). وقال أيوب ابن موسى: (أي: قليلًا قليلًا). وقال السدي: (قبضًا خفيًا) حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلّت الشمسُ ما فوقه). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظّلِ إلينا قبضًا خفيًا سريعًا بالفيء الذي نأتي به بالعشي).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. قال النسفي: (جعل الظلام الساتر كاللباس).\nوالمقصود: صار الليل سترًا كالثياب التي يُكسى بها العباد. كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]. وكقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٤].\nوقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾. قال القرطبي: (أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال. وأصل السبات من التمدد. يقال: سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته. وقيل للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت القطع، فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الأعمال فيه. وقيل: السبت الإقامة في المكان، فكأن السبات سكون مّا وثبوت عليه، فالنومُ سُباتٌ على معنى أنه سكون عن الاضطراب والحركة. وقال الخليل: السبات نوم ثقيل، أي جعلنا نومكم ثقيلًا ليكمل الإجمام والراحة) انتهى.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾. قال مجاهد: (ينشر فيه).\nوالمقصود: الانتشار للمعاش. قال ابن كثير: (أي: ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم).","vol":"5","page":423},{"text":"وفي التنزيل.\n١ - قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١].\nوفي صحيح البخاري عن حذيفة قال: [كان النبي - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه قال: باسْمِكَ أموت وأحْيا. وإذا قام قال: الحمد لله الذي أحْيانا بَعْدَمَا أماتنا وإليه النُّشُور، (١). تُنْشِرهاْ تُخْرِجُها.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.\nقال القاسمي: (أي مبشرات ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي قدام المطر. وهي استعارة بديعة. استعيرت الرحمة للمطر ثم رشحت).\nوالرياح أنواع: نوع يثير السحاب، ونوع يحمله، ونوع يسوقه، ونوع يبشر بين يديه، ونوع يقمّ الأرض قبل ذلك، ونوع يلقح السحاب ليمطر بإذن الله.\nقال النسفي: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي قدام المطر، لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة مليحة).\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. أي: مطرًا بليغًا في الطهارة والتطهير. قال سعيد بن المسيب: (أنزل الله ماء طهورًا لا يُنّجِّسُهُ شيء).\nوفي سنن أبي داود والنسائي والترمذي بسند جيد عن أبي سعيد قال: [قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بُضَاعة؟ - وهي بئر يُلقى فيها النتن ولحومُ الكلاب - فقال: إن الماء طهورٌ لا ينجِّسُهُ شيء] (٢).\nوقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. أي: أرضًا هامدة طال انتظارها للغيث، فلما لامسها تلألأت بنسائم الحياة وأخرجت في رُباها ألوان الزهور والنباتات والثمار.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣١٢) - كتاب الدعوات. وأحمد (٥/ ٣٩٧)، وأبو داود (٥٠٤٩)، وأخرجه الترمذي (٣٤١٧)، وابن حبان (٥٥٣٢) من حديث حذيفة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣/ ١٥ - ٣١)، وأبو يعلى (١٣٠٤)، وله شواهد عند ابن ماجة (٣٧٠)، وابن حبان (١٢٤٢).","vol":"5","page":424},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر: ٢١].\n٢ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩ - ١١].\nومن هنا كانت وصية النبي - ﷺ - لمعاذ إذا مرّ بشجر أن يذكر الله العظيم المنعم المتفضل. فقد أخرج الطبراني في \"الكبير\" بسند جيد عن أبي سلمة قال: قال معاذ: قلت: يا رسول الله أوصني. قال: [اعبُد الله كأنك تراه، واعدُدْ نفسكَ في الموتى، واذكر الله عند كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة بجنبها حسنة، السِّرُ بالسِّر، والعلانية بالعلانية] (١).\nوقوله: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾.\nأي: ونسقي الماء البهائم والناس. قال النسفي: (وقدم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي لأن حياتها سبب لحياتهما، وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب لأن عامة منافع الأناسي متعلقة بها).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.\nأي: ولقد قسمنا هذا الماء النازل بين العباد في القرى والأمصار ليشكروا ربهم على نعمته عليهم، وليعظموه وحده لا شريك له فيطيعوه ولا يعصوه، فأبى أكثر الناس إلا كبرًا وجحودًا.\nأخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: [ما من عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير كما ذكر الهيثمي (٤/ ٢١٨)، والمنذري (٤/ ١٣٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٧٥)، وله شواهد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٠٣)، وابن جرير في \"التفسير\" (١٩/ ١٥)، وقال الحاكم: =","vol":"5","page":425},{"text":"وله شاهد عند البغوي عن ابن مسعود يرفعه: [ليس من سنة بأمَرَّ من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بِكَيْلٍ معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حَوَّل الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار] (١).\nوفي معجم الطبراني بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [خمس بخمس: ما نَقَضَ قوم العهد إلا سُلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا مُنِعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا مَنَعوا الزكاة إلا حُبِسَ عنهم القطر] (٢).\nوعن عكرمة: (﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ قال: قولهم في الأنواء).\nقلت: يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجُهَني أنه قال: [صَلّى لنا النبي - ﷺ - صلاةَ الصبح بالحديبية على إِثْر سماءٍ كانت من الليل، فلما انْصَرَف أَقْبلَ على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال رَبُّكم؟ قالوا: الله ورسولهُ أعلم. قال: أَصْبحَ مِنْ عبادي مُؤمِنٌ بي وكافِرٌ، فأمَّا مَنْ قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: بِنَوْءَ كذا وكذا، فذلك كافِرٌ بي ومؤمنٌ بالكوكب] (٣).\n٥١ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.\nفي هذه الآيات: تحميلُ الله تعالى نبيّه محمدًا - ﷺ - كامل مهمة النذارة للثقلين،\n_________\n= صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٦١) وقال: وهو كما قالا.\n(١) موقوف في حكم المرفوع. انظر: \"معالم التنزيل\" (٦/ ١٨٤) - البغوي، والمرجع السابق، - السلسلة الصحيحة- ج (٥)، ص (٥٩٣) عقب الحديث السابق.\n(٢) حديث حسن. انظر تخريج الترغيب (١/ ٢٧١)، وصحيح الجامع الصغير (٣٢٣٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٤٦) - كتاب الأذان، ومسلم (٧١)، وأحمد (٤/ ١١٧).","vol":"5","page":426},{"text":"وأمره مجاهدة المشركين بالقرآن الكريم. وتذكيرٌ من الله تعالى عباده ببعض نعمه العظيمة عليهم: كنعمة الماء العذب للشرب والسقي، ونعمة الماء المالح في البحار والمحيطات لصحة الهواء وطيب الميتة فيها، ونعمة إخراج نوعين من الخلق -ذكر وأنثى- وجعله منهما نسبًا وصهرًا والله على كل شيء قدير.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾.\nأي: ولو شئنا يا محمد بعثنا إلى كل مصر ومدينة وقرية نذيرًا ينذرهم بأسنا ويخفف عنك أعباء ما حملناك من أعباء البلاغ للأمم. قال ابن جرير: (ولكنا حملناك ثقل نذارة جميع القرى، لتستوجب بصبرك عليه إن صبرت ما أعدّ الله لك من الكرامة عنده).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨].\nومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري من حديث جابر مرفوعًا: [وكان النبي يُبْعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري - أيضًا- قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أُعطيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قبلي: كان كُلُّ نبيّ يُبْعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى كُلِّ أحمرَ وأسودَ ..] الحديث (٢).\nقال مجاهد: (يعني الإنس والجن).\nوقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾. قال ابن عباس: (بالقرآن).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٣٨) - كتاب الصلاة، وكذلك (٣٣٥) - كتاب التيمّم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٢١) ح (٣) - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، في أثناء حديث طويل. وفي لفظ: [بعثتُ إلى الأحمر والأسود].","vol":"5","page":427},{"text":"وقال ابن زيد: (﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ قال: الإسلام).\nقلت: والآية مكية، والمقصود بذل الوسع في مجاهدة الكفار بالوحي العظيم، وامتثال أحكام الدين. وفي هذا درسٌ بليغ للمسلمين أيام الغربة في كل زمان، فإن أعظم الجهاد يكون بالقرآن، واتباع هدي سيد الأنام، وإقامة شرائع الإسلام في النفس والبيت والمسجد والمجتمع حتى يأذن الله تعالى بإقامة دولة الحق.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. أي خلق الماءين: الحلو والمالح. قال القاسمي: (أرسلهما متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ أي شديد العذوبة قامع للظمأ ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي بليغ الملوحة ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ أي حاجزًا لا يختلط أحدهما بالآخر ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي منعًا من وصول أثر أحدهما إلى الآخر، وامتزاجه به، حتى بعد دخول أحدهما في الآخر مسافة).\nوخلاصة معنى الآية: تذكير الله عباده ببعض نعمه العظيمة، فها هو الماء العذب أودعه مسارب ضخمة كالأنهار والعيون والآبار، وهو في حركته يحافظ على المذاق الحلو الفرات العذب الزُّلال. وذاك الماء المالح المُرُّ الزُّعاق أودعه الله تعالى المحيطات والبحار، فهي منشآت ساكنة مالحة الماء، لئلا يحصل بسببها نَتَنُ الهواء، فيفسد الوجود بذلك. فهي تجمع بملوحتها بين طهارة الماء، وصحة الهواء، وكون ميتتها طيبة.\nأخرج أبو داود وابن ماجة -واللفظ له- عن أبي هريرة قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إنا تركب البحر. ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُهُ] وسنده صحيح (١).\nوفي التنزيل: وصف بديع للبرزخ بين البحرين الحلو والمالح، وهو الحاجز بينهما من اليابسة من الأرض، ثم الاختلاط بينهما دون تمازج.\n١ - قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢١].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٨٦) - كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بماء البحر. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٩)، وصحيح أبي داود (٧٦).","vol":"5","page":428},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١].\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾.\nأي: خلق الله الإنسان من نطفة ضعيفة، وهي ماء مهين، فسوى خلقه وعدّله وأخرجه بشرًا نوعين: ذكرًا وأنثى، ثم مازج بين النوعين بالنكاح فأخرج منهما نسبًا وصهرًا.\nقال النسفي: (أراد تقسيم البشر قسمين، ذوي نسب: أي ذكورًا ينسب إليهم فيقال فلان بن فلان، وفلانة بنت فلان، وذوات صهر: أي إناثًا يصاهر بهن).\nوقال ابن كثير: (﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾، فهو في ابتداء أمره ولَدٌ نَسيبٌ، ثم يَتَزوَّج فيصير صهرًا، ثم يَصِيرُ له أصْهارٌ وأختانٌ وقرابات. وكل ذلك من ماء مهين. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾).\n٥٥ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾.\nفي هذه الآيات: توبيخُ الكفار في عبادتهم ما لا ينفعهم ولا يضرهم، وإثبات إرساله تعالى نبيّه إلى جميع الخلق ليبشرهم وينذرهم ولا يبتغي الأجر منهم، وأمْرُهُ تعالى نبيّه بالتوكل عليه وتنزيهه فهو الخبير سبحانه بأعمالهم، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهم يكفرون بالرحمان، ولا يسجدون له بل يزدادون من البغي والطغيان.\nفقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾.\nتقريع من الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة لا تضر ولا تنفع، يصرفون لها","vol":"5","page":429},{"text":"العبادة من دون الله العظيم، وإنما قادهم إلى ذلك التحاكم للعادات والأهواء حتى تجرؤوا على معاداة الله من أجلها ورسوله والمؤمنين.\nوقوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. أي معينًا للشيطان وحزبه على أولياء الله وأهل طاعته. قال مجاهد: (يظاهر الشيطان على معصية الله: يُعينُه). وقال سعيد بن جبير: (يقول: عونًا للشيطان على ربِّه بالعداوة والشِرك).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤، ٧٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].\nوفي صحيح ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أَضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عق والديه فيقول: يوشك أن يبرّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلبِسُه التاج] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾.\nأي مبشرًا المؤمنين بثواب الله العظيم، ونذيرًا للكافرين من عقاب الله الأليم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.\nأي: قل -يا محمد- لقومك الذين أرسلت إليهم: إنني لا أبتغي من وراء دعوتي لكم وإنذاري لنجاتكم، ما في أيديكم من أموالكم، وإنما أبتغي بذلك وجه الله. قال القرطبي: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾ لكن من شاء، فهو استثناء منقطع، والمعنى: لكن من شاء ﴿أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بإنفاقه من ماله في سبيل الله فلينفق. ويجوز أن يكون متصلًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٦٥) بإسناد رجاله ثقات، رجال البخاري. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٢٨٠).","vol":"5","page":430},{"text":"ويقدّر حذف المضاف، التقدير: إلا أجر ﴿مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ باتباع ديني حتى ينال كرامة الدنيا والآخرة).\nوقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.\nأمر من الله تعالى لنبيّه محمد - ﷺ - بالاعتماد على ربه الحي الذي لا يموت.\nوالتوكل: هو تحقيق مقام التوحيد لله باعتماد القلب عليه، والصدق في الأخذ بالأسباب.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وتوكل يا محمد على الذي له الحياة الدائمة التي لا موت معها، فثق به في أمر ربك، وفوِّض إليه، واستسلم له، واصبر على ما نابك فيه).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].\nوقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾. أي: نَزِّهْه تعالى واقرن بين حمده وتسبيحه.\nوفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله - ﷺ - يُكثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، الله اغفر لي\"، يتأول القرآن] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: [ألا أخبرك بأحَبِّ الكلام إلى الله؟ إنَّ أحبَ الكلام إلى الله سبحانَ الله وبحمده] (٢).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٦٨) - كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (٤٨٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٨٦) - كتاب الذكر، باب: أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٠٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٥٦٣)، كتاب التوحيد. وأخرجه مسلم (٨/ ٧٠) كتاب الذكر، باب: في فضائل التسبيح. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٠٤).","vol":"5","page":431},{"text":"وقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾.\nأي: وحسبك -يا محمد- بالحي الذي لا يموت خابرًا بذنوب خلقه، لا تخفى عليه خافية، فهو محص أعمالهم ومجازيهم عليها.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: [يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).\nوقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.\nأي: إن توكلك -يا محمد- هو على الله الحي الذي لا يموت، الخالق لهذا الكون الفسيح في ستة أيام، السماوات السبع في اتساعها وارتفاعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها.\nخرّج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: [خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخرِ ساعةٍ من ساعاتِ الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. أي: علا وارتفع، كما أفاد شيخ المفسرين. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾. أي هو الرحمن. فالرحمن خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. أو بدل من الضمير في استوى. وقد يكون ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مرفوعًا على الابتداء، ويكون الخبر قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. و﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسم مشتق من الرحمة على وجه المبالغة.\nوقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فيه تأويلان متقاربان متكاملان:\nالتأويل الأول: قيل الباء بمعنى \"عن\"، ذكره بعض أهل اللغة. قال الزجاج:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٩) - كتاب صفات المنافقين، باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇. وانظر تفصيل هذا البحث: \"كيف بدأ الخلق\"؟ في كتابي: تحصيل السعادتين على منهج الوحيين ص (١٨ - ٣٥).","vol":"5","page":432},{"text":"(المعنى: فاسأل عنه). قال القرطبي: (أي فاسأل عنه خبيرًا، أي عالمًا به، أي بصفاته وأسمائه).\nفيكون خبيرًا قد نُصب على المفعول به بالسؤال.\nالتأويل الثاني: قيل بل المعنى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ بالنصب على الحال، وقيل: بل هو حال مؤكدة مثل قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾.\nقال مجاهد: (يقول لمحمد - ﷺ -: إذا أخبرتك شيئًا فاعلم أنه كما أخبرتك. أنا الخبير). وقال شمر بن عطية: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: هذا القرآن خبير به).\nوخلاصة المعنى: فاسأل به سبحانه عالمًا بصفاته وأسمائه، أو فاسأل الله يخبرك عن نفسه، أو فاسأل القرآن يخبرك عن الله.\nوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾.\nقال القاسمي: (أي من المسمى به؟ لأنهم ما كانوا يعرفونه تعالى بهذا الاسم ولا يطلقونه عليه. أو الاستفهام للتعجب والاستغراب، تفننًا في الإباء. أي وما هذه الأسماء والأعلام التي تصدعنا بها، وتقرع آذاننا بالإذعان لها. ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ﴾ أي الأمر بالسجود، المراد به الإذعان بالإيمان ﴿نُفُورًا﴾ أي استكبارًا عن الإيمان).\nوفي صحيح البخاري -في قصة الحديبية- قال الزهري: [فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هاتِ اكتُبْ بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي - ﷺ - الكاتب -وهو علي ﵁- فقال النبي - ﷺ -: بسم الله الرحمن الرحيم. (وفي رواية أحمد: فقال رسول الله - ﷺ -: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي - ﷺ -: اكتب باسمك اللهم] (١).\nقلت: وهذا من روائع سياسته الشرعية ﵊، وإلا فقد قرعهم الله بالقرآن أكثر من مرة باسمه \"الرحمن\" فقال جل ذكره: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٣١)، (٢٧٣٢)، كتاب الشروط، وأخرجه مسلم (١٧٨٤) - كتاب السير، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٢٥).","vol":"5","page":433},{"text":"وقال جل ذكره: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤].\nوسمى السورة بأكملها باسمه الجليل: \"الرحمن\". وقال جل ثناؤه: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الملك: ٢٩].\nوإنما منعهم من إقرار هذا الاسم لله تعالى الكبر.\nوفي مسند أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله ﷿: أنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها من اسمي، من يصلها أصله، ومن يقطعها أقطعه فأبته] (١).\n٦١ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.\nفي هذه الآيات: تنزيهُ الله تعالى الذي خلق البروج في السماء والشمس والقمر، وجعل الليل واللهار متعاقبين لمن أراد أن يتفكر أو يتذكَّر.\nفقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال مجاهد: (الكواكب). وقال قتادة: (البروج: النجوم). وقال أبو صالح: (النجوم الكبار). وقيل: قصور في السماء للحرس، والقول الأول أرجح.\nكما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨].\nوفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس قال: [انطلق رسول الله - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٨)، وقال الألباني: (وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال الشيخين). انظر السلسلة الصحيحة ج (٢) ص (٣٨).","vol":"5","page":434},{"text":"عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب ..] الحديث (١).\nوخلاصة المعنى: تقدس الله تعالى الذي جعل في السماء الكواكب والنجوم زينة لها، وحفظًا من استراق السمع من الشياطين إذ تحرقهم شهبها.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾. قال قتادة: (السراج: الشمس). أي: وجعل سبحانه الشمس كالسراج المتوهج، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣]. وجعل القمر مضيئًا منيرًا بعكس ضوء الشمس عليه، وإلا فالقمر غير مضيء بنفسه.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥، ١٦].\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾.\nقال أبو عبيدة: (الخِلفة كل شيء بعد شيء). ومنه قول مجاهد في هذه الآية: (هذا يخلف هذا، وهذا يخلف هذا). وقيل: (خلفة: أسود وأبيض) والأول أرجح.\nكما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤].\nوعن الحسن قال: (جعل أحدهما خَلَفًا للآخر، إن فات رجلًا من النهار شيء أدركه من الليل، وإن فاته من الليل أدركه من اللهار).\nقلت: وقول الحسن مناسب لتتمة الآية: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. أي: لمن أراد أن يذكر عظمة الله وأمره فينيب إلى طاعته وشكره. قال مجاهد: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ قال: شكر نعمة ربه عليه فيهما).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٢١) - كتاب التفسير، ورواه مسلم والترمذي وغيرهما.","vol":"5","page":435},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال: إنّ الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسط ويَرْفعه، يُرْفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبلَ عمل النهار، وعملُ النهار قبلَ عمل الليل، حِجابُه النور، لو كشفه لأحْرَقَت سُبُحات وَجْهِهِ ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خَلْقِه] (١).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله ﷿ يَبْسُطُ يده بالليل، ليتوبَ مسيءُ النَّهار، ويَبْسُطُ يَدهُ بالنهار، ليتوبَ مسيءُ الليل، حتى تَطْلُعَ الشمسُ من مَغْرِبها] (٢).\n٦٣ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على عباده المؤمنين، فهم يمشون في الأرض هونًا ولا يبتغون الجاهلين، ويبيتون لربهم قائمين ساجدين، ويسألونه تعالى النجاة من عذاب جهنم مستقر الكافرين، وينفقون من أموالهم دون إسراف ولا إقتار وإنما بشكل قويم.\nفقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال مجاهد: (بالوقار والسكينة). وعن ابن عباس: (بالطاعة والعفاف والتواضع). وقال ابن زيد: (لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون، ولا يفسدون). وقال الحسن: (حلماء، وإن جُهل عليهم لم يجهلوا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٩) - كتاب الإيمان، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٩٥)، وأخرجه ابن ماجة في السنن (١٩٥) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٧٥٩) - كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب.","vol":"5","page":436},{"text":"قلت: وكلها أقوال متقاربة في صفات عباد الله المؤمنين مفادها أنهم يمشون بسكينة ووقار، وبحلم وتواضع لا باستكبار.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [إذا سَمِعْتُم الإقامةَ فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار ولا تُسرعوا، فما أدركتم فَصَلّوا وما فاتكم فأتِمُّوا] (١).\nوقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال مجاهد: (سدادًا من القول).\nوالمقصود: إذا حصل أن سفِهَ عليهم بعض الجهال قابلوهم بالصفح والحلم ولم يقولوا إلا خيرًا.\nوفي التنزيل: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [ليس المؤمن بالطَّعَّان ولا اللَّعَان ولا الفاحِش ولا البَذِيّ] (٢).\nوَعَن الحسن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ قال: حلماء لا يجهلون، وإن جُهِلَ عليهم حلموا ولم يسفهوا، هذا نهارهم فكيف ليلهم؟ خير ليل صفوا أقدامهم، وأَجْرَوا دموعهم على خدودهم، يطلبون إلى الله جل ثناؤه فكاك رقابهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.\nأي: فإذا أقبل الليل ناموا ثم قاموا إلى السجود والركوع، والتذلل والخشوع، يبكون بين يدي ربهم ﷿، يرجون رحمته ويخافون عذابه.\nقال الحسن: (يُصاحبون عبادَ الله نهارَهم بما تسمعون. ثم ذكر: لَيلُهم خَيْرُ ليل).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٦) - كتاب الأذان، ومسلم (٦٠٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٨) وأخرجه أبو داود (٥٧٢)، والترمذي (٣٢٧)، والنسائي (٢/ ١١٤)، وابن ماجة (٧٧٥).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (١٩٧٨)، وأحمد (٣٨٣٩)، والحاكم (١/ ١٢).","vol":"5","page":437},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [يَعْقِدُ الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عقد، يضرب على كل عُقدة: عليك ليل طويل فارقد! فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عُقدة، فإن توضأ انحلت عُقدة، فإن صلى انحلت عُقَدُهُ كُلُّها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أفضل الصيام بعدَ رمضان شهرُ الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: [عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومَكْفَرَةٌ للسيئات، ومَنْهاةٌ عن الإثم] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: [في الجنة غرفةٌ يُرى ظاهرها من باطنها، وباطِنُها من ظاهرها. فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وباتَ قائمًا والناس نيام] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾.\nأي: ومن صفات هؤلاء المؤمنين عباد الرحمن سؤالهم ربهم ﷿ أن يصرف\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٤٢) - كتاب التهجد. وأخرجه مسلم (٧٧٦) - في الصلاة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١١٦٣) - كتاب الصيام، ورواه أهل السنن إلا ابن ماجة.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٨٠١). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٨١٤)، وتخريج المشكاة (١٢٢٧)، وكذلك الإرواء (٤٥٢).\n(٤) حديث حسن. أخرجه الطبراني والحاكم. انظر تخريج الترغيب (١/ ٦١٣) - كتاب النوافل.","vol":"5","page":438},{"text":"عنهم عذاب النار يوم القيامة، إن عذابها كان غرامًا: أي: ملازمًا دائمًا مهلكًا.\nقال ابن جُريج: (﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ قال: لا يُفارِقُه). وقال الحسن: (قد علموا أن كلّ غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم). وقال محمد بن كعب: (إن الله سأل الكفار عن نعمه، فلم يردّوها إليه، فأغرمهم، فأدخلهم النار).\nقلت: وأصل الغرام في لغة العرب الشَّرُ الدائم والعذاب. قال أبو عبيدة: (﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: أي هلاكًا ولزامًا لهم).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ سَأَلَ الله الجَنَّة ثلاثَ مراتٍ قالت الجَنّة: اللهم أدْخِلْه الجَنَّة. ومَنْ استَجار من النار ثلاثَ مرات، قالت النار: اللهم أجِرْه من النار] (١).\nوأجمل من ذلك وأروع ما رواه أبو يعلى في مسنده بسند صحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله - ﷺ -: [ما استجار عبدٌ من النار سبعَ مرّات في يوم إلا قالت النار: يا رَبِّ إن عبدك فلانًا قد استجاركَ مني فأجِرْه، ولا يسألُ اللهَ عبدٌ الجنة في يوم سبعَ مرات إلا قالت الجنة: يا ربِّ! إنَّ عبدكَ فلانًا سألني فأدخِلْهُ الجَنَّة] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.\nالمستقر: القرار. والمقام: مكان الإقامة. قال ابن جرير: (كأن معنى الكلام: ساءت جهنم منزلًا ومقامًا). وقال القرطبي: (أي بئس المستقر وبئس المقام. أي إنهم يقولون ذلك عن علم، وإذا قالوه عن علم كانوا أعرف بعظم قدر ما يطلبون، فيكون ذلك أقرب إلى النجح).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾.\nالإسراف: الإنفاق الذي يجاوز الحدّ اللائق والمباح. والإقتار: ما قصر عما أمر الله به من النفقة. والقوام: بين ذلك.\nويبدو أن الإسراف يكون في الحلال، وأما إن كان في الحرام فهو التبذير كما قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٧٠٤) - أبواب صفة الجنة. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٠٧٩)، ورواه النسائي والحاكم. انظر صحيح الجامع (٦١٥١).\n(٢) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٤/ ١٤٧٢ - ١٤٧٣)، والضياء في \"صفة الجنة\" (٣/ ٨٩/ ١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٥٠٦).","vol":"5","page":439},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧].\nفالمعنى: ومن صفات عباد الرحمن أنهم إذا أنفقوا أموالهم لم يبالغوا في الإنفاق فوق الحاجة، ولم يَبْخَلوا عن أهليهم فيما يجب عليهم في حقهم، وإنما هم أهل العدل والوسطية في إنفاقهم كما هو كذلك في كل شيء.\nوقوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال النسفي: (أي عدلًا بينهما، فالقوام العدل بين الشيئين).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غيرَ مُفْسِدَة، كان لها أَجْرُها، ولهُ مِثْلُهُ بما اكتسب، ولها بما أنفقت، وللخازنِ مِثْلُ ذلك، من غير أن يُنْقَصَ من أجورهم شيئًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري والنسائي عن أبي مسعود البدري مرفوعًا: [إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن معاوية القشيري قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: [أَنْ تطعِمَها إذا طَعِمْتَ، وتكْسُوَها إذا اكتسيت، أو \"اكتسبت\"، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّحْ ولا تَهْجُرْ إلا في البيت] (٣).\n٦٨ - ٧١. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٢٤) ح (٨١) - كتاب الزكاة. وانظر كذلك ح (٨٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١/ ٢٠)، والنسائي (١/ ٣٥٣)، والطيالسي (ص ٨٦) رقم (٦١٥)، وفي رواية للبخاري (٦/ ١٨٩): \"المسلم\" بدل \"الرجل\".\n(٣) حديث حسن صحيح. أخرجه أبو داود (٢١٤٢) - كتاب النكاح، باب في حق المرأة على زوجها. انظر صحيح سنن أبي داود (١٨٧٥)، (١٨٧٦)، (١٨٧٧).","vol":"5","page":440},{"text":"النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾.\nفي هذه الآيات: متابعةُ الثناء من الله تعالى على عباده المؤمنين، فهم يفردونه بالألوهية ولا يقتلون النفس التي حرّم ولا يزنون فإن من يفعل ذلك يصبح من الآثمين، ويضاعف له العذاب المهين، إلا من تاب وآمن وبادر بالعمل الصالح فإنه يلقى عفو الغفور الرحيم.\nأخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن عبد الله ﵁ قال: [سأَلَتْ -أو سُئِلَ- رسولُ الله - ﷺ -: أيُّ الذنب عند الله أكْبَرُ؟ قال: أن تَجْعَلَ لله نِدًّا وهو خلقَكَ. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَمَ معك. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تُزاني بحليلة جارِك. قال: ونزلت هذه الآية تَصْديقًا لقول رسول الله - ﷺ - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾] (١).\nوفي الصحيحين أيضًا عن ابن عباس ﵄: [أنّ أناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمدًا - ﷺ - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفارة، فننرل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. ونزل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]] (٢).\nفربط سبحانه في هذه الآية الكريمة بين الشرك والقتل والزنا، فإن الشرك بالله يتبعه كل كبيرة، فليس يحول بين المشرك والكبائر خوف من الله شأن المؤمنين، وكذلك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٦١) - كتاب التفسير، و(٤٧٦٢) كذلك نحوه، وأخرجه مسلم (٣٠٢٣) ح (٢٠)، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٣٨٨)، واْخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٨٠)، (١/ ٤٣١ - ٤٣٤)، (١/ ٤٦٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٠) - كتاب التفسير، سورة الزمر، آية (٣٣). ورواه مسلم.\nورواه ابن جرير في \"التفسير\" (٢٦٥٠٤).","vol":"5","page":441},{"text":"انتشار القتل وهو الهرج غالبًا ما يتبعه استباحة الأعراض وركوب الفواحش، نعوذ بالله من حال المجرمين والمستكبرين والمشركين.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. أي يلق من الله تعالى جزاء إثمه عقوبة ونكالًا.\nوالأثام: العقاب.\nوقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.\nقال النسفي: (أي يعذب على مرور الأيام في الآخرة عذابًا على عذاب. وقيل إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعًا، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه. ويخلد ﴿فِيهِ﴾ في العذاب. ﴿مُهَانًا﴾ حال أي ذليلًا).\nوقال القاسمي: (﴿مُهَانًا﴾ أي ذليلًا محتقرًا جامعًا لعذابي الجسم والروح).\nقلت: ولا شك أنّ هذا اللفظ ﴿مُهَانًا﴾ فيه مبالغة في الوعيد مما ينتظر المشركين يوم القيامة، من الإهانة والاحتقار والمذلة والصَّغار.\nأخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [يحشرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذّرِ في صُوَرِ الرجال، يغشاهم الذُّل من كل مكانٍ، يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يُسمى بُولُسَ، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَون من عصارة أهل النار، طينة الخبال] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nأي: إلا من راجع طاعة ربه بالتوبة والإنابة وتصحيح الإيمان وامتثال صالح العمل فأولئك تصير سيئاتهم حسنات والله غفور رحيم.\nأخرج الشيخان عن سعيد بن جبير قال: [أمرني عبد الرحمن بن أبْزى قال: سَل ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما؟ ! ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. فسألت ابن عباس فقال: لَمَّا نزلت التي في الفرقان قال مشركوا أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرّم الله، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وقد آتينا الفواحش! فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. وأما التي في النساء الرجل إذا عرفَ الإسلام\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٩٢). انظر صحح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وأخرجه أحمد. انظر صحيح الجامع (٧٨٩٦).","vol":"5","page":442},{"text":"وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم خالدًا فيها. فذكرته لمجاهد فقال: إلا من ندم] (١).\nوله شاهد عند الطبراني بسند حسن عن زيد بن ثابت قال: [لما نزلت هذه الآية التي في \"الفرقان\": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ عَجِبْنا لِلِيْنْها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في \"النساء\": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ حتى فرغ].\nوعن سعيد بن المسيب: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: (تصير سيئاتهم حسنات لهم يوم القيامة).\nوعن ابن زيد قال: (﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ قال: تاب من الشرك، قال: وآمن بعقاب الله ورسوله ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾، قال. صدق، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: يبدل الله أعمالهم السيئة التي كانت في الشرك بالأعمال الصالحة حين دخلوا في الإيمان).\nقلت: فصدق الإيمان بالله مع التوبة الصادقة يقابله الله تعالى بتبديل السيئات التي تيب منها حسنات.\nفقد أخرج الحاكم بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لَيَتَمَنَّيَنَ أَقْوامٌ لو أكْثروا من السيئات، قالوا: بِمَ يا رسول الله؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات] (٢).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: وكان الله ولم يزل ذا عفو عن ذنوب من تاب من عباده، واستقبل طاعته وتعظيم أمره، وذا رحمة به أن يعاقبه على ما سلف من الذنوب بعد صدق التوبة منها.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾.\nأي: ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح، فإنه بذلك تائب إلى الله متابًا مَرْضِيًا عنده، مكفرًا للخطايا، محصلًا للثواب. قرّره الزمخشري.\nقلت: والآية تدل أن التماس العمل الصالح والمثابرة عليه يؤكد صحة التوبة ويرجى من جراء هذه المثابرة قبولها.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٦٥) - كتاب التفسير، وكذلك (٣٨٥٥) كتاب مناقب الأنصار، ورواه مسلم (٣٠٢٣) ح (١٩) (٢٠) - كتاب التفسير. وانظر للشاهد \"المعجم الكبير\" للطبراني (٥/ ١٥٠/ ٤٨٦٩)، وسنده حسن في التابعات والشواهد، كما في السلسلة الصحيحة (٢٧٩٩).\n(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٥٢)، ورجاله ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢١٧٧).","vol":"5","page":443},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٤، ١٠٥].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله تعالى يَبْسُطُ يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار، ويَبْسُطُ يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل حتى تطلع الشمس من مَغْربها] (١).\nالحديث الثاني: خَرَّج مسلم في الصحيح عن أنس قال: [جاء رجُلٌ إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أصَبْتُ حَدًّا فأقِمْهُ عليَّ، قال: وحَضَرت الصلاةُ فصَلّى مع رسول الله - ﷺ -، فلما قضى الصلاةَ قال: يا رسول الله! إني أصَبْتُ حَدًّا فأقِمْ فِيَّ كتاب اللهِ، قال: هل حَضَرْتَ مَعَنا الصلاة؟ قال: نعم، قال: قَدْ غُفِرَ لك] (٢).\nوفي رواية: [فقال له رسول الله - ﷺ -: أرأيت حينَ خرجْتَ مِنْ بَيْتِكَ، أليس قد تَوَضَّأتَ فأحسنْتَ الوضوء؟ قال: بلى، يا رسول الله! قال: ثم شهدت الصلاةَ معنا؟ قال: نعم، يا رسول الله! قال: فقال له رسول الله - ﷺ -: فإنَّ الله قد غَفَرَ لك حَدَّك، أو قال: ذَنْبَكَ].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [للشهيد عند الله سِتُّ خصال: يُغْفَرُ له في أَوَّلِ دُفْعَةٍ ويُرى مَقْعَدَه من الجنة ..] الحديث (٣).\nوفي لفظ: [يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويَرى مقعده من الجنة].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٩) - كتاب التوبة. باب قبول التوبة من الذنوب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٦٤) - (٢٧٦٥) - كتاب التوبة، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وانظر في الباب الحديث (٢٧٦٣).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٣٥٨)، وصحيح الجامع (٥٠٥٨)، بلفظ: \"للشهيد عند الله سبع خصال .. \"، وكذلك \"أحكام الجنائز\" (٣٥ - ٣٦).","vol":"5","page":444},{"text":"فانظر إلى أثر المبادرة بالعمل الصالح كالاستغفار طرفي النهار وفي الليل، والحرص على صلاة الجماعة في المسجد، والجهاد في سبيل الله، في تأكيد صحة التوبة ورجاء قبولها.\n٧٢ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾.\nفي هذه الآيات: استمرارُ المدح والثناء من الله تعالى لعباده المؤمنين، فهم لا يشهدون الزور ويبتعدون عن اللغو وإذا ذُكِّروا بآياته سبحانه أصغوا إليها منصتين، وهم مثابرون في دعائهم يسألون ربهم أن يهب لهم من أزواجهم وذرياتهم قرة أعين وأن يجعلهم أئمة وأسوة للمتقين.\nفقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾.\nقال الضحاك: (الشرك). وقال مجاهد: (لا يسمعون الغناء). وقال ابن جُريج: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قال: الكذب).\nقلت: وفي لغة العرب: (الزُّور: الكذب). والتزوير: تزيين الكذب. قال الرازي: (و\"زَوَّرَ\" الشيء \"تزويرًا\" حَسَّنَهُ وقَوَّمه). فوصف الله عباده المؤمنين بأنهم لا يحضرون مجالس الزور، فيدخل فيها مجالس المجون والكذب والباطل، وأشدّ ذلك -أو من أشدّه- شهادة الزور.\nقال النسفي: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي الكذب، يعني ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يقربونها تنزهًا عن مخالطة الشر وأهله، إذ مشاهدة الباطل شركة فيه، وكذلك النظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الآثام، لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا وسبب وجود الزيادة فيه. قال: أو لا يشهدون شهادة الزور على حذف المضاف).","vol":"5","page":445},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].\nوفي السنة العطرة من آفاق مفهوم هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن أبي بَكْرَةَ ﵁ قال: [قال رسول الله - ﷺ -: ألا أنبِّئكُم بأكْبَرِ الكبائِرِ؟ -ثلاثًا- قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراكُ بالله وعقوقُ الوالدين. وكان مُتَكِئًا فَجَلَسَ فقال: \"ألا وقَوْلُ الزُّور، وشهادَةُ الزُّور، ألا وقَوْلُ الزُّور، وشهادَةُ الزُور\"، فما زال يقولها حتى قُلْتُ: لا يَسْكُت] (١). وفي لفظ: [فما زال يُكَرِّرُها حتى قُلنا: لَيْتَهُ سكت].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ حَلَفَ على مال امرئٍ مسلم بغَيْرِ حَقِّه، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان. قال: ثم قرأ علينا رسول الله - ﷺ - مِصْداقَهُ من كتاب الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [الكبائِرُ: الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدين، وقَتْلُ النفس، واليمينُ الغموس] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند حسن من حديث جابر أن النبي - ﷺ - قال: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يَجْلِس على مائدة يُدارُ عليها الخمر] (٤).\nوقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.\nأي: وإذا حصل لهم مرور بمجالس الفحش أو الباطل مروا معرضين مكرمين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٧٦) - كتاب الأدب، باب: عقوق الوالدين من الكبائر، وانظر (٥٩٧٧)، ورواه مسلم (٨٧)، ورواه الترمذي (١٩٥١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٤٨٥)، ومسلم (١٣٨)، وأبو داود (٣٢٤٣)، والترمذي (١٢٦٩) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١١/ ٤٨٢)، وكذلك (١١/ ٤٨٣).\n(٤) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٩٦٥) - باب ما جاء في دخول الحمام. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٢٤٦).","vol":"5","page":446},{"text":"أنفسهم عن التلوث برجس تلك المجالس، متنزهين عن التدنس بما فيها من اللغو والفساد. قال الحسن: (اللغو كله: المعاصي). وعن سَيّار: (إذا مَرّوا بالرفث كفّوا).\nوقال مجاهد: (إذا أوذوا مروا كرامًا، قال: صفحوا).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.\nقال قتادة: (يقول: لم يَصُمّوا عن الحق ولم يَعْموا فيه، فهم -والله- قوم عقلوا عن الحق، وانتفعوا بما سمعوا من كتابه).\nوقال الحسن البصري: (كم من رجل يقرؤها ويخرّ عليها أصمَّ أعمى).\nوعن مجاهد: (﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ فلا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يفقهون حقًّا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكر بحجج الله، لم يكونوا صُمًّا لا يسمعون، وعميًا لا يبصرونها. ولكنهم يِقَاظُ القلوب، فهماء العقول، يفهمون عن الله ما يذكِّرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانًا سمعته، وقلوبًا وعته).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.\nهو من جوامع الدعاء الذي أوحاه الله في صفة رجاء عباده المؤمنين، فهم يرغبون إلى ربهم ﷿ في دعائهم ومسألتهم أن يجعل في أزواجهم وذرياتهم ما تقرّ به أعينهم حين يرونهم يقومون بطاعة الله ويعملون بهديه. وفي آفاق ذلك تكلم المفسرون:\n١ - قال ابن عباس: (قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يعنون: من يعمل لك بالطاعة، فتقرّ بهم أعيننا في الدنيا والآخرة).\n٢ - وعن الحسن قال: (المؤمن يرى زوجته وولده يطيعون الله).\n٣ - وعن ابن جُريج قال: (قوله: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قال: يعبدونك يحسنون عبادتك، ولا يجرّون علينا الجرائر).\n٤ - وقال ابن زيد. (يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام).\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح، عن عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، عن أبيه قال: [جَلسنا إلى المِقداد بن الأسود يومًا، فَمَرَّ به رجل فقال: طُوبى","vol":"5","page":447},{"text":"لهاتين العينين اللَّتَين رأتا رسولَ الله - ﷺ -! لَوَدِدْنَا أنا رأينا ما رأيتَ، وشهدنا ما شهدت.\nفاستغضَبَ، فجعلتُ أعجَبُ، ما قال إلا خيرًا! ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجلَ على أن يتمنى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ الله عنه، لا يَدري لو شَهِدَه كيف كان يكونُ فيه؟ والله لقد حَضَرَ رسولَ الله - ﷺ - أقوامٌ أَكَبَّهُم الله على مَنَاخِرِهم في جَهَنَّم، لم يجيبوه ولم يُصدِّقوه، أولا تحمَدون الله إذا أخرَجَكُم لا تعرفون إلا بَّكم مُصَدِّقين لما جاء به نَبِيُّكُم، قد كُفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي - ﷺ - على أشدَّ حالٍ بعثَ عليها نَبيًّا منِ الأنبياء في فترةٍ من جاهلية، ما يَرونَ أنَّ دينًا أفضلَ من عبادةِ الأوثان. فجاء بِفُرقانٍ فرَقَ به بين الحق والباطل، وفَرَقَ بين الوالدِ ووَلده، إن كان الرجل ليرى والده وولدَهُ، أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قُفْلَ قلبهِ للإيمان، يعلَمُ أنه إن هلكَ دَخَلَ النار، فلا تَقَرُّ عينُه وهو يعلم أن حبيبَه في النار، وإنَّها التي قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾] (١).\nوأما قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ - فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال ابن عباس: (يقول: أئمة يُقتدى بنا). قال إبراهيم النخعي: (لم يطلبوا الرياسة بل بأن يكونوا قدوة في الدين).\n٢ - وقال مجاهد: (أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا).\n٣ - وقال آخرون: (﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: هداة مَهْدِيِّين ودعاةً إلى الخير).\n٤ - وقال مكحول: (اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣) بإسناد صحيح. وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير عند هذه الآية، وقال: وهذا إسناد صحيح، ولم يُخرجوه، وهو كما قال.","vol":"5","page":448},{"text":"وفي الموطأ: \"إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم\"- فكان ابن عمر يقول في دعائه: [اللهم اجعلنا من أئمة المتقين] (١).\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذه الآية:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عمر قال: [لم يكن رسول الله - ﷺ - يدع هؤلاء الدعوات. حين يمسي وحين يصبح:\n\"اللهم! إني أسألك العَفْوَ والعافية في الدنيا والآخرة. اللهم! أسألك العَفْوَ والعافيةَ في ديني ودنْيايَ، وأهلي ومالي. اللهمَّ! اسْتُر عوراتي، وآمِنْ رَوْعَاتي واحفظني مِنْ بَيْنِ يَديَّ، ومِنْ خَلفي، وعن يميني وعَنْ شِمالي، ومِنْ فوْقي. وأعوذ بكَ أنْ أُغْتالَ من تحتي\"] (٢). قال وكيع: (يعني الخسف).\nالحديث الثاني: أخرج البزار والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رفعه إلى النبي - ﷺ - قال: [إن الله لَيَرْفَعُ ذُرّيةَ المؤمن إليه في درجته، وإنْ كانوا دونَهُ في العمل، لِتَقَرَّ بهم عَيْنُهُ، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] الآية، ثم قال: وما نَقَصْنا الآباء بما أعْطيْنا البنين] (٣).\nالحديث الثالث: خرّج مسلم في صحيحه في كتاب الوصية -باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته- عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إذا مات الإنسانُ انقطعَ عنه عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلاثةٍ: إلا مِنْ صَدَقة جاريةٍ، أو عِلْم يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له] (٤).\n٧٥ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ\n_________\n(١) ذكره مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢١٩) عن ابن عمر بلاغًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٨٧١) - كتاب الدعاء. باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣١٢١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البزار ص (٢٢١)، وابن عدي (ق ٢٧٠/ ١)، والبغوي في التفسير (٨/ ٨٢)، والحاكم (٢/ ٤٦٨) من طرق، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٩٠).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٦٣١) - كتاب الوصية، ورواه أكثر أهل السنن.","vol":"5","page":449},{"text":"رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن جزيل الثواب وحسن الاستقبال لأولئك العباد المتقين في جنات النعيم، التي حسنت مستقرًا ومنزلًا للصالحين، وجزاء التكذيب الخزي والمذلة للمكذبين في الدارين.\nفقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ خبر للمبتدأ ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ في بداية الآيات، وما تخلل بين المبتدأ وخبره أوصافهم من التحلي والتخلي، وهي إحدى عشرة -كما ذكر القرطبي-: (التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف والإقتار، والنزاهة عن الشرك، والزنى والقتل، والتوبة وتجنب الكذب، والعفو عن المسيء، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله).\nوقوله: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وهي منزلة من منازل الجنة رفيعة).\nوقال القرطبي: (و\"الغُرْفة\" الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا. حكاه ابن شجرة). وعن الضحاك: (الغرفة: الجنة). وقال السدي: (سُمِّيت بذلك لارتفاعها).\nوقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾. قال محمد بن علي بن الحسين: (﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الفقر والفاقة في الدنيا). وقال الضحاك: (﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ عن الشهوات).\nقلت: والمقصود أعم من ذلك، فإنهم أثيبوا على صبرهم على إقامة الدين ومقارعة الطغاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾. أي يستقبلون في الجنة بالتحية والسلام في توقير مستمر. قال ابن كثير: (أي يُبْتَدَرُون فيها بالتحية والإكرام، وَيُلَقَّون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلامُ).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].","vol":"5","page":450},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨].\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [ينادي مُنادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعَموا فلا تبأسوا أبدًا. فذلك قوله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾] (١).\nوقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.\nأي: ماكثون فيها طابت منزلًا ومقامًا وحسنت مقيلًا ونعيمًا.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ يَدْخُل الجنة يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلى ثيابُه ولا يفنى شبابُه] (٢).\nوفي صحيح مسلم عنه أيضًا أن النبي - ﷺ - قال: [قال الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، ذُخْرًا، بَلْهَ ما أطلعكم الله عليه] (٣).\nوقوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾. أي: لا يبالي بكم ولا يكترث بكم إن اخترتم غير منهاج عبادته وتعظيمه. قال ابن زيد: (﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ يصنع لولا دعاؤكم).\nوقال مجاهد: (يعبأ: يفعل).\nوقوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾. أي: لولا طاعتكم وإيمانكم وعبادتكم.\nقال ابن عباس. (يقول: لولا إيمانكم، وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبَّبَ إليهم الإيمان كما حَبَّبهُ إلى المؤمنين).\nوقال مجاهد: (﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وتطيعوه).\nوقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾. قال ابن عباس: (فقد كذب الكافرون أعداء الله).\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. أي: حلول العذاب في الدنيا والنكال يوم القيامة.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٨٣٧) - كتاب الجنة ونعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٣٦) - كتاب الجنة ونعيمها. الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٢٤) ح (٣) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.","vol":"5","page":451},{"text":"قال ابن مسعود: (فسوف يلقون لزامًا يوم بدر). وقال أبي بن كعب: (هو القتل يوم بدر). وقال ابن زيد: (اللزام: القتال. فسوف يكون قتالًا). وعن ابن عباس: (قال: موتًا). وقال الحسن البصري: (﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾، يعني: يوم القيامة).\nقُلْتُ: ولا تعارض بين القولين، فإن المقصود أن تكذيب الكافرين ستلزمهم تبعاته، سواء في الإهانة والمذلة بالقتل والسبي في الدنيا، أو بالفضيحة والخزي وعذاب الحريق يوم القيامة.\nويجمع هذه المعاني كلها ما رواه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن أبي ذر ﵁ عن النبي - ﷺ - فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: [يا عبادي إني حَرّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم مُحَرَّمًا فلا تظالموا، يا عبادي كُلّكُم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أَكْسُكُمْ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخْيطُ إذا أُدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه] (١).\nتمَّ تفسير سورة الفرقان بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠).","vol":"5","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - مقام العبودية أرفع مقام، وقد أثنى الله به على نبينا ﵊.\n٢ - تَنَزُّه الله تعالى عن الشريك والولد، فله ملك كل شيء وهو الواحد الأحد.\n٣ - اقتضاء حكمة الله جعل الجهاد في الدنيا لإعلاء كلمة الحق لا لسكنى القصور والنظر في الأموال، وأن يكون هذا القرآن بما بسط الله فيه من الآيات البديعة مصدر الإيمان والاستدلال، وقد هيأ الله في الدار الآخرة من النعيم لأوليائه ما يعجز عنه الوصف والخيال.\n٤ - البور: الذي ليس فيه من الخير شيء. والمشركون هم الهالكون.\n٥ - الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، ومن يشرك بالله يترك وشركه.\n٦ - الحِجْر في كلام العرب: الحرام. والمشركون يقولون يوم يرون الملائكة: حِجْرًا مَحْجُورًا. أي حرامًا محرمًا أن ينعموا بالبشرى.\n٧ - الخيمةُ في الجنة درّة طولها ستون ميلًا، في كل زاوية أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون، يطوف عليهم المؤمن.\n٨ - النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإنَّ مع العسر يُسرًا.\n٩ - يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة، فالذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة.\n١٠ - الكافر إذا عمل حسنةً أُطعم بها طُعمَةً من الدنيا، والمؤمن يدخر الله له حسناته في الآخرة، ويُعقبه رِزقًا في الدنيا على طاعته.\n١١ - ما من عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه حيث يشاء. فإذا عمل الناس بالمعاصي صرف الله المياه إلى الفيافي والبحار.","vol":"5","page":453},{"text":"١٢ - البحر: هو الطهور ماؤه، الحِلّ ميتته.\n١٣ - أحبّ الكلام إلى الله تعالى: سبحان الله وبحمده. وأحب الأسماء إليه: عبد الله، وعبد الرحمان.\n١٤ - في الجنة غرفة يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وهي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وباتَ قائمًا والناس نيام.\n١٥ - أكبر الذنوب: الشرك بالله، وقتل الرجل ولده خشية إطعامه، والزنى بحليلة جاره.\n١٦ - ليتمنين أقوام لو أكثروا من السيئات: الذين بدّل الله سيئاتهم حسنات.\n١٧ - يبسط الله يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبْسُطُ يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.\n١٨ - من حلفَ على مال امرئ مسلم بغير حَقِّه، لقي الله وهو عليه غضبان.\n١٩ - إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقرَّ بهم عينه.\n٢٠ - مَنْ يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، فجزاء التقوى جنات النعيم، وجزاء التكذيب بالحق الخزي في الدارين.\n* * *","vol":"5","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>٢٦ - سُورَةُ الشُّعَراءِ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٢٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>موضوع السورة</span>\nهلاك المكذبين من الأمم والشعراء.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-196> منهاج السورة </span>-\n١ - انتصار الله تعالى للقرآن، وتسلية للنبي ﵊.\n٢ - تكذيب المشركين بالحق، وسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، فهلّا نظروا كيف ينبت الله من كل زوج كريم، إن في ذلك لآية من الله العزيز الرحيم.\n٣ - ذكر مناداة الله موسى وتكليمه، ومدّه بأخيه هارون ليعينه، وحواره مع فرعون وتكذيبه، وجمعه السحرة لتثبيت سلطانه، وإيمان السحرة وكفرهم به، وشروع فرعون بالتهديد والبطش والتوعد للسحرة الذي قابلوه بإيمان كالجبال، ووصف نهاية فرعون وجنوده وغرقهم ونجاة موسى والمؤمنين بأمر الله الكبير المتعال.\n٤ - ثناء الله على خليله إبراهيم، في براءته من أوثان المشركين، وخضوعه الكامل لله ربّ العالمين، وسؤاله النجاة يوم الدين.\n٥ - دُنُوُّ الجنة يوم القيامة للمتقين، وتكدس المشركين في نار جهنم صاغرين.","vol":"5","page":455},{"text":"٦ - تكذيب قوم نوح المرسلين، وحثهم له على طرد المؤمنين، واستمرارهم بالعناد والكفر حتى دكّهم الطوفان فأغرقهم أجمعين.\n٧ - تكذيب عاد رسولهم وإصرارهم على الشرك والكبر، حتى جاء أمر هلاكهم من الله العزيز الحكيم، وقد كان سبق في علمه أن أكثرهم لا يؤمنون.\n٨ - تكذيب ثمود نبيهم وعقرهم الناقة وقصة إهلاكهم.\n٩ - تكذيب قوم لوط رسولهم، وإصرارهم على الفاحشة حتى قلب الله عليهم مدينتهم، وأمطر عليهم حجارة فأهلكهم.\n١٠ - تكذيب أهل مدين نبيّهم، والعبث بحقوق الناس وكيلهم، حتى جاء أمر الله بنزول نقمته بهم.\n١١ - نزول جبريل بهذا القرآن بلسان عربي مبين، وخبر القرآن في كتب الأولين.\n١٢ - سؤال المشركين حين نزول العذاب بهم النظرة والإمهال، وسنة الله في أهل القرى أن لا يهلكهم حتى يأتيهم الإنذار.\n١٣ - حفظ الله القرآن عن أيدي الشياطين وسمعهم برمي الشُّهب عليهم.\n١٤ - الأمر بالبدء بإنذار العشيرة والأقربين، وخفض الجناح للمؤمنين.\n١٥ - تنزّلُ الشياطين على الأفاكين الآثمين، وذمّ الشعراء الضالين المنافقين، واستثناء المؤمنين الصالحين الذين ينتصرون للحق، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.\n* * *","vol":"5","page":456},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٩. قوله تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصارٌ لهذا القرآن وتسلية للنبي الكريم، وذكر حكمة الله تعالى في اختيار العباد أحد الطريقين، فالمشركون معرضون مكذبون وسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون. فهلّا نظروا إلى الأرض كيف ينبت الله فيها من كل زوج كريم؟ ! إن في ذلك لآية من الله العزيز الرحيم، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.\nقوله تعالى: ﴿طسم﴾.\nتقدم القول في مفهوم الحروف المقطعة في أوائل السور، وأن غاية ما يقال: إن هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف، وهذه السورة الجامعة لتاريخ الأمم مع رسلها ومفهوم الخلق من مبدئه إلى منتهاه قد صيغت في بيان رائع من مثل هذه الحروف التي يتكلم العرب ويتخاطبون بها، ومع ذلك هم عاجزون عن معارضة هذا القرآن بمثله أو بسورة نحوه، أضف إلى ذلك ذكر الانتصار لهذا الكتاب المعجز بعد ذكر هذه الأحرف.\nقال ابن القيم ﵀ في \"الكافية الشافية\":\nوانظر إلى السور التي افتتحت بأحْرفها ... ترى سرًّا عظيم الشان\nلم يأت قط بسورة إلا أتى ... في إثرها خبر عن القرآن\nإذ كان إخبارًا به عنها وفي ... هذا الشفاء لطالب الإيمان","vol":"5","page":457},{"text":"ويدل أن كلامه هو نفسها ... لا غيرها، والحق ذو تبيان\nفانظر إلى مبدا الكتاب وبعدها الـ ... أعراف ثم كذا إلى لقمان\nمع تلوها أيضًا ومع حم مع ... يس وافهم مقتضى الفرقان\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.\nأي: هذه آيات هذا القرآن البيّن الجلي، الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل.\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِين﴾.\nأي: لعلك - يا محمد - مهلك نفسك إن أصر قومك على كفرهم.\nوالبَخْعُ في كلام العرب: القتل والإهلاك. قال الرازي: (بَخَعَ نفسه قتلها غَمًّا).\nوعن ابن عباس: (﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: قاتل نفسك). قال قتادة: (لعلك من الحرص على إيمانهم مخرج نفسك من جسدك، قال: ذلك البخع).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.\nأي: إن نشأ أن ننزل عليهم آية تحملهم على الإيمان قهرًا، وتضطرهم إلى الإذعان للحق جبرًا، لفعلنا ذلك، ولكن لا نريد لأحد أن يؤمن إلا باختياره، فمضت حكمة الله بإرسال الرسل وإنزال الكتب.\nقال ابن جريج: (لو شاء الله لأراهم أمرًا من أمره لا يعمَل أحد منهم بعده بمعصية).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ قال: ملقين أعناقهم).\nوعن مجاهد: (فظلوا خاضعة أعناقهم لها). وقال ابن زيد: (الخاضع: الذليل).\nوخلاصة المعنى كما قال قتادة: (لو شاء الله لنزل عليه آية يذلون بها، فلا يَلْوي أحد عنقه إلى معصية الله).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].","vol":"5","page":458},{"text":"يروي أبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن عن عبد الله بن عمر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (١).\nورواه البيهقي في \"الأسماء\" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال النبي - ﷺ - لأبي بكر: [يا أبا بكر! لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما يجيء هؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون ما أتيتهم به يا محمد من عند ربك من تذكير وتنبيه على مواضع حجج الله عليهم على صدقك، وحقيقة ما تدعوهم إليه مما يحدثه الله إليك ويوحيه إليك، لتذكرهم به، إلا أعرضوا عن استماعه، وتركوا إعمال الفكر فيه وتدبيره).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nوعيد وإنذار، وتهديد بالهلاك والدمار، لأولئك المتمادين في تكذيبك يا محمد.\nقال النسفي: (﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ محمدًا - ﷺ - فيما أتاهم به ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ فسيعلمون ﴿أَنْبَاءُ﴾ أخبار ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا وعيد لهم وإنذار بأنهم سيعلمون اذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة ما الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو القرآن، وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.\nتذكير بعظمته تعالى، وتنبيه إلى بعض آلائه جل ذكره.\nأي: أولم ير هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث من القبور، والنشر إلى الأرض يوم النشور، كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها، من كل زوج كريم: أي حسن بهي من الزروع والثمار.\nقال مجاهد: (﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قال: من نبات الأرض، مما تأكل الناس والأنعام).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٢)، والبيهقي في \"الأسماء\" (١٥٧)، واللالكائي في \"السنة\" (١/ ١٤١/ ١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٤٢).","vol":"5","page":459},{"text":"وعن قتادة: (﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قال: حسن).\nقال الشعبي: (الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالة على قدرة الله تعالى الذي لا يعجزه شيء، ولكن أكثر الناس في غفلة وبُعد عن الإيمان والصدق واليقين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nقال القرطبي: (يريد المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه).\n١٠ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الله نداءه عبده ورسوله وكليمه موسى ﵊ حين ناداه وناجاه من جانب الطور الأيمن وأرسله إلى القوم الظالمين - أي الكافرين - قوم فرعون الطاغية يحذرهم بأس الله وعقابه كي يتقوه. فرغب موسى - ﷺ - إلى ربه تعالى بإزاحة أعذار يجدها: من خوف تكذيبه، وضيق صدره، وعدم انطلاق لسانه - للعلة القديمة التي كانت به -، فرجا ربه أن يؤازره بأخيه هارون. ثم إن ذنب القتل الذي عليه يجعله يخشى ثأر القوم وبطشهم به، فأيده ربه ليبلغ رسالته هو وهارون، إلى فرعون الذي أخذ يمتن عليه برعايته أيام طفولته ويأخذ عليه ذنب القتل والفرار، فقابله موسى بإساءته الأكبر من ذلك، وهي جعله بني إسرائيل عبيدًا له وخدمًا، يقهرهم ويظلمهم.","vol":"5","page":460},{"text":"والآيات الأولى من هذه الفقرة تشبه قوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٢٥ - ٣٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾. قال مجاهد: (قتل النفس التي قتل منهم). وعن قتادة: (﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ يقول: فأخاف أن يقتلوني قودًا بالنفس التي قتلت منهم). والمقصود: قتله ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾.\nأي: كلا لا تخف بطش القوم، فاذهب أنت وهارون، إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي. وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].\nقلت: فجاءت صفة السمع والبصر لتفسر المعية. أي إنه سبحانه بذاته فوق عرشه معهما بسمعه وبصره. كما في الآية الأخرى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. قال الإمام البغوي الشافعي (١): (أي: إلا هو رابعهم بالعلم).\nوقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nقال ابن كثير: (وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، أي: كلٌّ منا رسولٌ من ربك إليك، ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: أطلقهم من إسارِكَ وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحِزْبُه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين. فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعونُ عما هُنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغَمْص فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾).\n_________\n(١) هو الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي صاحب \"معالم التنزيل\" (٤٣٦ - ٥١٦ هـ). قال الذهبي: (كان محيي السنة من كبار أئمة المذهب، زاهدًا، ورعًا، متعبدًا، ألف كتاب \"التهذيب\" في المذهب فأتقنه، وصنف كتاب \"شرح السنة\"). انظر مختصر العلو (٢٨١).","vol":"5","page":461},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾. قال القرطبي: (على جهة المنّ عليه والاحتقار. أي: ربيناك صغيرًا ولم نقتلك في جملة من قتلنا).\nوقال النسفي: (والوليد الصبي لقرب عهده من الولادة، أي: ألم تكن صغيرًا فربيناك).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾. أي: مكثت فينا تحت نعمتنا لك مدة من السنين، فمتى كان هذا الذي تدعيه؟ ! .\nوقوله تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. أي: الجاحدين.\nقال ابن زيد: (قال: ربيناك فينا وليدًا، فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منا نفسًا، وكفرت نعمتنا). وعن ابن عباس: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يقول: كافرًا للنعمة أن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر).\nفالمعنى: يقول فرعون: أفبعد أن أنعمنا عليك بالرعاية والتربية والإطعام مدة من السنين في بيتنا، قابلت تلك النعمة أن قتلت منا رجلًا، وجحدت إحساننا إليك.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. قال مجاهد: (من الجاهلين). أي: أقدمت على ذلك القتل قبل أن يوحى إليّ ويكرمني الله تعالى بالرسالة والنبوة.\nوقوله تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nقال القاسمي: (أي تقتلوني على القتل الخطأ، فنجاني الله منكم، وزادني إنعامًا ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أي حكمة أو نبوة ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لإبطال دعواك الربوبية، واستئصال شُبَه ما عليه قومك من الوثنية. وطلب إرسال قومي إلى مواطنهم الأصلية).\nوقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nقال مجاهد: (قهرتهم واستعملتهم). وقال قتادة: (يقول موسى لفرعون: أتمنّ علي أن اتخذت أنت بني إسرائيل عبيدًا). قال ابن كثير: (أي: وما أحسنتَ إليَّ ورَبَّيْتَني مُقابل ما أسأتَ إلى بني إسرائيل! فجعلتهم عبيدًا وخدمًا، تُصرِّفُهم في أعمالك ومشاقِّ رَعيَّتِك، أَفَيفي إحسانُكَ إلى رجلٍ واحدٍ منهم بما أسأتَ إلى مجموعهم؟ ! . أي: ليس ما ذكرتَه شيئًا بالنسبة إلى ما فعلتَ بهم).","vol":"5","page":462},{"text":"٢٣ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن عتو فرعون وطغيانه، وعن تمرّده وجحوده وعناده، فهو يريد إثبات الربوبية لنفسه، وموسى ﵇ يحاجّه بقوارع الوحي ولوازم الربوبية التي لا تكون إلا لله رب السماوات والأرض والمشرق والمغرب، ورب كل شيء ومليكه.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فيه تطاول ومماداة من فرعون اللعين، لأنه صَدَّقَ كَذِبَه حين قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. ولأنه استجهل قومه واستصغر عقولهم كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤].\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿قَالَ﴾ موسى هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يقول: ومالك ما بين السماوات والأرض من شيء ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يقول: إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه، فكذلك فأيقنوا أن ربنا هو رب السماوات والأرض وما بينهما).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾.\nمحاولة من فرعون لكسب تأييد الجماهير له عن طريق الاستخفاف بقيل موسى له.\nقال القرطبي: (فقال فرعون: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ على معنى الإغراء والتعجب من سفه المقالة إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nأي: قال لهم موسى - حين أرادوا إظهار التعجب - بل هو الله تعالى ربكم ورب","vol":"5","page":463},{"text":"آبائكم وأجدادكم. فجاء بدليل يفهمونه عنه، ففناء الآباء والأجداد بانتظام واستمرار لابد لتلك الحوادث من مُغَيِّر، ولا يُعقل أنها تجري جزافًا.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.\nهو محاولة جديدة من فرعون لصرف قوة تأثير موسى على قومه عن طريق الاستخفاف والاتهام بالجنون، شأن المفلسين من الحجة على مدار الزمان.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم، وهذا غاية الإرشاد، حيث عَمَّمَ أولًا بخلق السماوات والأرض وما بينهما، ثم خَصَّصَ من العام للبيان أنفسهم وآباءهم، لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم خَضَصَ المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الاخر على تقدير مستقيم في فصول السنة، وحساب مستو من أظهر ما استدل به).\nوالمقصود: أن موسى ﵊ أراد تصغير فرعون وكبرياءه أمام قومه بحجة الوحي البالغة، فكأنه يقول له: إنك إن كنت تملك بلدًا واحدًا وقومًا تتحكم بحياتهم وشؤونهم فلست بشيء أمام مالك ما بين المشرق والمغرب وما بين السماوات والأرض فاعقلوا معشر السامعين.\n٢٩ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تهديدُ فرعون لموسى إن صرف الإلهية لغيره، ومقابلة موسى له بالآيات الباهرات، والدلالات المعجزات، واتهامُ فرعون له بالسحر وجمعه السحرة للانتصار لسلطانه وطغيانه.","vol":"5","page":464},{"text":"فقوله تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.\nلجوء من فرعون لبسط نفوذه وسلطانه لاحتواء الموقف قبل أن يتدهور ويُكشف الكذب. فقال لموسى: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾.\nقال ابن جرير: (- يقول - أتجعلني من المسجونين ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يبين لك صدق ما أقول يا فرعون وحقيقة ما أدعوك إليه. وإنما قال ذلك له، لأن من أخلاق الناس السكون للإنصاف، والإجابة إلى الحق بعد البيان).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: مبين له خلق حية).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. أي: وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع لمن ينظر إليها. قال النسفي: (فيه دليل على أن بياضها كان شيئًا يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضها نوريًا).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: فاضِلٌ بارعٌ في السِّحْر. فَرَوّجَ عليهم فرعونُ أن هذا من قبيل السِّحر لا من قبيل المعجزة، ثم هَيَّجَهُمْ وحَرَّضَهم على مخالفته والكفْر به. فقال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، أي: أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانُه وأنصارُه وأتباعُه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذَ البلاد منكم، فأشيروا عليَّ فيه ماذا أصنعُ به؟).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾.\nأي: فأجابوه قائلين: أخِّره وأخاه حتى تحشد له عمالقة السِّحر في أرجاء مملكتك ليقارعوا سحره بخبرتهم العالية في هذا الفن، فتكون الغلبة لك في النهاية بعد اندحار أمره وانحسار سحره.\n٣٨ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ","vol":"5","page":465},{"text":"هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾.\nفي هذه الآيات: مجيءُ السحرة للميقات المعلوم، وتقريب فرعون لهم، واجتماع الناس لرؤية من تكون له الغلبة، وابتداء السحرة المشهد بِسحر حبالهم وعصيهم، وإلقاء موسى عصاه لتلقف ما يأفكون، وليخر السحرة ساجدين، معلنين الإيمان بالله رب العالمين، رب موسى وهارون.\nفقوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.\nقال النسفي: (أي: يوم الزينة وميقاته وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى ﵇ من يوم الزينة في قوله تعالى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]).\nوقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: لرؤية ما يعارض معجزة موسى. وكان خَامَرَ فؤادهم عجب منها واندهاش. والاستفهام مجاز عن الحث والاستعجال).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (وحُشِد الناسُ في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾، ولم يقولوا: نَتَّبع الحق سواءٌ كان من السَّحَرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.\nأي: فلما جاء السحرة للمكان المخصص لهم وقد حشد فرعون حشمه وخدَمه ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، كلّم السحرة فرعون قبل الشروع في مهمتهم يذكّرونه بما يأملون من الإحسان منه إليهم والرفع لمنزلتهم عنده إذا هم أفلحوا في","vol":"5","page":466},{"text":"وظيفتهم وربحوا الجولة على موسى. فأجابهم: نعم وبكل تأكيد إنكم ستكونون من أخص المقربين، ومن أقرب الجلساء والمعنيّين.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.\nأي: لما اطمأنوا من فرعون على ما يطمحون لديه من المنزلة بعد النصر، عادوا إلى مقام المناظرة. وفي الكلام اختصار يفسره قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٥ - ٦٦].\nفألقوا حبالهم وعصيهم التي تشكل أدوات سحرهم وأقسموا بعزة فرعون ليكونن من يكسب هذه المنافسة والمناظرة. قال النسفي: (أقسموا بعزته وقوته وهو من أيمان الجاهلية). قال ابن كثير: (وهذا كما يقول الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئًا: هذا بثواب فلان).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.\nفيه اختصار لتفصيل أكبر ورد في سورة الأعراف وطه.\n١ - قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٦ - ٦٩].\n٣ - وقال ها هنا: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من الفرية والسحر الذي لا حقيقة له، وإنما هو مخاييل وخدعة).\nوالمقصود: أن عصا موسى تحولت بإذن الله إلى حَيَّة تخطف وتبتلع كل أدوات مكر السحرة ضمن مشهد رهيب.\nوقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\nقال عكرمة: (أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء).\nفنصر الله الحق في يوم مشهود، وكان نصرًا كبيرًا مؤزرًا خُذِلَ فيه فرعون بغطرسته أيما خذلان، إذ استنصر بالسحرة ومهّد لهم من الوعود والآمال الكبيرة، فإذا بهم","vol":"5","page":467},{"text":"يؤمنون ويخذلونه ويخرون لله ساجدين، قائلين آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون، كافرين بربوبية فرعون الكاذبة ومكر أتباعه وجنده المجرمين.\n٤٩ - ٥١. قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾.\nفي هذه الآيات: شروعُ فِرعون باللجوء إلى التهديد والبطش والتوعد للسحرة الذين قابلوه بإيمان كالجبال، مستخفين ببأسه طامعين بمغفرة الله رب العالمين.\nفقوله: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾.\nيقول فرعون: إنه كان ينبغي أن تستأذنوني في أمر إيمانكم فإني أنا الحاكم المطاع والأمر لي ولا يكون الإيمان إلا بي.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. قال ابن كثير: (وهذه مكابرة يعلم كُلُّ أحدٍ بُطلانَها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرَهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ ! هذا لا يقوله عاقل).\nوقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. توعَّدهم بقطع الأيدي والأرجل والصَّلب.\nقال القاسمي: (﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ أي: جانبين متخالفين). وقال النسفي: (﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ من أجل خلاف ظهر منكم).\nوقوله: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾. أي: لا حرج، فليكن ما يكون، لقد ظهر الحق وكُشِفَ عن القلوب حجاب الكفر، فما كان من أمر موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون عن خالق البشر، الذي أيده بنصره وتمكينه وأبطل المكر والسحر، فافض ما أنت قاض فإنا لا نبالي ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ - أي: المرجع والمآل إليه، والثواب والعقاب بين يديه، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخيب عنده جهاد المؤمنين وصبرهم على الأذى والظلم. قال ابن زيد: (﴿لَا ضَيْرَ﴾ هو يقول: لا يضرّنا الذي تقول، وإن","vol":"5","page":468},{"text":"صنعته بنا وصلبتنا ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ يقول: إنا إلى ربنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر به).\nوقوله: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾.\nقال ابن زيد: (السحر والكفر الذي كانوا فيه).\nوقوله: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن وهب، قال ابن زيد: (كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها).\nوالمقصود: إنا نرجو عفو الله ومغفرته عما انغمسنا فيه من السحر والكفر وطاعة فرعون، ونتوسل إليه سبحانه بعمل صالح: أن كنا أول من أعْلنَ إيمانه بالله العظيم.\n٥٢ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nفي هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى موسى ﵇ الخروج ليلًا مع بني إسرائيل، واتباع فرعون وجنوده لهم، وإغراق الله تعالى فرعون وجنده واستخلاف بني إسرائيل.\nفقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾.\nسنة الله تعالى في التوطئة لإنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين، بعد رضاه سبحانه عن منهاج فئة الإيمان، وبلاع حجة الرحمان، حجة الوحي البالغة. فإنه لما قام موسى ﵇ ببلاد مصر يدعو إلى عبادة الله وحده والكفر بفرعون وغروره في دعواه الربوبية، لم يكن بُدٌّ بعد حين مِن استعارِ نار العداوة من الطاغية إلى حد الطغيان، فهنا جاء أمر الله لموسى والمؤمنين بالهجرة فقد اقترب يوم الفصل.\nقال القرطبي: (أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلًا وسمّاهم عباده، لأنهم آمنوا بموسى. ومعنى: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي: يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم. وفي ضمن هذا الكلام تعريفهم أن الله ينجيهم منهم، فخرج موسى ﵇ ببني إسرائيل سَحَرًا،","vol":"5","page":469},{"text":"فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر. قال: فلما أصبح فرعون وعلم بِسُرى موسى ببني إسرائيل، خرج في أثرهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.\nقال النسفي: (أي جامعين للناس بعنف). والمقصود: أن فرعون قد استنفر وبعث بأمره إلى مدائن مصر لتلحقه العسكر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.\nقال القاسمي: (-أي- جامعين لعسكره، قائلين ما يقلِّل به الأعداء في أعين الجنود).\nوأصل الشِّرذمة - في كلام العرب - الجمع القليل المحتقر، والجمع: الشَّراذِم. قال الجوهري: (الشِّرذمة الطائفة من الناس والقطعة من الشيء).\nوالمقصود: يقول فرعون مشجعًا جنوده في الأمصار، على الالتحاق به بسرعة واستنفار، إن هؤلاء - يعني بني إسرائيل - طائفة قليلة خرجت عن الطاعة ولا بد من تأديبها.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾. هو من قيل فرعون الممتلئ صدره غيظًا مما يجري ضده.\nأي: وإنهم في مسلكهم هذا يفعلون أفعالًا تغيظنا، وتضيق به صدورنا، من اختيارهم الإيمان على غير طريقتنا، وخلاف أمرنا، وخروجه دون إذننا.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. أي: متيقظون مستعدون حذرون، متهيئون بالسلاح لاستئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم والإجهاز عليهم.\nقال النسفي: (وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به العجز والفتور).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. أي: انقلب المكر على أهله.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأخرجنا فرعون وقومه من بساتين وعيون ماء، وكنوز ذهب وفضة، ومقام كريم).","vol":"5","page":470},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nأي: وأورث الله ذلك الجاه والمنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق مؤمني بني إسرائيل.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق تلك الآيات أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: [لما فتحت قبرس فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهونَ الخلق على الله ﷿ إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن مُرَّة قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني مَنْ سَمِعَ النبي - ﷺ - يقول: [لَنْ يَهْلِكَ الناسُ حتى يُعْذَروا من أنْفسهم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث جرير أن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) أخرجه أحمد من حديث الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه. انظر: \"الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي\" ص (٤٥).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٤٧) - كتاب الملاحم - باب الأمر والنهي، وأخرجه أحمد (٤/ ٢٦٠)، (٥/ ٢٩٣)، وهو حديث صحيح كما قال الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥١٠٧).","vol":"5","page":471},{"text":"[ما مِنْ قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، هُمْ أَعَزُّ وأكثرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ، لمْ يُغيِّروه، إلا عَمَّهم الله بعقاب] (١).\nالحديث الرابع: أخرج البيهقي في \"شعب الإيمان\" بسند حسن في الشواهد عن عائشة مرفوعًا: [إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله ﷿ بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله] (٢). وله شاهد عند الطبراني والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعًا: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قرية، فقد أحَلُّوا بأنفسهم عذاب الله].\n٦٠ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾.\nفي هذه الآيات: قصةُ غرق الطاغية فرعون وجنده الظالمين، وانفلاق البحر ونجاة موسى ﵇ والمؤمنين، وفي ذلك أكبر آية من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.\nفقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. قال مجاهد: (فرعون وأصحابه، وخيل فرعون في ملء أعنتها في رأي عيونهم، ولا تبرح، حبست عن موسى وأصحابه حتى تواروا). وقوله: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ حال، أي: داخلين في وقت شروق الشمس وهو طلوعها، أدرك فرعون - الذي خرج في جَحْفلٍ عظيم وجمع كبير من الجنود والأعوان والأمراء والوزراء - موسى وقومه وقت طلوع الشمس.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤٠٠٩) في الفتن. باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبيهقي في \"السنن\" (١٠/ ٩١)، ورواه أحمد وغيره.\n(٢) حديث حسن. أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤٤١/ ٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٧٢). وانظر للشاهد صحيح الجامع الصغير (٦٩٢).","vol":"5","page":472},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.\nأي: فلما رأى كل فريق من الفريقين صاحبه قال أصحاب موسى له: إنا لملحقون.\nقال النسفي: (أي: قرب أن يلحقنا عدونا وأمامنا البحر).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. قال السدي: (يقول: سيكفيني).\nأي: قال موسى لقومه كلا لا تخافوا وأحسنوا ثقتكم بالله فإنكم لن تُدْرَكُوا، إنَّ معي ربي سيهديني. قال ابن جرير: (يقول: سيهديني لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: كالجبل). وقال السدي: (﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾: كالجبل العظيم). أي: فأوحينا أمرنا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق بإذن الله فكان كل جزء متفرق منه كالجبل الكبير.\nقال ابن عباس: (صار البحر اثني عشر طريقًا، لكل سِبْطٍ طريق). وزاد السدي: (وصار فيه طاقاتٌ ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حَيْلِهِ كالحيطان، وبعثَ الله الريح على قَعر البحر فَلَفَحته، فَصَار يَبَسًا كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. قال ابن عباس: (قرّبنا).\nوقال قتادة: (هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر).\nقال القاسمي: (﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ أي: قرّبنا ﴿ثَمَّ﴾ أي: حيث انفلق البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾ يعني قوم فزعون، أي: قدمناهم إلى البحر حتى دخلوا على أثر بني إسرائيل).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.\nأي: حفظنا البحر على تلك الهيئة حتى عبر موسى ومن معه ونجوا. ثم أطبقنا البحر على قوم فرعون فهلكوا ولم يبق منهم أحد.\nأخرج الإمام الترمذي في جامعه، والإمام أحمد في مسنده، بسند صحيح عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: [لمَّا أغرق الله فِرْعونَ قال: آمَنْتُ أنَّه لا إله إلا الذي آمنت به","vol":"5","page":473},{"text":"بنو إسرائيل. فقال جبرئيل: يا مُحمَّدُ لو رَأَيْتَني وأنا آخذ من حالِ البَحْر وأدُسُّهُ في فيهِ مخافةَ أنْ تدركَهُ الرَّحْمة] (١).\nوكذلك روى الترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي - ﷺ -: [أنّهُ ذَكَرَ أنَّ جِبْرَئيل جعل يَدُسُّ في فِي فِرْعونَ الطينَ، خَشْيةَ أن يقولَ: لا إلهَ إلا الله فَيرحَمَهُ الله، أوْ خَشْيَةَ أن يَرْحَمَهُ] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nأي: إن في هذا الخبر عن فرعون ومصيره هو وقومه وما في ذلك من العجائب والنصر والتأييد من الله لعباده المؤمنين، لدلالة وحجة بالغة لمن أراد الاعتبار والتدبر، ولكن ما كان أكثر قومك - يا محمد - مؤمنين بما آتاك الله من الآيات والحق المبين. وإن ربك لهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه ممن كفر به وكذب رسله ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه وأتباع رسله ومن أنجى منهم أن ينالهم الغرق والعذاب الذي نزل بأعدائه.\nقال ابن جرير: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين بما آتاك الله من الحق المبين، فسابق في علمي أنهم لا يؤمنون).\n٦٩ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، إمام الحنفاء وقدوة الموحدين، وأسوة المخلصين والمتوكلين، في خطابه لأبيه وقومه المشركين، الذين يعبدون الأصنام محتجين بفعل آبائهم الضالين، وقد أعلن لهم براءته من أوثانهم وخضوعه الكامل لله رب العالمين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٢٠). انظر صحيح الترمذي (٢٤٨٣) -في التفسير- من سورة يونس. ورواه أحمد عن ابن عباس. انظر صحيح الجامع (٥٠٨٢).\n(٢) صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٤٨٤) - أبواب تفسير القرآن.","vol":"5","page":474},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾.\nأي: واقصص يا محمد على قومك من المشركين خبر أبيهم إبراهيم، إذ استنكر على أبيه وقومه ما يعبدون من دون الله من الأصنام والأوثان.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (الصلاة لأصنامهم). قال ابن جرير: (قالوا له نعبد أصنامًا. فنظل لها خدمًا مقيمين على عبادتها وخدمتها).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.\nأي: قال لهم إبراهيم: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، أو يجلبون لكم النفع إن عبدتموها، أو يضرونكم بأذى إن تركتم عبادتها؟ ! فأجابوه معترفين بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك وإنما هو تعظيم ميراث الآباء وطريقتهم.\nقال أبو السعود: (اعترفوا بأنها بمعزل مما ذكر من السمع والمنفعة والمضرّة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير فَلْتخْلُص إليَّ بالمساءة، فإني عَدُوٌّ لها لا أباليها ولا أفكِّرُ فيها).\nوفي التنزيل من سير الأنبياء نحو ذلك:\n١ - قال تعالى - مخبرًا عن نوح ﵇ -: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١].\n٢ - وقال تعالى - مخبرًا عن هود ﵇ -: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].\n٣ - وقال تعالى - مخبرًا عن إبراهيم - ﷺ -: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].","vol":"5","page":475},{"text":"٤ - وقال تعالى عنه أيضًا: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام: ٨١].\n٧٨ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلانُ إبراهيم لقومه بعض صفات ربه الكريم، فهو الذي خلقه ويهديه، ويطعمه ويسقيه، وإذا مرض فهو يشفيه، وهو الذي يميته ويحييه، وهو بذلك خاضع له طامع بمغفرته، والنجاة من سخطه وعذابه.\nفقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾. أي: يرشدني إلى الدين الحق. قال ابن جرير: (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ للصواب من القول والعمل، ويسدّدني للرشاد).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾.\nأي: والذي هو يغذوني بالطعام والشراب، ويرزقني الأرزاق والطيبات.\nقال القرطبي: (ودخول ﴿هُوَ﴾ تنبيه على أن غيره لا يُطعم ولا يسقي، كما تقول: زيد هو الذي فعل كذا، أي: لم يفعله غيره).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.\nأي: وإذا اعتل جسمي ونزلت به الأسقام والآلام، فهو وحده الذي يبرئه ويشفيه ويعافيه. وفي الآية دلالة على أدب رفيع تألق به إبراهيم - ﷺ -، إذ نسب المرض لنفسه والشفاء لله، مع أن الكل من عند الله، وإنما هذا منهاج العبودية الصحيحة لله جل ثناؤه، فإن المؤمن يعتبر ما يعتريه من المصائب والأسقام والهموم والآلام بسبب ذنوبه وتقصيره.\nكما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].","vol":"5","page":476},{"text":"وفي معجم الطبراني \"الصغير\" بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اخْتلَجَ عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بِذَنْبٍ، وما يَدْفَعُ الله عنه أكثر] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾.\nأي: وهو الذي يميتني إذا شاء ثم يحييني متى شاء، فالبدء والمنتهى إليه، وبأمره البعث للقيام بين يديه.\nقال النسفي: (ولم يقل إذا مت لأنه الخروج من حبس البلاء، ودار الفناء، إلى روض البقاء، لوعد اللقاء، وأدخل ثم في الإحياء لتراخيه عن الإفناء، وأدخل الفاء في الهداية والشفاء لأنهما يعقبان الخلق والمرض لا معًا معًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.\nقال مجاهد: (قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله لسارة: إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها).\nوهذه الأخطاء التي كان يخشى منها إبراهيم -﵊- ما هي إلا من المعاريض الجائزة، وإنما استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم لأنفسهم، وتربية وتعليم لأمتهم، لينهجوا نهج الاستغفار، الذي هو مفتاح كثير من الفرج ونزول طيب الأقدار.\n٨٣ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾.\nفي هذه الآيات: التجاءُ إبراهيم ﵇ إلى ربه سائلًا العلم والحكمة واللحاق بركب الصالحين، وحفظ السمعة العطرة له في الآخرين، وجعله من ورثة جنة\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (رقم ١٠٥٣)، وعنه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢٤٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢١٥).","vol":"5","page":477},{"text":"النعيم، والمغفرة لأبيه الذي كان من الضالين، وحفظه من الخزي يوم الدين، يوم لا ينفع المال والولد بل العمل الصالح والقلب السليم.\nفقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾. قال ابن عباس: (وهو العِلْم). وقال مجاهد: (هو القرآن). وقال السدي: (هو النبوة) - وبه قال ابن جرير. قال النسفي: (﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ أي: حكمة، أو حكمًا بين الناس بالحق، أو نبوة، لأن النبيّ ﵇ ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله).\nوقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: وفقني لأنتظم في سلكهم، لأكون من الذين جعلتهم سببًا لصلاح العالم وكمال الخلق).\nوفي المسند وسنن النسائي من حديث ابن رفاعة الزُّرَقي عن أبيه - في دعاء النبي - ﷺ - بعد غزوة أحد: [اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (هو اجتماع الأمم عليه). وقال مجاهد: (يعني الثناء الحسن). وقال ابن زيد: (اللسان الصِّدق، والذكر الصدق، والثناء الصالح، والذكر الصالح، في الآخرين من الناس، من الأمم).\nوالمقصود: أنَّ إبراهيم ﵇ سأل ربه تعالى أن يجعل له الذكر الجميل في الأمم وأن يجعله قدوة تتأسى به الأجيال. وقد حصل له ذلك بفضل الله، كما قال ليثُ بن أبي سُلَيم: (كُلُّ ملة تُحِبُّه وتتولّاه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٢٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٤٤٥).","vol":"5","page":478},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾.\nقال القرطبي: (دعاء بالجنة وبمن يرثها). وقال ابن جرير: (أورثني يا ربّ من منازل مَنْ هلك من أعدائك المشركين بك من الجنة، وأسكني ذلك).\nقلت: ومن السنة المطهرة في آفاق هذا المعنى للآية أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم عن ابن عمر، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [إنَّ أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغداة والعشي، إنْ كانَ مِن أهل الجنة فَمِنْ أهل الجنة، وإنْ كان من أهل النار فمِنْ أهل النار. يقال: هذا مقعدك حتى يبعثكَ الله إليه يوم القيامة] (١).\nوفي رواية: [ثم يقال: هذا مَقْعَدكَ الذي تُبْعَثُ إليه يوم القيامة].\nالحديث الثاني: روى مسلم كذلك عن أنس - في حديث سؤال الملكين - قال نبي الله - ﷺ -: [فأما المؤمن فيقول: أشهدُ أنه عبدُ الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدِك مِنَ النار، قد أبدلك الله به مَقْعَدًا من الجنة. قال نبي الله - ﷺ -: فيراهُما جميعًا] (٢).\nقال قتادة: (وذُكِرَ لنا أنَّهُ يُفْسَحُ له في قبره سبعون ذِراعًا، وَيُمْلأُ عليه خَضِرًا إلى يوم يُبعثون).\nالحديث الثالث: أخرج ابن عساكر، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" من طرق عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [إذا كان يومُ القيامة بُعِثَ إلى كُلِّ مُؤْمِنٍ بِمَلَكٍ مَعَهُ كافِرٌ، فيقول المَلكُ للمؤمِن: يا مؤمن! هاكَ هذا الكافر، فهذا فِداؤك من النار] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾.\nأي: واصفح عن شرك أبي بك وتجاوز عنه، إنه كان ممن ضَلّ عن سبيل الهدى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٦٦) - كتاب الجنة ونعيمها، من حديث عبد الله بن عمر.\n(٢) حديث صحيح - أخرجه مسلم (٢٨٧٠) - كتاب الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن عساكر (١٨/ ٢/١٤٣)، وبنحوه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٨٠)، وانظر مسند أحمد (٤/ ٣٩١)، وصحيح مسلم (٨/ ١٠٤).","vol":"5","page":479},{"text":"والحق. وهو كقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١]. وقد تراجع إبراهيم - ﷺ - عن مثل هذا الدعاء حين علم نهي الله تعالى عن ذلك.\nكما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. أي: نجني من الخزي يوم تبعث عبادك.\nقال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - باب: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: [وقال إبراهيم بن طَهْمان عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن إبراهيم ﵊ يرى أباه يَوْمَ القيامة عليه الغَبَرَةُ والقَترَة\". والغَبَرَة: هي القترة] (١).\nثم قال البخاري: حَدّثنا إسماعيل، حدثنا أخي عن ابنِ أبي ذِئب، عن سعيد المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: [يَلْقى إبراهيم أباهُ فيقول: يا رب إنك وَعَدْتني أن: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ فيقول الله: إني حَرَّمتُ الجنة على الكافرين] (٢).\nوقد أورد البخاري تفصيل هذه الرواية في كتاب أحاديث الأنبياء، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: [يَلْقى إبراهيمُ أباه آزرَ يَوْمَ القيامة وعلى وجهِ آزر قتَرَةٌ وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: أَلَمْ أَقُلْ لك: لا تَعْصِني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أَعْصِيكَ، فيقول إبراهيم: يا رَبِّ إنَّك وَعَدْتني أنْ لا تُخْزِيَني يوم يُبعثون، فأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِنْ أبي الأبْعَد؟ فيقول الله تعالى: إني حَرَّمْتُ الجنة على الكافرين، ثم يُقال: يا إبراهيمُ ما تَحْتَ رجْلَيْك؟ فَينْطرُ فإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخ فَيُؤْخَذُ بقوائِمِه فَيُلقى في النار] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.\nقال القاسمي: (أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا. ولا بنوه، وإن كانوا غاية في القوة. فإن الأمر ثمة ليس كما يعهدون في الدنيا،\n_________\n(١) ذكره البخاري تعليقًا (٤٧٦٨) - كتاب التفسير من صحيحه - سورة الشعراء، آية (٨٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٦٩) - كتاب التفسير- الباب السابق، آية (٨٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥٠) - كتاب أحاديث الأنبياء. وانظر (٤٧٦٩) - نحوه.","vol":"5","page":480},{"text":"بل لا ينفع إلا الموافاة بقلب سليم من مرض الكفر والنفاق والخصال المذمومة والملكات المشؤومة).\nقلت: فأما إن صرف المال في وجوه البر وكان بنوه صالحين فإنه ينتفع بهم، فيكون المال والبنون حينئذ من الباقيات الصالحات.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس - ﵁ - قال: [كانَ أبو طَلْحَةَ - ﵁ - أكثرَ الأنصار بالمدينة مالًا مِنْ نَخْل، وكانَ أَحَبُّ أمْوالِهِ إليه بَيْرَحَاء، وكانت مستقبلةَ المسجد (١)، وكان رسول الله - ﷺ - يدخُلُها ويَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فيها طَيِّبٍ (٢). قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن الله تعالى أَنْزلَ عَلَيْك: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ مالي إليَّ بَيْرَحاءُ، وإنها صَدَقَةٌ لله تعالى أرجو بِرَّها (٣) وذُخْرَها عند الله تعالى، فَضَعْها يا رسول الله - ﷺ - حيث أراك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: بخٍ (٤)! ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإني أرى أن تَجْعَلَها في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فَقَسَّمَها أبو طلحة في أقاربه، وبني عَمِّه] (٥).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عقبة بن عامر يقول: سمعت\n_________\n(١) أي: المسجد النبوي. وبَيْرَحاءُ: حَدِيقَةُ نَخْلٍ، وروي بكسر الباء وفتحها.\n(٢) أي: ماء عذب.\n(٣) \"بِرَّها\": أي خيرها، و\"وذُخرها\" أي: أجرها عند الله تعالى.\n(٤) \"بَخٍ\" بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وقد تنون مع التثقيل والتخفيف، بالكسر والرفع: كلمة تقال لتفخيم الأمر والإعجاب به.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ٢٥٧)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٩٩٨).","vol":"5","page":481},{"text":"رسول الله - ﷺ - يقول: [من كان له ثلاث بنات، فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته، كن له حجابًا من النار يوم القيامة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو يعلى في مسنده بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من كن له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، فاتقى الله وأقام عليهن كان معي في الجنة هكذا، وأومأ بالسباحة والوسطى] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد وابن حبان بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من عالَ ابنتين، أو ثلاث بنات، أو أختين أو ثلاث أخوات، حتى يمتن (وفي رواية: يبلغن) أو يموت عنهن كنت أنا وهو كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى] (٣).\nوله شاهد في صحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث أنس مرفوعًا: [من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه] (٤).\nالحديث الخامس: خرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إذا ماتَ الإنسانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلا من ثلاثة: إلا مِنْ صَدَقَةٍ جارية، أو عِلْمٍ ينُتَفَعُ به، أو وَلَدٍ صالحٍ يدعو له] (٥).\nوأما قولهُ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ففيه أقوال متقاربة متكاملة.\n١ - عن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، يعني: يشهد أن لا إله إلا الله).\n٢ - وقال مجاهد: (﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يعني: من الشرك). أو قال: (ليس فيه شك في الحق).\n٣ - وقال ابن زيد: (سليم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٦٦٩)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٦)، وأخرجه أحمد (٤/ ١٥٤)، وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١/ ١٧٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٩٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٤٧ - ١٤٨)، وابن حبان (٢٠٤٥) من طريقين، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٥٧) بنحوه من رواية الطبراني في \"الأوسط\".\n(٤) حديث صحيح. رواه مسلم (٨/ ٣٨ - ٣٩) واللفظ له، ورواه الترمذي (١/ ٣٤٩).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٦٣١) - كتاب الوصية. باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"5","page":482},{"text":"٤ - وقال سعيد بن المسيِّب: (القلب السليمُ: هو القلب الصحيح، وهو قلبُ المؤمن، لأن قلب المنافق مريض، قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]).\n٥ - وقال أبو عثمان النيسابوري: (هو القلب الخالي من البِدعة، المطمئِنُّ على السُّنَّةِ).\n٦ - وقال الضحاك: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: هو الخالص).\nقلت: وكل هذه الأقوال يدل على المعنى، وهو أن القلب السليم هو القلب الذي سلم من الشرك والنفاق وخلص فيه التوجه إلى الله تعالى على منهاج النبوة.\n٩٠ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى عن جنة الخلد كيف قربت يوم القيامة من أهلها وأدنيت منهم مزخرفة مزينة لأهل التقوى أهل النعيم، وعن نار جهنم كيف أظهرت وهي تزفر لأهلها المشركين والمجرمين، ثم ألقوا فيها أذلاء صاغرين، فهم فيها وإبليس وجنوده يختصمون، وقد حيل بينهم وبين الشفاعة وما يشتهون، وفي ذلك أكبر الآيات من الله العزيز الرحيم، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.\nفقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي قربت وأدنيت ليدخلوها). وقال الزجاج: (قرب دخولهم إياها).\nوقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأظهرت النار للذين غووا فضلوا عن سواء السبيل). وقال ابن كثير: (أي: أُظهِرت وكُشِفَ عنها، وبدت","vol":"5","page":483},{"text":"منها عُنُقٌ فَزَفرت زَفرة بلغت منها القلوب الحناجر). وقال القرطبي: (أي: أظهرت ﴿الْجَحِيمُ﴾ يعني جهنم. ﴿لِلْغَاوِينَ﴾ أي: الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي: تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مَعَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾.\nتقريع وتوبيخ لأهل النار الذين استحقوا دخولها بعبادتهم الأوثان والأنداد والطواغيت من دون الله. فيقال لهم: أين الأنداد اليوم لينقذوكم من عذاب الله وبأسه وغضبه؟ ! أو ينصرون أنفسهم فينجون من دخول النار معكم!؟\nقال النسفي: (يوبخون على إشراكهم فيقال لهم: أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم؟ أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم؟ لأنهم وآلهتهم وقود النار).\nوقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. أي: فرمي ببعضهم في الجحيم على بعض منكبين على وجوههم إذلالًا لهم. قال ابن عباس: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ يقول: فجمعوا فيها). وقال مجاهد: (﴿فَكُبْكِبُوا﴾: فدهوروا). وقال ابن زيد: (طرحوا فيها). وعن قتادة: (﴿وَالْغَاوُونَ﴾: الشياطين).\nوفي لغة العرب: كبكَبهُ أي كبَّهُ، وكبَّه الله لوجهه أي: صرعه. والمقصود: ألقي الكفار بعضهم على بعض في جهنم وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك. قال الزمخشري: (والكبكبة تكرير الكب - وهو الإلقاء على الوجه - جعل التكرير في اللفظ دليلًا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها).\nوقوله تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وكبكب فيها مع الأنداد والغاوين جنود إبليس أجمعون. وجنوده، كل من كان من تباعه من ذرّيته كان أو من ذرّية آدم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ١٤٩) - كتاب صفة النار، باب: في ذكر أزِمَّةِ النار. والزمام: ما يزم به الشيء أي يشد ويربط. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٧٥).","vol":"5","page":484},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nأي: يتخاصم الضعفاء مع الطغاة في نار جهنم، يقولون لهم: تالله لقد كنا في ضلال عن الحق حين نعدلكم برب العالمين، فنطيعكم في غيكم ومكركم وكفركم بدلًا من طاعة الله رب العالمين.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. قال عكرمة: (إبليس وابن آدم القاتل).\nقال القاسمي: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: رؤساؤهم، كما في آية: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.\nتحَسُّرٌ من أصحاب النار على أنفسهم. أي: كانوا يظنون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وفي أصدقائهم من شياطين الإنس والجن أنهم أهل منفعة لهم في مثل هذه النوائب.\nقال قتادة: (يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع).\nقال الزمخشري: (و\"الحميم\" من الاحتمام وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك. أو من \"الحامة\" بمعنى الخاصة. وهو الصديق الخاص. وفيه معنى الحدة والسخونة. كأنه يحتدّ ويحمى، لحماية خليله ورعايته، والقيام بمهماته. وهذا هو الذي قيل: \"إنه أعز من بيض الأنوق\" وإنه اسم بلا مسمى).\nوفي التنزيل:\n﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].\nوقوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: فلو أن لنا رجعة إلى دار الدنيا فنحسن الإيمان والعمل ونستأنف طريق النجاة. قال ابن كثير: (وذلك أنهم يتَمنَّون أن يُردُّوا إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، وهو ﷾ يعلم أنه لو رَدَّهم إلى الدار الدنيا لعادُوا لما نُهوا عنه وإنهم لكاذبون).","vol":"5","page":485},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nأي: إن في احتجاج إبراهيم على قومه بحجج الوحي البالغة أنه لا إله إلا الله، وأن من قلّد قوم إبراهيم في شركهم مآله كمآلهم يكبكبون في النار مع جنود إبليس أجمعين، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (وما كان أكثرهم في سابق علمه مؤمنين. وإن ربك يا محمد لهو الشديد الانتقام ممن عبد دونه ثم لم يتب من كفره حتى هلك، الرحيم بمن تاب منهم أن يعاقبه على ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم).\n١٠٥ - ١٢٢. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تكذيبُ قوم نوح رسولهم واستخفافهم بالمؤمنين، وحثهم له على طردهم والانتهاء من دعوته أو ليكونن من المرجومين، ولجوء نوح - ﷺ - إلى الله ليفصل بينه وبين قومه المكذبين، وإجابة الله تعالى له بنجاته في السفينة والمؤمنين، وفي ذلك أكبر الآيات من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿كَذَّبَتْ﴾ والقوم مذكر، لأن المعنى: كذبت جماعة قوم نوح، وقال: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ لأن من كذب رسولًا فقد كذب الرسل، لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل: كذبوا نوحًا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل: ذكر الجنس والمراد نوح ﵇).","vol":"5","page":486},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ نسبًا لا دينًا ﴿نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام).\nقلت: وقد ضل بعض المغرورين في هذا الزمان من المتعالمين حين استدلوا بهذه الآية على جواز الإشارة إلى أهل الكتاب بأنهم إخوانهم ويقصدون الأخوة في الدين، مع أن الآية تدل على أخوة المجانسة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، أو أن نوحًا ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين، كقول العرب: يا أخا بني عمرو، يعنون: يا واحدًا منهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.\nإن نوحًا - ﷺ - هو أول رسول بُعث إلى أهل الأرض. كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - حديث الشفاعة -: [فيأتون نوحًا - ﷺ - فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسمّاك الله عبدًا شكورًا فاشفع لنا إلى ربك] الحديث (١). فقال لقومه: إني لكم رسول ﴿أَمِينٌ﴾ أي: صادق في إبلاغي لكم رسالة ربي أن تعبدوه وحده لا شريك له، وتستتروا بطاعته من عقابه. وتطيعوني فيما آمركم به من الإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. أي: وما لي طمع في أموالكم وإنما أرجو جزاء دعوتي إليكم عند الله رب العالمين. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: استتروا بطاعته وتعظيم أمره، وأطيعوني في نصحي لكم.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (قالوا: أنؤمن لك يا نوح، ونقرّ بتصديقك فيما تدعونا إليه، وإنما اتبعك منا الأرذلون دون ذوي الشرف وأهل البيوتات).\nقلت: وهذا شأن الملأ الكافر على مر الزمان، فإنهم يحتجون على رسلهم بالكبر وحب الرياسة والشرف ويترفعون عن الجلوس مع ضعفاء المؤمنين. لقد اعتادوا الظلم والعلو والبغي في الأرض بغير الحق. وقد واجه مشركو قريش النبي - ﷺ - بهذه الصيغة كما جاء في السنة الصحيحة في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سعد - ﵁ - قال: [فيَّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ١٢٧ - ١٢٩)، في أثناء حديث طويل. ورواه البخاري وأحمد.","vol":"5","page":487},{"text":"نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تدني هؤلاء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سعد قال: [كنا مع النبي - ﷺ - ستة نفر، فقال المشركون للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع فحدّث نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾.\nقال ابن جريج: (هو أعلم بما في نفوسهم).\nقال القرطبي: (\"كان\" زائدة، والمعنى: وما علمي بما يعملون، أي: لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحِرَف والصَّنائع. وكأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعًا في العزة والمال. فقال: إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إليّ ظاهرهم. وقيل: المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم، ويرشدهم ويغويكم، ويوفقهم ويخذلكم. ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾ أي: في أعمالهم وإيمانهم ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\nأي: إنما بعثت نذيرًا إلى الناس كافة، وما أرسلت خصوصًا لأهل الغنى والشرف دون أهل الفقر والحاجة. ومن ثمَّ فلا يجوز لي أن أطرد المؤمنين لخساسة أحوالهم وأشغالهم، وأقدم الشرفاء والرؤساء.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. قال ابن عباس: (من المقتولين). وقال قتادة: (﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: أي بالحجارة). وقال ابن جرير: (يقول: قال لنوح قومه: لئن لَمْ تنته يا نوح عما تقول، وتدعو إليه، وتعيب به آلهتنا، لتكوننّ من المشتومين، يقول: لنشتمنك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤/ ١٨٧٨)، حديث رقم (٢٤١٣). وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية (١/ ٢٤٢ - ٢٤٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٢/ ١٣٨٣)، وانظر المرجع السابق (١/ ٢٤٣).","vol":"5","page":488},{"text":"قلت: ومثل هذا التهديد عادة يشمل الشتم وبسط الأيدي في الأذى كما حصل لكثير من الرسل من أقوامهم.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: احكم بيننا بما ينبغي لكل واحد منا، ونجني ومن اتبعني من المؤمنين. فهو لجوءٌ من نوح - ﷺ - إلى ربه تعالى حين استعصى القوم وأصروا على الكفر، كما قال جل ثناؤه في سورة القمر: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [١٠ - ١٤].\nقال الزمخشري: (الفتاحة: الحكومة. والفتاح: الحاكم. لأنه يفتح المستغلق. كما سمي فيصلًا لأنه يفصل بين الخصومات).\nوفي \"التهذيب\": (الفتح أن تحكم بين قوم يختصمون إليك).\nقلت: والله تعالى هو: \"الفتّاح\" أي: الحاكم بين عباده، كما قال جل ذكره في سورة \"سبأ\": ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]. قال الحافظ ابن كثير: (﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: يعني الموقر). وقال مجاهد: (المفروغ منه تحميلًا). وقال قتادة: (هو المحمل).\nوالمقصود: فاستجاب الله دعاء نوح - ﵇ - فأنجاه والمؤمنين معه في الفلك المملوء بالأمتعة والأزواج التي أُمِرَ أن يحمل، ثم كان الغرق والهلاك على القوم المكذبين، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n١٢٣ - ١٤٠. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا","vol":"5","page":489},{"text":"تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تكذيبُ عاد رسولهم الذي حذّرهم نقمة الله بهم إن أصرّوا على شركهم وكبرهم، وكفرهم بنعمه تعالى عليهم، فما زالوا في عنادهم واستهزائهم حتى نزل أمر هلاكهم من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾. أي: كذبوا رسولهم- هودًاﷺ -، فهم بذلك يكذبون جميع المرسلين.\nقال القرطبي: (التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة). وقال النسفي: (هي قبيلة، وفي الأصل اسم رجل هو أبو القبيلة).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (وهذا إخبارٌ من الله تعالى عن عبده ورسوله هُودٍ - ﵇ -: أنه دعا قومه عادًا وكانوا قومًا يسكنُون الأحقاف، وهي جبالُ الرمل قريبًا من بلاد حَضْرَموتَ، متاخمةٌ لبلاد اليمن، وكان زمانُهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]، وذلك أنهم كانوا في غاية من قُوَّة التركيب، والقُوَّة والبطش الشديد، والطولِ المَديدِ، والأرزاقِ الدارَّة، والأموالِ والجَنّاتِ والعيونِ، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غيرَ الله معه، فبعث الله إليهم رجلًا منهم رسولًا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى الله وحدَه، وحذّرهم نِقمَتَه وعذابه في مخالفته، فقال لهم كما قال نوح لقومه).\nوقوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.\nالرِّيع كل مكان مشرف من الأرض مرتفع، أو طريق أو واد. قال الرازي في \"مختار الصِّحاح\": (و\"الرِّيع\" بالكسر المُرْتَفِع من الأرض، وقيل الجبل، ومنه قوله تعالى:","vol":"5","page":490},{"text":"﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾). فالمراد المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة.\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ يقول: بكل شَرَف). أو قال: (بكل طريق). قال: (الآية: علم). قال: (﴿تَعْبَثُونَ﴾: تلعبون).\nوعن مجاهد: (الريع: الثنية الصغيرة. أو قال: فجّ وواد. وقال: بين جبلين). وقال أيضًا: (﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: شرف ومنظر. ﴿آيَةً﴾ بنيان). وقال النسفي: (﴿آيَةً﴾ برج حمام أو بناء يكون لارتفاعه كالعلامة يسخرون بمن مرّ بهم).\nقلت: - والمقصود - قال هود لقومه: أتبنون على كل مرتفع وشرف من الأرض بناء محكمًا باهرًا هائلًا ليكون مَعْلمًا مشهورًا تفعلون ذلك عبثًا ولهوًا وكبرًا لا لحاجة لكم، وإنما بقصد الزينة والتفاخر وإظهار القوة وتضييع الأموال والأوقات فيما لا جدوى منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. أي: تتخذون القصور والبنيان المشيدة كأنكم تخلدون.\nقال مجاهد: (﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾: قصور مشيدة، وبنيان مخلدة). أو قال: (قصور مشيدة وبنيان). أو قال: (حصون وقصور). وقال قتادة: (هي مآخذ الماء). قال الجوهري: (المصنَعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنُعة بضم النون. والمصانع الحصون).\nقال ابن جرير: (المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونًا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء).\nقال القاسمي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: راجين الخلود في الدنيا إشارة إلى أن عملهم ذلك، لقصر نظرهم على الدنيا والإعجاب بالآثار، والتباهي بالمشيدات، والغفلة عن أعمال المجدّين البصيرين بالعواقب، الصالحين المصلحين).\nوقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا الحَكَمُ بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عَجْلان، حدثني عَونُ بن عبد الله بن عُتْبةَ، أن أبا الدرداء - ﵁ - لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البُنيان ونَصْبِ الشَّجر قام في مسجدهم فنادى: (يا أهل دمشقَ! فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تَستحيُون! ألا تَستحيون! ألا تَسْتَحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنُون ما لا تسكُنون، وتأملُون ما لا تُدرِكون! قد كانت قبلكم قرونٌ، يجمعون فَيُوعون، ويثنون فيوثِقون، ويأمُلونَ فيُطيلون، فأصبح أملُهم غرورًا، وأصبح جمعُهم بورًا،","vol":"5","page":491},{"text":"وأصبحت مساكِنُهم قبورًا، ألا إن عادًا مَلكت ما بين عَدَن وعُمان خيلًا ورِكابًا، مَنْ يشتري مني ميراثَ عادِ بدرهمين) - ذكره الحافظ ابن كثير.\nقلت: والبناء الضروري لحاجة العبد مما يُكِنُّ من المطر ويظلل من الشمس يؤجر به العبد إن شاء الله، وأما تضييعُ الأموال في تشييد البنيان الذي لا يسكنه العبد ولا حاجة له به فهذا لا يؤجر عليه. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن عمر، قال: [مرّ علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نُعالِجُ خُصًّا لنا (١). فقال: ما هذا؟ فقلت: خُصٌّ لنا وَهَى، نحن نُصْلِحُه. فقال رسول الله - ﷺ -: مَا أُرَى الأمْرَ إلا أعْجَلَ مِنْ ذلك] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، وابن ماجة في سننه - واللفظ له - عن ابن عمر قال: [لقد رأيتني مع رسول الله - ﷺ - بنيتُ بيتًا يُكِنُّني من المطر ويكنني من الشمس. ما أعانني عليه خلق الله تعالى] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن خباب، عن النبي - ﷺ - قال: [كل نَفَقة يُنْفقُها العبدُ يُؤْجَرُ فيها إلا البنيانَ] (٤). وفي لفظ: [ما أنفقَ مُؤمِنٌ مِنْ نَفَقَةٍ إلا أُجِرَ فيها، إلا نفقتَه في هذا التراب].\nوله شاهد أخرجه ابن ماجة عن حارثة بن مُضَرِّب قال: [أتينا خبابًا نعوده فقال: لَقَدْ طال سُقْمِي. ولولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تَتَمنَّوا المَوْتَ\" لتَمَنَّيْتُه. وقال: \"إن العَبْدَ لَيُؤْجَرُ في نَفقَتِهِ كُلِّها، إلا في التراب. أو قال: \"في البناء\"]. والمقصود: البناء فوق الحاجة.\nوشاهد آخر رواه الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه].\n_________\n(١) نعالج: أي نُصلح. \"خصًا\" الخص بيت من قصب. وهي: أي ضعف واسترخى.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤١٦٠) - كتاب الزهد. باب في البناء والخراب. وانظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (٣٣٥٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح، وابن ماجة في السنن (٤١٦٢) - واللفظ له -. انظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (٣٣٥٧)، الباب السابق.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الطبراني والترمذي وابن ماجة بألفاظ متقاربة. انظر تخريج المشكاة (٥١٨٢) - (٥١٨٣). وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٣٥٨)، وصحيح الجامع (٤٤٤٢).","vol":"5","page":492},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. أي: وإذا أخذتم أحدًا بعقوبة كنتم غلاظًا جبابرة قُساة. قال ابن جُريج: (القتل بالسيف والسياط).\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. أي: فاستتروا بعبادة ربكم وطاعة رسولكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nتذكير لهم ببعض نعم الله الجليلة عليهم عسى أن ينتهوا بذلك عن الكفر والظلم.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هود لقومه من عاد: اتقوا عقاب الله أيها القوم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، وانتهوا عن اللهو واللعب، وظلم الناس، وقهرهم بالغلبة والفساد في الأرض، واحذروا سخط الذي أعطاكم من عنده ما تعلمون، وأعانكم به من بين المواشي والبنين والبساتين والأنهار ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ﴾ من الله ﴿عَظِيمٍ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.\nأي: فأجابت عاد هودًا - ﵊ -: إن وعظك إيانا وعدمه سواء، فلا تتعب نفسك فلن نؤمن لك.\nوهذا كما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. قال القاسمي: (تناهوا في الغواية والضلال، إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتذكير).\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣].\nقال ابن عباس: (كان رسول الله - ﷺ - يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول).\nأخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -","vol":"5","page":493},{"text":"قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلا أن تُخْبِرنا يا رسول الله، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقَصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: فلأي شيء إذن نعمَلُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرغَ منه؟ قال رسول الله - ﷺ -: سدّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم ﷿ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (دين الأولين). وقال مجاهد: (كذبهم). والمقصود: طريقة الأولين وعادتهم وأخلاقهم في التعامل مع الوحي والمرسلين، فهم سائرون على نهجهم، يعيشون كما عاشوا، ويموتون كما ماتوا، ولا يؤمنون ببعث ولا نشور ولا حساب.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾. أي: لا يقرّونَ بالعذاب الذي كتبه الله على مخالفة الرسل سواء في الدنيا أو الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: فلما كذبت عاد هودًا أهلكناهم بريح صرصر عاتية، أي: شديدة الهُبوب، ذات برد شديد قارس، فكان الجزاء من جنس العناد والعتو والتجبر، وتركهم الله عبرة لمن يعتبر، وكان قد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٤٧٣)، والترمذي (٢١٤١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٦)، وكذلك (٤٧)، (٤٨)، (٤٩) - (٥٠). وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٢١) - لتفصيل مفهوم الكتابة في اللوح المحفوظ.","vol":"5","page":494},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٧].\nقال ابن كثير: (أي: بَقُوا أبدانًا بلا رُؤوس، وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتَقتلِعهُ وتَرْفَعُه في الهواء، ثم تَنْكِسهُ على أُمِّ رأسه فتَشدَخ دِماغَه، وتكسِر رأسه، وتُلقِيه، كأنهم أعجاز نخلٍ مُنْقَعِر. وقد كانوا تَحَصَّنُوا في الجبال والكُهوفِ والمغارات، وحَفَروا لهم في الأرض إلى أنصافِهم، فلم يُغن عنهم ذلك من أمر الله شيئًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بإنجاء أوليائه وأتباع رسله.\n١٤١ - ١٥٩. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ قصة ثمود الذين كانوا عَرَبًا يسكنون مدينة الحِجْر، التي بين وادي القرى وبلاد الشام، وتحذيرُ صالح - ﵊ - لهم مغبة الاستمرار على الشوك بالله والإفساد في الأرض وَعَقْر الناقة التي جعلها الله اختبارًا لهم، فكذبوه وعقروها فأصبحوا نادمين، وأخذهم العذاب ليكونوا آية لمن بعدهم وقد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.","vol":"5","page":495},{"text":"فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾.\nقال القرطبي: (ذكر قصة صالح وقومه وهم ثمود، وكانوا يسكنون الحِجْر: وهي ذوات نخل وزروع ومياه).\nولقد دعاهم نبيّهم صالح - ﵊ - فقال: ألا تتقون عقاب الله - يا قوم - على خلافكم أمره، ولزومكم معصيته، والإفساد في الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nأي: إني أرسلت إليكم وأنا أمين على رسالة الله لكم، فاتقوا الله أيها القوم واستمعوا نصيحتي لكم، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في تحذيري إياكم، فإني لا أبتغي من وراء بلاغي لكم أجرًا ولا منزلة، وإنما أرجو بذلك الثواب الجزيل عند الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.\nأي: قال صالح لقومه ثمود: أتظنون أنكم متروكون في هذه الدنيا آمنين، في بساتين وعيون ماء، وزروع ونخل قد أرطب ثمره فهو لين نضيج.\nقال النسفي: (إنكار لأن يتركوا خالدين في نعيمهم لا يزالون عنه ﴿فِي مَا هَاهُنَا﴾ في الذي استقر في هذا المكان من النعيم ﴿آمِنِينَ﴾ من العذاب والزوال والموت).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ يقول: أينع وبلغ فهو هضيم). أو قال: (إذا رَطُبَ واسترخى). وقال عكرمة: (الهضيم: الرطب اللين).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال ابن عباس: (يعني حاذقين). أو قال: (شَرهين أشرين). قال ابن كثير: (كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبَطرًا وعبثًا، من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين مُتقِنين لنحتِها ونَقْشِها، كما هو المشاهَدُ من حالهم لمن رأى مَنَازِلهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.\nأي: فخافوا الله ربكم، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في نصحي لكم، ولا تتبعوا أمر الرؤساء","vol":"5","page":496},{"text":"والكبراء دعاة الشرك والبطر فيكم، الذين يسعون في أرض الله بالمعاصي والآثام، ولا يصلحون أنفسهم ولا ما يعود نفعه بخير على الأنام.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال مجاهد وقتادة: (إنما أنت من المسحورين). قال القرطبي: (أي: أصبت بالسحر فبطل عقلك، لأنك بشر مثلنا فلِمَ تدّع الرسالة دوننا).\nوقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (قالوا إن كنت صادقًا فادع الله يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء عشراء (١) فتضع ونحن ننظر، وترد هذا الماء فتشرب وتغدو علينا بمثله لبنا). فدعا الله وفعل الله ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nأي: هذه ناقة أخرجها الله لكم ترِدُ ماءكم يومًا، ويومًا تردونه أنتم، ليس لكم في يوم وردها أن تشربوا من شربها شيئًا، ولا لها أن تشرب في يومكم مما لكم شيئًا. ولا تنالوها بضرب أو أذى فينالكم عذاب أليم. قال ابن جرير: (ويعني بالشرب: الحظّ والنصيب من الماء).\nوعن ابن جريج: (﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ لا تعقروها. وقوله: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يقول: فيحل بكم من الله عذاب يوم عظيم عذابه).\nوقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾.\nأي: فانبعث أشقاهم فعقرها برضاهم فأصبحوا نادمين على عقرها خوفًا من نزول العذاب بهم وحلول النقمة عليهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nأي: إن في خبر ثمود لعبرة كبيرة، وقد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون. وإن ربك - يا محمد - هو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بإنجائه أولياءه.\n_________\n(١) أي: مضى لحملها عشرة أشهر. فهي الناقة العشراء في كلام العرب.","vol":"5","page":497},{"text":"١٦٠ - ١٧٥. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تكذيبُ قوم لوط رسولهم حين دعاهم إلى إفراد الله تعالى بالتعظيم، ونبذ الفواحش وإتيان الذكران من العالمين، فهدّدوه إن لم ينته عن نصحهم ليكونن من المخرجين، وما زالوا على فاحشتهم حتى دكهم الله بعذاب مهين، وكان في ذلك آية من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (يقول الله تعالى مخبرًا عن عبده ورسولِه لوطٍ -﵇- وهو: لوط بن هارانَ بن آزَرَ، وهو ابنُ أخي إبراهيم الخليل، وكان الله تعالى قد بَعَثَه إلى أمة عظيمةٍ في حياة إبراهيم، وكانوا يسكُنون \"سَدُوم\" وأعمالَها التي أهلكها الله بها، وجُعل مكانها بُحيرةٌ مُنْتِنهٌ خَبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغَور، متاخمة لجبال بيت المقدس، بينها وبين بلاد الكَرَك والشَّوبَك. فدعاهم إلى الله - ﷿ - أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رَسُولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم، مما لم يسبقهُم الخلائقُ إلى فِعله، من إتيان الذُّكْرَان دونَ الإناث).\nوقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يعني: أتنكحون الذكران من بني آدم في أدبارهم .. يقول: وتدعون الذي خلق لكم ربكم من أزواجكم من فروجهنّ، فأحله لكم).","vol":"5","page":498},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.\nقال مجاهد: (تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء). وقال ابن جريج: (﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ قال: قوم معتدون).\nوفي المسند ومستدرك الحاكم وسنن ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عباس، أن\nرسول الله - ﷺ - قال: [مَنْ وَجَدْتُموه يَعْمَلْ عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعِلَ والمفعولَ به] (١).\nوفي صحيح سنن ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في الذي يعمل عمل قوم لوط، قال: [ارجموا الأعْلَى والأسفل. ارجموهما جميعًا] (٢).\nوفي الباب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ أخوف ما أخاف على أمتي عَمَلُ قومِ لوط] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾.\nأي: - فأجابوه - لئن لم تنته يا لوط عن نهينا عن الاستمتاع بالذكران لننفينك من بين أظهرنا وبلدنا.\nكما قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦].\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾. أي: من المبغضين المنكرين لعملكم اللواط. والقلي: البغض.\nقال ابن جرير: (يقول لهم لوط: إني لعملكم الذي تعملونه من إتيان الذكران في أدبارهم من القالين، يعني من المبغضين، المنكرين فعله).\nوقوله تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾.\nأي: دعا لوط - ﷺ - ربه ﷿ حين استعصى عليه قومه وأصروا على ركوب\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢٥٦١) - كتاب الحدود - باب من عَمِلَ عملَ قوم لوط. ورواه أحمد والحاكم. انظر صحيح ابن ماجة (٢٠٧٥)، وصحيح الجامع الصغير (٦٤٦٥).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٠٧٦)، والإرواء (٦/ ١٧).\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٠٧٧)، الباب السابق. والمشكاة (٣٥٧٧).","vol":"5","page":499},{"text":"الفاحشة المقيتة أن ينجيه الله من عذاب عملهم، فأنجاه الله تعالى وأهله الذين تابعوه على الإيمان. إلا امرأته كانت عجوز سوء. قال قتادة: (غبرت في عذاب الله ﷿ أي بقيت). قال ابن كثير: (بقيت فَهَلَكَتْ مع من بَقِيَ من قومها).\nوقال ابن جرير: (فإنها أهلكت من بين أهل لوط، لأنها كانت تدل قومها على الأضياف). قلت: والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\nأي: أهلكناهم بالخسف والحصب. قال مقاتل: (خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجًا من القرية).\nقال القرطبي: (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ يعني الحجارة ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. وقيل: إن جبريل خسف بقريتهم وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nأي: إن في تدمير قرية قوم لوط على رؤوس أهلها لعبرة لمن سيأتي بعدهم، وما كان أكثرهم في سابق علم الله مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز في انتقامه من الطغاة والعتاة والمجرمين، الرحيم في إنجاء أوليائه الصالحين.\n١٧٦ - ١٩١. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾.\nفي هذه الآيات: تكذيبُ أهل مدين نبيّهم شعيبًا - ﵊ -، الذي","vol":"5","page":500},{"text":"دعاهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة والوفاء بالقسط والميزان، فما زالوا على كبرهم وعنادهم حتى دكهم الله بالعذاب ليكون آية لمن بعدهم تتناقله الأجيال عبر الزمان، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لن يكونوا في أهل الإيمان.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾. يعني أهل مدين كذبوا نبيهم شعيبًا. والأيك: الشجر الملتف الكثير، والواحدة أيكة. قال ابن عباس: (قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: أهل مدين، والأيكة: الملتف من الشجر). وقال ابن زيد: (بعث الله شعيبًا إلى قومه من أهل مدين وإلى أهل البادية، قال: وهم أصحاب ليكة. وليكة والأيكة: واحد). قال ابن كثير: (وكان نبيُّ الله شُعيب من أنفسهم، وإنما لم يَقُل ها هنا أخوهم شعيب، لأنهم نُسِبُوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجَرٌ مُلْتَفٌّ كالغيضةِ، كانوا يعبدونها).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nأي: إذ خاطبهم نبيّهم شعيب - ﷺ - ألا تستترون بطاعة الله وتحرزون أنفسكم من عقابه، إني لكم رسول أمين على ما أرسلت به من الوحي إليكم، فخافوا الله ربكم وأطيعوا رسولكم في نصحه لكم، فما سألتكم أجرًا على بلاغي لكم، وإنما أحتسب ثواب ذلك عند الله بارئكم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾.\nأي: أوفوا الناس حقوقهم إذا وزنتم لهم أو كِلْتم إليهم، وإياكم والتطفيف.\nقال القرطبي: (﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين للكيل والوزن).\nوقوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾.\nالقسطاس: هو الميزان. وقيل: القَبَّان. قال مجاهد: (القسطاس المستقيم: العدل بالروميّة).\nوقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. قال النسفي: (ولا تبالغوا فيها في الإفساد، نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه).","vol":"5","page":501},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال مجاهد: (الخليقة). وقال ابن زيد: (الخَلْقَ الأولين، الجبلة: الخَلْق). قال ابن كثير: (يُخَوِّفهم بأس الله الذي خلقهم وخَلَقَ آباءهم الأوائل).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ - يعنون من المسحورين. وهذا كقيل ثمود لرسولها من قبل، تشابهت قلوبهم، فهم يلجؤون عند إفلاس حججهم إلى الاتهام والمكر.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\nأي: وما أنت إلا بشر مثلنا تأكل وتشرب، ومن ثَمَّ فلا يُعقل اصطفاؤك من بيننا. قال القاسمي: (﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: فيما تدّعيه من النبوة).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\nأي: فأسقط علينا قطعًا من السماء إن كنت صادقًا في دعواك النبوة. قال ابن عباس: (﴿كِسَفًا﴾ يقول: قِطعًا). وقال الضحاك: (جانبًا من السماء). وقال ابن زيد: (﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: ناحية من السماء، عذاب ذلك الكسف). وقال السدي: (عذابًا من السماء).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\nقال القرطبي: (تهديد، أي إنما عليَّ التبليغ وليس العذاب الذي سألتم إليّ وهو يجازيكم). وقال ابن كثير: (يقول: الله أعلمُ بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غيرِ ظالم لكم. وكذلك وقع بهم كما سألوا، جزاءً وفاقًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وهذا من جنس ما سألوا من إسقاط الكِسف عليهم، فإن الله - ﷾ - جعل عقوبتهم أن أصابهم حَرٌّ شديد جدًّا مُدَّةَ سبعة أيام لا يَكُنُّهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أَظَلَّتهم، فجعلوا ينطلِقون إليها يستظِلّون بِظِلّها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها أرسل الله تعالى عليهم منها شَرَرًا من نار، ولهبًا وَوَهجًا عظيمًا، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nوعن مجاهد: (﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ قال: أظلّ العذابُ قوم شعيب).\nوقال ابن زيد: (بعث الله إليهم ظُلة من سحاب، وبعث إلى الشمس فأحرقت ما","vol":"5","page":502},{"text":"على وجه الأرض، فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة، حتى إذا اجتمعوا كلهمِ، كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المِقلى).\nوقد ذُكِرَت قصة إهلاك أهل مدين في القرآن الكريم في أحوال ثلاثة، حسب ما يناسب السياق.\nالحال الأول: قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١].\nالحال الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤].\nالحال الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩].\nففي آية \"الأعراف ذكر هلاكهم بالرجفة، وناسب ذلك محاولتهم الإرجاف بنبيّ الله ومن اتبعه حيث قالوا له: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨].\nوفي آية \"هود\" ذُكر هلاكهم بالصيحة، وناسب ذلك محاولة التهكم بنبيِّهم والازدراء، حيث قالوا له: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، فناسب أن تأتيهم صيحة تخرسهم.\nوهنا في آية \"الشعراء\" ذُكر هلاكهم بإسقاط الكسف عليهم كما سألوا، وإنما كان الكسف شررًا ولهبًا من نار تحرق أجسامهم وتزهق أرواحهم وتخترق الظلة التي كانت من مكر الله بهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nأي: إن في إهلاك أهل مدين بهذه الصورة المقيتة المؤلمة لعبرة لمن جاء بعدهم، وما كان أكثرهم في سابق علمه تعالى مؤمنين. وإن ربك - يا محمد - لهو العزيز في انتقامه من أعداء رسله، الرحيم في إنجائه الصالحين منهم.\n١٩٢ - ٢٠٢. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ","vol":"5","page":503},{"text":"لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢)﴾.\nفي هذه الآيات: نزولُ جبريل - ﵇ - بهذا القرآن، بأمر من الرحمان، على رسول الأنام، ﵊، بلسان عربي مبين، ليكون نذيرًا للعالمين، وخبر هذا القرآن مذكور في كتب الأولين، ولو نزل على بعض الأعاجم ممن لا يحسن العربية فقرأه عليهم قراءة فصيحة لاتهموه بالسحر لفرط عنادهم، فهو لا يؤمنون حتى يروا العذاب المباغت الأليم.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (هذا القرآن).\nأي: أنزله الله تعالى عليك - يا محمَّد - وأوحاه إليك.\nوقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. قال ابن عباس: (جبريل).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: نزل به الروح الأمين فتلاه عليك يا محمَّد، حتى وعيته بقلبك. يقول: لتكون من رسل الله الذين كانوا ينذرون من أُرسلوا إليه من قومهم، فتنذر بهذا التنزيل قومك المكذّبين بآيات الله).\nوقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. قال القرطبي: (أي لئلا يقولوا لسنا نفهم ما تقول). وقال ابن كثير: (أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك بلسانك العربيِّ الفَصِيح الكاملِ الشامل، ليكون بَيِّنًا واضحًا ظاهرًا، قاطِعًا للعُذر، مُقيمًا للحجَّة، دليلًا إلى المحجَّة).\nوقوله تعالي: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾.\nالزبر: الكتب، واحدها زبور، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢]. أي: مكتوب في صُحف الملائكة. قال النسفي: (﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية، وقيل إن معانيه فيها).\nقلت: والبشارة بأحمد - ﷺ - وصفاته مذكورة في التوراة والإنجيل نحو ما هي في القرآن.","vol":"5","page":504},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].\nوفي صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأوّل: أخرج الحاكم بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [مكتوب في الإنجيل: لا فظٌّ، ولا غليظٌ، ولا سخَّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلَها، بل يعفو ويصفح] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن عطاء بن يسار قال: [لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة؟ قال: أجل، والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الدارمي وكذلك صاحب \"مشكاة المصابيح \" - واللفظ له - عن كعب يحكي عن التوراة قال: [نجد مكتوبًا محمَّد رسول الله، عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزَّرون على أنصافهم، ويتوضؤون على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٦١٤)، وابن عساكر (١/ ٢٦٤/ ٢)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٢١٢٥) - كتاب البيوع - باب كراهية السَّخَب في السُّوق. وانظر كذلك - (٤٨٣٨) - كتاب التفسير.","vol":"5","page":505},{"text":"أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفّهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nقال مجاهد: (يعني عبد الله بن سَلام وسلمان وغيرهما ممن أسلم).\nقال ابن كثير: (أي: أو ليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها؟ ! والمراد العدول منهم، الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمَّد - ﷺ - ومَبْعَثِهِ وأمَّتِهِ، كما أخبر بذلك مَنْ آمَنَ منهم كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، عمن أدركه منهم ومن شاكلهم).\nقال القرطبي: (وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين، لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب، لأنهم مظنون بهم علمٌ).\nقلت: وقد روى بعض أهل السنن خبر اكتشاف عبد الله بن سلام صدق النبوة في وجه النبي - ﷺ - خلال تأمله فيه، وأن وجهه ﵊ قد امتلأ صدقًا ونورًا.\nفقد أخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم بإسناد على شرط الشيخين عن عبد الله بن سلام - ﵁ - قال: [أول ما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، انجفَلَ الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأمَّلْتُ وجهَه واسْتَبَنْتُهُ، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول ما سمعتُ من كلامه أن قال: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام] (٢).\nثمَّ أقبل عبد الله بن سلام فأسلم وشهد للنبي - ﷺ - بأنّه رسول الله حقًّا، وأنه جاء بحق، ثمَّ باهت يهود في ذلك وكشف كذبهم ومكرهم أمام النبي - ﷺ -، وذلك بعد أن استقر النبي - ﷺ - في دار أبي أيوب بعد وصوله المدينة.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس قال: [. . . فقال نبيّ الله - ﷺ -: أيّ بيوت أهلِنا أقربُ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبيّ الله، هذه داري وهذا بابي، قال: فانطلقْ فَهيِّئ لنا مقيلًا. قال: قوما على بركة الله، فلما جاء نبي الله - ﷺ - جاء عبد الله بن سلام،\n_________\n(١) هذا لفظ المصابيح، ورواه الدارمي مع تغيير يسير. انظر تخريج: \"مشكاة المصابيح\" (٥٧٧١) - كتاب الفضائل والشمائل - وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٠٨ - ٩١٠) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم على شرط الشيخين. انظر صحيح الترغيب (١/ ٦١٢).","vol":"5","page":506},{"text":"فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهودُ أني سيدهم وابن سيِّدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فِيَّ ما ليس فِيَّ، فأرسل نبي الله - ﷺ - فأقبلوا فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله - ﷺ -: يا معشر اليهود! وَيْلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق فأسلموا. قالوا: ما نَعْلَمُهُ. قالوا للنبي - ﷺ -، قالها ثلاثَ مرار. قال: فأيُّ رجل فيكم عبدُ الله بنُ سلام؟ قالوا: ذاكَ سيدنا وابن سيدنا، وأعلمُنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كان لِيُسْلِم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كانَ لِيُسْلِم. قال: يا ابن سلام أخرج عليهم. فخرج فقال: يا معشر اليهود اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنَّه رسول الله وأنه جاء بحق. قالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله - ﷺ -] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.\nالأعجم هو الذي لا يفصح، وكذلك الأعجمي، ففيه زيادة ياء النسبة للتأكيد.\nقال القاسمي: (أي: ولو نزلناه بنظمه البديع على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية، فقرأه عليهم قراءة فصيحة، انفتق لسانه بها، خرقًا للعادة، لكفروا به كما كفروا. ولتمحّلوا لجحودهم عذرًا. ولسموه سحرًا، لفرط عنادهم).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\nقال ابن جريج: (﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ قال الكفر ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾). وقال عكرمة: (القسوة). وقال يحيى بن سلّام: (سلكنا التكذيب في قلوبهم، فذلك الذي منعهم من الإيمان).\nوالمقصود: كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين ترك الإيمان بهذا القرآن، والجدال بالباطل لمحاربته، ليذوقوا وبال عنادهم وتكبرهم عذابًا أليمًا في عاجل الدنيا ويوم القيامة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - (٣٩١١) - كتاب مناقب الأنصار، وانظر تفصيل ذلك في كتابي: السيرة النبوية (١/ ٤٦٥ - ٤٦٧).","vol":"5","page":507},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nقال النسفي: (المراد معاينة العذاب عند الموت ويكون ذلك إيمان يأس فلا ينفعهم).\nوقال ابن جرير: (فعلنا ذلك بهم لئلا يصدقوا بهذا القرآن، حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا، كما رأت ذلك الأمم الذين قصّ الله قصصهم في هذه السورة).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nأي: فيأتيهم العذاب الأليم فجأة وهم لا يعلمون اقترابه، وإنما يبغتهم بغتة فإذا هم في العذاب المهين المذل.\n٢٠٣ - ٢٠٩. قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\nفي هذه الآيات: سؤالُ المشركين حين نزول العذاب بهم النظرة والإمهال دون جدوى، وتوبيخٌ لهم وإنكار عليهم الاستهزاء بقدوم العذاب، وسنة الله إنذار أهل القرى قبل حلول العذاب، فما الله بظلام للعبيد.\nفقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾.\nقال النسفي: (يسألون النظِرة والإمهال طرفة عين فلا يجابون إليها).\nوقال ابن كثير: (أي: يَتَمَنَّون حين يُشاهدون العذاب أن لو أنظِروا قليلًا ليعملوا في زعمهم بطاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، فكل ظالم وفاجر وكافر إذا شاهد عقوبته نَدِم نَدَمًا شديدًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ - توبيخ لهم، وإنكار عليهم الاستهزاء بقدوم العذاب، وقولهم تنطّعًا وغرورًا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وكقولهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩].","vol":"5","page":508},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.\nأي: أفرأيت - يا محمَّد - إن متعناهم في هذه الدنيا سنين - والمراد أهل مكة ومن ثمَّ فالآية عامة في أمثالهم من المستكبرين - ثمَّ نزل بهم العذاب والهلاك الذي وُعدوا به على بغيهم وعنادهم، فأي شيء يُجدي عنهم ما كانوا فيه من الزخارف والبهجة والنعيم، أو فما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه.\nوفي الأثر عن الزهري (١): إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثمَّ قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ثمَّ يبكي ويقول:\nنهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ ... وليلُكَ نومٌ والرَّدى لك لازمُ\nفلا أنتَ في الأيقاظ يقظانُ حازمٌ ... ولا أنتَ في النُّوَّام ناجٍ فسالمُ\nتُسَرُّ بما يَفنى وتفرحُ بالمنى ... كما سُرَّ باللذات في النوم حالم\nوتسعى إلى ما سوف تكره غِبَّهُ ... كذلك في الدنيا تعيشُ البهائم\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١].\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بأنعمِ أهلِ الدنيا، مِنْ أهل النار، يوم القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثمَ يُقال: يا ابنَ آدمَ! هل رأيتَ خيرًا قطّ؟ هل مَرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا، والله! يا رب!] الحديث (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\nإخبار عن عدله تعالى في خلقه، فإنَّه قد أعذر إلى كل أمة قبل إهلاكها، فلما طغوا وأبوا إلا الكفر والعناد قابلهم بالعذاب والدمار.\n_________\n(١) ذكره القرطبي في التفسير، عند هذه الآية.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٧)، وأحمد (٣/ ٢٠٣)، وأخرجه أبو يعلى (٣٥٢١).","vol":"5","page":509},{"text":"قال الكسائي: ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع نصب على الحال. وقال الفراء: بل في موضع نصب على المصدر والتقدير: يذكّرون ذكرى. واختاره القرطبي وقال: (وهذا قول صحيح؛ لأنَّ معنى ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ إلا لها مذكّرون. ويجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. وقال الفراء: أي ذلك ذكرى، وتلك ذكرى. ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: [قال الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] (١).\n٢١٠ - ٢١٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠: ٢١٢].\nفي هذه الآيات: حفظُ الله القرآن عن أيدي الشياطين وسمعهم برمي الشهب عليهم، فهو تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب محمَّد النبي الأمين.\nوعن قتادة: (قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ قال: هذا القرآن. وفي قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ قال: عن سمع السماء).\nفذكر سبحانه أن هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنما هو تنزيل رب العالمين نزل به الروح جبريل الأمين، وما تنزلت به الشياطين، فإن ذلك ممتنع عليهم من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأوّل: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: ليس هو من بُغيتهم ولا من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٧)، وأحمد في المسند (٥/ ١٦٠) من حديث أبي ذر.","vol":"5","page":510},{"text":"طَلِبَتهم، لأنَّ من سَجَاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونورٌ وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاةٌ عظيمة).\nالوجه الثاني: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك. قال النسفي: (وما يتسهل لهم ولا يقدرون عليه). وقال ابن جرير: (يقول: وما يستطيعون أن يتنزلوا به، لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء).\nالوجه الثالث: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. قال القرطبي: (أي برمي الشهب).\nوالمقصود: إنهم عن استراق السمع أصبحوا ممنوعين بعد بعثة النبي - ﷺ -.\nففي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦: ١٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢].\nوفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [انطلق رسول الله - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله - ﷺ - بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبًا] الحديث (١).\n٢١٣ - ٢٢٠. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٢١)، كتاب التفسير، ورواه مسلم والترمذي وغيرهم.","vol":"5","page":511},{"text":"وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nفي هذه الآيات: تحذيرُ الله تعالى من الشرك، وأمرُه نبيّه - ﷺ - البدء بالقرابة والعشيرة في الدعوة وخفض الجناح للمؤمنين، والتوكل عليه إنه هو العزيز الرحيم، الذي يرى قنوتك له - يا محمَّد - وتقلبك في الساجدين.\nفقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾. قيل: المعنى قل لمن كفر هذا. وقيل: الخطاب للنبي - ﷺ - والمراد من حوله وأمته فهو المعصوم لا يشرك بالله شيئًا. قال القرطبي: (ودلّ على هذا قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أي: لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.\nأَمْرٌ بإنذار العشيرة والأقربين، فقد صحّ الخبر بانقضاء مرحلة الدعوة السرية بنزول هذه الآية، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأوّل: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للإمام البخاري - عن ابن عباس - ﵄ - قال: [لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النبي - ﷺ - على الصفا فجعل ينادي: يا بني فِهْر، يا بني عَدِيّ لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرُجَ أرسلَ رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرْتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغيرَ عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾] (١).\nالحديث الثاني: خرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: [لما أنزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله - ﷺ - قريشًا فاجتمعوا فَعَمَّ وخَصَّ، فقال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٧٠) - كتاب التفسير. وانظر (٣٥٢٥)، (٤٩٧١). ورواه مسلم (٢٠٨)، والترمذي (٣٣٦٣)، والنسائيُّ في \"الكبرى\" (١٠٨١٩)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٨١)، (١/ ٣٠٧)، وابن حبَّان (٦٥٥).","vol":"5","page":512},{"text":"يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدِ شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مَنَافٍ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحِمًا سَأَبُلُّها بِبِلالِها] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: [قام رسول الله - ﷺ - حين أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبدِ مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباسُ بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفيةُ عمةَ رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمةُ بنتَ محمَّد سليني ما شِئت لا أغني عنك من الله شيئًا] (٢). وله شاهد عند الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري قال: [لما نزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وضع رسول الله - ﷺ - إصبعيه في أذنيه فرفع صوته فقال: \"يا بني عبد مناف يا صباحاه\"].\nفكان الأمر بالبدء بالأهل والقرابة في الدعوة، فإن الأقارب والأرحام سند طبيعي للرجل، وصلة فطرية فطر الله الخلق عليها، فإن آمنوا كان ذلك قوة إلى قوة، ونورًا على نور، قد جمعوا بين قوة الإيمان ونور الإِسلام، وبين صلة القرابة والنسب وأُنس الأرحام.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].\nوفي صحيح مسلم عن قبيصة أن النبي - ﷺ - قال: [يا بني عبد مناف، يا بني عبد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠٤) - كتاب الإيمان، وأخرجه الترمذي (٣١٨٥)، والنسائيُّ (٦/ ٢٤٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٣٣). وانظر صحيح البخاري (٢٧٥٣) نحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٧١) - كتاب التفسير، وانظر صحيح مسلم (٢٠٦)، ح (٣٥٢)، ومسند أحمد (٢/ ٣٩٨)، (٢/ ٣٥٠). وانظر للشاهد صحيح الترمذي (٢٥٤٧).","vol":"5","page":513},{"text":"مناف! إني نذير، إنما مثلي ومثلكم، كمثل رجل رأى العدوَّ، فانطلق يريد أهله، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف: يا صباحاه، يا صباحاه! أُتيتُم أُتيتم] (١).\nثمَّ إن الرحم المظلومة والقرابة المقطوعة ستقف يوم القيامة أمام ربها ﷿ تلتمس منه النصر من الذي قطعها ومن الذي ظلمها، فينتصر الله لها أمام الخلائق في مشهد الحساب.\nفقد أخرج الإمام البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة قالا: [عطف لنا النبي - ﷺ - إصبعه فقال: الرحم شَجْنَةٌ من الرحمن، من يصلها يصله، ومن يقطعها يقطعه، لها لسان طلقٌ ذَلْقٌ يوم القيامة، تقول: يا ربّ إني ظلمت، يا ربّ إني قطعت، يا ربّ إني إني، فيجيبها: ألا ترضين أن أقطع من قطعك، وأصل من وصلك؟ (وفي رواية: قالت بلى يا ربّ. قال: فذلك لك). ثمَّ قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال ابن زيد: (يقول: لِنْ لهم). قال ابن جرير: (يقول: وألن جانبك وكلامك لمن اتبعك من المؤمنين).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nأي: فإن أصرّت عشيرتك - يا محمَّد - وقرابتك على عبادة الأوثان ولزوم تقاليد الآباء الفاسدة وأبوا إلا معصية أمرك فيما تدعوهم إليه من الوحي الكريم والهدي العظيم، فقل لهم: إني بريء مما أنتم عليه من عبادة الأصنام ومعصية رب الأنام.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾.\nأي: واجعل اعتمادك - يا محمَّد - على العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل الإنابة إليه.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾. قال مجاهد: (أينما كنت).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٠٧) - كتاب الإيمان، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ١٨٦ - ١٩٧) لتفصيل هذا البحث: \"مرحلة الجهر بالدعوة وخصائص المرحلة الجهرية\".\n(٢) حديث صحيح. انظر: \"صحيح الأدب المفرد\" (٣٩) باب فضل صلة الوحم. وكذلك (٤٦) باب إثم قاطع الرحم، لتفصيل الروايات.","vol":"5","page":514},{"text":"قال النسفي: (﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ متهجدًا). وقال ابن جرير: (الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: قيامك وركوعك وسجودك). وقال عكرمة: (قائمًا وساجدًا وراكعًا وجالسًا).\nوعن قتادة: (﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: في المصلين). قال ابن عباس: (يراك وأنت مع الساجدين تقلب وتقوم وتقعد معهم).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nأي: السميع لأقوال عباده ومناجاتهم، العلم بأعمالهم وتقلبهم وحركاتهم وسكناتهم.\n٢٢١ - ٢٢٧. قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.\nفي هذه الآيات: تَنَزُّلُ الشياطين على الأفاكين الآثمين، وذمُّ الشعراء الضالين المنافقين، واستثناءُ الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات وانتصروا للحق وكانوا من الذاكرين، وسيعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون.\nفقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.\nأي: يقول تعالى: هل أنبئكم أيها الناس على من تتنزل الشياطين؟ ! إنها تتنزل على كل كذاب بهات دجال آثم.\nقال مجاهد: (﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: كل كذّاب من الناس). وقال قتادة: (هم الكهنة تسترق الجن السمع، ثمَّ يأتون به إلى أوليائهم من الإنس).\nوقوله تعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. أي: يسترقون السمع فيقذفون","vol":"5","page":515},{"text":"بالشهب فيزيدون الخبر بالكذب. قال مجاهد: (الشياطين ما سمعته ألقته على كلّ أفّاك كذّاب).\nوفي صحيح السنة المطهرة من آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأوّل: أخرج البخاري عن عروة بن الزبير، عن عائشة - ﵂ - قالت: [سألَ رسولَ الله - ﷺ - ناسٌ عن الكُهَّان، فقال: لَيْسَ بشيء. فقالوا: يا رسول الله إنَّهم يُحَدِّثوننا أحْيانًا بشيءٍ فيكون حقًّا، فقال رسول الله - ﷺ -: تلك الكلمةُ من الحق يَخْطَفُها الجِنِّيُ فَيُقِرُّها في أُذُنِ وَلِيِّهِ فيخلِطُون معها مئة كَذْبَةٍ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري وأبو داود عن سفيان عن عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إنَّ نبي الله - ﷺ - قال: [إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا لقوله، كأنه سِلْسِلَةٌ على صَفْوان، حتى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقَّ، وهو العَليُّ الكبير. فيسمعُها مُسترقو السمعِ، ومُسْتَرِقو السمع - هكذا بعضُهم فوق بعض - وَوَصَفَ سفيانُ بيَده فَحَرَفها، وبَدَّد بين أصابعه - فيسمَعُ الكلمةَ، فَيُلْقِيها إلى مَن تَحته، ثمَّ يلقيها الآخر إلى من تحتَه، حتى يُلقِيها على لسانِ السَّاحر - أو: الكاهن. فَرُبَّما أدركَهُ الشهابُ قبل أن يُلقيها، وربَّما ألقاها قبل أن يدرِكَهُ، فَيَكذِبُ معها مئة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكَذا كذا وكَذا؟ فَيُصَدَّقُ بتلك الكلمة التي سُمِعت من السماء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن عروة، عن عائشة - ﵂ -، عن النبي - ﷺ - قال: [الملائكةُ تحَدَّثُ في العَنانِ - والعَنانُ: الغمامُ - بالأمر يكون في الأرض فَتَسْمَعُ الشياطين الكلمةَ فَتَقُرُّهَا في آذان الكاهن كما تُقَرُّ القارورةُ فيزيدون معها مئة كِذْبَةٍ] (٣).\nوفي رواية: تقول عائشة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إنَّ الملائكة تنزلُ في العَنانِ - وهوَ السَّحاب - فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ في السَّماء، فَتَسْترِقُ الشياطين السَّمْعَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٧٦٢) - كتاب الطب. باب الكهانة، ورواه أيضًا برقم (٦٢١٣)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٢٢٨)، وأحمد في المسند (٦/ ٨٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٠١)، وأبو داود (٣٩٨٩)، والترمذي (٣٢٢٣)، وأخرجه ابن ماجة في السنن (١٩٤)، وكذلك ابن حبَّان في صحيحه (٣٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري - (٣٢٨٨) - كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، وانظر للرواية الثانية (٣٢١٠) - كتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم.","vol":"5","page":516},{"text":"فَتَسْمَعُهُ، فتوحيه إلى الكُّهان، فيكذِبُون معها مئة كَذْبَةٍ من عِنْد أنفسهم].\nوقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال مجاهد: (الشياطين).\nوقال قتادة: (يتبعهم الشياطين). وقال عكرمة: (عصاة الجن). وقال ابن زيد: (الغاوون المشركون). وعن ابن عباس قال: (كان رجلان على عهد رسول الله - ﷺ -: أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وأنهما تهاجيا، وكان مع كل أحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء، فقال الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾).\nقال ابن جرير: (إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجن).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرجل قَيْحًا يَرِيهِ، خيرٌ مِنْ أن يَمْتَلِئَ شِعْرًا] (١).\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: [بَيْنا نحنُ نَسيرُ مع رسول الله - ﷺ - بالعَرْج (٢)، إذ عَرَضَ شاعِرٌ يُنْشِدُ، فقال رسول الله - ﷺ -: خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان؛ لأنَّ يَمْتَلِئَ جوفُ رَجُلٍ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا] (٣).\nوالخلاصة: لا يتبع شعراء الجاهلية إلا الغاوون وهم السفهاء أو الراوون أو الشياطين أو المشركون، فإنهم يتبعونهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ومدح من لا يستحق المدح وغير ذلك من وجوه الفساد.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. أي: في كل واد من الكلام يخوضون ويتحدثون.\nقال ابن عباس: (في كُلِّ لَغْوٍ يخوضون). وقال الضحاك عن ابن عباس: (في كُلِّ فَنٍّ من الكلام). وقال مجاهد: (في كل فن يَفْتَنُّون). وقال قتادة: (يمدحون قومًا بباطل، ويشتمون قومًا بباطل).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٥٧) - كتاب الشعر، وانظر (٢٢٥٨) من حديث سعد.\n(٢) العَرْج: قرية جامعة من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلًا من المدينة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٢٥٩) - كتاب الشعر، باب: في إنشاد الأشعار وبيان أشعر الكلمة وذم الشعر. وانظر مسند أحمد (٣/ ٨)، (٣/ ٤١).","vol":"5","page":517},{"text":"وعن الحسن البصري قال: (قد - والله - رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مَرَّةً في شَتْمةِ فلان، ومرة في مِدْحة فُلان).\nقال النسفي: (﴿يَهِيمُونَ﴾ خبر أن، أي: في كل فن من الكذب يتحدثون، أو في كل لغو وباطل يخوضون، والهائم الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأبخلهم على حاتم).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (أكثر قولهم يَكْذِبون فيه). قال: (وعنى بذلك شعراء المشركين).\nقال ابن كثير: (فإن الشعراء يَتَبَجَّحُون بأقوال وأفعال لم تصدُر منهم، ولا عنهم، فيتكثَّرون بما ليس لهم).\nقلت: وطربُ العامة ببعض هؤلاء الشعراء يدفع شعراء الجاهلية - هؤلاء - إلى تسويق أي شيء لسدّ الفراغ ولو على حساب الاستهزاء بالحق وثوابت الدين: كسؤال الملكين في القبر وأمر الموت والحساب والجنة والنار وأمر الملائكة والرسل وغير ذلك، فتراهم مدفوعين إلى التجاوزات والمبالغات بتشجيع أولئك السفهاء لهم ليحق قول الله فيهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.\nومما يُذكر في هذا الجانب عن الفرزدق، أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:\nفبتن بجانبيّ مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام\nفقال: وجب عليك الحد. فقال: قد درأ الله عني الحد بقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ حيث وصفهم بالكذب والخلف في الوعد.\nوقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.\nاستثناء لشعراء الإِسلام الأبطال، كعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك - ﵃ -، ومن مضى على منهاجهم في الشعر المتألق، الذي سخروه لنصرة هذا الدين، ومدح الله العظيم، ورسوله الكريم، والذب عن عرض المسلمين.","vol":"5","page":518},{"text":"قال ابن عباس: (ثمَّ استثنى المؤمنين منهم، يعني الشعراء، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾).\nوقوله: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قال ابن عباس: (في كلامهم). وقال ابن زيد: (ذكروا الله في شعرهم).\nقال النسفي: (﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيد الله تعالى والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والأدب ومدح رسول الله والصحابة وصلحاء الأمة ونحو ذلك مما ليس فيه ذنب).\nقلت: وهذا الذي ذكره الإمام النسفي في تفسير هذه الآية هو من روائع البيان والتأويل لجوامع الكلم في قوله تعالى: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.\nقال ابن عباس: (يردون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين). وقال ابن زيد: (﴿وَانْتَصَرُوا﴾ من المشركين ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾).\nقال ابن جرير: (يقول: وانتصروا ممن هجاهم من شعراء المشركين ظلمًا بشعرهم وهجائهم إياهم، وإجابتهم عما هجوهم به).\nوفي السنة العطرة كثير من آفاق هذا الاستثناء لشعراء هذا الدين، ومن ذلك:\nالحديث الأوّل: أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبَّان في صحيحه، بإسناد على شرط الشيخين عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنَّه قال للنبي - ﷺ -: إنَّ الله - ﷿ - قد نزل في الشعر ما أنزل، فقال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ المؤمن يُجاهِدُ بسيفِهِ ولسانِه، والذي نفسي بيده لكأنَّ ما تَرْمونَهُمْ به نَضْحُ النَّبْلِ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال: [سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لحسان بن ثابت: اهْجُهُم، أو هَاجِهِمْ، وجِبْرَئِيلُ معك] (٢).\nالحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة: [أنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وهو يُنْشِدُ الشِّعْرَ في المسجد، فَلحَظَ إليه، فقال: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وفيه مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٣٨٧)، والبيهقيُّ (١٠/ ٢٣٩)، وابن حبَّان (٥٧٨٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٤٨٦) - كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت.","vol":"5","page":519},{"text":"ثمَّ التفتَ إلى أبي هريرة، فقال: أنشُدُكَ الله أسَمِعْتَ رسولَ الله - ﷺ - يقول: أَجِبْ عَنِّي، اللهمَّ! أَيِّدْهُ بِروحِ القُدُسِ؟ قال: اللهمَّ! نَعَم] (١).\nالحديث الرابع: أخرج مسلم عن عائشة قالت: [قال حَسَّانُ: يا رسولَ الله! ائذن لي في أبي سفيان. قال: كَيْفَ بقرابتي مِنْه؟ قال: والذي أَكْرَمك! لأَسُلَّنَكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الخَميرِ، فقال حسّان:\nوإنَّ سَنَامَ المَجْدِ مِنْ آل هاشِم ... بنو بِنْتِ مَخزُومٍ، ووالِدكَ العَبْدُ\nقصيدته هذه (٢)]. وفي رواية: [والذي بعثك بالحق! لأسُلَّنَكَ منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول لحسان: \"إن روح القدس لا يزال يؤيِّدُكَ، ما نافَحْتَ عن الله ورسوله\". وقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"هجاهم حَسّانُ فشفى واشتفى\"] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس: [أن النبي - ﷺ - دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:\nخَلُّوا بني الكُفَّار عن سبيلهِ ... اليَوْمَ نَضْرِبْكُم على تَنْزيله\nضَرْبًا يزيل الهامَ عَنْ مَقِيْلِهِ ... ويُذْهِلُ الخليلَ عنْ خليلِهِ\nفقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله - ﷺ - وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: خَلِّ عَنْهُ يا عُمر فلهي أسْرَعُ فيهم مِنْ نَضْحِ النَّبْل] (٤).\nوقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. تهديد لمن انتصر بظلم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٤٨٥) - كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت.\n(٢) وبعد هذا بيت لم يذكره مسلم وبذكره تتم الفائدة وهو:\nومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام ولم يقرب عجائزك المجد\nوقوله: \"بنت مخزوم\": أي فاطمة أم عبد الله والزبير وأبي طالب. وقوله: \"أبناء زهرة منهم\": أي هالة بنت وهب بن عبد مناف أم حمزة وصفيّة. وقوله: \"العبد\" سب لأبي سفيان بن الحارث لأنَّ أم الحارث وهي سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان كانت كذلك وهو مراده بقوله: \"ولم يقرب عجائزك المجد\". والحديث رواه مسلم (٢٤٨٩) - الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٤٩٠) - كتاب فضائل الصحابة، الباب السابق - في أثناء حديث طويل.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٠١٧) في السنن. باب ما جاء في إنشاد الشِّعر، وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٢٨٣)، وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ١١٨٨ - ١١٨٩).","vol":"5","page":520},{"text":"قال ابن زيد: (وسيعلم الذين ظلموا من المشركين أي منقلب ينقلبون).\nوقال شريح: (سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله ﷿، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].\nوفي صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأوّل: خرّج مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء - التي لا قرن لها - من الشاة القَرْناء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله لَيُملي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ ثمَّ قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٣).\nتمّ تفسير سورة \"الشعراء\" بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٧٨) - كتاب البر والصلة. باب تحريم الظلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٨٢) - كتاب البر والصلة، الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦) - كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (٢٥٨٣) - كتاب البر والصلة، من حديث أبي موسى - ﵁ -.","vol":"5","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - البَخْعُ: القتل والإهلاك. وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف شاء، فمن شاء أقامه، ومن شاء أزاغه.\n٢ - سحرة فرعون أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، والسحر من أعمال الكفر.\n٣ - لن يهلِكَ الناسُ حتى يُعذروا من أنفسهم، وإذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله.\n٤ - جعل جبريل يدسُ في في فِرعون الطين خشية أن يقول: لا إله إلا الله، فيرحمه الله، أو خشية أن يَرْحمه.\n٥ - ما اختلج عِرْق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر.\n٦ - تَأَلُقُ أدب إبراهيم ﵊، في نسبه الضر لذنبه وما يكون من الزلل أو التقصير والوقوع في الآثام.\n٧ - يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها.\n٨ - هلاك الأمم بتكذيب الرسل، والإصرار على الكفر، وإشاعة الفواحش والفساد والآثام.\n٩ - مكتوب في الإنجيل: \"لا فظٌّ، ولا غليظٌ، ولا سخّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح\" - ﵊ - ومكتوب في التوراة نحو ذلك.\n١٠ - القرآن أكبر معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة.","vol":"5","page":522},{"text":"١١ - البدء بالقرابة في الدعوة إلى الله، وَالرحم معلقة بالعرش، وهي شجنة من الرحمن، من يصلها يصله، ومن يقطعها يقطعه.\n١٢ - الملائكة تحدَّث في العَنان بالأمر يكون في الأرض فَتَسمع الشياطين الكلمة فتقُرُّها في آذان الكاهن، فيكذبون معها مئة كذبة.\n١٣ - الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام.\n١٤ - اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.\n١٥ - إن الله ليملي للظالم ويستدرجه، فإذا أخذه لم يفلته.\n* * *","vol":"5","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>٢٧ - سُورَةُ النَّمْلِ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>موضوع السورة</span>\nملك سليمان ﵊ وتسخير الله لدولته الجن والإنس والطير والنمل لإقامة سلطان الإِسلام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-200> منهاج السورة </span>-\n١ - ثناء الله تعالى على القرآن الكريم، وأهله المؤمنين، وذمّ المشركين المكذبين.\n٢ - قصة موسى ﵊، وخبر خروجه من مدين إلى مصر، ورؤيته النار وتكليم الله له، وتحميله المهمة مع الآيات إلى فرعون وقومه، وجحود فرعون وملئه ونزول العذاب بهم.\n٣ - خبرُ داود وسليمان ﵉، وتسخيره تعالى لسليمان الجن والإنس والطير وسماع حوار النمل، ومقابلة سليمان ربه تعالى بالشكر والتعظيم.\n٤ - تفقُّد سليمان الهدهد، ومجيء الهدهد بالخبر المُسَوِّغ لتأخره.\n٥ - استقبال سليمان ﵇ الخبر من الهدهد على وجه التثبت والتحقق قبل اتخاذ القرار، وإعطاؤه رسالة عاجلة منه إلى بلقيس يأمرهم بالخضوع لسلطانه القائم بأمر الله قبل أن لا ينفعهم الفرار.","vol":"5","page":524},{"text":"٦ - استشارة بلقيس قومها محذرة لهم بأس الملوك، واستقرار رأيها على إرسال هدية لسليمان تستطلع بذلك طبيعة الأمر وما يُتوقع من السلوك.\n٧ - غضب سليمان ﵇ من فعل بلقيس، وتقريره الزحف بجيش كبير نحوها، ورؤيته إبراز شيء من قوته وسلطانه ليباغتها به عند وصولها، واستعانته بجنوده من الجن لتحقيق ذلك.\n٨ - وصول بلقيس ووضعها أمام الاختبار، وإعلان إسلامها في نهاية الأمر بعد التفكر والاعتبار.\n٩ - قصة ثمود مع نبيهم صالح ﵇، وإصرارهم على التكذيب والمكر حتى دمرهم الله فما استطاعوا القيام.\n١٠ - إنذار لوط قومه مغبة فاحشتهم، وإصرارهم على ما هم فيه حتى نزل العذاب بهم.\n١١ - دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، توحيد الربوبية يقتضي توحيد الألوهية.\n١٢ - انفراد الله بعلم الغيب، وجهل الكفار بالحق، وتسلية النبي - ﷺ - عما يلقاه من الأذى.\n١٣ - ثناء الله على القرآن، وأمره نبيّه التوكل عليه، وتقريره تعالى له أنَّه لا يسمع الموتى أو الصم ولا يهدي العمي، بل الهداية من الله للمؤمنين.\n١٤ - خروج الدابة من علامات الساعة، فتنة للناس عند فسادهم.\n١٥ - ذكر مشهد الحشر، واجتماع الناس خلف راياتهم وآلهتهم في أرض المحشر.\n١٦ - امتنان الله على الناس بنعمة الليل ليسكنوا فيه، والنهار لينتشروا فيه.\n١٧ - أحداث القيامة: نفخة الفزع، وحركة الجبال، والميزان يزن أعمال العباد.\n١٨ - إعلامُ النبي - ﷺ - قومه أنَّه أُمِرَ بإفراد الله رب هذه البلدة بالعبادة والتعظيم.\n١٩ - أمره تعالى نبيّه - ﷺ - بتلاوة القرآن وإقامة الحجة على الناس أجمعين.\n٢٠ - الحمد لله الذي بيده عجائب الآيات يريها خلقه ليؤمنوا وما هو بغافل عما يعملون.\n* * *","vol":"5","page":525},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ١: ٦].\nفي هذه الآيات: انتصارٌ للقرآن الكريم، الذي يحمل الهدى والبشرى للمؤمنين، الذين يقيمون الصلاة بأركانها وواجباتها ومواقيتها وخشوعها، ويؤتون الزكاة المفروضة في أموالهم بأوقاتها ومقاديرها، وبالآخرة هم يوقنون. إن الذين يكفرون بالآخرة هم في تزيين الشيطان يتخبطون، وهم في الآخرة هم الأخسرون، وهذا القرآن - يا محمَّد - تُلقاه من الله الحكيم العليم.\nفقوله: ﴿طس﴾ - تقدم الكلام في أوائل السور التي ابتدأت بمثل هذه الحروف المقطعة، وأنها تحمل معنى التحدي والإعجاز لهذا القرآن العظيم الذي هو من جنس هذه الأحرف.\nوقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾. انتصار لهذا القرآن وتعظيم له وثناء عليه بعد ذكر تلك الحروف. قال ابن كثير: (أي: هذه آيات ﴿الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، أي: بَيِّنٌ واضح). وقال القاسمي: (مبين لما تضمنه من الحكم والأحكام والمواعظ والاعتبار).\nوقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القرطبي: (﴿هُدًى﴾ في موضع نصب على الحال من الكتاب، أي تلك آيات الكتاب هادية ومبشرة. ويجوز فيه الرفع على الابتداء، أي هو هدى. وإن شئت على حذف حرف الصفة، أي فيه هدى. ويجوز أن يكون الخبر ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾).","vol":"5","page":526},{"text":"والمقصود: أي هذا القرآن هدى من الضلالة، وبشرى للمؤمنين برحمة الله ورضوانه.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\nأي: هذه البشرى للمؤمنين الموصوفين بإقامة الصلاة بأركانها وواجباتها وإتمام وضوئها وخشوعها والمحافظة على مواقيتها، وكذلك بإيتاء الزكاة المفروضة حسب أنواعها ومقاديرها، وهم موقنون برجوعهم إلى ربهم ﷿ في الدار الآخرة، راجون عفوه ومغفرته وكرمه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nقال الزجاج: (جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه).\nوعن ابن عباس: (﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتمادون). وقال قتادة: (يلعبون). وقال الحسن: (يتحيرون).\nوالمقصود: إن الذين يستبعدون البعث للحساب يوم القيامة، ويكذبون بوعد الله ووعيده في ذلك، حَسَّنّا لهم ما هم عليه من التيه والغرور، ومددنا لهم في غيِّهم فهم في ظلمات العمل يتيهون.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأوّل: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد","vol":"5","page":527},{"text":"الله بعبده الخير عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّر أمسك عنه بذنبه حتى يُوَافى به يوم القيامة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثمَّ تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم فيٍ الصحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم مؤمنًا حَسَنةً، يُعطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطْعَمُ بحسنات ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.\nأي: هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة لهم عذاب الخزي في الدنيا والآخرة، ثمَّ هم في الآخرة أخسر من كل خاسر. قال القرطبي: (فإن من الناس من خسر الدنيا وربح الآخرة، وهؤلاء خسروا الآخرة بكفرهم فهم أخسر كل خاسر). وقال ابن كثير: (أي: ليس يخسر أنفسَهم وأموالَهم سِواهُم من أهل المحشر).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾.\nقال قتادة: (﴿لَتُلَقَّى﴾، أي: لَتَأخذ). و﴿لَدُنْ﴾ بمعنى عند، وهي مبنية غير معربة. فالمعنى: وإنك يا محمَّد ليلقى عليك هذا القرآن فتلقاه وتعلمه من عند حكيم بتدبير خلقه، عليم بمصالح عباده وجميع أحوال ما في ملكه.\n٧ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٢٥٢٠). انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (١٩٥٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وابن جرير في \"التفسير\" (٧/ ١١٥)، وقال الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٤/ ١١٥): \"رواه أحمد والطبراني والبيهقيُّ في \"الشعب\" بسند حسن\". وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨) ح (٥٧)، كتاب صفات المنافقين، ورواه أحمد.","vol":"5","page":528},{"text":"اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nفي هذه الآيات: خبرُ موسى ﵊ أثناء مسيره من مدين إلى مصر ورؤيته النار وتكليم الله له وتحميله المهمة مع الآيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قومًا فاسقين. وجحودُ فرعون وملئه الحق بعد ظهوره ظلمًا وعلوًا فكيف كان عاقبة المفسدين؟ ! .\nفقوله: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾.\nقال ابن جرير: (و﴿إِذْ﴾ من صلة عليم. ومعنى الكلام عليم حين قال موسى ﴿لِأَهْلِهِ﴾ وهو في مسيره من مدين إلى مصر، وقد آذاهم برد ليلهم لما أصلد زنده ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ أي أبصرت نارًا أو أحسستها، فامكثوا مكانكم ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ يعني من النار).\nوقوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾. أي: أو آتيكم من النار بشعلة أقتبسها منها.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. أي تتدفؤون به. قال النسفي: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾ أي شعلة مضيئة ﴿قَبَسٍ﴾ نار مقبوسة بدل أو صفة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون بالنار من البرد الذي أصابكم، والطاء بدل من تاء افتعل لأجل الصاد)،\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.\nأي: فلما جاء موسى النار التي آنسها رأى منظرًا هائلًا عظيمًا حيث انتهى إليها. قال ابن كثير: (والنار تضطرم في شجرةٍ خضراءَ، لا تزدادُ النارُ إلا توقُّدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونَضْرَةً، ثمَّ رفَّ رأسه فإذا نورُها متصل بِعَنان السماء). فهنالك نودي ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.\nومن أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - قال ابن عباس: (لم تكن نارًا، إنما كانت نورًا يتوهَجّ). أو قال: (نور رب","vol":"5","page":529},{"text":"العالمين). وقال: (﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ يقول: قدس). قال: (كان نور رب العالمين في الشجرة. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قال: يعني الملائكة).\n٢ - قال قتادة: (﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: نور الله بورك). وقال مجاهد: (بوركت النار).\n٣ - وقال محمَّد بن كعب: (﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قال موسى النبي والملائكة).\nقلت: والراجح عندي أنَّه لما جاء موسى النار التي آنسها نودي أن تقدس نور رب العالمين وبورك من حول النار: موسى والملائكة.\nوقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: وتنزيهًا لله رب العالمين، العلي العظيم، نور السماوات والأرض، الأحد الصمد الذي ليس كمثله شيء، عما يصفه الظالمون.\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كَلِماتٍ فقال: إن الله - ﷿ - لا ينام ولا ينبغي له أن ينامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويرفَعُه، يُرْفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبل عمل النهار، وعَمَلُ النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور - وفي رواية: النارُ - لو كشفه لأحْرقت سبحاتُ وجْهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nإعلام منه سبحانه لموسى أن الذي يخاطبه ويناجيه إنما هو ربُّه الله العزيز في انتقامه من فرعون وأمثاله من الطغاة، الحكيم في ترتيب حياة أنبيائه والصالحين وفي تدبير كل أمور خلقه. ثمَّ أمره تعالى بإلقاء عصاه من يده ليريه دليلًا واضحًا على أنَّه القادر على كل شيء، فيهون عليه أمر فرعون وطغيانه.\nوهو قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.\nقال ابن جريج: (﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ قال: حين تحولت حية تسعى).\nوعن مجاهد: (﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ قال: لم يرجع).\nقال القاسمي: (﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ هو ضرب من الحيات، أسرعه حركة وأكثره اضطرابًا ﴿وَلَّى﴾ أي من الخوف ﴿مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي لم يرجع على عقبه من شدة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٩)، كتاب الإيمان، ح (٢٩٣)، (٢٩٤)، (٢٩٥).","vol":"5","page":530},{"text":"خوفه ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي لحفظي لهم وعنايتي بهم وعصمتي إياهم مما يؤذيهم. وفيه تبشير له باصطفائه بالرسالة والنبوة. وتشجيع له بنزع الخوف. إذ لا يتمكن من أداء الرسالة، ما لم يزل خوفه من المرسل إليه).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nاستثناء منقطع، وفتح باب عظيم من أبواب الأمل بعد الزلل، فإن من وقع في المعصية ثمَّ تدارك أمره بالتوبة والإنابة يجد الله غفورًا رحيمًا.\nقال الزمخشري: (يوشك أن يقصد بهذا، التعريض بما وجد من موسى. وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها، وسماه ظلمًا كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].\nومن السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأوّل: خَرَّجَ مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تاب قبل أن تطلع الشمسُ من مغربها تاب الله عليه] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم عن أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله تعالى يبسط يدَهُ بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البزار في مسنده بسند حسن لطرقه عن عبد الرحمن بن جُبَيْر، عن أبي طويل شطْب الممدود: [أنَّه أتى رسول الله - ﷺ - فقال: أرأيت رجلًا عمل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٠٣)، كتاب الذكر والدعاء. باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه. والمقصود المسارعة بالتوبة قبل ذوات الأوان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٩)، كتاب التوبة. باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة، وانظر (٢٧٥٨).","vol":"5","page":531},{"text":"الذنوب كُلَّها، فلم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجَةً إلا أتاها، فهل له من توبة؟ قال: فهل أسلمت؟ قال: أما أنا، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله. قال: نعم، تفعل الخيرات وتترك السيئات. فيجعلهُنَّ الله لك خيرات كُلَّهن. قال: وغَدَراتي وفجراتي؟ قال: نعم. قال: الله أكبر! فما زال يكبر حتى توارى] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (هذه آية أخرى، ودليلٌ باهرٌ على قدرة الله الفاعل المختار، وصِدْقِ مَنْ جعل له مُعجزةً، وذلك أن الله تعالى أمره أن يُدخِلَ يَده في حبيب دِرْعِه، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطِعةً، كأنها قطعة قَمَرٍ لها لَمَعانٌ يتلألأ كالبرق الخاطِفِ. وقوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾، أي: هاتان ثنتانِ من تسعِ آياتٍ أُؤيدك بِهنَّ، وأجعلهن بُرهانًا لك إلى فرعون وقومه، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\nقال ابن جُريج: (﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ قال: بينة ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقول: قال فرعون وقومه: هذا الذي جاءنا به موسى سحر مبين، يقول: يبين للناظرين له أنَّه سحر).\nوقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.\nقال ابن زيد: (استيقنوا أن الآيات من الله حق، فلِمَ جحدوا بها؟ قال: ظلمًا وعلوًا).\nوقال ابن جريج: (﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾: تعظمًا واستكبارًا).\nوالمعنى: لقد جحد فرعون وقومه الآيات التسع وكذبوها بعدما أيقنتها قلوبهم، وعلموا يقينًا أنها من عند الله، وإنما حملهم على معاندتها والتنكر لها الكبر والظلم\n_________\n(١) أخرجه البزار في \"مسنده\" (٤/ ٧٩ - ٨٠/ ٣٢٤٤ - كشف الأستار)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦/ ٧٢٣٥)، وانظر السلسلة الصحيحة (٣٣٩١).","vol":"5","page":532},{"text":"الذي ألفوه وأحبوه وظنوا أنَّه يجرّ لهم المنافع والمناصب والمصالح، حتى انتقم الله منهم وانقلب السحر على الساحر.\nوقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nأي: فانظر - يا محمَّد - بعين قلبك كيف كان مصيرهم بعد طغيانهم، وكيف أغرقهم الله عن آخِرهم في صبيحة واحدة. والخطاب بطريق الأولى لمشركي قريش الذين يواجهون الوحي بعنادهم وكبرهم، فإن التاريخ المؤلم قد يعيده الله على مستحقيه متى شاء وأين شاء، فليعتبر هؤلاء الطغاة أن ينالهم ما نال فرعون وقومه من الدمار والهلاك والأيام النَّحِسات.\n١٥ - ١٩. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.\nفي هذه الآيات: خبرُ داود وسليمان ﵉ وحمدهما الله تعالى الذي فضلهما على كثير من عباده المؤمنين، وتسخيره تعالى لسليمان الجن والإنس والطير فهم يوزعون. وسماعُه حديث النملة في وادي النمل وتبسمه من قولها وشكره الله الذي أنعم عليه وعلى والديه وسؤاله الدخول في عباده الصالحين.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. قال قتادة: (أي فهمًا).\nوقيل: علمًا بالدين والحكم وغيرهما، كما قال جلّ ذكره: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠].\nقال ابن جرير: (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ وذلك علم كلام الطير والدّواب، وغير ذلك مما خصّهم الله بعلمه).","vol":"5","page":533},{"text":"قلت: ولا شك أن الله تعالى اختص داود وسليمان ﵉ إضافة إلى علوم الوحي والنبوة والحكمة، بعلوم كثيرة تفيد التمكين في الأرض، وقوة الملك والنفوذ لإقامة دولة الحق.\nوقوله: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: حَمْدُ الله تعالى على النعمة، وهو أفضل من النعمة نفسها.\nقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].\nوفي سننٍ ابن ماجة بإسناد حسن عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما أنعم الله على عَبْدٍ نِعْمَة فقال: الحَمْدُ لله، إلا كان الذي أعطاه أَفْضَلَ مما أخذَ] (١).\nالمسألة الثانية: شرف العلم ورفعة منزلته على بقية النعم.\nقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].\nوقال هنا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال القرطبي: (وفي الآية دليل على شرف العلم وإنافة محلّه وتقدّم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجَلّ النِّعَم وأجزل القِسَم، وأن مَنْ أوتيه فقد أوتي فضلًا على كثير من عباد الله المؤمنين).\nوقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾. قال ابن كثير: (أي: في الملك والنبوة، وليس المرادُ وِراثة المال، إذ لو كان كذلك لم يَخُصَّ سليمان وحدَه من بين سائر أولاد داودَ، فإنَّه قد كان لدوادَ مئةُ امرأة، ولكن المراد بذلك وراثةُ المُلك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورثُ أموالهم. كما أخبر بذلك رسول الله - ﷺ -: \"نحن معشر الأنبياء لا نُورث، ما تركنا فهو صدقة\").\nوقوله: ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.\nقال النسفي: (تشهيرًا لنعمة الله تعالى واعترافًا بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٣٨٠٥)، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين. وانظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (٣٠٦٧).","vol":"5","page":534},{"text":"بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير. والمنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وكان سليمان ﵇ يفهم منها كما يفهم بعضها من بعض). قال ابن جرير: (﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يقول: وأعطينا ووهب لنا من كل شيء من الخيرات).\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.\nاعتراف من سليمان ﵊ لله تعالى بهذه النعم الجليلة، وشكر منه له جل ثناؤه على تلك العطايا والمواهب الجميلة.\nقال القاسمي: (﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي البين الظاهر. وهو قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة. كما قال رسول الله - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\" (١) أي أقول هذا القول شكرًا، ولا أقوله فخرًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (يوزعون: يُساقون). وقال الحسن: (يتقدمون). وقال قتادة: (يردّ أولهم على آخرهم). وفضل ذلك ابن عباس بقوله: (جعل على كل صنف من يرد أولاها على أُخراها لئلا يتقدموا في المسير كما تصنع الملوك).\nقال ابن كثير: (أي: وجُمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير. يعني رَكِبَ فيهم في أبهة وعظمة كبيرة، في الإنس وكانوا هم الذين يَلُونَه، والجنُّ بعدَهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حَرٌّ أظلته منه بأجنحتها.\nوقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، أي: يكُفّ أولهم على آخرهم، لئلا يتقدَّم أحدٌ عن مَنْزِلَتِهِ التي هي مَرْتَبَةٌ له).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾. أي: حتى إذا أتى سليمان وجنوده أثناء المسير على وادي النمل ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: لا يكسرنكم ويقتلنكم سليمان وجنوده).\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: وهم لا يعلمون أنهم يحطمونكم. قال النسفي: (أي لو شعروا لم يفعلوا، قالت ذلك على وجه العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في: (٣٩) - كتاب السنة، (١٣) - باب في التخيير بين الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، حديث رقم (٤٦٧٣).","vol":"5","page":535},{"text":"وقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾. أي فهم ذلك سليمان فتبسم ضاحكًا متعجبًا من حذرها واهتدائها لمصالحها ونصيحتها للنمل، أو فَرَحًا لظهور عدله.\nوقوله: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. قال ابن عباس: (يقول: اجعلني). وقال ابن زيد: (﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني وحرضني على أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والديّ).\nوفي لغة العرب: أوزعه بالشيء أغراه به. واسْتَوْزَعْتُ الله شكره فَأَوْزَعَني أي اسْتَلْهَمْتُه فألهمني. والمقصود: توجه سليمان ﵊ إلى الله - ﷿ - أن يلهمه شكر نعمته عليه من تعليمه منطق الطير والحيوان، وعلى والديه بنعمة الإِسلام والإيمان.\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.\nأي: وألهمني العمل الصالح الذي تحبه وترضاه ووفقني إليه.\nوقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.\nقال ابن زيد: (مع عبادك الصالحين الأنبياء والمؤمنين).\nقال ابن جرير: (يقول: وأدخلني برحمتك مع عبادك الصالحين، الذين اخترتهم لرسالتك، وانتخبتهم لوحيك، يقول: أدخلني من الجنة مداخلهم).\n٢٠ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.\nفي هذه الآيات: تفقُّد سليمان ﵇ للهدهد، وترّيثُه لمعرفة عذر غيابه أو","vol":"5","page":536},{"text":"لينزلن به العقاب الأليم. ومجيء الهدهد بالخبر المُسَوِّغ لتأخّره بوجود ملكة وقومها يسجدون للشمس من دون الله العلي العظيم.\nفعن وهب بن منبه: (﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أخطأه بصري في الطير، أو غاب فلم يحضر؟).\nوالتفقد طلب ما غاب عنك. قال النسفي: (﴿أم غاب﴾ أم بمعنى بل، والمعنى أنَّه تعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد، فقال ما لي لا أراه على معنى أنَّه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثمَّ لاح له أنَّه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول بل هو غائب).\nقلت: وهذا يدل على قيام سليمان على أمر جنوده ومتابعته لشؤونهم وأحوالهم وما وكل إليهم من أعمال، وهو درس للقادة المسلمين بعده في الحرص على إقامة العدل والانضباط، والتأكد من جاهزية الجنود والعمال، وحسن أدائهم لوظائفهم.\nوقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال ابن عباس: (يعني نَتْفَ ريشه).\nوقال عبد الله بن شداد: (نتف ريشه وتشميسُه). وقيل: نتف ريشه وتَركه ملقى يأكله الذّرُ - صغار النمل.\nقلت: ولا دليل على كل ما ذُكر، والله أعلم كيف مقصود سليمان بهذا العذاب الشديد.\nوقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾. قال الضحاك: (يقول: أو لأقتلنه).\nوقوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أي بعذر واضح جلي.\nقال ابن عباس: (يقول: ببينة أعذره بها، وهو مثل قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٣٥] يقول: بغير بَيِّنَة).\nوقال عكرمة: (كل شيء في القرآن سلطان، فهو حجة).\nوقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي الهدهد، غاب زمانًا يسيرًا ثمَّ أقبل فقال لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: اطلعت على أمر غاب عنك وعن جنودك.\nقال وهب بن منبه: (أي أدركت ملكًا لم يبلغه ملكك).\nوقوله: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. أي: أتيتك من سبأ بِخبرِ صِدْقٍ حق يقين.\nوسبأ: هم حِمير، وهم ملوك اليمن.","vol":"5","page":537},{"text":"وقوله: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾. قال الحسن: (وهي بلقيسُ بنتُ شُراحِيلَ ملكة سبأ). قال القرطبي: (ويقال: كيف خفي على سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطِّهِ وبين بلدها قريبة، وهي من مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب؟ والجواب أن الله تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة، كما أخفى على يعقوب مكان يوسف).\nوقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مبالغة، والمقصود: أعطيت من كل شيء تحتاج إليه أمور مملكتها وقوام حكمها، شأن كل ملك متمكِّن. قال الحسن: (يعني: من كل أمر الدنيا).\nوقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (سرير كريم، قال: حَسن الصَّنعة، وعرشها: سرير من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ).\nوقال الحسن: (﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: يعني سرير عظيم).\nوقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وجدت هذه المرأة ملكة سبأ، وقومها من سبأ، يسجدون للشمس فيعبدونها من دون الله. وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يقول: وحَسَّن لهم إبليس عبادتهم الشمس، وسجودهم لها من دون الله، وحبب ذلك إليهم).\nوقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.\nأي: فمنعهم بتحسينه وتزيينه لهم من اتباع الصراط المستقيم، وهو دين الله القويم، فهم لا يهتدون إلى طريق الحق، بل هم في غَيِّهم يترددون.\nوقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال ابن عباس: (يعلم كل خبيئة في السماء والأرض).\nوقد قرأ بعض قراء مكة والمدينة والكوفة ﴿أَلَّا﴾ بالتخفيف. والتقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله وحده الذي يعلم كل خفية في السماوات والأرض فيخرجها إن شاء.\nوقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وحمزة ﴿أَلَّا﴾ بالتشديد. والتقدير: وزيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله.\nوهما قراءتان مستفيضتان مشهورتان في قراء الأمصار، كما ذكر شيخ المفسرين.\nوعن مجاهد: (﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال: الغيث).","vol":"5","page":538},{"text":"وقال ابن زيد: (﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: خبء السماء والأرض: ما جعل الله فيها من الأرزاق، والمطر من السماء، والنبات من الأرض، كانتا رتقًا لا تمطر هذه ولا تنبت هذه، ففتق السماء، وأنزل منها المطر، وأخرج النبات).\nقلت: والآية أعم من ذلك، فهي تشمل كل خفية في السماوات والأرض، وكل غائبة صغيرة أو كبيرة، فهو يعلمها ويخرجها متى شاء، كما قال سبحانه في آخر هذه السورة: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥]. فيشمل الخبء كل ما هو مخبوء فيهما من نبات ومعادن وأرزاق ومخلوقات مختلفة لا يعلمها إلا الله.\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.\nأي: ويعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال، لا يخفى عليه سبحانه من أمر خلقه شيء.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].\nوفي المسند وسنن النسائي عن عروة عن عائشة قالت: [الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي - ﷺ - تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث عمر - قال جبريل للنبي - ﷺ - أخبرني عن الإحسان؟ قال -: [الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، والنسائيُّ (٣٤٦٠)، والبخاري تعليقًا (٧٣٨٥)، وأخرجه ابن ماجة (١٨٨) و(٢٠٦٣)، وأخرجه عبد بن حميد (١٥١٤)، وأخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٣٣٧٢٦)، وإسناده على شرط مسلم.","vol":"5","page":539},{"text":"وفي لفظ من حديث أبي هريرة: [قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: أنْ تخشى الله كأنك تراه، فإنَّك إنْ لا تكنْ تراه فإنَّه يراك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.\nقال ابن زيد: (هذا كله كلام الهدهد).\nوالمعنى: هلا يسجدون لله العظيم الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إله إلا هو، رب العرش العظيم الذي ليس في المخلوقات أعظمُ منه.\nأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢).\nوأخرج ابن خزيمة في \"التوحيد\"، وعبد الله بن أحمد في \"السنة\"، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره] (٣).\nفائدة: لقد نطق النمل في أول السورة بكلام حق، وفهمه سليمان ﵇ وتبسم لذلك تعجبًا، ثمَّ تبعه الهدهد في هذا الموقف النبيل الذي يدلّ فيه قائده على ما فيه تمام قوته وشوكته وحماية دولة الحق. وقد نهى الله سبحانه - على لسان نبيه - ﷺ - عن قتل النمل والهدهد.\nفقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة - ﵁ - قال: [نهى النبي - ﷺ - عَنْ قَتْلِ أرْبَعٍ من الدَّواب: النَّملةِ والنَّحْلَةِ والهُدْهُدِ والصُّرَد] (٤).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [قرصَتْ نَمْلَةٌ نبيًّا من الأنبياء،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١٠)، كتاب الإيمان، في أثناء حديث طويل. باب: الإِسلام ما هو وبيان خصاله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١/ ١١٤)، والبيهقيُّ في \"الأسماء والصفات\" ص (٢٩٠). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٩).\n(٣) صحيح موقوف. رواه ابن خزيمة والدارميُّ وعبد الله بن أحمد. انظر مختصر العلو (٤٥) ص (١٠٢)، ورجاله كلهم ثقات. وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١١٦١) لتفصيل البحث.\n(٤) إسناده صحيح. أخرجه أبو داود (٥٢٦٧)، وابن ماجة (٣٢٢٤)، وأحمد (١/ ٣٣٢)، وأخرجه البيهقي (٩/ ٣١٧)، وكذلك ابن حبَّان (٥٦٤٦).","vol":"5","page":540},{"text":"فأمر بقريةِ النمل فَأُحرِقَت، فأوحى الله إليه، أن قرصَتْكَ نَمْلَةٌ أحرقْتَ أُمَّةً من الأمم تُسَبِّحُ الله؟] (١).\nوفي رواية: [نزل نبيٌّ من الأنبياء ﵇ تحت شجرة، فلدغَتْهُ نَمْلَةٌ، فأمَرَ بِجَهازِه فَأُخْرِجَ من تحتِها، وأمرَ بها فأُحرقت في النار، قال: فأوحى الله إليه: فهلّا نَمْلَةً واحدة].\nوفي لفظ: [أفي أن قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أهلكت أُمّةً من الأمم تُسَبِّح].\n٢٧ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.\nفي هذه الآيات: استقبالُ سليمان ﵇ الخبر من الهدهد على وجه التثبت والتحقق قبل اتخاذ القرار، وإعطاؤه رسالة عاجلة منه إلى بلقيس يأمرهم بالخضوع لسلطانه القائم بأمر الله قبل أن لا ينفعهم الفرار. واستشارة بلقيس قومها محذرة لهم بأس الملوك وأبعاد هذا الإنذار، واستقرار الرأي منها على إرسال هدية لسليمان لاستخلاص ما يكون وراء ذلك من الأخبار.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. أي: سنتحقق مما قلت أصِدْقٌ هو أم أردت أن تتخلّص بذلك الإخبار من الوعيد والعقاب.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿قَالَ﴾ سليمان للهدهد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ فيما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٠١٩)، كتاب الجهاد والسير، وأخرجه مسلم (٢٢٤١)، ح (١٥٠)، كتاب السلام، باب النهي عن قتل النمل، ورواه أبو داود (٢٦٦)، والنسائيُّ: (٧/ ٢١٠ - ٢١١)، وابن ماجة (٣٢٢٥)، وأحمد (٢/ ٣١٣)، وابن حبَّان (٥٦١٤).","vol":"5","page":541},{"text":"اعتذرت به من العذر، واحتججت به من الحجة لغيبتك عنا، وفيما جئتنا به من الخبر ﴿أَصَدَقْتَ﴾ في ذلك كله ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه).\nوقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.\nقال الضحاك: (فمضى الهدهد بالكتاب، حتى إذا حاذى الملكة وهي على عرشها ألقى إليها الكتاب).\nقال ابن كثير: (وذلك أن سليمان - ﵇ - كتب كتابًا إلى بلقيس وقومِها.\nوأعطاه لذلك الهدهد فحمله، قيل: في جناحه كما هو عادةُ الطير، وقيل: بمنقاره، وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بِلْقيس، إلى الخَلْوَةِ التي كانت تختلي فيها بنفسِها، فألقاه إليها من كُوَّةٍ هنالِكَ بينَ يديها، ثمَّ تولى ناحيةً أدبًا ورياسة فتحيَّرت مما رأت، وهالها ذلك، ثمَّ عَمَدت إلى الكتاب فأخذَته، ففتحت خَتْمَهُ وقرأته، فإذا فيه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾).\nوقوله: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾.\nالملأ: أشراف قومها. والمقصود: أنها جمعت أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها وأخبرتهم قائلة لهم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. وفي تأويله وجوه:\n١ - الوجه الأوّل: قال النسفي: (﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ حسن مضمونه وما فيه).\n٢ - الوجه الثاني: قال ابن جرير: (قال بعضهم: وصفته بذلك لأنه كان مختومًا).\n٣ - الوجه الثالث: قال ابن زيد: (هو كتاب سليمان حيث كتب إليها). فوصفت الكتاب بالكريم لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظَّمته إجلالًا لسليمان ﵇.\n٤ - الوجه الرابع: قيل: لأنه بدأ فيه بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - ذكره القرطبي.\n٥ - الوجه الخامس: قيل: تعني بكرمه ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثمَّ تولّى عنها أَدَبًا. وهذا أمْرٌ لا يقِدرُ عليه أحدٌ من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك - ذكره ابن كثير.\n٦ - الوجه السادس: قيل: وصفته بذلك، لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله - ﷿ -، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سَبًّا ولا لعنًا، ولا ما يغيّر النفس، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق، على عادة الرسل في","vol":"5","page":542},{"text":"الدعاء إلى الله - ﷿ -، ألا ترى إلى قول الله - ﷿ - لنبيّه - ﷺ -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقوله لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. ذكره القرطبي بعد أوجه أخرى ثمَّ قال: (وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها).\nقلت: ولا شك أن مجموع ما سبق من الخصال يمكن أن يوصف به كتاب سليمان ﵊ إلى بلقيس ملكة سبأ.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.\nأي قالت: يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، وإنه من سليمان ابتدأه بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فعرفوا أنَّه من نبي الله سليمان ﵇. وأنه لا قِبَل لهم به. قال ابن كثير: (وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوَجازَةِ والفصاحة، فإنَّه حَصَّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل سليمان ﵇).\nقال ابن زيد: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: أن لا تمتنعوا من الذي دعوتكم إليه، إن امتنعتم جاهدتكم. ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ يقول: وأقبلوا إليّ مذعنين لله بالوحدانية والطاعة).\nوقال ابن جرير: (وعنى بقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: أن لا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾.\nقال ابن زيد: (دعت قومها تشاورهم. قالت: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ بمعنى: قاضية).\nقال القاسمي: (أي: لا أبتُّ أمرًا إلا بمحضركم ومشورتكم. ولا أستبدّ بقضاء إلا باستطلاع آرائكم والرجوع إلى استشارتكم).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.\nقال ابن زيد: (عرضوا لها القتال، يقاتلون لها، والأمر إليك بعد هذا ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾).","vol":"5","page":543},{"text":"قال النسفي: (أرادوا بالقوة قوة الأجساد والآلات، وبالبأس النجدة والبلاء في الحرب).\nأي: قالوا لها: نحن أولو قوة في العدَدِ والعُدَدِ، وأولو بأس ونجدة وبلاء في الحرب كما تعلمين، وإنما أمر القتال أو الصلح مفوض إليك، فرأينا من رأيك، فانظري ما هو أبقى لشرفك وملكك.\nوقوله: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾.\nقال ابن عباس: (إذا دخلوها عنوة خرّبوها).\nوقوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. قال ابن كثير: (أي: وقصدوا من فيها من الوُلاةِ والجنود فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (قالت بِلْقيسُ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، قال الرب - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.\nقال قتادة: (رَحِمَها الله ورَضِيَ عنها. ما كان أعقَلَها في إسلامها وفي شِرْكِها! عَلِمَت أن الهدية تقع مَوقعًا من الناس).\nقال القرطبي: (﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ هذا من حسن نظرها وتدبيرها، أي إني أجرب هذا الرجل بهدية، وأعطيه فيها نفائس من الأموال، وَأُغْرِبُ عليه بأمور المملكة: فإن كان ملكًا دنياويًا أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبيًّا لم يرضه المال ولازَمَنا في أمر الدِّين، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه).\n٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧) قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ","vol":"5","page":544},{"text":"مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: استثارةُ سليمان ﵇ من فعل بلقيس وهديتها، وتقريره الزحف بجيش كبير نحوها، ورؤيته إبراز شيء من قوته وسلطانه ليباغتها به عند وصولها، واستعانتُه بالجن وعالِمِهم في ذلك وشكره ربه تعالى على ما آتاه من القوة والتمكين، وأغدق عليه من ألوان النعيم.\nفقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. قال ابن كثير: (أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرِكِكم ومُلْكِكم؟ ! ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خيرٌ مما أنتم فيه، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، أي: أنتم الذين تنقادونَ للهدايا والتحَف، وأما أنا فلا أقبل إلا الإِسلامَ أو السَّيف).\nقلت: وقد أكثر المفسرون من ذكر تفاصيل الهدية دون دليل يليق على منهاج النبوة، وإنما أَكْثَرُ ذلك مأخوذٌ مِنَ الإسرائليات. ومِن ثمَّ فلا ينبغي تسويد صفحات كتب التفسير به، والظاهر أن سليمانَ ﵊ لم يأبه إلى ماهية هديتهم وما فيها من زينة وعجائب، بل نظر أبعدَ من ذلك بكثير، وهو مستقبل الناس بين يدي الله - ﷿ - ونجاتهم من عذاب الله يوم القيامة، هذا من جهة، ومستقبل دولة الإِسلام أن لا يجاورها دولة شرك في الأرض من جهة أخرى.\nوقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾. أي: رُدَّ عليهم هديتهم. قال ابن جرير: (وهذا قول سُليمان لرسول المرأة).\nوقوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾. قال أبو صالح: (لا طاقة لهم بها). قال النسفي: (وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أي لا يقدرون أن يقابلوهم).\nوقوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. قال وهب بن منبه: (أو لتأتيني مسلمة هي وقومها).\nوالمقصود: ولنخرجهم من سبأ مهانين أذلاء إن لم يأتوا مسلمين ويدينوا بالولاء للإسلام ودولة الحق.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.\nإخبار عن إرادة سليمان إظهار عظمة ما وهبه الله من الملك واستقرار دولة الحق،","vol":"5","page":545},{"text":"وتسخيره - تعالى - له أسباب التمكين من الجنود الكثيرة، والخبرات الكبيرة، وبعض نواميس الطبيعة.\nوقد ذكر المفسرون تفاصيل سرير بلقيس الذي كانت تجلس عليه وأنه من ذهب مُفَصَّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ وغير ذلك، والمهم بالنسبة لنا ما ذكر القرآن الكريم أنَّه عرش عظيم. فأراد سليمان ﵊ أن يُريها صغار قوتها أمام عظمة ما آتاه الله من الملك والتسخير والتمكين. فخاطب جنوده قائلًا: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (مستسلمين).\nقال ابن زيد: (استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلًا على نبوته، لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب).\nوقوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾.\nقال مجاهد: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ مارِدٌ من الجن). وقال ابن عباس: (﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾: يعني قبل أن تقومَ من مجلسك). وقال مجاهد: (مقعدك).\nوقوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. قال ابن عباس: (أي قويٌّ على حَمْلِهِ، أمينٌ على ما فيه من الجوْهر).\nوقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.\nالظاهر أن سليمان أراد أعجل من ذلك في إحضار السرير ليظهر لبلقيس عظمة ما هو عليه مِمّا وهبه الله من الملك والتمكين والتسخير الذي لم يكن لأحد قبله، ولا يكون لأحد بعده. فقام جنّي آخر من المؤمنين ممن عنده علم على منهاج النبوة فقال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.\nقال وهب بن منبه: (امدُد بَصَرك، فلا يبلغ مداه حتى آتيك به).\nقلت: وقد ذكر المفسرون هنا أقوالًا كثيرة في تعريف الذي عنده علم من الكتاب، وبعضهم أتى من ذلك بالعجائب، ولا دليل عندهم تقوم به الحجة، وإنما سياق الآيات يقتضي ما ذكرنا والله تعالى أعلم.\nوفي ذلك تنبيه لفضل العلم وشرفه ومكانته، فإنَّه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وقد رأينا في زماننا هذا سَبْقَ الأمم العاملةِ المتقنةِ الأممَ النائمةَ الضعيفةَ إنما كان بالعلم والدأب والإتقان. فإذا جمع العَالِمُ بين علم الدنيا والآخرة، وبين","vol":"5","page":546},{"text":"التقوى والصلاح، فلا أعجب حينئذ من ذلك ولا أقوى ولا أفضل. وهذا ما جمعه الله تعالى لسليمان ﵊ وأعطاه بعض جنوده.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].\nوفي كنوز السُّنة العطرة من آفاق ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأوّل: روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي - ﷺ -: [لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْن: رَجُلٍ آتاه اللهُ مالًا فَسُلِّطَ على هلكتِه في الحق، ورجُلٍ آتاه الله الحِكْمةَ فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي في السنن بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال: ذُكِرَ لرسول الله - ﷺ - رجلان أحدهما: عابد، والآخر: عالم. فقال رسول الله - ﷺ -: [فَضْلُ العالِمِ على العابدِ كَفَضْلي على أدناكم. ثمَّ قال رسول الله - ﷺ -: إنَّ الله وملائكتَه وأهْلَ السماوات والأرض حتى النَّملة في جُحْرِهَا، وحتى الحوت لَيُصَلُّونَ على مُعَلِّمِ الناسِ الخير] (٢).\nقال أبو عيسى: سمعت أبا عمار الحسين بن حريث الخزاعي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: (عالم عامل معلم يدعى كبيرًا في ملكوت السماوات).\nالحديث الثالث: أخرج البزار والطبراني بإسناد حسن عن حذيفة بن اليمان - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فَضْلُ العِلْمِ خيرٌ من فضلِ العبادة، وخيرُ دينكم الورَعُ] (٣). وفي لفظ: (أحبُّ إلي) بدل \"خير\".\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣)، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢١٦١) - أبواب العلم - باب في فضل الفقه على العبادة. وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤٠٨٩).\n(٣) إسناده حسن. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، والبزار في المسند. انظر صحيح الترغيب (١/ ٦٦)، كتاب العلم. الترغيب في العلم وطلبه. وانظر صحيح الجامع (٤٠٩٠).","vol":"5","page":547},{"text":"وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.\nأي: فلما رأى سليمان ﵇ عرش بلقيس ماثلًا أمام عينيه مستقرًا بين يديه أدرك عِظم فضل الله عليه وقال: هذا من نِعَم الله عليّ ليختبرني ويمتحنني، أأشكر ذلك من منّه وكرمه عليّ، أم أكفر نعمته علي فأهمل شكرها.\nوقوله: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.\nأي: ومن شكر الله تعالى على نعمه فهو إنما يرجع بفائدة ذلك الشكر على نفسه: من رضا الله تعالى عليه، والزيادة له في نعمه، وذكره في عباده الشاكرين. فإن الله تعالى لا يحتاج إلى شكر عبده، ومن كفَرَ نعم الله تعالى فجحدها أو أهمل شكرها فإنما يرجع وبال ذلك عليه، فالله تعالى غني لا يفتقر إلى أحد، كريم يغدق على جميع عباده كافرهم ومؤمنهم.\nقال ابن جرير: (﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ يقول: ومن كفر نعمه وإحسانه إليه وفضله عليه، لنفسه ظَلَمَ وحظَّها بَخَسَ، والله غني عن شكره، لا حاجة به إليه، لا يضره كفر من كفر به من خلقه، كريم: ومن كرمه إفضاله على من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ -: [قال الله تعالى: يا عبادي، لو أن أولكم وآخرَكم، وإنسكم وجنَّكم، كانوا على أتقى قلبِ رجُلٍ واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلبِ رجلٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحْصيها لكَم، ثمَّ أوفيكم إياها، فمن وجَدَ خيرًا فليحمد الله، ومن وَجَدَ غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَه] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٧٧)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٤٩٠)، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجة (٤٢٥٧)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٦٠)، وابن حبَّان (٦١٩) من حديث أبي ذر مطوّلًا.","vol":"5","page":548},{"text":"وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (١).\nوله شاهد عن الطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله على عبدٍ نعمة فحِمَدَ الله عليها إلا كان ذلك الحمد أَفضَلَ من تلكَ النعمة].\n٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nفي هذه الآيات: أمرُ سليمان جنده بتنكير عرش بلقيس ليختبر فطنتها، وإجابتها بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ عند سؤاله لها عن عرشها، وقد فَضَّل الله سليمان بالعلم والقوة وأضعفها ودولتها بكفرها وقومها، فلما اختبرها بالصرح الممرد من قوارير ما ملكت إلا أن اعترفت بظلمها نفسها وأعلنت إسلامها.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.\nقال قتادة: (﴿نَكِّرُوا﴾: غيِّروا). وقال مجاهد: (﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: غَيِّروه ﴿أَتَهْتَدِي﴾ أتعرفه).\nقال ابن عباس: (وتنكير العرش، أنَّه زيد فيه ونقص). قال: (زيد في عرشها ونقص منه، لينظر إلى عقلها، فوُجدت ثابتة العقل).\nوعن وهب بن منبه: (﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾: أي أتعقل، أم تكون من الذين لا يعقلون. ففعل ذلك لينظر أتعرفه، أو لا تعرفه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٨٠٥)، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٦٧)، وكذلك للشاهد: صحيح الجامع (٥٤٣٨).","vol":"5","page":549},{"text":"والمقصود: لما أُتي سليمان ﵊ بِعَرْش بَلْقِيس قبل وصولها إليه، أمر بالعرش أن تُغَيَّر بعض صفاته ليختبِر معرفتها وثباتها عند رؤيته، هل تهتدي لمعرفة عرشها أو لا.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾.\nقال وهب بن منبه: (لما انتهت إلى سليمان وكلمته أخرج لها عرشها ثمَّ قال: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾). قال قتادة: (شبَّهته). وقال ابن زيد: (شكّت). قال ابن كثير: (أي عُرِض عليها عرشُها، وقد غُيِّرَ وَنُكِّرَ، وزيدَ فيه ونُقِصَ، وكان فيها ثَباتٌ وعقلٌ، ولها لُبّ ودَهاءٌ وحَزْمٌ، فلم تُقدِم على أنَّه هو لِبُعْدِ مسافتِه عنها، ولا أنَّه غيرُه، لِمَا رأت من آثاره وصِفاتِه، وإنْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ ونُكِّرَ، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، أي: يُشْبِهُه ويُقارِبُه. وهذا غاية في الذَّكاء والحَزْم).\nوقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. قال مجاهد: (سليمان يقوله).\nقال ابن جرير: (وقال سليمان: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي هذه المرأة، بالله وبقدرته على ما يشاء، ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ لله من قبلها).\nوقوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.\nأي: وكان صدّها عن الهداية ما كانت تعبد مع قومها الشمس من دون الله، فمنعها نشؤها بين أظهر الكفار من عبادة الله وحده.\nقال مجاهد: (كفرها بقضاء الله، صدّها أن تهتدي للحق).\nقال النسفي: (﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ متصل بكلام سليمان، أي وصدّها عن العلم بما علمناه، أو عن التقدم إلى الإِسلام عبادة الشمس ونشؤها بين أظهر الكفرة، ثمَّ بين نشأها بين الكفرة بقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. أو كلام مبتدأ، أي: قال الله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل، أو صدّها الله، أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل).\nوقوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾. أي القصر أو صحن الدار.\nقال وهب بن منبه: (أمر سليمان بالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضًا، ثمَّ أرسل الماء تحته، ثمَّ وضع له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ثمَّ قال: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ليريها مُلْكًا هو أعزّ من مُلكها،","vol":"5","page":550},{"text":"وسلطانًا هو أعظم من سلطانها. ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لا تشك أنَّه ماء تخوضه، قيل لها: ادخلي إنه صرح ممرّد من قوارير).\nقال القاسمي: (وكان سليمان ﵇ اتخذ قصرًا بديعًا من زجاج، فأراد أن يريها منه عظمة ملكه وسلطانه، ومقدار ما آثره الله به ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾ أي صحنه ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ أي ماء عظيمًا ﴿وَكَشَفَتْ﴾ أي: للخوض فيه ﴿عَنْ سَاقَيْهَا﴾، قال: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أي مملّس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي من الزجاج.\n﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أي بكفرها السالف وعبادتها وقومها الشمس ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي متابعة له في دينه وعبادته لله وحده لا شريك له).\nتنبيه: أَكْثَرَ المفسرون في هذا المقام من روايات واهية لا تقوم بها الحجة، في شأن سليمان - ﵇ - مع بلقيس، وأكثرها لا يليق بمقام النبوة وعصمتها، وكان أولى أن لا تذكر، فإن أغلبها من الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة المكذوبة.\n٤٥ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن إرساله نبيّه صالحًا - ﵇ - إلى ثمود بعبادة الله وحده ونبذ ما يُعبد من دونه فإذا هم ينقسمون إلى فريقين: فريق مصدق، وفريق مكذب. فدعاهم إلى توحيد الله واستغفاره، فقابلوه بالتطير منه، والمكر","vol":"5","page":551},{"text":"بالاشتراك مع الرهط المفسدين، فمكر الله بهم وهو أشد مكرًا بالقوم الظالمين، فدمرهم وكتب النجاة للقوم المؤمنين.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.\nقال مجاهد: (مؤمن وكافر، قولهم صالح مرسل، وقولهم صالح ليس بمرسل. ويعني بقوله: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يختلفون).\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾. قال مجاهد: (السيئة: العذاب، قبل الحسنة: قبل الرحمة. أو قال: قبل العافية).\nأي قال لهم صالح - ﵊ -: يا قوم لم تدعون بحضور العذاب ونزول النقمة، ولا تسألون الله الرحمة والعافية؟ !\nوقوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: هلا تتوبون إلى الله من كفركم، فيغفرلكم ربكم عظيم جرمكم، يصفح لكم عن عقوبته إياكم على ما قد أتيتم من عظيم الخطيئة). قال النسفي: (﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بالإجابة).\nوقوله: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾. أي: تَشَاءَمْنا بك وبمن تبعك.\nقال مجاهد: (تشاءموا بهم). قال ابن كثير: (أي: - قالت ثمود لرسولها صالح - ما رأينا على وَجْهِك وَوُجُوهِ من اتَّبَعك خير. وذلك أنهم - لشقائهم - كان لا يُصيبُ أحدًا منهم سوءٌ إلا قال: هذا مِن قِبَل صالح وأصحابه).\nويبدو أن هذه الصفة متوارثة في الأمم المكذبة للرسل.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى - مخبرًا عن قوم فرعون -: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١].\n٢ - وقال تعالى - مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون -: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨ - ١٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨].","vol":"5","page":552},{"text":"قلت: وإنما منهاج المرسلين في بعث الأمل في نفوس العباد بإشراقة الثقة بالله، وباختيار الكلمة الطيبة التي ترضي الله سبحانه فيغير أحوال عباده ويسعدهم.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا عدوى، ولا طيرة، ولا هَامةَ، ولا صَفَرَ، ولا نَوْءَ، ولا غُول] (١).\nوالعدوى من الإعداء، أي يُصاب الرجل بمثل ما بصاحب الداء، فأخبر أن ذلك إن حصل فبقدر الله. والطِّيَرَةُ من أمر الجاهلية وهي تعليق الخير والشر على حركة طائر. قال عكرمة: (كنا جلوسًا عند ابن عباس، فمرّ طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر، فبادره بالإنكار عليه، لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر).\nوالهامة: طير من طير الليل كأنه البومة، كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم.\nوالصفر: حية تصيبُ بطن الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب.\nوالنَوْء: جمعها أنواء وهي منازل القمر، فكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة يكون مطر.\nوالغول: جنس من الجن والشياطين، تزعم العرب أنَّه يخرج في الطريق فيضلهم ويهلكهم.\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [الطِّيرة شرك، الطِّيرةُ شِرك، وما منا إلا، ولكن الله يُذهِبُهُ بالتوكل] (٢).\nوالخلاصة: إن التطير عادة جاهلية قبيحة، حاربها الإِسلام، وردّها المرسلون على أقوامهم.\nوقوله: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (مصائبكم). وقال قتادة: (علمكم\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٢٢٠)، وكذلك (٢٢٢٢) - من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -، وفيه لفظة \"ولا غول\". وانظر كتابي: منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن - ص (١٤٣) - لتفصيل أكبر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ١٥٨)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١٣١)، والترمذي (١/ ٣٠٤)، وابن ماجة (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣)، والحاكم (١/ ١٧ - ١٨)، وابن حبَّان (١٤٢٧)، وأحمد (١/ ٣٨٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٣٠).","vol":"5","page":553},{"text":"عند الله). والمقصود: الله يقسم أيامكم وأعمالكم وأرزاقكم وأقداركم وليست معلقة على حركة طائر.\nقال ابن جرير: (أي ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه، لا يُدرى أيُّ ذلك كائن، أم ما تظنون من المصائب أو المكاره، أم ما لا ترجونه من العافية والرجاء والمحاب).\nوقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. أي تختبرون وتمتحنون، وربما تُستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال. قال قتادة: (تُبْتَلون بالطاعةِ والمعصية).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (هم الذين عقروا الناقة (١) وقالوا حين عقروها: نبيت صالحًا وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئًا، وما لنا به علم. فدمرهم الله أجمعين).\nوالمقصود: أنه كان في مدينة ثمود تسعة نفر من طغاة ثمود ورؤوسهم، وأصحاب المكر والتكذيب فيهم، وقد انبعث أشقاهم لعقر الناقة، وهَمُّوا بقتل صالح كذلك، وكانوا أهل فساد وإفساد في البلاد.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.\nقال القاسمي: (أي ليحلف كل واحد منكم على موافقة الآخرين، بالله الذي هو أعظم المعبودين ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ أي لنقتلنّهُ ليلًا. وقرئ بالتاء على خطاب بعضهم لبعض ﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي من آمن معه. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي الطالب ثأره علينا ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي ما حضرنا مكان هلاك الأهل، مع تفرقهم في الأماكن الكثيرة، فضلًا عن مكانه، فضلًا عن مباشرته ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي ونحلف إنا لصادقون. أو: والحال إنا لصادقون فيما ذكرنا).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nقال ابن زيد: (احتالوا لأمرهم، واحتال الله لهم، مكروا بصالح مكرًا، ومكرنا بهم مكرًا ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا وشَعَرْنا بمكرهم).\n_________\n(١) أي: الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم، فانبعث لعقرها أشقاهم.","vol":"5","page":554},{"text":"قلت: وقد ثبت - لله تعالى - صفة المكر والكيد بالكافرين.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].\nومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بعبده الخير عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشّرَ أمسك عنه ذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة] وسنده صحيح (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إنْ نَسِيَ ذَكَّرَه، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعلَ له وزيرَ سوء، إن نسيَ لم يذكِّرْهُ، وإن ذكر لم يُعِنْهُ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلته] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي بالصيحة التي أهلكتهم. وقد قيل: إن هلاك الكل كان بصيحة جبريل. والأظهر أن التسعة هلكوا بعذاب مفرد، ثم هلك الباقون بالصيحة والدمدمة).\nوقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾. أي فارغة ليس فيها منهم أحد، قد أبادهم الله فلا أثر لهم، وكان ذلك بظلمهم أنفسهم: بشركهم الله وتكذيب الرسل.\nو﴿خَاوِيَةً﴾ بالنصب على الحال. أي خالية عن أهلها خرابًا ليس بها ساكن.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٥٣)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٢٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث (٢٩٣٢) - كتاب الخراج والإمارة والفيء. باب في اتخاذ الوزير. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٢٥٤٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (٢٥٨٣)، كتاب البر والصلة. باب تحريم الظلم.","vol":"5","page":555},{"text":"قال النسفي: (﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط أو خالية من الخواء، وهي حال عمل فيها ما دل عليه تلك).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\nيقول: أي: إن بفعلنا ذلك بثمود لآية لقوم يعلمون قدرتنا فيتَّعِظون وينزجرون.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\nسُنّةُ الله بين أوليائه المؤمنين وأعدائه الكافرين، فإن العاقبة والنجاة للمتقين، والدمار والهلاك على القوم الظالمين.\nوالمقصود هنا: وأنجينا صالحًا والذين آمنوا معه وكانوا من المتقين.\n٥٤ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إنذارُ لوط - ﷺ - قومه مغبة استمرارهم على فواحشهم، ومقابلتهم له بالتهديد بالإخراج ومن آمن معه من قريتهم، فأنجاه الله - إلا امرأته - وأخزاهم وأمطرهم العذاب الذي زلزلهم.\nفقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وأرسلنا لوطًا إلى قومه، إذ قال لهم: يا قوم ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنها فاحشة، لِعِلْمِكُم بأنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون من ذلك أحد). وقال ابن كثير: (أنذر قومه نِقْمةَ الله بهم، في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحدٌ من بني آدم، وهي إتيان الذكور دونَ الإناث، وذلك فاحشة عظيمة، استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أي: يرى بعضكم بعضًا، وتأتون في ناديكم المنكر!؟). قال القرطبي:","vol":"5","page":556},{"text":"(﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنها فاحشة، وذلك أعظم ذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضًا وأنتم تنظرون إليه. وكانوا لا يستترون عتوًّا منهم وتمرّدًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: لا تعرفون شيئًا لا طبْعًا ولا شَرْعًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]).\nقال القرطبي: (﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أعاد ذكرها لفرط قبحها وشنعتها).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.\nأي: فلم يكن من قوم لوط حين دُعوا إلى التطهر من تلك القذارة إلا أن حَمَلوا على لوط والمؤمنين معه وطلبوا إخراجهم من القرية لمخالفتهم لهم فعلتهم الدنيئة وترفعهم عن رجس ما هم عليه.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال: من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن).\nوعن مجاهد، في قوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال: (من أدبار الرجال وأدبار النساء استهزاءً بهم).\nقال قتادة: (عابوهم بغير عيب: أي إنهم يتطهرون من أعمال السوء).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. أي الباقين مع الهالكين.\nقال ابن كثير: (أي: من الهالكين مع قومها، لأنها كانت رِدْءًا لهم على دينهم، وعلى طريقتهم في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تَدُلُّ قومها على ضِيفان لوطٍ، ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعلُ الفاحشة، تكرمةً لنبيِّ الله - ﷺ - لا كَرَامة لها).\nوقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾. أي: حجارة من سجيل. كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢، ٨٣].","vol":"5","page":557},{"text":"وقوله: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\nأي: فساء مطر من أُنذر فلم يقبل الإنذار، وأصرّ على ركوب الفواحش والآثام.\n٥٩ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: خلاصة دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إلى أقوامهم:\n- ليس هناك شركاء ولا شفعاء ولا وسطاء، ومن حق كل امرئٍ أن يُهرعَ إلى ربه ﷿، وأن ينكر من أقاموا أنفسهم أو أقيموا من غيرهم زلفى إلى الله من البشر والحجارة.\n- وإذا كنتم تُقِرُّون بأنه الخالق فلم تخضعون لغيره، وإذا كنتم تقرون بأنه المحيي والمميت فلم تسألون حجرًا أو قبرًا أو صالحًا مضى لا يملك لنفسه موتًا ولا حياة ولا نشورًا.\n- وإذا كنتم تُقِرُّون بأنه الرازق فلم تلتمسون الرضى من غيره، وإذا كنتم تقرون بأنه الممطر أرضكم والمخصب زرعكم فلم تشكرون غيره.\n- وإذا كنتم تُقِرُّون بأنه وحده يلجأ إليه في الشدائد والنائبات والكرب، فلم تسجدون","vol":"5","page":558},{"text":"لغيره، ولم تستغيثون بغيره، ولم تنافقون لبشر من خلقه، ولم تحتكمون لغير شرعه ولغير منهاجه.\nفاحتجَّ الأنبياء والرسل على أقوامهم بإقرارهم لله بالربوبية، لماذا لم يفردوه سبحانه بالألوهية، ولماذا لم يوحدوه في أسمائه وصفاته ومحامده، ولماذا لم يفردوه بالتشريع والحاكمية.\nفقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾.\nقال ابن عباس: (أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (إن المراد بعباده الذين اصطفى هم الأنبياء).\nقلت: ولا تعارض بين القولين، فإن الأنبياء هم عباد الله الذين اصطفى وكذلك من تبعهم من حوارييهم ومن سار على منهاجهم إلى يوم الدين.\nوالمقصود: أمر الله رسوله - ﷺ - بحمده على نعمه وآلائه التي لا تحصى، وعلى اتصافه - جل ثناؤه - بالصفات العُلا والأسماء الحسنى، والخطاب من باب أولى لجميع الأمة.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].\nفنزه الله تعالى نفسه عما يقوله المشركون وينسبونه له من النقص والعيوب، ثم أثنى على عباده المرسلين لسلامة ما وصفوه به سبحانه، ثم حمد نفسه جل ثناؤه على تفرده بأوصاف الكمال والجمال.\n٢ - وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال:","vol":"5","page":559},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: [لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس] (١).\nالحديث الثاني: خرّج مسلم كذلك في الصحيح عن أبي ذرّ الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: [ألا أخبرك بأحبِّ الكلام إلى الله؟ إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم أيضًا في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: [جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: عَلِّمني كلامًا أقوله. قال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم ..] الحديث (٣).\nوقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ - استفهام إنكار على اختيار المشركين آلهة يعبدونها مع الله تعالى.\nوقوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾.\nأي: كيف تختارون معشر المشركين عبادة أوثان لا تضر ولا تنفع على عبادة خالق السماوات بارتفاعها وصفائها، وكواكبها ونجومها، وأفلاكها وملائكتها، وخالق الأرض بجبالها وسهولها، وأشجارها وثمارها، وبحارها وبراريها، وإنسها وجنها، وطيرها وحيوانها. ثم أنزل لكم من السماء مطرًا جعله رزقًا للعباد أنبت به البساتين والحدائق ذات المنظر الحسن والشكل البهيّ.\nقال مجاهد: (البهجة: الفقاح مما يأكل الناس والأنعام).\nوقوله. ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾. قال النسفي: (أراد أن تَأَتِّي ذلك محال من غيره).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٧٠)، كتاب الذكر. باب في فضائل التسبيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٣١) ح (٨٥)، كتاب الذكر والدعاء. باب فضل سبحان الله وبحمده. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٠٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٧٠)، كتاب الذكر. باب: في التهليل والتحميد والتكبير. وانظر مختصر صحيح مسلم، حديث رقم (١٩٠٦).","vol":"5","page":560},{"text":"والمقصود: أنه لا يقدر على ذلك الإنبات إلا الله الخالق الرازق، ومع ذلك يعبد المشركون أوثانًا لا تضر ولا تنفع، ولا تنبت ولا تطعم.\nوقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أإلهٌ مع الله يُعُبَدُ وقد تبيّنَ لكم ولكلِّ ذي لُبٍّ مما يَعرفون به أيضًا أنه الخالق الرزاق؟ ! ومن المفسرين من يقول معنى قوله ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فَعَلَ هذا؟ . ثم قال في آخر الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، أي: يجعلون لله عدْلًا ونظيرًا).\nوقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾. قال ابن جرير: (تستقرون عليها لا تميد بكم).\nأي: من الذي جعل هذه الأرض التي تسكنون عليها قارّة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتأرجح، ولو جُعلت تهتز وترجف بأهلها كلما تحركوا على أرجائها لاستحالت الحياة وتعقّدت.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ أي: وشَقّ في أرجائها أنهارًا طويلة وقصيرة، تعبر البلاد والأمصار، تسقي الأرض والبهائم والعباد.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ - وهي ثوابت الجبال، تثبت الأرض من أن تميد بأهلها.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾. قال ابن عباس: (سلطانًا من قدرته فلا هذا يغيّر ذاك، ولا ذاك يغيّر هذا، والحجز المنع).\nوالمقصود: جعل سبحانه حاجزًا بين المياه الحلوة العذبة والمياه المالحة ليتوازن العيش على هذه الأرض، فلا يزال يُستفاد من الماء العذب الزلال في الأنهار والبحيرات لسقي الحيوان والنبات والثمار. ولا يزالى الهواء عليلًا بانتشار تلك البحار والمحيطات المالحة فلا يفسد العيش.\nوقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. قال القرطبي: (أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم يعبدون ما لا يضر ولا ينفع).\nوقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: دل أكثرهم جط هلون حق ربهم ﷿ وما يجب له من توحيد الإلهية.","vol":"5","page":561},{"text":"وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.\nأي: أمْ مَن يلجأ إليه العباد عند النوازل والمحن والمصائب، يرجون رحمته ويطمعون بكشف الضر عنهم مما نزل بهم.\nقال ابن عباس: (﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ قال: هو ذو الضرورة المجهود).\nوقال السديّ: (الذي لا حول له ولا قوة). وقال ذو النون: (هو الذي قطع العلائق عما دون الله). وقال سهل بن عبد الله: (هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيًا لم يكن له وسيلة من طاعة قذمها).\nوجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر، قال: (إذن فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه).\nوعن ابن جريج: (﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾: الضّر).\nقال القرطبي: (ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمّة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]. وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه).\nقلت: وهذا تفسير رائع من الإمام القرطبي ﵀ لآفاق هذه الآية الكريمة، وقد حفلت السنة العطرة ببدائع جوامع الكلم في ذلك.\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي تميمة الهُجيمي، عن رجل من بَلْهُجَيْم قال: [قلت: يا رسول الله، إلامَ تدعُو؟ قال: أدعو إلى الله وحدَه، الذي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فدعوته كشفَ عنكَ، والذي إنْ أَضْلَلْتَ بأرضٍ قَفرٍ فدعوتَه ردَّ عليك، والذي إن أصابتك سنةٌ فدعوتَه أنبتَ لك. قال: قلت: أَوْصِني. قال: لا تَسُبَّنَ","vol":"5","page":562},{"text":"أحدًا، ولا تَزْهَدَنّ في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت مُنْبَسِطٌ إليه وجهكَ، ولو إن تُفْرغَ من دلوكَ في إناء المُسْتَقي، واتّزِر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين. وإياك وإسبالَ الإزار فإن إسبالَ الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس: أن نبيَّ الله - ﷺ - كان يقول عند الكرب: [لا إله إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات ورَبُّ الأرض ربُّ العرش الكريم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما أصابَ أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيِّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجًا. قيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها] (٣).\nالحديث الرابع: يروي الترمذي بسند صحيح عن سعد، عن النبي - ﷺ - قال: [دعوةُ ذي النون إذ دعا ربَّه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له] (٤).\nوله شاهد رواه الحاكم بلفظ: [ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كَرْبٌ، أو بلاء، من أمر الدنيا دعا به فَفُرِّج عنه؟ دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين].\nوقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. أي: قومًا يخلف بعضهم بعضًا، جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن. وقال الكلبي: (خلفًا من الكفار ينزلون أرضهم، وطاعة الله بعد كفرهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٦٤) من حديث أبي تميمة، وإسناده صحيح على شرطهما، وجهالة الصحابي لا تضر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٣٠)، كتاب الذكر والدعاء. باب دعاء الكرب.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٣٩١)، (١/ ٤٥٢)، وأبو يعلى (٥٢٩٧)، والحاكم (١/ ٥٠٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (٣٥٠٥). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٧٨٥)، وللشاهد بعده - صحيح الجامع - حديث رقم - (٢٦٠٢).","vol":"5","page":563},{"text":"وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ - توبيخ وتقريع. أي: أبعد كل ما ذكر تعبدون مع الله غيره. وهو الإله الحق الأحد الصمد المتفرد بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء وكشف الضر وجلب الخير وبعث الأمل.\nوقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: تذكرًا قليلًا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون، وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرًا، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته).\nوقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.\nقال ابن جريج: (والظلمات في البر، ضلاله الطريق، والبحر، ضلاله طريقه وموجه وما يكون فيه).\nوالمقصود: مَنْ يهديكم إلى سبيل النجاة إذا تهتم في البر، أو ضللتم في ظلمات البحر وبين تلاطم أمواجه. أليس الله تعالى الذي جعل لكم من الدلائل السماوية والأرضية ما يرشدكم بها إذا أشرفتم على الضياع والهلاك.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧].\nقال شيخ الإسلام ﵀: (وقد أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم، فإنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا، وأخبر أن الشياطين تُرجم بالنجوم).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.\nقال ابن جريج: (يقول: والذي يرسل الرياح نُشُرًا (١) لموتان الأرض بين يدي رحمته، يعني: قدام الغيث الذي يحيى موات الأرض). قال ابن كثير: (أي: بين يدي السحاب الذي فيه مطرٌ، يغيثُ به عباده المجُدبينَ الآزِلين (٢) القنطين).\n_________\n(١) قراءة نافع \"نُشُرًا\". وأما قراءة حفص \"بُشْرًا\".\n(٢) الأزْلُ: الضيق والشدة، وتأزّلَ: ضاق صدره.","vol":"5","page":564},{"text":"وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nتوبيخ آخر، وتقريع بعد تقريع. أي أإله مع الله يفعل ذلك ويعينه عليه ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من دونه.\nوقوله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال القرطبي: (كانوا يقرّون أنه الخالق الرازق، فألزمهم الإعادة، أي إذا قدر على الابتداء فمن ضرورته القدرة على الإعادة، وهو أهون عليه).\nوقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. أي: يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويبعث للحساب والنشور؟\nوقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: قل لهم - يا محمد - قدّموا حجتكم إن كان لديكم ما يدل أن أحدًا سوى الله يفعل شيئًا من ذلك إِن ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم وزعمكم! ! .\nوهو تحدّ للمشركين، وقد عُلِمَ أنهم فارغون من الدليل والحجة، وما لهم إلا اتباع سبيل الآباء وتعظيم أعراف الجاهلية.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال:\n[مفاتيحُ الغيب خمسٌ لا يعلمُها إلا الله تعالى: لا يعلم أحدٌ ما يكون في غدٍ إلا الله تعالى، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام إلا الله تعالى، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله تعالى، ولا تدري نفس بأي أرض تموتُ إلا الله تعالى، ولا يدري أحدٌ متى يجيءُ المطر إلا الله تعالى] (١).\n٦٥ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٩٧)، كتاب التفسير، وانظر (١٠٣٩)، (٧٣٧٩) كذلك.","vol":"5","page":565},{"text":"عَمُونَ (٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: انفرادُ الله تعالى بعلم الغيب، وجهل الكفار بالحق وشكهم في الآخرة، وتحذيرهم نزول نقمة الله بهم كما نزل بالأمم قبلهم، وتسلية للنبي - ﷺ - عما يلقاه من استهزاء قومه ومكرهم.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿قُل﴾ يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمة ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾ الذي قد استأثر الله بعلمه، وحجب عنه خلقه غيره، والساعة من ذلك ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: وما يدري من في السماوات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة).\nوقوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ استثناء منقطع، أي: إن الله وحده هو المتفرد بعلم الغيب لا شريك له.\nوالخطاب وإن كان لمشركي مكة فهو عام لجميع الخلق أن يعلموا أن ربهم ﷿ قد أحاط بالغيب وحده، ولم يطلع أحدًا من خلقه على شيء منه إلا بما شاء.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].","vol":"5","page":566},{"text":"ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن الشَّعبي، عَنْ مَسْروق قال: [كنت مُتَّكِئًا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة! ثلاثٌ من تَكَلَّمَ بواحِدةٍ منهن فقد أَعْظَمَ على الله الفِرية، قلتُ ما هُنَّ؟ قالت: مَنْ زَعَمَ أن مُحَمدًا - ﷺ - رأى رَبَّهُ فقد أعظَمَ على الله الفرية ... قالت: ومن زعم أن رسول الله - ﷺ - كتمَ شيئًا مِن كتاب الله فقد أعظم على الله الفِرْية، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. قالت: ومن زعمَ أنه يُخْبِرُ بما يكون في غَدٍ فقد أعظَمَ على الله الفِرية. والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [كان رسول الله - ﷺ - يومًا بارزًا للناس. فأتاه رجل فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال: ما المسؤول عنها بأعْلَمَ من السائل. ولكن سأخبرك عن أشراطها. إذا ولدت الأمة رَبَّتَها، فذاكَ مِنْ أشراطها، وإذا كانت الحُفاةُ العراةُ رؤوس الناس، فذاك من أشراطها. وإذا تطاولَ رِعاءُ الغنم في البُنيان، فذاك من أشراطِها. في خمس لا يَعْلَمُهنَّ إلا الله. فتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية] (٢).\nقال قتادة: (إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يُهتدى بها، وجعلها رجومًا فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حَظَّهُ، وأضاع نصيبَهُ، وتكلَّف ما لا عِلمَ له به. وإنّ ناسًا جَهَلَةٌ بأمر بالله، قد أحدثوا من هذه النجوم كَهَانة: من أعْرَسَ بِنَجْم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ومن سافَرَ بنجم كذا وكَذا، كان كذا وكذا. ومن وُلدَ بِنَجْم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ولعمري (٣) ما من نجم إلا يُولَد به الأحمرُ والأسودُ، والقصير والطويلُ، والحسَنُ والدَّميمُ، وما عِلْمُ هذا النجم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٧)، كتاب الإيمان، في حديث طويل هذا معظمه وأهمه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٦٤)، (٤٠٤٤). وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٦٨).\n(٣) قلت: هذا الحلف لا ينبغي، والصواب لعمر الله، وإنما كان منه نحوه في الجاهلية. والأثر رواه ابن أبي حاتم. وذكره ابن كثير في التفسير وقال: وهو كلام جليل متين صحيح.","vol":"5","page":567},{"text":"وهذه الدّابةِ وهذا الطير بشيءٍ من الغيب! وقضى الله تعالى أنه: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾).\nوقوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.\nقرأه قراء مكة: ﴿بل أَدْرَكَ علمهم في الآخرة﴾. والتقدير: هل أدرك علمهم علم الآخرة.\nوقرأه قراء الكوفة: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. والتقدير: أي لم يدرك.\nومن أقوال المفسرين في ذلك:\nأ - على القراءة الأولى:\n١ - عن ابن عباس: (﴿بل أدْرَكَ علمهم في الآخرة﴾ يقول: غاب علمهم).\n٢ - وقال مجاهد: (﴿بل أَدْرَكَ علمهم﴾ قال: أم أدرك علمهم من أين يدرك علمهم).\n٣ - وقال قتادة: (﴿بل أَدْرَكَ علمهم في الآخرة﴾، يعني بِجَهْلِهِم رَبَّهم، يقول: لم يَنْفُذْ لهم إلى الآخرة علمٌ).\n٤ - وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿بل أدرك علمهم في الآخرة﴾ حين لم ينفع العلم).\nوالمقصود: أن علمهم إنما يُدرِكُ ويَكمُل يومَ القيامة حيثُ لا ينفعهم ذلك كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨]. وقد جاء في قراءة الحسن: ﴿بل ادّرك علمهم﴾ قال: (اضمحلّ علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة).\nب - على القراءة الثانية:\n١ - عن أبي حمزة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: أي لم يدرك).\n٢ - قال ابن زيد: (يقول: ضل علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم، ﴿هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾).\nوفي الحديث السابق: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" - أي تساوى في العجز عن درك ذلك علم السائل والمسؤول.\nوالخلاصة: أن المعنى حسب القراءتين المشهورتين يقتضي انتهاء علمهم وعجزهم عن معرفة وقت قيام الساعة، وكثير منهم يوقنون بها يوم حدوثها فيعلمون أنها حق.","vol":"5","page":568},{"text":"وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.\nأي: بل الكافرون شاكون بوقوعها غير مصدقين بحدوثها بعد فنائهم. ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: في عَمَايةٍ وجهل كبير في أمرها وشأنها).\nقال الزمخشري: (وهو العمى، وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه، لا يُخْطِرُ بباله حقًّا ولا باطلًا، ولا يفكر في عاقبة. وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأَه. فلذلك عداه بـ \"من\" دون \"عن\" لأن الكفر بالعاقبة والجزاء، هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾.\nإخبار من الله تعالى عن استبعاد منكري البعث إعادة الله أجسامهم بعد صيرورتها ترابًا وإخراجهم من قبورهم بعد فنائهم للبعث والحساب والقصاص.\nوقوله: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لقد وعدنا هذا من قبل محمد، واعدون وعدوا ذلك آباءنا، فلم نر لذلك حقيقة، ولم نتبيّن له صحة).\nوقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال القاسمي: (أي أحاديثهم وأكاذيبهم التي سطروها بعبارة مموّهة).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.\nأي: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالمعاد: الدليل عليه هلاك الأمم المكذبة به وبالوحي قبلكم، ونجاة رسلهم والمؤمنين معهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.\nأي: ولا تحزن - يا محمد - على إدبار هؤلاء المشركين عنك وتكذيبهم لما جئت به، ولا يضيق صدرك من مكرهم، فإن الله سينصرك عليهم وسيخذلهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.\nأي: ويقول المشركون المكذبون بالبعث والمعاد - لك يا محمد -: فمتى حصول هذا الوعد الذي تعدنا إياه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تعدوننا به. قل لهم - يا محمد -: عسى أن يكون قد اقترب لكم بعض الذي تستعجلون. قال مجاهد: (ردف: أزف).","vol":"5","page":569},{"text":"وقال أيضًا: (ردف: أعجل لكم). وقال الضحاك: (﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ اقترب لكم).\nوعن ابن جريج: (﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قال: من العذاب).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.\nأي: وإن نعم الله على الناس لا يحصيها أحد منهم، ومع ذلك أكثرهم يجحدون فضله ويهملون شكره. قال القرطبي: (﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ في تأخير العقوبة وإدرار الرزق، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضله ونعمه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ليس أحَدٌ - أو ليس شيءٌ - أصْبَرَ على أذىّ سمِعَه من الله، إنهم ليدعونَ له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقُهم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. أي: يعلم السرائر والضمائر، كما يعلم العلانية من ذلك والظواهر. قال ابن جريج: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ قال: السر).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥]\n٣ - وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧].\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كتب الله مقادير\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٠٩٩)، كتاب الأدب، باب الصبر في الأذى.","vol":"5","page":570},{"text":"الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (١).\nوفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: [فَرَغَ الله ﷿ إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٢).\nوله شاهد عن ابن عساكر بسند جيد من حديث أنس بلفظ: [فرغَ الله من أربع: من الخَلق والخُلُق والرزق والأجل].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: ما من شيء في السماء والأرض سرّ ولا علانية إلا يعلمه).\n٧٦ - ٨١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على هذا القرآن، وعلى حكمه - جلت عظمته - بين الأنام، وأمرُه نبيّه - ﷺ - بالتوكل عليه للثبات على الحق المبين، وتقريره له أنه لا يسمع الموتى أو الصم ولا يهدي العمي وإنما الهداية من الله للمؤمنين.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nقال النسفي: (أي يبين لهم. قال: فإنهم اختلفوا في المسيح فتحزَّبوا فيه أحزابًا ووقع بينهم التناكر في أشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضًا، وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا، يريد اليهود والنصارى).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٨/ ٥١) في القدر. باب: كتب المقادير قبل الخلق. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٤١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني وغيره. انظر صحيح الجامع (٤٠٧٧) - (٤٠٧٨)، وكذلك (٤٠٧٩) للشاهد بعده. وانظر تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٠٦ - ٨١٤).","vol":"5","page":571},{"text":"والمقصود: أن هذا القرآن وسط عدل بين افتراء اليهود وغلو النصارى، فعيسى ﵊ عبدٌ من عباد الله وأنبيائه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤].\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس: سَمعَ عمرَ ﵁ يقولُ على المِنبر: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [لا تُطْرُوني كَما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدُهُ فقولوا: عَبْدُ الله ورسولُه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: وإن هذا القرآن هدى لقلوب المؤمنين ورحمة لمن صدق به وعمل بأمره.\nقال القرطبي: (خصَّ المؤمنين لأنهم المنتفعون به).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.\nأي: إن ربك - يا محمد - يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بحكمه فيهم، فيجازي المحسن بإحسانه، والمبطل بجزائه. قال القاسمي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ أي بين مَنْ آمن بالقرآن ومن كفر به، بعدله وحكمته ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي فلا يردّ قضاؤه، الغالب في انتقامه من المبطلين ﴿الْعَلِيمُ﴾ أي بالفصل بينهم وبين المحقين).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.\nأي: ففوض أمرك - يا محمد - إلى الله العظيم، فإنك أنت على سبيل الحق المبين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.\nأي: إنك يا محمد لا تسمع الكفار فهم كالموتى لا حسّ لهم ولا عقل، بسبب إعراضهم عن التدبر، كذلك هم بمنزلة الصم عن فهم المواعظ وسماع ما ينفعهم. قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٤٥)، كتاب أحاديث الأنبياء. وانظر (٦٨٣٠) كذلك.","vol":"5","page":572},{"text":"القرطبي: (فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولّوا كأنهم لا يسمعون، نظيره: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]).\nقلت: والآية نص في عدم سماع الأموات، وما حصل من كلام النبي - ﷺ - لقتلى المشركين يوم بدر خاص به - ﷺ -. واستنكار عمر يدل على هذا الأصل.\nففي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك عن أبي طلحة: [أن نبيَّ الله - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا مِنْ صَناديد قُريشٍ فَقُذِفوا في طَوِيٍّ مِنْ أطواءِ بَدْرٍ خبيثٍ مُخْبِثٍ، وكان إذا ظَهَرَ على قومٍ أقامَ بالعرْصَةِ ثلاثَ ليالٍ، فلما كان بِبَدْرٍ اليومَ الثالثَ أمَرَ براحلته فَشُدَّ عليها رَحْلُها إلا لِبَعْضِ حاجَتِهِ، حتى قامَ على شَفةِ الرَّكِيِّ فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلانُ بنَ فلانٍ، ويا فلانُ بنَ فلانٍ، أيَسُرُّكُمْ أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وَجَدْنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعَدَ ربكم حقًّا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تُكَلِّمُ منْ أجْسَادٍ لا أرواحَ لها، فقال رسول الله - ﷺ -: والذي نَفْسُ محمد بيده، ما أنتم بأسمعَ لِما أقولُ منهم. قال قتادة: أحْياهُم الله، حتى أسْمَعَهُم قَوْلَهُ تَوْبيخًا وتصغيرًا ونِقْمَةً وحَسْرةً ونَدَمًا] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾.\nأي: وما أنت - يا محمد - بهادي من عمي عن الحق وغرق في الكفر، فليس بوسعك خلق الإيمان في قلوبهم.\nوقوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إنما يستجيب لكَ من هو سميعٌ بصيرٌ، السمعُ والبصرُ النافعُ في القلْبِ والبَصيرة الخاضعُ لله، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل ﵈).\nقلت: فمن عمي عن الحق وصمّ عن سماع حججه وبيانه فقد اختار البقاء في ظلمة الخلق الأولى التي خلق الله عباده فيها.\nفقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [إنّ الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٩٧٦)، كتاب المغازي، وانظر صحيح مسلم (٢٨٧٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، (٢/ ١٩٧)، وأخرجه ابن حبان (١٨١٢)، والحاكم (١/ ٣٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٧٦).","vol":"5","page":573},{"text":"والظلمة: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات.\nوالنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانه على عباده بِنَعْمان وهو واد إلى جنب عرفات.\n٨٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾.\nفي هذه الآية: ذكر الدابة التي تخرج في آخر الزمان تخاطب الناس عند فسادهم وتبديلهم الدين الحق، وانتشار المنكر بينهم، فتنة لهم، وعلامة من علامات اقتراب الساعة\nومن أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - عن مجاهد: (﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قال: حقّ عليهم. أو قال: حقَّ العَذاب).\n٢ - وعن قتادة: (القول: الغضب). وقال عطية العوفي، عن ابن عمر: (هو حين لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر). وروي عن علي ﵁ قال: (تكلمهم كلامًا، أي: تخاطبهم مخاطبة).\n٣ - وعن ابن عباس: (﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ تحدثهم). قال: (كلامها تنبئهم ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾)، واختاره ابن جرير.\nوفي صحيح السنة العطرة من ذكر الدابة أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أَسيد الغفاري قال: [أشرف علينا رسول الله - ﷺ - من غرفة ونحن نتذاكر أمرَ الساعة فقال: لا تقوم الساعة حتى تَرَوا عشر آيات: طلوعُ الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوجَ، وخروج عيسى بن مريم، والدجال، وثلاثةُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمغرب، وخَسْفٌ بالمشرق، وخَسْفٌ بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعْر عدن تسوق - أو تحشر - الناس، تبيتُ معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٠١)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٦)، (٣/ ٧).","vol":"5","page":574},{"text":"الحديث الثاني: روى مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عَمْرو قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أَنْسَهُ بعد: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إنَّ أَوَّلَ الآيات خروجًا طلوع الشمس من مَغْرِبها، وخروج الدابة على الناس ضحا، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا] (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أنس بن مالك، عن رسول الله - ﷺ - قال: [بادروا بالأعمال سِتًّا: طلوعَ الشمس مِنْ مَغْربِها، والدُّخانَ، ودابَّةَ الأرض، والدَّجالَ، وخوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ، وأمْرَ العامة] (٢).\nوالمقصود: المبادرة بصالح الأعمال لمواجهة هذه الفتن. \"وخويصة أحدكم\": يريد حادثة الموت التي تخص كل إنسان. وهي تصغير خاصة. وصغرت لاحتقارها في جانب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك.\n\"وأمر العامة\": أي بادروا بالاشتغال بالأعمال الصالحات، قبل أن يتوجه إليكم أمر العامة والرياسة، فيشغلكم عن العلم وصالح الأعمال.\n٨٣ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ مشهد حشر الأمم يوم القيامة زمرة زمرة من المكذبين، حتى إذا اجتمعت أفواج الناس حسب راياتهم وما كانوا يعبدون، قال الله لهم: أكذبتم بآياتي أمّاذا كنتم تعملون، فوجب السخط والغضب من الله عليهم بما كانوا يكذبون، ألم يروا كيف أنعم الله عليهم بالليل ليسكنوا فيه والنهار لينتشروا فيه ولكن أكثرهم لا يؤمنون.\nفعن مجاهد: (﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ قال: زمرة زمرة). وعن ابن عباس:\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٥٣)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٠٦٣) لمزيد من التفصيل في أمر الدابة وعلامات الساعة وأشراطها.\n(٢) حسن صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٠٥٦)، كتاب الفتن. انظر صحيح ابن ماجة (٣٢٧٩)، باب الآيات، والحديث أخرجه مسلم (٨/ ٢٠٨)، وأحمد (٢/ ٣٢٤)، والحاكم (٢/ ٥١١).","vol":"5","page":575},{"text":"(﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال: يقول: فهم يدفعون). وقال ابن زيد: (يُساقون). وقال قتادة: (وَزَعَةٌ تردُّ أولهم على آخرهم).\nوالمقصود: إخبار عن يوم القيامة وحَشْر الظالمين المكذبين بآيات الله للسؤال والتوبيخ والتقريع والتصغير والتحقير ثم صِليّ النار جزاء بما كانوا يكسبون.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: مَنْ كان يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فيتَّبعُ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشمسَ، ويتَّبعُ مَنْ يَعْبُدُ القمرَ القمرَ، ويتَّبعُ من يَعْبُدُ الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ..] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nأي: حتى إذا اجتمعت أفواج الناس وجماعاتهم حسب راياتهم وما كانوا يعبدون من دون الله قال الله لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ التي أنزلتها على رسلي، وأقمتها دلالة على توحيدي وإفرادي بالعبادة والتعظيم. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾. قال القرطبي: (أي ببطلانهما حتى تعرضوا عنها، بل كذبتم جاهلين غير مستدلين. ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تقريع وتوبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا بما فيها).\nوقوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ووجب السخط والغضب من الله على المكذبين بآياته ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ يعني بتكذيبهم بآيات الله، يوم يحشرون ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ يقول: فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم عظيم ما حلّ بهم ووقع عليهم من القول).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٢)، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية.","vol":"5","page":576},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nتنبيه على قدرته التامة، وهيمنته العامة، وعظيم سلطانه وجبروته.\nقال ابن كثير: (﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: فيه ظلام تسكُنُ بسببه حركاتُهم وتهدأُ أنفاسهم، ويستريحون من نَصَبِ التَّعب في نهارهم. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾، أي: منيرًا مشرقًا، فبسبب ذلك يتصرَّفون في المعايش والمكاسب، والأسفار والتِّجارات، وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾).\n٨٧ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تصويرُ الله الأحداث التي تسبق القيام بين يديه للحساب، من نفخة الفزع وحركة الجبال وهي تمر مرّ السحاب، ثم توضع الحسنات والسيئات على الميزان ليكون بعد ذلك الثواب والعقاب.\nوالنفخ في الصور على ثلاثة أنواع:\nالأولى: نفخة الفزع. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]، . أي: واذكر يا محمد أو ذكرهم يوم ينفخ في الصور فيفزعون من الخوف والحزن.\nالثانية: نفخة الصعق. كما قال جل ذكره في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].","vol":"5","page":577},{"text":"يروي البخاري عن ابن عباس: [قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ الصور. و﴿الرَّاجِفَةُ﴾: النفخة الأولى. و﴿الرَّادِفَةُ﴾: الثانية] (١).\nوالثالثة: نفخة القيام لرب العالمين. كما قال سبحانه في تتمة آية الزمر: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].\nفبنفخة الصعق يموت الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من استثنى الله، ثم يقبض سبحانه أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: \"لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم\" ثم يجيب نفسه بنفسه سبحانه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أنا الذي كنت وحدي، وقد قهرت كل شيء، وحكصت بالفناء على كل شيء. ثم يحيي أول من يحيى إسرافيل ويأمره أن ينفخ في الصور نفخة أخرى وهي النفخة الثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.\nوالصور قرن ينفخ فيه إسرافيل. قال مجاهد: (كهيئة البوق). وقيل هو البوق بلغة أهل اليمن. وقد جاءت السنة الصحيحة بتفصيل تلك الأحداث في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إنِّي مِنْ أَوَّلِ مَنْ يَرْفَعُ رأسَهُ بَعْدَ النفخة الآخِرة، فإذا أنا بموسى مُتَعَلِّقٌ بالعَرْشِ، فلا أدري أكذلك كان، أمْ بعد النفخة] (٢).\nوفي رواية لمسلم: [فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي]. وفي لفظ: [فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور].\nقال أهل العلم: (والصعق لتجلي الله لعباده إذا جاء لفصل القضاء، فموسى إن كان لم يصعق معهم يكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكًّا).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه البخاري في ترجمة باب. انظر تخريج المشكاة (٥٥٢٩)، وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٢٥ - ٧٢٨) - النفخ في الصور والقيام.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٣)، كتاب التفسير، ورواه مسلم (٧/ ١٠٠ - ١٠١)، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٦١٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٢٨).","vol":"5","page":578},{"text":"[ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت (١). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم يُنْزِلُ اللهُ من السماء ماء فينبتون كما ينبتُ البقلُ. قال: وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عَظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذنب (٢) ومنه يركب الخلق يوم القيامة] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيظهر فيهلكه الله تعالى. (وفي رواية: فيطلبه فيهلكه). ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه. ويبقى شرار الناس في خفة الطير (٤) وأحلام السباع (٥)، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارَّة أرزاقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا - أي: أمال صفحة عنقه - وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه - أي: يصلحه ويطينه - فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس، هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال كم؟ فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق] (٦).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. قال أبو هريرة: \"هم الشهداء\" - رواه ابن جرير.\n_________\n(١) أي: امتنعت عن الجواب لأني ما أدري ما الصواب.\n(٢) عجب الذنب: هو العظم بين الأليتين أسفل الصلب.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٤)، كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (٢٩٥٥/ ١٤١).\n(٤) المراد سرعتهم للشرور والشهوات والفساد والإفساد كسرعة الطير.\n(٥) المراد بذلك العدوان والظلم كالسباع الضارية العادية.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٤٠)، وأحمد (٢/ ١٦٦)، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١١٦٢٩)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٣٥٣).","vol":"5","page":579},{"text":"فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون. قال النسفي: (﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة، قالوا: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت ﵈. وقيل: الشهداء. وقيل: الحور، وخزنة النار، وحملة العرش، وعن جابر ﵁: منهم موسى ﵇ لأنه صعق مرة).\nقلت: وكل ما سبق محتمل في التأويل، والله تعالى أعلم بمن يستثني.\nوقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: صاغرين).\nقال ابن زيد: (الداخر: الصاغر الراغم. قال: لأن المرء الذي يفزع إذا فزع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه، قال: فلما نُفخ في الصور فزعوا، فلم يكن لهم من الله منجى).\nوقد قرأته بعض قراء الأمصار بالمدّ ﴿وكل آتوه﴾، وقرئ ﴿أَتَوْهُ﴾ والمعنى واحد، أي جاؤوه طائعين صاغرين لم يتخلف منهم أحد.\nوقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ يقول: قائمة، وهي تسير سيرًا حثيثًا).\nوقال القتبي: (وذلك أن الجبال تُجمع وتُسيَّر، فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠].\nوفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: [جاء حَبْرٌ من اليهود إلى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد! إنَّ الله يُمْسِكُ السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزّهن، فيقول: أنا الملك، أنا الله، فضحك رسول الله - ﷺ - تعجبًا مما قال الحَبْرُ تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ","vol":"5","page":580},{"text":"الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]] (١).\nوقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أحسن كل شيء خلقه وأوثقه). وقال أيضًا: (أحكم كل شيء).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾. قال قتادة: (إن الله ذو علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشرّ وطاعة له ومعصية، وهو مجازي جميعهم على جميع ذلك على الخير الخيرَ، وعلى الشرِّ الشرّ نظيره).\nوقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.\nقال ابن عباس: (من جاء بلا إله إلا الله). وقال مجاهد: (كلمة الإخلاص).\nوالخلاصة: من جاء بالعمل الصالح على منهاج التوحيد فله بالحسنة خير منها إلى عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].\nوفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - فيما يروي عن ربه ﷿ - قال: [إن الله كتبَ الحسنات والسيئات، ثم بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْها كتبَها الله عنده حسنةً كامِلةً، فإنْ هَمَّ بها فَعَمِلها كَتبها الله ﷿ عنده عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، الحديث (٢).\nوقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.\nقال القاسمي: (أي لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل. وقرئ ﴿فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالإضافة وكسر الميم وفتحها. وفزع منونًا وفتح الميم، على أنه ظرفَ لـ ﴿آمِنُونَ﴾ أو المحذوف هو صفة للفزع. والتنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ عوض عن جملة محذوفة، أي يوم إذ جاؤوا بالحسنة).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦)، وانظر تفصيل بحث: النفخ في الصور والقيام - في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٢٣ - ٧٣٠).\n(٢) حديث صحيح. خرّجه مسلم في صحيحه (١٣١)، كتاب الإيمان، وانظر الحديث (١٢٩) كذلك.","vol":"5","page":581},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠].\nأخرج أبو نعيم في \"الحلية\"، وعبد الله بن المبارك في \"الزهد\" بسند حسن في الشواهد، عن شداد بن أوس، أن رسول الله - ﷺ - قال: [قال الله ﷿: وعزتي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع فيه عبادي] (١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال ابن عباس: (الشرك).\nوعن قتادة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: الإخلاص، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قال: الشرك).\nقال ابن كثير: (أي: مَنْ لقي الله مُسيئًا لا حَسَنَةَ له، أو: قد رَجَحت سيئاتُه على حسناته، كُلٌّ بِحَسَبِه. ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾).\nوفي الصحيحين عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: [ليس أحد يحاسَبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (٢).\n٩١ - ٩٣. قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلامُ النبي - ﷺ - قومه أنه أُمِرَ بإفراد الله ربّ هذه البلدة التي حرّمها بالعبادة والتعظيم، وتلاوة القرآن وإقامة الحجة على الناس أجمعين، وحَمْد الله الذي\n_________\n(١) حسن لغيره. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٨)، وأخرجه عبد الله بن المبارك في \"الزهد\" برقم (١٥٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٤٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٩)، وأخرجه مسلم (٢٨٧٦)، وغيرهما.","vol":"5","page":582},{"text":"بيده عجائب الآيات يريها خلقه ليؤمنوا به وما هو بغافل عما يعملون.\nفقوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾. قال قتادة: (يعني مكة).\nوإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها كقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤].\nقال ابن جرير: (﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ على خلقه أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا، أو يظلموا فيها أحدًا، أو يصاد صيدها، أو يختلى خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال في خطبته عام الفتح: [لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا، فإن هذا بلا حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بِحُرْمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحِلَّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولا يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شوكُهُ ولا يُنَفَّرُ صَيْدُه، ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ، إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلى خَلاها، إلا الإذخِرَ] (١).\nوقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. قال ابن كثير: (من باب عطف العام على الخاص، أي: هو ربُّ هذه البلدة، وربُّ كلِّ شيء ومليكُهُ لا إله إلا هو).\nوقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال القرطبي: (أي من المنقادين لأمره، الموحِّدين له).\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. أي: وأمرت أن أقرأ القرآن وأرتله وأتدبره، وأن أتلوه على الناس لأبلغهم.\nوقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.\nقال النسفي: (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الشركاء عنه والدخول في الملة الحنيفية واتباع ما أنزل عليّ من الوحي ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إليّ ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي: ومن ضل ولم يتبعني فلا عليّ وما أنا إلا رسول منذر وما على الرسول إلا البلاغ المبين).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٣٤)، كتاب جزاء الصيد، وأخرجه مسلم (١٨٦٤) نحوه، كتاب الإمارة، والإذخر: نبات طيب الرائحة.","vol":"5","page":583},{"text":"وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾.\nقال مجاهد: (في أنفسكم، وفي السماء والأرض والرزق).\nوالمعنى: قل - يا محمد - لمكذبي البعث والمعاد والوحي من قومك: الحمد لله على نعمته الكبرى - نعمة الهداية للحق الذي أنتم عنها عمون -، وسيريكم ربكم آيات انتقامه وسخطه فتعرفونها، كما يريكم آيات وحدانيته ودلائل قدرته فتنكرونها.\nوقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nأي: وما ربك - يا محمد - بغافل عن شيء من أعمال عباده، بل هو شهيد على كل ما يصدر منهم، ﷻ، ولا إله إلا هو.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: [قال الله تعالى: يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).\nتمّ تفسير سورة النمل بعون الله وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠).","vol":"5","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج.\n٢ - إن الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه. أي: يبسط العطاء أو يُقَتِّره بعدله وحكمته.\n٣ - إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.\n٤ - ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضلَ مما أخذ.\n٥ - ﴿أَوْزِعْنِي﴾: ألهمني وحرضني. والعرب تقول: أوزعه بالشيء أغراه به. واسْتوزَعْتُ الله شكره فأوزعني أي استلهمته فألهمني.\n٦ - القادة في الإسلام يحرصون على إقامة العدل والانضباط، والتأكد من جاهزية الجنود والعمال، وحسن أدائهم لوظائفهم.\n٧ - الخبء: كل ما هو مخبوء، من نبات ومعادن وأرزاق ومخلوقات لا يعلم ذلك إلا الله.\n٨ - الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره.\n٩ - نهى النبي - ﷺ - عن قتل أربع من الدّواب: النَّمْلةِ والنَّحْلةِ والهُدْهُدِ والصُّرَد.\n١٠ - الملوك الفجار إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة.\n١١ - فَضْلُ العلم خيرٌ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع.\n١٢ - الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة المكذوبة أساءت لشرف النبوة.\n١٣ - الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل.","vol":"5","page":585},{"text":"١٤ - إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه ذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة.\n١٥ - أحبُّ الكلام إلى الله تعالى: سبحان الله وبحمده.\n١٦ - ليس أَحَدٌ أصبرَ على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم.\n١٧ - إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ.\n١٨ - إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مَغْربها، وخروج الدابة على الناس ضحا.\n١٩ - النفخ في الصور على ثلاثة أنواع: أ - نفخة الفزع. ب - نفخة الصعق. ج - نفخة القيام لرب العالمين.\n٢٠ - الناقور: الصور. والراجفة: النفخة الأولى. والرادفة: الثانية.\n٢١ - الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف أو أكثر، والسيئة بمثلها.\n٢٢ - ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك. فمن نوقش في الحساب يهلك.\n٢٣ - البلد الحرام لا يعضَدُ شوكه ولا يُنَفَّرُ صيده ولا يلتقَطُ لقطته.\n٢٤ - أُمِرَ رسول الله - ﷺ - بتلاوة القرآن وتدبره وتبليغه، وهو أمر لأمته بعده.\n٢٥ - من وجد يوم الحساب خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه.\n* * *","vol":"5","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>٢٨ - سُورَةُ القصَصِ</span>\nوهي سورة في غالبها مكية، وعدد آياتها (٨٨)\nروى أحمد في المسند بسند رجاله ثقات عن معد يكرب قال: [أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا ﴿طسم﴾ المئتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكُم مَنْ أخذَها من رسول الله - ﷺ -: خَبَّابُ بن الأرت. قال: فأتينا خَبَّابَ بن الأرتِّ، فقرأها علينا، ﵁] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>موضوع السورة</span>\nتقرير الله تعالى بالقصص الحق\nسنته في نصر المؤمنين وإهلاك الكافرين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-204> منهاج السورة </span>-\n١ - انتصار الله للقرآن، وخبر موسى ﵇، مع الطاغية فرعون أمكر اللئام.\n٢ - تقريرُ الله تعالى جعل الغلبة والقوة للمستضعفين المؤمنين، ليكونوا هم الوارثين، وليري الطغاة منهم ما كانوا يحذرون.\n_________\n(١) رجاله ثقات. أخرجه أحمد (٣٩٨٠)، والطبراني (٣٦١٤)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٨٤): ورجاله ثقات. وأورده الحافظ ابن كثير في مقدمة هذه السورة.","vol":"5","page":587},{"text":"٣ - قصة إرضاع موسى، والتقاط آل فرعون التابوت، ليربى موسى في بيت الطاغية بإذن الله الذي يمكر بالمجرمين من حيث لا يشعرون.\n٤ - تثبيت الله تعالى أم موسى، وتحريمه المراضع حتى أرجعهُ سبحانه إلى أمه.\n٥ - رعايةُ الله موسى، وإعطاؤه العلم والحكمة، ودخول موسى المدينة ووقوفه جانب الرجل من شيعته، وشعور موسى بالخوف من تبعة قتله القبطي، واستصراخ الرجل به ثانية، والنصيحة لهُ بالخروج وتوجهه إلى مدين.\n٦ - قصة موسى والمرأتين وسقايتهُ لهما، ودعوة والد الفتاتين له وتزويجه إحداهما.\n٧ - انقضاء المدة في خدمةِ موسى والد زوجته، ومسيره إلى مصر وتكليم الله له، وإظهار الآيات له لتعينه في مهمته إلى فرعون، وشُدَّ عضده بأخيه.\n٨ - جحود فرعون وقومه الآيات، وإهلاك الله فرعون والطغاة، ولعنهم في الدنيا والآخرة.\n٩ - إنزال التوراة، وإهلاك فرعون، أخبار تصدق نبوة محمد - ﷺ -.\n١٠ - مطالبة المشركين بالآيات والمعجزات، وكفرهم بالوحي واتباعهم الأهواء.\n١١ - مضاعفة الأجر لمؤمني أهل الكتاب، آمنوا بنبيهم ثم آمنوا بمحمد، - عليه وعلى الأنبياء والرسل الصلاة والسلام -.\n١٢ - أمر الهداية لله، والحرم الآمنُ نعمة الله على قريش، وإهلاك القرى الظالم أهلها سنة الله في العالمين.\n١٣ - بهجة الدنيا وزينتها إلى فناء، والدار الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون، والمجرمون يساقون يوم القيامةِ ليكونوا من المحضرين، ويقال لهم ماذا أجبتم المرسلين، فعميت عليهم الأنباء ولم ينجُ إلا من كان من المؤمنين التائبين.\n١٤ - كمال علم الله تعالى ونفاذ مشيئته، فهو الحَكمُ وله الحُكْمُ وإليهِ ترجعون.\n١٥ - امتنان الله تعالى على عباده نعمة تقليب الليل والنهار ولعلهم يشكرون.\n١٦ - إثبات خزي المشركين يوم يناديهم ربهم ﵎ ليخرجوا شركاءه الذين كانوا يزعمون. وخروج الرسول من كل أمة ليشهد عليها وضل عن المشركين ما كانوا يفترون.","vol":"5","page":588},{"text":"١٧ - قصة قارون وغروره، واستخدامه الأموال للفساد، وخسف الله به الأرض، وجعله عبرة لمن يعتبر.\n١٨ - تكريمُ الله المؤمنين في الجنة لقيامهم على منهاج النبوة، ومحاربتهم الفساد والطغاة في الأرض، وتضاعف الحسنات لهم.\n١٩ - إثبات المعاد إلى الله ليجزي نبيَّهُ - ﷺ - أجر المجاهدين الصابرين، والله تعالى هو أعلمُ بالمهتدين.\n٢٠ - هذا القرآنُ نعمة الله الكبرى على النبي والمؤمنين، وفيه الهدى وبه الثبات على الحق إلى يوم الدين.\n* * *","vol":"5","page":589},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصارٌ من الله تعالى لهذا الكتاب المبين، فيه خبر موسى ﵇ مع فرعون الطاغية الذي كان من المفسدين، وفيه تأكيدُ إرادته سبحانه تمكين المستضعفين في الأرض من المؤمنين، لِيُرِيَ الطغاة منهم ما كانوا يحذرون.\nفقوله تعالى: ﴿طسم﴾. شأن الحروف المقطعة أوائل جميع السور تفيد الإعجاز وتحدي الثقلين أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو سورة منه، مع أنه مركب من مثل هذه الأحرف التي يتخاطب العرب بها.\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. انتصار لهذا القرآن العظيم، الواضح في آياته، الكاشف عن العلوم العالية التي فيها سرّ السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة. قال قتادة: (﴿مبين﴾ يعني مبين والله بركته ورشده وهداه).\nوقوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: نقرأ عليكَ - يا محمد - ونقص في هذا القرآن من خبر موسى - ﵇ - مع الطاغية فرعون، ليفيد بذلكَ أهل الإيمان باللهِ وسننه وأيامه.\nقال قتادة: (يقول: في هذا القرآن نبؤهم).","vol":"5","page":590},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال السدي: (يقول: تجبر في الأرض). وقال قتادة: (بغى في الأرض).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. قال مجاهد: (فِرقًا). وقال: (فَرَّقَ بينهم). قال ابن زيد: (الشيع: الفِرَق).\nوالمقصود: قَسّمهم طوائف وأصنافًا ليستعملهم في أمور دولته وخدمة مصالحه.\nوقوله: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nقال قتادة: (يستعبد طائفة منهم، ويذبح طائفة، ويقتل طائفة، ويستحي طائفة).\nقال ابن كثير: (﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾، يعني بني إسرائيل. وكانوا في ذلكَ الوقت خيارَ أهل زَمانِهم. هذا وقد سُلِّطَ عليهم هذا الملكُ الجبَّار العَنيد يَسْتَعْمِلهم في أخَسِّ الأعمال، ويَكُدُّهم ليلًا ونهارًا في أشغاله وأشغال رَعيَّتِهِ، ويقتلُ مع هذا أبناءهم ويَسْتَحيى نِساءَهم، إهانةً لهم واحتقارًا، وخَوْفًا مِنْ أَنْ يُوجَدَ منهم الغلامُ الذي كان قد تخوَّفَ هو وأهلُ مَمْلَكَتِهِ مِنْ أَنْ يُوجَد منهم غلامٌ يكونُ سَبَبُ هَلاكِهِ وذهابُ دولتِهِ على يديهِ. وكانت القِبطُ قد تَلَقَّوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يَدْرُسُونه من قولِ إبراهيم الخليل، حينَ ورَدَ الديار المصريَّة، وجَرَى لهُ مَع جَبَّارها ما جَرى، حين أخَذَ سارَة ليَتَّخِذَها جاريةً، فصَانَها الله منه، ومَنَعها منه بقدرته وسُلْطانِهِ. فبشَّر إبراهيم - ﵇ - ولَده أنه سَيُولَدُ مِنْ صُلْبِهِ وَذُرِّيَتِهِ مَنْ يكون هلاك مَلِكِ مِصرَ على يديهِ، فكانتِ القبطُ تتحدَّثُ بهذا عند فِرْعَونَ، فاحترز فِرعونُ مِنْ ذلكَ، وأَمر بِقَتْل ذُكورِ بني إسرائيل. ولن ينفعَ حَذَرٌ من قَدَر، لأنَّ أجل الله إذا جاء لا يُؤخَّرُ، ولكل أَجَلٍ كتابٌ).\nوقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. أي: ونريد أن نتفضل على المؤمنين الذين استضعفوا من بني إسرائيل ونحدث الشوكة لهم.\nقال قتادة: (بنو إسرائيل ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: ولاة الأمر ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: أي: يرثون الأرض بعد فرعون وقومه).\nوقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ونوطئ لهم في أرض الشام ومصر).","vol":"5","page":591},{"text":"وقوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.\nقال النسفي: (أي يرون منهم ما حذروه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].\nقلت: وهذه الآيات الكريمة تحمل بشائر النصر والظفر لطائفة الحق والإيمان على مدار الزمان، وتحملُ الويل والدمار وبشائر الهلاك للطغاة والعتاة الذين يستهزئون بالحق ويكيدونَ لدين الله وأوليائه.\n٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى أم موسى إرضاعهُ ثم إلقاءه في البحر ليرجع إليها بإذن الله وليكون من المرسلين. والتقاط آل فرعون التابوت ليربى موسى في بيت فرعون بإذن الله وهم لا يشعرون.\nفعن قتادة: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وحيًا جاءها من الله، فقذف في قلبها، وليس","vol":"5","page":592},{"text":"بوحي نبوة أن أرضعي موسى ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ الآية).\nوعن السدي قال: (أمر فرعون أن يذبح مَنْ وُلدَ مِنْ بني إسرائيل سنة، ويتركوا سنة، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت بموسى، فلما أرادت وضعه، حزنت من شأنهِ، فأوحى اللهُ إليها، أن أرضعيهِ فإذا خفتِ عليه فألقيهِ في اليم).\nوفي التفاسير أن فرعون لما أكثر من قتلِ ذكور بني إسرائيل خافت القِبْطُ أن يُفني بني إسرائيل فيتحملون هم الأعمال الشاقة، فألمحوا لفرعون ذلكَ، فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فوُلدَ هارون - ﵇ - في السنة التي يتركون فيها، ووُلدَ موسى - ﵇ - في السنة التي يقتلون فيها الولدان. وكانت دار أمه على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا ومَهَدَتْ فيهِ مهدًا، وجعلت ترضِعُ ولدها، فإذا دخل عليها من تخافه جعلته في ذلكَ التابوت وسَيَّرته في البحر، وربطته بحبل عندها.\nفنسيت يومًا ربطهُ فذهب مع الماء حتى مرَّ بدارِ فرعون فاحتملته الجواري إلى امرأةِ فرعون، وألقى اللهُ عليهِ محبةً فأقنعت زوجها أنه قرة عين، وكان لم يولد لها ولدٌ منه.\nوعن السدي: (﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قال: هو البحر، وهو النيل).\nوقوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾. قال ابن زيد: (لا تخافي عليه البحر، ولا تحزني لفراقهِ ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾).\nقال ابن جرير: (يقول: لا تخافي على ولدك من فرعون وجنده أن يقتلوه، ولا تحزني لفراقه).\nوقوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾. أي: لتكوني أنت ترضعيه.\nوقوله: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وباعثوه رسولًا إلى هذا الطاغية، وجاعلو هلاكه ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء على يديه).\nوقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. أي: ليقضي الله بالتقاطهم ما كتب عليهم من الخزي. قال القرطبي: (لما كان التقاطهم إياهُ يؤدي إلى كونه لهم عدوًا وحزنًا، ﴿لِيَكُونَ﴾ لام العاقبة ولام الصيرورة) (١).\nقال ابن كثير: (ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناهُ\n_________\n(١) وكذلكَ قال محمد بن إسحاق: (اللام هنا لام العاقبة لا لام التعليل).","vol":"5","page":593},{"text":"أن الله - تعالى - قيَّضَهم لالتقاطهِ ليجعلهُ لهم عدوًا وحزنًا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾. أي: كانوا بربهم آثمين.\nقال النسفي: (أي كانوا مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم).\nوقوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.\nقال قتادة: (ألقيتْ عليه رحمتها حين أبصرته).\nوالمقصود: أن آسية بنت مزاحم - امرأة فرعون - شرعت تحبب الطفل إلى زوجها فرعون لئلا يفكر بقتلهِ وذبحه، فقالت له: هو قرةُ عينٍ لي ولك، وربما انتفعنا باتخاذهِ ولدًا حيث ليس لنا ولد.\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال قتادة ة (وهم لا يشعرون أن هلكتهم على يديهِ، وفي زمانه). وقال ابن إسحاق: (يقول الله: وهم لا يشعرون أي بما هو كائن بما أراد الله به).\n١٠ - ١٣. قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تثبيتُ الله تعالى أم موسى وإنزال الصبر والطمأنينة على قلبها لتكون من المؤمنين. وتحريمُ الله المراضع عليهِ حتى عملوا بنصيحةِ أُختهِ برده إلى أمِّه وهم لا يشعرون.","vol":"5","page":594},{"text":"فقوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.\nقال ابن عباس: (فارغًا من كل شيءٍ إلا من همّ موسى). قال: (لا تذكرُ إلا موسى). وقال مجاهد: ﴿فَارِغًا﴾ من كل شيءٍ غير ذكر موسى).\nوقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ قال قتادة: (أي لتبدي به أنه ابنها من شدةِ وجدها). والمقصود: أي: إن كادت من شدة حزنها وأسفها لتظهر أنه ذهبَ لها ولد، وتعلنَ بحالها، لولا تثبيت الله لها وتصبيرها.\nوهو قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال القاسمي: (أي: لولا أن ألهمناها الصبر. ومعنى ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من المصدقين بوعد الله).\nوقوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. قال مجاهد: (اتبعي أثره كيف يصنع به).\nأي: أمرت أم موسى ابنتها - وكانت كبيرة تعي ما يجري حولها - أن تتبع أثر ابنها في نواحي البلد. وفي لغة العرب: قصصت آثار القوم: إذا اتبعتُ آثارهم.\nوقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾. قال ابن عباس: (عن جانب). وقال مجاهد: (عن بُعد). وقال قتادة: (يقول: بصرت به وهي محاذيته لم تأته). وقال: (جعلت تنظر إليه وكأنها لا تُريد).\nقال ابن كثير: (وذلك أنه لما استقرّ موسى ﵇ بدار فِرعون، وأَحَبَّتْهُ امرأةُ الملك، واستطلقته منه، عَرَضوا عليهِ المراضعَ التي في دارهم، فلم يقبل منها ثَدْيًا، وأبى أن يقبلَ شيئًا من ذلكَ. فخرجوا به إلى السوق لَعلَّهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته. ولم تُظْهِر ذلكَ ولم يشعروا بها).\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال قتادة: (أنها أخته، قال: جعلت تنظرُ إليهِ كأنها لا تُريده). وقال ابن إسحاق: (أي: لا يعرفون أنها منه بسبيل). وقال مجاهد: (﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال: آل فرعون).\nوقوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: تحرًا قدريًا ليمتن الله على أمه بتسكين نفسها وتطمين قلبها حين لا يقبل إلا ثديها. قال مجاهد: (لا يقبل ثدي امرأةٍ حتى يرجعَ إلى أمه).\nقال السدي: (أرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعل النساء","vol":"5","page":595},{"text":"يطلبن ذلكَ لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ).\nوقوله: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿فَقَالَتْ﴾ أخته وقد دخلت يبن المراضع ورأته لا يقبل ثديًا ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ أرشدكم ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أي موسى ﴿لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾).\nقال ابن جريج: (﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾: هم للملك ناصحون). وقال ابن إسحاق: (﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ أي لمنزلته عندكم، وحرصكم على مسرّة الملك، قالوا: هاتي).\nوقوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.\nقال قتادة: (ووعدها أنه رادّه إليها وجاعله من المرسلين، ففعل الله ذلك بها).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nأي: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حق، ولا يعلمون أن قضاءه في شؤون عباده ليس إلا في خير، وأن أهل الإيمان منهم يرعاهم سبحانه برحمته وعنايته.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧].\nومن صحيح السُّنة العطرة في ذلكَ أحاديث:\nالحديث الأول: روى أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح - نحوه - عن صهيب قال: [بينا رسول الله - ﷺ - قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبتُ لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، إن","vol":"5","page":596},{"text":"أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (١).\nالحديث الثاني: روى عبد الله بن أحمد في مسند أبيهِ، وكذلكَ أبو يعلى بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبًا للمؤمن لا يقضي اللهُ له شيئًا إلا كان خيرًا له] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البيهقي والطيالسي بسند صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [عجبت للمسلم إذا أصابتهُ مصيبةٌ احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمدَ الله وشكر، إن المسلم يُؤجَرُ في كل شيء حتى في اللّقمةِ يرفعها إلى فيه] (٣).\n١٤ - ١٧. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: رعايةُ الله تعالى موسى ﵇، وإعطاؤهُ العلم والحكمة جزاء الإحسان، ودخول موسى المدينةَ ووقوفه بجانب الرجل من شيعتهِ ليَكز خصمهُ فيقتله، ثم يندمُ ويستغفرُ ويعترف بذنبه، ونعمة الله عليهِ، ويعاهد الله تعالى ألا يكون ظهيرًا للمجرمين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ١٦)، والدارمي (٢/ ٣١٨)، وسنده صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في \"صحيحه\" (٨/ ٢٢٧) نحوه. وانظر السلسلة الصحيحة (١٤٧).\n(٢) حديث صحيح. رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٥/ ٢٤)، وأبو يعلى (٢/ ٢٠٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٤٨).\n(٣) إسناده صحيح. أخرجه الطيالسي (٢١١)، والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\nانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٨٨١).","vol":"5","page":597},{"text":"فقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.\nقال ابن جرير: (﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ موسى. ﴿أَشُدَّهُ﴾، يعني حان شدّة بدنه وقواه، وانتهى ذلكَ منه). قال مجاهد: (﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: الفقه والعقل والعمل قبل النبوة). وقال ابن إسحاق: (آتاه الله حكمًا وعلمًا: فقهًا في دينهِ ودين آبائه، وعلمًا بما في دينهِ وشرائعهِ وحدوده). وقيل: النبوة.\nقلت: والراجح أنه أوتي عند استوائه واشتداد قوتهِ ما يمهد لاستقبال النبوة والرسالة.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\nقال الزجاج: (جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين).\nوقوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾. أي: من غير أن يشعروا بدخوله.\nقال النسفي: (﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ أي مصر ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ حال من الفاعل، أي مختفيًا، وهو ما بين العشاءين أو وقت القائلة يعني انتصاف النهار. وقيل: لمّا شبّ وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم فأخافوه، فلا يدخل المدينة إلا على تغفل).\nوقوله: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾.\nقال قتادة: (أما الذي من شيعتهِ فمن بني إسرائيل، وأما الذي من عدوّه فقبطي من آل فرعون).\nوقال ابن إسحاق: (﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ مسلم، وهذا من أهل دين فرعون كافر).\nوقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾.\nقال ابن إسحاق: (وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدّة في البطش، فغضب بعدوّهما فنازعه ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ وكزة قتله منها وهو لا يريد قتله).\nقال مجاهد: (﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾: بجمعِ كفهِ). قال ابن كثير: (فاستغاث الإسرائيلي بموسى ﵇، ووجد موسى فُرصةً، وَهِيَ غفلة الناس، فَعَمَدَ إلى القبطي ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ قال: أي: كان فيها حتفُه فمات).","vol":"5","page":598},{"text":"وقوله: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قال موسى حين قتل القتيل: هذا القتل من تسبب الشيطان لي بأن هَيَّجَ غضبي حتى ضربتُ هذا فهلكَ من ضربتي، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ يقول: إن الشيطان عدوّ لابن آدم ﴿مُضِلٌّ﴾ له عن سبيل الرشاد بتزيينه له القبيح من الأعمال، وتحسينهِ ذلكَ له ﴿مُبِينٌ﴾ يعني أنه يبين عداوته لهم قديمًا، وإضلاله إياهم).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\nقال ابن جريج: (قوله ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ قال: بقتلي، من أجل أنه لا ينبغي لنبيّ أن يقتل حتى يؤمر، ولم يؤمر). قال قتادة: (عرف المخرج، فقال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾).\nقلت: وهذا هو المخرجُ دومًا من ألم اجتراح الذنوب أن يهرع العبد إلى ربهِ تعالى متذللًا له بالتوبة والاستغفار راجيًا رحمتهُ ومغفرته وتجاوز الزلل والصفح والستر، وقد وعد اللهُ تعالى عباده إذا أخبتوا إليهِ بالمغفرة والرحمة.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].\n٢ - وقال تعالى - في تفصيل تلك الكلمات -: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي أيوب مرفوعًا: [لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء اللهُ بقومٍ لهم ذنوب يغفرها لهم] (١).\nوله شاهد عند البزار من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا بلفظ: [لو لم تُذنبوا لذهب اللهُ بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم].\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بإسنادٍ حسن عن أبي سعيد الأنصاري رضي اللهُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٩٤)، وانظر للشاهد: \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢١٥).","vol":"5","page":599},{"text":"عَنْهُ، عن النبي - ﷺ - قال: [الندم توبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [قال الله ﵎: يا ابن آدم إنَّكَ ما دعوتني ورَجَوتني غَفَرْتُ لك، على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابنَ آدمَ لو بَلغَتْ ذنوبُكَ عَنَانَ السماءِ ثم استغفرتني غَفَرْتُ لكَ ولا أُبالي. يا ابن آدم إنَّكَ لو أتَيْتَنِي بقُرابِ الأرض خطايا ثمَ لقيتني لا تُشْرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقُرابِها مَغْفِرَةً] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.\nأي: قال موسى مقبلًا على ربه متواضعًا بين يديهِ بعد اجتراحِ الذنب: رب بما آتيتني من العلم والحكمة والجاه والعزة والقوة فلن أكون معينًا لأعدائكَ أو مقويًا لهم، بل وليًا للمؤمنين من غير تفريط ولا ظلم.\nقال قتادة: (يقول: فلن أعين بعدها ظالمًا على فُجْره).\n١٨ - ١٩. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: شعورُ موسى ﵇ بالخوف من تبعة قتله القبطي، واستصراخ صاحبه مرة أخرى به على قبطي آخر، وظنُّ الإسرائيلي أن موسى يهجم عليهِ ليقتله هو بدل القبطي.\nفقوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال ابن عباس: (خائفًا من قتله النفس، يترقب أن يؤخذ).\nوقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾. قال السدي: (يقول: يستغيثه).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني بإسناد حسن. انظر صحيح الجامع الصغير (٦٦٧٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجهُ الترمذي في السنن (٣٧٨٩). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٨٠٥).","vol":"5","page":600},{"text":"قال قتادة: (الاستنصار والاستصراخ واحد). وقال عكرمة: (الذي استنصره: هو الذي استصرخه).\nوالمقصود: بينما موسى ﵊ يمشي خائفًا من مغبة قتل القبطي بالأمس، يتلفت ويتوقع ما يمكن أن يكون، إذ مرّ ببعض الطرق بذلكَ الإسرائيلي يقاتل قبطيًا آخر فاستصرخهُ فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. أي شديد الغواية، كثير الوقوع في المآزق والشرور. قال ابن إسحاق: (فأصبح موسى غاديًا الغد، وإذا صاحبه بالأمس معانق رجلًا آخر من عدوه، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أمس رجلًا، واليوم آخر؟).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.\nقال ابن كثير: (ثم عزم على البطش بذلكَ القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لِخَوَرِهِ وضَعْفِهِ وذِلَّتِهِ أن موسى إنما يُريدُ قَصْدَهُ لمَّا سَمِعَهُ يقولُ ذلك، فقال يدفع عن نفسه: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. وذلكَ لأنه لم يعلم به إلا هُوَ وموسى ﵇، فلما سَمِعَها ذلكَ القبطي لَقِفَها من فَمِهِ، ثم ذهبَ بها إلى باب فِرعونَ فألقاها عندهم، فعَلِمَ بذلكَ، فاشتدَّ حَنَقُه، وعَزَمَ على قتلِ موسى، فطلبوَه وبَعثُوا وراءَهُ لِيُحْضِروه لذلك).\nوقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾. قال قتادة: (إن الجبابرة هكذا، تقتل النفس بغير النفس). وقال ابن جريج: (تلك سيرةُ الجبابرة أن تقتل النفس بغير النفس).\nوقوله: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: ما هكذا يكون الإصلاح). وقال ابن جريج: (يقول: ما تريد أن تكون ممن يعملُ في الأرض بما فيهِ صلاحُ أهلها، من طاعة الله).\n٢٠ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ","vol":"5","page":601},{"text":"رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذيرُ رجل - من شيعة موسى - موسى ﵇ من مكر القومِ به، ناصحًا له بالخروج من المدينةِ، وخروج موسى على خوفٍ يرجو ربّه النجاة من القومِ الظالمين، وتوجّهُه إلى مدين بإذن الله السميع العليم.\nفقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾.\nقال ابن عباس: (فأرسل فرعون الذَّباحين لقتل موسى، فأخذوا الطريق الأعظم، وهم لا يخافون أن يفوتهم، وكان رجل من شيعة موسى في أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا، حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر). قال ابن كثير: (وصفه بالرُّجُوليَّةِ لأنه خالفَ الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريقِ الذين بُعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له: يا موسى، ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، أي: يتشاورون فيكَ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾، أي: من البلد، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾).\nوقوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ قال قتادة: (خائفًا من قتله النفس يترقب الطلب).\nوقال ابن زيد: (يترقب مخافة الطلب).\nوقوله: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (ذُكر لي أنه خرج على وجهه خائفًا يترقب ما يدري أي وجه يسلك، وهو يقول: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾).\nوقوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾. قال ابن عباس: (خرج ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه).\nومدين: قرية لم تكن في سلطان فرعون، بينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام.\nوقوله: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال مجاهد: (الطريق إلى مدين).\nوقال قتادة: (قصد السبيل). وقال الحسن: (الطريق المستقيم).\n٢٣ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ","vol":"5","page":602},{"text":"الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: قصة موسى ﵇ والمرأتين وسقايته لهما، ودعوةُ والد الفتاتين موسى إلى بيتهِ وتزويجه إحداهما.\nفقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾.\nقال السدي: (يقول: كثرةُ من الناس يسقون). وقال ابن إسحاق: (وقع إلى أمة من الناس يسقون بمدين أهل نعم وشاء).\nوالمقصود: لما وصل موسى ﵇ إلى مدين وورد بئرًا فيها كانت ترده رعاء الشاء، وجد جماعة من الناس قائمين على ذلكَ الماء يسقون مواشيهم ونعمهم.\nوقوله: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. الذود: الطرد والدفع. قال ابن عباس: (تحبسان). وقال السدي: (تحبسان غنمهما). والمقصود: تحبسان غنمهما لئلا تختلط مع غنم القوم.\nقال النسفي: (تطردان غنمهما عن الماء، لأن على الماء من هو أقوى منهما فلا تتمكَّنان من السقي، أو لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم).\nوقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾. قال ابن عباس: (قال لهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ معتزلتين لا تسقيان مع الناس).\nأي: لما رآهما موسى ﵊ رقَّ لهما وتوجه إليهما مستخبرًا عن شأنهما لماذا لا ترِدان مع هؤلاء؟","vol":"5","page":603},{"text":"وقوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. قال ابن إسحاق: (امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال). وقال ابن عباس: (أي: لا نستطيعُ أن نسقي حتى يسقي الناس، ثم نتبع فضلاتهم). قال ابن جريج: (تنتظران تسقيان من فضول ما في الحياض حياض الرعاء).\nوقوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. قال ابن إسحاق: (لا يقدر أن يمسّ ذلكَ من نفسه، ولا يسقي ماشيته فنحن ننتظر الناس حتى إذا فرغوا أسقينا ثم انصرفنا).\nوقوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾.\nقال مجاهد: (فتح لهما عن بئر حجرًا على فيها، فسقى لهما منها). قال شريح: (انتهى إلى حجر لا يرفعهُ إلا عشرة رجال، فرفعهُ وحده).\nقال السدي: (رحمهما موسى حين ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ فأتى إلى البئر فاقتلع صخرة على البئر كانَ النفر من أهل مَدْين يجتمعون عليها، حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلوًا فأروتا غنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسقيان من فُضول الحياض).\nوعن ابن إسحاق، قال: (أخذ دلوهما موسى، ثم تقدّمَ إلى السقاء بفضل قوته، فزاحم القوم على الماء حتى أخَّرهم عنه، ثم سقى لهما).\nقال أبو بكر بنُ أبي شَيْبة: حدثنا عُبيد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن مَيمون الأَوْدِيِّ، عن عمر بن الخطاب﵁-: (أنَّ موسى -﵇- لما وَرَدَ ماءَ مَدْينَ، وجَدَ عليه أمةً من الناسِ يسقون، قال: فلما فرغوا أعادُوا الصخرة على البئر، ولا يُطيقُ رفعَها إلا عَشَرةُ رجالٍ، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبُكُما؟ فحَدَّثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يَسْتَقِ إلا ذنوبًا واحدًا حتى رَوِيت الغنم) (١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.\nقال ابن عباس: (انصرف موسى إلى شجرة، فاستظل بظلها، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن ميمون. وذكره الحافظ ابن كثير في \"التفسير\" -سورة القصص- آية (٢٤). وقال: إسناد صحيح.","vol":"5","page":604},{"text":"أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير﴾). قال ابن عطاء: (نظر من العبوديةِ إلى الربوبية وتكلم بلسان الافتقار، لما ورد على سره من الأنوار).\nقلت: وقد أكثر المفسرون هنا من روايات لا تقوم بها الحجة فصرفوا الآية إلى حاجة موسى إلى الطعام وليسَ له دراهم وقد اشتد عليه الجوع. والأَوْلى أن يكون قال ذلكَ تواضعًا لله وعظمته أن أعطاه ما أعطاه من القوة والعلم، وصرفَ عنه طلب أهل الظلم، ورعاه منذ طفولتهِ إلى أن أوصلهُ إلى مضارب هؤلاء القومِ، وهو الآن يطمعُ في خيرِ ربهِ من أسباب القوةِ والمال والنجاة والعناية بشكلها الأعم.\nوقوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.\nفي الكلام محذوف، والتقدير: فذهبتا مسرعتين إلى أبيهما على غير عادتهما، فأخبرتاه عن روعة هذا الرجل الذي سقى لهما، فأمر إحداهما أن تذهب وتدعوه له.\nفجاءته تمشي على استحياء. أي: مَشْي الحرائر. قال النسفي: (أي: مستحية، وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها لأنها كانت تدعوهُ إلى ضيافتها، ولم تعلم أيجيبها أم لا، فأتته مستحية قد استترت بكم درعها).\nوجملة: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ في محل نصب حال. أي جاءته مستحية.\nوروى ابن جرير بسنده عن ضرار بن عبد الله بن أبي الهُذيل عن عمر ﵁ قال: (مستترة بِكمِّ درعها، أو بكم قميصها). أو قال: (واضعة يدها على وجهها مستترة). ودِرْعُ المرأةِ: قميصها- والمِدْرعة: ثوبٌ لا يكون إلا من صوف.\nوروى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون قال: قال عُمر -﵁-: (جاءَتْ تمشي على استحياء، قائِلةً بِثَوبها، على وَجْهِها، ليست بِسَلْفَعٍ من النساء، خرَّاجَةً ولّاجَةً) (١).\nوقوله: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.\nقال ابن كثير: (وهذا تأدُّبٌ في العبارة، لم تطلبهُ طلبًا مُطلقًا لئلا يُوهِمَ ريبةً، بل قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، يعني: لِيُثِيبَكَ ويُكافِئَكَ على سَقْيِكَ لغنمنا).\n_________\n(١) ذكره الحافظ ابن كثير وقال: هذا إسناد صحيح. قال الجوهري: السَّلْفَعُ من الرجال: الجسور. ومن النساء: الجريئة السليطة، ومن النوق: الشديدة.","vol":"5","page":605},{"text":"وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nأي: فلما أقبل إليهِ وقابله وأخبره أمره وسبب خروجه من بلده، طمأنهُ الرجل الصالح (١) بأن لا سلطان لفرعون في هذه القرية -مدين- وقد أصبحت بإذن الله ناجيًا من مكر القومِ الظالمين.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.\nأي: قالت إحداهما -قيل هي التي أرسلها أبوها لتأتي بموسى- يا أبتِ: استعملهُ ليرعى ماشيتكَ وشؤونك، فإنه القوي على ذلكَ الأمينُ فيما ولي واستودع لا تخشى منه خيانة.\nقال ابن عباس: (فأحفظته الغيرةُ أن قال: وما يدريكِ ما قوّته، وأمانتهُ؟ قالت: أما قوتهُ، فما رأيت منه حين سقى لنا، لم أرَ رجلًا قط أقوى في ذلكَ السقي منه -وفي رواية غيره قالت: إنه رفَعَ الصخرة التي لا يُطيقُ حَملَها إلا عَشَرَةُ رجال- وأما أمانتهُ، فإنه نظر حين أقبلت إليهِ وشخصت له، فلما علمَ أني امرأة صوّب رأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إلي حتى بلغته رسالتكَ، ثم قال: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، ولم يفعل ذلكَ إلا وهو أمين، فسريَ عن أبيها وصدَّقها وظنَّ به الذي قالت).\nوفي رواية: قال ابن عباس: (إن موسى لما سقى لهما، ورأت قوّتهُ، وحرّكَ حجرًا على الركِيّةِ، لم يستطعهُ ثلاثون رجلًا، فأزالهُ عن الركية، وانطلقَ مع الجاريةِ حينَ دعته، فقال لها: امشي خلفي وأنا أمامك، كراهية أن يرى شيئًا من خلفها مما حَرَّمَ اللهُ أن ينظر إليه).\nوفي الأثر عن عبد الله بن مسعود قال: (أفرسُ الناس ثلاثةٌ: أبو بكر حين تفَرَّسَ في عُمَرَ، وصاحب يوسف حين قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾).\nوقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾.\nأي: قال الشيخ الصالح لموسى -﵇- إني أرغبُ بتزويجكَ إحدى ابنتي\n_________\n(١) أكثر المفسرون هنا من اعتبار الرجل والد الفتاتين أنه شعيب ﵊، ولا دليلَ عندهم تقوم به الحجة، وإنما الراجح أنه رجل صالح في ذلكَ الزمان في تلك القرية.","vol":"5","page":606},{"text":"هاتين مقابل أن ترعى غنمي وتكونَ لي أجيرًا ثماني سنين، فإن رأيتَ زيادة سنتين تطوعًا منك فالأمرُ إليك.\nوقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا أشاقك، ولا أؤذيكَ، ولا أُمَاريك). وقال ابن جرير: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ باشتراط الثماني الحجج عشرًا عليك). قلت: والراجح الأول، فهو أعم وأشمل، أي: وما أبتغي في معاملتكَ إيذاء ومشقة وضررًا يلحقُ بك.\nوقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن إسحاق: (أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت). قال النسفي: (ويجوز أن يرادَ الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة، والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح الاتكال على توفيقه فيه ومعونته لأنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ذلك).\nقلت: وجعل المهر فائدة ترجع على الأب في التزويج خاص بهذه القصة وشرع لمن قبلنا، وإلا فالمهر حق المرأة مقابل استحلال فرجها.\nقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].\nوفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: [أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله - ﷺ - وبه أثر صفرة، فسالهُ رسول الله - ﷺ - فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، قال: كم سقت إليها؟ قال: زِنَةَ نواة من ذهب. قال رسول الله - ﷺ -: أَوْلمْ ولو بشاة] (١).\nوفي الصحيحين والسنن الأربعة عن سهل بن سعد قال: [إني لفي القوِم عند رسول الله - ﷺ - إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فرَ فيها رأيك. فلم يجبها شيئًا. ثم قامت فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لكَ، فرَ فيها رأيك. ثم قامت الثالثة فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رأيكَ. فقام رجل فقال: يا رسول الله، أنكحنيها، قال: هل عندكَ من شيء؟ قال: لا. قال: اذهب فاطلب ولو خاتمًا من حديد، فذهب وطلب، ثم جاء فقال: ما وجدتُ شيئًا ولا خاتمًا من حديد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥١٥٣)، ومسلم (١٤٢٧)، وأبو داود (٢٠٩٥)، والترمذي (١١٠٠)، وابن ماجة (١٩٠٧)، وأخرجه النسائي (١١٩).","vol":"5","page":607},{"text":"قال: هل معكَ من القرآن شيءٌ؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا. قال: اذهب فقد أنكحتكها بما معكَ من القرآن] (١).\nفالصداق حق المرأةِ على الرجل، وهو ملك لها، لا يحلُ لأحدٍ أبًا كان أو غيره أن يأخذ منهُ شيئًا إلا إذا طابت المرأة نفسًا بهذا الأخذ.\nوقوله: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾.\nأي: قال موسى لوالد زوجته: الأمرُ على ما قلت، فقد رضيتُ بالزواج بابنتكَ مقابل أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن تَبَرَّعْتُ بسنتين فأكملتها عشرًا، فذاك إليّ، ولا حرج على في اختيار أقلهما وأكون قد برئت من العهد.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال مجاهد: (شهيد على قول موسى وختنه).\nقال ابن جرير: (يقول: واللهُ على ما أوجب كل واحد منا لصاحبه على نفسه بهذا القول، شهيد وحفيظ).\nأخرج أبو يعلى وابن جرير والحاكم بسند يتقوى بكثرةِ طرقه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: أسألتُ جبريل: أيَّ الأجلين قضى موسى ﵇؟ قال: أكملَهما وأتمهما] (٢).\nوله شاهد عند البزار من حديث أبي ذر: [أن النبي - ﷺ - سُئِلَ: أَيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أوفاهما وأبرَّهما].\n٢٩ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥١٤٩)، ومسلم (١٤٢٥)، واللفظ للبخاري، وأخرجه أبو داود (٢٠٩٧)، والترمذي (١١٢١)، وابن ماجة (١٨٨٩)، مختصرًا، وأخرجه النسائي (١٢٣).\n(٢) حسن بمجموع طرقه وشواهده، أخرجه أبو يعلى (٢/ ٦٣٤)، وابن جرير (٢٠/ ٤٤)، والحاكم (٢/ ٤٠٧)، وانظر للشاهد ما أخرجه البزار (٢٢٤٤)، والطبراني في \"الصغير\" (٨١٥)، والحديث أورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٨٠).","vol":"5","page":608},{"text":"الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: انقضاءُ المدةِ في خدمة موسى والد زوجته، ومسيره في طريق العودة إلى مصر، وتكليم الله له عند النار التي استأنس بها في الليل أثناء الطريق، وإظهار الله تعالى له الآيات التي تعينهُ في مهمته إلى فرعون وملئه.\nفقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾. قال ابن عباس: (أتمهما وأخيرَهما). وقال: (قضى موسى آخر الأجلين). وقد مضى حديث ابن عباس وأبي ذر في ذلك.\nوقوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾. قال ابن جرير: (شاخصًا بهم إلى منزله من مصر).\nوقوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. قال قتادة: (أي أحسست نارًا. أي: أبصر موسى في طريقه وأحسّ نارًا فقال لأهله: تمهّلوا وانتظروا، إني أبصرتُ نارًا.\nقال ابن كثير: (كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزمَ على زيارتهم في خِفْيَةٍ مِنْ فِرعونَ وقَومِه، فتَحمَّلَ بأهله وما كانَ معه من الغنم التي وهبَها له صِهرُه، فسلكَ بهم في ليلةٍ مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلًا، فجعل كلما أورى زَنْدَه لا يُضيء شيئًا، فتعجَّب من ذلكَ، فبينما هو كذلكَ إذ ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾، أي: رأى نارًا تُضيءُ له على بُعْدٍ، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾، أي: حتى أذهبَ إليها، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر﴾. ودْلك لأنه كان قد أضلَّ الطريق، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾، أي: قِطعة منها، ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، أي: تتدفؤون بها من البرد).\nوعن ابن عباس: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ يقول: شهاب). قال قتادة: (والجذوة: أصل شجرة فيها نار). قال: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: أو شُعلة من النار).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لعلكم تسخنون بها من البرد، وكان في شتاء).","vol":"5","page":609},{"text":"وقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾. أي: فلما وصل إليها نودي موسى من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينهِ من ناحية الغرب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤].\nقال ابن كثير: (فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبلُ الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرمُ في شجرة خضراء في لِحْفِ الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتًا في أمرها، فناداه ربه: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾).\nوقوله: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\nأي: إنما يتوجه إليكَ الخطاب يا موسى من الله تعالى رب العالمين، رب كل شيء ومليكهُ، لا إله إلا هو، الإله الحق، ليس كمثلهِ شيء وله صفات الكمال والجمال.\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾. أمرٌ من الله تعالى لموسى ﵇ بإلقاء عصاه التي في يدهِ، ليريه تعالى فيها آية تناسب مقام التكليم، ومفاجأة هذا الأمر العظيم.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. الجانّ واحد الجِنَّان، وهو نوع عظيم من الحيات. والمقصود: فألقى موسى عصاه فصارت حية تَسعى، فلما رآها تضطرب وتتحرك كالجان من الحيات ولى موسى هاربًا منها ومن هول ما رأى. قال قتادة: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ فارًا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ يقول: ولم يرجع على عقبه). أو قال: (لم يلتفت من الفرق). وقال السدي: (لم ينتظر).\nوقوله: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾. أي: ناداه ربه مطمئنًا له ليرجع. قال النسفي: (أي أمنتَ من أن ينالك مكروه من الحية).\nوقوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.\nأي: أدخل يدك في جيب قميصكَ تخرج بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس من غير برص ولا أذى. قال الحسن: (فخرجت كأنها المصباح، فأيقن موسى أنه لقي ربه).\nوقوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. قال ابن عباس: (يدك).\nوقوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. قال مجاهد: (الفَرَق). وقال قتادة: (أي من الرعب).\nقلت: والمقصود: واضمم يدكَ إلى صدركَ -يا موسى- يذهب عنكَ ما وجدته من","vol":"5","page":610},{"text":"الفزع والخوف من الحية. ثم هي آية لك كلما شعرت بخوف أو فزع أثناء مسيركَ في مواجهة فرعون وطغيانهِ هو وجنودهِ، ولذلك قال جل ذكرهُ بعدها: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. أي خارجين عن طاعة ربهم.\nوعن السدي: (﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: العصا واليد آيتان).\nوقال مجاهد: (﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: تبيانان من ربك).\n٣٣ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: توجه موسى ﵊ إلى ربه ﷿ حين أمره بالذهاب إلى فرعون في مصر -وكان قد خرج فرارًا من أذاهُ وبطشه- بما يجد من خوف من ذلكَ على حياته بعد قتله القبطي منهم. فلما علم أمر الله له بذلك وتوليه له سأله الاستعانة بأخيه هارون، حيث هو أفصح في التعبير منه، بسبب عقدة اللسان القديمةِ عند موسى، فآنسه الله تعالى وجعل هارون وزيرًا له ومقويًا لأمره وكتب لهما الحمايةَ من بطش فرعون والغلبة بآياته وإبلاغ رسالته.\nقال ابن جرير: (﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: فأخاف إن أتيتهم فلم أبن عن نفسي بحجة أن يقتلوني لأن في لساني عقدة، ولا أبين معها ما أريد من الكلام). قال ابن كثير: (وذلكَ أن موسى -﵇- كان في لسانهِ لُثغَةٌ بسبب ما كان تناول تلك الجَمْرَة، حين خُيِّر بينها وبين التمرة أو الدُّرَّة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانهِ، فحصل فيهِ شدة في التعبير، ولهذا قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٧ - ٣٢]).\nوقوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾. أي أحسن بيانًا وإعرابًا عما يريدُ بيانهُ وتبليغه.\nوقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. أي: عونًا يصدقني ويدعمُ حجتي ويبين لهم","vol":"5","page":611},{"text":"مفهوم خطابي. قال ابن إسحاق: (أي يبين لهم عني ما أكلمهم بهِ، فإنه يفهم ما لا يفهمون).\nوقال ابن زيد: (﴿يُصَدِّقُنِي﴾: لأن الاثنين أحرى أن يصدّقا من واحد).\nوعن قتادة: (﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ أي عونًا). قال ابن عباس: (كي يصدقني). أو قال: (يقول كيما يصدقني). والردء في كلام العرب: هو العون.\nوقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: إني أخاف أن لا يصدقوني على قولي لهم إني أرسلتُ إليكم).\nوقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾.\nالعضد من الإنسان: الساعد، وهو ما بينَ الكتف والمرفق، وعَضَدَهُ أي أَعانه، فكُني عن الإعانة بقوة الساعد. والمعاضَدَةُ المعاونة. والعضد في كلام العرب فيهِ لغات أربع: العَضُد، والعَضْدُ، والعُضُد، والعُضْد. ذكره الرازي.\nوالمقصود: أجاب الله تعالى سؤال موسى ﵇ بأن سنقوي أمرك، ونُعِزُّ جانبك بأخيك، الذي سألت له أن يكون نبيًّا معك.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣].\nوقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾. قال مجاهد: (حجة). قال النسفي: (غلبة وتسلطًا وهيبة في قلوب الأعداء).\nوقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾. أي: فلا يصلون إليكما بالأذى، وإنما تمتنعان منهم بإبلاغكما آيات الله وحجته البالغة.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].","vol":"5","page":612},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nفتبليغُ آيات الله وهديه وهدي رسوله - ﷺ - فيه عناية الله ورعايته وتوفيقه.\nأخرج الترمذي بإسناد حسن عن عائشة قالت: [كان النبي - ﷺ - يُحرَسُ حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. فأخرج رسول الله - ﷺ - رأسه من القبةِ، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله] (١).\nوقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.\nقال الأخفش: (بآياتنا). واختاره ابن جرير، والتقدير: أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا. فالباء في قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة غالبون. قال المهدوي: (وفي هذا تقديم الصلة على الموصول).\nوالمقصود الأعم: أنتما -يا موسى وهارون- ومن تابعكما على الحق ومنهج النبوة ستحفلون بالنصر والتأييد والغلبة على عدوكم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\nقلت: وهذه البشارة بالنصر والتمكين لفئة الحق على منهاج النبوة قد بُثَّت إلى أمة نبينا المصطفى - ﷺ - في أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة مرفوعًا: [لا يزالُ هذا الدين عزيزًا منيعًا إلى اثني عَشَرَ خَليفة. كلهم من قريش] (٢).\nالحديث الثاني: روى مسلم عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [لا تزال طائفةٌ من أمتي يُقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٤٠)، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٥٢٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٢١) ح (٩) - كتاب الإمارة. باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش. وانظر كذلكَ ح (٥)، ح (٦)، ح (٧)، ح (٨).","vol":"5","page":613},{"text":"ابن مريم - ﷺ - فيقول أميرهم: تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعضٍ أُمراءُ، تكرمة اللهِ هذه الأمة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو يعلى والبزار في مسنديهما، وابن المبارك في \"الزهد\" عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يظْهَرُ هذا الدين حتى يجاوزَ البحار، وحتى تُخاضَ بالخيلِ في سبيل الله] الحديث (٢).\n٣٦ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.\nفي هذه الآيات: جحودُ فرعون وقومهِ الآيات التي جاء به موسى ﵊، واستكبار فرعون ومطالبتهُ الناس بصرف الطاعةِ والألوهيةِ له، وإهلاك الله له ولجندهِ وتسليطه عذاب القبر عليهم إلى يوم الدين، ولعنهم على ألسنةِ الخلق في الدنيا ثم هم يوم القيامةِ من المقبوحين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٦)، كتاب الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ -، وإكرام الله هذه الأمة زادها الله شرفًا.\n(٢) حسن في مجموع الطرق والشواهد. أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٥٢/ ٤٥٠)، وأخرجه أبو يعلى (١٢/ ٥٦/ ٦٦٩٨)، وأخرجهُ البزار: (١/ ٩٩/ ١٧٤)، وانظر السلسلة الصحيحة (٣٢٣٠).","vol":"5","page":614},{"text":"فقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾.\nقال القرطبي: (﴿بَيِّنَاتٍ﴾ أي ظاهرات واضحات. ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ مكذوب مختلق). والمقصود: لما عرض موسى حجج الله تعالى البالغات، والمعجزات الباهرات بين يدي فرعون وملئه وحوصروا بدلالة الحق، لجؤوا إلى الاتهام بالسحر واستخدام المكر والحيلة.\nوقوله: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. قال الشهاب: (وهذا إما تعمد للكذب وعناد بإنكار النبوات، وإن كان عهدُ يوسف قريبًا منهم. أو لأنهم لم يؤمنوا به أيضًا).\nوالمقصود: محاولة من فرعون وملئه إنكار دعوة موسى إليهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ الشرك والكفر الذي هم عليه، وذلك بادعاء غرابة ما يدعوهم إليه وأنه لم يكن في أسلافهم وآبائهم الذين مضوا قبلهم.\nوقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾.\nأي: قال موسى لفرعون: إن ربي -يا فرعون أمحلم مَنِ المحِقُّ مِنَا مِنَ المُبْطل، الذي غَرَّ قومهُ وأضل أتباعهُ وأهلكَ جنوده أم الذي قرّب إليهم طريق الهداية والنجاة، وجاءهم بالآيات البينات؟ ! قال المهايمي: (معناه: كفى دليلًا على كونها آيات، أنها خوارق لم يسبق لها نظير. مع أن ما جئت به هدى. والساحر لا يدعو في العموم إلى هدى. فإن لم تعترفوا بكونهِ هُدى، فربي أمحلم بمن جاء بالهدى من عندهِ، ويعلم ذلكَ بالعاقبة، فإن الله يحسن عاقبة أهل الهدى لا محالة).\nقال النسفي: (والمراد بالدار الدنيا، وعاقبتها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقي الملائكة بالبشرى والغفران).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. أي: إن الله عزيز حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا ينبئ السحرة المشعوذين، وقد كتب الخسارة على الظالمين.\nوقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾.\nهو انهزام قبيح من فرعون أمام حجة الحق البالغة، ولجوء إلى بسط التسلط والجبروت، والاستفادة من تخويف الناس بالبطش والرعب لاستعادة الأبهة الكاذبة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لأشراف قومه وسادتهم ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ","vol":"5","page":615},{"text":"مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فتعبدوه، وتصدقوا قول موسى فيما جاءكم به من أن لكم وله ربًا غيري ومعبودًا سواي).\nوقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾.\nأي: أَمَرَ فرعونُ وزيرَهُ هامان أن يعملِ له صرحًا من الآجر ليرتفع عليه فينظر إلى إله موسى في الأعلى. قال القاسمي: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ أي نارًا، فأتخذ منه آجرًّا). قال الزمخشري: (﴿صَرْحًا﴾ أي قصرًا رفيعًا إلى السماء).\nوقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. أي في قوله إن ثمَّ ربًّا غيري.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].\nقال الإمام الجويني أبو محمد والد إمام الحرمين: (وهذا يدل على أن موسى أخبره بأن ربه تعالى فوق السماء، ولهذا قال: وإني لأظنهُ كاذبًا) (١).\nقلت: ومن ثمَّ فمن شكّ أن الله في السماء اليوم، فقد تشبهَ بطريقة فرعون.\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.\nأي: أصَرَّ فرعون وجنوده الذين معه على الطغيان والكفر بآياتِ الله وحجج الحق تعديًا وعتوًا على ربهم وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون ولا يحاسبون. فركبوا أهواءهم وتمردوا على بارئهم وضيّعوا فرصة عمرهم في الإخبات لله العظيم، والإنابة إليه ليصفح عن جرائمهم وهو التواب الرحيم، فأخذهم الله جميعًا فأهلكهم غرقى في البحر في صورة من الخزي والذل، فانظر -يا محمد- كيف كان مآل القوم الظالمين، وقُصّ خبرهم على قومكَ لعلهم يختاروا غير هذه النهاية القبيحة.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [أنّه ذكر أنّ جبريلَ\n_________\n(١) انظر: \"مختصر العلو\".-الذهبي- ص (٨٠). وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٧٥).","vol":"5","page":616},{"text":"جَعَلَ يَدُسُّ في فِي فِرعونَ الطِّين، خشية أن يقول: لا إله إلا الله فيرحمه الله، أو خشية أَنْ يَرْحَمَهُ] (١).\nوله شاهد عنده عنه أن النبي - ﷺ - قال: [لما أغرق اللهُ فرعونَ قال: آمنْتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت بهِ بنو إسرائيل. فقال جبرئيل: يا محمدُ لو رأيتني وأنا آخذُ مِنْ حالِ البَحْرِ وَأَدُسُّهُ في فِيهِ مخافةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرحمة].\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾. قال ابن كثير: (أي: لمن سَلَكَ وراءَهم وأخذ بطريقتهم، في تكذيب الرسُل وتعطيل الصانع).\nوالمقصود: تركهم الله تعالى في الأرض مثلًا لأهل العتو والبغي والكفر ليصيروا إلى ما صاروا إليه.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾.\nأي ولَّى زمن الاستعلاء بالنصرة في الدنيا من الجنود والقادة والوزراء والأتباع، ولم يبق إلا الخزي في الدار الآخرة. ليجتمع عليهم سوء النهاية في الدنيا موصولًا بسوء المصير يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾.\nأي: جعل الله لعنتهم ولعنة ملكهم الطاغية فرعون تمضي على ألسنةِ المؤمنين في هذه الحياة الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. قال أبو عبيدة وابن كيسان: (أي: من المهلكين الممقوتين). قال قتادة: العنوا في الدنيا والآخرة. هو كقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]).\nوالمقصود: أنهم يكونون يوم الحساب في أسوأ حال، وأشقى مآل، والعياذ باللهِ الكبير المتعال.\n٤٣ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه الترمذي في التفسير (٣٣٢١) - سورة يونس-. انظر: صحيح سنن الترمذي (٢٤٨٤)، وكذلك (٢٤٨٣) للشاهد به.","vol":"5","page":617},{"text":"الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن إنعامه على موسى - ﷺ - بإنزال التوراة بعد إهلاكه فرعون لتكون هدى ورحمة لقوم يتذكرون. وإثبات نبوة محمد - ﷺ - لمنكريها أمام هذا الإخبار بالغيوب الماضية التي لا تكون إلا بالوحي الكريم.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره، ولقد آتينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله، كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين).\nوقال ابن كثير: (يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم -عليه من ربه الصلاة والتسليم- من إنزال التوراة عليه بعد ما أهلكَ فِرعونَ ومَلَأهُ.\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يعني أنه بعد إنزال التوراة لم يُعَذِّب أُمَّةً بعامةٍ، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداءَ الله من المشركين، كما قال: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ٩ - ١٠]).\nقلت: والذي ذهب إليه ابن كثير متوافق مع الحديث الصحيح الوارد في هذه الآية.\nفقد أخرج الحاكم والبزار بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: أما أهلك اللهُ قومًا، ولا قَرْنًا، ولا أمّةً، ولا أهل قريةٍ منذُ أَنْزَلَ التوراةَ على وجه الأرض بعذاب من السماء، غيرَ أهل القريةِ التي مُسِخَتْ قِرَدَةً، ألمْ تَرَ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا","vol":"5","page":618},{"text":"مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾] (١).\nوقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ حال من الكتاب، والبصيرة نور القلب الذي يبصر به الرشد والسعادة، كما أن البصر نور العين الذي يبصر به الأجساد. يريد آتيناه التوراة أنوارًا للقلوب لأنها كانت عميًا لا تستبصر ولا تعرف حقًّا من باطل ﴿وَهُدًى﴾ وإرشادًا لأنهم كانوا يخبطون في ضلال، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن اتبعها لأنهم إذا عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون).\nوقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾.\nقال قتادة: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ يقول: بجانب غربي الجبل ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾).\nقال القرطبي: (إذ كلفناه أمرنا ونهينا، وألزمناهُ عهدنا).\nوالمقصود: إثبات نبوة محمد - ﷺ - لمنكريها من قومه أمام هذا الإخبار بالغيوب الماضية التي لا يمكن برهانها إلا بالوحي من الله ﷿.\nوقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. أي: وما كنت لذلكَ من الشاهدين.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾. قال القاسمي: (أي بين زمانك وزمان موسى).\nوقوله: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾. أي طالت فترةُ انقطاع الوحي، وعمّ الظلم والجهل والبغي، فاقتضت حكمتهُ سبحانه استئنافَ النبوةِ فبعثكَ يا محمد بهذا الوحي.\nقال النسفي: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي طالت أعمارهم وفترت النبوة، وكادت الأخبار تخفى، واندرست العلوم، ووقع التحريف في كثير منها، فأرسلناكَ مجددًا لتلكَ الأخبار، مبينًا ما وقع فيه التحريف، وأعطيناكَ العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٠٨)، والبزار (٢٢٤٨ - الكشف)، وكذلكَ ابن جرير في \"التفسير\" (٢٠/ ٥٠) من طرق، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢٥٨).","vol":"5","page":619},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾.\nقال ابن زيد: (الثاوي: المقيم. ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. يقول: تقرأ عليهم كتابنا ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقول: لم تشهد شيئًا من ذلكَ يا محمد، ولكنا كنا نحنُ نفعك ذلكَ ونرسل الرسل).\nوالمقصود: نحن -يا محمد- أوحينا إليكَ خبر أهل مدين مع نبيّهم شعيب ﵊، ولم تكن أنتَ مقيمًا بينهم حين أَخْبَرْتَ قومكَ عنهم، بل قَصَصْتَهُ عليهم مِنْ خَبَرِ هذا الوحي العظيم، فليعتبر قومكَ بهذا على برهان نبوتك.\nوقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. أي: إذ نادينا موسى لحمل الأمانةِ وأخذ الكتاب بقوة.\nقال القرطبي: (أي كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل اللهُ موسى إلى فرعون، فكذلكَ لي تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين).\nويبدو أن هذه الآية تخصيص لعموم الآية التي قبلها: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٥ - ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\nقال مجاهد: (كان رحمة من ربك النبوة). وقال ابن زيد: (﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: الذي أنزلنا عليك من القرآن ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾) قال النسفي: (في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمس مئة وخمسون سنة).\nوالمقصود: إنما بعثناكَ -يا محمد- بهذا القرآن رحمة لقومكَ بعد فتور النبوات،","vol":"5","page":620},{"text":"لتنقذ أمتكَ بهذا الوحي المُثْبِتِ لصدقكَ بما فيه من صحيح الأخبار عن الأمم قبلك، لعلهم ينتفعون بالذكرَى وينجون في الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: إنما بعثناكَ -يا محمد- بالرسالة إلى قومكَ لإقامة الحجةِ عليهم إعذارًا وإنذارًا، فإذا نزل بهم أمر الله بعقاب أو مصيبة كان ذلكَ بما قدمت أيديهم، سنةُ الله تعالى في جميعِ الأمم.\nوفي التنزيل نحو ذلكَ:\n١ - قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦ - ١٥٧].\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَثَلي وَمَثَلُ ما بعثني الله كمثل رَجُلٍ أتى قومًا فقال: رأيتُ الجيش بِعَيْنَيَّ، وإني أنا النذير العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ. فاطاعهُ طائفةٌ فأَدْلجوا على مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وكَذَّبَتْهُ طائفةٌ فَصَبَّحهُم الجيشُ فاجْتَاحهم] (١). وفي رواية: [فذلكَ مثلُ من أطاعني فاتبعَ ما جئت بهِ، ومثلُ من عصاني وكذّب بما جئتُ به من الحق] (٢).\n٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٨٢) - كتاب الرقاق. باب الانتهاء عن المعاصي.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٢٨٣) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. باب: الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، في ختامِ نحو الحديث السابق.","vol":"5","page":621},{"text":"كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾.\nفي هذه الآيات: مطالبةُ المشركين بالآيات والمعجزات وقد كفروا بما أوتي موسى من قبل وكانوا ظالمين. فقل لهم -يا محمد-: فهلّا أتيتم بكتاب من عند الله بعد كفركم بهذين الكتابين. فإن لم يفعلوا فاعلم -يا محمد- أن القوم إنما يتبعون أهواءهم فهم في غيِّهم يعمهون.\nفقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.\nقال مجاهد: (يهود تأمر قريشًا أن تسأل محمدًا مثل ما أوتي موسى، يقول الله لمحمد - ﷺ -: قل لقريش يقولوا لهم: أولم بكفروا بما أوتي موسى من قبل).\nقلت: وقد يكونُ ذلكَ التعنت من قريش على سبيل العناد، يريدون تقليد الأمم السالفة قبلهم في طلب الآيات، مع أن الإيمان باللهِ وصدق وَحْيهِ لا يحتاج إلى الخوارق لإثباته، فهو حجة بنفسه، فهم يطلبون مثل ما أوتي موسى من الآيات الكثيرة: كالعصا واليد، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى، فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. قال ابن كثير: (أي: أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة).\nوقوله: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. قال مجاهد: (يعني موسى وهارون ﵉). و﴿تَظَاهَرَا﴾ أي تعاونا وتناصرا وصدّق كل منهما الآخر.\nوعن ابن عباس: (﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ يعني موسى ومحمد - ﷺ -). وفي رواية عنه: (يعنون التوراة والقرآن). قال السدي: (يعني صدّق كل واحد منهما الآخر).\nقلت: والبيانُ الإلهي يحتمل ما سبق من التأويل، وأما من أدخل في التأويل: عيسى ﵇ والإنجيل فقد أبعد لعدم ورود ذلكَ في السياق.\nوقوله: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. أي: إنا بكل واحد منهما كافرون.","vol":"5","page":622},{"text":"قال مجاهد: (قال يهود أيضًا: نكفر بما أوتي محمد أيضًا).\nقال النسفي: (وقيل: إن أهل مكة كما كفروا بمحمد ﵇ وبالقرآن فقد كفروا بموسى والتوراة، وقالوا في موسى ومحمد: ساحران تظاهرا، أو في التوراة والقرآن: سحران تظاهرا).\nوقوله تعالى. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nقال ابن زيد: (فقال الله: ائتوني ﴿بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ من هذين الكتابين، الذي بعث به موسى، والذي بعث به محمد - ﷺ -).\nوالمقصود: قل -يا محمد- لكفار قومك، أما وقد كفرتم بهذين الكتابين فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ليكون ذلكَ عذرًا لكم في الكفر عند ربكم إن كنتم صادقين في أنهما سحران.\nوقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.\nقال القرطبي: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ يا محمد أن ياتوا بكتاب من عند الله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي آراء قلوبهم وما يستحسنونه ويحببه لهم الشيطان، وأنه لا حجة لهم).\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾.\nأي: لا أحد أضل وأبعد سبيلًا ممن مضى خلف هواه بغير حجة من كتاب الله وهديه.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله لا يوفق لإصابة الحق وسبيل الرشد القوم الذين خالفوا أمر الله وتركوا طاعته، وكذبوا رسوله، وبدّلوا عهده، واتبعوا أهواء أنفسهم إيثارًا منهم لطاعة الشيطان على طاعة ربهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. قال سفيان بن عيينة: (وصلنا: بَيَّنا). وقال مجاهد: (فصلنا لهم القول). وقال قتادة: (وصل الله لهم القول في هذا القرآن، يخبرهم كيف صنع بمن مضى، وكيف هو صانعُ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾).","vol":"5","page":623},{"text":"والمقصود: ولقد وصلنا -يا محمد- هذا الحق إلى قريش ليكون عليهم حجة وبيانًا مبينًا.\nأخرج الطبراني في \"الكبير\"، وابن جرير في التفسير، بسند صحيح عن يحيى بن جعدة، عن رِفاعَةَ القَرَظِيّ، قال: [نزلت هذه الآية في عشرةٍ أنا أحدهم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾] (١).\nورواه ابن جرير من طريق آخر -بعد روايته عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ قال يعني محمدًا - ﷺ - ثم قال ابن جرير: (فكأن ابن عباس أراد بقوله يعني محمدًا، لعلهم يتذكرون عهد الله في محمد إليهم، فيقرّون بنبوته ويصدقونه).\n٥٢ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على المؤمنين من أهل الكتاب آمنوا بنبيّهم وآمنوا بمحمد صلوات الله وسلامهُ عليهما وعلى المرسلين أجمعين، فأولئك يؤتون أجرهم مرتين، ثم هم يدفعون بحسنات أفعالهم سيئاتهم ومما رزقهم ربهم ينفقون، ويعرضون عن اللغو وأماكنه وعن مصاحبة الجاهلين.\nفقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني من آمن بمحمد - ﷺ - من أهل الكتاب). وقال مجاهد: (هم مُسْلِمةُ أهل الكتاب).\nوالمقصود: إخبار عن العُلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن كما آمنوا بكتابهم.\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٢٧٥٠٤)، (٢٧٥٠٥)، وكذلكَ ذكره الهيثمي في \"المجمع\"، وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" ورجاله ثقات. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\"- الوادعي- سورة القصص- آية (٥١).","vol":"5","page":624},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا يُتلى هذا القرآن على الذين آتيناهم الكتاب من قبل نزول هذا القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ يقول: يقولون: صدّقنا به ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ يعني من عند ربنا نزل).\nوقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. قال ابن زيد: (على دين عيسى). والمقصود قولهم: إنه من قبل هذا القرآن كنّا مسلمين. أي: مُوَحِّدين مخلصين لله مستجيبين له.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾.\nقال ابن زيد: (فلما جاء النبي - ﷺ - أسلموا، فكان لهم أجرهم مرتين: بما صبروا أول مرّة، ودخلوا مع النبي - ﷺ - في الإسلام). قال ابن كثير: (أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالرسول الأول ثم الثاني. ولهذا قال: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، أي: على اتباع الحقّ، فإنَّ تَجَشُّمَ مثل هذا شديد على النفوس). وقال القرطبي: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ عام في صبرهم على ملتهم، ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣].\n٥ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].","vol":"5","page":625},{"text":"وفي الصحيحين والمسند والسنن عن أبي موسى الأشعري ﵁، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [ثلاثةٌ يوتونَ أجرهم مَرَّتَيْن: رجل مِنْ أهل الكتابِ آمَنَ بِنَبِّيهِ وأدْركَ النبي - ﷺ - فآمنَ بهِ واتَّبعَهُ وصدَّقَهُ فله أجران، وعَبْدٌ مَمْلوك أَدّى حقَّ الله تعالى عليه وحق سَيّده فله أجران، ورجل كانت له أمةٌ فغذاها فأحسن غِذاءها، ثم أَدَّبَها فأحْسَنَ أَدبَها، ثم أعتقها وتزوَّجَها، فله أجران] (١).\nوقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. قال مجاهد: (يقول: ويدفعون بحسنات أفعالهم التي يفعلونها سيئاتهم). وقال النسفي: (يدفعون بالطاعة المعصية أو بالحلم الأذى).\nوقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال مجاهد: (في طاعة الله، إما في جهاد في سبيل الله، وإما في صدقة على محتاج، أو في صلة رحم).\nوقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾. قال القاسمي: (﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ أي من الجهال. وهو كل ما حقه أن يلغى ويترك، من العبث وغيره ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أي تكريمًا للنفس عن ملابسة الأدنياء، وتشريفًا للسمع عن سقط باطلهم).\nوقوله: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. أي بطريق التوديع والمتاركة والترفع عن النزول إلى سوية الجاهلين. قال النسفي: (﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمان منا لكم بأن نقابل لغوكم بمثله).\nوقوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.\nقال الحسن: (كلمة حلم من المؤمنين ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي لا نريد مخالطتهم وصحبتهم، ولا نريد مجازاتهم بالباطل على باطلهم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩٧)، (٣٠١١)، (٣٤٤٦)، وأخرجه مسلم (١٥٤) - كتاب الإيمان- واللفظ له، وأخرجه أبو داود (٢٠٥٣)، والترمذي (١١١٦)، والنسائي (٦/ ١١٥)، وابن ماجة (١٩٥٦)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٩٥)، وابن حبان (٢٢٧).","vol":"5","page":626},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].\nوفي جامع الترمذي بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: أليس المؤمن بالطّعان، ولا اللَّعان ولا الفاحش، ولا البذِيّ] (١).\n٥٦ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى نبيَّه - ﷺ - أن أمر الهداية بيده سبحانه فهو أعلم بالمستحقين. وامتنانٌ منه -جلّ ذكره- على قريش نعمة الحرم الآمن يجبى إليهِ الرزقُ من جميع الأمصار بإذن الله رب العالمين. وإخبار منهُ -تعالى- عن سنته في إهلاك القرى إذا فسد أهلها وكانوا ظالمين.\nفقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أن يهديه من خلقه، بتوفيقه للإيمان به وبرسوله).\nوقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. قال مجاهد: (لمن قدر له أن يهتدي). أو قال: (بمن قدر له الهدى والضلالة).\nقلت: والآية في مفهومها عامة بحق جميع الخلق، فإن التوفيق للهداية بيد الله سبحانه الذي اطلع على قلوب عبادهِ، وهو أعلم بالشاكرين.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (١٩٧٨)، وأخرجه أحمد (٣٨٣٩)، والحاكم (١/ ١٢).","vol":"5","page":627},{"text":"وأما سبب نزولها فقد صحّ الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنها نزلت في عمه أبي طالب، واسمه عبد مناف، الذي كان يحوطه وينصره، ويغضب له ويقوم في صفِّه، ويحبه حبًا شديدًا طبعيًا لا شرعيًا.\nففي الصحيحين عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: [لما حَضرتْ أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله - ﷺ - فوجد عنده أبا جهل، وعبدَ الله بن أبي أمية بن المغيرة.\nفقال رسول الله - ﷺ -: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لكَ بها عند الله.\nفقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملةِ عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليهِ ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخِرَ ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله - ﷺ -: أما واللهِ لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عَنك. فانزل اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [قال رسول الله - ﷺ - لِعَمِّهِ، عند الموت \"قل: لا إله إلا الله، أشهدُ لكَ بها يوم القيامة\". فأبى. قال: فأنزل اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية] (٢).\nوفي رواية: [قال: لولا أن يُعَيِّرَني قريش -يقوِلون: إنما حَمَلَهُ على ذلكَ الجَزَعُ- لأقْرَرْتُ بها عَيْنكَ، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾].\nوالخلاصة: لما احتضر أبو طالب دعاه النبي - ﷺ - إلى الإيمان، فسبق القدر فيهِ، واختطف من يده، ومات على الكفر وللهِ الحكمةُ التامة.\nلقد شبَّ أبو طالب على أفكار الجاهليةِ التي رسخت في قلبهِ وعقله، وعلى التعلق بالعصبية وتقليد الآباء الذي شغل على أمثاله حياتهم، فما تمكن من تغييرها وهو شيخٌ كبير، وقد حضره أقرانه عند احتضاره، فقضى وأبى أن يقول لا إله إلا الله.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٦٠)، (٣٨٨٤)، وأخرجه مسلم (٢٤) واللفظ له، وأخرجه النسائي (٤/ ٩٠)، وأحمد (٥/ ٤٣٣)، وأخرجه ابن حبان (٩٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥) كتاب الإيمان، ح (٤١)، وانظر للرواية بعده ح (٤٢)، وكذلكَ سنن الترمذي (٣١٨٨).","vol":"5","page":628},{"text":"أخرج الإمامُ أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن علي ﵁ قال: [لما توفي أبو طالب، أتيتُ النبي - ﷺ - فقلتُ: إنَّ عمَّكَ الشيخ الضالَ قد مات، فمن يواريه؟ قال: اذهب فوارِه، ثم لا تحدث شيئًا حتى تأتيني. فقال: إنه مات مشركًا، فقال: اذهب فواره. قال: فواريتهُ ثم أتيتهُ، قال: اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئًا حتى تأتيني، قال: فاغتسلت، ثم أتيته، قال: فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حُمُر النّعَم وسودها، قال: وكان علي إذا غسل الميت اغتسل] (١).\nلقد أفقد موت أبي طالب رسول الله - ﷺ - سندًا كبيرًا، فلم يعد بنو هاشم مستعدين لتقديم الحماية نفسها، وتطاولت قريش، وقد خفف الله عن أبي طالب قسطًا كبيرًا من العذاب يوم القيامةِ بسبب مساندته لرسول الله - ﷺ -.\nيروي البخاري في صحيحه عن العباس بن عبد المطلب: [أنه قال للنبي - ﷺ -: ما أغنيت عن عمك؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار] (٢).\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي - ﷺ - وذكر عنده عمه- فقال: [لعلهُ تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه] (٣).\nوفي صحيح الإمام مسلم عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار، يغلي منهما دماغه] (٤).\nوفي لفظ: [أهونُ أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل، يوضع في أخمص قدميهِ جمرتان يغلي منهما دماغُه].\nوقوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾.\nقال ابن عباس: (هم أناس من قريش قالوا لمحمد: إن نتبعك يتخطفنا الناس، فقال الله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند برقم (٨٠٧)، وأخرجه أبو داود في السنن (٢/ ٧٠)، وصححه الألباني في: \"أحكام الجنائز\" - ص (١٣٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، وانظر كذلك: \"فتح الباري\" (٧/ ١٩٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٨٨٥)، وأخرجهُ مسلم في الصحيح (٢١٠).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح- حديث رقم (٢١٢) - كتاب الإيمان، من حديث ابن عباس، وانظر كذلك -حديث رقم- (٢١٣) للفظ بعده.","vol":"5","page":629},{"text":"والمقصود: محاولة بعض كفار قريش اعتذارهم للنبي - ﷺ - عن اتباع هذا الوحي الذي هو الدين الحق بتَخَوُّفِهم من تألُّبِ قبائل العرب عليهم، واستهدافهم بالمحاربةِ والأذى فأثبت اللهُ تعالى كذبهم في ما اعتذروا به، وبطلان استدلالهم.\nفقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال ابن عباس: (ثمرات الأرض).\nقال قتادة: (أولم يكونوا آمنين في حرمهم لا يغزون فيه ولا يخافون، يُجبى إليهِ ثمراتُ كل شيء).\nقال ابن زيد: (آمناكم به. قال: هي مكة، وهم قريش).\nقال ابن كثير: (يعني هذا الذي اعتذروا به كَذِبٌ وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين، وحَرَمٍ مُعَظَّمٍ آمِنٍ منذُ وُضعَ، فكيف يكونُ هذا الحرم آمنًا لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنًا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟ ! وقوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلكَ المتاجر والأمتعة).\nوقوله: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: هذه النعم العظيمة من الأمن والرزق إنما كانت رزقًا من عندنا، ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون نعمة الله عليهم ولا يقومون بما يجب عليهم من شكرها.\nوقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾.\nقال ابن زيد: (البطر: أَشَرُ أهل الغفلهَ وأهل الباطل والركوب لمعاصي الله).\nوقال الزجاج: (البطر الطغيان بالنعمة).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\nقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣].\nأخرج البيهقي في \"شعب الإيمان\" بسند صحيح لغيره عن عائشة مرفوعًا: [إذا ظهرَ","vol":"5","page":630},{"text":"السوء في الأرض أنزل الله ﷿ بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله] (١).\nوأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قريةٍ، فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله] (٢).\nوقوله: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nقال ابن عباس: (لم يسكنها إلا المسافر أو مارّ الطريق يومًا أو ساعة).\nقال القرطبي: (أي لم تسكن بعد إهلاكِ أهلها إلا قليلًا من المساكن وأكثرها خراب).\nوقوله: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾.\nأي: دثرت ديارهم وعادت كما كانت قبل سُكْناهم فيها، لا مالك لها إلا الله، الذي له ميراث السماوات والأرض.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾.\nقال النسفي: (﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ في كل وقت ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ أي في القرية التي هي أمها أي أصلها ومعظمها ﴿رَسُولًا﴾ لإلزام الحجة وقطع المعذرة. أو وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلكَ القرى في الأرض حتى يبعثَ في أم القرى -يعني مكة لأن الأرض دحيت من تحتها- رسولًا، يعني محمدًا ﵇ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أى القرآن).\nوقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (قال الله: لم يهلك قرية بإيمان، ولكنه يهلكُ القرى بظلمِ إذا ظلم أهلها، ولو كانت قرية آمنت لم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم كذّبوا وظلموا، فبذلكَ أُهلكوا).\n٦٠ - ٦١. قوله تعالن: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا\n_________\n(١) صحيح لغيره. أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤٤١/ ٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ٢١٨)، وأحمد في المسند (٦/ ٢٩٤). وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٧٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني والحاكم. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٩٢).","vol":"5","page":631},{"text":"عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى عن فناءِ بهجة الحياة الدنيا وزينتها وأنّ ما عنده خير وأبقى للذاكرين. وتأكيدٌ أنّ وعدهُ المؤمنين في الدار الآخرة ليس كهذه الزينة الزائلة من يد المسرفين، ثم يكون صاحبها بأيدي الملائكةِ يُساقُ إلى الحساب في الأذلين.\nفقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أي: إن كل ما في هذه الدنيا من زينةٍ وبهجةٍ ومتاع إنما هو مما يتمتع ويتزين بهِ أيامًا قلائل، ثم تنقضي بالموتِ أو الزوال، وأما ما عند اللهِ مما أعدَّهُ لعبادهِ الصالحين في جنات الخلود فهو دائم لا محيدَ عنهُ ولا انقطاعَ، ولا يشوبهُ مُنَغِّصٌ أو خوف أو قلق.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].\n٤ - وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: [اضطجع رسول الله - ﷺ - على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلتُ أمسح جنبه، فقلتُ: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ما لي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راحَ وتركَها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعتُ\n_________\n(١) حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٠)، والحاكم (٤/ ٣١٠)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٦)، وأحمد (١/ ٣٩١ - ٤٤١)، وانظر السلسلة الصحيحة (٤٣٩).","vol":"5","page":632},{"text":"المُستَورِدَ، أخا بني فِهْرٍ، يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: [ما مثل الدنيا في الآخرةِ، إلا مَثَلُ ما يجعَلُ أحَدُكُمْ إصبَعَه في اليمِّ. فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِع] (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن حبان والحاكم وأحمد بسند صحيح لغيره، عن ابن عباس: [أن رسول الله - ﷺ - دخل عليهِ عمر وهو على حصير قد أثَّرَ في جنبهِ فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: ما لي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظلَّ تحت شجرةٍ ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سهل بن سعد قال: [كنا معٍ رسول الله - ﷺ - بذي الحُليفة. فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها. فقال: [أَتُرَوْنَ هذه هَيِّنَةً على صاحبها؟ فوالذي نفسي بيدهِ! للدنيا أهونُ على اللهِ، مِنْ هذه على صاحبها. ولو كانت الدنيا تَزِنُ عند الله جناحَ بعوضَةٍ، ما سقى كافرًا مِنْها قَطْرَةً أبدًا] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج الإمامُ مسلم في الصحيح عن أبي هريرةَ عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ يَدْخُلِ الجنَّةَ يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلى ثيابُهُ ولا يَفْنَى شَبابُهُ] (٤).\nوالخلاصة: الآية السابقة تخبر عن حقارة هذه الحياة الدنيا، وما فيها من الزينةِ الدنيئةِ والزهرة الفانية، وعدم الاستقرار بالنسبة لاستقرار نعيم الآخرة ودوام بهجته وزهرته وزينته. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أي: أفلا يعقل من يعطمُ أمر هذه الدنيا ومتاعها فوق أمر الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. أي: هل يستوي المؤمن الموعود جزيل الثواب على الإيمان والعمل الصالح بالكافر الممتَّعِ أيامًا قلائل في هذه الحياة الدنيا ثم يحضر يوم القيامةِ إلى العذاب الأليم.\nقال قتادة: (المؤمن سمع كتاب الله فصدق به وآمن بما وعد الله فيه ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤١٠٨) - كتاب الزهد، باب مثل الدنيا انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٣١٦)، وأصله في صحيح مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢٥٢٦)، والحاكم (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وأحمد (١/ ٣٠١)، ورواه البيهقي كما في \"الترغيب\" (٤/ ١١٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٤٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤١١٠) - كتاب الزهد. انظر صحيح ابن ماجة (٣٣١٨).\n(٤) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٢٨٣٦) - كتاب الجنة ونعيمها. باب في دوام نعيم أهل الجنة، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":633},{"text":"الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هو هذا الكافر، ليس واللهِ كالمؤمنِ ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي في عذاب الله).\nوقال مجاهد: (﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: من المعذبين).\n٦٢ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تصويرُ الله تعالى الخزي وذل المشهد يوم القيامة على المشركين، وقد حيل بينهم ويبن ما يشتهون ونودوا ماذا أجبتم المرسلين، فعميت عليهم الأنباء ولم ينج يومئذ إلا من كانَ من المؤمنين التائبين.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.\nتاتريع وتهديد، وتوبيخ وتنديد، بالمشركين الذين عبدوا الأوثان والأنداد والطواغيت في الدنيا من دون الله. قال القرطبي: (أي ينادي الله يوم القيامةِ هؤلاء المشركين ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ بزعمكم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم).\nوقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. يعني الشياطين والطواغيت والرؤساء.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾. قال قتادة: (هم الشياطين).\nقال القاسمي: (﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي وجب وثبت مقتضاه. وهو لحوق الوعيد بهم. والمراد بهم، رؤساء الضلال، وقادة الكفر والفساد ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ أي أضللناهم. ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أي أضللناهم بالوسوسةِ والتسويل، كما ضللنا باختيارنا، وإيثار ما يفنى على ما يبقى).\nوقوله: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾. قال النسفي: (منهم ومما اختاروه من الكفر).\nوقوله: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾. أي لم يكونوا يعبدوننا. فشهدوا عليهم أنهم","vol":"5","page":634},{"text":"أغووهم فمضوا خلفهم واتبعوهم وعَظَّموهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم وتنصَّلوا من أفعَالهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧].\n٤ - وقال تعالى: -يحكي كلام الخليل لقومه- ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، مَنْ عَمِلَ عملًا أَشْرَكَ فيهِ معي غيري، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري -وكان من الصحابة- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: [إذا جمع الله الناسَ ليوم القيامةِ لِيَومٍ لا ريْبَ فيهِ، نادى منادٍ: مَنْ كَانَ أشركَ في عَمَل عَمِلَهُ للهِ أحدًا، فليطلب ثوابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله، فإن اللهَ أغنى الشركاء عن الشِّرك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٨٥) - كتاب الزهد، باب تحريم الرياء.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٣٧٤) - في التفسير، انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٢١)، وأخرجهُ ابن ماجة في السنن (٤٢٠٣) - كتاب الزهد، باب: الرياء والسمعة.","vol":"5","page":635},{"text":"قال: [قال الله ﷿: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عَمِلَ لِي عملًا أشركَ فيه غيري، فأنا منه بريءٌ. وهو للذي أشرك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾.\nأي: وقيل نادوا شركاءكم اليوم ليخلصوكم من هذا المأزق وينقذوكم مما أنتم قادمون عليه من العذاب، فدعوهم كما كانوا يدعونهم في الدنيا فلم يجيبوهم، ومحاينوا العذاب وودّوا أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق متبعين سبيل الرسل.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nقال ابن جُريج: (قال: بلا إله إلا الله، التوحيد).\nقال ابن كثير: (النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوَّات: ماذا كانَ جوابكم للمرسلين إليكم؟ وكيف كان حالُكم معهم؟).\nقلت: وكُلُّ مَنْ مات بعد خاتم النبيين، محمد عليه وعلى المرسلين أفضل الصلاة والتسليم، فإنه يُسأل عنه صراحة إذا نزل في قبرهِ بعد سؤالهِ عن التوحيد: عن ربه ودينهِ. وفي ذلكَ أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا قال: أفيأتيهِ ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانهِ فيقولان له: من ربك؟ ميقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينكَ؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - ﷺ -، فيقولان لهُ: وما عملك؟ فيقول: قرأتُ كتاب الله، فآمنتُ بهِ، وصدقت] (٢).\nوأما الفاجرُ والكافر: [فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه -لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه- لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمهِ، فيقال: محمد! فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون ذاك! فيقال: لا دريت ولا تلوت].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٢٠٢) - كتاب الزهد. الباب السابق. وانظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٣٣٨٧).\n(٢) حديث صحيح. أخر جه أحمد (٤/ ٢٨٧)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والنسائي (١/ ٢٨٢)، وابن ماجة (١/ ٤٦٩)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠)، وانظر: \"أحكام الجنائز\" (١٥٩).","vol":"5","page":636},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: [إذا قُبِرَ الميتُ أتاهُ ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقولُ في هذا الرجل؟ فيقول: ما كانَ يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول] (١).\nقال: [وإن كان منافقًا قال: سمعتُ الناس يقولون قولًا فقلتُ مثلهُ، لا أدري].\nوفي لفظ عند ابن ماجة: [فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلته].\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرةَ عن النبي - ﷺ - قال: [فيجلس الرجل الصالح في قبره، غيرَ فزع ولا مَشْعوف -الشعف: شدة الفزع- ثم يقال له: فيمَ كنتَ؟ فيقول: كنتُ في الإسلام، فيقالُ لهُ: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله - ﷺ - جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقالُ لهُ: هل رأيتَ الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحدٍ أن يرى الله] (٢).\nوالخلاصة: يُسأل الرجل في قبره عن رسول الله - ﷺ - بعد أن يُسأل عن أصول دينه: معرفة الله ودينه وبعض الصفات الموافقة لمنهج التوحيد.\nورحم اللهُ القائل:\nفَواحَرَّ قَلبي من جهول مُسَوَّدٍ ... بهِ يُقتدى في جهله لشقائه\nإذا قلت قول المصطفى هو مذهبي ... متى صَحَّ عندي لم أقل بسوائهِ\nيرى أنها دعوى اجتهاد صحيحة ... فواعجبًا من جَهْلِهِ وجفائه\nفسَلْهُ أَقَوْلُ الله ماذا أجبْتُم ... لمن هو يوم الحشر عند ندائه\nأيسألهم ماذا أجبتم مُلوكَكُمْ ... وما عَظَّمَ الإنسانُ من رؤسائه\nأم الله يوم الحشر يمتحن الورى ... بماذا أجابوا الرُّسْلَ من أنبيائه\nوهل يُسألُ الإنسان عن غير أحمد ... إذا ما ثوى في الرّمْسِ تحتَ ثرائه\nوهل قوْلُه يا ربّ قَلَّدْتُ غيره ... لدى الله عُذْرٌ يوم فصل قضائه\n_________\n(١) حديث حسن أخرجه الترمذي (٢/ ١٦٣)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٨٦٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٣٩١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٢٦٨)، وانظر صحيح الجامع الصغير (١٩٦٤).","vol":"5","page":637},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.\nقال ابن جريج، عن مجاهد: (بالأنساب. وقيل معنى ذلك: فعميت عليهم الحجج يومئذ فسكتوا، فهم لا يتساءلون في حال سكوتهم).\nوعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال: لا يتساءلون بالأنساب، ولا يتماتُّونَ بالقرابات، إنهم كانوا في الدنيا إذا التقوا تساءلوا وتَماتُّوا).\nقال الشهاب: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ - فيه استعارة تصريحية تبعية استعير العمى لعدم الاهتداء. فهم لا يهتدون للأنباء. ثم قلب للمبالغة. فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم. وضمن معنى الخفاء. فعدّي بـ ﴿عَلَى﴾. ففيه أنواع من البلاغة: الاستعارة والقلب والتضمين).\nقال النسفي: (خفيت عليهم الحجج أو الأخبار. وقيل: خفي عليهم الجواب فلم يدروا بماذا يجيبون إذ لم يكن عندهم جواب ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضًا عن العذر والحجة رجاء أن يكون عنده عذر وحجة، لأنهم يتساوون في العجز عن الجواب).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.\nأي: فأما من تدارك نفسه في هذه الدنيا من المشركين فأناب إلى الله وأخلص له الألوهية وأفرده بالعبادة والتعظيم، وعَدَّل ما فاته بالعمل الصالح، فهو بإذن الله من الناجين المُنجِحين المدركين رجاءهم السعادة والخلود في جنات النعيم.\n٦٨ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾.\nفي هذه الآيات: كمال علم الله ونفاد إرادته ومشيئته في خلقه وأكثرهم يشركون. وهو سبحانهُ يعلم ما تخفي صدورهم وما يعلنون، وهو الله الإله الحق الأحد الصمد الحَكَمُ وإليهِ يرجعون.","vol":"5","page":638},{"text":"فقوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾.\nقال ابن عباس: (والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء لطاعته).\nوقال يحيى بن سلّام: (وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوته).\nوالآية بعمومها إخبار من الله تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، فلا منازع لأمره ولا معقب لحكمهِ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. قال النسفي: (ما لنفي اختيار الخلق تقريرًا لاختيار الحق). والمقصود: ليس لهم أن يختاروا على الله شيئًا ما، وله الخيرة عليهم.\nواختار ابن جرير أنَّ \"ما\" بمعنى الذي، واستفاد من ذلكَ طائفةٌ من المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح. أي: ويختار الذي لهم فيه خيرة. والراجح أنها نافية. قال ابن كثير: (نفي على أصحِّ القولين. فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخَلقِ والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك).\nوقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. تنزيه لله وتقديس وتمجيد، فهو المنفرد بالخلق والتدبير، لا ما يشرك به المشركون من الأنداد والأوثان والطواغيت.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\nتمدح له سبحانه بأنه عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليهِ شيءٌ، وأنه يعلمُ ما تخفيهِ صدور عباده وما يعلنونه بجوارحهم.\nكقوله جل ذكره: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].\nوكقوله جل ثناؤه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].\nوقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. تقرير للألوهية بعد إثبات تفرّده بخصائص الربوبية.\nأي: فكما أنه وحده يخلق ويختار فهو الربّ العظيم لا ربَّ سواه، فكذلكَ هو الإله الحق المستحق للعبادة لا إله غيره.\nوالآية تقريع للمشركين الذين هم مقهورون بربوبيته ﷿، والتي كان ينبغي أن تقتضي منهم إفراده تعالى بالعبادةِ والتعظيم.","vol":"5","page":639},{"text":"وقوله: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾. قال القرطبي: (جميع المحامد إنما تجبُ له).\nأي: فهو المحمود أولًا وآخرًا لكمال عدلهِ وحكمته جل ثناؤه.\nوقوله: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي: لا حكم إلا له، والمرجع للفصل إنما هو بين يديه.\nقال ابن جرير: (يقول: وله القضاء بين خلقه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: وإليه تردّون من بعدِ مماتكم، فيقضي بينكم بالحق).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].\nوفي صحيح سنن أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله هو الحَكَمُ، وإليهِ الحُكْم] (١).\n٧١ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عبادهِ نعمة تقليب الليل والنهار وتعاقبهما، فإنه تعالى لو شاء استمرار الليل على عبادهِ دون انقطاع لوقع الضرر بمصالحهم، ولسئمت نفوسهم، ولأظلمت آمالهم. ولو شاء استمرار النهار عليهم دون انقطاع لحصل الضرر بأبدانهم، ولوقع المللُ والضجر من تتابع أشغالهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩٥٥)، وكذلكَ النسائي. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٤١٤٥)، وصحيح الجامع (١٨٤١).","vol":"5","page":640},{"text":"ولكنه ﷾ عاقب الليل والنهار عليهم لينتشروا في نهارهم بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وليسكنوا في ليلهم من تعب الحركة والانتقال، ولعلهم بذلك أن يكونوا من الشاكرين.\nفقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: دائمًا). وقال مجاهد: (قوله: ﴿سَرْمَدًا﴾ دائمًا لا ينقطع).\nوقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾. أي: قل -يا محمد- لهؤلاء المشركين: كيف يكون حالكم لو تابع الله تعالى عليكم الليل دون انقطاع، من معبود يقدر أن يأتيكم بضياء النهار إلا الله المعبود الحق.\nوقوله: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول أفلا تُرعون ذلكَ سمعكم، وتفكرون فيه فتتعظون، وتعلمون أن ربكم هو الذي يأتي بالليل ويذهب بالنهار إذا شاء، وإذا شاء أتى بالنهار وذهب بالليل، فينعم باختلافهما كذلك عليكم).\nوقال القرطبي: (﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ سماع فهم وقبول).\nوقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾. قال ابن جرير: (فتستقرّون وتهدؤون فيه).\nوقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. قال القرطبي: (ما أنتم فيهِ من الخطأ في عبادةِ غيره، فإذا أقررتم بأنه لا يقدر على إيتاء الليل والنهار غيره فلمَ تشركون به).\nقال النسفي: (قرن بالضياء ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنتَ من السكون ونحوه).\nوقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. هو من باب اللفِّ والنَّشر.\nأي: ومن رحمته بكم أيها الناس خالف بين الليل والنهار، فجعل الليل ظلامًا تسكنون فيهِ وترتاحونَ من عناء السعي وتعب التصرف، وجعل النهار ضياءً ليناسب انتشاركم في الأسفار والترحال، والحركات والأشغال.\nوقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار. ومن فاته شيء بالليل استدركهُ بالنهار، أو بالنهار استدركهُ بالليل).","vol":"5","page":641},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله ﷿ يَبْسُطُ يَدَهُ بالليل، ليتوبَ مُسيءُ النَّهار، ويَبْسُطُ يَدَهُ بِالنهار، ليتوبَ مُسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمس من مغربها] (١).\n٧٤ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ خزي المشركين يوم يناديهم ربهم ﵎ لِيُخْرجوا له شركاءَهُ الذين كانوا يزعمون. وخروجُ الرسول من كل أمةٍ ليشهد عليها وضل عن المشركين ما كانوا يفترون.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.\nتوبيخ آخر وتقريع وزيادة خزي. يناديهم الرب ﵎ على رؤوس الأشهاد مطالبًا لهم بإخراج شركائه الذين صرفوا لهم العبادة والأموال.\nقال النسفي: (كرر التوبيخ لاتخاذ الشركاء ليؤذن أن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاتهِ من توحيده).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٢٧٥٩)، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، من حديث أبي موسى ﵁.","vol":"5","page":642},{"text":"وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾. قال مجاهد: (رسولًا). وقال قتادة: (وشهيدُها: نبيها، يشهدُ عليها أنه قد بَلَّغَ رسالة ربه). وهذا كقولهِ تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].\nوقوله: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. قال مجاهد: (حجتكم لما كنتم تعبدون وتقولون).\nوقوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾. قال القرطبي: (أي علموا صدق ما جاءت به الأنبياء).\nوقال القاسمي: (﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي في الألوهية، لا يشاركه فيها أحد).\nوقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nأي: وغاب عنهم واضمحل ما كانوا يشركون، وما كانوا يتخرصون ويكذبون على ربهم، فلم ينفعوهم ولم يشفعوا لهم كما كانوا يزعمون ويظنون.\n٧٦ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ","vol":"5","page":643},{"text":"تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾.\nفي هذه الآيات: قصة قارون -صاحب الأموال العظيمة- الذي كان من المفسدين، وكان يتمنى ما عنده كل من حولهُ ولم ينج من فتنة ذلكَ إلا من كانَ من أهل العلم الراسخين. فخرج على قومهِ مستكبرًا متزينًا بالعجب والغرور حتى خسف الله به الأرض ليكون عبرة للمعتبرين.\nفقوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ - فيه تأويلان:\n١ - قال القاسمي: (أي من شاكلتهم في الكفر والطغيان. وقوم موسى، جماعته الذين أرسل إليهم، وهم القبط وطاغيتهم فرعون ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي بالكبر والاستطالة عليهم، لما غلب عليهم الحرص ومحبة الدنيا، لغروره وتعززه برؤية زينة نفسه).\n٢ - قال النسفي: (كان إسرائيليًا ابن عم لموسى. قال: وكان يسمىِ المُنَوِّر لِحُسْنِ صوته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة ولكنهُ نافق كما نافق السامري ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ من البغي وهو الظلم، قيل: ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم، أو من البغي الكبر، تكبّر عليهم بكثرة ماله وولده، أو زاد عليهم في الثياب شبرًا).\nقلت: وقيل غير ذلك، وأهمها ما سبق. والعبرة أنه كان قريبًا من قومِ موسى دون يقين راسخ بالله تعالى وتديبر أمور خلقه وشؤونهم، فأتاه المنصب والمال فكانت فتنته فيهما التي أفسدت عليه مصيره، وجعله الله تعالى عبرة لمن يعتبر.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾.\nأي: وآتاه الله من وفرة الأموال ما تحتاج العصبة لتنهض بمفاتح خزائنه.\nقال ابن كثير: (﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ أي: الأموال. ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، أي: لَيُثقلُ حملُها الفِئامَ من الناسِ لِكَثْرَتِها).\nقلت: وأصل تنوء -في لغة العرب- من نوأ. وناءَ فلانٌ بالحِمْلِ إذا نَهضَ بهِ مُثْقلًا. قال الرازي: (وناءَ به الحِمْلُ أَثْقَلَهُ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي لَتُنِيءُ العُصْبَة بثقلِها).\nوقد ورد في التفاسير هنا من المبالغات الكثيرة في وصف تلك المفاتيح دون دليل","vol":"5","page":644},{"text":"صحيح تقوم به الحجة، فنكتفي بمجمل التنزيل ودلالته البليغة دون خوض فيما لا فائدة منه.\nوقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.\nأي: أرشده صالحو قومه أن لا تَبطر فيما وهبك الله من هذه الأموال الكثيرة، فإن الله تعالى لا يحب أهل البَطَرِ والكبر والغرور.\nقال ابن عباس: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾: يعني المرحين). وقال مجاهد: (يعني الأشِرين البَطِرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم).\nفالفرح هنا بمعنى العجب والغرور، والكبر الذي يدفع إلى الظلم والشرور.\nقال مجاهد: (هو فرح البغي).\nأخرج ابن عدي والعقيلي بسند حسن لغيره عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب] (١).\nورواه البيهقي بسند حسن عن أنس كذلكَ بلفظ: [لو لم تكونوا تُذنِبُون، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبرُ من ذلكَ، العُجْبَ العُجْب].\nوقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: استعمِل ما وَهَبكَ الله من هذا المالِ الجزيلِ والنّعمةِ الطائلةِ في طاعةِ رَبِّك والتقرّب إليه بأنواع القُربات التي تُحصِّل لك الثواب في الدار الآخرة. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، أي: ما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكِن والمناكِح، فإن لِرَبكَ عليكَ حقًّا، وَلنَفْسِكَ عَليكَ حقًّا، ولأهلِكَ عليكَ حقًّا، ولزَوْرِكَ (٢) عَليكَ حقًّا، فآت كلَّ ذي حقٍّ حقَّه).\nوقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد الله (﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. أو: أحسِن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام كما أحسن إليكَ بالإنعام).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه العقيلي (١٧١)، وابن عدي (١/ ١٦٤)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ١١٧)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٥٨)، ورواه البيهقي وغيره. وانظر صحيح الجامع (٥١٧٩) للرواية الثانية.\n(٢) ولزَوْرِك: أي زوّارك الذين يزورونك.","vol":"5","page":645},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال القرطبي: (أي لا تعمل بالمعاصي).\nوقال ابن جرير: (يقول: ولا تلتمس ما حرَّم الله عليكَ من البغي على قومك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ يقول: إن الله لا يحب بُغاة البغي والمعاصي).\nوقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. قال قتادة: (على خبر عندي).\nوقال ابن زيد: (قال: لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] أي: على عِلم من الله بي وباستحقاقي وفضلي.\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠].\nوإنما هذه فتنة واستدراج من الله تعالى للمغرورين والمستكبرين يعقبها النقمة وحلول العذاب.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن جرير في \"التفسير\" بسند صحيح عن عقبة ابن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١).\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾.\nأي: لو كان الله يعطي الأموال والقوة كُلَّ من يحب، لما أهلك أرباب الأموال وأصحاب القوة عبر الزمان. قال ابن كثير: (أي: قد كان من هو أكثرُ منه مالًا وما كانَ ذلكَ عن محبَّةٍ منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلكَ بكفرهم وعدم شكرهم، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، أي: لكثرةِ ذنوبهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجهُ أحمد (٤/ ١٤٥)، وابن جرير في \"التفسير\" (٧/ ١١٥)، وقال الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٤/ ١١٥): \"رواه أحمد والطبراني والبيهقي في \"الشعب\" بسند حسن\". وانظر السلسلة الصحيحة (٤١٤).","vol":"5","page":646},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة:\n١ - قال الحسن: (أي لا يسألون سؤال استعتاب كما قال: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]. ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]. وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]).\n٢ - قال مجاهد: (لا تسأل الملائكةُ غدًا عن المجرمين، فإنهم يعرفون بسيماهم، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون).\n٣ - وقال قتادة: (لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها، بل يدخلون النار بلا حساب).\n٤ - وقيل: لا يسأل مجرمو هذه الأمةِ عن ذنوبِ الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا.\nوقيل: أهلك من أهلك من القرون على علم منه بذنوبهم فلم يحتج إلى مسألتهم عن ذنوبهم. ذكره القرطبي.\nوقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.\nقال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن قارون: أنه خرجَ ذاتَ يومٍ على قومِهِ في زينةٍ عظيمةٍ، وتَجَمُّلٍ باهِرٍ، مِنْ مراكبَ وملابسَ عليهِ وعلى خَدَمه وحَشمه، فلما رآهُ مَنْ يريدُ الحياة الدنيا ويميلُ إلى زُخرفها وزينتها تَمنَّوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي، ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أي: ذو حظٍّ وافر من الدنيا. فلما سمعَ مقالتَهم أهل العلم النافع قالوا لهم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: جزاء الله لعبادهِ المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون، كما في الحديث الصحيح: [يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]).\nقلت: وقد امتلأت كتب التفاسير بروايات لا تقوم بها الحجة في وصف الزينةِ التي خرج بها قارون على قومهِ بأشكالها وألوانها وأعدادها وغير ذلكَ مما لا حاجة إلى معرفتهِ، وإنما يكفينا العبرةُ بإجمال القرآن، وأنها زينة عظيمة بهرت العيون وشغلت","vol":"5","page":647},{"text":"القلوب، ولكنها كانت في موضع غرور وكبر، فكان مآلها التدمير والهلاك.\nوقد أحسن الحافظ ابن كثير ﵀ بتجاوز تلك الروايات والإتيان بكلامِ جامع مفيد كما سبق، في حين أكثر مُعظَمُ المفسرين من تلك الروايات.\nوقوله: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. إمّا من تمام كلام أهل العلم، أو هو كلام مستأنف. قال ابن جرير: (يعني بذلك: الذين صبروا عن طلب زينةِ الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذّات الدنيا وشهواتها، فجدّوا في طاعةِ الله، ورفضوا الحياة الدنيا).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن أنس، قال النبي - ﷺ -: [إنَّ عِظَمَ الجزاء مع عِظَمِ البلاء، وإن الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فَمَنْ رضي فله الرِّضى، ومن سَخِطَ فَلهُ السُّخطُ] (١).\nوفي سنن الترمذي كذلك بإسناد حسن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمن والمؤمنةِ في نفسه وولدهِ وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليهِ خطيئة] (٢).\nوقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.\nهو إخبار عن نهاية الكبر والخيلاء، والبطر والغرور وسبيل الأشقياء. فقد خسف الله بقارون وبداره التي فيها أمواله ومتاعه وزينته الأرض.\nأخرج البخاري ومسلم عن الزُّهري، قال: أخبرني سالِمٌ: أنَّ ابن عمر حدَّثَه أن\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٣٩٨) وقال: حديث حسن. وانظر سنن ابن ماجة (٤٠٢٤) من حديث أبي سعيد الخدري، والحديث حسن في الشواهد.\n(٢) رواه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٤٠١)، وقال حديث حسن صحيح. وإسناده حسن.","vol":"5","page":648},{"text":"النبي - ﷺ - قال: [بينما رجلٌ يَجُرُّ إزارَهُ من الخُيلاء خُسِفَ بهِ فهو يتجَلْجَلُ في الأرض إلى يومِ القيامة] (١).\nوفي صحيح البخارى عن أبي هريرة يقول: قال النبي - ﷺ - أو قال أبو القاسم - ﷺ -: [بينما رجلٌ يمشي في حُلّةٍ تُعْجبُهُ نفسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَه، إذ خَسَفَ اللهُ به، فهو يَتجَلْجَلُ إلى يوم القيامة] (٢).\nوقوله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.\nأي: فلم يكن له جند يستنجد بهم، ولا فئة يرجع إليهم، يلتمس منهم النجدة والنصر، ولا كانَ هو ممن ينتصر من الله إذ أنزل عليهِ سخطه وأحلَّ بهِ نقمته.\nقال قتادة: (﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ﴾ أي جند ينصرونه، وما عنده منعة يمتنعُ بها من الله).\nوقوله: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾.\nقال قتادة: (﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ ألم تر أنه). وفي رواية: (أولا يعلمُ أنه). وقيل: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾: معناها: \"ويلك اعلم أنّ\". وقيل: \"وي\" للتعجب أو التنبيه، وكأنَّ: بمعنى أحسب وأظن.\nوالمقصود: فلما رأى الذين تمنوا زينة قارون بالأمسِ ما حَلَّ به من سخط الله ونِقمتهِ علموا أن المال ليس بدال على رضا الله عن صاحبهِ، فإنه تعالى قد يعطي المال استدراجًا لعصاة عباده، فهو الذي يُضَيِّق ويوسِّع، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، وإنما يقسم الأرزاق بين عباده بحكمته جل ثناؤه.\nأخرج الإسماعيلي في \"المعجمِ\" بسند صحيح عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله قسَمَ بينكم أخلاقكم كما قسَمَ بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحبُّ ومن لا يحبُّ، ولا يعطي الإيمان إلا من أَحبَّ، فمن ضنَّ بالمال أن ينفقَه، وخافَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٨٥)، كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلكَ (٧٥٩٠)، كتاب اللباس، ورواه مسلم (٢٠٨٨) من حديث أبي هريرة بنحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٧٨٩)، كتاب اللباس. باب من جرَّ ثوبَهُ من الخيلاء.","vol":"5","page":649},{"text":"العدو أن يجاهِدَهُ، وهابَ الليل أن يكابدَهُ، فليكثر من قول: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، واللهُ أكبر] (١).\nوقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾.\nأي: لولا لطف الله ورحمته بنا لخسف بنا كما خسف بقارون الذي تمنّينا مثل حاله بالأمس.\nوقوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون، فتُنْجِح طلباتهم).\nقال ابن كثير: (يعنون أنه كان كافرًا، ولا يفلحُ الكافرون عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة).\n٨٣ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إعدادُ الله تعالى في الجنةِ منازل لأهل كرامته الذي كانوا على منهاج النبوةِ ولم يكونوا من المسرفين. وتضاعف الحسنات للمؤمنين ولا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون.\nفقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾.\nقال عكرمة: (العُلُوّ: التجبر). وقال سعيد بن جبير: (العلو: البغي).\nوقال سفيان الثوري: (العلو في الأرض: التكبّر بغير حق. والفساد: أخذُ المال بغير حق). وقال ابن جُريج: (﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾، تَعظُّمًا وتجبرًا، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾: عملًا بالمعاصي).\nوالمقصود: إنّ الله تعالى أعدّ النعيم المقيم في دار الخلود لعباده الصالحين،\n_________\n(١) حديث صحيح في الشواهد. أخرجه الإسماعيلي في \"المعجم\" (١/ ١١٤)، وانظر مستدرك الحاكم (١/ ٣٣)، ومعجم الطبراني \"الكبير\" (٨٩٩٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧١٤)، وذكر الألباني أنه موقوف في حكم المرفوع، وأورد له بعض الشواهد المرفوعة.","vol":"5","page":650},{"text":"المؤمنين المتواضعين، المخبتين المتذللين لأمره وشرعه، الذين يريدون إعلاء كلمته في الأرض والحكم بشريعته، ولا يبغون ظلمًا ولا تكبرًا، ولا تجبرًا ولا نشرًا للمعاصي والآثام.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحادبث:\nالحديث الأول: أخرج الطبراني في \"المعجم الكبير\" بسند حسن لغيره عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - قال: [ما من آدمي إلا في رأسهِ حَكَمَة بيد ملك، فإذا تواضعَ قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبَّر قيل للملك: ضع حكمته] (١).\nقلت: والحَكَمَةُ: موضع أعلى الناصية، كما هو معروف في كلام العرب.\nالحديث الثاني: أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجة من حديث عياض بن حمار، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [إنَّ الله أوْحَى إليَّ أن تواضَعوا حتى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ، ولا يبغي أَحَدٌ على أَحَدٍ] (٢).\nالحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ١٨٢/ ١) من حديث عبد الله بن عباس ﵁، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٨٢/ ٨): \"رواه الطبراني وإسناده حسن\". وقال المنذري في \"الترغيب\" (٤/ ١٦): \"رواه الطبراني، والبزار بنحوه من حديث أبي هريرة، وإسنادهما حسن\". وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٣٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٦٥) ح (٦٤)، كتاب الجنةِ ونعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار. ورواه أبو داود (٤٨٩٥)، وابن ماجة (٤٢١٤).","vol":"5","page":651},{"text":"[لا يدخلُ الجنَّةَ مَنْ كانَ في قلبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. قال رجل: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يكونَ ثوبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنةً. قال: إن الله جميلٌ يُحِمث الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَق وغَمْطُ الناس] (١).\nوقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال قتادة: (أي: الجنة للمتقين).\nوالمقصود: إن غاية السرور والرضا وحسن الختام وحسن الاستقبال يومَ القيامة إنما هو لأهل التقوى في جنات النعيم المقيم.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال قتادة: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. أي: لهُ منها حظّ خير، والحسنة: الإخلاص، والسيئةُ: الشرك).\nقال ابن كثير: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾: أي ثوابُ الله خير من حسنة العبدِ، فكيفَ والله يضاعفه أضعافًا كثيرة، وهذا مقامُ الفَضْل. ثم قال: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وهذا مقامُ الفَصْلِ العَدْل).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\nقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].\nوفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿، قال: [إنَّ الله كتَبَ الحسنات والسيئات، ثم بيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحسَنةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَها اللهُ عِندَهُ حَسنةً كامِلةً، فإنْ هَمَّ بها فعَمِلها كَتَبها اللهُ ﷿ عنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبع مئةِ ضعفٍ إلى أضعاف كثيرة، وإنْ هَمَّ بسيئة فَلم يَعْمَلْها كَتبها اللهُ عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعَمِلَهَا، كَتبَها اللهُ سيئةً واحدة] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٩١)، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٣١)، كتاب الإيمان. باب إذا همَّ العبد بحسنةٍ كُتبت، وإذا همّ بسيئة لم تكتب. وانظر كذلكَ الحديث (١٣٠).","vol":"5","page":652},{"text":"وفي رواية: [ولا يَهْلِكُ على الله إلّا هالِكٌ].\n٨٥ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ المعاد إلى الله ليجزي نبيّه - ﷺ - أجر المجاهدين الصابرين، واللهُ تعالى أعلم بعبادهِ المهتدين ممن كان في ضلال مبين. وإعلامُ الله تعالى نبيّهُ رحمته به بإنزال هذا القرآن ليثبته على الحق ولئلا يكونَ ظهيرًا للكافرين، أو يزل في فتنةِ أهل الشرك والهوى فلله الحكم وإليهه جميع الخلق يرجعون.\nفقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾. قال مجاهد: (الذي أعطاكَ القرآن).\nأي: إنَّ الذي أنزل عليكَ القرآن -يا محمد- وافترض عليك أداءه إلى الناس ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ - وهو يوم القيامة، فسائلك عما استرعاكَ من أعباء النبوة.\nوقوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ فيه أقوال كثيرة:\n١ - قال ابن عباس: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: إلى مَعْدِنِك من الجنة). أو قال: (إلى الجنة). وقال أبو سعيد الخدري: (معاده آخرته الجنة).\n٢ - قال أبو مالك: (إلى الجنة ليسألك عن القرآن).\n٣ - وقال مجاهد: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: يجيء بك يوم القيامة).\n٤ - وعن الحسن: (إي والله، إن له لمعادًا يبعثهُ الله يوم القيامةِ، ويدخلهُ الجنة).\n٥ - وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى الموت).\n٦ - روى البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى مكة). وقال: (يقول: لرادّكَ إلى مكة، كما أخرجكَ منها). قال مجاهد: (إلى مولدك بمكة).","vol":"5","page":653},{"text":"قلت: والجمع ممكن بين هذه الأقوال: فإن الله تعالى افترض على رسوله - ﷺ - إبلاغ هذا القرآن الذي أنزله عليه، ثم هو سبحانهُ نصره على طغاة مكة حتى فتحها بعد ما أخرجوه منها، ثم إنه تعالى قبضه إليه ثم إن الموعد ين يديه، ليثيبه على جهاده وقيامهِ بأعباء النبوةِ في جنَّةِ عرضها السماوات والأرض، هو خيرُ من يدخلها ويستقر فيها.\nوقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nأي: قل -يا محمد- لمن كذّبكَ من قومكَ وأصرّ على مخالفتكَ، ولمن مضى على منهاجهم في الكفر: إن ربي هو أعلم بالمهتدي الذي هو على سبيل الهدى، وإذا سلكه نجا، ومن هو على منهاجِ الغي والضلال، يمضي على سبيل العمى، ويجور عن طريق الهدى.\nوقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما كنت ترجو يا محمد أن ينزل عليكَ هذا القرآن، فتعلم الأنباء والأخبار عن الماضين قبلك، والحادثة بعدك، مما لم يكن بعدُ، مما لم تشهده ولا تشهده، ثم تتلو ذلكَ على قومكَ من قريش، إلا أن ربكَ رحمك، فأنزله عليك، فقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استثناء منقطع).\nوقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إنما أُنزل الوحي عليكَ من الله من رَحْمَتِهِ بكَ وبالعبادِ بسَبَبِكَ فإذا مَنَحكَ بهذه النعمة العظيمة ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: معينًا. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، ولكن فارِقْهمْ ونابِذْهُم وخالِفهم).\nوقوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾. قال القرطبي: (يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك).\nوالمقصود: لا تلتفت يا محمد إلى محاولات مكرة قومك في تكذيبك وصدّ الناس عنك، بل امض مستعينًا بربكَ، فإن الله ناصرك ومؤيدك.\nوقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾. أي: إلى توحيده وإفراده بالعبادةِ والتعظيم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا تتركنّ الدعاء إلى ربك، وتبليغ المشركين رسالته، فتكون ممن فَعَل فِعل المشركين بمعصيته ربه، وخلافه أمره).","vol":"5","page":654},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر﴾.\nقال ابن عباس: (الخطاب في الظاهر للنبي - ﷺ - والمراد أهل دينه).\nوقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. أي: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله جل ثناؤه.\nوقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: كل شيء هالك إلا هو.\nقال ابن كثير: (إخبارٌ بأنه الدائم الباقي الحيُّ القيُّوم، الذي تموت الخلائق ولا يموتُ، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، فعبَّر بالوجه عن الذات، وهكذا قولنا ها هنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، أي: إلا إيّاه).\nالتأويل الثاني: كل شيء هالك إلا ما ابتغي به وجهه.\nقال مجاهد: (﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد بهِ وجهُه).\nقال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه: (﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إلا مُلْكَهُ، ويُقالُ: إلا ما أريد به وَجْهُ الله).\nالتأويل الثالث: فيه إثبات صفة الوجه لله تعالى.\nوالتقدير: كل شيء هالك إلا الله الذي له الوجهُ الكريم.\nقال البيهقي: (تكرر ذكر الوجه في القرآن والسنة الصحيحة وهو في بعضها صفة ذات، كقوله - ﷺ -: \"إلا رداء الكبرياء على وجهه\". وفي بعضها بمعنى من أجل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾. وفي بعضها بمعنى الرضى كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ٢٠].\nقلت: ولا منافاة بين هذه الأقوال، فإنه يفنى كل شيء إلا الله ذو الوجه الكريم، وتبقى الباقيات الصالحات التي قُصد بها وجهُه جل ثناؤه. وكذلكَ تحمل الآيات والأحاديث على إثبات تلك الصفة له جل ذكره -صفة الوجه- وعلى المعاني الطيبةِ الأخرى.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].","vol":"5","page":655},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٩].\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمسِ كلمات فقال: إنّ الله ﷿ لا ينامُ، ولا يَنْبَغِي له أن ينامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفعُهُ، يُرْفَعُ إليهِ عَملُ الليل قَبْلَ عَملِ النهار، وعَمَلُ النَهار قَبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انتهى إليهِ بصرهُ من خلقهِ [(١).\nفهذا الحديث العظيم، فيه إثبات كثير من صفاته جل ذكره، كصفة الوجه، وصفة البصر، وصفة خفض القسط ورفعه، وصفة القيومية على عبادهِ فهو سبحانه لا ينام لكمال حياته وقيوميته، وصفات أخرى جليلة يمكن استنباطها من هذا النص النبوي الكريم.\nوقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾. قال النسفي: (القضاء في خلقه). وقال القاسمي: (أي القضاء النافذ في الخلق).\nقلت: والمقصود، أنَّ الله تعالى له الملك والتصرف فهو الحاكم الذي سُلِّمَ له الحُكم وَرُدَّ إليهِ.\nكما في التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].\nوقد ثبت في السنة الصحيحة أن من أسمائه الحسنى: \"الحَكَم\".\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٩)، وأخرجه الطيالسي (٤٩١)، وأحمد (٤/ ٣٩٥)، ورواه ابن ماجه (١٩٥)، وابن حبان (٢٦٦) من حديث أبي موسى.","vol":"5","page":656},{"text":"ففي صحيح سنن أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله هو الحَكَمُ، وإليهِ الحُكْمُ] (١).\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي: إليهِ تردون يوم معادكم، فيقضي بينكم بالعدل، فيثيب مؤمنكم ويعاقب كافركم.\nتمّ تفسير سورة القصص بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنّهِ وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩٥٥)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٤١٤٥)، وأخرجه النسائي وغيره. انظر صحيح الجامع (١٨٤١)، وكذلك \"إرواء الغليل\" (٢٦٨٢).","vol":"5","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - هل تنصرون إلا بضعفائكم، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم.\n٢ - مكر الله بالطغاة من حيث لا يشعرون، ورعاية الله المجاهدين من أوليائه الصالحين، وجعله تعالى العاقبة للمتقين.\n٣ - عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلاكان خيرًا له.\n٤ - الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.\n٥ - مقام العبودية يقتضي التذلل إلى الله والاعتراف له تعالى بالافتقار.\n٦ - الصداق حق المرأة على الرجل، وهو ملك لها، ولا يحل لأحدِ التصرف فيهِ.\n٧ - قضى موسى ﵇ أوفى الأجلين وأكملهما وأتَّمهُما وأبرَّهما.\n٨ - لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامةِ، ويظهرُ هذا الدين حتى يجاوز البحار، وحتى تخاضَ بالخيل في سبيل الله.\n٩ - جعلَ جبريل يدسّ الطين في فم فرعون خشية أن تدركه الرحمة.\n١٠ - ما أهلك الله قومًا، ولا قرنَا، ولا أمةً، ولا أهل قريةٍ، منذ أنزل التوراة على وجه الأرض بعذاب من السماء غير أهل القريةِ التي مسخت قردة.\n١١ - مَنْ آمن مِنْ أهلِ الكتاب بنبيِّهِ وأدركَ النبي - ﷺ - فآمَنَ بهِ واتَّبعهُ وصدقه فله أجران.\n١٢ - أهون أهل النار عذابًا يوم القيامةِ رجل، يوضع في أخمص قدميهِ جمرتان يغلي منهما دماغه.\n١٣ - إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله ﷿ بأسه بأهل الأرض.","vol":"5","page":658},{"text":"١٤ - لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا قطرة ماء. ومن يدخل الجنة ينعم لا يَبأس، لا تبلى ثيابُه ولا يفنى شبابُه.\n١٥ - قال اللهُ ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيهِ معي غيري، تركتهُ وشِرْكَه.\n١٦ - يُسألُ العبد في قبره عن أصول دينهِ: من ربك؟ ما دينكَ؟ ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ هل رأيت الله؟\n١٧ - إن الله تعالى هو الحَكَمُ وإليهِ الحُكم.\n١٨ - إنَّ الله ﷿ يبسط يدهُ بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسطُ يدهُ بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.\n١٩ - إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.\n٢٠ - بينما رجل يَجُر إزاره من الخيلاء خُسِفَ بهِ فهو يتجلْجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة.\n٢١ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسهِ وولده ومالهِ حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة.\n٢٢ - إن الله جميل يحب الجمال، الكبير: بطرُ الحق وغَمْطُ الناس.\n٢٣ - من هم بالحسنةِ فلم يعملها كتبت حسنة فإن عملها كتبها اللهُ ﷿ عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ولا يهلك على الله إلا هالك.\n٢٤ - حجاب الله تعالى النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليهِ بصره من خلقه.\n٢٥ - إثبات صفة الوجه لله، وصفة البصر، وصفة خفض القسط ورفعه، وصفة القيومية، فهو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم.\n* * *","vol":"5","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>٢٩ - سورة العنكبوت</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٦٩)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>موضوع السورة</span>\nالشرك ووهن أهله في الدارين كوهن بيت العنكبوت لو كانوا يعلمون والنصر والعاقبة للمحسنين والمجاهدين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-208> منهاج السورة</span>-\n١ - سنة الله في اختبار المؤمنين، لبيان الصادقين وكشف المنافقين.\n٢ - بيان سبيل النجاة المتضمن الإيمان والجهاد والعمل الصالح، والله يجزي المحسنين.\n٣ - الوصية ببر الوالدين والإحسان إليهما، وترك طاعتهما في المعصية، والإخبار بما أعدّ الله في الجنة لعباده الصالحين.\n٤ - سقوط كثير من الناس في الفتن، وسلوك المنافقين عند الغنائم، والله تعالى أعلم بالمؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين.\n٥ - استهتار الكافرين يحمل الأوزار، وسيحملون أوزارًا مع أوزارهم، وليسألن عما كانوا يفترون.","vol":"5","page":660},{"text":"٦ - إرسال الله تعالى نبيَّه نوحًا - ﷺ -، ومكثه فيهم طيلة ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وهم يصرون على الكفر حتى أخذهم الطوفان وهم ظالمون، وأنجى الله برحمته المؤمنين.\n٧ - دعوة إبراهيم - ﷺ - قومه، وتحذيره لهم مغبة الشرك ومصير الأمم الهالكة.\n٨ - احتجاج الله تعالى على منكري المعاد والبعث، ودعوتهم للنظر في بدء الخلق.\n٩ - مكر الكفار بإبراهيم، ونجاته من النار بإذن الله، وتحذيره لهم الإصرار على الكفر.\n١٠ - تصديق لوط وهجرته وإبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- إلى الله العزيز الحكيم، وإكرامه تعالى إبراهيم بإسحاق ويعقوب وجعله النبوة في ذريته وهو في الآخرة من الصالحين.\n١١ - تحذير لوط قومه مغبة الإصرار على الفاحشة التي ما سبقهم إليها أحد من العالمين، واستعجال القوم العذاب حتى لجأ لوط إلى الله طالبًا النصر على القوم المفسدين.\n١٢ - بثُّ الملائكة البشر ى لإبراهيم ﵇ بولد صالح وبإهلاك القوم الظالمين. ووصول الرسل إلى لوط - ﷺ - وخوفه عليهم حتى بشروه بهلاك القوم المفسدين.\n١٣ - قصة شعيب وقومه، وخبر الأمم الكثيرة: كعاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، وقصة إهلاكهم بالصيحة أو الخسف أو الريح أو الطوفان.\n١٤ - تمثيل تعلق المشركين بآلهتهم كالمتعلق بشبكة العنكبوت لا تفيد شيئًا.\n١٥ - خَلْقُ الله السماوات والأرض بالحق، ودعوته الرسول والمؤمنين لتلاوة الوحي وإقام الصلاة، ولذكر الله أكبر، والله عليم بما يصنعون.\n١٦ - الدعوة لمجادلة أهل الكتاب بالحسنى، وهذا القرآن آيات بينات في صدور أهل العلم، وهو أكبر معجزة في الأرض إلى قيام الساعة.\n١٧ - استعجال المشركين العذاب، والعذاب قريبًا سيغطيهم من فوقهم ومن تحتهم.\n١٨ - النصيحة بالهجرة إلى دار الإيمان، فكل نفس ذائقة الموت، ثم إلى الله ترجعون.\n١٩ - المؤمنون العاملون للصالحات يسكنون الغرف يوم القيامة، تجري من تحتها الأنهار ثوابًا لهم مقابل صبرهم وحسن توكلهم.","vol":"5","page":661},{"text":"٢٠ - ما من دابة ممن لا يستطيع ادخار رزقه لغد إلا والله رازقها وإياكم.\n٢١ - إقرار المشركين أن الله تعالى خالق السماوات والأرض ومسخِّر الشمس والقمر ثم هم يشركون.\n٢٢ - بَسْطُ الله تعالى الرزق وتضييقه بحكمته، والكفار مقرّون أنه -تعالى- المنزل للماء من السماء ليحيي به الأرض الميتة ثم هم به يعدلون.\n٢٣ - إعلامُ الله تعالى بغرور هذه الحياة الدنيا، وأن العيش عيش الآخرة.\n٢٤ - إخلاص المشركين الدعاء لله عند الهلاك في البحر، وامتنان الله عليهم بنعمة الحرم الآمن.\n٢٥ - جعل الله في جهنم مثوى للمتكبرين، وكتب الهداية والنصر للمجاهدين، وإنه تعالى لَمَعَ المحسنين.\n* * *","vol":"5","page":662},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٧. قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريرُ الله تعالى سنته في اختبار المؤمنين وكشف الصادق من الكاذب وفضح المنافقين. وإخباره -جلّت صفاته- عن سبيل النجاة المتضمن الإيمان والجهاد والعمل الصالح والله يجزي المحسنين.\nفقوله تعالى: ﴿الم﴾ - كسابقه في سورة البقرة وغيرها من السور التي ابتدأت بمثل هذه الحروف المقطعة، والتي تقتضي الإعجاز لهذا القرآن العظيم المؤلف من جنس هذه الأحرف، ومع ذلك فالخلق عاجزون عن معارضته بمثله.\nوقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. استفهام إنكار، والمقصود: أظنّ الناس أن يدّعوا الإيمان دون أن يحصل لهم من ربهم اختبار يبيّن صدق دعواهم، قال مجاهد: ﴿آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ قال: يُبْتَلونَ في أنفسهم وأموالهم). وقال قتادة: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: أي لا يُبْتَلون).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢].","vol":"5","page":663},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجه والحاكم بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \"أشدُّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإِمام أحمد في المسند بسند حسن عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنها قالت: [أتينا رسول الله - ﷺ -، نعوده في نسائه، فإذا سقاء معلق نحوه يقطر ماؤه عليه من شدة ما يجد من حرّ الحمى، قلنا: يا رسول الله لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول الله - ﷺ -: إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند جيد عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت لرسول الله - ﷺ -: أي الناس أشد بلاءً؟ قال: فقال: [أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب (وفي رواية: قدر) دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن عن أنس عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٠٢٤)، والحاكم (٤/ ٣٠٧)، وابن سعد (٢/ ٢٠٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، وابن ماجه (٤٠٢٣)، والدارمي (٢/ ٣٢٠)، والطحاوي (٣/ ٦١)، وابن حبان (٦٩٩)، والحاكم (١/ ٤٠ - ٤١)، وأحمد (١/ ١٧٢)، وسنده جيد رجاله كلهم ثقات معظمهم رجال الشيخين.","vol":"5","page":664},{"text":"[إنّ عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٣].\nأي: ولقد اختبرنا الذين مضوا من الأمم قبل أمتك -يا محمد-، ولَيُظْهِرَنَّ اللهُ صِدْقَ الصادقين وكَذِبَ الكاذبين.\nقال مجاهد: (﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: ابتلينا الذين من قبلهم).\nوالعلم هنا بمعنى الإظهار. قال ابن عباس: (\"إلا لنعلم\": إلا لنرى). وكذلك الآيات المشابهة، فإن الله عليم بما كان ويكون وسيكون وما لن يكون كيف لو كان يكون. قال ابن كثير: (وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعَمُّ من الرؤية، فإنه يتعلَّق بالمعدوم والموجود). وقال القرطبي: (ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازى عليه).\nقال ابن عطاء: (يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء، فمن شكر في أيام الرخاء وصبر في أيام البلاء فهو من الصادقين، ومن بطر في أيام الرخاء وجزع في أيام النبلاء فهو من الكاذبين).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.\nأي: أمْ ظَنَّ الذين يجترحون السيئات أن يفوتونا فَيَفِرُّوا من الفِتْنهِ والبلاء، والامتحان في الشدة والرخاء، كلا فإن من ورائهم العقوبة والنكال، وَوُرودِ أسوأِ الأحوال.\nقال قتادة: (﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هو أي: الشرك). وقال مجاهد: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أن يعجزونا). وقال القاسمي: (﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ أي يفوتونا، فلا نقدر على مجازاتهم بمساوئ أعمالهم ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُون﴾ أي بئس الذي يحكمونه حكمهم).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nأي: من كان يرجو الله عند لقائه، ويطمع في ثوابه، والنجاة من عذابه، فإن أجل الله الذي أجّله لبعث عباده وإكرام أوليائه لآت قريبًا، وهو السميع لدعاء عباده\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، وابن ماجه (٤٠٣١)، بإسناد حسن.","vol":"5","page":665},{"text":"ورجائهم، العلم بصدق إيمانهم من كذب توجههم. فليبادر الصادق إلى إثبات صدقه بالإيمان والعمل الصالح.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال النسفي: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ نفسه بالصبر على طاعة الله، أو الشيطان بدفع وساوسه، أو الكفار ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن منفعة ذلك ترجع إليها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وعن طاعتهم ومجاهدتهم وإنما أمَرَ ونهى رحمة لعباده).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال القرطبي: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: لَنُغَطِّيَنها عنهم بالمغفرة لهم ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعات).\nقلت: ويشمل هذا من كان في الجاهلية ثم أحسن في الإِسلام. فقد أخرج الحاكم بسند حَسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لَيَتَمَنَّيَنَ أقْوامٌ لَوْ أَكْثَروا من السَّيئاتِ، قالوا: بِمَ يا رسول الله؟ قال: الذين بَدَّلَ الله سيئاتهم حَسنات] (١).\n٨ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: وصيةُ الله الإنسان ببر الوالدين والإحسان إليهما وترك طاعتهما في معصيته ولكن مصاحبتهما بالمعروف والله عليم بالمتقين. وإخباره تعالى عن جميل ما أعدّ في الجنة لعباده الصالحين.\nأخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: [حلفت أم سعد ألا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب. قالت: زَعَمْتَ أن الله وَصَّاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. قال: مَكَثَتْ ثلاثًا حتى\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٥٢)، بإسناد حسن. وانظر السلسلة الصحيحة (٢١٧٧).","vol":"5","page":666},{"text":"غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله ﷿ في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]] (١).\nفالآية أَمْرٌ من الله تعالى عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد أَمْرِهِ جَلَّ ثناؤه بإحسانِ العبادة إليه، وإفراده بالتعظيم والاستعداد للوقوف بين يديه، فإن برّ الوالدين من أحسن الأعمال، فهما سبب وجوده، وهما نَبْعُ العطف والحنان عليه، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق، وقد ربط الله تعالى برّهما ببره، وعلَّق هذا الرحم بعرشه، فالإحسان إليهما واجب كبير، والإساءة إليهما شر مستطير، فإن أمراه بشِرْكٍ أو كُفْرٍ فلا يتابعهما ولكن يُصاحبهما بالمعروف.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\nومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أسماءَ قالت: أقلت: يا رسول الله، إن أمِّي قدمت على، وهي راغبةٌ -أو راهبةٌ- أفأصِلُها؟ قال: نعم].\nوفي رواية: قالت أسماء بنت أبي بكر: [قلت: يا رسول الله، قَدِمت عَلَيَّ أُمِّي وهيَ مُشْرِكَةٌ، في عهد قريشٍ إذْ (٢) عاهَدَهم، فاسْتَفْتَيْتُ رسولَ الله - ﷺ -، قلتُ:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٤٨) - كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص، ﵁، في أثناء حديث طويل.\n(٢) قال الحافظ ابن حجر: (أرادت بذلك ما بين الحديبية والفتح، أي مدة عهد قريش).","vol":"5","page":667},{"text":"يا رسولَ الله! قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي راغِبَةٌ، أفأصِلُ أُمِّي؟ قال: نعم، صِلي أُمَّكِ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بأن مسعود ﵁ قال:\n[سألت النبي - ﷺ -: أيُّ العمل أحَبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاةُ على وَقْتِها. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قال: الجهادُ في سبيل الله] (٢).\nالحديث الثالث: روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَجْزيَ ولدٌ والِدًا إلا أن يَجِدَهُ مَمْلوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ، فيُعْتِقَهُ] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.\nأي: المرجع والمآل إليه تعالى فيجازي عباده بأعمالهم، فالذين صدقوه الإيمان وأكدوا ذلك بالعمل الصالح سيدخلهم سبحانه في كرامة عباده الصالحين.\nوفي الآية فائدة جليلة، فإنه تعالى عطف العمل الصالح على بر الوالدين، وكأنّ المقصود أن أفضل ذلك العمل بعد الإيمان بالله هو مباشرة رضي الوالدين، فهو طريق السعادة في الدارين.\nأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بإسناد صحيح عن ابن عباس، أنَّهُ أتاه رجل فقال: [إني خَطَبْتُ امرأةً فَأبَتْ أن تَنْكِحَني، وخطبها غيري فأحَبَّتْ أن تنكِحَهُ، فَغِرْتُ عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمُّكَ حيَّة؟ قال: لا، قال: تُبْ إلى الله ﷿، وتقرَّب إليه ما استطعت. قال عطاء بن يسار: فذهبت فسألت ابن عباس: لِمَ سمألته عن حياة أُمِّهِ؟ فقال: إنِّي لا أعلمُ عملًا أقربُ إلى الله ﷿ مِنْ برِّ الوالدة] (٤).\nثم روىَ في باب: \"لين الكلام لوالديه\" - عن طَيْسَلَةَ بن مَيّاس قال: [كنتُ في النَّجدات (٥)، فأصبْتُ ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرت ذلك لابن عمر قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا. قال: ليست هذه من الكبائر، هن تسع: الإشراك بالله، وقتل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٠٣) -كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين، ولو كانوا مشركين. ح (٤٩)، ح (٥٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٠/ ٣٣٦)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٨٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥١٠)، وأبو داود (٥١٣٧)، والترمذي (١٩٠٧).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٤) - باب بر الأم. وسنده صحيح.\n(٥) النَّجدات: أصحاب نجدة بن عامر الخارجي، وهم قومٌ من الحروريّة.","vol":"5","page":668},{"text":"نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد، والذي يستسخر (١)، وبكاء الوالدين من العقوق. قال لي ابن عمر: أتفرق (٢) من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي، والله، قال: أحيٌّ والدك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله! لو ألنتَ لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما احتنبت الكبائر] (٣).\nوفي مسند الإِمام أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [الوالد أوسط أبواب الجنة] (٤).\n١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: سقوطُ كثير من الناس عند هبوب رياح الفتن مع الساقطين، فإذا كان الرخاء والنصر وتدفّق النعم طالبوا إشراكهم في الغنائم ليكونوا من الفرحين. والله تعالى هو أعلم بالمؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين.\nفقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن عباس: (فتنته أن يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله). وقال مجاهد: (أناس يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاءً من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة).\nوالآية إخبارٌ عن قوم يدّعون الإيمان بألسنتهم، فإذا جاءت الفتن والمحن سقطوا وانتكسوا ورجعوا إلى الكفر والضياع.\n_________\n(١) يستسخر: الاستسخار من السخرية واللمز.\n(٢) أتفرق من النار: الفَرَق، الخوف والفزع.\n(٣) حديث صحيح. انظر: \"صحيح الأدب المفرد\" - (٦)، باب لين الكلام لوالديه.\n(٤) صحيح الإسناد. أخرجه أحمد (٥/ ١٩٦)، وابن ماجه (٢٠٨٩)، والحاكم (٤/ ١٥٢)، والطيالسي في \"مسنده\" (٩٨١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٩١٣).","vol":"5","page":669},{"text":"كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].\nأخرج ابن جرير ورجاله ثقات عن ابن عباس قال: أكان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإِسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض. فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخر الآية. قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية لا عذر لهم قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية. فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠] فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجًا فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم ثم نجا من نجا وقتل من قتل] (١).\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾.\nأي: ولئن جاء نصر من ربك -يا محمد- لأهل الإيمان وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم ننصركم على أعدائكم، ونحن إخوانكم في الدين. أو ليس الله بأعلم بما تخفيه قلوبهم وما تكنه صدورهم! !\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n- قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [تَعِسَ عَبْدُ الدِّينار وعَبْدُ الدرهم وعَبْدُ الخميصة، إنْ أُعطي رَضِيَ وإنْ لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانتكسَ، وإذا شيك فلا انتقَشَ، طوبى لِعَبْدٍ آخذٍ بِعنانِ فرَسه في سبيل الله أشعثَ\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٢٧٧٠٦) -وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن شريك هو ثقةٌ. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" -الوادعي- النحل (١١٠).","vol":"5","page":670},{"text":"رأسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قدماه، إنْ كان في الحِراسةِ كان في الحِراسةِ، وإنْ كان في السَّاقةِ كان في السَّاقةِ ..] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.\nأي: وليميزنّ الله أولياءه وحزبه أهل الإيمان والثبات على الحق بالابتلاء في السَّراء والضراء، وكذلك ليميزنَّ أهل النفاق بالمحن والاختبار والابتلاء. فإنه بالاختبار يتميز هؤلاء من هؤلاء، وَبِغير ذلك فالادّعاء سهل وأكثر الناس يزعمون ويدّعون.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [تُعْرَضُ الفِتَنُ على القلوب كالحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سوداءُ، وأيُّ قلب أنكرها نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بيضاءُ، حتى تصيرَ على قلبين، على أبيض مِثْل الصَّفا، فلا تضُرُّه فِتْنَةٌ ما دامتِ السماوات والأرض. والآخرُ أسْوَدُ مُرْبادًا كالكوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرفُ مَعروفًا ولا يُنكِرُ مُنكرًا إلا ما أُشرِبَ من هواه] (٢).\n١٢ - ١٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٨٧) -كتاب الجهاد والسير. باب الحراسة في الغزو في سبيل الله. وانظر كذلك (٢٨٨٦) من الباب نفسه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٤) -كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب. ورواه كذلك في كتاب الفتن في أثناء حديث أطول.","vol":"5","page":671},{"text":"وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: استهتارُ الكافرين يحمل الذنوب وسيعلمون مغبة ما يستهزئون.\nإنهم سيحملون يوم القيامة أوزارهم وأوزار من أضلوا وليسألن يومئذ كما كانوا يفترون.\nفقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.\nقال مجاهد: (قول كفار قريش بمكة لمن آمن منهم. يقول: قالوا: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتبعونا إن كان عليكم شيء فهو علينا).\nوقال الضحاك: (هم القادة من الكفار، قالوا لمن آمن من الأتباع: اتركوا دين محمد واتبعوا ديننا).\nوالمقصود: أن كفار قريش أرادوا إغراء من آمن منهم واتبع سبيل الهدى بالرجوع إلى دين الآباء الذي كانوا عليه، ويزعمون أن ذلك في رقابهم وهم يتحملون تبعته.\nوقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. تكذيب من الله تعالى لهم. فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، ولا يستطيع أحد أن يقف يوم القيامة ويقول: عليّ فلان.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠ - ١١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: [قام رسول الله - ﷺ - حين أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبدِ مَنَاف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بنَ عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمَّة رسول الله لا أغني","vol":"5","page":672},{"text":"عنك من الله شيئًا، ويا فاطمةُ بنتَ محمد سليني ما شِئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا] (١).\nوقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.\nإِثْباتٌ لِحَمْلِ توابعِ إضلالهم، فإنهم يحملون أوزارَ أنفسهم، ثم يُضاف عليهم أوزار الذين أضلوهم، وتوابع انتشار إفسادهم في الأرض.\nفعن قتادة: (﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ أي: أوزارهم ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ يقول: أوزار من أضلوا).\nوفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: ٢٥].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذا المفهوم أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا تُقْتَلُ نفسٌ ظُلْمًا، إلا كان على ابن آدمَ الأوَّل كِفْلٌ من دَمِها؛ لأنه كان أوَّلَ مَنْ سَنَّ القتل] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإِمام مسلم أيضًا عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [مَنْ دعا إلى هُدًى، كان له من الأجْرِ مِثْلُ أُجورِ من تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك مِنْ أجورهم شيئًا، ومَنْ دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثْمِ مِثْلُ آثام مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك من آثامهم شيئًا] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوفٍ المزني. حدّثني أبي، عن جَدِّي، أن رسول الله - ﷺ - قال: [مَنْ أحْيَا سُنّةً مِنْ سُنَّتي فَعَمِلَ بها الناسُ، كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بها لا يَنْقُصُ مِنْ أُجورهم شيئًا. ومن ابتدع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٤٧٧١) -كتاب التفسير. وانظر صحيح مسلم- حديث رقم - (٢٠٤) - كتاب الإيمان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٦٧٧) -كتاب القسامة والمحاربين، باب بيان إثم من سنّ القتل، وفي لفظ آخر لآخر الحديث: \"لأنه سَنَّ القَتل\".\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٦٧٤) - كتاب العلم، وأخرجه أبو داود (٤٦٠٩)، وابن ماجه في السنن (٢٠٦). وانظر صحيح أبي داود (٣٨٥٣) - كتاب السنة.","vol":"5","page":673},{"text":"بِدْعَةً فَعُملَ بها، كان عليه أوزار مَنْ عَمِلَ بها لا ينقصُ مِنْ أوزارِ مَنْ عَمِلَ بها شيئًا] (١).\nوقوله: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (وليسألن يوم القيامة عما كانوا يكذبونهم في الدنيا بوعدهم إياهم الأباطيل، وقيلهم لهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم فيفترون الكذب بذلك).\n١٤ - ١٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إرسالُ الله تعالى نبيّه نوحًا - ﷺ - إلى قومه لينذرهم طيلة ألف سنة إلا خمسين عامًا وهم يصرون على كفرهم حتى أخذهم الطوفان وهم ظالمون. وكتب الله النجاة في السفينة للمؤمنين وجعلها آية للعالمين.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾.\nتسليةٌ من الله تعالى لرسوله - ﷺ - عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم، فهذا نوح - ﵊ - قبله مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما هم عليه من الجاهلية والوثنية والكبر، ثم ما آمن معه إلا قليل.\nقال ابن عباس: (بُعِثَ نوحٌ وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألفَ سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا، حتى كَثُر الناسُ وفَشُوا).\nفإنه قد كَثُرَ الجهلُ وانتشر الشركُ قُبيل بعثة نوح - ﷺ -، وبَعُدَ العهدُ بالنبوة على الناس بعد آدم ﵊، فاحتاج الأمر لجهاد طويل في طريق دعوة الناس ومحاولة إنقاذهم من عذاب الله.\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي أمامة مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - قال: [كان بين آدمَ ونوحٍ عشرَةُ قرونٍ، وبينَ نوحٍ وإبراهيمَ عشَرةُ قرون] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٢٠٩) - باب من أحيا سنة قد أميتت. انظر صحيح ابن ماجه -حديث رقم- (١٧٣). وكذلك (١٧٠)، (١٧١)، (١٧٢) من الباب قبله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨/ ١٣٩ - ١٤٠)، =","vol":"5","page":674},{"text":"وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. قال الضحاك: (الطوفان: الغرق). وقال قتادة: (هو الماء الذي أرسل عليهم).\nوالمعنى: كانت نهاية إصرار القوم على كفرهم وظلمهم أنفسهم أن أغرقهم الله تعالى بالطوفان ليكونوا عبرة لمن بعدهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأنجينا نوحًا وأصحابَ سفينته، وهم الذين حملهم في سفينته من ولده وأزواجهم. يقول: وجعلنا السفينة التي أنجيناه وأصحابه فيها عبرة وعظة للعالمين، وحجة عليهم).\n١٦ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: دعوةُ إبراهيم - ﵊ - قومه إلى إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وتحذيره لهم مغبة شركهم ومصير الأمم الهالكة قبلهم وما على الرسول إلا البلاغ المبين.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nأي: واذكر أيضًا يا محمد إبراهيم الخليل إذ أنذر قومه وحذرهم مغبة الشرك باللهِ، وأمرهم بإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم. قال النسفي: (﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الكفر ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كان لكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾. أي: أصنامًا. قاله قتادة.\n_________\n= وفي \"المعجم الأوسط\" (١/ ٢٤/ ٢/ ٣٩٨). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٢٨٩).","vol":"5","page":675},{"text":"وقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (يقول: تصنعون كذبًا). وقال مجاهد: (يقول: تقولون كذبًا).\n٢ - وقال عطاء عن ابن عباس: (تنحتون تصورون إفكًا). وقال قتادة: (أي: تصنعون. أصنامًا).\n٣ - وققال ابن زيد: (﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ الأوثان التي ينحتونها بأيديهم).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله، فإياه فياسألوه وحده دون غيره).\nوقوله: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ يقول: وذلوا له ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على رزقه إياكم، ونعمه التي أنعمها عليكم. إلى الله تردون من بعد مماتكم، فيسألكم عما أنتم عليه من عبادتكم غيره وأنتم عباده وخلقه، وفي نعمه تتقلبون، ورزقه تأكلون).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.\nهو من تمام كلام إبراهيم الخليل - ﷺ - لقومه كما هو ظاهر من السياق، وفي الآية تعزيةٌ من الله تعالى لرسوله - ﷺ - عما يلقاه من تكذيب قومه وعنادهم. فإنه على الرسول البلاغ، وعلى الله الحساب.\n١٩ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ","vol":"5","page":676},{"text":"مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: احتجاجُ الله تعالى على منكري المعاد والبعث للحساب، ودعوتُهم للنظر في بدء الخلق والاستعداد للرحيل والنشأة بعد ذلك من القبور للجزاء وقيل الثواب أو العقاب.\nفعن قتادة: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال: بالبعث بعد الموت). والآية إخبار من الله تعالى عن إرشاد الخليل إبراهيم - ﵇ - قومه إلى إثبات المعاد بما يرونه من آيات المقدرة له تعالى. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أو لم يروا كيف يستأنف الله خلق الأشياء طفلًا صغيرًا، ثم غلامًا يافعًا، ثم رجلًا مجتمعًا، ثم كهلًا. وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يقول: ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه، كما بدأه أوّل مرة خلقًا جديدًا، لا يتعذر عليه ذلك ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ إن سهل كما كان يسيرًا عليه إبداؤه).\nوقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾. قال قتادة: (خلق السماوات والأرض).\nوقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾. قال ابن عباس: (هي الحياة بعد الموت وهو النشور).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إنه تعالى قادر على إنشاء خلقه بعد إفنائهم، وعلى غير ذلك فلا يعجزه شيء.\nوقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.\nقال النسفي: (﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالهداية، أو بالحرص والقناعة، أو بسوء الخلق وحسنه، أو بالإعراض عن الله وبالإقبال عليه، أو بمتابعة البدع وبِملازمة السنة ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تردون وترجعون).\nوفي سنن أبي داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت مرفوعًا: [إن الله لو عذب","vol":"5","page":677},{"text":"أهل سَماواته وأهل أرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\nأي: هو القاهر سبحانه لأهل سماواته وأهل أرضه، وكل شيء فقير إليه، محتاج إلى رحمته، وما لكم أيها الناس من دون الله من ناصر ولا معين إن أنزل به نقمته، وأحلّ بكم عذابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بما نصب من الأدلة والأعلام. ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: من الجنة، ونسب اليأس إليهم والمعنى أويسوا. وهذه الآيات اعتراض من الله تعالي تذكيرًا وتحذيرًا لأهل مكة).\n٢٤ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: عودةٌ إلى قصة خطاب إبراهيم ﵇ مع قومه، فإنهم لما عجزوا عن مواجهة حجج الحق البالغة لجؤوا إلى استخدام الجاه والقوة والسطوة، فأنجاه الله من النار ومن مكرهم، وقد حذّرهم إبراهيم مغبة شركهم، والخزي يوم القيامة إذا ركبوا الهوى ومضوا على إصرارهم وكفرهم.\n_________\n(١) إسناده قوي. أخرج أبو داود (٤٦٩٩) - في القدر، وابن ماجه (٧٧)، وأحمد (٥/ ١٨٢)، (٥/ ١٨٩)، وابن حبان (٧٢٧)، والبيهقي (١٠/ ٢٠٤)، وانظر صحيح أبي داود (٣٩٣٢).","vol":"5","page":678},{"text":"فقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾.\nكقوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٧ - ٩٨].\nقال النسفي: (قال بعضهم لبعض، أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين فكانوا جميعًا في حكم القائلين فاتفقوا على تحريقه ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّار﴾ حين قذفوه فيها).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: إن في إنجاء الله إبراهيم من لهب النار وسعيرها، وجعلها عليه بردًا وسلامًا، لأدلة وحججًا لقوم يصدقون بالحجج والأدلة إذا رأوا وعاينوا. وإن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون بقدرة الله على خرق العادات والسنن فيزيدهم ذلك إيمانًا وتسليمًا.\nوقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال ابن جرير: (أي: تتحابون على عبادتها، وتتوادون على خدمتها، فتتواصلون عليها). وهذا على قراءة ﴿مودةَ﴾ بالنصب على أنه مفعول له. وأما على قراءة الرفع ﴿مودةُ﴾ فالمعنى: إنما اتخذتم هذا لتحصل لكم المودة في الدنيا فقط. والمقصود متقارب، والقراءتان مشهورتان.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.\nأي: ثم يوم القيامة تنقلب عليكم هذه المودة لتصبح هذه الصداقة بَغْضَةً وشنآنًا، ثم تتجاحدون ما كان بينكم ويبرأ بعضكم من بعض، ويلعن بعضكم بعضًا. قال قتادة: (صارت كُلُّ خُلَّةٍ في الدنيا عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خُلّة المتقين).\nقال القاسمي: (﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: تتجاحدون ما كان بينكم، ويلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].\n٣ - وقال هنا: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. أي: ما لكم من منقذين","vol":"5","page":679},{"text":"يحولون بينكم وبين عذاب الله الذي كتبه عليكم، أنتم ومن كنتم معه على منهاج الوثنية وتعظيم غير الله.\nأخرج الحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن قيس أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنَّ أهلَ النار ليَبْكُون، حتى لو أُجْريَت السُّفُنُ في دُموعهم، لجرت، وإنهم ليبكون الدم -يعني- مكان الدمع] (١).\nوله شاهد عن ابن ماجه وابن أبي الدنيا بسند صحيح لغيره عن أنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: [يُرْسَلُ البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت] (٢).\n٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تصديقُ لوط وهجرته وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - إلى الله العزيز الحكيم. وإكرامه تعالى إبراهيم بإسحاق ويعقوب وجعله النبوة في ذريته وهو في الآخرة من الصالحين.\nفقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. قال ابن عباس: (صدّق لوط).\nوقوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: ابن عباس: (هو إبراهيم).\nقال قتادة: (هاجرا جميعًا من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى الشام).\nوقال ابن زيد: (كانت هجرته إلى الشام).\nأخرج أبو داود والحاكم بسند حسن في الشواهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: [ستكونُ هجرةٌ بَعْدَ هِجرةٍ، فخِيارُ أهل الأرض ألزمُهم مهاجَرَ إبراهيم، ويبقى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥) وقال: \"حديث صحيح الإسناد\"، ووافقه الذهبي.\n(٢) صحيح لغيره. أخرجه ابن ماجه (٤٣٢٤)، وابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" (ق ١٢/ ١). وأخرجه الخطيب (١١/ ٢٨٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧٩).","vol":"5","page":680},{"text":"في الأرض شِرارُ أَهْلِها، تلفِظُهم أرضُوهم، تقذُرهم نَفْسُ الله، وتحشُرُهم النار مع القردة والخنازير] (١).\nووجه الجمع بين قوله إبراهيم لسارة: \"ليس على وجه الأرض مؤمن غيرك وغيري، فأنت أختي في الدين\" - حين عرض لها الطاغية، وإيمان لوط في ذلك الزمان أن المراد - والله أعلم - ليس على وجه الأرض زوجان على الإِسلام غيري وغيرك، أو المقصود ليس على وجه تلك الأرض زوجان على الإِسلام غيري وغيرك، أو المقصود ليس على وجه تلك الأرض التي مرّا عليها، أو المراد ذلك على التغليب، وإلا فإن لوطًا ﵊ آمن به من قومه، وهاجرَ معه إلى بلاد الشام، ثم أرسله الله في حياة الخليل إلى أهل \"سَدُوم\" وإقليمها، فكان من أمرهم انتشار تلك الفاحشة الخبيثة حتى قلب الله عليهم قريتهم وجعل عاليها سافلها.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: العزيز في نصرة رسله والمؤمنين، وفي انتقامه من أعدائه المجرمين، الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه.\nوقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾.\nإخبار عن هديته -تعالى- الكبرى لإبراهيم ﵊، لما فارق قومه واعتزلهم في عبادتهم، فأكرمه في غربته أن جعل النبوة في ذريته، والكتب المنزلة ترافق بعثتهم. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم: ٤٩].\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [الكريمُ ابنُ الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يُوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بن إبراهيم ﵈] (٢).\nوالخلاصة: إن شجرة الأنبياء جميعها تنبعث في أصلها من إبراهيم ﵊، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، حتى\n_________\n(١) حديث حسن في الشواهد. أخرجه أبو داود (١/ ٣٨٨ - جهاد)، والحاكم (٤/ ٤٨٦ - ٤٨٧)، وأحمد (٢/ ٨٤)، (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، وعبد الرزاق (١١/ ٣٧٦/ ٢٠٧٩٠)، وكذلك أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٥٤ - ٦٦). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٢٠٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٨٢) -كتاب أحاديث الأنبياء، وانظر كذلك (٣٣٩٠)، وكذلك (٤٦٨٨) -كتاب التفسير، ورواه مسلم وغيره من أهل السنن.","vol":"5","page":681},{"text":"كان آخرهم عيسى بن مريم -الذي بشر بخاتم النبيين محمد - ﷺ -، وهو الوحيد من سلالة إسماعيل بن إبراهيم ﵉ - وجميع الكتب التوراة والإنجيل والزبور والفوقان رافقت تلك الذرية المباركة. فالمراد بقوله: ﴿وَالْكِتَابَ﴾ جنس ذلك، أي: من الكتب المشار إليها.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. قال مجاهد: (الثناء). وقال ابن عباس: (الولد الصالح والثناء). أو قال: (الذكر الحسن). وقال عكرمة: (أجره في الدنيا أن كل ملة تتولاه، وهو عند الله من الصالحين).\nوعن قتادة: (﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ قال: عافية وعملًا صالحًا، وثناء حَسَنًا، فلست بلاق أحدًا من الملل إلا يرى إبراهيم ويتولاه).\nوالخلاصة: لقد أبقى الله تعالى لإبراهيم - ﵇ - الثناء الحسن في الأرض، والصلاة عليه إلى آخر الدهر، ومحبة أهل الملل له، واستمرار الذرية الصالحة في عقبه.\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال الحسن: (أي من أهل الجنة).\nقال ابن جرير: (﴿إِنَّهُ﴾ مع ذلك ﴿فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فله هناك أيضًا جزاء الصالحين، غير منتقص حَظُّه بما أعطي في الدنيا من الأجر على بلائه في الله، عَمَّا له عنده في الآخرة).\n٢٨ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: واذكر يا محمد لوطًا إذ حذر قومه مغبة الفاحشة التي كانوا عليها من إتيان المذكور دون النساء ولم يسبقهم إليها أحد من العالمين، ومقابلة قومه له بالتكذيب والإصرار واستعجال العذاب حتى لجأ إلى الله طالبًا النصر على القوم المفسدين.","vol":"5","page":682},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال عمرو بن دينار: (ما نزا ذكَرٌ على ذكر حتى كان قوم لوط).\nوقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.\nأي: إنهم جمعوا بين منكرات كثيرة، من كفر بالله وتكذيب لرسوله، وقطع للطرق على المسافرين يبتزّونهم للفاحشة ويقتلونهم ويأخذون أموالهم، ويفعلون ما لا يليق فعله في مجالسهم من مجاهرة بالمنكر وتضارُطٍ وتضاحك خبيث وتكشُّفٍ مَشين.\nفعن ابن زيد: (﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قال: السبيل: الطريق. المسافر إذا مرَّ بهم، وهو ابن السبيل قطعوا به، وعملوا به ذلك العمل الخبيث).\nوعن عكرمة: (﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: كانوا يُؤذون أهل الطريق يحذفون من مرَّ بهم). وقال مجاهد: (كان يجامع بعضهم بعضًا في المجالس). وقال ابن زيد: (ناديهم المجالس، والمنكر: عملهم الخبيث الذي كانوا يعملونه، كانوا يعترضون بالراكب فيأخذونه ويركبونه). وذكر ابن جرير بسنده عن عروة بن الزبير، عن عائشة في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: (الضراط). قيل: كانوا يتضارطون ويضحكون.\nقلت: والآية بعمومها تشمل جميع أنواع المنكرات التي ذُكِرَتْ، وغير ذلك مما لم يُذكر، وتدلّ أنّ قوم لوط جمعوا من الخبائث ألوانًا شتى وأصزوا عليها متكبرين مستهزئين بالعذاب مطالبين به تهكّمًا، وهو قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nلجوءٌ صحيح من لوط - ﷺ - إلى ربه حين استعصى عليه قومه، وأَصَرُّوا على بَغْيهم وكفرهم وفجورهم، فاستنصر ربه ﷿ عليهم.\n٣١ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ","vol":"5","page":683},{"text":"رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: بثُّ الملائكة البشرى لإبراهيم ﵇ بولد صالح وبإهلاك القوم الظالمين، ووصول الرسل إلى لوط وضيقه وخوفه عليهم حتى بشروه بهلاك القوم المفسدين، لتبقى قصتهم آية لقوم يعقلون.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.\nأي: جمعوا له بين البشارة بولد صالح وبين إهلاك قوم لوط الذين أصروا على الظلم من كفر ومعصية.\nقال ابن كثير: (لما استنْصَرَ لوطٌ -﵇- الله عليهم، بعثَ الله لِنُصْرَتِه ملائكةً فَمَرُّوا على إبراهيم - ﵇ - في هيئة أضياف، فجاءهم بما يَنْبغي لِلضَّيفِ، فلما رأى أنه لا هِمَّةَ لهم إلى الطعام نَكِرَهُم وأوجسَ منهم خيفة، فَشَرَعوا يؤانسونه ويُبَشِّرونه بوجود ولدٍ صالحٍ من امرأته سارَّة -وكانت حاضرة- فتعجَّبَت من ذلك. قال: فلما جاءت إبراهيم البُشرى، وأخبروه بأنهم أُرسِلوا لهلاكِ قوم لوطٍ، أخذَ يدافِعُ لعلهم يُنْظرون، لعل الله أن يَهديهم. ولما قالوا: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تُمالِئُهم على كُفْرهم وبَغْيِهم ودَبْرِهِم).\nوقوله: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾.\nقال قتادة: (ضاق ذرعه بضيافتهم لِما علم من خُبث فعل قومه). أو قال: (﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ بالضيافة مخافة عليهم مما يعلم من شرّ قومه).\nوالمقصود: أنه لما سارت الملائكة من عند إبراهيم متوجهين إلى لوط -﵉- وَرَدُوا عليه في صورة شبابٍ حسان فلما رآهم اغتَمَّ بأمرهم فإن أضافهم خشي","vol":"5","page":684},{"text":"عليهم مكر قومه، وإن لم يضفهم خاف عليهم اعتداءهم، ولم يعرف حقيقة أمرهم بعد.\nوقوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك، ولا تحزن مما أخبرناك من أنّا مهلكوهم. وذلك أن الرسل قالت لهْ: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]. ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ من العذاب الذي هو نازل بقومك ﴿وَأَهْلَكَ﴾ يقول: ومنجو أهلَك معك ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها هالكة فيمن يهلك من قومها، كانت من الباقين الذين طالت أعمارهم).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\nأي: إنا منزلون -يا لوط- على أهل هذه القرية -سدوم- عذابًا من السماء بما كانوا يستهترون بركوبهم الفواحش وإصرارهم عليها.\nلقد اقتلع جبريل ﵇ قراهم من قرار الأرض فرفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم. وأتبعهم الله حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nقال مجاهد: (عبرة). وقال قتادة: (هي الحجارة التي أمطرت عليهم).\nقال القاسمي: (﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يعني قصتها العجيبة، أو آثارها الخربة).\nقال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].\n٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ","vol":"5","page":685},{"text":"مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: خبرُ شعيب - ﷺ - وقومه ودعوتهم لعبادة الله والاستعداد لليوم الآخر وترك الفساد في الأرض، وإصرارهم حتى أخذتهم الرجفة فأصبحوا جاثمين. وخبر عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان وغيرهم من الأمم الباغية الذين سلّط الله عليهم ألوان العذاب وما كانوا سابقين.\nفقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وأرسلت إلى مَدْين أخاهم شعيبًا، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده، وذِلُّوا له بالطاعة، واخضعوا له بالعبادة، ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يقول: وارجوا بعبادتكم إياي جزاء اليوم الآخر وذلك يوم القيامة).\nوقال بعضهم: (﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: واخشوا اليوم الآخر). وقيل: (﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي صدقوا به فإن القوم كانوا ينكرونه).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\nالعُثُوُّ والعِثيّ أشد الفساد. والمقصود: نهيهم عن السعي في الأرض بالفساد والبغي والإفساد. وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\nقال قتادة: (﴿جَاثِمِينَ﴾: أي ميتين). وقال غيره: (قد أُلقي بعضهم على بعض).\nقال ابن كثير: (فأهلكهم الله بِرَجْفَةٍ عظيمة زَلْزَلَت عليهم بلادهم، وصَيحةٍ أخرجت القلوب من حَنَاجرها، وعذاب يَوْمِ الظلّة الذي أزهَقَ الأرواحَ من مُستَقَرِّها، إنه كان عذاب يوم عظيم).","vol":"5","page":686},{"text":"وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾.\nأي: واذكروا كذلك -أيها القوم- مصير عاد وثمود ومآل مساكنهم إلى الدمار والخراب. وذلك أن عادًا -قوم هود- كانوا يسكنون الأحقاف، وهي قرية قريبة من حَضْرموت بلاد اليمن، وثمود -قوم صالح- كانوا يسكنون الحِجْرَ قريبًا من وادي القرى. وكانت العرب تعرف مساكنهما جيدًا، فهم يقرون على آثار ديارهم كثيرًا أثناء الأسفار والترحال، فذكرهم الله تعالى بما يشاهدونه من تلك البقايا من الأطلال.\nوقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال القرطبي: (أي أعمالهم الخسيسة فحسبوها رفيعة). والمقصود: حَسّن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي.\nوقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.\nأي: فأزاحهم الشيطان بتزيينه لهم الكفر والآثام عن سبيل الله القويم، وطريق الحق المتين، وكانوا في ضلالتهم مستبصرين، فهم مُعْجَبون ببغيهم يحسبون أنهم على هدى وصواب وهم على الضلال المبين.\nففي قوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ قولان متكاملان في المعنى:\n١ - قال ابن عباس: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ يقول: كانوا مستبصرين في دينهم). وقال مجاهد: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ في الضلالة). وقال قتادة: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ في ضلالتهم مُعْجبين بها).\n٢ - قال الفراء: (كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم). وقال النسفي: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ عقلاء متمكنين من النظر وتمييز الحق من الباطل ولكنهم لم يفعلوا).\nوقوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾.\nأي: وكذلك اذكر يا محمد -وَذَكِّر قومك- أمر قارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة، وأمر فرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان، وكانا -من القبط- على الكفر بالله ورسوله، جاءهم موسى بالبينات من الأدلة الواضحات، فاستكبروا في الأرض وأبوا الإيمان بالله الواحد الأحد، فَدَكَّهم العذاب وما كانوا سابقينا بأنفسهم فيفوتونا، بل كنا مقتدرين عليهم. قال القاسمي: (﴿وَمَا كَانُوا","vol":"5","page":687},{"text":"سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين لله سبحانه، بل لحقهم عذابه فدمرهم تدميرًا).\nوقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾.\nقال ابن عباس: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ قوم لوط). أي: أمطر الله عليهم حجارة من سجيل منضود. قال ابن جرير: (والعرب تسمي الريح العاصف التي فيها الحصى الصغار أو الثلج أو البَرَد والجليد حاصبًا).\nوعن ابن جريج، عن ابن عباس: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قال: ثمود). وقال قتادة: (قوم شعيب). ولا شك أن ثمود ومدين قد أخذتهم الصيحة فيشملهما الإخبار.\nوعن ابن عباس قال: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني قوم نوح وفرعون وقومه).\nوالخلاصة: لقد أخذ الله جميع هؤلاء الأقوام بذنوبهم، فكانت عقوبة كل منهم بما يناسب ظلمهم، فقدم عاد طغوا وقالوا من أشد منا قوة؟ فأزاحتهم ريح عاتية محملة بالحصباء ترفع الرجل منهم عاليًا ثم تنكسه على رأسه فتشدخُه، فيبقى بدنًا بلا رأس كأنهم أعجاز نخل منقعر. وثمود الذين عقروا الناقة وعتوا وتهددوا نبيَّ الله صالحًا ومن آمن معه بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت أصواتهم وحركاتهم.\nوقارون الذي مشى متبخترًا، فرحًا بالمال متكبرًا، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.\nوفرعون الطاغية الذي ادّعى الربوبية وملك البلاد والأنهار والبحار، فسلّط الله عليه مياه اليم فأغرقه وجنوده، وأبقاه عبرة لمن جاء بعده.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\nقال القرطبي: (لأنه أنذرهم وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر).\n٤١ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ","vol":"5","page":688},{"text":"الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تمثيلٌ بديع لحال المشركين في تَعَلُّقِهم بآلهتهم التي لا تضر ولا تنفع فهم كالمتعلق بشبكة خيوط العنكبوت لو كانوا يعلمون. وهذه الأمثال يضربها الله للناس وما يعقلها إلا العالمون.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ..﴾ إلى آخر الآية، قال: ذلك مثل ضربه الله لمن عبد غيره، إن مثله كمثل بيت العنكبوت). قال ابن جرير: (﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ أي: أضعف البيوت). ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾. قال الضحاك: (ضرب مثلًا لضعف آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت). وقال قتادة: (هذا مثل ضربه الله للمشرك، مثل إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بيت العنكبوت واهن ضعيف لا ينفعه).\nوقال ابن زيد: (هذا مثل ضربه الله، لا يغني أولياؤهم عنهم شيئًا كما لا يغني العنكبوت بيتها هذا). قال القرطبي: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أي لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئًا، وأن هذا مثلهم لما عبدوها، لا أنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف).\nوالمقصود: أن اتخاذ المشركين آلهة من دون الله وتعظيم الطواغيت يرجون نَصْرهم ورزقهم ويستغيثون بهم في النائبات والشدائد، إنما هم في ذلك كمن يتعلق للنجاة ببيت العنكبوت لا يجدي عنه شيئًا لضعفه ووهنه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nتجهيلٌ للكفار حين عبدوا من دون الله جمادًا لا علم له ولا قدرة، وتركوا عبادة الله الواحد القادر القاهر الأحد. فالله تعالى يعلم عجز الهتهم التي يدعون من دونه، وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب الذي يقهر كل الأوثان والطواغيت ومن عظّمها، الحكيم في تدبير شؤون خلقه وإمهال المشركين إلى حين.\nوقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.\nأي: وهذه الأمثال البديعة التي يضربها الله تعالى للناس إنما هي ليتدبروا أمرهم قبل ذوات الأوان، فيفردوه تعالى بالعبادة والتعظيم، وإنما يعي آفاق هذه الأشباه والنظائر والحكم الراسخون في العلم والإيمان.","vol":"5","page":689},{"text":"قال النسفي: (كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إنّ رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت ويضحكون من ذلك، فلذلك قال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ به وبأسمائه وصفاته، أي: لا يعقل صحتها وحسنها ولا يفهم فائدتها إلا هم، لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المستورة حتى تبرزها وتصورها للأفهام). وعن عمرو بن مرة قال: (ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها، إلا أحزنني. لأني سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾).\n٤٤ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: خَلْقُ الله السماوات والأرض بالحق، ودعوته تعالى رسوله - ﷺ - والمؤمنين لتلاوة الوحي وإقام الصلاة، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، وألله يعلم جميع شؤون عباده وأعمالهم.\nفقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾. أي: محقًا، أراد بخلقه ذلك الجِدّ والعمل، لا اللهو والعبث والكسل. قال النسفي: (يعني لم يخلقهما باطلًا بل لحكمة، وهي أن تكونا مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين منهم، ودلائل على عظم قدرته).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -:","vol":"5","page":690},{"text":"[إنِّي أرَى ما لا تَرَوْنَ، وأسْمَعُ ما لا تَسْمعون. إنَّ السَّماء أطَّت (١) وحقَّ لها أن تَئِطَّ. ما فيها مَوْضِعُ أَرْبَعِ أصابعَ إلا وَمَلَكٌ واضعٌ جَبْهَتَه ساجدًا لله والله، لو تعلمون ما أعْلَمُ، لَضَحِكْتُم قليلًا ولبكيتم كثيرًا. وما تَلذَّذْتُم بالنساء على الفُرُشاتِ. ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (٢).\nالحديث الثاني: يروي ابن ماجه في كتاب الزهد بإسناد حسن عن عبد الله بن ضمرة السلولي، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يقول: [الدنيا مَلْعُونَةٌ. مَلْعونٌ ما فيها، إلا ذِكْرَ الله وما والاهُ، أو عالِمًا أو مُتَعَلِّمًا] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: لدلالة بينة أنه تعالى الإله الحق المستحق للعبادة دون ما سواه.\nوقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.\nأمْرٌ من الله سبحانه لرسوله - ﷺ - والمؤمنين بقراءة القرآن وتبليغه والقيام بأوامره ومقتضى ما فيه من الحق.\nوقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ - أمْرٌ من الله تعالى نبيّه والمؤمنين بإقام الصلاة بحدودها وأركانها وواجباتها، وما يجب لها من إتمام الوضوء والتطهر.\nوقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله).\nأخرج الإِمام أحمد في المسند، ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة قال: أجاءَ رَجُلٌ إلى النبي - ﷺ - فقال: إنّ فلانًا يُصَلِّي بالليل فإذا أصْبَحَ سَرَق! فقال: إنه سَيَنْهَاهُ ما تقولُ] (٤).\n_________\n(١) الأطيط: صوت الأقتاب، وأطيط الإبل أصواتها وحنينها، والمقصود سُمعَ صوت ثقل الملائكة وكثرتها وازدحامها كصوت الحركة على السقف من الخشب.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه في السنن (٤١٩٠) -كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء. وانظر صحيح سنن ابن ماجه -حديث رقم- (٣٣٧٨).\n(٣) إسناده حسن. أخرجه ابن ماجه (٤١١٢) -في السنن- كتاب الزهد. باب مثل الدنيا. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٣٢٠)، وتخريج المشكاة (٥١٧٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٧)، والبزار كما في \"المجمع\" (٢/ ٢٥٨)، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. وله رواية للبزار من طريق جابر، ورجاله ثقات.","vol":"5","page":691},{"text":"قلت: وأما حديث أكثر من ذكره هنا المفسرون: \"مَنْ لم تنْهَهُ صلاتُه عن الفحشاء والمنكر لم يزْدَد بها من الله إلا بُعْدًا\"- فهو ضعيف. أخرجه الطبراني وفي سنده ليث بن أبي سُليم قد اختلط. وكذلك حديث: \"لا صلاة لمن لم يُطع الصلاة\" -فهو ضعيف جدًّا- أخرجه ابن جرير في التفسير، وفيه جويبر متروك متهم، فتَنبَّه.\nوالمقصود: أَنَّ إِقبال العبد على الله في صلاته بصدق يورثه تعظيم أوامره واجتناب نواهيه، فلا بد أن تأمره صلاته بترك الفحشاء والمنكر.\nوقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. أي: منهاج الذكر أكبر شيء وأجَلُّه، والذي في الصلاة جزء منه، وإنما ذِكْرُهُ تعالى فَوْقَ كُلِّ أَمْر.\nومن أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - قال ابن عون الأنصاري: (إذا كنت في صلاة فأنت في معروف، وقد حَجَزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر).\n٢ - قال ابن عباس: (يقول: ولذكر الله لعباده أكبر إذا ذكروه من ذكرهم إياه). أو قال: (ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته).\n٣ - وقال ابن عطاء: (ذِكْرُ اللهِ لكم أكبر من ذكركم له الآن؛ لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى وذكركم لا يبقى).\n٤ - وقال سلمان: (ذكر الله أكبر من كل شيء وأفضل).\n٥ - وقيل: ذكر الله أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم.\n٦ - وقيل: ذكر الله أكبر من تلقي معه معصية. أو ذكر الله أكبر عن الفحشاء والمنكر من غيره.\nقلت: والراجح عندي إطلاق اللفظ على حاله، فهو إضافة لأنه يشمل كل ما ذكر، إلا أنه يفيد في تأصيل مفهوم عظيم، وهو أن ذكره تعالى أعلى من كل شيء، بل هو غاية كل عمل صالح. قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.\nفقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: قال النبي - ﷺ -: [ألا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أعمالِكُمْ وأزكاها عِنْدَ مَليكِكُمْ وأرفَعِها في درجاتِكُم، وخَيْرٌ لكم من إنفاق الذَّهَبِ","vol":"5","page":692},{"text":"والوَرِقِ، وخيْرٌ لكم مِنْ أَنْ تَلْقوا عَدُوَّكُم فتضربوا أعناقَهُم ويضربوا أعناقكمْ؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله] (١).\nقال معاذ بن جبل: (ما شيء أنجى من عذاب الله، من ذكر الله).\nفذكر الله تعالى أعلى من الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإِسلام، لأن الجهاد إنما شُرعَ لإعلاء كلمة الله والحكم بمنهاجه، فَذِكْرُهُ تعالى وكلامه وصفاته وأسماؤه فوق كل شيء.\nوقد جاء في آفاق منهج الذكر أحاديث جليلة، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: [خرج معاوية إلى المسجد فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: الله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله - ﷺ -، أقلَّ حديثًًاا عنه مِنِّي: إنَّ رسول الله - ﷺ -، خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما يُجلِسُكُمْ؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده، لما هدانا للإسلام، ومَنَّ علينا به. فقال: الله. ما أجْلَسَكُمْ إلا ذاك. قالوا: الله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما أنّي لمْ أسْتَحْلِفْكُم لِتُهْمَةٍ لكم، إنه أتاني جِبْرَئيلُ وأخبرني: أن الله يُباهي بكم الملائكة] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عبد الله بن بسر، أن أعرابيًا قال لرسول الله - ﷺ -: إن شرائعَ الإِسلام قد كثرت علي. فأنبئني منها بشيء أتشبث به. قال: [لا يزالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله ﷿] (٣).\nالحديث الثالث: روى مسلم والترمذي وابن ماجه عن الأغَر أبي مُسلم: أنه شهد على أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، أنهما شهدا على رسول الله - ﷺ - أنه قال: [ما مِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٦١٧) -أبواب الدعوات، وكذلك ابن ماجه (٣٧٩٠) - في فضل الذكر، وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٨٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٧٢)، ورواه الترمذي (٣٦١٩) - أبواب الدعوات، باب ما جاء في القوم يجلسون فيذكرون الله ما لهم من الفضل. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٩٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٢٧٩٣) - في فضل الذكر. والترمذي (٣٦١٥) - أبواب الدعوات. باب فضل الذكر. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٨٧)، وصحيح ابن ماجه (٣٠٦٠).","vol":"5","page":693},{"text":"قوم يذكرون الله إلا حَفَّتْ بهم الملائِكَةُ، وغَشيتهم الرحمةُ، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده] (١).\nمنهاج الذكر كما جاء في الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة:\nوهنا فائدة جليلة: لما أفادت الآية السابقة أن ذكر الله أجل الأعمال، كان من الواجب على العباد الاعتناء بآداب ذكرهم لله تعالى ولزومهم لهدي نبيّه - ﷺ - ومنهاجه في ذلك:\nأ - مجالس الذكر هي مجالس العلم.\nجاء في \"المدخل\" لابن الحاج \"١/ ٨٦ - ٨٧\": (قال علماؤنا -﵏-: الذكر والمجالس المذكورة في هذه الأحاديث مجالس العلم، وهي مجالس الحلال والحرام، هل يجوز أو لا يجوز، كيف يتوضأ، وما يجب عليه، ويسن ويستحب، ويكره ويمنع، وكيف يصلي، وكيف ينكح، وكيف يبيع ويشتري، إلى غير ذلك، حتى الحركات والسكنات، والنطق والصمت).\nوجاء فيه \" ١/ ٨٩ - ٩٠\": (وقد قالت عائشة ﵂: \"كم من قارئٍ يقرأ القرآن والقرآن يلعنه، يقرأ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وهو ظالم).\nوقد قال ابن بطال (٢) في شرح البخاري عن العلماء أنهم قالوا: (الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة ﵃ لها. كيف تلقوها عن صاحب الشريعة - ﷺ - فإنهم أعرف بالمقال، وأفقه بالحال).\nب - عدم رفع الصوت عند الذكر.\nقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\nقال قيس بن عُباد (٣): (كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يكرهون رفع الصوت عند\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٨/ ٧٢)، وابن ماجه (٢/ ٤١٨)، وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٠٥٨)، وصحيح سنن الترمذي (٢٦٨٩).\n(٢) هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال أبو الحسن القرطبي عالم بالحديث شرَحَ صحيح البخاري. توفي سنة (٤٤٩ هـ) رحمه الله تعالى.\n(٣) هو قيس بن عُبَاد الضُبَعي أبو عبد الله البصري، ثقةٌ مخضرم. مات بعد الثمانين -رحمه الله تعالى-.","vol":"5","page":694},{"text":"الذكر). وممن روى كراهة رفع الصوت عند قراءة القرآن: سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والحسن وابن سيرين والنخعي، وكرهه مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل.\nروى مالك في الصلاة، باب العمل في القراءة، من حديث البياضي ﵁ مرفوعًا - أنه خرج النبي - ﷺ - على أصحابه ﵃ وهم يرفعون أصواتهم بالقرآن، فكره ذلك وقال: [لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن] (١).\nوله شاهد عند أبي داود في السنن، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السِّتْرَ وقال: ألا كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله - ﷺ - خيبر أشرف الناس على واد، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.\nفقال رسول الله - ﷺ -: [ارْبَعُوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا. إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم] (٣).\nج - عدم الاجتماع على صوت واحد في الذكر.\nقال ابن وهب: قلت لمالك ﵀: أرأيت القوم يجتمعون فيقرؤون جميعًا سورة واحدة حتى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابه وقال: (ليس هكذا كان يصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه) (٤).\nثم ذكر حديث: \"لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن\". وقال: (ومحال في حقهم أن يكون - ﷺ - نهاهم عن رفع الصوت بالقرآن فيجتمعون للذكر رافعين أصواتهم به).\nثم قال: (وأما قوله - ﷺ -: \"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الصلاة\" - باب العمل في القراءة (١/ ٨٠) -حديث رقم- (٢٩).\n(٢) رواه أبو داود (١٣٣٢) - في الصلاة، باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، ورواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٥٤٣) رقم (٢٦٥٨). وسنده صحيح.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٤٢٠٢) - كتاب المغازي. باب غزوة خيبر. وانظر كذلك (٢٩٩٢).\n(٤) انظر: \"المدخل\" لابن الحاج (١/ ٩١)، وكتاب: \"إنارة الفكر بما هو الحق في كيفيّة الذكر\" - البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) (ص ٣٦).","vol":"5","page":695},{"text":"ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ... \". فالدراسة المذكورة تشعرك بأنهم لم يجتمعوا على التلاوة صوتًا واحدًا متراسلين، لأن المدارسة إما أن تكون تلقينًا، أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.\nأي والله يعلم أحوالكم وصفة عبادتكم وموافقتها لمنهاج النبوة أو انحرافها، كما يعلم جميع أعمالكم وشؤونكم.\n٤٦ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾.\nفي هذه الآيات: الدعوةُ لمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، والتصريح بالإيمان بهذا القرآن وما قبله من الكتب، وتوحيد الله الإله الحق منزل الكتاب بالحق وما يجحد به إلا الكافرون. إنك -يا محمد- لو كنت قارئًا كاتبًا في قومك ثم جئتهم بهذا القرآن لاتهمّك بأخذه من الكتب المبطلون. وإنما هذا القرآن آيات بينات في صدور أهل العلم وما يجحد بآيات الله إلا الظالمون.\nقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.\nقال مجاهد: (هي محكمة، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله ﷿، والتنبيه على حججه واياته، رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة). وقيل منسوخة بآية السيف، فلهم الإِسلام أو السيف أو الجزية. قلت: والراجح قول مجاهد، فإن الآية عامة في ملاطفة المعتدلين من أهل الكتاب بالجميل من القول، رجاء إسلامهم واتباعهم هدي النبي محمد - ﷺ -.","vol":"5","page":696},{"text":"التفسيرُ المأمونُ على منهَجِ التَّنزيلِ والصَّحِيح المِسَنُونِ\nتَفْسِيرُ القُرآنِ الكريمِ عَلى مِنْهاجِ الأصْلَيْنِ العَظِيْمَيْنِ - الوحْيَيْنِ: القُرآنِ والسُّنّةِ الصَّحِيْحَةِ عَلى فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتّابِعِيْنَ\nتَفْسِيرٌ مَنْهجيٌّ فِقْهِيٌّ شَامِلٌ مُعَاصِرٌ\nالجُزْءُ السَّادِس\nتأليف الأستاذ الدكتور\nمَأمُون حَمُّوش","vol":"6","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"6","page":2},{"text":"التفسيرُ المأمونُ على منهَجِ التَّنزيلِ والصَّحِيح المِسَنُونِ","vol":"6","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م\nموافقة وزارة الإعلام\nرقم: ٩١٠٩٢\nورقم: ٩١٤٥١\nتاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م\nدمشق- سورية\nيطلب من المؤلف\nدمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١\nالمدقق اللغوي\nالدكتور أحمد راتب حموش","vol":"6","page":4},{"text":"وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. قال سعيد: (أهل الحرب، مَنْ لا عَهْدَ له، جادِلْه بالسيف). وقال مجاهد: (يعني: أهل الحرب، ومن امتَنَعَ منهم من أداء الجزية).\nوقوله: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾. قال ابن كثير: (يعني: إذا أَخْبروا بما لا يُعلمُ صدقُهُ ولا كَذِبُهُ فهذا لا نُقدِم على تكذيبه لأنه قد يكون حقًّا، ولا على تصديقه فلعله أن يكون باطلًا، ولكن نؤمن به إيمانًا مُجملًا مُعَلَّقًا على شرط، وهو أن يكون مُنَزَّلًا، لا مُبَدَّلًا ولا مُؤوَّلًا).\nوفي صحيح السنة العطرة من آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: [كان أهلُ الكتاب يَقْرَؤونَ التوراة بِالعبرانِيَّة ويُفَسِّرونها بالعربية لأهل الإِسلام. فقال رسول الله - ﷺ -: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكتاب وَلا تُكذِّبوهم و﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]] (١). وفي رواية: [وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٦]].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن الزُّهري قال: أخْبرني حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرحمن: [سَمعَ مُعاوِيةَ يُحَدّثُ رَهْطًا مِنْ قريشٍ بالمدينة، وذَكَرَ كَعْبَ الأحْبَارِ فقال: إنْ كانَ مِنْ أصْدَقِ هؤلاء المُحَدِّثينَ الذينَ يُحَدِّثونَ عَنْ أَهْلِ الكتابِ، وإنْ كُنَّا -مع ذلك- لنبلو عليه الكذِبَ] (٢).\nومفهوم الحديث: يحصل منه الكذب دون قصد لامتلاء تلك الصحف بالأشياء الموضوعة والمكذوبة وهو يحسن بها الظن، لخُلُوِّ تلك الأمة من الحفاظ المتقنين أمثال الجهابذة في أمتنا الذين يكشفون تلك الأكاذيب ويميزون الأحاديث الصحيحة من الضعيفة والموضوعة.\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن عُبيد الله بنِ عَبْد الله: أن ابنَ عباسٍ ﵄ قال: [كيف تَسْألونَ أهل الكتاب عن شيءٍ وكتابُكُم الذي أنْزلَ على رسول الله - ﷺ - أحْدَثُ؟ تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يشُبْ، وقد حَدَّثَكُمْ أنَّ أهل الكتاب بَدَّلُوا كتاب الله وغَيَّرُوه،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٨٥) -كتاب التفسير. وكذلك (٧٣٦٢)، (٧٥٤٢) من حديث أبي هريرة. وانظر في هذا التفسير، سورة البقرة- آية (١٣٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٧٣٦١) -كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. باب قول النبي - ﷺ -: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء\".","vol":"6","page":5},{"text":"وكَتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هُوَ مِنْ عِنْد الله، لِيَشتَروا به ثَمَنًا قليلًا، ألا يَنْهاكُم ما جاءكُمْ مِنَ العلم عَنْ مَسْألَتِهم؟ لا والله ما رأينا مِنْهم رجلًا يَسْأَلُكُم عن الذي أُنْزِلَ عَلَيْكُم] (١).\nالحديث الرابع: أخرج البزار بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود موقوفًا: [لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضَلّوا، إما أن تكذبوا بحق وإما أن تصدّقوا بباطل] (٢).\nوقوله: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: ومعبودنا ومعبودكم واحد ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يقول: ونحن له خاضعون متذللون بالطاعة فيما أمرنا ونهانا).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾.\nأي: وكذلك -يا محمد- أنزلنا إليك هذا القرآن، كما أنزلنا أمثاله من الكتب على من قبلك من الرسل.\nوقوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: الذين أخذوه فتَلَوْه حَقَّ تِلاوتِهِ من أَحبارهم العُلَماء الأذكِياء، كعبد الله بن سلام وسَلْمانَ الفارسي وأشباههما).\nوقوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾. أي: العرب من قريش وغيرهم.\nوقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾. قال قتادة: (إنما يكون الجحود بعد المعرفة).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما يجحد بأدلتنا وحججنا إلا الذي يجحد نعمنا عليه، وينكر توحيدنا وربوبيتنا على علم منه عنادًا لنا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣٦٣) -كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. الباب السابق. وانظر الحديث (٢٦٨٥) -كتاب الشهادات من حديث ابن عباس.\n(٢) أخرجه البزار كما في \"المجمع\" (١/ ١٩٢) وقال الهيثمي: رجاله موثقون. وذكره الحافظ في الفتح (١٣/ ٣٣٤) فقال: أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود موقوفًا.","vol":"6","page":6},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.\nأي: وقد عَرَفَ قومك -يا محمد- أنك أمِّي لمْ تَقْرأ كتابًا ولم تكتب -قبل مجيئك بهذا القرآن- ولو كنت معروفًا بإحسانك القراءة والكتابة لارتاب بعض الجهلة من الناس فقالوا: إنما تَعَلّمَ هذا من كتب الأوائل مما أثِر عن الأنبياء وأتباعهم.\nفعن ابن عباس: (﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: كان نبي الله - ﷺ - أُمِّيًّا لا يقرأ شيئًا ولا يكتب).\nوقال قتادة: (كان نبي الله لا يقرأ كتابًا قبله، ولا يخطه بيمينه، قال: كان أُمِّيًا، والأمِّي: الذي لا يكتب. ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: إذن لقالوا: إنما هذا شيء تَعَلَّمَهُ محمد - ﷺ - وكتبَهُ). وعن مجاهد: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: قريش).\nوقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قوله. قال الحسن: (القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، يعني المؤمنين). فالمقصود: القرآن.\nقال القرطبي: (يعني القرآن. أي: ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو شعر، ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه. وهي كذلك في صدور الذين أوتوا العلم، وهم أصحاب محمد - ﷺ - والمؤمنون به، يحفظونه ويقرؤونه. ووصفهم بالعلم لأنهم ميّزوا بأفهامهم بين كلام الله وكلام البشر والشياطين). وقال ابن كثير: (أي: هذا القرآن آيات بَيِّنَةٌ واضحة في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفَظُهُ العلماءُ، يَسَّرَهْ الله عليهم حفظًا وتلاوة وتفسيرًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]). ثم ذكر الحديث: \"لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار\" (١). قال: (لأنه محفوظ في الصدور، مُيَسَّرٌ على الألسنة، مُهَيْمِنٌ على القلوب، معجز لفظًا ومعنى. ولهذا جاء في الكتب المتقدمة، في صفة هذه الأمة: أنَاجِيلُهم في صُدُورهم).\nوقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾.\nأي: ما يكذب بآيات هذا الوحي العظيم، وصدق نبوة هذا النبي الكريم، إلا القوم الظالمون: المعتدون المكابرون.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الدارمي (٣١٩٢)، وأبو يعلى (١٧٤٥)، وأحمد (٤/ ١٥١ - ١٥٥) من حديث عقبة بن عامر ﵁.","vol":"6","page":7},{"text":"قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [والذي نفسُ محمد بيده! لا يَسْمَعُ بي أحدٌ مِنْ هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمنْ بالذي أُرسلتُ به، إلا كانَ مِنْ أصحاب النار] (١).\n٥٠ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ الله تعالى أن هذا القرآن هو أكبر معجزة خالدة في الأرض، وفيه رحمة وذكرى لقوم يؤمنون. وأمرُ الله نبيَّه أن يقول للمكذبين: كفى بالله شهيدًا لي بصدق النبوة والكافرون هم الخاسرون.\nفقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقالت المشركون من قريش: هلا أنزل على محمد آية من ربه تكون حجة لله علينا كما جعلت الناقة لصالح، والمائدة آية لعيسى).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إنما أمر ذلك إلى الله، فإنه لو عَلِمَ أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم، لأن ذلك سهل عليه، يسير لديه، ولكِنَّهُ يعلَمُ منكم أنما قَصْدُكم التَعنُّتُ والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٣) - كتاب الإيمان. باب وجوب الإيمان برسالة نبيِّنا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته.","vol":"6","page":8},{"text":"نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: إنما بُعِثتُ نذيرًا لكم بيِّنَ التدَارة فَعَليَّ أن أبلِغَكم رسالة الله تعالى).\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.\nإعْلامٌ من الله تعالى للمشركين أن هذا القرآن العظيم هو أعظم معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة، تعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته بسورة من مثله، وهو أعظم من كل معجزة أتت على أيدي الرسل فيما مضى، ففيه الخبر الصادق عما جرى وما يجري وما سيجري إلى أبد الأبد، بل وبعد فصل الحساب يوم القيامة.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: [ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أُعْطِيَ من الآيات ما مِثْلُه آَمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنما كان الذي أوتيتُه وَحْيًا أوْحاهُ الله إليَّ، فأرجو أنْ أكونَ أكثرهم تابِعًا يومَ القيامة] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي: إن في هذا القرآن الذي يسمعونه يتلى عليهم لرحمة للمؤمنين في تبيانه الحق من الباطل، وذكرى للمؤمنين يتذكرون بما فيه من عبرة وعظة.\nوقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال القرطبي: (أي قل للمكذبين لك كفى بالله شهيدًا يشهد لي بالصدق فيما أدعيه من أني رسوله، وأن هذا القرآن كتابه. ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾. قال قتادة: (الشرك). وقال يحيى بن سلام: (بإبليس). وقال ابن شجرة: (بعبادة الأوثان والأصنام).\nوقوله: ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾. بشركهم به بالأوثان، وإضافة إليه الأولاد والأضداد، وتكذيبهم رسوله، وجحدهم لكتابه.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال النسفي: (المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان). والمقصود: أنهم هم الخاسرون أنفسهم وأعمالهم في الآخرة.\n٥٣ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٨١) - كتاب التفسير، وكذلك (٧٢٧٤) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. وأخرجه مسلم (١٥٢) - كتاب الإيمان.","vol":"6","page":9},{"text":"وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾.\nفي هذه الآيات: استعجالُ المشركين العذاب وهو آتيهم بغتة وهم لا يشعرون، ثم إن جهنم ستكون قريبًا محيطة بالكافرين، فإن العذاب يومئذ سيغطيهم من فوقهم ومن تحتهم ويقال ذوقوا ما كنتم تعملون.\nفقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾. إخبار من الله تعالى عن جهل المشركين في استعجالهم بأس الله أن يَحِلَّ بهم.\nفعن قتادة: (قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ قال: قال ناسٌ من جهلة هذه الأمة: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]).\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾.\nأي: ولولا أجل سمّاه الله تعالى أن لا يهلكهم حتى يستوفوه لنزل بهم العذاب عاجلًا. وفي مفهوم ذلك أكثر من تأويل عند المفسرين:\n١ - قال ابن عباس: (يعني هو ما وعدتك ألا أعذب قومك وأؤخرهم إلى يوم القيامة).\n٢ - وقال الضحاك: (هو مدة أعمارهم في الدنيا).\n٣ - وقال يحيى بن سلّام: (المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى).\n٤ - وقال ابن شجرة: (الوقت الذي قدره الله لهلاكهم وعذابهم).\n٥ - وقيل: هو القتل يوم بدر.\nقلت: وكلها أقوال يحتملها البيان الإلهي، فإنه لكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر.\nوقوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nأي: ولينزلن بهم العذاب فجأة وهم لا يعلمون بنزوله عليهم.","vol":"6","page":10},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي يستعجلونك وقد أعدّ لهم جهنم وأنها ستحيط بهم لا محالة، فما معنى الاستعجال).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾.\nأي: تغشاهم النار فتلفحهم من سائر جهاتهم، ليكون أبلغ في العذاب.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩].\nوفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إنَّ أهْوَنَ أهل النار عذابًا يَوْمَ القيامة، لَرَجُلٌ يُوضَعُ في أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتان، يغلي مِنْهما دِمَاغُه] (١).\nوفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقونَ إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصَارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٢).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. تقريع وتوبيخ وتهديد للمشركين.\nوقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وبعض قراء المدينة والكوفة ﴿ونقول﴾ بالنون. وقرأ بقية القراء بالياء ﴿ويقول﴾. والقراءتان مشهورتان.\nوالمعنى كما قال ابن جرير: (ويقول الله لهم: ذوقوا ما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله، وما يسخطه فيها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٣) - كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابًا. ورواه البخاري.\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وصحيح الجامع (٧٨٩٦)، ورواه أحمد.","vol":"6","page":11},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٦].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما بين منكبي الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع] (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا، وإنَّ ضِرْسَهُ مثل أحد، وإنَّ مَجْلِسَه من جهنم ما بين مكة والمدينة] (٢).\n٥٦ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآيات: نصيحة الله تعالى عباده المؤمنين الهجرة إلى دار الإيمان أو حيث يقيمون دينهم، فكل نفس ذائقة الموت ثم يسأل الله العباد عن صدقهم، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيسكنهم الغرف تجري من تحتها الأنهار ثوابًا لهم، مقابل حسن صبرهم وتألق توكلهم. إنه ما من دابة في هذه الأرض ممن لا يستطيع ادخار رزقه لغد إلا والله رازقها وإياكم وهو السميع العليم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٥٢) - كتاب الجنة ونعيمها. باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٨٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣/ ٣٤١)، والحاكم (٤/ ٥٩٥)، وأحمد (٢/ ٣٢٨).","vol":"6","page":12},{"text":"فقوله: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. أَمْر مِنَ الله تعالى عِباده المؤمنين بالهجرة عند فساد البلاد إلى حيث إقامة الدين.\nقال سعيد بن جبير: (إذا عُمِلَ فيها بالمعاصي، فأخرج منها). أو قال: (اهربوا فإن أرضي واسعة). وعن عطاء قال: (إذا أُمِرْتم بالمعاصي فاهرُبوا، فإن أرضِي واسعة).\nوقال: (﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾: مجانبة أهل المعاصي). قال مجاهد: (فهاجروا وجاهدوا).\nوقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. أي: فأخلصوا العبادة لله ولا تطيعوا في معصيته أحدًا.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].\nوفي صحيح السنة العطرة من آفاق هذ الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: [أتعلم؟ أولُ زمرة تدخل الجنة من أمتي فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ قالوا: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ فيفتح لهم، فيقيلون فيها أربعين عامًا، قبل أن يدخلها الناس] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الطحاوي في \"مشكل الآثار\"، وأحمد في المسند بسند صحيح عن جنادة بن أبي أمية: [أنّ رجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال بعضهم لبعض: إنَّ الهجرة قد انقطعت، فاختلفوا في ذلك، قال: فانطلَقْتُ إلى رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله إن أناسًا يقولون: إن الهجرة قد انقطعت. فقال رسول الله - ﷺ -: إن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٧٠)، وهو صحيح على شرط مسلم. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٨٣٣).","vol":"6","page":13},{"text":"الهجرةَ لا تنقطع ما كان الجهاد] (١). وفي لفظ الطحاوي: [ما دام الجهاد].\nوله شاهد عندهما من طريق عطاء الخراساني: حدثني ابن مُحَيْريز عن عبد الله بن السعدي رجل من بني مالك بن حنبل مرفوعًا به بلفظ: [لا تنقطع الهجرة ما جُوهد العدو].\nالحديث الثالث: روى أحمد في المسند، بسند صحيح على شرط مسلم من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: [لا طاعة لأحد في معصية الله ﵎] (٢). وله شاهد في الصحيحين من حديث علي بلفظ: [لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.\nأي: ما دام الموت حق على كل نفس، فاجهدوا أن تموتوا على طاعة الله، فإن المآل والمرجع إليه، والوقوف للحساب يكون بين يديه.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.\nأي: أما المؤمنون أهل العمل على منهاج النبوة، فقد وعدهم ربهم ﷿ سكنى الغرف أعلى جنة الفردوس، تجري من تحتها الأنهار المختلفة العذبة: من ماء وخمر، وعسل ولبن، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لا يحولون عنها ولا يزولون، بل هم في سرور وبهجة دائمون، نعمت هذه الغرف أجرًا للمؤمنين العاملين، الصادقين المخلصين.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٢٥٧)، وأحمد في المسند (٤/ ٦٢) - (٥/ ٣٧٥)، وانظر للشاهد (٥/ ٢٧٠)، وصحيح ابن حبان (١٥٧٩). وأخرجه البزار (١٧٤٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧٤).\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد (٥/ ٦٦)، وقواه الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ١٠٩)، ورواه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٥٤/ ٢)، والطيالسي (٨٥٦) بنحوه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣/ ٢٠٣ - فتح)، ومسلم (٦/ ١٥)، وأبو داود (٢٦٢٥)، ورواه النسائي (٢/ ١٨٧)، والطيالسي (١٥٩)، وأحمد (١/ ٩٤).","vol":"6","page":14},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].\nوفي صحيح السنة العطرة في وصف الغرف وسكانها أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن سَهْل عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ أهلَ الجنة ليتراءَوْنَ الغُرَفَ في الجنة كما تتراءَوْنَ الكوكبَ في السماء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ أهلَ الجنة يَتَراءوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ من فَوْقِهم، كما تتراءَوْنَ الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ في الأفق من المَشْرِقِ أو المَغْرِب لتفاضلِ ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغُها غيْرُهُم؟ قال: بلَى، والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصَدَّقُوا المرسلين] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد وابن حبان والطبراني بسند جيد عن أبي مالك الأشعري، أن رسول الله - ﷺ - حدَّثه: [أن في الجنة غُرفًا يُرى ظاهِرُها من باطنها، وباطِنُها من ظاهرها، أعدَّها الله لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلامَ، وتابع الصلاة والصيام، وقام بالليل والناس نيام] (٣).\nوفي لفظ: [إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام].\nقال ابن القيم ﵀: (أخبر أنها غرف فوق غرف، وأنها مبنية بناء حقيقة، لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل، وأنه ليس هناك بناء. بل تتصور النفوس غرفًا مبنية كالعلالي، بعضها فوق بعض حتى كأنه ينظر إليها عيانًا. ومبنية صفة للغرف الأولى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٥٥) - كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٦) - كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، وانظر (٦٥٥٦) - كتاب الرقاق. ورواه مسلم (٢٨٣١) - كتاب الجنة ونعيمها.\n(٣) رجاله ثقات. أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٣)، وابن حبان (٥٠٩)، والطبراني (٣٤٦٦) وإسناده قوي. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٥٤): ورجاله ثقات.","vol":"6","page":15},{"text":"والثانية، أي: لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها) (١) يشير إلى آية الزمر (٢٠).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\nأي: هؤلاء الذين استحقوا سكنى الغرف أعلى الجنة هم الذين صبروا على أذى الطغاة والمشركين، وتحمّلوا أعباء الجهاد في سبيل الله لإقامة الدين، وكانوا في أعمالهم وأرزاقهم وجهادهم على ربهم يتوكلون.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nأي: كم من دابة لا تطيق تحصيل قوتها لضعفها أو عجزها، فيقيِّضُ الله لها رزقها ويوصله إليها، فإن الله تعالى قد قسم الأرزاق بين مخلوقاته كما قس آجالهم، فهو السميع لندائهم ودعائهم لا يفوته شيء، العليم بأحوال خلقه وحاجاتهم وكل شيء.\nوعن مجاهد: (﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾. قال: الطير والبهائم لا تحمل الرزق). قال أبو مُجَلِّز: (من الدواب ما لا يستطيع أن يَدَّخر لغد، يُوَفَّق لرزقه كل يوم حتى يموت). قال ابن كثير: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: اللهُ يقَيّضُ لها رِزْقَها على ضَعْفِها، ويُيَسِّره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يُصلِحُه حتى الذَّرِّ في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].\nوهنا رَبَطَ سبحانه العبادة بمفهوم الرزق، ليرفع من منزلة ابن آدم على منزلة الدواب والبهائم غير المكلفة والمتكفّل برزقها، فإن الشيطان يهم بالعبد كلما حاول تفريغ جزء من وقته لأهله ورعاية دينهم وأخلاقهم وتوجههم، فجاءت الآية تطمئن المؤمن أن\n_________\n(١) انظر تفصيل هذا البحث، في كتابي: أصل الدين والإيمان. (٢/ ٧٨٥ - ٧٨٦).","vol":"6","page":16},{"text":"الصبر على تعليم الأهل والولد الحق والصلاة وحب الله ورسوله والجهاد في سبيله لا يؤخر من الرزق شيئًا.\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].\nومن كنوز السنة العطرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند صحيح، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لَوْ أَنَّكُم كُنتم تَوَكَّلُونَ على الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطيرُ، تَغْدو خِماصًا، وتروحُ بطانًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة وابن حبان بسند حسن لغيره عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسُدَّ فقرك، وإنْ لا تفعل ملأت يديك شُغْلًا، ولم أَسُدَّ فقرك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: [سافِروا تصحّوا، واغزوا تَسْتَغْنوا] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ كانت الآخرة هَمِّهُ، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّهُ، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٤٦١) - أبواب الزهد- باب ما جاء في الزَّهادة في الدنيا، وأخرجه ابن ماجة (٤١٦٤) - كتاب الزهد، باب التوكل واليقين. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩١١)، وصحيح سنن ابن ماجة (٣٣٥٩)، ورواه أحمد.\n(٢) حسن لغيره. أخرجه الترمذي (٣/ ٣٠٨)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٥)، وابن حبان (٢٤٧٧)، وأحمد (٢/ ٣٥٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٥٩).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٠)، بإسناد حسن. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة- حديث رقم- (٣٣٥٢)، وله شواهد كثيرة عند البيهقي وابن عدي والشافعي.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٧٦)، وله شاهد عند البزار والطبراني وابن حبان كما ذكر المنذري (٣/ ٩)، وانظر سنن ابن ماجة (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥) نحوه.","vol":"6","page":17},{"text":"أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في المطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (١).\nالحديث السادس: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ الرزق ليطلبُ العبدَ أكثرَ مما يطلبه أجله] (٢).\nوله شاهد عند أبي نعيم في \"الحلية\" بسند حسن لغيره عن جابر مرفوعًا: [لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت] (٣).\nوقد فصلت بحث مفهوم الرزق وعلاقته بالإيمان بالقدر تفصيلًا موسعًا في كتابي: \"أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان\" (٢/ ٨٣١ - ٨٣٩) فلله الحمد والمنة.\n٦١ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إقرارُ المشركين أن الله تعالى خالقُ السماوات والأرض ومسخِّر الشمس والقمر ثم هم يشركون. إنه تعالى يبسط الرزق ويقدر بحكمته، وهم مقرون أنه المنزل للماء من السماء ليحيى به الأرض الميتة ثم هم به يعدلون، بل أكثرهم لا يعقلون.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.\nتقرير لمقام الألوهية عن طريق الاعتراف بمقام الربوبية. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من خلق السماوات والأرض\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج المشكاة (١٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٣٤).\n(٢) حديث صحيح. انظر \"المشكاة\" (٥٣١٢)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٦٢٦).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٩٠)، (٧/ ٢٤٦)، وابن عساكر (٢/ ١١/ ١)، وانظر معجم الطبراني \"الأوسط\" (١/ ١٣٥/ ٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٥٢).","vol":"6","page":18},{"text":"فَسَوّاهن، وسخَّر الشمس والقمر لعباده، يجريان دائبين لمصالح خلق الله، ليقولن الذي خلق ذلك وفَعله الله ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: فأَنَّى يُصْرَفون عمن صَنَعَ ذلك، فيعدلون عن إخلاص العبادة له).\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن كثير: (فاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يُصلح كُلًّا منهم، ومن يَستَحِقُّ الغِنى ممن يستحق الفقر).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\nأي: ولئن سألتهم -يا محمد- من نَزَّلَ من السحاب مطرًا فأحيا به الأرض من بعد جدبها وقحط أهلها ليقرون أنه الله تعالى. قال القرطبي: (﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: أي فإذا أقررتم بذلك فَلِمَ تشركون به وتنكرون الإعادةِ. وإذا قَدَر على ذلك فهو القادر على إغناء المؤمنين، فكرر تأكيدًا. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على ما أوضح من الحجج والبراهين علي قدرته. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يتدبرون هذه الحجج. وقيل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على إقرارهم بذلك. وقيل: على إنزال الماء وإحياء الأرض).\n٦٤ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى بغرور هذه الحياة الدنيا وأن العيش عيش الآخرة لو كانوا يعلمون. وإثبات التوحيد من المشركين لله وإفراده بالدعاء عند الهلع في البحر فإذا نجّاهم الله إلى البر إذا هم يشركون. فَهلّا تفكروا في هذا الحرم الذي جعله الله لهم آمنًا","vol":"6","page":19},{"text":"ويتخطف الناس من حولهم ولكن أكثرهم يكفرون. إنّ الله قد جعل في جهنم مثوى للمتكبرين، وكتب سبحانه الهداية والنصر للمجاهدين في سبيله حق جهاده وإنه تعالى لمع المحسنين.\nفقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التي يتمتع منها هؤلاء المشركون ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ قول: إلا تعليل النفوس بما تلتذّ به، ثم هو مُنْقَضٍ عن قريب، لا بقاء له ولا دوام).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. قال مجاهد: (لا موت فيها). وقال قتادة: (حياة لا موت فيها). قال ابن عباس: (يقول: باقية).\nوقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. أي: لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أبعاد ذلك لآثروا الباقي على الفاني، ولسارعوا للإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر.\nوقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\nإخبارٌ عن إقرار المشركين حالة الهلاك بالبحر بالوحدانية لله، فإنهم إذا عاينوا الاضطرار وحلول الغرق جأروا إليه تعالى مخلصين له الدين لا يشركون به شيئًا.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.\nقال قتادة: (فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].\nوفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل","vol":"6","page":20},{"text":"الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر] (١). وقال: [الكِبْر بطرُ الحق، وغَمْطُ الناس].\nوقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\nأي: ليجحدوا نعمة الله عليهم إذ نجاهم في أنفسهم وأموالهم واستجاب لهم، فسوف يدفعون ثمن جحودهم غاليًا، وثمن تكذيبهم بقدر الله.\nوفي المسند عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: [سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر] (٢).\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. امتنان من الله تعالى على قريش. قال قتادة: (كان لهم في ذلك آية أن الناس يُغزون ويُتَخَطّفون وهم آمنون).\nوقوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بالشرك يتقربون. ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أي: وبنعمة الله بإرسال هذا النبي يجحدون.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.\nأي: ليس أحدٌ من الناس أظلمَ ممن أشرك بالله وتقوَّل عليه بغير علم أو كَذَّبَ بِوَحْيهِ ورسوله وقد جاء بالبينات من ربه. أليس في النار مسكن ومأوى للكافرين.\nقال النسفي: (هذا تقرير لثوائهم في جهنم، لأن همزة الإنكار إذا أدخلت على النفي صار إيجابًا، يعني: ألا يثوون فيها وقد افتروا مثل هذا التكذيب على الله وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. تقريرٌ لهداية التوفيق والإلهام الخاصة بالمؤمنين المجاهدين. والآية إخبارٌ من الله تعالى أن ثمار الجهاد فتوح وإلهام وتوفيق لأهله، ونَصْرٌ وجَنْيٌ كثير القطاف والزهور والثمار. ويشمل الجهاد هنا كل أنواعه: من جهاد النفس والشيطان وأعداء الدين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحمِح (١/ ٦٥) من حديث ابن مسعود، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي. وانظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (٥٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد والحاكم من حديث عبد الله بن عمر ﵄. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (١٠٦)، وصحيح الجامع (٣٥٦٣).","vol":"6","page":21},{"text":"ومن أقوال المفسرين العطرة في آفاق هذه الآية:\n١ - فعن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ قال: جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا).\n٢ - قال الفضيل: (والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به).\n٣ - وعن سهل: (والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة).\n٤ - وقال أبو عمرو: (أي لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقًا).\n٥ - وقال الداراني (والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا، فقد قيل: من عمل بما علم وُفِّقَ لما لا يعلم).\n٦ - وعن ابن عطاء قال: (جاهدوا في رضانا لنهدينهم الوصول إلى محل الرضوان).\n٧ - وعن الجنيد قال: (جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا والأنس بنا، أو جاهدوا في طلبنا تحريًا لرضانا لنهدينهم سبل الوصول إلينا).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحبَبْتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، وإن استعاذني لأعيذنه،","vol":"6","page":22},{"text":"وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١).\nلقد بلغت العلاقة بين المؤمن وربه ﷿ حالة من الرقي والازدهار، بحيث يتردَّد سبحانه عن أمر قد يسيء لعبده وهو لا يحب مساءته، إذ أصبح وليًا لله من عباده المؤمنين الصالحين الذي أصبحت جوارحهم وقلوبهم تتحرك بالحق ولا تُشغل بسواه.\nالحديث الثاني: يروي الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا فأحِبَّه، فينادي في السماء، ثم تُنزل له المحبة في الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل: إني أبغضت فلانًا، فينادي في السماء ثم تُنزل له البغضاء في الأرض] (٢).\nالحديث الثالث: يروي الترمذي كذلك بإسناد صحيح عن قتادة بن النعمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا أحبَّ الله عبدًا حماه في الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء] (٣).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: معهم بصفاته: بتأييده ونصره وتوفيقه.\nقال القرطبي: (هو سبحانه معهم بالنصرة والمعونة، والحفظ والهداية، ومع الجميع بالإحاطة والقدرة. فبين المعيَّتَين بونٌ).\nتم تفسير سورة العنكبوت بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤/ ٢٣١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ١٤٢/ ٢)، ويشهد له ما في مسند أحمد (٦/ ٢٥٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٨٤) - كتاب التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٢٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢١٢٣) - أبواب الطب، باب ما جاء في الحِمية، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٦٥٩)، وتخريج: \"مشكاة المصابيح\" (٥٢٥٠).","vol":"6","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ويبتلى العبد على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة.\n٢ - ليتمنَّين أقوام لو أكثروا من السيئات! أولئك الذين بدل الله سيئاتهم حسنات.\n٣ - أحبّ العمل إلى الله تعالى الصلاة على وقتها، ثم برّ الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.\n٤ - لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، لأنه كان أول من سنّ القتل.\n٥ - مَنْ دعا إلى هدى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.\n٦ - لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم.\n٧ - إنّ أهل النار ليبكون، حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت.\n٨ - ستكون هجرة بعد هجرة، فخيارُ أهل الأرض ألزمهم مهاجرَ إبراهيم.\n٩ - سنة الله إهلاك الأمم عند طغيانها وتكذيبها رسلها، ونجاة طائفة المؤمنين.\n١٠ - الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، والمشرك بالله كالمتعلق بخيوط العنكبوت.\n١١ - ذكر الله تعالى أكبر من كل شيء وأفضل، وكل الشرائع إنما شرعت لإعلاء ذكر الله وإفراده بالتعظيم.\n١٢ - لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم.","vol":"6","page":24},{"text":"١٣ - ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آَمَنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيه نَبِيُّنا وحيًا أوحاه الله إليه، فهو يرجو أن يكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة.\n١٤ - يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذّر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال.\n١٥ - لا تنقطع الهجرة ما جُوهد العدو، ولا طاعة لبشر في معصية الله.\n١٦ - إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام.\n١٧ - لو أنَّكم كنتم توكَّلون على الله حق توكله لرُزِقْتُم كما تُرزقُ الطيرُ، تغدو خِماصًا، وتروح بطانًا.\n١٨ - لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر. والكبْرُ بطرُ الحق، وغَمْطُ الناس.\n١٩ - إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا فأحِبَّه، فينادي في السماء، ثم تُنزل له المحبة في الأرض.\n٢٠ - إذا أحبَّ الله عبدًا حماه في الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء.","vol":"6","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>٣٠ - سُوْرَةُ الرُّومِ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٦٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>موضوع السورة</span>\nنصر الروم بعد الهزيمة وعد الله العزيز الرحيم\nوكذلك البعث بعد الموت للحساب بين يدي رب العالمين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-212> منهاج السورة</span>-\n١ - خبر انتصار فارس على الروم زمن النبي - ﷺ -، والوعد بقلب النصر لتغلب الروم فارس في بضع سنين، وعندها يفرح المؤمنون.\n٢ - غفلة أكثر الناس عن حقائق دينهم، بسبب انشغالهم وانغماسهم في أمر دنياهم.\n٣ - أهمية التفكر في المخلوقات المحيطة من العالم العلوي والسفلي وما بينهما.\n٤ - سنة الله في إنزال النقمة والعذاب في الأمم الظالمة المكذبة للرسل.\n٥ - تفرد الله في إنشاء الخلق وإعادته، وانقسام الناس يوم القيامة إلى فريقين.\n٦ - تنزيه الله تعالى نفسه، وتوجيه العباد إلى مقام التقديس والتحميد والتهليل والإجلال لله العظيم، في الصباح والمساء وفي الظهيرة وفي كل حين.","vol":"6","page":26},{"text":"٧ - تفرّد الله تعالى بإخراج الحي من الميت وإنبات الأرض القفر وبنحوه يكون خروج الخلق يوم الدين، للقيام بين يدي رب العالمين.\n٨ - حجج الله الكونية في الخلق: خلق آدم من تراب، تناسل الذرية من الأصلاب، جعل المصاهرة والختونة والمودة والرحمة، خلق السماوات والكواكب، والأرض والجبال، والسهول والهضاب، والبحار والأنهار، والقفار والأشجار، والنبات والحيوان، واختلاف اللغات والألوان، والنوم في الليل والانتشار في النهار.\n٩ - تخويف الله تعالى عباده بالبرق وترغيبهم بالمطر، وتنبيههم إلى رفعه السماء بلا عمد، وتمهيده الأرض، وإخراجه الموتى من القبور للبعث والحساب، آيات لأولي الألباب.\n١٠ - ضرب المثل لمن عدل بالله شيئًا من خلقه، والله له المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.\n١١ - الأمر باتباع الدين الحنيف دين الفطرة، والتحذير من سبيل التفرق والتبديل والتحريف.\n١٢ - العجب من المشركين يخلصون الدعاء لله في الشدائد، ويشركون به في الرخاء.\n١٣ - الأمر بإعانة القرابة المحتاجين، والفقراء المساكين، والمسافرين المنقطعين، والتحذير من الربا، والترغيب في الزكاة والصدقات، والتنفير من الشرك.\n١٤ - ظهور الفساد في البر والبحر عقوبة الله للناس مقابل استهتارهم في حمل الأمانة.\n١٥ - الأمر بالسير في البلاد للنظر في مصارع الأمم السالفة، والأمر بالتزام منهاج هذا الدين القويم، والإخبار عن ورود الناس يوم القيامة فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.\n١٦ - امتنانُ الله على عباده إرسال الرياح مبشرات، بالغيث والمطر ولجريان الممبفن ولبلوغ الخيرات، في المعايش والمكاسب والتجارات.\n١٧ - الإخبارُ عن إرسال الله تعالى الرسل وانقسام الناس إلى فريقين: مؤمنين مخبتين، وكفار مجرمين. فكان الإنعام بالنصر للمؤمنين، والانتقام من المجرمين.\n١٨ - امتنان الله مرة أخرى بالريح الطيبة وإنشاء السحب ونعمة المطر ومقارنة ذلك مع الريح المفسدة، فالله هو المحيي والمميت وهو الذي يبعث من في القبور.","vol":"6","page":27},{"text":"١٩ - إثبات عدم سماع الأموات في قبورهم نداء الأحياء، وتمثيل الكفر والإعراض عن سماع الحق بالموت والصمم.\n٢٠ - أمر الهداية بيد الله، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف شاء، فمن شاء أقامه، ومن شاء أزاغه.\n٢١ - تنقّل الإنسان في أطوار الخلق المختلفة، الضعف فالقوة فالضعف مرة أخرى.\n٢٢ - إقسامُ المجرمين يوم القيامة أنّ مكثهم في هذه الحياة الدنيا ما كان غير ساعة.\n٢٣ - رفض اعتذار المجرمين يوم القيامة، وضياع فرصة التوبة والإنابة والندم.\n٢٤ - ضَرْبُ الله الأمثلة للناس في هذا القرآن لينتفعوا بها ولكن الكافرين عن الحق معرضون.\n٢٥ - أمرُ الله تعالى نبيَّه - ﷺ - الثبات على الطريق والصبر على الأذى فإن النصر قريب.\n* * *","vol":"6","page":28},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٧. قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى خبر انتصار فارس على الروم زمن النبي - ﷺ -، وَوَعْدُهُ بقلب النصر لتغلب الروم فارس في بضع سنين، وعندها يفرح المؤمنون بوعد الله لا مخلف له، وإنما أكثر الناس منغمسون في دنياهم لا يعلمون عن حقائق دينهم وأمر مستقبله وأمور الآخرة.\nأخرج الترمذي وابن جرير عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [كانت فارس ظاهرة على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم] (١).\nفنزلت هذه الآية حين غلب سابورُ ملكُ الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة، وأقاصي بلاد الروم، فاضطَرَّ هرقل ملكَ الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره مُدَّةً طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل. وكان المسلمون آنذاك بمكة يعيشون الغربة مع نبيّهم - ﷺ -، ولكنهم رغم الحصار فقد كانوا على اطلاع على الأحداث الخارجية ومتابعة للتطورات السياسية في العالم. فقد فهموا من الوحي الكريم منذ اللحظة الأولى، أنهم أبناء واقع مضطرب سيكونون مصلحيه غدًا، وأهل زمن اشتد\n_________\n(١) حديث حسن. انظر سنن الترمذي (٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، وتفسير الطبري (٢١/ ١٢).","vol":"6","page":29},{"text":"ظلامه سيكونون منوّريه غدًا، وأحفاد وضع يحكمه الطغاة سيكونون حاكميه ووارثيه غدًا، وأخيار أمة تعثرت في خضوعها للأوثان والطواغيت والشهوات سيكون لهم أمر التصدي لانحرافها وإعادتها لجادة أنبيائها وصالحيها وأبطالها.\nلقد حزن المسلمون لهزيمة الروم أمام الفرس، إذ كانوا يرون أن الروم أهل كتاب مثلهم، فبينهما صلة من النسب رغم ما أصاب أولئك من انحراف في كتبهم ومنهاجهم، إذا ما قورنوا مع الفرس وعبدة الأوثان.\nأخرج الترمذي بإسناد قوي عن عروة بن الزبير، عن نِيار بن مُكرَم الأسْلَمِيَّ قال: [لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، وكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية، خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فقال ناس من قريش لأبي بكر: فذاك بيننا وبينكم، زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: كم نجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسَمِّ بيننا وبينك وَسَطًا ننتهي إليه؟ قال: فسمّوا بينهم ست سنين، قال: فمضت سِتُّ السِّنين قبل أن يَظْهَرُوا، فأخذ المشركون رهنَ أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارسٍ، قال: فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين، لأن الله يقول: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قال: فأسلم عند ذلك ناس كثير] (١).\nوروى الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال لأبي بكر: [ألا احتَطْتَ يا أبا بكر، فإن البِضْعَ ما بين الثلاث إلى التسع؟] (٢).\n_________\n(١) حديث إسناده قوي. أخرجه الترمذي في السنن (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، وانظر مسند أحمد (١/ ٢٧٦) و(١/ ٣٠٤)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٠٩)، وكتابي: السيرة النبوية على منهاج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(٢) أخرجه الترمذي (٣١٩١)، والطبري (٢٧٨٦٦)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.","vol":"6","page":30},{"text":"وأما قوله: ﴿الم﴾ -فقد سبق ذكر مفهوم هذه الحروف المقطعة في أوائل السور- كما في أول سورة البقرة. والروم: هم من سلالة العِيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم أبناء عَمِّ بني إسرائيل، ويقال لهم أيضًا: بنو الأصفر. وكانوا على دين اليونان، واليونان من سلالة يافثَ بن نوح، أبناء عَمِّ التركِ. وكانوا يعبدون الكواكب السيّارة السبعة، ويقال لها: المُتَحيّرة، ويُصَلُّون إلى القطب الشمالي، وهم الذين أسَّسُوا دمشق، وبَنَوا معبدها، وفيه محاريب إلى جهة الشمال. فكان الروم على دينهم إلى بعد مَبْعثِ المسيح بنحو من ثلاث مئة سنة، وكان مَن ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له: قَيصَرُ. فكان أولَ مَن دخل في دين النصارى من ملوك الروم قسطنْطينُ بن قسطس، وأمه مريم الهيلانية الغندقانية من أرض حَرّان، كانت قد تنصَّرَت قبله، فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفًا، فتابعها -يقال: تَقِيَّة- واجتمعت به النصارى، وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس، واختلفوا اختلافًا كثيرًا منتشرًا مُتَشَتِّتًا لا ينضَبِطُ، إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلاثُ مئةٍ وثمانيةَ عشرَ أسقفًا، فوضعوا لِقُسطنطين العقيدة، وهي التي يسمونها الأمانة الكبيرة، وإنما هي الخيانة الحقيرة، ووضعوا له القوانين، يعنُونَ كُتُب الأحكام من تحليل وتحريم وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وغيَّروا دين المسيِح ﵇، وزادوا فيه ونقصوا منه. وصلّوا إلى المشرق واعتاضوا عن السبت بِالأحَد، وعبَدُوا الصَّليب وأحَلّوا الخنزير. واتخذوا أعيادًا أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس. وغير ذلك من البَوَاعِيث والشعَانين، وجعلوا له البابا وهو كبيرهم، ثم البتارِكَة ثم المَطارِنَة، ثم الأساقفة والقَسَاوِسة، ثم الشمامِسَة. وابتدعوا الرهبانية. وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد، وأسَّسَ المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية، يقال: إنه بني في أيامه اثني عشر ألف كنيسة، وبنى بيتَ لحم بثلاثة محاريبَ، وبنت أمه القُمَامَة، وهؤلاء هم المَلَكِيَّة، يعنون الذين هم على دين الملِك. ثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الإسكاف، ثم النَّسطُورِية أصحاب نسطورا، وهم فِرَقٌ وطوائف كثيرة، كما قال رسول الله - ﷺ -: \"إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة\". والغرض أنهم استمروا على النصرانية، كُلَّما هلك قيصر خلفه آخرُ بعدَه، حتى كان آخرُهم هرقلَ. وكان من عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك وأدهاهم، وأبعدهم غَورًا وأقصاهم رَأيًا، فتَمَلَّكَ عليهم في رِياسَة عظيمة وأُبَّهَةٍ كبيرة، فناوأه كِسْرى ملك الفرس، ومَلَكَ البلاد كالعراق وخراسان والرّي، وجميع بلاد المعجم، وهو سابُور ذو الأكتاف. وكانت مملكته أوسَعَ من مملكة قيصرَ، وله رياسةُ المعجم وحَماقَةُ الفُرس، وكانوا مجوسًا يعبدون النار. فتقدّم عن عكرمة أنه بعث","vol":"6","page":31},{"text":"إليه نُوَّابه وجيشه فقاتلوه، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده فقهره وكَسَرَهُ وقَصَره، حتى لم يبق معه سوى مدينة قُسْطَنْطِينية، فحاصره بها مُدّة طويلة حتى ضاقت عليه، وكانت النصارى تُعَظّمُهُ تعظيمًا زائدًا، ولم يقدِر كسرى على فتح البلاد، ولا أمكنَه ذلك لحَصانتها، لأن نصفها من ناحية البر ونصفَها الآخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم المِيرة والمدَدَ من هنالك. فلما طال الأمر دَبَّرَ قيصرُ مكيدةً، ورأى في نفسه خدِيعة، فطلب من كسرى أن يقلع عن بلاده على مالٍ يُصالحه عليه، ويشترط عليه ما شاء. فأجابه إلى ذلك، وطلب منه أموالًا عظيمة لا يقدر عليها أحدٌ من ملوك الدنيا، من ذهب وجواهرَ وأقمشةٍ وجوارٍ وخُدّام وأصناف كثيرة. فطاوعه قيصر، وأوهمه أن عنده جميعَ ما طلب، واستقلَّ عقله لَمَّا طلب منه ما طلب، ولو اجتمع هو وإيّاه لعَجَزت قُدرتُهما عن جَمْعِ عُشْره، وسأل كسرى أن يُمَكّنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مَمْلَكَتهِ، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائِرِه وحواصله ودفائنه، فأطلق سراحه، فلما عزم قيصر على الخروج من مدينة قسطنطينيّة، جمع أهل مِلَّته وقال: إني خارج في أمر قد أبرمته، في جُند قد عينته من جيشي، فإن رجعت إليكم قبل الحول فأنا ملككم، وإن لم أرجع إليكم قبلها، فأنتم بالخيار، إن شئتم استمررتم على بيعتي، وإن شئتم وليتم عليكم غيري. فأجابوه بأنك ملكنا ما دمت حيًّا، ولو غبتَ عشرةَ أعوام، فلما خرج من القسطنطينية خرَجَ جرِيدَةً في جيش متوسط، هذا وكسرى مُخَيِّمٌ على القسطنطينية ينتظر ليرجع، فركب قيصر من فوره وسار مُسرعًا حتى انتهى إلى بلاد فارس، فعاث في بلادهم قتلًا لرجالها ومَنْ بها من المُقَاتِلَةِ، أَوَّلًا فأوَّلًا، ولم يزل يقتُل حتى انتهى إلى المدائن، وهي كُرسيُّ مملكة كِسْرى، فقتل من بها وأخذ جميع حَوَاصِله وأموالِه، وأسر نساءَه وحريمَه، وحَلَق رأس وَلَده، وَرَكَّبَهُ على حمار وبعث مَعَهُ من الأساوِرَة من قومه في غايةِ الهَوَان والذلّة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخُذْه. فلما بلغ ذلك كِسرى أخذه من الغمِّ ما لا يحصيه إلا الله ﷿، واشتد حَنَقه على البلد، فاشتدَّ في حصارها بِكلِّ ممكن فلم يقدر على ذلك. فلما عَجَز ركب ليأخذ عليه الطريقَ من مَخَاضَةِ جَيحُونَ، التي لا مَسْلَكَ لقيصر إلى القسطنطينية إلا منها، فلما علمَ قيصر بذلك احتالَ بحيلة عظيمة لم يُسبق إليها، وهو أن أَرْصَدَ جُنْدَه وحواصله التي معه عند فَمِ المخاضة، ورَكِبَ في بعض الجيش، وأمر بأحمالٍ من التِّبن والبَعر والرَّوث فَحُمِلَت مَعَه، وسار إلى قريب من يوم في الماء مُصْعِدًا، ثم أمر بإلقاء تلك الأحمال في النهر، فلما مَرّت بِكسْرى ظنَّ هو وجنده أنهم قد خاضوا من هنالك،","vol":"6","page":32},{"text":"فركبوا في طلبهم فَشَغَرت المخاضة عن الفُرس، وقدم قيصرُ فأَمَرَهم بالنهوض في الخَوْضِ، فخاضوا وأسرعوا السير ففاتوا كِسرى وجنودَه، ودخلوا القُسطنطينيَّة. وكان ذلك يومًا مشهودًا عند النصارى، وبقِيَ كسرى وجيوشُه حائرين لا يدرون ماذا يصنعون لم يحصُلُوا على بلاد قيصر، وبلادُهم قد خرّبتها الروم وأخذُوا حَوَاصلهم، وسَبَوا ذَرَاريهم. فكان هذا من غَلب الروم فارِسَ، وكان ذلك بعد تسِع (١) سنين من غَلَبِ الفُرس للروم. وكانت الواقعة الكائنة بين فارسَ والروم حين غَلبت الرومُ بين أذرعاتِ وبُصرى، على ما ذكره ابنُ عباس وعكرمة وغيرهما، وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز. وقال مجاهد: كان ذلك في الجزيرة، وهي أقرب بلادِ الروم من فارسَ، فالله أعلم (٢).\nوقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. أي: من قبل ذلك ومن بعده.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. فإن الروم أهل كتاب، وهذا قاسم مشترك بينهم وبين المسلمين، في حين أن المجوس الفرس ليسوا بأهل كتاب، ولا إيمان ببعث، فطبيعي أن يفرح المؤمنون بنصر الأقرب لدينهم على عدوهم المشترك.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد قال: [لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين فنزلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ - إلى قوله-. ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس] (٣).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. أي: في انتقامه من أعدائه، وانتصاره منهم. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده المؤمنين الموحِّدين.\nوقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. أي هذا الذي أخبرناك يا محمد عن نصر الروم على فارس بعد هزيمتهم أمامهم هو وعدٌ من الله مقطوع لا بد من وقوعه كما أخبرك الله في التنزيل، فهذه سنة الله في نصر أقرب الطائفتين للحق.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: بسنن الله وأحكامه وتصريفه بين الأمم.\nوقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.\n_________\n(١) الراجح من رواية الترمذي سبع سنين.\n(٢) نقلًا عن تفسير ابن كثير. سورة الروم. الآيات (١ - ٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن- أبواب القراءات. انظر صحيح الترمذي (٢٣٣٨).","vol":"6","page":33},{"text":"قال ابن عباس: (يعني معايشهم، متى يحصدون ومتى يغرسون). وقال قتادة: (﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من حِرْفَتها وتصرّفها وبغيتها).\nوقال الحسن البصري: (والله ليَبْلُغُ من أحدهِم بدنياه أنه يقلِبُ الدرهم على ظُفُره، فيخْبِرُك بوزنِه، وما يحسن يُصَلّي).\nوقال ابن عباس: (﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ يعني: الكفار، يعرِفون عُمران الدنيا، وهم في أمر الدين جُهّال).\nوجملة القول: إن أكثر الناس في هذه الحياة الدنيا مشغولون بها، متقنون لفنون اكتسابها وتحصيل متاعها وأموالها وزخرفها، حذّاق أذكياء في طرق السَّبق فيها لجمع أكثر ما يمكن من زينتها، وهم غافلون عن أمر آخرتهم، وما بعد موتهم، وما يكون في قبورهم إذا رحلوا عنها، بعيدون عن ربهم، جاهلون في دينهم وما يصلح دنياهم ومعادهم.\nأخرج البخاري عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [تعِسَ عبد الدينار، وعبدُ الدرهم، وعبد الخميصة، إنْ أعطي رضيَ، وإن لم يُعطَ سخط، تعسَ وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. . .] (١).\nوأخرج البيهقي وابن حبان بسند صحيح، عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله يبغضُ كلَّ جعظري جَوَّاظ، سَخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمارٍ بالنهار، عالمٍ بالدنيا، جاهل بالآخرة] (٢).\n٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٨٦)، كتاب الجهاد والسير.\n(٢) حديث صحيح. رواه ابن حبان في صحيحه (١٩٥٧ - موارد)، وأخرجه البيهقي (١٠/ ١٩٤).","vol":"6","page":34},{"text":"كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ينبّه الله تعالى على أهمية التفكر في هذه المخلوقات المحيطة من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما مما يدل على عظمة الله سبحانه ووجوب إفراده بالعبادة والتعظيم. وكذلك ينبّهُ تعالى على سننه في الأمم الظالمة المكذبة كيف أنزل بها بأسه ونقمته وكيف كان عاقبة المكذبين.\nفقد أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [تفكّروا في خلق الله، ولا تفكّروا في الله] (١).\nوله شاهد عنده من حديث عبد الله بن سلام مرفوعًا بلفظ:\n[لا تفكروا في الله، وتفكروا في خلق الله، فإن ربنا خلق مَلَكًا، قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العُليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام، والخالق أعظم من المخلوق] (٢).\nوله شاهد آخر رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعًا:\n[تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ﷿] (٣).\nففي هذه الأحاديث الأمر بالتفكر بخلق الله، الذي يوصل إلى القيام بتعظيمه سبحانه والاستعداد للقائه، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ فخلق الله الخلق بالحق وأجّل لقاءهم إلى يوم الحساب، الذي يكفر به كثير من الناس الذين أعمتهم الدنيا وشهواتها.\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.\nدعوة للتفكر في مصير الأمم السابقة المعاندة المتكبرة، وكيف أهلكها الله بطغيانها وشركها. ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾. قال مجاهد: (حرثوها). ﴿وَعَمَرُوهَا\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٢٩٧٣).\n(٢) حديث إسناده حسن في الشواهد. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٦٦ - ٦٧)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة بإثر حديث رقم (١٧٨٨).\n(٣) حديث حسن لغيره. رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٦٤٥٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (١/ ٧٥)، وانظر المرجع السابق، وصحيح الجامع الصغير (٢٩٧٢).","vol":"6","page":35},{"text":"أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾. قال ابن عباس: (ملكوا الأرض وعمروها).\nوقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. أي: بالحجج والآيات والبراهين القاطعة الدالة على صدق النبوة والوعد والوعيد.\nوقوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. يعني: إنما حلّ بهم ما حل من العذاب، ونزل بهم ما نزل من النقمة والمصيبة بظلمهم أنفسهم، فالله سبحانه لا يظلم أحدًا شيئًا.\nوفي الحديث المقدسي: [قال الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] (١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾. قال قتادة: (الذين أشركوا: السوءى: أي النار). وقال ابن عباس: (يقول: الذين كفروا جزاؤهم العذاب).\nوالسوأى: مصدر في هذا الموضع. وقيل: هي اسم، أو في محل نصب خبر كان (٢). قال ابن جرير: (السوأى: يعني الخلة التي هي أسوأ من فعلهم، أما في الدنيا، فالبوار والهلاك، وأما في الآخرة فالنار لا يخرجون منها، ولا هم يستعتبون).\nوقوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nالمعنى: كانت لهم السوأى لأنهم كذبوا بآيات الله واستهزؤوا بها وبرسله.\n١١ - ١٦. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(١) جزء من حديث طويل رواه مسلم عن أبي ذر، انظر صحيح مسلم (٨/ ١٧)، ومسند أحمد (٥/ ١٦٠).\n(٢) التقدير: كانت السوأى عاقبتهم. وقال بعض علماء النحو: ﴿السُّوأَى﴾: اسم كان مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على الألف، أو مفعول مطلق لأساؤوا، أو مفعول به له بحذف موصوف أي الفعلة السوأى منصوب بفتحة مقدرة على الألف.","vol":"6","page":36},{"text":"وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أن إنشاء جميع الخلق ينفرد به وحده لا شريك له ثم إليه الرجوع لا محالة، وهناك يكون الفصل يوم القيامة يوم ييأس المشركون ويتفرق الناس إلى فريقين: فريق في الجنة هم أهل الإيمان والعمل الصالح، وفريق في النار هم أهل العناد والتكذيب بالله والرسل والدار الآخرة، فالمؤمنون يحبرون ويسعدون، والكفار يَشْقَون وييأسون.\nفقوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. قال ابن كثير: (أي: كما هو قادر على بَدْأَته فهو قادر على إعادته).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي يبعثكم من قبوركم ويحييكم للحساب والجزاء والخلود.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال ابن عباس: (يَيْأس المجرمون). وقال مجاهد: (يفتضح المجرمون). أو قال: (يكتئِبُ المجرمون).\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. يعني: لا تشفع لهم آلهتهم التي كانوا يعبدون، بل تتبرأ منهم أحوج ما يحتاجون إلى شفيع، وكذلك الطغاة يتبرؤون يوم القيامة من أتباعهم ويخونونهم بعدما صرفوا لهم في الدنيا من الخضوع والتعظيم وألوان العبادة.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾. قال قتادة: (فرقة والله لا اجتماع بعدها). فيؤخذ بأهل الإيمان ذات اليمين، ويؤخذ بأهل الكفر ذات الشمال، فذاك آخر العهد بينهما، لا لقاء بعد ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يكرمون). وقال مجاهد: (ينعمون). وقال يحيى بن أبي كثير: (الحبرة: اللذة والسماع). وقال قتادة: (فهم في الرياحين والنباتات الملتفة، وبين أنواع الزهر في الجنان يسرون، ويلذّذون بالسماع وطيب العيش الهنيّ).\nولا شك أن الحبرة تشمل عند العرب جميع أنواع السرور والنعيم والغبطة. وخصّ الروضة بالذكر إذ هي أحسن ما رأى الطرفان من النعيم والبساتين.","vol":"6","page":37},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تَبْأَسوا أبدًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.\nإن جحود ألوهية الله وضياع الحياة دون تعظيم وخضوع له سبحانه وسجود، ودون شكر وعمل بما يحب، وترك لما يكره ويبغض، ثم تكذيب الرسل وإنكار البعث بعد الموت للحساب، كل هذا جزاؤه الإحضار في العذاب والجمع في جهنم.\n١٧ - ١٩. قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تنزيهٌ من الله تعالى لنفسه وتسبيح وتعظيم، وتوجيه للعباد إلى ذلك المقام الكريم، مقام التقديس والتحميد والتهليل والإجلال لله العظيم، في الصباح والمساء وفي الظهيرة وفي كل حين، فهو الحى الذي يخرج الحي من الميت وينبت الأرض القفر التي أجدبت وبنحوه يكون خروج الخلق يوم الدين.\nيروي ابن جرير بسنده عن أبي رزين قال: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس: هل نجد ميقات الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال: (نعم. ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر ﴿وَعَشِيًّا﴾ العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظهر، قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فسبحوا الله أيها الناس: أي صلوا له حين تمسون، وذلك صلاة المغرب، وحين تصبحون، وذلك صلاة الصبح. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول: وله الحمد من جميع خلقه دون غيره في السماوات من سكانها من الملائكة، والأرض من أهلها، من جميع أصناف خلقه فيها، ﴿وَعَشِيًّا﴾\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٤٨). وانظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢١٤٠).","vol":"6","page":38},{"text":"يقول: وسبحوه أيضًا عشيًا، وذلك صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ يقول: وحين تدخلون في وقت الظهر).\nوقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال ابن عباس: (يخرج من الإنسان ماءً ميتًا فيخلق منه بشرًا فذلك الميت من الحي، ويخرج الحي من الميت، فيعني بذلك أنه يخلق من الماء بشرًا، فذلك الحي من الميت).\nوقال الحسن: (المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن).\nوقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. أي: فينبتها ويخرج زرعها بعد خرابها وجدوبها. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: فكذلك يبعثكم من قبوركم فيحييكم بعد موتكم إلى موقف الحساب يوم القيامة.\n٢٠ - ٢١. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾.\nفي هذه الآيات: إن من حججه سبحانه تفرده بالخلق والإنشاء، والإيجاد والإعدام، وقد خلق أباكم آدم من قبل من تراب، ثم كل موجود من ذريته له خلق أبيه الأول، هكذا كان انتشار ذريته من بعده. ثم إن من حججه وأدلته على ذلك أيضًا خلقه سبحانه حواء زوجة لأبيكم من ضلع من أضلاعه ليسكن إليها، ثم جعل سبحانه المصاهرة والختونة بعد ذلك مودة بينكم ورحمة تتراحمون بها، إن في ذلك لعظات وعبرًا لقوم يتفكرون ويتذكرون ويعتبرون.\nقال قتادة: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ خلق آدم ﵇ من تراب. ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ يعني ذريته).\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله خلق آدم من قَبْضَةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْر الأرض، جاء","vol":"6","page":39},{"text":"منهم الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبين ذلك، والخبيثُ والطيبُ، والسَّهلُ والحَزْنُ، وبين ذلك] (١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.\nأي بدأ الخلق من التراب ثم من الماء المهين، ثم تصور فكان علقة فمضغة فعظامًا مشكّلة على شكل الإنسان، ثم كسا الله العظام لحمًا، ثم أرسل الملك فنفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير. قال ابن كثير: (ثم خرج من بطن أمه صغيرًا ضعيفَ القُوى والحركة، ثم كُلَّما طال عُمرُه تكاملت قُوَاه وحركاته، حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحُصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركَبُ متنَ البُحُور، ويدور أقطارَ الأرض ويتكَسَّبُ ويجمع الأموال، وله فكْرٌ وغورٌ، ودهاء ومكر، ورأي وعِلم، واتساع في أمور الدنيا والآخرة كلٌّ بِحَسَبِه).\nوقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. قال قتادة: (خلقها لكم من ضلع من أضلاعه).\nوفي التنزيل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].\nوالمقصود بذلك حواء زوجة أبينا آدم، خلقها الله من آدم من ضِلَعِه الأقصر الأيسر، وألقى المودة سبحانه بين الرجل وزوجته، وهي المحبة والرأفة والألفة.\nأخرج ابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لم يُرَ للمتحابَّيْنِ مثل النكاح] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nأي: إن في جعل الزوجة من جنس الأزواج، وبث المحبة والألفة والرحمة، فهو يمسكها لمحبته لها، أو لرحمته بها لحاجتها إليه، أو لوجود الولد، كل ذلك آيات كبيرة تدعو المرء إلى التفكر بنعم الله وآياته.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٠) و(٤/ ٤٠٦)، وأبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٨٤٧)، والحاكم (٢/ ١٦٠)، والبيهقي (٧/ ٧٨). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٢٤).","vol":"6","page":40},{"text":"٢٢ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جَلّ ذكره: وإن من حججه أيضًا على كمال قدرته خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها، وانتثار كواكبها وأجرامها، والأرض في جبالها ووديانها، وسهولها وهضابها، وبحارها وأنهارها، وقفارها وأشجارها، ونبتها وحيوانها، واختلاف لغات أهلها، وكذلك تباين ألوانهم، ثم نومهم في ليلهم، وعملهم وانتشارهم في نهارهم، كل ذلك آيات بديعة لقوم يسمعون هذه الذكرى ويتفكرون بها.\n٢٤ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تخويفُ الله تعالى عباده بالبرق وترغيب لهم بالمطر الذي ينزل عقب البرق فيحيي به الأرض الميتة، وفي ذلك آيات لقوم يعقلون. ومن آياته كذلك السماء رفعها بلا عمد، والأرض مدّها وَمَهَّدَها لخلقه، ويوم البعث يخرجكم من قبوركم بأمره، فإذا أنتم قيام تنظرون.\nفقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. قال قتادة: (خوفًا للمسافر، وطمعًا للمقيم). قال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته أنه ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة، أو صواعق متلفة، وتارة ترجونَ وميضَهُ وما يأتي بعدهُ من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أى: بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾","vol":"6","page":41},{"text":"[الحج: ٥]. وفي ذلك عبرةٌ ودلالةٌ واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾. قال قتادة: (قامتا بأمره بغير عمد). وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]. وكقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥].\nقال النسفي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ﴾ تثبت بلا عمد ﴿السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي بإقامته وتدبيره وحكمته).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. أي: من قبوركم ليوم الفصل.\nقال قتادة: (دعاهم فخرجوا من الأرض).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (١).\n٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ الملك كله لله، وإثبات بدئه -تعالى- الخلق ثم إعادته، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. قال ابن عباس:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٢)، وأخرجه مسلم (٢٧٨٧)، وغيرهما.","vol":"6","page":42},{"text":"(يقول: مطيعون، يعني الحياة والنشور والموت، وهم عاصون له فيما سوى ذلك من العبادة).\nوعن قتادة: (﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: أي مطيع مقرّ بأن الله ربه وخالقه).\nوالخلاصة: كل من في السماوات والأرض خاضعون لعظمته تعالى، منقادون لأمره فيهم، وإنما استكبر من استكبر من بني آدم عن عبادته سبحانه بإغواء الشياطين لهم. كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].\nوفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المُجَاشِعيِّ مرفوعًا: [-يقول الله تعالى-: وإني خلقت عبادي حُنفاءَ كُلَّهُم، وإنهم أتتهم الشياطينُ فاجْتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بني ما لم أُنْزِلْ به سلطانًا] (١).\nوفي مسند البزار بسند حسن عن بريدة مرفوعًا: [ليس شيءٌ إلا وهو أطوعُ لله تعالى من ابن آدم] (٢).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: كل شيء عليه هين). وقال: (﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾: يقول: أيسر عليه). قال مجاهد: (الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هين). وقال الربيع بن خَيثم: (﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾: ما شيء عليه بعزيز).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: [قال الله تعالى: كَذَّبني ابن آدم ولم يَكُنْ له ذلك، وشَتَمني ولم يَكُنْ له ذلك، فأما تكذيبُه إيّايَ فقَوْلُه: لَنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلُ الخَلْقِ بأَهْوَنَ عليَّ مِنْ إعادتِه، وأما شَتْمُهُ إيّاي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصَّمَدُ، لمْ ألِدْ ولمْ أُولَدْ، ولمْ يَكُنْ لي كُفُوًا أحَدٌ] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٦٥) - كتاب الجنة ونَعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث حسن. أخرجه البزار من حديث بريدة. انظر صحيح الجامع (٥٢٦٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٧٤) - كتاب التفسير، وانظر كذلك (٤٤٨٢).","vol":"6","page":43},{"text":"وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: ليس كمثله شيء). وقال قتادة: (مثله أنه لا إله إلا هو، ولا ربّ غيره).\nقال ابن جرير: (يقول: ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء، فذلك المثل الأعلى، تعالى ربنا وتقدس).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره شؤون خلقه وفي قدره وشرعه وجميع أفعاله.\n٢٨ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ضربُ الله المثل لمن عدل به شيئًا من خلقه، وإنما المشركون متبعون لأهوائهم، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.\nفعن قتادة: (قوله: (﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. قال: مثل ضربه الله لمن عدل به شيئًا من خلقه، يقول: أكان أحدكم مشاركًا مملوكه في فراشه وزوجته، فكذلكم الله لا يرضى أن يعدل به أحد من خلقه).\nوقال ابن زيد: (هل تجد أحدًا يجعل عبده هكذا في ماله، فكيف تعمد أنت وأنت تشهد أنهم عبيدي وخلقي، وتجعل لهم نصيبًا في عبادتي، كيف يكون هذا؟ قال: وهذا مثل ضربه الله لهم).\nوقوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا).","vol":"6","page":44},{"text":"وقال أبو مجلز: (إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذلك، كذلك الله لا شريك له).\nوالخلاصة: هو مثل ضربه الله تعالى للعابدين معه غيره -وهم يقرون أن شركاءه من الأوثان والأنداد عبيد له، كما جاء في تلبيتهم \"لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك\"- فأتاهم الله بمثل يفهمونه ويعايشونه: أيرتضي أحدكم أن يشاركه عبده وخادمه ماله فهو وإياه يقتسمانه على السواء؟ ! إنكم تخافونهم كما يخاف الأحرار بعضهم بعضًا فيما هو مشترك بينهم. كذلك لا يرضى الله تعالى أن يشاركه أحد في العبادة، فلا تجوز العبادة إلا له سبحانه.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nأي: كذلك يبين الله الآيات والحجج لقوم يتدبرون ضرب الأمثال ويحسنون المحاكمة.\nوقوله: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.\nأي: وإنما اتبع المشركون في عبادتهم أهواءهم ومضوا خلف ميراث الآباء في جاهليتهم، دون نور من علم صحيح من الوحي أو مشكاة الرسل.\nوقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فمن يسدد للصواب من الطرق، يعني بذلك من يوفق للإسلام من أضل الله عن الاستقامة والرشاد؟ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يقول: وما لمن أضل الله من ناصرين ينصرونه، فينقذونه من الضلال الذي يبتليه به تعالى ذكره).\n٣٠ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى نبيّه - ﷺ - والمؤمنين باتباع الدين الحنيف دين الفطرة، فهو الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وأَمْرُهُ تعالى عباده أن يصدقوه التقوى","vol":"6","page":45},{"text":"ويقيموا الصلاة ويحذروا سبيل المشركين، الذين افترقوا في دينهم نتيجة التبديل والتحريف والإيمان ببعضه والكفر ببعض، فكل حزب بما لديهم فرحون.\nفقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾. قال القاسمي: (أي: فقوّمه له، واجعله مستقيمًا متوجهًا له). والحنيف: المائل عن الباطل إلى الدين الحق.\nوقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قال ابن زيد: (الإسلام، مذ خلقهم الله من آدم جميعًا، يقرون بذلك). قال الزجاج: (﴿فِطْرَتَ﴾ منصوب، بمعنى اتبع فطرة الله. قال: لأن معنى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ اتبع الدين الحنيف واتبع فطرة الله). وقال ابن جرير: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ مصدر، من معنى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ لأن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فِطرة).\nوقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة:\n١ - قال عكرمة: (لدين الله). وقال البخاري: (قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لدين الله، ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]: دينُ الأولين، و\"الفطرة\": الإسلام).\n٢ - وقيل: هو خبرٌ بمعنى المطلب، أي لا تبدّلوا خلق الله، فتغيّروا الناس عن فطرتهم التي فَطَرَهم الله عليها.\n٣ - وقيل: هو خبَرٌ على بابه، ومعناه: أنه -تعالى- ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجِبِلَّةِ المستقيمة، لا يولَدُ أحدٌ إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك.\nقلت: وربط الفطرة بالميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم ربط قوي، فإن الفطرة والميثاق بينهما صلة من النسب.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣].\nقال الإمام الطحاوي ﵀: (والميثاق الذي أخذه الله تعالى على آدم ﵇ وذريته حق) (١).\n_________\n(١) انظر متن \"العقيدة الطحاوية\"- (٤٢) - وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٦ - ٧٠).","vol":"6","page":46},{"text":"ومن صحيح السنة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان -يعني عرفة- فأخرج من صُلْبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام النسائي في \"الكبرى\"، وأحمد في المسند، وأبو يعلى بسند صحيح عن الأسود بن سريع قال: [أتيتُ رسولَ الله - ﷺ - وغَزوت معه، فأصبْتُ ظَفَرًا، فقَتَلَ الناس يومئذ، حتى قتلوا الولدان. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: ما بالُ أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟ ! فقال رجل: يا رسول الله، أما هم أبناءُ المشركين؟ فقال: ألا إنما خياركم أبناء المشركين. ثم قال: لا تقتلوا ذُرِّيةً، لا تقتُلوا ذُرِّيَةً. وقال: كُلُّ نَسْمَةٍ تُولَد على الفِطْرة، حتى يُعْرِبَ عنها لسانُها، فأبواها يُهَوِّدَانِها أو يمصِّرانها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سعيد بن المُسَيِّبِ، عن أبي هريرة، أنه كان يقول: قال رسول الله - ﷺ -: [ما مِنْ مَوْلودٍ إلا يولَدُ على الفِطرة، فأبواهُ يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرانِه ويُمَجِّسَانِه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بَهيمةً جمعاء (٣)، هل تُحِسُّوِنَ فيها من جَدْعاء (٤)؟ ثم يقولُ أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ الآية [الروم: ٣٠] (٥).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. أي التمسك بالدين الحق دين الفطرة هو الدين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٩١)، والحاكم عن ابن عباس مرفوعًا، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٢٣).\n(٢) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٨٦١٦)، وأحمد في المسند (٣/ ٤٣٥)، (٤/ ٢٤)، وأبو يعلى (٩٤٢)، والطبراني (٨٢٩)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٣١٦): (وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ١٦٢٣) ص (١٦٣).\n(٣) تنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء: أي تولد كاملة سليمة الأعضاء.\n(٤) جدعاء: مقطوعة الأنف أو الأذن أو الذنب أو غير ذلك من الأعضاء.\n(٥) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٦٥٨) - كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موتى أطفال الكفار وأطفال المسلمين.","vol":"6","page":47},{"text":"القويم. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن إقامتك وجهك للدين حنيفًا غير مغير ولا مبدّل هو الدين القيم، يعني المستقيم الذي لا عوج فيه عن الاستقامة من الحنيفية إلى اليهودية والنصرانية، وغير ذلك من الضلالات والبدع المحدثة).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nأي ولكن أكثر الناس ناكبون عن الصراط القويم، دين الله القيم، لجهلهم به أو معاداته.\nوقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾. أي: راجعين إليه. قال ابن زيد: (المنيب إلى الله: المطيع لله، الذي أنابَ إلى طاعة الله وأمره، ورجع عن الأمور التي كان عليها قبل ذلك، كان القوم كفارًا، فنزعوا ورجعوا إلى الإسلام).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nأي: وخافوه -تعالى- وراقبوه، وأقيموا الصلاة بأركانها وواجباتها في أوقاتها، واحذروا أن تخلطوا أعمالكم بالشرك بالله، بل أفردوه تعالى بالعبادة والتعظيم.\nوقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾. قال قتادة: (وهم اليهود والنصارى). أي: واحذروا أن تكونوا مثل الذين فرقوا دينهم فبدلوه وحرّفوه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وكانوا على ذلك أحزابًا.\nوقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي كل فرقة من هؤلاء الذين فارقوا الدين الحق وأحدثوا في دينهم البدع والغلو، فرحون مسرورون يحسبون أنهم أتباع الدين الحق أهل النجاة والسعادة، وإنما استزلهم الشيطان وزين لهم أعمالهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤].\nأخرج الترمذي والحاكم بسند حسن في الشواهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلًا بمثل، حذو النعل بالنعل، حتى لو أن فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي من يفعل مثله، إن بني","vol":"6","page":48},{"text":"إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة. فقيل يا رسول الله: ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي] (١).\nوأخرج أبو داود بسند حسن عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال: ألا إن رسول الله - ﷺ - قام فينا فقال: [ألا إنّ مَنْ قبْلَكُم مِنْ أَهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين مِلّة، وإنَّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة. وإنه سيخرج من أمتي أقوام تَجارى بهم تلك الأهواء كما يَتَجَارى الكَلَبُ لصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله] (٢).\n٣٣ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدُ العجب من المشركين في ترك إقبالهم على الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم، فإنه إذا نزل بهم كرب أو هول أو شدة أخلصوا التوحيد والدعاء لله، ثم إذا كشف الله الضر عنهم رجع فريق منهم بربهم يشركون. متاع قليل ثم إلى ربهم مرجعهم وسوف يعلمون. فهل عندهم حجة من كتاب أو علم بشركهم فهم إليه يرجعون. إن أكثر الناس يفرحون بالنعم ويقنطون عند الشدائد، والله هو الذي يبسط الرزق لهم ويقدر، وفي ذلك آيات لقوم يؤمنون.\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٥/ ٢٦ - طبعة أحمد شاكر)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٢٨ - ١٢٩)، والآجري في \"الشريعة\" (ص ١٥ - ١٦)، وابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" ص (٧)، واللالكائي في \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" (١٤٧).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٤٥٩٧) - كتاب السنة- باب شرح السنة، وانظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣٨٤٣).","vol":"6","page":49},{"text":"فقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ أي قَحْط وشِدّة ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أن يرفع ذلك عنهم ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: مقبلين عليه بكل قلوبهم لا يشركون. ومعنى هذا الكلام التعجب، عجب نبيّه من المشركين في ترك الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم، أي إذا مسن هؤلاء الكفار ضرٌّ من مرض وشدّة دعوا ربهم، أي استغاثوا به في كشف ما نزل بهم، مقبلين عليه وحده دون الأصنام، لعلمهم بأنه لا فرج عندها).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.\nأي: ثم إذا كشف الله الضر والشدة عنهم وأنزل بهم العافية والنعمة إذا جماعة منهم يشركون بالله في العبادة والتعظيم.\nوقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. قال ابن كثير: (هي لام العاقبة عند بعضهم، ولامُ التعليل عند آخرين، ولكنها تعليلٌ لِتَقييضِ الله لهم ذلك. ثم توعّدَهم بقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، قال بعضهم: والله لو توعَّدني حارس دَرْبٍ لَخِفْتُ منه، فكيفَ والمتوعِّدُ هاهنا هو الذي يقول للشيء: كنْ، فيكون).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾.\nقال الضحاك: (﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ أي كتابًا). وبه قال قتادة والربيع بن أنس.\nوهو استفهام فيه معنى التوقيف. قال النسفي: (﴿سُلْطَانًا﴾ حجة ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ وتكلمه مجاز، كما تقول كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه الشهادة. كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ما مصدرية، أي بكونهم بالله يشركون، أو موصولة ويرجع الضمير إليها. أي: فهو يتكلم بالأمر الذي بسببه يشركون. أو معنى الآية: أم أنزلنا عليهم ذا سلطان، أي ملكًا معه برهان، فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الناس منا خصب ورخاء، وعافية في الأبدان والأموال، فرحوا بذلك، وإن تصبهم منا شدة من جدب وقحط وبلاء في","vol":"6","page":50},{"text":"الأموال والأبدان ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول: بما أسلفوا من سَيِّئ الأعمال بينهم وبين الله، وركبوا من المعاصي ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ يقول: إذا هم ييأسون من الفرج. والقنوط: هو الإياس).\nويُسْتثنى من ذلك أهل الإيمان، فإنهم يتقلبون بين الصبر والشكر.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبًا لأمر المؤمن، إن أمْرَهُ كُلَّهُ لهُ خَيْرٌ، وليسَ ذلك لأَحَدٍ إلا للمؤمن: إنْ أصابَتْه سَرَّاءُ شكَرَ فكان خَيْرًا لهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضرّاءُ صبَرَ فكان خيرًا له] (١).\nالحديث الثاني: أخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البيهقي والطيالسي بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [عجبت للمسلم، إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمد الله وشكر، إنَّ المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٩٩٩) -كتاب الزهد- باب: المؤمن أمره كله خير، ورواه أحمد.\n(٢) إسناده صحيح. رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٥/ ٢٤)، وأبو يعلى (٢/ ٢٠٠)، وكذلك (٢/ ٢٠٥) من طريق آخر. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطيالسي (٢١١)، والبيهقي. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٧).","vol":"6","page":51},{"text":"أي: أولم ير الذين يفرحون عند رخائهم ويقنطون عند شدتهم أنَّ الشدة والرخاء بيد الله، يقلب فيهما عباده كيف شاء، إن في هذا التوسيع والتضييق، والفرج والشدة،، والغنى والفقر، لآيات لقوم يؤمنون بربهم أنه هو الفاعل المتصرف، يقضي بحكمته وعدله بين خلقه.\n٣٨ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: الأمْرُ بإعانة القرابة المحتاجين، والفقراء المساكين، والمسافرين المنقطعين ببلد الغربة، فإنَّ كل ما بُذل لوجه الله لقي أهله الفلاح والنجاح. والتحذير من الربا والترغيب في الزكاة والصدقات. والتنفير من الشرك، فإن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت، والأوثان والأصنام والطواغيت عاجزة عن بعض ذلك، فتعالى الله عما يشركون.\nفعن الحسن: (﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: هو أن توفيهم حقهم إن كان عندك يسر، وإن لم يكن عندك فقل لهم قولًا ميسورًا، قل لهم الخير). والمسكين: هو الذي لا شيء له يُنْفِقُ عليه، أو له شيء لكن لا يقوم بكفايته، وابن السبيل: هو المسافر انقطع ببلد الغربة واحتاج إلى المال وإن كان في بلده غنيًا. والآية: أمر من الله تعالى باعطاء ذي القربى حقه من البر والصلة والمعونة وكذلك المسكين وابن السبيل.\nأخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن سلمان بن عامر يبلغ به النبي - ﷺ - قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرَّحم ثِنْتَان، صَدَقَةٌ وصِلَة] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٨٤٤) - كتاب الزكاة. والترمذي (٦٦١) كذلك. انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٤٩٤) - باب فضل الصدقة، وصحيح سنن الترمذي (٥٣١).","vol":"6","page":52},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جرير: (إيتاء هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله عباده، خير للذين يريدون الله بإتيانهم ذلك). وقال ابن كثير: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾، أي: النظرَ إليه يومَ القيامة، وهو الغايةُ القصوى).\nوقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي الفائزون في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ فيه تأويلان:\n١ - قال مجاهد: (يعطي ماله يبتغي أفضل منه). وقال إبراهيم: (هو الرجل يهدي إلى الرجل الهدية، ليثيبه أفضل منها). وقال طاووس: (هو الرجل يعطي العطية ويهدي الهدية، ليثاب أفضل من ذلك، ليس فيه أجر ولا وزر).\n٢ - قال ابن عباس: (الرِّبا رباءانِ، فَرِبًا لا يصحُّ، يعني ربا البيع، وربًا لا بأس به، وهو هَدِيَّةُ الرجل يريد فضلها وإضْعَافَها. ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾). قال النسفي: (يريد وما أعطيتم أكلة الربا من ربا ليربو في أموالهم ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه. وقيل: هو من الربا الحلال، أي وما تعطونه من الهدية لتأخذوا أكثر منها فلا يربو عند الله لأنكم لم تريدوا بذلك وجه الله).\nقلت: وقد تحكم الأعراف المتكلفة أحيانًا حياة الناس في مثل هذا النوع من التواصل، فيهدي الرجل صاحبه أو المرأة صديقتها الهدية طمعًا في استقبال أفضل منها والتباري في ذلك، ليس المقصود من الهدية وجه الله تعالى في تأكيد المحبة في سبيله، فالآية تشمله كما تشمل الربا الذي كان في الجاهلية والذي فيه استغلال المحتاجين.\nوقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾. قال ابن عباس: (هي الصدقة تريدون وجه الله).\nوقال قتادة: (هذا الذي يقبله الله ويضعفه لهم عشر أمثالها، وأكثر من ذلك).\nوالمقصود: أن الثواب المضاعف إنما هو في الزكاة وما كان من الصدقة يبتغى به وجه الله تعالى.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما تَصَدّقَ أحدٌ بِصَدَقَةٍ","vol":"6","page":53},{"text":"مِنْ طَيِّبٍ، ولا تقْبَلُ الله إلا الطَّيِّبَ، إلا أَخَذها الرحمن بيمينه -وإن كانت تمرة- فتربو في كفِّ الرحمن حتى تكونَ أعظمَ من الجبل، كما يُرَبِّي أحدُكم فُلُوَّهُ أو فصيلَه] (١).\nوقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: هو الخالق الرازق، يُخرج الإنسان من بطن أُمّه عريانًا لا عِلْمَ له ولا سمعَ ولا بَصَرَ ولا قُوى، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرِّياشَ واللِّباس والمالَ والأملاك والمكاسب، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي: بعد هذه الحياة، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، أي: يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾، أي: الذين تعبدونهم من دون الله، ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، أى: لا يقدر أحدٌ منهم على فِعْل شيء من ذلك، بل الله -﷾- هو المستقل بالخَلْقِ والرّزقِ، والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة).\nوقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال قتادة: (يسبح نفسه إذ قيل عليه البهتان). أي: تقدس وتنزه عن أن يكون له نظير أو مثيل أو شريك أو ولد أو صاحبة، فهو وحده الخالق الرازق الإله الأحد الصمد فلا تجوز العبادة إلا له.\n٤١ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ظهورُ الفساد المؤذي في البر والبحر عقوبةُ الله للناس بما استهتروا في أمْرِ دينهم وَوُجُوب الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر. قل -يا محمد- لمشركي قومك: سيروا في البلَاد فانظروا إلى مساكن الذين كفروا من قبلكم وما أنزل الله بهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠١٤) - كتاب الزكاة. باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها. والفلوّ: المهر، والفصيل: ولد الناقة.","vol":"6","page":54},{"text":"وأقم وجهك لطاعة ربك والتزم منهاج هذا الدين القويم، قبل مجيء يوم من أيام الله يتفرق الناس فيه فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، إنَّه من كفر فإن مردّ الكفر على نفسه، ومن عمل صالحًا فقد مهّد لنفسه سبيل النجاة، فالله وعد المؤمنين إسعادهم، والكافرين إنزال الشقاء والتعاسة بهم، فإنه -تعالى- لا يحبهم.\nفعن مجاهد: (قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ﴾ قال: قتل ابن آدم أخاه. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ قال: أخذ الملك السفن غصْبًا).\nوقال زيد بن رُفيع: (﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ يعني: انقطاع المطر عن البَرِّ يعقبه القحطُ، وعن البحر يعني دوابُّه).\nوقال أبو العالية: (مَنْ عصى الله في الأرض فقد أفسدَ في الأرض، لأنَّ صلاحَ الأرض والسماء بالطاعة).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ظهرت المعاصي في برّ الأرض وبحرها بكسب أيدي الناس ما نهاهم الله عنه). وقال النسفي: (﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ نحو القحط وقلة الأمطار والريع في الزراعات والربح في التجارات ووقوع الموتان في الناس والدواب وكثرة الحرق والغرق ومحق البركات من كل شيء).\nوقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: بأن النقص في الثمار والزروع بسبب المعاصي).\nوقال القاسمي: (﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي من الآثام والموبقات، ففشا الفساد وانتشرت عدواه، وتوارثه جيل عن جيل أينما حلوا وحيثما ساروا).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُو﴾ [الأنعام: ١٢٩].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن","vol":"6","page":55},{"text":"النبي - ﷺ - قال: [إذا ظهَرَ الزِّنا والرِّبا في قرية، فقد أحَلُّوا بأنفسهم عذابَ الله] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والبزار والبيهقي بسند حسن عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله - ﷺ - فقال: [يا مَعْشَرَ المهاجرين! خَمْسٌ إذا ابتليتم بِهنَّ، وأعوذ بالله أن تدركوهُنَّ: لم تَظْهَر الفاحِشَةُ في قوم قَطُ، حتى يُعلِنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مَضَتْ في أسلافِهم الذين مَضَوا. ولم ينقصوا المِكْيال والميزان، إلا أُخِذوا بالسنينَ وشِدَّةِ المؤونَةِ وجَوْرِ السُّلْطان عليهم. ولم يَمْنَعوا زكاةَ أموالهم، إلا مُنِعوا القَطْرَ مِنَ السَّماء، ولولا البهائِمُ لم يُمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سَلَّطَ الله عليهم عَدُوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لمْ تَحْكُم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيّروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لَيَشْرَبَن ناسٌ من أمتي الخَمْرَ، يُسَمُّونَها بِغير اسْمِها، يُعْزَفُ على رؤوسهم بالمعازف والمُغَنِّيات، يَخْسفُ الله بهم الأرضَ، ويجعَلُ منهم القردة والخنازير] (٣).\nوالخلاصة: أن انتشار الفواحش والآثام في البلاد ينعكس على أهلها بفساد الأحوال، الأمر الذي يتطلب منهم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليرفع الله عنهم بذلك ما أصابهم.\nوفي صحيح البخاري من حديث أبي قتَادةَ بنِ رِبْعِيّ الأنصاري: [أنه كان يُحدّث أن رسول الله - ﷺ - مُرَّ عليه بجنازة. قال: مُسْتَريحٌ ومُسْتَراحٌ مِنْه. قالوا: يا رسول الله، ما المستريحُ والمستراحُ مِنْه؟ قال: العَبْدُ المؤمن يستريحُ من نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمة الله ﷿، والعبد الفاجِرُ يستريحُ منه العباد والبلاد والشجر والدواب] (٤).\nوفي سنن النسائي وابن ماجة بسند حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني والحاكم من حديث ابن عباس. انظر صحيح الجامع (٦٩٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤٠١٩) - كتاب الفتن. باب العقوبات. ورواه البزار والبيهقي بألفاظ متقاربة. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٤٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٠٢٠) - كتاب الفتن. باب العقوبات. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٤٧)، ومشكاة المصابيح (٤٢٩٢).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥١٢) - كتاب الرقاق، باب سَكَرات الموت.","vol":"6","page":56},{"text":"[حدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خَيْرٌ لأهل الأرض من أن يُمْطروا أربعين صباحًا] (١).\nقال شيخ الإسلام -﵀- معلقًا على هذا الحديث-: (وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة، فإذا أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله ونقصت معصية الله تعالى، فحصلَ الرزق والنصر) (٢).\nوقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nقال قتادة: (لعل راجعًا أن يرجع، لعل تائبًا أن يتوب، لعل مستعتِبًا أن يستعتب).\nوعن الحسن: (﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: يتوبون). أو قال: (يرجعُ مَنْ بَعْدهم).\nوالمعنى: إنما يصيبهم الله بعقوبة بعض أعمالهم وما اجترحوه من الآثام كي ينيبوا إلى الحق ويرجعوا تائبين. كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: سِيروا في البلاد، فانظروا إلى مساكن الذين كفروا بالله من قبلكم، وكذبوا رسله، كيف كان آخر أمرهم، وعاقبة تكذيبهم رسل الله وكفرهم، ألم نهلكهم بعذاب منا، ونجعلهم عبرة لمن بعدهم، ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾، يقول: فعلنا ذلك بهم، لأن أكثرهم كانوا مشركين بالله مثلهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾.\nأي: فوَجِّه وجهك يا محمد إلى طاعة ربك والتزم الملة المستقيمة: منهاج هذا الدين القيم، من قبل مجيء يوم من أيام الله لا راد لمجيئه، قضى الله تعالى فيه تفريق الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.\nوأصل الصدع في لغة العرب الشق، وتصدع القوم إذا تفرقوا. قال ابن عباس:\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٢/ ١١١)، والنسائي (٢/ ٢٥٧)، وأحمد (٢/ ٤٠٢)، وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٢٨٧/ ١)، وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٣١).\n(٢) انظر كتاب \"السياسة الشرعية\"- ابن تيمية- ص (٦٨).","vol":"6","page":57},{"text":"(قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يقول: يتفرقون) وقال ابن زيد: (يتفرقون إلى الجنة وإلى النار).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.\nقال مجاهد: (﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾: في القبر). أو قال: (يسوّون المضاجع). قال النسفي: (أي يسوون لأنفسهم ما يسويه لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مرقده من نتوء وغيره. والمعنى أنه يمهد لهم الجنة بسبب أعمالهم فأضيف إليهم. وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تجاوزه).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله. وقيل: يصدّعون ليجزيهم الله، أي ليميّز الكافر من المسلم ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾). وقال ابن كثير: (أي: يُجازيهم مجازاةَ الفضل، الحسنة بعشرِ أمثالها، إلى سبع مئة ضِعْف، إلى ما يشاء الله، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. ومع هذا هو العادل فيهم، الذي لا يَجُور).\n٤٦ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ الله على عباده إرسال الرياح مبشرات بالغيث والمطر، ولجريان السفن، ولبلوغ الخيرات في المعايش والتجارات، والسير في البلدان، ولعلهم يشكرون. ولقد أرسل الله الرسل من قبل في الأمم بالبينات، والحجج والدلالات، ليفردوه تعالى بالشكر والتعظيم، فأطاعهم فريق وأبى آخرون، فأنعم تعالى بالنصر على المؤمنين، وانتقم من المجرمين.\nفقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾. قال مجاهد: (بالمطر).\nأي: ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشرات أي بالمطر لأنها تتقدمه.\nوقوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال قتادة: (المطر). قال ابن جرير: (يقول: ولينزل","vol":"6","page":58},{"text":"عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد). والمقصود: أن من رحمته يكون الغيث والخصب عند إرساله تعالى الرياح.\nوقوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾. أي في البحر عند هبوبها، فتجري السفن بتدبيره سبحانه أو بتكوينه. قال القرطبي: (وإنما زاد ﴿بِأَمْرِهِ﴾ لأن الرياح قد تَهُبُّ ولا تكون مواتية، فلابد: من إرساء السفن والاحتيال بحبسها، وربما عصفت فأغرقتها بأمره).\nوقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال ابن كثير: (﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: في التجاراتِ والمعايشِ، والسَّيرِ من إقليم إلى إقليم، وقُطْرٍ إلى قُطْر، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾.\nتسليةٌ من الله تعالى لعبده ورسوله محمد - ﷺ - عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم، فإن الرسل قد تعاقبوا قبله وأيدهم الله تعالى بالأدلة البينات والمعجزات الواضحات، ومع ذلك كَذَّبهم أقوامهم فأنزل الله نقمته بأعدائهم، وما آمن معهم إلا قليل.\nوقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nهو حقٌّ أوجبه تعالى على نفسه الكريمة تفضلًا منه وتكرمًا ورفعًا لشأن أهل الإيمان.\nقال الزمخشري: (قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تعظيم للمؤمنين، ورفع من شأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة ومزية. حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، مستوجبين عليه أن يظهرهم ويظفرهم).\n٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾.\nفي هذه الآيات: إرسالُ الله الرياح وإنشاءُ السحاب وجمعه ونشره في السماء ونزول","vol":"6","page":59},{"text":"المطر من خلاله، واستبشار القوم الذين كانوا قبل نزوله قانطين آيسين. فانظر يا محمد إلى رحمة ربك وقدرته على إحياء الأرض اليابسة بعد موتها، وهو القادر على بعث الموتى من قبورهم لو كانوا يعلمون. إنه لو تابع ربك -يا محمد- بريح مفسدة للزرع لنسي القوم نعمة الله قبل ذلك ولظلوا من بعده يكفرون.\nفقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.\nقال القاسمي: (إما سائرًا وواقفًا، مطبقًا وغير مطبق، من جانب دون جانب، إلى غير ذلك).\nوالآية: إخبار من الله تعالى عن قدرته بإنشاء السحاب وجمعه ونشره في السماء كيف يشاء، لينزل منه الماء.\nوقوله: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾. قال قتادة: (أي قطعًا). وقال الضحاك: (متراكمًا). وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾. قال مجاهد: (الودق: القطر). وقال قتادة: (﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ يعني: من بين السحاب).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: فإذا صرف ذلك الودق إلى أرض من أراد صرفه إلى أرضه من خلقه رأيتهم يستبشرون بأنه صرف ذلك إليهم ويفرحون).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. قال قتادة: (أي قانطين).\nوالمقصود: وإن كان هؤلاء القوم الذين أُمطروا قانطين آيسين من نزوله، فلما جاءهم المطر أشرقت نفوسهم بالفرح ووقع منهم موقعًا عظيمًا.\nقال النسفي: (﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ كرر التأكيد. كقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: ١٧]. ومعنى التوكيد فيها الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم بأسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك).\nوقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.\nأي: فانظر يا محمد إلى أثر الغيث الذي أكرم الله به من شاء من عباده كيف أحيا أرضهم بعد موتها ويبسها.","vol":"6","page":60},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nقال القرطبي: (استدلال بالشاهد على الغائب). والمقصود: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد يبسها ودثورها بهذا الغيث لمحيي الموتى بعد موتهم وهو على ذلك وعلى غيره قدير، وليس شيء عليه بعسير.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾: الزرع، وهو الأثر). وقيل: (فرأوا السحاب). فالمعنى: يقول جل ذكره: ولئن أرسلنا ريحًا مفسدة ما أنبته الغيث فرأى هؤلاء الأثر المفسد: في اصفرار زروعهم بعد اخضراره، ويبسه بعد نضجه، لظلوا من بعد استبشارهم وفرحتهم به يكفرون بربهم، ويجحدون نِعَمَهُ، ويَنْسَون أياديه عندهم.\n٥٢ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ عدم سماع الأموات في قبورهم نداء الأحياء، وتمثيل الكفر والإعراض عن سماع الحق بالموت والصمم، وإنما الهداية بيد الله فهو يهدي من أخبت إليه وكان من المسلمين.\nفقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.\nقال قتادة: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: هذا مثل ضربه الله للكافر، فكما لا يسمع الميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ يقول: لو أن أصمّ ولّى مدبرًا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفعُ بما يسمع).\nوالمقصود: أن الهداية لأهل العمى عن الحق إنما هي بيد الله، فهو وحده الذي بقدرته يُسْمِعُ الأموات أصوات الأحياء لو شاء، وكذلك فهو يهدي من يشاء، ويضل من يشاء.\nقلت: وهذه الآية نص في عدم سماع الأموات في قبورهم نداء الأحياء، وإنما جاء الاستثناء في أمرين خاصين:","vol":"6","page":61},{"text":"الأمر الأول: سماع الميت خفق نعال أصحابه إذا وُضع في قبره.\nوهذا سماعٌ محدود بخفق النعال كما ورد في النص الصحيح، لا يتعداه إلى غيره من الأصوات من الناس أو معرفتهم أو سماع حديثهم.\nففي مسند أحمد وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم من حديث البراء مرفوعًا: [فيردُ إلى الأرض وتعاد روحه في جسده. فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مدبرين. فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟] الحديث (١).\nالأمر الثاني: سماع قتلى بدر توبيخ النبي - ﷺ - لهم.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ قال: أوقف النبي - ﷺ - على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول. فَذُكِرَ لعائشة، فقالت: إنما قال النبي - ﷺ -: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق. ثم قرأت: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية ...] (٢).\nقلت: فمفهوم كلام عائشة ﵂ أن ذلك التكليم كان خاصًا برسول الله - ﷺ -، وأن الله أراد أن يخزي الطغاة الذين قتلوا يوم بدر، ولذلك أكد رسول الله - ﷺ - ذلك بقوله: \"إنهم الآن يسمعون\" ويدركون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم ختمت عائشة كلامها بالأصل المعروف، فقرأت الآية. ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. ثم إن هذا المعنى يُستَنْبَطُ من قول عمر: (يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها).\nوفي رواية مسلم: (يا رسول الله كيف يسمعون وأنّى يجيبوا وقد جَيَّفُوا). فأجابه ﵊ بما يُفْهَمُ أنه خاص بهم، فقد أراد الله أن يسمعهم توبيخ نبيّه لهم وقد كذبوا به من قبل، فقال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا).\nقال قتادة: (أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا وَنَقِمَةً وحسرة وندمًا) رواه البخاري (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠)، وأحمد (٤/ ٢٨٧)، (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، والطيالسي (رقم ٧٥٣)، والنسائي (١/ ٢٨٢)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٩٨٠)، (٣٩٨١) - كتاب المغازي.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٣٩٧٦) - كتاب المغازي. وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٥٩٥ - ٥٩٦).","vol":"6","page":62},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾.\nأي: وما أنت -يا محمد- بمانع الذين أعماهم الله من ضلالتهم، فإنَّ مَنْ لَمْ يُوَفِّقْهُ الله لإصابة الرشد وأعماه عن إبصار طريق الاستقامة وامتثال سبيل محجة الحق فلا سبيل لك إلى هديه ورشده.\nوقوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\nكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]. قال القرطبي: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ أي لا تُسمع مواعظَ الله إلا المؤمنين الذين يصغون إلى أدلة التوحيد وخلقتُ لهم الهداية). قال ابن جرير: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يقول: فهم خاضعون لله بطاعته، متذللون لمواعظ كتابه).\n٥٤. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾.\nفي هذه الآية: ترتيب الله تعالى حياة الإنسان بتنقله في أطوار الخلق المختلفة: فهو يخرج من بطن أمه في حالة ضعف ثم يصير شابًا في حالة قوة، ثم يعود إلى الضعف في حالة الشيخوخة، والله هو العليم القدير.\nقال قتادة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ أي من نطفة. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ الهرم ﴿وَشَيْبَةً﴾ الشَّمَط).\nوالآية إخبار من الله تعالى عن تنقل الإنسان في أطوار الخلق المختلفة. قال ابن كثير: (فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من عَلَقة، ثم من مُضْغَة، ثم يصير عظامًا، ثم يُكسى لحمًا، وينفخ فيه الروحُ، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفًا نحيفًا واهِنَ القُوَى، ثم يشَبُّ قليلًا قليلًا حتى يكون صغيرًا، ثم حدَثًا، ثم مُراهقًا، ثم شابًا. وهو القوة بعد الضعفِ، ثم يشرَعُ في النقص فيكتهلُ، ثم يشيخ ثم يهرَمُ، وهو الضعف بعد القوة. فتضعف الهمةُ والحركة والبطش، وتَشِيب اللَمَّة، وتتغَير الصفاتُ الظاهرة والباطنة، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: يفعل ما يشاءُ وَيَتَصَرَّفُ في عبيده بما يُريد، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.","vol":"6","page":63},{"text":"أخرج الترمذي بسند حسن عن ابن عمرة [أنه قرأ على النبي - ﷺ -: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ فقال: \"مِنْ ضُعْفٍ\"] (١).\n٥٥ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إقسام المجرمين يوم القيامة أن مكثهم في هذه الحياة الدنيا ما كان غير ساعة، وتأكيد أهل العلم والإيمان لهم أن لبثهم في كتاب الأعمال كان من بدء خلقهم إلى يوم بعثهم، ولكنهم كانوا لا يعلمون الحق لانصرافهم إلى الشهوات، وإلى تضييع الأوقات، فيومئذ لا يُقبل منهم اعتذار ولا تبرير ولا ينفعهم الندم أو التوبة من الوقوع في الموبقات والمهلكات.\nفعن قتادة: (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي يكذبون في الدنيا، وإنما يعني بقوله ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ عن الصدق، ويصُدُّون عنه إلى الكذب).\nقال ابن جرير: (يقول: كذبوا في قيلهم وقَسَمِهم ما لبثنا غير ساعة، كما كانوا في الدنيا يكذبون ويحلفون على الكذب وهم يعلمون).\nوالآية إخبار من الله تعالى عن جهل الكفار وكذبهم في الدنيا والآخرة. فقد أنفقوا أعمارهم في دنياهم بتعظيم الطواغيت والشهوات، ثم هم يقسمون يوم القيامة ما لبثوا في الدنيا غير ساعة واحدة، وكأنهم أرادوا استقصار مدتها فلا تقوم عليهم بها الحجة ولا الإعذار.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال قتادة: (هذا من مقاديم الكلام. وتأويلها: وقال الذين أوتوا الإيمان والعلم: لقد لبثتم في كتاب الله). وقال ابن جُريج: (معنى ذلك: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله، والإيمان بالله وكتابه).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن- أبواب القراءات. انظر صحيح الترمذي (٢٣٣٩).","vol":"6","page":64},{"text":"والمقصود: أنهم إذا قالوا ذلك يوم البعث ردّ عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة كما أقاموا عليهم حجة الوحي في الدنيا، إنكم لبثتم في كتاب الأعمال من يوم خلقتم إلى يوم بعثكم هذا، ولكنكم كنتم في الدنيا لا تعلمون أنه حق، لتفريطكم في طلب الحق واتباعه، وانغماسكم خلف أهوائكم وشهواتكم.\nوقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.\nأي: فيوم القيامة لا ينفع الكفار اعتذارهم عما فعلوا من أعمال الكفر والآثام، ولا يطلب منهم التوبة والإنابة فقد مضى وقت ذلك.\nقال القاسمي: (﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي ولا يطلب منهم الإعتاب. أي إزالة العتب بالتوبة والطاعة. لأنهما وإن كانتا ماحيتين للكفر والمعاصي، فإنما كان لهما ذلك في مدة الحياة الدنيا، لا غير).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٥ - ١٦].\nوفي سنن الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بالعبد يومَ القيامة فيقولُ لَهُ: ألَمْ أجْعَلْ لكَ سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسَخَّرْتُ لك الأنعام والحرثَ، وتركتُكَ ترأسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنَّكَ مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنْسَاكَ كما نسيتني] (١).\nقال أبو عيسى: (ومعنى قوله: \"اليوم أنساك كما نسيتني\": اليوم أتركك في العذاب، وكذا فَسَّرَ بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب).\n٥٨ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الترمذي (١٩٧٨) - أبواب صفة القيامة. وأصله في صحيح مسلم.","vol":"6","page":65},{"text":"قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ضَرْبُ الله الأمثلة للناس في هذا القرآن لينتفعوا بها ولكن الذين كفروا عن الحق معرضون، كذلك يختم الله على قلوب الذين لا يعلمون، فاصبر -يا محمد- واثبت على الصراط ولا يَسْتَفِزَّنَكَ عن دينك الذين لا يوقنون.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾. قال القرطبي: (أي من كل مَثَل يدلُّهم على ما يحتاجون إليه، وينبههم على التوحيد وصدق الرسل).\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لو رأَوا أيَّ آيةٍ كانت، سَواءٌ كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سِحْرٌ وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال النسفي: (أي مثل ذلك الطبع وهو الختم يطبع الله على قلوب الجهلة الذين علم الله منهم اختيار الضلال حتى يسموا المحقين مبطلين، وهم أعرق خلق الله في تلك الصفة).\nوقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.\nأي: فاصبر -يا محمد- على أذاهم وعداوتهم، واعلم أن وعد الله بنصرك عليهم وإظهار دينك الحق على كل دين وعدٌ حق قادم لابد من إنجازه والوفاء به.\nوقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.\nقال القرطبي: (أي لا يستفزنّك عن دينك. والخطاب للنبي - ﷺ - والمراد أمته، يقال: استخف فلان فلانًا أي استجهله حتى حمله على اتباعه في الغيّ).\nوقال القاسمي: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ أي لا يحملنك على الخفة والقلق ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي بما تتلو عليهم من الآيات البينة، بتكذيبهم إياها ومكرهم فيها. فإنه تعالى منجز لك ما وعدك من نصرك عليهم، وجعله العاقبة لك، ولمن اعتصم بما جئت به من المؤمنين).","vol":"6","page":66},{"text":"قلت: والخطاب ينسحب إلى العلماء والدعاة من بعد النبي - ﷺ -، أَنْ يصبروا على تبليغ دعوة الله إلى الخلق مهما حاول الطغاة المَكْرَ بهم أو تسفيه أعمالهم وتشويهها، فإن الله ناصر من ينصره ولو كره الكافرون.\nتم تفسير سورة الروم بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *","vol":"6","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - المشركون يحبون ظهور فارس على الروم، والمؤمنون يحبون ظهور الروم على فارس، لأن الروم أهل كتاب.\n٢ - البِضْعُ في لغة العرب: ما بين الثلاث إلى التسع.\n٣ - إن الله يبغض كلَّ جعظري جَوَّاظ، سَخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمارٍ بالنهار، عالمٍ بالدنيا، جاهل بالآخرة.\n٤ - تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله.\n٥ - من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. وفي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n٦ - إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدْر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيثُ والطيبُ والسَّهل والحَزْنُ وبين ذلك.\n٧ - لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح.\n٨ - يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض.\n٩ - الميثاق الذي أخذه الله تعالى على آدم ﵇ وذريته حق.\n١٠ - ما مِنْ مولود إلا يولَدُ على الفِطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه.\n١١ - افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة: كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. أو قال: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي).","vol":"6","page":68},{"text":"١٢ - عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له.\n١٣ - الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثِنتان: صدقة وصلة.\n١٤ - إن الصدقة تربو في كفِّ الرحمان حتى تكون أعظمَ من الجبل.\n١٥ - إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحَلُّوا بأنفسهم عذاب الله.\n١٦ - حدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خيرٌ لأهل الأرض من أنْ يُمطروا أربعين صباحًا.\n١٧ - الموتى في قبورهم لا يسمعون، وإنما خصَّ الله كفار بدر فأحياهم ليسمعهم قول نبيّه توبيخًا لهم وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندمًا.\n١٨ - الكفار ينفقون أعمارهم في دنياهم بتعظيم الطواغيت والشهوات، ثم هم يقسمون يوم القيامة ما لبثوا في الدنيا غير ساعة.\n١٩ - الطبع على القلوب ختمها، فلا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا.\n٢٠ - لزوم صبر العلماء على تبليغ الدعوة مهما حاول الطغاة المكر بهم أو تسفيه أعمالهم وتشويهها، فإن الله ناصر من ينصره ولو كره الكافرون.\n* * *","vol":"6","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>٣١ - سورة لقمان</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>موضوع السورة</span>\nوصية لقمان ﵇\nمنهاج جامع لأصول الإسلام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-216> منهاج السورة</span>-\n١ - ثناء الله تعالى على القرآن الكريم، وعلى عباده المؤمنين المتقين.\n٢ - ذكر حال الأشقياء بعد ذكر حال السعداء، فأهل الشقاء في لهو ولعب واستهزاء بالدين، ولهم عذاب مهين. وأهل السعادة أهل الإيمان في جنات النعيم، يتقلبون في ملذاتها وَعْدُ العزيز الحكيم.\n٣ - خَلْقُ الله السماوات بلا عمد، وتثبيته الأرض بالجبال، ونشره الخلائق في أرجاء الأرض، وإنزاله الماء وإنباته النبات، فماذا خلق الطواغيت والأوثان؟ !\n٤ - خبر لقمان ﵇، ونصيحته الجامعة لابنه، وتخليد القرآن هذه الوصية.\n٥ - امتنان الله تعالى على العباد تسخيره لهم ما في السماوات وما في الأرض، وإسباغه عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، ومقابلة كثير منهم تلك النعم بالجدل والتنطع واتباع منهاج الشياطين.","vol":"6","page":70},{"text":"٦ - إقرار المشركين لله خلق السماوات والأرض ومع ذلك هم يعبدون غيره وأكثرهم جاهلون.\n٧ - أقلام الدنيا ومداد قدر البحار لا يكفي لكتابة كلمات الله ومعاني أسمائه وصفاته.\n٨ - ما خلق الناس كلهم وبعثهم إلا كخلق نفس واحدة وبعثها والله هو السميع البصير.\n٩ - إخبار الله تعالى عن عجائب قدرته في تعاقب الليل والنهار وزيادة أحدهما أو نقصانه، وحركة الشمس ومنازل القمر، وجريان الفلك في البحر.\n١٠ - تصويره تعالى حالة القوم إذا غشيهم الموج في البحر كيف يخلصون لله الدعاء والدين، فاذا نجاهم إلى البر عاد أكثرهم مشركين.\n١١ - أمْرُ الله تعالى عباده أن يصدقوه التقوى ويستعدوا للقائه ويحذروا غرور الشيطان وهذه الحياة الدنيا.\n١٢ - الله وحده الذي يعلم وقت الساعة وينزل المطر ويعلم ما في الأرحام وما يكون في الغد من قضاء على كل نفس من عمل أو موت، وهو العليم الحكيم.\n* * *","vol":"6","page":71},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصار الله تعالى لهذا القرآن العظيم، الذي فيه هدى ورحمة للمحسنين، الذين يقيمون الصلاة بأركانها وواجباتها، ويؤتون الزكاة بمقاديرها ومواقيتها، وهم بالآخرة مؤمنون. أولئك أهل الهداية من ربهم وأولئك هم الفائزون.\nفقوله تعالى: ﴿الم﴾. مفهومه كسابقه في أول سورة البقرة وآل عمران. وهو أنّ هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف التي يتخاطب العرب بها، وهو مع ذلك يتألق في إعجازه ويتحدى الخلق جميعًا أن يأتوا بسورة من مثله.\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ - انتصار لهذا القرآن الحكيم بيانًا وتفصيلًا.\nوقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: هذه آيات الكتاب بيانًا ورحمة من الله، رحم به من اتبعه وعمل به من خَلْقِه. وقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وهم الذين أحسنوا في العمل بما أنزل الله في هذا القرآن).\nوقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ بالنصب على الحال. والإحسان هنا حسن الامتثال لأوامر الشريعة كما يدل عليه ما بعده من تفصيل.\nوفي صحيح مسلم من حديث عمر مرفوعًا: [الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٣٠). وانظر مختصر صحيح مسلم- حديث رقم (٢) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":72},{"text":"وفي لفظ من حديث أبي هريرة: [قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك] (١).\nوفى لفظ آخر: [قال: أن تخشى الله كأنك تراه، فإنك إنْ لا تَكُنْ تراه فإنه يراك] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\nأي: إن من إحسان هؤلاء المؤمنين: إقامة الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها، وما يتبعها من نوافل راتبةٍ وغير راتبةٍ، وإعطاء الزكاة المفروضة مستحقيها من الأقارب والأرحام والمساكين، والإيمان باليوم الآخر يوم يقوم الناس لرب العالمين.\nقال القاسمي: (والمراد بالزكاة، على أنها مكية، هي مطلق إخراج المال تقربًا بالتصدق منه، وتزكية للنفس بإيتائه، من وصمة البخل والشح المردي لها. لا أنصباؤها المعروفة، فإنها إنما بُيِّنَت بالمدينة).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nأي: هؤلاء على بصيرة ونور من ربهم، ومنهج صائب غايته الفلاح في الدنيا والآخرة.\n٦ - ٧. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر حال الأشقياء عقب ذكر صفات السعداء، فأهل الشقاء في لهو ولعب واستهزاء بالدين، ولهم عذاب مهين.\nفقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. إخبار عن حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الوحي إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩) - كتاب الإيمان. باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٠) - كتاب الإيمان. باب: الإسلام ما هو وبيان خصاله، في أثناء حديث طويل.","vol":"6","page":73},{"text":"كلام الباطل واللهو وآلات الطرب. وتفصيل ذلك من أقوال المفسرين:\n١ - قال ابن عباس: (قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: باطل الحديث: هو الغناء ونحوه). أو قال: (هو الغناء والاستماع له).\n٢ - وقال قتادة: (والله لعله أن لا ينفق فيه مالًا، ولكن اشتراؤه استحبابُه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع).\n٣ - روى ابن جرير بسند جيد عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فقال عَبْدُ الله: (الغناء والذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات).\nورواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، هو والله الغناء).\n٤ - وقال مجاهد: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: المغَنّي والمغنية بالمال الكثير، أو استماع إليه، أو إلى مثله من الباطل). قال: (شراء المغنية). وقال أيضًا: (الغناء والاستماع له وكل لهو).\n٥ - قال ابن جريج: (اللهو: الطبل). وقال الضحاك: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ هو يعني الشرك).\nقلت: وكلها أقوال متقاربة متكاملة، مفادها وصف سلوك أهل الشقوة في إعراضهم عن الوحي الكريم، إلى كلام الباطل والغناء واللهو المشين، وآلات الطرب من مزامير الشيطان الرجيم، مستهترين مستهزئين بمعاني الحق التي خُلقوا لها والتي سيسألون عنها ثم ينتظرهم عذاب أليم، مهين كما استهانوا بآيات الله وسبيله وشرعه.\nوقد أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي أمامة عن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تبيعوا القَيْنات ولا تَشْتَروهُنَّ ولا تُعَلِّموهُنَّ ولا خَيْرَ في تجارة فيهن وثَمَنُهُنَّ حرامٌ. وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية] (١).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٤٢٤) - في التفسير- سورة لقمان (الآية: ٦). وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٥٥٣).","vol":"6","page":74},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ الآية.\nقال ابن كثير: (أي: هذا المقبلُ على اللهو واللعب والطَّرب، إذا تُليت عليه الآيات القرآنية ولّى عنها وأعرضَ وأدبرَ وتصامَّ وما به من صَمَم، كأنَّه ما يسمعها، لأنه يتأذى بسماعها، إذْ لا انتفاِعَ له بها، ولا أرَبَ له فيها ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي: يوم القيامة، يؤلمه كما تألم بسماعِ كِتاب الله وآياتِه). وعن مجاهد: ﴿فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ قال: ثِقلًا).\n٨ - ٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر مقام أهل السعادة في الدار الآخرة، الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهم يومئذ خالدون في بساتين النعيم، يتقلبون في ملذاتها وَعْدُ العزيز الحكيم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا﴾. قال القرطبي: (لما ذكر عذاب الكفار ذكر نعيم المؤمنين). قال ابن كثير: (هذا ذكرُ مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة المتابعة لشريعة الله، ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾، أي: يتنعَّمون فيها بأنواع الملاذِّ والمَسَارّ، من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمراكب، والنساء والنَّظْرَةِ والسماع الذي لم يَخْطُر ببال أحد، وهم في ذلك مقيمون دائمًا فيها، لا يَظْعَنُون ولا يبغون عنها حِولًا).\nوقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. أي: كائن ذلك لا محالة فهو وعد الله الكريم. قال النسفي: (مصدران مؤكدان، الأول مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره، إذ ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ في معنى: وعدهم الله جنات النعيم. فأكد معنى الوعد بالوعد، و﴿حَقًّا﴾ يدل على معنى الثبات، فأكّد به معنى الوعد ومؤكدهما ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: الغالب القاهر كل شيء، الذي قد عزّ كل شيء فقهره، ﴿الْحَكِيمُ﴾: العالم صاحب الحكمة المتقن لجميع الأمور، فهو الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.","vol":"6","page":75},{"text":"١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: خَلْقُ الله السماوات بلا عمد، وتثبيته الأرض بالجبال، ونَشْره الخلائق في أرجاء الأرض، وإنزاله الماء من السماء، وإنباته من كل زوج كريم. إنه تعالى هو الخالق لجميع ذلك، فماذا خَلَقَ الطواغيت والأوثان؟ بل الظالمون واقعون في الظلم والضلال والطغيان.\nفقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال مجاهد: (لها عمدٌ لا ترونها).\nوقال ابن عباس: (لعلها بعمد لا ترونها). وقال الحسن وقتادة: (ليس لها عمد مرئية ولا غيرُ مرئية).\nقلت: والراجح أنه ليس لها عمد، كما قال تعالى في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. قال إياس بن معاوية: (السماء على الأرض مثل القُبَّة، يعني بلا عَمَد). وهذا هو اللائق بالسياق. وقوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ تأكيدٌ لنفي ذلك، والتقدير: أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأليق بكمال قدرته ﷿.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].\nوقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. قال قتادة: (أي جبالًا).\nوقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. أي: لئلا تضطرب بكم على وجه الماء الغالب المحيط باليابسة. قال قتادة: (أثبتها بالجبال، ولولا ذلك ما أقرَّت عليها خلقًا).","vol":"6","page":76},{"text":"وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وفرق في الأرض من كل أنواع الدواب). والمقصود: خلق فيها سبحانه من كل أصناف الحيوانات ففرقها في أرجائها.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. قال قتادة: (أي حسن). وقال الشعبي: (والناس أيضًا من نباتِ الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم).\nوالمقصود: تقرير من الله تعالى أنه الرازق بعد تقريره جل ذكره أنه الخالق، فقد أنزل من السماء الماء المبارك، فأخرج به من كل زوج من النبات كريم: أي حسن النبتة والمنظر.\nوقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.\nتقريع بالمشركين العابدين مع الله غيره، مما لا يملك أن يخلق أو يرزق.\nقال قتادة: (﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ ما ذكر من خلق السماوات والأرض، وما بثّ من الدواب، وما أنبت من كل زوج كريم، فأروني ماذا خلق الذين من دونه الأصنام الذين تدعون من دونه).\nوقوله: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nأي: بل المشركون في عبادتهم قد ذهبوا عن سبيل الحق وضلوا سواء السبيل، ودخلوا في متاهات الجهل والعمى الواضح الذي لا خفاء به.\n١٢ - ١٩. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ","vol":"6","page":77},{"text":"مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يقص تعالى خبر لقمان ﵇، آتاه الله العلم والفهم والفقه وكان من الشاكرين. وقد نصح لولده نصيحة بالغة غايتها إقامة الدين. فحذره الشرك وأمره ببر الوالدين، وإقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الشدائد واجتناب سبيل المستكبرين، وخفض الصوت فإن رفع الصوت والصياح ليس من صفات المتقين.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. أي: العلم والفهم والفقه والتعبير.\nولقمان هو عبد صالح أكرمه الله بالحكمة. قال مجاهد: (كان لقمان عبدًا صالحًا، ولم يكن نبيًا). وعن قتادة: (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًا، ولم يوح إليه).\nقلت: ومن حكم لقمان ما رواه الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عمر ﵄ قال: أخبرنا رسول الله - ﷺ -: [أنّ لقمانَ الحكيم كان يقول: إن الله إذا استُودِعَ شيئًا حَفِظَه] (١).\nوقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ - فيه أكثر من تأويل:\n١ - ﴿أَنِ﴾ بمعنى أي مفسرة. أي: قلنا له اشكر لله. قال النسفي: (﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ مفسرة، والمعنى: أي اشكر لله، لأن إيتاء الحكمة في معنى القول).\n٢ - ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب، والفعل داخل في صلتها. كما حكى سيبويه: كتبت إليه أن قم. قال المهايمي: (﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي: على ما أعطاك من نعمه، من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٨٧)، والبيهقي في \"الشعب\" (٣٣٤٤) وإسناده حسن، رجاله ثقات غير نهشل، وهو صدوق، وكرره البيهقي (٣٣٤٣) من وجه آخر، وإسناده حسن.","vol":"6","page":78},{"text":"٣ - قال الزجاج: (المعنى: ولقد آتينا لقمان الحكمة لأن يشكر الله تعالى).\n٤ - وقيل: (أي بأن اشكر الله تعالى فَشَكَر، فكان حكيمًا بشكره لنا). قال ابن جرير: (وجعل قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ ترجمة عن الحكمة، لأن من الحكمة التي كان أوتيها، كان شكره الله على ما آتاه).\nقلت: وكلها تفاسير يحتملها البيان الإلهي المعجز، وتزيد في مفهوم الآية تبيانًا وإفهامًا. والشكر لله طاعته فيما أمر به، وقد نبّه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له. حتى قيل: لا يكون الرجل حكيمًا حتى يكون حكيمًا في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته.\nقال السري السقطي: (الشكر أن لا تعصي الله بنعمه). وقال الجنيد: (أن لا ترى معه شريكًا في نعمه). وقيل: هو الإقرار بالعجز عن الشكر. وقيل: (شكر القلب المعرفة، وشكر اللسان الحمد، وشكر الأركان الطاعة، ورؤية العجز في الكل دليل قبول الكل).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. أي: إنما يرجع ثواب الشكر على الشاكرين، وينقذه الله به كي لا يكون من الهالكين.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن حبان في صحيحه، والبغوي في \"شرح السنة\" بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الشكر الحمد لله] (١).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٢٣٢٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ١٤٤/ ٢)، والخرائطي في \"فضيلة الشكر\" (٢/ ٢)، وانظر سنن ابن ماجة - حديث رقم - (٣٨٠٠) نحوه، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٤٩٧).","vol":"6","page":79},{"text":"الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما أنعم الله على عَبْدٍ نِعمةً فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضلَ مما أخذ] (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة والحاكم بإسناد حسن في الشواهد عن عائشة قالت: [كان إذا رأى ما يحبُّ قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكرهه قال: الحمد لله على كل حال] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\nأي: ومن كفر نعمة الله عليه فإنما يرجع بالإساءة على نفسه، فالله غني عن عباده، لا يتضرر بكفر جميع أهل الأرض لو كفروا، فهو الغني لا إله إلا هو، الحميد: المحمود على كل حال، سواء كفر العبد نعمته أو شكرها.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: [قال الله تعالى: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\nأي: يقول جل ذكره: واذكر يا محمد قول لقمان لابنه يحذره مغبة الشرك بالله، ويخبره أن الشرك لخطأ من القول عظيم، ونوع من الظلم مبين.\nأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله - ﵁ - قال: [لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - وقالوا: أيُّنا لا يظلم نَفْسَهُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ليس هو كما تظُنُون،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن - حديث رقم - (٣٨٠٥)، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٦٧).\n(٢) صحيح لغيره. أخرجه ابن ماجة (٢/ ٤٢٢)، والحاكم (١/ ٤٩٩)، وابن السني (رقم ٣٧٢). وانظر صحيح ابن ماجة (٣٠٦٦)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٦٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٧)، وأحمد في المسند (٥/ ١٦٠).","vol":"6","page":80},{"text":"إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١).\nوفي رواية لمسلم: [فقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان].\nوقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾.\nقَرَنَ وصيته ابنه إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، بالبر والإحسان للوالدين، وهذا كما قال تعالى في الذكر الحكيم: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. فإن طاعة الوالدين في البر تأتي بعد طاعة رب العالمين.\nوفي الصحيحين عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [سألتُ النبي - ﷺ -: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلت: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٢).\nوقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: شدّة بعد شدّة، وخلقًا بعد خلق). وقال الضحاك: (يقول: ضعفًا على ضعف). وقال قتادة: (أي: جهدًا على جهد). وقال مجاهد: (وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها).\nقال القرطبي: (﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفًا على ضعف. وقيل: المرأة ضعيفة الخِلقة ثم يضعفها الحمل).\nوقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. قال ابن كثير: (أي: تربيتُه وإرضاعُه بعد وَضْعِه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ومن ها هنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أَقَلَّ مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\nقلت: وتخصيص الله تعالى الأم بمشاق الحمل وآلام الوضع وجهد الإرضاع يجعل لها بذلك ثلاث مراتب، وللأب واحدة.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٧٦) - كتاب التفسير، سورة لقمان، آية (١٣)، وكذلك أخرجه برقم (٣٢) - كتاب الإيمان. وأخرجه مسلم (١٢٤) - كتاب الإيمان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٠/ ٣٣٦)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٨٥).","vol":"6","page":81},{"text":"فقال: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ الناس بِحُسْن صَحابتي؟ قال: أمُّكَ. قال: ثم مَنْ؟ قال: ثم أُمُّكَ. قال: ثم مَنْ؟ قالَ: ثم أُمُّكَ. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: ثُمَّ أبوك] (١).\nوقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. أي: تعرف على ربك بالشكر وعلى والديك بالبر، ثم المرجع إلى الله يجزي جزيل الثواب. وفي تأويل ﴿أَنِ﴾ قولان متكاملان:\n١ - ﴿أنْ﴾ في موضع نصب. والتقدير: ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي. ذكره الزجاج.\n٢ - ﴿أنْ﴾ التفسيرية. قال النحاس: (وأجود منه أن تكون ﴿أن﴾ مفسرة، والمعنى: قلنا له أن اشكر لي ولوالديك).\nقيل: الشكر لله على نعمة الإيمان، والشكر للوالدين على نعمة التربية والإحسان.\nوجاء التخصيص للوالدة مقابل تعبها وسهرها ومشقتها في رعاية طفلها ليلًا ونهارًا، ليتذكر الولد إحسانها إليه، وجميل العناية التي قدمته له.\nوفي التنزيل:\n﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].\nقال سفيان بن عُيَينة: (من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما).\nوخَتَم الله تعالى الآية بقوله: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ليحث عبده على المسارعة في طاعة الله وبر والديه لينال ما خبأ الله له من أوفر الجزاء وأكرم الثواب.\nأخرج الحاكم بسند صحيح لغيره عن عمرو بن ميمون الأودي قال: [قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود! إني رسولُ رسولِ الله - ﷺ -: تعلمونَ المعادَ إلى الله، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجساد لا تموت] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٧١) - كتاب الأدب، باب البر والصلة. وأخرجه مسلم (٢٥٤٨) - كتاب البر والصلة والأدب. باب بر الوالدين، وأيهما أحق به. ورواه أحمد (٢/ ٣٩١)، وابن أبي شيبة (٣٦٥٨)، وابن حبان (٤٣٣ - ٤٣٤).\n(٢) صحيح لغيره. أخرجه الحاكم (١/ ٨٣)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٦) بنحوه، وقال: \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط\". وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٦٨).","vol":"6","page":82},{"text":"ورواه ابن أبي حاتم - ورجاله رجال البخاري ومسلم - من حديث سعيد بن وهب قال: [قَدِمَ علينا مُعاذ بن جبل، وكان بعثه النبي - ﷺ -، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني رسولُ رسولِ الله - ﷺ - إليكم: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني لا آلوكُم خيرًا، وإنَّ المصيرَ إلى الله، وإلى الجنة أو إلى النار، إقامَةٌ فلا ظَعَنٍ، وخلودٌ فلا موتٌ] (١).\nوقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.\nأي: وإن حملاك على مخالفة الدين الحق دين التوحيد إلى دين الجاهلية دين الشرك وتعظيم الطواغيت فلا تتابعهما على ذلك، واحتفظ بحسن الصحبة لهما.\nوفي الصحيحين عن أسماءَ بنت أبي بكر ﵄: [قلت: قَدِمَتْ علَيَّ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رسول الله - ﷺ - فاسْتَفْتَيْتُ رسولَ الله - ﷺ -، قلتُ: إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وهي راغبةُ، أفاصِلُ أُمِّي؟ قال: نعم. صِلي أُمَّكِ] (٢).\nوقوله: \"وهي راغبة\": قال ابن عطية: (والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة، وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها).\nففي الآية مع هذا الحديث دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين.\nوقوله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾. أي: واتبع سبيل المؤمنين في دينك. قال قتادة: (أي من أقبل إليّ). وقال ابن عطاء: (صاحب من ترى عليه أنوار خدمتي).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nأي: ثم المرجع والمآل إلى الله، فيجازي كلًا بعمله: المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.\n_________\n(١) إسناده صحيح. رواه ابن أبي حاتم ورجاله رجال البخاري ومسلم. وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير (٥٢١٣)، وهو يشهد لما قبله.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٢٠) - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها. باب الهدية للمشركين. ورواه مسلم (١٠٠٣)، وأبو داود (١٦٦٨)، من حديث أسماء. وأم أسماء هي قُتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسد. وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رُومان قديمة الإسلام.","vol":"6","page":83},{"text":"والوصية من الله بالوالدين وإن جاءت معترضة خلال وصية لقمان، إلا أنها تفيد أنها داخلة في وصية لقمان لابنه على وجه الخبر من الله.\nوقوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ الآية.\nقال قتادة: (﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ من خير أو شر. ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ أي جبل ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾: اْي لطيف باستخراجها خبير بمستقرها).\nقال القاسمي: (أي إن الخصلة من الإساءة أو الإحسان، إن تك مثلًا في الصغر كحبة الخردل ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فتكن مع كونها في أقصى غايات الصغر، في أخفى مكان وأحرزه، كجوف الصخرة. أو حيث كانت في العالم العلويّ أو السفليّ ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أي يحضرها ويحاسب عليها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي ينفذ علمه وقدرته في كل شيء ﴿خَبِيرٌ﴾ أي يعلم كنه الأشياء، فلا يعسر عليه. والآية هذه كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]).\nوقوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\nأي: يا بني أقم الصلاة التي أمرك الله بها بحدودها وأركانها والتماس أوقاتها، واؤمر الناس بطاعة الله واتباع أمره، وانههم عن الوقوع في معصيته ومحارمه، واصبر على ذلك مما يلحقك به من الأذى، فإن الصبر على أذى الناس لمن عَزْم الأمور.\nقال ابن جريج: (اصبر على ما أصابك من الأذى في ذلك ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال: إن ذلك مما عزم الله عليه من الأمور، يقول: مما أمر الله به من الأمور).\nوقال شيخ الإسلام ﵀: (ولا بد أيضًا أن يكون حليمًا، صبورًا على الأذى. فإنه لا بد أن يحصل له أذى. فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾).\nوقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة:","vol":"6","page":84},{"text":"١ - قال ابن عباس: (يقول: ولا تتكبر فتَحْتَقِرَ عبادَ الله، وتُعرضَ عنهم بوجهك إذا كَلَّمُوك). أو قال: (لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرًا).\n٢ - وقال مجاهد: (﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ قال: الصدود والإعراض بالوجه عن الناس).\n٣ - وعن ميمون بن مهران قال: (هو الرجل يكلم الرجل فيلوي وجهه).\n٤ - وعن الضحاك قال: (﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تعرض عن الناس، يقول أقبل على الناس بوجهك وحسن خلقك).\n٥ - قال ابن زيد: (تصعير الخدّ: التجبّر والتكبّر على الناس ومحقرتهم).\n٦ - وقال إبراهيم النَخَعِيُّ: (يعني بذلك التشديق في الكلام). وما قبله أشبه بالمعنى. قال ابن جرير: (وأصل الصَّعَر داء يأخذُ الإبلَ في أعناقها أو رؤوسها حتى تُلْفَتَ أعناقُها عن رؤوسها، فيشَبَّهُ به الرجل المتكبِّر).\nوالخلاصة: يوصي لقمان ابنه بِبَسْطِ وجهه للناس إذا كلمهم وعدم احتقارهم، والإقبال عليهم بحسن الخلق وعدم الكبر أو التشدق في الكلام تعاليًا عليهم.\nومن صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبهِ مِثقالُ ذرة من كِبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغمطُ الناس] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث جابر بن سليم مرفوعًا: [ولا تحقِرَنَّ شيئًا من المَعْروف، وأن تُكَلِّمَ أخاك وأنْتَ مُنْبَسِطٌ إليه وَجْهُكَ إنَّ ذلك من المعروف] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، (١٠/ ٤٠٨)، ورواه مسلم (٢٨٥٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩١)، وأخرجه أبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٠٨٤) - كتاب اللباس. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢)، باب: ما جاء في إسبال الإزار، في أثناء حديث طويل. ورواه الترمذي (٢٨٧٧).","vol":"6","page":85},{"text":"الحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن حبان بسند حسن لغيره عن أبي ذر مرفوعًا: [تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك الرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. قال الضحاك: (يقول: بالخيلاء).\nقال ابن كثير: (أي: جذلًا متكبِّرًا جَبّارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يُبْغِضكَ الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، أي: مُختال مُعْجَب في نفسه، فخور أي: على غيره).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. قال قتادة: (متكبر ذي فخر).\nوقال مجاهد: (متكبر. وقوله ﴿فَخُورٍ﴾ قال: يعدّد ما أعطى الله، وهو لا يشكر الله). وفي سورة الإسراء. قال جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُه نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَهُ، يَخْتَالُ في مِشْيَتِهِ، إذ خسف الله به، فهو يتجلجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة] (٢).\nوعند البيهقي بسند حسن عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: [لو لم تكونوا تُذنبون، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبر من ذلك، العُجْبَ العجب] (٣).\nوفي لفظ غيره: [لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب].\nوقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾. أي: امش مَشْيًا وَسَطًا عَدْلًا ليس بالبطيء المتثبِّط ولا بالسريع المُفْرِط. قال ابن جرير: (يقول: وتواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر، ولا تستعجل، ولكن اتئد).\n_________\n(١) حديث حسن لغيره. أخرجه الترمذي (١/ ٣٥٤)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١٢٨)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٨٦٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٧٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٢٢١)، (١٠/ ٢٢٢)، وأخرجه مسلم (٢٠٨٨).\n(٣) حديث حسن. أخرجه البيهقي، وبنحوه العقيلي (١٧١)، وابن عدي (١/ ١٦٤)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\"، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٥٨).","vol":"6","page":86},{"text":"وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾. قال يزيد بن أبي حبيب: (﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ من السرعة. ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ يقول: واخفض من صوتك، فاجعله قصدًا إذا تكلمت). قال قتادة: (أمره بالاقتصاد في صوته). والمعنى: نهاه عن المبالغة في الكلام، ورفع الصوت فيما لا فائدة فيه.\nوقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.\nقال قتادة: (أي: أقبح الأصوات لصوت الحمير، أوّله زفير، وآخره شهيق، أمره بالاقتصاد في صوته). وقال عكرمة: (﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾: أشرّ الأصوات). وقال ابن زيد: (لو كان رفع الصوت هو خيرًا ما جعله للحمير). وخلاصة المعنى كما قال ابن كثير: (أي: غاية مَنْ رفعَ صوته أنه يُشَبَّهُ بالحمير في عُلُوِّهِ ورفعِه، ومع هذا هو بغيضٌ إلى الله تعالى).\nوقال النسائي في كتاب \"التفسير\"- عند تفسير هذه الآية:\nحدثنا قتيبةُ بنُ سعيد، حدثنا الليث، عن جَعْفَر بن ربيعة، عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [إذا سمعتم صياحَ الدِّيكة فاسألوا الله من فَضْلِه، وإذا سمعتم نهيقَ الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنها رأت شيطانًا] (١).\n٢٠ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على العباد تسخيره لهم ما في السماوات وما في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٠٣)، ومسلم (٢٧٢٩)، وأخرجه أبو داود (٥١٠٢)، والترمذي (٣٤٥٩)، والنسائي في \"التفسير\" (٤١١).","vol":"6","page":87},{"text":"الأرض وإسباغ نعمه عليهم الظاهرة والباطنة، ومقابلة كثير منهم نعم ربهم بالجدل والتنطع وتعظيم الأعراف ودين الآباء الفاسد ومنهج الشيطان الذي يدعوهم إلى عذاب السعير. إنه من يخلص العبادة لله فقد سلك سبيل النجاة، ومن يكفر فإن عذاب الله شديد.\nفقوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أيها الناس ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من شمس وقمر ونجم وسحاب ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من دابة وشجر وماء وبحر وفلك وغير ذلك من المنافع، يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذكم، تتمتعون ببعض ذلك كله، وتنتفعون بجميعه).\nوقوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. قال مجاهد: (هي لا إله إلا الله). وكذلك قال ابن عباس، ثم قال: (﴿ظَاهِرَةً﴾ يقول: ظاهرة على الألسن قولًا، وعلى الأبدان وجوارح الجسد عملًا. وقوله: ﴿وَبَاطِنَةً﴾ يقول: وباطنة في القلوب اعتقادًا ومعرفة).\nقال ابن كثير: (وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكُتب، وإزاحة الشبَه والعِلَل، ثم مع ذلك كله ما آمن الناس كلُّهم، بل منهم مَنْ يُجادِلُ في الله، أي: في توحيده وإرسال الرسل. ومجادَلَتُهُ في ذلك بغير علم، ولا مستند من حُجَّةٍ صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾، أي: مُبين مُضِيء).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\nأي: وإذا دعي هؤلاء الذين يجادلون في توحيد الله وإفراده بالعبادة إلى ما أنزل الله على رسوله من الحجة البالغة والفرقان العظيم، اعتذروا باتباع دين الآباء وتقليد الأسلاف في جاهليتهم، يظنون أن معهم في ذلك التوارث العصمة من الضلال. قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ في تزيينه ذلك المنهج الفاسد لهم إلى صلي عذاب النار وسعيرها ولهبها يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.\nقال ابن عباس: (لا إله إلا الله). والمقصود: ومن يخلص العبادة لله تعالى منقادًا","vol":"6","page":88},{"text":"لأمره محسنًا في عمله فقد استمسك بأوثق عروة من حبل متين لا يخشى انقطاعه. قال القاسمي: (وهو تمثيل لحال المؤمن المخلص المحسن، بحال من أراد رقيّ شاهق، فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلّي منه).\nوقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. قال النَسفي: (أي هي صائرة إليه فيجازي عليها).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nأي: ومن أصَرَّ على الكفر بالله وبما أنزل عليك - يا محمد - فلا تحزن عليه، فإن قدر الله نافذ به، فيجمعهم جميعًا ليوم الفصل فيجازيهم بما اجترحوا إنه تعالى لا تخفى عليه منهم خافية.\nوقوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.\nقال القرطبي: (أي نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي نلجئهم ونسوقهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وهو عذاب جهنم. ولفظ ﴿مَنْ﴾ يصلح للواحد والجمع، فلهذا قال: \"كفرُه\" ثم قال: \"مَرْجِعهم\" وما بعده على المعنى).\n٢٥ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إقرارُ المشركين لله خلق السماوات والأرض ومع ذلك هم يعبدون غيره وأكثرهم جاهلون. إن الله له ما في السماوات والأرض، وأقلام الدنيا وبحارها لو كانت مدادًا لا تكفي لكتابة كلمات الله وأسمائه ونعت صفاته وهو العزيز الحكيم. وما خَلْقُ الله الناس كلهم وبعثهم إلا كَخَلْقِ نفس واحدة وبعثها وهو السميع البصير.\nفقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. قال القرطبي: (أي هم يعترفون بأن الله خالقهن فلِمَ يعبدون غيره).","vol":"6","page":89},{"text":"وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال ابن كثير: (إذ قامت عليهم الحجة باعترافهم). وقال النسفي: (إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر، وأن لا يعبد معه غيره). وقيل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ما هدانا له من دينه، وليس الحمد لغيره. قلت: وكل ذلك يدخل تحت مفهوم الآية.\nوقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال النسفي: (أن ذلك يلزمهم وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا). وقال ابن جرير: (يقول: بل أكثر هؤلاء المشركون لا يعلمون من الذي له الحمد، وأين موضع الشكر).\nوقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.\nأي: بل كل ما في السماوات والأرض ملك لله، وهو الغني عن عبادة هؤلاء المشركين، ﴿الْحَمِيدُ﴾ يعني المحمود على نعمه التي أنعمها على خلقه وفي الأمور كلها ولو كره المشركون.\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾.\nأي: ولو أن جميع ما في الأرض من أشجار جعلت أقلامًا، وجعل البحر مدادًا وأمدَّه سبعة أبحر معه، لكتابة كلمات الله التامة وأسمائه الحسنى وصفاته العُلا، لتكسرت الأقلام، ونفِدَ ماء البحار عجزًا عن إحصاء ذلك.\nوعن قتادة قال: (قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، قال: لو كان شجر البَرِّ أقلامًا، ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه). وعن الحكم قال: حدثنا عمرو: (﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ قال: لو بريت أقلامًا والبحر مدادًا، فكتب بتلك الأقلام منه ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ولو مدّه سبعة أبحر).\nوقال الربيع بن أنس: (إنّ مَثَل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البُحُور كُلِّها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ ... الآية. يقول: لو كان ذلك البحرُ مدادًا لكلمات الله، والشجر كلّها أقلامًا، لانكسرت الأقلام، وفني ماءُ البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يُفنيها شيءٌ، لأنَّ أحدًا لا يستطيع أن يقدُر","vol":"6","page":90},{"text":"قَدْرَه، ولا يُثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول).\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].\nوفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن عائشة قالت: [فقدت رسول الله - ﷺ -، ذات ليلة، من فراشه. فالتمسته. فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد. وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم! إني أعوذ برضاك من سَخَطِكَ، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي: عزيز في انتقامه من أعدائه، وقد عزَّ كل شيء وغلبه وقهره. ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، وفي جميع شؤونه.\nوقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.\nقال قتادة: (يقول: إنما خلْقُ الله الناس كلّهم وبعثُهم كخلق نفس واحدة وبعثها). وقال مجاهد: (﴿كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يقول: كن فيكون، للقليل والكثير). والمقصود: أن خلق جميع الناس وبعثهم يوم القيامة بالنسبة لقدرة الله هو في هوانه كخلق نفس واحدة وبعثها، فإن الجميع هين عليه سبحانه ولا يعجزه شيء.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤].\nوفي صحيح البخاري عن عبد الله - ﵁ - قال: [جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا مُحَمَّدُ، إنا نَجِدُ أنَّ الله يجعلُ السماوات على إصْبَع، والأرضينَ على إصْبَع، والشَّجرَ على إصْبَع، والماءَ والثَّرى على إصْبَع، وسائِرَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٨٤١) - كتاب الدعاء. باب ما تعوَّذ منه رسول الله - ﷺ -. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٩٨). ورواه أبو داود في السنن.","vol":"6","page":91},{"text":"الخلائقِ على إصْبَع، فيقول: أنا الملِكُ، فضحك النبي - ﷺ - حتى بَدَتْ نواجِذُهُ تصديقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\nأي: إن الله سميع لأقوال المشركين الذين يقولون لا بعث، بصير بأفعالهم وجرائمهم، كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كما هي قدرته على خلقهم وبعثهم كنفس واحدة.\n٢٩ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن عجائب قدرته في تعاقب الليل والنهار وزيادة أحدهما أو نقصانه، وحركة الشمس ومنازل القمر، والفلك التي تجري بأمره في البحر، وغير ذلك من الآيات وهو العلي الكبير. وتصويره تعالى حالة القوم إذا غشيهم موج البحر ورأوا الهلاك كيف يخلصون له الدين، فإذا نجاهم إلى البر عاد أكثرهم مشركين.\nفقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.\nقال قتادة: (﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ نقصان الليل في زيادة النهار ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ نقصان النهار في زيادة الليل).\nفالنهار في الصيف طويل وفي الشتاء قصير، والليل في الصيف قصير وفي الشتاء طويل، فإنه تعالى يأخذ من ساعات هذا فيضمها إلى ساعات هذا صيفًا وشتاء.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١١) - كتاب التفسير، وانظر كذلك (٧٤١٤)، (٧٤١٥).","vol":"6","page":92},{"text":"وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال قتادة: (يقول: لذلك كله وقت، وحد معلوم، لا يجاوزه ولا يعدوه).\nقلت: والشمس والقمر آيتان عظيمتان من آيات الله يخوف الله بحركتهما عباده ليتوبوا إليه قبل فوات الأوان.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق حركة الشمس والقمر أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان عن أبي ذَرٍّ الغفاري - ﵁ - قال: [قال النبي - ﷺ - لأبي ذَرٍّ حين غَرَبَت الشمس: أتَدْري أيْنَ تذهب؟ قلتُ: الله ورسوله أعْلَمُ. قال: فإنها تذهَبُ حتى تَسْجُدَ تحت العرش فتستأذِنَ فيؤذَنَ لها، ويوشكُ أن تَسْجُدَ فلا يُقْبَلَ منها، وتَسْتَأذنَ فلا يؤذَنَ لها، فيُقال لها: ارجعى مِنْ حيثُ جِئت، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبها. فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [لا تقوم الساعة حتى تطلعَ الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا رآها الناسُ آمنَ مَنْ عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن عائشة أن رَسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٩٩) - كتاب بدء الخلق، وأخرجه مسلم (١٥٩) نحوه، وأخرجه أحمد (٥/ ١٧٧)، والترمذي (٢١٨٦)، وابن حبان (٦١٥٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٣٥) - كتاب التفسير، ومسلم (١٥٧)، وأحمد (٢/ ٢٣١)، وأبو داود (٤٣١٢)، من حديث أبي هريرة.","vol":"6","page":93},{"text":"أخذ بيدها فأشار بها إلى القمر فقال: [يا عائشةُ! استعيذي بالله من شَرِّ هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقَبَ. يعني القمر] (١).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ الشمس والقمر لا يَخْسِفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنّهما آية من آيات الله، فإذا رأيتموه فَصَلّوا] (٢).\nورواه عن ابن عباس بلفظ: [إن الشمس والقمر آيتان من آياتِ الله لا يَخْسِفان لموت أحَدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله].\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال القاسمي: (أي: لأن من شاهد مثل ذلك الصنع الرائق، والتدبير الفائق، لا يكاد يغفل عن كون صانعه ﷿ محيطًا بما يأتي ويذر).\nوالآية فيها تهديد للكافرين الجاهلين حق عظمته سبحانه، المشركين فى عبادته معه غيره، فهو تعالى يحصي أعمالهم عليهم وسيجازيهم بها.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nقال النسفي: (أي: ذلك الوصف الذي وصف به من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله، إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت الإلهية، وأن من دونه باطل الإلهية، وأنه هو العليّ الشأن الكبير السلطان).\nقلت: وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ دليل على علوه تعالى فوق جميع خلقه.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٢٤١)، والحاكم (٢/ ٥٤٠ - ٥٤١)، وأحمد في المسند (٦/ ٦١)، (٦/ ٢٠٦)، (٦/ ٢٣٧)، وانظر السلسلة الصحيحة (٣٧٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٠١) - كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر، وانظر لرواية ابن عباس الحديث (٣٢٠٢) من الباب نفسه.","vol":"6","page":94},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].\nوفي صحيح البخاري عن أنس: [أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي - ﷺ - تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات] (١).\nوفي رواية: [إن الله أنكحني في السماء].\nوفي رواية أخرى: [زوجنيك الرحمن من فوق عرشه].\nوقوله: ﴿الْكَبِيرُ﴾. أي: الموصوف بالجلال وكِبر الشأن.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].\nفالله تعالى هو الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، وقد قهر كل شيء، فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعًا وكرهًا.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾.\nقال ابن كثير: (يُخبِر تعالى أنه هو الذي سَخَّر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بِلُطْفِه وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة تُحمَل بها السُفن لما جَرَت، ولهذا قال: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾، أي: مِنْ قدرتِه).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. أي: صَبَّار في الشدائد والضراء، شكور في الرخاء والسّراء. قال عمر - ﵁ -: (خير عيش أدركناه بالصبر).\nقال الشعبي: (الصبر: نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله).\nقال ابن القيم: (وهو - أي الصبر - واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر).\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن أنس قال: قال النبي - ﷺ -: [إنَّ عِظَمَ الجزاء مع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"التوحيد\"، والترمذي (٢/ ٢١٠)، وأحمد (٣/ ٢٢٦).","vol":"6","page":95},{"text":"عِظَمِ البلاء، وإنَّ الله تعالى إذا أحَبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سَخِطَ فَلَهُ السُّخطُ] (١).\nوقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾.\nأي: وإذا غشي هؤلاء الذين يدعون مع الله غيره من الأوثان والطواغيت موج في البحر ﴿كَالظُّلَلِ﴾ أي: كالجبال والغمام، أخلصوا الدعاء لله وحده، فلما نجاهم إلى البر عادوا إلى شركهم. قال مجاهد: (﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: أي كافر). وقال ابن زيد: (هو المتوسط في العمل). اْي: فقابل النجاة من تلك الأهوال العظيمة التي أشرف معها على الهلاك بالجحود والكفر أو بضعيف الصلة بالله وبطيء المبادرة في الخيرات.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].\nوفي سنن أبي داود ومسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي تميمة قال: [شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحْدَه، مَنْ إذا كان بك ضر فدعوتَهُ كشفه عنك، ومن إذا أصابك عامُ سنة فدعوته أنبت لك، ومن إذا كنت في أرض قَفْرٍ فأضللت فدعوته ردّ عليك] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال ابن عباس: (كل جحاد كفور).\nوقال مجاهد: (﴿كُلُّ خَتَّارٍ﴾: كلّ غدار). وقال قتادة: (﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾، الختار: الغدار، كل غدار بذمته كفور بربه).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، وابن ماجة (٤٠٣١) من حديث أنس. وانظر صحيح الجامع الصغير (٢١٠٦) والحديث إسناده حسن، رجاله ثقاث.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢)، وتخريج المشكاة (٩١٨)، ورواه أحمد في المسند. انظر صحيح الجامع (٢٤٢).","vol":"6","page":96},{"text":"وفي الأثر عن علي - ﵁ -: (المكر غدر، والغدر كفر) رواه ابن جرير. وفي لغة العرب: الخَتْر. هو أتمُّ الغدر وأبلغه. قال الرازي: (الخَتْر: الغدر. يقال: خَتَرَه فهو خَتّار).\nوالمقصود: ما يكفر بحجج الله وأدلة توحيده وإفراده بالتعظيم إلا كل غدّار بعهده جحود نعم ربه عليه، فهو يكفرها ولا يشكرها ويتناساها ولا يذكرها.\n٣٣ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى عباده أن يصدقوه التقوى ويستعدوا للقائه في يوم لا يدفع والد عن ولده ولا ولد عن والده شيئًا، وأن يحذروا غرور هذه الحياة الدنيا وغرور الشيطان الرجيم. إن الله تعالى وحده الذي يعلم وقت الساعة وينزل المطر ويعلم ما في الأرحام وما يكون في الغد من قضاء على كل نفس من عمل أو موت وهو العليم الحكيم.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾. تخويف من الله عباده نفسه، والمشهد الرهيب يوم القيامة بين يديه، فلو أراد والد أن يفدي ولده بنفسه لما قُبل منه. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه لم يُقبَلَ منه.\nقال القاسمي: (أي ليس بمغن أحدهما عن الآخر شيئًا، لانقطاع الوُصَل في ذلك اليوم الرهيب).\nوقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. قال ابن جرير: (يقول: اعلموا أن مجيء هذا اليوم حقّ، وذلك أن الله قد وعد عباده ولا خلف لوعده).\nوقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. أي: لا تخدعنكم بلذاتها ومباهجها","vol":"6","page":97},{"text":"وزينتها الفانية، فتصرفكم عن الاستعداد ليوم الرحيل والمعاد.\nوقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال مجاهد: (الشيطان). وكذلك روي عن ابن عباس وقتادة: (ذاكم الشيطان). فهو يَغُرُّ ابنَ آدم ويعده ويمنِّيه بالأكاذيب حتى يصرفه عن طاعة الله بخيالاته وأوهامه. كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]. قال سعيد بن جبير: (الغرور: أن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.\nقال قتادة: (أشياء من الغيب، استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهن ملكًا مقرّبًا، ولا نبيًا مرسلًا ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة، أو في أي شهر، أو ليل، أو نهار ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فلا يعدم أحد متى ينزل الغيث، ليلًا أو نهارًا ينزل؟ ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أو أنثى، أحمر أو أسود، أو ما هو (١)؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ خير أم شرّ ولا تدري يا ابن آدم منى تموت، لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض في بحر أو برّ أو سهل أو جبل، تعالى وتبارك).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق ذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه -في كتاب التفسير- عند هذه الآية، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرة - ﵁ -: [أنَّ رسول الله - ﷺ - كانَ يَوْمًا بارزًا للناس، إذْ أتاهُ رجلٌ يمشي فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: الإيمانُ: أن تُؤمِنَ بالله وملائكته وَرُسُلِه، ولِقائه، وتؤمِنَ بالبعث الآخر. قال: يا رسول الله، ما الإسلامُ؟ قال: الإسلام أن تَعْبُدَ الله ولا تُشْرِكَ به شيئًا، وتقيمَ الصلاة، وتؤتي الزكاةَ المفروضة، وتصومَ رمضان. قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: الإحسانُ: أن تَعْبُدَ الله كأنك تراه فإنْ لم تكنْ تراه فإنه يراك. قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال:\n_________\n(١) قد رأى الناس اليوم بعض أخبار الجنين في أشهره الأولى من خلال أجهزة التصوير الحديثة فأشكل على بعضهم فهم هذه الآية. فيقال إن الله تعالى يعلم الذكر من الأنثى في المراحل التي يعجزون عن معرفتها في الأرحام بجميع أجهزتهم.","vol":"6","page":98},{"text":"ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل، ولكن سأحَدِّثك عن أشْراطِها. إذا وَلَدَت المرأة رَبَّتها، فذاكَ مِن أشراطِها. وإذا كان الحُفاةُ العراةُ رؤوسَ الناس، فذاكَ مِنْ أشراطِها، في خمسِ لا يَعْلمُهُنَّ إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ثم انصرف الرجل فقال: رُدّوا عليَّ، فأخذوا ليرُدّوا فلم يرَوْا شيئًا، فقال: هذا جبريل جاء لِيُعَلِّمَ الناس دينهم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال النبي - ﷺ -: [مَفاتيحُ الغيب خَمْسٌ، ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن بُريدة قال: سمعت أبي بُريدة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [خمسٌ لا يعلمهن إلا الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾] (٣).\nالحديث الرابع: أخرجَ الإمام أحمد بسند صحيح عن رِبْعِيِّ بن حِرَاش، عن رجل من بني عامر: [أنه استأذن على النبي - ﷺ -: أألج؟ فقال النبي - ﷺ - لخادمه: اخرُجي إليه فإنه لا يُحسِنُ الاستئذان فقولي له: فَلْيَقُل: السلام عليكم، أأدخلُ؟ قال: فسمعتُه يقول ذلك، قلت: السلامُ عليكم، أأدخلُ؟ فأذِنَ فدخلتُ، فقلتُ: بِمَ أتيتنا به؟ قال: لم آتكم إلا بخير، أتيتكم أن تعبدوا الله وحدَه لا شريك له، وأن تَدَعوا اللات والعُزَّى، وأن تُصَلُّوا بالليل والنهار خمسَ صلوات، وأن تصوموا من السنة شهرًا، وأن تحجُّوا البيتَ، وأن تأخذوا الزكِاة من مالِ أغنيائكم فتردُّوها على فُقَرائكم. قال: فقال: هل بقي من العلم شيء لا تعلمُه؟ قال: قد علمَ الله - ﷿ - خيرًا، وإنَّ من العلم ما لا يعلمُه إلا الله ﷿: الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٧٧) - كتاب التفسير، سورة لقمان، آية (٣٤)، ورواه مسلم في الصحيح (٩) من حديث أبي هريرة. وانظر صحيح ابن ماجة (٥٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٧٨) - كتاب التفسير، الباب السابق. وانظر كذلك (١٠٣٩).\n(٣) صحيح الإسناد. أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٣)، والبزار (٢٢٤٩) وإسناده على شرط مسلم، وانظر: \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٨٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٩)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٢٧/ ٤٢ - ٤٣): ورجاله =","vol":"6","page":99},{"text":"الحديث الخامس: أخرج ابن ماجة والبيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا كانَ أجَلُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ، أَوْثَبَتْهُ إليها الحاجةُ. فإذا بلغَ أقصى أثرِهِ، قَبَضَهُ الله سبحانه. فتقول الأرض يوم القيامة: ربِّ! هذا ما استودعتني] (١).\nوله شاهد عند الترمذي من حديث أبي عَزَّةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا أرادَ الله قبضَ رُوحِ عبدٍ بأرضٍ جعلَ له فيها حاجة].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إنَّ الذي يعلم ذلك كله، هو الله دون كل أحد سواه، إنه ذو علم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، خبير بما هو كائن، وما قد كان).\nتم تفسير سورة لقمان بعون الله وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه\n* * *\n_________\n= كلهم ثقات أئمة. وأورده ابن كثير في التفسير (٥٢٦٢) وقال: وهذا إسناد صحيح.\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٢٦٣) - كتاب الزهد، والبيهقي في \"الشعب\" (٩٨٨٩). وقال البوصيري في \"الزوائد\": إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وانظر صحيح ابن ماجة (٣٤٣٨). وانظر للشاهد بعده سنن الترمذي (٢١٤٧)، ومسند أحمد (٣/ ٤٢٩).","vol":"6","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.\n٢ - لهو الحديث: باطل الحديث، وهو الغناء والقينات والمعازف والاستماع لذلك.\n٣ - الشكر أن لا تعصي الله بنعمه، وأن لا ترى معه شريكًا في آلائه.\n٤ - شكر القلب المعرفة، وشكر اللسان الحمد، وشكر الأركان الطاعة.\n٥ - كان - ﷺ - إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكرهه قال: الحمد لله على كل حال.\n٦ - الإشراك بالله هو الظلم العظيم، فالله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.\n٧ - أحب الأعمال إلى الله تعالى: الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.\n٨ - الصبر واليقين عماد الإمامة في الدين. وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقابه أليم.\n٩ - إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس.\n١٠ - بينا رجل يمشي في حلة تُعجبه نفسه، مُرَجّلٌ رأسَه، يَخْتال في مِشْيَتِه، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة.\n١١ - لو لم تكونوا تذنبون، لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العُجْب العُجْب.\n١٢ - أقبح الأصوات لصوت الحمير، أوّله زفير، وآخره شهيق، وغاية مَن رَفَعَ صوته أن يشُبَّه بالحمير، ثم الرفع في الصوت لغير حاجة بغيض إلى الله.\n١٣ - تسجد الشمس كل يوم تحت العرش حين تغرب، ثم تستأذن ربها في الطلوع.","vol":"6","page":101},{"text":"١٤ - الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله.\n١٥ - إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، والإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر.\n١٦ - مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: علم الساعة ونزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري بأي أرض تموت.\n* * *","vol":"6","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>٣٢ - سورة السجدة</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد في ذكر هذه السورة الكريمة حديثان من صحيح السنة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم والنسائي بسند صحيح عن جابر: [أن النبي - ﷺ - كان لا ينامُ حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ - ﵁ - قال: [كان النبي - ﷺ - يقرأ في الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]. و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>موضوع السورة</span>\nسجود المؤمنين أهل القيام والنعيم، عند سماعِ آيات الذكر الحكيم ونفور الكافرين واستعجالهم العذاب الأليم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٠)، والترمذي (٣٤٠٤)، الدارمي (٢/ ٤٥٥)، والحاكم (٢/ ٤١٢) من حديث جابر. وانظر صحيح الجامع الصغير (٤٧٤٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٩١)، كتاب الجمعة، باب ما يُقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة، وأخرجه مسلم (٨٨٠)، كتاب الجمعة، باب ما يُقرأ في يوم الجمعة.","vol":"6","page":103},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-221> منهاج السورة </span>-\n١ - الانتصار لهذا القرآن العظيم، من الله الخالق المدبر لأمر هذا الكون من فوق عرشه الكريم، الذي أحسن كل شيءٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسلهُ من سلالة من ماءٍ مهين، ثم سواه وأتم خلقهُ ولكن أكثر الخلق لا يشكرون.\n٢ - إنكارُ البعث بعد الموت من المشركين، ونَعْتُ حالة الذل والخزي عليهم في أرض المحشر وهم يسألون الرجعة ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين.\n٣ - سجودُ المؤمنين عند سماع آياتِ القرآن، وجفاءُ العلاقةِ بينهم وبين فرشهم لأَجْلِ صلاة القيام، وإنفاقهم في وجوه الخير وقد أعدّ الله لهم طيب العيش في الجنان.\n٤ - اختلاف السبيلين: سبيل أهل الإيمان أهل النعيم، وسبيل أهل الفسق أهل الجحيم.\n٥ - إرسال الله العذاب الأدنى دون عذاب الآخرة لعلهم يرجعون، ولا أظلم ممن ذكر بآيات الله ثم استكبر عنها، وقد توعد الله المستكبرين بقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.\n٦ - جَعْلُ الله التوراة هدى لبني إسرائيل، واختياره الأئمة والقادة منهم لما حققوا الصبر واليقين، والله يفصل بين عباده يوم الحساب فيما كانوا فيه يختلفون.\n٧ - توجيه الخطاب للمشركين المكذبين بالرسل لينظروا في كثرة ما أهلك الله من الأمم قبلهم فهم يمشون في مساكنهم.\n٨ - الاعتبار بإيصالهِ تعالى الماء إلى الأرض اليابسة فيخرج به الزرع ويسقي الأنعام.\n٩ - استعجالُ المشركين العذاب، ويوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا يؤخرون.\n١٠ - الأمر بالإعراض عنهم وعدم المبالاةِ بمكرهم، واللهُ منزل نصره قريبًا على رسوله والمؤمنين.\n* * *","vol":"6","page":104},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٩. قوله تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصارُ الله تعالى لهذا القرآن العظيم، فهو الحق من الله خالق السماوات والأرض المدبر لأمر هذا الكون من فوق عرشه الكريم، الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم نفخ فيه الروح وسواه وعدله وجعل له السمع والبصر والعقل والقلب وأكثر الخلق لا يشكرون.\nفقوله تعالى: ﴿الم﴾. كسابقه في أول سورة البقرة وآل عمران، ومفهومه: أَنَّ هذا القرآن المعجز هو من جنس هذه الأحرف، وقد أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله.\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nانتصار لهذا القرآن بعد تلك البداية العجيبة. قال ابن جرير: (معنى الكلام: أن هذا القرآن الذي أُنزل على محمد لا شكّ فيه أنه من عند الله، وليس بشعر ولا سجع كاهن، ولا هو مما تخرّصه محمد - ﷺ -، وإنما كذّب جل ثناؤهُ بذلكَ قولَ الذين","vol":"6","page":105},{"text":"﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقول الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]).\nوقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾. أي: بل يقولون اختلقهُ من تِلقاء نفسه.\nوقوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال القرطبي: (كذبهم في دعوى الافتراء).\nوقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.\nقال قتادة: (كانوا أمَّةً أُمِّيَّةً، لم يأتهم نذير قبل محمد - ﷺ -).\nقلت: والراجح أن العرب كانوا مطالبين بملة التوحيد - ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين - وإنما جدّد الله لهم البلاغ ببعثة محمد - ﷺ -، ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق الذي كان عليه الأحناف منهم ممن لزموا الدين الحق ولم يشاركوا قومهم في شركهم.\nففي صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر - ﵁ -: [وقد صليتُ يا ابنَ أخي قبل أن ألقى رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأينَ توجه؟ قال: أتوجهُ حيث يوجهني ربي ﷿، أصلي عشاءً حتى إذا كان من آخر الليل أُلقِيتُ كأني خِفاء - أي كساء - حتى تعلوني الشمس] (١).\nوفي صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة قال: [كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان] (٢).\nوقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.\nأي: اللهُ تعالى هو الذي أبدعَ السماوات والأرض فأوجدها من العدم في ستة أيام، فهو المعبود جل ثناؤه الذي لا تصلح العبادة إلا لهُ أيها الناس.\nقال قتادة: (يقول: ما لكم أيها الناس إله إلا من فعل هذا الفعل، وخلقَ هذا الخَلْقَ العجيب في ستة أيام).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: [خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٤٧٣)، كتاب فضائل الصحابة. باب من فضائل أبي ذر، - ﵁ -. وانظر تفصيل الحديث والبحث في كتابي: السيرة النبوية (١/ ١٨٩ - ١٩٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٣٢)، كتاب صلاة المسافرين. باب إسلام عمرو بن عبسة.","vol":"6","page":106},{"text":"المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخرِ ساعةٍ من ساعاتِ الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. أي: علا وارتفع على العرش بعد خلقه السماوات والأرض وما بينهما.\nوقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: بل هو المالك لأزمَّةِ الأمور، الخالقُ لكل شيء، المدبِّرُ لكل شيء القادرُ على كل شيءٍ، فلا وَليَّ لِخَلْقِهِ سواه، ولا شفيعَ إلا من بعدِ إذْنِهِ. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾، يعني: أيها العابدون غيرهُ، المتوكِّلون على مَنْ عَداه، تعالى وتقدَّسَ وتنزَّهَ أَنْ يكونَ لهُ نظيرٌ أَو شريكٌ أَو ندِيْدٌ، أو وَزير أو عَديل، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه).\nوقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\nقال مجاهد: (النزول من الملك في مسيرة خمس مئة عام، وصعوده في مسيرة خمس مئة عام، ولكنه يقطَعُها في طَرْفة عَين).\nوالمقصود: ينزل أمر الله تعالى من أعلى السماوات إلى أقصى تخُوم الأرض السابعة، ثم تُرفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، في مسافة هي مسيرة خمس مئة سنة مما نَعُدُّ من السنين في الصعود والهبوط، إلا أن المَلكَ يقطعها بإذن الله في لحظة.\nقلت: والآية دليل صريح على علو الله تعالى على جميع خلقه، فإن الأمر ينزل من عنده من السماء إلى الأرض ثم ترفع تقارير أعمال العباد إليهِ جل ثناؤه.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٩)، كتاب صفات المنافقين، باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇، وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٢٧٥ - ٢٧٦).","vol":"6","page":107},{"text":"أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعدُ إلى الله كأنها شرارة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nتهديد ووعيد. أي: فإن الذي يفعلُ ما وُصف لكم في هذه الآيات هو عالمُ الغيبِ، الذي يعلم ما غاب عن أبصاركم أيها الناس، فلستم تبصرونه مما تكنّه الصدور، وتخفيه النفوس، وهو عالم الشهادة مما شاهدته الأبصار في كل أرجاء الكون، ﴿الْعَزِيز﴾ في انتقامه ممن كفر به، وكذب رسله. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن أناب إليه وتاب من كفره ومعصيته، واتبعَ منهاج رسله. فأخلصوا إليه أفعالكم وأقوالكم أيها الناس، فإن الثواب والعقاب بين يديه يوم ترجعون إليه.\nوقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال مجاهد: (أتقن كل شيء خلقه).\nوقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾. أي: وبدأ خلق آدم من طين.\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله خلَقَ آدمَ مِنْ قُبْضَةٍ قَبَضَها مِنْ جميعِ الأرض، فجاء بنو آدمَ على قَدْرِ الأرض، فجاءَ منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلكَ، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطيب] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. قال ابن عباس: (﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾: صفو الماء). وقال قتادة: (السلالة: هي الماء المهين الضعيف).\nوعن مجاهد: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قال: ضعيف نطفة الرجل، ومهين: فعيل من قول القائل: مهن فلان، وذلكَ إذا زلَّ وضعف).\nوالمقصود: ثم جعل سبحانه ذرية آدمَ يتناسلون كذلكَ من نطفة تخرجُ من بين صُلب الرجل وتَرائب المرأة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٢٩)، والديلمي في \"المسند\" (١/ ١/ ٤٢ - ٤٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٨٧١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣١٤٣)، في التفسير، من سورة البقرة. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٥٥)، ورواه أحمد (٤/ ٤٠٦)، وابن حبان (٢٠٨٣ - ٢٠٨٤).","vol":"6","page":108},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾. يعني آدم لما خلقه تعالى جعلهُ سويًّا مستقيمًا، ثم نفخ فيه من روحه.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ثم سوّى الإنسان الذي بدأ خلقهُ من طين خلقًا سويًا معتدلًا، ونَفَخَ فيهِ مِنْ روحِه فصارَ حَيًا نَاطِقًا).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.\nأى: وجعل لكم سبحانهُ الأسماع والأبصار والعقول لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا ثم أنتم لا تشكرونه تعالى على نعمه إلا قليلًا، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].\nوفي جامع الترمذى بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بالعبدِ يومَ القيامةِ فيقولُ له: ألَمْ أجْعَل لكَ سمعًا وبَصَرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرتُ لك الأنعام والحَرْثَ، وتَرَكْتُكَ تَرْأَسُ وترْبَعُ، فكنت تَظُنُّ أنكَ مُلاقىَّ يَوْمَك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليومَ أنساكَ كما نسيتني] (١).\n١٠ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إنكارُ المشركين البعث بعد الموت، ونَعْتُ الله حال المجرمين في أرض المحشر، وهم أذلاء يسألون الرجعة ليكونوا مؤمنين. وقد خيّب الله آمالهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٥٥٨)، أبواب صفة القيامة، وانظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (١٩٧٨)، وأصله في صحيح مسلم.","vol":"6","page":109},{"text":"بقضائه ملء جهنم من الجِنَّةِ والناس أجمعين. ليذوقوا وبال أمرهم وعذاب الخزي الذي كانوا به يكذبون.\nفقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.\nقال الضحاك: (يقول: أئذا كنا عظامًا ورفاتًا أنبعث خلقًا جديدًا؟ يكفرون بالبعث).\nوعن مجاهد: (﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: أئذا هلكنا).\nوقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾.\nقال قتادة: (ملك الموت يتوفاكم، ومعهُ أعوان من الملائكة).\nوفي المسند وسنن أبي داود بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا: [وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كانَ في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليهِ من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح (١) من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول .. فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتى يجعلوها في تلك المسوح] (٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. أي يوم بعثكم من قبوركم للحساب والجزاء.\nوقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾. قال ابن زيد: (قد حزنوا واستحيوا). أي: ولو ترى - يا محمد - حال المشركين يوم القيامة الذين أنكروا البعث والقصاص وهم يقفون بين يدي ربهم حقيرين أذلاء صاغرين، ناكسي رؤوسهم من الحياء والخجل والذل الذي غشيهم.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾.\nأي: يقولون ربنا نحنُ الآن أبصرنا الوعد الحق ونعاهدكَ أن نسمعَ قولك ونطيع أمرك ونتبع رسلكَ، فائذن لنا بالرجوع إلى الدار الدنيا نعمل صالحًا فنحن الآن موقنون مؤمنون.\n_________\n(١) المسوح: جمع مِسح، وهو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفًا وقهرًا للبدن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠)، والطيالسي (رقم ٧٥٣) - في أثناء حديث طويل.","vol":"6","page":110},{"text":"وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.\nقال قتادة: (لو شاء الله لهدى الناس جميعًا، لو شاء الله لأنزل عليهم من السماءِ آية، فظلت أعناقهم لها خاضعين).\nوالمقصود: ولو شئنا - يا محمد - لآتينا كل نفس رشدها وتوفيقها إلى الإيمان بالله واتباع رسوله والعمل بشريعته.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].\nأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بسند صحيح لغيره عن نافع عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - ضرب كتف أبي بكر وقال: [إنَّ الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (١).\nوفي لفظ - عند اللالكائي والبيهقي - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيهِ عن جده، قال النبي - ﷺ - لأبي بكر: [يا أبا بكر، لو أرادَ اللهُ أن لا يُعصى ما خلق إبليس].\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\nأي: ولكن - يا محمد - وجب العذابُ مني على من كفر واستكبر وأصَرَّ على العناد ومخالفة الرسل، وحقّ عليهم القول بأن أملأ جهنم من عصاة الجن والإنس أجمعين.\nوقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. قال قتادة: (نسوا من كل خير، وأما الشر فلم ينسوا منه). وعن ابن عباس: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾، يقول: تركناكم).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [فيلقى العَبْدَ فيقول: أي فُلْ (٢)! ألم\n_________\n(١) صحيح لغيره. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٢) واللالكائي في \"السنة\" (١/ ٤١/ ١)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١٥٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٤٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٨٤ - ٨٨٧) لتفصيل البحث.\n(٢) معناه: يا فلان، وهو ترخيم على خلاف القياس.","vol":"6","page":111},{"text":"أُكْرِمْكَ وأسَوِّدْكَ وأزوجْكَ وأسخِّر لكَ الخَيْلَ والإبلَ وأذَرْكَ تَرْأَسُ وتربَعُ؟ فيقول: بلى أي ربِّ، قال: فيقول: أفظنَنْتَ أنَّكَ مُلاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساكَ كما نسيتني] (١).\nوقد مضى نحوه عند الترمذي وفي لفظه: [اليوم أنساكَ كما نسيتني]. ومعناهُ كما قال أبو عيسى: (اليومَ أتركك في العذاب. قال: وكذا فسّرَ بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١]. قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب).\nوقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقال لهم أيضًا: ذوقوا عذابًا تخلدون فيهِ إلى غير نهاية ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من معاصي الله). والآية كقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٣٠].\nوفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بالموتِ يوم القيامة. فيوقَفُ على الصِّراط. فيقال: يا أهل الجنة! فَيَطَّلِعونَ خائفين وَجِلين أَنْ يُخْرَجُوا من مكانهم الذي هم فيه. ثم يقال: يا أهل النار! فيطلعونَ مُسْتَبْشِرين فَرِحين أن يُخرَجُوا مِنْ مكانهم الذي هم فيه. فيقال: هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ قالوا: نَعَمْ. هذا الموتُ. قال: فَيُؤمَرُ بهِ فَيُذْبحُ على الصراط. ثم يُقالُ للفريقين كِلاهُما: خُلودٌ فيما تجدون. لا مَوْتَ فيها أبدًا] (٢).\n١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٢١٦)، كتاب التوبة وقبولها وسعة رحمة الله وغير ذلك. باب: تقرير النعم يوم القيامة على الكافر والمنافق. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٩٣٢)، وهو جزء من حديث طويل.\n(٢) حسن صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٣٢٧)، كتاب الزهد. باب صفة النار. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٩٣)، وأصل معناه في الصحيحين والسنن.","vol":"6","page":112},{"text":"رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: سجودُ المؤمنين عند سماعِ آياتِ القرآن تتلى عليهم فهم لا يستكبرون. وجفاءُ العلاقة بينهم وبين فرشهم فهم إلى قيام الليل يهرعون، ومما رزقهم الله ينفقون. فلا تعلم نفس ما هيأ لهم سبحانه من الكرامةِ والنعيم في الجنةِ جزاء بما كانوا يعملون.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.\nقال النسفي: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ أي وعظوا بها ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سجدوا لله تواضعًا وخشوعًا وشكرًا على ما رزقهم من الإسلام ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: ونزهوا الله عما لا يليقُ به وأثنوا عليهِ حامدين له ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان والسجود له).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا قرأ ابنُ آدمَ السَّجْدَةَ فسَجَدَ، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا وَيْلَهُ - وفي رواية يا ويلي! - أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسّجود فسَجَدَ فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيتُ فَلِيَ النَّارُ] (١). وفي رواية: (فَعَصَيْتُ فَلِي النَّارُ).\nوقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. تتجافى: من الجفاء، والجفاء: النبو. أي: ترتفع جنوبهم وتتنحى عن الفرش ومضاجع النوم لانشغالهم بالصلاة. فشبه سبحانه العلاقة بينهم وبين فرشهم أنها علاقة جفاء لتعلق قلوبهم بصلاة الليل.\nفعن مجاهد: (﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قال يقومون يصلون من الليل).\nوقال ابن زيد: (هؤلاء المتهجدون لصلاة الليل). وقال الحسن: (قيام الليل).\nوعن قتادة قال: (هو الصلاة بين العشاءين). وعن أنس قال: (هو انتظار صلاة العَتَمَةِ).\nوقد أخرج أبو داود في السنن بإسناد صحيح عن أنس بن مالك في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: [كانوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجهُ مسلم (٨١)، كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ح (١٣٣)، وانظر للرواية الأخرى الحديث بعده في الباب.","vol":"6","page":113},{"text":"يَتَيَقَّظون ما بين المغرب والعشاء يصلون، وكان الحسن يقول: قيام الليل] (١).\nوأخرج الترمذي في الجامع، وابن جرير في التفسير، بإسنادٍ جيد: [عن أنس بن مالك عن هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن ابن شهاب قال: أخبرني الهَيثَمُ بنُ أبي سِنانٍ أنه سمعَ أبا هريرةَ ﵁ وَهُوَ يَقُصُّ في قَصَصِهِ، وهو يَذْكُرُ رسول الله - ﷺ -: [إنَّ أخًا لكم لا يقول الرَّفثَ، يعني بذلكَ عَبْدَ الله بنَ رواحة.\nوفينا رسولُ الله يتْلو كِتابَهُ ... إذا انْشَقَّ مَعْروفٌ من الفَجْرِ ساطِعُ\nأرانا الهدى بَعْدَ العمى فَقُلوبنا ... بهِ مُوقِناتٌ أَنَّ ما قالَ واقِعُ\nيبيتُ يُجافي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ... إذا اسْتَثْقَلَتْ بالمشركينَ المضاجِعُ] (٣).\nوفي المسند للإمام أحمد، والجامع للإمام الترمذي، بسند حسن عن معاذ بن جبل قال: [كنتُ مع النبي - ﷺ - في سَفَر، فأصبحتُ يومًا قريبًا منه، ونحنُ نَسيرُ، فقلت: يا نبيَّ الله، أخبرني بعمل يُدْخِلني الجنة ويُباعدني من النار. قال: لقد سألتَ عن عظيم، وإنه ليسير على من يَسَّرَهُ الله عليه، تعبدُ الله ولا تشرك بهِ شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتُؤتي الزكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحُجُّ البيتَ. ثم قال: ألا أدلُّكَ على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقة تُطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوفِ الليل. ثم قرأ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال: ألا أخبرُكَ برأس الأمرِ وعمودهِ وذِرْوَةِ سَنامه؟ فقلت: بلى، يا رسول الله. فقال: رأس الأمر الإسلام، وعمُودُه الصلاة، وذروةُ سنامهِ الجهادُ في سبيل الله. ثم قال: ألا أخبرُكَ بملاك ذلكَ كله؟ فقلت: بلى، يا نبي الله، فأخذ بلسانهِ ثم قال: كُفَّ عَليكَ هذا. فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مَنَاخِرهم - إلا حصائدُ أَلسنتهم] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٣٢١). وانظر صحيح سنن أبي داود (١١٧٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في \"التفسير\" (٣٤٢٥). سورة السجدة، آية (١٦). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٥٤)، ورواه ابن جرير في \"التفسير\" (٢٨٢٣١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٥٥)، كتاب التهجد، باب فضل من تعارَّ من الليل فصلى. ورواه كذلكَ برقم (٦١٥١)، كتاب الأدب، باب هجاء المشركين.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٢٣١)، والترمذي (٢٦١٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٣٩٢)، وأخرجه ابن ماجة (٣٩٧٣). وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"6","page":114},{"text":"وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\nقال قتادة: (خوفًا من عذاب الله، وطمعًا في رحمة الله، ومما رزقناهم ينفقون في طاعة الله، وفي سبيله).\nأخرج أحمد وأبو داود بسند حسن عن مُرّة الهَمدانيِّ، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [عَجِبَ رَبُّنا من رَجُلين: رجلٍ ثار من وِطائِه ولِحافهِ، من بينِ حِبِّهِ وأهله إلى صلاته، فيقول ربُّنا: أيَا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثارَ من فِراشِهِ ووطائهِ، ومن بينِ حِبِّهِ وأهلِه إلى صلاتهِ رغبةً فيما عندي، وشفَقَةً مما عندي. ورَجُلٌ غزا في سبيل الله - ﷿ - فانهزموا، فعلم ما عليه من الفِرار، وما له في الرجوعِ، فرجَعَ حتى أُهريقَ دمُهُ، رغبةً فيما عندي، وشفقة مما عندي، فيقول الله ﷿ للملائكةِ: انظروا إلى عبدي رجعَ رغبةً فيما عندي ورهبةً مما عندي حتى أُهريقَ دَمُه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nأي: فلا تدري نفس ما أخفى اللهُ لهؤلاء - أهل السجود والتسبيح والقيام والإيمان - مما تقرّ بهِ أعينهم في جناتِ النعيم، ثوابًا لهم من الله على أعمالهم التي كانوا في الدنيا يعملون.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق ذلكَ في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان والترمذي عن أبي هريرة يبلغ به النبي - ﷺ - قال: [قال اللهُ تعالى: أَعْدَدْت لعبادي الصالحين، ما لا عينٌ رأَتْ ولا أذُن سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْب بَشَرٍ، وتصديق ذلكَ في كتاب الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾] (٢). وفي رواية: [قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾].\nوفي رواية للبخاري: [يقول الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢٥٣٦)، وأحمد (١/ ٤١٦)، وابن حبان (٢٥٥٧)، وصححه الحاكم (٢/ ١١٢)، ووافقه الذهبي، وله شواهد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٧٩)، ومسلم (٢٨٢٤)، والترمذي (٣١٩٧)، وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٣٦٩).","vol":"6","page":115},{"text":"ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، ذُخْرًا مِنْ بَلْهَ ما أُطْلِعْتُمْ عليه، ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في الصحيح، وأحمد في المسند، عن أبي هريرة مرفوعًا: [من يَدْخُلِ الجنة ينعَم لا يَبْأَسُ، لا تَبْلَى ثيابُه ولا يفنى شبابُه] (٢).\nزاد في رواية أحمد: [في الجنة ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في الصحيح، والترمذي في الجامع - واللفظ له - عن المغيرة بن شعبة على المنبر، يرفعه إلى النبي - ﷺ - يقول: [إنَّ موسى سألَ رَبَّهُ، فقال: أي رَبِّ أىُّ أهل الجنةِ أَدْنَى مَنْزِلَةً؟ قال رَجُل يأتي بَعْدَ ما يَدْخُلُ أَهل الجنة الجنة فيقالُ لَهُ: ادْخُلْ فيقول: كيفَ أَدْخُلُ وَقد نزَلُوا مَنازِلَهم وَأَخَذُوا أَخَذاتِهم؟ قال: فيقالُ له: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لكَ ما كانَ لِمَلِكٍ مِنْ ملوكِ الدُّنيا؟ فيقول: نعم أي ربِّ قد رضيتُ. فيقالُ لهُ: فإنَّ لكَ هذا ومِثْلَهُ ومِثْلَهُ ومِثْلَهُ، فيقول: قد رضيتُ أي ربِّ، فيقالُ له: فإنَّ لك هذا وعشرةُ أمثالهِ، فيقول: رضيتُ أيْ ربِّ، فيقالُ له: فإنَّ لكَ مع هذا ما اشتهت نَفْسُكَ ولَذَّتْ عَينُك] (٣).\n١٨ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٧٨٠)، ومسلم (٢٨٢٤)، وابن ماجة (٤٣٢٨)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٤٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٣٦)، كتاب الجنة ونعيمها، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٩٦)، وكذلك (٢/ ٤٠٧)، ورواه أبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٩٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ١٢٠ - ١٢١)، وأخرجه الترمذي في السنن (٣٤٢٧) - كتاب التفسير - سورة السجدة، آية (١٧). انظر صحيح الترمذي (٢٥٥٦).","vol":"6","page":116},{"text":"لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدُ الله تعالى اختلافَ السبيلين، سبيل أهل الإيمان أهل النعيم، وسبيل أهل الفسق أهل الجحيم، وكل من الفريقين في مستقرهم خالدون. وإرسال الله العذاب الأدنى دون عذاب الآخرة لعلهم يرجعون، ولا أحد أظلم ممن ذكر بآياتِ الله ثم استكبر عنها وفي الآخرة هم مخذولون.\nفقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾.\nإخبار الله عن عَدْلِهِ سبحانه وكمال حكمه يوم القيامةِ، فلا يساوي بين المؤمنين والفاسقين.\nقال القاسمي: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ أي: كافرًا جاحدًا ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ أي: في الآخرة بالثواب والكرامة. كما لم يستووا في الدنيا بالطاعةِ والعبادة).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠].\nوفي الصحيحين والمسند عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ الله يدني المؤمن فيضع عليهِ كَنَفَه (١) ويستُرهُ فيقول: أتعرفُ ذنبَ كذا؟ أتعرفُ ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسهِ أنه قد هلكَ، قال: سترتها عليكَ في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم\n_________\n(١) أي: حفظه وستره.","vol":"6","page":117},{"text":"على رؤوس الخلانق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nأي: أما الذين اختاروا منهج الإيمان وأكّدوا يقينهم بالعمل الصالح فأولئك لهم بساتين المساكن والدور والغرف العالية التي جعلها الله لهم ﴿نُزُلًا﴾: أي: ضيافة وكرامة لهم في الدار الآخرة مقابل صدق منهاجهم.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾. أي: وأما الذين خرجوا عن طاعة الله ومضوا خلف أهوائهم فإن موعدهم النار مثوى لهم.\nوقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: إذا دفعهم لهب النار إلى أعلاها ردّوا إلى موضعهم فيها، لأنهم يطمعون في الخروج منها. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ أي يقول لهم خزنة جهنم. أو يقول الله لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ والذوق يستعمل محسوسًا ومعنىً).\nوعن الفضيل بن عياض قال: (والله إن الأيدي لموثَّقة، وإن الأرجل لمقيَّدة، وإنَّ اللهبَ ليَرفَعُهم، والملائكة تقمَعُهم).\nوفي التنزيل: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢]. أي: يقال لهم ذلكَ تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا.\nوفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [يقول الله ﵎ لأهونِ أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منكَ أهونَ من هذا، وأنتَ في صلب آدم، أن لا تشرك ولا أدخلكَ النار، فأبَيْتَ إلا الشرك] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ٧٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٣٤)، كتاب صفة القيامة. باب في كثرة العرق يوم القيامة.\nوانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٥٥)، ورواه البخاري بنحوه.","vol":"6","page":118},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحلُ بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه).\nوفي رواية عنه قال: (يعني به إقامة الحدود عليهم). وعن مجاهد: (يعني به عذاب القبر).\nوفي صحيح مسلم عن أبي كعب، في قوله ﷿: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ قال: [مصائبُ الدنيا، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، أو الدُّخان] (١).\nوقال عبد الله بن مسعود: (العذاب الأدنى: ما أصابهم من القتل والسَّبي يوم بدر).\nقال السدي: (لم يبقَ بيتٌ بمكة إلا دخلهُ الحزنُ على قتيل له أو أسير، فأُصيبوا أو غَرِمُوا، ومنهم مَنْ جُمِعَ له الأمران).\nقلت: وبالجمع بين مختلف الأقوال، فإن مصيبات الدنيا وآلامها وأسقامها والحدود والقتل والسبي - الذي ينزل بأهل الحرب - والجوع والقحط كل ذلك من عذاب الله الأدنى دون عذاب الآخرة، وفيه ذكرى لمن أرادَ أن يتوب إلى ربهِ وينجو من العذاب الأكبر.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: لا أظلم ممن ذكَّرَهُ الله بآياتهِ وبيَّنَها له ووضَّحها، ثم بعد ذلكَ تركها وجَحَدَها وأعرضَ عَنْها وتَناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة - ﵀ - إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإنَّ من أعرض عن ذكرِه فقد اغتَرَّ أكبرَ الغرَّةِ، وأَعْوَرَ أشدَّ العَوْرَةِ، وعَظُمَ مِنْ أعظمِ الذنوب. ولهذا قال متهددًا لمن فعل ذلك: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٩٩)، كتاب صفات المنافقين، باب الدخان.","vol":"6","page":119},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [يُؤتى بالعبد يوم القيامةِ فيقول له: ألمْ أجعل لكَ سمعًا وبَصَرًا، ومالًا وولدًا، وسَخَّرت لكَ الأنعامَ والحرثَ، وتركتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أَنَّكَ ملاقِيَّ يوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساكَ كما نسيتني] (١).\n٢٣ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: جَعْلُ الله التوراةَ التي أنزلها على موسى هدىً لبني إسرائيل، وَجَعْلُهُ منهم الأئمةَ والقادة لما حققوا الصبر واليقين، عماد الإمامة في الدين، واللهُ يفصل بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ - يعني التوراة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة، كما آتيناكَ الفرقان يا محمد).\nوقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾. قال قتادة: (يعني بهِ ليلة الإسراء).\nيروي الطبري بسند رجاله ثقات عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية الرِياحي، قال: حدَّثنا ابن عمّ نبيكم، يعني ابن عباس، قال: قال نبيّ الله - ﷺ -: [أُرِيْتُ لَيْلةَ أُسْرِيَ بي موسى بنَ عمرانَ رَجُلًا آدَمَ طِوالًا جَعْدًا، كأنَّهُ مِنْ رجالِ شَنُوءَة، ورأيتُ عيسى رجلًا مربوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبياض، سَبْطَ الرأس، ورأيتُ مالكًا خازن النار، والدّجال. في آيات أراهُنَّ الله إياه، فلا تكن في مرية من لِقائه أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أُسري بهِ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٧٨). أبواب صفة القيامة، ورواه مسلم بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (٢٨٢٩٩)، ورجاله ثقات، لكن فيهِ عنعنة قتادة، ومع ذلكَ فلأصله شواهد.","vol":"6","page":120},{"text":"قال النسفي: (﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾: من لقاء موسى الكتاب، أو من لقائك موسى ليلة المعراج أو يومَ القيامة، أو من لقاء موسى ربه في الآخرة).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. الضمير في ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ يعود على موسى أو الكتاب.\n١ - قال قتادة: (جعل الله موسى هدىً لبني إسرائيل).\n٢ - وعن الحسن: (جعلنا الكتاب هدىً لبني إسرائيل) - يعني: التوراة.\nوالتأويل الثاني أرجح وهو كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢]. وإن كان التأويل الأول صحيح المعنى.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.\nأي: وجعلنا منهم قادة وقدوة يقتدى بهم في دينهم، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ أي يدعون الخلق إلى طاعة الله وأمره، لما حققوا الصبر واليقين، فإنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.\nقال قتادة: (﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ قال: رؤساء في الخير. وقوله: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يقول تعالى ذكره: يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك، وتقويتنا إياهم عليه). وقال غيره: (لما أخذا برأس الأمر صاروا رؤوسًا).\nوقرأ عامةُ قراء المدينة والبصرة: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ أي: حين صبروا، أو إذ صبروا.\nوقرأ عامة قراء الكوفة: ﴿لِما صَبَرُوا﴾ أي: لصبرهم عن الدنيا وشهواتها، واجتهادهم في طاعة الله. قال سفيان: (لما صبروا عن الدنيا). قال: (لا بُدَّ للدِّين من العمل، كما لا بُدَّ للجسد من الخُبْز).\nقال شيخ الإسلام ﵀: (والصبر صبران: صبر عند الغضب، وصبر عند المصيبة كما قال الحسن ﵀: \"ما تجرع عبد جرعةً أعظم من جرعة حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة\". وذلكَ لأن أصل ذلك: هو الصبر على المؤلم وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم. قال: وإذا عظمت المحنةُ كان ذلكَ للمؤمن الصالح سببًا لعلو الدرجة. وعظيم الأجر. كما سئل النبي - ﷺ -: \"أي النَّاس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل. يُبْتَلى الرجل على حسب","vol":"6","page":121},{"text":"دينه. فإن كانَ في دينه صلابة: زيد في بلائه. وإنْ كان في دينهِ رِقّة: خُفِّف عنه. وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليسَ عليه خطيئة\". وحينئذ فيحتاج من الصبر ما لا يحتاجُ إلى غيره. وذلكَ هو سبب الإمامة في الدين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور بهِ، وعلى ترك السيِّئ المحظور المنهي عنه). ثم قال: (ويدخل في ذلك: الصبر على الأذى، وعلى ما يقال. والصبر على ما يصيبه من المكاره، والصبر عن البَطَر عند النعم، وغير ذلك من أنواع الصبر).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].\nوفي صحيح السنة العطرة في آفاق ذلكَ أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن المغيرة، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون] (١).\nالحديث الثاني: خرّج مسلم في صحيحه عن ثوبان، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن نصر في \"السنة\" بسند صحيح من حديث عتبة بن غزوان، وكان من الصحابة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنَّ من ورائكم أيام الصبر،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ١٨٧)، (٨/ ١٤٩)، (٨/ ١٨٩)، ومسلم (٦/ ٥٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٤٤)، (٤/ ٢٤٨)، (٤/ ٢٥٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦/ ٥٢ - ٥٣)، وأبو داود (٢/ ٢٠٢)، والترمذي (٢/ ٣٦)، وابن ماجة (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، وأحمد (٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، وغيرهم.","vol":"6","page":122},{"text":"للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليهِ أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nقال النقاش: (يقضي بين الأنبياء وبين قومهم). وقيل: (يقضي ويحكمُ بين المؤمنين والكفار، فيجازي كُلًّا بما يستحق). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو يبينُ جميع خلقه يوم القيامةِ فيما كانوا فيهِ في الدنيا يختلفون من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب، وغير ذلك من أسباب دينهم، فيفرق بينهم بقضاء فاصل بإيجابه لأهل الحقّ الجنة، ولأهل الباطل النار).\n٢٦ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: الخطاب للمشركين المكذبين بالرسل لينظروا في كثرة ما أهلكَ الله من الأمم قبلهم فهم يمشون في بلادهم وأرضهم، وليعتبروا بلطفه تعالى في إيصال الماء إلى الأرض اليابسة فيخرج لهم به الزرع ويسقي أنعامهم. وهم يستعجلون العذاب وهو واقع بهم.\nفقوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾.\nقال قتادة: (عاد وثمود وأنهم إليهم لا يُرجعون). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أولم يبين لهم كثرة إهلاكنا القرون الماضية من قبلهم يمشون في بلادهم وأرضهم، كعاد وثمود). والخطاب للمشركين المكذبين بالرسل وما معهم من الوحي.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾. أي: إن في رحيل أولئك الأقوام عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن نصر في \"السنة\" (ص ٩)، وله شاهد عند الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٧٦/ ١) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا به. وشاهد آخر من حديث أبي ثعلبة الخشني عند أبي داود (٤٣٤١)، والترمذي (٢/ ١٧٧). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٩٤).","vol":"6","page":123},{"text":"مساكنهم بعد نزول الهلاك بهم لعظات ودلالات وعبرًا. فهل يسمعون أخبار من هلك قبلهم ومضى بحلول العذاب والدمار.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٥ - ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨].\nوفي صحيح سنن ابن ماجة عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما مِنْ قومٍ يُعْمَلُ فيهم المعاصي، هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ وأَمْنَعُ، لا يُغَئرونَ، إلا عَمَّهُم الله بعقاب] (١).\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾. أي التي لا نبات فيها.\nقال الضحاك: (ليس فيها نبت). وقال ابن زيد: (الأرض الجرز: التي ليس فيها شيء، ليس فيها نبات). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] أي: يَبَسًا لا تنبتُ شيئًا.\nوقوله: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.\nتنبيه على تلطفه سبحانه بعبادهِ، كيف يرسل الماء من السماء أو مما تحمله الأنهار وتتحدّرُ بهِ الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليهِ، فيخرجُ الله تعالى به الزرع والثمار، ويسقي به البهائمَ والأبدان المحتاجة إليه.\nقال ابن جَرير: (يقول تعالى ذكره: فنخرج بذلكَ الماء الذي نسوقه إليها على يبسها وغلظها وطول عهدها بالماء زرعًا خضرًا تأكل منه مواشيهم، وتغذى به أبدانهم وأجسامهم فيعيشون بهِ ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: أفلا يرون ذلكَ بأعينهم، فيعلموا برؤيتهموه أن القدرة التي بها فعلت ذلكَ لا يتعذّر عليّ أن أُحيي بها الأموات وأُنشرهم من قبورهم، وأعيدهم بهيئاتهم التي كانوا بها قبل وفاتهم).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٠٠٩)، كتاب الفتن. باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٣٨).","vol":"6","page":124},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. الفتح هنا: الفصل والقضاء، ومن زعم أن المقصود فتح مكة فقد أَغْرَبَ وأَبْعَد. قال قتادة: (الفتح القضاء).\nقال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن استعجال الكفار وقوع بأس الله بهم وحُلولَ غَضَبهِ ونِقْمَتِه عليهم، استبعادًا وتكذيبًا وعنادًا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾، أي: متى تُنْصَرُ علينا يا محمد كما تزعم أن لكَ وقتًا تُدال علينا، ويُنْتَقَمُ لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنتَ وأصحابكَ إلا مُخْتَفين خائِفين قليلين ذَليلين! قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾، أي: إذا حلّ بكم بأسُ الله وسَخطُه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى، ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٣ - ٨٥]).\nوقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾. أي: لا ينفعهم إيمانهم حال القتل كما لم ينفع فرعون إيمانه حال الغرق.\nوقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. قال القرطبي: (أي يؤخرون ويمهلون للتوبة، إن كانَ الفتح يومَ بدر أو فتح مكة، ففي بدر قُتِلوا، ويوم الفتح هربوا فلحقهم خالد بن الوليد فقتلهم). وقال القاسمي: (﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لحلول ما يغشى الأبصار ويعمي البصائر. وظهور منار الإيمان وزهوق الفريق الكافر).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾. أي: لا تبالِ بالمشركين وبلغ رسالةَ ربكَ وانتظر نصره فإنهم ينتظرون هلاككم ويتمنون الدوائر أن تنزل بكم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣٠ - ٣١].\nقال النسفي: (﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ﴾ النصرة وهلاكهم ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ الغلبة عليكم وهلاككم).\nتم تفسير سورة السجدة بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّهِ وكرمه\n* * *","vol":"6","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - كان - ﷺ - لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.\n٢ - كان النبي - ﷺ - يقرأ في الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.\n٣ - اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعدُ إلى الله كأنها شرارة.\n٤ - إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْرِ الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلكَ، والسَّهلُ والحَزْنُ والخبيثُ والطيب.\n٥ - ملك الموت يجلسُ عند رأس الكافر فيقول: أيتها النفسُ الخبيثة، اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب. فتفرّق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول.\n٦ - إن الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس.\n٧ - إذا قرأ ابن آدمَ السجدة فسجد، اعتزل الشيطانُ يبكي، يقول: يا وَيْلَهُ أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسجودِ فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بِالسجودِ فأبيتُ فَلِي النار.\n٨ - رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروةُ سنامهِ الجهاد في سبيل الله.\n٩ - عليكم بقيام الليلِ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، وتكفيرٌ للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم.\n١٠ - من يدخل الجنة يَنْعَمُ لا يَبأسُ، ولا تبلى ثيابهُ، ولا يفنى شبابهُ.\n١١ - الصبر صَبران: صَبْرٌ عند الغضب، وصبر عند المصيبة. وما تجرعَ عبدٌ جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة.\n١٢ - ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، هُمْ أَعزُّ مِنْهم وأمْنَعُ، لا يُغَيِّرون، إلا عَمَّهُم الله بعقاب.\n* * *","vol":"6","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>٣٣ - سُورَةُ الأَحْزَاب</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٧٣).\nوكانت أطول من ذلك فرفع الله بعض آياتها، ومن ذلكَ آية الرجم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>ما ورد في ذكرها:</span>\nأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والحاكم بسند يرقى للحسن عن زِرّ قال: [قال لي أُبَيُّ بن كعب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثًا وسبعين آية، قال: فوالذي يحلف به أُبَيّ بن كعب أن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما الْبَتَّة نكالًا من الله والله عزيز حكيم\"] (١).\nورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند قال: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حَمَّاد بن زيد، عن عاصم بن بَهدلة، عن زِرّ قال: [قال لي أُبَيّ بن كعب: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كَأيّن تَعُدُّها؟ قال: قُلْتُ ثلاثًا وسبعين آية. فقال: قَط! لقد رأيتُها وإنها لتُعادِلُ سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: \"الشيخ والشيخة إذا زَنيا فارجُموهما البتة، نكالًا من الله، واللهُ عليم حكيم\"] (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطيالسي (٤٥٠)، وعبد الرزاق (١٣٣٦٣)، وصححه ابن حبان (٤٤٢٨) والحاكم (٢/ ٤١٥)، ووافقه الذهبي، وإسناده لا بأس به لأجل عاصم بن بهدلة، فإن مداره عليه، وهو صدوق يخطئ تابعه يزيد بن أبي زياد في \"زوائد المسند\" (٥/ ١٣٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجهُ عبد الله بن أحمد في \"زيادات المسند\" (٥/ ١٣٢)، والنسائي في \"الكبرى\"- حديث رقم- (٧١٥٠)، وابن حبان (٤٤٢٩)، وفي إسناده عاصم بن بهدلة، وهو صدوق له أوهام، وحديثهُ حسن.","vol":"6","page":127},{"text":"قلت: والمتن غريب فيه مبالغة كون السورة كانت تعدل البقرة، ولعل المقصود نسخ بعض آيات فقط، واللهُ تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>موضوع السورة</span>\nسقوط الأحزاب وإبطال أحكام الجاهلية\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-226> منهاج السورة </span>-\n١ - الأمر بالتقوى وعدم اتباع سبيل الكافرين والمنافقين، بل اتباعُ وحي رب العالمين.\n٢ - لا يكون للشخص الواحد قلبان، وكذلكَ لا تصير زوجته التي ظاهرها أُمًّا له.\n٣ - إنهاء حكم التبني الذي كانَ في الجاهلية، والاستعاضة بالأخوة في الدين والولاية فيه عما فات من النسب لمن لم يُعرف أبوه.\n٤ - تقديم الرسول - ﷺ - وحكمه، وتأكيد التوارث بالقرابات، وتبقى الأخوة في الدين.\n٥ - أخذ العهد على النبيين بتبليغ الرسالة وإقامة الدين، واللهُ تعالى يسأل يوم الحساب عن الصدق وحمل الأمانة وللكافرين عذاب أليم.\n٦ - تسخيرُ الله الرياح والجنود يوم الأحزاب لنصر المؤمنين في أزمة الموقف.\n٧ - فضح الله سلوك المنافقين يوم الأحزاب، ونقضهم العهود، ومحاولات الفرار.\n٨ - الرسول - ﷺ - موضع الأسوة، والثناء من الله على الرجال الصادقين، وذم المنافقين.\n٩ - أمر الله رسوله تخيير أزواجه، واختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة.\n١٠ - تضعيف جزاء الفاحشة إن صدرت من بيت النبوة، ومضاعفة الأجر للقانتات من نساء خير البرية، والوصية الجامعة لهن ولمن بعدهن من نساء هذه الأمة.\n١١ - ثناء الله تعالى على الرجال والنساء من المسلمين والمؤمنين والقانتين والصادقين والصابرين والخاشعين والمتصدقين والصائمين والحافظين فروجهم والذاكرين الله كثيرًا.","vol":"6","page":128},{"text":"١٢ - تقديم المؤمنين قول الله ورسوله وأمرهما على كل قول وأمر ورأي، وقصة زواجه - ﷺ - بزينب بنت جحش التي كانت تحت متبناه زيد بن حارثة، ونسف أعراف الجاهلية.\n١٣ - نَعْتُ الله أتباع الرسل في جهادهم لتبليغ الدعوة، ونسْفُ المفهوم الجاهلي في التبني.\n١٤ - الأمر بالإكثار من ذكره تعالى، وذكر الله عباده الذاكرين، وتحيتهم يوم يلقونه سلام وقد أعدّ لهم الأجر الكريم.\n١٥ - إرسال الله رسوله بشيرًا ونذيرًا، وتحذيره طاعة المنافقين والكافرين وكفى بهِ تعالى وكيلًا.\n١٦ - تفصيل ما أحل الله لنبيّهِ - ﷺ - من النكاح، وتوضيح الخيار لهُ في التقديم والتأخير والقَسْم.\n١٧ - نزول آية الحجاب، وتضمنها الأحكام الشرعية الجليلة والآداب الرفيعة.\n١٨ - استثناء بعض الأقارب من عموم وجوب الاحتجاب من الأجانب، واللهُ يعلمُ السرائر.\n١٩ - صلاة الله تعالى وملائكتهُ على النبي - ﷺ -، والأمر للمؤمنين بامتثال هذا الخلق الحميد.\n٢٠ - تهديد الله تعالى الذين يؤذونه، ويؤذون رسوله، والمؤمنين والمؤمنات.\n٢١ - الأمر للنساء بالجلباب، فهو الحجاب الشرعي الذي يحفظ الله به النساء من الفتنة.\n٢٢ - تهديدُ الله المنافقين والمرجفين في المدينة بالطرد والخزي واللعن والعذاب الأليم، وتلك هي سنة الله في الذين مضوا ولا تبديل لسنة الله العلي العظيم.\n٢٣ - تفرّد الله سبحانه بعلم الساعة، وتأكيد لَعْنِه تعالى الكافرين وقد أعدّ لهم سعيرًا، وفيه تقلب وجوههم ويسألون الله لساداتهم ورؤسائهم أن يضاعف لهم العذاب ويلعنهم لعنًا كبيرًا.\n٢٤ - تحذيره تعالى عباده المؤمنين مشابهة المنافقين من بني إسرائيل الذين آذوا موسى فبرأه الله من كذبهم، وأَمْرُهُ لهم أن يصدقوه التقوى ففي ذلكَ نجاتهم وسعادتهم.","vol":"6","page":129},{"text":"٢٥ - ثِقَلُ الأمانة وخشية السماوات والأرض والجبال من حملها، وتشريف الله الإنسان بحملها ليرفعه بها، فَزَلَّ بجهله بقدرها، وقد كتب اللهُ العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، والمغفرة للمؤمنين والمؤمنات.\n* * *","vol":"6","page":130},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: أمرُ الله تعالى نبيَّهُ - ﷺ - وهو أمر لأمته - بتقوى الله وعدم اتباع الكافرين والمنافقين، بل اتباع وحي رب العالمين، والتوكل عليه وكفى بهِ وكيلًا ونصيرًا للمؤمنين.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ - تنبيه بالأعلى على الأدنى، فالخطاب وإن كان لشدّ عزيمة النبي - ﷺ - في الثبات على الحق والصبر على ما يلقاهُ، فهو لمن دونه من أمتهِ من باب أولى. قال النسفي: (﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ اثبت على تقوى الله وَدُمْ عليهِ وازدد منهُ، فهو باب لا يدرك مداه). وقال طَلْقُ بن حَبيب: (التقوى أن تعملَ بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تتركَ معصية الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله).\nوقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال ابن جرير: (فلا تقبل منهم رأيًا ولا تستشرهم مستنصحًا بهم، فإنهم لك أعداء).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال ابن كثير: (أي: فهو أحقُّ أَنْ تَتَّبعَ أوامرَهُ وتُطيعهُ، فإنه عليمٌ بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله).\nوقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. أي: وَعَظِّم منهاج الوحي الذي يلقى إليكَ فوق كل منهاج، فإن في الوحيين - القرآن والسنة - منهاج الاتباع الأكمل.\nوعن قتادة: (﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي هذا القرآن).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. أي: إن ربك - يا محمد - يعلم كل","vol":"6","page":131},{"text":"أعمالكم - أنت وأصحابك - لا يخفى عليه صبركم وجهادكم، وهو مجازيكم على ذلكَ خير الجزاء.\nوقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. أي: وفوّض أمرك يا محمد إلى الله، فإنه بالتوكل يُرفع مقام العبد، ويحظى من ربه بالتأييد والفرج والنصر.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. أي: وحسبكَ يا محمد باللهِ حفيظًا وكفيلًا.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس: [﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾] (١).\nوروى البخاري عن ابن عباس قال: [كان آخرَ قَولِ إبراهيم - ﵇ - حين أُلقي في النار: حَسبي اللهُ ونعم الوكيل] (٢).\n٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٦٣)، كتاب التفسير، سورة آل عمران، آية: (١٧٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٥٦٤)، كتاب التفسير، عند ذكر الآية السابقة.","vol":"6","page":132},{"text":"آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريرُ الله تعالى أنه كما لا يكونُ للشخص الواحد قلبان، كذلكَ لا تصير زوجته التي ظاهرها أمًا لهُ، ولا يصير الدعي ولدًا، بل يلحق بأبيه، فإن لم يعرف الأب فهو أخ لكم في الدين، والله يعفو عن الخطأ وهو الغفور الرحيم.\nفقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى مُوَطِّئًا قَبل المقصود المعنوي أمرًا حِسِّيًا معروفًا، وهو أنه كما لا يكونُ للشخص الواحد قلبان في جَوفهِ، ولا تصير زوجتُه التي يُظاهر منها بقوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أمًّا له، كذلكَ لا يصير الدَّعِيُّ ولدًا للرجلِ إذا تبنَّاهُ فدعاه ابنًا لهُ، فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]).\nوقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. هو المقصود بالنفي. قال مجاهد: (نزلت هذه الآية في زيد بن حارثة).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾. أي: لا حقيقة له. فمن قال لامرأتهِ أنتِ علي كظهر أمي، أو ادّعى من ليس ابنه أنه ابنه إنما لا يثبتُ ذلكَ بالدعوى، فلا تصير الزوجةُ أمًا ولا يصيرُ المتبنَّى ولدًا.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. قال سعيد بن جبير: (﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، أي: العدل). وقال قتادة: (﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، أي: الصراط المستقيم).\nوقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر - ﵄ -: [أنَّ زَيد بن حارثة مولى رسول الله - ﷺ - ما كنا ندعوهُ إلا زيد بن محمد، حتى أنزل اللهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾] (١). وفي لفظ: [حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ\nاللَّهِ﴾].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٨٢)، كتاب التفسير، سورة الأحزاب، آية (٥). وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٤٢٥)، وكذلك الترمذي (٣٢٠٩)، والنسائي في \"التفسير\" (٤١٦).","vol":"6","page":133},{"text":"قلت: وللآية سبب نزول آخر، ولعلهُ قد نزلت بهما جميعًا.\nفقد أخرج البخاري والنسائي وأحمد عن عائشة ﵂ قالت: [أتت سهلةُ بنت سهيل بن عمرو - وكانت تحتَ أبي حذيفة بن عتبة - رسول الله - ﷺ -، فقالت: إن سالمًا يدخلُ علينا وأنا فُضل، وأنا كنا نراهُ ولدًا وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى رسول الله - ﷺ - زيدًا، فأنزل اللهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾]. وقولها: \"وأنا فُضل\" وفي لفظ عند أبي داود: \"ويراني فُضلًا\" أي مبتذلة في ثياب المهنةِ والبيت.\nورواه مسلم عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن القاسم، عن عائشة: [أنَّ سالمًا مولى أبي حُذيفةَ كانَ مع أبي حذيفة وأهلهِ في بيتهم. فأتَتْ يعني بنتَ سُهَيْل، النبي - ﷺ -. فقالت: إن سالمًا قد بلغَ ما يَبْلُغُ الرجال، وعَقَلَ ما عَقَلُوا، وإنه يَدْخُلُ علينا، وإني أظُنُّ أن في نَفسِ أبي حُذيفة مِنْ ذلكَ شيئًا. فقال لها النبي - ﷺ -: أرضعيه تَحْرُمي عليه، ويَذْهَبُ الذي في نفس أبي حذيفة. (وفي رواية: قالت: وكيفَ أُرضِعُهُ؟ وهو رجلٌ كبير، فتبسَّمَ رسول الله - ﷺ - وقال: قد علمتُ أنه رجلٌ كبير). (وفي رواية: فقالت إنه ذو لحية. فقال: أرضعيه يذهَبُ ما في وجهِ أبي حذيفة). فرجعتْ إليهِ فقالت: إني قد أرضَعْتُهُ، فذهبَ الذي في نفس أبي حذيفة] (١).\nفسالم بن عبيد بن ربيعة قد تبناه أبو حذيفة على عادة العرب، ونشأ في حجر أبي حذيفة وزوجته، نشأة الابن، فلما نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ بطل حكم التبني فشق عليهما أن يمنعاه الدخول لسابق الألفةِ فسألته سهلة كما سبق.\nوقد فصّل أبو داود في السنن في ذلكَ، فروى عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، وأم سلمة: [أنَّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان تَبَنَّى سالمًا، وأنكحهُ ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار. كما تبنّى رسول الله - ﷺ - زيدًا - وكان من تَبَنَّى رجلًا في الجاهليةِ دعاه الناس إليه وَوُرِّثَ ميراثه - حتى أنزل اللهُ ﷾ في ذلكَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعْلم له أب، كان مولىً، وأخًا في الدين. فجاءت سهلةُ بنت سهيل بن عمرو القرشي، ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة. فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٥٣)، كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير، وأخرجه أبو داود (٢٠٦١)، وابن حبان (٤٢١٤) من حديث عائشة. ورواه البخاري بنحوه وكذلكَ أحمد والنسائي.","vol":"6","page":134},{"text":"بيت واحد، ويراني فُضُلًا، وقد أنزل اللهُ ﷿ فيهم ما قد علمت، فكيفَ ترى فيه؟ فقال لها النبي - ﷺ -: \"أرضعيه\". فأرضعتهُ خمس رضعات، فكان بمنزلةِ ولدها من الرضاعة. فبذلكَ كانت عائشة تأمر بنات أخواتها، وبنات إخوتها: أَنْ يُرضِعْنَ مَن أحبت عائشة أَنْ يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرًا، خَمْسَ رضعاتٍ ثم يدخل عليها. وأبت أمُّ سلمة، وسائر أزواج النبي - ﷺ -: أن يدخلن عليهن بتلكَ الرضاعة أحدًا من الناس، حتى يرضع في المهد، وقلْنَ لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي لسالم دون الناس] (١).\nقلت: والصحيح أنها حادثة عين يمكن تكرّرها بأشباهها في كل زمان، وقد وجدت أيام التخصص في الولايات المتحدة الأمريكية مثل هذه الأحوال، حيث يكثر التبنّي هناك في العائلات المحافظة بتعاون بينهم وبين الكنيسة لحل مشكلة الأولاد اللقطاء الذين يفرزهم فاسد العلاقات في تلك المجتمعات، فيحصل أحيانًا أن يسلم الرجل وزوجته ويتبعهما الطفل الذي نشأ في حجرهما - وقد يكونا قد تعلقا به إذ لا ولد لهما - فيكون حل مشكلةِ دخوله عند كبره في إرضاعه وهو كبير.\nوقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.\nأَمْرٌ بردِّ أنساب الأدعياء إلى آبائهم، فإن لم يَعْرِفوا آباءهم فهم إخوانكم في الدين إن كانوا من أهل مِلّتكم ومواليكم إن كانوا محرَّريكم وليسوا ببنيكم.\nفعن قتادة: (﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي أعدل عند الله ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فإن لم تعلموا من أبوه فإنما هو أخوك ومولاك).\nقال النسفي: (﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي فهم إخوانكم في الدين وأولياؤكم في الدين، فقولوا هذا أخي وهذا مولاي، ويا أخي ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه).\nوالمقصود: إنهاء حكم التبني الذي كان في الجاهليةِ وفي أول الإسلام، والاستعاضة بالأخوة في الدين والولاية فيه عما فات من النسب لمن لم يُعرف أبوه. وقد تزوج النبي - ﷺ - بزينب بنت جحش مطلقة متبنّاه زيد بن حارثة بعد هذا الحكم كما قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٠٦١)، كتاب النكاح، باب فيمن حرم به. وانظر صحيح سنن أبي داود (١٨١٥)، وأصله في الصحيحين.","vol":"6","page":135},{"text":"تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧].\nوفي الصحيحين من حديث أبي ذر أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: [ليسَ من رجل ادّعى لِغيرِ أبيهِ وهو يَعْلَمُهُ، إلا كفر] (١).\nوفي صحيح البخاري من حديث البراء مرفوعًا - لما اعتمر النبي - ﷺ - عمرة القضاء - وفيه: [فتبعته ابنةُ حَمْزَةَ تُنادي: يا عَمِّ يا عَمِّ، فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵍: دونكِ ابنة عمِّك، حَمَلتْها، فاختصمَ فيها علي وَزيدٌ وجعفرٌ فقال عليٌّ: أنا أخذتها وهي بنتُ عمِّي، وقال جعفرٌ: هي ابنةُ عمي وخالتُها تحتي - يعني أسماء بنت عميس -، وقال زيْدٌ: بنتُ أخي، فقضى بها النبي - ﷺ - لخالتِها وقال: الخالةُ بمنزلةِ الأم. وقال لعلي: أنت مني وأنا مِنْك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخُلُقي. وقال لزيد: أنتَ أخونا ومولانا] (٢).\nقال الحافظ ابن كثير معقبًا على هذا الحديث - وقد ذكره عند تفسير هذه الآية -: (ففي هذا الحديث أحكامٌ كثيرةٌ من أحسنها أنه - ﷺ - حَكَمَ بالحق، وأرضى كُلًّا من المتنازعين، وقال لزيد: \"أنتَ أخونا ومولانا\"، كما قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾).\nوقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: ما كان من نسب أحدكم بعضهم لغير أبيهِ خطأ بعد استفراغ الوسع والاجتهاد فلا حرج فيه. قال قتادة: (﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إذا دعوت الرجل لغير أبيهِ، وأنت ترى أنه كذلك ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يقول الله: لا تدعه لغير أبيه متعمدًا. أما الخطأ فلا يؤاخذكم الله به).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوقد ثبت في صحيح مسلم ومسند أحمد أن الله تعالى قال: (قد فعلت).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١) - واللفظ له - كتاب الإيمان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٢٥١)، كتاب المغازي، باب عمرة القضاء. وأخرجه أحمد (٤/ ٢٩٨)، وابن حبان (٤٨٧٣) من حديث البراء مطوّلًا.","vol":"6","page":136},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا اجتهد الحاكمُ فأصاب فله أجران، وإن اجتهدَ فأخطأ فله أجر] (١).\nوفي لفظ: [إذا حكم الحاكم فاجتهدَ ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم] (٢). وفي حديث ابن عباس: قال الله: [قد فعلت] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن ماجة في السنن، عن أبي ذر مرفوعًا: [إنَّ الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيانَ وما استكرهوا عليهِ]. ولفظ ابن ماجة: [إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه] (٤).\nوله شاهد عند البيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ: [إن الله تجاوز لأمتي عما توسوسُ به صدورهم ما لم تعمل أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه] (٥).\n٦. قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٧٣٥٢) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - من حديث عمرو بن العاص ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢٥)، وأحمد (٢/ ٤١٢)، وأبو عوانة (١/ ٧٦)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢٦)، وأحمد (١/ ٢٣٣)، والترمذي (٢٩٩٢)، والنسائي في \"التفسير\" (٧٩)، وأخرجه ابن حبان (٥٠٦٩)، والطبري (٦٤٥٤).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١/ ٦٣٠)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، وانظر تخريج \"الإرواء\" (٨٢)، ورواه أحمد، والدارقطني (٤٩٧). وهو صحيح بمجموع طرقه وشواهده.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البيهقي وبنحوه الطحاوي (٢/ ٥٦) - شرح معاني الآثار. وابن حزم في \"أصول الأحكام\" (٥/ ١٤٩)، وانظر صحيح الجامع (١٧٢٥) - (١٧٢٧).","vol":"6","page":137},{"text":"الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾.\nفي هذه الآية: تقديمُ الله تعالى لرسوله - ﷺ - ليقدمهُ المؤمنون على أنفسهم، وتأكيدُ التوارث بالقرابات بدلًا من التوارث بالحلف والأخوة في الدين كما كان الأمرُ أول الإسلام، ويبقى النصر والبر والصلة - بين الإخوان - والإحسان.\nفقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ - تقديم من الله لرسوله ليكونَ مقدمًا عند المؤمنين على أنفسهم لكونه أرحم بهم وأشفق وأنصح لهم.\nقال مجاهد: (هو أب لهم). وَرُوي أنه في بعض القراءة \"وهو أبٌ لهم\". وقال ابن زيد: (كما أنتَ أولى بعبدكَ، ما قضى فيهم من أمر جاز).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلكَ أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليهِ مِن والِدهِ وولده والناس أجمعين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مِنْ أشدِّ أمَّتي لي حُبًّا، ناس يكونون بعدي، يودُّ أحدهم لو رآني بأهله ومالِه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن هشام قال: [كُنّا مع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الشيخان من حديث أنس. انظر مختصر صحيح البخاري (١٥) ص (١٢)، وصحيح مسلم (٤٤)، كتاب الإيمان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٤٥)، وله شاهد في مسند أحمد (٥/ ١٥٦) صححه الألباني في سلسلةِ الأحاديث الصحيحة (١٤١٨).","vol":"6","page":138},{"text":"النبي - ﷺ - وهو آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بن الخطاب، فقال له عُمَر: يا رسول الله، لأنتَ أحبُّ إليَّ مِنْ كُلِّ شيء إلا من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: لا والذي نفسي بيدهِ حتى أكونَ أحبَّ إليكَ من نَفْسِكَ. فقال لهُ عُمر: فإنه الآن واللهِ لأنتَ أحبُّ إلَيَّ من نَفسي. فقال النبي - ﷺ -: الآن يا عُمر] (١).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [\"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعَلِّمُكُم، فإذا أتى أحدكم الغائطَ فلا يستقبل القبلةَ ولا يستدبرها، ولا يَستَطِبْ بيمينه\". وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الرَّوث والرِّمَّة] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناسِ بهِ في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالًا فليرثْهُ عَصَبَتُه مَنْ كانوا، فإن تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِياعًا فليأتني فأنا مولاه] (٣).\nوقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. قال قتادة: (يعظّم بذلكَ حقّهن). وقال ابن زيد: (محرّمات عليهم). قال ابن كثير: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، أي: في الحُرمةِ والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخَلوة بهنَّ، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع).\nوقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾.\nأخرج الطيالسي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: [آخى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٦٦٣٢)، كتاب الأيمان والنذور، باب: كيفَ كانت يمين النبي - ﷺ -؟ .\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٨)، كتاب الطهارة، وأخرجه النسائي (١/ ٣٨)، وابن ماجة (٣١٢)، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٠)، وابن حبان (١٤٤٠) وإسنادهُ حسن من أجل محمد بن عجلان.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٣٩٩) عند هذه الآية، وكذلك (٤٧٨١)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٣٥٦)، ورواه ابن جرير (٢٨٣٣٧).","vol":"6","page":139},{"text":"بين أصحابه وورث بعضهم من بعض، حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]. فتركوا ذلكَ وتوارثوا بالنسب] (١).\nوالمقصود: القرابات أولى بالتوارث ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله، من التوارث بالحِلف وأخوة الدين كما كان عليهِ الأمرُ أول الإسلام، لمَّا آخى النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار، فنسخ الله تعالى ذلكَ بهذه الآية. قال ابن عباس: (كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله - ﷺ -) ..\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. قال ابن زيد: (إلا أن توصوا لهم). قال ابن كثير: (أي: ذهَبَ الميراث، وبَقي النصر والبرُّ والصِّلة والإحسان والوصية).\nوقوله: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. قال ابن زيد: (أي: أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله). والمقصود: هذا الحكم من التوارث بالنسب مسطور في اللوح المحفوظ لا يبدل ولا يغيّر، وإنما شرع تعالى خلافَهُ لحكمة في مدة محدّدة، ثم رَجَعَ الأمر إلى ما هو مكتوب في الكتاب الأزلي لا تبديل لكلمات الله.\n٧ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: أَخْذُ الله تعالى العهد على النبيين بتبليغ الرسالة وإقامة الدين، وسيسأل سبحانهُ عباده عن الصدق في حمل الأمانة، وأعدّ للكافرين العذاب الأليم.\nفقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾. قال القاسمي: (أي أخذنا عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق والتعاون والتناصر والاتفاق وإقامة الدين وعدم التفرق فيه).\nوفي التنزيل نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطيالسي والطبراني. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": رجاله رجال الصحيح. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الأنفال، آية (٧٥). وانظر مستدرك الحاكم (٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥).","vol":"6","page":140},{"text":"كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].\nوقوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.\nهؤلاء أولو العزم من الرسل، وخصّ من بينهم نبينا محمدًا - ﷺ - بالبداية لشرفه - ﷺ - في الدنيا والآخرة، ثم رتّبهم حسب تعاقبهم.\nأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ ولا فَخْرَ. وأنا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الأرضُ عَنْهُ يوم القيامةِ وَلا فخْرَ. وأنا أَوَّلُ شافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ولا فَخْرَ. ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ] (١).\nفالآية بدأت بالحديث عن النبيين ثم جاء التخصيص لأولي العزم منهم وعلى رأسهم أشرفهم وخاتمهم.\nقال أبو السعود: (وتخصيصهم بالذكر، يعني قوله: ﴿وَمِنْكَ﴾ إلخ مع اندراجهم في النبيين، للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع وأساطين أولي العزم. وتقديمُ نبينا عليهم، عليهم الصلاة والسلام، لإبانة خطره الجليل).\nوقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال ابن عباس: (الميثاق الغليظ: العهد).\nوقال قتادة: (ميثاق أخذه الله على النبيين، خصوصًا أن يصدّق بعضهم بعضًا، وأن يتبعَ بعضهم بعضًا).\nوقوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾. قال مجاهد: (المبلغين المؤدين من الرسل).\nوقوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأعدّ للكافرين بالله من الأمم عذابًا موجعًا).\n٩ - ١١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٣٠٨)، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة. وانظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (٣٤٧٧).","vol":"6","page":141},{"text":"فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عبادهِ يوم الأحزاب تسخيره الرياح والجنود لنصرهم، وقد جاءهم الكفار من فوقهم ومن أسفل منهم، وصعب الموقف على المؤمنين وكاد يزلزلهم.\nفلقد كان لسياسة المباغتة العسكرية التي قام بها النبي - ﷺ - في أرجاء شبه الجزيرة العربية أقوى الأثر فى بسط النفوذ في الصحراء، أضف إلى ذلك كسر رأس قريش بتحديها للقدوم إلى بدر الموعد، أضف إلى ذلكَ محاصرة اقتصاد مكة بتهديد طرق تجارتها، أضف إلى ذلك إذلال المسلمين ليهود بني قينقاع وبني النضير وإجلائهم، وشعور بني قريظة بالذل والصغار من بعدهم، كل ذلكَ قد هيأ الظروف لتحالف وثني يهودي لقتال النبي - ﷺ -.\nوقد ذهب - بالفعل - نفر مِنْ قادة يهود إلى قريش، يغرونهم بالمدد ودعايات الكذب، وأن دين قريش خير مما جاء به محمد، ويستنفرونهم للتحرك جميعًا للقضاء على محمد ودينه، وأن ذلكَ أرضى لله. يروي ابن إسحاق بإسناد رجاله ثقات من حديث عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن كعب وغيرهم قالوا: (إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود، منهم سلاّم بن أبي الحُقيق النضري، وحُيَيّ بن أخطب النّضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهَوذة بن قيس الوائلي، وأبو عَمَّار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حَزَّبوا الأحزاب على رسول الله - ﷺ -، خرجوا حتى قدموا على قريش مكةَ، فدعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ -، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نَخْتَلِفُ فيهِ نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] ... إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ -أي النبوة- ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ","vol":"6","page":142},{"text":"سَعِيرًا﴾. فلما قالوا ذلكَ لقريش، سرّهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله - ﷺ -. فاجتمعوا لذلكَ واتعدوا له، ثم خرج أولئكَ النفر من يهودَ، حتى جاؤوا غطفان، من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ -، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليهِ، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه) (١).\nوقد وعد وفد اليهود غطفان نصف ثمر خيبر إن هم شاركوا في هذا التحالف - كما ذكر موسى بن عقبة - تحريضًا منهم لغطفان لخوض معركة فاصلة ضد النبي ﷺ، واستعادة الكبرياء في الأرض والسيطرة على طرق التجارة من جديد.\nوهكذا نجح أبناء القردة والخنازير من يهود بتأليب القبائل والأعراب وأحزاب الكفر على النبي - ﷺ -، لتخرج هذه الجموع من الأحزاب لملاقاة المسلمين في شوال من السنة الخامسة للهجرة.\nقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان في قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. قال: (والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسل اللهُ عليهم مع الريح: الملائكة).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكان اللهُ بأعمالكم يومئذ، وذلكَ صبرهم على ما كانوا فيهِ من الجَهْدِ والشّدةِ، وثباتهم لعدوهم، وغير ذلكَ من أعمالهم، بصيرًا لا يخفى عليهِ من ذلكَ شيء، يُحصيهِ عليهم، ليجزيهم عليه).\nلقد خرج من الجنوب جيشُ قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة، يقودهم أبو سفيان بن حرب في أربعة آلاف مقاتل، ووافاهم بنو سليم بمر الظهران، في حين خرجت قبائل غطفان من الشرق وهم: بنو فزارة يقودهم عيينة بن حصن، وبنو مرة يقودهم الحارث بن عوف، وبنو أشجع يقودهم معسر بن رخيلة، كما خرجت بنو أسد وقبائل أخرى. واتجهت هذه الأحزاب جميعًا نحو المدينة، لتلتقي قريبًا منها على ميعاد قد اتفقت عليه، ليجتمع بعد أيام حول المدينة جيش مترامي الأطراف قوامُه عشرة آلاف مقاتل، ربما يزيدُ على عدد سكان المدينة بنسائها وصبيانها وشبابها وشيوخها.\nإلا أن قيادة المدينة كانت متيقظة حذرة، فقد نقلت استخبارات النبي - ﷺ - إليهِ خبر\n_________\n(١) حديث حسن. انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٤ - ٢١٥) بإسناد رجاله ثقات، وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (٢/ ٨٨٦ - ٨٨٧).","vol":"6","page":143},{"text":"تجمع الأحزاب خبرًا بعد خبر حتى مستقرها الأخير. فهرعَ النبي - ﷺ - لعقد مجلس استشاري عسكري أعلى، تبادل فيهِ الرأي مع قيادة المهاجرين والأنصار حول خطة الدفاع عن المدينة لمواجهة هذا الزحف الوثني اليهودي السافر. وقد أفرز هذا المجلس السريع عن تألق فكر الصحابي النبيل سلمان الفارسي ﵁ الذي قدّمَ خطة عالية الدقة للقائد الأعلى ﵊، إذ قال: (يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا).\nوقد كانت خطة فريدة حكيمة لم تسمع بها العرب من قبل، فهرع الأصحاب للتنفيذ - بأمر نبيهم - ﷺ -.\nيروي البخاري في صحيحه عن أنس قال: [جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينةِ، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون:\nنحن الذين بايعوا محمدًا ... على الإسلام ما بقينا أبدا\nقال: فيقول النبي - ﷺ - وهو يجيبهم:\nاللهم إنه لا خير إلا خير الآخرهْ ... فبارك في الأنصار والمهاجرهْ\nقال: يؤتون بملء كَفِّي من الشعير فَيصنعُ لهم بإهالة (١) سَنِخَةٍ (٢) توضَعُ بين يدي القوم، والقوم جِياعٌ، وهي بَشِعَةٌ في الحَلْقِ ولها رِيحٌ مُنْتِنٌ] (٣).\nلقد طغت حرارة الإيمان على البرد والجوع القارصين، وعلى شدة التعب ومشقة الحفر، فتناسوا الآلام في سبيل هذا الدين، فيالذة النظر إليهم وهم يحفرون بقوة وينقلون التراب على أكتافهم وظهورهم، وفيهم من كان لا يخدم نفسه عادة - من التجارة والزعماء - لتوفر الخدم والعبيد والإماء، ويا طرب الأسماع لو أصغت إلى أهازيجهم وهي تدور بينهم وبين نبيهم.\nولما وصل المشركون أخذوا يحاولون اقتحام الخندق الذي فوجئوا بهِ ولكن دون جدوى، فلقد أمطرهم المسلمون ورشقوهم بالنبل.\nواشتد الخطب على المسلمين، وزادت آلام الحصار والانتظار، فقد سُعِرَ عشرة\n_________\n(١) الإهالة: هي الدهن من الشحم أو السمن أو الزيت يؤتدم به.\n(٢) سنخة: أي متغيرة الرائحة والطعم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٠٠)، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب.","vol":"6","page":144},{"text":"آلاف من قريش ويهود وقبائل العرب ضدهم، ولجأ زعماء اليهود إلى المكر والخديعة وألبوا بني قريظة لتنقض العهد وتظهر الغدر.\nلقد خشي المسلمون على نسائهم وذراريهم من هذا الغدر المتوقع، ومكثوا في حالة قلق وهمّ وصفها القرآن في هذه السورة - سورة الأحزاب - وهي: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.\nقال قتادة: (﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: شخصت). وعن عكرمة: (﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قال: من الفزع).\nفقد أخبر القرآن أنهم أحاطت بهم الأحزاب من فوقهم، في حين هددتهم بنو قريظة من أسفل منهم، وقد ظن المنافقون بالله الظنون، ونزل بالمؤمنين بلاء عظيم كادَ أن يزلزلهم، لولا تثبيت الله سبحانه لهم، وتألق التربية النبوية الدقيقة التي أسعفتهم في مثل هذه الأحوال. وقال النسفي: (﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرةً أو عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها لشدة الروع ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الحنجرة رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم، والحلقوم مدخل الطعام والشراب، قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدةِ الفزع أو الغضب ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة. وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة). وعن الحسن: (قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظنونًا مختلفة، ظن المنافقون أن محمدًا وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق، أنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون).\nوعن مجاهد: (قوله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال: محصوا).\nقال ابن جرير: (قوله: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ يقول: وحُرِّكوا بالفتنةِ تحريكًا شديدًا، وابتلوا وفتنوا).\n١٢ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ","vol":"6","page":145},{"text":"فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: فضحُ الله تعالى سلوك المنافقين يوم الأحزاب ونقضهم العهود ومحاولات الفرار من الجهاد بتقديم الأعذار الكاذبة، والله يعلم ما في قلوبهم، وهو العزيز الحكيم.\nفعن قتادة: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال: قال ذلكَ أُناسٌ من المنافقين: قد كان محمد يَعِدُنا فتح فارس والروم، وقد حُصِرنا هاهنا، حتى ما يستطيع أحدُنا أَنْ يبرز لحاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا).\nلقد غلب الجبن والإرجاف المنافقين والذين في قلوبهم شك يوم الخندق، وشدتهم الدنيا ليركنوا إليها، فلجؤوا إلى تخذيل المؤمنين والسخرية بهذه البشارة: فتح فارس واليمن والشام.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام النسائي في السنن، بسند حسن عن البراء قال: [لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلكَ لرسول الله - ﷺ -، فجاء وأخذ المعول فقال: باسم الله، ثم","vol":"6","page":146},{"text":"ضرب ضربة (فكسر ثلثها) وقال: اللهُ أكبر، أعطيتُ مفاتيح الشام، واللهِ إني لأنظر قصورها الحمر الساعة. ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر، فقال: اللهُ أكبر، أعطيت فارس، واللهِ إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة، فقال: باسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: اللهُ أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني] (١).\nوقوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾.\nأي: وإذ قال بعضهم يا أهل يثرب لا مكان لكم تقومون فيه فارجعوا إلى منازلكم.\nقال ابن جرير: (أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله - ﷺ - والفرار منهُ، وترك رسول الله - ﷺ -).\nوقوله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.\nقال ابن عباس: (هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق).\nوعن مجاهد: (﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال: نخشى عليها السرق). قال قتادة: (إنما كانوا يريدون بذلكَ الفرار).\nوقال ابن زيد: (قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ يقول: لو دخلت المدينة عليهم من نواحيها ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ سئلوا أن يكفروا لكفروا، قال: وهؤلاء المنافقون لو دخلت عليهم الجيوش، والذين يريدون قتالهم ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا. قال: والفتنة: الكفر، وهي التي يقول الله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: الكفر، يقول: يحملهم الخوف منهم، وخبث الفتنة التي هم عليها من النفاق أن يكفروا به).\nوقد قرأ عامة قراء المدينة وبعض قراء مكة: ﴿لَآتَوْهَا﴾ بقصر الألف، بمعنى جاؤوها، في حين قرأها عامة قراء الكوفة والبصرة ﴿لَآتَوْهَا﴾ يقول: لأعطوها، وكلاهما جائز.\nوعن قتادة: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: أي الشرك ﴿لَآتَوْهَا﴾ يقول: لأعطوها، ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ يقول: إلا أعطوه طيبة به أنفسهم ما يحتبسونه).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٣)، والنسائي (٦/ ٤٣ - ٤٤)، وحَسَّنَ إسناده الحافظ في الفتح (٧/ ٣٩٧). وانظر تمام البحث في كتابي: السبرة النبوية (٢/ ٨٨٦).","vol":"6","page":147},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.\nأي: إنما أراد هؤلاء المنافقون الفرار من المعركة مستهينين بعقد الإيمان الذي يلزمهم بالثبات وعدم الفرار يوم الزحف، وبمعاهدة الله من قبل أن لا يولوا عدوّهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم، واللهُ سيسألهم سبحانه عن نقضهم عهده.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nأي: فأخبر الله نبيّهُ ليقول لهم: إنّ الموت أو القتل الذي تفرون منه لا يزيد في أعماركم وآجالكم، وإنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم.\nقال قتادة: (وإنما الدنيا كلها قليل). وقال ربيع بن خيثم: (قوله: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال: إلى آجالهم).\nوقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء الذين يستأذنونك ويقولون: إن بيوتنا عورة هربًا من القتل. من ذا الذي يمنعكم من الله إن هو أراد بكم سوءًا في أنفسكم، من قتل أو بلاء أو غير ذلك، أو عافية وسلامة؟ وهل ما يكون بكم في أنفسكم من سوءٍ أو رحمةٍ إلا من قِبَله؟).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nأي: إن الله يعلم يا محمد أولئك الذين يعوقون الناس عن الجهاد معك وتحدي الأعداء في ساحة القتال، فيخذلون الناس لينصرفوا عنكَ يقولون لهم: إنا نخاف عليكم الهلاك بهلوكه.\nقال قتادة: (هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك).\nففضحهم الله تعالى في التنزيل فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال قتادة: (﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في","vol":"6","page":148},{"text":"الغنيمة). وقال مجاهد: (بالخير). وقال غيره: (معناه: أشحة عليكم بالنفقة على ضعفاء المؤمنين منكم).\nوقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾.\nأي: فإذا حضر البأس، يا محمد، وجاء القتال وحمي الوطيس، خافوا الهلاك والقتل، رأيت الجبن يفتت قلوبهم وهم ينظرون إليكَ لِواذًا بك، تدور أعينهم كدوران الذي يُغشى عليه من الموت النازل به، ولكن إذا انقطعت الحرب واطمأنوا تحركت ألسنتهم بالنفاق والطلب من الغنيمة.\nقال قتادة: (أما عند الغنيمة، فأشحّ قوم، وأسوأ مُقاسمة، أعطونا أعطونا، فإنا قد شهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحق).\nوفي لغة العرب: خطيب مِسْلق أي فصيح، ورجل مسلاق أي مبالغ في الكلام.\nوالمقصود: خاطبوكم مخاطبة شديدة وآذوكم بالكلام.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.\nأي: فأولئك يا محمد الذين كذبوا ولم يصدقوا الإيمان فأذهب الله أجور أعمالهم وأبطلها، قوم أشحة على الغنيمة إذا ظفر المسلمون، فُرَّارٌ جبناء إذا كان القتال ووجب الثبات. فتضييعهم وأجورهم هين عليه سبحانه فإنه - تعالى - يخذل المنافقين.\nوقوله: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾. قال مجاهد: (يحسبونهم قريبًا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يحسب هؤلاء المنافقون الأحزاب، وهم قريش وغطفان. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ يقول: لم ينصرفوا، وإن كانوا قد انصرفوا جبنًا وهَلعًا منهم).\nوالمقصود: أنه لشدةِ ما هم فيهِ من الجبن والخور والخوف يحسبون أن الأحزاب لم ينسحبوا وسيعودوا.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾.\nأي: وإن يأت الأحزاب المؤمنين يتمنى المنافقون من شدة ما هم عليه من الخوف والجبن أنهم غيب عنكم في البادية مع الأعراب خوفًا من القتل.\nوقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾. أي يسألون كل قادم عليهم من جانب المدينةِ عن أخباركم وعما جرى عليكم، فهم يتمنون أن يسمعوا أخبار هلاككم.","vol":"6","page":149},{"text":"وقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال ابن كثير: (أي: ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلًا، لكثرة جبنهم وذِلَّتهم وضعف يقينهم. واللهُ ﷾ العالم بهم). وقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ولو كانوا أيضًا فيكم ما نفعوكم، وما قاتلوا المشركين إلا قليلًا: يقول: إلا تعذيرًا، لأنهم لا يقاتلونهم حسبة ولا رجاء ثواب).\n٢١ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدُ الله تعالى للمؤمنين أن رسوله - ﷺ - هو موضع القدوة والأسوة لهم، وثناؤه تعالى على الرجال الصادقين مع الله في عهودهم، وذمُّه تعالى الكافرين والمنافقين وتصويره الخزي والذل الذي لحق باليهود مقابل غدرهم.\nفقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. أصل عظيم في التأسي برسول الله - ﷺ - في أقواله وأفعالهِ ومنهاجه الأكمل.\nقال ابن جرير: (لقد كان لكم في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة، أن تتأسوا بهِ، وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلفوا عنه).\nوقد هدّد الله تعالى في سورة النساء من لا يرتاح لحكم الوحي في الفصل في الحكم، بل يجد رأيه أحكم وأصوب، فقال جل وعز: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى","vol":"6","page":150},{"text":"يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nقال مجاهد: (﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، يقول: شكًا). وقال الضحاك: (إثمًا، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ يقول: ويسلموا لقضائك وحكمك، إذعانًا منهم بالطاعة، وإقرارًا لك بالنبوة تسليمًا).\nوكان عبد الله بن مسعود يقول: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال هنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة مرفوعًا: [ما بالُ رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه؟ فواللهِ لأنا أعلمهم باللهِ وأشدهم له خشية] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند بسند صحيح عن سمرة عن النبي - ﷺ - قال: [إذا حدثتكم حديثًا، فلا تزيدُنَّ علي] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الحاكم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [إنه ليس شيءٌ يقربكم إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، وليسَ شيءٌ يقربكم إلى النار إلا قد نهيتكم عنه].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٣٥٦)، كتاب الفضائل، باب علمه - ﷺ - بالله تعالى وشدة خشيته. ورواه أحمد وغيره. انظر صحيح الجامع (٥٤٤٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤٦).","vol":"6","page":151},{"text":"وفي لفظ عند الطبراني: [ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه] (١).\nوجاء في سير أعلام النبلاء عن الربيع قال: (سمعتُ الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنةِ رسول الله - ﷺ - فقولوا بها، ودعوا ما قلتُه).\nقال: وسمعت الشافعي يقول: (أي سماء تُظلني، وأي أرض تُقِلُّني إذا رويتُ عن رسول الله - ﷺ - حديثًا فلم أقلْ به).\nوجاء في أعلام الموقعين قول الإمام أحمد - كما يروي عنه أبو الحارث -: (لا يجوزُ الإفتاءُ إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة).\nوكان أبو حنيفة ﵀ يقول: (لا يحلُّ لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف مأخذهُ من الكتاب والسنة) (٢).\nوكان الإمام مالك يقول: (السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلفَ عنها غرق) (٣).\nوقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.\nأي: هذا التأسي برسول الله - ﷺ - هو منهاج لمن يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة، وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.\nقال ابن كثير: (ولهذا أمر ﵎ الناس بالتأسي بالنبي - ﷺ - يوم الأحزاب، في صبره ومُصابرته ومُرابطتهِ ومجاهدته وانتظاره الفرجَ من ربه - ﷿ -، صلواتُ الله وسلامهُ عليه دائمًا إلى يوم الدين - ولهذا قال تعالى للذين تقلقلوا وتضجّروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: هلا اقتديتم به وتأسَّيْتُمْ بشمائله؟ ! ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٦٤٧)، وأخرجه الشافعي وابن خزيمة. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٠٣). ورواه الحاكم وغيره بلفظ مقارب. وانظر تفصيل البحث في مقدمة كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ٢٠ - ٢٧).\n(٢) انظر رسالة: \"رفع التردد\" لابن عابدين، وكتاب: \"أعلام المسلمين\" - الدقر - (١٧).\n(٣) انظر كتابي: السيرة النبوية على منهاج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٢٢).","vol":"6","page":152},{"text":"وقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.\nقال ابن عباس: (ذلكَ أن الله قال لهم في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال: فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق، تأول المؤمنون ذلك، ولم يزدهم ذلكَ إلا إيمانًا وتسليمًا).\nوالمقصود: لقد فرح المؤمنون الأوائل عند رؤية الأحزاب، فتذكروا وعد الله بالنصر الذي يعقب الابتلاء والاختبار والصدق، وبشائر رسوله - ﷺ - حين بشرهم بفتح البلاد إلى فارس والروم. فقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. قال قتادة: (وتصديقًا بما وعدهم الله، وتسليمًا لقضاء الله). والمقصود: ما زادهم ذلكَ الضيق والحصار والشدة إلا إيمانًا باللهِ وانقيادًا لرسوله.\nوالآية دليل على زيادة الإيمان، فإن الإيمان يزيدُ وينقص كما ثبت في الكتاب والسنة.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣].\nومن صحيح السنة المطهرة في ذلكَ أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي - ﷺ -: [لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليهِ مِنْ والدهِ وولدهِ والناس أجمعين] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٥)، كتاب الإيمان. وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٣).","vol":"6","page":153},{"text":"الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبهِ وَزْنُ شعيرة من خير (وفي رواية معلقة وصلها الحاكم ووصلها البخاري: من إيمان)، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْر، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبهِ وزن ذرة من خير] (١).\nالحديث الثالث: روى مسلم من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: [لا تؤمنوا حتى تحابوا] (٢).\nوكتب عُمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن عديِّ: (إن للإيمان فرائضَ وشرائعَ وحدودًا وسُننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبيِّنُها لكم حتى تعملوا بها، وإن أَمُتْ فما أنا على صحبتكم بحريص) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.\nأي: من المؤمنين رجال وفوا بما عاهدوا الله عليهِ، فمنهم من فرغ من عمله ورجعَ إلى ربهِ كمن استشهدَ يوم بدر ويوم أحد، ومنهم من هو مرابط ينتظرُ ما وعد الله من نصره أو الشهادة، وما بدلوا تبديلًا.\nأخرج البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد عن أنس ﵁ قال: [غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لِئن الله أشهدني قتال المشركين ليريَنَّ اللهُ ما أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشفَ المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليكَ مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليكَ مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدَّمَ فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ! الجنةُ وربّ النضر، إنى أجد ريحها من دون أُحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربةً بالسيفِ أو طعنةً برمحٍ أو رمية بسهم، ووجدناهُ قد قُتِلَ وقد مَثَّلَ بهِ المشركونَ، فما عرفه أحد إلا أختهُ ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أنَّ هذه الآية نزلت فيهِ وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري من حديث أنس. انظر مختصر صحيح البخاري (٤١) - الزبيدي.\n(٢) حديث صحيح. وهو جزء من حديث أبي هريرة، انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٤٢).\n(٣) ذكره البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه: \"باب: قول النبي - ﷺ - بني الإسلام على خمس\". وهو قول وعمل، ويزيد وينقص. وانظر: مختصر صحيح البخاري ص (٦ - ٧) - الألباني.","vol":"6","page":154},{"text":"رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾] (١).\nوعن مجاهد: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ قال: عهده فقتل أو عاش ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يومًا فيهِ جهاد، فيقضي نحبهُ وعهده، فيقتل أو يصدق في لقائه).\nوقال أيضًا: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: مات على العهد). قال: (النحب: العهد).\nوعن ابن عباس: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾، قال: الموت على ما عاهد الله عليه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الموت على ما عاهد الله عليه).\nوعن قتادة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ على الصدق والوفاء ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ من نفسه الصدق والوفاء).\nقال ابن الأثير في \"النهاية\": (النحب: النذر، كأنهُ ألزم نفسهُ أن يصدق أعداء الله في الحرب، فوفى بهِ، وقيل: النحب الموت، كأنه يلزم نفسهُ أن يقاتل حتى يموت).\nأخرج ابن سعد في \"الطبقات\"، وأبو يعلى في المسند، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: [إني لفي بيتي، ورسولُ الله - ﷺ - وأصحابه بالفناء، وبيني وبينهم الستر، أقبل طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله - ﷺ -: من سرَّهُ أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة] (٢).\nوفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن معاوية بن أبي سفيان، قال: نظر النبي - ﷺ - إلى طلحة فقال: [هذا ممن قضى نحبه] (٣).\nثم روى في الباب عن موسى بن طلحة قال: كنا عند معاوية فقال: [أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: طلحة ممن قضى نحبه].\nوله شاهد عند الترمذي وابن ماجة من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من سرَّهُ أَنْ ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٧٨٣)، وصحيح مسلم (١٩٠٣)، وسنن الترمذي (٣٢٠٠)، وأخرجهُ النسائي في \"التفسير\" (٤٢٢)، وأحمد في المسند (٣/ ١٩٤).\n(٢) حديث صحيح بمجموع طرقه. أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ١/ ١٥٥)، وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (ق ٢٣٢/ ١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٨٨)، وله شاهد عند الحاكم (٢/ ٤١٥ - ٤١٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٥).\n(٣) حديث حسن. أخرجهُ ابن ماجة في السنن (١٢٦). باب في فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -، انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٠٣)، وكذلك (١٠٤) للحديث بعده.","vol":"6","page":155},{"text":"طلحة بن عبيد الله] (١). وفي لفظ ابن ماجة: [مرّ طلحة بالنبي - ﷺ - فقال: شهيد يمشي على وجه الأرض]. ورواه البغوي في \"التفسير\" بلفظ: [نظر رسول الله - ﷺ - إلى طلحةَ بن عبيد الله فقال: من أحبّ أَنْ ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى هذا].\nوقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. قال قتادة: (يقول: ما شكُّوا وما ترددوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره). وقال ابن زيد: (لم يغيروا دينهم كما غيّر المنافقون).\nوالمقصود: أنهم ثبتوا على الوفاء والصدق، والدين الحق، واستمروا على ما عاهدوا الله عليه، ولم ينقضوه كما نقض المنافقون وأهل الزيغ الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾. ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥].\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. قال النسفي: (بوفائهم بالعهد).\nوقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾. أي: إذا لم يتوبوا. قال ابن جرير: (بكفرهم بالله ونفاقهم).\nوقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. أي: إذا تابوا، فيخلصهم من نفاقهم ويعينهم على سلوك سبيل الهداية والإيمان. قال قتادة: (يقول: إن شاء أخرجهم من النفاق إلى الإيمان).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: إنه تعالى سِتِّير على ذنوب التائبين، رحيم بالتائبين المنيبين أن يعاقبهم بعد صدق توبتهم.\nوفى المسند وسنن أبي داود عن يعلى بن أمية، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ الله تعالى حَيِيٌّ سِتِّير يحب الحياء والسِّتر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر] (٢).\nوفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر قال: [كانَ تُعَدُّ لرسول الله - ﷺ - في المجلس الواحد مئة مرة من قبل أن يقوم: رب اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنتَ التواب الغفور] (٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٣٠٢ - بولاق)، والطيالسي في مسنده (١٧٩٣)، وكذلكَ ابن ماجة (١٢٥)، وانظر تفسير البغوي (٧/ ٥٢٨)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٠١٢). انظر صحيح أبي داود (٣٣٨٧)، ورواه أحمد في المسند. انظر تخريج \"الإرواء\" (٢٣٩٣)، وصحيح الجامع (١٧٥٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٨١٤)، باب الاستغفار. انظر صحيح ابن ماجة (٣٠٧٥).","vol":"6","page":156},{"text":"وقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. قال مجاهد: (الأحزاب).\nوقال قتادة: (وذلكَ يوم أبي سفيان والأحزاب، ردّ الله أبا سفيان وأصحابهُ بغيظهم لم ينالوا خيراّ ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالجنود من عنده، والريح التي بعث عليهم).\nوفي سنن النسائي بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيهِ قال: [شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمسُ وذلكَ قبل أن ينزل في القتال ما نزل الله ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فأمر رسول الله - ﷺ - بلالاّ فأقامَ لِصلاةِ الظهر فصلاها كما كانَ يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذَّنَ المغرب فصلَّاها كما كان يصليها في وقتها] (١).\nفقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ - إذ لم يحتاجوا إلى منازلة عدوهم ومبارزتهم، بل تكفّل اللهُ تعالى إجلاءهم عن بلادهم وردّهم أذلاء صاغرين. وكان رسول الله - ﷺ - قد باتَ يصلي ويجأر إلى الله تعالى بالدعاء، وكان من دعائهِ كما روى الإمام مسلم: [اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم] (٢).\nوقد استجاب اللهُ دعاء نبيهِ - ﷺ - فأرسل ريح الصبا وحمَّلها نصر جنده، فاقتلعت خيام الأحزاب، وكفأت قدورهم وأطفات نيرانهم ودفنت رحالهم. فخرج المسلمون من الحصار فرحين يلهجون بالتكبيرِ وحمد الله، وهم يرون قوافل جيوش الكفر والأحزاب تشق طريق الصحراء، وقد انفضت عن أرض المعسكر تشتد انسحابًا وهربًا من كل جانب.\nيروي البخاري في صحيحه عن سليمان بن صرد ﵁ قال: [قال النبي - ﷺ - يومَ الأحزاب: نغزوهم ولا يَغزوننا]. وفي رواية: [الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحنُ نسير إليهم] (٣).\nقلت: والحديث تصديق لإشارة الآية الكريمة: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. فقد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في السنن من حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه. انظر صحيح سنن النسائي (٦٣٨) بسند صحيح، كتاب الأذان. باب الأذان للفائت من الصلوات. وانظر الإرواء (١/ ٢٥٧)، ورواه ابن جرير في \"التفسير\".\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣/ ١٣٦٣)، وانظر كتابي: السيرة النبوية (٢/ ٩١٩) لتفصيل البحث.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤١٠٩)، (٤١١٠)، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق.","vol":"6","page":157},{"text":"وضع الله الحرب بين المؤمنين وقريش، ولم يغز المشركون بعدها المسلمين، بل غزاهم المسلمون في بلادهم. فقد سارَ إليهم ﵊ يوم فتح مكة بعشرة آلاف مقاتل حتى أذل طغاتهم وكسر شوكة كبرائهم وزعمائهم، ومحا أسطورةَ غطرستهم في جزيرة العرب. وهكذا انتقل مسرح الأحداث والمعارك بعد غزوة الخندق بعيدًا عَنْ أرض المدينة إلى مكة والطائف وتبوك، فخرج النبي - ﷺ - من حصار الخندق يهلّل الله العظيم الذي أذل الكافرين، ونصر المؤمنين.\nيروي البخاري في صحيحه عن أبي هريرةَ ﵁، أن رسول الله - ﷺ - كانَ يقول: [لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده] (١).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. قال قتادة: (قويًا في أمره، عزيزًا في نقمته).\nوقو: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. أي: وأنزل بني قريظة الذين ظاهروا أبا سفيان وراسلوه، ونكثوا العهد الذي بينهم وبين النبي - ﷺ - ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ - أي من حصونهم.\nفعن مجاهد: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ قال: قريظة، يقول: أنَّزلهم من صياصيهم، قال: قصورهم). وقال قتادة: (أي من حصونهم وآطامهم). وقال ابن زيد: (الصياصي حصونهم التي ظنوا أنَّها مانعتهم من الله ﵎). وأصل الصياصي: جمع صيصة، وعني بها هاهنا: حصونهم، والعرب تقول لطرف الجبل: صيصة. ويقال لأصل الشيء وأعلاه: صيصة. ومنه سميت\nصياصي البقر، وهي قرونها؛ لأنَّها أعلى شيء فيها.\nأخرج الإمام أحمد في إلمسند بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [لما رجع رسول الله - ﷺ - من الخندق ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وعلى رأسهِ الغبار. قال: قد وضعت السلاح؟ فواللهِ ما وضعتُها. اخرج إليهم. قال رسول الله - ﷺ -: فأين؟ قال: هاهنا، فأشار إلى بني قريظة، فخرجَ رسول الله - ﷺ - إليهم] (٢).\nوفي رواية: [أن رسول الله - ﷺ - لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل، فجاء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١١٤)، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب.\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٦/ ٥٦)، (٦/ ١٣١)، (٦/ ٢٨٠) للروايات المختلفة.","vol":"6","page":158},{"text":"جبريل ﵇ فقال: أوقد وضعتم السلاح؟ ما وضعنا أسلحتنا بعد، انهد إلى بني قريظة. فقالت عائشة: كأني أنظر إلى جبريل ﵇ من خلل الباب قد عصب رأسهُ من الغبار].\nفخرج رسول الله - ﷺ - واستنفر الناس وأعطى الراية علي بن أبي طالب، وسارَ بالمهاجرين والأنصار حتى نزلَ على بئر من آبار بني قريظة من ناحية أموالهم يقال له أنَّى كما ذكر ابن هشام، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: [نادى فينا رسول الله - ﷺ - يوم انصرف عن الأحزاب أن (لا يصلينَ أحد الظهر إلا في بني قريظة). - ورواه البخاري وفي لفظه: لا يصلين أحد العصر - قال فتخوَّف ناسٌ فوتَ الوقت فصلوا دون بني قريظة. وقال آخرون: لا نُصلي، إلا حيث أمرنا رسول الله - ﷺ - وإن فاتنا الوقت. قال: فما عنف واحدًا من الفريقين] (١).\nووصل علي بن أبي طالب ﵁ في فئة من المسلمين، وتبعهم رسول الله - ﷺ - حتى اجتمعَ ثلاثة آلاف مقاتل من الصحابة رضوان الله عليهم، أمام حصن بني قريظة، ومعهم من الخيل ثلاثون فرسًا، قد شدوا الحصار بقوة على يهود.\nفحاصرهم رسول الله - ﷺ - خمسًا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، إلى أن نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس؛ لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية واعتقدوا أنه يُحسن إليهم في ذلكَ كما فعلَ عبد الله بن أبي بن سلول في مواليهِ بني قينقاع، إلا أنهم خابوا في ظنهم حين قضى فيهم بما يخزيهم.\nفقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن هشام عن أبيهِ عن عائشة قالت: [أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة في الأكحل، فضرب عليهِ رسول الله - ﷺ - خيمة في المسجد ليعوده من قريب. قال هشام: فأخبرني أبي أنهم نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فرد الحكم فيهم إلى سعد. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلةُ وتسبى النساء والذرية وتقسم أموالهم. قال: قال أبي: فأُخْبِرْتُ أن رسول الله - ﷺ - قال: لقد حكمت فيهم بحكمِ الله ﷿] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١١٩)، كتاب المغازي، وأخرجه مسلم (١٧٧٠)، كتاب الجهاد والسير. وانظر كتابي: السيرة النوية (٢/ ٩٣٤) - لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٢)، (٣/ ٧١) - بإسناد صحيح.","vol":"6","page":159},{"text":"ورواه البيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص وفي لفظه: [قال: لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات] (١).\nوقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. أي: حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ للتخلص من أهوال الخوف الذي سحق قلوبهم.\nوقو: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، قال قتادة: (الذين ضربت أعناقهم).\nوقوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. قال أبو جعفر: (وهم نساؤهم وذراريهم الذين سبوا).\nوقوله: (﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. قال ابن إسحاق: (حدثني يزيد بن رومان: يقول: وملككم بعد مهلكهم أرضهم، يعني مزارعهم ومغارسهم وديارهم، يقول: ومساكنهم وأموالهم، يعني سائر الأموال غير الأرض والدور).\nوعن ابن زيد: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ قال: قريظة والنضير أهل الكتاب ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ قال: خيبر). وقال الحسن: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ هي الروم وفارس، وما فتح الله عليهم). وقيل: هي مكة\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. أي: وكانَ اللهُ على نصر المؤمنين وتوريثهم أموال وديار الكفار والمفسدين في الأرض قديرًا فلا يتعذر عليهِ شيء أرادهُ سبحانهُ، ولا يمتنعُ عليهِ فعل شيء وهو العزيز الحكيم.\n٢٨ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.\nفي هذه الآياتِ: أَمْرٌ من الله تعالى رسوله - ﷺ - بتخيير أزواجهِ بين البقاء معهُ على ضيق الحال، ولَهُنَّ على ذلكَ عند الله جزيل الثواب وحسن المآل، أو مفارقته إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتُها، فاخترن الله ورسولهُ والدار الآخرة فرضي اللهُ عَنْهُنَ وأرضاهُنَ وجمع لهن بعد ذلكَ بين خيري الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر الدلائل (٤/ ١٨) - البيهقي. وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٢/ ٩٤٠) - لتفصيل الحدث.","vol":"6","page":160},{"text":"يروي البخاري في كتاب المظالم والغصب، وفي كتاب النكاح، وفي كتاب التفسير من صحيحه - وبنحوه روى الإمام مسلم - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: [لم أزل حريصًا على أن أسأل عُمَرَ ﵁ عن المرأتين من أزواج النبي - ﷺ - اللَّتين قال اللهُ لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فحججت معه (وفي رواية: حتى حجّ وحججتُ معهُ) فعدل (١) وعدلت معهُ بالإداوة فتبرَّزَ حتى جاء فسكبتُ على يديهِ من الإداوة، فتوضأَ فقلتُ لهُ: يا أمير المؤمنين مَنْ المرأتان من أزواجِ النبي - ﷺ - اللتان قال اللهُ ﷿ لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فقال: واعجبي لك يا ابن عباس عائشة وحَفْصَةُ، ثم استقبل عُمَرُ الحديث يَسوقُه، فقال: إني كنتُ وجارٌ لي من الأنصار في بني أميةَ بن زَيْدٍ وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي - ﷺ - فينزل يومًا وأَنْزِلُ يومًا، فإذا نزلتُ جِئْتُهُ من خبر ذلكَ اليومِ من الأمر وغيرهِ (وفي رواية: من الوحي أو غيره)، وإذا نزل فعلَ مِثلَهُ، وكنا معشرَ قريش نَغْلِبُ النساءَ، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قومٌ تغلبهم نساؤهم، فطَفِقَ نساؤنا يأخذن مِنْ أدب نساء الأنصار، فَصِحْتُ على امرأتي فراجعتني فإنكرْتُ أن تُراجِعَني، فقالت: ولم تُنكرُ أن أراجِعَكَ فواللهِ إِن أزواجَ النبي - ﷺ - ليُراجِعْنَهُ، وإن إحداهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليومَ حتى الليل، (وفي رواية: فقالت لي: عجبًا لك يا ابن الخطاب! ما تريدُ أَنْ تُراجَعَ أَنْتَ وإِن ابنتكَ لتراجع رسول الله - ﷺ - حتى يظلَ يومَهُ غضبانَ) فأفزعني، فقلتُ: خابت من فَعَلَتْ مِنْهُنَّ بعظيم، ثم جمعت عليَّ ثيابي فدخلتُ على حفصةَ، فقلت: أي حَفْصَةُ أتُغَاضِبُ إحداكُنَّ رسول الله - ﷺ - اليوم حتى الليل، فقالت: نَعَم، فقُلْتُ: خابت وخَسِرَتْ، أفتَأمَنُ أَنْ يغضبَ الله لغضب رسوله - ﷺ - فتهلِكينَ، لا تستكثري على رسول الله - ﷺ - ولا تراجعي! في شيء ولا تَهْجُري! واسأليني ما بدا لكِ، ولا يَغُرَّنَكِ أن كانت جارَتُكِ هي أَوْضأَ منكِ وأحبَّ إلى رسول الله - ﷺ - يريد عائشة. (وفي رواية: يا بنية لا يغرنكِ هذه التي أعجبها حُسْنُها حُبُّ رسول الله - ﷺ - إياها. يريد عائشة. قال: ثم خرجت حتى دخلتُ على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتُها، فقالت أم سلمة: عجبًا لك يا ابن الخطاب دَخَلْتَ في كل شيء حتى تبتغِي أَنْ تدخلَ بينَ رسول الله - ﷺ - وأزواجهِ، فأخذتني واللهِ أخذًا كسرتني عن بعض ما كنتُ أجدُ فخرجتُ من عندها).\nوكنا تحدّثنا أن غسَّان تُنْعِلُ النِّعالَ لغزونا، فنزل صاحبي يومَ نَوْبَتِهِ فرجعَ عِشَاءً فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: أنائمٌ هُوَ؟ (وفي رواية: أَثمَّ هوَ) ففزعتُ فخرجْتُ إليه\n_________\n(١) أي ترك جادة الطريق لقضاء حاجة.","vol":"6","page":161},{"text":"فقال حدث أمرٌ عظيم! قلت: ما هو؟ أجاءت غسّان؟ (وفي رواية: ونحنُ نتخوّفُ مَلِكًا من ملوكِ غسّان ذُكِرَ لَنا أنه يريدُ أَنْ يسير إلينا فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدقُّ الباب فقال: افْتَح افْتَحَ! فقلتُ جاء الغسَّاني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله - ﷺ - أزواجه، فقلتُ رغمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وعائشة).\nوبالرواية الأولى: قال لا بل أعظمُ منهُ وأطوَلُ، طَلَّقَ رسول الله - ﷺ - نساءَهُ، قال: قد خابَتْ حَفْصَةُ وخَسِرَتْ، كنتُ أظنُّ أن هذا يُوشِكُ أَنْ يكونَ، فجمعتُ عليَّ ثيابي فصليتُ صلاةَ الفجر مع النبي - ﷺ -، فدخلِ مَشْرُبَةَ لهُ فاعتزل فيها، فدخلتُ على حفصةَ فإذا هي تبكي، قلتُ: وما يُبكيكِ؟ أَوَلمْ أكُنْ حَذرْتُكِ؟ أطَلَّقُكُنَّ رسول الله - ﷺ -؟ قالت: لا أدري، هو ذا في المشربة (١)، فخرجت فجِئْتُ المِنْبَر، فإذا حولَهُ رَهْطٌ يبكي بعضُهم، فجلستُ معهم قليلًا، ثم غلبني ما أجدُ فجئتُ المشرُبَة التي هو فيها، فقلتُ لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل فكلم النبي - ﷺ - ثم خرج فقال: ذكرتك له فصمت، فانصرفتُ حتى جلستُ مع الرَّهط الذين عند المِنْبَر، ثم غلبني ما أجد فجِئتُ فذكر مثله، فجلست مع الرّهطِ الذين عند المِنْبَر، ثم غلبني ما أجد فجئتُ الغلامَ فقلت: استأذن لعمر، فذكر مثلهُ، فلما وليتُ منصرفًا فإذا الغلامُ يدعوني قال: أذن لكَ رسول الله - ﷺ -. (وفي رواية مسلم: قال عمر لما اعتزل نبي الله - ﷺ - نساءه قال: دخلتُ المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون طلّق رسول الله - ﷺ - نساءه، وذلكَ قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلتُ لأعلمن ذلكَ اليوم، قال: فدخلتُ على عائشة فقلتُ يا بنةَ أبي بكر أقد بلغَ من شأنك أن تؤذي رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: ما لي وما لك يا ابن الخطاب عليكَ بعيبَتِكَ. قال: فدخلتُ على حفصةَ فقلت لها: يا حفصة أقد بلغَ من شأنكِ أن تؤذي رسول الله - ﷺ -؟ واللهِ لقد علمت أنّ رسول الله - ﷺ - لا يحبكِ ولولا أنا لطلقكِ رسول الله - ﷺ -، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله - ﷺ -؟ قالَتْ: هو في خزانته في المشرُبة. فدخلتُ فإذا برباحٍ غلامِ رسول الله - ﷺ - قاعدًا على أسكفةِ المشربة مُدْلٍ رجليهِ على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليهِ رسول الله - ﷺ - وينحدر، فناديت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله - ﷺ -، فنظر رباح إلى الغرفةِ ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا، ثم قلتُ: يا رباح! استأذن لي عندكَ على رسول الله - ﷺ -، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح استئذن لي عندكَ على رسول الله - ﷺ - فإني أظن أن رسول الله - ﷺ - ظن أنما جئتُ من أجل حفصة، واللهِ لئن\n_________\n(١) المشربة: الغرفة المرتفعة.","vol":"6","page":162},{"text":"أمرني رسول الله - ﷺ - بضرب عُنقها لأضربَنَّ عُنقها ورفعتُ صوتي فأومأ إليَّ أن ارقه).\nوأما رواية البخاري: (قال: فدخلت عليهِ فإذا هو مضطجِعٌ على رمالِ حَصير ليسَ بينَه وبينَه فراشٌ، قد أَثَّرَ الرِّمالُ بجنبِهِ مُتَّكئٌ على وسادة من أدَمٍ حَشْوُها ليف، فسلمتُ عليهِ ثم قلتُ وأنا قائم: طَلَّقْتَ نساءَكَ (وفي لفظ: يا رسول الله أطلقت نساءكَ)؟ فرفع بصرَهُ إليَّ فقال: لا. فقلتُ: اللهُ أَكبر. ثم قلت: وأنا قائم: أستانس يا رسول الله، لو رأيتَني وكنا معشرَ قريش نغلِبُ النساء، فلما قدمنا على قوم تغلبهُم نساؤُهم. (وفي لفظ: فلما قدمنا المدينة إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم) فذكره فتبسَّمَ النبي - ﷺ -، ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتني ودخلتُ على حفصة فقلت: لا يغزَنَّكِ أن كانت جارتُكِ هي أوضأَ منكِ وأحبَّ إلى النبي - ﷺ - يريدُ عائشة، فتبسَّمَ أخرى (وفي لفظٍ: فتبسَّمَ النبي - ﷺ - تَبَسُمَةً أخرى)، (وفي رواية: فأذِنَ لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله - ﷺ - هذا الحديث، فلما بلغتُ حديث أمّ سلمة تبَسَمَّ رسول الله - ﷺ -). فجلستُ حينَ رأيتهُ تبسم ثم رفعتُ بصري في بيتهِ فواللهِ ما رأيتُ فيهِ شيئًا يردُّ البصر غيرَ أَهَبَةٍ ثلاثةٍ، فقلتُ: يا رسول الله - ﷺ - ادعُ اللهَ فليوسع على أمتك فإن فارس والروم وُسَّعَ عليهم وأُعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله، وكان متكئًا فقال: أو في شكٍّ أنتَ يا ابن الخطاب! أولئكَ قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتُهُم في الحياة الدُّنيا، فقلتُ: يا رسول الله استغفر لي، فاعتزلَ النبي - ﷺ - من أجل ذلكَ الحديث حين أفشتْهُ حفصة إلى عائشة وكان قد قالَ ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدَّةِ مَوْجِدَتِه عليهن حين عاتبه الله.\nوفي رواية مسلم: (قال عمر: فدخلت على رسول الله - ﷺ - وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليهِ إزاره، وليسَ عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبيه، فنظرت ببصري في خزانةِ رسول الله - ﷺ -، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قَرَظا (١)، وإذا أفيق معلق. قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيكَ يا ابن الخطاب؟ قال: يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّرَ في جسمكَ وهذه خزانتكَ لا أرى فيها ما أرى، وذاكَ قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله - ﷺ - وصفوته وهذه خزانتك! فقال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدنيا. قلتُ: بلى. قال: ودخلتُ عليهِ حين دخلتُ عليهِ وأنا أرى في وجههِ الغضب، فقلتُ: يا رسول الله، ما يشق عليكَ من شأن النساء، فإن كنتَ طلقتهن فإن الله معكَ وملائكتهُ\n_________\n(١) القرظ: ورق الشجر.","vol":"6","page":163},{"text":"وجبريلُ وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معكَ، وقلّما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت الآية، آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله إني دخلتُ المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون: طلق رسول الله نساءهُ. أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن. قال: نعم إن شئت، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشَرَ (١) فضحكَ، وكان من أحسن الناس ثغرًا، ثم نزل رسول الله - ﷺ - ونزلتُ، فنزلت أتشبث بالجذع ونزل رسول الله - ﷺ - كأنما يمشي على الأرض ما يمسهُ بيده، فقلتُ يا رسول الله إنما كنت في الغرفةِ تسعةً وعشرين. قال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، فقمتُ على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله - ﷺ - نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ فكنتُ أنا استنبطتُ ذلك الأمر، وأنزل الله ﷿ آية التخيير).\nوفي رواية البخاري: (فلما مضت تِسْعٌ وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: إنك أقسمتَ أن لا تدخلَ علينا شهرًا وإنا أصبحنا لتِسْع وعشرين ليلة أعُدُّها عدًّا! فقال النبي - ﷺ -: الشهر تِسْع وعشرون، وكان ذلكَ الشهرُ تِسعًا وعشرين).\nقالت عائشة: فأنزلت آيةُ التخيرٍ، فبدأ بي أوّل امرأة، فقال: إني ذاكِرٌ لكِ أَمْرًا، ولا عليكَ أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويكِ. قالَتْ: قد أعلمُ أن أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقِكَ، ثم قال: إن اللهَ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولهِ: ﴿عَظِيمُا﴾ قلت أفي هذا أسْتَأْمِرُ أَبَوَايَّ؟ فإني أُريدُ اللهَ ورسولهُ والدارَ الآخرة، ثمَ خيَّرَ نساءه فقلنُ مثلَ ما قالَت عائشة] (٢).\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر: [ثم نزلت عليهِ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ - حتى بلغ - ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾] (٣).\n_________\n(١) كَشَر: ابتسم وبانت أسنانه.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٨٩) كتاب العلم، و(٣٧٨) كتاب الصلاة، و(٢٤٦٨) كتاب المظالم. وانظر صحيح مسلم (١٤٧٩) كتاب الطلاق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٧٨)، كتاب الطلاق، في أثناء حديث طويل. وأخرجه أحمد في =","vol":"6","page":164},{"text":"٣٠ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تضعيفُ الله تعالى جزاء الفاحشةِ إن صدرت من بيت النبوةِ، ومضاعفته كذلك الأجر للقانتات من نساء خير البرية، والوصيةُ الجامعة من الله سبحانهُ لنساء النبي - ﷺ - لتكون وصية لنساء الأمة جميعًا - بالبعد عن الخضوع بالقول أمام الرجال الأجانب، واجتنابِ التبرج، ولزومِ البيت وطاعةِ الله والعلم والذكَر، واللهُ هو اللطيف الخبير.\nفقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.\nقيل: المقصود بالفاحشة المبينة: السيئة القبيحة من عصيانهن رسول الله - ﷺ - ونشوزهن. وقيل: الزنا واللهُ عاصم رسوله من ذلك. قال ابن عباس: (﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وهو النشوز وسوء الخلق).\nقال ابن كثير: (وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]. فلما كانت محلّتهن رفيعة، ناسب أن\n_________\n= المسند (٣/ ٣٢٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٢٠٨).","vol":"6","page":165},{"text":"يُجعلَ الذنبُ لو وقعَ منهنَ مُغَلَّظًا، صيانةً لجنابهن وحِجابِهِنَّ الرفيع).\nوعن ابن عباس: (﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال: يعنى عذاب الآخرة).\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: (﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال في الدنيا وفي الآخَرَة).\nوقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. أي: سهلًا هينًا.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ الآية.\nقال ابن عباس: (قوله: (﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ... الآية، يعني: تطع الله ورسوله. ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ تصوم وتصلي).\nقال ابن جريرِ: (يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسولهُ منكنّ، وتعمل بما أمر الله به ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ يقول: يعطها الله ثواب عملها، مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يقول: وأعتدنا لها في الآخرةِ عيشًا هنيئًا في الجَنَّة). قال ابن كثير: (فإنهن في منازلِ رسول الله - ﷺ - في أعلى عِلِّيين، فوق منازلِ جميعِ الخلائقِ، في الوسيلةِ التي هي أقرب منازل الجَنَّة إلى العرش).\nوقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾.\nقال قتادة: (يعني من نساء هذه الأمة). والمقصود: لفت نظرهن إلى مكانتهن في النساء وكونهن موضع الأسوةِ وفي محل الصدارة.\nوقوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا ترخصن بالقول، ولا تخضعن بالكلام). وقال ابن زيد: (خضع القول ما يكره من قول النساء للرجال مما يدخلُ في قلوب الرجال). وقال السدي: (يعني بذلكَ ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال).\nقلت: والخطاب وإن كانَ موجهًا إلى نساء النبي - ﷺ - اللواتي هُن في أعلى مقاماتِ الحشمةِ والعفاف والأدب، فإنهُ يَنْسَحِبُ إلى عمومِ نساءِ الأمةِ من باب أولى، ليسمعن تلكَ الوصايا ويصغين لها، ويمتثلن ما فيها من أحكام رفيعة.\nوقوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. قال قتادة: (نفاق). وقال عكرمة: (شهوة زنا). وقيل: (﴿مَرَضٌ﴾: دَغَل). والمقصود: لا تخاطب المرأةُ الرجالَ بكلام فيه ترخيم كما تخاطبُ زوجها، الأمر الذي يثير أهل القلوب الضعيفة والمريضة.","vol":"6","page":166},{"text":"وقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال ابن زيد: (قولًا جميلًا حسنًا معروفًا في الخير).\nوقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ - أصل بليغ في حفظ المرأة وصيانة فطرتها.\nأي: اسْكُنّ والْزَمْنَ بيوتكن ولا تخرجن منها إلا لحاجة. وفي لغة العرب: (وقر يقر وقارًا) إذا سكن. فإنكن إن خرجتن دون حاجة وتعاطيتن الخروج دون سبب شرعي لا تَأمَنَّ من فتنةِ الشيطان.\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر: [أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى امرأةً، فأتى امرأَتَهُ زينب، وهي تَمْعَسُ مَنِيئة (١) لها، فقضى حاجَتَهُ، ثم خرجَ إلى أصحابهِ فقال: إن المرأةَ تُقْبِلُ في صورةِ شيطان، وتدبرُ في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدُكُمْ امرأةً فليأتِ أهله، فإنَّ ذلكَ يردُّ ما في نفسهِ] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: [المرأةُ عورةٌ، فإذا خرجت استشرَفها الشيطان] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البزار بسند صحيح عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكونُ بروحَةِ ربِّها وهي في قَعْرِ بيتها] (٤). وفي لفظِ عند ابن خزيمة: [وأقرب ما تكونُ من وجهِ ربها وهي في قعر بيتها].\nوله شاهد عند الطبراني بسند حسن عنه موقوفًا في حكم المرفوع: [النساء عورة، وإن المرأة لتخرجُ من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطانُ، فيقولُ: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتِهِ، وإن المرأةَ لتلبَسُ ثيابها، فيقالُ: أين تريدين؟ فتقول: أعود\n_________\n(١) الجلد، وتمعس من معست الجلد، أي: دلكته. والمراد: الدباغ والإصلاح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٠٣)، كتاب النكاح، باب ندب من رأى امرأة، فوقعت في نفسه، إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١١٧٣)، أبواب الرضاع. انظر صحيح سنن الترمذي (٩٣٦).\n(٤) إسناده على شرط البخاري ومسلم، وله شواهد كثيرة، منها الحديث الأول والثاني. وانظر صحيح الترغيب (١/ ٣٤٤) - للفظ ابن خزيمة، ورواه ابن حبان.","vol":"6","page":167},{"text":"مريضًا، أو أشهدُ جنازة، أو أصلي في مسجد! وما عبدت أمرأةٌ ربَّها مثل أن تعبدَهُ في بيتها] (١).\nقال المنذري: (قوله: \"فيستشرفها الشيطان\" أي ينتصب ويرفعُ بصره إليها ويَهُمُّ بها؟ لأنَّها قد تعاطت سببًا من أسباب تسلطه عليها، وهو خروجها من بيتها).\nالحديث الرابع: روى مسلم عن زينب امرأة عبد الله قالت: [قال لنا رسول الله - ﷺ -: إذا شَهِدَتْ إحداكُنَّ المسجد فلا تمسّ طيبًا] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.\nالتبرج: إظهار الزينةِ، وإبرازُ المرأةِ محاسنها للرجال، وقيل: هو التبخترُ والتكسر.\nقال قتادة: (﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. أي: إذا خرجتن من بيوتكن، قال: كانت لهن مشية وتكسُّر وتغنج، يعني بذلكَ الجاهليةَ الأولى فنهاهن الله عن ذلك).\nوقال مجاهد: (كانت المرأةُ تخرجُ تمشي بين يدي الرجال، فذلكَ تبرج الجاهلية).\nوقال مقاتل: (التبرج: أنَّها تلقِي الخمار على رأسها، ولا تشدّهُ فيواري قلائِدَها وقِراطَها وعُنُقَها، ويبدو ذلكَ كلُّه، وذلكَ التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج).\nوقال ابن جرير: حدثني ابنُ زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود - يعني ابنَ أبي الفُرات - حدثنا علباءُ بن أحمرَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس قال: (تلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: كانت فيما بين نوح وإدريسَ، وكانت ألفَ سنةٍ، وإنَّ بطنَين من ولدِ آدمَ كان أحدُهما يسكنُ السهلَ، والآخرَ يسكنُ الجبل، وكان رجال الجبلِ صِباحًا وفي النساء دَمامَةٌ. وكانَ نساءُ السهل صِباحًا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلًا من أهلِ السهل في صورة غُلام، فآجَرَ نفسهُ منه، فكان يخدُمه واتخذ إبليسُ شيئًا مثل الذي يُزَمّر فيه الرّعاء، فجاء فيهِ بصوتٍ لم يَسمع\n_________\n(١) إسناده حسن. رواه الطبراني في \"الكبير\" من حديث ابن مسعود. انظر صحيح الترغيب (١/ ٣٤٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٤٣)، كتاب الصلاة. باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة.","vol":"6","page":168},{"text":"الناس مثله، فبلغَ ذلكَ من حوله، فانتابُوهم يسمعون إليهِ، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليهِ في السنة، فَتَبَرَّجَ النساء للرجال، قال: ويتزيَّنُ الرجالُ لهنَّ، وإنَّ رجلًا من أهلِ الجبل هَجَمَ عليهم في عيدهم ذلكَ، فرأى النِّساءَ وصَبَاحَتَهُنَّ، فأتى أصحابَهُ فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن. فنِزلوا مَعَهُنَّ وظهرت الفاحِشَةُ فيهن، فهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾).\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: يروي البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: [لعن رسول الله - ﷺ - المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء]. وفي رواية: [لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال] (١).\nالحديث الثاني: أخرجَ أبو داود في السنن عن أبي هريرةَ ﵁ قال: [لعنَ رسول الله - ﷺ - الرَجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المرأة، والمرأةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَجل] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة أنَّها قالت: [يرحمُ الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أكنف مروطهن، فاختمرن بها] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي وأبو داود بسند حسن عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا اسْتَعْطَرَتْ المرأةُ فمَرَّتْ على القومِ لِيجدوا ريحها، فهي كذا وكذا، قال: قولًا شديدًا] (٤). وفي لفظٍ عند ابن حبان والحاكم: [فهي زانية].\nوقوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.\nقال ابن كثير: (نهاهنَّ أولًا عن الشر ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة، وهي\n_________\n(١) حديت صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٢٨٠)، وأخرجهُ أبو داود (٤٩٣٠)، والترمذي (٢٧٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السن (٤٠٩٨). وأخرجه ابن ماجة (١٩٠٣). وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٥٤)، باب لبس النساء.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السن - حديث رقم - (٤١٠٢) - باب لبس النساء. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٥٧) - عند هذه الآية.\n(٤) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٩٤٩)، وأبو داود (٤١٧٣)، باب في المرأة تتطيب للخروج، وانظر صحيح أبي داود (٣٥١٦)، وصحيح الجامع (٣٢٠).","vol":"6","page":169},{"text":"عبادة الله وحده لا شريكَ له، وإيتاء الزكاة، وهي الإحسانُ إلى المخلوقين، ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وهذا من بابِ عطف العام على الخاص).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.\nقال قتادة: (فهم أهل بيتٍ طهرهم الله من السوء، وخصَّهم برحمة منه).\nوالآيةُ نص صريح في دخول أزواج النبي - ﷺ - في أهل البيت.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن الأوزاعي عن شداد - أبو عمار - قال: [دخلتُ على واثلة بن الأسقع وعنده قومٌ، فذكروا عليًّا ﵁، فلما قاموا قال لي: ألا أُخْبِرُكَ بما رأيتُ من رسول الله - ﷺ -؟ قلتُ: بلى. قال: أتيتُ فاطمة أسألُها عن علي فقالت: توجّه إلى رسول الله - ﷺ -. فجلستُ أنتظرهُ حتى جاء رسول الله - ﷺ - ومعه علي وحَسَنٌ وحُسَيْنٌ، كُلُّ واحِدٍ منهما بيده حتى دَخَلَ، فأدنى عليًا وفاطمةَ وأجلسَهُما بين يديهِ، وأجلسَ حَسَنًا وحُسينًا كُلُّ واحِدٍ منهما على فخذه، ثم لفَّ عليهم ثوبَهُ - أو قال: كساءَهُ - ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وقال: اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، وأهلُ بيتي أحقُّ] (١).\nورواهُ ابن جرير عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه، زاد في آخره: [قال واثلةُ، فقلتُ: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: وأنتَ من أهلي. قال واثلة: إنها من أَرْجَى ما أَرتجي] (٢).\nوروى الترمذي بسند صحيح عن عمر بن أبي سلمة، ربيب النبي - ﷺ - قال: [لما نزلت هذه الآية على النبي - ﷺ -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ في بيت أم سلمة، فدعا فاطمةَ وحسنًا وحسينًا، فجللهم بكساء، وعليّ خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: \"اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ١٠٧)، وأبو يعلى (٧٤٨٦)، والطبراني (٢٦٧٠)، والبيهقي (٢/ ١٥٢)، وصححه الحاكم (٣/ ١٤٧)، ووافقه الذهبي، وإسنادهُ على شرط الصحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٧)، والطبري (٢٨٤٩٤)، وابن حبان (٦٩٧٦)، والحاكم (٣/ ١٤٧)، وإسناده على شرط الصحيح.","vol":"6","page":170},{"text":"تطهيرًا\". قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله، قال: أنَّتِ على مكانكِ، وأنتِ على خير] (١).\nوقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. أي: واذكرن فضل الله عليكن فيما جعلكن في بيوت تُتلى فيها آيات الله والحكمة - يعني: الكتاب والسنة -، فاعملن بمقتضى ذلكَ وأقمن شكره.\nوعن قتادة: (﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: أي السنة، قال: يَمْتَنّ عليهم بذلك). وأحظاهن بهذه النعمةِ عائشة ﵂، فإنه لم ينزل الوحي على رسول الله - ﷺ - في فراش امرأةٍ سواها. قال بعض العلماء: (لأنه لم يتزوج بكرًا سواها، ولم ينم معها رجلٌ في فراشها سِواه، فناسبَ أن تخصَّصَ بهذه المَزِيَّةِ، وأن تُفرَدَ بهذه الرتبة العلية) - ذكره ابن كثير.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله كان ذا لطف بكنّ، إذ جعلكنّ في البيوت التي تُتلى فيها آياته والحكمة، خبيرًا بِكُنَّ إذ اختاركن لرسوله أزواجًا).\n٣٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.\nفي هذه الآية: ثناء الله تعالى على الرجال والنساء من المسلمين والمؤمنين والقانتين والصادقين والصابرين والخاشعين والمتصدقين والصائمين والحافظين فروجهم والذاكرين الله كثيرًا، وقد أعدَّ لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا.\nأخرج الترمذي في السنن بسند صحيح - من حديث عكرمة - عن أم عمارة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في التفسير عند هذه الآية. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٦٢)، ورواه مسلم عن عائشة مختصرًا.","vol":"6","page":171},{"text":"الأنصارية: [أنَّها أتت النبي - ﷺ - فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية] (١).\nوله شاهد في مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الرحمن بن شَيبَةَ، قال: [سمعتُ أمَّ سلمة زوج النبي - ﷺ - تقول: قلتُ للنبي - ﷺ -: ما لنا لا نُذكَرُ في القرآن كما يُذكر الرجال؟ قالت: فلم يَرُعْني منه ذاتَ يومٍ إلا ونِداؤُه على المنبر، قالت: وأنا أسرّح شعري، فلفَفْتُ شعري، ثم خرجت إلى حجرتي حُجرَةِ بيتي، فجعلتُ سَمعي عند الجريد، فإذا هو يقول على المنبر: يا أيها الناس! إن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخر الآية] (٢).\nوشاهد آخر عند ابن جرير في \"التفسير\" عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أم سلمة ﵂، قالت: [قلت: يا رسول الله، أيذكر الرجال في كل شيء ولا نُذكرُ؟ ! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ .....﴾ ... الآية] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تأكيد أن الإيمان أَخَصُّ من الإسلام، فَإِنْ ذُكِرَ الإسلام وحده فهو يشمل الإيمان، وإن فُرِّقَ بينهما فالإيمان أخصُّ من الإسلام.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\nومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه الترمذي في التفسير، سورة الأحزاب، الآية (٣٥). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٦٣)، ورواه الحاكم بنحوه من حديث أم سلمة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٥)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٢٥)، والطبراني (٢٣/ ٦٥٠)، وإسناده صحيح، رجالهُ رجال البخاري ومسلم غير عبد الرحمن، وهو ثقة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن جرير (٢٨٥٠٩)، وإسناده حسن، وله شواهد.","vol":"6","page":172},{"text":"[إذا زنى العبدُ خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلةِ، فإذا أقلع رجع إليه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن] (٢).\nوقوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾. أي المطيعين والمطيعات. قال ابن كثير: (القنوتُ: هو الطاعة في سكون، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]، ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فالإسلام بعده مرتبة يرتقى إليها وهي الإيمان، ثم القنوت ناشئ عنهما).\nوقوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾. قال النسفي: في النيات والأقوال والأعمال).\nفإن الصدق خصلة محمودة رفيعة، وإن الكذب خصلة ذميمة مشينة. وفي الصحيحين عن عبد الله ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الصدق يهدي إلى البِر، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجَنَّة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإِن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا] (٣).\nوفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: [رأيتُ رَجُلَيْن أتياني، قالا: الذي رأيتَهُ يشُقُّ شِدْقُهُ فكذَّابٌ يَكْذِبُ بالكَذْبَةِ تُحْمَلُ عنه حتى تبلُغَ الآفاق فَيُصْنَعُ به إلى يوم القيامة] (٤).\nوقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾. قال القرطبي: (والصابر عن الشهوات وعلى الطاعات في المَكْرهِ والمَنْشَط). وقال ابن كثير: (هذه سَجِيَّةُ الأثباتِ، وهي الصبرُ على المصائِبِ، والعلمُ بأن المقدور كائن لا محالةَ، وتَلَقّي ذلكَ بالصَّبْر والثبات، وإنما\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (٦٠٠)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٠٩١ - ١٠٩٣) لتفصيل هذا البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٤٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري (٦٠٩٤)، كتاب الأدب، وأخرجه مسلم (٢٦٠٧)، وكذلك ابن حبان في \"صحيحه\" (٢٧٣) من حديث ابن مسعود.\n(٤) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري في الصحيح (٦٠٩٦)، كتاب الأدب، وانظر كذلك (٨٤٥) منه.","vol":"6","page":173},{"text":"الصبرُ عند الصدمةِ الأولى، أي: أصعَبُهُ في أَوَّلِ وَهْلَةٍ، ثم ما بعدهُ أسهَلُ منه، وهو صِدْقُ السَجِيَّةِ وثباتها).\nوقال ابن القيم: (فالصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش).\nوقال الإمام أحمد: (الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].\nوفي صحيح مسلم عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الطهور شطر الإيمان والحمدُ لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد للهِ تملآن ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبِقُها] (١).\nوقوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾.\nالخشوع لغة: الانخفاض والذل والسكون. يقال خشع ببصره أي غَضّه وذلكَ كما قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] أي سكنت وذلت وخضعت.\nقال الجنيد: (الخشوع تذلل القلوب لعلَّام الغيوب). وقيل: (الخشوع: الانقياد للحق). وقيل: (الخشوع خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب).\nفالخشوع سجية يحبها الله في قلوب عباده وجوارحهم، وقد عاتب سبحانهُ المؤمنون بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦].\nوفي صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٣)، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢١٧٠)، وكتابي أصل الدين والإيمان (١/ ٢٣٤ - ٢٣٧) لتفصيل هذا البحث وعلاقته بالإيمان بأسماء الله وصفاته الحسنى.","vol":"6","page":174},{"text":"وفي معجم الطبراني بإسناد صحيح عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: [أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا] (١).\nوقوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾.\nالصدقة: هي الإحسان إلى الفقراء والضعفاء والمساكين، ومَنْ لا يكفيهم كسبهم أو لا كاسب لهم.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: [ما مِنْ يُصْبحُ العبادُ فيهِ إلا ملكَانِ ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهُم أعط مُمْسِكًا تَلَفًا] (٢).\nوقوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾.\nالصوم عبادة عظيمة، فيها تزكية البدن وتطهير النفس. قال سعيد بن جبير: (من صامَ رمضان وثلاثة أيامٍ من كل شهر دخلَ في قوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾).\nوفي صحيح البخاري عن سهل ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ في الجنةِ بابًا يُقالُ لهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصائمون، يوم القيامةِ، لا يدخلُ مِنه أحدٌ غيرُهم، يقال أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخلُ منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغْلِقَ، فلم يدخل منه أحدٌ] (٣).\nوقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾. أي: عن المحارم والمآثم لا عن المباح.\nولما كان الصوم من أفضل ما يعين على كسر الشهوة وحفظ الفرج لمن لم يستطع التحصن بالنكاح فناسبَ ذكره قبل هذه مباشرة.\nففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع النبي - ﷺ - فقال: [من استطاعَ\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\". وانظر صحيح الجامع الصغير (٢٥٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ٢٤١)، ومسلم (١٠١٠)، وأحمد (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٨٩٦)، كتاب الصوم، باب الرَّيان للصائمين.","vol":"6","page":175},{"text":"الباءةَ فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومَنْ لم يستطع فعليهِ بالصوم، فإنه لهُ وِجاءٌ] (١).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١].\nوفي سنن أبي داود وابن ماجة بإسناد حسن عن حكيم عن أبيه، قال: [قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عَوْرَتَكَ إلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ ما مَلَكَتْ يمينك. قال: قلتُ: يا رسول الله! إذا كانَ القومُ بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعتَ أَنْ لا يرَينَّها أحدٌ فلا يرَيَنَّها. قال: قلت: يا رسول الله! إذا كان أحدنا خاليًا، قال: اللهُ أحقُّ أَنْ يُستَحْيا منهُ من الناس] (٢).\nوفي صحيح مسلم وسنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - قال: [لا ينْظُرُ الرجلُ إلى عُرْيَةِ الرَّجُل، ولا المرأةُ إلى عُرية المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوبٍ واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوبٍ] (٣).\nوقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾.\nقال ابن جرير: (والذاكرين الله بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم والذاكرات).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢].\nوفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد، وأبي هريرة قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا أيقَظَ الرجل أهلَهُ من الليل فصلَّيا أو صَلَّى ركعتين جميعًا كُتِبا في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩٠٥)، كتاب الصوم. باب الصوم لمن خاف على نفسه العُزْبَة.\nوانظر كذلك (٥٠٦٥) - (٥٠٦٦)، ورواه مسلم في الصحيح (١٤٠٠)، كتاب النكاح.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٤٠١٧)، كتاب الحمَّام. باب ما جاء في التعري. ورواه ابن ماجة (١٩٢٠). وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٣٩١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٣٨)، وأخرجه أبو داود (٤٠١٨)، كتاب الحمَّام.","vol":"6","page":176},{"text":"الذاكرين والذاكِرات] (١). وفي لفظ: [كُتِبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [كان رسول الله - ﷺ - يسير في طريق مكة، فَمَرَّ على جَبَلٍ يُقال له جُمْدان، فقال: سيروا، هذا جُمْدَانُ، سَبَقَ المُفَرِّدُون. قالوا: وما المُفَرِّدون؟ يا رسول الله! قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات] (٢).\nوقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nأي: أعد الله لهم مغفرةً لذنوبهم، وثوابًا عظيمًا في الآخرة جزاء اندراجهم تحت تلك النعوت الجليلة والأوصاف الرفيعة التي ضمتها هذه الآية الكريمة.\n٣٦ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تقديمُ المؤمنين قول الله ورسوله وأمرهما على كل قول وأمر ورأي، وقصة تزويج الله رسوله من زينب بنت جحش التي كانت تحت متبناه زيد بن حارثة ونسف أعراف الجاهلية.\nفقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.\nقال الحسن: (ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا أمر الله ﷿ ورسوله - ﷺ - بأمر أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٣٠٩)، أبواب قيام الليل، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١٣١٠)، وأخرجه ابن ماجة (١٣٣٥)، وابن حبان (٢٥٦٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٧٦)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.","vol":"6","page":177},{"text":"يعصياه). قال القرطبي: (لفظ \"ما كان، وما ينبغي\" ونحوهما، معناها الحظر والمنع. فتجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون).\nوالمقصود: وجوب التحاكم إلى الله ورسوله - والقبول بحكم الوحي - من المؤمنين.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١، ٣٢].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلكَ أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمامُ أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي رافع عن النبي - ﷺ - قال: [لا ألفِيَن أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمرُ من أمري، مما أمرتُ به، أو نهيتُ عنه، فيقولُ: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والحاكم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [تركتُ فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهُما، كتابَ الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن عمر ﵁: [أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلكَ اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال عمر: قد عرفنا ذلكَ اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي - ﷺ - وهو قائم بعرفة يومَ جمعة، وأنا واللهِ بعرفة] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٨٤٩)، وصحيح الترمذي (٢١٤٥)، ورواه أحمد.\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٣/ ١٤)، وسلسلة الأحاديت الصحيحة (١٧٦١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٥)، كتاب الإيمان. باب زيادة الإيمان ونقصانه.","vol":"6","page":178},{"text":"قال أبو حنيفة: (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، فإننا بشر، نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا). وقال أيضًا: (نحن قوم نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا، ونقول غدًا ونرجع عنه بعد غد، كلنا خطاء إلا صاحب هذا القبر، يعني فيهِ قبر رسول الله - ﷺ -). وكان يقول: (إذا صحّ الحديث فهو مذهبي) (١).\nوبنحوه قال الإمامُ مالك إمام أهل المدينة: (ليس أحد بعد النبي - ﷺ - إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - ﷺ -) (٢). وكان يقول: (لا يصلح آخر هذه الأمةِ إلا بما صلح به أولها).\nومضى على منهاجه الإمام الشافعي وكان يقول: (ما من أحد إلا وتذهب عليهِ سنة لرسول الله - ﷺ - وتعزب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصَّلْتُ من أصلٍ، فيهِ عن رسول الله - ﷺ - خلافُ ما قلت، فالقول ما قال رسول الله - ﷺ - وهو قولي) (٣).\nوسار على منهاجه تلميذهُ المحدث الإمام أحمد، وكان يقول: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا أبا حنيفة ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري رحمهم الله تعالى، وخذ من حيث أخذوا، من قلة فقه الرجل أن يقلد دينَهُ الرجال) (٤).\nأراد بذلكَ الإمام أحمد أن يمشي طالب العلم على بصيرةٍ، ويفتح قلبهُ وعقله لعلماء الأمةِ وقادتها، دون تعصب وانغلاق، فما جاء بالدليل الصحيح عن الله ورسوله مضى متبعًا له منقادًا لأمره.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. تهديد ووعيد، لكل من علم الحق الذي دل عليهِ الكتاب والسنة ثم جانبه وتَنَكَّب له.\nقال ابن جرير: (ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلكَ غير سبيل الهدى والرشاد).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(١) انظر: \"حاشية ابن عابدين\" (١ - ٦٣). وكتابي: السيرة النبوية (١/ ١٨ - ١٩).\n(٢) انظر ابن عبد الهادي في \"إرشاد السالك\" (١/ ٢٢٧)، والمرجع السابق (١/ ١٨).\n(٣) رواه الحاكم بسنده المتصل إلى الإمام الشافعي. وانظر ابن عساكر (١٥/ ١/ ٢).\n(٤) انظر كتاب: \"أعلام الموقعين\" - ابن قيم الجوزية - (٢/ ٣٠٢)، وتمام البحث في مقدمة كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ١٥ - ١٩).","vol":"6","page":179},{"text":"نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].\nوفي الصحيحين عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطِرُ، وأتزوج النساء، فمَنْ رَغِبَ عن سنتي فليس مني] (١).\nوعند البيهقي بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثرُ فيها الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد: يعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة.\nوقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ الآية.\nكانت زينب بنت جحش تحت زيد بن حارثة، وكان زيد قد تبناهُ رسول الله - ﷺ - فأنعم اللهُ عليهِ بالإسلام، وأنعم عليهِ النبي - ﷺ - بالعتق من الرق، وهو قول تعالى: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾. وكان زيد سيدًا كبير الشأن جليل القدرِ حبيبًا إلى النبي - ﷺ -، يقال له الحب، ولابنه أُسامة الحب ابن الحب. وقد زوجهُ ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية، أمها أميمة بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وخمسين مدًّا من طعام وعشرة أمداد من تمر كما ذكر مقاتل، فمكثت عنده سنة أو نحوها ثم وقع بينهما خلاف فجاء يشكوها إلى النبي - ﷺ -، فيقول له: أمسك عليكَ زوجكَ.\nوعن علي بن حسين قال: (كان الله ﵎ أعلم نبيّه - ﷺ - أن زينب ستكونُ من أزواجهِ، فلما أتاه زيد يشكوها قال: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال الله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾).\nفقد كان النبي - ﷺ - يخشى وقوع هذا الزواج من زوجة متبناه، إذ كانَ ذلك معيبًا في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١٤٠١)، كتاب النكاح، وهو جزء من حديث طويل. ورواه البخاري.","vol":"6","page":180},{"text":"الجاهلية، فأراد الله أن يمضي أمره، وأن ينسف ما تبقى من آثار تلكَ الأعراف الفاسدة البالية، التي كان عليها العرب قبل الإسلام.\nأخرج البخاري عن أنس: [أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة] (١).\nوقد قضى الله في هذا الزواج أن يتم، فطلّق زيد زينب ﵂، وعقد الله النكاح الجديد من فوق سبع سماواتٍ، حتى كانت زينب تفخر بذلكَ على أزواج النبي - ﷺ -.\nفقد أخرج ابن سعد ورجاله رجال الصحيح عن أنس قال: [نزلت في زينب بنت جحش ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قال: فكانت تفخرُ على نساء النبي - ﷺ - تقول: زوجكن أهلكن (وفي رواية: زوجكن أهاليكن) وزوجني الله من فوق سبع سماوات). وفي رواية: (إن الله أنكحني في السماء).\nوأصل معناه في صحيح الإمام البخاري، إذ كانت تمازح النبي - ﷺ - أحيانًا فتقول: [زوجنيك الرحمن من فوق عرشه] (٢).\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أنس قال: [لما انقضت عدة زينبَ بنت جحش قال رسول الله - ﷺ - لزيد بن حارثة: ما أجِدُ أحدًا آمنَ عندي وأوثق في نفسي منك، ائتِ زينب فاخطبها علي. قال: فانطلق زيد فأتاها وهي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في صدري فلم أستطع أن أنظر إليها حين عرفت أن الرسول - ﷺ - قد ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت: يا زينب أبشري، إن رسول الله - ﷺ - يذكرك. قالت: ما أنا بصانِعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾] (٣).\nفلما بنى رسول الله - ﷺ - بزينب بنت جحش ﵂، أَوْلَمَ فأشبعَ الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج صبيحة بنائه فمر على أمهات المؤمنين فسلم عليهن وسلّمن عليه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٨٧)، (٧٤٢٠)، والترمذي (٣٢١٢)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٢٧)، وابن حبان (٧٠٤٥)، وأحمد (٣/ ١٤٩ - ١٥٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري من حديث أنس، في الصحيح (٧٤٢٠)، وانظر لرواية ابن سعد: \"الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة الأحزاب، آية (٣٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجهُ مسلم في الصحيح (١٤٢٨)، وأحمد في المسند (٣/ ١٩٠ - ١٩٦).","vol":"6","page":181},{"text":"ودعون له، فلما رجع إلى بيتهِ إذا رجلان جرى بهما الحديث فذهب ليتأخر، حتى تداركا أمرهما وأسرعا بالخروج فأرخى الستر وأنزل الله آية الحجاب.\nففي صحيح الإمام البخاري عن أنس قال: [أَوْلَمَ رسول الله - ﷺ - حين بنى بزينب ابنة جحش فأشبع الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلم عليهن ويدعو لهن، ويسلمن عليه، ويدعون له، فلما رجع إلى بيتهِ رأى رجلين جرى بهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيتهِ، فلما رأى الرجلان رسول الله - ﷺ - رجع عن بيتهِ وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أُخْبِر، فرجع حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب] (١).\nوقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾.\nقال قتادة: (يقول: إذا طلقوهُن، وكان رسول الله - ﷺ - تبنّى زيد بن حارثة).\nقال ابن جرير: (﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ يعني: في نكاحِ نساء من تَبَنَوا وليسوا بِبَنيهم ولا أولادهم على صحة إذا هم طلقوهنّ وبنّ منهم ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ يقول: إذا قضوا منهنّ حاجاتهم وآرابهم وفارقوهنّ وحَلَلْنَ لغيرهم، ولم يكن ذلكَ نزولًا منهم لهم عنهنّ).\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. أي: وكان قضاء الله مقضيًا لا محالة.\nوالمقصود: قضاء الله تعالى في أن تصير زينب زوجة للنبي - ﷺ -، وإبطال مفهوم الجاهلية المتعلق بذلك.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾. قال قتادة: (أي أحل الله له).\nوالمقصود: ما كان على النبي من حرج - من إثم - فيما أحل الله له من نكاحِ امرأة متبناه بعد تطليقه لها ومفارقته إياها.\nوقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾. قال ابن كثير: (أي: هذا حكمُ الله في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمُرَهم بشيء وعليهم في ذلكَ حَرَجٌ، وهذا رَدٌّ على من تَوَهَّمَ من المنافقين نقصًا في تَزْويجه امرأة زيد مولاه ودَعِيِّه الذي كان قد تبنَّاه).\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا﴾. قال النسفي: (قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٩١)، وأخرجه مسلم (١٤٢٨)، وسيأتي تفصيل ذلكَ إن شاء الله عند بلوغ آية الحجاب في هذه السورة.","vol":"6","page":182},{"text":"٣٩ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾.\nفي هذه الآياتِ: نَعْتُ الله أتباع الرسل في جهادهم لتبليغ منهاج النبوة ولو كره الكافرون. ونَسْفُه تعالى المفهوم الجاهلي في التَّبني فرسول الله - ﷺ - ليس أبًا لأحد من الصحابة بل هو رسول رب العالمين وخاتم النبيين.\nفقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: سنة الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل، الذين يبلغون رسالات الله إلى من ارسلوا إليه، ويخافون الله في تركهم تبليغ ذلكَ إياهم، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فإنهم إياه يرهبون إن هم قصروا عن تبليغهم رسالة الله إلى من ارسلوا إليه. يقول لنبيه محمد: فمن أولئكَ الرسل الذين هذه صفتهم، فكن ولا تخش أحدًا إلا الله، فإن الله يمنعك من جميع خلقه).\nومن ثمّ فالاية فيها نعتٌ لأتباع الرسل الذين يحملون ميراث النبوة، أن يمضوا على منهاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخافون في الله لومة لائم. وإلا فإن انتشار المنكر في البلاد ينزل سخط رب العباد، وينعكس بفساده على كل شيء.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].\nومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله","vol":"6","page":183},{"text":"- ﷺ - يقول: [مُرُوا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة وأحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله - ﷺ - قام خطيبًا. فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا، هَيْبَةُ الناس، أن يقولَ بحقٍّ، إذا علمه. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (٢). ولفظ أحمد: [لا يحقرنَّ أحدكم نفسهُ أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله: ما يمنعكَ أن تقول فيه؟ فيقول: رَبِّ، خَشيتُ الناس. فيقول: فأنا أحقُ مَنْ أن يُخشى].\nالحديث الثالث: أخرج الإمامُ أحمد في المسند، والإمام أبو داود في السنن، بسند صحيح عن أبي بكر الصديق أنه قال: [أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا بيده، أوشَكَ أن يَعُمَّهُم الله بعقابٍ منه] (٣).\nوفي رواية عند ابن ماجة: [إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه].\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعزُّ منهم وأمنعُ، لا يغيرون، إلا عَمَّهُم الله بعقاب] (٤).\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. أي: كفى باللهِ ناصرًا وحافظًا ومعينًا.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.\nأي: ما كان محمد أيها الناس أبا زيد بن حارثة، ولا أبا أحدٍ من رجالكم، فيحرم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤٠٠٤)، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٣٠)، وابن ماجة (٤٠٠٧)، والحاكم (٤/ ٥٠٦)، وأحمد (٣/ ١٩)، (٣/ ٥٠)، (٣/ ٦١)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١٦)، (٢٩)، وأبو داود (٢/ ٢١٧)، والترمذي (٢/ ٢٥)، (٢/ ١٧٧)، وابن ماجة (٢/ ٤٨٤) من حديث أبي بكر الصديق ﵁.\n(٤) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن - حديث رقم - (٤٠٠٩)، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وانظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (٣٢٣٨).","vol":"6","page":184},{"text":"عليه نكاحُ زوجته بعد فراقه إياها، وإنما هو رسول الله - ﷺ - ونبيّه الذي لا نبي بعده.\nقال ابن كثير: (وإذا كان لا نبيّ بعده فلا رسول بعده بطريق الأَوْلى والأحرى، لأنَّ مقام الرسالة أخصُّ من مقام النبوة، فإن كل رسول نبيّ، ولا ينعكس).\nومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [إنَّ مثَلي ومثلَ الأنبياء من قبلي كمَثَل رَجُل بنى بَيْتًا فَأَحْسَنهُ وأَجْمَلَهُ إلا مَوضِعَ لَبِنَةٍ من زاوية، فجعل الناس يطوفون بهِ ويَعْجَبُونَ لهُ ويقولون: هلّا وُضِعَتْ هذه اللَّبنَة؟ قال: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتمُ النبيين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ الرسالة والنبوّةَ قد انقطعت، فلا رسولَ بعدي ولا نبي. قال: فشقّ ذلك على الناس. قال: قال: ولكن المُبَشِّرات. قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: رؤيا الرجل المسلم، وهي جزءٌ من أجزاء النبوة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: [فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أُعطيتُ جوامعَ الكلم، وَنُصِرتُ بالرعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلت لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النبيّون] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: [إن لي أسماءً: أنا محمد، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ الناسُ على قدمي، وأنا العاقبُ الذي ليس بعدَهُ نبيّ] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٥٣٥)، كتاب المناقب، وأخرجه مسلم (٢٢٨٧)، وأخرجه كذلك الطيالسي - حديث رقم - (١٧٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢٦٧)، والترمذي (٢٢٧٢)، وإسناده على شرط مسلم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٢٣)، والترمذي بإثر (١٥٥٣)، وأحمد (٢/ ٤١١ - ٤١٢).\nوأخرجه ابن ماجة في السنن (٥٦٧) مختصرًا.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٥٣٢)، (٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤)، وأحمد (٤/ ٨٠).","vol":"6","page":185},{"text":"وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.\nأي: وكان الله بكل أعمالكم وأقوالكم وغير ذلكَ من أحوالكم وأحوال جميعِ الخلق ذا علم لا يخفى عليه خافية.\n٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: أمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين الإكثار من ذكره وتسبيحه ليكونوا في مقامِ الأولياء الذاكرين. وإعلامهُ تعالى عباده الذاكرين أنه يبادلهم الذكر فيذكرهم في الملأ الأعلى وتشاركهُ الملائكة بالدعاء والاستغفار لهم وهو الرحيم بالمؤمنين. إن تحيتهم يوم يلقونه سلام وقد أعدّ لهم الأجر الكريم.\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.\nأمر من الله عباده بإكثارِ ذكره على نعمه التي لا تحصى فينعكس ذلكَ على قلوبهم وجوارحهم ونفوسهم بالأمن والطمانينة.\nقال ابن عباس: (لم يُعذَر أحد في ترك ذكر الله إلَّا من غُلب على عقله).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعِها في دَرَجاتكم، وخيرٌ لكم من إعطاء الذهب والوَرِق، وخيرٌ لكم من أن تلقوا","vol":"6","page":186},{"text":"عدُوَّكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: ذِكْرُ الله - ﷿ -] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي بسند حسن عن عبد الله بن بُسر قال: [جاء أعرابيان إلى رسول الله - ﷺ -، فقال أحدهما: يا رسول الله، أيُّ الناس خيرٌ؟ قال: من طالَ عُمُره وحَسُن عمله. وقال الآخر: يا رسول الله، إن شرائِعَ الإسلام قد كثرت علينا، فمُرني بأمرٍ أتشبَّثُ به. قال: لا يزالُ لسانُكَ رطبًا بذكر الله] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني في \"الأوسط\" بإسناد حسن في الشواهد عن أنس مرفوعًا: [ما جلس قومٌ يذكرون الله ﷿ إلا ناداهم مُنادِ مِن السَّماء: قوموا مغفورًا لكم، قد بُدَّلت سيئاتكم حسنات] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند رجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما مِنْ قومٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا لم يذكروا الله فيه إلا رأوه حسرةً يوم القيامة] (٤).\nوله شاهد عند الطبراني والبيهقي بإسنادٍ صحيح من حديث معاذ مرفوعًا بلفظ: [ليسَ يتحَسَّرُ أهلُ الجنةِ على شيءٍ، إلا على ساعةٍ مرَّت بهم لم يذكروا الله ﷿ فيها].\nوقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.\nأي: وعظموه سبحانهُ بإشغال ألسنتكم في الصباح والمساء وفي معظم أحوالكم بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير.\nقال مجاهد: (وهذه كلمات يقولهن الطاهر والمحدِث والجنب).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجة (٣٧٩٠)، وأحمد (٦/ ٤٤٦)، والحاكم (١/ ٤٩٦)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٧٣): رواه أحمد وإسناده حسن.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٩٠)، والترمذي (٣٣٧٥)، وابن ماجة (٣٧٩٣)، وصححه الحاكم (١/ ٤٩٥)، ووافقه الذهبي.\n(٣) حسن لشواهده. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٤٣٤)، وانظر المسند (٣/ ١٤٢)، ورواه البزار وأبو يعلى. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢١٠).\n(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٤) ورجاله رجال الصحيح، كما في \"المجمع\" (١٠/ ٨٠). وهو حديث حسن. وانظر للشاهد بعده صحيح الجامع الصغير (٥٣٢٢).","vol":"6","page":187},{"text":"وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾.\nحثٌّ على الإكثار من الذكر، فإنكم إذا ذكرتم ربكم بادلكم سبحانه بذكركم في الملأ الأعلى من ملائكتهِ، وانشغلت الملائكةُ بالدعاء والاستغفار لكم.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].\n٢ - وقال الثاني: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩].\nومن صحيح السنة العطرة في ذلكَ أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرةَ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [قال الله ﷿: أنَّا عِنْدَ ظَنِّ عبدي بي، وأنا معهُ حين يذكرني] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم أيضًا عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يقول الله ﷿: أنَّا عندَ ظَنِّ عبدي بي، وأنا معهُ حين يذكرِني، إن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ، ذكرتُهُ في نَفْسي، وإنْ ذكرني في ملأٍ، ذَكَرْتُهُ في ملأٍ هُمْ خيْرٌ منهم، وإنْ تَقَرَّبَ مني شبرًا، تقرَّبْتُ إليهِ ذِراعًا، وإِنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْه باعًا، وإِنْ أَتاني يمشي، أتيتُهُ هرولة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن البراء بن عازب، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول] (٣).\nوفي رواية: [إن الله وملائكتهُ يصلون على الصفوف المقدمة].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٦٧٥)، كتاب التوبة. باب في الحض على التوبة والفرح بها، وهو جزء من حديث أطول.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٦٧٥)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود (٦٧٠)، ورواه أحمد في المسند، وله شواهد كثيرة. والرواية بعده للنسائي. وانظر صحيح الجامع (١٨٣٨).","vol":"6","page":188},{"text":"الحديث الرابع: أخرج أحمد بسند صحيح عن علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرافة الجَنَّة حتى يجلس، فإذا جلسَ غمرتهُ الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كانَ عشيًّا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح] (١).\nوقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. قال ابن زيد: (من الضلالة إلى الهدى).\nقال: (والضلالة: الظلمات، والنور: الهدى).\nأخرج أحمد في مسندهِ، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقهُ في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلكَ النور اهتدى، ومن أخطأهُ ضَلَّ] (٢).\nوالظلمةُ: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات. والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانهُ على عباده بِنَعْمان، وهو واد إلى جنب عرفات.\nوقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.\nأي: اختصهم برحمته سبحانه في الدنيا والآخرة. هداهم في الدنيا إلى سبيل الحق والرشاد، ونجاهم في الآخرةِ من عذاب النار، وهيأ لهم حسن ضيافة واستقبال.\nقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤].\nوفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ - قال -: [قَدِمَ على النبي - ﷺ - سَبْيٌ، فإذا امرأةٌ من السَّبيِّ تَحْلُبُ ثَدْيَها تَسقي، إذا وَجَدَتْ صبيًا في السَّبي أخذتهُ، فألصَقَتْهُ ببطنها وأَرضَعته، فقال لنا النبي - ﷺ -: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قُلنا: لا، وهي تقدرُ على أن لا تَطْرَحَهُ، فقال: لله أرحم بعبادهِ من هذه بولدها] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٨١)، وأبو داود (٣٠٩٩)، وابن ماجة (١/ ٤٤٠)، والحاكم (١/ ٣٤٩)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٧٧)، والبيهقي (٣/ ٣٨٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، (٢/ ١٩٧)، وابن حبان (١٨١٢)، والحاكم (١/ ٣٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٧٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٩٩)، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته.","vol":"6","page":189},{"text":"وفي مسند أحمد بسند صحيح عن أنس قال: [مَرَّ النبي - ﷺ - في نفر من أصحابهِ، وصَبيٌّ في الطريق، فلما رأت أمُّهُ القومَ خشيت على ولدها أن يُوطَأَ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني! وسَعَتْ فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لِتُلقي ابنَها في النار. قال: فخفَّضَهُم النبي - ﷺ - فقال: لا، واللهِ ما يلقي حبيبه في النار] (١).\nورواه الحاكم بلفظ: [والله، لا يلقي الله حبيبه في النار].\nوقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾.\nقال قتادة: (تحية أهل الجنة السلام). قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: تحية هؤلاء المؤمنين يوم القيامة في الجَنَّة سلام، يقول بعضهم لبعض: أمنة لنا ولكم بدخولنا هذا المدخل من الله أن يعذبنا بالنار أبدًا).\nوظاهر الآية يحتمل - كما ذكر الحافظ ابن كثير - أن تكون تحيتهم من الله تعالى يوم يلقونه ﴿سَلَامٌ﴾. أي: يوم يُسَلِّمُ عليهم، كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨].\nوقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾. يعني في جناتِ النعيم، من ألوانِ الطعام والشراب واللباس والملاذّ والمناكح والمناظر وما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n٤٥ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تأكيدُ الله تعالى لنبيّه - ﷺ - تكليفه بالبشارة والنذارة والشهادة على الأمم والدعوة إلى منهاج النبوة وبثّ البشرى للمؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا. وأمُره تعالى بعدم الإصغاء لقول الكافرين والمنافقين ومكرهم والتوكل على الله وكفى به تعالى وكيلًا.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٠٤)، وأبو يعلى (٣٧٤٧)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢١٢): رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح. وانظر صحيح الجامع (٦٩٧٢).","vol":"6","page":190},{"text":"فعن قتادة: (﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على أمتك بالبلاغ، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنة، ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنار).\nأخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن عطاء بن يسار قال: [لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صِفَةِ رسول الله - ﷺ - في التوارة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوارة بصفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأُمِّيين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُكَ المتوكل، لست بِفَظٍّ ولا غليظ ولا صَخَّابٍ في الأسواق: ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضَهُ الله حتى يُقيمَ به المِلّةَ العَوْجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعْيُنًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غلفًا] (١).\nوقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾. قال قتادة: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله).\nوقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. أي: بأمر الله إياك بذلك وتوفيقه.\nوقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. قال ابن كثير: (أي: وأَمْرُكَ ظاهرٌ فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدُها إلا مُعانِدٌ).\nوقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.\nأي: وبشر أهل الإيمان - يا محمد - بأن لهم من الله مقابل ما هم عليه من الإيمان والعمل الصالح الأجر الكبير والثواب الوفير.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.\nأي: ولا تصغ لقول كافر أو منافق، ولا تستجب لأهوائهم في تركك بلاغ هذا الوحي العظيم أو التفاوض عليه على طريقتهم، واصبر على أذاهم واستعن بالله في طريق جهادك وكفى بالله حافظًا وناصرًا ومعينًا.\nوعن مجاهد: (قوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال: أعرض عنهم). وعن قتادة قال: (أي اصبر على أذاهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢١٢٥)، (٤٨٣٨)، وأحمد (٢/ ١٧٤)، وأخرجه البغوي في \"الأنوار\" (٤٥٥)، وله شاهد عند الدارمي من حديث كعب.","vol":"6","page":191},{"text":"٤٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾.\nفي هذه الآية:\n١ - إطلاق النكاح على العقد وحده.\n٢ - إباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها.\n٣ - وأن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح.\n٤ - وأنه لا عدة على المرأة المطلقة قبل الدخول بها.\n٥ - وأنه لا بد من المتاع وهو السراح الجميل حسب العسر واليسر إن لم يكن سمى لها صداقًا، فإن كان قد سمى لها صداقًا فلها النصف.\nقال ابن عباس: (فهذا في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه، ولا عدة عليها تتزوج من شاءت، ثم قرأ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. يقول: إن كان سمى لها صداقًا، فليس لها إلا النصف، فإن لم يكن سمى لها صداقًا، مَتَّعها على قدر عسره ويُسره، وهو السراح الجميل).\nوالجمهور على أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح، وهو مذهب الشافعي وأحمد.\nوعن ابن عباس قال: (إذا قال: \"كل امرأة أتزوجها فهي طالق\" قال: ليس بشئ من أجل أن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ...﴾ الآية). وقال: (ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح). وقال: (فلا طلاق قبل النكاح).\nوإنما خالف في ذلك مالك وأبو حنيفة فذهبا إلى صحة الطلاق قبل النكاح. والحق ما ذهب إليه الجمهور، وخاصة إذا ثبت تأييد ذلك من صحيح السنة العطرة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد بسند حسن عن عمرو بن","vol":"6","page":192},{"text":"شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا طلاق لابن آدمَ فيما لا يملك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن المِسْور بن مخرمة، عن النبي - ﷺ - قال: [لا طلاقَ قبلَ نِكاح. ولا عِتْقَ قبل مِلْكٍ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح لغيره عن علي بن أبي طالب، عن النبي - ﷺ - قال: [لا طلاقَ قبلَ النِكاح] (٣).\nوأما كون المطلقة غير المدخول بها لا عدة عليها فأمْرٌ مجمع عليه بين الفقهاء، فلها أن تذهب وتتزوج مباشرة لصريح قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.\nوأما مفهوم المتعة هنا فكما جمع ابن عباس بين فهم الآياتِ في ذلك:\nالآية الأولى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\nالآية الثانية: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].\nالآية الثالثة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nفإنه إن كان سمّى لها صداقًا فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمَّى لها صداقًا أمتعها على قدر عُسْرِه ويُسْرِه وهو السَّراحُ الجميل.\nوفي صحيح البخاري عن عباس بنِ سَهْلٍ، عن أبيه وأبي أسيد قالا: [تزوج النبي - ﷺ - أُمَيْمَة بِنْتَ شُراحِيلَ، فلما أُدْخِلتْ عليه بَسَطَ يَدَهُ إليها، فكأنها كَرهَتْ ذلك، فأمَر أبا أُسَيْدٍ أنْ يُجَهِّزَها وَيَكْسُوَها ثَوْبين رَازِقيَّيْن] (٤).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢١٩٠ - ٢١٩٢)، والترمذي (١١٨١)، وابن ماجة (٢٠٤٧)، وأحمد (٢/ ١٨٩ - ١٩٠)، والحاكم (٢/ ٣٠٥)، وله شواهد.\n(٢) حديث حسن صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٢٠٤٨)، كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (١٦٦٧).\n(٣) صحيح لغيره. أخرجه ابن ماجة (٢٠٤٩)، الباب السابق. انظر صحيح ابن ماجة (١٦٦٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٥٦)، كتاب الطلاق. وانظر كذلك (٥٢٥٧)، (٥٦٣٧).","vol":"6","page":193},{"text":"٥٠ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تفصيل الله تعالى ما أحل لنبته - ﷺ - من النكاح، وتوضيح الخيار له في التقديم والتأخير والقَسْم.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. قال مجاهد: (صدقاتهن).\nقال ابن زيد: (كان كل امرأة آتاها مهرًا، فقد أحلّها الله له).\nوالمقصود: أحل الله تعالى لنبيّه - ﷺ - من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن.\nوفي صحيح مسلم وسنن ابن ماجة عن أبي سلمة قال: [سالت عائشة: كم كان صداق نساء النبي - ﷺ -؟ قالت: كان صداقه في أزواجه اثنتي عشرة أوقية ونَشًّا. هل تدري ما النَّشُ؟ هو نصف أوقية. وذلك خمس مئة درهم] (١).\nويستثنى من نسائه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإن النجاشي أمهرها أربع مئة دينار،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٢٦)، كتاب النكاح، وأخرجه ابن ماجة في السنن (١٨٨٦)، كتاب النكاح، باب صداق النساء، واللفظ له.","vol":"6","page":194},{"text":"وكذلك صفية بنت حيي أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك جويرية بنت الحارث أدّى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شمّاس وتزوجها.\nوقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وأحللنا لك إماءك اللواتى سبيتهُنَّ فملكتهنَّ بالسباء، وصرن لك بفتح الله عليك من الفيء).\nوقال ابن كثير: (أي: وأباح لك التَسرِّي مما أخذت من الغنائم، وقد ملك صفية وجويرية وتزوَّجهما. وملَكَ ريحانَةَ بنت شمعون النَّضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم علبه السلام، وكانتا من السراري - ﵄ -).\nوفي قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾.\nقال: (هذا عدل وَسَط بين الإفراط والتفريط، فإنَّ النصارى لا يتزوَّجون المرأة إلا إذا كان الرجلُ بينه وبينها سبعةُ أجداد فصاعدًا، واليهود يتزوَّج أحدهُم بنتَ أخيه وبنتَ أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدمِ إفراط النَّصارى، فأباح بنتَ العمِّ والعمَّةِ، وبنت الخال والخالةِ، وتحريمَ ما فرّطت فيه اليهودُ من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا شنيعٌ فظيعٌ. وإنما قال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ فوَحَّدَ لفظ الذكر لِشَرَفه، وجَمعَ الإناث لنقصهن كقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وله نظائر كثيرة).\nوعن قتادة: (﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ المراد: من هاجر معه إلى المدينة). وفي رواية: (أي: أسلمن).\nوالمقصود: لا يحل لك من قرابتك المذكور تفصيلها إلا بهذا الشرط.\nوقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال قتادة: (ليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولي ولا مهر، إلا للنبي، كانت له خالصة من دون الناس).\nوقال ابن زيد: (كان كل امرأة آتاها مهرًا فقد أحلها الله له إلى أن وهب هؤلاء أنفسهن له، فأحللن له دون المؤمنين بغير مهر خالصة لك من دون المؤمنين إلا امرأة لها زوج).","vol":"6","page":195},{"text":"يروي ابن جرير عن صالح بن مسلم قال: سألت الشعبي عن امرأة وهبت نفسها لرجل، قال: (لا يكون، لا تحل له، إنما كانت للنبي - ﷺ -).\nوفي الصحيحين والمسند والسنن عن سهل بن سعد الساعدي: [أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، جئتُ لأَهَبَ لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فَصَعَّدَ النَّظَر إليها وَصَوَّبَهُ ثم طَأْطَأَ رأسَهُ، فلما رأتِ المرأةُ أنه لم يَقْضِ فيها شيئًا جَلَسَت، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكنْ لك بها حاجةٌ فزوجنيها، فقال له: هل عندك مِن شيء؟ فقال: لا والله يا رسول الله، قال: اذهبْ إلى أهلِكَ فانظر هل تجدُ شيئًا، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله، ما وجَدْتُ شيئًا. قال: انظرْ وَلَوْ خَاتَمًا من حديد، فذهب ثُمَّ رجَعَ فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتَمًا مِن حديد ولكِنْ هذا إزاري - قال سهل: ما لَهُ رداءٌ - فلها نِصْفُه، فقال رسول الله - ﷺ -: ما تصنع بإزارك؟ إن لَبِسْتَهُ لم يَكُنْ عليها منه شَيْءٌ، وإن لَبِسَتْهُ لم يَكُنْ عليك شيء. فجلس الرجل حتى طال مَجْلِسُهُ، ثم قام فرآه رسول الله - ﷺ - مُوَلِّيًا فأمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورةُ كذا وسورةُ كذا وسورةُ كذا عَدَّها، قال: أتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْر قَلْبكَ؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد مَلَّكْتُكَها بما معك من القرآن] (١).\nوفي صحيح البخاري عن ثابت البُنَانِيّ قال: [كُنْتُ عِندَ أنَسٍ وعندَه ابنَةٌ له. قال أنس: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله - ﷺ - تَعْرِض عليه نفسها. قالتْ: يا رسولَ الله، ألكَ بي حاجة؟ فقالت بنْتُ أنس: ما أقَلَّ حياءَها، واسَوأتاهْ، واسَوأتاهْ، قال: هي خيرٌ منك، رَغِبَت في النبي - ﷺ - فعَرَضَتْ عليه نَفْسَها] (٢).\nوقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.\nأي: قد علمنا - يا محمد - ما فرضنا على المؤمنين وما خصَصناهم به في أحكام النكاح دونك، فإنه لا يحل لهم عقد نكاح على حرّة مسلمة إلا بولي عصبة وشهود\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٣٠)، كتاب فضائل القرآن، باب القراءة عن ظهر قلب، وأخرجه كذلك (٢٣١٠)، ورواه مسلم (١٤٢٥)، وأبو داود (٢١١١)، والترمذي (١١١٤)، والنسائي (٦/ ١١٣)، وابن ماجة (١٨٨٩)، وأحمد (٥/ ٣٣٦)، وابن حبان (٤٠٩٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥١٢٠)، كتاب النكاح، باب عرض المرأةِ نفسَها على الرجل الصالح. وانظر كذلك الحديث (٦١٢٣).","vol":"6","page":196},{"text":"عدول، ولا يحل لهم منهن أكثر من أربع، ويحل لهم مما ملكت أيمانهم - مؤمنات أو كتابيات - بالسباء والتسري وغير ذلك من أسباب الملك.\nفعن قتادة: (﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ قال: إن مما فرض الله عليهم أن لا نكاح إلا بولي وشاهدين). وقال: (كان مما فرض الله عليهم أن لا تزوج امرأة إلا بولي وصداق عند شاهدي عدل، ولا يحلّ لهم من النساء إلا أربع، وما ملكت أيمانهم).\nوقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nأي: بَيَّنا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح لكيلا يكون عليك ضيق في أمر أنت فيه محتاج إلى السّعة. قال القرطبي: ﴿لِكَيْلَا﴾ متعلق بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ أي فلا يضيق قلبك حتى يظهر منك أنك قد أثمت عند ربك في شيء. ثم آنس تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته فقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾).\nوقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ - يحمل تأويلين حسب سبب النزول:\nسبب النزول الأول:\nأخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله - ﷺ - وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك] (١).\nورواه الحاكم وفيه: (فأنزل الله هذه الآية في نساء النبي - ﷺ -).\nورواه أحمد عنها بلفظ: [أنَّها كانت تُعَيِّرُ النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله - ﷺ - قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرضَ نفسَها بغيرِ صَدَاق؟ فأنزل الله ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، قالت: إني أرى ربّك يُسارع لك في هواك].\nوالمعنى: (﴿تُرْجِي﴾ - تؤخر - من شئت من الواهبات، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ -\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥١١٣)، ومسلم (١٤٦٤)، ح (٥٠)، وابن ماجة في السنن (٢٠٠٠)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٥٨).","vol":"6","page":197},{"text":"أي وتقبل منهن من تشاء فتضمها إلى زوجاتك، وتردّ منهن من تشاء، ومن رددتها فأنت كذلك بالخيار بعد ذلك، إن شئت عُدْتَ فيها فآويتها. ولهذا قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾.\nقال البخاري: (قال ابن عباس: ﴿تُرْجِي﴾: تُؤَخِّر، ﴿أَرْجِهْ﴾ [الأعراف: ١١١]: أخِّرْهُ).\nقال عامر الشعبي: (كُنَّ نساءَ وهبن أنفسهن للنبي - ﷺ -، فدخل ببعضهن وأرجأَ بعضَهن لم يُنكحن بعده، منهم أم شَريك).\nسبب النزول الثاني:\nأخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن معاذةَ: [عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يستأذن في يوم المرأة مِنّا، بعد أن أُنْزِلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. فقلت لها: ما كُنتِ تقولين؟ قالت: كنتُ أقولُ له: إنْ كان ذاكَ إليَّ فإني لا أُريدُ يا رسول الله، أن أوثِرَ عليك أحدًا] (١).\nقال مجاهد: (﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء.\n﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قال: تردّها إليك).\nقال قتادة: (فجعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن، ويأتي من يشاء منهن بغير قسم، وكان نبي الله يقسم). قال: (﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾: جميعًا هذه في نسائه، إن شاء أتى من شاء منهن، ولا جناح عليه). وقال ابن زيد: (من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه).\nفالمعنى: لا حرج عليك في أزواجك أن تترك القسم لهنَّ فَتُقَدِّمَ من شئت، وتؤخر من شئت.\nوبالجمع بين سببي النزول يكون المقصود أنّ الآية نزلت في الواهبات، وفي زوجاته - ﷺ -. فهو يقدم من شاء من الواهبات ويؤخر، وكذلك يقدم من شاء من الزوجات في القَسْم ويؤخر.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٨٩)، كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (١٤٧٦)، وأبو داود (٢١٣٦)، وأخرجه أحمد (٦/ ٧٦)، وابن حبان (٤٢٠٦).","vol":"6","page":198},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾.\nقال قتادة: (إذا علمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن).\nوالأجمل من ذلك أن يقال: إنه كان يَقْسِمُ لهن - ﷺ - ويقيم العدل بينهن والإنصاف رغم الرخصة له في الاختيار، فإذا علمن ذلك منه فرِحْن بذلك واستبشرن به واعترفن بالجميل له والفضل والمِنّة.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: والله يعلم ما في قلوب الرجال من ميلها إلى بعض من عنده من النساء دون بعض بالهوى والمحبة، يقول: فلذلك وضع عنك الحرج يا محمد فيما وُضعَ عنك من ابتغاء من ابتغيت منهنّ ممن عزلت، تفضلًا منه عليك بذلك وتكرمة).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾. أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بضمائر الأسرار ومما لا يمكن دفعه من ميل القلوب، ﴿حَلِيمًا﴾ على عباده، يفسح لهم الوقت ليتوبوا إليه فلا يعاجلهم بالعقوبة.\nوفوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.\nقال ابن عباس: (نُهِيَ رسول الله - ﷺ - أن يتزوج بعد نسائه الأُوَل شيئًا).\nوقال قتادة: (لما خَيّرهن، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة قصره عليهن فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله). قال ابن كثير: (فلما اخترن رسول الله - ﷺ - كان جزاؤهن أنَّ الله قصرَه عليهنّ، وحرَّم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بِهنّ أزواجًا غيرهُنَّ، ولو أعجبه حُسنُهنَّ إلا الإماء والسَّراري فلا حَجْرَ عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوُّجٌ لتكون المِنَّةُ للرسول، عليهِنَّ).","vol":"6","page":199},{"text":"أخرج الترمذي وأحمد والنسائي بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [ما مات رسول الله - ﷺ - حتى أحَلَّ الله له النساء] (١).\nوعن قتادة: (﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أي حفيظًا). قال ابن جرير: (يقول: وكان الله على كل شيء ما أحل لك وحرّم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلها، حفيظًا لا يعزُب عنه علم شيء من ذلك، ولا يؤوده حفظ ذلك كله).\n٥٣ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: ورود آية الحجاب، التى تعددت أسباب نزولها واحتاجت إليها الأمة حتى أكرم الله تعالى المسلمين بنزولها، وهي تتضمن كثيرًا من الأحكام الجليلة والآداب الشرعية الرفيعة.\nالأحاديث الواردة في أسباب نزولها:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: [تزوج رسول الله - ﷺ - فدخل بأهله، قال: فصنعت أمي أم سُليم حَيسًا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى النبي - ﷺ - فقل له: بعثت بهذا إليك أمِّي وهي تقرؤك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت به إلى رسول الله فقلت: إن أمي تقرؤك السلام وتقول: إن هذا منا لك قليل، فقال: \"ضعه\"، ثم قال: \"اذهب فادع\n_________\n(١) موقوف صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤١)، (٦/ ١٨٠)، والترمذي (٣٢١٦)، والنسائي (٦/ ٥٦)، وابن حبان (٦٣٦٦) وإسناده صحيح على شرطهما.","vol":"6","page":200},{"text":"لي فلانًا وفلانًا من لقيت، وسمى رجالًا، قال: فدعوت من سمّى، ومن لقيت.\nقال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاث مئة، قال: وقال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا أنس هات بالتور\"، قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه\"، قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة، حتى أكلوا كلهم، قال: فقال لي: \"يا أنس ارفع\" قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله - ﷺ - ورسول الله - ﷺ - جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله - ﷺ -، فخرج رسول الله - ﷺ - فسلم على نسائه، ثم رجع فلما رأوا رسول الله - ﷺ - قد رجع، ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله - ﷺ - حتى أرخى الستر ودخل، وأنا جالس في الحجرة فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج عليّ وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله - ﷺ - فقرأهن على الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إلى آخر الآية. قال الجعد: قال أنس: أنا أحدث الناس عهدًا بهذه الآيات وحجبن نساء النبي - ﷺ -] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في مواضع من صحيحه عن أنس ﵁ قال: [أَوْلَمَ رسول الله - ﷺ - حين بنى بزينب ابنة جحش، فأشبِع الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيُسَلِّم عليهن ويَدْعو لهن، وَيُسَلِّمْنَ عليه ويَدْعونَ لَهُ، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان رسول الله - ﷺ - رجع عن بيته وثبا مسرعين فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أُخْبِرَ، فرجَعَ حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب] (٢). وفي رواية: (فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ....﴾ ...).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله - ﷺ - أَحْجِبْ نساءَكَ. قالت: فلم يفعل، وكان أزواج\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٥٧١)، وأصله في الصحيحين.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٩١)، ومسلم (١٤٢٨)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٤٠).","vol":"6","page":201},{"text":"النبي - ﷺ - يخرجن ليلًا إلى ليل قبيل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس فقال: عرفناك يا سودة حرصًا على أن ينزل الحجاب. قالت: فأنزل الله ﷿ آية الحجاب] (١).\nوله شاهد عند البخاري عن أنس قال: [قال عمر بن الخطاب، يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجِرُ، فلو أمرتَ أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الطبراني في \"المعجم الصغير\" ورجاله ثقات عن عائشة ﵂ قالت: [كنت آكُلُ مع النبي - ﷺ - في قعب، فمَرَّ عمر فدعاه فأكل فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حَسٍّ - أو: أَوَّه - لو أطاع فيكن ما رأتكُنَّ عينٌ، فنزلت آية الحجاب] (٣).\nفقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ - حَظْرٌ على المؤمنين دخول منازل رسول الله - ﷺ - بغير إذن، كما كان يصنع أهل الجاهلية في دخولهم وبقي ذلك في ابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة فنهاهم عن الدخول إلى بيوت بعضهم دون إذن.\nوفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: [إياكم والدخولَ على النساء] (٤).\nوقوله: (﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. قال ابن عباس: (غير ناظرين الطعامَ أن يُصْنَع). وقال قتادة: (غير متحينين طعامه). وقال مجاهد: (- غير - متحينين نضجه).\nوالمعنى: إذا دعيتم إلى الطعام في بيوت نبي الله - ﷺ - فَلَبّوا، ولكن لا ترقبوا الطعام - إن لم تُدعوا - حتى إذا طُبِخَ وقارب على النضج والاستواء تعرضتم للدخول بسيف\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (١٤٦)، كتاب الوضوء. باب خروج النساء إلى البَرَاز. وكذلك (٤٧٩٣)، كتاب التفسير، سورة الأحزاب، آية (٣٣). ورواه مسلم وغيره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٧٩٠)، كتاب التفسير، عند هذه الآية.\n(٣) حديث صحيح. رواه الطبراني في \"الصغير \"، وعزاه الهيثمي إلى \"الأوسط\" وقال: رجاله رجال الصحيح غير موسى بن أبي كثير وهو ثقة. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الأحزاب، آية (٥٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢)، وأخرجه أحمد (٤/ ١٤٩)، وأخرجه الترمذي في السنن - حديث رقم - (١١٧١).","vol":"6","page":202},{"text":"الحياء، فإن هذا مما يكرهه الله ويَذُمُّه. وهذا نصَّ في ذم التطفّل والطفيليين وتحريم ذلك السلوك.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾.\nأى: ولكن إذا دعاكم رسول الله - ﷺ - فادخلوا البيت الذي دعاكم إليه.\nوفي صحيح مسلم عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا دعا أحدُكم أخاه فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كانَ أو غيره] (١).\nوفي صحيح البخاري ومسند أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [لو دُعيتُ إلى ذِراعٍ لأجَبْتُ، ولو أُهْدِيَ إليَّ كُرَاع لَقَبِلْتُ] (٢).\nوقوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾.\nأي: فإذا فرغتم من الطعام فتحركوا للخروج وتفرقوا فانتشروا في الأرض، فإن في ذلك تخفيفًا عن أهل المنزل.\nوقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. قال مجاهد: (بعد أن تأكلوا).\nأي: ولا مسترسلين بالحديث بعد انتهائكم من الطعام إيناسًا من بعضكم لبعض، كما حصل لأولئك النفر الثلاثة الذين أحرجوا رسول الله - ﷺ -.\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.\nأي: إن دخولكم بيوت النبي من غير أن يؤذن لكم، ثم استمتاعكم بالحديث بعد فراغكم من أكل الطعام إذا دعيتم، كل ذلك كان يشق على رسول الله - ﷺ - فيستحي من إخراجكم أو الإشارة إليكم بما يعرفكم بذلك، والله تعالى لا يستحيي من بيان الحق لكم.\nوقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.\nقال قتادة: (بلغنا أنهن أمرن بالحجاب عند ذلك). قال ابن كثير: (أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظُروا إليهنَّ بالكُلِّية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناوُلَها منهن فلا ينظر إليهنَّ، ولا يسألهن حاجةً إلا من وراء حجاب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٤٢٩) ح (١٠٠)، وفي صحيح البخاري نحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥١٧٨)، كتاب النكاح، وكذلك (٢٥٦٨)، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها. وأخرجه أحمد (٢/ ٤٢٤)، وابن حبان (٥٢٩١).","vol":"6","page":203},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. قال النسفي: (من خواطر الشيطان وعوارض الفتن وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال وكان عمر ﵁ يحب ضرب الحجاب عليهن ويود أن ينزل فيه وقال يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾.\nقال القرطبي: (هذا تكرار للعلة وتأكيد لحكمها، وتأكيد العلل أقوى في الأحكام).\nوقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾. أي: فلهن حكم الأمهات في التحريم.\nقال الشافعي: (وأزواجه - ﷺ - اللاتي مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن، ومن استحلّ ذلك كان كافرًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾).\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن أذاكم رسول الله - ﷺ - ونكاحكم أزواجه من بعده عند الله عظيم من الإثم).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.\nأي: إن الله تعالى يعلم السر وأخفى، فهو يعلم ما تخفيه صدور أهل الخواطر المكروهة من الذين خوطبوا بالآيات السابقة، بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾. قال القرطبي: (البارئ ﷾ عالم بما بدا وما خفي وما كان وما لم يكن، لا يخفى عليه ماض تَقَضَّى، ولا مستقبل يأتي. وهذا على العموم تمدّح به، وهو أهل المدح والحمد. والمراد به هاهنا التوبيخ والوعيد لمن تقدّم التعريض به في الآية قبلها).\n٥٥. قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾.\nفي هذه الآية: استثناء بعض الأقارب من عموم وجوب الاحتجاب من الأجانب،","vol":"6","page":204},{"text":"فإنه لا يجب على النساء الاحتجاب من الآباء والأبناء والإخوة وأبناء الإخوة وأبناء الأخوات ونساء المؤمنات والأرقاء من الذكور والإناث، وأمْرٌ للنساء خاصة في ختام الآية بلزوم خشية الله وامتثال أمره والخوف منه، فإن الله ﵎ شاهد على ما يبدين من زينتهن وما يخفين منها، وهو سبحانه يعلم صدق السرائر في لزوم العفاف من إرادة الفتنة وإشاعة الفساد، والله لا يحب الفساد.\nفقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ .. الآية كلها. قال مجاهد: (أن تضع الجلباب).\nوعن قتادة: (قوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ ... إلى ﴿شَهِيدًا﴾: فرخص لهؤلاء أن لا يحتجبن منهم).\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].\nوعن ابن زيد: (﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ قال: نساء المؤمنات الحرائر ليس عليهن جناح أن يرين تلك الزينة، قال: وإنما هذا كله في الزينة. قال: ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى شيء من عورة المرأة).\nقلت: والنصوص بمجموعها تدل على جواز كشف المرأة شعرها وزينتها الظاهرة أمام عموم النساء، ولا دليل على التفريق بين مسلمة وغير مسلمة، فالآية هنا خرجت مخرج الغالب في العشرة، وأن المقصود عموم النساء والزيادة بـ \"هنّ\" إيقاعية لانسجامها مع ما قبلها، وأما الاحتجاج بدعوى وصف الأجنبية أو غير المسلمة محاسن المرأة المسلمة لذويها من الرجال، فإن ذلك غير مختص بغير المسلمات، بل إن كان في المسلمات من يشيع ذلك منهن فالتغطية أولى.\nوقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. يعني به أرقاءَهُنَّ من المذكور والإناث.\nقال ابن زيد: (وكان أزواج النبي - ﷺ - لا يحتجبن من المماليك).\nوقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وخفن الله أيها النساء أن تتعدَّين ما حدّ الله لَكُنَّ، فتبدين من زينتكنَّ ما ليس لكنّ أن تبدينه، أو تتركن الحجاب الذي أمركنّ الله بلزومه، إلا فيما أباح لكنَّ تركه، والْزَمْنَ طاعته).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. أي: إن الله شاهد على كيفية امتثالكم لأمر الحجاب، وستر الزينة والعورات، أو كشف ما يجوز من الزينة لمن أباح","vol":"6","page":205},{"text":"الله له. فهو تعالى شاهد على عباده بطاعة أمره أو مخالفته، وشاهد على كل شيء. قال ابن عطاء: (الشهيد الذي يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح).\n٥٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾.\nفي هذه الآية: تَأْكيدُ صلاة الله تعالى وملائكته الكرام، على النبي ﵊، وأَمْرُ المؤمنين بامتثال هذا الخُلُق الرفيع في مختلف الأوقات والأزمان، وأفضل ذلك يوم الجمعة أعظم الأيام.\nقال البخاري: (قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس: ﴿يُصَلُّونَ﴾: يُبَرِّكون) - هكذا علّقَهُ البخاري عنهما.\nوقال الترمذي: (ورُوي عَنْ سُفيانَ الثوري وغير واحدٍ من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمةُ، وصلاةُ الملائكةِ الاستغفارُ).\nقال ابن كثير: (والمقصود من هذه الآية أن الله ﷾ أخبر عبادَهُ بمنزلِةِ عبده ونبيِّه عندَهُ في الملأ الأعلى، بأنه يُثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تُصَلي عليه. ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناءُ عليه من أهل العالَمين العُلوي والسفلي جميعًا).\nوقد أخبر الله تعالى في محكم التنزيل أنه يصلي على عباده المؤمنين:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].\nوقد حفلت السنة العطرة بآفاق هذه الآية وصفة الصلاة على هذا النبي الكريم، عليه وعلى النبيين أفضل الصلاة والتسليم. وذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري وأحمد والنسائي عن كعب بن عُجْرَة قال: قيل:","vol":"6","page":206},{"text":"يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عَرَفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: أقولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والشيخان ومعظم أهل السنن عن ابن أبي ليلى قال: لقيني كعبُ بن عُجْرَة فقال: ألا أُهدي لك هَدِيّة؟ خَرَجَ علينا رسول الله - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله، قد عَلِمْنَا - أو: عرفنا - كيف السلامُ عليك، فكيف الصلاة؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ على آل إبراهيم إنك حميد مجيدٌ. اللهم بارك على مُحَمَّدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيمَ، إنك حميد مجيدٌ] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - عند تفسير هذه الآية - عن أبي سعيد الخدري قال: [قلنا: يا رسول الله، هذا التسليم فكيف نُصَلّي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صَلِّ على مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورسولكَ، كما صَلَّيتَ على آلِ إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم\" (٣). وفي رواية: (كما صليت على إبراهيم. وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد والشيخان عن أبي حُميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نُصلي عليك؟ قال: قولوا: [اللهم، صَلِّ على محمد وأزواجه وذُرِّيَتِهِ، كما صَلَّيْتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيدٌ] (٤).\nالحديث الخامس: روى مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن أبي مسعود\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٧٠) عند تفسير هذه الآية، وأخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٣٥٩)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٤٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٤١)، والبخاري (٦٣٥٧)، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي - ﷺ -. وأخرجه مسلم (٤٠٦)، وأبو داود (٩٧٦) - (٩٧٧)، والنسائي (٣/ ٤٨)، وابن ماجة (٩٠٤)، وأخرجه ابن حبان (٩١٢)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٩٨)، كتاب التفسير. سورة الأحزاب، آية (٥٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٧)، وأبو داود (٩٧٩)، والنسائي (٣/ ٤٩)، وأخرجه ابن ماجة (٩٠٥).","vol":"6","page":207},{"text":"الأنصاري قال: [أتانا رسول الله - ﷺ - ونحن في مجلس سعدِ بن عُبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نُصَلِّي عليك يا رسول الله، فكيف نُصَلِّي عليك؟ قال: فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تَمَنَّيْنا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله - ﷺ -: قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم] (١).\nقلت: وواجب على المصلِّي أن يصلي على رسول الله - ﷺ - في التشهد الأخير كما ذهب الشافعي وغيره، فإن تركه لم تكتمل صلاته.\nفقد أخرج أبو داود وابن خزيمة وأحمد بسند حسن عن أبي مسعود البدرى أنهم قالوا: يا رسول الله، أما السلام فقد عرفناه، فكيف نُصَلِّي عليك إذا نحن صَلُّيْنا في صلاتنا؟ فقال: [قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد ....] (٢).\nوفي المسند وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن فَضَالة بن عُبَيْد - صاحب رسول الله - ﷺ - يقولى: [سمع رسول الله - ﷺ -، رجلًا يدعو في صلاته، لم يُمَجِّد الله تعالى، ولم يُصَلِّ على النبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"عَجَّلَ هذا\". ثم دعاه فقال له - أو لغيره -: \"إذا صلى أحدُكم فليبدأ بتحميد رَبِّه جَلَّ وعَزَّ والثناء عليه، ثم يُصلي على النبي - ﷺ -\"، ثم يدعو بَعْدُ بما شاء\"] (٣).\nوأما فضائل وثواب الصلاة على النبي - ﷺ - فكثيرة، وفي ذلك أحاديث جميلة: الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من صلّى عليّ واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا] (٤).\nالحديث الثاني: أخرج الديلمي بسند حسن عن أبي بكر الصديق مرفوعًا: [أكثروا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٠٥)، وأبو داود (٩٨٠)، والترمذي (٣٢٢٠)، وأخرجه النسائي (٣/ ٤٥)، ورواه ابن جرير في التفسير.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٩٨٠)، وابن خزيمة (٧١١)، وابن حبان (١٩٠٩)، وأحمد (٤/ ١١٩)، وصححه الحاكم (١/ ٢٦٨) على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٤٨١)، باب الدعاء. وأخرجه الترمذي (٣٤٧٧)، والنسائي (٣/ ٤٤)، وأحمد (٦/ ١٨)، وابن خزيمة (٧٠٩ - ٧١٠)، وابن حبان (١٩٦٠)، وصححه الحاكم (١/ ٢٣٠)، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني. انظر صححيح أبي داود (١٣١٤).\n(٤) حديث صحيح. رواه مسلم (٤٠٨) - في كتاب الصلاة - من صحيحه.","vol":"6","page":208},{"text":"الصلاة عليّ، فإن الله وَكَّلَ بي ملكًا عند قبري، فإذا صَلَّى على رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد! إن فلانَ بن فلان صلى عليك الساعة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن عمار مرفوعًا: [إنَّ لله ملكًا أعطاه أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مُتُّ، فليس أحدٌ يصلي على صلاة إلا قال: يا محمد صلى عليك فلان بن فلان. قال: فيصلي الرب ﵎ على ذلك بكل واحدة عشرًا] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد والحاكم بسند رجاله ثقات عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: [خرج رسول الله - ﷺ - فاتبَعْتُه حتى دَخَلَ نخلًا، فَسَجَد فأطال السجودَ، حتى خفت - أو: خشيت - أن يكون الله قد توفَّاه أو قَبَضَهُ. قال: فَجئتُ أنْظُرُ، فرفع رأسه فقال: مالكَ يا عبدَ الرحمن؟ قال: فذكرتُ ذلك له فقال: إن جبريلَ - ﵇ - قال لي: ألا أُبَشِّرك؟ إن الله - ﷿ - يقول: من صَلَّى عليك صَليتُ عليه، ومن سَلَّم عليكَ سَلَّمْتُ عليه] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي بن كعب قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناسُ، اذكروا الله اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفةُ، جاء الموتُ بما فيه، جاء الموتُ بما فيه. قال أُبَيٌّ: قلتُ: يا رسول الله، إني أكْثِرُ الصلاة عليك، فكم أجعلُ لك من صَلاتي؟ قال: ما شئت. قلت: الربعُ؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت: فالنصفُ؟ قال: ما شئت، فإن زِدْتَ فهو خير لك. قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زِدْتَ فهو خير لك. قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذن تكفى هَمَّكَ، ويُغْفَرُ لك ذنبُكَ] (٤).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الديلمي (١/ ١/ ٣١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٣٠).\n(٢) حديث حسن. انظر: السخاوي في \"القول البديع\" ص ١١٧، وزوائد البزار (٣٠٦)، وكذلك أخرجه بنحوه البخاري في \"التاريخ\" (٣/ ٢/ ٤١٦)، وانظر المرجع السابق - السلسلة الصحيحة - عقب الحديث (١٥٣٠)، وصحيح الجامع الصغير (٢١٧٢).\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ١٩١)، والحاكم (٢/ ٣٣٣)، وصححه ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٨٧) وقال: رواه أحمد (٣/ ٨٤٥) ورجاله ثقات.\n(٤) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٤٥٧)، وأحمد (٥/ ١٣٦)، وصححه الحاكم (٢/ ٥١٣) ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: (حسن صحيح)، وله شواهد.","vol":"6","page":209},{"text":"وله شاهد في مسند أحمد عن الطفيل بن أبيّ، عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله، أرأيتَ إن جعلتُ صلاتى كُلَّها عليك؟ قال: [إذن يكفِيكَ الله ما أَهَمَّكَ من دُنياك وَآخِرَتِكَ] (١).\nالحديث السادس: أخرج النسائي وأحمد وابن حبان بسند حسن عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه: [أنّ رسول الله - ﷺ - جاء ذات يوم والسرور يُرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله، إنا لنرى السرورَ في وجهك. فقال: إنه أتاني المَلَكُ فقال: يا محمد، أما يُرضيكَ أنَّ رَبَّكَ - ﷿ - يقول: إنه لا يُصلي عليك أحدٌ من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يُسَلِّم عليك أحدٌ من أُمَّتِكَ إلا سَلَّمْتَ عليه عشرًا؟ قلت: بلى\" (٢).\nالحديث السابع: أخرج النسائي وأبو يعلى بسند جيد عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ ذكرت عنده فليصل عليَّ، ومن صلَّى علي مرةً واحدةً صلّى الله عليه عشرًا] (٣).\nالحديث الثامن: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند جيد عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ صَلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صَلَّى الله عليه عشرَ صَلَوات، وحَطَّ عنه عشرَ خطيئات] (٤).\nالحديث التاسع: أخرج الترمذي وأحمد والنسائي بسند جيد عن علي بن الحسين عن أبيه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [البخيل من ذُكِرْتُ عنده ثم لم يُصَلِّ عليَّ] (٥).\nالحديث العاشر: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أنفُ رجُلٍ دخَلَ عليه رمضانُ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٣٦)، وانظر الحديث السابق.\n(٢) حديث حسن. أخرجه النسائي (٣/ ٥٠)، وأحمد (٤/ ٣٠)، (٤/ ١٥٢)، وأخرجه ابن حبان (٩١٥)، وصححه الحاكم (٢/ ٤٢٠)، ووافقه الذهبي.\n(٣) إسناده جيد. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٩٨٨٩)، وأبو يعلى (٤٠٠٢)، وأخرجه الطيالسي (٢١٢٢)، وله شواهد.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٦٤٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٨٩٠)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٠٢)، (٣/ ٢٦١)، وابن حبان (٩٠٤) وسنده جيد.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٥٤٦)، والنسائي (٩٨٨٤) في الكبرى، وأحمد في المسند (١/ ٣٠١)، وإسماعيل القاضي (٣٥)، وابن حبان (٩٥٩). وصححه الحاكم (١/ ٥٤٩)، ووافقه الذهبي. وذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ١٦٨) وقال: (لا ينحط عن درجة الحسن).","vol":"6","page":210},{"text":"ثم انسلخَ قبْلَ أن يُغْفَرَ له، ورغِمَ أنف رجل أدركَ عنده أَبَواهُ الكِبَرَ فَلَم يدخلاهُ الجَنَّة] (١).\nالحديث الحادي عشر: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [ما جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لم يَذكِروا الله فيه، ولمْ يُصَلوا على نبيِّهم، إلا كان عليهم تِرة، فإن شاء عَذَّبَهمُ، وإِن شَاءَ غَفرَ لهم] (٢).\nالحديث الثاني عشر: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ نَسِيَ الصلاةَ عَليَّ خَطِئَ طريقَ الجَنَّة] (٣).\nالحديث الثالث عشر: أخرج مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: [إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلَ ما يقول، ثم صَلُّوا عليَّ، فإنه مَنْ صَلَّى عليَّ صلاةَ صَلَّى الله عليه بها عَشْرًا، ثم سَلُوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجَنَّة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عبادِ الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سألَ لي الوسيلة حَلَّت عليه الشفاعة] (٤).\nالحديث الرابع عشر: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي حُميد الساعدي قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا دخل أحدكُم المسجدَ فَلْيُسَلِّم على النبي - ﷺ - ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسالك من فضلك] (٥).\nالحديث الخامس عشر: أخرج الطبراني والبيهقي عن عليٍّ مرفوعًا: [كُلُّ دعاء محجوبٌ حتى يُصَلِّي على النبي - ﷺ -] (٦).\n٥٧ - ٥٨. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا\n_________\n(١) حديث حسن صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٨١٠).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٩١)، أبواب الدعوات. وانظر مسند أحمد (٢/ ٤٤٦)، (٢/ ٤٨١، ٤٨٤)، ورواه ابن حبان (٥٩٠).\n(٣) حديث حسن صحيح. أخرجه ابن ماجة (٩٠٨). وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٧٤٠).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٨٤)، كتاب الصلاة. باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي - ﷺ - ثم يسأل الله له الوسيلة.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٦٥)، وابن ماجة (٧٧٢). انظر صحيح ابن ماجة (٦٢٦).\n(٦) حسن لغيره. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٦٠): رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقات. ورواه البيهقي في \"الشعب\". انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٣٥).","vol":"6","page":211},{"text":"وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تهديدُ الله تعالى الذين يؤذونه ويؤذون رسوله باللعن والعذاب المهين. والعطف على ذلك بتهديد الذي يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا وتوعدهم بالنكال منهم من ذلك الإثم المبين.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾.\nتهديد وتوعد للعصاة الآثمين المتجرئين على مخالفة أوامر الله ورسوله المصرِّين على ركوب ذلك بالطرد من رحمة الله في الدنيا والآخرة، ثم الخلود في العذاب المهين.\nقال قتادة: (يا سبحان الله ما زال أناس من جهلة بني آدم حتى تعاطوا أذى ربهم).\nوقال عكرمة: (الذين يؤذون الله ورسوله هم أصحاب التصاوير).\nقلت: والآية عامة تشمل جميع ألوان مخالفة أوامر الله ورسوله، ولا دليل على تخصيص أمر دون أمر كما جاء في كتب التفاسير.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يقول الله - ﷿ -: يُؤذيني ابنُ آدم، يسبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْر، أُقَلِّب ليله ونهارَه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.\nقال مجاهد: (﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ يقفّون. ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ يقول: بغير ما عملوا).\nوالمعنى: والذين يقفّون المؤمنين والمؤمنات، ويعيبونهم طلبًا لشينهم، وينسبون لهم ما هم براء من فعله، فقد احتملوا زورًا وكذبًا وفرية شنيعة، وركبوا إثمًا واضحًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٨)، وأخرجه أبو داود (٥٢٧٤)، وابن حبان (٥٧١٦).","vol":"6","page":212},{"text":"بينًا. قال ابن جرير: (بهتان: أفحش الكذب ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يقول: وإثمًا يبين لسامعه أنه إثم وزور).\nقال قتادة: (فإياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه ويغضب له).\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: [أَتَدْرونَ ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكْرُكَ أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقولُ؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغْتَبْتَه، وإنْ لم يكنْ فيه، فقد بَهَتَّهُ] (١).\nوفي المعجم \"الأوسط\" للطبراني بسند قابل للتحسين لشواهده عن البراء بن عازب مرفوعًا: [الربا اثنان وسبعون بابًا، أدناها مِثْلُ إتيانِ الرجل أُمَّه، وإنَّ أربى الربا استطالة الرجل في عِرض أخيه] (٢).\n٥٩ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾\nفي هذه الآياتِ: أَمْرُ الله تعالى نبيَّه - ﷺ - بِأَمْرِ أزواجه وبناته ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، وفي امتثال ذلك حفظهن وحمايتهن من البغاة وأعوان الشيطان الرجيم. وتهديدٌ منه تعالى للمنافقين والمرجفين في المدينة بالطرد والخزي واللعن والعذاب الأليم. وتلك هي سنة الله في الذين مضوا ولا تبديل لسنة الله العلي العظيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٨٩)، كتاب البر والصلة. باب تحريم الغيبة، ورواه أحمد (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٦)، وأبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤).\n(٢) حسن لشواهده. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١/ ١٤٣/ ١)، ورواه البيهقي بإسناد لا بأس به، كما قال المنذري في \"الترغيب\" (٣/ ٥٠). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٧١).","vol":"6","page":213},{"text":"فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾.\nالجلباب: هو الملاءَة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها. قال البغوي في \"التفسير\": (هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار).\nوقال ابن حزم \"٣/ ٢١٧\": (والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله - ﷺ - هو ما غطّى جميع الجسم لا بعضه) وصححه القرطبي في تفسيره.\nوقال ابن كثير \"٣/ ٥١٨\": (هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإزار اليوم).\nوقد قيل في تفسيره سبعة أقوال أوردها الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٣٦) وما ذُكِر هو الراجح فيها المنسجم مع كلام العرب وسياق الآية. وبعض العلماء في هذا الزمان يرى أنّ أقرب لباس إليه هو العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما.\nوالخلاصة: أَمَرَ الله تعالى نبيَّه - ﷺ - أن يأمر زوجاته وبناته - لشرفهن في الأمة - ثم يليهن النساء المؤمنات في الأمر، أن يدنين عليهن من جلابيبهن ليتميَّزْنَ بحجاب الفطرة والعفاف عن لباس أهل الجاهلية والإماء.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن أم سلمة قالت: [لما نزلت: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية] (١).\nورواه عبد الرزاق وعبد بن حميد من حديث أم سلمة بلفظ: [من أكسية سود يلبسنها].\nوالغربان: جمع غراب، فشبهت الأكسية في سوادها بالغربان.\nفأمر الله المرأة إذا خرجت من دارها أن تلتحف فوق ثيابها بالجلباب والملاءَة لأنه أستر لها وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها، وأشرف لسيرتها. والجلباب يستعمل في الغالب عند الخروج من الدار.\nففي الصحيحين وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: [أَمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٤٠١)، باب لبس النساء. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٥٦). وحجاب المرأة المسلمة ص (٣٨) للرواية الأخرى.","vol":"6","page":214},{"text":"فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أُختها من جلبابها] (١).\nقال الشيخ أنور الكشميري في \"فيض الباري\" (١/ ٣٨٨) تعليقًا على هذا الحديث: (وعلم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب. والجلباب رداء ساتر من القرن إلى القدم).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال: (يسدلن عليهن من جلابيبهن، وهو القناع فوق الخمار، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار، وقد شدت به رأسها ونحرها) (٢).\nوالجلباب حجاب الفطرة لستر زينة المرأة عن الأجانب سواء خرجت إليهم أو دخلوا عليها، وقد صح عن عائشة أنَّها كانت إذا صلت تجلببت، الأمر الذي يدل على أن الجلباب ليس خاصًّا بالخروج.\nوأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات عن قيس بن زيد قال: [إنَّ رسول الله - ﷺ - طلق حفصة بنت عمر ... فجاء رسول الله - ﷺ - فدخل عليها فتجلببت، فقال رسول الله - ﷺ -: إن جبريل أتاني فقال لي: أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجَنَّة] (٣).\nوالآية لا تدل على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره، بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها، وهو أمر مطلق، ثم إن القرآن يفسر بعضه بعضًا. وتفصيل ذلك:\nأ - آية النور: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ....﴾ الآية [النور: ٣١].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٥١)، (٩٧٤)، (٩٨١)، وأخرجه مسلم (٨٩٠)، ح (١٠ - ١١). والعواتق: جمع العاتق، وهي الشابة أول ما تدرك.\n(٢) انظر: \"الدّر\" (٥/ ٢٢٢)، وحجاب المرأة المسلمة ص (٣٩ - ٤٠).\n(٣) أخرجه ابن سعد (٨/ ٥٨) بإسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم من حديث قيس بن زيد، واختلف في صحبته، وأخرجه الحاكم (٤/ ١٥) وذكر له شاهدًا من حديث أنه. قال الألباني في \"حجاب المرأة المسلمة\" (ص ٤٠): (فيتقوى به إن شاء الله تعالى).","vol":"6","page":215},{"text":"وقد تبين عند تفسير هذه الآية أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقًا بين الآيتين.\nب - إن السنة مُبَيِّنَةٌ للقرآن مخصصة لعمومه مقيدة لمطلقه. وقد دلت النصوص الكثيرة منها على أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تفسير هذه الآية على ضوئها، وتقييدها بها.\nففي الصحيحين عن سهل بن سعد: [أن امرأة جاءت إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فَصَعَّدَ النظر إليها وصَوَّبَه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقصد فيها شيئًا جلست] (١).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٧٣): (وفيه جواز تأمل محاسن المرأة لإرادة تزويجها وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها؛ لأنه - ﷺ - صَعَّدَ فيها النظر وصَوَّبَه، وفي الصيغَة ما يدل على المبالغة في ذلك، ولم يتقدم منه رغبة، ولا خطبة).\nوفي الصحيحين والمسند عن عطاء بن أبي رباح قال: [قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجَنَّة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي - ﷺ - قالت: إني أصرع، وإني أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجَنَّة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها] (٢).\nوفي \"تاريخ ابن عساكر\" (١٩/ ٢/٧٣) في قصة صلب ابن الزبير أن أمه (أسماء بنت أبي بكر) جاءت مسفرة الوجه متبسمة.\nوروى أبو نعيم (١/ ١٦٤) عن أبي السليل قال: (جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين، ومعها قفة لها، فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت: يا أبتاه زعم الحراثون والزراعون أن أفلسك هذه بهرجة، فقال: يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح والحمد لله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه) - ورجاله ثقات (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩/ ١٠٧)، ومسلم (٤/ ١٤٣)، والنسائي (٢/ ٨٦)، والبيهقي (٧/ ٨٤) وترجم له بـ: \"باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها\".\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٩٤)، ومسلم (٨/ ١٦)، وأخرجه أحمد (رقم ٣٢٤٠).\n(٣) انظر المزيد من هذه الآثار الصحيحة في كتاب: \"حجاب المرأة المسلمة\" - الألباني - ص (٣٢ - ٣٣).","vol":"6","page":216},{"text":"قلت: فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره، وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن رشد في \"البداية\" (١/ ٨٩) ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد كما في \"المجموع\" (٣/ ١٦٩)، وحكاه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ٩) عن صاحبي أبي حنيفة أيضًا. وإن كان الأولى في هذا الزمان تغطية المرأة وجهها لانتشار الفتن وضياع الشباب وقلة الحياء وقلة غض البصر.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.\nقال السدي: (كان ناس من فُسَّاق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل الفدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجَتَهُنَّ، فكان أولئك الفُسَّاق يتبعون ذلك منهنَّ، فماذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حُرَّة، كفُّوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أَمَة. فوثبوا إليها).\nوقال مجاهد: (يَتَجَلْبَبْنَ فيعلم أنهنّ حرائِرُ فلا يَعرِض لهنَّ فاسِقٌ بأذى من قول ولا ريبة).\nقلت: بل الجلباب واجب على الحرائر والإماء، فلا فرق في وجوب ذلك على جميع النساء، ومن ثمَّ فإن في جلباب المرأة صرف أطماع الفساق عنها على العكس من المرأة المبدية مفاتنها وزينتها، فإنها تحمل بسلوكها ذلك الفساق أن يهموا بها. فالجلباب هو حجاب الفطرة يحمي الله تعالى به الفتاة المسلمة.\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nقال النسفي: (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف منهن من التفريط ﴿رَحِيمًا﴾ بتعليمهن آداب المكارم).\nفائدة (١): في كون المراد بآية الحجاب قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ نظر، إذ قد صرحت الروايات في شان قصة زينب السابقة بنزول قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية. وفي شأن قول عمر - عند الطبري - فأنزل الله آية الحجاب، قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا﴾ ... فالقول بتعدد الأسباب للنزول أولى.\nفائدة (٢): قول عمر: \"عرفناك يا سودة\" - فبالرواية الأولى قبل الحجاب، وبأخرى بعد الحجاب - فلعله وقع مرتين. وربما المراد بالحجاب الأول غير الثاني - كما ذكر الحافظ - والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه شيء من اطلاع الأجانب على","vol":"6","page":217},{"text":"الحريم النبوي حتى صرح بقوله للنبي - ﷺ -: \"أحجب نساءك\"، حتى نزلت آية الحجاب.\nثم إن عمر قصد أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات فبالغ فَمُنِعَ وأُذِنَ لهن بالخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة.\nوقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.\nتَوَعُّدٌ من الله تعالى للمنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولأهل القلوب المريضة - أهل الزنا والفجور -، ولأهل الإرجاف في المدينة بالكذب والباطل، أن يُسَلِّط الله عليهم نبيَّه والمؤمنين.\nفحن عكرمة: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: هم الزناة). وقال قتادة: (﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شهوة الزنا). وقال أبو صالح: (الزناة). قال ابن زيد: (أهل الزنا من أهل النفاق الذين يطلبون النساء فيبتغون الزنا. وقرأ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، قال: والمنافقون أصناف عشرة في براءة، قال: فالذين في قلوبهم مرض صنف منهم مرض من أمر النساء).\nوعن قتادة: (﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾. الإرجاف: الكذب الذي كان نافقه أهل النفاق، وكانوا يقولون: أتاكم عدد وعدّة). قال ابن كثير: (يعني الذين يقولون: جاء الأعداء، وجاءت الحروب. وهو كذب وافتراء).\nوعن ابن عباس: (الإرجاف التماس الفتنة، والإرجاف: إشاعة الكذب والباطل للاغتمام به). قلت: وأصل الإرجاف التحريك من (الرجفة) وهي الزلزلة، فيقال للخبر الكاذب خبر متزلزل غير ثابت، أو لاضطراب قلوب المؤمنين به.\nوعن ابن عباس: (﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ يقول: لنسلطنك عليهم). وقال: (لم ينتهوا عن إيذاء النساء وأن الله ﷿ قد أغراه بهم). وعن قتادة: (أي لنحملنك عليهم لنحرشنك بهم). وقال السدي: (لنُعلِمَنَّك بهم). قال القرطبي: (أي لنسلطنّك عليهم فتستأصلهم بالقتل).\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال قتادة: (أي بالمدينة).\nقال ابن جرير: (يقول: ثم لننفينهم عن مدينتك فلا يسكنون معك فيها إلا قليلًا من","vol":"6","page":218},{"text":"المدة والأجل، حتى تنفيهم عنها، فتخرجهم منها). وقال القاسمي: (﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي زمنًا قليلًا ريثما يستعدون للرحلة).\nوقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾. أي: مطرودين منفيين أينما وجدوا.\nفهم مبغوضون لله والخلق، لا يستريحون بالخروج للصوق اللعنة بهم أينما حلّوا ونزلوا، فقوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ في محل نصب حال، أي هذه حالتهم حيثما وجدوا.\nوقوله: ﴿أُخِذُوا﴾. أي لِذِلِّتهم وَقلَّتهم وهوانهم.\nوقوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. قال النسفي: (التشديد يدل على التكثير).\nوالمقصود: أسروا وبولغ في قتلهم لذلّتهم وقلتهم ونزول اللعنة بهم.\nوقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾.\nأي: هذا الذي فعل بهم ليس ببدع، فإن سنة الله في المفترين والمنافقين قبلهم أن يسلط عليهم أهل الإيمان فيقهروهم ويمحقوا تمرّدهم.\nقال قتادة: (يقول: هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق). وَنُصب قوله: ﴿سُنَّةَ﴾ على المصدر، أي سَنَّ الله فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل.\nوقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. أي تحويلًا وتغييرًا.\nقال السدي: (يعني أن من قُتل بحق فلا دية على قاتله).\nوالمقصود: مضت سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير في قهر المؤمنين لأهل التمرد والنفاق والذين يحبون إشاعة الكذب والفواحش في الأرض، وهؤلاء المنافقون من قومك - يا محمد - سينالهم ما نال من مضى قبلهم على منهاجهم.\n٦٣ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا","vol":"6","page":219},{"text":"الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تأكيدُ الله تعالى انفراده بعلم الساعة وقد تكون الساعة قريبًا. وقد لعن الله الكافرين وأعدّ لهم سعيرًا. فيه تُقَلّب وجوههم ويسألون الله لساداتهم ورؤسائهم في الكفر أن يضاعف لهم العذاب وأن يلعنهم لعنًا كبيرًا.\nفقوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ﴾ يا محمد ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾ متى هي قائمة؟ قل لهم: إنما علم الساعة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يعلم وقت قيامها غيره).\nوقد كان المشركون يسألون رسول الله - ﷺ - عن الساعة على سبيل الهزء، واليهود على سبيل الامتحان، فأمر الله رسوله أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به.\nوقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.\nأي: وما يشعرك يا محمد لعله دنا وقت مجيئها واقترب موعدها، وهو تهديد للمستعجلين وقوعها وإسكات للممتحنين في سؤالها.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: [قام فينا رسول الله - ﷺ - مقامًا، ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حَدَّثَ به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٨/ ١٧٢)، كتاب الفتن، باب: في الفتن وصفاتها. وهو في مختصر صحيح مسلم برقم (١٩٩٣)، ورواه البخاري.","vol":"6","page":220},{"text":"وفي الصحيحين عن أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال: [بُعثت أنا والساعة كهاتين] (١) - يعني إصْبعين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾.\nاللعن: الطرد والإبعاد عن الرحمة. قال ابنِ جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله أبعد الكافرين به من كل خير، وأقصاهم عنه ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ يقول: وأعدَّ لهم في الآخرة نارًا تتقد وتتسعر ليصليهموها).\nوقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. أي: ماكثين فيها إلى غير نهاية. قال النسفي: (هذا يَرد مذهب الجهمية؛ لأنهم يزعمون أن الجَنَّة والنار تفنيان).\nوقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. أي: لا يجدون معينًا ولا مغيثًا ينجيهم من الخلود في عذاب الله أو يخلصهم منه.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.\nقال ابن كثير: (أي يسحبون في النار على وجوههم، وتُلوى وجوهُهم على جهنم، يقولون وهم كذلك، يتمنّون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر عنهم في حال العَرَصات بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. وقال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]).\nقال القرطبي: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾: وهذا التقليب تغيير ألوانهم بلفح النار، فتسودّ مرّة وتخضرّ أخرى. وإذا بدّلت جلودهم بجلود أخر فحينئذ يتمنون أنهم ما كفروا ﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ أي لم نكفر فننجو من هذا العذاب كما نجا المؤمنون).\nوقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. قال قتادة: (أي رؤوسنا في الشر والشرك). وقال ابن زيد: (هم رؤوس الأمم الذين أضلوهم).\nوقال طاووس: (سادتنا يعني الأشراف، وكبراءنا يعني العلماء) - رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٠٤)، كتاب الرقاق. وأخرجه مسلم (٢٩٥١).","vol":"6","page":221},{"text":"والمقصود: اعترافهم باتباع أمراء الضلالة، وعلماء الجهالة، الذين يمكرون بدين الله ويصدون عن سبيله ويبغونها عوجًا.\nوقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. أي فحرفونا عن سبيل التوحيد ومنهاج الرسل.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. قال قتادة: (عذاب الدنيا وعذاب الآخرة).\nوقيل: عذاب الكفر وعذاب الإضلال. أي عَذَّبهم مثْلي ما تعذّبنا فإنهم ضلوا وأضلوا.\nوقوله: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.\nهكذا قرأها عاصم ﴿كَبِيرًا﴾، وعامة القراء قرؤوها \"كثيرًا\"، وهما قراءتان مشهورتان. والمعنى: بالباء يدل على أشد اللعن وأعظمه، وبالثاء يدل على تكثير اللعائن وتتابعها عليهم.\n٦٩ - ٧١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تحذيرُ الله تعالى عباده المؤمنين مشابهة المنافقين من بني إسرائيل الذي آذوا موسى فبين الله براءته وكان عند الله وجيهًا. وأمْرُه تعالى المؤمنين أن يصدقوه التقوى وأن يقولوا قولًا سديدًا. فإنهم إن فعلوا ذلك قابلهم سبحانه بمغفرة ذنوبهم وإصلاح أحوالهم وأعمالهم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾.\nخطاب من الله تعالى لأصحاب نبيه محمد - ﷺ -: أنْ لا تؤذوا رسول الله بقول يكرهه أو بفعل لا يحبه، فتكونوا أمثال الذين رموا موسى بعيب كذبًا، وآذوه بألوان كثيرة من الأقوال والأفعال، فأظهر الله كذبهم مما رموه به وأعز رسوله.\nومن إيذائهم لموسى قولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]،","vol":"6","page":222},{"text":"وقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ [البقرة: ٥٥]. وقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١].\nأخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - عند هذه الآية - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ موسى كان رجلًا حَييًّا. وذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾] (١).\nثم إن البخاري رواه بهذا الإسناد مفصلًا في كتاب أحاديث الأنبياء. قال أبو هريرة: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّ موسى كان رجُلَا حَييًّا سِتِّيرًا لا يُرَى من جِلدِه شيءٌ استِحياءً مِنْه، فآذاهُ منْ آذاهُ مِنْ بني إسرائيل، فقال: ما يَسْتَتِرُ هذا التَّسَتُّرَ إلا مِنْ عَيْبٍ بجلده، إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ (٢)، وِإمَّا آفةٌ، وإنَّ الله أرادَ أن يُبَرِّئَهُ ممّا قالوا لموسى، فخَلا يَوْمًا وَحْدَهُ فوضَعَ ثيابَهُ على الحجر ثم اغتسل فلما فرغَ أقبل إلى ثيابه لِيأخُذَها وإنَّ الحجرَ عدا بثوبِه، فأخذ موسى عصاهُ وطلبَ الحجرَ فجعل يقول: ثوبي حَجَرُ، ثوبي حَجَرُ، حتى انتهى إلى ملأٍ من بني إسرائيل فَرَأَوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ الله وأبْرأهُ مما يقولون. وقام حَجَرٌ فأخذ بثوبِه فَلَبسَهُ وطَفِقَ بالحَجرِ ضربًا بعصاه، فو الله إنَّ بالحَجَرِ لَنَدَبًا من أثرِ ضَرْبِهِ ثلاثًا أو أربعًا أَو خمْسًا، فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾] (٣).\nوفي الصحيحين والمسند عن شقيق، عن عبد الله قال: [قَسَمَ رسول الله - ﷺ - ذاتَ يوم قَسْمًا، فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجهُ الله. قال: فقلت: يا عدوَّ الله، أما لأخبرنَّ رسول الله - ﷺ - بما قلت. قال: فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فاحمَرَّ وجهه، ثم قال: رحمةُ الله على موسى، لقد أُوذِيَ بأكثرَ من هذا فَصَبَر] (٤).\nوهذه القسمة كانت يوم حنين، كما جاء في الرواية الأخرى عند البخاري عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: [لمّا كان يومُ حُنين آثرَ النبي - ﷺ - ناسًا، أعْطى الأقْرَعَ مِئَةً من الإبل، وأعطى عُيينة مِثْلَ ذلك، وأعطى ناسًا، فقال رجل: ما أُرِيدَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه \"البخاري (٤٧٩٩) - كتاب التفسير - وانظر كذلك الحديث (٢٧٨).\n(٢) انتفاخ في الخصية.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٠٤)، كتاب أحاديث الأنبياء، ورواه الترمذي (٣٢٢١)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٤٤)، والطبري (٢٨٦٧٣).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٣٣٥)، كتاب المغازي، وأخرجه مسلم (١٠٦٢)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٣٥)، وابن حبان (٢٩١٧).","vol":"6","page":223},{"text":"بهذه القِسْمة وَجْهُ الله، فقلت: لأخْبِرَنَّ النبي - ﷺ -، قال: رحم الله موسى قَدْ أوذيَ بأكثرَ مِنْ هذا فصَبَرَ] (١).\nوقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. أي صاحب وَجَاهَةٍ وَجَاهٍ وقَدْرٍ عند ربه تعالى.\nقال الحسن البصري: (كان مستجاب الدعوة عند الله). وقال بعض السلف: [لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ولكن مُنِعَ الرؤية لما يشاء الله - ﷿ -).\nوقال بعضهم: (من وجاهته العظيمة أنه شفع في أخيه هارونَ أن يُرسِلَهُ الله معه، فأجاب الله سُؤْلَهُ، وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم: ٥٣].\nوالوجيه في كلام العرب: من وَجُهَ إذا صار وجيهًا، أي: ذا جاه وقَدر. ووجوه البلد أشرافه. قال الزمخشري: (﴿وَجِيهًا﴾ أي ذا جاه ومنزلة عنده. فلذلك كان يميط عنه التهم ويدفع الأذى ويحافظ عليه لئلا يلحقه وصم ولا يوصف بنقيصة، كما يفعل الملك بمن له عنده قربة ووجاهة).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.\nأمْرٌ من الله عباده المؤمنين بلزوم منهج التقوى والقول السديد الذي فيه نصرة الحق وزهوق الباطل.\nقال ابن عباس: (من سَرَّه أن يكونَ أكرم الناس فليتق الله). وقال عكرمة: (القول السديد: لا إله إلا الله). وقال مجاهد: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يقول: سدادًا). وقال قتادة: (أي عدلًا. يعني به في منطقه وفي عمله كله. والسديد: الصدق). وجميع ما سبق داخل تحت مفهوم الآية وبيانها.\nوقوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.\nقال القرطبي: (وعد جل وعز بأنه يجازي على القول السداد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب، وحسبك بذلك درجة ورفعة منزلة).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\nأي: ومن يصدق الله طاعته ومتابعة رسوله فقد ظفر بالكرامة العظمى من الله.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٣٣٦)، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، وانظر الحديث (٣١٥٠)، كتاب فرض الخمس.","vol":"6","page":224},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢].\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إنَّ أهل الجَنَّة يتراءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ من فوقهم، كما تتراءَوْن الكوكب الدُّري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لِتَفَاضُلِ ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يَبْلُغُها غَيْرُهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المُرْسَلين] (١).\n٧٢ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تأكيدُ ثقل الأمانة، وخشيةُ السماوات والأرض والجبال من حملها، وتقدَّم الإنسان لحملها ليرفعه الله بها، ولكنه كان متعثرًا في ذلك ظلومًا لنفسه، جهولًا أغلب أحيانه بقدرها وثوابها. وقد كتب الله العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، والمغفرة للمؤمنين والمؤمنات، وكان الله غفورًا رحيمًا.\nفإلى تفصيل ذلك من أقوال المفسرين:\n١ - عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ قال: (الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على العباد).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٦)، كتاب بدء الخلق، وكذلك (٦٥٥٦)، ورواه مسلم.","vol":"6","page":225},{"text":"٢ - وعن سعيد عن ابن عباس: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾. قال: الأمانة: الفرائض. قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذّبتك، قال: قد قبلت، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة).\n٣ - وعن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (الأمانة: الفرائض، عَرَضها الله على السماوات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم وإن ضيّعوها عذَّبهم الله. فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، يعني: غِرًّا بأمر الله).\n٤ - وقال العوفي عن ابن عباس: (يعني بالأمانة: الطاعة، عَرَضها عليهم قبل أن يعرِضَها على آدم فلم يُطقِنها. فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال فلم يُطِقْنَها، فهل أنت آخذٌ بما فيها؟ قال: يا ربِّ، وما فيها؟ قال: إن أحسنتَ جُزيت، وإن أسأت عُوقِبْتَ. فأخذها آدمُ فتَحَمَّلها، فذلك قوله: . ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾).\n٥ - وقال أبيُّ بن كعب: (من الأمانةِ أن المرأة اؤتمنَتْ على فَرْجِها).\n٦ - وقال قتادة: (الأمانة الدين والفرائض والحدود).\n٧ - وقال مالك، عن زيد بن أسلم قال: (الأمانة ثلاثةٌ: الصلاة، والصومُ، والاغتسال من الجنابة).\nقلت: وجميع ما سبق من الأقوال يعضد بعضه بعضًا، ومفادها أن حمل هذا الدين بامتثال أوامره وتكاليفه واجتناب نواهيه أشفقت منه السماوات والأرض والجبال حين عُرض عليها، وقَبِل الإنسان حمله حين علم عظيم الثواب الذي يعقب ذلك الجهاد في حراسة الدين وإقامته في الأرض، ولكنه سرعان ما يظلم نفسه باتباع هواه وشيطانه ويدخل في متاهات الجهل وينسى ما كان أُعِدّ له مقابل الثبات على الحق والمجاهدة في حمل الأمانة.\nأخرج أبو داود بسند حسن عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: [خَمْسٌ مَنْ جاء بِهنَّ مع إيمانٍ دخل الجَنَّة، مَنْ حافظ على الصلوات الخمس على وُضوئهن وركوعهنَّ وسجودهن ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه","vol":"6","page":226},{"text":"سبيلًا، وأعطى الزكاة طَيِّبَةً بها نَفْسُهُ، وأَدَّى الأمانة. قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة] (١).\nفالحديث يدل جميعه على حفظ الدين، وما غُسل الجنابة إلا مثال الصدق في حمل هذه الأمانة، وإلا فجميع أوامر الله تعالى داخلة في مفهوم هذه الأمانة. فإنْ حَمَلَها الإنسان بأمانة رفعه الله بها، وإن ضَئعها واستهتر بحملها خيّبَهُ الله.\nوفي الصحيحين والمسند عن حذيفة ﵁ قال: [حَدَّثنا رسول الله - ﷺ - حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حَدَّثنا أن الأمانة نزلت في جَذْرِ قلوب الرجال، ثم نزلَ القرآن، فَعَلِموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حَدَّثنا عن رَفع الأمانة، فقال: ينام الرجلُ النومةَ فتقبض الأمانةُ من قلبه، فيظل أثرُها مثل أثر الوَكْتِ، فتقبض الأمانةُ من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المَجْلِ كَجَمْرٍ دحرجته على رجلِكَ فتراه مُنتبرًا (٢) وليس فيه شيء - قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رِجله - قال: فيصبحُ الناسُ يتبايعون لا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانةَ، حتى يُقالَ: إنَّ في بني آدمَ رجُلًا أمينًا، حتى يُقال للرجل: ما أجلده وأظرفَه وأعقَله! وما في قلبه حَبَّة من خردلٍ من إيمان. ولقد أتى عَلَيَّ زمانٌ وما أبالي أَيَّكم بايعتُ، إن كان مُسْلِمًا ليردَّنَهُ عليَّ دينُه، وإِن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنَّه عليّ ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا] (٣).\nوفي مسند أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: [أربعٌ إذا كنَّ فيكَ فلا عليكَ ما فاتكَ من الدُّنيا، حفظُ أمانةٍ، وصِدْقُ حديثٍ، وحُسن خليقةٍ، وعفَّةُ طُعْمَة). وفي لفظ: [أربع إذا كنَّ فيك فلا عليكَ ما فاتكَ من الدنيا: صدقُ الحديث، وحفظُ الأمانة، وحسنُ الخلق، وعفةُ مطعم] (٤).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: [بينما كان النبي - ﷺ - يُحَدِّثُ إذ جاء\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٤٢٩). وانظر صحيح أبي داود (٤١٤).\n(٢) الوكت: الأثر اليسير في الشيء. المجل: قشرة رقيقة يجتمع فيها ماء من أثر العمل. ومنتبرًا: متورِّمًا.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٩٧)، (٧٠٧٦)، ومسلم (١٤٣)، وأخرجه أحمد (٥/ ٣٨٣)، والترمذي (٢١٧٩)، وابن ماجة (٢٠٥٣)، والبيهقي (١٠/ ١٢٢).\n(٤) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٢/ ١٧٧)، ح (٦٦١٤)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٨١٢٣): (رواه أحمد والطبراني، وإسنادهما حسن). وانظر صحيح الجامع (٨٨٦).","vol":"6","page":227},{"text":"أعرابي فقال: متى الساعة؟ قال: إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة] (١).\nوقوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾.\nأي: ليعذب الله المستهترين بحمل الأمانة - بعد المعاهدة والتوثيق بحفظها والقيام بها - من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات. قال قتادة: (هذان اللذان خاناها).\nوقال الحسن: (اللذان خاناها، اللذان ظلماها: المنافق والمشرك).\nوقوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال قتادة: (هذان اللذان أدّياها).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن جرير: (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لذنوب المؤمنين والمؤمنات، بستره عليها، وتركه عقابهم عليها ﴿رَحِيمًا﴾ أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها).\nوالمقصود: قَابَلَ الله تعالى مَنْ صَدَقَ من عباده بِحَمْل الأمانة ولم يَسْتَهْتِر بها بالصفح والمغفرة لِما يكونُ من الزَّلَلِ أثناء الطريق، وبالرحمة التي تنجيهم من عذابه في الآخرة. وَقَابَلَ الذين خانوا الامانة بعد توثيق العهد بِحَمْلِها والقيام بلوازمها بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، والله لا يظلم أحدًا.\nتَمَّ تفسير سورة الأحزاب بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩) - كتاب العلم. وانظر كذلك الحديث (٦٤٩٦).","vol":"6","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - كان آخرَ قول إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار: حسبي الله ونِعم الوكيل. وهي قول محمد - ﷺ - حين اجتمع الأحزاب ضده، وهي منهاج للمؤمنين.\n٢ - إنهاء حكم التبنِّي الذي كان في الجاهلية وفي أول الإسلام، والاستعاضة بالأخوة في الدين والولاية فيه عما فات من النسب لمن لم يُعرف أبوه.\n٣ - إن الله تعالى تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.\n٤ - لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين.\n٥ - القرابات أولى بالتوارث في حكم الله من التوارث بالحلف وأخوة الدين.\n٦ - أولو العزم من الرسل: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم.\n٧ - تمني المنافقين يوم الأحزاب أن يكونوا غُيِّبوا في البادية مع الأعراب خوفًا من القتل والخزي على أيدي المؤمنين.\n٨ - السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.\n٩ - كَسْرُ شوكة المشركين يوم الأحزاب، وقول النبي - ﷺ -: الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم.\n١٠ - المرأة عورة، فإذا خرجت اسْتَشرفها الشيطان، وأقربُ ما تكون بِروْحَةِ ربِّها وهي في قَعْرِ بيتها.\n١١ - لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.\n١٢ - لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن.","vol":"6","page":229},{"text":"١٣ - أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا.\n١٤ - لا ينظر الرجل إلى عُرْية الرجل، ولا المرأة إلى عرية المرأة، والله أحق أن يُستحيا منه من الناس.\n١٥ - سبق المفرِّدون: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات.\n١٦ - لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وليس أحد بعد النبي - ﷺ - إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - ﷺ -.\n١٧ - كان صداقه - ﷺ - في أزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشًّا. والنَّش: نصف أوقية. وذلك خمس مئة درهم.\n١٨ - إذا دعا أحدُكم أخاه فليُجب، عُرْسًا كانَ أو غيره.\n١٩ - أكثروا الصلاة عليّ، فإن الله وَكَّلَ بي ملكًا عند قبري، فإذا صلى عليّ رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد! إنَّ فلان بن فلان صلى عليك الساعة.\n٢٠ - الربا اثنان وسبعون بابًا، أدناها مِثْلُ إتيان الرجل أمَّه، وإنَّ أربى الربا استطالة الرجل في عِرض أخيه.\n٢١ - وجه المرأة ليس بعورة، وهو قول أكثر العلماء، ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد.\n٢٢ - الجلباب هو لباس الفطرة، وبه يحمي الله المرأة من الفتنة.\n٢٣ - من سرّه أن يكون أكرم الخلق فليتق الله.\n٢٤ - أربعٌ إذا كُن فيك فلا عليك ما فاتكَ من الدنيا: صدقُ الحديث، وحفظُ الأمانة، وحسنُ الخلق، وعفةُ مطعم.\n٢٥ - يقابل الله من صَدَق من عباده بحفظ الأمانة بالصفح والغفران، ويقابل إلذين خانوا الأمانة بالخزي والهوان.\n* * *","vol":"6","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>٣٤ - سُوْرَةُ سَبَإٍ</span>\nوهي سورة مكية باتفاق المفسرين إلا آية واحدة اختلف فيها، وهي الآية السادسة: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الآية. قيل: هي مكية، قاله ابن عباس. وقيل: بل هي مدنية، قاله مقاتل. وعدد آياتها (٥٤). وسميت بسبأ لتضمنها قصة قوم آمنوا فاغدق الله عليهم من النعم، ثم انتكسوا فتبدّلت بالنقم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>موضوع السورة</span>\nقصة سبأ وارتباط الإيمان بالإنعام، وانتكاس ذلك ليكون الخزي والحرمان.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-230> منهاج السورة </span>-\n١ - الحمدُ لله الملك في الأولى وفي الآخرة، والعالم بما يلج في الأرض وما ينزل من السماء وما يعرج فيها الموصوف بالرحمة والمغفرة.\n٢ - استعجال الكفار الساعة واستبعادهم أمر الحساب، وتأكيد الله لهم إحصاءه أعمالهم ليوم الثواب والعقاب، وثناء الله على المؤمنين تصديقهم بهذا الكتاب.\n٣ - تعجب مشركي قريش بالبعث بعد الموت، واتهامهم رسول الله بالجنون أو الكذب، وانتصار الله لنبيّه، وصرفهم لرؤية آيات مقدرته.\n٤ - فضل الله تعالى على داود وسليمان ﵉، جزاء الطاعة والشكر لله والإحسان.","vol":"6","page":231},{"text":"٥ - قصة موت سليمان ﵇، والعبرة في ذلك للشياطين والسحرة والكهان.\n٦ - قصة سبأ قصة الإنعام من الله المنان، ومقابلة تكذيب القوم وجحودهم شكره تعالى بالخزي والحرمان.\n٧ - إثبات أمر الشفاعة لله الرزاق الفتاح العليم، فهو الذي يجمع خلقه ويخزي الشركاء وهو العزيز الحكيم، وهذا الرسول أرسله الله كافة للناس ورحمة للعالمين.\n٨ - استعجال المشركين البعث والقيامة، وإصرارهم على الكفر بهذا القرآن، وحوار المستكبرين والمستضعفين يوم القيامة، وهم في غمرات العذاب قد أسروا الندامة.\n٩ - سنة الله في الأمم: هم يختارون الكبر والطغيان والفرح بزينة الحياة الدنيا والتفاخر بالأموال والأولاد، ثم يأتيهم العذاب.\n١٠ - تَبَرُّؤ الملائكة في أرض المحشر ممن عبدوهم، وتأكيدهم أن القوم كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون.\n١١ - تكذيب الكفار الرسل واتهامهم بالكذب، وتوعدهم الله السنن كما حلّ بمن قبلهم.\n١٢ - توجيه الله نبيّه لوعظ قومه بطاعة الله، والصدق في أمر محمد - ﷺ -.\n١٣ - سنةُ الله تعالى في قذف الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق مَهين.\n١٤ - حصاد الكفار يوم بدر، وفزعهم يوم الحشر، ولا نجاة لهم من النار.\n١٥ - انعدام قبول التوبة عند فوات الأوان، ويحال بين الكفار وبين ما يشتهون ليذوقوا الهوان.\n* * *","vol":"6","page":232},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٢. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾.\nفي هذه الآياتِ: كل الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتصرفًا وتدبيرًا. وكل الحمد لله الذي لم يزل حكيمًا خبيرًا. وكل الحمد لله في الأولى والآخرة على ما أعدّ للمؤمنين نعيمًا كبيرًا، وعلى ما أنزل بالكافرين به عذابًا مستطيرًا. فهو يعلم عدد القطر النازل في الأرض والحب المبذور وما يؤول إليه فيخرج نباتًا مختلف الألوان جميلًا. ويعلم ما يعرج في السماء من أعمال العباد فيجازي بالصالحات ثوابًا وأجرًا وفيرًا. وهو الرحيم بالمؤمنين الغفور للتائبين سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.\nفقد قال عن نفسه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nقال الشهاب: (السماوات والأرض عبارة عن هذا العالم بأسره).\nو﴿الَّذِي﴾ يجوز أن تكون في محل جر على النعت أو البدل، أو في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف، أو في محل نصب بمعنى (أعني) حكاه القرطبي.\nوقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ كقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. قال قتادة: (حكيم في أمره، خبير بخلقه).\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ قوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾. أي يدخل في ذلك ما فيها من الكنوز والدفائن والأموات.\nوقوله: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. أي: من النبات والعيون والشجر والدواب.","vol":"6","page":233},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. أئي: من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والمقادير والبركات.\nوقوله: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾. أي: من الملائكة وأعمال العباد.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. أي: عن ذنوب التائبين إليه، رحيم بهم فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة.\n٣ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾.\nفي هذه الآياتِ: استعجالُ الكفار الساعة استهزاء وكبرًا، وأمر الساعة بيد الله، ويومئذ يجزي المؤمنين الأجر والرزق الكريم، ويخذل المشركين ويوفيهم العذاب الاليم، وأهل العلم مصدقون بأن هذا القرآن هو الحق المبين.\nفقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.\nأي: ويستعجلك يا محمد كفار مكة - الذين جحدوا قدرة الله أن يعيدهم بعد فنائهم بهيئتهم قبل فنائهم - بقيام الساعة استهزاء وتكذيبًا، فقل لهم: بلى وربي قسمًا به لتأتينكم، وهذه إحدى ثلاث آيات لا رابع لهن في القرآن يقسم بها رسول الله - ﷺ - على وقوع المعاد لمنكريه. فالآية الأولى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. وهذه هي الآية الثانية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. والآية الثالثة في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].\nقال أبو سفيان لكفار مكة: (واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدًا ولا نبعث). فقال الله: قل يا محمد: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.","vol":"6","page":234},{"text":"وقرأ بعضهم ﴿ليأتينكم﴾ بالياء، أي البعث. والقراءة الأولى أشهر بين القراء.\nوقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾. قرأه قراء المدينة بالضم \"عالمُ\" وهي قراءة نافع وابن كثير على الابتداء. وقرأه بعض قراء الكوفة والبصرة \"عالمِ\" بالجر، وهي قراءة عاصم وأبي عمرو. وقرأ بقية قراء الكوفة: \"علَّام\" وهي قراءة حمزة والكسائي على المبالغة.\nومن قرأها بالرفع كان الخبر قوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. قال ابن عباس: (لا يغيب عنه).\nقال الحافظ ابن كثير: (أي الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرّة فإنه بكل شيء عليم).\nوقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nيقال: عَزَبَ يعزُبُ ويعزِبُ إذا بَعُدَ وغاب. قال الفراء: (والكسر أحبَّ إلي) أي يعزِب. حكاه القرطبي. وقوله: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. قال ابن جرير: (زنة ذرة في السماوات ولا في الأرض. لا يغيب عنه شيء من زنة ذرة فما فوقها فما دونها أين كان في السماوات ولا في الأرض: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقول: هو مثبت في كتاب يبين للناظر فيه أن الله تعالى ذكره قد أثبته وأحصاه وعلمه فلم يعزب عن علمه).\nوفي قراءة الأعمش: ﴿ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ﴾ بالفتح، والرفع أشهر عند القراء.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.\nلقد أثبت ذلك سبحانه في الكتاب المبين كي يثبت الذين آمنوا بالله ورسوله - وعملوا بما أمرهم الله ورسوله به، وانتهوا عما نهاهم عنه - على طاعتهم ربهم والقيام بواجبات دينهم، حتى يَحْظَوا بمغفرة ذنوبهم والرزق الكريم وهو الجَنَّة ونعيمها.\nقال قتادة: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: في الجَنَّة).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ - فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. أي لا يعجزون. قاله قتادة.","vol":"6","page":235},{"text":"التأويل الثاني: قيل بل ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: أي مسابقين. يقال: عاجزه وأعجزه إذا غالبه وسبقه.\nقال القرطبي: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي في إبطال أدلتنا والتكذيب بآياتنا ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا وأن الله لا يقدر على بعثهم في الآخرة).\nوقال ابن زيد: (﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾، قال: جاهدين ليهبطوها أو يبطلوها وهم المشركون، وقرأ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾).\nوكلا المعنيين حق، فهم يحاولون المعاجزة بجحودهم ولكنهم لا يعجزون، ويجهدون لإبطال الحق ولكن ينقلب السحر على الساحر.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.\nقال قتادة: (الرجز: سوء العذاب، الأليم: الموجع).\nوقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾.\nقال مقاتل: (الذين أوتوا العلم هم مؤمنو أهل الكتاب). وقال ابن عباس: (هم أصحاب محمد - ﷺ -). وقيل: (جميع المسلمين).\nفلما ذكر سبحانه الذين سعوا في إبطال النبوة وإنكار البعث والحساب والجزاء ونوال الثواب ونكال العقاب يوم القيامة، بيَّن أن الذين أوتوا العلم يرون أن القرآن حق ويدافعون عن دينهم ونبيهم ما يحاوله المشركون من النيل منهم، وأنهم إذا عاينوا قيام الساعة وفصل الحساب بمجازاة الأبرار والفجار بما كانوا علموه من كتب الله أنه واقع لا محالة قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢].\n﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٦].\n﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣].\nوهذا الحق يهدي إلى صراط العزيز الذي لا يغالب، والحميد في أقواله وأفعاله وأمره ونهيه، وعند خلقه، فأياديه عندهم ونعمه لديهم.\n٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ","vol":"6","page":236},{"text":"مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾.\nفي هذه الآياتِ: لقد قال المشركون من قريش والكفار بالله ورسوله متعجبين بالبعث بعد الموت هل ندلكم أيها الناس على من يخبركم أنكم عائدون بعد تقطعكم في الأرض كهيئتكم قبل الممات؟ لا بد أنه إما أن يكذب وإما أن يكون مجنونًا. كلا يا محمد ليس الأمر كذلك، بل إن أولئك المشركين قد أبعدوا الذهاب عن طريق الحق، فهم قادمون على عذاب الآخرة، وكان أولى بهم أن ينظروا عن أيمانهم وشمائلهم كيف السماء قد أحاطت بهم ولو شئنا لأسقطنا قطعًا منها كما فعلنا بمن أسرف قبلهم، أو لخسفنا بهم الأرض وزلزلناها من تحتهم كما خسفنا بمن كذب الرسل قبلهم، ففي إحاطة السماء بهم من غير عمد وبثبات الأرض من حولهم لدلالة لكل من أناب لله وأقرّ له بالوحدانية والطاعة والإخبات أن فاعل ذلك لا يمتنع عليه فعل شيء أراد فعله.\nفعن قتادة: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ قال: ذلك مشركو قريش والمشركون من الناس. ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ إذا أكلتكم الأرض وصرتم رفاتًا وعظامًا وقطعتكم السباع والطير ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ستحيون وتبعثون. قال قالوا تكذيبًا. ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قال: قالوا إما أن يكون يكذب على الله ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وإما أن يكون مجنونًا).\nوقال ابن زيد: (قال الله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ وأمره أن يحلف لهم ليعتبروا وقرأ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] وقرأ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾).\nوفتحت الألف في قوله \"أَفترى\" لأنَّها ألف استفهام، وأما الألف التي بعدها (ألف افتعل أي ألف افترى) فذهبت لأنَّها خفيفة زائدة تسقط باتصال الكلام بها، ومثلها في القرآن قوله: ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، وقوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦].\nقال شيخ المفسرين: (وأما ألف آلآن وآلذّكرين فطولت هذه ولم تطول تلك لأن","vol":"6","page":237},{"text":"آلآن وآلذكرين كانت مفتوحة، فلو أسقطت لم يكن بين الاستفهام والخبر فرق).\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي حيثما توجهوا وذهبوا فالسماء مطلة عليهم والأرض تحتهم، كما قال ﷿: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾).\nوقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال القرطبي: (فكيف يأمنون الخسف والكسف كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة).\nوالكسف: القِطَع. وفي الآية تحذير للعباد من حلول الكوارث وأسباب الدمار فيهم إن لم يعتبروا بمن سبقهم في الضلال والاستهزاء.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. قال سفيان عن قتادة: (المنيب المقبل إلى الله تعالى). وقال سعيد عن قتادة: (والمنيب المقبل التائب).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا] (١).\nوله رواية عند الترمذي بلفظ: [بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن].\nوهي رواية مفسرة للأولى. أي ليكن استعدادكم قائمًا وجاهزيتكم حاضرة في التماس الأعمال الصالحة والمعالي، فإن كثرة الخبث سيقابلها الله بكثرة فتن تهدد قلوب الناس ومستقبلهم عقاب الله لهم، فستكون الفتن كقطع الليل المظلم، وَقِطَعُ إلليل أي طوائفه، فكلما ذهبت منه ساعة مظلمة أعقبتها ساعة مثلها، وكذلك الفتن.\nوفي صحيح مسلم عن الأغرِّ بن يسار المُزني ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرّة] (٢).\n١٠ - ١٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (١١٨)، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٠٢) (٤١). والغَيْن: ما يتغشى القلب من الغفلات.","vol":"6","page":238},{"text":"بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يخبر جل ثناؤه عن أثر الطاعة وما يتذلل لأجلها من تسخير للخيرات وأسباب التمكين والقوة، فقد جمع سبحانه لعبده ونبيه داود ﵇ بين النبوة والملك والتمكن والجنود ذوي العَدد والعُدد، وبارك له بصوت جميل كان إذا سَبَّحَ شاركته الجبال الشامخات والطيور السارحات وجاوبته بأنواع اللغات. ثم أخبر سبحانه أنه سخر له الحديد وأسباب القوة فيسويها بيده ويصنع منها الدروع ويقدر المسامير في الحلق ليثقب الدروع فينتفع بها في البيع والتجارة، فكان يأكل بذلك من عمل يده من صنعة فتحها الله عليه فوسع له في معيشته فلا يحتاج لأحد، ويتصدق على الفقراء والمساكين وينفق في مصالح المسلمين، وكذلك سخر لسليمان الريح يتحرك بمركبه فيها يرهب أعداء الله يفاجئهم بقدوم سريع، فدانت له الأرض وهو يحكم بالعدل وسلطان الحق وهيبته، كما سخّر له كذلك سبحانه جنودًا من الجن لا يغادرون أمره، فأنشؤوا له البنيان والقصور والمساجد والمساكن ونحتوا له الأحواض التي يُجبى فيها الماء، وقدور الطعام التي تكفي الجيوش، فاعملوا بطاعة الله مزيدًا يا آل داود، فإن شكر الله عليها يقتضي دوامها.\nفعن ابن عباس: (﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سبحي معه). والتأويب في كلام العرب الرجوع أو الترجيع.\nوفي نصب ﴿وَالطَّيْرَ﴾ وجهان عند أهل العلم بالعربية: الوجه الأول: أنَّ الطير نوديت كما نوديت الجبال، فتكون منصوبة من أجل أنَّها معطوفة على مرفوع لكن بما لا يحسن إعادة رافعه عليه. والوجه الثاني: أنَّ تكون منصوبة بفعل محذوف تقديره سخّرنا، فيكون المعنى: يا جبال أوبي معه وسخرنا له الطير.\nوقال القاسمي: (﴿يَاجِبَالُ﴾ بدل من ﴿فَضْلًا﴾ أو من ﴿آتَيْنَا﴾).\nوقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. قال قتادة: (سخر الله له الحديد بغير نار. وقال: كان يسويها بيده ولا يدخلها نارًا ولا يضربها بحديدة).","vol":"6","page":239},{"text":"وقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. وهي التوامّ الكوامل من الدروع. قال ابن زيد: (السابغات: دروع الحديد). وقال قتادة: (دروع، وكان أول من صنعَها داود، إنما كان قبل ذلك صفائح).\nوقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالسرد: ثقب الدروع، فيسد قتيرها). وقال ابن زيد: (السرد: حلقة، أي قدّر تلك الحلق). وقال قتادة: (كان يجعلها بغير نار، ولا يقرعها بحديد ثم يسردها. والسرد: المسامير التي في الحلق).\nوقال: (كانت صفائح فأُمِرَ أن يسردها حلقًا).\nقال شيخ المفسرين: (وعنى بقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: وقدِّر المسامير في حلق الدروع حتى يكون بمقدار لا تغلظ المسمار وتضيق الحلقة فتفصم الحلقة، ولا توسع الحلقة وتصغر المسامير وتدقها فتسلس في الحلقة).\nوذكر قول مجاهد: (لا تصغر المسمار وتعظم الحلقة فتسلس، ولا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فيفصم المسمار).\nفهذه علوم وصناعة وحضارة يفتحها الله على أنبيائه وأوليائه لما كان هَمُّهم تعظيم أمره والحكم بشريعته وأن يعبد الله وحده في الأرض ولا يشرك به، لما كان همّهم ومطلبهم هو حراسة دين الله وسياسة الدنيا به، إذن: فليخضع الحديد لجلالة مرادهم، ولتمض الرياح لخدمة غرضهم، ولتشاركهم الطبيعة تسبيحهم وصلاتهم وقتالهم، ولتضع الملائكة أجنحتها رضًا لما أهمهم، ولتقرأ الأجيال المتعاقبة في القرآن الكريم أن طاعة الرحمان تورث العزّ والقوة والنعيم في الدنيا والآخرة.\nفاعمل يا داود أنت وآلك بطاعة الله، إني بما تعملون ذو بصر لا يخفى على منه شيء، وأنا مجازيك وإياهم على جميع ذلك.\nوقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.\nقال قتادة: (تغدو مسيرة شهر، وتروح مسيرة شهر. قال: مسيرة شهرين في يوم).\nفسخّرها له سبحانه غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر، وأكثر القراء بنصب الريح، والمعنى: ولقد آتينا داود منا فضلًا وسخرنا لسليمان الريح. وقرأ عاصم: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ﴾ بالرفع على الابتداء، والأول عليه الإجماع.","vol":"6","page":240},{"text":"وقال الحسن البصري: (كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل باصطخر يتغذى بها، ويذهب رائحًا من اصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق واصطخر شهر كامل للمسرع، وبين اصطخر وكابل شهر كامل للمسرع).\nوفي رواية: (﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ قال: كان يغدو فيقيل في اصطخر، ثم يروح منها فيكون رواحها بكابل).\nوقال ابن زيد: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: كان له مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت، تركب فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان، يرفعون ذلك المركب هم والعصار، فإذا ارتفع أتت الريح رخاء فسارت به وساروا معه، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر، ويمسي عند قوم بينه وبينهم شهر، ولا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش والجنود).\nوقوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. قال قتادة: (عين النحاس، كانت بأرض اليمن، وإنما يُنْتَفَعُ اليوم بما أخرج الله لسليمان).\nوقال ابن زيد: (﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. قال: الصِّفر سال كما يسيل الماء، يعمل به كما كان يعمل العجين في اللين).\nفذلل الله سبحانه الريح والنحاس وأسباب القوة والتمكين لنبيِّه سليمان ﵊، لما كان شاغله في ذلك العمل بالعدل الذي أوحاه الله إليه، وإقامة الحق وتعظيمه، وحراسة دولة الحق من أن يدخلها الفساد، وسخّر له بذلك جنودًا وجيوشًا جَرَّارة من الجن يطيعونه ويأتمرون بأمره. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾. ومن يعدل منهم عن أمر الله بأن يطيع سليمان نذقه عذاب جهنم في الآخرة.\nفعن قتادة: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾: أي يعدل منهم عن أمرنا عما أمره به سليمان ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾).\nوقوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾.\nالمحاريب: جمع محراب، وهو مقدَّم كل مسجد وبيت ومصلى.\nقال مجاهد: (قوله: (﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾، قال: بنيان دون القصور).\nوقال قتادة: (﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ وقصور ومساجد).\nوقال ابن زيد: (المحاريب: المساكن. وقرأ قول الله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ","vol":"6","page":241},{"text":"يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]). وقال الضحاك: (المحاريب: المساجد).\nوكذلك يعملون له تماثيل من نحاس وزجاج. قال مجاهد: (﴿وَتَمَاثِيلَ﴾، قال: من نحاس). وقال قتادة: (من زجاج ومشبه). وقال الضحاك: (﴿وَتَمَاثِيلَ﴾، قال: الصور). قال أبو العالية: (لم يكن اتخاذ الصوَر إذ ذاك محرمًا).\nوكذلك ينحتون له ما يشاء من جفان كالجواب: جمع جابية، وهو الحوض الذي يُجْبى فيه الماء. قال ابن عباس: (﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: يقول كالجوبة من الأرض).\nوفي رواية عنه، قال: (يعني بالجواب: الحياض). وقال مجاهد: (﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: حياض الإبل). وقال قتادة: (جفان كجوبة الأرض من العِظَم، والجوبة من الأرض: يستنقع فيها الماء).\nوقوله: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. وهي أوعية عظيمة يصنع فيها الطعام يكفي القبيلة من الناس. قال سعيد بن جبير: (هي قدور النحاس تكون بفارس). وقال الضحاك: (هي قدور تُعمَلُ من الجبال). وقال قتادة: (﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: عظام ثابتات الأرض لا يزُلن عن أمكنتهن). وقال ابن زيد: (مثالُ الجبال من عِظَمِها يُعْمَلُ فيها الطعام من الكبر والعظم لا تحرّك ولا تنقل كما قال للجبال راسيات).\nفاعملوا يا آل داود بطاعة الله شكرًا له على ما أغدق عليكم فخصَّكُم به على سائر خلقه، والتقدير: وقلنا لهم: اعملوا. وأخرج قوله شكرًا مصدرًا من اعملوا: أي اشكروا شكرًا.\nفعن محمد بن كعب: (قوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. قال الشكر: تقوى الله والعمل بطاعته). وقال ابن زيد: (أعطاكم وعلمكم وسخَّر لكم ما لم يسخر لغيركم، وعلمكم منطق الطير، اشكروا له يا آل داود، قال: الحمد طرف من الشكر).\nأخرج الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلكَ النعمة] (١).\nوعند ابن ماجة بسند صحيح عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [ما أنعم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة. انظر صحيح الجامع (٥٤٣٨)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣١٨) لتفصيل البحث.","vol":"6","page":242},{"text":"الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (١).\nوقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: قليل من عبادي الموحِّدون توحيدهم).\nفهذا النعيم والملك والشوكة في الأرض يدجج الله بها أنبياءه لتحمي الحق، ولتهدد المفسد ولتبين جمالَ سلطان العدل وهيبته في الحكم، أنعم الله بها على آل داود واختص سليمان برهبة وجند. وقيل: كان مستقر سليمان بمدينة تدمر، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصُّفاح - وهي حجارة عريضة رقيقة - والعَمَد والرخام الأبيض والأصفر، قاله ابن زيد. وفيه يقول النابغة:\nإلا سليمانَ إذ قال الإله له ... قُمْ في البريّة فاحْدُدْها (٢) عن الفَنَد\nوخَيِّسِ (٣) الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تَدْمُرَ بالصُّفاحِ والعمد\nفمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادْلُلْه على الرشد\nومن عصاك فعاقِبْهُ معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقْعُدْ على ضمد (٤)\nقال القرطبي ﵀: ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض يَشْكُر أنشأهن بعض أصحاب سليمان ﵊:\nونحن ولا حول سوى حول ربنا ... نروح إلى الأوطان من أرض تَدْمُرِ\nإذا نحن رُحْنا كان رَيْثُ رواحِنا ... مسيرةَ شهرٍ والغدُوّ لآخَرِ\nأُناسٌ شَرَوا لله طوعًا نفوسَهم ... بنصر ابن داودَ النبي المطهَّرِ\nلهم في معالي الدين فضل ورفعة ... وإن نُسبوا يومًا فمن خير معشَرِ\nمتى يركبوا الريح المطيعة أسرعَتْ ... مبادرةً عن شَهرْها لم تُقَصِّر\nتظلهمُ طيرٌ صفوف عليهم ... متى رَفرفت من فوقهم لم تُنَفَّرِ\n١٤. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٨٠٥) - كتاب الأدب - باب فضل الحامدين. وانظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (٣٠٦٧). وصحيح الجامع (٥٤٣٩)، والمرجع السابق في بحث: أنواع شكر الناس.\n(٢) الحد: المنع. والفند: الخطأ. أي امنعها عن التجاوز والخطأ والعصيان.\n(٣) خيِّس: ذلّل. أي استعملهم كما شئت جنودًا يعملون لك تحت أمرك.\n(٤) الضمد: الحقد.","vol":"6","page":243},{"text":"تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾.\nفي هذه الآية: يخبر الله جَلَّ ذكره عن قصة موت سليمان لتكون عبرة للجانّ الذين يَدَّعُون علم الغيب ولغيرهم من الإنس من أتباع الشياطين، من المنجمين والسحرة والكهان والعرافين، فقد عَمَّى الله موته على الجان المسخّرين له في الشاق من الأعمال والبنيان، فقد مكث متكئًا على منسأته - وهي عصاه - بعد فراق روحه لجسده مدة طويلة، قيل سنة من الزمان - إلى أن أكلت دابة الأرض - وهي الأرضة - عصاه، فضعُفَت وسقط إلى الأرض، فتبينوا أن موته كان قبل ذلك بأوان، وعلمت الجن والإنس أن من ظنّ علم الغيب من الجان كان كاذبًا وصاحب أوهام.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ يقول: الأرضة تأكل عصاه).\nوقال السدي: (المنسأة: العصا بلسان الحبشة). وقال قتادة: (أكلت عصاه حتى خرّ).\nوقرأ عامة قراء المدينة \"مِنْسَأته\" على وزن \"مِفعلة\". وقرأها بعض قراء البصرة \"مِنساتَه\" غير مهموزة، وهي قراءة نافع وأبي عمرو، واختار ابن جرير الهمز، وإن كانتا قراءتين مشهورتين.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.\nأي العذاب المذل. قال ابن جرير: (حولًا كاملًا بعد موت سليمان وهم يحسبون أن سليمان حيّ).\nلقد قصّ الله علينا في هذه الآياتِ خبر نبيه سليمان ﵊، وما أنعم عليه بطاعته وشكره وتذليل أسباب القوة والتمكين له في الأرض، لحماية الحق وحراسة الدين، وإرهاب عدو الله والجهاد لتعلو كلمة الله، ويعلو منهاجه فوق كل منهج.\nوقد أخبرنا نبينا - ﷺ - عن بعض طموحات أخيه سليمان في بلوغ المعالي وأسباب القوة.\nففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال سليمانُ بن داودَ: لأطوفَنَّ الليلة على مئة امرأة كُلُّهُنَّ تأتي بفارس يُجاهد في سبيل","vol":"6","page":244},{"text":"الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله. فطاف عليهنَّ فلم تحمِلْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ واحدة جاءت بشقِّ إنسان، والذي نفسُ محمد بيده، لو قال: إن شاء الله لم يحنثْ وكان دَرَكًا لحاجته] (١).\nوقد صنفه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب من طلب الولد للجهاد. ثم ذكره في أكثر من موضع.\nفعلّمنا نبينا - ﷺ - بذلك أن لا نتكلم في المستقبل إلا بربطه بمشيئة الله، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. فإذا جمع المؤمن بين طموح سليمان ﵇ وحبه لرؤية الحق عاليًا مهيمنًا في الأرض منتصرًا وأهله أعزة، وبين كمال التوكل والتوحيد والتوجه لله ورَبْطِ الأمر بمشيئته سبحانه، فقد استمسك بالعروة الوثقى، وعسى الله أن يريه أيامه في نصر الحق وأهله، إنه قريب من المؤمنين.\nثم قصّ الله سبحانه قَصَصَ من أسرف ولم يعظم شعائره، بعد أن قص قَصَصَ من عَظَّم أمره وعمل بشرعه ومنهاجه. فقال جل ذكره.\n١٥ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٨١٩)، كتاب الجهاد والسير، وكذلك (٣٤٢٤)، ورواه مسلم وأحمد وغيرهم.","vol":"6","page":245},{"text":"فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يقص الله سبحانه على نبيه - ﷺ - خبر سبأ، وهم قوم سكنوا اليمن وينسبون إلى رجل من العرب اسمه سبأ، وبلقيس منهم، وقد كانوا يعيشون في نعمة وغبطة في بلادهم، واتساع في أرزاقهم وثمارهم، وجمال في جنانهم وبساتينهم، فبعث الله إليهم رسله يأمرونهم بتوحيده وشكره على ما أغدق عليهم، فكانوا كذلك ما شاء الله، ثم انتكسوا وأصابهم الكبر، فعوقبوا بالسيل والتفرق في البلاد، فصاروا عبرة في الزمان لكل من طغى في النعم بدلًا من شكرها، فصار يقال: تفرقوا أيدي سبأ.\nوقيل: اسم سبأ عبد شمس بن يشجُبَ بن يعرُب بن قحطان. وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبى في العرب، وكان يقال له الرائش لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه، وذكروا أنه بَشَّر برسول الله - ﷺ - وقال:\nسيملِكُ بَعْدَنا مُلْكًا عظيمًا ... نبيٌّ لا يُرَخّصُ في الحَرام\nويملك بعْده منْهُم مُلوكٌ ... يدينون العبادَ بغير ذامِ\nويَملك بعدهم منَّا مُلوك ... يصير المُلك فينا باقْتسام\nويَمْلك بَعْدَ قَحْطانٍ نبيٌّ ... تَقِيٌّ جَبينُهُ (١) خيرُ الأنام\nوسُميَ أحْمَدًا يا ليت أني ... أعَمِّرُ بعد مَبْعَثِه بعَام\nفأعضُده وأحبُوه بنصري ... بكُل مُدجَّجٍ وبِكُل رامِ\nمتى يَظْهَرْ فكونوا ناصِريه ... ومَنْ يلقاهُ يُبْلِغُه سلامي\nأخرج الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄: [أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن سبأ: ما هو أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال رسول الله - ﷺ -: بل هو رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون: فَمَذْحِجُ، وكِنْدَةُ، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحِمْيَر. وأما الشامية فَلَخْمٌ، وجُذامٌ، وعامِلةُ، وغسّان] (٢).\n_________\n(١) الكلمة غير مناسبة وينكسر فيها الشعر، والأصح منها \"وَجْهُهُ\".\n(٢) حديث حسن. أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣١٦)، وإسناده لا بأس به لأنه من رواية أبي =","vol":"6","page":246},{"text":"وقد قرأ عامة قراء المدينة\"مساكِنهم\"، وقرأها بعض الكوفيين \"مسكِنِهم\" وقرأها حمزة \"مسكَنِهم\" وهي قراءات معروفة.\nوقوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾. أي بستانان كانا بين جبلين عن يمين من أتاهما وشماله، ورفعت، والتقدير: آية هي جنتان.\nوعن قتادة: (﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ قال: كانت جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تُخرج مِكْتَلها على رأسها فتمشي بين جبلين فيمتلى مكتلها وما مست بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة يقال لها جُرَذ فنقبت عليهم فغرقتهم، فما بقي لهم إلا أثل وشيء من سدر قليل).\nقال ابن زيد: (ولم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذُباب ولا بُرغوث ولا عقرب ولا حية، وإن كان الركب ليأتون في ثيابهم القُمَّل والدواب فما هم إلا أن ينظروا إلى بيوتهم فتموت الدواب. قال: وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين فيمسك القُفَّة على رأسه فيخرج حين يخرج وقد امتلأت القفة من أنواع الفاكهة ولم يتناول منها شيئًا بيده. قال: والسدّ يسقيها).\nوعن قتادة: (قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ قال: وربكم غفور لذنوبكم، قوم أعطاهم الله نعمة وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته).\nوقال وهب بن منبه اليماني: القد بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيًا فكذبوهم: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ يقول تعالى ذكره: فثقبنا عليهم حين أعرضوا عن تصديق رسلنا سدهم الذي كان يحبس عنهم السيول).\n_________\n= عبد الرحمن أحد العبادلة عن ابن لهيعة، وله طرق وشواهد.\nفقد أخرج الترمذي بسند حسن عن فروة بن مسيك المرادي قال: [أتيت النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي، بمن أقبل منهم؟ فاذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجث من عنده سأل عني ما فعل الغُطيفي؟ فأُخبر أني قد سرت، قال: فأرسل في أثري فردني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: \"ادع القومِ فمَنْ أسْلمَ منهم فاقبل منه، ومَنْ لم يُسْلِم فلا تَعْجَلْ حتى أُحْدِثَ إليك\"، قال: وأنْزِلَ في سَباء ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ أرض أو امرأة؟ قال: \"ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجلٌ وَلَدَ عشْرة من العرب فتيامَنَ منهم سِتةٌ، وتشاءَمَ منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا فَلخْمٌ، وجُذامٌ، وغسانُ، وعامِلَةُ. وأما الذين تيامَنوا: فالأَزدُ، والأشعرون، وحِميَرُ، وكِندَةُ، ومَذْحِجُ، وأنمارُ\". فقال رجل: يا رسول الله، ما أنمار؟ قال: \"الذين منهم خَثْعَمُ وبجيلةُ\"]. صحيح سنن الترمذي (٢٥٧٤).","vol":"6","page":247},{"text":"والعرم في معناه أقوال كثيرة:\n١ - قال ابن عباس: (السدّ). فالتقدير: سيل السد العَرِم.\n٢ - قال عطاء: (اسم الوادي). وقال قتادة: (العرم وادي سبأ كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية قيل من البحر وأودية اليمن). وقال ابن عباس: (واد كان باليمن، كان يسيل إلى مكة، وكانوا يسقون وينتهي سيلهم إليه).\n٣ - وقال مجاهد: (العرِم: ماء أحمر أرسله الله تعالى في السد فشقه وهدمه).\n٤ - وقال ابن عباس: (العرم المطر الشديد).\nواختار ابن جرير أن العرم: المسنَّاة التي تحبس الماء، واحدها: عرمة.\nويبدو أن العرم سدّ بَنَتْه بلقيس وهو المسنّاة بلغة حمير. قيل: لما ملكت جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم فنهتهم فلم يطيعوا، فتركت ملكها فجاؤوا يعتذرون. قالوا: (فإنا نطيعك وإنا لم نجد فينا خيرًا بعدك فجاءت فأمرت بواديهم فسدّ بالعرم) - ذكره المغيرة بن حكيم.\nوقال قتادة: (لما ترك القوم أمر الله بعث الله عليهم جُرَذًا يسمى الخُلْد فثقبه من أسفله حتى غرّق به جناتهم وخرب به أرضهم عقوبة بأعمالهم).\nوقوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال ابن عباس: (أبدلهم الله مكان جنتيهم جنتين ذواتي أَكل خمط، والخمط: الأراك).\nقال أبو عبيدة: (هو كل شجر ذي شوك فيه مرارة). وكذلك قال الزجاج في الخمط، قال: (كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله).\nوقيل للبن\"خمط\" إذا حُمّض. وقوله: ﴿وَأَثْلٍ﴾. قال ابن عباس: (والأثل: الطرفاء).\nوللأثل أصول غليظة يتخذ منه الأبواب، وقيل منه اتخذ مِنْبَرُ النبي - ﷺ - واحدته أثلة، والجمع أثلات. قال الحسن: (الأثل الخشب).\nوقوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. قال الأزهري: (السِّدر من الشجر سدران: بريّ لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغَسُول وله ثمر عَفِص لا يؤكل، وهو الذي يسمى الضّال. والثاني: سِدْر ينبت على الماء وثمره النَّبق وورقه غَسول يشبه شجر العُنّاب).\nقال القاسمي: (﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ أي قلة لا تسمن ولا تغني من جوع).","vol":"6","page":248},{"text":"وهذا كما قال قتادة: (بينما شجر القوم خير الشجر إذ صيّره الله من شر الشجر بأعمالهم).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾. التقدير: جزيناهم ذلك بما كفروا، فإن ﴿ذَلِكَ﴾ في محل نصب.\nوقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ كذلك قرأها قراء الكوفة. وأما قراء المدينة والبصرة فقرؤوها \"يُجازى\" وكلاهما قراءتان معروفتان.\nوالمجازاة هنا المكافأة، فالجزاء لأهل الإيمان مع التفضل الحسنة بعشر أمثالها، والمكافاة لأهل الكبائر والكفر والسيئة بمثلها، فلا يكافأ على عمله إلا الكفور، فلا يغفر الله له من ذنوبه، وأما المؤمن فيتفضل عليه.\nفعن مجاهد: (﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ نعاقب).\nوعن قتادة: (﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، قال: إن الله تعالى إذا أراد بعبده كرامة تقبّل حسناته وإذا أراد بعبده هوانًا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافى به يوم القيامة. قال: وذكر لنا أن رجلًا بينما هو في طريق من طرق المدينة إذ مرّت به امرأة فأتبعها بصره حتى أتى على حائط فشج وجهه فأتى نبى الله ووجهه يسيل دمًا، فقال: يا نبي الله فعلت كذا وكذا، فقال له نبي الله: إن الله إذا أراد بعبد كرامة عجّل له عقوبة ذنبه في الدنيا، وإذا أراد بعبد هوانًا أمسك عليه ذنبه حتى يوافيَ به يوم القيامة كأنه عَيْرٌ أبتر).\nقلت: وهذا يصلح شاهدًا لما أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس مرفوعًا: [إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة] (١).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾.\nيذكر سبحانه أنهم كانوا في غبطة وأمن، وقرى متقاربة متواصلة كثيرة الشجر والثمار، فلا يحتاج المسافر حمل زاد ولا ماء، فكانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة مقدرة السير، أي ما يحتاج المسافرون فيها، فلما بطروا النعمة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٤)، والبيهقي في \"الأسماء\" ص (١٥٤)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٢٠) بلفظ مقارب، وصحيح الجامع الصغير (٣٠٥).","vol":"6","page":249},{"text":"قالوا ربنا باعد بين أسفارنا استهزاء وتكبرًا وحُبًّا للمغامرة التي بمعنى العلو في الأرض وظن السيطرة عليها لا بمعنى المعالي والتسابق في الخيرات، فعندها أبدلهم الله بها وقطعهم في الأرض فصاروا مثلًا بين الناس يقال: تفرقوا أيادي سبأ.\nفعن مجاهد: (﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ قال: الشام). وقال ابن عباس: (الأرض التي باركنا فيها هي الأرض المقدسة. وقوله: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ قال: يعني قرى عربية، بين المدينة والشام). وقال مجاهد: (﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾: السَّرَوَات).\nوقال ابن زيد: (إن كانت المرأة لتخرجُ معها مِغْزَلُها ومكتلُها على رأسها، تروح من قرية وتغدوها، وتبيت في قرية، لا تحمل زادًا ولا ماءً لما بينها وبين الشام).\nوقال الحسن: (كان أحدهم يغدو فيقيل في قرية ويروح، فيأوي إلى قرية أخرى. قال: وكانت المرأة تضع زِنْبيلها على رأسها ثم تمتهن بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلى من كل الثمار).\nوقوله: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْر﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وجعلنا بين قراهم والقرى التي باركنا فيها سيرًا مقدرًا من منزل إلى منزل، وقرية إلى قرية، لا ينزلون إلا في قرية، ولا يغدون إلا من قرية).\nوقال القرطبي: (أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى. وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أينما أراد).\nوقوله: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.\nقال قتادة: (لا يخافون ظلمًا ولا جوعًا، وإنما يغدون فيقيلون ويروحون فيبيتون في قرية أهلِ جنة ونهر).\nوقوله: ﴿آمِنِينَ﴾ منصوب على الحال، أي: فكانوا يسيرون إلى مقاصدهم آمنين.\nوالأمن أمرٌ عظيم لا يعرف قدره إلا من حُرِمه، وقد أشار إليه ﵊ وإلى قيمته، فيما رواه الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن عبيد الله بن محصن، قال","vol":"6","page":250},{"text":"رسول الله - ﷺ -: [من أصبح منكم آمنًا في سِرْبِهِ، مُعَافىً في جسده، عنده قوتُ يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها] (١).\nومع ذلك تكبر هؤلاء القوم فَفَرَّطُوا بالأمن وضيعوا النعم واستبدلوها بالنقم، لما أصابهم الغرور والعجب وهو أخطر ما يهدد العبد في رخائه، ولذلك حذّر النبي - ﷺ - من الوقوع به أشد التحذير.\nفقد أخرج البيهقي بإسناد حسن عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لو لم تكونوا تُذنبون لخِفْتُ عليكم ما هو أكبَرُ من ذلك العُجْبَ العُجْبَ] (٢).\nوقوله. ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾.\nفيه قراءتان مشهورتان:\n١ - قرأه عامة قراء المدينة والكوفة على وجه الدعاء ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾.\n٢ - وقرأه بعض قراء مكة والبصرة بلفظ: \"بعِّد\" على وجه الدعاء أيضًا. وهناك قراءة بلفظ: \"باعَدَ\" أو \"بَعَّدَ\" على وجه الخبر لكن ذلك ليس بالقوي.\nفتأويل الكلام هو كما اختار ابن جرير ﵀: (فقالوا: يا ربنا باعد بين أسفارنا فاجعل بينا وبين الشأم فَلَوات ومَفاوِزَ لنركب فيها الرواحل ونتزود معنا فيها الأزواد، وهذا من الدلالة على بطر القوم نعمةَ الله عليهم وإحسانه إليهم وجهلهم بمقدار العافية، ولقد عجل لهم ربهمٍ الإجابة كما عجل للقائلين: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾).\nوقال ابن عباس: (فإنهم بطروا عيشهم وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، فَمُزِّقوا بين الشام وسبأ، وبذلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل).\nوخلاصة القول:\nفبعد أن سرد سبحانه قصة تبديل جناتهم لما أعرضوا فَصَّلَ سبحانه في الآياتِ التالية\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في الجامع (٢٣٤٧)، وابن ماجة في السنن (٢/ ٥٢٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٣١٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه اليهقي بسند حسن من حديث أنس. انظر صحيح الجامع (٥١٧٩)، وكتابي أصل الدين والإيمان (٢/ ١٢٠٢) لتفصيل البحث.","vol":"6","page":251},{"text":"لها مظاهر من إعراضهم وكبرهم وأقوالهم وأفعالهم التي استحقوا بها التشريد والعذاب، ومن ذلك طلبهم المباعدة بين قراهم ظلمًا وعلوًا في الأرض.\nقال ابن زيد: (﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ حتى نبيت في الفلوات والصحارى، ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال: وكان ظلمهمِ إياها عملَهم بما يسخط الله عليهم من معاصيه مما يوجب لهم عقاب الله. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يقول: صيَّرناهم أحاديث للناس يضربون بهم المثل في السبِّ فيقال: تفرق القوم أيادي سبأ، وأيدي سبأ إذا تفرقوا وتقطعوا).\nولعَمْر الله كم ضيَّع المسلمون من النعم والبساتين والمياه العذبة بمعاصيهم، فهي قصة تتكرر منذ ذلك الزمان، فإذا ما رأيت طبيعة غناء تجري تحت بساتينها الأنهار رأيت محاولة الناس للتفلت من الأدب والحياء مع ربهم سبحانه الذي أنعم عليهم بهذا الجمال، وبهذه الأنهار والثمار، من أجل سرورهم وسعادتهم، فتراهم بدلًا من الشكر والحمد لله المنعم المتعال يرقصون ويغنون بالغناء الماجن، ويتكشفون رجالًا ونساءً لتظهر سوءاتهم وعوراتهم، ويشربون الخمور ويرفعون أصوات معازفهم وكأنهم مسخوا قردة وخنازير. كما قال القائل:\nوعند الينابيع حاناتهم ... وقرب المياه وتحت الشجر\nونسوتهم عاريات وقد ... أضعن الحياء وطهر الخضر\nفلا من يغار على عرضه ... ولا من يقوم بغض البصر\nمقاه تعج بروَّادها ... لقيل وقال ولعب الزهر\nوخلف الإمام ترى واحدًا ... أو اثنين في صلوات السحر\nفقد أسهروا خلف راء لهم ... وناموا عن الفجر بعد السهر\nوقاموا وللشمس رمضاؤها ... كمن قد أصيب بمس وضر\nفيبدل الله تلك الحدائق الغناء بفلوات وصحارى، أو بعمران مستمر يغيب معه اللون الأخضر، ويغور الماء في الأرض، لتتكرر المأساة ببغي الناس وعصيانهم كما فعل بقوم سبأ.\nقال قتادة: قال عامر الشعبي: (أما غسّان فقد لحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعُمان).\nفقد خرجت غسّان إلى بصرى، وخرج الأوس والخزرج إلى يثرب ذات نخل، فأتوا على بطن مر، فقال بنو عثمان: (هذا مكان صالح لا ينبغي به بدلًا). فأقاموا فيه","vol":"6","page":252},{"text":"فسموا لذلك خزاعة؛ لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، ونزلت \"أزد السراة\" السراة، ونزلت \"أزد عمان\" عمان، ثم أرسل الله تعالى على السد فهدمه، فكان ما حلّ بهم من تبديل النعمة وتحويل العافية عقوبة على ما ارتكبوه من الكفر والآثام لعبرة لكل صبار على المصائب صبور على النعم، فالمؤمن متوازن في قلبه ومشاعره بين الشكر وبين الصبر دومًا.\nفقد أخرج البيهقي بإسناد صحيح عن سعد ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خير حمد الله وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (١).\nوله شاهد في زوائد المسند بإسناد جيد عن أنس ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: أعجبت للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له] (٢).\nولذلك قال قتادة في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، قال: (كان مُطَرِّف يقول: نعم العبد الصبار الشعكور، الذي إذا أُعْطيَ شكر وإذا ابْتُليَ صبر).\nوهذه الصفة لا تجدها إلا عند المؤمن، فإن خوفه من الله وحبّه له يجعله بين هذين المقامين، مقام الصبر ومقام الشكر، ولا يشترك معه أحد به، فمن لم يمتلئ قلبه بتعظيم الله وخوفه فلربما تذمر ونطق بالسخط عند المصيبة، ولربما شتم وكفر، فلذلك أُفرد المؤمن بهذا النعت الطيب.\nففي صحيح مسلم من حديث صهيب مرفوعًا: [عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾.\nقرأ عامة قراء الكوفة \"صَدَّق\" بالتشديد، بمعنى أنه قال إبليس ظنًا منه: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. ثم صَدَّق ظنه ذلك فيهم، فحقق ذلك بهم وباتباعهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البيهقي، والطيالسي (٢١١) بإسناد صحيح، وله شاهد في مسند أحمد (٦/ ١٣). وانظر صحيح الجامع (٣٨٨١)، والسلسلة الصحيحة (١٤٧).\n(٢) إسناده صحيح. أخرجه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٥/ ٢٤)، وأبو يعلى (٢/ ٢٠٠).\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٩٢)، وصحيح مسلم (٢٩٩٩) كتاب الزهد.","vol":"6","page":253},{"text":"إياه. فالمعنى أن ما ظنه إبليس قد حصل لأنهم كانوا أطوعَ له، ونزلوا عند أمره مخالفين أمر الله إلا قلة من المؤمنين، أما أولئك الذين بدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل عقوبة لهم، فظن إبليس أنهم سيطيعونه فحصل ما توقع أنهم خضعوا لإغوائه ولا قوة لديه على إجبارهم، بل هم قوم معظمون لشهواتهم، فانسجمت إرادتهم مع إرادة إبليس فكان العذاب.\nوأما عامة قراء المدينة والشام والبصرة فقد قرؤوها بالتخفيف: \"ولقد صَدَقَ\" أي صدق عليهم ظنه. قال مجاهد: (ظن ظنًا فاتبعوا ظنه). وقال قتادة: (آلله، ما كان إلا ظنًا ظنّه، والله لا يصدق كاذبًا ولا يكذب صادقًا).\nوقال الحسن: (لما أهبط آدم ﵇ من الجَنَّة ومعه حوّاء وهبط إبليس قال إبليس: أَمَّا إذا أصبتُ من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف، فكان ذلك ظنًا من إبليس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾).\nوقال ابن عباس: (إن إبليس قال: خُلقت من نار وخُلق آدم من طين، والنار تحرق كل شيء، ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فصدق ظنه عليهم).\nوقال ابن زيد: (أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم عليّ وفضلتهم وشرَّفتهم لا تجد أكثرهم شاكرين، وكان ذلك ظنًا منه بغير علم، فقال الله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾).\nوخلاصة المعنى: أنَّ إبليس ظن أنه إن أغواهم أجابوه، وإن أضلهم أطاعوه فصدق ظنه بهم، فقليل من عباد الله الشاكرون.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. قال الحسن: (والله ما ضربهم بعصا ولا سيف ولا سَوْط، إلا أماني وغرورًا دعاهم إليها).\nوقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾. قال قتادة: (وإنما كان بلاء ليعلم الله الكافر من المؤمن).\nوإلّا بمعنى لكن، فالاستثناء منقطع، والتقدير: وما جعلنا له سلطانًا عليهم ولكن سلَّطناه عليهم بوسوسته لنعلم من يؤمن بالآخرة صدقًا ويقينًا.\nوقيل بل الاستثناء متصل، بمعنى: ومافَإن له سلطان عليهم غيرَ أنا سلطناه عليهم ليتم الابتلاء. وربك يا محمد على أعمال هؤلاء الكفرة وعلى كل شيء حفيظ، فهو عالم بكل شيء ويحْفَظ كل شيء على العبد حتى يجازيه عليه، كما في الحديث القدسي: [يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا","vol":"6","page":254},{"text":"فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).\nفهذا فعلنا بولينا داود وبابنه سليمان وبمن أطاعنا، وذاك فعلنا بسبأ ومن بطروا وعصوا أمرنا، فقل يا محمد لهؤلاء المشركين أن يدعوا من زعموا لله شركاء أن يفعلوا بهم بعض أفعالنا من إنعام أو إياس، فإن عجزوا فليعلموا أنهم مبطلون كذبة، ولا تملك آلهتهم المزعومة ذرة في السماوات والأرض لا مشاعًا ولا مقسومًا، فالشرك في الربوبية لا يصلح.\nفعن قتادة: (قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ يقول: ما لله من شريك في السماء ولا في الأرض، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا﴾ من الذين يدعون من دون الله ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ من عون بشيء).\n٢٣ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: إثبات أمر الشفاعة لله الرزاق الفتاح العليم، فهو الذي يجمع خلقه ويخزي الشركاء وهو العزيز الحكيم. وهذا الرسول أرسله الله كافة للناس ورحمة للعالمين. وتفصيل ذلك:\nإن حقيقة أمر الشفاعة أنه سبحانه هو يتفضَّل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بوساطة دعاء من أن له أن يشفع ليكرمه بذلك ولينال المقام المحمود، لا كما يظن المشركون أن الشفاعة تكون بأن يشفع الشفيع ابتداء. فجعل سبحانه أعظم الأسباب التي تنال بها\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم من حديث أبي ذر. وهو جزء من حديث طويل. انظر صحيح مسلم (٨/ ١٧). ورواه أحمد في المسند (٥/ ١٦٠).","vol":"6","page":255},{"text":"شفاعته هي تجريد التوحيد والتوجه له جل ثناؤه، وهي عكس ما عند المشركين من أن الشفاعة تُنال باتخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فأثبت ذلك في كتابه بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nقال الحافظ ابن كثير: (لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة).\nوقال جل ذكره: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وهو سبحانه لا يرضى من القول والعمل إلا ما أفرد به وجهه، وإلا ما وافق منهاج رسوله - ﷺ -.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي فضالة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك] (١).\nوفي صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان] (٢).\nوالشفاعة يوم القيامة أنواع:\n١ - الشفاعة الأولى: وهي العظمى الخاصة بنبينا - ﷺ - من بين الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ليتخلص الناس من شقاء الزحام وآلام المحشر.\n٢ - شفاعته - ﷺ - في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجَنَّة.\n٣ - شفاعته - ﷺ - في أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.\n٤ - شفاعته - ﷺ - في رفع درجات من يدخل الجَنَّة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.\n٥ - الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجَنَّة بغير حساب. \"حديث عكاشة\".\n٦ - الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عذابه.\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج المشكاة (٥٣١٨)، وصحيح الجامع الصغير (٤٩٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٣٥)، كتاب الجهاد، باب تحريم الغدر، وانظر المرجع السابق - حديث رقم - (٤٩٧).","vol":"6","page":256},{"text":"٧ - شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجَنَّة، ويستشهدون بحديث مسلم عن أنس: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [أنا أول شفيع في المجنة].\n٨ - شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار ليخرجوا منها، وتشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون. ويستشهدون بحديث الإمام أحمد عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي].\nوتفصيل كل هذه الأنواع وأدلتها في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فلله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. أي: لا تنفع شفاعة شافع إلا أن يؤذن له أن يشفع لمن أذن الله وأراد له الشفاعة، والله لا يأذن لأحد من أوليائه أن يشفع لكافر، فقل يا محمد لهؤلاء المشركين، كيف وأنتم أهل كفر تعبدون من تعبدونه من دون الله زعمًا أنه يُقَرِّبكم وأنه سيشفع لكم! !\nوعامة القراء قرؤوا: ﴿أُذِنَ لَهُ﴾. وقرأ بعض الكوفيين \"أَذِنَ له\". و\"مَنْ\" يجوز أن ترجع إلى الشافعين أو ترجع إلى المشفوع لهم.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾. أي جُلّي الفزع عن قلوبهم. قال مجاهد: (كشف عنها الغطاء يوم القيامة). وقال ابن عباس: (يعني جُلي). وتفصيل ذلك:\n١ - أي إن الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأصنام، إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة وهم على غاية الفزع من الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨].\nقال القرطبي ﵀: (والمعنى: أنَّه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام الله فزعوا، لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير، فإذا سُرِّيَ عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ أي ماذا أمر الله به، فيقولون لهم: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ وهو أنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين).\n٢ - وقيل: ذلك الفزع يكون في كل أمر يأمر به الرب تعالى، أي لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم فزعون مطيعون لله دون الجمادات والشياطين.\nفعن الشعبي قال: قال ابن مسعود في هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: (إذا حدث أمر عند ذي العرش سمع مَنْ دونه من الملائكة صوتًا كجرِّ السلسلة على الصفا،","vol":"6","page":257},{"text":"فَيُغْشَى عليهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم تنادوا ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ قال: فيقول: من شاء قال: الحق وهو العلي الكبير).\nفهذا مقام رفيع في الرهبة والعظمة، وهو أنه سبحانه إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السماوات كلامه أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي.\nقال ابن عباس: (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: أي جُلي عن قلوبهم وزال الفزع عنها، سأل بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا).\nوقد ورد تفسير هذه الآية في روائع من كنوز السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عند تفسير هذه الآية، عن أبي هريرة ﵁ يقول: [إن نبي الله - ﷺ - قال: إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان (١)، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بيده فحرفها ونشر بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن خزيمة بسند صحيح عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمعَ أهل السماء للسماء صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِلْسِلَةِ على الصَّفا، فَيُصْعَقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فُزّعَ عن قلوبهم، قال: فيقولونَ: يا جبريلُ! ماذا قال ربك، فيقول: الحق، فيقولون: الحق الحق] (٣). وفي رواية عند الترمذي: [قالوا: الحق وهو العلي الكبير، قال: والشياطين بعضهم فوق بَعْض].\n_________\n(١) الصفوان: الصخر الأملس.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٠١)، وأبو داود (٣٩٨٩)، والترمذي (٣٢٢٣)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ٥٣٦ - ٥٣٧)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" ص (٩٥ - ٩٦)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص (٢٠٠)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٢٩٣).","vol":"6","page":258},{"text":"الحديث الثالث: أخرج البخاري عن هشام بن عروة قال: [قال الحارث بن هشام لرسول الله - ﷺ -: كيف يأتيك الوحي؟ قال: يأتيني في صلصلة كصلصلة الجرس فيفصم عني حين يفصم وقد وعيتُه، ويأتي أحيانًا في مثل صورة الرجل فيكلمني به كلامًا وهو أهون عليَّ]. وفي لفظ: [أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدُّه علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجُلًا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّدُ عرقًا] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في الصحيح، والترمذي في الجامع، عن ابن عباس قال: [بينما رسول الله - ﷺ - جالس في نفر من أصحابه، إذ رُمي بنجم فاستنار، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما كنتم تقولون لمِثْل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟ \". قالوا: كُنَّا نقولُ: يموت عظيم، أو يولد عظيم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فإنه لا يُرْمَى به لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لحياتِه، ولكِنَّ رَبُّنا تبارك اسْمُهُ وتعالى، إذا قَضى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلةُ العرش، ثم سَبَّحَ أهلُ السماء، الذين يلونَهم، ثم الذين يلونَهُم حتى يَبْلُغَ التسبيحُ إلى هذه السماء، ثم سألَ أهلُ السماء السادسةِ، أهلَ السماء السابعة: ماذا قال ربكم؟ قال: فيخبرونَهُمْ ثم يستخبرُ أهلُ كلِّ سَمَاء، حتى يَبْلُغَ الخبَرُ أهلَ السماء الدنيا، وتَخْتطفَ الشياطين السَّمْعَ فَيُرْمَوْنَ فيقذِفُونَه إلى أوليائهم، فما جاؤوا به على وجهه فهو حَقٌّ، ولكنَّهم يُحَرِّفونَهُ ويزيدون] \" (٢).\nوهنا يرد سؤال هام: لماذا كل هذه الرهبة وكل هذا العناء مع نزول الوحي من أمر الله؟\nالجواب: إنه ثقل الأمانة التي ألقاها الله سبحانه على نبيّه وعلى أمته من بعده، ليعلم أهل الحق قيمة الحق الذي شرّفهم الله به فيأخذوه بقوة وحزم لا هزل في حمله ولا تقاعس، كما قال جل ثناؤه لنبيه - ﷺ -: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وكما قال سبحانه: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وكما قال لبني إسرائيل: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢) كتاب بدء الوحي. وصلصلة الجرس: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ويفصم: يقلع، ويتفصد: من الفصد وهو قطع العرق لإسالة الدم، فشبه جبينه بالعرق المفصود مبالغة لكثرة العرق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧/ ٣٦ - ٣٧). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٧٦).","vol":"6","page":259},{"text":"والخلاصة في المعنى كما ذكر ابن جرير: (فإذا أذن الله لمن أذن له أن يشفع فزع لسماعه إذنه). والعرب تستعمل فُزِّع في معنيين: فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمور التي يُفْزع منها: هو مُفَزَّع. وتقول للجبان الذي يفزع من كل شيء: إنه لَمُفَزَّع. وقد قرأها عامة القراءأ فُزِّعَ\" وقرأها مجاهد: \"فُزِعَ\" وقرأها الحسن: \"فُرغَ\" والأول أصحّ وعليه إجماع القراء.\nوقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nقال قتادة: (قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين: والله ما أنا وأنتم على أمر واحد، إن أحد الفريقين لمهتد).\nفلما ذكر أن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرة مما يملكه الرب سبحانه، سألهم سؤالا يثبت لهم به عجز منطقهم فقال: من يخلق لكم هذه الأرزاق الكائنة من السماوات - أي: عن المطر والشمس والنجوم والقمر - وما فيها من المنافع المختلفة، وتلك الخارجة من الأرض عن الماء والنبات والتراب والشجر، فلن يجيبوا بأن هذا من فعل آلهتهم، إذن فليصرفوا العبادة كلها إلى من تفرد بالخلق والرزق والربوبية، فليفردوا له الألوهية سبحانه. وقد خاطبهم بذلك في أجمل خطاب، وفي بالغ الأدب: فما دام واحد من الفريقين مبطلًا والآخر محق، ونحن قد أقمنا البرهان على تفرده سبحانه باستحقاق الألوهية والتوحيد، فدل على بطلان منطق الشرك وفساد منهجه.\nقال ابن جرير: (ذلك أمر من الله لنبيه بتكذيب من أمره بخطابه بهذا القول بأجمل التكذيب، كما يقول الرجل لصاحب له يخاطبه وهو يريد تكذيبه في خبر له: أحدنا كاذب، وقائل ذلك يعني صاحبه لا نفسه، فلهذا المعنى صيَّر الكلام بأو).\nوقال بعض نحويي البصرة: (ليس ذلك لأنه شك ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدي).\nوقال آخرون: (معنى ذلك: إنا لعلى هدى، وإنكم إياكم في ضلال مبين).\nفالعرب تضع \"أو\" أحيانًا في موضع واو الموالاة كقول القائل:\nفلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحًا أو رِزامًا\nيعني رياحًا ورزامًا.","vol":"6","page":260},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nهو كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]. أي: فلا تسألون عما أجرمنا أي اكتسبنا، ونحن لا نُسأل أيضًا عما تعملون، فإنما نقصد الخير لكم. قال ابن كثير: (معناه التبري منهم).\nوفي التنزيل:\n﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١].\nقلت: وفي الآية لطائف تربوية في عمل الدعوة، حيث أسند الإجرام إلى النفس وأراد به الزلات والصغائر التي لا يخلو منها مؤمن، وذكر هذ الإجرام المنسوب إلى النفس بصيغة الماضي الذي يفيد تحقيق المعنى، ثم أسند العمل إلى المخاطبين وأراد به الكفر والمعاصي والكبائر، فعبَّر عن الهفوات بما يعبر به عن العظائم، وعن العظائم بما يعبر به عن الهفوات التزامًا لمنهج الإنصاف، وعبر عن العمل بصيغة الحاضر لا بصيغة الماضي، فقدمت الآية بذلك منهجًا للدعاة إلى الله أن لا ينزهوا أنفسهم عند دعوة غيرهم، بل لا بد أن تترافق دعوتهم مع إظهار الحذر على أنفسهم مما يحذِّرون، وعلى التواضع المعبر عن حاجتهم أولًا لما يدعون ولما ينصحون.\nوقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾. قال قتادة: (﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يوم القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ أي يقضي بيننا). وقوله: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾. قال ابن عباس: (القاضي). فيومئذ يتبين المهتدي من الضال كما قال جل ذكره: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. فالله سبحانه هو الفتاح العليم فلا يحتاج لشهود تعرفه المحق من المبطل.\nوالفتاح: هو الحاكم بين عباده. يقال: فتحَ الحاكم بين الخصمين: إذا فصل بينهما، ويقال للحاكم: الفاتح، وقيل: هو الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده، والمُنْغَلِقَ عليهم من أرزاقه. قال ابن كثير: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور). وفي سورة الأعراف: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ والعليم: شديد العلم بحقائق الأمور، وتفصيل ذلك في كتابي أصل الدين","vol":"6","page":261},{"text":"والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فلله الحمد وعليه التكلان.\nوقوله: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾.\nأي قل لهم يا محمد - لهؤلاء المشركين - أروني ماذا خلق أصنامكم من الأرض أم لهم شرك في السماوات! بينوا ذلك ولا تكتموه!\nفإن كانت الرؤية هنا من رؤية القلب، فيكون ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولًا ثالثًا (١) لأرى، وحينئذ يكون المعنى كما ذكر القرطبي: (أي عرفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لله ﷿، وهل شاركت في خلق شيء فبينوا ما هو؟ وإلا فلِمَ تعبدونها).\nوأما إن كانت الرؤية يقصد بها رؤية البصر فيكون نصب ﴿شُرَكَاءَ﴾ على الحال، أي دعوني أبصر من ألحقتم لله شركاء. قال القاسمي في هذا التأويل: (ما زعمتموه شريكًا إذا برز للعيون وهو خشب وحجر تمت فضيحتكم).\nثم قال: ﴿كَلَّا﴾ لإبطال المقايسة، فالله سبحانه ليس له شريك بل هو ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أي الموصوف بالغلبة القاهرة والحكمة الباهرة، فأين شركاؤكم التي هي أخسّ الأشياء وأذلها من هذه الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة.\nوقيل: إن ﴿كَلَّا﴾ هي ردّ لجوابهم المحذوف، أي أروني الذين ألحقتم به شركاء؟ قالوا: هي الأصنام. فقال: كلا، ليس له شركاء، بل هو الله العزيز الحكيم، والضمير ﴿هُوَ﴾ عائد إما لله أو للشأن - قاله أبو السعود.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nأي: لتبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار، كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وكما قال في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾.\nقال قتادة: (أرسل الله محمدًا إلى العرب والعجم فأكرمهم على الله أطوعهم له).\nوفي الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي،\n_________\n(١) المفاعيل الثلاثة هي: ياء المتكلم، والاسم الموصول، ولفظة \"شركاء\".","vol":"6","page":262},{"text":"وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر أيضًا: [بعثت إلى الأسود والأحمر].\nقال مجاهد: (يعني الجن والإنس). وقال غيره: (يعني العرب والعجم)، وكلا المعنيين حق، فنبينا - ﷺ - أرسل إلى الخلق جميعهم.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال القاسمي: (فيحملهم جهلهم على ما هم فيه من الغيّ والضلال).\nوفي التنزيل: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦].\nوفي التنزيل كذلك:\n﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].\n٢٩ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾.\nفي هذه الآياتِ: استعجالُ المشركين البعث والقيامة، وإصرارهم على الكفر بهذا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٣٨)، كتاب الصلاة، وكذلك أخرجه برقم (٣٣٥)، كتاب التيمم، ورواه مسلم في كتاب الصلاة (٥٢١) بنحوه.","vol":"6","page":263},{"text":"القرآن، ومشهد الخزي والهوان في حوار المستكبرين والمستضعفين وقد أسروا الندامة لما رأوا العذاب، وجمع الله بهم في النار وتقطعت بهم الأسباب.\nفقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nقد تكرر مثل هذا السؤال من المشركين من مختلف الأمم والأقوام لرسلهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟ فأجابهم هنا: ﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ كما أجابهم الله في سورة نوح: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤]. وكما أجابهم في سورة هود: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٤، ١٠٥]. وفي سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٤٨ - ٥١].\nويستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالبعث والقيامة، فأخبرهم أن ذلك اليوم ميعاد قادم إذا أتى لا تمهلون ساعة للتوبة والإنابة، ولا تستقدمون قبله العذاب فتعجلوه بمشيئتكم واستهزائكم، فالته سبحانه قد جعل له أجلًا، ولكن إذا جاء فتيقنوا أنكم بشرككم وكفركم هذا ستصبحون نادمين، فلا أحد يستطيع أن يواجه عذاب الله وبطشه، بل الكل مقهور ذليل أمام أمره وهيبته.\nولكنهم بدلًا من الانتباه من الغفلة صرحوا بأنهم يكفرون بالقرآن، وبمحمد ﵊، ولا يؤمنون بالكتاب الذي جاء به غيره من بين يديه ظلمًا وعُجُبًا وعلوًا في الأرض. فلو ترى يا محمد ذلك الكبر والعجب يوم يصبح بين يدي الله صَغارًا وهوانًا، إذ يتحاور الظالمون يقول المستضعفون لزعمائهم ورؤسائهم: لولا أنتم أيها الرؤساء والكبراء في الدنيا لكنا مؤمنين بالئه متبعين لأمره. فأجابوهم - بذل وهوان وفي محاولة منهم للتخلص من أي تبعة -: بل منعكم إيثاركم الكفر والشهوات من اتباع الحق. فأجابوهم: بل هو مكركم لنا بالليل والنهار وصدَّنا عن الهدى وأن نمتثل أمركم لتعظيمكم على حساب تعظيم الحق حتى وقعنا في الشرك والكفر بالله. ثم أسرَّ الجميع الندامة لما عاينوا الأغلال وأبصروا جهنم ومهاولها جزاء على ما قدموا واكتسبوا.\nفعن قتادة: (﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ الذي جاءنا به محمد - ﷺ -، ولا بالكتاب الذي جاء به غيره من بين يديه).","vol":"6","page":264},{"text":"وجملة ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بدل من \"يِرْجِعُ\". قال القاسمي: (أي يتجاذبون أطراف المحادثة ويتراجعونها بينهم).\nوقال ابن زيد: (﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾.\nيقول: بل مكركم بنا في الليل والنهار أيها العظماء الرؤساء حتى أزلتمونا عن عبادة الله).\nأي: حتى جعلناكم له أشباهًا وأمثالًا ونظراء.\nوعن قتادة: (قوله: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ شركاء. وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ يقول: وندموا على ما فرطوا من طاعة الله في الدنيا حين عاينوا عذاب الله الذي أعدَّه لهم).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال أبو جعفر: (وَغُلَّت أيدي الكافرين بالله في جهنم إلى أعناقهم في جوامع من نار جهنم جزاء بما كانوا بالله في الدنيا يكفرون. قال: ما يفعل الله ذلك بهم إلا ثوابًا لأعمالهم الخبيثة التي كانوا في الدنيا يعملونها ومكافأة لهم عليها).\nففي هذه الآياتِ العظيمة فضيحة للعلاقة التي كانت بين المتكبرين في الأرض وأعوانهم على الظلم يكشفها الله باسرارها على رؤوس الملأ يوم القيامة، فيكشف دعوة الجبابرة إلى تعظيم أنفسهم وإلى حماية أهوائهم واستذلال الأعوان لديهم لتحقيقها وصرف قلوبهم ليعظموهم ويمدحوهم بالكذب والجور والاستهزاء بالحق وأوامر الله العظيم لخلقه. وقد وصف الله ذلك بالمكر، وأصل المكر في كلام العرب الاحتيال والخديعة. قال النحاس: (والمعنى - والله أعلم - بل مكركم في الليل والنهار، أي مسارتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر حملنا على هذا). وقال سفيان الثوري: (بل عملكم في الليل والنهار). وقال قتادة: (بل مكركم بالليل والنهار صدّنا، فأضيف المكر إليهما لوقوعه فيهما). ووصفه القرطبي بقوله: (وهذا من قبيل قولك: ليلهُ قائم ونهاره صائم). فمضى العمر القصير على التجسّس وإشاعة الرذيلة في الأرض ومصادرة الحق وأهله، فالنار مثواكم أجمعين.\n٣٤ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا","vol":"6","page":265},{"text":"أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾.\nفي هذه الآياتِ: توجيهُ الله تعالى الخطاب للمشركين المستكبرين أنه كذلك أمر الأمم التي سلفتكم والقرى من قبلكم كلما شعروا بالترف طغوا وتكبروا وكفروا بنعم الله وبلقائه، فأعمتهم الدنيا وزينتها وزادتهم عتوًا وغرورًا، وظنوا أن وفرة الرزق والنعم دليل رضا الله عنهم، فكذبهم الله بقوله: بأنه سبحانه لا ينظر إلى أموال الناس وصورهم فهو خلقهم وخلق أموالهم وأولادهم، فلا تغني عنهم كثرة الولد مع الكفر بل هم في العذاب محضرون. وإنما الله يقسم بين الناس الرزق ويخلف على المنفق في سبيله، وهو خير الرازقين، فليست أموالكم وأولادكم دليلًا على محبتنا لكم.\nفعن قتادة: (قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ قال: هم رؤوسهم وقادتهم في الشر. ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ قال: لا يعتبر الناس بكثرة المال والولد، وإن الكافر قد يُعطى المال وربما حُبِسَ عن المؤمن).\nوعن مجاهد: (قوله: ﴿عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ قال: قربى). وقال ابن زيد: (قالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا، فأخبرهم الله أنه ليست أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. قال: وهذا قول المشركين لرسولى الله - ﷺ - وأصحابه. قالوا: لو لم يكن الله عنا راضيًا لم يعطنا هذا، كما قال قارون: لولا أن الله رضي بي وبحالي ما أعطاني هذا، قال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ إلى آخر الآية [القصص: ٧٨].\nوفي صحيح الإمام مسلم، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الله تعالى","vol":"6","page":266},{"text":"لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] (١).\nوفي مسند الإمام أحمد بسند قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤]] (٢).\nوقال ابن زيد: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾: بأعمالهم الواحد عشر، وفي سبيل الله بالواحد سبعُ مئة). وقرأها الجمهور \"جزاءُ الضعف\"، وقرأها الزهري ونصر بن عاصم \"جزاءًا لضعف\".\nوقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. أي: في غرفات الجنان، آمنون من عذاب الله.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. أي: يعملون محاولين إبطال حججنا وآي كتابنا، مريدين إطفاء نوره وإشاعة الباطل في الأرض، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم أو يعجزوننا فليعلموا أنهم ﴿فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾.\nالمعنى: إن الله قسم الأرزاق في الحياة الدنيا وفي الدار الآخرة، فهو يوسع الرزق ويقتره كيف يشاء بحكمته وعلمه - جلَّت أسماؤه وصفاته - امتحانًا لعباده، فلا يدل شيء من هذا القَسْم في الأرزاق بينهم في الدن يا على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعة الرزق أو سعادة الآخرة ولكن أكثر الناس لا يتأملون ذلك فلا يعلمون.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. أي: لكن الإنفاق في سبيل الله والعمل الصالح مكنوز لصاحبه يفرح به يوم يلقى ربه.\nوقال سعيد بن جبير: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، قال: ما كان في غير إسراف ولا تقتير).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: أما من يوم\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم برقم (٢٥٦٤) (٣٣)، وكذلك أيضًا (٣٤)، ورواه أحمد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٤٥)، وأخرجه ابن جرير في التفسير (٧/ ١١٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٤).","vol":"6","page":267},{"text":"يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خَلَفًا، ويقول الآخَرُ: اللهم أعط ممسكًا تلفًا\" (١).\nوأخرج الطبراني بسند صحيح عن خباب، عن النبي - ﷺ - قال: [كل نَفَقَةٍ يُنْفقها العبد يُؤجَرُ فيها إلا البنيان] (٢).\nويبدو أن المقصود الإسراف في أمر البناء وكثرة الاهتمام بالعمران أكثر من حاجة العبد. قال القرطبي: (وأما البنيان فما كان منه ضروريًا يكن الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه).\nوقد ذكر أن ابنًا لمحمد بن سيرين بنى دارًا وأنفق فيها مالًا كثيرًا، فذكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال: (ما أرى بأسًا أن يبني الرجل بناء ينفعه).\nقلت: لقد جاء في الحديث الصحيح - الذي رواه البيهقي عن أبي هريرة - عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائِل المُلْحِفَ، ويحب الحييَّ العفيف المتعفف] (٣). وله شاهد عنده من حديث عمران بن حصين بلفظ: [إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمتِه على عبده]. وإن من آثار النعمة البناء الحسن والثياب الحسنة ما دام قد اجتنب الإسراف والخيلاء.\n٤٠ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٠١٠).\n(٢) حديث صحيح. انظر تخريج المشكاة (٥١٨٢)، وصحيح الجامع الصغير (٤٤٤٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٢٣١/ ١). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٢٠)، وللشاهد: انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٧٠٨).","vol":"6","page":268},{"text":"كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تبرئة الله الملائكة كما برأ عيسى بن مريم يوم نسبوا له ولأمه الإلهية، وأكَّد أن هؤلاء قد وقعوا في عبادة الجن، وفيه ردٌّ على من يلبسه الجن ويتعامل معه ويزعم الإنسي أن من يأتيه هو ملك يعلمه من الغيب، فهدّدهم جميعًا في أرض المحشر، فاليوم لا يملك بعضكم أيها الملائكة للذين كانوا يعبدونكم في الدنيا أو يعبدون الجن نفعًا ينفعون به أنفسهم ويخلصوها من عذاب جهنم، ذوقوا ما كسبتم: فإنهم كانوا إذا سمعوا القرآن اتهموه بالإفك والكذب أو السحر ليخلصوا من تبعة أوامره ونواهيه، فتعاملوا مع الحق باستهزاء وما عندهم كتب منزلة تثبت ما يدعونه أنه سحر، ولا بُعث إليهم نبي قبل محمد - ﷺ -، وما بلغوا عشر ما أعطينا من قبلهم الذين دمرناهم بكفرهم، فانظر يا محمد كيف كان تغييري بهم وعقوبتي.\nفقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾.\nقرأها نافع: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول﴾ بالنون.\nوعن قتادة: (﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾؟ استفهام كقوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]). وهذا فقه من قتادة بهذا الربط بين الآيتين، فبرأ الله عيسى والملائكة.\nوقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. أي: أكثرهم بالجن مصدقون يزعمون أنهم بنات الله، تعالى الله عما يشركون وعما يفترون.\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فاليوم لا يملك بعضكم أيها الملائكة للذين كانوا في الدنيا يعبدونكم نفعًا ينفعونكم به ولا ضرًّا ينالونكم به أو تنالونهم به).\nوقوله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي فها أنتم قد وردتموها ببغيكم وشرككم وصرفكم العبادة والتعظيم لغير الله العلي العظيم، فذوقوا حرها ولهيبها مقابل ما ارتضيتم لأنفسكم منهجًا يسخط الله تعالى.","vol":"6","page":269},{"text":"فكأن الملائكة قالوا سبحانك يا إلهنا تنزهت أسماؤك وتقدست عن أن يكون معك إله، أنت ولينا من دونهم نبرأ إليك من فعل هؤلاء فنحن عبيدك، بل كانوا يعبدون الشياطين من الجن الذين أضلوهم وزينوا لهم ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (أي تبرأ الملائكة من عابديهم بغير حق).\nفاليوم لا يملك بعضكم لبعض شفاعة ونجاة أو عذابًا وهلاكًا، أي لا يملك بعضكم للآخر نفعًا ولا ضرًا. ونقول: ذوقوا جزاءكم فقد كان القرآن يتلى عليكم فتقولون ما هذا إلا [رجل] يعنون محمدًا - ﷺ - مغاير لنهج الآباء في الآلهة التي كانوا يعبدونها، فتارة تقولون لما جاءكم به إفكًا وتارة تقولون سحرًا. فقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: قال: ابن جرير: (يبين لمن رآه وتأمله أنه سحر).\nفكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ أي: فما أنزلنا على هؤلاء المشركين القائلين عن القرآن إنه سحر كتبًا يدرسونها. قال قتادة: (أي يقرؤونها).\nقال القرطبي: (أي لم يقرؤوا في كتاب الله بطلانَ ما جئت به ولا سمعوه من رسول بعث إليهم، كما قال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾ [الزخرف: ٢١]).\nوقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾. قال قتادة: (ما أنزل الله على العرب كتابًا قبل القرآن ولا بعث إليهم نبيًا قبل محمد - ﷺ -).\nوقد سلك من قبلهم مسلكهم فكذبوا ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. قال ابن عباس: (من القوة في الدنيا). وفي رواية عنه: (وما جاوزوا معشار ما أنعمنا عليهم).\nأي ما بلغ مشركو قريش عشر ما أعطى الله من قبلهم ومكنهم، ومع ذلك لما طغوا أهلكهم، قال ابن زيد: (ما بلغ هؤلاء أمة محمد - ﷺ - معشار ما آتينا الذي من قبلهم وما أعطيناهم من الدنيا وبسطنا عليهم. قال: وقوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يقول: فكذبوا رسلي فيما أتوهم به من رسالتي فعاقبناهم بتغييرنا بهم ما كنا آتيناهم من النعم، فانظر يا محمد كيف كان نكير. يقول: كيف كان تغييري بهم وعقوبتي). وقال النقاش: (ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم). وقيل: (ما أعطى الله تعالى من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان).\nوالمعشار والعشر لغتان، والمعنى واحد. وقيل: المعشار عشر العشر. وقيل:","vol":"6","page":270},{"text":"المعشار عشر العشير، والعشير عشر العشر، فيكون جُزءًا من ألف جزء فالمراد المبالغة. قال ابن عباس. (فليس أمة أعلمَ من أمته، ولا كتاب أبين من كتابه).\nقال القرطبي: (﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: أي عقابي في الأمم، وفيه محذوف وتقديره: فأهلكناهم فكيف كان نكيري).\n٤٦ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يقول تعالى ذكره لنبيه - ﷺ -: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المعاندين من قومك: إنما أعظكم بواحدة، وهي طاعة الله سبحانه، بأن تقوموا اثنين اثنين وفرادى فرادى رجلًا ورجلين يقوم الرجل مع الآخر فيصدقان الحديث هل علمتم بمحمد - ﷺ - جنونًا ثم ينفرد كل بنفسه ليقرأ حديث نفسه أن محمدًا صادق وما يريد من أجر إلا رضا ربه ﷿، فلم يسألكم مالا ولا سلطانًا والله شهيد على حقيقة ما يقول. ثم قل لهم يا محمد: إن ربي يقذف بالحق وهو الوحي يقذفه في قلب نبيّه فهو علام ما يغيب وما لم يكن مما هو كائن، والباطل لا ينشئ خلقًا، والباطل إبليس، فلا يستطيع إعادة حياة بعد فنائها، فقل لهم: إن ضَلَلْتُ عن الهدى فضلالي على نفسي، وإن استقمت فبوحي الله وتوفيقه، وهو السميع لما أقول القريب ممن يكلمه. ولو ترى يا محمد مصير هؤلاء المكذبين في الدنيا إذ يحصدهم المؤمنون يوم بدر ثم يفزعون يوم المحشر إذا عاينوا عذاب الله فلا يعجزوننا هربًا ولا فوت لهم ولا نجاة من","vol":"6","page":271},{"text":"النار، وأخذهم من قرب فالكل قريب منه فلا ينفعهم إيمان بعد رؤية العذاب، وقد تركوا الإيمان في الدنيا وحاربوا أهله وعطلوا الحكم بأمر الله وتحاكموا لأهوائهم، فإنى لهم من مكان بعيد - من الآخرة إلى الدنيا - أن يحدثوا توبة وقد فات الأمر وحيل بينهم وبين الرجوع للدنيا، كما فُعل بمن قبلهم من الكفار الذين قضوا حياتهم في ريب وشك بالله والآخرة.\nفقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾. قال مجاهد: (بطاعة الله)، ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ قال: (واحدًا واثنين). وقال السدي: (وُحدانًا ومجتمعين). وقال قتادة: (رجلًا ورجلين). و﴿أَنْ﴾ في محل جر بدلًا من الواحدة، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي، أي: (هي أن تقوموا). واختار الزجاج أن تكون بموضع نصب بمعنى لأن تقوموا.\nوالقيام: المقصود به، القيام لطلب الحق، وليس مضاد القعود. كما قال جل ذكره: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧].\nوقيل: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ (منفردًا برأيه ومشاورًا لغيره). وقيل: (مناظرًا مع غيره ومفكرًا في نفسه). وقيل: (المثنى عمل النهار والفرادى عمل الليل) - حكاه الماوردي.\nقال القرطبي: (وقيل: إنما قال مثنى وفرادى لأن الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلًا أوفرهم حظًا من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مثنى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد والله أعلم).\nوقال ابن جرير: (يقوم الرجل منكم مع آخر فيتصادقان على المناظرة، هل علمتم بمحمد - ﷺ - جنونًا قط، ثم ينفرد كل واحد منكم فيتفكر ويعتبر فردًا هل كان ذلك به فتعلموا حينئذ أنه نذير لكم).\nقلت: وإنما وعظهم القيام للدعوة والتماس الحق مثنى وفرادى وليس مع العامة لأن الجموع الكثيرة مظنة الضياع والفوضى ولا تكاد تجدها على الحق.\nوعند قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، الوقوف هنا، عند أبي حاتم وابن الأنباري.\nوقيل: ليس بوقف لأن المعنى: ثم تتفكروا هل جربتم على صاحبكم كذبًا أو رأيتم فيه جِنَّة أو في أحواله من فساد، أو اختلف إلى أحد ممن يدعي العلم بالسحر، أو تعلم الأقاصيص وقرأ الكتب أو عرفتموه بالطمع في أموالكم، أو تقدرون على معارضته في سورة واحدة، فإذا عرفتم بهذا الفكر صدقه فما بال هذه المعاندة؟ حكاه القرطبي.","vol":"6","page":272},{"text":"ثم قال ﷾: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: [صعد النبي - ﷺ - الصفا ذات يوم فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبّحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا بلى. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾. قال قتادة: (يقول لم أسألكم على الإسلام جُعلًا).\nوقو: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. قال أبو جعفر: (ما ثوابي على دعائكم إلى الإيمان بالله والعمل بطاعته وتبليغكم رسالته إلا على الله).\nوقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله على حقيقة ما أقول لكم شهيد يشهد لي، وهو كذلك شهيد على كل ما يجري في هذا الكون.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. قال ابن عباس: (أي يقذف الباطل بالحق علام الغيوب). وعن قتادة: (﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ أي بالوحي ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ أي القرآن ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ والباطل إبليس: أي ما يخلق إبليس أحدًا ولا يبعثه).\nوقال ابن زيد: (يزهق الله الباطل ويثبت الله الحق الذي دمغ به الباطل. وقرأ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨]).\nوقرأ عيسى بن عمر \"علّامَ الغيوب\" على أنه بدل، والمعنى: قل إن ربي علام الغيوب يقذف بالحق. وأما الرفع فهو على أنه خبر لمبتدأ محذوف.\nوقوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾. قال قتادة: (يريد القرآن). وقيل جاء صاحب الحق، أي الكتاب وما فيه من حجج. ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾. قال قتادة: (الشيطان، أي ما يخلق الشيطان أحدًا) وما يعيد.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٧٧٠)، كتاب التفسير، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ١٨٧) لتفصيل البحث ورواياته.","vol":"6","page":273},{"text":"قال القاسمي ﵀: (فإنه ما دام موجودًا إما أن يبدئ فعلًا أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة).\nوقيل: ﴿مَا﴾ استفهامية، أي جاء الحق فأي شيء بقي للباطل؟ كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]، أي لا ترى، والله أعلم.\nوفي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁: [أنه لما دخل رسول الله - ﷺ - المسجد الحرام يوم الفتح ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم منها بسية قوسه ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾. قال القرطبي: (وذلك أن الكفار قالوا تركت دين آبائك فضللت. فقال له: قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي، ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من الحكمة والبيان، أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة).\nوقيل وجه النظم: قل إنَّ ربي يقذف بالحق ويُبَيِّنُ الحجة، وضلال من ضل لا يبطل الحجة، ولو ضللت لأضررت بنفسي، لا أنه يبطل حجة الله وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سميع قريب.\nقلت: وهذا تأويل لطيف فيه صلة قوية بما قبله من الآياتِ.\nوقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ - فيه أكثر من تأويل:\n١ - قال ابن عباس: (هذا من عذاب الدنيا).\n٢ - وقال ابن زيد: (هؤلاء قتلى المشركين من أهل بدر، نزلت فيهم هذه الآية. قال: وهم الذين بدّلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم، أهل بدر من المشركين).\n٣ - وقال سعيد بن جبير: (هم الجيش الذي يخسف بهم بالبيداء يبقى منهم رجل يخبر الناس بما لقي أصحابه، فيفزعون، فهذا هو فزعهم).\n٤ - وقال الحسن: (فزعوا يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٢٨٧)، كتاب المغازي، والمرجع السابق (٣/ ١٢٧٧).","vol":"6","page":274},{"text":"٥ - وقال السدي: (هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فرارًا ولا رجوعًا إلى التوبة).\nوخلاصة المعنى: ولو ترى يا محمد هؤلاء المشركين إذا نزل بهم عذاب من الله من قتل أو بأس أو موت فيفزعون عند معاينته فلا فوت ولا هرب منه، فقد كانوا إذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما يعبد آباؤكم.\nوقوله: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾. قال ابن عباس: (فلا نجاة). وقال الضحاك: (لا هرب).\nوقو: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. أي من القبور. وقيل: حيث كانوا فهم من الله قريب. وقيل: أخذوا من جهنم فألقوا فيها. وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها عند فزع القيامة. وجميعها أقوال يحتملها البيان الإلهي.\nوقوده: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾. قال مجاهد: (قالوا آمنا بالله). وقال قتادة: (﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ قال: بالرسول - ﷺ -. يعني حين عاينوا عذاب الله). وقال الحسن: (بالبعث). وقيل: بالقرآن. وقال ابن زيد: (﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ بعد القتل ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال: هؤلاء قتلى أهل بدر من قتل منهم وقرأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿(٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ ......﴾ الآية. قال: التناوش: التناول، وأنى لهم تناول التوبة من مكان بعيد وقد تركوها في الدنيا. قال: وهذا بعد الموت في الآخرة).\nقلت: وكلها أقوال متقاربة يحتملها البيان الإلهي تزيد في وضوح المعنى ويقتضيها الإعجاز.\nوعن ابن عباس: (﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ قال: يسألون الردّ وليس بحين ردّ).\nوقال الضحاك: (التناوش الرجعة، أي يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا وهيهات من ذلك).\nوقد قرأها قراء المدينة ﴿التَّنَاوُشُ﴾، وقراء البصرة والكوفة ﴿التناؤش﴾ بمعنى التنؤش، وهو الإبطاء، وهما قراءتان مشهورتان، والعرب تقول للقوم في الحرب إذا دنا بعضهم من بعض بالرماح ولم يتلاقوا: قد تناوش القوم.\nفيكون المعنى: فمن أي وجه لهم التناوش والرجعة أو تناول التوبة عند معاينة العذاب أو القتل، فإن الإيمان لن يقبل منهم حينئذ، كما قال ﷿ في موضع آخر: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ وكقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى","vol":"6","page":275},{"text":"النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]. وكقوله جل ثناؤه: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة: ١٢].\nثم قال: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال مجاهد: (من الآخرة إلى الدنيا).\nوقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. قال قتادة: (أي بالإيمان في الدنيا، ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: أي يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار).\nوعن مجاهد: (﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال: قولهم ساحر، بل هو كاهن بل هو شاعر). وقال ابن زيد: (﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال: بالقرآن).\nوقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. - فيه أقوال:\n١ - قال الحسن: (حيل بينهم وبين الإيمان بالله).\n٢ - وقال مجاهد: (من الرجوع إلى الدنيا ليتوبوا).\n٣ - وقال قتادة: (كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها في الدنيا حين عاينوا ما عاينوا).\n٤ - وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون من مال وولد وزهرة الدنيا.\nقال مجاهد: (من مال أو ولد أو زهرة).\n٥ - وقال ابن زيد: (﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ في الدنيا التي كانوا فيها والحياة).\nقلت: والبيان الإلهي يحتمل كل ما مضى من تأويل، والإعجاز القرآني يقتضيه.\nوالأشياع: جمع شِيَع. وشِيعَ: جمع شيعة. فأشياع هي جمع الجمع. فيكون المعنى أن الله سبحانه عاقبهم على تكذيبهم للحق في الدنيا وتعظيم نفوسهم وشهواتهم فوقه بأن منعهم من الإيمان عند نزول العذاب، وبان منعهم من أسباب النجاة والسعادة في الآخرة، ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ من الأمم الكافرة.\nفعن ابن أبي نجيح: (﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: الكفار من قبلهم).\nوقال قتادة: (أي في الدنيا كانوا إذا عاينوا العذاب لم يقبل منهم إيمان).\nأي: لأنهم كانوا في شك من نزول العذاب فحيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا","vol":"6","page":276},{"text":"من أموالهم وأهليهم لما سلط الله عليهم العذاب والقتل الذي كانوا منه في شك مريب: أي موجب لصاحبه ما يريبه من مكروه. وكذلك حيل بينهم وبين ما يشتهون من السعادة في الآخرة.\nوفي لغة العرب: أراب الرجل إذا أتى ريبة وركب فاحشة، فأرابه أوقعه في ريبة وتهمة، فهو للمبالغة في الشك.\nتم تفسير سورة سبأ بعون الله وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه\n* * *","vol":"6","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن.\n٢ - بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا.\n٣ - ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلك النعمة.\n٤ - المنسأة: العصا بلغة الحبشة، والمقصود بدابة الأرض: الأرضة.\n٥ - سبأ: رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة.\n٦ - إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، دماذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة.\n٧ - عجبًا للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاء إلا كان خيرًا له.\n٨ - إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان.\n٩ - الفتاح العليم: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.\n١٠ - بعث نبينا - ﷺ - إلى الأحمر والأسود: الجن والإنس، والعرب والعجم.\n١١ - إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.\n١٢ - ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا.\n١٣ - إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يجب أن يرى أثر نعمته على عبده.\n١٤ - فلا فوت: فلا نجاة ولا هرب. والأشياع: جمع شِيع، وشِيع: جمع شيعة.\n١٥ - حيل بينهم وبين ما يشتهون: أي من الأهل والأموال والنجاة وسعادة الآخرة.","vol":"6","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>٣٥ - سُوْرَةُ فَاطِرٍ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٥).\nوسميت فاطر لذكر هذا الاسم الجليل في طليعتها، وهي ختام السور المفتتحة بالحمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>موضوع السورة</span>\nمفاتيح الخير والعزة بيد الله العظيم\nفاطر السماوات والأرض ومخزي الكافرين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-234> منهاج السورة </span>-\n١ - الثناء على الله تعالى فاطر السماوات والأرض، منشئ الملائكة بأجنحة يطيرون بها، جعلهم رسلًا بينه وبين المرسلين.\n٢ - إثبات مفاتيح الخير ومغاليقه بيده تعالى، فما يفتح لا مغلق له، وما يغلق لا فاتح له.\n٣ - تذكير قريش بنعم الله عليهم لِيُفْرِدُوه بالعبادة والتعظيم، وتحذيره لهم غرور الحياة الدنيا ومصير الأولين الهالكين، وتسليةٌ لنبينا الكريم - ﷺ -.","vol":"6","page":279},{"text":"٤ - تأكيد هلاك وعذاب الكافرين، ونجاة ومغفرة ذنوب المؤمنين، ولهم في الآخرة الأجر الكريم.\n٥ - إرسال الله الرياح بشرًا تثير سحابًا فيحيي بالماء المنهمر الأرض الميتة، وكذلك يحيي سبحانه الموتى وإليه النشور.\n٦ - العزة لله وحده، وإليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه.\n٧ - لا يحيق المكر السيِّئ إلا بأهله، والماكرون لهم عذاب شديد، ومرد مكرهم سيكون عليهم.\n٨ - ذكر أطوار الخلق: من تراب ثم من نطفة، ثم التناسل، فالحمل، فالوضع، وكل في كتاب مبين.\n٩ - آية الله العظيمة في اختلاف مياه البحرين: المالح والعذب، وفي استخراج اللحم والحلي وجريان الفلك.\n١٠ - آية الله الكبيرة في تعاقب الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر.\n١١ - ذمُّ الله تعالى آلهة المشركين العاجزة عن كل ما سبق من الآياتِ الكونية، وذمّ المشركين الذين يدعونها من دون الله العليم القوي السميع البصير.\n١٢ - إثبات الله تعالى فقر عباده إليه، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأنه لا يستوي أهل الحق وأهل الباطل، وأنه لا يسمع الموتى، وأن الكافرين لهم عذاب اليم.\n١٣ - توجيه الله تعالى عباده إلى التفكر في عظيم خلقه، وإنما يخشاه تعالى من عباده العلماء.\n١٤ - وَعْدُ الله تعالى أهل القرآن والعمل بما فيه برضوانه وجناته يوم القيامة.\n١٥ - أصناف هذه الأمة ومنازلهم في تلقي الحق من الله وتعظيم هذا الوحي الكريم، والكافرون يصطرخون في النار يرجون العودة لاستئناف الإيمان والعمل الصالح ولكن دون جدوى فقد مضى أمر الله العظيم.\n١٦ - تحذير الله المشركين مغبة كفرهم وعنادهم، وتسفيهه تعالى آلهتهم العاجزة، وتنبيهه تعالى أنه هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا وليس ما يدعون من دونه.","vol":"6","page":280},{"text":"١٧ - إقسام المشركين بالله جهد أيمانهم أن لو جاءهم منذر من الله لسلكوا طريق الحق وكانوا أهدى من إحدى الأمم التي مضت، فلما جاءهم محمد - ﷺ - استكبروا ونفروا وصدوا وكانوا من شر الأمم التي غوت.\n١٨ - ثبات سنة الله في الأولين والآخرين، ولن تجد لسنة الله تبديلًا أو تحويلًا.\n١٩ - التنبيه إلى النظر في مصير الأمم الماضية المكذبة، وشدة ما كانوا فيه من البأس والقوة، فدكهم عذاب الله ودمَّرهم تدميرًا.\n٢٠ - امتنان الله على عباده تأخير انتقامه منهم عند استكبارهم لعلهم إليه يرجعون، وإلى طاعته يقبلون، فإن أصروا باغتهم عذابه من حيث لا يشعرون.\n* * *","vol":"6","page":281},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾.\nفي هذه الآياتِ: كل الحمد لله والشكر كله له، فلا تصلح العبادة إلا له، فهو مبدع السماوات والأرض من العدم، ومنشئ الملائكة بأجنحة يطيرون بها، جعلهم رسلًا بينه وبين أنبيائه ليبلغوا عنه مراده من أمره أو نهيه، منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة أو أربعة، فيزيد كما يشاء في الخلق، فهو القدير لا شبيه له في قدرته، ومفاتيح الخير ومغاليقه كلها بيده، فما يفتح لا مغلق له، وما يغلق لا فاتح له، فعنده خزائن السماوات والأرض يبسط الرزق بحكمته، فاذكروا أيها المشركون من قريش نعم الله عليكم، وتفكروا هل من خالق سواه يبسط ويغلق؟ ! فافردوه بالتوجه والعبادة، فقد كذب أمم قبلكم فهلكوا، فمردكم جميعًا إلى الله، ولا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش والملك، فإنما ذلك زائل فلا يبقى ملك ولا سلطان، وإنما ذلكم الشيطان يريد أن يوقعكم في مصائده لتهلكوا وتكونوا من أصحاب السعير.\nوقوله: ﴿فَاطِرِ﴾ بالجر، صفة لله سبحانه. وقيل يجوز فيها الرفع والنصب، حكاه القرطبي. فبالرفع تكون خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره \"هو\"، وبالفتح تكون منصوبة على المدح.","vol":"6","page":282},{"text":"والفَطْرُ لغة: الابتداء والاختراع، والفاطر: الخالق، والفَطْرُ أيضًا: الشق عن الشيء، وتفطّر الشيء إذا تشقق، والمراد بذكر السماوات والأرض العالم كله، والمراد والله تعالى أعلم أن من قدر على الابتداء قادر على الإعادة.\nوقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. قال قتادة: (بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة). وقوله: ﴿رُسُلًا﴾ مفعول به ثان لجاعل. ومن هؤلاء الرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈ أجمعين.\nوقرأ الحسن: \"جاعلُ الملائكة\" بالرفع. فجعلهم سبحانه رسلًا.\nقال يحيى بن سلام: (إلى الأنبياء). وقال السدي: (إلى العباد برحمة أو نقمة).\nوقد حكى ابن جرير اختلاف أهل العربية في علة ترك إجراء مثنى وثلاث ورباع. فقال بعض نحويي البصرة: (ترك إجراؤهن لأنهن مصروفات عن وجوههن، وذلك أن مثنى مصروف عن اثنين وثلاث عن ثلاثة ورُباع عن أربعة).\nوقال آخر منهم: (لم يصرف ذلك لأنه يوهم به الثلاثة والأربعة. قال: وهذا لا يستعمل إلا في حالة العدد). وقال بعض نحوي الكوفة: (هن مصروفات عن المعارف لأن الألف واللام لا تدخلها والإضافة لا تدخلها). وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾.\nوقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾. قال السدي: (يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء).\nفالمقصود أن هؤلاء الملائكة خلقهم سبحانه ذوي أجنحة متعددة متفاوتة في العدد حسب تفاوت ما لَهُم من المراتب ينزلون بها ويعرجون - أي يسرعون بها. ولذلك قال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ أي يزيد كيف يشاء في خلق الأجنحة وفي تركيب هؤلاء الملائكة ووظائفهم فهو على كل شيء قدير.\nفمن الملائكة من اختصهم الله بالاستغفار للمؤمنين والصلاة عليهم، ومنهم من اختصهم سبحانه بحمل عرشه، ومنهم من اختصهم بالاصطفاف مع المؤمنين في صلاتهم، ومنهم من اختصهم بالحج في البيت المعمور في السماء السابعة، ومنهم مختصون بالقتال مع المؤمنين في ساحات المعارك، ومنهم ملائكة جوّالون يلتمسون من يذكر الله وحلق الذكر والعلم، ومنهم من يبيتون مع المؤمنين في فرشهم ويلامسون أجسامهم إذا ناموا متطهرين، ومنهم من اختصهم سبحانه بالسجود في طبقات السماوات المختلفة، ومنهم مرافقة مسلحة لبعض المؤمنين ممن تعاطوا أسباب هذه","vol":"6","page":283},{"text":"المرافقة، إلى غير ذلك من الوظائف، وقد فصلتها مع أدلتها في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، في بحث الإيمان بالملائكة، فلله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾.\nقال قتادة: (أي من خير فلا ممسك لها فلا يستطيع أحد حبسها). وقال الضحاك: (هو الدعاء). وقال ابن عباس: (من توبة). وقيل: من توفيق وهداية.\nوقوله: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فأنَّث ﴿مَا﴾ لذكر الرحمة، وقوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ فذكّر لفظ ﴿مَا﴾ لأن لفظه لفظ مذكر. قال أبو جعفر: (ولو أنَّث في موضع التذكير للمعنى، وذكّر في موضع التأنيث للفظ لجاز، ولكن الأفصح من الكلام التأنيث إذا ظهر بعد ما يدل على تأنيثها، والتذكير إذا لم يظهر ذلك).\nوالآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: هو العزيز فينتقم بحبس رحمته وخيراته عمن عانده وآثر معصيته وسخطه، وهو الحكيم في تدبير شؤون خلقه وفتحه لهم من رحمته أو إمساكه عنهم، كل ذلك يمضي ضمن حكمته فتبارك الله العزيز الحكيم.\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. الخطاب لمشركي قريش: أن اذكروا نعم الله عليكم فهل من خالق سواه يبسط ويغلق، فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.\nففي الصحيحين والمسند من طريق ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: [أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي - ﷺ - كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ثلاث مرات، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدّ] (١).\nفتفكروا أيها القوم هل من سبيل إلى الرزق من غير الله سبحانه، فهو المعطي وهو المانع، فأفردوه بالعبادة والألوهية والتعظيم، وهو قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٧٣)، ومسلم (٥٩٣)، وأحمد (٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥).","vol":"6","page":284},{"text":"تُؤْفَكُونَ﴾. قال قتادة: (يقول الرجل: إنه ليوفك عني كذا وكذا). وهو من الأَفْكِ وهو الصرف. وقيل من الإفك: وهو الكذب. قال القرطبي: (أي من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله). وقال ابن جرير: (فأي وجه عن خالقكم ورازقكم الذي بيده نفعكم وضركم تصرفون).\nوهذه الآية حجة على القدرية إذ يثبتون معه خالِقِين، والله نفى خالقًا غيره، فقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. وقرأ حمزة والكسائي بالجر: \"هل من خالق غيرِ الله\". وبقية القراء بالرفع، بمعنى ما خالقٌ إلا الله، أو في محل رفع صفة، والتقدير: هل خالق غير الله. ويجوز النصب على الاستثناء.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\nقال قتادة: (يعزي نبيّه كما تسمعون).\nأي: فإن كذبوك يا محمد فلك بمن سلفك من الأنبياء أسوة، كذبهم أقوامهم فعاقبهم الله بتكذيبهم، فليس قومك بدعًا من الأقوام في التكذيب والكفر، ثم إلى الله تصير الأمور.\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: فيا أيها المكذبون إنكم ستقدمون على لقاء حق، فالبعث والثواب والحساب والعقاب ونار جهنم حق. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. قال ابن جرير: (يقول: فلا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش في هذه الدنيا ورياستكم التي تترأسون بها في ضعفائكم عن اتباع محمد والإيمان).\nوقال سعيد بن جبير: (غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة، حتى يقول: يا ليتني قدمت لحياتي).\nوفي التنزيل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء] (١).\nفشبه ﵊ هذه الدنيا بالفاكهة الحلوة المذاق، والخضرة المنظر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٨٩) - كتاب الفتن - باب: التحذير من فتنة النساء. وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٦٨)، وكتابي: أصل الدين والإيمان لشرحه (١/ ٢٣١).","vol":"6","page":285},{"text":"واللون، وحذر من أن يتعلق قلب المؤمن بها، فالمؤمن في خوف دائم من مصائدها التي يُسخط الوقوع بأحبلها ربه ﷿.\nوأخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [لما خلق الله الجَنَّة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي ربِّ! وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفَّها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب، ثم نظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. فلما خلق الله النار، قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخُلها، فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب، فنظر إليها فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال ابن عباس: (الشيطان). وقال سعيد بن جبير: (الغرور بالله أن يكون الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على الله المغفرة).\nوقد قرأها أبو حَيْوة وغيره: \"الغُرور\" بضم الغين، وهو الباطل. أي: لا يغرنكم الباطل. وقد نقل القرطبي عن ابن السكيت قوله: (الغرور ما اغترّ به من متاع الدنيا). في حين هي في قراءة جمهور القراء \"الغَرور\" بالفتح، وهو الشيطان. والغرور جمع غَرّ، وغررته متعد، نحو ضربته ضربًا.\nوقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.\nفعن قتادة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾: فإنه لحق على كل مسلم عداوته، وعداوته أن يعاديه بطاعة الله. ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ وحزبه أولياؤه ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي ليسوقهم إلى النار فهذه عداوته).\nوقال ابن زيد: (﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: هؤلاء حزبه من الإنس يقول: أولئك حزب الشيطان، والحزب: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه، وقرأ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾).\nفأخبر سبحانه عن أصالة عداوة إبليس منذ أن أخرج آدم من الجَنَّة وضمن إضلال ذريته بقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، وقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٦٩٨). ورواه أحمد والحاكم. انظر تخريج الطحاوية (٤١٦)، وتخريج المشكاة (٥٦٩٦)، وصحيح أبي داود (٣٩٧٠).","vol":"6","page":286},{"text":"مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾، وقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nفكيف مع هذه العداوة البينة يتولاه كثير من الناس ويطيعونه! وقد فطن بعض أهل العلم لهذه المخادعة، فكان الفضيل بن عياض يقول: (يا كذاب يا مُفْتَرٍ، اتق الله ولا تَسُبَّ الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر).\nوكان ابن السماك يقول: (يا عجبًا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته) - نقله القرطبي ﵀.\n٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾.\nفي هذه الآياتِ: لما ذكر سبحانه الشيطان وحزبه ومصيرهم أتبع الكافرين الذين خضعوا للشيطان وحزبه ذلك المصير المؤلم، ونجّى المؤمنين خصوم الشيطان وحزبه الذين عاندوا الشيطان باعمالهم الصالحة وبتعظيمهم حرمات الله وحراسة الحق ونصرته، فلا تتحسر يا محمد على من يسيء إلى الحق ويعيش على النفاق والمخادعة، ويوهم من حوله ويوهم نفسه أنه يحسن صنعًا، وهو في حقيقة الأمر قد أضله الله، فهو العليم بما يبيتون وبما يصنعون، فلا تأسف عليهم فالله بعلمه التام وحكمته البالغة يضل من يشاء ويهدي من يشاء، كل ذلك قد عَلِمه وقدّره، فإن أنكروا البعث فذكرهم أن الله يرسل رياحًا فتثير سحابًا فيمطر أرضًا ميتة فيحييها بعد ما كانت هامدة لا حياة بها، وكذلك البعث بعد الموت، فمن أراد النجاة في الآخرة فلا طريق إلا بطاعة الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتعظيم شرعه، فهذا طريق العزة في الدنيا والآخرة، وكل مكر سيحيق بأهله وسيرتد عليهم نقمًا وعذابًا.","vol":"6","page":287},{"text":"فقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يكون - الذين - في محل جر: بدلًا من قوله: ﴿مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أو بدلًا من \"حزبَه\". فيكون في محل نصب، أو في محل رفع مبتدأ خبره قوله تعالى: (﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في محل رفع على الابتداء أيضًا وخبره: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. وقوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. قال قتادة: (وهي الجَنَّة).\nوقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\nقال قتادة: (الشيطان زين لهم ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أي لا يحزنك ذلك عليهم فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء).\nوقال ابن زيد: (الحسرات: الحزن، وقرأ قول الله: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾). قال ابن جرير: (وحذف من الكلام: ذهبت نفسك عليهم حسرات اكتفاء بدلالة قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ منه).\nووقع قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ موضع الجواب. وقد قرأها الجمهور: \"فلا تَذْهَب نفسك\"، وقرأها أبو جعفر المدني وشيبة: \"فلا تُذْهِب نفسك\" والأول أصح وعليه إجماع القراء.\nفالمراد هنا - والله تعالى أعلم - كفار قريش، كما قال في موضع آخر: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ أي من شدة النصح كأنك قاتل نفسك، وقد قال له في موضع آخر يسليه: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾، وقال في موضع ثالث: (﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾. قال قتادة: (يرسل الرياح فتسوق السحاب فأحيا الله به هذه الأرض الميتة بهذا الماء، فكذلك يبعثه يوم القيامة).\nوقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. أي: فينشر الله سبحانه الموتى بعد بلائهم في قبورهم فيحييهم كما أحيا الأرض الميتة بالغيث والقطر فهو على كل شيء قدير، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.\nفيكون المقصود من المعنى: أي: فليتهيؤوا وليتعززوا بطاعة الله، فكل سبيل آخر مآله إلى المذلة والهوان كعبادة الأهواء والأصنام والأوثان.\nوقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾. قال مجاهد: (يقول: من كان يريد العزّة بعبادته","vol":"6","page":288},{"text":"الآلهة). ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. قال قتادة: (يتول: فليتعزز بطاعة الله).\nوقيل: من كان يريد علم العزة لمن هي فإنها لله كلها. وخلاصة المعنى: أنَّ الله سبحانه وبّخَ المشركين على عبادتهم الأوثان، ووبخهم على عبادتهم الطاغوت، ونعتهم بالكفر إذا تحاكموا لغير شرعه ومنهاجه، ودعاهم إلى العزة بمعناها الحقيقي وهي التعزز بالله وذكره وعبادته لا بالمال ولا بالسلطان ولا بالولد ولا بزينة الحياة الفانية، فإليه يرفع العمل الصالح، وهو الذي يعكسه عزًا وقوة في حياة صاحبه.\nوقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ - فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أن يكون قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قد تم. ثم تستأنف القراءة بقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. فيكون المعنى: إلى الله يصعد الكلم الطيب، والله هو يرفع العمل الصالح وصاحبه.\nقال قتادة: (لا يقبل الله قولًا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه).\nقلت: إن صح هذا عن قتادة فلا بد من تأويله، لأن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله وقال كلامًا طيبًا فإنه مكتوب له متقبل بإذن الله، فيحمل قول قتادة على عدم حيازة درجة القبول الكلية لفقدانه العمل فيأخذ أجر القول والله أعلم.\nالتفسير الثاني: أن يكون الكلام متصلًا، فيكون المعنى أن العمل الصالح هو يرفع الكلم الطيب، أي أن العمل الذي صدّق القول قد حمّله الله قوة ومصداقية لما تطابق مع القول، فيحمل العملُ القولَ إلى الله فيصعد به فيستقبله الله جل ثناؤه.\nقال ابن عباس: (الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه. فمن ذكر الله سبحانه في أداء فرائضه حُمِل عليه ذكر الله، فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رُدَّ كلامه على عمله فكان أولى به).\nوقال ابن عباس ومجاهد: (المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب).\nقال القرطبي: (وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأول أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه).\nوذكر قول ابن المقنع: (قول بلا عمل، كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر).\nوأنشد بعضهم:","vol":"6","page":289},{"text":"لا ترض من رجل حلاوةَ قوله ... حتى يُزيّنَ ما يقول فعال\nفإذا وزنت فعاله بمقاله ... فتوازنا فإخاء ذاك جمال\nالتفسير الثالث: أن يكون الكلم الطيب هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح، إذ لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد، فقد روي ذلك عن شَهْر بن حَوْشب وقال: (﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ القرآن، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ القرآن).\nقلت: وأميل إلى التفسير الثاني حيث العمل قد حمّله الله قوة ليرفع القول لما تطابق القول والعمل ولم يظهر الشقاق بينهما، فكم أخّر المسلمين اليوم كثرة الادّعاء واضمحلال العمل، وكم حَوَّلَ الإسلامَ كثيرٌ من الناس في حياتهم إلى فلسفة وكلام وجَدَل، لا رَصيد لذلك في واقع الأمة ولا في واقع التغيرٍ والبناء، فحصل الطلاق اليوم في الأمة بين القول والعمل، فصارت أمة ادعاء وغرور وعجز وكسل، وقد عاب الله ذلك في القرآن الكريم، فقال في سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾.\nقال بعضهم:\nلا يكون المقال إلا بفعل ... كل قول بلا فعال هباء\nإن قولًا بلا فعال جميل ... ونكاحًا بلا وليّ سواء\nقلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، فمن رضي الله عن منهاج عمله وقوله، وفقه لعمل صالح يختم له به. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بعبد خيرًا طهره قبل موته، قال: وما طَهورُ العبد؟ قال: عمل صالح يلهِمُه إياه حتى يقبضه عليه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد فيِ المسند بسند صحِيح عن أبي عنبة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بعبد خيرًا عَسَلهُ، قيل: وما عَسَلهُ؟ قال: يفتح له عملًا صالحًا قبل موته ثم يقبضه عليه] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني، وابن حبان (١٨٢٢) نحوه. وانظر صحيح الجامع (٣٠٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٢٤)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٢٦١).\nوانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١١١٤)، والمرجع السابق (٣٠٤).","vol":"6","page":290},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد من طريق عمرو بن الحمق، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله، قيل: أو ما استعمله؟ قال: يفتح له عملًا صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عليه من حوله] (١).\nوله شاهد من حديث أنس بلفظ: [قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه].\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. قال قتادة: (هؤلاء أهل الشرك). وقال أبو العالية: (هم الذين مكروا بالنبي - ﷺ - لما اجتمعوا في دار الندوة). وقال الكلبي: (الذين يعملون السيئات في الدنيا). وقال مقاتل: (يعني الشرك).\nقلت: ويدخل في هؤلاء الملأ المتكبرون الذين يحبون إشاعة الفساد في الأرض من الاستهزاء في الدين، وحرف الأجيال إلى تعظيم الشهوات وسلوك سبيل الفواحش.\nوقوله: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾. قال شهر بن حوشب: (هم أصحاب الرياء). أي إن عملهم يذهب ويبطل لأنه لم يكن لله. وقال قتادة: (أي يفسد). وقال ابن زيد: (بَارَ فلم ينفعهم ولم ينتفعوا به وضرّهم).\nوالمكر في لغة العرب ما عمل على سبيل احتيال وخديعة. وبار يبور إذا هلك وبطل، ومنه قولهم: بارت السوق إذا كسدت.\nوفي التنزيل: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي هلكى.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غَيْري تركته وشِركه] (٢).\nوهو كقوله جل ذكره: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.\nوللحديث شاهد في طبقات ابن سعد بسند حسن عن أبي سعد بن أبي فَضَالة عن\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ٢٠٠)، (٤/ ١٣٥)، وتخريج \"السنة\" لابن أبي عاصم (٤٠٠). وانظر صحيح الجامع الصغير (٣٠١)، (٣٠٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٩٨٥)، كتاب الزهد. باب تحريم الرياء.","vol":"6","page":291},{"text":"النبي - ﷺ - قال: [إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: مَنْ عَمِلَ عملًا لغير الله فليطلب ثوابه ممن عمله له] (١).\n١١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يعرِّف الله جل ثناؤه بمزيد من آياته وقدرته لعلها تنفع المشركين المتكبرين أن ينزجروا ويرعووا ويفروا إلى ربهم مخبتين مستسلمين موحدين. فبعد أن ذكّرهم بحركة الرياح والأمطار التي تصدر عن أمره فيحصي بها أرضًا مواتًا وكذلك النشور والبعث يحيي الله به الناس بعد أن أماتهم، فليتعززوا بطاعته فهي النجاة لهم. ثم هنا يذكّرهم بخلقهم وضعفهم من تراب ثم من ماء مهين ثم كبّرهم وصيّرهم رجالًا وإناثًا، وزوَّجهم فعمَّروا في الأرض إلى حين، وكل ذلك بعلمه وتقديره فإلى أين المفر من لقائه. ثم أشار لهم إلى بعض آياته الكونية الكبيرة التي تدل عليه وعلى قدرته سبحانه إذ خلق الأنهار وخلق البحار، وخلق الآبار والبحيرات وخلق المحيطات، وجعل في البحار والمحيطات من كنوز الطعام والحلي شيئًا عجيبًا، وسخّر السفن تجري بكم فيه وتحملكم لتجارتكم ولترحالكم ولتقارب بين أسفاركم، وأودع في المياه العذبة من الخير الوفير لحياتكم، أفلا يستحق ﷾ أن تشكروه على هذه الآلاء والنعم\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح الجامع الصغير (٧٩٤)، وتخريج المشكاة (٥٣١٨).","vol":"6","page":292},{"text":"التي لا تحصونها. ثم انظروا كيف ينقص الليل ويجعله في النهار وينقص النهار ويجعله في الليل، والشمس والقمر كل يجري بأمره، ولكم في كل هذا منافع كثيرة قد تدركون بعضها وما يخفى عليكم أكثر، فهو الملك سبحانه فلماذا تدعون حجرًا أو قبرًا أو صالحًا مضى لا يملك لنفسه حياة ولا نشورًا، ولماذا تنافقون لأمثالكم من البشر ولا تصرفون كل توجهاتكم إلى الله العظيم الذي خلق وقذر وهدى وقد أخبتت له الجبال والسماوات والأرض والبحار والشمس والقمر والنجوم والدواب كل قد علم صلاته وتسبيحه.\nفعن قتادة: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني آدم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ذريته ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ فزوَّج بعضكم بعضًا).\nوقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. أي: فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به فلا يخرج شيء عن تدبيره.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [لو أن الماء الذي يكون منه الولدُ أُهْرقْتَهُ على صخرة، لأخرج الله تعالى منها ولدًا، وليخلقَنَّ الله نفسًا هو خالقها] (١).\nبل الأمر أدق من ذلك، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nثم قال جل ذكره: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي ما يعطي بعض النطف من العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول).\nفزيادة العمر ونقصانه أمر قد فرغ الله من كتابته والعبدْ ممتحن في كل ذلك. قال ابن زيد: (ألا ترى الناس: الإنسان يعيش مئة سنة وآخر يموت حين يولد؟ فهذا هذا).\nوروى ابن جرير عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: (من قضيت له أن يعمر حتى يُدركه الكبر أو يعمر أنقص من ذلك، فكل بالغ أجله الذي قد قضى له، كل ذلك في كتاب).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ١٤٠)، ورواه ابن حبان وابن أبي عاصم. انظر صحيح الجامع رقم (٥١٢١). وله شاهد عند ابن ماجة (٨٩)، وأحمد (٣/ ٣١٣). وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٣٣).","vol":"6","page":293},{"text":"وقال القرطبي ﵀: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾: سمَّاه معمّرًا بما هو صائر إليه).\nثم ذكر أثرًا عن ابن عباس: (﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ إلا كتب عمره، كم هو سنة، كم هو شهرًا، كم هو يومًا، كم هو ساعة، ثم يكتب في كتاب آخر: نقص من عمره يوم، نقص شهر، نقص سنة، حتى يستوفي أجله).\nوعن قتادة: (المعمّر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة).\nقلت: ومن بلغ ستين سنة في هذه الأمة فقد أتم الله له العذر. فقد أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا بلغ الرجل من أمتي ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر] (١).\nوله شاهد أخرجه عبد بن حميد، عن سهل بن سعد، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا بَلَّغ الله العبدَ ستين سنة فقد أعذر إليه وأبلغ إليه في العُمُر] (٢).\nويبدو أن الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ يدل على معمَّر آخر، فيكون المعنى: (وما يعمر من معمر فيطول عمره أو يهرم، ولا ينقص من عمر آخر عن عمر هذا الذي عمَّر طويلًا أو عن الهرم، إلا هو مكتوب قبل أن تحمل به أمه في كتاب).\nوروى ابن جرير بسنده عن أبي مالك في هذه الآية: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قال: (ما يقضي من أيامه التي عددت له إلا في كتاب).\nوقيل: إنما الزيادة في العمر بالذرية الصالحة يُرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر.\nوفي الصحيحين عن أنس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. أي: إن إحصاء أعمار خلقه عليه سهل يسير، وكتابة الأعمال والآجال قبل أن يخلق السماوات والأرض أمر هو عليه سبحانه قدير.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الحاكم (٢/ ٤٢٨) بألفاظ متقاربة، وله شاهد في مسند أحمد (٢/ ٤١٧).\nوانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤٠٧).\n(٢) حديث صحيح. رواه عبد بن حميد، عن سهل بن سعد. وله شاهد في مسند أحمد (٢/ ٣٢٠).\nوانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٨٩). والمرجع السابق (٤٠٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٠٦٧). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٧٦٢).","vol":"6","page":294},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. أي: فما يعتدل البحران الفرات العذب والأجاج المالح المرّ، وهو أشد المياه ملوحة. فعن قتادة: (﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ قال: والأجاج: المرّ). فالعذب الفرات يشير إلى الأنهار السارحة السائغة الشراب التي ماؤها عذب زلال، والملح الأجاج يشير إلى البحار الساكنة التي تسير بها السفن الكبار.\nوقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾. قال قتادة: (أي منهما جميعًا. ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. قال: هذا اللؤلؤ. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ قال: فيه السفن مقبلة ومدبرة بريح واحدة).\nفيكون المعنى: فتأكلون السمك من عذبهما الفرات وملحهما الأجاج، وتستخرجون الدر والياقوت والمرجان من الملح الأجاج، نحو قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. والسفن تمخر مَخْرًا: أي تشق الماء بصدورها. فقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ فاجتمعا في الأول وانفرد الملح بالثاني، فالحلية إنما تستخرج من الملح خاصة.\nوقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: على تسخيره سبحانه لكم، تتصرفون فيه كيف شئتم، وتعبرونه باسفاركم وتجارتكم إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة، فلعلكم تشكرونه على ما هيأ لكم فيه من فضله ونجاكم من أهواله فسلمتم وغنمتم.\nوقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال قتادة: (زيادة هذا في نقصان هذا، ونقصان هذا في زيادة هذا). وقال ابن عباس: (هو انتقاص أحدهما من الآخر). أي فما نقص من الليل أدخله في النهار فزاده وبالعكس.\nوقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال قتادة: (أجل معلوم وحدّ لا يُقَصِّرُ دونه ولا يتعداه). فأجرى لكم سبحانه الشمس والقمر نعمة ورحمة منه لتعلموا عدد السنين والحساب، ولتعرفوا الليل من النهار، كل يجري لوقت معلوم، فالذي يفعل ذلك هو من لا تصلح العبادة إلا له، فتوجهوا إليه أيها الناس وأفردوه بالألوهية فها أنتم أولاء تقرون له بالربوبية.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾. قال قتادة: (أي هو الذي يفعل هذا).","vol":"6","page":295},{"text":"وقال القرطبي: (أي هذا الذي من صنعه ما تَقرر هو الخالق المدبر والقادر المقتدر فهو الذي يعبد).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.\nأي ما تدعون من الأوثان والأصنام لا يقدرون عليه ولا على خلقه، فهو الخالق وحده سبحانه، وما أحد ممن تشركون به يملك في هذا الكون من قطمير. والقطمير، كما قال ابن عباس: (هو شق النواة). وفي رواية عنه: (جلد النواة). وفي رواية: (الجلد الذي يكون على ظهر النواة). وقال قتادة: (القشرة على رأس النواة). فأكد سبحانه بأن ما تدعون من دونه لا يملك هذه القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة أن يخلقها أو يصنعها، فكيف تصرفون له شيئًا من العبادة والتوجه والتعظيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.\nقال قتادة: (المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم). وفي رواية عنه: (أي ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه). وقيل: (أي لو جعلنا لهم عقولًا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم ولما استجابوا لكم على الكفر).\nفإن تستغيثوا بهم في النوائب والكرب لا يسمعوا دعاءكم؛ لأنَّها جمادات لا تبصر ولا تسمع، وبهذا المعنى قال ابن جرير: (ولو سمعوا دعاءكم إياهم وفهموا عنكم أنَّها قولكم بأن جُعِلَ لهم سمعٌ يسمعون به ما استجابوا لكم لأنَّها ليست ناطقة، وليس كل سامع قولًا متيسّرًا له الجواب عنه).\nثم يوم القيامة تتبرأ آلهتكم منكم، تتبرأ الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا من دون الله أن تكون كانت لله شريكًا في الدنيا.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. قال قتادة: (ويوم القيامة يكفرون بشرككم إياهم ولا يرضون ولا يقرّون به).\nأي يجحدون أنكم عبدتموهم، فتبرأ منهم الملائكة والأوثان والشياطين ويخزيهم الله.\nوقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. قال قتادة: (والله هو الخبير أنه سيكون هذا منهم يوم القيامة). وقال ابن جرير: (ولا يخبركم يا محمد عن آلهة هؤلاء المشركين","vol":"6","page":296},{"text":"وما يكون من أمرها وأمر عَبَدتها يوم القيامة، من تبرُّئها منهم وكفرها بهم مثل ذي خبرة بأمرها وأمرهم، وذلك الخبير هو الله الذي لا يخفى عليه شيء كان أو يكون سبحانه).\n١٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يخاطب الله سبحانه عباده: يا أيها الناس أنتم أولو الفقر والضعف والعجز والحاجة إلى ربكم سبحانه، فإياه فاعبدوا وإليه فاقصدوا يغنكم من فضله، فهو الغني لا يفتقر إلى شيء من خلقه، وهو الحميد في أقواله وأفعاله، ولو شاء لأذهبكم وجاء بغيركم فالأمر له لا شريك له، ويوم القيامة لا يحمل أحدٌ عن الآخر وزره، ولا يعين نفسًا مثقلة بأوزارها تسأل العون على حملها أحدٌ ولو كان أباها أو ابنها أو زوجها أو أخاها أو جارها، وإنما يتعظ من كان من أولي الأبصار والنهى، وخاف مقام ربه وأقام الدين في حياته والصلاة التي هي عماده، وزكّى نفسه وطهّرها من دنس الكفر والذنوب بالتوبة وحسن الإيمان والعمل. فكما لا تستوي الأشياء المتباينة المتضادة في صفاتها كالأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور، فكذلك لا يستوي الأحياء ولا الأموات، فشبه سبحانه المؤمنين بالأحياء والكافرين بالأموات، فكما لا ينتفع الموتى بعد موتهم وهم كفار بالهداية والإيمان، فكذلك المشركون المعاندون الذين علم الله ما في قلوبهم فكتب عليهم الشقاوة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، إنما عليك البلاغ، فكل أمة مضى فيها نذير، ومن كذّب","vol":"6","page":297},{"text":"منهم دكّهم الله دكًّا وجعلهم للأمم بعدهم أحاديث وقصصًا. وإليك تفصيل ما قاله المفسّرون:\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس أنتم أولو الحاجة والفقر إلى ربكم فإياه فاعبدوا وفي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم وتنجح لديه حوائجكم).\nوعرّف سبحانه لفظ ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ ليريهم أنهم لشدة افتقارهم اليه هم جنس الفقراء، كما قال ﷿: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فشهد سبحانه على الإنسان بالضعف، كما قال في موضع آخر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ فالفقر مما يتبع الضعف. فلما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم أتبع ذلك بذكر صفة كريمة من صفاته وهي صفة الحميد، إذ ليس كل غني جوادًا منعمًا كريمًا.\nقال القرطبي: (ذكر الحميد ليدُلّ به على أنه الغني النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه).\nفهو المحمود على نعمه لو شاء أهلككم، فقد أنشأكم من غير ما حاجة إليكم. وبقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ تكون ﴿هُوَ﴾ في محل رفع مبتدأ، وتفيد في صرف هذه الصفة لله وحده، فهو وحده الغني الحميد لا يشاركه بهذا أحد.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. قال قتادة: (أي ويأت بغيركم). أي: فهو القادر سبحانه أن يأت بخلق سواكم يطيعونه ويأتمرون بأمره، فإن ذلك عليه يسير فخافوه وعظّموه قبل أن يفعل ذلك، فلو شاء أفناكم وجاء بأطوع منكم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.\nقال ابن عباس: (يكون عليه وزر لا يجد أحدًا يحمل عنه من وزره شيئًا). وقال ابن جرير: (وإن تسأل ذات ثِقْل من الذنوب مَنْ يحمل عنها ذنوبها وتطلب ذلك لم تجد من يحمل عنها شيئًا منها ولو كان الذي سألته ذا قرابة من أب أو أخ).\nوتزر أصلها تَوْزَر، فحذفت الواو اتباعًا ليزر، وقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾ صفة لمحذوف، وتقديره: نفس وازرة. ﴿ذَا قُرْبَى﴾ في محل نصب خبر كان، وأنّثت ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ لتدل على النفس، أي وإن تدع نفس مثقلة أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها. ثم إن النفس","vol":"6","page":298},{"text":"تستعمل للذكر والأنثى، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ﴾ أي كل ذكر وأنثى.\nوفي التفاسير عن الفضيل بن عياض: (﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ قال: هي المرأة تلقي ولدها فتقول: يا ولدي، ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن ثديي لك سقاء، ألم يكن حجري لك وطاء، فيقول: بلى يا أماه، فتقول: يا بنى، قد أثقلتني ذنوبي، فاحمل عني منها ذنبًا واحدًا، فيقول: إليك عني يا أماه، فإني بذنبي عنك مشغول).\nثم قال سبحانه: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾. قال قتادة: (أي يخشون النار). كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾.\nوقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. أي: أدوها بحدودها وأركانها وفرائضها كما شرعها الله لهم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾. قال ابن جريرَ: (ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله والإيمان به والعمل بطاعته فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله والفوز بجنانه والنجاة من عقابه الذي أعدّه لأهل الكفر به).\nوعن قتادة: (﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾: أي من يعمل صالحًا فإنما يعمله لنفسه).\nوقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. أي: فمصير كل عامل منكم أيها الناس إليه، فمؤمنكم وكافركم وبركم وفاجوكم كل سيرجع إليه ويقف بين يديه.\nوقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾.\nالمعنى: فلا يستوي الأعمى عن دين الله والذي أبصر رشده وسنة هذا النبي الكريم فاتبعها، وما تستوي ظلمات الكفر والفلسفة ونور الوحي والإيمان، ولا الظل وهو الجَنَّة، والحرور وهو النار - وهو السموم أي الرياح الحارة - وما يستوي أحياء القلوب التي أنعشها الله بالوحي مع أموات القلوب التي أشقتها الكبائر والكفر والمناهج المهزوزة المهترئة، كما قال جل ذكره: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.\nقال ابن عباس: (﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: هو مَثَلٌ ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية. يقول: وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور، ولا الأموات فهو مثلُ أهل","vol":"6","page":299},{"text":"المعصية، ولا يستوي البصير ولا النور ولا الظل والأحياء فهو مثلُ أهل الطاعة).\nوعن قتادة: (قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ خلقًا، فضّل بعضه على بعض، فأما المؤمن فعبد حيّ الأثر حيّ البصر، حيّ النية، حيّ العمل، وأما الكافر فعبد ميت، ميت البصر ميت القلب ميت العمل).\nوفي قوله: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ قيل: ﴿لا﴾ زائدة، فإن لم تدخل مع الواو فذلك اكتفاء بدخولها أول الكلام، فإن أدخلت فالمراد أن كل واحد منهما لا يساوي صاحبه، فلا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى.\nوالحرور من الحرّ، على وزن فعول، وهو الحرّ المؤذي الكثيف.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: [قالت النار: ربّ أكل بعضي بعضًا، فأذَنْ لي أتنفَّس، فأذِن لها بِنَفَسَيْن: نفسٍ في الشتاء ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم] (١).\nوفي رواية عن أبي هريرة: (فما تجدون من الحر فمن سمومها، وشدّة ما تجدون من البرد فمن زمهريرها).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.\nقال قتادة: (كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يسمع).\nأي: فكما أنك يا محمد لا تستطيع أن تسمع من في القبور كتاب الله فيهديهم لسبيل الرشاد، فكذلك لا تقدر أن تنفع بمواعظ الله وحججه من كان ميت القلب من الأحياء، فإنما تنذر هؤلاء المشركين فتبشر بالجنة مَنْ صَدَّقَكَ وتنذر بالنار مَنْ كَذَّبَكَ، ولا يملك الهداية إلا الله.\nوقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: لتبشر بالجنة وتنذر عقاب الجحيم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.\nقال قتادة: (كل أمة كان لها رسول).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦١٧)، كتاب المساجد. (باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة ويناله الحر في طريقه).","vol":"6","page":300},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.\nقال قتادة: (﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾. أي الكتب. ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ قال: يضعف الشيء وهو واحد).\nفيسلي سبحانه نبيّه بالصبر، فقد تعاقب الأمم على التكذيب بالبينات: وهي الحجج. وبالزبر: وهي الكتب المكتوبة. وبالكتاب المنير: أي الواضح.\nقال القرطبي: (وكرّر الزبر والكتاب وهما واحد لاختلاف اللفظين).\nوقيل: الكل واحد، وهو ما أنزل على الأنبياء من الكتب، فيسلي الله بذلك نبيه لما يلقاه من المشركين من التكذيب، فقد كذّب من مضىِ قبلهم من الأمم فدكهم الله، فليعتبر هؤلاء ألا ينزل بهم ذاك المصير الفاجع. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. أي: فانظر يا محمد كيف كان تغييري بمن جحد، وكيف كان حلول نقمتي وعقوبتي بهم.\n٢٧ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يَصْرِفُ الله فِكْرَ نَبِيِّه إلى التفكر في عظيم خلقه سبحانه: ألم تر يا محمد ما أنزل الله من السماء من الغيث فأخرج به ألوانًا مختلفة من الثمار والأشجار بطعوم مختلفة وروائح مختلفة، وكذلك ما خلق من الجبال خلقها بألوان متباينة متمايزة، وفي بعضها طرائق وهي الجدد وقطع جبلية سود، وكذلك خلق من الأناسي والدواب والأنعام بألوان مختلفة، فإنما يخشاه سبحانه حق خشيته العلماء العارفون به، ثم إن الذين يتلون كتابه ويتعاهدونه ويقيمون الصلاة وينفقون بالسر والعلانية،","vol":"6","page":301},{"text":"أولئك سيستقبلون ثوابًا عظيمًا في الآخرة، ورضوان من الله أكبر، فمن عظّم شرع الله ودينه وأمره فإن الله يزيده رضًا يوم القيامة.\nوعن قتادة: (﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ قال: أحمر وأخضر وأصفر، ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ أي طرائق بيض، ﴿وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ أي جبال حمر وبيض، ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ هو الأسود يعني لونه، كما اختلف ألوان هذه اختلف ألوان الناس والدواب والأنعام كذلك).\nوالجدد: الطرائق تكون في الجبال، واحدتها جُدَّة - ذكره الضحاك. والغرابيب: الجبال الطوال السود - قاله عكرمة.\nقال ابن جرير: (﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: وذلك من المقدّم الذي بمعنى التأخير. تقول العرب أسود غربيب إذا وصفوه بشدة السواد).\nفخلق الله الجبال مختلفة الألوان كما خلق الثمار مختلفة الألوان والطعم. نحو قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾.\nالدواب كل ما دبّ على القوائم، وعطف عليها الأنعام من باب عطف الخاص على العام، فهي مختلفة الألوان كما اختلفت الوان الناس.\nقال الحافظ ابن كثير: (فالناس منهم بربر وحوش وطماطم في غاية السواد، وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك، والهنود دون ذلك).\nوفي التنزيل: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢].\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. أفاد الإمام القرطبي ﵀ أن الرؤية في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هي رؤية القلب والعلم، أي: لم ينته علمك ورأيت بقلبك، فجاء اسم أنّ وخبرها في مسدّ مفعولي \"ترَ\". ثم ذكر ﴿الْعُلَمَاءُ﴾ عطفًا على العلم فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. أي إنما يخشاه سبحانه حق الخشية لعارفون به.\nقال ابن كثير: (لأنه كلما كانت المعرفة بالعظيم القدير العليم الموصوف بصفات","vol":"6","page":302},{"text":"الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أكبر وأعظم وأكثر).\nوقال قتادة: (كان يقال كفى بالرهبة علمًا). وقال مجاهد: (إن العالم من خشي الله ﷿). وقال الحسن البصري: (العالم من خشي الرحمان بالغيب، ورغب فيما رغّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾).\nوبمثل هذا الفهم الثاقب روي عن وهب بن مالك قال: (إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب).\nوقد أخرج الإمام النسائي في كتاب العلم بإسناد جيد عن مسروق قال: (بحسب المرء من العلم أن يخشى الله، وبحسبه جهلًا أن يعجب بعلمه).\nوعن ابن مسعود قال: (كفى بخشية الله تعالى علمًا وبالاغترار جهلًا).\nوأخرج الطبراني في الأوسط، والبزار في المسند، بإسناد حسن، عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع] (١).\nوكان الربيع بن أنس يقول: (من لم يخش الله تعالى فليس بعالم).\nوعن ابن عباس: (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير).\nفالمعنى: إنما يخشى الله فيتقي عقابه ويحذر غضبه وسخطه، بطاعته وامتثال أوامره وتعظيم شرعه، العلماء بقدرته وبصفاته، فيخافونه حق الخوف ويلتمسون رضاه وعفوه.\nوفي الأثر عن علي ﵁: (إن الفقيه حق الفقيه من لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه ولا قراءة لا تدبر فيها) - ذكره القرطبي.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الطبراني في \"الأوسط\" والبزار بإسناد حسن. انظر صحيح الجامع (٤٠٩٠)، وانظر: صحيح الترغيب (١/ ٦٦) كتاب العلم، باب الترغيب في العلم وطلبه.","vol":"6","page":303},{"text":"فالعالم الورع هو الذي نصب الحق طريقًا له في حياته، وعكف على الإخلاص والإحسان منهجًا في سلوكه، ورأى في العلم أمانة فقام به لإنقاذ أمته، وعظّم الوحيين: كتاب ربه وسنة نبيّه، فهو الذي بشره الله بقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وهو الذي بشره رسول الله - ﷺ - ببشراه، كما يروي ذلك الإمام الترمذي بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال: [ذُكِرَ لرسول الله - ﷺ - رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم. فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ثم قال: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحْرِها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناسَ الخير] (١).\nورواه البزار من حديث عائشة مختصرًا ولفظه: [معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر].\nوأما من أراد بالعلم الدنيا وحب الرياسة فالويل الويل، وعيد الله ورسوله له ولعمله بالبوار، والخسارة والهلاك والدمار.\nفقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تعلم علمًا مما يُبْتَغى به وجهُ الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجَنَّة يوم القيامة] (٢). يعني ريحها.\nوروى الترمذي بسند صحيح عن كعب بن مالك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من طلب العلمَ ليجاريَ به العلماء أو ليماريَ به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار] (٣).\nوروى عبد الرزاق في المصنف موقوفًا على ابن مسعود قال: [كيف بكم إذا لبِسَتكم فتنة، يربو فيها الصغيرُ، ويهرَمُ فيها الكبير، وتُتَّخَذُ سنة، فإن غُيِّرت يومًا قيل: هذا منكر! قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قَلّتْ أمناؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلَّتْ فقهاؤكم،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٦٨٥). انظر صحيح الترمذي (٢١٦١). ورواه الطبراني وغيره. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (١٨٣٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجة (٢٣٢). انظر صحيح سنن أبي داود (٣١١٢). ورواه أحمد بلفظ \"عوضًا\" بدل \"عرضًا\" أيضًا، انظر صحيح الجامع (٦٠٣٥).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٦٥٤). انظر صحيح الترمذي (٢١٣٨). وله شاهد عند ابن ماجة من حديث ابن عمر. انظر صحيح الجامع (٦٢٥٨)، (٦٢٥٩).","vol":"6","page":304},{"text":"وكثُرَت قرّاؤكم، وَتُفُقِّهَ لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة] (١).\nفنعوذ بالله من علم لا ينفع، أو من علم ابتغي به الظهور وحب الرياسة والشهرة وعرض هذه الحياة الدنيا.\nوقد حُكي عن عمو بن عبد العزيز وأبي حنيفة القراءة بالرفع في قوله: \"إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء\". فأجاب الزمخشري بأن الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يُجِلّهم ويعظمهم كما يُجِلّ المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عبَاده. ذكره القرطبي. قلت: والقراءة الأولى عليها إجماع القراء.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به أو أراد بالعلم غير وجهه، غفور لذنوب من أطاعه وآمن به وعظّم حرماته. والمعاقب والمثيب حقّه أن يخشى فانتبهوا يا معشر العلماء وتأملوا أيها الناس.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.\nكان مطرف بن عبد الله يقول: (هذه آية القراء) ذكره قتادة.\nوقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. أي: ليوفيهم ثواب أعمالهم مع مضاعفة لا تخطر ببالهم، فإن الأعمال لها أوزان مختلفة يوم القيامة.\nوقيل: الزيادة من فضله هي الشفاعة. وفي التنزيل: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. أي: غفور لذنوبهم وما صدر منهم، شكور لحسناتهم وجميل أعمالهم.\n٣١ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق بسند منقطع، لكن وصله الدارمي والحاكم. انظر صحيح الترغيب (١/ ١٠٦). وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٢٣٠ - ٢٣١) لتفصيل أكبر.","vol":"6","page":305},{"text":"فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يقول جل ذكره: وما أوحينا إليك يا محمد هو القرآن كلام الله الحق الذي عليك وعلى أمتك أن تعمل بما فيه، وهو يصدق ما مضى من الكتب المنزلة على عباده، فهو بهم خبير بما يعملون وبما يصلح لهم من شرع وتدبير، ثم ورّث الله هذا الحق من اصطفى من هذه الأمة فنزلوا ثلاثة منازل: منهم سابقون يدخلون الجَنَّة بغير حساب، ومنهم يحاسبون حسابًا يسيرًا، ومنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، لكن لم يشركوا بالله فعسى أن يعفو عنهم. لكنِ السابقون منهم أصحاب الفضل الكبير والثناء الجميل في جنات عدن وذهب ولؤلؤ وحرير، ويحمدون الله أن صرف عنهم الموت والمصائب فهو الغفور الشكور، على ما حباهم به من الخلود في دار النعيم لا ينالهم تعب ولا نصب ولا نفور. وأما الكافرون فهم في آلام مستمرة فلا يرون الموت ليخفف عنهم ولا مرد لقضاء الله جزاء على الكفر والفجور. وهم يصطرخون يرجون العودة إلى الدنيا ليستأنفوا العمل الصالح وحياة البر والطهور، ولكن الله قضى أن لا عودة فما قدّر لهم من العمر يكفي للمستبصر الذي يخشى في الآخرة عدم العبور، ويقول للظالمين ذوقوا ما كسبتم إن الله عليم بذات الصدور.\nوعن قتادة: (﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، قال: للكتب التي خلت قبله).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله","vol":"6","page":306},{"text":"بعباده لذو علم وخبرة بما يعملون، بصير بما يصلحهم من التدبير).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ - فيه تفاسير متقاربة:\nالتفسير الأول: قيل عني بالكتاب الكتب التي أنزلت قبل الفرقان، وعني بالمصطفين من عباده أمة محمد - ﷺ -، وعني بالظالم لنفسه أهل المعصية والإجرام منهم.\nقال ابن عباس فيها: (هم أمة محمد - ﷺ - ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يُغفر له ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجَنَّة بغير حساب).\nوروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلثٌ يدخلون الجَنَّة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتى يقول: ما هؤلاء، وهو أعلم ﵎، فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك. فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، وتلا عبد الله هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾).\nوقوله: ﴿اصْطَفَيْنَا﴾ أي اخترنا، أي اصطفينا دينهم، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ مشتق من الصفو وهو الخلوص من شوائب الكدر، وأصله اصتفونا أبدلت التاء طاء والواو ياء. لذلك قيل: إن الضمير هنا في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ يعود على الأصناف الثلاثة، وحملوا الظالم لنفسه في هذه الآية ألا يكون كافرًا ولا فاسقًا. وروي هذا المعنى عن عمر وعثمان وابن مسعود وعائشة.\nوالتقدير: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي بعمل الصغائر، وذلك دون الشرك والكبائر.\nوقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. قال محمد بن يزيد: (هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها). فيعود الضمير في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ على الجميع يدخلون جنات عدن برحمة الله. وروي عن كعب الأحبار ما يؤكد ذلك قال: (استوت مناكبهم - ورب الكعبة - وتفاضلوا بأعمالهم) ذكره القرطبي.\nواختار ابن جرير هذا التفسير - أي التفسير الأول -.\nالتفسير الثاني: قيل بل عُني بالكتاب الذي أورثه هؤلاء القوم: شهادة أن لا إله إلا","vol":"6","page":307},{"text":"الله، وعني بالمصطفين أمة محمد -ﷺ-، والظالم لنفسه المنافق منهم وهو في النار، والمقتصد والسابق في الجنة.\nفعن ابن عباس: (﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى آخر الآية. قال: جعل أهل الإيمان على ثلاثة منازل، كقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فهم على هذا المثال). وعن عكرمة عن عبد الله قال: (اثنان في الجنة وواحد في النار).\nوقال قتادة: (كان الناس ثلاث منازل في الدنيا وثلاثَ منازل عند الموت وثلاث منازل في الآخرة، أما الدنيا فكانوا: مؤمن ومنافق ومشرك. وأما عند الموت فإن الله قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾. وأما في الآخرة فكانوا أزواجا ثلاثة: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾).\nفَفُسِّر هنا ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ -على هذا القول- بأنه الكافر. وقد رُوي هذا المعنى عن ابن عُيَيْنة وعطاء عن ابن عباس. ويكون الضمير في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ يعود على المقتصد والسابق لا على الظالم. وعن عكرمة وقتادة: (أن المقتصد: المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق). وقال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أصحاب المشئمة، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أصحاب الميمنة، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ السابقون من الناس كلهم).\nورجح القرطبي هذا -أي التفسير الثاني- وقال: (لأن الكافر والمنافق لم يُصطفوا بحمد الله ولا اصطفى دينهم).\nالتفسير الثالث: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته، فالجنات للذين سبقوا بالخيرات لا غير. وفيه نظر.\nوالراجح -الذي أميل إليه- أن الكتاب هو القرآن الكريم وفيه الحق الذي جاء في الكتب قبله، كما قال في الآية قبلها: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب قبله. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: ثم أعطينا هذا الميراث وهو القرآن المتضمن للحق الذي قامت عليه السماوات والأرض وبعثت به الرسل إلى المؤمنين من أمة محمد -ﷺ- الذين انتموا إليه وإلى منهاجه","vol":"6","page":308},{"text":"واتبعوه، ولكنهم في الطريق تفرقوا إلى ثلاث طوائف: طائفة اجتالتهم الشياطين أثناء مسيرهم ووسوسوا لهم حتى ركبوا المعاصي وبعض الكبائر ولم يكونوا من أصحاب الهمم فسقطوا وظلموا أنفسهم لكنهم لم يشركوا بالله، فلربما أدخلهم سبحانه في سعة رحمته وتجاوز عن تقصيرهم ووقوعهم. وطائفة من أصحاب اليمين أعطوا الدنيا حقها والآخرة حقها، فكانوا وسطًا في هممهم وطموحاتهم، فتجاوز عنهم سبحانه وحاسبهم حسابًا يسيرًا.\nوطائفة هم السابقون الذين شمّروا إلى المعالي ولم ينشغلوا بسفساف الأمور وحقيرها، وأهمتهم الآخرة ونعيمها، فعاشوا للجهاد في سبيل الله، وطلب العلم الذي يوصل إلى الفردوس في جنانها، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [عن النبي -ﷺ- أنه قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: هؤلاء كُلهم بمنزلة واحِدَة وكُلّهُم في الجنة] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. قال ابن جرير: (فسبوق هذا السابق من سبقه بالخيرات بإذن الله هو الفضل الكبير الذي فضل به من كان مقصّرًا عن منزلته في طاعة الله من المقتصد والظالم لنفسه). وقيل: (ذلك الاصطفاء مع علمنا بعيوبهم هو الفضل الكبير). وقيل: (وعد الجنة لهؤلاء الثلاثة هو الفضل الكبير). وقيل: (إتياننا الكتاب لهم). قال سهل بن عبد الله: (السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل). وقال ابن عطاء: (الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحبه من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق).\nوقيل: قدم الظالم لئلا ييئس من رحمة الله، وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل.\nثم قال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ أي بساتين إقامة يتنعمون بها -هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب- ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ فيتقلبون في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في كتاب التفسير -حديث رقم- (٣٢٢٥) عند هذه الآية. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٧٧).","vol":"6","page":309},{"text":"ألبسة النعيم والرفاه ويلبسون أسورة من ذهب وحرير.\nومنهم من قرأها: \"جناتِ عدن\" بتقدير فعل محذوف نحو \"يدخلون\". وقرأ أبو عمرو \"يُدخلونها\" تبعًا لقوله \"يُحلّون\"- والله تعالى أعلم.\nوفي الصحيحين عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [تبلغ الحِليةُ من المؤمن حيث يبلغُ الوضوء] (٢).\nوقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (حزن النار). أي حزن دخولها، وقد انقطع بدخولهم الجنة.\n٢ - قال عطية: (الموت). فالموت هادم اللذات، وقد انقطع هذا الهم والحزن في الآخرة.\n٣ - قال شمر: (لما أدخل الله أهل الجنة الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. قال: حزن الخبز). وعنى بها همّ العيش في الدنيا والسعي، وقوام العيش هو الطعام والخبز، فكنّى عن ذلك بذلك. قال قتادة: (كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في خوف أو يحزنون).\n٤ - وقيل: الحزن الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة.\nقلت: ولا شك أن حزن النار هو أشد ما ذكر، وإن كان ما أشير إليه على درجات أخرى من الحزن. كما قال الحسن: (إن المؤمنين قوم ذلُلٌ، ذلّت والله الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى وما بالقوم مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. والحزن، والله ما حزنهم حزن الدنيا ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لا يتعزّ بعزاء الله يقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٨٣٢)، كتاب اللباس، وبنحوه (٥٨٣٤)، ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ١٥١)، والنسائي (١/ ٣٥)، وأحمد (٢/ ٣٧١).","vol":"6","page":310},{"text":"قال ابن جرير: (والأولى أنهم لما دخلوا الجنة وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، أنهم عموا جميع أنواع الحزن بقولهم ذلك: كخوف دخول النار والجزع من الموت ومن الحاجة للطعام).\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. قال ابن عباس: (غفر لهم الكثير من السيئات وشكر لهم الكثير من الحسنات). وقال شمر: (غفر لهم ما كان من ذنب وشكر لهم ما كان منهم).\nوقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال قتادة: (أقاموا فلا يتحولون). فحمدوه سبحانه أن سلّمهم إلى دار المقامة جنة الخلد والنعيم. والميم إذا ضُمت من المُقامة فهي من الإقامة، وإذا فتحت فهي من المكان والمجلس. فكانت السلامة بفضل من الله ورحمة.\nوهذا المعنى كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [لن يُدخِل أحدًا عملُه الجنة ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمته، فسددوا وقاربوا ولا يتمنى أحدكم الموت، إما محسن فلعله يزداد خيرًا، وإما مسيء فلعله أن يستعتب] (١).\nوقوله: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.\nالنصب: التعب والوجع. قال قتادة: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾، أي: وجع).\nواللغوب: العناء والإعياء. قال ابن عباس: (اللغوب: العناء).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾.\nقال قتادة: ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾ بالموت فيموتوا، لأنهم لوماتوا لاستراحوا. ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ يقول: ولا يخفف عنهم من عذاب نار جهنم بإماتتهم فيخفف ذلك عنهم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٦٧٣)، كتاب المرض، باب تمني المريض الموت. وأخرجه مسلم (٢٨١٦) بنحوه، كتاب صفات المنافقين، ح (٧١) - (٧٣).","vol":"6","page":311},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣ - ١٢].\nفوصف سبحانه خلود الكافرين في النار، فلا طريقة ولا حيلة للتخلص من هذا المصير المؤلم، فلقد سلكوا الطرق والسبل والحيل يتلاعبون بها في الدنيا للاستهزاء بشرع الله وإبعاده.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [أمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فاماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا أُذن بالشفاعة، فجيء بهم ضَبائرَ ضَبائرَ، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل] (١).\nوقرأ الحسن: \"فيموتون\" بالعطف على يقضى، أي لا يقضى عليهم ولا يموتون. والأولى أشهر.\nوَقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾. قال ابن جرير: (هكذا يكافئ كل جحود لنعم ربه يوم القيامة بأن يدخلهم نار جهنم بسيئاتهم التي قدموها في الدنيا).\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾، على وزن \"يفتعلون\" من الصراخ وهو الصوت العالي. وأصلها يصترخون، فحوّلت التاء طاء لقرب مخرجها من الصاد لما ثقلت.\nفالكفار يستغيثون في جهنم بصوت عال فيه صراخ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾. قال ابن عباس: (نقل: لا إله إلا الله). ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. قال القرطبي: (أي من الشرك، أي نؤمن بدل الكفر ونطيع بدل المعصية ونمتثل أمر الرسل).\nوقال ابن كثير: (وهم ينادون فيها يجأرون لله ﷿ بأصواتهم الرجعة للدنيا ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الرب ﷻ أنهم لو ردهم للدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، ولهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم).\nثم أجابهم سبحانه بقوله وبحجته البالغة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد ومسلم من حديث أبي سعيد. انظر صحيح مسلم (١/ ١١٨)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٥٥) لتفصيل البحث.","vol":"6","page":312},{"text":"وهذه الآية مفسَّرة بالسنة الصحيحة. فقد أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا بلغَ الرجل من أمتي ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر] (١).\nوله شاهد في مسند عبد بن حميد، عن سهل بن سعد، ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا بَلغَ الله العبد ستين سنة، فقد أعذر إليه وأبلغ إليه في العمر] (٢).\nوأصله في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: [أعذر الله ﷿ إلى امرئٍ أخَّر عُمُرَهُ حتى بلغ ستين سنة] (٣).\nقال الخطابي: (أعذر إليه: أي بلغ به أقصى العذر).\nفهذا العمر حجة الله على عباده، وهذه المدة بين الستين والسبعين كافية لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورًا، ولو زاد الله بعدها ألف سنة في العمر لكانت هذه الزيادة إضافية، فالستون أو السبعون سنة من العمر مؤشر مقبول عن بقية العمر، ولذلك جعل الله هذا العمر وسطًا بين الأمم.\nفقد أخرج ابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك] (٤).\nوخلاصة المعنى: كأنه يقول لهم جل ثناؤه لما نادوه مستجيرين به -وما كانوا يفعلون ذلك في الدنيا بل انصرفوا لدعاء غيره وعبادة من دونه- فأجابهم: أوما عشتم في الدنيا أعمارًا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في تلك المدة من أعماركم. قال القرطبي: (والمعنى أن من عمّره الله ستين سنة لم يبق له عذر لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع وترقّب المنية ولقاء الله تعالى).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٢٨)، وانظر مسند أحمد (٢/ ٣٢٠)، وتفصيل الروايات في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٨٩).\n(٢) حديث صحيح. انظر مستدرك الحاكم (٢/ ٤٢٨)، وانظر صحيح الجامع الصغير (٤٠٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٢٠٠ - فتح)، والحاكم (٢/ ٤٢٧)، وأحمد (٢/ ٢٧٥).\nوصنَّفَهُ البخاري في باب: \"من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر لقوله ﷿: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾: يعني الشيب\".\n(٤) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤٢٣٦)، والترمذي (٣٥٥٠). انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤١٤) -كتاب الزهد- باب الأمل والأجل.","vol":"6","page":313},{"text":"وروي عن ابن عباس: أنه أربعون سنة. ووجهه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. ففي الأربعين تكامل العقل وما قبله وما بعده منتقص عنه. كما قال مالك ﵀: (أدركت أهل الدنيا ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت) ذكره القرطبي ﵀.\nوكان مسروق يقول: (إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حِذْرَه من الله).\nثم قوله جل وعز: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فيه تفاسير متكاملة:\n١ - عن ابن زيد: (﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. قال: النذير النبي، وقرأ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾).\n٢ - وعن ابن عباس: (﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. قال: يعني الشيب).\n٣ - وقيل: (النذير: الحمى)، وقيل: (موت الأهل والأقارب). وقيل: (كمال العقل).\nقال قتادة: (احتج عليهم بالعمر والرسل).\nوهذا كما قال جل ثناؤه يصف نداءهم في موضع آخر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. أي جاء الرسل بالحق فخالفتموهم، ومن ثم فلا مانع من دلالة النذير على الشيب وعلى النبي -ﷺ-، فكلاهما نذير، وكذلك على كل ما يُذَكِّر باقتراب الأجل والوعد الحق، والله تعالى أعلم.\nقال القرطبي ﵀: (فالشيب والحمى وموت الأهل كله إنذار بالموت. قال: والشيب نذير أيضًا لأنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سنّ الصِّبا الذي هو سِنُّ اللهو واللعب).\nوقال بعضهم:\nرأيت الشيب من نُذُرِ المنايا ... لصاحبه وحَسْبُكَ من نذير\nقلت: ولذلك رغّب النبي -ﷺ- بالإكثار من ذكر الموت وسمّاه هادم اللذات.\nفقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [أكثروا ذكرَ هادم اللذات: الموت، فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا","vol":"6","page":314},{"text":"وسَّعَهُ عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيّقها عليه] (١).\nفموت الأهل والأصحاب إنذار بالرحيل في كل وقت وحين. قال بعضهم:\nوأراك تحملهم ولست تردّهم ... فكأنني بك قد حُمِلْتَ فلم تُرَدَّا\nوقال آخر:\nيا نفس توبي فإن الموت قد حانا ... واعص الهوى فالهوى ما زال فتانا\nأما ترين المنايا كيف تلقطنا ... لَقْطًا فتلحق أُخرانا بأولانا\nفي كل يوم لنا مَيْتٌ نشيعه ... نرى بمصرعه آثار موتانا\nيا نفس ما لي وللأموال أتركها ... خلفي وأخرج من دنياي عُريانا\nأبعد خمسين قد قضيتها لعبا ... قد آن أن تقصري قد آن قد آنا\n* * *\nما بالنا نتعامى عن مصائرنا ... ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا\nنزداد حرصًا وهذا الدهر يزجرنا ... كأنّ زاجرنا بالحرص أغرانا\nأين الملوك وأبناء الملوك ومَنْ ... كانت تخرُّ له الأذقان إذعانا\nصاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا ... مستبدلين من الأوطان أوطانا\nخلّوا مدائن كان العِزُّ مَفْرَشَها ... واستُفْرِشوا حُفَرًا غُبرًا وقيعانا\n* * *\nيا راكضًا في ميادين الهوى مرِحًا ... ورافلًا في ثياب الغيّ نشوانا\nمضى الزمان وولّى العمْرُ في لعب ... يكفيكَ ماقد مضى قد كان ما كانا\nثم قال جل ثناؤه يخاطب الكفار بعد أن احتج عليهم بالعمر والنذير: ﴿فَذُوقُوا﴾ أي عذاب جهنم جزاء بما فرطتم من العمر وضيّعتم من النذر، فما اتعظتم بشيب ولا موت ولا كهولة ولا اكتمال عقل ولا مرض ولا نوائب ولا سنن كونية أو شرعية: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. أي. لا مانع يمنعكم من عذاب الله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nأي: فهو عالم سبحانه بما أخفته صدوركم أيها الناس وبما بيّته الكافرون من حب الاستكبار في الأرض والاستهزاء بالرسل وبالمؤمنين، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢٥٥٩) - (٢٥٦٢). وأخرج نحوه النسائي (١/ ٢٥٨)، والترمذي (٢/ ٥٠)، وابن ماجة (٢/ ٤٢٥٨)، والحاكم (٤/ ٣٢١).","vol":"6","page":315},{"text":"لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. كما هو عالم بما هو غائب عن أبصاركم في ملكوت السماوات والأرض، فلا تضمروا الشك بوحدانيته تعالى وبنبوة محمد ﵊، وتظهروا الإيمان رياء ومصلحة فهو العليم بذات الصدور.\n٣٩ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره لنبيه -ﷺ-:\nقل يا محمد لمشركي قومك إنكم خَلَفٌ لِسَلَفٍ مضوا قبلكم من الأمم من بعد عاد وثمود وَمَنْ قبلهم وَمَنْ بعدهم كفروا بالله فدكهم الله دكًا وجعلهم للناس أحاديث وقصصًا، وما زادهم كفرهم بالله إلا بعدًا وخسارًا، وأنتم تخلفونهم في ديارهم ومساكنهم فاعتبروا، فهؤلاء الشركاء الذين تدعونهم من دون الله كالأوثان وكالطغاة هل شاركوا الله في خلقه، أو في جزء من ملكوته في السماوات أو في الأرض، أم هَل","vol":"6","page":316},{"text":"أنزلنا لهم كتابًا فيه برهان على التماسهم شيئًا من الشركاء شرعه الله ورضيه لهم، أم إنهم ماضون في غواية الشياطين لهم، فهذه ذكرى مفيدة إذا أرادوا أن يلحقوا بالنجاة قبل فوات الأوان، فالله سبحانه هو الذي يمسك السماوات والأرض ولو شاء لتركهما فسقطت السماوات فدمرتهم، وتحركت الأرض بالزلازل فأهلكتهم، ولكنه حليم عمن أشرك وكفر يؤخره إلى أجل عله يتذكر ويعتبر، وهو غفور لمن أناب وانزجر واعتبر. ثم يذكرهم سبحانه بإقسامهم به أشد الإقسام أن لو جاءهم منذر من الله لسلكوا طريق الحق وخير السبل وكانوا أهدى من إحدى الأمم التى مضت لما جاءهم محمد -ﷺ- استكبروا ونفروا وصدوا عن سبيله، فلا يحيق الخداع إلا بأهله، ومصير أهله الدمار، سنة الله ولن تجد لسنته تحويلًا. فهذه ديار من أهلك الله من الأمم قبلهم يمرون عليها في تجارتهم في طريق الشام، فيها آثار من كفر وأسرف ولم يؤمن بآيات ربه، فليتعظوا فإنما يمهلهم الله ويحتج عليهم بفرص، فإذا حان أوان الدرس الإلهي فلا طريقة للنجاة من عقابه سبحانه، إنه كان بعباده بصيرًا. فإلى تفصيل ذلك:\nفعن قتادة: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: أمة بعد أمة وقرنًا بعد قرن).\nوفي رواية: (خلفًا بعد خَلَف، قرنًا بعد قرن).\nولهذا سمي أبو بكر ﵁ بخليفة رسول الله -ﷺ-، لأن الخلف هو التالي للمتقدم.\nوقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾. أي: سيناله جزاء كفره من عذاب الله وعقابه.\nوقوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾.أي: إلا بعدًا من رحمة الله وبُغْضًا وغضبًا. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾. أي: هلاكًا وضلالًا.\nوقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾.\nقال قتادة: (لا شيء والله خلقوا منها). وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. قال قتادة: (لا والله ما لهم فيها شرك). وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾. قال: (أم آتيناهم كتابًا فهو يأمرهم أن يشركوا).\nونصب ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾ بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. أي: أخبروني عن شركائكم الذين تدعونهم هل عبدتموهم لأن لهم شركة مع الله في خلق السماوات أو في قطعة من الأرض، أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم يشير إلى مثل هذه الشركة. ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا","vol":"6","page":317},{"text":"غُرُورًا﴾. قال ابن كثير: (ليس الأمر كذلك بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وما هي إلا غرور وباطل وزور).\nفقوله: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ هو كقول بعضهم لبعض: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال ابن جرير: (خداعًا من بعضهم لبعض وغرورًا وإنما تزلفهم آلهتهم إلى النار وتقصيهم من الله ورحمته).\nوقال القرطبي: (﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ أي أباطيل تغر، وهو قول السادة للسِّفْلة: إن هذه الآلهة تنفعكم وتقربكم. وقيل: إن الشيطان يعد المشركين ذلك. وقيل: وعدهم بأنهم ينصرون عليهم).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾. أي: لئلا تزولا أو تضطربا عن أماكنهما، فهذه بعض صفات الخالق ﷾، فأين شركاؤه الذين تدعون من دونه وهو الذي لو شاء أحدث زلزلة في الأرض أو أسقط شيئًا من السماء، فهل يستطيع أحد من الخلق أن يمنع أو يدفع.\nو\"أنْ\" في محل نصب، والتقدير: لئلا تزولا. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾. و﴿وَلَئِنْ﴾ في معنى: لو، والتقدير: ولو زالتا ما أمسكهما من أحد، و\"إنْ\" في قوله: \"إنْ أمسكهما\" بمعنى: \"ما\". كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾. وكقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ أي: ولو أرسلنا ريحًا، ولو أتيت الذين أوتوا الكتاب.\nوعن قتادة: (﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾. قال: من مكانهما).\nكما قال جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. فهو الذي يحكم أمر السماء والأرض، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾: يرى عباده يكفرون به ويحلم فيؤخر ويؤجل ولا يعجل وينظر، ويستر آخرين ويتجاوز عن خطاياهم فيغفر، إنه كان حليمًا غفورًا.\nوقيل: بل المعنى إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا من كفر الكافرين وقولهم اتخذ الله ولدًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.\nوقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.","vol":"6","page":318},{"text":"والحديث عن قريش، فقد أقسم مُشركوهم قبل أن يبعث الله محمدًا -ﷺ- حين علموا تكذيب أهل الكتاب رسلهم فلعنوا من كذّب نبيه منهم وبالغوا بالإقسام بأشد الأيمان فأقسموا بالله جل اسمه لئن جاءهم نذير -أي نبيّ- ليكونن أسلك لطريق الحق من إحدى الأمم التي خلت، فلما جاءهم نذير -وهو محمد -ﷺ- استكبروا وكذبوا ونفروا.\nفعن قتادة: (قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾، قال: وهو محمد -ﷺ-).\nوقوله: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾. قال ابن جرير: (نفروا استكبارًا في الأرض وخُدْعة سيئة، وذلك أنهم صدّوا الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به. والمكر هاهنا: هو الشرك. قال: وأضيف المكر إلى السَّيئ، والسَّيئ من نعت المكر كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾).\nوقال قتادة: (﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ وهو الشرك. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قال: وهو الشرك).\nفهؤلاء المشركون من قريش تعاملوا مع الحق تعامل المفاخرة والتكاثر والاستكبار، لا تعامل الإخبات والتواضع وإقامة العدل وتعظيم هذا الحق وهذا الوحي الكريم، فعندما ذُكر لهم أهل الكتاب وتكذيبهم رسلهم تفاخروا وأخذتهم حمية الجاهلية بأنهم إن جاءهم نبي لَيَنْصُرُنَّهُ وَلَيُوقِّرُنَّهُ، كما قال ﷿: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. ولكن يوم شعروا أن الحق يمكن أن يلامس مناصبهم ويهز رياساتهم وزعاماتهم فضلوا البقاء على الباطل وما فيه من لذة الخيلاء والاستكبار الزائلة الفانية، فشأنهم في ذلك شأن أكثر الناس الذين يريدون حقًّا لا تكاليف فيه، وإنما سمعة ورياء وظهورٌ ورياسة، فكشفهم الله وعاب عليهم سوء خباياهم ومكرهم.\nوقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. قيل: هذا إشارة إلى قتلهم ببدر. ويحيق بمعنى يحيط، والحَوْق الإحاطة.\nروي عن ابن عباس: (أن كعبًا قال له: إني أجد في التوراة. مَنْ حفر لأخيه حُفرة وقع فيها! فقال ابن عباس: فإني أوجِدُك في القرآن ذلك. قال: وأين؟ قال: فاقرأ: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.\nوفي أمثال العرب: (من حَفَر لأخيه جُبًّا وقع فيه مُنكبًّا).","vol":"6","page":319},{"text":"وأخرج الطبراني وابن حبان بسند صحيح عن ابن مسعود ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [من غشّنا فليس منا، والمكر والخِداع في النار] (١). أي تدخل صاحبها النار، فهي من أخلاق الكفار.\nوقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال قتادة: (أي عقوبة الأولين، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقول: فلن تجد يا محمد لسنة الله تغييرًا).\nوالسنة: الطريقة، والجمع سُنَن، وتارة يضيفها سبحانه إليه، وتارة إلى القوم لتعلق الأمر بالجانبين. كما قال ﷿: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. وكقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾، وكقوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾.\nفقد أخذ الله إجراء العذاب على الكفار، كقوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. ويجعل ذلك سنة فيهم، فكل من استحقه عذّبه لا يقدر أحد أن يحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره.\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾.\nأي: فلينظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بمصير من أسرف ولم يعظم آيات ربه ودينه وشرعه رغم ما آتاهم من قوة وأسباب. فقال: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. قال قتادة: (يخبركم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم).\nفلينظروا مصير عاد وثمود ومَدْين وغيرهم، وليروا ما بقي من مساكنهم ودورهم.\nقال ابن كثير: (سيروا في الأرض فانظروا كيف دمّر الله مكذبي الرسل فخلت منهم منازلهم وسُلبوا نعيمهم رغم كثرة الأولاد والأموال والعدد والعُدَد).\nفقل يا محمد لمشركي قومك وذكرهم بما سمعوا على التواتر بما حَلّ بالأمم قبلهم رغم أنهم كانوا أقوى منهم. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ القهار والجبار بيده الملك لا يعجزه شيء في ملكوته وله الكبرياء.\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (١١٠٧)، والطبراني في \"المعجم الصغير\" ص (١٥٣)، وفي \"المعجم الكبير\" (٣/ ٦٩/ ١). وانظر السلسلة الصحيحة -حديث رقم- (١٠٥٨).","vol":"6","page":320},{"text":"[قال الله تعالى: الكبرياء رِدائي، فمن نازعني في ردائي قصمته] (١).\nوفي رواية في الصحيح: [الكبرياء ردائي، والعِزّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذبته] (٢).\nوفي رواية في مسند الإمام أحمد: [الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار] (٣).\nوأخرج ابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن بسر بن جحاش القرشي عن النبي -ﷺ- قال: [يقول الله: يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بُردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق، وأنى أوان الصدقة] (٤).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. يعني: عليمًا بخلقه ومن المستحق تعجيل العقوبة ومن هو على ضلالته راجع إلى الهدى بعد غيّه، فهو سبحانه القدير على الانتقام ممن شاء، والقدير على توفيق من أراد منهم للإيمان.\nوقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.\nقال قتادة: (إلا ما حمل نوح في السفينة). أو قال: (وقد فُعل ذلك زمن نوح ﵇). فلو يؤاخذهم سبحانه بذنوبهم ما ترك على ظهرها من دابة.\nكما قال ابن مسعود: (يريد جميع الحيوان مما دبَّ ودرج).\nوقال ابن جرير: (أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم).\nوقيل هذه الآية كالآية التي في سورة البقرة: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.\nقال مجاهد: (هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجَدْب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم).\nولكن يؤخر عقابهم لأجل يعلمه هو سبحانه، محدود لا يقصرون عنه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٦١). وانظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٤١٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٣٥ - ٣٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٥٢) نحوه.\n(٣) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٢/ ٢٤٨)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٤١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٥٧) مختصرًا، والحاكم (٢/ ٥٠٢)، وأحمد (٤/ ٢١٠).\nوانظر المرجع السابق (الصحيحة- ١١٤٣).","vol":"6","page":321},{"text":"ولا يجاوزونه إذا بلغوه. قال مقاتل: (الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللوح المحفوظ). وقال يحيى: (هو يوم القيامة).\nوقوله: أي: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.أي: إذا جاء عقابهم فالله يعلم من يستحق العقاب منهم ومن يستوجب الكرامة والعفو والمغفرة.\nتم تفسير سورة فاطر بعون الله وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه\n* * *","vol":"6","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الفاطِرُ: الخالق، والفَطْرُ: الشق عن الشيء، وتفطر الشيء إذا تشقق.\n٢ - إن الدنيا حلوة خضرة، وغرورها أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة، حتى يقول: يا ليتني قدّمت لحياتي.\n٣ - إذا أراد الله بعبد خيرًا طهره قبل موته، وطهور العبد أن يفتح له عملًا صالحًا قبل موته ثم يقبضه عليه.\n٤ - إذا كان يوم القيامة نادى مناد: مَنْ عَمِلَ عملًا لغير الله فليطلب ثوابه ممن عمله له.\n٥ - لو أن الماء الذي يكون منه الولد أُهْرِقته على صخرة، لأخرج الله تعالى منها ولدًا، وليخلقنَّ الله نفسًا هو خالقها.\n٦ - إذا بَلَّغَ الله العبد ستين سنة فقد أعذر إليه وأبلغ إليه في العمر.\n٧ - من سَرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه.\n٨ - الحرور من الحرّ، على وزن فعول، وهو الحرّ المؤذي الكثيف.\n٩ - الجدد: الطرائق تكون في الجبال، واحدتها جُدَّة. والغرابيب الجبال الطوال السود.\n١٠ - فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع.\n١١ - من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار.\n١٢ - من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة.\n١٣ - من غشنا فليس منا، والمكر والخداعُ في النار.\n١٤ - قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته.\n١٥ - الأجل المسمى هو الأجل المكتوب في اللوح المحفوظ، والله تعالى أعلم من يستحق العقاب من عباده ومن يستحق الكرامة والعفو والمغفرة.","vol":"6","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>٣٦ - سورة يس</span>\nوهي سورة مكية بإجماع أهل التفسير، وعدد آياتها (٨٣).\nوهناك من قال: إن قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ نزلت في بني سلمة من الأنصار، حين أرادوا أن يتحولوا من ديارهم ليقتربوا من المسجد في المدينة.\nوسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>موضوع السورة</span>\nانتصار الله للقرآن ولسيد المرسلين\nوإنزال نقمته والخزي على الكافرين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-238> منهاج السورة</span>-\n١ - انتصار الله لهذا القرآن العظيم، وتأكيده إنزاله على سيد المرسلين، لإنذار قوم بعدوا عهدًا بالإنذار، فهم مغلولون عن قبول الحق إلا أن يخلصوا إلى الله الفرار، وإلا حقت عليهم كلمة الله أنهم أصحاب النار.\n٢ - انتفاع المؤمنين بالنذارة وثناء الله عليهم، وإثبات المعاد ببعث الله الموتى من قبورهم، وكل الأعمال والآثار مسطرة في اللوح المحفوظ عند بارئهم.","vol":"6","page":324},{"text":"٣ - ضَرْبُ الله المثل بقصة أصحاب القرية وتكذيبهم المرسلين، ومجيء رجل من أقصى المدينة يسعى يقول يا قوم اتبعوا المرسلين، ويحذرهم مغبة الشرك بالله فأصروا فأنجاه الله وأهلكهم بما كانوا به يستهزئون.\n٤ - ذكر الله تعالى بعض الآيات الدالة للمشركين على قدرته على إحياء الموتى من قبورهم بعد فنائهم.\n٥ - استهزاء المشركين بأمر البعث والحساب واستبعادهم القيامة، وتأكيد الله ما أنكروه بوصفه تعالى نفخة الفزع ثم نفخة البعث والقيام لله رب العالمين.\n٦ - نَعْتُ الله نعيم المؤمنين في الجنة وانشغالهم في ألوان الملذات والسرور.\n٧ - نَعْتُ الله حال المجرمين وهم إلى جهنم يحشرون، وقد كان حذّرهم تعالى مغبة عبادة الشيطان الذي أضلهم وأممًا قبلهم لم يكونوا يعقلون.\n٨ - تبرئة الله تعالى نبيّه -ﷺ- من نظم الشعر، ليغلق الباب على من أراد أن يدعي أن القرآن من كلام محمد -ﷺ- وإنما هو كلام الله الذي علم رسوله الذكر.\n٩ - امتنانُ الله تعالى على المشركين نعمة الأنعام ذَلَّلَها لهم لطعامهم وشرابهم وركوبهم وحمل أثقالهم.\n١٠ - عَجْزُ الأوثان والأصنام عن جلب النفع ودفع الضر عن عابديها.\n١١ - ذِكْرُ الله قصة بدء الخلق للإنسان من ماء مهين، ثم كبَّرَه ورعاه فإذا هو خصيم مبين، يكفر بقدرة الله تعالى على إعادته والله بكل خلق عليم.\n١٢ - تنزيه الله نفسه عما يصفه به الكافرون، فإنه تعالى إذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون، وله الملك كله سبحانه وإليه يرجعون.\n* * *","vol":"6","page":325},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: افتتح الله هذه السورة بحرفين: الياء والسين. وكأن المعنى أو المراد هو الإعجاز وتحدي البطلة، فهذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف فأتوا بمثله إن استطعتم. ثم أقسم سبحانه بوحيه وتنزيله: إنك يا محمد لمن المرسلين من الله إلى عباده، وإنك لعلى صراط مستقيم وهو الإسلام، صراط الأنبياء جميعًا صلوات الله وسلامه عليهم. وما معك من القرآن هو تنزيل الرب الرحيم بعباده، العزيز في انتقامه، لتنذر مَنْ بَعُدُوا عهدًا بالإنذار، فتجدد النذارة لهم فيخلصوا من الغفلة، مع أن العقاب قد كتبه الله بعلمه على أكثرهم لاستكبارهم وعنادهم وتقليدهم المسرفين من الأمم قبلهم، فهم مغلولون مقيدون أن يأتوا بخير، قد جعل الله بعدله بينهم وبين الإسلام والإيمان سدًّا منيعًا، لأن واقع قلوبهم ونفوسهم يتناسب وذلك، فسواء يا محمد إنذارك وعدمه فهم بالإيمان زاهدون، وبحب الدنيا ماضون، وبتعظيم الشهوات والرياسات مرابطون. فالنذارة تنفع المخبتين، الذين يخشون ربهم ممسين ومصبحين، وباتباع هدي القرآن عاكفون، فأولئك لهم أجر التائبين المستغفرين. فالله","vol":"6","page":326},{"text":"يبعث الموتى من قبورهم ويوردهم ليروا ما قدموا من أعمالهم، فهو العليم قد كتب في اللوح المحفوظ كل أخبارهم. فإلى تفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿يس﴾. قال شيخ الإسلام: (إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾. قال ابن عباس: (قالت كفار قريش ليست مرسلًا وما أرسلك الله إلينا، فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمدًا من المرسلين). والحكيم صفة للقرآن، أي لا يتعرض لبطلان ولا تناقض، فهو الكتاب المحكم الذي ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، وكذلك معانيه ونظمه وأحكامه وبينات حججه، فأقسم بتنزيله سبحانه لنبيه محمد ﵊، إنك لمن المرسلين، بوحي من الله العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nقال قتادة: (قسم كما تسمعون: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على الإسلام).\nفأقسم سبحانه بالقرآن الحكيم: إنك يا محمد لمن المرسلين، على منهج ودين قويم، وشرع مستقيم، منزل من رب العزة الرحيم، بعباده المؤمنين المخبتين.\nفقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، هو كقوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾.\nو﴿عَلَى﴾ في قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إما صلة الإرسال، أي إنك لمن المرسلين على استقامة من الحق، أو تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: إنك لمن المرسلين. إنك على صراط مستقيم.\nوقيل: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي على طريق الأنبياء الذين تقدموك.\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾. قرأها قراء الكوفة وبعض قراء الشام بالفتح ﴿تَنْزِيلَ﴾ في محل نَصْب مفعول مطلق، والتقدير: \"منزل تنزيل العزيز الرحيم\". في حين قرأها قراء المدينة والبصرة ﴿تَنْزِيلَ﴾ بالرفع خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره (هو)، أو (إنه)، والتقدير: إنه تنزيلُ العزيز الرحيم، أو هذا تنزيل العزيز الرحيم، وكلاهما مشهور عند المفسرين. أما من قرأها بالجر ﴿تَنْزِيلَ﴾ على البدل من القرآن فهي قراءة غير مشهورة.","vol":"6","page":327},{"text":"وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾. قال قتادة: (قال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم من إنذار الناس قبلهم. وقال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم: أي هذه الأمة لم يأتهم نذير حتى جاءهم محمد -ﷺ-). وقال عكرمة: (قد أنذروا). فهناك تفسيران:\n١ - تكون ﴿مَا﴾ والفعل مصدرًا -والتقدير: لتنذر قومًا إنذار آبائهم- أي لتنذر يا محمد هؤلاء القوم إنذارًا يشبه الإنذار الذي بلغ الأقوام قبلهم من رسلهم. وقد تكون ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، والتقدير قريبٌ من هذا -أي: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم-.\nفإن قيل: يجوز أن يَكون العرب أنذروا بخبر الأنبياء بالتواتر! فيقال: لكن لم ينذروا برسول من أنفسهم أو ببلاغ مبين.\n٢ - تكون ﴿مَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وَالتقدير نفي -أي لتنذر قومًا لم ينذروا، أو ما أتى آباءهم قبلك نذير-. كقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وكقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾.\nأي لم يأتهم نبي يقيم عليهم الحجة والبلاغ المبين. قال ابن كثير: (لتنذر العرب فإنه ما أتاهم من نذير قبلك) أي بعد إبراهيم ﵇.\nقلت: وكلا المعنيين حق. فكان هناك فترة من الرسل قبل محمد -ﷺ-، ولكنهم كانوا مأمورين بدين إبراهيم دين التوحيد، وقد وصلوا بأخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فأحب الله أن يقيم عليهم الحجة البالغة بإرسال محمد -ﷺ- لينهضوا من الغفلة واتباع الشياطين.\nوقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. أي معرضون متغافلون عن عقاب الله، فأحب الله أن يجدد الأمر لهم. قال ابن جرير: (﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ عما الله فاعل بأعدائه المشركين من إحلال نقمته وسطوته بهم).\nوقو له تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nهذا فيما سبق من علم الله، فيمن يموت على كفره ولا يؤمن بآيات الله ويكذب رسله. قال شيخ المفسرين: (لقد وجب العقاب على أكثرهم لأن الله قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله).\nثم قال جل ذكره مفصلًا سبب تركهم الإيمان: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى","vol":"6","page":328},{"text":"الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال ابن عباس: (هو كقول الله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. [الإسراء: ٢٩] يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يبسطوها بخير).\nوعن عكرمة قال: (قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قوله ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال: فكانوا يقولون: هذا محمد، فيقول: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره).\nقلت: والمقمح لغة المقنع، وهو أن يحدر الذقن حتى يصير في الصدر ثم يرفع رأسه (١). فهو مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعهم من الهدى كامتناع المغلول، وهو تمثيل لحالة الكبر التي طغت في قلوب المكذبين بالرسل، فانتصب عنقُه كناية وتعبيرًا عن الاستكبار. كما قال القرطبي: (إن هؤلاء صاروا في الاستكبار عن الحق كمن جُعل في يده غُلٌّ فجمعت إلى عنقه. فبقي رافعًا رأسه لا يخفضه، وغاضًا بصره لا يفتحه). قال: (والمتكبر يوصف بانتصاب العنق).\nقلت: ولا شك أن الله سبحانه يحرمهم التوفيق إلى الهدى عقوبة منه بهم، نتيجة استكبارهم. قال قتادة: (﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾: أي فهم مغلولون عن كل خير). وقال مجاهد: (رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم). أي أيمان الكفار مغلولة لأعناقهم بالأغلال فلا تبسط في خير. قال أبو جعفرة (فكنى عن الأيمان ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾.\nوالسد هو الحاجز بين الشيئين، فهم قوم قد زين الله لهم سوء أعمالهم وتركهم يتخبطون ويترددون، فهم يعمهون ولا يبصرون رشدًا ولا يمتثلون حقًّا.\nكما قال مجاهد: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ عن الحق فهم يترددون). وقال قتادة: (ضلالات). وقال ابن زيد: (جعل هذا سدًّا بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية كلها. وقال: من منعه الله لا يستطيع).\n_________\n(١) وقيل الإقماح: رفع الرأس وغض البصر. ويقال: أَقْمَحَهُ الغُلُّ: إذا ترك رأسه مرفوعًا من ضيقه. وأقمحت الدابة إذا جذبت لجامها لترفع رأسها. وقمح البعير إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع من الشرب فهو قَمِحٌ أو قامحٌ.","vol":"6","page":329},{"text":"وقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.\nقال قتادة: (﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هدى ولا ينتفعون به).\nوروي عن ابن عباس أنه قرأها: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ بالعين، من العشا: وهو أن يمشي بالليل ولا يبصر. ذكره ابن جرير. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. من العشا في العين، وهو ضعف بصرها حتى لا تبصر بالليل.\nوعن الضحاك: (﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ أي الدنيا ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي الآخرة، أي عموا عن البعث وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي فزينوا لهم في الدنيا ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة). وقال السدي: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال: محمدًا حين ائتمروا على قتله). وقيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ أي غرورًا بالدنيا. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي تكذيبًا بالآخرة. وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ الآخرة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الدنيا.\nوخلاصة المعنى: شبه الله انتصاب الأعناق بحالة المستكبرين عن الحق، فكأن الأغلال قد وضعت في أيديهم وجمعت إلى أعناقهم، فبقيت رؤوسهم منتصبة وقد غضت أبصارهم، وقد علم الله فساد قلوبهم فجعل الشهوات وحطام الدنيا والغي حاجزًا بينهم وبين الإيمان عقوبة لهم، ثم عموا عن البعث وتمادوا في التكذيب في الآخرة فأمهلهم واستدرجهم عقوبة أخرى، فكان ذلك سدًّا من بين أيديهم وسدًّا من خلفهم فضاع العمر عليهم وهم لا يبصرون طريق النجاة.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nهو كقوله في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nأي لما رأى الله تماديهم في الكذب وتعظيمهم الشهوات فوق الوحي -وهو أمر علمه سبحانه وكتبه في اللوح المحفوظ- عاقبهم على ترك قلوبهم وإهمال معالجتها، وعلى مضيهم في طريق الرياء والكبر، فصار الران على قلوبهم، فلا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا إلا ما أشرب من هواهم، فسواء عليك بعد هذا يا محمد إنذارك وعدمه. وهذه الآية ردّ على القدرية الذين يقولون لا قدر.\nوقد ذكر الإمام القرطبي عن ابن شهاب: (أن عمر بن عبد العزيز أحضر غيلانَ القَدَرية فقال: يا غيلان! بلغني أنك تتكلم بالقدر، فقال: يكذبون عليَّ يا أمير","vol":"6","page":330},{"text":"المؤمنين. ثم قال: يا أمير المؤمنين! أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ فقال: اقرأ يا غيلان! فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ فقال: اقرأ، فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فقال: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت أنّ هذا في كتاب الله قط. فقال له: يا غيلان: اقرأ أول سورة \"يس\". فقرأ حتى بلغ: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين كأني لم أرها قط قبل اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب. فقال عمر: اللهم إن كان صادقًا فتب عليه وثبته، وإن كان كاذبًا فسلط عليه من لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين، فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه وصلبه. وقال ابن عون: فأنا رأيته مصلوبًا على باب دمشق. فقلنا: ما شأنك يا غيلان؟ فقال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾. قال قتادة: (واتباع الذكر اتباع القرآن).\nوقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ قال قتادة: (أي ما غاب من عذابه وناره). وقيل: أن يخشاه في مغيبه عن أبصار الناس وانفراده بنفسه، فهذا الذي ينفع إنذارك له يا محمد: من آمن بالقرآن وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناظرين. أما المنافق الذي يظهر الإيمان بالقرآن في الشهادة، ويستخف بدين الله، ويستهزئ بالغيب إذا خلا فهذا لا ينفعه إنذارك ما دام قد طبع الله على قلبه وآثر الشرك على التوحيد.\nوقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. أي: فبشر يا محمد من آمن وعظم الله في السر والعلانية بمغفرة الله لذنوبه فضلًا منه، وبالجنة منَّا منه ورحمة.\nثم قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.\nفأخبر سبحانه بأنه هو يحيي الموتى ردًّا على منكري البعث والجزاء. وقال الضحاك: (أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل). والأول أظهر.\nوعن ابن زيد: (في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ قال: ما عملوا. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال: أم الكتاب التي عند الله فيها الأشياء كلها هي الإمام المبين).\nيروي الترمذي والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁ قال: [إن بني سَلِمَة شكوا إلى رسول الله -ﷺ- بعد منازلهم من المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا","vol":"6","page":331},{"text":"وَآثَارَهُمْ﴾] (١). وفي رواية: [كانت بنو سلمة في ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقال رسول الله -ﷺ-: إنَّ آثارَكم تُكتب فلا تَنتقِلُوا].\nوله شاهد عند ابن جرير، عن ابن عباس ﵄ قال: [كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقالوا: نثبت في مكاننا] وسنده صحيح (٢).\nوفي صحيح الإمام مسلم عن جابر ﵁ قال: [خَلَتِ البِقاعُ حولَ المسجد، فأراد بنو سَلِمة أن ينتقلوا قُرْبَ المسجد، فبلغ ذلك النبي -ﷺ-، فقال لهم: بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قُرْبَ المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله -ﷺ-! قد أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة! ديارَكم، تُكتَبُ آثارُكم، ديارَكُم تُكتَبُ آثاركم. فقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا] (٣). وفي رواية لمسلم في آخره: (إن لكم بكل خطوة درجة). و\"ديارَكم\" منصوب على الإغراء. والتقدير: الزموا دياركم.\nوبنو سَلِمة بكسر اللام هم بطن من الأنصار، وليس في العرب بطن بكسر اللام غيرهم، وكانت ديارهم على مسافة من المسجد تمنعهم في سواد الليل وعند المطر واشتداد البرد، فهمّوا بالتحول إلى قرب المسجد من أجل ذلك، فأخبرهم ﵊ بأجر الخطا إلى المسجد. وفيهم نزلت هذه الآية.\nفقد روى ابن ماجة بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄ قال: [كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. رجاله ثقات. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٧٨) - كتاب التفسير- سورة \"يس\" آية (١٢). وله شواهد كثيرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٢٩٠٦٩). وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول-الوادعي- سورة \"يس\"، آية (١٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٦٦٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٣٢)، وابن حبان في صحيحه (٢٠٤٢) من حديث جابر.\n(٤) حديث صحيح. رواه ابن ماجة في السنن (٧٨٥) بإسناد جيد. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٦٣٧).\nوانظر صحيح الترغيب (١/ ٣٠٣). كتاب الصلاة.","vol":"6","page":332},{"text":"وقد جاء الحض على حضور صلاة الجماعة وأجر المشي إليها وكثرة الخطا في السنة الصحيحة: وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدُهم إليها مَمْشى فأبعدُهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام، أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [الأبعدُ فالأبعدُ من المسجد أعظمُ أجرًا] (٢).\nوالمراد الحض على حضور صلاة الجماعة ولو كان المنزل بعيدًا من المسجد، فالأجر محسوب مضمون من الله سبحانه.\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: [كان رجل من الأنصار لا أَعْلَمُ أحدًا أبعدَ من المسجد منه، كانت لا تخطِئُهُ صلاة، فقيل له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظَّلْماء، وفي الرَّمْضاء (٣) فقال: ما يَسُرُّني أن مَنزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتبَ لي مَمْشايَ إلى المسجد، ورجوعي إذا رجَعْتُ إلى أهلي. فقال رسول الله -ﷺ-: قد جمع الله لك ذلك كلَّهُ] (٤).\nوفي رواية: [فتوجَّعْتُ له، فقلت: يا فلان! لو أنك اشتريت حمارًا يقيك الرمضاءَ وهوامَّ الأرض! قال: أما والله ما أحِبُّ أن بيتي مُطَنَّبٌ (٥) ببيت محمد -ﷺ-! قال: فَحُمِلْتُ به حِملًا، حتى أتيتُ نبي الله -ﷺ- فأخبرته، فدعاه، فقال له: مثل ذلك، وذكر أنه يرجو أجر الأثر، فقال النبي -ﷺ-: إنّ لك ما احْتَسَبْت].\nفكل هذه الآثار العظيمة تحمل على الحرص على صلاة الجماعة، فهي علامة من علامات الصدق في حياة المؤمن يلبي دعوة ربه وأمر نبيّه، ثم لا عذر مع سماع النداء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٦٦٢)، كتاب المساجد. ورواه البخاري بنحوه. وانظر صحيح الترغيب (١/ ٣٠٥)، كتاب الصلاة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٥٥٦). ورواه أحمد وغيره. انظر صحيح الترغيب (١/ ٣٠٤)، كتاب الصلاة. الترغيب في المشي إلى المساجد.\n(٣) هي الأرض الشديدة الحرارة من وقع الشمس.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦٦٣). وانظر المرجع السابق (١/ ٣٠٦)، ورواه ابن ماجة وغيره.\n(٥) أي مشدود بالأطناب. والطنب أحد أطناب الخيمة. قال ابن الأثير: (يعني ما أحب أن يكون بيتي إلى جانب بيته، لأني أحتسب عند الله كثرة خطاي من بيتي إلى المسجد).","vol":"6","page":333},{"text":"إلا بإجابة الدعوة في المسجد، وتكفل الله بكل خطوة إلى الصلاة أن يرفع صاحبها ويمحو من خطاياه.\nففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [كُلُّ سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تَعْدِلُ بين الاثنين صدقة، وتعينُ الرجل في دابته فتحمله أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتُميط الأذى عن الطريق صدقة] (١).\nوالسلامى واحد السلاميات، وهي مفاصل الأصابع، وهو في الأصل عظم في فِرْسنِ البعير، فلعل المعنى على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة، والله تعالى أعلم.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: [ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفَعُ به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله -ﷺ-! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط] (٢).\nفهذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ. . .﴾ -مع أن السورة مكية والكلام في المدينة حول بني سلمة- فلربما نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة أو بالمدينة فقط، والله تعالى أعلم.\nوعن مجاهد: (﴿مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، قال: خطاهم بأرجلهم). وقال قتادة: (لو كان مُغْفَلًا شيئًا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار).\nولكن الله منّ بكرمه على المؤمن أن أثابه على خطوات الغدو والرواح إلى المسجد معًا. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، أن النبي -ﷺ- قال: [من غدا إلى المسجد أو راح، أعدَّ الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح] (٣).\nوقد رأى بعضهم أن البعد عن المسجد أفضل من القرب للأحاديث السابقة، ثم اختلفوا هل له أن يجاوز المسجد الأقرب للأبعد؟ ومذهب مالك أن لا يدع مسجدًا قربَه ويأتي غيره.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٢٧٠٧)، (٢٨٩١)، (٢٩٨٩)، ورواه مسلم، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٤)، كتاب الطهارة. باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٢)، كتاب الأذان. باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح.\nورواه مسلم (٦٦٩)، كتاب المساجد. والنزل: ما يهيأ للضيف عند قدومه.","vol":"6","page":334},{"text":"قلت: وهذا هو الصحيح. إلا أن يكون تَرْكُهُ للأقرب لعذر، كوجود قبر أو منكر أو إمام غير جدير بالإمامة، ونحو ذلك.\nفقد روى الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [ليُصَلِّ الرجل في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد] (١).\nفالسنة أن يصلي في مسجد الجوار ولا يتبع المساجد، وأن يمشي إلى الصلاة بوقار. فقد روى ابن جرير بإسناده عن الحسين عن ثابت قال: (مشيت مع أنس فأسرعت المشي، فأخذ بيدي، فمشينا رُويدًا، فلما قضينا الصلاة، قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي فقال: يا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب).\nوأصل ذلك في الصحيحين عن أبي قتادة، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، ولا تأتوها وأنتم تسعون، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا] (٢).\nوعن مجاهد: (قوله: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال: في أم الكتاب).\nوقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي شديد الوضوح، يبين عن حقيقة جميع ما أثبت فيه. فالله سبحانه قد أحصى كل أثر لابن آدم، وكل ما يصنعه الإنسان من عمل، كما قال جل ثناؤه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. وكقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.\nو﴿وَكُلَّ﴾ في قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ منصوب بفعل محذوف، وكان التقدير: وأحصينا كل شيء أحصيناه. ويمكن رفعه على الابتداء ولكن النصب أولى. وبقوله: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال قتادة: (أراد اللوح المحفوظ) وهو كقول مجاهد. وقال آخرون: (أراد صحائف الأعمال).\nفالله نسأل أن يمحو السيئات، ويضاعف لنا الحسنات، ويكرمنا بدخول الجنات، إنه غفور شكور.\n١٣ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ٢٢)، وانظر السلسلة الصحيحة (٢٢٠٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٦)، (٩٠٨)، وأخرجه مسلم (٦٠٢)، وأحمد (٢/ ٥٣٢)، ورواه ابن ماجة (٧٧٥)، وابن حبان (٢١٤٦)، وغيرهم.","vol":"6","page":335},{"text":"أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول الله جل ثناؤه آمرًا نَبِيَّه -ﷺ- أن ينذر هؤلاء المشركين ممن حوله أن يحل بهم ما حل بكفار أهل القرية التي بعث إليها ثلاثة رسل ليحذروهم شر الاستمرار على الشرك بالله في العبادة، وشر تحكيم غير منهجه سبحانه، فقابلوهم بالتكذيب والتشاؤم والتهديد، فأكّد المرسلون لهم أنما أعمالهم راجعة بالثواب أو العقاب عليهم، فما بكم التطيّر بنا، ولكنكم قوم أهل معاص وآثام، غلبت عليكم ذنوبكم وطغى إسرافكم. ثم عزّزهم الله مرة أخرى برجل سمع بهم فأقبل إليهم ودعا الناس إلى متابعة الرسل حيث لا يبغون أجرًا، وإنما هم مخلصون بتذكير الناس بالله وبالدار الآخرة ونبذ الأوثان والتحاكم للطاغوت والشيطان، ثم أظهر لهم دينه وتوحيده لربه، وأخبرهم أنه لا ينفعه ولا يضره غيره، ثم عاب آلهتهم بأنها لا تغني عنه شيئًا إن أراده الرحمان بضر ولا تنقذه من خطر قضاه الله، ثم أكد لهم إيمانه بالله ليسمعوا، فقتلوه بعد أن أبدى لهم النصيحة واستضعفوه ولم يكن أحد يدفع عنه، فلما لقي ربه","vol":"6","page":336},{"text":"قال له ادخل الجنة، فدخلها وأفضى إلى رحمة ربه وجنته وكرامته، وهو يقول: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. ولا والله ما عاتب الله قومه بعد أن قتلوه، وما بعث لهم جنودًا يقاتلونهم، بل غضب غضبة لم تبق من القوم أحدًا، فأهلكهم بصيحة فبادوا عن وجه الأرض فلم تبق منهم باقية. فيا حسرة العباد على مصائرها حيث ضيعت أوامر الله وفرطت بالحق واستهزأت بالرسل وتحاكمت للهوى والشهوات، وما اعتبرت بمصائر الأمم الهالكة قبلها التي دمرها الله بكفرها وبغيها، ثم الجميع قادمون يوم القيامة للوقوف في أرض المحشر ومعاينة أهوالها. فإلى تفصيل ذلك من أقوال المفسرين.\nقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. قال قتادة: (ذُكِرَ لنا أن عيسى بن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية مدينة بالروم، فكذبوهما، فأعزهما بثالث، فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾).\nوعن وهب بن منبه قال: (كان بمدينة انطاكية فرعون من الفراعنة يقال له: أبطيحس بن أبطيحس، يعبد الأصنام صاحب شرك، فبعث الله المرسلين وهم ثلاثة: صادق ومصدوق وسلوم، فقدم إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنان فكذبوهما، ثم عزز الله بثالث، فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وصدعت بالذي أُمرت به وعابت دينه وما هم عليه قال لهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nقلت: ولا دلالة على كون الرسل الثلاثة رسلًا للمسيح ﵇ ولا دلالة على كون القرية أنطاكية (١). والتعزز: القوة. كما قال مجاهد: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾: قال شدّدنا). وفي رواية قال: (زدنا). وقرأها القراء بالتشديد ﴿فَعَزَّزْنَا﴾، سوى عاصم قرأها بالتخفيف ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ أي غلبنا، والأول أظهر وعليه إجماع القراء.\nوقوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. أي: تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾: يأمر به أو ينهى عنه ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ بدعواكم الرسالة. فأجاب الرسل: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا\n_________\n(١) ذكر ابن كثير أن أنطاكية لم يعرف أنها أهلكت في النصرانية، بل هي أول مدينة آمنت بالمسيح.\nقلت: فالعبرة بالحدث لا بالمكان، فهي قصة قوم كذبوا الرسل وأسرفوا على أنفسهم ومكروا لإسكات صوت الحق وأهله فدمرهم الله تدميرًا.","vol":"6","page":337},{"text":"إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ الذي تقوم به الحجة عليكم، بأن الله واحد لا شريك له، فله أسلموا وإليه توجهوا ولا تشركوا، وإليه فتحاكموا وللقائه فاستعدوا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nفهذه عادة الأمم المكذبة يستعجبون إذا أوحى الله إلى بشر فينصرفون عن الحقيقة إلى الخرافة والأوهام، بأنه لو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. فأكّد لهم الرسل بأنهم مرسلون من عند الله، ولو كنا كذبة لانتقم الله منا. قال ابن كثير: (ولكن سينصرنا عليكم فما علينا إلا إبلاغكم ما أرسلنا به إليكم، فإن أطعتم فلكم سعادة الدارين وإن عصيتم فعليكم مغبة ذلك).\nوقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يعنون إنا تشاءمنا بكم فإن أصابنا بلاء فمن أجلكم).\nوقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾. قال قتادة: (بالحجارة). وقيل: لنشتمنكم. وقيل: هو التعذيب المؤلم. وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب. قال القرطبي: (وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل).\nوقوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال قتادة: (ولينالنكم منا عذاب موجع). فأجابهم الرسل: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. قال وهب بن منبه: (قالت الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي أعمالكم معكم). وقال ابن عباس: (معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم).\nفالمعنى: أجاب الرسل القوم المتشائمين ببلاغهم: بأن أعمالكم وأرزاقكم وحظكم من الخير والشر معكم ولازم في أعناقكم، وما هو من شؤمنا، فإن أصابكم سوء فبما اجترحت جوارحكم، وبما استذلكم الشيطان باتباع أهوائكم وشهواتكم وتحكيم نفوسكم، وكل ما أصابكم فهو أمر قد كتب عليكم وسبق لكم من الله.\nوقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. قال قتادة: (أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا). وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. قال يحيى بن سلاّم: (مسرفون في كفركم). وقال قتادة: (مسرفون في تطيركم). وقال ابن بحر: (السرف هاهنا الفساد، ومعناه بل أنتم قوم مفسدون). وقيل: (مسرفون: مشركون، والإسراف مجاوزة الحد، والمشرك يجاوز الحدّ) ذكره القرطبي.","vol":"6","page":338},{"text":"وقال ابن كثير: (أمن أجل أن ذكّرناكم بالحق قابلتمونا بالتهديد والوعيد؟ بل أنتم قوم مسرفون). وقال ابن جرير: (قالوا لهم: ما بكم التطير بنا ولكنكم قوم أهل معاص لله وآثام قد غلبت عليكم الذنوب والآثام).\nوخلاصة المعنى: أن الرسل بلغوهم الحق الذي ثقل على نفوسهم، وخافوا منه على مصالحهم ورياساتهم وأهوائهم وشهواتهم، فقابلوهم بالاشمئزاز والتشاؤم والتكذيب والتهديد والوعيد، فكشف لهم الرسل حقيقة الأمر بأنهم لجؤوا إلى التشاؤم بهم ليغطوا حبهم للمعاصي والآثام، وتعلق قلوبهم بالكبر وحب الرياسة والطغيان.\nثم قال جل ثناؤه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\nقال قتادة: (ذكر لنا أن اسمه حبيب، وكان في غار يعبد ربه، فلما سمع بهم أقبل إليهم، قال: لما انتهى إليهم يعني إلى الرسل قال: هل تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾). وعن أبي مُجَلِّز قال: (كان صاحب يس حبيب بن مري). وقيل: كان نجارًا. وقيل: قصّارًا.\nوقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄: (أن أهل القرية همّوا بقتل رسلهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة ساعيًا لينصرهم من قومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾).\nثم قال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي على إبلاغكم رسالة الله. ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له. ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي ما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم المعاد ليجزي كلًا بعمله. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ﴾: استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع. ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾. أي هذه الآلهة التي تعبدونها لا يملكون من الأمر شيئًا، فلو أرادني الله تعالى بسوء لا تستطيع هذه الآلهة إنقاذي ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي إن اتخذتها آلهة من دون الله تعالى.\nثم خاطب الرسل بقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الذي أرسلكم ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي اسمعوا ما أقول لتشهدوا لي بذلك. قال ابن إسحاق: قال ابن مسعود: (خاطب الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم. قال: وطِئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبَه من دبره وألقي في بئر وهي","vol":"6","page":339},{"text":"الرسّ وهم أصحاب الرسّ) (١). والقصب: المعي.\nوذكر ابن جرير عن قتادة: (هذا رجل دعا قومه إلى الله وأبدى لهم النصيحة فقتلوه على ذلك، وذُكِرَ لنا أنهم كانوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي، اللهم اهد قومي، اللهم اهد قومي، حتى أقْعصوه وهو كذلك. قال: أدخله الله الجنة وهو فيها حيّ يرزق).\nوقيل: معنى قيله: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ وجبت لك الجنة، فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة، لأن دخولها يستحق بعد البعث. قال مجاهد: (قيل: قد وجبت له الجنة، قال ذلك حين رأى الثواب).\nوعن ابن إسحاق عن بعض أصحابه أنَّ عبد الله بن مسعود كان يقول: (قال الله له: ادخل الجنة، فدخلها حيًّا يُرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها، فلما أفضى إلى رحمة الله وجنته وكرامته: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾).\nقال ابن عباس: (نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته في قوله: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾). قال: (نصح قومه حيًا وميتًا). وقال أبو مجلز: (﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾: إيماني بربي وتصديقي رسله والله أعلم).\nوخلاصة المعنى: أنه كان مخلصًا لله في دعوته، دافع عن الحق وعن رسل الحق، وضحّى بنفسه من أجل الحق الذي هدّد رؤوس الكبر والكفر في قومه، فوثبوا عليه فقتلوه ليخلدوا إلى دنياهم دون منافس لهم، وليستعبدوا الناس دون صارف لهم عنهم، فأثابه الله حسن أثر في الدنيا ونعيم في الآخرة، ووصف الله حاله في نعيمه على لسانه بنفسه، فقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من النعيم المقيم والثواب العظيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه كم كان حريصًا على هداية قومه).\nوقال القرطبي: (وفي معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته. الثاني: تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل\n_________\n(١) قلت: والله تعالى أعلم بمثل هذه التفاصيل من الخبر.","vol":"6","page":340},{"text":"حاله). فرحمه الله تعالى فقد تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل، ولكن الله سبحانه انتقم ممن قتله فجعل النقمة عليهم، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم، كما قال جل ثناؤه:\n﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾.\nأي ما أنزل الله عليهم رسالة ولابعث لهم نبيًا، كما قال مجاهد في قوله: ﴿جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: (رسالة). وقال قتادة: (فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾).\nوقال الحسن: (أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله. قال: الجند: الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء). واختار ابن جرير أن الجند الملائكة.\nوقيل: الجند العساكر، كما ذكر ابن إسحاق عن ابن مسعود قال: (غضب الله له، يعني لهذا المؤمن، لاستضعافهم إياه غضبة لم تبق من القوم شيئًا فعخل لهم النقمة بما استحلوا منه وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. يقول: ما كاثرناهم بالجموع، أي الأمر أيسر علينا من ذلك: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾). وقال قتادة: (خامدون: هلكى).\nأي فإذا هم خامدون عن آخرهم لم تبق بهم روح تتردد في جسد، فبادوا عن وجه الأرض ولم تبق منهم باقية. فالله ما أهلكهم بجنده بل بصيحة واحدة فكانوا بها هالكين. وقراءة الجمهور بالفتح ﴿صَيْحَةً﴾، وقرأها أبو جعفر المدني ﴿صَيْحَةً﴾ بالرفع -فتكون كان بمعنى وقع- والقراءة الأولى أصح وعليها الإجماع.\n(فائدة):\nقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ فيه تصغير لأمرهم وشأنهم، فقد أهلكناهم بصيحة فهلكوا، وأما ما حصل لنبيّنا محمد -ﷺ- من التأييد بإنزال الملائكة يوم بدر والخندق -وكان يكفيهم مَلَكٌ واحد أو صيحة كما أُهلكت مدائن قوم لوط وبلاد ثمود وقوم صالح- فهو من أسباب الكرامة والإعزاز وعظائم الأمور التي اختص الله بها هذا النبي الكريم وأمته ﵊.\nوقوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nقال قتادة: (يا حسرة العباد على أنفسها على ما ضَيَّعت من أمر الله وفرّطت في جنب الله. قال: وفي بعض القراءات: يا حسرة العباد على أنفسها﴾).","vol":"6","page":341},{"text":"وفسّرها مجاهد بقوله: (كان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل). قال ابن عباس: (حلّ هؤلاء محلّ من يتحسر عليهم).\nوالحسرة في لغة العرب: أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرًا. كما ذكر ابن عباس: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: يا ويلًا على العباد). وقيل: الحسرة أشد من التلهف على الشيء الفائت. ورجل مُحَسَّرٌ أي مؤذى. ومنه قول ابن كثير في هذه الآية: (يا حسرتهم على أنفسهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب كيف ضيّعوا أمر الله تعالى وفرطوا في جنبه، ولكن لا تنفعهم إذ ذاك الحسرات فسوف يلقون العذاب الأليم لأنهم: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي يكذبونه ويسخرون منه ويجحدون ما أرسل به من الحق).\nوذُكر عن أبي العالية أن العباد هاهنا الرسل، وذلك أن الكفار لما عاينوا العذاب قالوا: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ فتحسروا على قتلهم وترك الإيمان بهم. وروي عن الضحاك بأنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل: هو من قول الرجل المؤمن الذي قتلوه. وقيل: من قول الرسل الثلاثة للقوم حين قتلوا الرجل، وقيل: هو من قول القوم لما قتلوا الرجل وفارقتهم الرسل. ذكرها القرطبي.\nقلت: وخلاصة المعنى: (الحسرة والويل والندم حاصل لا محالة لكل من استهزأ بالحق وآثر عليه الحياة الدنيا وزينتها، وكذب الرسل وعظّم الشهوات، وضيَّع أوامر الله والحكم بمنهجه، فسوف يلقون غيًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.\nقال قتادة: (عاد وثمود وقرون بين ذلك كثير).\nأي: ألم يتعظ هؤلاء المشركون بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل هل كان لهم رجعة إلى الدنيا أو كرّة.\nو﴿كَمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿يَرَوْا﴾ كما ذهب الفراء، محتجًا بقراءة لابن مسعود: ﴿ألم يروا من أهلكنا﴾. وذكر وجهًا آخر للنصب -بوقوع ﴿أَهْلَكْنَا﴾ عليها- وكأن المعنى: ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون بالعذاب والاستئصال. وفتحت ﴿أَنَّهُمْ﴾ بوقوع ﴿يَرَوْا﴾ عليها. وروي عن الحسن قراءة أخرى بالكسر ﴿إِنهم إلينا لا يرجعون﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف.\nقلت: والآية ردٌّ على من زعم أن من الخلق من يرجع بعد موته قبل يوم القيامة. قال","vol":"6","page":342},{"text":"النسفي في التفسير: (﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى لا على اللفظ، تقديره ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم).\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣)﴾. قال قتادة: (أي هم يوم القيامة).\nفالمقصود: حضورهم يوم القيامة للجزاء والحساب.\nوالقراءة بالتشديد: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا﴾ من قراءة عاصم وحمزة وعامة قراء الكوفة. ووجهه: ﴿ن كل لمما﴾ ثم حذفت إحدى الميمات لما كثرت. وقيل: ﴿لَّمَّا﴾ بمعنى: إلا. وقرأها الباقون من قراء المدينة والبصرة بالتخفيف ﴿لمَا﴾ أي (ما) أدخلت عليها اللام التي تدخل جوابًا لإن. والتقدير: وإن كل لجميع لدينا محضرون. وهما قراءتان مشهورتان.\nوالخلاصة في المعنى: أنّ جميع الأمم والخلق قادمون يوم القيامة، قائمون في صفوف بين يدي خالقهم ﷿، ثم هم نائلون جزاءهم، صائرون إلى مصائرهم وما كسبت أيديهم، فنسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.\n٣٣ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ","vol":"6","page":343},{"text":"آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول الله جل ثناؤه لنبيّه -ﷺ-: إنه من عظيم الدلالة لهؤلاء المشركين من قومك على قدرة الله سبحانه على إعادة الموتى بعد فنائهم وبعثهم من مرقدهم لمحشرهم هو إحياؤه الأرض الميتة التي خوت من العطاء، بالغيث والقطر فيجعل منها جنات وبساتين وثمارًا من نخيل وأعناب، ويفجر فيها الينابيع والعيون، ليأكلوا من تلك الثمار التي غرسوها أو لم يغرسوها وإنما أنبتها الله ولا جهد بذلك بذلوه لعلهم يشكرون، فتعالى الله الذي خلق من كل شيء زوجين من البشر والنبات والحيوان ومما لا يعلمون. ثم دليل آخر على قدرته على البعث والنشور سبحانه، هو ما يعاقبه من النهار والظلمة، فينسلخُ الليل من النهار والنهار من الليل، وتجري الشمس إلى مقادير مواضعها، وتسجد كل يوم بين يدي ربها الذي قدّر حركتها وحركة القمر الذي يسير في نظام، ويتقلب في منازل، فلا الشمس تصطدم بالقمر، ولا ضوء الشمس يشبه ضوء القمر، ولا الأوقات كلها ليل أو كلها نهار، بل كل يجري في مجرى ومدار، يسبحون الواحد القهار. ثم دلالة ثالثة على قدرته سبحانه أنّه نجّى -من الغرق- مع نوح من اختار تفضلًا، وجعل لهؤلاء المشركين من المراكب مثل تلك السفن يركبونها، ويجحدون تلك النعم تجاهلًا، ولو شئنا لقابلناهم ذلك الجحد بالغرق فهلكوا تقتلًا، ولكن أمهلناهم وأجلناهم علهم يعودون إلى الله تبتلًا، ولكن هيهات فقد قست قلوبهم، فإذا ذُكِّروا بمن هلك قبلهم من الأمم بالمعاصي تكبرًا وسئلوا التوبة مما مضى من الذنوب أو مما هو قادم لاستمرارهم على طريق الفتنة تجبّرًا، أعرضوا، ولو سئلوا الإنفاق استهزؤوا واحتجوا بقدرة الله على الإطعام وبمشيئته تسترًا.\nوتفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾.\nتنبيه من الله تعالى للمشركين على كمال قدرته وعظيم آياته. فهو الذي يحيي الأرض الميتة بالنبات والحب. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ودلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله على ما يشاء وعلى إحيائه من مات من خلقه وإعادته بعد فنائه كهيئته قبل مماته إحياؤه الأرض الميتة التي لا نبت فيها ولا زرع بالغيث الذي ينزله من السماء حتى يخرج زرعها، ثم إخراجه منها الحب الذي هو قوت لهم وغذاء فمنه يأكلون). أي به يتغذون.","vol":"6","page":344},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾.\nأي جعلنا من الأرض الميتة بعد بث الحَياة فيها بساتين من نخيل وأعناب، وخصصهما بالذكر لأنهما أعلى الثمار، ولمملك فيها من الينابيع وعيون الماء وما تفجر فيها من مياه الأمطار. ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾: الهاء تعود على ماء العيون، فقد اندرج الثمر منه. وقيل: بل التقدير: ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. قال النسفي: (والضمير لله تعالى، أي لتأكلوا مما خلقه الله من الثمر).\nوقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾. قال ابن كثير: (أي غرسوه ونصبوه، وإلا ففي الحقيقة ما كان إلا رحمة الله بهم لا بسعيهم وكدّهم ولا بحولهم وقوتهم).\n- وقيل \"ما\" في محل جر عطفًا على الثمر. والتقدير: ومِنَ الذي عملت أيديهم مما غرسوا وزرعوا. أو التقدير: (ومما عملته أيديهم) وقد روي ذلك بقراءة عبد الله.\n- وقيل \"ما\" بمعنى المصدر. والتقدير: (ومِنْ عمل أيديهم).\n- وقيل \"ما\" نافية لا محل لها. والتقدير: (ولم تعمله أيديهم). أي من الزرع الذي أنبته الله لهم أو غرسوه بتوفيق الله لهم، لكن هو الذي أنبته لهم وجعل منه ثمرًا ورزقًا، فلا مقارنة بين العملين، والكل من عون الله وتوفيقه.\nوذكر القرطبي ﵀ معنى جميلًا آخر قال: (وقال غيرهم: المعنى: وَمِنَ الذي عملته أيديهم أي من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة ومما اتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم والزيتون).\nوقال النسفي: (أي مما عملته أيديهم من الغرس والسقي والتلقيح وغير ذلك من الأعمال إلى أن يبلغ الثمر منتهاه، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه وفيه آثار من كدّ بني آدم).\nقلت: وكل ما ذُكِرَ من المعاني داخل في هذا الكلام الإلهي المعجز، وهذا البيان الرائع، وفي الآية إشارة إلى العمل وفضل تكسب الإنسان بيده. كما روى الإمام أحمد والطبراني عن رافع بن خديج، قال: سئل رسول الله -ﷺ-: أي الكسب أطيب؟ قال:","vol":"6","page":345},{"text":"[أطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور] (١).\nثم قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. أي: أفلا يشكرون نعمه سبحانه وهلّا يحمدونه، فكل ما سبق ذكره من الآلاء والنعم تحمل المؤمن على شكر الله، فما من نعمة إلا من الله العلي العظيم، والفضل منه فهو المنعم الكريم.\nثم قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: وخلق من أولادهم ذكورًا وإناثًا، ومما لايعلمون أيضًا من الأشياء التي لم يطلعهم عليها خَلَقَ كذلك أزواجًا، مما يضيف إليه هؤلاء المشركون ويصفونه به من الشركاء وغير ذلك).\nفنزّه نفسه سبحانه عما يقوله الكفار الذين جحدوا أمره وعبدوا غيره بعدما عاينوا آثار قدرته وعاشوا نعمه، فيا عجبًا إذ لم ينزهوه سبحانه عما لا يليق به وهو الذي جعل من كل الأصناف أزواجًا. كما قال قتادة: (يعني الذكر والأنثى). وقال القرطبي: (والأزواج الأنواع والأصناف، فكل زوج صنف، لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر فاختلافها هو ازدواجها).\nوقوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾. أي: من النبات فهو أصناف. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: فقد خلق منهم ذكورًا وإناثًا. قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣].\nوقال تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٨].\nوقوله: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال النسفي: (ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها، ولا توصلوا إلى معرفتها، ففي الأودية والبحار أشياء لا يعلمها الناس).\nوفي التنزيل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].\nفهناك أصناف من الخلق في البر والبحر والسماء والأرض ما زالت مجهولة للبشر، رغم وصولهم إلى القمر، وغرورهم بركوب الفضاء ورؤية الآفاق والعبر، لكن دون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والطبراني والحاكم من حديث رافع بن خديج مرفوعًا. انظر صحيح الترغيب (٣/ ٣)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٠٤٤).","vol":"6","page":346},{"text":"أن تغير من مناهج حياتهم نحو تعظيم خالق الكون والبشر، فهل علموا أين يأجوج ومأجوج الذي أثبته الله في كتابه وكذلك نبيّه في السنن والسير، وهل عثروا في البحر على مُقام المسيح الدجال ذاك الأعور شيخ اليهود المُنْتَظر، فوجه الاستدلال بالآية أنه إذا انفرد بالخلق سبحانه فلا ينبغي أن يشرك به البشر.\nوقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾.\nالسلخ في لغة العرب: القطع والنزع والكشط. يقال: سلخ جلد الشاة، ويقال: سلخت الشهر إذا أمْضَيْتَه وصرتَ في آخره. ويقال أيضا: انسلخ الشهر من سَنَتِه والرجل من ثيابه والحية من قِشْرها والنهار من الليل، فهي استعارة بمعنى الإخراج، فعبّر عن ذهاب الضوء وإقبال الظلمة بالسلخ من الشيء وظهور المسلوخ. فمن الدلالة على آياته العظيمة وقدرته سبحانه تعاقب الليل والنهار، والظلام والنور. كما قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾.\nفقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ يعني نقتطعه منه فيذهب ويقبل الليل، فإذا هم مظلمون داخلون في الظلام. والعرب تقول: أصبحنا إذا دخلنا في الصباح، وأظهرنا إذا دخلنا في الظهر، وأظلمنا إذا دخلنا في الظلام، وبنحوه أضحينا وأمسينا. فالسلخ يشبه قوله في الآية الأخرى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي خرج منها وتركها، وكذلك هنا انسلاخ الليل من النهار، فإذا هم في ظلمة بعد دخول الليل. فعن قتادة: (قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ قال: يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل).\nوالإيلاج هو زيادة ما نقص من ساعات هذا في ساعات الآخر، وليس ذلك السلخ، فالنهار يسلخ من الليل كله، وكذا الليل من النهار كله، فيقتطع منه فيذهب، كما في الصحيحين عن عمر ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم] (١).\nوقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾. قال القرطبي: (أي في ظلمة، لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم).\nثم قال جل ثناؤه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. ومستقرها تحت العرش حيث تسجد كل يوم، وتستأذن الله ربها بالخروج مرة أخرى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠)، وأبو داود (٢٣٥١)، وغيرهم.","vol":"6","page":347},{"text":"ففي الصحيحين من حديث أبي ذر ﵁، قال: [قال رسول الله -ﷺ- حين غربت الشمس: أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد ولا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ويقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: مستقرها تحت العرش] (١).\nوفي لفظ للبخاري عنه قال: [كنت مع النبي -ﷺ- في المسجد عند غروب الشمس فقال رسول الله -ﷺ-: يا أبا ذر! أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nوفي رواية أخرى عن أبي ذر قال: [كنت جالسًا عند النبي -ﷺ- في المسجد، فلما غربت الشمس قال: يا أبا ذر! هل تدري أين تذهب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب فتسجد بين يدي ربها ثم تستأذن بالرجوع فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مكانها وذلك مستقرها].\n- وقيل مستقرها هو انتهاء سيرها وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض.\n- وقيل: تجري لمجرى لها إلى مقادير مواضعها، فتجري لأبعد منازلها في الغروب ثم ترجع ولا تجاوزه. قيل: فلا تزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع. فإذا بلغت أقصى منازلها فطلعت الهنعة كان ذلك اليوم أطول أيام السنة وتلك الليلة أقصر لياليها، فالنهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات، ثم يأخذ في النقصان، فإذا طلعت الثريا استوى الليل والنهار، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة، ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع النعائم وذلك اليوم أقصر الأيام والليل خمس عشرة ساعة كما قال الحسن: (إن للشمس في السنة ثلاث مئة وستين مطلعًا، تنزل في كل يوم مطلعًا، ثم لا تنزله إلى الحول، فهي تجري في تلك المنازل وهي مستقرها). وقال قتادة: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: وقت واحد لا تعدوه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والشيخان من حديث أبي ذر. انظر صحيح البخاري (٣١٩٩)، (٤٨٠٣)، وصحيح مسلم (١٥٩)، ومسند أحمد (٥/ ١٥٨)، وسنن الترمذي (٢١٨٦)، وصحيح ابن حبان (٦١٥٢) للألفاظ المختلفة والروايات بعده.","vol":"6","page":348},{"text":"قلت: وكل هذه المعاني داخلة في بيان رسول الله -ﷺ- السابق، كما قال ابن عباس: (إنها إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه استقرت تحت العرش إلى أن تطلع). وكل ما سبق بيانه لا يعارض طلوعها من المغرب قُريب الساعة علامةً من علامات القيامة.\nففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغريها، وخرُوج الدابة على الناس ضحًا، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا] (١).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي ذر: [أن النبي -ﷺ- قال يومًا: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئتِ، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرّ ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها. فقال رسول الله -ﷺ-: أتدرون متى ذلكم؟ ذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (٢).\nفهذا معنى قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. والتقدير: وآية لهم الشمس، أو تكون الشمس مرفوعة بفعل محذوف يفسره الثاني. كان يقال: وتطلع الشمس فتجري لمستقر لها، وقد تكون الشمس في محل رفع على الابتداء، وجملة ﴿تَجْرِي﴾ هي الخبر، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: هذا الذي وصفناه من جري الشمس لمستقر لها تقدير العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم بمصالح خلقه، وغير ذلك من الأشياء كلها لا يخفى عليه خافية).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٢٠٢)، كتاب الفتن. وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٥٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٩)، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان.","vol":"6","page":349},{"text":"وقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾.\nالتقدير: وقدرنا القمر منازل كما فعلنا بالشمس، وهي قراءة بعض قراء المدينة ومكة والبصرة وعامة قراء الكوفة. وقرأ بعض المكيين والمدنيين والبصريين بالضم ﴿والقمرُ قدرناه منازل﴾ عطفًا على الشمس، والتقدير ثانية: وآية لهم القمرُ قدرناه منازل، فالشمس والقمر آيتان عظيمتان.\nوالمعنى: وجعلنا القمر يسير في منازل يستدل بها على مُضِيّ الشهور والزمان، كما يعرف بالشمس تعاقب الليل من النهار، كما قال جل ذكره: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفًا وشتاءً يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانَها بالنهار، فهي كوكب نهاري، وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلًا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، ويرتفع منزله، ثم كلما ارتفع ازداد ضياءً، وإن كان مقتبسًا من الشمس حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم، أي كعنق التمر اليابس المنحني).\nوذكر الإمام القرطبي في التفسير أسماء هذه المنازل التي تعرفها العرب، قال: (والمنازل ثمانية وعشرون منزلًا، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل، وهي: الشَّرَطان. البطَيْن. الثريّا. الدَّبَران. الهَقْعَة. الهنعة. الذِّراع. النَّثرة. الطرْف. الجَبْهَة. الخراتان. إلصَّرْفة. العَوَّاء. السِّمَاك. الغَفْر. الزُّبَانيَان. الإكلِيل. القَلْب. الشَّوْلة. النَّعائِم. البَلدَّة. سَعْد الذّابح. سَعْد بُلع. سَعْد السَّعود. سَعْد الأخْبِية. الفَرْغ المُقَدَّم. الفَرْغ المؤخَّر. بطن الحوت. فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة. ثم يستسر ثم يطلع هِلالًا، فيعود في قطع الفلك على المنازل، وهي منقسمة على البروج لكل برج منزلان وثلث فللحَمل الشَّرطَان والبُطين وثلث الثريا، وللثور ثلثا الثريا والدَّبران وثلثا الهَقْعة، ثم كذلك إلى سائرها).\nوقد سمي القمر بالقمر لأنه يُقمر أي يبيَضُّ الجو ببياضه حين يسطع إلى أن يَسْتسِرّ.","vol":"6","page":350},{"text":"فالقمر بحركته آية من آيات الرحمان قدّر له منازل للنقصان بعد تناهيه وتمامه واستوائه ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾.\nقال أبو جعفر: (والعرجون من العذق من الموضع النابت في النخلة إلى موضع الشماريخ). والقديم هو اليابس. قال قتادة: (هو العِذْق اليابس المنحني من النخلة). فالقمر في سيره في منازله إذا كان في آخرها دقّ وتقوس وضاق حتى يصير في آخر الشهر كعنق التمر اليابس المنحني. قال الحسن: (كعذق النخلة إذا قدم فانحنى).\nثم إن هذه الآيات يعيشها كثير من الناس ولا يتدبرونها ولا يستفيدون منها في اقترابهم من الله سبحانه وعلمهم بصفاته وأسمائه جل ثناؤه، فهي آيات عظيمة يزداد المؤمن المتؤمل بها إيمانًا وتعظيمًا لخالق السماوات والأرض، فيزداد له طاعة وخوفًا وحبًا. فالسنة أربعة فصول، لكل فصل سبعة منازل: فأولها الربيع وأوله خمسة عشر يومًا من آذار، وعدد أيامه اثنان وتسعون يومًا، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: الحَمَل والثور والجوزاء، وسبعة منازل: الشَّرطان والبُطين والثريا والدَّبران والهقعة والهنعة والذِّراع. ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يومًا من حزيران، وعدد أيامه اثنان وتسعون يومًا، تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج: الشَّرطان والأسد والسُّنْبلة، وسبعة منازل: وهي النثرة والطَّرْف والجبهة والخَراتان والصّرفة والعوّاء والسِّماك. ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يومًا من أيلول، وعدد أيامه واحد وتسعون يومًا، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج، وهي الميزان والعقرب والقوس، وسبعة منازل الغُفر والزُّبانان والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة. ثم يدخل فصل الشتاء في خمسة عشر يومًا من كانون الأول، وعدد أيامه تسعون يومًا، وربما كان واحدًا وتسعين يومًا، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: وهي الجدي والدّلو والحوت، وسبعة منازل: سعد الذابح وسعد بُلَع وسعد السّعود وسعد الأخبية، والفَرْغ المقدَّم، والفَرْغُ المؤخَّر، وبطن الحوت. كما ذكر المفسرون.\nقال القرطبي ﵀: (وهذه قسمة السريانيين لشهورها: تشرين الأول، تشرين الثاني، كانون الأول، كانون الثاني، أشباط، آذار، نيسان، أيار، حزيران، تموز، آب، أيلول. وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ونيسان وحزيران وأيلول فهي ثلاثون، وأشباط ثمانية وعشرون يومًا وربع يوم. قال: فإذا كانت الشمس في منزل أهلّ الهلالُ بالمنزل الذي بعده، وكان الفجر بمنزلتين من قبله، فإذا كانت الشمس بالثريا في خمسة وعشرين يومًا من نيسان، كان الفجر بالشرطين، وأهلّ","vol":"6","page":351},{"text":"الهلال بالدبران، ثم يكون له في كل ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ليلة ثمانيًا وعشرين منزلة. وقد قطعت الشمس منزليتن فيقطعهما، ثم يطلع في المنزلة التي بعد منزلة الشمس فـ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، فإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر).\nوقال مجاهد: (﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾. قال: لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، ولا ينبغي ذلك لهما. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾، قال: يتطالبان حثيثين ينسلخ أحدهما من الآخر).\nولخّص ابن جرير المعنى بقوله: (لا الشمس يصلح لها إدراك القمر فيذهب ضوؤها بضوئه فتكون الأوقات كلها نهارًا لا ليل فيها، ولا الليل بفائت النهار حتى تذهب ظلمته بضيائه فتكون الأوقات كلها ليلًا).\nوالشمس مرفوعة على الابتداء، فإن (لا) لا تعمل في معرفة.\nوهناك تفاسير أخرى لهذه الآية تزيد المعنى جلاء ووضوحًا:\n١ - قيل: الشمس لا تدرك القمر فتبطل معناه، فلكل سلطان لا يدخل الآخر عليه فيذهب سلطانه، حتى يبطل الله ذلك فتطلع الشمس من مغربها.\n٢ - وقيل: بل المعنى: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. ذكر معناه ابن عباس والضحاك.\n٣ - وقيل: أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، ذكره مجاهد.\n٤ - وقيل: لكل حدّ وعَلَم لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا. قاله قتادة.\n٥ - وقيل: إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة. ذكره الحسن. أي: لا تبقى الشمس حتى يطلع القمر، ولكن إذا غربت طلع القمر.\n٦ - وقيل: سير القمر سريع، والشمس لا تدركه في السير، وأما قوله: ﴿وَجُمِعَ","vol":"6","page":352},{"text":"الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ فهو من علامات القيامة، وذلك حين حَبْس الشمس عن الطلوع، كما تقدم.\nوالخلاصة من أقوال المفسرين: أن للشمس ضوءًا وسلطانًا وحركة، وللقمر ضوءًا وسلطانًا وحركة، فكل منهما يمضي في ما قدّر له في نظام عجيب، ودوران رهيب، صُنْعَ الله الذي أحسن كل شيء خلقه، فإليه توجهوا واحفِدوا إنه هو السميع القريب المجيب.\nوقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (في فلك كفلك المِغْزَل). وقال مجاهد: (مجرى كل واحد منهما يعني الليل والنهار في فلك يسبحون: يَجْرون). وقيل: يدورون. وقال الحسن: (الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة ولو كانت ملصقة ما جرت).\nقال الحافظ ابن كثير: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: يعني الليل والنهار والشمس والقمر، كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء. كفلكة المغزل لا يدور المغزل إلاّ بها ولا تدور إلا به).\nوقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.\nالمعنى: فدليل لهم آخر على قدرته سبحانه، وعلامة أخرى لهم على هيمنته تعالى على الخلق جميعهم أحياءً كانوا أو أمواتًا، هو حمله سبحانه ذريتهم من نجا منهم برحمته في سفينة نوح. والفلك: السفينة، والمشحون: الموقر المملوء. قال ابن عباس: (المشحون: الممتلئ). أو قال: (المثقل). وقال سعيد: (الموقَر). وقال قتادة: (الموقر، يعني سفينة نوح).\nقال شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير-: (يعني من نجا من ولد آدم في سفينة نوح، وإياها عنى جل ثناؤه بالفلك المشحون. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: وخلقنا لهؤلاء المشركين المكذبيك يا محمد تفضلًا منا عليهم من مثل ذلك الفلك الذي كنا حملنا من ذرية آدم مَنْ حملنا في الذي يركبونه من المراكب).\nوقال القرطبي: (وآية لهم: يحتمل ثلاثة معان: أحدها عبرة لهم لأن في الآيات اعتبارًا. الثاني: نعمة عليهم لأن في الآيات إنعامًا. الثالث: إنذار لهم، لأن في الآيات إنذارًا. قال: فقيل المعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية في الفلك","vol":"6","page":353},{"text":"المشحون، فالضميران مختلفان. قال: وقيل الضميران جميعًا لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم. فالفلك على القول الأول سفينة نوح، وعلى الثاني يكون اسمًا للجنس، خبّر جل وعز بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذرية والضعفاء. قال: وقيل الذرية الآباء والأجداد حملهم الله تعالى في سفينة نوح ﵇، فالآباء ذرية والأبناء ذرية. قال: وسمي الآباء ذرية لأن منهم ذرأ الأبناء. قال: وقول رابع أن الذرية النطف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيهًا بالفلك المشحون).\nوقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾.\nقال سعيد بن جبير: (هي السفن جُعلت من بعد سفينة نوح ﵇ على مثلها).\nوقال الحسن: (السفن الصغار). وعن ابن عباس: (يعني الإبل خلقها الله كما رأيت فهي سفن البر يُحملون عليها ويركبونها). وقالي مجاهد: (من الأنعام). واختار ابن جرير أنها السفن لقوله تعالى بعدها: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾. قال: والغرق في الماء ولا غرق في البر. وذكر قول السدي عن أبي مالك: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾، قال السفن الصغار. ألا ترى أنه قال: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾. واختار ابن كثير أنها الإبل، قال: (فإنا سفن البر يحملون عليها ويركبونها والأنعام جميعًا).\nقلت: وخلاصة التفسير أن الله سبحانه دلّهم على قدرته بدلالة أخرى، حيث سخّر لهم البحر تجري فيه السفن بإذنه، وأولها سفينة نوح ﵊، أنجاه الله فيها والمؤمنين الذين ما بقي غيرهم في الأرض من ذرية آدم، فلتعلم قريش بأنا قد حملنا آباءهم المؤمنين مع نوح في سفينة النجاة والإيمان والمملوءة بالأمتعة وأصناف الحيوان من كل زوج اثنين، فسارت إلى شاطئ الأمان، وها نحن خلقنا لهم سفنًا مثلها يركبون فيها البحر، تمضي بهم في تجاراتهم ورحلاتهم بأمن العزيز المنان، فليعتبروا وليؤمنوا بمحمد ﵊، وليعظموا ما جاءهم من الوحي قبل فوات الأوان، فقول: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ كما أفاد الضحاك: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح ﵊. ويمكن أن يدخل تحت ذلك أصنافًا أخرى شاهدها الناس اليوم للركوب هي مما فتح الله به على الإنسان وعفمه: من صناعة السيارات والطائرات والمراكب الآلية البرية والبحرية، وكثيرًا ما يُسمع اليوم عن سقوط الطائرات في البحر وغرق بعض المراكب والعبّارات بمن فيها، ليعلم الناس أن كل حركة لدابة في الأرض هي بحفظ الله ورعايته ولو شاء كان الغرق أو الهلاك، وهذا يدعوهم ليفردوا الله","vol":"6","page":354},{"text":"بالِتعظيم والعبادة في كل وقت وحين، وأن يكونوا من أهل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾.\nأي: لا مغيث لهم إذا نحن غزقناهم، ولا منعة لهم من بأسنا. فعن قتادة فيها قال: (أي لا مغيث). و﴿صَرِيخَ﴾ على وزن فعيل بمعنى فاعل. أي: فلا مُصْرِخ ولا مغيث، ولا هم ينقذون من الغرق.\nوقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾. قيل: رحمةً منصوبة على الاستثناء. وقيل: بل هي مفعول لأجله، والتقدير: للرحمة.\nوقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. قال قتادة: (أي إلى الموت). أي لنمتعهم إلى أجل هم بالغوه. قال ابن جرير: (فكأنه قال: ولا هم ينقذون إلا أن نرحمهم فنمتعهم إلى أجل). وعن يحيى بن سلاّم قال: (إلى القيامة. أي إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم، وأن الله عجل عذاب الأمم السالفة، وأخّر عذاب أمة محمد -ﷺ- وإن كذبوه إلى الموت والقيامة).\nونصب قوله: ﴿وَمَتَاعًا﴾ لأنه معطوف على قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ منصوب مثله.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ - فيه أكثر من تأويل:\n١ - قال قتادة: (وقائع الله فيمن خلا قبلهم من الأمم وما خلفهم من أمر الساعة).\n٢ - قال مجاهد: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ قال: ما مضى من ذنوبهم. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ قال: ما يأتي من الذنوب).\n٣ - قال الحسن: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: ما مضى من أجلكم. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ ما بقي منه).\n٤ - قال سفيان: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من الدنيا. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من عذاب الآخرة).\n٥ - قال ابن عباس: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من أمر الآخرة وما عملوا لها. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها).\nوقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: ما ظهر لكم، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ ما خفي محنكم).\nوكلها أقوال متقاربة متكاملة، والجواب محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك","vol":"6","page":355},{"text":"أعرضوا. ويدل على ذلك قوله تعالى بعده: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.\nوجملة القول: أن الله سبحانه يعرفهم نِعَمَهُ عليهم ويذكرهم قوته وغضبه إذا حلّ بهم، فلو شاء أغرقهم كما فعل بمن كفر من أسلافهم، ولو شاء متّعهم إلى آجال عسى أن يتداركوا أمرهم، أو يوم القيامة يفضحهم ويعذبهم. ثم هو سبحانه يذكرهم مصائر الأمم والوقائع والآجال، وما مضى من الدنيا وما يستقبلهم من الآخرة، وحقائق القدر كالموت والقبر، ومحاولات الشيطان إفساد آخرتهم عليهم، ومغبّة اتباع الشهوات، ولكن هيهات فقد صُرِفت القلوب عن أمر بارئها، وأعرضت النفوس عن تعظيم ربها، فهي تدفع ثمن إهمال الرياء يعمر القلوب والكبر والغرور، والأمراض التي ترتع في حياتها.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (معنى الكلام: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا وإذا أتتهم آية أعرضوا).\nفيكون قوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ جوابًا لقوله: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ ولقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾، فكان الإعراض جوابهم عن الأمرين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nيصف فيه سبحانه صورة قسوة قلوب هؤلاء المشركين، وما وصلت إليه من آثار الكبر واتباع الشهوات، فهي لم تعد تصغي لرحمة المحتاجين والمساكين، فقد غلّفها العناد والكبر وحب الرياسة واستعباد الضعفاء وظلم الأبرياء، فحين ذكرهم المؤمنون بإطعام المحاويج والفقراء من المسلمين احتجوا بمشيئة الله استهزاء فقالوا: إنما نحن نوافق مشيئة الله فيهم، إن أنتم إلا في ضلال مبين في أمركم لنا بالإنفاق، فحرموهم وقالوا: لو شاء الله أطعمكم فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. وقد كان بلغهم من قول المسلمين أن الله هو الرازق، فقالوا هزوًا: أنرزق من لو يشاء الله أغناه. وكانوا يسمعون المؤمنين يُعَلِّقُونَ الأفعال بمشيئة الله، فيقولون لو شاء الله لأغنى فلانًا ولأعز فلانًا، فأخرج الكفار هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين، أي إذا كان الله رزقنا فهو قادر على أن يرزقكم فلم تلتمسون الرزق منا؟ .","vol":"6","page":356},{"text":"قال ابن عباس: (كان بمكة زنادقة، فإذا أُمِروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن).\nوقال الحسن: (يعني اليهود أُمِروا بإطعام الفقراء).\nوقيل: هم المشركون، قال لهم أصحاب النبي -ﷺ-: أعطونا مما زعمتم من أموالكم أنها لله حيث قال الله فيهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾.\nوخلاصة القول: أنهم احتجوا بالقدر احتجاجًا باطلًا، شأن أهل الدنيا في كل زمان ومكان، يفرون من الله إلى معاصيهم وشهواتهم معلقين ذلك بقدر الله الذي كفروا به من قبل، فبئس ما كانوا يصنعون.\nوفي قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وجهان من التأويل:\n١ - إما هو من قيل الكفار للمؤمنين.\n٢ - أو هو من قيل الله للمشركين.\nوالوجه الأول أولى بالسياق، واختاره ابن جرير وغيره، والله تعالى أعلم.\n٤٨ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)","vol":"6","page":357},{"text":"اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر الله سبحانه عن استهزاء المشركين بأمر البعث والقيامة، واستبعادهم بعقولهم القاصرة تخيل حصول ذلك. فكيف بهم يا محمد إذا سمعوا نفخة الفزع في الصور والناس في أسواقهم وطرقهم ومجالسهم وهم يتشاجرون ويتخاصمون في معايشهم وعلاقاتهم، فينفخ إسرافيل بأمر الله تلك النفخة في الصور نفخة يمدها ويطولها فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليساق بعدها الناس إلى محشر القيامة، فلا يستطيعون أن يتركوا وصية على أموالهم وذراريهم، فالأمر أدهى من ذلك وأشد، ولا هم يرجعون إلى معايشهم ودنياهم وأعمالهم وأسواقهم، فهذه هي نفخة الفزع كما قال جل ثناؤه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. ثم تكون بعدها نفخة الصعق حيث تموت فيها الخلائق، ثم بعدها نفخة البعث كما قال جل ذكره: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. فالنفخة الثانية هي نفخة الصعق والموت، والنفخة الثالثة هي نفخة البعث إلى الحشر والنشور والقيام من الأجداث والقبور سراعًا ينسلون أي يمشون مسرعين، فإذا عاينوا ذلك قالوا متحسرين: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ومن قبورنا؟ فقد أَشْقَوا أنفسهم وعقولهم بالظن أنهم لا يبعثون، فلما عاينوا البعث فزعوا وعلموا أن القبر وعذابه بالنسبة لما بعده مما يبصرون من الأهوال كالرقاد، فيجيبهم المؤمنون أو الملائكة: هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون، فإذا هم بصيحة واحدة محضرون في عرصات المحشر لم يجازوا إلا بما عملوا ولا يظلمون. فأما المؤمنون فيرحلون من العرصات إلى الروضات في الجنات، فينشغلون بنعيمها، وحلائلهم معهم في الظلال وعلى السرر متكئون، يطعمون الفاكهة وأنواع الملاذ ويحييهم الله بالسلام. في حين تميز حال الكفار والمشركين وقد ذَكَّرَهُم","vol":"6","page":358},{"text":"الله بعهده وميثاقه عليهم ألا يعبدوا الشيطان فهو العدو لهم، وأن يفردوه سبحانه بالعبادة والتوجه فهو الرحيم بهم. وكم أهلك الله أممًا مشت وراء شيطانها وشهواتها وضيعت أوامر ربها واستهزأت بدينها، فهذه جهنم يعاني فيها اليوم المتكبرون والمجرمون، فاليوم تنطق الأيدي وتشهد الأرجل ويختم على الأفواه، فتحدّث الجوارح عن صاحبها ما اجترح من آثام وموبقات، وما استخدمها في الكيد والمكر من المؤمنين بالله ومنهاجه. فقل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: لو شاء الله ما عاقبكم فأضلكم على علم وأعماكم عن الهدى فلا تؤمنون حتى تروا العذاب الأليم، ولو شاء لأقعدكم وشلّ حركتكم أو أهلككم في مساكنكم فلا تتقدمون. فمن مدّ الله له في العمر أعاده ضعيفًا بعد قوة ليتواضع إلى الله أحوج ما يحتاج إلى ذلك مع اقتراب الأجل أفلا تعقلون. وهذا النبي الكريم -عليه أفضل الصلاة والتسليم- ما جاءكم بالشعر وصناعة الكلام بل بالقرآن والحق المبين نذارة لكم ولكل حي القلب سليم العقل، وليقيم الله الحجة به على الكافرين، فيحاكمهم له في أعمالهم وما اجترحت جوارحهم فيذوقوا العذاب الأليم.\nوتفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. هو كقوله جل ثناؤه: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨].\nوكقوله جل ذكره: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].\nوكقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥٠ - ٥١].\nفلما قيل لهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾. أجابوا مستهزئين: مَتَى هَذَا أتوَعْدُ ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nفقال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي ما ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي نفخة الفزع.\nفالنفخ في الصور ثلاث:\n١ - النفخة الأولى: وهي نفخة الفزع. كما قال جل ثناؤه في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ","vol":"6","page":359},{"text":"يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.\n٢ - النفخة الثانية: وهي نفخة الصعق. كما قال سبحانه في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال السدي: (أي مات. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت).\n٣ - النفخة الثالثة: وهي نفخة القيام لرب العالمين. كما قال سبحانه في آية الزمر: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي أحياء بعدما كانوا عظامًا ورفاتًا صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة).\nفما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا نفخة الفزع والناس يومئذ في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون في مثل عادتهم إذ أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يمدها ويطولها، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا -أي أمال صفحة عنقه ينصت إلى الصوت من قبل السماء- ثم يساق الموجودون من الناس إلى أرض المحشر، فلا وقت لديهم للوصية ولا رجعة إلى الأسواق والمشاغل. ثم تُتْبع هذه النفخة بنفخة الصعق التي يموت بها المخاليق ثم يقوم الناس لرب العالمين بعد سماع نفخة البعث والقيام.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله تعالى. وفي رواية: (فيطلبُه فيهلكه). ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه. ويبقى شرار الناس في خفة الطير (١) وأحلام السباع (٢) لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون! فيأمرهم بعبادة الأوثان، فيعبدونها، وهم في ذلك دارّة أرزاقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه -أي يطينه ويصلحه- فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ\n_________\n(١) كناية عن سرعتهم للشرور واتباع الشهوات والفساد، فهي كسرعة الطير.\n(٢) كناية عن شدة شروعهم بالعدوان والظلم، فهم بذلك كالسباع الضارية العادية.","vol":"6","page":360},{"text":"فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: كم؟ فيقال. من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق. (وفي رواية: فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا)، وذلك يوم يكشف عن ساق] (١).\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (٢).\nوذكر ابن جرير بإسناده عن أبي المغيرة القوّاس عن عبد الله بن عمرو قال: (لَيُنْفَخَنَّ في الصور والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم، حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان فما يُرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور، وحتى إن الرجل ليغدو من بيته فلا يرجع حتى ينفخ في الصور، وهي التي قال الله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ الآية).\nوكذلك قال قتادة: (ذُكر لنا أن النبي - ﷺ - كان يقول: تهيج الساعة بالناس والرَّجل يَسْقي ماشيته، والرجلُ يُصلح حَوْضه، والرجل يقيم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويَرْفَعه، وتهيج بهم وهمْ كذلك فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون).\nقلت: وكلاهما يصلح شاهدًا لما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يُبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهمّ رب المال من يقبلُ صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٤٠)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٦).\n(٢) حديث إسناده حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٣١)، (٣٢٤٣). انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (١٩٨٠)، (٢٥٨٥). وانظر تخريج المشكاة (٥٥٢٧)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٢٩) لتفصيل البحث.","vol":"6","page":361},{"text":"من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يُلِيطُ حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها] (١).\nوقوله: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾. أي يختصمون في أحوال دنياهم فتأخذهم الصيحة فيموتون وهم على ذلك. وقد قرأها قراء المدينة ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ بتسكين الخاء وتشديد الصاد، فجمعوا بين الساكنين، ومعناها يختصمون، فكأن التاء أدغمت في الصاد. في حين قرأها بعض قراء مكة والبصرة: ﴿وَهُمْ يُخَصِّمُونَ﴾ بمعنى يختصمون. وقرأها بعض قراء الكوفة: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ أي يخصِمُ بعضهم بعضًا. وقرأها بعضهم الآخر: ﴿يَخْصِمون﴾ على وزن يفعلون، أي من الخصومة، فهم يخصمون من وعدهم مجيء الساعة ويغلبون بالجدل. وكلها قراءات مشهورة.\nوخلاصة المعنى: أَنَّ الساعة تفجؤهم وهم غارقون في أمور دنياهم يختصمون عليها، فلا يستطيع هؤلاء المشركون عند ذلك أن يوصوا في أموالهم، ولا أن يرجع أحدهم إلى أهله فإنهم لا يُمْهَلُون بذلك بل يُعَجَّلون إلى الهلاك.\nكما قال قتادة: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي فيما في أيديهم ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: أُعْجِلوا عن ذلك). وقال ابن زيد: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ الآية قال: هذا مبتدأ يوم القيامة، وقرأ ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ حتى بلغ ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾). وقيل: لا يستطيع أحدهم أن يوصي غيره بالتوبة والإقلاع، بل يعاجلون بالموت والهلاك في مواضعهم وأسواقهم.\nثم قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾.\nوهذه هي نفخة البعث والقيام لرب العالمين. كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. والأجداث هي القبور، واحدها جَدَث. وقوله: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ من النَّسَلان، وهو الإسراع في المشي. كما قال ابن عباس: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. يقول: من القبور يخرجون). والصور هو القَرْن. والآية كقوله تعالى:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٧١٢١) - كتاب الفتن. ورواه بتمامه الإمام مسلم في الصحيح (٨/ ١٧٠). وانظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢٠٠٧).","vol":"6","page":362},{"text":"﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾، وكقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.\nفلما رُدّت أرواح المشركين إلى أجسامهم بعد نفخة البعث لموقف الحشر قاموا فقالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. والبعث الإثارة، أي من أيقظنا. والوقف الحسن بعد قوله: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ ثم يستأنف الكلام: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾.\nثم قال سبحانه: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.\nوفي اسم الإشارة ﴿هَذَا﴾ وجهان. أولًا: مبتدأ و﴿مَا﴾ مرفوعة على أنها خبر، والمعنى إشارة إلى ﴿مَا﴾. أي: هذا وعد الرحمان وصَدَقَ المرسلون. ثانيًا: أن تكون ﴿هَذَا﴾ بدلًا من المرقد، أي من صفته، أي: من بعثنا من مرقدنا هذا، فيستأنف الكلام بعدها: ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ أي: حالعثكم وعد الرحمان. أو حقّ ما وعد الرحمان بعثكم. فالوقف يكون هنا على ﴿مَرْقَدِنَا هَذَا﴾. أما الوقف الأول على ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. ثم يبتدئ الكلام: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. وأما تأويل من قاله عند المفسرين:\n١ - قد يكون قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾) من قول المؤمنين. قال مجاهد: (فقال لهم المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾). وفي رواية عنه: (قال: مما سرّ المؤمنون، يقولون هذا حين البعث). وقال قتادة: (قال أهل الهدى: هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون).\n٢ - وقد يكون من قول الملائكة. كما قال الفراء: (فقال لهم الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾).\n٣ - وقد يكون من قول الكفار لما عاينوا ما أخبرهم به الرسل صدقوهم حيث لا ينفعهم التصديق. قال ابن زيد: (قوله: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. ثم قال بعضهم لبعض: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ كانوا أخبرونا أنا نبعث بعد الموت ونحاسب ونجازى).\nواختار ابن جرير أن يكون من قول المؤمنين، قال: (لأن الكفار في قيلهم من بعثنا من مرقدنا دليل أنهم كانوا بمن بعثهم من مرقدهم جهالًا فاستثبتوا من غيرهم).\nقلت: ولا مانع أن يكون من قول الكفار، ذهبت عنهم دهشة الفزع وتذكروا كلام الرسل.","vol":"6","page":363},{"text":"ثم قال سبحانه: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.\nوهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾. قال قتادة: (ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة: إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء).\nوكقوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. وكقوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾. فيكون معنى الآية كما قال أبو جعفر: (إن كانت إعادتهم أحياء بعد مماتهم إلا صيحة واحدة وهي النفخة الثالثة في الصور. ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. يقول: فإذا هم مجتمعون قد أُحضروا فأشهدوا موقف العرض والحساب لم يتخلف عنه منهم أحد).\nوقوله: ﴿جَمِيعٌ﴾ خبر للمبتدأ ﴿إِذَا هُمْ﴾، وقوله: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ صفة. أي جميعهم قد أحضروا موقف الحساب في المحشر.\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾. أي: مما عملت. ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي توافون أعمالكم وما اجترحتم أو اكتسبتم من خير أو شر. و﴿مَا﴾ في محل نصب.\nثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ وفيه تفاسير متكاملة:\n١ - قيل هو افتضاض العذارى. فعن ابن مسعود في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: (شغلهم افتضاض العذارى). وقال ابن عباس: (افتضاض الأبكار). وقال أبو قلابة: (بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحول إلى أهلك، فيقول: أنا مع أهلي مشغول، فيقال: تحول أيضًا إلى أهلك).\n٢ - قيل: مشغولون في السماع. ذكره وَكيع. وقيل: في زيارة بعضهم بعضًا. ذكره ابن كيسان. وقيل: في ضيافة الله تعالى- حكاه القرطبي.\n٣ - وقيل: ذلك هو الانشغال بالنعيم. أي هم في نعمة. فعن مجاهد: (﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قال: في نعمة).\n٤ - وقيل: هو انشغالهم بالملذات عن الاهتمام بما يلقى أهل النار. قال الحسن: (شغلهم النعيم عما فيه أهل النار من العذاب). وبنحوه روي عن إسماعيل بن أبي خالد قال: (في شغل عما يلقى أهل النار).","vol":"6","page":364},{"text":"وخلاصة المعنى: أن أهل الجنة مشغولون بألوان الملذات من طعام وشراب، وزيارة وضيافة، ونكاح وأفراح، فهم بذلك وغيره من أحوال النعيم والترف وهناءة ورغد العيش الذي شغلهم عن الاهتمام بأهل النار ومصائرهم.\nوالقراءتان المشهورتان هما: ﴿شُغْل﴾ بتسكين الغين، وهي قراءة قراء المدينة وبعض البصريين. والثانية بضم الغين ﴿فِي شُغُلٍ﴾ وهي قراءة الكوفيين وبعض قراء المدينة والبصرة.\nوقوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ -أي فرحون- كما قال ابن عباس. وقيل: عجبون، كما روي عن مجا هد. وقال الحسن: (مسرورون). وقال السدي: (ناعمون). وقيل: معجبون. وكلها متقاربة. والقراءة المشهورة ﴿فَاكِهُونَ﴾، وروي عن أبي جعفر القارئ أنه قرأها: ﴿فَاكِهُونَ﴾، والأولى عليها إجماع القراء.\nوفي لغة العرب: فَكِهَ الرجل فهو فَكِهٌ إذا كان طيبَ النفس مَزَّاحًا. والمفاكهة الممازحة، وتفكّه بالشيء: تَمتَّع به. والفكِه هنا بمعنى المتنغم، وفاكهون أي كثيرو الفاكهة. فهم في مزاح ونعيم وفاكهة وخير كبير.\nوقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. قال مجاهد: (حلائلهم في ظُلَل).\nوقرأها بعضهم ﴿ظَلَل﴾ جمع ظُلَّة. أما الظلال جمع ظِلّ، وهي القراءة المشهورة. فهم وأزواجهم في كنّ لا يَضْحون لشمس كما يَضْحى لها أهل الدنيا، فإن الجنة لا شمس فيها.\nوقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ أي على السُّرر. والأرائك هي الحجال فيها الفرش والسرر، واحدتها: أريكة. كما قال مجاهد عن ابن عباس: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ قال: هي السُّرُرُ في الحجال (١». وقوله: ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ صفة لقوله ﴿فَاكِهُونَ﴾.\nوقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ قال يحيى بن سلام: (يدعون: يشتهون). وقال ابن عباس: (يسألون). وهي من دعا، فهم يتمنون من الدعاء، والعرب تقول: دع عليَّ ما شئت، فهم متلذذون بأنواع الفاكهة وبما يخطر ببالهم. وقيل: المعنى أن من ادعى منهم شيئًا فهو له، لأن الله تعالى قد طبعهم على ألا يدعي منهم أحد إلا ما يجمل ويحسن أن يدّعيه، ذكره القرطبي.\n_________\n(١) الحجال: جمع حجلة. وهي موضع يزين بالثياب والستور للعروس.","vol":"6","page":365},{"text":"أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: [المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسِنّهُ في ساعة واحدة، كما يشتهي] (١).\nوقوله: ﴿سَلَامٌ﴾.\nقيل: هو خبر للمبتدأ ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾. أي لهم فيها ما يدعون مسلّم خالص لهم حقًّا. وقيل: هو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، أي هو سلام بمعنى المدح. وقيل: هو مرفوع على البدل ﴿مَا﴾. أي ولهم أن يسلم الله عليهم. وفي قراءة ابن مسعود ﴿سلامًا﴾ في محل نصب حال، أو نصب على التوكيد.\nوقوله: ﴿قَوْلًا﴾. أي أقول ذلك قولًا، فهي مصدر.\nوفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﷿: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ فيقول: رضواني أكبر] (٢).\nفالله هو السلام، ورضوانه سبحانه يكون سلامًا على أهل الجنة.\nوقد ذكر ابن جرير بإسناده عن القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز قال: (إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار، أقبل في ظلل من الغمام والملائكة فيسلم على أهل الجنة فيردّون ﵇. قال القرظي: وهذا في كتاب الله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾).\nوقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي رحيم بهم، إذ تجاوز عما سلف من سيئات أعمالهم، وتداركهم برحمته.\nوقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ - فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال قتادة: (عُزلوا عن كل خير).\n٢ - قال الضحاك: (يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٣٣٨)، والترمذي (٢٥٦٣)، ورواه أحمد وابن حبان. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٧٧). وانظر تخريج المشكاة (٥٦٤٨)، وصحيح الجامع (٦٥٢٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٨٢) بسند صحيح من حديث جابر بن عبد الله، ورواه ابن حبان (٢٦٤٧)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٣٦).","vol":"6","page":366},{"text":"٣ - قال داود بن الجراح: (فيمتاز المسلمون من المجرمين إلا أصحاب الأهواء فيكونون مع المجرمين).\nوفي لغة العرب: مازَ الشيءَ إذا عزله وفرزه. وميّزه تمييزًا فانماز وامتاز وتميز واستماز كله بمعنى واحد. يقال: امتاز القوم إذا تميّز بعضهم من بعض.\nفقد كان المجرمون متميزين في الدنيا في حياة اختاروها متكبرين، ومساكن اصطفوها متعجرفين، جمعوها وحصّلوها بالبغي والظلم والمال الحرام، وملؤوها بالمكر بدين الله وبالفساد والزنا والفواحش وموائد الخمور مستهزئين غارقين، فاليوم يجنون ما اجترحوا ويتميزون -أيضًا- كما فعلوا في دنياهم فَيُفْصَلون عن المؤمنين، فإنهم واردون غير موردهم وسالكون غير سبيلهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nالعهد: الوصية، أي ألم أوصكم بعبادتي وبَلَّغَكُم ذلك الرسل، ألا تشركوا بي ولا تَدَعُوا للشيطان نصيبًا في أعمالكم، وقد علمتم حسده لأبيكم وعداوته لذريته، فاتخذوه عدوًا وبادلوه العداوة وإخلاص الإيمان بالله، فهو طريق النجاة في الدنيا والآخرة، فقد أبان عداوته وغروره وحسده.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾ أي أغوى منكم. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. قال مجاهد: (أي خلقًا كثيرًا). وقال قتادة: (جموعًا كثيرة)، وقال غيره: (أمما كثيرة). والمعنى واحد. وقد قرأها قراء المدينة وعاصم وبعض الكوفيين: ﴿جِبِلًّا﴾ بكسر الجيم والباء. في حين قرأها بعض قراء مكة والكوفة: ﴿جُبُلًا﴾. وقرأها أبو عمرو وبعض قراء البصرة: ﴿جُبْلًا﴾ والقراءتان الأولى والثانية أشهر. والمعنى يدور حول الخلق في كل هذه القراءات، وأميل إلى القراءة الأولى ﴿جِبِلًّا﴾ لأنها توافق القراءة المشهورة في مثيلتها في قوله تعالى: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ فهو من الجِبْل: أي الخلق.\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. أي: عداوةَ هذا الشيطان اللعين وحزبه لكم.\nثم قال جل ذكره: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.\nأي تقول خزنة جهنم للكافرين توبيخًا لهم: هذه جهنم التي كذبتم بها الرسل، وعشتم في الحياة الدنيا طغاة ظالمين، عاندتم الحق وكفرتم بالله واستكبرتم، فذوقوا","vol":"6","page":367},{"text":"اليوم عذابها وحريقها، فهي ما كنتم توعدون وكما وصفت لكم يوم كنتم تكفرون.\nيروي الإمام الترمذي في جامعه، والإمام أحمد في مسنده، بإسناد صحيح، على شرط الشيخين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وُكِّلْتُ بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين] (١).\nوقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nيروي ابن جرير بإسناده عن الشَّعْبي قال: (يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: ما عملت، فيختم على فيه، وتنطق جوارحه، فيقول لجوارحه: أبعدكن الله مما خاصمت إلا فيكن).\nقلت: وهذا الأثر يصلح شاهدًا للحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أنس بن مالك قال: [كنا عند رسول الله - ﷺ - فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال. يقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا. فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل] (٢).\nوفي رواية من طريق أبي هريرة: [ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه! من ذا الذي يشهد عليّ؟ ! فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك لِيُعذِرَ من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾.\nالطمس على العين هو ألا يكون بين الجفنين شق. فيقال: طمس يطمِسُ ويطمُس والمطموس هو الأعمى، وكذا الطميس. فهناك تفسيران للآية:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٩٥)، وأحمد (٢/ ٣٣٦)، وانظر السلسلة الصحيحة (٥١٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٢١٧). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٣٣)، ورواه أحمد والنسائي. انظر صحيح الجامع (٧٩٩٠).","vol":"6","page":368},{"text":"١ - أضللناهم عن الهدى. قال ابن عباس: (يقول: أضللتهم وأعميتهم عن الهدى).\n٢ - تركناهم عميًا. قال قتادة: (يقول: لو شئنا لتركناهم عميًا يترددون). واختاره ابن جرير. وقال القرطبي: (فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقًا إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها) - إذ لا معنى للضلالة وهم كفار.\nوقوله: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. قال مجاهد: (الطريق، ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ وقد طمسنا على أعينهم).\nوأما من ذهب للمعنى الأول: (الضلالة والعمى عن الهدى) فيكون المعنى كما ذى ابن عباس: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: فكيف يهتدون). وفي رواية: (يقول: لا يبصرون الحق). وقال قتادة: (ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم وأعميناهم من غيّهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فاهتدوا وأبصروا رشدهم وتبادروا إلى طريق الآخرة. ثم قال: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ ولم نفعل ذلك بهم، أي فكيف يهتدون وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية).\nثم قال جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾.\nقال قتادة: (أي لأقعدناهم على أرجلهم فلم يستطيعوا أن يتقدموا ولا يتأخروا).\nوعن ابن عباس: (ولو نشاء أهلكناهم في مساكنهم).\nوالمكانة والمكان بمعنى واحد. والمضي: مصدر مضى أي ذهب. قال الحسن: (أي لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم). وقيل: لو نشاء لمسخناهم في المكان الذي اجترؤوا فيه على المعصية. وقال ابن سلام: (هذا كله يوم القيامة يطمس الله تعالى أعينهم على الصراط). وقيل: قد يكون المسخ تبديل صورة الإنسان بهيمة ثم هي لا تعقل موضعًا تقصده فتتحيّر فلا تقبل ولا تدبر.\nوخلاصة المعنى: أن الله سبحانه يهددهم بالعطب ونزول العذاب في ديارهم إذا تابعوا بالاجتراء على الشرك بالله واجتراح المعاصي والآثام، إلى أن يعجزوا عن اجتياز الصراط يوم القيامة والجسر على جهنم، فيقذفون فيها خاسئين.\nثم قال سبحانه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾.\nقال قتادة: (من نَمُدّ له في العمر ننكسه في الخلق لكيلا يعلم بعد علم شيئًا، يعني","vol":"6","page":369},{"text":"الهَرَم). وقال سفيان: (إذا بلغ ثمانين سنة تغير جسمه وضعفت قوته). وقرأها عامة قراء المدينة والبصرة: ﴿نُنَكِّسّهُ﴾ بالتشديد. وأما القراءة بالتخفيف ﴿نَنكسْهُ﴾ فهي قراءة بعض الكوفيين، وبعضهم قرأها ﴿نَنْكُسْه﴾ من نكس الشيء فانتكس إذا قلبه على رأسه، والنُّكْسُ: عود المرض بعد النَّقَه. والقراءة بالتشديد أشهر، فهي من التنكيس وهو تغير الحال، واختار ذلك ابن جرير وقال: (لأن التنكيس من الله في الخلق إنما هو حال بعد حال، وشيء بعد شيء، فذلك تأييد للتشديد). وقال النسفي في تفسيره: (والتنكيس جعل الشيء أعلاه أسفله).\nوخلاصة المعنى: أنَّ الله سبحانه قد قضى أن يمرّ الإنسان في الحياة بمراحل: خلقه من ضعف ثم أمدّه بالقوة والشباب، ثم قضى أن يعود إلى الضعف والهرم في الشيخوخة والعجز بعد النشاط. كما قال جل ذكره في سورة الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. وكما قال في سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. وكقولِه تعالى في سورة الحجِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. وكقوله في سورة التين ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.\nقال القرطبي ﵀: (فطول العمر يصيّر الشاب هرمًا، والقوة ضعفًا، والزيادة نقصًا، وهذا هو الغالب). ومن آفاق معاني هذه الآية الكريمة ما قال الحافظ ابن كثير ﵀في تفسيرها-: (والمراد من هذه الآية -والله أعلم- الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال لا دار دوام واستقرار. قال: ولهذا قال: أفلا يعقلون، أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى سنّ الشيبة ثم إلى الشيخوخة، ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها ولا انتقال منها ولا محيد عنها وهي دار الآخرة).\nوقد كان النبي - ﷺ - يتعوذ بالله من الهرم أو أن يُرد إلى أرذل العمر.\nففي الصحيحين والمسند عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: [اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجُبْن والبُخْل والهَرَم، وأعوذ بك من عذاب","vol":"6","page":370},{"text":"القبر، وأعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات] (١).\nوفي مستدرك الحاكم بسند صحيح عن أنس، عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: [اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجُبن والبُخل والهرم والقسوة والغفلة، والعَيلة والذِّلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر، والفسوق والشقاق والنفاق، والسُّمْعة والرِّياء، وأعوذ بك من الصَّمَمِ والبَكَم والجنون والجذام والبرص وسَيِّئ الأسقام] (٢).\nوكان ﵊ يسأل الله في دعائه سعةَ الرزق عند كبر السِّنِ واقتراب الأجل.\nفقد أخرج الحاكم بإسناد حسن عن عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: [اللهم اجعل أوسع رزقك عليَّ عند كِبَرِ سني وانقطاع عُمُري] (٣).\nفاللهم إنا نسالك بركة في الشباب، وقوة في الذهاب والإياب، إلى المساجد وفي طلب العلم والجهاد والحرص على المعالي والأخذ بالأسباب، لكل ما يرضيك ومتعنا بالعمر مع القوة والعزم على السير في طريق الأنبياء والصالحين وأولي النهى والألباب، إنك ربي سميع مجيب ودود رحيم.\nثم قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾. وهي بالياء قراءة قراء الكوفة. وبالتاء ﴿أفلا تعقلون﴾ قراءة قراء المدينة. والأولى أشهر وأنسب للمعنى، فالخطاب للمشركين الذين هدّدهم الله بقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾. وبقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. أي: أفلا يعقلون قدرة الله على ما يشاء، فهاهم قد عاينوا تصريفه للخلق من صغر إلى كبر، ومن ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف وتنكيس بعد كبر في هرم، فهلا نظروا وآمنوا بالبعث بعد الموت، واستعدوا للقاء الله مؤمنين معظمين له وحده لا شريك له.\nوأما قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾.\nيدافع الله سبحانه فيه عن نبيّه - ﷺ - ويبرئه من أن يكون عالمًا بنظم الشعر وصناعة فصحاء العرب، حتى يغلق الباب على من أراد أن يدّعي أن القرآن من كلام محمد - ﷺ -.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٦٧)، كثاب الدعوات. وانظر (٢٨٢٣)، ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في \"المستدرك\"، والبيهقي في \"الدعاء\". انظر تخريج المشكاة (٢٤٧٠)، وصحيح الجامع -حديث رقم- (١٢٩٦).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الحاكم والطبراني. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٢٦٦).","vol":"6","page":371},{"text":"فالشعر لم يكن من طبعه ﵊، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته. قال الحافظ ابن كثير: (ولهذا ورد أنه - ﷺ - كان لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه). وذكر قول الشعبي: (ما ولد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله - ﷺ -).\nومع أنه كان يحب الاستماع إليه أحيانًا، ويمدح بلاغته وبيانه ثانية، ويحض بعض شعراء المسلمين كحسّان وغيره على مهاجاة الكفار، إلا أنه لمِ ينظمه وما حبّبه الله إليه، والله أعلم بحكمته حيث قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ فكان مدحًا لنبيّه ﵊ وليس ذمًّا.\nففي صحيح مسلم عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: رَدِفْتُ (١) رسول الله - ﷺ - يومًا فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصّلت شيء؟ قلت: نعم. قال: هيه (٢). فأنشدته بيتًا. فقال: هيه. ثم أنشدته بيتًا. فقال: هيه. حتى أنشدته مئة بيت] (٣).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أصدق كلمة قالها الشاعر (٤) كلمة لبيد (٥): ألا كل شيء ما خلا الله باطل] (٦).\nوفي الصحيحين أيضًا عن البراء قال: قال النبي - ﷺ - يومَ قريظة لحسان بن ثابت: [اهْجُ المشركين، فإن جبريل معك. وكان رسول الله - ﷺ - يقول لحسان: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس] (٧).\nوكذلك حثّ شعراء المسلمين على ذلك- كما روى مسلم عن عائشة رضي الله\n_________\n(١) أي ركبت خلفه.\n(٢) اسم فعل أمر بمعنى تكلم، أي: هات.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٥٥)، كتاب الشعر.\n(٤) أراد به جنس الشعراء.\n(٥) هو لبيد بن ربيعة العامري -أحد الشعراء الفرسان الأشراف- وأحد أصحاب المعلقات، أدرك الإسلام وآمن بالنبي - ﷺ - وترك الشعر، ولم يقل في الإسلام إلا بيتًا واحدًا، سكن الكوفة وعمر طويلًا، وتوفي سنة (٤١) هـ.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٨٤١)، كتاب مناقب الأنصار. وكذلك (٦١٤٧)، كتاب الأدب. وانظر صحيح مسلم (٢٢٥٦)، كتاب الشعر. والمراد بالباطل الفاني المضمحل.\n(٧) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٢٤)، كتاب المغازي. وكذلك (٣٢١٣)، كتاب بدء الخلق.\nوانظر صحيح مسلم (٢٤٨٥)، (٢٤٨٦)، كتاب فضائل الصحابة.","vol":"6","page":372},{"text":"عنها- أن رسول الله - ﷺ - قال: [اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشْق النَّبْل] (١).\nثم روى عنها أيضًا قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لحسان: [إن روحَ القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله. وقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: هجاهم حسَّانُ فشفى واشتفى].\nوروى البخاري في الأدب المفرد -بإسناد صحيح- عن ابن عباس: [أن رجلًا -أو أعرابيًا- أتى النبي - ﷺ - فتكلم بكلام بيّن، فقال النبي - ﷺ -: إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكمة- وفي لفظ: حِكمًا] (٢). وفي رواية: (إن من البيان لسحرًا).\nوكذلك روى عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام] (٣).\nثم ذكر عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: [الشعر منه حسن ومنه قبيح، خُذ بالحسن ودع القبيح، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارًا، منها القصيدة فيها أربعون بيتًا، ودون ذلك] (٤).\nلكن ثبت أنه كان - ﷺ - يتمثل بعض الأبيات من الشعر في مناسبات مع أصحابه، يتغنى بها يشاركهم بهجة الموقف، ولا يعارض هذا وصف الله له بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾. فالمقصود: أنه لم ينظم الشعر ولم يهتم به، فقد امتلأ قلبه وعقله بالوحي فلا مكان لغيره.\nفقد أخرج الإمام البخاري في الأدب المفرد، والترمذي في الجامع، بإسناد صحيح عن شُريح قال: [قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله - ﷺ - يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة، ويتمثل ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٤٩٠)، كتاب فضائل الصحابة، فضائل حسان بن ثابت.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح الأدب المفرد (٦٦٩) - باب من قال: \"إن من البيان سحرًا\".\n(٣) صحيح لغيره. انظر المرجع السابق (٦٦٤) - باب الشعر حسن كحسن الكلام ومنه قبيح.\n(٤) حديث صحيح. المرجع السابق (٦٦٥)، وانظر أحاديث أخرى في الباب.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٦٧). باب الشعر حسن كحسن الكلام ومنه قبيح. وما جاء ببعض كتب الأدب أنه - ﷺ - كسر هذا البيت فقال: \"ويأتيك من لم تزود بالأخبار\" بدعوى أن الشعر لم يجر على لسانه! مما لا أصل له، مع مخالفته لهذا الحديث الصحيح وغيره. انظر صحيح الأدب المفرد- (٦٦٦) - تعليق الألباني.","vol":"6","page":373},{"text":"فَنَظْمُ الشعر شيء وارتجازه شيءآخر، فإنك تقرأ في الصحيحين عن البراء، قال: [كان رسول الله - ﷺ - ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبَرَّ بطنُه يقول:\nوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلينا\nفأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nإن الأُلى قد بَغَوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا\nيرفع بها صوته] (١).\nوفيهما عن أنس قال: [جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب وهم يقولون:\nنحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا\nيقول النبي - ﷺ - وهو يجيبهم:\nاللهم لا عيشَ إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة] (٢)\nوخلاصة القول: إن ما وقع من النبي - ﷺ - اتفاقًا من غير قصد لوزن الشعر لا ينافي كونه ﵊ ما علم شعرًا وما ينبغي له، بل علّمه الله الذكر والقرآن فرفعه به وملأ قلبه وحياته بروعته، فلم يبق في قلبه مكانًا لغيره. وبنحو هذا يروي ابن القاسم عن مالك أنه سئلِ عن إنشاد الشعر فقال: (لا تكثرن منه فمن عيبه أن الله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال: ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن اجمع الشعراء قبلك، وسلهم عن الشعر، وهل بقي معهم معرفة، وأحضر لبيدًا ذلك، قال: فجمعهم فسألهم فقالوا: إنا لنعرفه ونقوله. وسأل لبيدًا فقال: ما قلت بيت شعر منذ سمعت الله ﷿ يقول: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾) ذكره القرطبي.\nوقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. أي ذلك من أعلام نبوته ﵊، لئلا يظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر. وقيل: ما ينبغي له أي ما يتسهل له قول الشعر لا الإنشاد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٠٦)، كتاب المغازي. باب غزوة الخندق وهي الأحزاب. وانظر كتابي: السيرة النبوية -على منهج الوحيين- (٨٩٢) لتفصيل البحث. ورواه مسلم (١٨٠٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠٩٩)، كتاب المغازي. وانظر كتابي: السيرة النبوية (٨٩١). ورواه مسلم في الصحيح (١٨٠٥) - كتاب الجهاد- باب غزوة الأحزاب وهي الخندق.","vol":"6","page":374},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾.\nهناك تفسيران لقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾.\n١ - ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي محمد، إلا ذكر لكم أيها الناس ذكركم الله بإرساله إياه إليكم، ونبّهكم به على حظكم. ذكره ابن جرير.\n٢ - ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي هذا الذي يتلوه عليكم، فما علمناه هو ذكر وقرآن. حكاه القرطبي وابن كثير.\nوقوله: ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. قال قتادة: (هذا القرآن). أي يبين لمن تدبره أنه تنزيل رب العالمين، أنزله على محمد الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأنه ليس بشعر ولا من كاهن أو ساحر أو مُدَّع أثيم.\nوقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾. قال قتادة: (حيّ القلب حيّ البصر).\nوفي التنزيل: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، فهذا القرآن لينذر به كل حي على وجه المعمورة.\nوقوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال قتادة: (بأعمالهم).\nأي: فينتفع بنذارته من كان حيّ القلب مستنير العقل والبصيرة، وليحق القول على الكافرين، ويكون عليهم الحجة وعلى كل ميت الفؤاد بليد.\n٧١ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)","vol":"6","page":375},{"text":"إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول الله سبحانه مخاطبًا نبيّه صلوات الله وسلامه عليه: أو لم ير المشركون ما خلقنا لهم من الأنعام المختلفة من الإبل والبقر والغنم يتصرفون بها كما شاؤوا، وهم لها ضابطون، فهي ذليلة مسخرة لهم لا تمتنع منهم، وتُقاد الجماعة منها بأضعفهم وأصغرهم، فمنها ما يركبون في الأسفار كالإبل، ويحملون عليها أثقالهم ويقضون عليها حاجات ما كانوا ليبلغوها إلا بشق الأنفس، ومنها ما يأكلون إذا احتاجوا فينحرون ويَطْعمون، ولهم فيها منافع: يلبسون أصوافها، ويتخذون من أوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين، ويشربون من ألبانها وأبوالها يتداوون بها، فهلا أفردوا الله سبحانه بالتوجه والشكر ووحّدوه ولم يشركوا بعبادته أحدًا!؟ أيشركون من لا يملك لهم رزقًا ولا نصرًا!؟ بل آلهة لا تملك الانتقام ممن أرادها بسوء، ويوم القيامة تحشر هذه الأوثان والأصنام معهم لتشترك في إقامة الحجة عليهم، فلا تحزن عليهم يا محمد، فإنا قد أحصينا عليهم سرائرهم وعلانياتهم.\nأو لم ير المعاند المنكر للحشر والبعث أن الله خلقه ابتداء من ماء مهين، ونطفة ضعيفة هزيلة، ثم إذا رأى من نفسه قوة وشبابًا استكبر وخاصم ربه وتحدّى، وأنكر إمكانية إعادته بعد فنائه وجمع عظامه بعد زواله. قل له يا محمد: بل يحييها الله الذي أنشأها في المرة الأولى، فهو أعلم كيف بعثرها وكيف فرّقها في ذرات الأرض، فهو الذي خلق من الماء شجرًا، فسوّاه أخضر ذا ثمر، ثم صيّره يابسًا، تحتطبون من فروعه وتوقدون به النار. فإذا علمتم هذا أجيبوا: أو ليس الذي فطر السماوات والأرضين وما فيهما بقادر على إعادة البشر كما بدأهم أول مرة، وهو إذا أراد أمرًا قال له كن فيكون، فسبحانه تنزهت صفاته، فهي صفات كمال وجمال، له الملك وإليه ترجعون.\nوتفصيل ذلك:\nقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ المراد رؤية القلب، فهم يبصرونها في حياتهم، لكنهم لا يعتبرون ولا يتفكرون.\nوقوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾. أي: مما أبدعناه من غير تجربة أفدنا منها، ومن غير وساطة ولا شركة.","vol":"6","page":376},{"text":"وقوله: ﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. قال قتادة: (أي ضابطون). والأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم. كل يستفاد منه حسب اختصاصه.\nوقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾. قال قتادة: (يركبونها يسافرون عليها. ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ لحومها. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ قال: يلبَسون أصوافها ﴿وَمَشَارِبُ﴾ قال: يشربون ألبانها). وقراءة الجمهور بفتح الراء: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ والمعنى مركوبهم.\nوقوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾، أي: لقد ذلل الله سبحانه الأنعام لكم أيها المنكرون للمعاد المعاندون للحق والقرآن، فتركبون عليها، وتأكلون من لحمها، وتشربون من ألبانها، ولكم في أصوافها وأوبارها وأشعارها وشحومها متاع وفوائد، أفلا يدعوكم هذا إلى شكر الله سبحانه على نعمه التي تغمركم وتحيط بكم، فتفردوه بالألوهية وتنبذون الأصنام وعبادة الشيطان.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\nأي رغم كل ما عاينوا من آيات قدرتنا فقد اتخذوا أوثانًا وآلهة لا قدرة لها طمعًا أن ترفع عنهم عذابًا إن حلّ بهم في دنياهم أو أخراهم. كلا: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ من الله إن أراد بهم سوءًا ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. أي رغم عجز هذه الآلهة عن الدفاع أو جلب النصر لهم، فهؤلاء المشركون جند لها في الدنيا يدافعون ويذودون عنها.\nوهذه الآية لها تفاسير متكاملة:\nالتفسير الأول: المشركون في الدنيا جند لأوثانهم يحضرون ويدافعون عنها. قال الحسن: (يمنعون منهم ويدفعون عنهم). فقوله: ﴿وَهُمْ﴾ أي الكفار. ﴿لَهُمْ﴾ أي لآلهتهم جند محضرون. قال قتادة: (أي يغضبون لهم في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرًا ولا تدفع عنهم سوءًا، إنما هي أصنام). فهم يعبدون الآلهة ويقومون بها، فهم لها كالجند وهي عاجزة أصلًا عن نصرهم. وهذا التفسير اختاره ابن جرير ﵀.\nالتفسير الثاني: إن هذه الآلهة هي جند لعابديها تحضر معهم لتشهد عليهم عند الحساب. قال مجاهد: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. قال: عند الحساب). ويؤيد هذا ما جاء في الصحيح والسنن من أن الله يأمر في أرض المحشر يوم القيامة أن يتبع كل قوم ما كانوا يعبدون.\nفقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة -وبنحوه الترمذي وبقية أهل السنن- أن النبي - ﷺ - قال: [يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطَّلِعُ عليهم ربُّ العالمين","vol":"6","page":377},{"text":"فيقول: ألا لِيَتَّبعْ كلُ إنسان ما كان يعبد، فَيُمَثَّلُ لصاحب الصليب صليبُه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار نارُه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون. . .] الحديث (١).\nوروى الدارمي نحوه عنه بلفظ: [إذا جمع الله العباد بصعيد واحد نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم هاهنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه. فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجدًا، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة] (٢).\nوإلى هذا المعنى ذهب الحافظ ابن كثير- في تفسير قوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ - قال: (يعني عند الحساب، يريد أن هذه الأصنام محشورة معهم يوم القيامة عند حساب عابديها ليكون أبلغ في إقامة الحجة).\nالتفسير الثالث: وهو أن هذه الآلهة والأوثان ستكون جندًا للعابدين لها يحضرون معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وقيل: بل الآلهة والأوثان جند الله عليهم في جهنم، لأنهم يلعنونهم ويتبرؤون من عبادتهم. حكاه القرطبي.\nالتفسير الرابع: وهو أن المشركين جند للأصنام في جهنم على سبيل التهكم والاستهزاء بهم.\nقال القاسمي ﵀: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ﴾ أي لآلهتهم ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أي معدون لخدمتهم، والذب عنهم، فمن أين لهم أن ينصروهم وهم على تلك الحال من العجز والضعف؟ أي بل الأمر بالعكس. وقيل: المعنى محضرون على أثرهم في النار. وجَعْلُهُم -على هذا- جندًا، تهكم واستهزاء).\nقلت: والإعجاز القرآني يشمل كل هذه المعاني والآفاق.\nوقوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾. أي: -يا محمد- لما قالوا لك اتهامًا: شاعرًا أو كاهنًا أو ساحرًا أو كذبوا بنبوتك وبالقرآن ووعده ووعيده.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم، وأخرج نحوه عبد الله بن أحمد في \"السنة\" ص (١٧٧). انظر مختصر العلو (٦٩) ص (١١٠)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٤٨) لتفصيل الحديث.\n(٢) حديث صحيح. انظر سنن الدارمي (٢/ ٣٢٦)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٨٤).","vol":"6","page":378},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (إنا نعلم أن الذي يدعوهم إلى قيل ذلك الحسد، وهم يعلمون أن الذي جئتهم به ليس بشعر ولا يشبه الشعر، وأنك لست بكذاب، فنعلم ما يسرون من معرفتهم بحقيقة ما تدعوهم إليه، وما يعلنون من جحودهم ذلك بألسنتهم علانية).\nفسلّى بذلك سبحانه نبيّه عما يلقاه من المشركين واستهزائهم.\nثم قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.\nوقد ذكر في مناسبتها تفاسير:\nالتفسير الأول: قيل عني به أبي بن خلف. فعن الحسن قال: (هو أبي بن خلف الجمحيّ). وقال قتادة؛ (ذكر لنا أن أبيّ بن خلف أتى رسول الله - ﷺ - بعظْم حائل ففتّه ثم ذرّاه في الريح ثم قال: يا محمد من يحيي هذا وهو رميم؟ قال: الله يحييه ثم يميته ثم يُدخلك النار. قال: فقتلهُ رسول الله - ﷺ - يوم أحد).\nالتفسير الثاني: قيل بل عني العاص بن وائل السهمي. رُوي ذلك عن سعيد بن جبير قال: (جاء العاص بن وائل السهمي إلى رسول الله - ﷺ - بعظم حائل ففتّه بين يديه فقال: يا محمد! أيبعث الله هذا حيًا بعدما أرمّ؟ قال: نعم، يَبْعَث الله هذا، ثم يُميتك ثم يحييكَ ثم يدخلك نار جهنم. قال: ونزلت الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إلى آخر الآية).\nالتفسير الثالث: قيل بل عني عبد الله بن أبي. قال ابن عباس: (الإنسان هو عبد الله بن أُبَي. قال: جاء عبد الله بن أبي إلى النبي - ﷺ - بعظم حائل فكسره بيده ثم قال: يا محمد! كيف يبعث الله هذا وهو رميم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يَبْعَثُ الله هذا، ويميتك ثم يدخلك جهنم، فقال الله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾).\nقلت: والذي أميل إليه في أسباب نزول هذه الآيات هو التفسير الثاني، وذلك لأنه قد صح إسناد ما رواه الحاكم في المستدرك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: [إن العاصي بن وائل أخذ عظمًا من البطحاء ففتّه بيده، ثم قال لرسول الله - ﷺ -: أيحيي الله هذا بعد ما أرم. فقال رسول الله - ﷺ -: نعم. يميتك الله ثم يحييك ثم","vol":"6","page":379},{"text":"يدخلك جهنم. قال: ونزلت الآيات من آخر يس] (١).\nوخلاصة المعنى: أولم ير هذا الذي يقول متعجبًا من يحيي العظام وهي رميم -أي بالية- أنا خلقناه من نطفة، وهو اليسير من الماء -قال النسفي: (مذرة خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة) - فسويناه وعدلناه خلقًا سويًا متكاملًا، حتى إذا رأى من نفسه وعقله وجسده قوة صار خصمًا لربه معاندًا متحديًا يجادل في قدرة الله، ويخاصم بشكل يبين لمن سمع خصومته أنه مخاصم ربّه الذي خلقه وسوّاه وعدله. أوَلَيْسَ من خلقه من هذه النطفة الضعيفة بقادر على إعادته بعد موته. قال النسفي: (﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الخصومة، أي فهو على مهانة أصله ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به وهو كونه منشأً من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات وهو غاية المكابرة).\nوفي التنزيل: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\nوأصل النُّطفة في كلام العرب الماء الصافي، والجمع نِطاف، ونَطفان الماء سيلانه، ونطِف ينطِفُ إذا قطر.\nثم قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾.\nقال ابن كثير: (أي استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السماوات والأرض للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده، ولهذا قال الله ﷿: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. أي يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها أين ذهبت وأين تفرقت وتمزقت). وقال النسفي: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ بفتّه العظم ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ من المني فهو أغرب من إحياء العظم). وفي لغة العرب: رمّ العظم يَرِمّ رِمّة أي بلي فهو رميم ورِمَام.\nوقال القرطبي: (﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي من غير شيء، فهو قادر على\n_________\n(١) حديث صحيح على شرط الشيخين. أخرجه الحاكم في \"المستدرك\"، والطبري في \"التفسير\" (٢٩٢٤٣). وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول- الوادعي- الآيات من آخر \"يس\".","vol":"6","page":380},{"text":"إعادتها في النشأة الثانية من شيء وهو عَجْمُ الذَّنب. ويقال عَجْبُ الذَّنب بالباء. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي كيف يبدئ ويعيد).\nقلت: وفي السنة الصحيحة ما يشير إلى هذا المعنى العظيم عن قدرة الله وعلمه بتوضع ذرات العظام بعد فنائها ثم جمعها وتركيبها.\nففي الصحيحين والمسند عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - قال: [إن رجلًا كان قبلكم رغَسَهُ (١) الله مالًا، فقال لبنيه لما حُضِرَ: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خيرَ أب، قال: إني لم أعمل خيرًا قط، فإذا مُتُّ فاحرِقوني، ثم اسحقوني، ثم ذرّوني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله، فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته] (٢).\nوكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [ليس شيءٌ من الإنسان إلا يبلى، إلا عظم واحد، وهو عَجْبُ الذَّنب، ومنه يُركَّبُ الخلق يوم القيامة] (٣).\nوقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾.\nقال قتادة: (يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر أن يبعثه). فدلّ سبحانه على كمال قدرته في إحياء الموتى بما يعاينه الناس في حياتهم من إخراج العود اليابس القابل للاحتراق من العود النديّ الرطب. قال القرطبي: (وذلك أن الكافر قال: النطفة حارة رطبة بطبع الحياة فخرج منها الحياة، والعظم بارد يابس بطبع الموت فكيف تخرج منه الحياة. فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. أي إن الشجر الأخضر من الماء، والماء بارد رطب ضد النار، وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فهو قادر على إخراج الضد من الضد وهو على كل شيء قدير).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾.\nقال النسفي: (تقدحون. ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي توري بها الأعراب، وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم في كل شجر نار. قال: لأن المرخ شجر سريع الوري والعفار شجر تقدح منه النار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر\n_________\n(١) أي أكثر له من المال.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٣٤٧٨)، وصحيح مسلم (٢٧٥٧)، ومسند أحمد (٥/ ٣٨٣). وله شاهد في سنن النسائي (٤/ ١١٣). وانظر صحيح الجامع الصغير (٢٠٧٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٥)، وأخرجه مسلم (٢٩٥٥) (١٤١)، وغيرهما.","vol":"6","page":381},{"text":"منهما الماء، فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله).\nوالهاء في قوله: ﴿مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ تعود على الشجر، مع أنها جمع شجرة، إلا أنه خرج مخرج الثمر.\nثم قال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.\nقال ابن جرير: (فمن لم يتعذر عليه خلق ما هو أعظم من خلقكم فكيف يتعذّر عليه إحياء العظام بعدما قد رمّت وبليت؟).\nبلى هو قادر على خلق ما يشاء، فهو الفعّال لما يريد، الخلّاق: الكثير المخلوقات، العليم: الكثير المعلومات. والآية كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nقال قتادة: (هذا مَثَلٌ: إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. قال: ليس مِن كلام العرب شيء هو أخف من ذلك ولا أهون، فأمر الله كذلك).\nثم ختم السورة سبحانه بمدح نفسه، فله كمال الحمد وكمال الثناء وأحسن الأوصاف، قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nفكل التنزيه لله ملك كل شيء وعنده خزائنه، وكل التقديس لله الذي بيده مقادير الخلق، وكل التبرئة لله من السوء فهو الحى القيوم الذي خضع له ما في السماوات وما في الأرض، وكل الأمر لله البارئ فإليه ترجع العباد يوم المعاد، ثم هو يتفضل فيعفو عمن يشاء ويتجاوز عمن يشاء فضلًا، أو يعذب من يشاء ويغضب على من يشاء عدلًا، فله الكبرياء كله وهو العادل الكريم المنعم المتفضل.\nوالملكوت في كلام العرب بمعنى الملك، كما قال جل ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وكقوله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال قتادة: (ملكوت كل شيء: مفاتح كل شيء).\nوقراءة الجمهور بالتاء على الخطاب في قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وهناك من قرأها بالياء ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. والأولى أشهر بين القراء، والله تعالى أعلم.\nتم تفسير سورة يس بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه","vol":"6","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - يس، ليس من أسماء النبي - ﷺ -، وإنما هما حرفان الياء والسين. وطه -كذلك- ليس من أسمائه - ﷺ -، وإنما هما حرفان الطاء والهاء.\n٢ - إن بكل خطوة في طلب العلم أو الجهاد في سبيل الله أجرًا، لقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.\n٣ - الأبعدُ فالأبعدُ من المسجد أعظم أجرًا، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميطُ الأذى عن الطريق صدقة.\n٤ - أطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور.\n٥ - السلخ في لغة العرب: القطع والنزع والكشط. وسلخ النهار من الليل استعارة بمعنى الإخراج.\n٦ - إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم.\n٧ - تذهب الشمس كل غروب فتسجد بين يدي ربها ثم تستأذن بالرجوع.\n٨ - إن أول الآيات خروجًا للدلالة على قيام الساعة طلوع الشمس من مغربها، وخروجُ الدابة على الناس ضحًا، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا.\n٩ - الاحتجاج على المعاصي بالقدر احتجاج باطل، وهو سلوك أهل الدنيا لتسويغ ذنوبهم، وهم يناقضون أنفسهم في تكالبهم على حطامها.\n١٠ - يمتاز المسلمون يوم الحشر من المجرمين، إلا أصحاب الأهواء فيكونون يومئذ مع المجرمين.\n١١ - يخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين.","vol":"6","page":383},{"text":"١٢ - كان - ﷺ - يستعيذ بالله من العجز والكسل والجُبْن والبُخْل والهرم، ومن عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات.\n١٣ - الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام.\n١٤ - إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا.\n١٥ - يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطَّلِعُ عليهم رب العالمين فيَقُول: ألا ليتَّبع كل إنسان ما كان يعبد، فَيُمَثَّلُ لصاحب الصليب صليبُه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار نارُه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون ينتظرون ربهم ليضحك إليهم ويكشف عن ساق فيخروا له سجدًا.\n١٦ - ليس شيء من الإنسان إلا يبلى، إلا عَظْمٌ واحد، وهو عَجْبُ الذَّنب، ومنه يُرَكَّبُ الخلق يوم القيامة.","vol":"6","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>٣٧ - سُوْرَةُ الصَّافَّاتِ</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٨٢)\nوسميت كذلك لاشتمالها على آيات في صفات الملائكة.\nقال المهايميّ: (سميت بها لاشتمال الآية التي هي فيها على صفات للملائكة تنفي إلهية الملائكة من الجهات الموهمة لها فيهم. فينتفي بذلك إلهية ما دونهم، فيدل على توحيد الله، وهو من أعظم مقاصد القرآن) - ذكره القاسمي ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>موضوع السورة</span>\nثناء الله على الملائكة الصافات\nوتقريعٌ وتوبيخ للمشركين في ادعائهم لله البنات\nونَعْتُ حالهم وأتباعهم يوم الخزي في مشهد الذل والحسرات\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-242> منهاج السورة</span>-\n١ - إقسام الله تعالى بالملائكة الصافات لربها في السماء، الزاجرات للسحاب تسوقه حيث شاء، التاليات للذكر وأخبار الأمم ما مضى منها وما جاء.\n٢ - الله تعالى هو الخالق المدبر المزين السماء بزينة الكواكب، وحفظًا من كل شيطان مارد، وإليه المعاد ولا يعجزه شيء.","vol":"6","page":385},{"text":"٣ - حشر المجرمين يوم القيامة وأشباههم ونظائرهم من الفجرة إلى نار جهنم.\n٤ - تقريع وتوبيخ للمشركين، ووصف الحوار بينهم وبين أتباعهم المستضعفين.\n٥ - نَعْتُ الله حال المؤمنين المتقين، وما أعدّ لهم سبحانه في جنات النعيم.\n٦ - حوار بين المؤمن المصدق بالبعث وصاحب له مكذب، هذا في النعيم وذاك في الجحيم.\n٧ - نَعْت طعام المجرمين من شجرة الزقوم، وشرابهم عليها من ماء الحميم.\n٨ - وحدة منهاج الأنبياء: الدعوة والصبر والدعاء، يعقبه النصر والفرج وإهلاك أهل الكفر والكبرياء.\n٩ - تقريع وتوبيخ لمشركي قريش، في ادعائهم لله البنات ولهم البنون، وجعلهم بينه -تعالى- وبين الجِنَّة نسبًا ولقد علمت الجِنَّة إنهم لمحضرون.\n١٠ - تنزيه الملائكة ربهم ﵎ عما يقول الظالمون، وسنة الله سبحانه في نصر المؤمنين وأن جنده هم الغالبون، وتنزيه الله تعالى نفسه عما يصفون، والسلام منه على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"6","page":386},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم الله جل ثناؤه بالملائكة وهي الصافات لربها في السماء، والزاجرات للسحاب تسوقه حيث شاء، والتاليات لما يُتلى على الناس من القرآن وأخبار الأمم ما مضى منها وما ذهب وما جاء، فيقسم بها سبحانه وهو العظيم يقسم بما شاء، بأن معبودكم أيها الناس هو الله وحده فلا يستحق غيره العبادة والإخلاص والدعاء، فهو خالق السماوات والأرض وما بينهما وَمُدَبِّرُ مشارق الشمس ومغاربها في الصيف وفي الشتاء، وهو الذي زيّن السماء الدنيا بالكواكب ذات الضياء، وحفظًا للأخبار من مسترق السمع الذي يلقيها على من هو بالسحر والكهانة والكذب مشّاء، فيطردون عن ذلك وينتظرهم عذاب أليم يوم القيامة إذا جاء، لكن من استرق السمع","vol":"6","page":387},{"text":"أتبعه شهاب حارق وضّاء، فاستفت واستخبر يا محمد مشركي مكة أهم أمتن وأقوى أم السماوات والأرض والجبال، فإذا وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الجواب بصغر خلقهم وتضاؤله -وهي حقيقة الأمر- فليعترفوا بأن الله لا يعجز عن أمر ولا يتعالى عليه أمر بعد هذا كالبعث وغيره، ولكن عجب إنكارهم واستهزاؤهم وقسوة قلوبهم فلا يخافون ولا يتعظون، وإذا عاينوا برهانًا من آيات الكائنات أو في الآفاق قابلوه بالسخرية بدل التدبر والاعتبار، واتهموه بالسحر والكذب، ثم عاودوا التكذيب بإمكان بعثهم بعد موتهم هم وآبائهم، واستبعدته عقولهم المتحجرة، فقل لهم: بلى ستبعثون وأنتم أذلاء صاغرون، وإنما هي صيحة واحدة فإذا أنتم قيام تنظرون، فتقولون يا ويلنا هذا يوم الجزاء، هذا الذي كنتم به تكذبون، فاليوم يأمر الرحمان ليُحْشَر الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي والكفر والموبقات هم وأشباههم ونظائرهم من الفجرة أو نساؤهم الكافرات، وكذلك الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله زيادة في التخذيل والحسرات، ثم يقال تهكمًا بهم: فاهدوهم إلى صراط النيران الملهبات، واحبسوهم في الموقف في عرصات القيامة والساحات، ليسألهم الله لماذا طغوا وكيف آثروا الحياة الدنيا على دار الباقيات الصالحات.\nوتفصيل ذلك.\nيروي ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾: هي الملائكة. ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: هي الملائكة. ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾: هي الملائكة).\nوعن قتادة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾، قال: قسم أقسم الله بخلق ثم خلق ثم خلق. والصافات: الملائكة- صفوفًا في السماء).\nفهي تصف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة، وقيل: تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد، كالعبيد بين أيدي ملوكهم صفوفًا.\nقال شيخ المفسرين: (أقسم الله تعالى ذكره بالصافات، والزاجرات، والتاليات ذكرًا، فأما الصافات: فإنها الملائكة الصافات لربها في السماء، وهي جمع صافة، فالصافات جَمْعُ جَمْعٍ).\nوقيل: المراد بالصافات جماعة المؤمنين إذا قاموا صفًا في الصلاة أو الجهاد، والأول أرجح.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، والطبراني بسند صحيح عن","vol":"6","page":388},{"text":"ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أقيموا الصُّفوف فإنما تصفون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسُدُّوا الخَلَل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فُرجات للشيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله ﷿] (١).\nوأصله في صحيح الإمام مسلم من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فُضِّلْنَا على الناس بثلاث: جُعِلَت صفوفنا كصفوف الملائكة، وَجُعِلَت لنا الأرض كلها مسجدًا، وَجُعِلَ لنا ترابها طهورًا إذا لم نجد الماء] (٢).\nوكذلك في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصّون في الصف] (٣).\nفقوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ قسم، والواو بدل من الباء. قيل المراد: برب الصافات- حكاه القرطبي. قلت: لكن الله سبحانه يقسم بما شاء، فيقسم بالتين وبالزيتون ويقسم بالقمر وبالنجم، وبالشمس وبالليل وبالنهار، وبكل ما يحب فله الكبرياء وحده، وهنا يقسم بالملائكة، وهو قوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾.\nقال الحسن: (صفًّا لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم).\nوقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ عطف عليه. قيل الملائكة تزجر السحاب تسوقه حيث أمر الله، وقيل: بل هي آيات القرآن يزجر الله بها ما زجر عنه وحكاه في القرآن.\nقال مجاهد: (﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: الملائكة). وقال قتادة فيها: (ما زجَرَ الله عنه في القرآن).\nقلت: والراجح قول مجاهد أنها الملائكة، وإليه ذهب السدي بقوله: (إنها تزجر السحاب).\nواختاره الحافظ ابن كثير، وشيخ المفسرين -ابن جرير- حيث قال: (لأن الله\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود (٦٧٢)، وتخريج الترغيب (١/ ١٧٣)، وكتابي: أصل الدين والإيمان- عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٥٣٩) - في تفصيل صفات الملائكة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٢٢)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٣٠) - كثاب الصلاة- باب الأمر بالسكون في الصلاة. . . وإتمام الصفوف الأُوَل والتراصّ فيها والأمر بالاجتماع.","vol":"6","page":389},{"text":"تعالى ذكره ابتدأ القسم بنوع من الملائكة وهم الصافون بإجماع من أهل التأويل، فلأن يكون الذي بعده قسمًا بسائر أصنافهم أشبه). فالفاء عاطفة في الصفات.\nوقوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ - فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: هم الملائكة. قال مجاهد: (﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾: الملائكة). وهو قول ابن عباس وابن مسعود.\nالتفسير الثاني: أي هو ما يُتلى في القرآن من أخبار الأمم قبلنا. قال قتادة: (ما يُتلى عليكم في القرآن من أخبار الناس والأمم قبلكم).\nالتفسير الثالث: قيل الأنبياء يتلون الذكر على أممهم فهم التاليات. ذكره الماوردي. والراجح التفسير الأول وهم الملائكة، واختاره ابن كثير وقال: (أي الملائكة يجيئون بالقرآن من عند الله تعالى إلى الناس، كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥ - ٦].\nثم جاء جواب القسم: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾.\nفأقسم سبحانه بالصافات صفًا، بأن معبودكم المستحق عليكم كمال الإخلاص والعبادة واحد لا شريك له، فأفردوه بالطاعة ولا تجعلوا في عبادتكم نصيبًا لغيره.\nقال مقاتل: (وذلك أن الكفار بمكة قالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، وكيف يسع هذا الخلق فرد إله! فأقسم الله بهؤلاء تشريفًا).\nثم قال سبحانه يعرفهم بنفسه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.\nفهو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما ولم يشاركه أحد في الخلق، وهو القيّم على جميع ما خلق فلا تصلح العبادة إلا له، فلا تشركوا معه من لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، فالكل فقير إليه مفتقر إلى رحمته.\nوقوله: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ومُدَبِّر مشارق الشمس في الشتاء والصيف ومغاربها، والقيّم على ذلك ومصلحه، وترك ذكر المغارب لدلالة الكلام عليه). وقال ابن كثير: (أي هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من أجرام السماء التي تظهر من المشرق وتغرب من المغرب).\nوعن قتادة: (﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ قال: وقع القسم على هذا إن إلهكم لواحد، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ قال: مشارق الشمس في الشتاء والصيف).","vol":"6","page":390},{"text":"وقال السدي: (المشارق ستون وثلاث مئة مَشْرِق، والمغارب مثلها عدد أيام السنة).\nوالآية كقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. يعني شروق الشمس والقمر في الصيف والشتاء واختلاف مطالعهما. وكقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠]. فالله سبحانه خلق الأرض كروية فنصف الكرة المواجه للشمس يكون فيه اليوم نهارًا، والنصف الخلفي ليلًا، ولما كانت الأرض أو الشمس تدور بقدرته سبحانه من الشرق إلى الغرب، ففي كل لحظة يتكون شروق وغروب لا يفتران أبدًا. ثم إن شروق الشمس في الصيف من المشرق مع ميل إلى الشمال، وغروبها من الغرب مع ميل نحو الشمال، والقمر في الصيف يشرق من الشرق مع ميل نحو الجنوب، ويغرب من الغرب مع ميل نحو الجنوب.\nوأما في الشتاء فتشرق الشمس من المشرق مع ميل نحو الجنوب، وتغرب من الغرب مع ميل نحو الجنوب، وكذا القمر يشرق شتاء من المشرق مع ميل نحو الشمال ويغرب في الغرب مع ميل نحو الشمال، فتبارك رب المشرقين ورب المغربين، فكما أن للشمس مشرقين فكذلك فإن للقمر مشرقين، تبارك الله أحسن الخالقين.\nوفي رفع قوله: ﴿رَبُّ﴾ وجهان عند أهل العربية:\nالوجه الأول: خبر ثان لإنّ في قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾. ثم قال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nوالوجه الثاني: بدل من قوله ﴿لَوَاحِدٌ﴾، وهو أرجح لأن الخبر هو قوله: ﴿لَوَاحِدٌ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾.\nقال قتادة: (خلقت النجوم ثلاثًا، رجومًا للشياطين، ونورًا يهتدى بها، وزينة لسماء الدنيا).\nوفي قوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ قال: (يقول: جعلتها حفظًا من كل شيطان مارد).\nفالله سبحانه قد امتنّ على عباده بأن زيّن لهم السماء الدنيا، فيأنسون إذا نظروا إليها ولو شاء لجعلها مظلمة سوداء تورث الضيق في صدورهم وفي نفوسهم كلما أبصروها، ثم سخّر الكواكب لتنبعث منها الشهب فتحرق الشياطين الذين يحاولون استراق السمع والخبر والغيب من السماء في الأمر قضاه الله وتَحَدَّثَ به الملائكة، فيحاولون استراقه","vol":"6","page":391},{"text":"ليلقوه على ألسنة الكهان والسحرة والكذبة لِيُعْبَدوا إياهم من دون الله، وليفسدوا على بني آدم دينهم وليشتركوا معهم في عذاب جهنم يوم القيامة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الملك: ٥ - ٦]. فعطف سبحانه على الشياطين من اشترك معهم في السحر والكفر، فأشركهم جميعًا في عذاب السعير وبئس المصير.\nولقد قرأ جماعة من قراء الكوفة: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ أي بزينة هي الكواكب. في حين قرأها قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: \"بزينةِ الكواكب\" أي زينا السماء التي تليكم بتزيينها بالكواكب، فكانت زينتها الكواكب.\nوقد رُوي عن بعض قراء الكوفة نصب لفظ \"الكواكبَ\"، أي بتزييننا الكواكبَ، كما يجوز فيها الرفع لغة بأن زينتها الكواكب، ولكن الأشهر في القراءة هو الكسر.\nوأما قوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ فهو بدل من اللفظ، أي وحفظناها حفظًا، والواو أدخلت للتكرير، أي وزيناها حفظًا لها والله أعلم.\nوخلاصة المعنى: أن الله سبحانه قد حفظ أمره من كل شيطان متمرد عات إذا حاول استراق السمع أتاه شهاب فأحرقه، فالمارد هو العاتي من الجن والإنس، والعرب تسميه شيطانًا.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾.\nالملأ الأعلى هم أهل السماء الدنيا فما فوقها كلهم أعلى بالنسبة لأهل الأرض.\nوعن قتادة: (﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ قال: مُنِعوها). وقال ابن جرير: (ويعني بقوله ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾ إلى جماعة الملائكة التي هم أعلى مَنْ هم دونهم).\nوعن مجاهد: (﴿يُقْذَفُونَ﴾: يرمون. ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ قال: من كل مكان. وقوله: ﴿دُحُورًا﴾ قال: مطرودين).\nوعن السدي: (في قوله: ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ قال: الموجع). وقال ابن عباس: (يقول: لهم عذاب دائم). وفي رواية: (شديد).\nوفي لغة العرب: وَصَبَ الشيء يَصِبُ بالكسر وُصوبًا إذا دام، والوصَب: المرض. فيمكن الجمع بين التفسيرين بمعنى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي دائم متواصل فيزداد","vol":"6","page":392},{"text":"لاستمراره وجعًا وألمًا. وفي التنزيل: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.\nوأما (دَحَر) في لغة العرب فهو بمعنى طرد وأبعد، ويبدو أن الشياطين قبل نزول آيات الدحر والشهب الحارقة وقبل بعثة النبي - ﷺ - كانوا يسترقون السمع ويجيئون بالأخبار، وربما كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصِبًا. قال القرطبي: (وإنما كانوا من قبل كالمتجسِّسَةِ من الإنس، يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويسلم واحد ولا يسلم غيره، بل يقبض عليه ويعاقب وينكل. فلما بعث النبي - ﷺ - زيدَ في حفظ السماء، وأعدت لهم شهب لم تكن من قبل، ليدحروا عن جميع جوانب السماء، ولا يقروا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها، فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه، فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوة).\nقال ابن عباس: (كان للشياطين مقاعد في السماء يستمعون الوحي فينزلون إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعًا. . . فلما كانت بعثته ﵊ فمنعَ الشياطين مقاعدهم وأتبعهم شهاب لا يخطئهم فيحرقهم، فشكوا ذلك إلى إبليس، فأرسل جنوده فرأوا رسول الله - ﷺ - يصلي بين جَبَليْ نخلة، فرجعوا وأخبروا إبليس بما رأوا. . . وقال: هذا الذي حدث).\nوتفصيل ذلك:\nالمرحلة الأولى: مرحلة سهولة السمع للشياطين يسترقون خبر السماء.\nالمرحلة الثانية: مرحلة إرسال الشهب المتواصلة الحارقة، حتى عَزَّ استراق السمع إلا على من خطف الخطفة.\nوأصل ذلك ما روى البخاري في صحيحه، والترمذي في جامعه، وابن ماجة في سننه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء، ضربت الملائكة باجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحقَّ وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق الآخر، فربما أدرك الشهابُ المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه، فَيُحْرِقَهُ، وربما لم يدركْه، حتى يرميَ بها إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسفلُ منه حتى يُلقوها إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر،","vol":"6","page":393},{"text":"فيكذب معها مئة كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ، فيقولون: ألم يُخْبِرْنا يومَ كذا وكذا، يكون كذا وكذا، فوجدناه حقًّا للكلمة التي سمعت من السماء] (١).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [انطلق رسول الله - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله - ﷺ - بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك رجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا، وأنزل الله ﷿ على نبيّه - ﷺ -: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١] (٢).\nولقد قرأ عامة قراء المدينة والبصرة: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾. في حين قرأها بعض الكوفيين: \"لا يَسْمعون\". بمعنى يتسمعون لكن لا يسمعون. قال مجاهد: (كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون). وأصل ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ يَتَسَمَّعون، فأدغمت التاء في السين لقربها منها، واختار الجمهور القراءة بالتسكين: \"يَسْمَعون\"، ومنهم ابن جرير، وأما بالتشديد فهي قراءة حمزة وعاصم في رواية حفص، ويبدو أنهما قراءتان مشهورتان.\nوأما قوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ فهو استثناء من قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾.\nوقيل: بل الاستثناء يرجع إلى غير الوحي لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]. فيسترق الواحد منهم شيئًا مما يتفاوض فيه الملائكة مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض، وهذا لخفة أجسام الشياطين، فيرجمون عندها بالشهب فيتقدمهم الأجسر ليلقي الكلام إلى من يليه، ثم يلقيه الآخر إلى من تحته، حتى تنزل تلك الكلمة إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة لأنها لا تكفي أن يصاغ منها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٠١)، كتاب التفسير. باب قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨]. ورواه الترمذي وابن ماجة وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٢١)، في كتاب التفسير، وأخرجه كذلك برقم (٧٧٣)، كتاب الأذان. ورواه مسلم (٤٤٩/ ١٤٩)، والترمذي (٣٣٢٣)، ورواه أحمد (١/ ٢٥٢).","vol":"6","page":394},{"text":"قصة أو حدث، فيزيدون ويكذبون، عليهم لعائن الله، ليفتنوا الناس عن دينهم الحق. كما قال ابن عباس: (ويختطف الشياطين السمع فيُرمون فيقذفونه إلى أوليائهم فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يحرّفونه ويزيدون).\nوفي لغة العرب: خطَفَ وخَطِفَ وخَطَّفَ وخِطَّفَ من الخَطْفِ وهو الاستلاب، والخطّاف هو الشيطان يَخْطَفُ السمع يسترقه، والخطْف أَخذ الشيء بسرعة.\nوأصل (خطّف) اختطف، أدغمت التاء في الطاء، ومن كسر الخاء في (خِطَّفَ) فلالتقاء الساكنين، وهناك من كسر الطاء مع التشديد (خِطِّفَ) فاتبع الكسر الكسر.\nوقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. أي: مضيء. قال ابن عباس: (تحرقهم من غير موت).\nوقيل في الثاقب: (إنه المستوقد) قاله زيد بن أسلم. وعن قتادة: (قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ قال: من نار، وثقوبه: ضوءه). وقال السدي: (شهاب مضيء يحرقه حين يرمى به). وفي رواية أخرى عن ابن عباس: (لا يُقتلون بالشهاب ولا يموتون ولكنها تحرقهم من غير قتل، وتُخَبِّلُ وتُخَدّج من غير قتل).\nوسئل الضحاك: هل للشياطين أجنحة؟ فقال: (كيف يطيرون إلى السماء إلا ولهم أجنحة).\nقلت: وهذا ثابت في السنة الصحيحة. فقد أخرج الطبراني والحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي ثعلبة الخشني ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [الجن ثلاثة أصناف، فَصِنْفٌ لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصِنْفٌ حياتٌ وكِلاب، وصِنْفٌ يحِلّون ويظعَنون] (١).\nثم قال جل ثناؤه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾.\nقال مجاهد: (أي من خلقنا من السماوات والأرض والجبال والبحار).\nأي استفت يا محمد مشركي قومك منكري البعث، هل هم أشد خلقًا من الآيات الكونية الكبرى التي هي أعظم مما أنكروا حتى يظنوا أنهم لا يبعثون، وقد قال الله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وقال أيضًا: ﴿أَأَنْتُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم والطبراني والبيهقي. انظر صحيح الجامع (٣١٠٩)، وانظر تخريج أحاديث \"مشكاة المصابيح\" (٤١٤٨).","vol":"6","page":395},{"text":"أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٨].\nفقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي فاسألهم. يعني: اسأل أهل مكة. وقيل يدخل في قوله: ﴿مَنْ خَلَقْنَا﴾ الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية.\nثم قال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. قال ابن عباس: (أي لا صق).\nوفي رواية: (يقول: ملتصق). وفي رواية: (من التراب والماء فيصير طينًا يَلْزَق).\nوقال السدي: (إنه الخالص). وقال مجاهد: (هو الطين الحرّ الجيد اللزج).\nقال ابن جرير: (وصف باللزوب لأنه تراب مخلوط بماء، وكذلك خلق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء).\nوفي لغة العرب: طين لازب أي لازق، واللازب أيضًا الثابت. تقول: صار الشيء ضَرْبةَ لازب أو ضربة لازم بقلب الباء ميمًا، ولكنه بالباء أفصح، لزَبَ يلْزَبُ لزْبًا ولُزوبًا فهو لازب. كما قال النابغة:\nولا تحسبن الخير لا شَرَّ بعده ... ولا تحسبن الشَّرَ ضربةَ لازب\nثم قال سبحانه: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾. قال قتادة: (عجبَ محمد ﵊ من هذا القرآن حين أُعْطِيَه، وسخر منه أهل الضلالة).\nوقال الفرّاء: (العجب إن أسند إلى الله ﷿ فليس معناه من الله كمعناه من العباد، وكذلك قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد).\nوهذا فيمن قرأها بضم التاء \"بل عَجْبتُ\" أي بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكًا، وتكذيبهم تنزيلي وهم يسخرون، قرأها بذلك قرّاء الكوفة.\nوأما قراء البصرة والمدينة فقرؤوها بالفتح: \"بل عَجِبْتَ\" أي عجبت يا محمد أنت من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث وأنت موقن مصدقٌ بما أخبر الله من الأمر العجيب وهو إعادة الأجسام بعد فنائها، وهم بخلاف حالك يسخرون ويستهزئون، وإذا عاينوا آية واضحة يكذبون ويترددون.\nقال ابن جرير: (فإن قيل: أكان التنزيل بإحداهما أو بكلتيهما؟ قيل التنزيل بكلتيهما. فهل نزل مرتين؟ لا، إنما مرة، ولكنه أُمِرَ - ﷺ - أن يقرأ بالقراءتين).\nثم قال سبحانه: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾. قال قتادة: (أي لا ينتفعون ولا يبصرون).","vol":"6","page":396},{"text":"وقال سعيد بن جبير: (أي إذا ذكر لهم ما حلّ بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾. قال قتادة: (يسخرون منها ويستهزئون).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال القرطبي: (أي إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا هذا سحر وتخييل وخِداع).\nوقوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.\nقال قتادة: (تكذيبًا بالبعث. ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ قال: أي صاغرون).\nفنَعَتَ المشركون من قريش للنبي - ﷺ - أن ما جاء به سحر يبين لمن تأمله ورآه أنه سحر وهم يستسخرون -أي يستدعون السخر من غيرهم ليشاركوهم الهزل- وهم يستغربون أن يبعثوا، فكيف ببعث آبائهم؟ ! فأجابهم الله سبحانه بأن القيامة ستقوم وإن كرهتم، وستحضرون أذلاء على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم بزعمكم.\nوقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال السدي: (هي النفخة). وقال الحسن: (أي صيحة واحدة). فالزجرة -تعني النفخ في الصور- النفخة الثانية.\nوقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾. أي يعاينون ما وعدهم الله من أمر الساعة وكذبوه، فاليوم يأتون ينظر بعضهم إلى بعض وقد حق ما أنكروه. قال القرطبي: (وسميت الصيحة زجرة لأن مقصودها الزجر، أي يزجر بها، كزجر الإبل والخيل عند السَّوق).\nوفي قوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ثلاثة تفاسير يحتملها البيان الإلهي:\nالتفسير الأول: ينظرون إلى بعضهم. قال القرطبي: (﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضهم إلى بعض).\nالتفسير الثاني: قيل: ينتظرون ما يفعل بهم. ذكره بعض المفسرين.\nالتفسير الثالث: يعاينون ما وعدهم الله من أهوال البعث والقيامة أمامهم. ذكره ابن جرير.\nفلما أبصروا ذلك على الحقيقة قالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.\nقال قتادة: (يدين الله فيه العباد بأعمالهم).\nفدعوا على أنفسهم ونادوها بالويل حين علموا ما سيحل بهم وهم واقفون في يوم","vol":"6","page":397},{"text":"الدين -أي يوم الحساب- وقيل يوم الجزاء.\nفأجابهم المؤمنون والملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.\nقال السدي: (يوم يُقضى بين أهل الجنة وأهل النار).\nوقيل: بل هو من قول بعضهم لبعض- أي هذا هو اليوم الذي كذبنا به.\nوقيل: بل هو من قول الله تعالى لهم.\nقلت: ولا شك أن البيان الإلهي يحتمل جميع ما سبق، فهو من قول المؤمنين أو الملائكة أو من قول بعضهم لبعض على وجه الندم، أو من قول الله تعالى لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ حيث يفصل الله بعدله وبقضائه بين خلقه، ويأمر ملائكته الكرام أن يفصلوهم في أرض المحشر، فيفصلوا الكفار عن المؤمنين، فيقول جل ثناؤه لملائكته: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾.\nأي: اجمعوا الذين كفروا بالله في الدنيا وعصوه وأسعروا الحياة بالظلم والطغيان وتحكيم الهوى وإبعاد منهج الله عن القضاء والحكم، هم وأشباههم ممن شاركوهم المكر والكبر في الأرض، وما عبدوا في الدنيا من دون الله، فوجهوهم إلى الباب الذي سيدخلون منه إلى جهنم، وكان في الكلام محذوفًا تقديره: فيقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. وفيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: هو ما روي عن النعمان بن بشير ﵁ قال: (يعني بأزواجهم: أشباههم وأمثالهم). وفي رواية: (ضُرباءهم). وعن ابن عباس: (نظراءهم. وفي رواية: يعني أتباعهم ومن أشبههم من الظلمة).\nالتأويل الثاني: هو ما روي عن ابن زيد: (أزواجهم في الأعمال، وقرأ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠]. قال: فالسابقون زوج، وأصحاب الميمنة زوج، وأصحاب الشمال زوج. قال: كلّ من كان من هذا حشره الله معه، وقرأ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]. قال: زُوِّجَت على الأعمال، لكل واحد من هؤلاء زوج، زوّج الله بعض هؤلاء بعضًا، زوج أصحاب اليمين أصحاب اليمين، وأصحاب المشْأمة أصحابَ المشأمة، والسابقين السابقين. قال: فهذا قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أزواج الأعمال التي زَوّجهنّ الله) ذكره ابن جرير.","vol":"6","page":398},{"text":"ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ في قول الله ﷿: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: (الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة) ذكره القرطبي. وبنحوه عن قتادة: (فيحشر الكافر مع الكافر). حيث حملوا الظلم على الشرك- كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. فاحشروا الذين ظلموا- أي احشروا المشركين وأشياعهم في الشرك.\nالتأويل الثالث: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: نساؤهم المرافقات لهم على الكفر. فقد روي عن مجاهد والحسن: (﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: نساؤهم المرافقات على الكفر).\nالتأويل الرابع: قرناؤهم من الشياطين. قال الضحاك: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: قرناءهم من الشياطين). وقال مقاتل: (يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nأي من الأوثان والشياطين وإبليس وكل ما عُبِدَ من دون الله سبحانه.\nوخلاصة القول: أن الله سبحانه يأمر ملائكته أن يحشروا المشركين به الظالمين بتنحية منهاجه ووحيه عن الحكم، ومن شابههم ووافقهم في القول والعمل من نسائهم وذرياتهم وأشياعهم ومن صرفوا لهم الطاعة من قرنائهم من الشياطين والأوثان والأصنام ومن رضي أن يصرف الناس إليه العبادة من دون الله سبحانه، فيأمر الله بجمعهم ثم توجيههم إلى صراط النار وأبوابها وبئسَ المصير الذي ينتظرهم بما أخلفوا الله عبادته وأشركوا بألوهيته. لذلك قال: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: وجهوهم. وقيل: إن الجحيم الباب الرابع من أبواب النار! . وقيل: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ أي سوقوهم إلى النار. وقيل: أي دلّوهم. يقال: هديته الطريق أو هديته إلى الطريق إذا دللته عليه.\nثم قال سبحانه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾. أي: احبسوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار.\nوفيه تفاسير:\n١ - قيل: يسألهم هل يعجبهم ورود النار. ذكره بعض المفسرين كابن جرير والقرطبي.","vol":"6","page":399},{"text":"٢ - قيل: بل ذلك للسؤال عن أعمالهم. فعن القرظي: ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ قال: عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم). وعن ابن عباس: (عن ظلم الخلق). وعن الضحاك: (﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ عن خطاياهم).\n٣ - وقيل: بل لسؤالهم عما كانوا يعبدون من دون الله. قال ابن عباس: (عن لا إله إلا الله).\n٤ - وقيل: سؤالهم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] إقامة للحجة.\n٥ - وقيل: يساقون إلى النار أولًا ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار.\nقلت: والبيان الإلهي يحتمل كل هذه الآفاق من التأويل.\n٢٥ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريعٌ وتوبيخٌ للمشركين، ووصف الحوار بين الرؤساء وأتباعهم المجرمين، الذين اشتركوا بالمكر والتكذيب وإيذاء المرسلين، ليشتركوا اليوم في العذاب الأليم. ونَعْتٌ للصورة المقابلة صورة المؤمنين المتقين، وما أعدّ الله لهم في جنات النعيم.","vol":"6","page":400},{"text":"فقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾. تقريع وتوبيخ للمشركين.\nقال قتادة: (لا والله لا يتناصرون ولا يدفع بعضهم عن بعض).\nوأصل ﴿تَنَاصَرُونَ﴾ -تتناصرون-. فطرحت إحدى التاءين للتخفيف.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾. أي: أذلاء خاضعون لمصيرهم الشقي.\nقال ابن عباس: (﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ قال: خاضعون ذليلون). وقال قتادة: (﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ في عذاب الله). وقال الحسن: (منقادون). وقال الأخفش: (ملقون بأيديهم). والمعنى واحد مفاده أنهم يعانون الذل اليوم أمام الخلق بعدما عاشوا الكبر في الدنيا وظلم الناس.\nثم قال سبحانه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. وفيه تأويلان:\n١ - قيل: يعني الرؤساء والأتباع يتخاصمون يسأل بعضهم بعضًا ويوبخه في أنه أضله أو فتح له بابًا من المعصية.\n٢ - وقيل: بل هو التخاصم بين الإنس والجن. قال قتادة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، قال: الإنس على الجن). أي: أقبل الإنس على الجن يتساءلون.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾. قال السدي: (تأتوننا من قِبل الحق تزينون لنا الباطل وتصدونا عن الحق). وعن مجاهد: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال: عن الحق، الكفار تقوله للشياطين). وقال قتادة: (قالت الإنس للجن إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين. قال: من قبل الخير فتنهوننا عنه وتبطئوننا عنه).\nفأخزى الله الكافرين الذين صدوا عن سببل الله في الدنيا، واستهزؤوا بالقرآن الذي كشف الله به لهم سبل الشياطين ليجتنبوها، ولكنهم شاركوهم في اتباع الشهوات والكبر والعلو في الأرض، فألزمهم الله موقف الذل في عرصات القيامة، يقولون للجن: لقد كنتم تأتوننا من قِبل الدين والحق وما ظاهره التقوى فتخدعوننا بأقوى الوجوه والسبل. واليمين في كلام العرب: القوة والقدرة على الكلام وإقامة الحجج، فأخزى الله الفريقين وتوعدهم بالعذاب. وهذه الآيات تشبه حوار المستكبرين والمستضعفين وهم يتخاصمون في دركات النار في سورة سبأ:\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ","vol":"6","page":401},{"text":"اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣].\nوكذلك تشبه قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١].\nوكذلك الآيات من سورة غافر: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨].\nوهنا قال في سورة الصافات يصف تخاصمهم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقولون كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء فأقنعتمونا بالكفر).\nفكنّى عن القوة والقدرة باليمين، لأن اليد اليمنى تستعمل عادة أكثر، فهي أقوى غالبًا، فكنى بها سبحانه عن الهيمنة للسادة على العامة، فجاؤهم بالقوة والإجبار لتحبيذ الكفر لديهم على الإيمان، فاستخفوهم فأطاعوهم، فاليوم يندمون حيث لا فائدة من الندم.\nوفي قائل ذلك ثلاثة تفاسير:\nالتفسير الأول: هو قول الكفار للشياطين- كما قال مجاهد.\nالتفسير الثاني: هو قول الإنس للجن- كما قال قتادة.\nالتفسير الثالث: هو من قول الأتباع للمتبوعين- كما روي عن ابن عباس.\nوفي كلمة اليمين تفاسير أيضًا:\nالتفسير الأول: أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها- قاله قتادة.\nالتفسير الثاني: أي تأتونا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح. فالعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح.","vol":"6","page":402},{"text":"التفسير الثالث: أي تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدقناه. فاليمين عندئذ بمعنى الحلف.\nالتفسير الرابع: أي تأتوننا من قبل الدِّين فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها.\nقال القرطبي: (وهذا القول حسن جدًّا، لأن من جهة الدين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدين، أي كنتم تزينون لنا الضلالة).\nالتفسير الخامس: اليمين بمعنى القوة. أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر. كما قال جل ثناؤه: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي بالقوة، وقوة الرجل عادة في يمينه.\nوكقول الشاعر:\nإذا ما راية رُفِعَت لمجد ... تلقاها عَرابَةُ باليمين\nأي بالقدرة والقوة. وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس.\nالتفسير السادس: أي تأتوننا من قبل الحق أنه معكم- قاله مجاهد.\nوكلها معان متقاربة مفادها أن الله سبحانه سيخزي أهل الباطل جنّهم وإنسيّهم على اختلاف مللهم ونحلهم، ويذيقهم الندامة وهم يختصمون في دركات النار، كل يلقي اللوم على الآخر في المصير الذي آل إليه.\nثم قال جل ثناؤه يصف جواب المتبوعين المتكبرين: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾.\nوفيه تفسيران:\n١ - هو من قول الجن لمن تبعهم من الإنس.\nقال قتادة: (قالت لهم الجن ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ حتى بلغ ﴿قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ الآية. قال هذا قول الجن).\nوقال ابن جرير: (قالت الجن للإنس مجيبة لهم: بل لم تكونوا بتوحيد الله مقرين وكنتم للأصنام عابدين، وما كان لنا عليكم من حجة فنصدكم بها عن الإيمان ونحول بينكم من أجلها وبين اتباع الحق، بل كنتم أيها المشركون قومًا طاغين على الله متعدين إلى ما ليس لكم التعدّي إليه من معصية الله وخلاف أمره).\nوقوله: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾. قال السدي: (كفار ضلال).","vol":"6","page":403},{"text":"٢ - قيل هو من قول الرؤساء لأتباعهم يتبرؤون منهم ومن أعمالهم لما عاينوا الأهوال يوم القيامة.\nقال ابن كثير: (قالوا -أي المستكبرون- ليس الأمر كذلك بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر، وما كان لنا سلطان وحجة فيما دعوناكم إليه بل كنتم متجاوزين عن الحق طاغين، ولهذا استجبتم لنا فتركتم الحق وخالفتم الرسل).\nوأما قوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾.\nفهو من قول الرؤساء والمتبوعين أيضًا. أي وجب علينا وعليكم قول ربنا وما كتب علينا من العذاب وأخبر عنه الرسل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. أي استسلموا للقدر الكوني بعدما فاتهم مدافعة القدر بالقدر، وبعدما أفسدوا على أنفسهم مصيرها، واستهزؤوا بالقدر الشرعي وإمكانية اختيار الحياة الأفضل لهم في الدنيا والآخرة، فإذا بالحياة الدنيا قد انقضت، وإذا بهم أمام القدر الكوني الذي ينتظرهم، فقد ولّى زمن الاختيار، وحقّ اليوم ما كتب الله عليهم كتابة علم وحكمة وعدل، فهو الذي خلقهم ويعلم ما توسوس به نفوسهم.\nأخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي] (١).\nوأصله في صحيح الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا، ولهذه أهلًا] (٢).\nوقوله: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر بالوسوسة والاستدعاء).\nثم قال سبحانه خبرًا عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٨٦)، والحاكم (١/ ٣١). وانظر السلسلة الصحيحة (٤٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٥٥) - كتاب القدر-. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٥٥). وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٢١٣) - لتفصيل البحث.","vol":"6","page":404},{"text":"فأخبر سبحانه عن اشتراكهم معًا في لهب وعذاب جهنم، الضال والمضل منهم، فهذا جزاء المشركين المجرمين، فقد كبر جُرمًا أن يستكبروا على \"لا إله إلا الله\" ويعبدوا من دونه سبحانه تافهًا لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا. وفي الكلام محذوف تقديره إذا قيل لهم (قولوا) لا إله إلا الله يستكبرون. وينسبون الشعر والجنون إلى النبي - ﷺ -. فعن السدي في قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قال: (يعني المشركين خاصة). وعن قتادة: (﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يعنون محمدًا - ﷺ -).\nيروي ابن سعد في الطبقات: (أن وفدًا من زعماء قريش قدموا إلى أبي طالب ليلتمسوا إليه أن يكف ابن أخيه، فاستدعاه وقال له: يا ابن أخي، هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا أن ينصفوك. فقال رسول الله - ﷺ -: قولوا أسمع. قالوا: تدعنا وآلهتنا وندعك وآلهتك. قال أبو طالب: قد أنصفك القوم فاقبل منهم. فقال رسول الله - ﷺ -: أرأيتم إن أعطيتكم هذه هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم المعجم. فقال أبو جهل: إن هذه كلمة مربحة. أَنْعِمْ وأبيك لنقولنها وعشر أمثالها. فقال الرسول - ﷺ -: قولوا لا إله إلا الله. فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون: اصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد).\nلقد علم القوم أن لا إله إلا الله تُعَرِّيهم وتكشف في حياتهم الظلم والبغي والاستكبار.\nلقد أدرك القوم أن لا إله إلا الله تحول بينهم وبين استعباد الناس بالقهر والإجبار.\nلقد أيقن القوم أن لا إله إلا الله تمنعهم من إطلاق شهواتهم وتهددها بالدمار.\nلقد فطن القوم أن لا إله إلا الله تكشف المال الحرام الذي عمروا به قصورهم بالكذب والاستهتار.\nفتواصوا فيما بينهم بالصبر على الآلهة المزيفة، ظنًا منهم أنها تمنعهم وتحمي الأموال الحرام التي أكلوها، أو تغطي على الدماء الحرام التي سفكوها.\nففضحهم الله وأخزاهم وانتصر لنبيّه من بينهم، فقال سبحانه:\n﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.","vol":"6","page":405},{"text":"وعن قتادة: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي صدّق من كان قبله من المرسلين).\nقال الحافظ ابن كثير: (يعني ليس شاعرًا ولا مجنونًا، بل جاء بالحق الذي أرسلته به وصدق المرسلين الذين أخبروا بصفاته الحميدة ودينه القويم في كتبهم، فكانت حاله كما أخبروا عنه من الصدق والأمانة والصراط المستقيم في المنهج والدعوة إلى الله).\nوخلاصة القول: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ يعني القرآن والتوحيد. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في منهاجهم. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ والأصل: لذائقون حذفت النون للإضافة-. ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: بما كسبتم واجترحتم من الشرك وعبادة غير الله الأحد.\nثم قال سبحانه استثناء ممن يذوق العذاب: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.\nقال قتادة: (هذه ثنية الله). وقال ابن جرير: (إلا عباد الله الذين أخلصهم يوم خلقهم لرحمته وكتب لهم السعادة في أم الكتاب، فإنهم لا يذوقون العذاب لأنهم أهل طاعة الله وأهل الإيمان به).\nفهؤلاء لا يناقشون الحساب، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.\nوقد قرأها قراء المدينة والكوفة بفتح اللام: ﴿المُخلَصِينَ﴾ يعني: من أخلصهم لطاعته سبحانه ولحراسة دينه والقيام بأمره، في حين قرأها الباقون بكسر اللام أي المخلِصين لله في العبادة. وقيل هو استثناء منقطع، أي يذوق المجرمون العذاب لكن المخلصين لا يذوقون. بل لهم نعيم ورزق وصفه الله بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾. قال قتادة: (في الجنة). وقال مقاتل: (حين يشتهونه). وقيل: يعني رزق الجنة. وقيل: هي الفواكه التي جاء ذكرها تفسيرًا للرزق بقوله: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾.\nو﴿فَوَاكِهُ﴾: جمع فاكهة، كما قال جل ذكره: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢].\nوالفاكهة: هي الثمار رطبها ويابسها، ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ بذلك متنعمون بالمراتب العالية التي نالوها، وبالدرجات الرفيعة التي بلغوها، وبسماع كلام الله ولقائه والنظر إلى وجهه جل ثناؤه- كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].","vol":"6","page":406},{"text":"وقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. أي يخدمون ويرفهون وينعمون، وهم على سرر متقابلين مقابلة. قال مجاهد: (لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلًا وتحاببًا). وقال ابن عباس: (على سرر مكللة بالدّر والياقوت والزبرجد، السرير ما بين صَنعاء إلى الجابية، وما بين عدن إلى أيلة). وقيل: (الأسرّة تدور كيف شاؤوا فلا يرى أحد قفا أحد).\nثم قال سبحانه: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.\nقال قتادة: (كأس من خمر جارية، والمعين: هي الجارية).\nوقال الضحاك: (كلّ كأس في القرآن فهو خمر).\nوالكأس في لغة العرب: هو كل إناء فيه شراب فإن كان فارغًا سمي إناءً وليس بكأس. قال السدي: (كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا إناء وقدح).\nوالمعين في لغة العرب: الماء الجاري الظاهر. ومنه قال الزجاج: (﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض).\nوقوله: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. فلتأنيث الكأس أنثت البيضاء.\nقال الحسن: (خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن). فبيضاء صفة للكأس، ولذة: قيل هو مصدر جعل اسمًا -أي بيضاء لذيدة-. كما يقال شراب لدٌّ ولذيذ. وقيل: أي ذات لذة فحذف المضاف. قال ابن جرير: (يقول: هذه الخمر لذة يلتذها شاربوها).\nثم وصفها بتميزها من خمر الدنيا الذي يؤذي العقل ويسخط الرب سبحانه.\nفقال: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. أي: لا تغتال عقولهم. وفيه تفاسير:\nالتفسير الأول: (الغول: هو الصداع). قال ابن عباس: (يقول: ليس فيها صداع).\nوكذلك قال الحسن: (صداع).\nالتفسير الثاني: (الغول: وجع البطن). قال قتادة: (الغول وجع البطن).\nوقال مجاهد: (لا فيها وجع بطن). وهو رواية عن ابن عباس أيضًا: (هي الخمر ليس فيها وجع بطن). وفي رواية أخرى عنه قال: (في الخمر أربعُ خصال: السكر والصداع والقيء والبول، فلما ذكر خمر الجنة نزهها عن هذه الخصال).\nفليس في خمر أهل الجنة أذى تتشكّى منه بطونهم.","vol":"6","page":407},{"text":"التفسير الثالث: أي لا تغول عقولهم، أي لا تذهب بها كخمور الدنيا. كما قال القائل:\nوما زالت الكأس تغتالنا ... وتذهب بالأولِ الأول\nأي تصرع واحدًا واحدًا. فالعرب تقول غاله الشيء واغتاله إذا أخذه من حيث لم يَدْر. قال بعض أهل اللغة: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي ليس فيها (غائلةُ) الصداع. لأنه قال في موضع آخر: (﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾. وقال أبو عبيدة: (الغَوْل أن تغتال عقولهم). وقال آخر: الغضب غُولُ الحلم لأنه يغتالُه ويذهب به. واغتاله: قتلهُ غيلة. ومنه قول السدي: (﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾: لا تغتال عقولهم). وقال الشعبي: (لا تغتال عقولهم فتذهب بها).\nالتفسير الرابع: أنَّها داء. فعن مجاهد: (﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: داء). أي: لا يمرضون.\nالتفسير الخامس: أنَّها مغص. قاله ابن كيسان.\nالتفسير السادس: أنَّها إثم. قال الكلبي: (﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي إثم، نظيره ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣].\nالتفسير السابع: الغول هو المكروه والأذى. أي ما فيها ما يؤذيهم من مكروه، فإن العرب تقول لمن أصابه مكروه أو داهية عظيمة غالَ فلانًا غولٌ.\nوعن سعيد بن جبير: (في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: أذى ولا مكروه).\nالتفسير الثامن: الغول فساد يلحق في خفاء. قال بعض أهل المعاني: (يقال: اغتاله اغتيالًا إذا أفسد عليه أمره في خفية. ومنه الغول والغيلة وهو القتل خفية).\nوخلاصة المعنى عندي: بأن الخمر التي اختص الله بها أهل الجَنَّة تكريمًا لهم لَمَّا اجتنبوا خمر الدنيا الذي حرّمه عليهم وما فيه من فساد لأجسامهم وعقولهم وأموالهم ودينهم هو خمر خفصه الله من أن يكون فيه أي نوع من أنواع الإفساد: من صداع ووجع بطن ومغص وداء أو مرض أو مكروه أو ذهاب بالعقل أو فساد خفي أو إثم وغير ذلك.\nوإليه ذهب ابن جرير ﵀ حيث قال: (وكلها متضمنة بالمعنى أي لا أذى فيها ولا مكروه على شاربيها في جسم ولا عقل ولا غير ذلك). وبنحوه قال ابن كثير رحمه","vol":"6","page":408},{"text":"الله: (ليس فيها سكر ولا صداع ولا قيء ولا بول، وهذه الخصال المجموعة هي الغول).\nثم وصفها سبحانه بقوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. وفيها قراءتان وتأويلان:\nالقراءة الأولى: هي قراءة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين بفتح الزاي: ﴿يُنْزَفُونَ﴾.\nومنه فالتأويل الأول: أي ولا هم عن شربها تُنْزَفُ عقولهم. فعن ابن عباس: (﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ قال: لا تُنْزَف فتذهب عقولهم). وقال ابن زيد: (لا تُنْزِفُ العقول).\nوقال قتادة: (لا تغلبهم على عقولهم). وقال مجاهد: (لا تذهب عقولهم) أي لا يسكرون.\nالقراءة الثانية: وهي قراءة عامة قراء الكوفة: \"يُنْزِفون\" بكسر الزاي. أي فيكون: التأويل الثاني: ولا هم عن شربها يَنْفَدُ شرابهم. وفي لغة العرب يقال: أنَّزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره. فالمعنى: أنَّهم من الشراب لا ينفدون.\nقال القرطبي ﵀: (ومعنى \"ينزِفون\" الصحيح فيه أن يمال: أنَّزف الرجل إذا نفد شرابه، وهو يبعد أن يوصف به شراب الجَنَّة، ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبدًا).\nوكلا القراءتين مشهورة، ومن ثمّ فكلا التأويلين سالك قائم.\nفقد وصف الله شراب أهل الجَنَّة في سورة محمد بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥].\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند صحيح عن معاوية بن حيدة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن في الجَنَّة بحرَ الماء، وبحرَ العسل، وبحرَ اللبن، وبحرَ الخمر، ثم تشقّق الأنهار بعد] (١).\nفهو خمر لذة للشاربين، يتدفق من بحر الخمر الذي لا ينفد، وطعمه منزه أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٧١) من حديث معاوية بن حيدة. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٧٨). ورواه أحمد بإسناد صحيح. انظر تخريج المشكاة (٥٦٥٠)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٧٦) لتفصيل البحث.","vol":"6","page":409},{"text":"يلحق به أذى في أجسام وعقول المؤمنين تكرمة الله لهم.\nقال ابن القيم: (نفى الله عن خمر الجَنَّة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والإنزاف وعدم اللذة).\nثم تابع سبحانه وصف نعيم أهل الجَنَّة فقال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.\nوفي قوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ تفاسير:\nالتفسير الأول: أي نساء قد قصرن النظر إلى أزواجهن لا ينظرن لغيرهم. قال ابن عباس: (أي نساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم). وقال السدي: (قصرن أبصارهن وقلوبهن على أزواجهن فلا يُردن غيرهم). وقال ابن زيد: (لا ينظرن إلا إلى أزواجهن قد قَصَرْنَ أطرافهن على أزواجهن ليس كما يكون نساء أهل الدنيا).\nواختاره ابن جرير وقال: (وعند هؤلاء المخلَصين من عباد الله في الجَنَّة قاصرات الطرف، وهُن النساء اللواتي قَصَرْن أطرافهن على بعولتهن ولا يُردن غيرهم ولا يمدُدن أبصارهن إلى غيرهن). وقال ابن كثير: (أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن).\nالتفسير الثاني: قاصرات الطرف أي محبوسات على أزواجهن. وهو تفسير يناسب قوله: \"مقصورات\" أكثر. وقد روي هذا المعنى عن عكرمة قال: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي محبوسات على أزواجهن). فإن قاصرات مأخوذ من قولهم قد اقتصر فلان على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره.\nالتفسير الثالث: قاصرات الطرف أي لا يَغَرْن - قاله مجاهد.\nوخلاصة القول: أنَّهم نساء اصطفاهن الله زوجات كريمات للمؤمنين، اختص بكل مؤمن مجموعة منهن لا يغادرنه إلى غيره، ولا ينظرن إلى سواه، ولا يعشقن ويتودّدن إلا إليه، ولا يغرن بين بعضهن، فهن مصروفات إليه وحده تكرمة الله لأهل الإيمان والجهاد والإحسان.\nوأما قوله: ﴿عِينٌ﴾ أي عظام العيون، واحدتها عيناء. وفيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: (العين: جمع عيناء). والعيناء المرأة الواسعة العين عظيمتها، وهي أحسن ما تكون من العيون.","vol":"6","page":410},{"text":"قال ابن زيد: (العيناء: العظيمة العين). وقال السدي: (عين: عظام العيون، الواحدة عيناء).\nوقال ابن جرير: (يعني بالعين النُّجْلَ العيون عظامها). وقال النسفي: (﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء أي نجلاء واسعة العين).\nالتأويل الثاني: (العين: الحسان العيون). فعن مجاهد: (﴿عِينٌ﴾: حسان العيون).\nالتأويل الثالث: (العين: شديدات بياض العين شديدات سوادها). قال الحسن: (الشديدات بياض العين الشديدات سوادها).\nوالتأويل الأول والثاني أقرب لمعنى اللغة. يقال: رجل أعين إذا كان واسع العين بين العين، والجمع عِين. واختاره القرطبي وقال: (وأصله فعْلٌ بالضم فكسرت العين، لئلا تنقلب الياء واوًا. ومنه قيل لبقر الوحش عين والثور أعيق والبقرة عيناء). وقال الحافظ ابن كثير: (﴿عِينٌ﴾: أي حسان الأعين جميلات المظهر عفيفات تقيات نقيات).\nثم قال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. أي مصون. وفيه تفاسير:\nالتفسير الأول: قيل شبههن ببطن البيض تحت القشر لشدة بياضه، وذلك أنه لم يمسّه شيء.\nفعن السدي: (﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: البيض حين يُقْشَر قبل أن تمسَّه الأيدي).\nوعن ابن عباس: (شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسّه الأيدي).\nوقال عطاء: (شبهن بالسِّحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض).\nقال الجوهوي: (وسَحَاة كل شيء قشرة والجمع سَخام. وقال ابن جرير: (هو القشر الرقيق الذي على البيضة بين ذلك). وقال ابن كثير: (وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان، وقد شبههن بالبيض المكنون كيف أن البيضة المكنونة بالقشرة الخارجية لم تمسَّها يد، فهن كذلك من حيث أنهن لم يمسهن أحد، وبياضهن دقيق كرقة البيضة من الداخل بيضاء شفافة). قال القرطبي: (والعرب تشبه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها).\nالتفسير الثاني: قيل بل شبهن بالبيض الذي يحضنه الطائر وهو إلى الصفرة أميل، فشبه بياضهن في الصفرة بذلك.","vol":"6","page":411},{"text":"قال ابن زيد: (﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: البيض الذي يكنه الريش، مثل بيض النعام الذي قد أكنه الريش من الريح، فهو أبيض إلى الصُّفرة فكأنه يَبْرُقُ فذلك المكنون).\nوقال الحسن: (شبهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة، وهو أحسن ألوان النساء).\nوتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة: كأنه بيض النعام المغطّى بالريش. قال النسفي: (﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ مصون، شبههن ببيض النعام المكنون في الصفاء، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور).\nوقال القاسمي ﵀: (أي بيض نعام في الصفاء، مستور لم يركب عليه غبار.\nثم ذكر قول الشهاب حيث قال: وهذا على عادة العرب في تشبيه النساء بها. وخصت ببيض النعام لصفائه وكونه أحسن منظرًا من سائره. ولأنها تَبِيض في الفلاة وَتُبْعِد بيضها عن أن يمس. ولذا قالت العرب للنساء \"بيضات الخدور\"، ولأن بياضه يشوبه قليل صفرة مع لمعان، كما في الدُّر، وهو لون محمود جدًّا. إذ البياض الصرف غير محمود. وإنما يحمد إذا شابه قليلُ حمرة في الرجال، وصفرة في النساء) انتهى.\nالتفسير الثالث: قيل عني بالبياض هنا: اللؤلؤ، وبه شبههن في بياضه وصفائه.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يقول: اللؤلؤ المكنون). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾. أي في أصدافه. كقول القائل:\nوهي بيضاء مِثلُ لؤلؤة الغوَّ ... اص مِيزَتْ من جَوْهر مكنون\nالتفسير الرابع: قيل المكنون المصون عن الكسر، أي إنهن عذارى.\nالتفسير الخامس: قيل أي رقتهن كرقة الجلدة التي رأسها في داخل البيضة التي تلي القشرة. وتسمى في اللغة \"الغِرقِئ\".\nواختار ابن جرير التفسير الأول. أي: شبهن بياض البيض داخل القشر (الجلدة المُلبَسَة المُحّ) قبل أن تمسه يد. قال: (وذلك لا شك هو المكنون، فأما القشرة العليا فالطائر يمسها والأيدي تباشرها والعُشّ يلقاها، والعرب تقولى لكل مَصُون مكنون سواء كان لؤلؤًا أم بيضًا أم مَتاعًا. قال: وتقول لكل شيء أضمرته الصدور: أكنّته فهو مُكنٌّ).\nقلت: وخلاصة المعنى عندي أن الله سبحانه قد خَبَّأ للمؤمنين في الجَنَّة زوجات هن","vol":"6","page":412},{"text":"خلاصة في البياض الفاتن الجذّاب، وغاية في الرقة والحسن: كرقة جلدة البيض الداخلية، وكحسن وصفاء البيض داخل القشرة، وكبيض النعام المغطّى بالريش وكاللؤلؤ في أصدافه، عذارى لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، وزوّدهن بأسباب الفتنة والرقة والجمال تكرمة الله لأهل الإيمان.\n٥٠ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يخبر سبحانه عن بعض حديث أهل الجَنَّة وهم يتذكرون حوادث الدنيا التي صمدوا لها وعاكسوا أهواء الشياطين وأهل الهوى فيها، وهو جلوس اليوم على السرر يتنادمون ويتسامرون على شرابهم وطعامهم وفي اجتماعاتهم ولقاءاتهم ومجالسهم، والخدم يحيط بهم من كل جانب يتسابقون لخدمتهم وتوفير أطيب الطعام لهم وألذ الشراب وأجمل اللباس والرفاه والنعيم. فقال قائل منهم: إني كان لي صاحب بقي على الكفر وكان يقول - للمؤمن - مستبعدًا: أأنت تصدق بالبعث بعد الفناء، وبالحساب بعد انعدام البقاء، وقد صارت الأجساد عظامًا ورفاتًا! فاطلع المؤمن من مجلسه في الجَنَّة فاأصره الله مقعد صاحبه في جهنم، فحمد الله قائلًا له: والله إنك","vol":"6","page":413},{"text":"كدت تهلكني لو أطعتك، ومضيت في سبيلك، ولكن الله مَنَّ علي بصحبة أهل الإيمان، ومخالفتك والتصديق بالحق وتعظيم الله والخوف من لقائه، ولولا ذلك لكنت محضرًا معك، فاليوم لا موت بل خلود في دار الكرامة، ولا عذاب فهو النعيم المقيم، وهو الفوز العظيم.\nفلمثل هذا الذي أعطى الله المؤمنين - من الكرامة في الآخرة - ليعمل العاملون، ليدركوا هذا بطاعة ربهم. لكن هل يقارن هذا الفضل بشجرة الزقوم طعام أهل النار، أنبتها الله في النار التي تحرق الخشب تحديًا لهم ومخالفة لعقولهم التي لم تدرك عظمة الله الذي يخلق ما يشاء، فكانت بذلك فتنة لهم أن كذبوا الرسل وعاندوا القدر. ثم إنها شجرة قبيحة ثمارها كرؤوس الشياطين في القبح ولا بد لهم من أكلها ليشبعوا منها داء وسمًّا ورجسًا وقيحًا وصديدًا.\nثم إنهم لشاربون على هذا الزقوم شرب الحميم ليهضموها، ثم هم باقون في عناء وعذاب في نار جهنم، فمرجعهم دومًا إليها بعد الطعام وقبله، فلقد مضوا في حياتهم معظمين سيرة الآباء وما فيها من كبر وحب للرياسة والظلم، فساروا على منهاجهم وكذبوا بالحق الذي أكرمهم الله به على لسان المرسلين، ولقد كان لهم فيما مضى من الأمم عبرة لمن شاء منهم أن يَذكَرَ أو أراد شكورًا، أن دمرهم الله يوم كذبوا الرسل المنذرين، فهلا نظروا واعتبروا إلامَ صار أمر من قبلهم، وما الذي أعقبهم كفرهم بالله ومنهاج رسله، ولكن الله نجَّى المخلصين الذين اتبعوا المرسلين. فإلى تفصيل ذلك:\nفعن قتادة: (﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال: أهل الجَنَّة).\nقال القرطبي: (أي يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا. وهو من تمام الأنس في الجَنَّة. وهو معطوف على معنى ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾. المعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشراب). وقال ابن كثير: (أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن أحوالهم وكيف كانوا في الدنيا وما إذا كانوا يعانون فيها، وذلك من حديثهم على شوابهم واجتماعهم في تنادمهم ومعاشرتهم في مجالسهم وهو جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم يسعون ويجيئون بكل خير عظيم من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).\nوقد جيء به ماضيًا كما عودنا الله سبحانه في إخباره، فإن ذلك سيكون يومًا ماضيًا قد تحقق.","vol":"6","page":414},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾. في مفهوم القرين أكثر من معنى:\n١ - القرين شيطان. قال مجاهد: (﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾، قال: شيطان). أي قرينه من الشيطان كان يوسوس له بإنكار البعث.\n٢ - قرين: أي صديق ملازم أو شريك له من بني آدم.\nفعن ابن عباس: (هو الرجل المشرك يكون له الصاحب في الدنيا من أهل الإيمان، فيقول له المشرك: إنك لتصدِّق بأنك مبعوث من بعد الموت أئذا كنا ترابًا؟ فلما أن صاروا إلى الآخرة وأدخل المؤمن الجَنَّة وأدخل المشرك النار، فاطلع المؤمن فرأى صاحبه في سواء الجحيم:). ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾\nقلت: والمعنى الثاني أرجح، لأن الشيطان يمكن أن يوسوس لكل واحد بإنكار البعث - فلا خصوصية للحدث هنا - والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾. من التصديق وليس من التصدّق.\nقد قرأها عامة القراء بتخفيف الصاد، لكن روي عن حمزة قراءتها بتشديد الصاد \"المُصَّدِّقين\" أي أئنك لمن المتصدقين بالمال طلبًا لثواب الآخرة.\nوالقراءة الأولى أشهر وأرجح، إذ لا معنى للصدقة هنا، لقوله تعالى بعدها: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أئنا لمجازون بالعمل كما تدين تُدان). أي هل نحن مجزيون محاسبون بعد الموت؟ أتصدق هذا؟\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾. في تحديد قائله تفاسير:\nالتفسير الأول: هو من قول الله تعالى لأهل الجَنَّة.\nالتفسير الثاني: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجَنَّة، هل أنتم مطلعون إلى النار لنظر حال ذلك القرين؟ !\nالتفسير الثالث: هو من قول الملائكة.\nوالراجح التفسير الثاني أنه من قول القائل هل أنتم مطلعون إلى النار من كوى الجَنَّة ومطالّها لأريكم ذاك القرين بين أهل النار.\nرُوي عن كعب الأحبار: (إن في الجَنَّة كُوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها فازداد شكرًا).","vol":"6","page":415},{"text":"وفي الكلام محذوف تقديره - قالوا: نعم -.\nوقوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال ابن عباس: (يعني في وسط الجحيم). وقال مطرف بن عبد الله: (والله لولا أنه عُرِّفَه ما عرفه، لقد غيرت النار حِبْرَه وسِبْرَه) - أي لونه وهيئته.\nوطَلَع وأطْلَعَ واطّلَع بمعنى واحد. وفي كلام العرب: تعبت حتى انقطع سوائي أي وسطي.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾. قال السدي: (لتهلكني). والردى: الهلاك. وقيل: لتوقعني في النار.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال قتادة: (أي في عذاب الله).\nيَعني: ولولا نعمة الله علي بالهداية والتوفيق والتثبيت على الإيمان لكنت محضرًا معك في العذاب.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ - فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: هو من قول المؤمن على جهة الحديث بنعمة الله، بأنهم لا يموتون ولا يعذبون، أي هذه حالنا وصفتنا لا موت بل نعيم دائم مقيم.\nالتفسير الثاني: هو من قيل أهل الجَنَّة للملائكة حين يُذبح الموت. ويقال: يا أهل الجَنَّة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.\nفعن قتادة: (قوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قال: هذا قول أهل الجَنَّة).\nالتفسير الثالث: هو من قول المؤمن توبيخًا للكافر الذي أنكر البعث وليس عنده إلا الموت في الدنيا.\nالتفسير الرابع: قيل الهمزة في ﴿أَفَمَا﴾ للاستفهام، دخلت على فاء العطف والمعطوف محذوف، فيكون المعنى: أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين ولا معذبين.\nقلت: وكلها تفاسير متقاربة، وإن كان السياق يدل على استمرار حديث المؤمن الذي أشار بعدها إلى غاية فرحه وفوزه إذ نجّاه الله من متابعة قرين السوء وصاحب","vol":"6","page":416},{"text":"الهوى والدنيا، فآثر الآخرة على الملذات الفانية، فاليوم يقول: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أنَّه من قول المؤمن، وهو مناسب للسياق، لما رأى ما أعدَّ الله له في الجَنَّة فقال: لمثل هذا النعيم والفوز والفضل والعطاء ليعمل العاملون في الدنيا ليصيروا إليه في الآخرة.\nالتأويل الثاني: قيل هو من قول الملائكة.\nالتأويل الثالث: قيل بل هو من قول الله ﷿ لأهل الدنيا، أي: قد سمعتم عن كرامة المؤمنين في الجَنَّة وما يلقونه من الحفاوة والتكريم والتلذذ بالخيرات والنساء وألوان الطعام والشراب والثياب، فليعمل عامل أراد وأحب مثل هذا المصير يوم القيامة.\nقلت: وكلها معان يحتملها البيان الإلهي وهي من جنس اختلاف التنوع لا التضاد، مفادها أن الفوز العظيم في الجَنَّة لمن استقام على الحق ودافع عنه، ومضى على منهاج النبوة معظمًا الوحي والحق وداعيًا إليه.\nوقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾.\nقال بعض أهل اللغة: النُّزْل: ما يُهَيَّأُ للنزيل، والجمع أنْزال. والنُّزُلُ والنُّزل لغتان، والمعنى هنا: الفضل والضيافة والعطاء. وفي التنزيل: ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧].\nقال الأخفش: (هو من نزول الناس بعضهم على بعض. يقال: ما وَجْدَنا عندكم نُزُلا).\nوقال النحاس: (والنُّزُل في اللغة الرزق الذي له سعة). ويقال: أقيم للقوم نُزُلهم.\nوأصله الغِذاء الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه.\nوقوله: ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾. قال القرطبي: (وشجرة الزقوم مشتقة من التزقم وهو البلع على جهد لكراهتها ونَتْنِها).\nوالمعنى: فهل نعيم الجَنَّة وما فيها من ملاذ الطعام والشراب خيرٌ ضيافة ورزقًا واستقبالًا وعطاء أم شجرة الزقوم طعام أهل النار؟ !","vol":"6","page":417},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.\nقال قتادة: (لما ذكر شجرة الزقوم افتتن الظلمة فقالوا ينبئكم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله ما تسمعون: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ غذيت بالنار ومنها خلقت). قال ابن كثير: (ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارًا نختبر به الناس مَن يصدق منهم ممن يكذب).\nوعن السَّدي، قال: (قال أبو جهل لما نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ قال: تعرفونها في كلام العرب أنا آتيكم بها، فدعا جارية فقال: ائتيني بتمر وزُبْد، فقال: دونكم تَزَقَّموا، فهذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد، فأنزل الله تفسيرها: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾. قال: لأبي جهل وأصحابه).\nأي: سيتزقم أبو جهل الزقوم مزيجًا بالحميم والصديد كما كان يتزقم التمر بالزبد في الدنيا.\nوعن مجاهد: (﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ قال: قول أبي جهل إنما الزقزم التمر والزبد أتزقَّمه).\nفجعلها سبحانه فتنة للمشركين لما استبعدوا الأمر بعقولهم فقالوا: كيف يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر، وذلك كما استبعدوا قبل ذلك قبول خلق الأغلال والقيود والحيات والعقارب وخزنة النار في جهنم، فحمل هذا الاستبعاد من جاء بعدهم من أهل الرأي والفلسفة والتحاكم للعقل فوق الوحي أن صرفوا الجَنَّة والنار إلى نعيم أو عقاب تتخلله الأرواح، وَزَوَّرُوا حقائق الغيب لتتلاءم وقصر عقولهم وضيق نفوسهم وآفاقهم، مشككين فيما أجمعت عليه الأمة الذي لا يجوز تأويله بل التسليم للوحي فيه.\nوقيل بل المعنى بقوله: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ أي عقوبة لهم على ما كذبوا وعاندوا، كقوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ [الذاريات: ١٤]. فنسأل الله الثبات على الإيمان بالغيب وتعظيم الوحي، وأن ينوِّر عقولنا سبحانه بنور هذا الوحي حتى يصدر عنها الفهم المنير المستقيم الذي لا يختلط بالأقيسة العقلية الفاسدة أو الحيل الشيطانية المختلفة، والله الموفق.\nوالخلاصة: أنَّها - أي شجرة الزقوم - شجرة تخرج في قعر جهنم ثم تتفرع فيها، ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ - أي ثمرها شبه في قبحه برؤوس الشياطين.","vol":"6","page":418},{"text":"وهو تبشيع لها وتكريه لذكرها وتمثيل لقبحها. وقد سمي الطلع طلعًا لطلوعه، ثم إن نسبها في القبح لأعيان الشياطين وتشبيه طلعها برؤوسهم التي استقر قبحها في النفوس - وإن كان غير مرئي - هو أبلغ في بيان حقيقتها المؤذية.\nوقد صار مثلًا في حياة الناس قولهم لكل قبيح هو كصورة الشيطان، كما يصفون كل صورة جميلة حسنة بصورة الملك - كقول صواحب يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١].\nقال ابن جرير: (كان طلع هذه الشجرة يعني شجرة الزقوم في قبحه وسماجته رؤوس الشياطين في قبحها).\nقلت: ولهذا التشبيه التخييلي في نفوس الناس أصل إذا علم أن من الشياطين من هو في صورة الحيات والأفاعي والكلاب، فيستقر بذلك في النفوس القبح والخبث.\nفقد أخرج الطبراني في معجمه \"الكبير\"، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في \"الأسماء\" بسند صحيح عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿الجِنُّ ثلاثة أصناف: فصِنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصِنْفٌ حيات وكِلاب، وصِنْفٌ يحِلُّون ويظعنون] (١).\nوكذلك أخرج الطبراني في \"الكبير\"، وابن حبان في صحيحه، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [الحيَّات مَسْخٌ الجِنِّ صورة، كما مُسِخَت القردةُ والخنازير من بني إسرائيل] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾.\nهو كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦، ٧]. فلا بد لهم من أكلها إذ لا طعام غيره، وبه ستمتلئ بطون الكفار في النار.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند صحيح عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لو أن قطرةً من الزقوم قطرت في دار الدنيا\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الطبراني والحاكم والبيهقي من حديث أبي ثعلبة الخشني. انظر تخريج المشكاة (٤١٤٨)، وصحيح الجامع (٣١٠٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (١٠٨٠)، والطبراني في \"الكبير\" (١١٩٤٦)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٨٢٤).","vol":"6","page":419},{"text":"لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه] (١).\nوفي رواية: [أن رسول الله - ﷺ - تلا هذه الآية وقال: اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. أي: بعد أكلهم من تلك الشجرة، يسقون من ماء حميم يقطع أمعاءهم. والشَّوْب لغة: الخلط والمزج، والعرب تقول: شاب فلان طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبًا وشيابة، وأصل الحميم الماء المحموم الذي أسخن فانتهى حرّه، وأصله على وزن مفعول فصرف إلى فعيل. وفي ذلك تفاسير:\nالتفسير الأول: أنَّه شراب حار يشربونه بعد طعامهم. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ قال: يقول: لمزجًا، يعني شرب الحميم على الزقوم).\nالتفسير الثاني: هو أنه يمزج لهم الزقوم بالحميم ليُجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة الحميم، تغليظًا لعذابهم وتجديدًا لبلائهم. فعن السدي قال: (الشوب: الخَلْط وهو المزج).\nالتفسير الثالث: هو أن الحميم يخلط بالصديد الخارج من قيحهم وأجسامهم.\nفعن ابن زيد: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ قال: حميم يُشاب لهم بغساق مما تَغْسِقُ أعينهم وصديد من قيحهم ودمائهم مما يخرج من أجسادهم).\nوخلاصة المعنى: إنهم يُدْعَون إلى شراب حار ممزوج بالقيح والغساق والصديد ليهضموا به طعامهم من شجرة الزقوم المزة المؤذية، كما قال جل ذكره في سورة محمد: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أنَّ الحميم خارج الجحيم فيشربون ثم يعودون. قال مقاتل: (الحميم خارج الجحيم فهم يوردون الحميم لشربه ثم يردُّون إلى الجحيم، لقوله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، والترمذي (٢٥٨٥)، وابن حبان (٧٤٧٠).\nوأخرجه النسائي وابن ماجة. انظر صحيح الجامع (٥١٢٦)، وتخريج المشكاة (٥٦٨٣).","vol":"6","page":420},{"text":"تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣، ٤٤]).\nوقال القشير: (ولعل الحميم في موضع من جهنم على طرف منها).\nوقال النسفي: (أي أنه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يمتلئوا، ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك ظاهر).\nالتأويل الثاني: أن تكون ثم بمعنى الواو. أي هم في عناء مستمر قبل الطعام والشراب وبعده.\nفعن قتادة: (﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قال: فهم في عناء وعذاب من نار جهنم.\nوتلا هذه الآية: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾).\nقال أبو عبيدة: (يجوز أن تكون ﴿ثُمَّ﴾ بمعنى الواو). وقال القاسمي: (أي مصيرهم إلى دركاتها أو إلى نفسها لا مفر لهم منها ولا محيص كيفما تحولوا).\nالتأويل الثالث: قيل: إن هذا يدل على أنهم كانوا حين أكلوا الزقوم في عذاب غير النار ثم يردون إليها. ذكره القرطبي.\nقلت: وبالجمع بين هذه التفاسير نخلص إلى أن الكافرين لما جاعوا كان الطعام عقوبة لهم، ولما عطشوا بعد الطعام كان الشراب حميمًا يقطع أمعاءهم، ثم عادوا من تلك الوجبة إلى المعاناة في دركات جهنم من لفحها وسمومها، فهم ينتقلون من عناء إلى عناء.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾.\nالإهراع في لغة العرب: الإسراع. قال الفراء: (الإهراع الإسراع برعدة).\nوقال أبو عبيدة: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ [هود: ٧٨]، قال: يُسْتَحَثُّون إليه كأنهم يَحُثُّ بعضهم بعضًا). وأهرع فلان: إذا سار سيرًا حثيثًا فيه شبه بالرعدة. ويقال: جاء فلان يُهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها.\nقال ابن جرير: (فهؤلاء وجدوا آباءهم ضلالا عن قصد السبيل غير سالكين محجّة الحق فهؤلاء يُسرع بهم في طريقهم ليقتفوا آثارهم وسنتهم).\nوقيل: يزعجون من شدة الإسراع، هُرعَ وأهْرعَ إذا أزعِجَ.","vol":"6","page":421},{"text":"فعن ابن عباس: (قوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ أي وجدوا آبَاءَهُمْ ضالين).\nوعن مجاهد: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قال: كهيئة الهرولة). وعن السدي: (﴿يُهْرَعُونَ﴾ قال: يسرعون). وقال ابن زيد: (يستعجلون إليه).\nوالخلاصة: أنَّ هؤلاء المشركين المعظمين غير الله المحتكمين لغير شرعه ومنهاجه آثروا تقليد الآباء في طريقتهم ونهجهم رغم عوارها وانحرافها على الاحتكام للحق والقرآن وما فيه من التحذير من سبل الهوى ومواقع الفتن والهلاك، وكيف كان مصير الأمم قبلهم حين تحاكمت للأعراف والتقاليد والآباء دون برهان من الله ونور من الوحي، فقال جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. فانظر يا محمد وتأمّل كيف صيَّرنا أمر من كذبوا رسلنا وأنبياءنا حين أنذروهم بطشتنا إذا استمروا على الكفر وآثروا تعظيم الشهوات على الحق. أفلم نهلكهم فنجعلهم عبرة وعظة لمن جاء بعدهم ليعتبروا ويتعظوا كيف كان غِبُّ أمر من أصروا على البغي وكذبوا الرسل.\nوقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال السدي: (الذين استخلصهم الله).\nأي استخلصهم من الكفر، فهو استثناء من ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾. وقيل: بل هو استثناء من قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وكلا المعنيين سالك قائم، والله تعالى أعلم.\n٧٥ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)","vol":"6","page":422},{"text":"فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يخاطب الله تعالى نبيّه محمدًا ﵊ ويخبره بما لقي النبيون قبله من أقوامهم وكم صبروا على دعوتهم، وكم تحملوا من إيذائهم، فهذا نوح صلوات الله وسلامه عليه لما عاندوه وواجهوه بالاستهزاء بعد صبر طويل دعا ربه سبحانه أني مغلوب فانتصر، فاستجاب له تعالى وقال: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ كنا له إذ دعانا، فأهلكنا قومه بطوفان عظيم، فهلكوا غرقًا وجعلنا ذرية أتباعه المؤمنين باقية من بعد هلاكهم، إذ الناس اليوم كلهم من ذريته، فالعجم والعرب أولاد سام بن نوح، والترك والصقالبة أولاد يافث، والسودان أولاد حام بن نوح، وتركنا لنوح في الأرض الثناء الحسن بين الناس، فلا يذكر إلا بخير، فسلام وأمان على نوح في العالمين من أن يذكره أحد بسوء، فقد نجاه الله والمؤمنين، وأهلك بقية قومه المكذبين. وإن من أهل دينه ومنهاجه إبراهيم عليه أزكئ الصلاة وأتم التسليم، إذ نبذ الشرك والأوثان وتوجه إلى الله بقلب سليم. وخاطب أباه وقومه أن ينتهوا عن الشرك بالله ويفردوه سبحانه بالتعظيم، قال فما ظنكم يوم تلقونه وقد صرفتم العبادة لغيره وهو الله الواحد الأحد العظيم. فَدَعَوْهُ لعيدهم فنفر منهم بدعوى أنه سقيم، ثم انطلق إلى آلهتهم يستنطقهم ألا تأكلون، فجعل يضربها باليمين حتى أقبلوا إليه يستعجلون، فقال لهم أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وأعمالكم وما تكسبون، فحاولوا أن يلقوه في الجحيم فردهم الله بكيدهم وما يمكرون، فأعلن براءته منهم ومن شركهم، وأنه ذاهب إلى الله بعمله وقلبه ونيته، ومهاجر وتاركهم مستأنسًا بدعاء الله الكريم، أن يهب له","vol":"6","page":423},{"text":"ذرية من الصالحين. فلما فاصلهم وعظَّم منهاج رب العالمين، وهبَ له غلامًا آنَسه به ثم ابتلاه بأمره أن يذبحه حتى يفرغ القلب لله العظيم، ففعل وتلّه للجبين، ففداه الله بذبح عظيم، ورضي بذلك عن قلب إبراهيم، واصطفاه من بين العالمين، ثم بشره بإسحاق نبيًا من الصالحين. وبارك عليهما ومن ذريتهما طائع لربه محسن وظالم لنفسه مبين. فإلى تفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. قال قتادة: (أجاب الله).\nوالنداء هو الاستغاثة. قال ابن جرير: (ولقد نادانا نوح بمسألته إيانا هلاك قومه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦] إلى قوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. فلنعم المجيبون كنا له إذ دعانا فأجبنا له دعاءه فأهلكنا قومه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال: من الأذى والمكروه الذي كان فيه من الكافرين، ومن كرب الطوفان والغرق الذي هلك به قوم نوح. ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: يقول: وجعلنا ذرية نوح هم الذين بقوا في الأرض بعد مَهْلك قومه، وذلك أن الناس كلهم من بعد مَهْلك نوح إلى اليوم إنما هم ذريّة نوح، فالعجم والعرب أولاد سام بن نوح، والترك والصقالبة والخَزَر أولاد يافث بن نوح، والسودان أولاد حام بن نوح).\nوعن قتادة قال: (فالناس كلهم من ذرية نوح).\nففي الذرية تفسيران:\nالتفسير الأول: أنَّهم من نسل أولاده.\nفعن السدي: (﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. قال: من الغرق). قال ابن عباس: (لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾).\nوعن سعيد بن المسيب قال: (كان ولد نوح ثلاثة والناس كلهم من ولد نوح، فسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند والهند والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم، ويافث أبو الصقالبة والترك واللان والخزر ويأجوج وماجوج وما هنالك).\nالتفسير الثاني: أنَّهم أهل الإيمان الذين آمنوا معه.\nقلت: وهذا هو الراجح عندي، فليست قرابة النسل والدم هي المقصودة - والله تعالى","vol":"6","page":424},{"text":"أعلم - ودليل ذلك قوله سبحانه في الآية الآخرى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٨].\nوقوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]. فكلتا الآيتين تدل أن ثَمَّ ذرية ونسلًا لغير ولد نوح، وإنما نجى الله المؤمنينن وجعل ذريتهم هم الباقين إذ أغرق سبحانه من كفر، والله تعالى أعلم.\nقال القاسمي: (والمراد بأهله من آمن معه). وقال النسفي: (﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ قال: ومن آمن به وأولاده).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: يُذكر بخير). وقال قتادة: (أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين). وقوله: ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أي تركنا عليه ثناء حسنًا في كل أمة، فإنه محبب إلى الجميع - ذكره مجاهد.\nالتفسير الثاني: أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية، يعني يسلمون عليه تسليمًا ويدعون له.\nالتفسير الثالث: أي في أمة محمد - ﷺ -.\nالتفسير الرابع: قيل في الأنبياء إذ لم يبعث بعده نبيّ إلا أمر بالاقتداء به، كما قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣].\nوالحق أن ذكر نوح جميل في الأرض، والثناء عليه قائم بين الأنبياء والأمم، حتى أني أذكر أني رأيت في بعض الجامعات التابعة للكنيسة في أمريكا قصة الخلق وهم يعرضونها بطريقة ضوئية صوتية مسرحية، وهم يعبّرون بها عن مجاهدة نوح قومه ودعوته إليهم - وقومه يستهزئون ويضحكون ويسخرون - ويشيرون إلى جهاده بالثناء الحسن.\nفذكر نوح حسن بين الناس جميعًا صلوات الله وسلامه عليه.\nوقوله: مبتدأ وخبر. والتقدير ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾: تركنا عليه هذا الكلام الحسن ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾. أو يكون التقدير: فقلنا ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾. قال النسفي: (أي ثبت هذه التحية فيهم جميعًا ولا يخلو أحد منهم منها كأنه قيل ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في","vol":"6","page":425},{"text":"الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\nقال: علل مجازاته بتلك التكرمة السنية بأنه كان محسنًا ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: ثم علل كونه محسنًا بأنه كان عبدًا مؤمنًا ليريك جلالة محل الإيمان وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم).\nفجزاه الله أحسن الجزاء إذ أبقى ذكره عطرًا في الأرض، فهو الكريم سبحانه لا يضيع الإحسان لديه، وهو المؤمن جل ثناؤه لا يضيع الإيمان وأهله بين يديه، بل كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. فقمة الإيمان هي مرتبة الإحسان كما وصفها النبي - ﷺ - لجبريل ﵇ حين قال له: أخبرني عن الإحسان؟ قال: [أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. قال قتادة: (أنجاه الله ومن معه في السفينة وأغرق بقية قومه). فلم يبق إلا ذكرهم القبيح في الأرض، وكان سبب إغراقهم أن تأخروا عن الإيمان، وضيَّعوا العمر باللهو والشهوات والإجرام، ومحاولة الاستهزاء بالمؤمنين والنيل من أهل الإحسان.\nقال القرطبي: (و﴿ثُمَّ﴾ ليس للتراخي هاهنا، بل هو لتعديد النعم، كقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٦، ١٧]. أي ثم أخبركم أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين تأخروا عن الإيمان).\nوقوله تعالى: (﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال مجاهد: (على منهاج نوح وسنته).\nوفي رواية: (على منهاجه وسنته). وقال ابن عباس والسدي: (أي من أهل دينه). وقيل: إن من شيعة محمد لإبراهيم - ذكره بعض أهل العربية -، وإن كان السياق يدل على الأول، فهو المذكور أولًا، إي إن إبراهيم مضى على منهاج نوح عليهما الصلاة والسلام.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال السدي: (من الشرك). أي قلب سليم من الشرك. قال مجاهد: (لا شك فيه). وعن هشام بن عروة قال: (كان أبي يقول لنا: يا بني لا تكونوا لعَّانين، الم تروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئًا قط، فقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾). وقال القاسمي: (أي أقبل إلى توحيده بقلب خالص من الشوائب،","vol":"6","page":426},{"text":"باق على الفطرة، سليم عن النقائص والآفات، محافظ على عهد التوحيد الفطري، منكر على من غيّر وبدّل).\nوقال النسفي: \" (﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: أي من شيعة نوح، أي ممن شايعه على أصول الدين أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. قال: ومعنى المجيء بقلبه ربه أنه أخلص لله قلبه وعلم الله ذلك منه فضرب المجيء مثلًا لذلك).\nوحكى الزمخشري: أنَّه ما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان، هود وصالح. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وست مئة وأربعون سنة - ذكره القرطبي.\nوقال: (ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته، الثاني عند إلقائه في النار).\nقلت: وسلامة القلب كناية عن السلامة كلها، وعن السلامة والأمن في الدنيا والآخرة. كما في الحديث: [إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب] (١).\nقال عوف الأعرابي: (سألت محمد بن سيرين ما القلب السليم؟ فقال: الناصح لله ﷿ في خلقه).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾.\nفأنكر على أبيه آزر وعلى قومه عبادة الأوثان والأصنام. وبقوله: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ فإن \"ما\" و\"ذا\" في محل نصب، والتقدير: تعبدون ماذا. وقد تكون \"ما\" مبتدأ وخبره \"ذا\". والإفك أسوأ الكذب. وقوله: ﴿أَئِفْكًا﴾ حال منصوب - أي: تريدون آلهة آفكين. وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ في محل نصب بدل من \"إفْكًا\". أو في محل نصب مفعول به لتريدون.\nوالمعنى: أتريدون بطريق الإفك والكذب آلهة دون الله ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوفيه تفسيران:\nالأول: - ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ - أنه فاعل بكم يوم تلقونه وقد عظمتم سواه وخضعتم لغيره وعبدتم من دونه. قال قتادة: (﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره). وهو تحذير، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري ومسلم. انظر مختصر صحيح مسلم (٩٥٦)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣٢٥) للروايات المختلفة. وهو جزء من حديث أطول.","vol":"6","page":427},{"text":"الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].\nأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعِزُّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذبته] (١).\nورواه الإمام أحمد عنه بلفظ: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار] (٢).\nورواه الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة ولفظه: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته] (٣).\nوأخرج البزار عن أبي هريرة، وأبو نعيم في الحلية، عن شداد بن أوس، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمْنَين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمّنته يوم أجمع عبادي] (٤).\nفمن لاقى الله متكبرًا على طاعته وعبادته فلا أمن له، بل الفزع والخوف والقلق من المهاول يوم القيامة، إذ الأمن هو الإيمان وفي أهل الإيمان، والخوف في الكفر والكبر وفي أهل الكبر.\nالثاني: قيل بل المعنى: أي شيء أوهمتموه حتى أشركتم به غيره.\nقال القاسمي: (والمعنى: لا يقدّر في وهم ولا ظن ما يصد عن عبادته. لأن استحقاقه للعبادة أظهر من أن يختلج عرق شبهة فيه).\nوالاستفهام إنكاري في الحالتين، أي المراد إنكار ما يقتضيه الظن، وكلا المعنيين سالك.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٣٥ - ٣٦)، وأخرج البخاري في الأدب المفرد (٥٥٢) نحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٤١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم وغيره. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤١٨٥).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٨)، والبزار كما ذكر الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٠٨). وانظر صحيح الجامع (٤٢٠٨)، والسلسلة الصحيحة (٧٤٢).","vol":"6","page":428},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: ذكر أن قومه كانوا أهل تنجيم فرأى نجمًا قد طلع فعصب رأسه وقال إني مطعون ليخرجوا عنه فيخالفهم إليها فيكسرها.\nفعن ابن عباس: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: قالوا له وهو في بيت آلهتهم اخرج، فقال إني مطعون، فتركوه مخافة الطاعون). قال الضحاك: (أشار لهم إلى مرض وسقم يُعدي كالطاعون، وكانوا يهربون من الطاعون، فلذلك ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي فارين منه خوفًا من العدوى).\nالتأويل الثاني: أنَّهم أزف عيد لهم فدعوه للحضور لمشاركتهم فنظر إلى نجم، وأعلمهم بأن ذلك النجم لم يطلع إلا بسقم له وكانوا يعتقدون بعلم التنجيم.\nقال ابن زيد: (أرسل إليه ملكهم فقال: إن غدًا عيدنا فاحضر معنا. قال: فنظر إلى نجم فقال: إن ذلك النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾).\nوفي رواية: (فنظر إلى نجم طالع فقال: (إن هذا يطلع مع سقمي).\nقال القرطبي: (وكان علم النجوم مستعملًا عندهم منظور فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة، وأراهم من معتقدهم عذرًا لنفسه، وذلك أنهم كانوا أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم).\nالتأويل الثالث: أي إنهم لما طلبوا منه الخروج معهم نظر إلى السماء متفكرًا ماذا يعمل وقال لهم كلامًا فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه.\nقال الحسن: (المعنى أنهم لما كلّفوه الخروج معهم تفكر فيما يعمل). وقال قتادة: (والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم). أي نظر فيما نجم له من الرأي أي فيما طلع له منه.\nوقيل: فعلم أن كل حي يسقم فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. أي: ضعيف.\nقال الحافظ ابن كثير: (يعني أنه نظر إلى السماء متفكرًا فيما يلهيهم به).\nالتأويل الرابع: أي نظر في الأشياء فعلم أن لها خالِقًا ومدبرًا. فقال إني سقيم إذا ذكر الموت.\nقال الضحاك: (معنى: ﴿سَقِيمٌ﴾ سأسقم سقم الموت، لأن من كتب عليه الموت","vol":"6","page":429},{"text":"يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا تورية وتعريض، كما قال للملك لما سأله عن سارّة هي أختي، يعني أخوة الدين).\nوعن قتادة: (﴿فَتَوَلَّوْا﴾: فنكصوا عنه ﴿مُدْبِريِنَ﴾ منطلقين).\nوالراجح عندي أن إبراهيم ﵊ أوهمهم بطريقة التورية والتعريض فقال لهم كلامًا هو حق في نفس الأمر، لكنهم فهموا منه أنه سقيم حسب ما يعتقدون، وليس هذا من باب الكذب الذي يذم فاعله. وإلى هذا المعنى ذهب ابن كثير وقال: (وإنما أطلق الكذب على هذا تجوّزًا، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث: إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب).\nقلت.: وهذا المعنى مخرّج في الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة ﵁ قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: [لم يَكْذِبْ إبراهيم إلا ثلاثَ كَذَبات: ثنتين منهن في ذات الله، قولُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وقوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وبينما هو ذات يوم وسارَة، إذ أتى على جَبَّار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها، فقال: مَنْ هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني، فأخبرتُه أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فَأخِذَ، فقال: ادعي الله لي، ولا أضرك، فدعت فأطلق، فدعا بعضَ حجبته، فقال: إنك لم تأتني بإنسان! إنما أتيتني بشيطان! فأخْدَمَها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده مَهْيا؟ قالت: ردّ الله كَيْدَ الفاجر في نحره، وأخدم هاجر] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾. أصل الروغان في لغة العرب من راغ رواغًا، يقال: راغ الثعلب روغانًا ورواغًا وأراغ وارتاغ إذا طلب وأراد، وراغَ إلى كذا مال إليه سرًّا وحاد. وفلان يُراوغ في الأمر مراوغة، وراغ فلان عن فلان إذا حاد عنه.\nفيكون معنى الآية: أي حاد إبراهيم وراغ عن قومه وعن الخروج معهم إلى آلهتهم، فقرب لها طعامًا فما باشرته، فعزم عليها ألا تأكلون، فاستهزأ بها بقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥٨)، كتاب أحاديث الأنبياء. وكذلك أخرجه برقم (٥٠٨٤)، كتاب النكاج، وأخرجه مسلم (٢٣٧١)، كتاب الفضائل، ورواه أحمد والطبري وغيرهم.","vol":"6","page":430},{"text":"تَنْطِقُونَ﴾ ثم انهال عليها بيمينه ينسفها ويكسرها بقوة. وفي الكلام محذوف تقديره: \"فقرب إليها طعامًا، فلم يرها تأكل\".\nوعن السدي: (﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾، قال: ذهب إليهم). وقال قتادة: (مال إليهم).\nوقال الكلبي: (أقبل إليهم). وقيل: جاء إليهم وعَدَلَ إليهم. وكله بإمعنى واحد بمعنى مال، ومنه قول الشاعر:\nويريك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ عنك كما يروغ الثعلب\nوطريق رائغ: أي مائل.\nوعن قتادة: (﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ يستنطقهم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾؟ ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾: فأقبل عليهم يكسرهم).\nقال ابن عباس: (لما خلا جعل يضرب آلهتهم باليمين). وقال الضحاك: (خصّ الضرب باليمين لأنَّها أقوى والضرب بها أشد).\nوفي قوله ﴿بِالْيَمِينِ﴾ أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: اليمين بمعنى القوة. فقد ورد ذلك التأويل عن بعض أهل العربية كالفراء قال: (ضربًا بالقوة واليمين القوة).\nالتأويل الثاني: اليمين هو الحلف. قيل المراد بذلك اليمين التي حلفها بقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧].\nالتأويل الثالث: اليمين بمعنى العدل. واحتجوا بقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥] أي بالعدل. قال القرطبي: (فالعدل لليمين، والجور للشمال. ألا ترى أن العدو عن الشمال والمعاصي عن الشمال والطاعة عن اليمين، ولذلك قال: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أي من قبل الطاعة. فاليمين هو موضع العدل من المسلم والشمال موضع الجور. ألا ترى أنه بايع الله بيمينه يوم الميثاق، فالبيعة باليمين، فلذلك يُعطى كتابه غدًا بيمينه، لأنه وفى بالبيعة، ويُعْطى الناكث للبيعة الهارب برقبته من الله بشماله، لأن الجور هناك. فقوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي بذلك العدل الذي كان بايع الله عليه يوم الميثاق ثم وفّى له هاهنا).\nقلت: وكلها تفاسير متقاربة، إذ المقصود أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أقبل","vol":"6","page":431},{"text":"على الأصنام والأوثان يكسرها بقوة يمينه، وبصدق عهده مع ربه، حتى لا يُعبد في الأرض إلا الله سبحانه، وهذا هو كمال العدل.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾.\nزفّ في لغة العرب من (زفف). يقال زت العروس إلى زوجها من باب ردَّ، وأزفّها وازدَفَّها زِفافًا. وزفَّ القوم في مشيهم يزفون زفيفًا إذا أسرعوا. والمِزفّة المِحفّة التي تُزَفّ فيها العروس، وقيل هو مشي الخيلاء، ومنه أُخِذَ زِفاف العروس إلى زوجها. والمراد بالآية هنا أنهم أقبلوا إليه مسرعين لينظروا ما الأمر؟ وقد قرأها قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين ﴿يَزِفُونَ﴾ نحو قولهم زفت النعامة إذا كان أول عدوها وآخر مشيها. وهناك جماعة من أهل الكوفة قرؤوها: \"يُزِفُّون\" من أَزَفَّ فهو يُزِفّ. قال الأصمعي: (أزففت الإبل أي حملتها على أن تَزِفّ). وقال أبو إسحاق: (الزفيف أول عَدْوِ النعام).\nأي جاؤوا على هذه الحالة بمنزلة المزفوفة على هذه الهيئة.\nوهناك من قرأها: \"يَزِفون\" بالتخفيف. قال الفراء: (لا أعرفها). ويبدو أن إجماع القراء والفصحاء على القراءة الأولى: \"يَزِفون\". وفي الآية أقوال متشابهة:\n١ - يسرعون. فعن ابن زيد: (﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قال: أي يسرعون).\n٢ - ينسلون. فعن مجاهد قال: (الوزيف: النَّسَلان).\n٣ - يَجْرون. فعن ابن عباس قال: (فأقبلوا إليه يجرون).\n٤ - يمشون. فعن السدي قال: (﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾، قال: يمشون).\n٥ - يستعجلون. قال ابن زيد عن أبيه: (يستعجلون. قال: يَزِفّ: يستعجل).\nوكلها متقاربة في المعنى من باب اختلاف التنوع لا التضاد، مفادها أنهم هرعوا إليه حين علموا خبر ما صُنِعَ بآلهتهم فأقبلوا مسرعين يجرون.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.\nفي الكلام محذوف تقديره: (قالوا من فعل هذا بآلهتنا)؟ فردّ عليهم: أتعبدون ما تنحتون! قال قتادة: (الأصنام). أي تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها بأيديكم تنجرونها. قال القرطبي: (والنحت النجر والبري، نحته ينحِته بالكسر نحتًا أي براه والنّحاتة البُراية والمِنحت ما ينحت به).","vol":"6","page":432},{"text":"وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ففيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أنْ تكون \"ما\" مصدرية، أي تكون مع الفعل مصدرًا أو بمعنى المصدر، والتقدير عندئذ: (والله خلقكم وعملكم).\nالتفسير الثاني: أن تكون \"ما\" بمعنى الذي، أي في محل نصب. فيكون التقدير حينئذ: (والله خلقكم والذي تعملون منه الأصنام وهو الخشب والحجارة والنحاس وبقية المواد التي كانوا ينحتون منها أصنامهم). وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦].\nقال قتادة: (والله خلقكم وما تعملون بأيديكم).\nالتفسير الثالث: أن تكون \"ما\" استفهامية. بمعنى تصغير شأنهم، وتحقير لعملهم، والتقدير عندئذ: (والله خلقكم فسواكم وأنشأ لكم سمعًا وبصرًا وفؤادًا وما تعرفون عن أنفسكم من دقائق الخلق في أجسامكم وما لا تعرفون، فأي شيء تعملونه أو تخلقونه أنتم؟ وبأي عقل خضعتم لحجارة صنعتها أيديكم).\nالتفسير الرابع: أن تكونا \"ما\" نافية. والتقدير: (والله خلقكم وما أنتم تعملون ذلك بل الله سبحانه هو خالقه).\nقلت: وأرجح التفاسير عندي هو التفسير الأول، لأن فيه شمولًا لبقية المعاني، ثم هو مذهب المؤمنين الوسط بين القدرية والجبرية.\nفأهل السنة يثبتون أن الأفعال خلق لله ﷿ واكتساب للعباد، ويبطلون الانحراف الذي وقع به غيرهم كالقدرية الذين يقولون لا قدر، بل الإنسان يخلق أفعاله السيئة، أو كالجبرية الذين ينسبون الظلم لله من حيث يدرون أو لا يدرون. فكلاهما وقع في الشرك بالله - إذْ يجعلون خالقًا غير الله، أو يَنْسِبُونَ الظلم لله والشك بحكمته -، تعالى الله عما يصفون.\nأخرج البخاري في كتاب \"أفعال العباد\" عن حذيفة ﵁ مرفوعًا: [إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (١١٧)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" - حديث رقم - (٣٥٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣١)، والبيهقي في \"الصفات\" (٣٧) وإسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"6","page":433},{"text":"فالمعنى الأول يشمل بقية المعاني، فالله تعالى كتب في اللوح المحفوظ أفعال العباد كتابة علم لا جبر فيها، وفرغ من مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبادة بن الوليد بن عبادة قال: حدثني أبي، قال: [دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي. فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لم تطعم الإيمان ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه! وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار] (١).\nوله طريق آخر في المسند عنه بلفظ: [دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما هو كائن إلى الأبد] (٢).\nوفي رواية: [اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة].\nوفي لفظ: [اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة].\nفقواعد الإيمان بالقدر عند المؤمنين - أهل الحديث - ثلاثة، وهي صفات الله الحسنى: (العلم، والحكمة، والعدل). وقد فصلتها بأدلتها في بحث أركان الإيمان بالقدر في كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: (﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.\nقال ابن جرير ﵀: (ذُكر أنهم بنوا له بنيانًا يشبه التنور، ثم نقلوا إليه الحطب وأوقدوا عليه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والترمذي من حديث عبادة. انظر مسند أحمد (٥/ ٣١٧)، وتخريج المشكاة (٩٤). ورواه الترمذي في التفسير (٢/ ٢٣٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧). وانظر تخريج المشكاة (٩٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٠٧) لبقية الروايات.","vol":"6","page":434},{"text":"أي إنهم تشاوروا في أمره لما غلبهم بحجته فقالوا: اصنعوا له بنيانًا تملؤونه حطبًا فتضرمونه ثم ألقوه في ذلك الجحيم. والجحيم في لغة العرب: جمر النار بعضه على بعض والنار على النار.\nقال النسفي: (﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾: في النار الشديدة. وقيل كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم).\nوقال قتادة: (﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. قال: فما ناظرهم بعد ذلك حتى أهلكهم. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾: ذاهب بعمله وقلبه ونيته).\nوفي هذه الآية الكريمة تفاسير:\nالتفسير الأول: أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، ومن حيث يعصى الله ويشرك به إلى حيث يعبد الله وحده لا شريك له، فأتمكن من عبادته لا إله إلا هو.\nقال ابن جرير: (يقول: إني مهاجر من بلدة قومي إلى الله. أي إلى الأرض المقدسة ومفارقهم فمعتزلهم لعبادة الله). وقال مقاتل: (هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارّة إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام).\nقال القرطبي: (هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأول من فعل ذلك إبراهيم ﵇، وذلك حين خلصه الله من النار. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾. أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فيما نويت إلى الصواب).\nالتفسير الثاني: أي ذاهب بعملي وقلبي ونيتي.\nقال قتادة: (﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، قال: ذاهب بعمله وقلبه ونيته).\nالتفسير الثالث: قيل: قاله لمن هاجر معه من أهله ترغيبًا منه لهم.\nالتفسير الرابع: قيل: قاله لمن فارقه من قومه توبيخًا منه لهم.\nالتفسير الخامس: قيل: قال هذا قبل إلقائه في النار، أي ذاهب إلى ما قضاه على ربي، أو ذاهب إلى ربي، أي ميت لتصوره أنه سيموت بإلقائه في النار على المعهود من أمرها بإتلاف ما يلقى فيها. ويكون عندئذ قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أي إلى الخلاص منها أو إلى الجَنَّة.\nقلت: والراجح من ذلك أنه اعتزلهم صلوات الله وسلامه عليه، وترك المكان الذي","vol":"6","page":435},{"text":"يعصون الله فيه، وهاجر منه بجسده وبنيَّته وقلبه - جمعًا بين التفاسير - كما قال تعالى في سورة مريم حين قال إبراهيم لأبيه وقومه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].\nفكأفاه الله سبحانه حين فاصلهم والتزم منهج الحق ولم يخالطهم في مجالس المعصية والاستهزاء بالله، أن جعل النبوة في ذريته فآنسه بعد وحشته وفي غربته، إذ آثر الغربة والحق على الالتقاء بهم والسكوت على باطلهم. فكان كرم الله عليه عظيمًا إذ أمَدّه بخير الأنس وأفضل الجلساء وهم الأنبياء جعلهم في ذريته وأحيا بهم ذكره ومواقف إيمانه.\nوجميل ما ذكر القاسمي ﵀ في التفسير حيث قال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ أي مهاجر إلى بلد أعبد فيه ربي، وأعصم فيه ديني. قال: قال الرازي: فيه دليل على أن الموضع الذي تكثر فيه الأعداء، تجب مهاجرته. وذلك لأن إبراهيم ﵇، مع ما خصّه تعالى به من أعظم أنواع النصرة، لما أحسن من قومه العداوة الشديدة، هاجر، فلأن يجب على غيره، بالأولى).\nقلت: وهذا من أروع الكلام والتفسير، وقد حفلت به نصوص القرآن والسنة:\n١ - قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].\nفاعتبر سبحانه استمرار الجلوس ومتابعة القعود مع القوم وهم يستهزئون بالله وآياته ورسله ودينه وشرعه نفاقًا يحشر صاحبه معهم، ويصبح مثلهم.\n٢ - قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨].\n٣ - أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال لأصحابه - يعني لما وصلوا الحِجْر - ديار ثمود فيما بين المدينة والشام: [لا تدخلوا","vol":"6","page":436},{"text":"على هؤلاء المُعَذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم] (١).\nوفي رواية: [لما مرّ رسول الله - ﷺ - بالحجر قال: لا تدخلوا مساكِنَ الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم قَنَّعَ رسول الله - ﷺ - رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي].\n٤ - أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا] (٢).\n٥ - وفي صحيح الإمام مسلم بشرح النووي عند حديث غزاة الكعبة الذين يهلكهم الله جميعًا. قال - ﷺ -: [فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم] (٣).\nقال النووي: (وفيه من الفقه التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين لئلا ينالهم ما يعاقبون به. ثم قال: وفيه أن مَنْ كَثرَ سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا).\n٦ - وروى عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن مالك بن دينار قال: [أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل، أن قل لقومك: لا تدخلوا مداخل أعدائي، ولا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي] (٤).\nثم قال جل ثناؤه عن إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nفعن السدّي قال: (ولدًا صالحًا). وفي الكلام محذوف والتقدير: ربّ هب لي ولدًا صالحًا من الصالحين، فترك ذكره اجتزاء. وفي القرآن الكريم من هذا كثير، كقوله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٣٣)، (٣٣٨١)، (٤٤٢٠). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٣٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٦٦٦) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (١٥٥٨ - موارد الظمآن) وانظر السلسلة الصحيحة (٣٦٠).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٨/ ١٦٦ - ١٦٧). وكتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٦٦٧) لمزيد من التفصيل.\n(٤) انظر كتاب: \"الجواب الكافي\" - لابن القيم ﵀ - ص (٣٨) - (٣٩). والمرجع السابق.","vol":"6","page":437},{"text":"سبحانه: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] أي زاهدين من الزاهدين.\nقال الحافظ ابن كثير: (﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: يعني أولادًا مطيعين يكونون عوضًا عن قومه وعشيرته الذين فارقهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. أي: بغلام يكون حليمًا في كبره يوصف بالحلم إذا هو كَبِر، وأما في الطفولة فلا يوصف عادة بذلك.\nوعن عكرمة: (﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ قال: هو إسحاق). وعن قتادة: (بُشر بإسحاق. قال: لم يُثْنَ بالحلم على أحد غير إسحاق وإبراهيم).\nويبدو أن الراجح هو إسماعيل ﵇ (١) وهو أكبر من إسحاق، وهذا ما رجَّحه ابن كثير في التفسير. قال النسفي: (انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليمًا - وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾).\nوخلاصة القول: أنَّ الله سبحانه قد استجاب دعوة إبراهيم ﵊، فوهبه ولدًا صالحًا متسعَ الصدر حسنَ الصبر والإغضاء في كل أمر، موصوفًا بالحلم وهو رأس الصلاح وأصل الفضائل، والراجح أنه إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه، وقد سبق له من الله الثناء العطر في سورة مريم حيث قال جل ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥].\nوقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أي شبَّ حتى شابه أباه في السعي. قال مجاهد: (لما شَبَّ حتى أدرك سعيُه سَعْيَ إبراهيم في العمل).\nالتأويل الثاني: (السعي: المشي). قال قتادة: (أي لما مشى مع أبيه).\nالتأويل الثالث: (السعي: الاحتلام). فعن ابن عباس: (﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قال: هو الاحتلام).\n_________\n(١) وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي وغيرهم.","vol":"6","page":438},{"text":"التأويل الرابع: (السعي: سعي العبادة). فعن ابن زيد قال: (هو السعي في العبادة).\nوعن ابن عباس قال: (صام وصلى، ألم تسمع الله ﷿ يقول: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]).\nالتأويل الخامس: (السعي: سعي العقل). قال الحسن: (هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة).\nقلت: وجمعًا بين التفاسير المتشابهة يكون المعنى: أنَّه لما ترعرع الغلام ووصف بالعقل والحلم وحسن العبادة، وفهم واقع الحياة والعمل، وشابه أباه إبراهيم ﵇ في السعي والحركة رأى إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه في منامه أنه يؤمر بذبحه فاستشاره قائلًا:\n﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.\nوذلك ليعلم ما عنده من العزم والصدق لا ليخيّره في أمر الله إذ رؤيا الأنبياء حق.\nقال قتادة: (رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا في المنام شيئًا فعلوه). وقال عبيد بن عمير؟ (رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا هذه الآية: ﴿أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾).\nقال ابن كثير: (أعلم ابنه ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله وطاعة أبيه. قال: امض يا أبت لما أمرك الله من ذبحي، سأصبر وأحتسب عند الله وصدق فيما وعد).\nقال مقاتل: (رأى ذلك إبراهيم ﵇ ثلاث ليال متتابعات). قيل: رأى إبراهيم ﵇ في ليلة التروية كأن قائلًا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك. فلما أصبح روَّى في نفسه أي فَكَّرَ أهذا الحلم من الله أم من الشيطان؟ فسمّي يوم التروية. فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضًا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فَهَمَّ بنحره فسمي يوم النّحر.\nوالخلاصة: لقد رأى إبراهيم ﵇ في منامه الأمر له بذبح ابنه، وعلم أنه لا بد أن يمتثل الأمر، فإن رؤيا الأنبياء حق. قال محمد بن كعب: (كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى أيقاظًا ورقودًا، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم).","vol":"6","page":439},{"text":"وفي صحيح البخاري من حديث أنس - في الإسراء -: [والنبي - ﷺ - نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم] (١).\nوله شاهد عن ابن سعد في الطبقات من حديث عطاء مرسلًا بلفظ: [إنا مَعْشَرَ الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا] (٢).\nولقد قرأ عامة قراء المدينة والبصرة: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ بفتح التاء: أيْ أيُّ شيء تأمر، أو ماذا ترى من الرأي. في حين قرأ ذلك الكوفيون بالضم: \"ماذا تُرى\" أي ماذا تشير وماذا تُرى من صبرك أو جزعك من الذبح؟ ولم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر الله أو لتقرّ عينه إذا رأى من ابنه طاعة في أمر الله. وإلا فهو ماض في كل الأحوال لأمر الله، ولكن الغلام تألق في جوابه وإيمانه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.\nولقد كثر التأويل في أمر الذبح، فمنهم من قال: ذبحه وقال الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله. ومنهم من قال: انقلبت السكين، ومنهم من قال: كلما قطع جزء التأم، أو قال وجد حلقه نحاسًا. وكل ذلك لا دليل عليه. قال القرطبي: (وهذا كله جائز في القدرة الإلهية، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه أمر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر).\nثم قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. وفيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أي أسلما وانقادا لأمر الله. وقرأها ابن مسعود: \"فلما سَلَّما\" أي فوّضا أمرهما إلى الله. قال ابن عباس: (استسلما). وقال السدي: (أسلما لأمر الله).\nالتفسير الثاني: أي أسلم أحدهما نفسه لله وأسلم الآخر ابنه.\nقال عكرمة: (أسلما جميعًا لأمر الله ورضي الغلام بالذبح ورضي الأب بأن يذبحه. فقال: يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إليّ فترحمني، وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع ولكن أدخل الشفرة من تحتي وامض لأمر الله، فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. فلما فعل ذلك: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾). وقال قتادة: (أسلم هذا نفسه لله وأسلم هذا ابنه لله). وقال ابن إسحاق: (أي سلم إبراهيم لذبحه حين أمر به، وسلم ابنه للصبر عليه حين عرف أن الله أمره بذلك فيه). وقال ابن\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٢/ ٣٩٦)، (٤/ ٤٨٥) من طريق شريك بن عبد الله عنه.\n(٢) حديث يشهد له ما قبله. انظر طبقات ابن سعد (١/ ١٧١)، والسلسلة الصحيحة (١٧٠٥).","vol":"6","page":440},{"text":"كثير: (أي استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر الله، وإسماعيل امتثل طاعة الله وأبيه).\nوكلا المعنيين يحتمله البيَان الإلهي، فالتأويل بأحدهما سالك قائم.\nوقوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فيه معان متشابهة، منها:\nالمعنى الأول: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه.\nقال مجاهد: (وضع وجهه للأرض. قال لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني ولا تجهز على، اربط يديّ إلى رقبتي ثم ضع وجهي على الأرض).\nوقال الجوهري: (أي صرعه كما تقول كبّه لوجهه).\nوأصل التّل في كلام العرب: الدفع والصرع. قال ابن عباس: (معناه كبَّه على وجهه). قال ابن جرير: (﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، يقول: وصرعه للجبين، والجبينان ما عن يمين الجبهة وعن شمالها، وللوجه جبينان والجبهة بينهما).\nالمعنى الثاني: أي صرعه وحوّل وجهه إلى القبلة.\nفعن قتادة: (﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قال: كبّه وحوّل وجهه إلى القبلة).\nوخلاصة القول: أنَّ إبراهيم وإسماعيل انقادا لأمر الله، فانقاد إبراهيم ليمتثل الوحي، وانقاد إسماعيل لطاعة الله وطاعة أبيه صابرًا محتسبًا، فكبه إلى الأرض ووجهه إلى القبلة وأراد مباشرة الأمر: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.\nرُوي أن الشيطان عرض لإبراهيم عند جمرة العقبة ليفتنه عن الأمر فرماه بسبع حُصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله. رُوي ذلك عن ابن عباس.\nفلما أخذ إبراهيم ﵊ الشفرة ليمتثل أمر الله فداه الله سبحانه.\nقال ابن عباس: (التفت فإذا كبش فأخذه فذبحه). وقال مجاهد: (ذُبح بِمِنى في المَنْحَر). وقيل: (ذبح بالمقام).\nفصدق إبراهيم الرؤيا وامتثل أمر الله فجعل له من أمره فرجًا ومخرجًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢، ٣].","vol":"6","page":441},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. أي نجزيهم بالخلاص من الكرب والشدائد والمصائب في الدنيا والآخرة. ثم أصل البلاء: الاختبار. ويكون في الخير والشر. فبقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾. قال ابن زيد: (وهذا من البلاء المكروه). أي الأمر بذبح الولد، فكان بلاء فيه شدة ومحنة عظيمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.\nأصل الفدية الجزاء، والذبح اسم المذبوح. وذكر ابن جرير عن اليهودي الذي أسلم من علماء يهود فسأله عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد: أيُّ ابْنَيْ إبراهيم أُمِرَ بذبحه؟ فقال: (إسماعيل، والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم).\nقلت: ويؤيد هذا قوله سبحانه في الآية بعدها: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.\nأي إن الكلام الأول كان عن إسماعيل ثم جاء ذكر إسحاق.\nففداه الله سبحانه بذبح عظيم. قال مجاهد: (الذبح العظيم: شاة، وقال العظيم: المتقبل). وفي قوله ﴿عَظِيمٍ﴾ تفاسير:\nالتفسير الأول: لأنه كان رعى في الجَنَّة. فعن ابن عباس: (رعى في الجَنَّة أربعين خريفًا).\nوفي رواية قال: (خرج عليه كبش من الجَنَّة، وقد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا).\nالتفسير الثاني: عظيم القدر. قال النحاس: (عظيم في اللغة يكون للكبير والشريف).\nوقال القرطبي: (أي عظيم القدر ولم يرد عظيم الجثة، وإنما عظم قدره لأنه فُدي به الذبيح أو لأنه متقبل، قال: وأهل التفسير على أنه هاهنا للشريف أو المتقبل).\nالتفسير الثالث: عظيم أي عظيم الأجر متقبل عند الله. فعن مجاهد: (العظيم: النفيس).\nالتفسير الرابع: قيل عظيم لأنه ذِبْحٌ ذُبِحَ بالحق وذلك ذبحه بدين إبراهيم.","vol":"6","page":442},{"text":"قال الحسن: (ما يقول الله ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ لذبيحته التي ذبح فقط، ولكنه الذَّبح على دينه، فتلك السنة إلى يوم القيامة، فاعلموا أن الذبيحة تدفع ميتة السوء فضحّوا عباد الله).\nوخلاصة القول: أنَّ الله سبحانه قد أدخل السرور على قلب آل إبراهيم لما أخلص الخلة والمحبة لله، وأخلص اله الطاعة لله جل ثناؤه، ففداه بذبح هو كبش عظيم القدر عند الله، عظيم أجر ذبحه والتقرب إلى الله به، سنة الله في أمر أبوها إبراهيم إلى يوم القيامة.\nأخرج الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، من طريق عثمان بن طلحة ﵁، أن النبي - ﷺ - دعاه بعد دخوله الكعبة فقال له: [إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تُخَمِّرهما فَخَمِّرْهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيءٌ يلهي المصلي. وفي رواية: يُشغل المصلي] (١).\nقال سفيان: (لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا).\nفشرع ﷾ الأضحية إحياء لذكرى هذا الموقف من إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، ذكرى التوحيد والصدق والأمانة إلى يوم القيامة.\nوالأضحية واجبة على الموسر، ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵀، وبعض المالكية والليث والأوزاعي وربيعة الرأي.\nوالحجّة عندهم ما رواه الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [من كان له سعة ولم يضحّ فلا يقربن مصلانا] (٢).\nووجه الدلالة: أنَّه لما نهى من كان ذا سعة عن قربان المصلى إذا لم يضحّ دلّ هذا على أنه قد ترك واجبًا، فكأنه لا فائدة من التقرب مع ترك هذا الواجب. وفيه إشارة خفية إلى وجوب صلاة العيد في المصلى. كيف لا وإن هذا مؤيد بحديث أم عطية - في الصحيحين عنها - قالت: [أُمرنا أن نخرجَ العواتِقَ والحُيَّضَ في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٦٨)، (٥/ ٣٨٠)، ورجاله ثقات.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد وابن ماجة. انظر ابن ماجة (٣١٢٣)، وصحيح ابن ماجة (٢٥٣٢).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٩٧٤) كتاب العيدين. وكذلك (٩٨١) أيضًا. ورواه مسلم.","vol":"6","page":443},{"text":"وفي رواية: [قالت امرأة يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب! قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها].\nفلما أمر بالخروج دلّ ذلك على أن الأمر بالصلاة من باب أولى.\nوأما دليل الوجوب الثاني: فهو أنه إن اجتمعت مع يوم الجمعة في يوم واحد سقطت الجمعة عمن صلى العيد، وصلاة الجمعة فرض باتفاق الفقهاء، ولا يسقط الفرض إلا فرض مثله. فدل ذلك على أن صلاة العيد واجبة.\nفقد روى أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: [قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون] (١).\nثم روى أيضًا بإسناد صحيح عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: [شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم. قال: أشهدت مع رسول الله - ﷺ - عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: من شاء أن يصليَ فليصل] (٢).\nوجملة القول: أن عيد الأضحى سمّي كذلك من الأُضْحِيَّة. ويقال أيضًا في لغة العرب: إِضْحِيّة، والجمع أضاحي. قال الفراء: (الأضحى يذكر ويؤنث، فمن ذكر ذهب إلى اليوم).\nوسنن الذبح كما وردت عن النبي - ﷺ - فهي:\n١ - الذبح يبدأ بعد صلاة العيد، حتى آخر أيام التشريق.\nففي الصحيحين عن جندب بن عبد الله البجلي قال: [شهدت النبي - ﷺ - يوم النحر قال: من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح] (٣).\nوعن علي ﵁ قال: [أيام النحر: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده]. وفي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٠٧٣). انظر صحيح أبي داود (٩٤٨). وانظر صحيح الجامع الصغير (٤٢٤١)، وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ٦٣٤) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٩٤٥)، والمرجع السابق (٢/ ٦٣٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٦٢)، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة أعاد. ورواه مسلم في الصحيح (١٩٦٠) ح (١)، (٢) - كتاب الأضاحي - باب وقتها.","vol":"6","page":444},{"text":"الحديث: [كل أيام التشريق ذبح] (١). وهو مذهب الشافعي ﵀، والأوزاعي والحسن البصري - ﵏ أجمعين.\n٢ - يستحب الجَذَع في الأضحية.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [نعمت الأضحية الجَذَعُ من الضأن] (٢).\nوالجذع: عند الحنفية والحنابلة هو ما أتم ستة أشهر.\nوفي صحيح مسلم عن أنس قال: [ضحى - ﷺ - النبي بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمّى وكبَّرَ ووضع رجله على صِفاحِهما] (٣). وفي رواية: [قال: ويقول: باسم الله والله أكبر).\n٣ - أن يذبح بيده ويكبر.\nفقد كان ذلك من هديه ﵊.\nيروي أبو داود بسند جيد عن جابر: [أنه شهد مع النبي - ﷺ - الأضحى بالمصلى، فلما قضى خُطْبَتَه نزل من منبره وأُتيَ بكبشِ فذبحه بيده وقال: باسم الله والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي] (٤).\nفيذبح المضحي ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن فلان، ويسمي اسمه أو اسم من يذبح لأجله.\n٤ - من السنة أن تُحَدَّ شفرة الذبح وتخفى عن الشاة، وتبعد الشياه لئلا ترى مصرع بعضها.\nففي صحيح مسلم عن شداد بن أوس قال: [ثنتان حفظتهما عن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) حديث حسن لشواهده. أخرجه أحمد (٤/ ٨٢)، والبيهقي (٩/ ٢٩٥) من حديث جبير بن مطعم مرفوعًا. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٤٧٦).\n(٢) حديث حسن في الشواهد. أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٤)، (٢/ ٤٤٥)، والبيهقي (٩/ ٢٧)، وغيرهما.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح من حديث أنس، ورواه البخاري بنحوه. انظر صحيح البخاري (٥٥٦٤)، (٥٥٦٥)، كتاب الأضاحي، باب وضع القدم على صَفْحِ الذبيحة، وباب التكبير عند الذبح، وانظر صحيح مسلم (١٩٦٦) واللفظ له.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٨١٠)، باب: في الشاة يضحى بها عن جماعة. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٤٣٦).","vol":"6","page":445},{"text":"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحَ، وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته] (١).\n٥ - يجوز أن يشترك في البقرة سبعة وفي البعير عشرة.\nففي صحيح مسلم عن جابر، أن النبي - ﷺ - قال: [البقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة].\nقال ابن عباس: [كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة] رواه الترمذي وسنده صحيح (٢).\n٦ - إباحة التصرف بها، فله توزيعها ثلاثة أثلاث: ثلث لأهله وأصحابه، وثلث يتصدق به، وثلث يدخره ويوفره. وله غير ذلك مما يرى فيه المصلحة.\nفقد روى مسلم عن نبيشة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث كيما تَسَعَكم، فقد جاء الله بالخير، فكلوا وتصدقوا وادخروا، إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله] (٣).\n٧ - يُتَّقى من الضحايا المريضة كالعوراء والعرجاء والعجفاء.\nفقد روى مالك عن البراء بن عازب، أن رسول الله - ﷺ - سئل، ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: أربعًا - وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله - ﷺ -[العرجاء البَيِّنُ ظَلَعُها، والعوراء البَيِّن عَوَرُها، والمريضة البَيِّنُ مرضها، والعجفاء التي لا تُنْقى (٤)] (٥).\nوقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أي تركنا له الثناء الحسن في الأرض. كما قال قتادة: (أبقى الله عليه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٩٥٥)، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٩٠٧/ ١٩٤/ ٢)، وابن ماجة (٣١٣١)، والنسائي (٧/ ٢٢٢).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٩٧٧)، ح (١٠٦) كتاب الجنائز، وكذلك (١٩٧٢)، كتاب الأضاحي، وصحيح الجامع (٢٤٧٢)، ورواه أحمد.\n(٤) النقى: مخ العظام وشحمها. يريد أنه لا يوجد فيها شحم لهزالها وضعفها.\n(٥) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٥٤٥)، وسنن النسائي (٧/ ٢١٤)، ورواه أبو داود (٢٧٨٥/ ٥٠٥/ ٧)، ورواه الترمذي (١٥٣٠/ ٢٧/ ٣) مختصرًا.","vol":"6","page":446},{"text":"الثناء الحسن في الآخرين). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أمَنَةٌ من الله في الأرض لإبراهيم أن لا يذكر من بعده إلا بالجميل من الذكر).\nوقال القرطبي: (﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي على إبراهيم ثناء جميلًا في الأمم بعده، فما من أمة إلا تصلي عليه وتحبه).\nالتفسير الثاني: أي تركنا عليه أن يقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.\nقال عكرمه: (هو السلام على إبراهيم أي سلامًا منا).\nالتفسير الثالث: قيل هو دعاء إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.\nالتفسير الرابع: قيل بل هو سلامة له من آلافات، مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾.\nوجملة القول: أنَّ الله سبحانه قد أحيا في الأرض ذكر إبراهيم في قلوب الأمم عامة، والمؤمنين خاصة، فلا يناله أحد بسوء إحياة من الله لذكرى الصدق في الإيمان والإخلاص في اليقين والدفاع عن الحق وحراسته في الأرض، فصلوات الله وسلامه على إمام التوحيد إبراهيم، وعلى جميع المرسلين، وعلى نبينا محمد خاتم الأنبياء والرسل أجمعين.\nوقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nفلقد استحق إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه - بحسن القيام لله وتعظيم أمره ووحيه ونبذ الأوثان وكسر الأصنام واحتقار كل ما يعبد من دون الله - حسن الثناء من الله جزاء إحسانه في مراقبة الله سبحانه وتعظيم شعائره. ثم استحق الإضافة إلى جميع المؤمنين الذين أعطوا العبودية لله حقها فاستحقوا الإضافة إلى الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nقال قتادة: (بشر به بعد ذلك نبيًا، بعدما كان هذا من أمره لما جاد لله بنفسه). وقال ابن عباس: (بشر بنبوّته).\nوالسياق يدل أن الذبيح إسماعيل، فلما فداه الله وأدخل على إبراهيم وأهله السرور بذلك، زاده الله بشارة وسرورًا، أن بشره بنبوة أخرى في ذريته، وهي نبوة إسحاق وكان من الصالحين. وكان ذلك بعد قصة الذبح حيث عاد إبراهيم إلى بلاد كنعان فأتت البشرى من الملائكة.","vol":"6","page":447},{"text":"قال ابن جرير: (وبشرنا إبراهيم بإسحاق نبيًا شكرًا له على إحسانه وطاعته).\nوكذلك بشروا سارة فضحكت وصكت وجهها، ولم يُعلم أن سارة أتت إلى الحجاز، مما يدل أن البشارة بإسحاق كانت ببلاد كنعان، وأن البشارة بولادته ونبوته بعد قصة الذبح - كما يدل السياق - والله تعالى أعلم.\nثم قال سبحانه: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ وفيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أي كثرنا ولدهما فباركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق إذ أخرج الله كل أنبياء بني إسرائيل من صلبه.\nالتأويل الثاني: أي ثنينا عليهما النعمة.\nالتأويل الثالث: جعلنا البركة في الذرية والكثرة.\nوكلها تفاسير متقاربة مفادها أن العناية الإلهية أحاطت بذرية إبراهيم، وأن النبوة مضت في أولاده - صلوات الله وسلامه عليهم -.\nوقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. فالمحسن يزداد شرفًا إلى شرف، ونورًا على نور، والمسيء لا تنفعه بنوة النبوة، قال السدي: (المحسن: المطيع لله، والظالم لنفسه: العاصي لله). قال القرطبي: (فاليهود والنصارى وإِن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بد من الفرق بين المحسن والمسيء والمؤمن والكافر. وفي التنزيل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ الآية، أي أبناء رسل الله فرأوا لأنفسهم فضلًا).\n١١٤ - ١٤٨. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ","vol":"6","page":448},{"text":"لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾.\nفي هذه الآياتِ: يذكر سبحانه ما منَّ على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إخوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، بعد أن ذكر قصة إنجاء إسماعيل من الذبح والفداء، ليصل النسب بعضه ببعض، نسب المنهج ونسب النبوة وصلة الحق. فذكر سبحانه تفضله على موسى وهارون ابني عمران أن جعلهما نبيَّيْن، ونجَّاهما ومن آمن معهما من المصيبة التي لحقت بفرعون وآله، مصيبة الهلاك وغمّ الغرق والدمار، ثم أكرمهما بالتوراة فيه هدى ونور، كلام الله العظيم، يهدي به سبحانه إلى صراطه المستقيم، وقد رضي الله عن إيمان موسى وهارون فأضافهما إلى جماعة عباده المؤمنين. ثم ذكر سبحانه قصة نبيِّه إلياس وكان من المرسلين، إذ أنكر على قومه الشرك في العبادة إذ يدعون صنمًا - يقال له - \"بعلًا\" من دون الله العظيم. الذي خلقهم وهو ربهم ورب آبائهم الماضين. فاستهزؤوا فهم في جهنم سيحضرون. لقد كان إلياس من عباد الله المؤمنين، كما كان لوط من المرسلين، إذ أنكر الفواحش في قومه المجرمين، فاستهزؤوا فنجاه الله والمؤمنين، ثم دمَّر القوم المسرفين، فجعل القرية عاليها سافلها وأمطرهم حجارة فتأملوا عاقبتهم وما لحق بهم إذا مررتم عليهم مصبحين أو ممسين، في طريق تجارتكم من المدينة إلى الشام أفلا تعقلون.\nوأما يونس صلوات الله عليه وعلى من سبقه من المرسلين، فقد سارع إلى الفلك المشحون - أمتعة - هربًا من قومه المستكبرين المماطلين، لكن القرعة قد وقعت عليه حين هاج البحر فأقرعوا من يلقي نفسه ليخف الحمل من الراكبين، فألقى يونس بنفسه","vol":"6","page":449},{"text":"فالتقمه الحوت في الماء وعلم أنه قد عاجل قومه فسارع إلى استدراك الأمر فلزم الاستغفار والاعتراف لله بالمن والفضل وكان من المسبّحين، فنجاه الله بتسبيحه ورحمته إنه هو الرحمان الرحيم، وأخرجه إلى أرض لا نبت فيها وهو مريض سقيم، فأنبت عليه شجرة من يقطين، أظلته وأكل من ورقها وقد كان إدئه أرسله إلى مئة ألف أو يزيدون، فآمنوا فمتعهم الله إلى وقت آجالهم ومنتهى أعمارهم. فإلى تفصيل ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. وفي الكرب العظيم تأويلان:\nالتأويل الأول: من الكرب العظيم وهو الرق الذي لحق ببني إسرائيل.\nقال قتادة: (﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال: من آل فرعون).\nالتأويل الثاني: من الكرب العظيم وهو الغرق الذي أهلك الله به فرعون وقومه.\nقال السدي: (﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من الغرق).\nوجمعًا بين القولين: قال ابن جرير ﵀: (ولقد تفضلنا على موسى وهارون ابني عمران فجعلناهما نبيَّين ونجَّيناهما وقومهما من الغمِّ والمكروه العظيم الذي كانوا فيه من عُبودة آل فرعون، ومما أهلكنا به فرعون وقومه من الغرق).\nثم قال سبحانه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. فأخرجه مخرج الجمع مع أن المراد موسى وهارون في قوله: (﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا﴾ أن المقصود بقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ أي هم وأتباعهم من المؤمنين. ثم إن العرب تذهب أحيانًا بالأمير والرئيس والنبي إلى الجمع بأتباعه وحاشيته وجنوده إذا كان المقصود ذلك، وبالإفراد إذا كان المقصود نفسه، وفي القرآن ما يشبه هذا كقوله جل ثناؤه: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣].\nفقال: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَمَلَإئْهِ﴾. فكلا المعنيين قائم والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾. قال قتادة: (التوراة ويعني بالمستبين: المتبين هدى ما فيه وتفصيله وأحكامه). واستبان في لغة العرب بمعنى تبيّن الأمر حتى صار بَيِّنًا مستبينًا.\nوقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. أي طريق النجاة في الدنيا والآخرة وهو","vol":"6","page":450},{"text":"تعظيم أمر الله ومنهاجه ودينه الذي لا اعوجاج فيه وهو الإسلام.\nفعن قتادة: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الإسلام).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي أبقينا الثناء الجميل والذكر العطر على موسى وهارون بين الأنام إلى يوم القيامة، جزاء الإحسان وتعظيم حرمات الله والتزام مقام الإيمان، فكان لهما شرفًا، عليهما الصلاة والسلام، الإضافةُ لهما من الله إلى من ارتضى من عباده المؤمنين المقربين، جماعة الحق المبين، وليبقى يقال بين الأنام، سلام على موسى وهارون.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أنَّه إدريس ﵇. فعن قتادة: (كان يقال: إلياس هو إدريس).\nوروي عن ابن مسعود قوله: (إسرائيل هو يعقوب، وإلياس هو إدريس).\nالتفسير الثاني: إلياس نَبيٌّ من بني إسرائيل. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران).\nالتفسير الثالث: قيل هو عم اليسع وقيل هو ابن عم اليسع. قال ابن عباس: (هو عمّ اليسع).\nالتفسير الرابع: نبي أرسل لأهل مدينة بعلبك غربي دمشق. اختاره الحافظ ابن كثير.\nالتفسير الخامس: هو إلياس بن ياسين من ولد هارون أخي موسى. ذكره النسفي في التفسير.\nالتفسير السادس: هو من أنبياء بني إسرائيل من بعد زمن سليمان. بعثه الله لما انتشرت الوثنية بمساعدة ملوك بني إسرائيل، وبنوا لها المذابح وعبدوها من دون الله، وتركوا التحاكم إلى التوراة. فقام إلياس ﵇ يوبخهم على ضلالهم، ويدعوهم إلى توحيد الله سبحانه ويسمى في التوراة \"إيليا\" وله نبأ فيها كبير. ذكره القاسمي في التفسير.\nقلت: وخلاصة القول - أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل بعثه الله ليهدي به من ضل عن الطريق واتبع سبل الشياطين وعبد الأوثان وتحاكم إلى الأهواء وعظَّم الشهوات،","vol":"6","page":451},{"text":"فصلوات الله وسلامه على إلياس وعلى المرسلين، وعلى إمامهم محمد - ﷺ - الرسول الأمين.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. وفي قوله: ﴿بَعْلًا﴾ تفاسير:\nالتفسير الأول: بَعْلٌ: تعني (ربّ). فعن عكرمة: (﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قال: يقول أتدعون ربًّا، وهي لغة أهل اليمن، تقول: مَنْ بَعْل هذا الثور: أي من ربّه).\nوقال قتادة: (هذه لغة باليمانية: أتدعون ربًا دون الله). وروي أيضًا عن عكرمة: (﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قال إلها). فالعرب تقول لربّ الشيء بعده، وبعل الدار ربَّها، ولزوج المرأة بعلها. ويقولون لما استغنى من الزرع بماء السماء ولم يكن سقيًا (هو بعل).\nالتفسير الثاني: بَعْلٌ، صنم عبدوه من دون الله. فقد روي عن ابن عباس: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾، قال: صنمًا). وقال الضحاك: (يعني صنمًا كان لهم يسمى بَعْلًا). وقال ابن زيد: (بعل: صنم كانوا يعبدون، كانوا ببعلبك وهم وراء دمشق وكان بها البعل الذي كانوا يعبدون). قال النحاس: (والقولان صحيحان: أي أتدعون صنمًا عملتموه ربًّا). وقال مقاتل: (صنم كسره إلياس وهرب منهم).\nقال القرطبي: (فالمعنى: أتدعون ربًّا اختلقتموه، و﴿أَتَدْعُونَ﴾ بمعنى أتسمّون. حكى ذلك سيبويه. ثم قال: وقيل: كان مِنْ ذَهَب \"أي الصنم\" وكان طوله عشرين ذراعًا، وله أربعة أوجه، فُتِنوا به وعظَّموه حتى أخدموه أربع مئة سادِن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة، والسَّدَنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام. وبه سميت مدينتهم بعلبك).\nالتفسير الثالث: بعل، هي امرأة كانوا يعبدونها. قال ابن إسحاق: (سمعت بعض أهل العلم يقول: ما كان بَعْلٌ إلا امرأة يعبدونها من دون الله).\nالتفسير الرابع: بعل، ملك. قاله بعض المفسرين.\nقلت: وجملة القول أنهم صرفوا العبادة لملك أو صنم أو امرأة أو آلهة دون الله لا تستحق العبادة، إذ لا تملك دفع الضر عنهم ولا تحويلًا، ولا تملك جلب النفع لهم ولا تعجيلًا. فعابهم الله بذلك: أنَّكم تدعون بعلًا وتذرون خالق الكون وبارئه وخالقكم ومصوركم، فتبارك الله أحسن الخالقين.","vol":"6","page":452},{"text":"وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. أي أحسن الصانعين، أحسن من يقال له خالق. أما الناس فيصنعون ولا يخلقون، فيقال لمبدعهم أمرًا من أمور الصناعة أو التجارة أو بعض الآلات والأدوات صانع، ولا يقال له خالق، وإن كان الناس يتجاوزون، فالخلق وهو الإبداع من عدم لا ينبغي إلا لله ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nقرأها بالفتح لاسم الجلالة قراء الكوفة نصبًا على البدلية من قوله: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. في حين قرأها قراء مكة والمدينة والبصرة بالضم \"اللهُ ربكم وربُّ آبائكم الأولين\" في محل رفع مبتدأ، والجملة استئنافية، فيكون المعنى: هو الله ربكم.\nقال ابن جرير: (وتأويل الكلام: ذلك معبودكم أيها الناس الذي يستحق عليكم العبادة، ربكم الذي خلقكم، ورب آبائكم الماضين قبلكم، لا الصنم الذي لا يخلق شيئًا ولا يضر ولا ينفع).\nوقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. قال قتادة: (في عذاب الله).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. أي الذين اتبعوه من قومه وصدقوا منهاجه فأخلصهم الله النجاة. وقُرِئ بالكسر: \"المخلِصين\" والأول أشهر.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال الحسن: (سلام على الياسين). قرأها بوصل الألف كأنها ياسين، والمراد إلياس ﵇، فعليه وقع التسليم، ولكنه اسم أعجميّ.\nقال القرطبي: (والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبًا، فياسين وإلياس والياسين شيء واحد). وفي ذلك قراءات:\nالقراءة الأولى: قراءة قراء المدينة. ﴿سلام على آل ياسين﴾ - بمعنى سلام على آل محمد.\nقال النحاس: (فكأنه والله أعلم جعل اسمه إلياس وياسين ثم سلّم على آله، أي أهل دينه ومن كان على مذهبه، وعُلِم أنه إذا سلَّم على اله من أجله فهو داخل في","vol":"6","page":453},{"text":"السلام، كما قال النبي - ﷺ -: \"اللهم صل على آل أبي أوفى\". وقال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾).\nوهذه القراءة هي قراءة شيبة ونافع. قلت: (فالمعنى: وتركنا عليه الثناء الحسن: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ أمنة من الله لآل ياسين). وهذا كما قال علي بن سليمان: (فإن العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم. فعلى هذا: \"سلام على إلياسين\" سمى كل رجل منهم بإلياس).\nالقراءة الثانية: وهي قراءة قراء مكة والبصرة والكوفة. \"سلام على إلْياسين\".\nقيل: هو اسم إلياس ﵇، فيقال له: إلياس وإلياسين مثل إبراهيم وإبراهام. فعن السدي: (\"سلام على إلياسين\"، قال: إلياس). واختاره ابن جرير، وقال: (لأن سياق السورة السلام على النبي وحده، فكذا إلياسين إنما على إلياس دون آله). وقال في موضع آخر: (لأن الله أخبر عن كل نبي وحده بالسلام فكذا إلياس، وهو نفسه إلياسين).\nالقراءة الثالثة: \"سلام على إدْراسين\". ورويت عن ابن مسعود، نحو قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾، وفي موضع آخر: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. وكلاهما موضع واحد، سمي مرّة بهذا ومرة بذاك. وقيل: إلياس اسم من أسماء العبرانية كإسماعيل وإسحاق، فقرئ هنا إلياسين وإدريسين وإدرَسين وإدراسين، على أنَّها لغات في إلياس وإدريس. قال القرطبي: (ولعلَّ لزيادة الياء والنون في السريانية معنى).\nقلت: والراجح عندي أن الله سلَّم على إلياس كما سلّم على من قبله من المرسلين دون آلهم مما يتناسب مع السياق، ومع قوله في الآية التي قبلها: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. فدَل أن المخاطب إلياس ﵇ والذي يسمى إلياسين أيضًا كبقية الأسماء الأعجمية التي تأخد أشكالا متقاربة - والله تعالى أعلم. فبقي لإلياس في الأرض الثناء الحسن كبقية المصطفين الأخيار، أصحاب الحق الأبرار، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، جزاء من الله لحسان، قربهم منه سبحانه ووصلهم بنسب جماعة الإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. إذ أقام الحجة على قومه ونصح لهم، وبين لهم مغبة الاستمرار في فواحشهم وانحرافهم، بأنهم يستعجلون بذلك عذاب الله أن يقع بهم. فأجابوه مستهزئين: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾. فنجاه الله","vol":"6","page":454},{"text":"المؤمنين، فهم أهله أهل الإيمان الصالحين. ولم ينفع زوجته نبوة زوجها لنجاتها وقد كانت راضية بفعل القوم المجرمين، وما كانت من الطائعين لله المخبتين، فنجا لوط ومن آمن معه ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. قال الضحاك: (يقول إلا امرأته تخلفت فمسخت حجرًا، وكانت تسمى هيشفع). وعن السدي: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ قال: الهالكين). وغَبَرَ في لغة العرب من الأضداد، يقال: غَبَرَ الشيءُ إذا بقي، ويقال غبر الشيء إذا مضى، والمراد هنا أنَّها غبرت ومضت مع الهالكين.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ثم قذفناهم بالحجارة من فوقهم فأهلكناهم بذلك).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال قتادة: (قالوا: نعم والله صباحًا ومساء يطؤونها وطأ، مَنْ أخذ من المدينة إلى الشام، أخذ على سدوم قرية قوم لوط).\nفخاطب سبحانه العرب وهم يمرون في طريق تجارتهم على منازل قوم لوط التي دمرها الله، فيرونها وقت الصباح أو وقت المساء خلال مرورهم. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال ابن زيد: (قال: أفلا تتفكرون ما أصابهم في معاصي الله أن يصيبكم ما أصابهم) - فتعتبرون وتتدبرون.\nقال ابن كثير: (فأهلكهم الله بأنواع العقوبات وجعل محلتهم من الأرض بحيرة نتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلًا ونهارًا. ثم قال: أفلا تعتبرون كيف دمّر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾.\nيونس هو ذو النون ابن متى، كما قال جل ذكره في سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾.\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [لا ينبغي لعبد أن يقول: أنَّا خيرٌ من يونس بن متّى] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٩٥)، كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلك (٧٥٣٩)، ورواه مسلم.","vol":"6","page":455},{"text":"وقصته ﵇ مذكورة في القرآن في ثلاث سور: في الأنبياء والصافات وفي سورة (ن). فقد بعثه الله إلى أهل نينوى بالموصل فدعاهم إلى الله العظيم فتمادوا فخرج مغاضبًا لهم ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما رأوا الأمر كذلك وقد علموا أن الرسل لا تكذب خرجوا إلى الفلاة والصحراء بأطفالهم ونسائهم وأنعامهم ومواشيهم وفرقوا بين الأمهات وأولادها ثم جاروا إلى الله متضرعين متذللين، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وسخالهم، فكشف الله عنهم العذاب ورفعه سبحانه كما قال في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس: ٩٨].\nوأما يونس ﵊ فقد أتى البحر فركب مع قوم في سفينة فهاج البحر بها وأشرفوا على الغرق وظنوا أنهم هالكون إن لم يتخففوا من أحمالهم، فاقترعوا على رجل يلقونه ليخفف الحمل فوقعت القرعة على يونس ﵇ ثلاث مرات.\nقال الحافظ ابن كثير: (فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله سبحانه من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتًا يشق البحار حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن لا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا، فإن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك تكون له سجنًا) ذكره عند تفسيره سورة الأنبياء. وأما في الصافات فقال: (ولما استقر يونس في بطن الحوت ظنّ أنه قد مات ثم حرك رأسه ومدّ رجليه وأطرافه فإذا هو حي، فقام فصلى في بطن الحوت وكان من جملة دعائه: يا رب اتخذت لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس).\nقلت: وأَبَقَ في لغة العرب أي هرب، ومنه قولهم أبق العبد يأبِقُ ويأبُقُ فهو آبق إذا هرب وتباعد. وقيل: إنما قيل ذلك ليونس ﵇ لأنه خرج بغير أمر الله ﷿ مستترًا من الناس. فانضم إلى أهل تلك السفينة المشحونة والمملوءة والموقرة بالأحمال. كما قال جل ثناؤه: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.\nقال قتادة: (كنا نحدَّث أنه الموقر من الفُلك). والفلك يذكر ويؤنث ويعني السفينة.\nوأصل المساهمة من السهام التي تُجال. والسَّهم واحد السِّهام. والسَّهم أيضًا النصيب والجمع السُّهْمانُ. والمُسَهَّمُ البُرْد المخطَّط. و\"ساهمه\" أي قارعه و\"أسهم\" بينهم أي أقرع. و\"استهموا\" أي اقترعوا، و\"تساهموا\" أي تقارعوا. ذكره أهل اللغة.","vol":"6","page":456},{"text":"قال قتادة: (﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، قال: فاحتبست السفينة، فعلم القوم أنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فَقُرعَ يونس فرمى بنفسه فالتقمه الحوت).\nوالدَّحْضُ في لغة العرب أصله من الزلق. والإدحاض: الإزلاق. يقال: دَحَضَتْ رجْلُهُ أي زَلقَتْ، ودَحَضْتُ حُجَّتَهُ أي أبطلتها، فقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المسهومين المغلوبين. فعن مجاهد: (قوله: ﴿مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ قال: من المسهومين). وقال السدي: (من المقروعين). وقوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أصل الالتقام الابتلاع. يقال: (لَقِمَ اللُّقْمةَ) إذا ابتلعها، و(تلقّمها) ابتلعها في مُهلة، و(لقَّمها) غيره (تلقيمًا). فالمقصود أن الحوت قد ابتلعه من اللَّقم وهو البلع.\nوقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: مستحق للوم مكتسب له قد أتى بما يلام عليه.\nيقال: (ألام) الرجل إذا أتى بما يلام عليه، والملوم هو الذي يلام استحق ذلك أو لم يستتحق. وقيل: المليم المعيب، لام فلان فلانًا إذا عمل شيئًا معيبًا.\nفعن مجاهد: (قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ قال: مذنب).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. في مفهوم ﴿الْمُسَبِّحِينَ﴾ تفاسير:\nالتفسير الأول: لولا أنه كان من الذاكرين الله في الرخاء ما نجّاه في البلاء.\nفعن قتادة: (﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: كان كثير الصلاة في الرخاء فنجّاه الله بذلك. قال: وقد كان يقال في الحكمة: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا ما عَثَر فإذا صُرعَ وجد متكئًا).\nالتفسير الثاني: لولا أنه كان من المسبحين أي المصلين، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون.\nقال القرطبي: (أي عقوبة له، أي يكون بطن الحوت قبرًا له إلى يوم القيامة).\nواختلف كم أقام في بطن الحوت. قيل أربعين يومًا، وقيل عشرين، وقيل سبعة أيام، أو ثلاثة أيام، وقيل ساعة واحدة، وليس في ذلك خبر صحيح، والعبرة ليست بذلك، والله تعالى أعلم.\nوإنما المهم أنه التجأ إلى الله سبحانه بالصلاة والعبادة ليكشف عنه. قال سعيد بن جبير: (﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: قال من المصلين).","vol":"6","page":457},{"text":"التفسير الثالث: لولا أنه من الجائرين إلى الله بالدعاء والتضرع، لاستمر مكوثه في بطن الحوت إلى يوم القيامة.\nفعن ميمون بن مهران قال: سمعت الضحاك بن قيس يقول على منبره: (اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشّدة، إن يونُس كان عبدًا لله ذاكرًا، فلما أصابته الشدة دعا الله فقال الله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. فذكره الله بما كان منه، وكان فرعون طاغيًا باغيًا: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال الضحاك: فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة) ذكره ابن جرير.\nوعن سعيد بن جبير: (﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ قال: قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فلما قالها قذفه الحوت وهو مغرب).\nوعن قتادة: (قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: لصار له بطن الحوت قبرًا إلى يوم القيامة). قال مجاهد: (التقمه ضحى ولفظه عشية).\nالتفسير الرابع: قيل إن ذلك كان تسبيحًا لا صلاة. قال القرطبي: (والأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان). واحتج بحديث رواه الطبري عن أبي هريرة وفيه: \"فسبح في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة .. \".\nقلت: والراجح عندي بمجموع هذه التفاسير أن يونس صلوات الله وسلامه عليه لما نزل به الكرب سارع إلى الله بالتوجه والتسبيح والتضرع والدعاء، فاعترف لله العظيم بذنبه ثم قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فكان دعاءً فيه ذكرٌ وتسبيح وتذلل واعتراف بالذنب جمع ألوان الخير كلها.\nفقد أخرج الحاكم بسند صحيح لغيره، عن سعد قال: [كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - فقال: ألا أُخْبِرُكُم بشيءٍ إذا نزل برجل منكم كَرْبٌ أو بلاءٌ من بلايا الدنيا دعا به يُفْرَجِ عنه؟ فقيل له: بلى، فقال: دعاءُ ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح لغيره. أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٥). وانظر مسند أحمد (١/ ١٧٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٧٤٤).","vol":"6","page":458},{"text":"وكذلك روى الحاكم عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [صنائع المعروف تقي مصارعَ السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا، هم أهل المعروف في الآخرة] (١).\nولذلك كان مثل هذا الحضور بين يدي الله ﷿ بكامل التذلل والاعتراف بالذنب ورقة القلب والإقرار بالنعم - التي لا يحصيها على العبد إلا الله - هو سيد الاستغفار كما وصفه النبي - ﷺ -.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه، والترمذي في جامعه، عن شداد بن أوس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: [سيّد الاستغفار، أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عَبْدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقِنًا بها، فمات من يومه قبل أن يُمْسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقِنٌ بها فمات قبل أن يُصبحَ، فهو من أهل الجنة] (٢). هذا لفظ البخاري. وقوله أبوءُ: معناه أقِرُّ وأعترف.\nوأما لفظ الترمذي نسخة \"التحفة\": [ألا أدلك على سيد الاستغفار؟ اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وابن عَبْدك، وأنا على عَهْدِكَ ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعتُ، وأبوء لك بنعمتك عليّ، وأعترف بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لا يقولها أحدٌ حين يُمسي إلا وجبت له الجنة].\nوأما في نسخة \"بولاق\" ونسخة \"الدعاس\" فبلفظه: [لا يقولها أحد حين يمسي فيأتي عليه قدر قبل أن يصبح إلا وجبت له الجنة، ولا يقولها حين يصبح فيأتي عليه قدر قبل أن يمسي إلا وجبت له الجنة] (٣).\nوخلاصة القول: أن الإكثار من العمل الصالح في الرخاء ينجي الله به عبدهُ في الشدةِ، وفي ذلكَ أحاديث عظيمة من كنوز السنة الصحيحة:\n_________\n(١) حديث صحيح بمجموع طرقه. انظر مستدرك الحاكم (٣/ ٥٦٨)، والمرجع السابق (١٩٠٨).\n(٢) أخرجه البخاري في الدعوات، وأحمد (٤/ ١٢٢)، وانظر جامع الترمذي (٤/ ٢٢٩) للفظ بعده.\n(٣) حديث صحيح. انظر جامع الترمذي نسخة بولاق (٢/ ٢٤٥)، ونسخة الدعاس (٣٣٩٠).","vol":"6","page":459},{"text":"الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفكَ في الشدة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [تعوذوا بالله من جار السوء في دار المُقام، فإن الجارَ البادي يتحولُ عنك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [تعوذوا بالله من جَهْدِ البلاء، ودركِ الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند حسن عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال لعمه العباس: [يا عَمِّ! أكْثِر الدعاءَ بالعافية] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج أبو يعلى في المسند، بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [أكثروا من شهادة أن لا إلهَ إلا الله، قبل أن يُحال بينكم وبينها، ولقنوها موتاكم] (٥).\nالحديث السادس: يروي الضياء بسند صحيح عن الزبير، عن النبي - ﷺ - قال: [من استطاعَ منكم أن يكونَ له خِبءٌ من عمل صالح فليفعل] (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينِ﴾.\nفي قوله ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ تفاسير:\nالتفسير الأول: نبذناه بالعراء، أي: ألقيناه بالساحل.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ يقول: ألقيناه بالساحل).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (٢٩٥٨)، ورواه الحاكم وأبو نعيم في الحلية.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٢/ ٣١٩)، وانظر مستدرك الحاكم (١/ ٥٣٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٤٤٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٢٥٦) من حديث أبي هريرة، وكذلكَ نحوه (٤/ ٢٠٠)، وفي مسند أحمد (٢/ ١٧٣).\n(٤) حديث حسن. أخرجه الحاكم (١/ ٥٢٩)، والطبراني (١١٩٠٨)، وانظر: الصحيحة (١٥٢٣).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٤/ ١٤٦٠) من حديث أبي هريرة، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤٦٨).\n(٦) حديث صحيح. أخرجهُ في \"الأحاديث المختارة\" (١/ ٢٩٦)، وأخرجهُ الخطيب في \"التاريخ\" (١١/ ٢٦٣)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة - عن الزبير مرفوعًا - (٢٣١٣).","vol":"6","page":460},{"text":"وفي رواية قال: (خرج بهِ، يعني الحوت حتى لفظه في ساحل البحر، فطَرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء).\nالتفسير الثاني: نبذناه بأرض لا نبات فيها ولا شيء.\nفعن قتادة: (قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾، قال: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات).\nوقال ابن زيد: (ما لفظه الحوت حتى صار مثل الصبي المنفوس، قد نشز اللحم والعظم، فصار مثل الصبي المنفوس، فألقاه في موضع وأنبت الله عليه شجرة من يقطين).\nالتفسير الثالث: نبذناه بالصحراء. فعن ابن الأعرابي: (قوله: ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ - قال: بالصحراء).\nالتفسير الرابع: نبذناه بالفضاء، فعن الأخفش: (﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾، قال: بالفضاء).\nالتفسير الخامس: العراء - هو الواسع من الأرض -. فعن أبي عبيدة: (﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾، قال: الواسع من الأرض).\nالتفسير السادس: العراء - هو المكان الخالي -. قاله الفراء، وذكره القرطبي.\nالتفسير السابع: العراء - هو وجه الأرض -. قاله أبو عبيدة وأنشد لرجل من خُزاعة:\nورفعتُ رِجلًا لا أخافُ عِثارَها ... ونبذت بالبلدِ العَرَاء ثيابي\nقلت: وفي لغة العرب: (نبذه) أي: ألقاه وطرحه، وقيل: تركهُ. والمراد بأن الله سبحانه قد أمر الحوت أن يخرجه من بطنه لما أكثر الدعاء وألَظَّ بالاستغفار والتسبيح والإقرار بالذنب، فطرحه حيث أمره الله على ساحل البحر في أرض لا شيءَ فيها ولا نبات ولا حياة، تشبه الصحراء.\nوقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. فيه تفسيران أو معنيان:\nالمعنى الأول: سقيم أي ضعيف البدن. قال النسفي في تفسيره: (عليل مما ناله من التقام الحوت). وقال القاسمي: (﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي مما نالهُ من هذا المحبس الذي يأخذ بالخناق).\nالمعنى الثاني: سقيم أي مريض قد عاد بدنهُ كبدنِ الصبي المنفوس حين يولد وصار لحمه نيًا طريًا.","vol":"6","page":461},{"text":"روي ذلك عن ابن مسعود: (قوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ قال: كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليهِ ريش) ذكره القرطبي. وقد سبق قول ابن عباس نحوه.\nوفي لغة العرب: سقم من السَّقام والسُّقْم وهو المرض، والسَّقَمُ مثله أيضًا.\nقلت: وجمعًا بين التفسيرين: فإن الله سبحانه قد أخرج يونس ﵇ من بطن الحوت عليلًا سقيمًا قد تأثر بمكوثه في ذلك المحبس، فعاد بدنه طريًا كما يكون الحال عند الولادة. وأما التوفيق مع قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩]. فالجواب: أنه نبذ بالعراء بنص آية الصافات وهو سقيم ولكنه غير مذموم، رحمة الله به.\nوقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. أي أنبتنا عنده، فإن ﴿عَلَيْهِ﴾ هنا تعني \"عنده\". نحو قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي عندي. وقيل بمعنى (له).\nوأما قوله: ﴿يَقْطِينٍ﴾ ففيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: اليقطين كل شجرة لا تقوم على ساق.\nفعن سعيد بن جبير: (﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال: هو كل شيء ينبت على وجه الأرض ليس له ساق).\nقال المبرّد: (يقال لكل شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض يقطينة نحو الدُّبَّاء والبطيخ والحَنْظل، فإن كان لها ساق يُقلّها فهي شجرة فقط، وإن كانت قائمة أي بعروق تفترش فهي نجمةٌ وجمعها نجم).\nوبنحوه روي عن ابن عباس والحسن ومقاتل، قالوا: (كل نبت يمتد ويبسط على الأرض ولا يبقى على استواءٍ وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحَنْظَل فهو يقطين).\nوقال ابن جرير: (وكل شجرة لا تقوم على ساق كالدُّباء والبِطّيخ والحَنْظَل ونحو ذلكَ فهي عند العرب يقطين).\nالتأويل الثاني: اليقطين هو النبات الذي ينبت ويموت من عامه.\nقال سعيد بن جبير: (هو كل شيء ينبت ثم يموت من عامه، فيدخل في هذا الموز).\nالتأويل الثالث: اليقطين هو القرع وتسميه العرب الدّباء.\nفعن ابن عباس: (﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ فقالوا عنده القرع، قال: وما يجعلهُ أحق من","vol":"6","page":462},{"text":"البطيخ). وقال السدي: (هو القرع، والعرب تسميه الدّباء).\nالتأويل الرابع: كل شجر ينبت بمكانه. قال الزجاج: (اشتقاق اليقطين من قَطَنَ بالمكان إذا أقامَ به فهو يفعيل).\nالتأويل الخامس: قيل هو اسم أعجمي - ذكره القرطبي.\nالتأويل السادس: قيل ما أنبته الله بالحال. قال بعضهم: (ما كان ثمَّ يقطين فأنبته الله في الحال).\nالتأويل السابع: قيل: إنما خص اليقطين بالذكر، لأنه لا ينزلُ عليه ذباب.\nقال الحافظ ابن كثير: (وذكر بعضهم فوائد في القرع منها: سرعة نباتهِ وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربها الذباب).\nالتأويل الثامن: شجر له شراب يَرْوِي باللبن.\nفعن ابن زيد قال: (أنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان لا يتناولُ منها ورقة فيأخذها إلا أروته لبنًا. قال: شرب منها ما شاء حتى نبت).\nقلت: وكلها معان متقاربة تفيد أن الله سبحانهُ قد امتَنّ على يونس ﵇ بعد محنته في بطن الحوت وما أصابهُ من الضعف والتعب أن أخرجه إلى أرضٍ لا نباتَ فيها ولا شيء، فأكرمه بنبات سريع ترعرع فأظله وسدّ به جوعه وظمأه وحاجته.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أن تكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى بل. قال الفراء: (﴿أَوْ﴾ بمعنى بل).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: بل يزيدون، كانوا مئة ألف وثلاثين ألفًا).\nالتفسير الثاني: أن تكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو. فيكون قوله: \"يزيدون\" في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره \"هم\". أي: \"وهم يزيدون\".\nقال سعيد بن جبير: (يزيدون سبعين ألفًا، وقد كان العذاب أرسل عليهم، فلما فرّقوا بين النساء وأولادها، والبهائم وأولادها، وعجّوا إلى الله كشف عنهم العذاب وأمطرت السماءُ دمًا).\nالتفسير الثالث: أن تكون ﴿أَوْ﴾ للشك بالنسبة إلى مرأى الناظر.","vol":"6","page":463},{"text":"قال القاسمي: (أي إذا رآها الرائي قال: هي مئة ألف أو أكثر. والغرض الوصف بالكثرة). وقال المبرد: (المعنى: وأرسلناه إلى جماعةٍ لو رأيتموهم لقلتم هم مئة ألف أو أكثر، وإنما خوطب العباد على ما يعرفون).\nوقال الأخفش: (أي: أو يزيدون في تقديركم). قال ابن عباس: (زادوا على مئة ألف عشرين ألفًا). وفي رواية عنه: (ثلاثين ألفًا). وفي رواية عن الحسن: (بضعًا وثلاثين ألفًا). وعن مقاتل: (سبعين ألفًا). قلت: واللهُ أعلم بدقةِ عددهم فليسَ هذا هو المقصود من عرض هذا الخبر.\nوخلاصة القول: أن الله سبحانهُ قد بعث يونس - ﷺ - إلى قوم يزيد عددهم عن مئة ألف، يعملون بالمعاصي والآثام، فدعاهم فاستهزؤوا، فغادرهم مغاضبًا وعاجلهم بالدعاء عليهم، فتنَّبهوا وعادوا واستغفروا، وضجّوا ضجّةَ واحدة إلى الله سبحانهُ فكشف عنهم. قال قتادة: (أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل. قال: قال الحسن: بعثه الله قبل أن يصيبه ما أصابه ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ قال: الموت).\nوقال النسفي: (﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾. قال: المراد به القوم الذين بُعث إليهم قبل الالتقام. (﴿فَآمَنُوا﴾ به وبما أرسل به ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ إلى منتهى آجالهم).\nوقال القاسمي: (﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي حين انقضاء آجالهم بالعيش الهني والمقامِ الأمين، ببركة الإيمان والعمل الصالح. ثم قال: وإنما لم يختم قصته وقصة لوط بما ختم به سائر القصص من قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ إلخ اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة).\nفهؤلاء القوم لما آمنوا كشف الله عنهم وأنعم عليهم إلى وقت آجالهم، كما قال جل ثناؤه في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].\n١٤٩ - ١٨٢. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ","vol":"6","page":464},{"text":"نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يحتج سبحانهُ على كفار قريش - بعدما ذكر أخبار الأمم الغابرة تسلية لنبيّه - ﷺ - وتخفيفًا عليهِ مما يلقى من رؤوس مكة من العناد والكبر والتكذيب - وهم ينسبون لله بنات بأنهم الملائكة، ويختصون أنفسهم بالبنين من دونه سبحانه، فيختارون الأفضل لأنفسهم، وما يُعابُ في عرفهم الفاسد ينسبونه لله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. سلهم يا محمد هل شهدتم خلقهم كذلكَ؟ أم تفترون على الله الكذب، وتُعَلِّقون به الولد، وتعبدونه من دونه سبحانه؟ فهل لديكم بذلكَ برهانٌ تقوم به الحجة، أو كتابٌ اختصّ بكم فيه خبر صادق يدفع عنكم الشبهة، ومن ثمَّ تفترون على الله أبشع الكذب بأن له مع الجنّ مصاهرة ونسبة، تعالى سبحانهُ عما ينسبون له من الصفة، ولقد علمت الجنة أن من قالوا إن الملائكة بنات الله لمحضرون في العذاب يوم القيامةِ، إلا من أخلصهم الله من عبادهِ لرحمته وخلقهم لجنته.\nقل لهم يا محمد: فإنكم أيها المشركون بالله وما تعبدون من الآلهة والأوثان والشهوات، ما أنتم بمضلين أحدا إلا من سبق في علم الله أنه صالي الجحيم، مبعدٌ من رحمة الله، ذائق الخزي والندامة يوم القيامةِ، وأما من نسبتم لهم كذبًا أنهم بناتُ الله، فهم الملائكةُ الكرام، كلٌّ لهُ مقام معلوم بين أهل السماء، ومنزلة في العبادةِ والطاعة منزهة عن الرياء، فمنهم قوم مسبحون لا يفترون، ومنهم قوم راكعون وساجدون، ومنهم قومٌ صافون قائمون لا يتزايلون، إلى الطاعة هم متلهفون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. أما مشركو قريش هؤلاء فهم كاذبون منافقون، فقد","vol":"6","page":465},{"text":"كانوا في الجاهلية قبل البعثة يقولون: لو كان عندنا كتاب من السماء كالتوراةِ والإنجيل أو أتانا نبي مثل ما أتى اليهود والنصارى لَكُنَّا الذين سموا في العبادة والطاعةِ والإخلاص بين العالمين، فها هو النبي قد جاءكم من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فكفرتم بهِ وآثرتم سبيل الشياطين، فسوف تعلمون خزيَ هذا التناقض والكذب منكم يوم تُكْسَرون في الدنيا ويوم تبعثون، فلقد مضى منا القول لعبادنا المؤمنين، بأنهم هم المنصورون والغالبون، فلا تحزن يا محمد وطمئن أصحابكَ فإن يومَ بدر قادم قريب وسوف يبصرون، حين لا ينفعهم البصر وقد أسرفوا على أنفسهم وكذبوا المرسلين، وكفروا بخاتم النبيين، وبالقرآن آخر كتاب من الله إلى العالمين، ثم هم يوم القيامةِ يقفون بين يدي الله خزايا نادمين، يبصرون ما ضيّعوا وكانوا يقولون مستهزئين، أين العذاب ائتنا به فقد أخذهم العذاب ونزل بساحتهم فجأة فدَكَّهم الصحابة يوم بدر في التراب خانعين، فاطمئن وأصحابك يا محمد واصبر فسوف تبصر مصرع هؤلاء المجرمين. سبحان ربك يا محمد ذي العزةِ والكبرياء والجبروت والملكوت الجبار العظيم، والسلامُ عليك وعلى إخوانك الذين سبقوك في هذا المنهج الكريم، وقد صبروا على أقوامهم الذين وصفوا الله بالنقائص والعيوب فانْتَصرَ الأنبياءُ والرسل لله العزيز الحكيم، ووصفوا الله بما يليقُ بجلالهِ وكماله وكما وصف نفسه ورضي أن يوصف به سبحانه هو الرحمن الرحيم، فسلام عليكَ يا محمد وعلى الرسل والأنبياء أجمعين، والحمدُ لله رب العالمين.\nفإلى تفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. هو كقوله سبحانه في آيةِ الإسراء: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠].\nفالمراد: سَلْ يا محمد أهل مكة، وذلكَ أن جُهَيْنَةَ وخُزاعة وبني سلمة وبني مُلَيْح وعبد الدار زعموا زورًا وبهتانًا أن الملائكة بنات الله، فوبّخَهم الله بهذا السؤال وعاب عليهم بشاعة تفكيرهم وقباحته إذ ينسبون لأنفسهم ما يشتهون - وهم الذكور - وينسبون ما يعيبهم لله تعالى. كما قال سبحانه يصفهم في سورة النحل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]. فسلهم يا محمد: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢] وهو سؤال توبيخ وإنكار.","vol":"6","page":466},{"text":"قال قتادة: (﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾، لأنهم قالوا: يعني مشركي قريش: لله البنات ولهم البنون). وقال السدي: (كانوا يعبدون الملائكة).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾. أي: حاضرون مشاهدون لخلقنا إياهم إناثًا، كقوله جل ثناؤه في سورة الزخرف: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. وكما قال في سورة الزخرف أيضًا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. فكيف حكموا على الملائكة أنهم إناثٌ وما شاهدوا خلقهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (ألا من كذبهم ليقولون: صدر له ولد ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي لأنهم افتروا على الله ثلاث كذبات في غاية الكفر:\nأولًا: جعلوهم بنات لله فجعلوا لله ولدًا تعالى الله وتقدّس.\nثانيًا: وجعلوا ذلكَ الولدَ أنثى.\nثالثًا: ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس. وكل منها كافٍ في التخليد في نار جهنم).\nثم قال سبحانه متابعًا توبيخ المشركين: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nوعن قتادة: (﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾. يقول: كيف يجعل لكم البنين ولنفسه البنات ما لكم كيفَ تحكمون، ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: أي عذر مبين).\nوعن السدي: (﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ أن هذا كذا بأن له البنات ولكم البنون).\nأي: فأتوا بحججكم وإثباتاتكم إن كنتم صادقين حقًّا في قولكم وزعمكم.\nوقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: قيل الجِنَّة هي الملائكة، وقد وصفوا الملائكة من قبل أنهم بنات الله تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\nفعن مجاهد: (﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: قال كفار قريش: الملائكةُ بنات","vol":"6","page":467},{"text":"الله، فسأل أبو بكر: مَنْ أمهاتهنّ؟ فقالوا بنات سَرَوات الجن - وفي رواية: مخدّرات الجنّ - يحسبون أنهم خُلقوا مما خُلقَ منه إبليس).\nوعن قتادة قال: (قالت اليهود: إن الله ﵎ تزوج إلى الجنّ، فخرج منهما الملائكة، قال: سبحانه سبح نفسه).\nوعن السدي، قال: (الجِنّة: الملائكة، قالوا: هنّ بنات الله).\nوقال مقاتل: (قالت اليهود لعنهم الله: إن الله صاهرَ الجنّ فكانت الملائكةُ من بينهم، قال: القائلُ ذلكَ كنانة وخزاعة، قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سَرَوات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن).\nوعن مجاهد قال: (إنهم بطن من بطون الملائكة يقال لهم الجنة). وقال بعض أهل اللغة: (قيل لهم جِنّة لأنهم لا يُرَون). وعن السدي: (إنما قيل لهم جِنّة لأنهم خُزان على الجنان والملائكةُ كلهم جنة). وقوله: ﴿نَسَبًا﴾، أي: مصاهرة وقربًا.\nالتفسير الثاني: الجِنّة هي الجن.\nفعن قتادة ومقاتل: (﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالت اليهود لعنهم الله: إن الله صاهر الجنّ فكانت الملائكة من بينهم) ذكره القرطبي.\nالتفسير الثالث: قيل النسب الذي جعلوهُ بين الله والجنة قولهم إن الله وإبليس أخوان. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: زعم أعداء الله أنه ﵎ وإبليس أخوان). ذكره ابن جرير.\nالتفسير الرابع: قيل النسب هو الشرك.\nفعن الحسن قال: (أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه).\nورجّحهُ القرطبي وقال: (قول الحسن في هذا أحسن، دليله قوله تعالى: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي في العبادة).\nقلت: وكل ما سبق وارد في حق هؤلاء المشركين، فقد نسبوا لله الولد، ونعتوا الملائكة إناثًا ربطوهم نسبًا بالله، واختاروا الذكور لأنفسهم فلهم ما يشتهون ولله ما يعيبون، ثم سبكوا خرافة أفرزتها عقولهم ونتن فكرهم وقبح آفاقهم بأن الله تزوج من الجن فأنت الملائكة، فصرفوا شيئًا من العبادةِ للجن ظنّ التقرب إلى الله الذي لعنهم وأبعدهم وذمهم وأعدّ لهم في جهنم سعيرًا، بما أسرفوا في الوصف الذي لا يليقُ","vol":"6","page":468},{"text":"بجلال الله فتعالى الله عما وصفوا وعما اكتسبوا علوًا كبيرًا.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: قائلوا هذا القول يعلمون أنهم لَمُشْهدون الحساب.\nفعن مجاهد: (﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: أنها ستُحْضَر الحساب).\nالتأويل الثاني: قيل إن قائلي هذا القول سيُحضرون العذاب في النار.\nفعن السدي: (﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ قال: إن هؤلاء الذين قالوا هذا لمحضرون معذبون).\nوقال قتادة: (لمحضرون في النار). واختاره القرطبي وقال: (لأن الإحضار تكرر في هذه السورة ولم يرد الله به غير العذاب).\nقلت: والراجح عندي ما يجمع المعنيين معًا. فإن الجن قد علموا على ألسنة الرسل أنهم مجموعون ليوم لا ريبَ فيهِ، واقفون بين يدي الله سبحانه، هم ومن كان يعبدهم من دون الله بما أشركوا مع بعضهم بالله، كما قال جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].\nوكقوله سبحانه في السورة نفسها: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام: ١٣٠].\nثم إن الملائكة تعلم مصير المشركين بالله المستهزئين بأسمائه وصفاته أنهم قادمون لمعاينة الحساب ونيل نكال العقاب.\nوقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.\nأي: تعالى الله وتنزه وتقدس عما يصفهُ الظالمون من أن يكون له ولد أو نسب مع الملائكة أو الجن، وتبارك فهو خالقهم جميعًا، وهو العزيز الأحد الصمد لا إله إلا هو، وسيعلم الملحدون بأسمائه وصفاته ما ينالهم يوم يُفْرَزُون في عرصات القيامة، وينجي الله المخلصين أتباع الرسل المتبعين للحق المنزّل، الذي نزل على كل نبي مرسل، والمنصفين في وصفهم لله كما وصف نفسه بوصف مجمل أو مفصّل.","vol":"6","page":469},{"text":"قال ابن جرير: (ولقد علمت الجنة أن الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله لمُحضرون العذاب، إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته وخلقهم لجنته).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.\nقال الحسن: (ما أنتم عليه بمضلين إلا من كان في علم الله أنه سيصلى الجحيم).\nذكره ابن جرير.\nفإن \"ما\" بمعنى الذي، وقيل بل هي مصدرية، والتقدير: فإنكم وعبادتكم لهذه الطواغيت. وقيل: فإنكم مع ما تعبدون من دون الله. وقوله: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ أي بمضلين.\nقال ابن كثير: (أي إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذُرئ للنار: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقادُ لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال ﵎: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل).\nوفي هذه الآية ردٌّ على القدرية كما أشار القرطبي ﵀، وذكر عن عمرو بن ذر قال: (قدمنا على عمر بن عبد العزيز فَذُكِرَ عنده القدر، فقال عمر: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلكَ لعلمًا في كتاب الله جل وعز، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ إلا من كتب الله ﷿ عليه أن يصلى الجحيم. وقال: فَصَلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلا من كتب الله عليهِ أنه لا يهتدي، ولو علم الله جل وعز أنه يهتدي لحال بينه وبينهم).\nقلت: والآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فاللهُ سبحانهُ علم ما كان وما يكون وما سيكون وما لن يكون لكن إن قُدِّر وكان كيف سوف يكون، وكتب ذلك كله في اللوح المحفوظ، فلا يضل إلا من سبق في علم الله وكتابته أنه ضال مستهزئ بالحق، ولا يهتدي إلا من سبق في علم الله وكتابته أنه يستحق الهداية وهو محب معظم للحق. قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)","vol":"6","page":470},{"text":"وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].\nوقد علم الله أسماء هؤلاء أهل الجنة وأسماء قبائلهم ومجموعهم. وأسماء أولئكَ أهل النار وأسماء قبائلهم ومجموعهم.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرجَ علينا رسول الله - ﷺ - وفي يدهِ كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلّا أن تُخْبِرَنا يا رسول الله، فقال للذي في يدهِ اليمنى، هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُراد فيهم ولا يُنقصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله، هذا كتاب من رب العالمين، فيهِ أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا يُنقصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: فلأي شيء إذن نَعْمَلُ إن كان هذا أمرًا قد فُرغَ منه؟ قال رسول الله - ﷺ -: سدِّدُّوا وقاربوا، فإن صاحب الجنةِ يختم له بعمل أهل الجنةِ وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم ﷿ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنةِ، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).\nوقد استوفيت هذا المفهوم في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ - في أبحاث القدر - فلله الحمد والمنة.\nوأما أصل الفتنة في اللغة فهو الاختبار والامتحان. تقول (فَتَن) الذهب يفتنه فِتنة إذا أدخله النار لينظر ما جَوْدتُه، ويسمى الصائغ (الفتّان) وكذا الشيطان. وافتُتِنَ الرجل وفُتِنَ فهو مفتون إذا أصابته فتنةٌ فذهب مالهُ أو عقلُهُ. و(فَتَنّهُ تفتينًا) فهو (مُفَتَّن) أي مفتون جدًّا.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. أي: مقام في العبادةِ وموضع في السجود ومكان مخصوص في السماوات، كل قد علم مقامه في العبادة لا يتجاوزه ولا يتعداه، وكل قد علم تسخيرهُ وواجبه الذي خلقه الله وأراده له.\nوعن ابن زيد: (قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، قال: هؤلاء الملائكة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٤٧٣)، والترمذي (٢١٤١). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٦)، وصحيح الجامع (٨٨).","vol":"6","page":471},{"text":"وعن ابن عباس قال: (ما في السماوات موضع شبر إلا وعليهِ ملك يصلي ويسبح).\nأخرج ابن نصر في \"الصلاة\" بسند حسن في الشواهد عن عائشة مرفوعًا: [ما في السماء الدنيا موضع قدم، إلا عليه ملك ساجد، أو قائم، فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾].\nوله شاهد في معجم الطبراني \"الكبير\" بسند صحيح على شرط مسلم، عن حكيم بن حزام قال: [بينما رسول الله - ﷺ - في أصحابه إذ قال لهم: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمعُ من شيء. قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم] (١).\nورواه ابن مردويه عن أنس مرفوعًا بلفظ: [أطت السماء ويحقّ لها أن تَئِطَّ، والذي نفسُ محمدٍ بيده، ما فيها موضِعُ شبر إلا وفيه جبهة ملك ساجدٍ يسبح الله بحمده].\nوأصل معناه في مسند أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة - بلفظ أشمل - عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إني أرى ما لا ترون، وأسمعُ ما لا تسمعون، أطّت السماء، وحُقَّ لها أن تئِطَّ، ما فيها موضع أربعِ أصابع، إلا وملكٌ واضعٌ جبهتهُ لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله] (٢).\nوقيل: بل هو من قول المؤمنين للمشركين، أي لكل مقام في الآخرة. وقيل: أي منا من له مقام الخوف، ومنا من له مقام الرجاء، ومقام الإخلاص، وغيرها، والأول أرجح.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾،\nأي: فنحنُ الصافون لله لعبادته، والمسبحون المصلون له سبحانه. وفيه أقوال:\nالقول الأول: أي نحن الصافون أجنحتنا في الهواء ننتظر ما نؤمر.\nقال القرطبي: (وقيل: أي لنحن الصافون أجنحتنا في الهواء وقوفًا ننتظر ما نؤمر به).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن نصر في \"الصلاة\" (٤٣/ ٢)، (٤٤/ ١)، والطبراني في \"الكبير\". انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٥٩)، (١٠٦٠)، وصحيح الجامع (٢٤٤٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٣١٢). انظر صحيح سنن الترمذي (١٨٨٢). ورواه ابن ماجة (٤١٩٠). ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (٥٣٤٧)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٥٤٩) لتفصيل البحث.","vol":"6","page":472},{"text":"القول الثاني: أي نحن الصافون حول العرش.\nقال النسفي: (نَصُفّ أقدامنا في الصلاة أو نَصُفّ حول العرش داعين للمؤمنين).\nالقول الثالث: أي نحن الصافون في الصلاة والعبادة صفوفًا لا مثيل لها ليقتدي بها المؤمنون في الأرض، وليتأسوا بها. فعن ابن عباس ومجاهد: (﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾: الملائكة. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: الملائكة. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: الملائكة، نسبح لله ﷿).\nقلت: ويجمع هذه الأقوال والمعاني أن الملائكة صافون في أداء الطاعة وفي منازل الخدمة التي يؤمرون بها.\nففي صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة عن جابر بن سَمُرة قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن في المسجد فقال: ألا تَصُفّون كما تَصُفُّ الملائكةُ عند ربها؟ فقلنا يا رسول الله: كيفَ تصفّ الملائكةُ عند ربها؟ قال: يتُمون الصفوف الأُوَل ويتراصون في الصف] (١). وفي رواية: [يتمون الصلاة بالصفوف الأُول، ويتراصون في الصف].\nوله شاهد في مسند أحمد وسنن أبي داود ومعجم الطبراني بسند صحيح من حديث ابن عمر ولفظه: [أقيموا الصفوف، فإنما تَصُفّون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسُدّوا الخَلَل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فُرُجات للشيطان، ومَنْ وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعهُ الله ﷿] (٢).\nفالملائكةُ مرابطون يتقنون القيام بما يؤمرون، كما يخلصون في العبادة، صفوفهم منتظمة تدل على علو مقاماتهم. قال القاسمي ﵀: (﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: أي في أداء الطاعة ومنازل الخدمة التي نؤمر بها).\nيروي ابن جرير عن أبي نضرة قال: (كان عمر إذا أقيمت الصلاة أقبل على الناس بوجهه فقال: يا أيها الناس استووا، إن الله إنما يريدُ بكم هديَ الملائكة عند ربها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٣٠)، كتاب الصلاة، من حديث جابر بن سمرة، ورواه أحمد وأكثر أهل السنن. وانظر صحيح سنن أبي داود (٦١٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٦١٦)، ورواه أحمد والطبراني. انظر صحيح الجامع (١١٩٨)، والسلسلة الصحيحة (٧٤٣)، وصحيح أبي داود (٦١٥).","vol":"6","page":473},{"text":"ويقرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ استووا، تقدم أنتَ يا فلان، تأخر أنتَ أي هذا، فإذا استووا تقدّم فكبر).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\nفقد كان مشركو مكةَ قبل البعثة يكثرون من القول: لو أن عندنا كتابًا من السماء كالتوراة والإنجيل، أو جاءنا نبي كما أتى اليهود والنصارى لكنا من الذين أخلصهم الله لعبادتهِ وارتضاهم لمنهجه واختارهم لجنته. فكانوا إذا عُيِّروا بالجهل قالوا: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾.\nفعن السُّدّي قال: (هؤلاء ناسٌ من مشركي العرب قالوا: لو أن عندنا كتابًا من كتب الأولين أو جاءنا علمٌ من علم الأولين؟ قال: قد جاءكم محمد بذلك).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: لما جاء المشركين من أهل الكتاب ذكرُ الأولين وعلم الآخرين كفروا بالكتاب ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. يقول: قد جاءكم محمد بذلك فكفروا بالقرآن وبما جاء به محمد).\nوقال الزجاج: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: يعلمون مغبة كفرهم).\nقلت: وهذه حال أكثر الأمم التي دمّرها الله في الدنيا، يدّعونَ حب الحق ولكنهم قومٌ خاضعون لأهوائهم لا يستطيعون الخروج من سيطرتها، لأنهم قد واجهت قلوبهم أمراضٌ ما دافعوها منذُ نشأتها، حتى إذا ترعرعت وكبرت وانطبعت حركاتهم وسكناتهم بها، واندمجت بسلوكهم وأفعالهم بحيث لا يستطيعون التخلص منها، فإذا ما أشرق لهم نور من الحق وكادوا ينتصرون له، انتكسوا متقهقرين أمام ضغط الشهوات والكبر والعجب وظهر عُوار ادعائهم وقبح ما وصلوا إليهِ، وفي الآخرة يخزيهم ربهم إذ يحاولون الادعاء من جديد، ويرجون من الله العودة إلى الدنيا والعمل بما يرضيه، فيقول سبحانه يكذبهم في صدق ادعائهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.\nإن قوله هذا سبحانه بشرى للمؤمنين، وأمل يبعثه في قلوب المرسلين، وهو وعيد","vol":"6","page":474},{"text":"يرسله الله على الكافرين المستكبرين المكذبين. وفيه معان متقاربة:\nالمعنى الأول: سبقت كلمتنا لهم بالسعادة. قال الفراء: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: أي: بالسعادة).\nالمعنى الثاني: أراد بالكلمةِ قوله سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ - ذكره القرطبي، وأورد قول الحسن: (لم يُقْتَل من أصحاب الشرائع قط أحد).\nالمعنى الثالث: لهم الغلبة بالحجج الدامغة. فعن السدي: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ قال: يقول: بالحجج).\nالمعنى الرابع: سبق لهم منا القضاء والحكم بالنصر والغلبة. فعن قتادة: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ قال: سبق هذا من الله لهم أن ينصرهم).\nقال ابن جرير: (أي مضى بهذا منا القضاء والحكم في أم الكتاب، وهو أنهم لهم النُّصرة والغلبة بالحجج، قال: وإن حزبنا وأهلَ ولايتنا لَهم الغالبون. قال: يقول: لهم الظفر والفلاح على أهل الكفر بنا والخلاف علينا).\nوقال ابن كثير: (أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة).\nقلت: هذه الآيات تجمع النصر والفوز بكل أشكاله في الدنيا والآخرة. فإن القيام بمنهج النبوة منهج الحق والدفاع والذود عن حماه يرافقه سعادة في الدنيا وسعادة في الآخرة. كما إن الدفاع عنه يتطلب علمًا بهذا المنهج، وكلما ازداد أهله علمًا به فتح الله عليهم من الحجج الدامغة وأسباب إحباط محاولات الباطل أكثر وأكثر، لتصفى الغلبةَ في النهاية للرسل ولأتباعهم، وليبقى الباطل مذعورًا حتى ينهزم، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. وكما قال جلت عظمته: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠].\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو نعيم في الحلية، بإسناد صحيح عن أنس،","vol":"6","page":475},{"text":"عن النبي - ﷺ - قال: [النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا] (١).\nوأخرج الإمام النسائي بسند صحيح عن سعد، عن النبي - ﷺ - قال: [إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم] (٢).\nوقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ - فيه أقوال:\nالقول الأول: أي أعرض عنهم حتى يفجؤهم الموت. فعن قتادة: (﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾: أي إلى الموت).\nالقول الثاني: أي أعرض عنهم إلى الوقت الذي أمهلهم الله إليه وهو يعلمه وحده.\nفعن الزجاج: (﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: إلى الوقت الذي أمهلوا إليه).\nوقال القاسمي: (﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي: إلى استقرار النصر لك).\nالقول الثالث: أي أمهلهم إلى يوم بدر يوم يُكسرون ويخزيهم الله. فعن السُّدي: (في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: حتى يوم بدر). وقال ابن عباس: (يعني القتل ببدر).\nالقول الرابع: أي أمهلهم إلى يوم فتح مكة - ذكره القرطبي.\nالقول الخامس: أي أعرض عنهم إلى حين يعانون العذاب يوم القيامة.\nفعن ابن زيد: (﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: يوم القيامة).\nقلت: يخفف الله في هذه الآية عن نبيّه ويسليه بأن لا يأبَهَ لاستهزاء المشركين، ويعرض عنهم إلى أن يأذن الله في إحقاق أمره ونصر نبيه وصحبه، يوم يسحق المؤمنون رؤوس الكفر بمكة في يوم بدر، ويوم يستقر النصر للمسلمين في فتح مكة، ويحكم المسلمون بمنهج الوحي، ثم ستبصرهم يا محمد أنت وأصحابكَ وقد أخزاهم الله في الدنيا، ويوم القيامة يفضحهم بما بيّتوا من مكر وكبر وظلم، ثم يصليهم جهنم وساءت مصيرًا. فاصبر على أذاهم اليوم يا محمد فإن الغَدَ ليس لصالحهم فسننصرك ونظفرك بهم. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢). وانظر مسند أحمد (١/ ٣٠٧)، والحلية لأبي نعيم (١/ ٣١٤)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٣٨٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (٢٩٧٨)، وصحيح الجامع - حديث رقم - (٢٣٨٤).","vol":"6","page":476},{"text":"أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨].\nوكقوله جل ذكره في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥].\nوكقوله جل ثناؤه في سورة المزمل: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.\nقال القاسمي ﵀: (أي بَصِّرهُمْ وعَرِّفْهُمْ عاقبة البغي والكفر، وما نزل بمن أُنْذِرَ قبلهم، أوضح لهم الدلائل والحجج في مجاهدتكَ إياهم بالوحي والقرآن. فإن لم يبصروا الآن: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي ما قضينا لك من التأييد والنصرة).\nقلت: وهو تفسير لطيف جميل جامع. وإبصارهم ذلكَ سيكون في الدنيا والآخرة. قال قتادة: (سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار).\nوقال ابن زيد: (أنظرهم فسوف يبصرون ما لهم بعد اليوم. قال: يقول: يبصرون يوم القيامة ما ضيّعوا من أمر الله، وكفرهم بالله ورسوله وكتابه، قال: فأبصرهم وأبصر واحد). ذكره ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\nهو كقوله في سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٤٨ - ٥١].\nفقد كانوا يقولون من فرط تكذيبهم واستهزائهم متى هذا العذاب، يطلبون تعجيله من شدة تكذيبهم وعنادهم، فإذا نزل بدارهم وساحتهم فبئس الصباح صباحهم، وبئس اليوم يومهم.\nوالعرب تقول: نزل بساحة فلان العذاب إذا أصابهُ ونزل به. والساحة هي فناء الدار.\nقال السدي: (﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾، قال: بدارهم. ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، قال: فبئس ما يصبحون). وقال الزجاج: (وكان عذاب هؤلاء بالقتل). قال القرطبي:","vol":"6","page":477},{"text":"(﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾: أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وفيه إضمار: أي فساء الصباح صباحهم. قال: وخصّ الصباح بالذكر لأن العذاب كان يأتيهم فيه).\nأخرج البخاري في صحيحه عن أنس - ﵁ -: [أنَّ رسول الله - ﷺ - أتى خَيْبَرَ ليلًا. وكان إذا أتى قومًا بليلٍ لَمْ يُغِرْ بهم حتى يُصبحَ، فلما أَصْبَحَ خَرَجَت اليهودُ بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رَأَوْهُ قالوا: مُحمدٌ والله، محمد والخميس. فقال النبي - ﷺ -: خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين] (١).\nوفي رواية: [فقتل النبي - ﷺ - المقاتِلة وسبى الذُّرية]. ورواه مسلم.\nوالمساحي: جمع مسحاة، وهي المجرفة، والمكاتل: جمع مكتل، وهو القفة.\nوالخميس: الجيش. وقوله: \"خربت\" - أي فتحت.\nوفي رواية مسلم: [فقالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم. فقال النبي - ﷺ -: اللهُ أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباحُ المنذرين].\nفكأن قوله تعالى هنا: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يريد به يوم مكّن النبي - ﷺ - من أعدائه المشركين.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.\nأعادها سبحانه تكرارًا وتأكيدًا بأن الأمر قادم لا محالة، وأن غدًا لناظره قريب. فهو تأكيد لما مضي من التهديد والوعيد. قال ابن جرير: (وأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين وخلِّهم وفريتهم على ربهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. قال: يقول إلى حين يأذن الله بهلاكهم. ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ يقول: وأنظرهم فسوف يرون ما يحل بهم من عقابنا حين لا تنفعهم التوبة).\nثم ختم السورة سبحانه بتنزيه نفسه، وبالمدح والثناء لجبروته ولعزتهِ وكبريائه، فهو العزيز الجبار المتكبر رب كل شيءٍ ومليكه، فتنزيهًا للهِ رب القوة والبطش عما يصفه هؤلاء المشركون من قريش، وتسبيحًا لله سبحانه عما ينسبه أولئك المشركون له من البنات والولد، وكل السلام على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، وكل الأمن على أتباع الرسل الذين مضوا على منهاجهم في وصف الله بما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (٣/ ١٢٠)، والنسائي (٦/ ١٣١ - ١٣٢)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٠١ - ١٠٢)، وله روايات كثيرة.","vol":"6","page":478},{"text":"يليق بجلاله وكماله، وكل السلام والأمن على المؤمنين الذين يقومون بمقتضى هذه الصفات ولوازمها، والحمدُ أولًا وآخرًا لله العظيم رب العالمين.\nفقال جل ثناؤه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nفعن قتادة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي عما يكذبون، يسبح نفسه إذا قيل عليه البُهتان).\nوقوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ مجرور على البدل. وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ فيه هدي للمؤمنين أن يسلموا على المرسلين إذا ذكروهم.\nأخرج البيهقي بسند حسن من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [صَلّوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني] (١).\nوله شاهد رواه ابن عساكر بإسناد حسن عن وائل بن حجر، أن النبي - ﷺ - قال: [صلّوا على النبيين إذا ذكرْتُموني، فإنهم قد بُعثوا كما بُعثت] (٢).\nفكان يربط صلوات الله وسلامه عليه النسب بعضه ببعض، نسب النبوة، نسب الوحي، نسب الإيمان، فإن الأنبياء ملة واحدة وجماعة واحدة ودينهم واحد.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينهُ نبي، والأنبياء أولاد علات - وفي رواية: إخوة من علات - أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (٣).\nوبنو العلات هم أولاد الرجل الواحد من نساء شتى. لذا كان من هديه صلوات الله وسلامه عليه أن يحث الأمة على الصلاة عليه، ويجمع إبراهيم - ﷺ - وآل إبراهيم في ذلك.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن، بسند صحيح عن زيد بن خارجة، عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول: [صلّوا عليّ، واجتهدوا في الدعاء وقولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح الجامع الصغير- حديث رقم - (٣٦٧٦).\n(٢) حديث حسن. انظر تخريج فضل الصلاة (٤٥) - الألباني. وصحيح الجامع الصغير (٣٦٧٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٤٢)، (٣٤٤٣)، كتاب أحاديت الأنبياء، ورواه مسلم.","vol":"6","page":479},{"text":"باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد] (١).\nفوصل ﵊ نسب التوحيد بعضه ببعض، وأكد الصلة مع إمام المنهج إبراهيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أكثر من تأويل عند المفسرين:\nالتأويل الأول: أي سلام على الذين بلغوا عن الله تعالى التوحيد والرسالة.\nفهو سلام حفظه الله للأنبياء والرسل على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة. كما سبق بحديث الإمام البيهقي عن أبي هريرةَ، قَوْلُه ﵊: [صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني].\nالتأويل الثاني: أي مَدْحٌ لهم من الله جل وعز، وثناء على رفعة الوصف الذي وصفوه به سبحانهُ متحدين به الكافرين والمستهزئين الذين ينسبون إلى الله البنات والولد والنقائص والعيوب.\nقال ابن كثير: (فسبحان ذي العزة التي لا ترام عن قولِ هؤلاء المعتدين المفترين، وسلام الله على المرسلين في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقّيته). وقال القاسمي: (أي سلام وأمان وتحية على المرسلين المبلغين رسالات ربهم). وقال النسفي: (اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه، وما عاناهُ المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم، فختمها بجوامع ذلكَ من تنزيِه ذاته عما وصفه به المشركون، والتسليم على المرسلين، والحمدُ لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب، والمراد تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلكَ ولا يَخُلّوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم ومودعات قرآنه المجيد).\nالتأويل الثالث: أي أمن لهم من الله جل وعز يوم الفزع الأكبر.\nقال ابن جرير: (وأمنة من الله للمرسلين الذين أرسلهم إلى أممهم الذين ذكرهم في هذه السورة وغيرهم من فزع يوم العذاب الأكبر وغير ذلك من مكروه أن ينالهم من قِبل الله ﵎).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والنسائي بإسناد صحيح من حديث زيد بن خارجة. ورواه ابن سعد والطبراني في الكبير. انظر صحيح الجامع (٣٦٧٧).","vol":"6","page":480},{"text":"قلت: والآية تشمل جميع ما ذكر من بث السلام في الأرض وتحرك الألسنة إلى يوم القيامة بالسلام على المرسلين، وتقرب المؤمنين إلى ربهم بالصلاة على النبيين، وربط قلوبهم وحياتهم ومنهجهم بمنهاج المرسلين، ثم هو مدح الله لهذه القدوة من البشر ليؤصل الاقتداء والتأسي بهم في حياة أتباع الرسل أن صدقوا الله ما وصفوه، فصدقهم النصر في الدنيا وسيصدقهم الأمن من الفزع الأكبر في الآخرة، ودخول الجنةِ والخلود بنعيمها، واللهَ نسألُ أن ينعم علينا بالتزام منهاجهم في الدنيا وبالحياةِ بقربهم في جنةِ الفردوس في الآخرة.\nوقوله هنا: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فيه أكثر من فهم عند المفسرين:\nالفهم الأول: أي الحمدُ لله على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. ذكره القاسمي حيث قال: (﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي على نعمهِ، التي أجَلّها إرسال الرسل لإظهار أسمائه الحسنى وشرائعه العليا، وإصلاح الأولى والأخرى).\nالفهم الثاني: أي الحمدُ لله على ما صدق الرسل النصر والتأييد. ذكره النسفي وقال: (والحمدُ لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب).\nالفهم الثالث: أي الحمدُ لله على هلاك المشركين.\nودليله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ذكره القرطبي.\nالفهم الرابع: أي الحمدُ لله على جميع ما أنعم به على الخلق أجمعين. ذكره ابن جرير ﵀ حيث قال: (والحمدُ لله رب الثقلين الجن والإنس خالصًا دون ما سواهُ لأن كل نعمة لعباده فمنه، فالحمدُ لهُ خالص لا شريكَ لهُ كما لا شريكَ له في نعمة عندهم بل كلها من قِبله ومن عنده).\nالفهم الخامس: الحمدُ لله يدل على إثبات صفة الكمال لهُ وتنزيهه عما يقولون. ذكره الحافظ ابن كثير حيث قال: (ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمدَ يدلُ على إثبات صفات الكمال ويستلزم التنزيه من النقص، قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن، ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).\nالفهم السادس: -وهو فَهْمٌ أضيفه ولم أجده عند المفسرين-: وهو الحمدُ لله الذي علّمنا صفاته العظمى وأسماءهُ الحسنى لندعوهُ بها، ويلهج القلبُ بالأنس والطمأنينة","vol":"6","page":481},{"text":"لذكرها، لئلا نزيغ في معرفته ونخوض في أوحال الفلسفة ومتاهات الرأي والقول على الله بغير علم، فسبحانَ من نزه نفسهُ ووصفها بما يحب، وكل الحمد له جل ثناؤه أن علّمنا ما يُحِبُّ، ودلّنا على ما لا يُحِبّ، حُبًّا منه لنا لنصل إلى ما نحبّ. كما قال جل ثناؤه في سورة النساء، يصف مصير ومستقبل المؤمنين به كما وصف نفسه والمنزهين له عن النقائص والفحشاء: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.\nأخرج الطبراني في \"الكبير\"، وابن حبان في صحيحه، بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: أبشروا أبشروا، أليسَ تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآن سببٌ طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا] (١).\nوروى البزار بسند صحيح - موقوفًا - عن عبد الله بن مسعود قال: [إن هذا القرآن شافعٌ مشَفَّعٌ، من اتبعه قاده إلى الجنة، ومن تركه أو أعرض عنه زُخَّ (٢) في قفاه إلى النار] (٣).\nوكل ما سبق في معنى المد مراد، فهم يعمّ إرساله تعالى الرسل ونصرهم وإهلاك عدوهم، كما يعمّ تبرئة وتنزيه نفسه سبحانه، وما هدانا له من العلم عنه وعن أسمائه وصفاته، فالحمدُ لله أولًا وآخرًا، والصلاة على أنبيائه ورسله، والسلام على أتباعهم والقائمين على منهاجهم إلى يوم القيامة.\nتم تفسير سورة الصافات بعون الله وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ٧٧/ ١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ١٦٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧١٣).\n(٢) زخّ: أي دُفع.\n(٣) صحيح موقوف. انظر المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٢٤٤)، والحلية لأبي نعيم (٤/ ١٠٨)، والكامل لابن عدي (٣/ ١٢٧)، وعلل الدارقطني (٥/ ١٠٢).","vol":"6","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الصافات هم الملائكة. وفي الحديث: [أقيموا صفوفكم فإنما تصفون بصفوف الملائكة].\n٢ - الساحر يكذب مع ما أصاب من مسترق السمع مئة كذبة ليصنع رواية.\n٣ - الجنّ ثلاثة أصناف: فَصِنْفٌ لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصِنْفٌ حياتٌ وكِلاب، وصِنْفٌ يَحِلّون ويظعنون.\n٤ - يحشر الكفار يوم القيامة مع أشباههم ونظائرهم في الكفر ونسائهم المرافقات لهم على الكفر والمكر.\n٥ - إن الله تعالى خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا، ولهذه أهلًا.\n٦ - إن في الجنةِ بحرَ الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تَشَقَّق الأنهار بعد.\n٧ - خَبَّأ الله للمؤمنين في الجنةِ زوجات هنّ خلاصة في البياض الفاتن الجَذَّاب، وغاية في الرقة والحسن، عذارى لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان.\n٨ - لو أنَّ قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟ !\n٩ - قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعنى واحدًا منهما قذفتهُ في النار.\n١٠ - إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته.\n١١ - أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد.","vol":"6","page":483},{"text":"١٢ - من الفقه التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين. ومن كثَّرَ سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا.\n١٣ - من كان لهُ سعة ولم يُضَحِّ فلا يقربن مصلانا. وصلاة العيد واجبة في المصلى. وأيام النحر: يوم الأضحى وثلاثة أيامٍ بعده.\n١٤ - لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى. ودعوة ذي النون: لا إله إلا أنتَ سبحانكَ إني كنتُ من الظالمين، لم يدع بها رجل في كرب أو بلاء إلا فُرج عَنْهُ بإذن الله.\n١٥ - تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفكَ في الشدة. وصنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهلُ المعروف في الآخرة.\n١٦ - أطّت السماء وحق لها أن تَئِطّ: ما فيها موضع شبر إلا وفيهِ جبهة ملك ساجد يسبِّح الله بحمده.\n١٧ - [صلوا على النبيين إذا ذكرتموني، فإنهم قد بُعثوا كما بُعثت].\n١٨ - إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا.\n* * *","vol":"6","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>٣٨ - سورة ص</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>موضوع السورة</span>\nتعظيم الوحي الكريم\nمنهاج الحكم والقوة في حياة المرسلين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-246> منهاج السورة </span>-\n١ - إقسامُ الله تعالى بكتابه الكريم، وثناؤه عليه فهو القرآن ذو الذكر الحكيم.\n٢ - إخبار الله تعالى عن استكبار الكافرين، واعتزازهم بالباطل وعدم اعتبارهم بمصير المجرمين.\n٣ - خوف المشركين من \"لا إله إلا الله\" التي تكشف كذبهم وظلمهم وجرائمهم، وتفضح عجز آلهتهم وأوثانهم.\n٤ - استكبارُ المشركين عن اتباع رسول الله - ﷺ -، وبثّهم الشكوك في أمر النبوة.\n٥ - تأخيرُ الله عذابه عن الكافرين، وتذكيرهم بنفسه تعالى وجبروته وملكوته خزائن السماوات والأرضين، وتحدّيهم أن يصعدوا ويتفقدوا ملكهم إن كانوا شركاء له تعالى بل كانوا كاذبين.","vol":"6","page":485},{"text":"٦ - تكذيب الأمم السابقة ونزول العذاب بهم، وتقريع مشركي قريش في تقليدهم من قبلهم.\n٧ - تسليةُ النبي - ﷺ - وتذكيره تعالى له بنعمته على عبده داود ﵇، وتسخيره له الجبال والطير وأسباب القوة وفصل الخطاب بين الأنام، وقصة الخصمين والدرس الناتج عنها بوجوب سماع طرفي الخصام، والحكم بالعدل دون شطط وإلا فالقصاص يوم الزحام.\n٨ - الغايةُ من خلق السماوات والأرض وما بينهما، والويل كل الويل على الكفار، واختلاف الطريقين والمصيرين بين المتقين والفجار.\n٩ - قصةُ سليمان ﵇، وطموح كالجبال لإقامة الحق والحكم بين الأنام، وتسخيره تعالى له الريح والجن والجند عطاء من الله للشاكرين الكرام.\n١٠ - ذِكْرُ الله تعالى أيوب ﵇ والنداء الصادق وإجابة الله الدعاء، وذِكْرُ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، الذين اختصهم الله بمنقبة عظيمة وهي ذكر الآخرة والاستعداد للرحيل لتلك الدار.\n١١ - ثناء الله تعالى على إسماعيل واليسع وذي الكفل ﵈.\n١٢ - ثناءُ الله تعالى على المتقين المتبعين هذا الذكر العظيم، ونَعْتُهُ تعالى ما أعدَّ لهم في جنات النعيم.\n١٣ - تقريعُ الله المشركين ووصفه عذابهم في الجحيم، ودخولهم إليها أمة بعد أمة في الأذلين، وتخاصم الأتباع المستضعفين مع المتبوعين المجرمين.\n١٤ - إثباتُ الرسالة من الله تعالى لنبيه ﵊، وقصة خلق الإنسان واستكبار إبليس وتوعده غواية الذرية إلى يوم الوقت المعلوم.\n١٥ - تبرؤ الرسول - ﷺ - من طلب الأجر على دعوته إلا من الله العظيم، وإثباته لقومه أنه إنما هو نذير مبين، وأنهم سيعلمون نبأ هذا الأمر ولو بعد حين.\n* * *","vol":"6","page":486},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٦. قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم سبحانه بالقرآن المشتمل على أنواع كثيرة من الذكر، كذكر العباد ومنافعهم ومعايشهم ومعادهم، وذكر أحوال الأمم الماضية وكبرهم ثم هلاكهم، وكونه ذكرًا يذكره المؤمنون بألسنتهم ويتلونه ويتذكرون به فيعتبرون بعبره وقصصه وأمثاله ويأتمرون بأمر ربهم ويلتزمون بِحَثِّهِ على طاعة نبيّهم، وإنما لم ينتفع الكافرون به لأنهم مضوا في استكبارهم عنه وفي غيّهم، وفي الشقاق والمعاندة والمفارقة والعجب بعقولهم وخدمة أهوائهم، لكن الله يخوفهم أن يحيق بهم ما حاق بالأمم من قبلهم، جأروا إلى الله واستغاثوا به حين أنزل العذاب بساحتهم، فنادوا بالتوحيد حين غرغرت أرواحهم، فما نفعتهم بذلك ذكراهم، وقد عجبوا من قبل أن يرسل الله فيهم بشرًا مثلهم، فاتهموه بالسحر والكذب وكيف جعل المعبود واحدًا","vol":"6","page":487},{"text":"وعاب عليهم شركهم، فانطلق رؤساؤهم وكبراؤهم يأمرونهم أن يصبروا على ما عهدوه من عبادة أوثانهم وعادة آبائهم، مستبعدين أن يكون محمد - ﷺ - قد خُصِّصَ بإنزال القرآن عليه من بينهم، ولكنهم تطاولوا وكذبوا لأن الله قد أخّر عذابه عنهم وما عاجلهم، فذكرهم بنفسه وجبروته وقوته وملكوته لخزائن السماوات والأرض قبل أن ينزل نقمته بهم، فهل شاركوه في خزائنها أم شاركوه في خلقها فهي تمضي بأمرهم، فإن كانوا يملكون ذلك فليصعدوا في طرق السماء وأبوابها فيتفقدوا بذلك ملكهم، ويشرفوا بذلك ويتعهدوا سلطانهم، ولكن هؤلاء من أحزاب إبليس وأتباعه الذين مضوا قبلهم فأهلكهم الله بذنوبهم، فقد مضى قوم نوح وقوم فرعون وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة لما كذبوا الرسل أخزاهم الله وأرداهم، وما قريش بتكذيبها لك يا محمد إلا سينالها ما نال أولئك الأحزاب جميعهم، وقد حقَّ وَعْدُ الله فدكهم المؤمنون يوم بدر بقيادة نبيّهم، ثم نفخة الفزع في الصيحة يؤخذون بها فلا إفاقة بعدها ولا رجوع إلى دنياهم، وقد كانوا قبل ذلك يستعجلون العذاب مستهزئين فأذاقهم الله عذابًا في دنياهم وفي قبورهم ثم في أخراهم. وتفصيل ذلك:\nقوله: ﴿ص﴾. قيل: من المصاداة، أي صادِ بعملك القرآن: أي عارضه به، كما قال الحسن: (عارض القرآن بعملك). وقيل: المعنى: (اعرضه على عملك فانظر أين عملك من القرآن). وقيل: بل هو قسم أقسمه الله، وقيل: بل هو اسم للقرآن. وقيل: بل المعنى صدق الله، إلى غير ذلك مما لا دليل عليه تقوم به الحجة. وإنما أميل إلى تفسير هذه الحروف المقطعة بأنها لبيان الإعجاز، إذ القرآن الكريم مركب من مثل هذه الأحرف، فليعارضوه بمثله إن استطاعوا، وقد أنزل عليهم وهم أهل الفصاحة والبيان. قال شيخ الإسلام ﵀: (إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها). وعامة القراء قرؤوها بسكون الدال.\nوقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾. الواو واو القسم، والقرآن مجرور بها إذ الواو بدل الباء. فأقسم به سبحانه بيانًا لشرفه وتنبيهًا على جلالة قدره وعظمته وبيانه، وإشارة إلى إعجازه وسموّ معانيه، فهو كلام الله فيه شفاء لما في الصدور.\nوقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾. ذي: في محل جر صفة، وعلامة جره الياء، وفي مفهوم ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ معان جميلة وفيرة:","vol":"6","page":488},{"text":"المعنى الأول: (ذي الشرف). فعن أبي حصين: (﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال: ذي الشرف) ذكره ابن جرير.\nالمعنى الثاني: (ذي البيان). فعن ابن عباس ومقاتل: (﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذي البيان).\nالمعنى الثالث: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي يُرفع ذكر صاحبه المؤمن به العامل بمنهاجه. فعن الضحاك قال: (ذي الشرف، أي من آمن به كان شرفًا له في الدارين، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: أي شرفكم).\nالمعنى الرابع: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: فيه ذكركم وذكر أخباركم. ففي رواية عن الضحاك: (﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال: فيه ذكركم. قال: ونظيرتها ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾).\nالمعنى الخامس: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي التذكير يذكركم الله به بمنهج النجاة في الدنيا والآخرة. قال ابن جرير: (فكان معلومًا بذلك أنه إنما أخبر عن القرآن أنه أنزله ذكرًا لعباده ذكرهم به وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق). فرجح هذا المعنى وقال: (أي ذي التذكير ذكَّركم الله به أولى لأنه أتبع بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ فأنزله ذكرًا لعباده ذكَّرهم به).\nالمعنى السادس: أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين.\nالمعنى السابع: أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده. ذكره والذي قبله القرطبي.\nالمعنى الثامن: أي ذي الموعظة والذكر. أشار إليه الحافظ ابن كثير.\nقلت: وكلها معان متقاربة واختلافات تنوع لا تضاد، وغاية المعنى أن يقال: إن الله جل ثناؤه أقسم بعزيز وهو أعز ما يصل العباد به، وهو القرآن ذو الشرف والبيان، ذو التذكير والترغيب والترهيب، وذو الوعد والوعيد، وذو الخبر عن الأمم التي مضت وذكر أخبار الطغاة وما حاق بهم لما كذبوا القرآن وما عظموه ولم يتحاكموا إليه، وذكر مصير المؤمنين ومصير المجرمين يوم القيامة. قال الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.\nفالقرآن - كما جاء نَعْته في الأثر-: (كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزْلِ، مَنْ تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو","vol":"6","page":489},{"text":"الصراطُ المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلُقُ عن كثرة الرَّد، ولا تنقضي عجائبُه، هو الذي لم تنتهِ الجنُّ إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليهِ هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم).\nوأما جواب القسم ففيه أقوال:\nالقول الأول: قيل جوابه: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾، ذكره الحافظ ابن كثير، وذكره القرطبي عن الأخفش قال: (جواب اقسم ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾، ونحو منه قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾). قال ابن الأنباري: (وهذا قبيح لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص).\nالقول الثاني: قيل جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. فعن قتادة: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ قال: ها هنا وقع القسم). واختاره ابن جرير وقال: (﴿بَلِ﴾، دلت على التكذيب، وحلت محلّ الجواب، استغني عن الجواب).\nالقول الثالث: قيل جوابه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. قاله بعض النحويين في الكوفة. قال الكسائي: (جواب القسم قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾). وعارضه ابن الأنباري أيضًا كما عارض القول الأول. قال: (وهذا أقبح من الأول، لأن الكلام أشدُّ طولًا فيما بين القسم وجوابه).\nالقول الرابع: قيل جوابه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾. ذكره القرطبي.\nالقول الخامس: قيل جوابه ما تضمنته السورة بكمالها. ذكره ابن كثير.\nالقول السادس: قيل جوابه ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ كأنه قال: والقرآن لَكَمْ أهلكنا، فلما تأخرت (كم) حذفت اللام منها. كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ أي لقد أفلح. قال المهدوي: وهذا مذهب الفراء.\nالقول السابع: قيل الجواب محذوف. قال قتادة: (الجواب محذوف تقديره ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ لتبعثن). وقال القاسمي: (والجواب محذوف لدلالة السياق عليه أي إنه لحق).\nالقول الثامن: قيل جواب القسم ﴿ص﴾، لأن معناه حق، فهي جواب لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ كما تقول: حقًّا والله، نزل واللهِ، وجب والله، فيكون الوقف من هذا","vol":"6","page":490},{"text":"الوجه على قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ حسنًا وعلى ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ تمامًا. قاله ابن الأنباري وحكى معناه الثعلبي عن الفراء كما ذكر القرطبي.\nقلت: وغاية القول، إنها أجوبة للقسم كلها محتملة، ولكن خبأها الله ليكون ذلك أبلغ في الخوف منه من هذا القسم العظيم الذي أقسم به، والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ فيه أوجه من التفسير:\nالوجه الأول: أي لم ينتفع به الكفار لأنهم في كبر وعناد. قال الحافظ ابن كثير: (إن هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾: في استكبار عنه وحمية ﴿وَشِقَاقٍ﴾: مخالفة له ومعاندة ومفارقة). وهو تفسير جميل مناسب. قال النسفي: (﴿وَشِقَاقٍ﴾ خلاف لله ولرسوله، والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما وتفاقمهما).\nالوجه الثاني: أي الذين كفروا في عداوة ومشاقة لمحمد. واختاره ابن جرير وقال: (بل الذين كفروا بالله من مشركي قريش في حمية ومشاقة وفراق لمحمد وعداوة، وما بهم أن لا يكونوا أهل علم بأنه ليس بساحر ولا كذّاب. قال: ما الأمر كما يقول هؤلاء الكافرون بل هم في عزة وشقاق). وهو تفسير آخر لطيف مناسب.\nالوجه الثالث: أي الذين كفروا في استعلاء عن قبول الحق. ذكره القرطبي حيث قال: (أي في تكبر وامتناع من قبول الحق، كما قال جل وعز: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ والعزة عند العرب الغلبة والقَهْر). وقال القاسمي: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ أي كبر ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي عداوة للحق والإذعان له. إضراب عمّا قبله. كأنه قيل: لا ريب فيه قطعًا. وليس عدم إيمان الكفرة به لشائبة ريبٍ ممّا فيه. بل هم في حمية جاهلية وشقاق بعيد لله ولرسوله. ولذلك لا يذعنون له).\nقلت: ومنه يفهم قول مجاهد: (﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ قال: معازِّين)، وقول قتادة: (﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ قال: أي في حمية وفراق). فقد اعترى قلوبهم من الأمراض الفتاكة والأوبال الضارة والعيوب المدمرة: كحب الرياسة والعلو والكلمة النافذة والكبر وظلم الناس ما سيطر على قلوبهم وعمّ في حركة فكرهم وأفئدتهم وعشعش في نفوسهم، فلمّا لم يدافعوها ولم ينتفعوا بحقائق الحياة والموت والكون لمعاكستها وعلاجها، بقيت أمامهم فرصة ثمينة للاستفادة منها وهي نزول الوحي أمام أعينهم وسماع القرآن وهو يخاطب قلوبهم، ولكنهم أمام هذا النداء العظيم الذي أقرّوا به من داخلهم،","vol":"6","page":491},{"text":"انهزموا أمام شهواتهم فسقطوا صرعى كبرهم وعنادهم، وما سهر الشيطان على رعايته في قلوبهم، فعادوا وظهروا في عزة وشقاق أي في مظهر الكبر وعداوة محمد والحق وفي استعلاء واستهزاء، إذ أراهم الشيطان خَطر محمد والحق على زعاماتهم وعروشهم وما جمعوا في دنياهم.\nوالشقاق في لغة العرب من الشقّ: وهو نِصف الشيء، والمشاقَّةُ والشِّقاق: الخلاف والعداوة. فالمشركون في عزة وشقاق: أي في إظهار خلاف وعداوة ومباينة فكأن هذا في شق وذاك في شق.\nوقوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. أي: كم دَمَّرنا أقوامًا أشد منهم منعة وقوة فجأروا مستغيثين وبالتوبة منادين لكنهم فعلوا ذلك متأخرين حين فات الأوان. وفيه تفاسير:\nالتفسير الأول: نادوا بالتوبة حين لا تنفعهم. فعن الحسن: (﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل). وقال قتادة: (نادى القوم على غير حين نداء، وأرادوا التوبة حين عاينوا عذاب الله فلم يقبل منهم ذلك). قال ابن جرير: (فعجّوا إلى ربهم وضجوا واستغاثوا بالتوبة إليه حين نزل بهم بأس الله وعاينوا به عذابه فرارًا من عقابه وهربًا من أليم عذابه).\nالتفسير الثاني: نادوا مستنجدين في وقت ليس بحين نزو ولا فرار ولا مغاث. فعن ابن عباس: (في قوله ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس بحين نزو ولا حين فرار). وفي رواية: (ليس حين مغاث). والنزو: هو ضَرْبٌ من العَدْوِ والهرولة.\nالتفسير الثالث: قيل من عادة الأقوام إذا قاتلوا فاضطروا للفرار قال بعضهم لبعض (مناص).\nقال الكلبي: (كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض مناص، أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص، فقال الله ﷿: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾). قال القشيري: (وعلى هذا فالتقدير: فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه، أي ليس الوقت وقت ما تنادون به). واختار الأخفش أنها (لا) النافية للجنس زيدت عليها تاء.\nالتفسير الرابع: قيل المعنى لا خلاص: قال الجرجاني: (أي فنادوا حين لا مناص، أي ساعة لا منجىً ولا فوت). وقيل لا خلاص منصوب بوقوع لا عليه.","vol":"6","page":492},{"text":"وقيل فلما قدم (لا) وأخر (حين) اقتضى ذلك الواو. قال القرطبي ﵀: (فحين ظرف لقوله ﴿فَنَادَوْا﴾ والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص، أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص). وقال القاسمي: (أي وليس الحين حين فِرار ومهرب ونجاة). قال النسفي: (﴿فَنَادَوْا﴾ فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب ﴿وَلَاتَ﴾ هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على ربّ وثم للتوكيد. قال: وقوله: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ منجى منصوب بها كأنك قلت ولا حين مناص لهم). أي التقدير: وليس الحين حين مناص. قال ابن جرير: (وقد حقت كلمة العذاب عليهم وتابوا حين لا تنفعهم التوبة واستقالوا في غير وقت الإقالة).\nقلت: وخلاصة المعنى أن القوم استرسلوا في غيِّهم ومضوا في عنادهم وتكذيبهم، كل أمة منهم تكذب رسولها، فلما عاينوا العذاب والدمار الذي حُذّروا من وقوعه بهم، هُرعوا مسرعين إلى التوبة والاستغفار والتصديق فنادوا مستنجدين في ساعة متأخرة ليس فيها خلاص وفي وقت لا نزو فيه ولا فرار ولا مغاث.\nو(النَّوْصُ) في لغة العرب التأخر، و(المناص) الملجأ والمفَرُّ، وهو مفعل من النَّوْص.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.\nأي: فعجبوا أن لم ياتهم ملك ينذرهم بل بشر منهم. فَعن قتادة: (﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، يعني محمدًا - ﷺ -، فقال الكافرون هذا ساحر كذّاب). وفي صلة الآيات بما قبلها وما بعدها وجوه من البلاغة:\nالوجه الأول: أن يكون قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ اعتراضيًا ويكون الكلام بما قبله متصلًا، أي التقدير: بل الذين كفروا في عزة وشقاق وعجبوا.\nالوجه الثاني: أن يكون معنى ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ﴾ هو (وعجبوا من أن جاءهم) و(أنْ) في محل نصب.\nالوجه الثالث: أن يكون الكلام مستأنفًا بهذه الآية، أي: ومن جهلهم أظهروا التعجب واستبعدوا أن يكون النبي من البشر منذرًا لهم منهم.\nوكلها وجوه متقاربة مفادها أن الكفار استبعدوا بخفة عقولهم وقلوبهم أن يرسل الله فيهم رسولًا منهم يعرفون نسبه وصدقه، فقد تعلقت قلوبهم لخفتها بالخوارق والخيالات، لذلك اتهموه بالسحر وبأنه يجيء بالكلام المموّه الذي يخدع به الناس","vol":"6","page":493},{"text":"وما هو بصادق في دعوى النبوة، ونسبوا إليه التفريق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجتهِ.\nوقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾. أي: صيّر الآلهة إلهًا واحدًا، فإن جعل تعدت لمفعولين.\nوعن قتادة: (﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: عجب المشركون أنْ دُعوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعًا إله واحد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة).\nومنهم من فرّق بين العجيب والعجاب. ففي لغة العرب: العَجبُ والعجَابُ الأمر الذي يُتَعجَّب منه. وكذا (العُجَّاب) بتشديد الجيم وهو أكثر. قال الخليل: (العجيب العَجَب، والعُجَاب الذي قد تجاوز حدّ العَجَب). ونحوه طويل وطُوال فالطويل الذي به طول، والطُوال هو الموصوف بشدة الطول. قال القاسمي ﵀: (﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي بليغ في العجب. وذلك لتمكن تقليد آبائهم في نفوسهم، ورسوخه في أعماق قلوبهم. ومضيّ قرون عديدة عليه، وإلفهم به وأنسهم له، حتى ران على قلوبهم، وغشي على أبصارهم، ونسي باب النظر والاستدلال. بل محي بالكلية من بينهم، وصار عندهم من أبطل الباطل وأمحل المحال).\nوقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.\nيروي ابن سعد في الطبقات: (أن وفدًا من زعماء قريش قدموا إلى أبي طالب ليلتمسوا إليه أن يكف ابن أخيه، فاستدعاه وقال له: يا ابن أخي، هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا أن ينصفوك. فقال رسول الله - ﷺ -: قولوا: أسمع. قالوا: تدعنا وآلهتنا وندعك وآلهتك. قال أبو طالب: قد أنصفك القوم فاقبل منهم. فقال رسول الله - ﷺ -: أرأيتم إن أعطيتكم هذه هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم. فقال أبو جهل: إن هذه كلمة مربحة، أَنْعِم وأبيك لنقولنها وعشر أمثالها. فقال الرسول الله - ﷺ -: قولوا لا إله إلا الله، فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾).\nفاستنكر المشركون ما يدعُوهم إليه محمد صلوات الله وسلامه عليه، وعلموا أن لا إله إلا الله تفضح الظلم والبغي وتهدد القصور والعروش الآثمة وتدعوهم أن يتركوها، لقد علموا أن لا إله إلا الله تكشف الأموال الحرام التي يأكلونها، ولا تغطي","vol":"6","page":494},{"text":"على الدماء الحرام التي يسفكونها، حبًّا منهم بالفاحشة والكبر في الأرض وتقليد الشياطين في ما يفسدونها ولا يعمرونها. فقالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي يريد محمد بدعوته الشرف والاستعلاء عليكم). ثم ذكر رواية ابن أبي حاتم والسدي للحديث السابق قال: [استأذن نفر من مشيخة قريش فيهم أبو جهل والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وغيرهم على أبي طالب فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا، وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا. فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله - ﷺ - قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال رسول الله - ﷺ -: يا عم! أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ قال: وإلامَ تدعوهم؟ قال: أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون العجم، فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي؟ وأبيك لنعطينّكها وعشرَ أمثالها. قال رسول الله - ﷺ -: تقولون: لا إله إلا الله. فنفروا وقالوا: سلنا غيرها. قال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها فقاموا من عنده غضابًا وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾]. وأن: في محل نصب، والمعنى بأن امشوا. وقيل بل بمعنى أي امشوا.\nوأما لفظ ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي - ﷺ - فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله - ﷺ - مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي! ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله - ﷺ - فقال: يا عم إني أريدُهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العربُ، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله. فقال القوم كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عشرًا. فقالوا وما هي؟ فقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله. قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ لْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾]. وفي رواية: (فقاموا وهم يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا","vol":"6","page":495},{"text":"اخْتِلَاقٌ﴾ ونزل القرآن ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي الشرف ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ حتى قوله ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾). وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل وأبو معيط.\nوعن مجاهد: (﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قال: عقبة بن أبي معيط). ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: (أي إن هذا القول الذي يقول محمد ويدعونا إليه من قول لا إله إلا الله شيء يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا وأن نكون له فيه أتباعًا ولسنا مجيبيه إلى ذلك). ثم قال سبحانه يصف قولهم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. وفيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أي النصرانية. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ يعني النصرانية. فقالوا: لو كان هذا القرآن حقًّا أخبرتنا به النصارى). وقال قتادة: (يعنون ملة عيسى النصرانية وهي آخر الملل). قال الحافظ ابن كثير: (قالوا لو كان هذا القرآن حقًّا لأخبرتنا به النصارى).\nالتفسير الثاني: ملة قريش. فعن مجاهد: (﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ قال: ملة قريش).\nالتفسير الثالث: قيل يعني في آخر الزمان. فعن الحسن قال: (ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان).\nالتفسير الرابع: قيل بل عنى بذلك دين قريش وزمانهم. فعن قتادة: (﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي في ديننا هذا ولا في زماننا قطّ).\nالتفسير الخامس: قيل الملة الدين. قال ابن زيد: (الملة الآخرة: الدين الآخر، قال: والملة الدين).\nالتفسير السادس: قيل المراد أهل الكتاب. أي: (ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمدًا رسول حق) ذكره القرطبي.\nقلت: وغاية المعنى أن قريشًا قد استنكروا الدعوة إلى التوحيد في عالم يعيشونه مليء بالوثنيات والشرك ونسبة الولد إلى الله والاعتقاد بالوسطاء والشفعاء ونسبة البنات إلى الله بأنهم الملائكة وغير ذلك مما كان يسود الأرض أيام بعثة النبي - ﷺ - من خرص اليهود وضلال النصارى وضياع الأمم، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. هو من الخلق والابتداع. ففي لغة العرب خَلَقَ الإفكَ واخْتَلَقَهُ وتَخَلّقهُ إذا افتراه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. وخلق واختلق إذا","vol":"6","page":496},{"text":"ابتدعَ، ومنه خَلْقُ الله الخلقَ ابتداعهم على غير مثال. فأراد المشركون أن يقولوا إن هذا إلا كذب وتخرص.\nفعن ابن زيد: (في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ قالوا: إن هذا إلا كذب). وعن السُّدي: (﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ اختلقه محمد - ﷺ -). وعن قتادة: (﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ إلا شيء تَخْلُقُه).\nوقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾. فاستبعدوا تخصيص محمد - ﷺ - بالنبوة والقرآن والوحي أن ينزل عليه من بينهم كلهم وقد كانوا يقولون كما حكى الله عنهم في سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. فهم يريدون الحق أن يمضي في أعرافهم وتقاليدهم فيقع وينزل إلى رؤسائهم وزعمائهم. فعن ابن عباس قال: (يعني بالعظيم: الوليدَ بنَ المغيرة القرشي أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي. وبالقريتين: مكة والطائف). فأجابهم الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾.\nفقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ استفهام إنكار وعنى بالذكر القرآن، فقد كانت قلوبهم تغلي بالحسد على ما أوتي محمد من شرف النبوة. قال ابن جرير: (أأنزل على محمد الذكر من بيننا فخصّ به وليس بأشرف منا حسبًا). وقال القاسمي: (أي مع أن فينا مَنْ هو أثرى وأعلى رياسة).\nثم قال جل ثناؤه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. قال القرطبي: (أي من وحيي وهو القرآن. أي قد علموا أنك لمِ تزل صدوقًا فيما بينهم، وإنما شكوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي إنما اغتروا بطول الإمهال ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك ولما قالوا ذلك، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ). فهؤلاء المشركون ما زالوا على يقين بأن محمدًا صادق ولكنهم ما استطاعوا أن يُصَدِّقوا بأن الله يوحي إليه وبأنه يتلقى القرآن من لدن حكيم خبير، فإن الكبر أعماهم عن قبول ذلك، وبأنه لو كان حقًّا لكانوا هم أولى به، ولكنهم لم يذوقوا عقابَ الكبر بعد من الله، والكبر من أكبر الشرك، وإنما أمهلهم الله ولو عاجلهم بالعذاب لما نطقوا بهذا الهزل، ولكنهم إذا نزل بهم العذاب فلا ينفعهم حينئذ إيمان ولا إحسان ولا إسلام. ولمّا بمعنى لم وما زائدة.\nقال الحافظ ابن كثير: (إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا عذاب الله ونقمته). قلت:","vol":"6","page":497},{"text":"ولمّا نفي لفعل يتوقع وجوده وهي لائقة هنا فإنك لا تقول (الحجر لما يتكلم) وإنما تقول (الحجر لا يتكلم)، ففيه إشارة إلى أن العذاب قادم لا يستحيل بحقهم بل هو واقع بهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾. أم هنا للتقريع لاتصال الكلام بما قبله كقوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾. فاستنكروا ذلك لأن ملك خزائن السماوات والأرض لهم فكان الأولى أن يختاروا هم للرسالة من شاؤوا. كلا، الأمر ليس لهم بل لله ولو تركه لهم لاختاروا ما يضرهم وما لا ينفعهم، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. قال ابن جرير: (﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ يعني مفاتيح رحمة ربك يا محمد العزيز في سلطانه الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من مُلك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد ما من الله به عليك من الكرامة وفضّلك به من الرسالة). فالله سبحإنه له الأمر من قبل ومن بعد. قال في سورة الأنعام: ﴿للَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. وقال في سورة القصص: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فهو العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد فتبارك الله العزيز الحكيم.\nلقد أخرج ابن ماجة والطبراني بسند حسن عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: [عندَ اللهِ خزائن الخير والشر، مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعلهُ الله مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، وويل لمن جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. هو تقريع آخر وتوبيخ للمشركين ومنطقهم وتفكيرهم، فإن كانوا يظنون أن لهم ملكًا في السماوات فليصعدوا وليمضوا في معارج الوصول علّهم يصلون إلى العرش فيجلسوا عليه فيتحكموا بملكهم ويشرفوا على خزائنهم وينزلوا الوحي بما شاؤوا على من أرادوا وأحبوا.\nوفي لغة العرب رقيَ يرقى وارتقى إذا صَعِدَ، والسبب: الحبلُ وكلُ شيء يُتَوصَّل به إلى غيره، وأسباب السماء نواحيها، وقيل الأسباب الحبال. قال أبو جعفر: (وأصل\n_________\n(١) حديث حسن. انظر سنن ابن ماجة (٢٣٧)، وكتاب \"السنة\"- لابن أبي عاصم - (٢٥١)، (٢٥٢).\nورواه الطبراني والبيهقي. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٣٢).","vol":"6","page":498},{"text":"السبب عند العرب كل ما تسبب به إلى الوصول للمطلوب من حبل أو وسيلة أو رحم أو قرابة). فعن الربيع بن أنس قال: (الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد ولكن لا ترى). وفي معنى الأسباب وَرَدَ أقوال:\nالقول الأول: عن مجاهد قوله: (﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ قال: طرق السماء وأبوابها). وعن قتادة قال: (الأسباب أبواب السماوات التي تنزل الملائكة منها). وقال السدي: (أسباب السماوات).\nالقول الثاني: عن السدي: (﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ قال: في الفضل والدين).\nالقول الثالث: الأسباب: الحبال. قال القرطبي: (يعني إن وجدوا حبلًا أو سببًا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا وهذا أمر توبيخ وتعجيز. قال: فليصعدوا إلى السماوات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد).\nالقول الرابع: الأسباب: القوة. فقد روي عن أبي عبيدة من أهل اللغة: (أي فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة).\nالقول الخامس: الأسباب: السماوات نفسها، أي فليصعدوا سماء سماء.\nوخلاصة القول: فإذا كان لهؤلاء المشركين الذين هم في عزة وشقاق وكبر ومعاندة، ملك في السماوات والأرض وما بينهما، فليصعدوا في أبواب وطرق السماء ليؤكدوا ملكهم وقوتهم فيدبروا الأمر ويتفقدوا الكون ويتعهدوا ويشرفوا وينزلوا الوحي بما شاؤوا على من يختاروا، وإلا فإن الله لا يعازّه ولا يشاقّه من كان في ملكه وسلطانه.\nوقوله تعالى: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. هو وعد بالنصر من الله لنبيّه على هؤلاء المكذبين، والتقدير هم جند، فجند خبر لمبتدأ محذوف، و(ما) زائدة أو صفة للجند، و(هنالك) إشارة لمعركة بدر وهو الموضع الذي تَحَزَّبوا فيه لقتال المؤمنين. وقيل بل هو إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول. قال القاسمي: (فهو مجاز). وقد رود في الآية معان متقاربة:\nالمعنى الأول: المراد يوم بدر. فعن قتادة قال: (وعده الله وهو بمكة يومئذ أنه سيهزم جندًا من المشركين فجاء تأويلها يوم بدر). وقال الحافظ ابن كثير: (هذه الآية كقوله جلت عظمته ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وكان ذلك يوم بدر).","vol":"6","page":499},{"text":"المعنى الثاني: المراد الأحزاب يوم الخندق يوم أتوا المدينة وتَحَزَّبوا على النبي - ﷺ - وخان اليهود ومكروا.\nالمعنى الثالث: المراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفار التي دمّرها الله بكفرها. فعن مجاهد: (﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ قال: قريش من الأحزاب. قال: القرون الماضية). وقال ابن جرير ﵀: (يعني من أحزاب إبليس وأتباعه الذين مضوا قبلهم فأهلكهم الله بذنوبهم). قال القرطبي: (أي هؤلاء جند على طريقة أولئك، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي على ديني ومذهبي).\nالمعنى الرابع: أي جند هذه الآلهة المزيفة مهزوم لا محالة. قال الفراء: (المعنى هم جندٌ مغلوب، أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء).\nوقال القتبي: (يعني أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم، فهم لا يقدرون على أن يدّعوا الشيء من آلهتهم، ولا لأنفسهم شيئًا من خزائن الله، ولا من ملك السماوات والأرض). وقال النسفي: (﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ متعلق بجند أو بمهزوم، يريد ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسول الله - ﷺ - مهزوم عما قريب فلا تبال بما يقولون ولا تكترث لما به يهذون).\nوجملة القول أنها أقوال متقاربة مفادها أن هؤلاء المعاندين للوحي المفضلين الاحتكام لأهوائهم سينالون مصير الباطل الذي سنّه الله له يوم يقوى أهل الحق ويرضى عن حالهم فيقذفهم على الباطل وجنده، ويذيقهم يومًا من أيام الله التي تعود بين الفينة والأخرى لتخرس الباطل في الأرض كلما ضجّ وجال وفتن النّاس.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾.\nيخاطب الله نبيّه محمد صلوات الله وسلامه عليه معزّيًا له مما يلقى من المشركين ومُسَلّيًا له ليصبر على محن الطريق بأن ملل الكفر مصيرها واحد، فها هم أحزاب البغي والكبر في عصر الرسل ﵈ قد دمّرهم الله بذنوبهم لما أسرفوا وآثروا أهواءهم وشهواتهم على تعظيم الحق والقيام بأمر الوحي.\nوفي تأنيث ذكر الله للقوم وجهان عند أهل العربية:\nالوجه الأول: أنه يجوز فيه التذكير والتأنيث.","vol":"6","page":500},{"text":"الوجه الثاني: أنه مذكرٌ وإنما المعنى وقع على القبيلة والعشيرة فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾.\nوأما وصف فِرعون بذي الأوتاد فقد ورد في تفسير ذلك معان متقاربة:\nالمعنى الأول: ذو البناء القوي. فعن ابن عباس قال: (المعنى ذو البناء المحكم).\nالمعنى الثاني: ذو الأوتاد إشارة لكثرة البنيان. فعن الضحاك قال: (كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادًا).\nالمعنى الثالث: قيل لفرعون ذي الأوتاد لأنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها.\nفعن ابن عباس: (﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ قال: كانت ملاعب يلعب له تحتها). وعن قتادة قال: (كان له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها). قال النسفي: (قيل كانت له أوتاد وحبال يلعب بها بين يديه).\nالمعنى الرابع: أي ذو القوة والبطش والتنكيل. فعن الضحاك قال: (ذو القوة والبطش). وعن السُدّي: (في قوله: ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾ قال: كان يُعَذّب الناس بالأوتاد، يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع صخرة تُمَدُّ بالحبال ثم تُلقى عليه فتشدخه). وقال مقاتل: (كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مدّه مستلقيًا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت). قال القرطبي: (وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوارٍ، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وَتِد من حديد ويتركه حتى يموت).\nالمعنى الخامس: قيل ذو الأوتاد: إشارة إلى كثرة الجنود، فكنى بالأوتاد يصف بها الجنود لأنهم يقوّون أمره ويثبتون حكمه، كما يقوي الوتد البيت وكما يثبت الوتد الخيمة. قال ابن قتيبة: (العرب تقول هم في عزّ ثابت الأوتاد، يريدون دائمًا شديدًا). ذكره القرطبي وقال: (وأصل هذا أن البيت من بيوت الشَّعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. قال الأسود بن يَعْفُر:\nولقد غَنَوْا فيها بأنعم عيشة ... في ظل مُلْكٍ ثابتِ الأوتاد\nقال: وواحد الأوتاد وتِد بالكسر، وبالفتح لغة). قال القاسمي: (﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾: أي الملك الثابت. وأصله البيت المطنّب، أي المربوطة أطنابه - أي حباله - بأوتاده. استعير للملك استعارة تصريحية. ثم قال: أو المعنى: ذو الجموع الكثيرة.","vol":"6","page":501},{"text":"سمّوا بذلك لأن بعضهم يشد بعضًا، كالوتد يشد البناء).\nقلت: وكل ما سبق من التفاسير صادق في وصف ملك فرعون وطبيعة نفسه من الطغيان والكبر الذي يحتاج للمباني العظيمة، والهياكل الثابتة الفخيمة، وأسباب الترف واللعب وألوان القسوة في تعذيب مخالفيه، وكثرة الشرط والعملاء والجند، شأن الطغاة في كل زمان ومكان، والله تعالى أعلم.\nوأما أصحاب الأيكة: فهم قوم شعيب صلوات الله وسلامه عليه، والأيكة: الغيْضَة، فهم سكان الغيضة الكثيفة الملتفة الشجر. فعن قتادة: (﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قال: كانوا أصحاب شجر. وكان عامة شجرهم الدوم). وعن السُّدي: (قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قال: أصحاب الغَيْضَة).\nوخلاصة القول: فلقد كذب نوحًا قومُه كما كذب هودًا قومه عاد، كما استكبر فرعون وجنده وطغوا في الأرض، كما كذب صالحًا قومه ثمود وكذلك كذب لوطًا قومُه أصحاب الأخلاق الدنيئة وأهل الفاحشة والرذيلة، كما كذب شعيبًا قومُهُ أصحابُ الشجر الملتف الكثيف، فهؤلاء جميعهم أحزاب مضت قبل قريش تحزبوا على أنبيائهم وتطاولوا على الحق والوحي فأنذرهم الله فتمادوا فدكهم ودمرهم وجعلهم للناس أحاديث فإن الله لا يحابي أحدًا، وهؤلاء قومك يا محمد إن تمادوا فهم مسلوك بهم سبيل من قبلهم ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾. وكقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾. قال قتادة: (هؤلاء كلهم قد كذبوا الرسل فحق عليهم العذاب). فمن كذب رسوله فقد كذب الرسل فإن (إن) نافية وجملة (كَذَّبَ) هي الخبر، فتكذيب واحد من الرسل تكذيب للكل.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾. أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون من قريش إلا صيحة الفزع يوم القيامة بعد أن عاينوا صيحة بدر وذل الهزيمة والقتل فيها، وتلك الصيحة يوم البعث لا رجعة فيها. و﴿يَنْظُرُ﴾ بمعنى ينتظر، كقوله سبحانه: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾، وقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. و﴿هَؤُلَاءِ﴾ هم كفار مكة. وقد جاء في هذه الآية تفاسير متقاربة من حيث الخطاب:\nالتفسير الأول: الصيحة هي النفخة الأولى والخطاب لكفار مكة. قال ابن جرير: (وما ينظر هؤلاء المشركون من قريش إلا النفخة الأولى في الصور، وهي صيحة واحدة","vol":"6","page":502},{"text":"مالها من فواق، قال: يقول ما لتلك الصيحة من فيقة يعني من فتور ولا انقطاع). وبنحوه قال الحافظ ابن كثير: (أي مالها من رجعة تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها، أي اقتربت ودنت، وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل يُطَوِّلها فلا يبقى أحد في السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله).\nوقال القرطبي: (أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة القيامة. قال: وقيل ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور، كما قال تعالى ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ وهذا إخبارٌ عن قرب القيامة والموت).\nالتفسير الثاني: الخطاب لجميع الأحزاب. قال النسفي: (﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ وما ينتظر أهل مكة، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب).\nالتفسير الثالث: الخطاب لكفار هذه الأمة إلى آخرها. أي ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة المتدينين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة. ذكره القرطبي.\nوأما قوله: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾. فإن العرب يلفظونها بالفتح والضم (فَواق) و(فُواق). قال الرازي في مختار الصحاح: (والفُوَاق بضم الفاء وفتحها ما بين الحلبتين من الوَقتِ لأنها تُحْلَبُ ثم تُتْرَك سُوَيعةً يَرْضَعُها الفصيل لِتَدُرَّ ثم تُحْلَب. يقال: ما أقام عنده إلا فُواقًا. قال: وقوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يُقرأ بالفتح والضم أي ما لَها من نَظرةٍ وراحة وإفَاقَةٍ). والفيقة بالكسر اسم اللبن الذي يجتمع بين الحَلْبتين كما قال الأعشى:\nحتى إذا فيقةٌ في ضَرعِها اجتمعت ... جاءتْ لتُرضِعَ شِق النَّفْسِ لوْ رضعا\nوالمراد بشق النفس ولدها لأنه قطعة منها. وقد قرأها قراء المدينة والبصرة بالفتح (فَواق)، وقرأها قراء الكوفة بالضم (فُواق).\nفقوله: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فيه أوجه من التأويل متقاربة:\nالوجه الأول: الصيحة نفخة الفزع مالها من ارتداد ولا رجوع. فعن ابن عباس: (﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: من ترداد). وفي رواية عنه قال: (يقول ما لها من رجعة).\nوقال قتادة: (يعني الساعة ما لها من رجوع ولا ارتداد). قال النسفي: (من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة وفواق الناقة ساعة يرجع الدّر إلى ضرعها، يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد). قال القرطبي: (والمعنى المراد أنها ممتدة لا تقطيع فيها).","vol":"6","page":503},{"text":"الوجه الثاني: المراد ما لهؤلاء المشركين إذا سمعوا النفخة رجوع إلى الدنيا. فعن السُدّي: (﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: ليس لهم بعدها إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا).\nالوجه الثالث: قيل المراد بالصيحة العذاب. أي: إن ما ينتظرون عذابٌ لا إفاقة منه. فقد روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله ﷿ على أهل الأرض).\nوعن ابن زيد في قوله ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ قال: (ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ما لها من فواق، يا لها من صيحة لا يفيقون فيها كما يفيق الذي يغشى عليه، وكما يفيق المريض تهلكهم ليس لهم فيها إفاقة).\nقلت: وجملة القول أنَّ هؤلاء المشركين الذين يسلكون منهاج الأحزاب الماضية الذين تَحَزَّبوا على أنبيائهم ورسلهم بالعناد والتكذيب والاستهزاء بالوحي مدعوّون اليوم لأن ينالوا ما حاق بأولئك من قبلهم وكذلك من سيأتي بعدهم ويمضي على طريقتهم في الاستهزاء والكبر، فالكل ينتظرون صيحة العذاب في الدنيا والفزع يوم القيامة فتأتيهم بغتة بنفخة واحدة لا تقطيع فيها فلا يستطيعون رجوعًا إلى الدنيا، ولا إفاقة لهم من تبعاتها، ولا وقت ولا فرصة تُعطى لهم بعدها.\nلقد أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظِرُ متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعمَ الوكيل] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قال الفراء: (القطّ في كلام العرب الحظّ والنصيب). وقال أبو عبيدة: (القِطّ الكتاب بالجوائز والجمع القطوط). وقال الرازي: (القِط الكتاب والصَّك بالجائزة ومنه قوله تعالى: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾). ففي لغة العرب يقال للنصيب قِطٌّ وللكتاب المكتوب بالجائزة قطّ. وفي الآية وجوه من التأويل:\nالتأويل الأول: المراد تعجيل العذاب في الدنيا. قال ابن عباس: (سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامة). وقال مجاهد: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٣١). انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٨٠).","vol":"6","page":504},{"text":"عذابنا). وقال قتادة: (﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي نصيبنا: حظنا من العذاب قبل يوم القيامة. قال: قد قال ذلك أبو جهل: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًّا ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ .. الآية).\nالتأويل الثاني: قيل المراد تعجيل منازلهم مِن الجنة ليصدقوا محمدًا. قال الحسن: (نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا). وعن السُدّي: (قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ﴾ قالوا: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك. قال: سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به).\nالتأويل الثالث: قيل سألوا نصيبهم من الجنة أن يُعجَّل لهم في الدنيا. فعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قال: (نصيبنا من الجنة).\nالتأويل الرابع: قيل المراد بسؤالهم عجل لنا أرزاقنا. فعن إسماعيل بن أبي خالد قال: (المعنى عجل لنا أرزاقنا).\nالتأويل الخامس: قيل المراد عجل لنا ما يكفينا. ذكره القرطبي وقال: من قولهم: قَطْنِي، أي يكفيني.\nالتأويل السادس: قيل المراد بسؤالهم أن يُعَجّل لهم بكتبهم التي أخبرهم أنهم آخذوها بأيمانهم أو بشمائلهم. ذكره ابن جرير حيث قال: (قيل سألوه أن يعجل لهم كتبهم التي قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ في الدنيا لينظروا بأيمانهم يُعطونَها أم بشمائلهم ولينظروا من أهل الجنة هم أم النار استهزاء بالقرآن ووعد الله).\nوجملة القول أَنَّ كفار مكة وصل بهم الاستهزاء ما وصل بقوم نوح من قبل وبقوم عاد وثمود وقوم لوط، فقد سألوا النبي ﵇ سخرية تعجيل ما ينذرهم به إن تمادوا في الغي وتكذيب الوحي، بأن يعجل لهم عذاب الدنيا أو رؤية آيات الدمار والهلاك أو يريهم الجنة وأرزاقها وما يوعدون به لو آمنوا، ليكون ذلك مما يحملهم على التصديق، أو يريهم كتبهم التي سيعطونها يوم القيامة، إلى غير ذلك مما يخطر ببال المتكبر المعاند، فإن أصل القِطّ القَطّ وهو القطع، فالقِط اسم للقطعة من الشيء فأطلق على النصيب والرزق والكتاب وهو في الكتاب أكثر شهرة ولكن أطلق على الرزق لقطعه عن غيره والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":505},{"text":"قال النسفي: (ويقال لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس).\nوقوله: ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. أي: قبل حلول يوم القيامة فهم يريدون ذلك في الدنيا، إذْ أمر الآخرة عندهم في شك. قال ابن جرير: (إن القوم سألوا ربهم تعجيل صِكاكهم بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعده الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله).\n١٧ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الجبار سبحانه نبيّه محمدًا ﵊ مخففًا عليه مما يلقاه من المشركين واستهزائهم، مسليًا له في صبره على أذاهم، أن اصبر على هذه المكاره فإنا ممتحنوك امتحاننا سائر إخوتك الرسل من قبلك، ثم جاعلو العلو والنصر والظفر لك على من كذبك، سنتنا في الرسل وظفرهم على مكذبيهم من الأمم قبلك، ومن هؤلاء الإخوة داود ﵊، فقد كان قويًا في العبادة والعلم، رجاعًا لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أوابًا مطيعًا، وآتيناه من القوة وأسبابها كرامة له ورفعة وتأييدًا، فتلك الجبال سخرناها له إذا سبّح ستحت معه وجاوبته بالحق","vol":"6","page":506},{"text":"غدوًا وعشيًا، وشاركته بذلك الطير فسبحت واجتمعت في الهواء تعظم الجبّار المتكبر سبحانه، وزودناه فوق ذلك بأسباب الملك والقوة وكل ما يحتاج إليه الملوك من الجند والحديد لينصر الحق ويحكم به، وأعطيناه من الحكمة والفهم والنبوغ في الحكم والقضاء ما يستعين به مع الحديد والقوة لإقامة العدل في الأرض والحكم بمنهج الوحي، ثم قصّ سبحانه امتحانه لداود ﵇ ليثبت لديه إقامة منهج العدل في الحكم والقضاء، وذلك حين كان في محرابه وهو أشرف مكان في داره، فتسوّر رجلان عليه المحراب ففزع إذ دخلوا عليه فجأة من غير بابه، يختصمان إليه ويسألانه أن يحكم بالعدل والحق بينهما ولا يُسرف بالميل إلى أحدهما، فذكر أحدهما أن لصاحبه تسعة وتسعين نعجة وهي أنثى الضأن وأن له نعجة واحدة فسأله أن يكفلها له فيصبح له مئة، فلم يسمع داود ﵇ من الآخر وإنما قضى بما سمع من طرف واحد بأن صاحب ذلك السائل قد ظلمه بهذا العمل والسؤال والإحراج، وبأن أصحابَ السوء كثير، والصالحين منهم قليل، ثم تبين لداود بأنه قد فتنه الله بهذه المسألة وبأنه قد تسرع في الحكم دون أن ينصت ويصغي لسماع الطرف الآخر فاستغفر ربه سبحانه فتاب الله عليه ووعده بحسن المنزلة يوم القيامة فإنه من عباد الله الصالحين. ثم أعاد له سبحانه صياغة نتيجة ذلك الامتحان والاختبار، بأن الله جل ثناؤه قد اختاره حكمًا في الأرض بمنهج الوحي والحق والعدل، فليحذر مسالك الشيطان ووساوسه واتباع الرأي والهوى دون حجة أو علم أو تثبت، فإن الذين يضلون عن اتباع منهج الوحي والحق والعدل في حكمهم ويؤثرون عليه أهواءهم وحظوظهم، سينالهم عذاب شديد من الله العظيم، أنْ تحاكموا إلى غير شرعه وأهملوا يوم القيام بين يديه والاستعداد للقائه.\nوتفصيل ذلك:\n﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يا محمد فإن الله قد وعدك بالنصر والظفر فلا يحزنك استهزاؤهم فهم ماضون إلى ذلهم وهوانهم. قال ابن جرير: (فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك ثم جاعلو العلو والرفعة والظفر لك على من كذبك وشاقّك، سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك، فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا). وقيل: المعنى اصبر على قولهم، واذكر لهم أقاصيصَ الأنبياء لتكون برهانًا على صحة نبوتك، والأول أظهر.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. أي صاحب القوة في العلم والعمل. قال ابن عباس: (ذا الأيد: ذا القوة).","vol":"6","page":507},{"text":"فعن قتادة: (﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ قال: أُعطي قوة في العبادة وفقهًا في الإسلام). وقال ابن زيد: (في قوله: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ قال: ذا القوة في عبادة الله. الأيد: القوة، وقرأ ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ قال: بقوة).\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله -ﷺ- قال له: [أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نِصفَ الليل ويقوم ثلثَهُ وينام سُدُسَهُ ويصوم يومًا ويفطر يومًا]. واللفظ للبخاري (١).\nفقد كان داود ﵊ مثلًا أعلى في القوة في العبادة، وكان متميزًا في أشد أنواعها وهي الصلاة في الليل والدعاء، والصيام في النهار، فأورثه الله بها قوة في الجهاد وصبرًا عند الشدائد واللقاء، وجمع له معها قوةً في العلم والفهم والحكم وفصل القضاء، فكان له بذلك شرف عند الله ومكانة عالية أظهرها سبحانه بقوله ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ إبرازًا لشرفه بهذه الإضافة.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال مجاهد: (رجاع عن الذنوب). وقال قتادة: (أي كان مطيعًا لله كثير الصلاة). وقال الضحاك: (أي تواب). وقيل: أنه كلما ذكر ذنبه أو خطر على باله استغفر منه فكان رجّاعًا إلى الله في جميع شؤونه وأحواله، حرفي أن يقتدى به.\nوآب في لغة العرب: رجع. قال ابن جرير: (إن داود رجّاع لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أواب).\nقلت: وهذه الصفة من صفات أعلام النبوة. فقد امتدح الله بها إبراهيم ﵊ بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾. وامتدح بها سليمان ﵊ بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. ووعد المؤمنين الموصوفين بهذه الصفة مغفرة وخيرًا فقال جل ثناؤه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. وامْتُدِحَ إمام الأوابين بها، محمد صلوات الله وسلامه عليه، كما روى النسائي وابن حبان بسند صحيح عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [إني لأتوبُ إلى الله تعالى في اليوم سبعين مرة] (٢). وكما روى الترمذي عن أبي هريرة عنه صلوات الله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٣١)، كتاب التهجد. ورواه مسلم (١١٥٩) بنحوه.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح ابن حبان (٢٤٥٦)، وصحيح الجامع الصغير (٢٤٧٣).","vol":"6","page":508},{"text":"وسلامه عليه قال: [إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة] (١). ورواه ابن حبان ولفظه: [إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة]- وأصله في صحيح الإمام البخاري.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. فسخر له سبحانه الجبال الشامخات تجيبه وترجّع معه التسبيح والتهليل والتعظيي فرحًا منها بذكر الله سبحانه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. وكقوله جل وعز: ﴿قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. وكقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. وعن قتادة: (﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ قال: يسبحن مع داود إذا سبَّحَ بالعشي والإشراق). وقال ابن زيد: (حين تُشرق الشمس وتضحي). وقال ابن عباس: (يسبّحن: يصلين). وقال ابن جرير ﵀: (يقول تعالى ذكره: إنا سخرنا الجبال يسبّحن مع داود ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ وذلك من وقت العصر إلى الليل، ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ وذلك بالغداة وقت الضُّحا. ذكر أن داود كان إذا سبح سبحت معه الجبال).\nقلت: فقوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في محل نصب حال، وكان هذا معجزة من الله سبحانه وبرهانًا أيَّد به نبيّه داود ﵇، وكان يفقه ما يقولون كما قال مقاتل: (كان داود إذا ذكر الله جل وعز ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال). وقد آتاه الله من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دوي حسن، وما تصغي لحسنه وجماله الطير فتصوّت معه وتشاركه بذلك الطبيعة إيمانه وتوحيده وذكره وتعظيمه فتعالى الله أحسن الخالقين.\nوأما الإشراق في لغة العرب فهو يطلق على ابيضاض الشمس بعد طلوعها فيقال: شرقت الشمس أي طلعت وأشرقت إذا أضاءت، وأشرق وجه الرجل أي أضاء وتلألأ حُسْنًا. فكان داود ﵊ يسبح إثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها.\nقلت: وهذا هو وقت الضُّحا وصلاته سمّاها رسول الله -ﷺﷺ- صلاة الأوابين. قال ابن عباس: (ما عرفت صلاة الضُّحا إلا بهذه الآية ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٢٥٩). انظر صحيح الترمذي (٢٥٩٧). وانظر صحيح البخاري (١/ ١٨٦)، وصحيح الجامع (٢٤٧٩).","vol":"6","page":509},{"text":"فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة عن النبي -ﷺﷺ- قال: [صلاةُ الضُّحا صلاةُ الأوابين] (١).\nوقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه أن زيدَ بن أرْقَم رأى قومًا يصلون من الضُّحا فقال: أمَا لقد عَلِمُوا أن الصلاة في غيرِ هذه الساعةِ أفضل، إن رسول الله -ﷺ- قال: [صلاة الأوابين حين تَرْمَضُ الفِصَال] (٢).\nوفي رواية قال: خرج رسول الله -ﷺ- على أهل قُبَاء وهم يُصلون فقال: [صلاة الأوابين إذا رمِضَتِ الفِصَالُ]. والفصال جمع فَصيل وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل، والرمضاء شدة الحر في الأرض. قال القرطبي: (وخصّ الفصال هنا بالذكر، لأنها هي التي تَرْمَض قبل انتهاء شدة الحر التي تَرْمَضُ بها أمهاتها لقلة جَلَدها وذلك يكون في الضُّحا أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: [أوصاني خليلي -ﷺ- بصيام ثلاثةِ أيام من كل شهر، وركعتي الضُّحا، وأن أوتِرَ قبل أن أرقُدَ] (٣).\nوفي صحيح الإمام مسلم عن أبي ذر ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويُجْزئ من ذلك ركعتان يَركعهما من الضُّحا] (٤).\nوفي المسند عن بُريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله -ﷺﷺ- يقول: [في الإنسان ستون وثلاثُ مئة مَفْصِلٍ، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل صدقة. قالوا: فمن يطيق ذلك يا رسول الله -ﷺ-؟ قال: النخاعةُ في المسجد تدفِنُها، والشئ تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدِر، فركعتا الضُّحا تُجزئ عنك] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة. انظر صحيح أبي داود (١٢٨٦)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٧٢١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢/ ١٧١)، وأحمد (٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وابن خزيمة (١١٢٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٩٨١) -كتاب الصوم-، ورواه مسلم في الصحيح (٧٢١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٧٢٠) -كتاب صلاة المسافرين- ح (٨٤). ورواه أبو داود -حديث رقم- (١٢٨٦).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان. انظر صحيح أبي داود (٤٣٦٥)، وصحيح ابن =","vol":"6","page":510},{"text":"وفيه أيضًا عن عبد الله بن عمرو، وعند أبي يعلى من طريق أبي هريرة بإسناد رجاله رجال الصحيح واللفظ له قال: [بعثَ رسول الله -ﷺﷺ- بعثًا فأعظموا الغنيمة وأسرعوا الكرّة، فقال رجل: يا رسول الله -ﷺ- ما رأينا بعثًا قط أسرعَ كَرَّةً ولا أعظمَ غنيمة من هذا البعث. فقال: ألا أخبركم بأسرعَ كرةً منهم، وأعظم غنيمة؟ رجلٌ توضأ فأحسن الوضوء، ثم عمدَ إلى المسجد، فصلى فيه الغداةَ، ثم عقَّب بصلاة الضّحوة، فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة] (١).\nوأقل الضُّحا ركعتان وأكثره ثمان ركعات: ففي الصحيحين عن أم هانئ: [أن النبي -ﷺ- يوم فتح مكة اغتسل في بيتها فصلى ثمان ركعات] (٢).\nفمن صلاها أربعًا كفاه الله ذلك اليوم وكان في ذمته وحمايته. فقد أخرج الإمام أحمد وأبو يعلى عن عقبة بن عامِر الجهني ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: [إن الله ﷿ يقول: يا ابنَ آدم! اكفني أوَّلَ النهار بأربع ركعات، أكْفِكَ بهن آخرَ يومِك] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. أي: مجموعة له، مجتمعة تجيبه وتردد معه التسبيح والتهليل والتعظيم.\nفعن ابن عباس قال: (كان داود ﵇ إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه). وعن قتادة: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ قال: مسخرة). قال القرطبي: (فالمعنى وسخرنا الطير مجموعة إليه لتسبح الله معه. وقيل: أي وسخرنا الريح لتحشر الطيور إليه لتسبح معه، أو أمرنا الملائكة تحشر الطيور).\nوجملة القول: أنّ قوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ معطوف على قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾. فإذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير، فسبحت معه وجاوبته بالتعظيم والتقديس لله الواحد الأحد، فاجتماعها إليه كان حشرها.\n_________\n= حبان (٦٣٣)، ومسند أحمد (٥/ ٣٥٤)، (٥/ ٣٥٩)، والإرواء (٢/ ص ٢١٣)، من حديث بريدة بن الحصيب ﵁، عقب الحديث (٤٦١).\n(١) حديث صحمِح. رواه أبو يعلى والبزار وابن حبان. انظر صحيح الترغيب (١/ ٦٦٨ - ٦٦٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٧٦) -كتاب التهجد-، ومسلم (٣٣٦) -كتاب الحيض-، وأخرجه أبو داود (١٢٧٧)، والترمذي (٢٩٥)، وأخرجه النسائي (١٢٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو يعلى وبنحوه أبو داود. انظر صحيح أبي داود (١١٤٦) من حديث نعيم بن همار. وانظر تخريج الترغيب (١/ ٢٣٦)، وصحيح الجامع -حديث رقم- (١٩٠٩).","vol":"6","page":511},{"text":"وعن قتادة: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾: (أي مطيع). والهاء في قوله (له) عائدة على داود ﵇، أي تأتيه وتشاركه تسبيحه. وقيل: بل الهاء لله ﷿. فعن السدي: (قوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: مسبح لله).\nوقوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أي قويناه بأسباب القوة والثبات. قال القرطبي: (أي قويناه حتى ثبت).\nالتفسير الثاني: أي قويناه بوفرة الجنود وكثرة الحرس. فعن السّدي: (قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال: كان يحرسه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف). وعن ابن عباس قال: (كان داود أشد ملوك الأرض سلطانًا. كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبيّ الله).\nالتفسير الثالث: قيل بل بالهيبة وإلقاء الرعب منه في القلوب. قال القاسمي ﵀: (أي قويناه بوفرة العَدَدِ والعُدَدِ ونفوذِ السلطة وإمداده بالتأييد والنصر). وقال ابن العربي: (بالتأييد والنصر).\nوجملة القول أن الله سبحانه قد أعطى نبيّه داود ﵇ من أسباب القوة والملك ما يُذِلُّ به أعداءَه وينصر به الحق ويحميه. قال الحافظ ابن كثير: (أي جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك).\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ - فيه معان متقاربة:\nالمعنى الأول: الحكمة: أي النبوة. فعن السّدي: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: النبوة).\nالمعنى الثاني: العدل. فعن مجاهد: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: العدل).\nالمعنى الثالث: السنة. فعن قتادة: (قال: السنة).\nالمعنى الرابع: العلم بكتاب الله تعالى. ذكره أبو العالية.\nالمعنى الخامس: العلم والفقه. قاله شريح.\nوجملة القول أنّه سبحانه أضاف له في قوة السلطان والحديد قوة في العلم والفهم والعقل والذكاء والمعرفة بالعدل الذي دلّ عليه الوحي ليحكم بمنهج النبوة والحق.","vol":"6","page":512},{"text":"وقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: الفصل في القضاء والإصابة فيه. قال مجاهد: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: إصابة القضاء وفهمه). وقال قتادة: (يعني الفصل في القضاء). وقال ابن عباس: (أعطي الفهم).\nالتأويل الثاني: بيان الكلام. قاله ابن عباس.\nالتأويل الثالث: ما روي عن علي ﵁ حيث قال: (هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر). وذكره الشَّعبي أيضًا.\nالتأويل الرابع: علم القضاء. ذكره السدي.\nالتأويل الخامس: قيل: البيان الفاصل بين الحق والباطل. وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل.\nالتأويل السادس: هو قوله أما بعد. قال الشعبي: (هو قوله أما بعد، وهو أول من قال أما بعد، فإن من تكلم في الأمر الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله بقوله أما بعد) - ذكره النسفي.\nوخلاصة المعنى أنّ الله سبحانه علّم نبيّه داود علم القضاء ووهبه قوة الفهم والفصل بين المتخاصمين ليقيم العدل والحق في الأرض كما يحب الله ويرضى.\nوقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾. فخرج الخصم في لفظ الواحد لأنه مصدر مثل الزور والسفر لا يثنى ولا يجمع، مع أن المراد ملكان والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿تَسَوَّرُوا﴾ أي أتوه من أعلى سوره. قال القرطبي: (يقال: تسور الحائط تسلقه، والسور حائط المدينة وهو بغير همز، وكذلك السُّور جمع سورةِ مثل بُسْرَةٍ وبُسَرٍ وهي كل منزلة من البناء. ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى). والمحراب هو مقدم كل مجلس وصدره وأشرفه. قال أبو عبيدة: (إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (كان داود -ﷺ- في محرابه وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تسوّرا عليه المحراب أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما).","vol":"6","page":513},{"text":"فقوله: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ أي: لدخولهما عليه من غير الباب وقيل لدخولهما ليلًا في غير وقت نظره بين الناس. وقيل: ملكان في صورة إنسيين بعثهما الله إليه امتحانًا واختبارًا، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين، فاختصما إليه طالبين منه الفصل بينهما في خلاف وقع بينهما. وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل والقسط ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾. قال قتادة: (أي لا تَمِل). وقال السدي: (يقول لا تحُف). أي اقض بيننا بالعدل ولا تجرُ أو تُسْرِف في حكمك فتميل مع أحدنا على صاحبه. وفي لغة العرب: أشطَّ في القضية أي جارَ، واشتطَّ أي أبْعَدَ، والشَطَط مجاوزة القدر في كل شيء، والشطُ: جانب النهر، فأشطَّ وشطَّ لغتان. وقيل لا تُسْرِف، وقيل لا تفرط، وكلها معان متقاربة كما قال جل ثناؤه في سورة الكهف: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي جَورًا وبُعدًا عن الحق. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ قال قتادة: (أي إلى عدله وخيره). وعن وهب بن منبه قال: (أي احملنا على الحق ولا تخالف بنا إلى غيره). فالمقصود أرشدنا إلى طريق الرشد والفصل وقصد السبيل.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال وهب بن منبه: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي على ديني). ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ وهي أنثى الضأن ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ من تلك النعاج ومثيلاتها. ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، قال ابن زيد: (أعطنيها). ليصبح لي منها مئة كاملة ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال وهب: (أي قهرني في الخطاب وكان أقوى مني فحاز نعجتي إلى نعاجه وتركني لا شيء لي). أي أراد تملكها كما قال ابن عباس: (اجعلها كفلي أي نصيبي) وغلبني في الحجة والخصومة والإحراج.\nوقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾. أي: ما أنصفك بهذا الطلب. قال القاسمي: (أي طلب نعجتك التي أنت أحوج إليها ليضمها إلى نعاجه).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾.\nقال ابن جرير: (وإن كثيرًا من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا بالله وعملوا بطاعة الله وانتهوا إلى أمره ونهيه ولم يتجاوزوه).\nفالأخلاء الصالحون قليل ما هم كما قال جل ثناؤه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فإن أغلب علاقات الناس في الدنيا تقوم على المصالح الأرضية","vol":"6","page":514},{"text":"والصلات المادية ومتابعة الشهوات، وأما أخوة الإيمان التي يميزها الصدق والحب والوفاء الخالص في وجه الله فهي قليلة في كل زمان والله المستعان، ولذلك خصّ الله سبحانه هذه الصلة بشرف عظيم في الدار الآخرة وهو شرف الاستظلال تحت عرشه في زحمة الحشر في عرصات القيامة.\nففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺﷺ- قال: [سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ربَّ العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شماله ما تنفق يمينُه] (١).\nوفي المسند ومعجم الطبراني بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي -ﷺﷺ- قال: [قال الله تعالى: حُقَّتْ محبتي للمتحابين فيَّ، وحُقَّتْ محبتي للمتواصلين فيَّ، وحُقَّتْ محبتي للمتناصحين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ. المتحابون فيَّ على منابر من نور، يغبطِهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء] (٢).\nوله شاهد عند ابن أبي الدنيا عن عبادة بن الصامت عن النبي -ﷺﷺ- قال: [قال الله تعالى: حُقت محبتي على المتحابين، أظلهم في ظل العرش يومَ القيامة يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي] وسنده صحيح.\nوقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ فيهم فيه وجهان في التقدير: الأول: وقليل هم. والثاني: وقليل ما تجدهم. قال ابن عباس: (وقليل الذين هم). وقال ابن زيد: (قليل من لا يبغي).\nوقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. قال النحاس: (فيقالُ إنَّ هذه كانت خطيئة داود ﵇، لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبت ببيّنة، ولا إقرار من الخصم، هل كان هذا كذا أو لم يكن). وقد قيل في أنَّ: قوله تعالى:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)، والنسائي (٨/ ٢٢)، وأخرجه ابن حبان (٤٤٨٦). ورواه أحمد في المسند (٢/ ٤٣٩)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد والطبراني والحاكم من حديث عبادة بن الصامت. انظر صحيح الجامع (٤١٩٧)، وكذلك (٤١٩٦) للشاهد بعده.","vol":"6","page":515},{"text":"﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول. قال ابن العربي: (وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر). أي فلا بد أن يسمع من الخصم والطرف الآخر.\nوقد ذكر القرطبي قول الحليمي أبي عبد الله في كتاب منهاج الدين له: (أخبر الله ﷿ عن داود ﵇، أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر عنه أنه سأل الآخر، إنما حكى أنه ظلمه، فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم مخائل الضعف والهضيمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول، ودعاه ذلك إلى ألّا يسأل الخصم، فقال له مستعجلًا: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ إلى أن قال: ولما تكلم داود بما حملته العجلة عليه، علم أن الله ﷿ خلاه ونفسه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرناها، وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير منه، فاستغفر ربه وخرّ راكعًا لله تعالى شكرًا على أن عصمه بأن اقتصر على تظليم المشكو، ولم يزده على ذلك شيئًا من انتهار أو ضرب أو غيرهما، مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم، فغفر الله له ثم أقبل عليه يعاتبه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة، التي توخاه بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصيرَ في الحكم، والمبادرةَ إلى تظليم من لم يثبت عنده ظلمه. ثم جاء عن ابن عباس أنه قال سجدها داود شكرًا، وسجدها النبي -ﷺﷺ- اتباعًا، فثبت أن السجود للشكر سنة متواترة عن الأنبياء صلوات الله عليهم).\nقلت: وهذا الفهم أليق عندي بمقام النبوة وشرف من اصطفاهم الله بالرسالة وبتبليغ الأمانة وامتثال منهج الوحي والحكم به، ولعمر الله كمن سُوِّدَتْ صفحات في كتب التفسير وأوراق المفسرين حتى الأعلام منهم، من قصص لا تليق بمقام وشرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، دسَّها المبطلون والكذبة من بني إسرائيل وأمثالهم، كما أخبر النبي -ﷺﷺ- بقوله: [إن بني إسرائيل لما هلكوا قصّوا]، أي اشتغلوا بالحكايات والخرافات لما تركوا العلم وأعرضوا عنه واستصعبوا منهج العمل، فنسبوا هنا لداود ﵇ أن طلب من الله أن يتركه وَيَكَلِهُ لنفسه ساعة ظنًا أنه لا يفتن من كثرة وشدة عبادته، وركبّوا قصة تافهة في ذلك من أنه لبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه فوقع طائر بين يديه فأتبعه بصره فإذا به قد أتى على سطح تغتسل عليه امرأة عريانة فرأى أجمل النساء خَلْقًا فأرسل إلى عامله أن يبعث زوجها إلى ساحات القتال فقُتِلَ فنكح","vol":"6","page":516},{"text":"امرأته، إلى آخر أمثال هذه التوافِه التي تُشْغِل قلوب قوم غضب الله عليهم وأحلوا ما حرَّم وحرَّموا ما أحل، وإنما الأليق في هذه المناسبة أن تبقى النعاج محمولة على مدلولها كما يفهمه العرب، فالقرآن ليس بكتاب شعر أو نثر تنظمه الكنايات والاستعارات، بل هو صريح في أوامره ونواهيه، وإذا ما شبّه أو استعار دلّ على ذلك بأدوات التشبيه والتمثيل ليعود إلى الأصل بعد ذلك الذي هو إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولو فتح الباب هنا لما بقيت آية على مدلولها ولضاع الوحي والأمر والنهي، فمدلول الآية هنا واضح في تثبيت منهج العدل عند داود ﵇ بأن يسمع للطرف الآخر من المتخاصمين ليقيم بذلك أحسن القضاء وأمثله. وفي السنة فيض من ذلك كثير:\nفقد أخرج الترمذي في جامعه بإسناد حسن عن علي ﵁ عن النبي -ﷺﷺ- قال: [إذا تقاضى إليكَ رجلانِ فلا تقضِ للأول حتى تسمع كلامَ الآخر، فسوف تدري كيف تقضي] (١).\nوفي المسند وصحيح الحاكم وسنن البيهقي بإسناد حسن عن علي أيضًا ﵁ عن النبي -ﷺﷺ- قال: [إذا جلس إليك الخصمان فسمعتَ من أحدهما، فلا تقض لأحدهما حتى تسمعَ من الآخر كما سمعتَ من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لكَ القضاء] (٢).\nوفي الصحيحين والمسند عن ابن عباس مرفوعًا: [لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه] (٣).\nوقد أخرج البيهقي والشافعي عن ابن المسيب: [أن رجلين اختصما إلى رسول الله -ﷺﷺ- في أمر فجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي -ﷺﷺ- بينهما].\nفدلّ النبي -ﷺ-: أولًا: بهديه في القضاء وبمنهاجه في الحكم بأن العدل أن يسمع من كلا المتخاصمين، وعند الاختلاف والغموض يطلب شهادة الشهود وحلف اليمين ثم يقضي. وأصل ذلك:\nما روى الإمام البخاري والإمام مسلم -واللفظ للبخاري- عن الأشعث بن قيس الكندي قال: [كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله -ﷺﷺ-،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (١٣٣١). انظر صحيح الترمذي (١٠٧٠).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٤/ ٩٣) برقم (٧٠٢٥) من حديث علي وصححه، ووافقه الذهبي.\nورواه أحمد (٢/ ٧٤٥)، والبيهقي بإسناد حسن. انظر صحيح الجامع (٤٩١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٥٢)، كتاب التفسير. ومسلم (١٧١١) في الأقضية.","vol":"6","page":517},{"text":"فقال رسول الله -ﷺ-: شاهداك أو يمينه، قلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي. فقال رسول الله -ﷺ-: من حلف على يمين يستحق بها مالًا، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾] (١).\nوكذلك أخرج البيهقي بسند صحيح عن سالم بن عبد الله: [أن عبد الله بن عمر باع غلامًا بثمان مئة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء، لم يسمه، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبدًا وبه داء، لم يسمه لي، فقال عبد الله بن عمر: بعته بالبراءة، فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر باليمين أن يحلف له: لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف له، وارتجع العبد، فباعه عبد الله بن عمر بعد ذلك بألف وخمس مئة درهم]. ولفظ أحمد: [أنه باع زيد بن ثابت عبدًا فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالمًا بعيبه، فأنكره ابن عمر فتحاكما إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر: احلف أنك ما علمت به عيبًا، فأبى ابن عمر أن يحلف فرد عليه العبد].\nثانيًا: لم تكن تقبل شهادة أي أحد، بل من كان عدلًا من الناس ثقة غير متهم.\nفقد روى الدارقطني والبيهقي والعقيلي عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر قال: [شهد رجل عند عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: إني لست أعرفك ولا يضرك أني لا أعرفك فائتني بمن يعرفك. فقال رجل: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين، قال: بأي شيء تعرفه؟ فقال: بالعدالة. قال: هو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملك بالدرهم والدينار الذي يستدل بهما على الورع؟ قال: لا. قال: فصاحبك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: فلست تعرفه، ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك].\nثالثًا: أن يتمهل القاضي زمنًا مناسبًا إن احتاج لمعرفة أبعاد القضية، ولا يتعجل. وأصل ذلك: ما روى البيهقي والدارقطني بسند صحيح عن أبي المليح الهذلي قال: [كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاد له، واس\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الشيخان من حديث الأشعث بن قيس. انظر صحيح البخاري (٢٤١٦) - (٢٤١٧)، كتاب الخصومات. ورواه مسلم في الصحيح (١٣٨).","vol":"6","page":518},{"text":"بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، ولا يطمع شريف في حيفك. واجعل لمن ادعى حقًّا غائبًا أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له حقه، وإلا استحللت القضية عليه، فإنه أنقى للشك وأجلى للغم].\nوعن ابن عباس: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أي: اختبرناه). وقال أبو عمرو والفراء: ظن بمعنى أيقن.\nوقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ أي خر ساجدًا، فإنه يعبر عن السجود بالركوع أحيانًا.\nقال ابن العربي: (لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هاهنا السجود). وقد ثبت أن النبي -ﷺﷺ- كان يسجدها.\nفقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه في (كتاب تفسير القرآن) عن العَوَّام قال: [سألت مجاهدًا عن سَجْدَةٍ في \"ص\" فقال: سألت ابن عباس من أين سَجَدْتَ؟ فقال: أوَ ما تَقْرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فكان داود مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أن يقتديَ به، فسجَدَها داود ﵇ فسجدها رسول الله -ﷺ-. .] الحديث (١).\nقال الحافظ ابن كثير: (واختلف الأئمة هل هذه السجدة من عزائم السجود، فمنهم من اعتبرها كذلك ومنهم من عدّها سجدة شكر).\nقال ابن العربي: (والذي عندي أنها ليست موضع سجود، ولكن النبي -ﷺﷺ- سجد فسجدنا بالاقتداء به). وأصل ذلك ما روى الإمام البخاري عن ابن عباس أنه قال: [\"ص\" ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبي -ﷺﷺ- يسجد فيها] (٢). ثم روى من طريق عن ابن مسعود أنه قال: [﴿ص﴾ توبة نبيّ ولا يسجد فيها] (٣)، وعن ابن عباس: [أنها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٠٧)، كتاب التفسير، سورة (ص).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٠٦٩)، كتاب سجود القرآن، باب سجدة \"ص\"، وأخرجه النسائي (٢/ ١٥٩)، وابن حبان (٢٧٦٦)، وأحمد (١/ ٣٦٠).\n(٣) وأخرج أبو داود (١٤١٠) بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري أنه قال: [قرأ رسول الله -ﷺ- وهو على المنبر \"ص\"، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ -أي تأهَّب- الناس للسجود، فقال النبي -ﷺﷺ-: \"إنما هي توبةُ نبيّ، ولكني رأيتكم تشزّنتم للسجود\" فنزل فسجد وسجدوا].","vol":"6","page":519},{"text":"توبة نبي، ونبيّكم ممن أمر أن يقتدي به] والله تعالى أعلم، فمن سجدها تَأَسِّيًا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه فله أجر ذلك إن شاء الله تعالى.\nوقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾. قال قتادة: (أي: الذنب). ويجوز الوقف على ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ ثم تستأنف بقوله ﴿ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ﴾ ذكره القرطبي عن القشيري.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾. قال مجاهد: (الزلفى الدنو من الله ﷿ يوم القيامة). وقال محمد بن كعب: (قربة بعد المغفرة). واختار ابن جرير المعنى الذي أشار له مجاهد حيث قال: (وإن له عندنا لَلقُرْبة منا يوم القيامة).\nوقوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال السّدي: (حسن المنقلب). وقيل: (أي مرجعًا حسنًا وكرامة في الآخرة) ذكره القاسمي. قال الحافظ ابن كثير: (أي وإن له يوم القيامة لقربة يقرّبه الله ﷿ وحسن مرجع وهو الدرجات العالية لنبوته وعدله التام في ملكه).\nوجملة القول أنّ الله سبحانه زاد داود بهذا التنبيه قسطًا وعدلًا ونقاء ودينًا، ووعده في الآخرة جوارًا وجنانًا.\nوقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو عن النبي -ﷺﷺ- أنه قال: [إن المقسطين عندَ الله يومَ القيامة على منابرَ من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين: الذين يعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).\nوفي صحيح أبي داود والحاكم عن بريدة عن النبي -ﷺﷺ- قال: [القضاةُ ثلاثة: اثنان في النار، وواحدٌ في الجنة، رجلٌ عَلِمَ الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾.\nقال السدي: (قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ ملَّكه في الأرض، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ يعني بالعدل والإنصاف ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ يقول: ولا تُوثِر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه فتجور عن الحق ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: فيميل بك اتباعك هواك في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٢٧)، كتاب الإمارة. باب فضيلة الأمير العادل وعقوبة الجائر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٥٧٣) -كتاب الأقضية-باب في القاضي يخطئ. ورواه ابن ماجة (٢٣١٥)، والحاكم. انظر صحيح أبي داود (٣٠٥١)، وصحيح الجامع (٤٣٢٣).","vol":"6","page":520},{"text":"قضائك على العدل والعمل بالحق عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فيه، فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله). وأما معنى الخلافة فهو الاستخلاف كما قال ابن جرير: (وقلنا لداود: يا داود إنا استخلفناك في الأرض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكمًا بين أهلها). وبه قال القرطبي ﵀: (أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين).\nوهذه الآية أصل في وجوب التحاكم إلى منهج الله فهو الشرع العظيم، الذي به الأحكام والأقضيات تستقيم، كما قال لنبيّه محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وقال للمؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾.\nفقد رُوي عن الشعبي أنه قال: (كان بين عمر وأُبيّ خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته، فقال عمر: هذا أول جورك، أجلسني وإياه مجلسًا واحدًا، فجلسا بين يديه).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال عكرمة: (هذا من التقديم والتأخير يقول: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا). وعن السدي: (أي لهم عذاب شديد بمَا تركوا أن يعملوا ليوم الحساب).\nوغاية القول: أنّ الله سبحانه قد أرشد الحكام بهذه الآية العظيمة ليقوموا بمنهاج الوحي في الحكم، والعدل في القضاء، فإنهم موقوفون يومًا بين يدي الجبار العظيم جل ثناؤه، فسائلهم عن مواقف حكمهم، وعن حجج قضائهم وفصلهم، في أمور مَنْ وَكّلهم الله برعايتهم وإدارة شؤونهم من عباده وخلقه.\nكما أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر عن النبي -ﷺﷺ- قال: [القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاضٍ قضى بالهوى فهو في النار، وقاض قضى بغير عِلمٍ فهو في النار، وقاض قضى بالحق فهو في الجنة] (١).\nوفي صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود ﵁\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الطبراني بإسناد صحيح من حديث ابن عمر. ورواه أبو داود بنحوه. انظر صحيح أبي داود (٣٠٥١)، وصحيح الجامع (٤٣٢٣).","vol":"6","page":521},{"text":"عن النبي -ﷺﷺ- قال: [القُرآن شافِعٌ مُشَفَّعٌ، وماحِلٌ مُصَدَّق، مَنْ جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار] (١).\nوقد روي أن الوليد بنَ عبد الملك قال لأبي زرعة وكان قد قرأ الكتاب: أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت، فقلت يا أمير المؤمنين: أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود ﵊، إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ذكره الحافظ ابن كثير عن ابن أبي حاتم.\nقال القاسمي ﵀: (وقال الرازي: اعلم أن الإنسان خلق مدنيًّا بالطبع. لأن الإنسان الواحد لا تنتظم مصالحه إلا عند وجود مدنية تامة. حتى هذا يحرث وذاك يطحن وذلك يخبز وذلك ينسج والآخر يخيط. وبالجملة، فيكون كل واحد منهم مشغولًا بمهم. وينتظم من أعمال الجميع مصالح الجميع. فثبت أن الإنسان مدني بالطبع. وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات. ولا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات ويفصل تلك الحكومات. وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل. فثبت أنه لا تنتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس. ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس، إن كان حكمه على وفق هواه، ولطلب مصالح دنياه، عظم ضرره على الخلق. فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه، ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه. وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق. وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك: أما إذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحقة الإلهية، انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه: فهذا هو المراد من قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ يعني لا بد من حاكم بين الناس بالحق فكن أنت ذلك).\n٢٧ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه ابن حبان (١٧٩٣)، وله شاهد عند الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٧٨/ ٢)، وعند أبي نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٠٨). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠١٩).","vol":"6","page":522},{"text":"الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الجبار سبحانه نبيّه ﵊ بأنه ما خلق الخلق إلا لعبادته وتعظيمه، وما خلق السماوات والأرضين عبثًا ولهوًا، بل لخدمة الحق الذي هو غاية الخلق ومعنى الأمن في الدنيا والآخرة، ولكن الذين كفروا يظنون بالأمر لهوًا ولعبًا، ويسخرون ولا يدرون أنهم سيصلون جحيمًا وسعيرًا، فهل الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما يحبّ واجتنبوا ما يسخطه سبحانه كالمفسدين في الأرض من المشركين والمستكبرين والطغاة والمجرمين، وهل الذين اتقوا الله وراقبوه وعظموا أمره كالفجار الذين انتهكوا حرماته وتحاكموا لأهوائهم وشهواتهم، وعطّلوا شرعه في الأرض وتركوا منهاجه، فهذا يا محمد كتاب عظيم هو القرآن الكريم، أنزلناه إليك ليتدبروا حججه وبيانه وليستعد أولو النهى والعقل للقاء الله الذي أنزله وتكلم به. فهذا سليمان ﵇ ابن ذلك النبي -ﷺ- الكريم داود عليه أفضل الصلاة والتسليم مضى على منهاج والده وأكرمه الله بالنبوة كأبيه فكان كثير الطاعة والإنابة والعبادة جمع الله له من أسباب الملك والتمكين ما لم يسبقه له أحد من الملوك وأولي العزم، فقد آتاه الله علمًا وقوة، فاستعرض يومًا في مملكته وسلطانه الخيل الصافنات السراع وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، فشغل بها ففاتته صلاة العصر نسيانًا فهرع إلى ربه ﷿ وجعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًا لها كيف شغلته عن صلاته وعبادته، ثم فتنه سبحانه فالقى جسد شيطان على كرسيه متمثلًا بإنسان يسلبه ملكه فأناب سليمان إلى الله الملك القدوس فرجع إلى ملكه وأقبل على ربه سبحانه مستغفرًا","vol":"6","page":523},{"text":"راغبًا راهبًا من جبروته سائلًا إياه ملكًا وقوة وسلطانًا لا يستخفه شيطان ولا يُسْلَبهُ ولا يكون مثله لأحد بعده، طموحًا منه وأملًا باللهِ، فأجابه سبحانه فسخر له الرياح تجري بأمره والشياطين تعمل بإشارته، وأما مردتهم فمقيدون في الأغلال تحت سيطرته، فخذ يا سليمان هذا الملك من ربك فاعط ما شئت وامنع ما شئت واحبس من شئت، واحكم بمنهج الوحي في الأرض تقيم العدل وتعظم الحق وإن لك في الآخرة أعظم مما أعطيناك في الدنيا من الثواب والقرب والنعيم، فضلُ الله وكرمه على من حَكَّم في الأرض شرعه ومنهاجه. وتفصيل ذلك:\nفقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ يشبه قوله في سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وهوِ كقِوله في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾، وكقوله في سورة الدخان: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nفالله سبحانه ما فطر الخلائق هزلًا ولعبًا وما خلق السماوات والأرض لهوًا وعبثًا بل لأمر جلل عظيم يدل على قدرته وجبروته سبحانه فيفرد بالتعظيم إذ لا أحد يستحق كمال التعظيم سواه جل ثناؤه. ونقل القاسمي عن الزمخشري قوله: (ومن جحد الخالق فقد جحد الحكمة من أصلها. ومن جحد الحكمة في خلق العالم فقد سفه الخالق، وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره، فكان إقراره بكونه خالقًا، كَلَا إقرار).\nفمن أفرده بالتعظيم، فقد فهم غاية الخلق ومعنى الأمن في الدنيا والآخرة، وسيرضيه ربّه بذلك في جنانه يوم القيامة، ومن عظّم شهواته ومضى طائعًا لها فسيتخلى عنه ربّه في الآخرة، أحوج ما يحتاج إلى رحمته والأنس به وبقدرته، وكل ذلك في علم الله سبحانه وتحت حكمته وعدله.\nأخرج ابن عساكر بسند صحيح عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي -ﷺﷺ- قال: [خلق الله آدمَ، فضربَ بسند كتِفَهُ اليُمنى، فأخرج ذُرِّية بيضاء كأنَّهم اللَّبنُ، ثم ضرب كتفهُ اليُسرى، فخرج ذريَّةٌ سوداءُ كأنهم الحُمَمُ، قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٥/ ١٣٦/ ١)، ورواه أحمد وابنه في زوائد \"المسند\" (٦/ ٤٤١)، وإسناده صحيح.","vol":"6","page":524},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار﴾. أي: فظنوا الأمر عبثًا، والخلق لهوًا، والغاية لعبًا، فأضاعوها سكرًا وهزوًا، واستخفوا بأمر الآخرة والبعث بعد الموت وما أيقنوا بها وبما ينتظرهم فويل لهم مما ينتظرهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. هو كقوله في سورة السجدة: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾. وفي الآية ردّ على المرجئة بقولهم: يجوز أن يكون المفسد كالصالح أو أرفع درجة منه، وبأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كلا فإن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعات وينقص بالسيئات والموبقات.\nقال ابن عباس: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أي أنجعل أصحاب محمد ﵇ كالكفار). قال القرطبي: (وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجار الكافرين وهو أحسن، وهو ردّ على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد). ونقل القاسمي عن المهايمي قوله: (أي: أنترك البعث بالكلية، أم نبعث ونجعل الذين آمنوا فشكروا نعمة العقل والكتاب. وعملوا الصالحات فشكروا نعمة الأعضاء، كالمفسدين، بصرف العقل والأعضاء إلى غير ما خلقت له؟ ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ مخالفةَ أمر الله رعاية لمحبته. ﴿كَالْفُجَّارِ﴾ الذين يخالفون أوامر الله ولا يبالون بعداوته. أي لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله).\nوقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. أي: فهذا القرآن أنزلناه إليك يا محمد ليتدبروا حُجَجَ الله فيه وليفهموا ما أمرهم وما نهاهم وليقوموا بمقتضاه وبشرائعه فيتعظوا ويعملوا لينجوا في الآخرة.\nوعن السدي: (﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال: أولو العقول). وروي عن الحسن البصري قوله: (والله ما تدبُّرُه بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل). والألباب جمع لبٍّ وهو العقل. وفي قوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ قراءتان مشهورتان:\nالقراءة الأولى: وهي قراءة جمهور القراء ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أي ليتدبر هذا القرآن قومُكَ يا محمد. والقراءة الثانية: هي قراءة عاصم وأبي جعفر (لِتَدَّبَّروا) آياته: أي لتتدبره أنت","vol":"6","page":525},{"text":"وأصحابك يا محمد وأتباعك من بعدك. وروي عن الحسن قوله: (تدبر آيات الله اتباعها). قال القرطبي: (وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهَذّ) -وهو سرعة القراءة-.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. إِخبارٌ من الله سبحانه أن سليمان كان نبيًا ورث النبوة وشرف القيام بالأمانة من والده داود ﵇، وأنه كان أوابًا كثير الطاعة سريع الإنابة لله فصلوات الله وسلامه عليه إنه كان من خير عباد الله في الأرض ومن خير ملوكه وأعدلهم. قال ابن عباس: (الأواب: المسبح). وقال قتادة: (كان مطيعًا لله كثير الصلاة).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: قيل الصافنات هي الخيل التي تقف على ثلاث وطرف الرابعة. فعن مجاهد قال: (وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، والجياد السراع، وكانت عشرين فرسًا ذات أجنحة). وفي رواية عنه قال: (صُفُون الفرس رَفْعُ إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر).\nالتفسير الثاني: قيل صفون الفرس قيامها وبَسْطها لقوائمها. فعن قتادة: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: يعني الخيل، وصُفونها: قيامها وبَسْطها قوائمها).\nقال الفراء: (الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها).\nالتفسير الثالث: الصافنات هي الخيل لها أجنحة. قال ابن زيد: (الصافنات: الخيل وكانت لها أجنحة، وأما الجياد فإنها السِّراع واحدها جواد).\nوقيل هي الخيل أخرجها الشيطان لسليمان من مَرْج من مروج البحر -ذكره ابن زيد- وقال: الخيل والبغال والحمير تَصْفِن، والصَّفْنُ أن تقوم على ثلاث، وترفع رجلًا واحدة حتى يكون طرف الحافر على الأرض. وأما الجياد: ففي لغة العرب جاد الرجل بماله فهو جواد وذلك إذا كان كثير العطية غزيرها، وامرأة جَوَادٌ ونسوة جود، وجاد الفرس إذا صار رائعًا، وخيل جياد وأجياد وأجاويد. وقيل: إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق، لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فَرَاهتها.\nوغاية القول أَنَّ خاصة الخيل وأجودها وأروعها كانت لسليمان ﵊ فَعُرِضَتْ عليه يومًا فلهِيَ عن الصلاة حتى فاتته نسيانًا وانشغالًا بها ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي حبًا للخير وهو الخيل والمال، كذلك تسميه العرب فتعاقِب بين الراء","vol":"6","page":526},{"text":"واللام، فتقول انهملتِ العين وانهمرت. قال الفراء: (الخير في كلام العرب والخيل واحد). فعن قتادة: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي المال والخيل، أو الخير من المال). وقال السدي: (الخيل). وروي عنه أنه المال. فالمعنى: إني آثرت حبّ الخير، أو أحببت الخير حبًا فألهاني عن ذكر ربي. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال قتادة: (عن صلاة العصر). قال الحافظ ابن كثير: (ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت الصلاة صلاة العصر، والذي نقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانًا كما شغل النبي -ﷺ- يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب. ففي الصحيحين عن جابر ﵁ قال: جاء عمر ﵁ يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله، والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله -ﷺ-: والله ما صليتها، فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي الله -ﷺ- للصلاة وتوضأنا لها فصلّى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب).\nقلت: وله رواية أخرى في الصحيحين والمسند من حديث علي وفي سنن ابن ماجة من حديث عليّ ولفظه: [ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس] (١). وذكر ابن جرير عن أبي الصَّهباء قال: سألت علي بن أبي طالب عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي العصر وهي التي فُتِنَ بها سليمان بن داود.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. يعني حتى غابت الشمس وتوارت في مغيبها. وقيل حتى توارت الخيل في المسابقة. فإن أصل التواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب هو الليل سمي حجابًا لأنه يستر ما فيه. وتفصيل ذلك:\nالتأويل الأول: حتى غابت الشمس وتوارت. فقد روي عن ابن مسعود في قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قال: (توارت الشمس من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها).\nالتأويل الثاني: أي حتى توارت الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة. ذكره القرطبي. والأول أرجح والله أعلم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٤١١١)، كتاب المغازي. وأخرجه مسلم في الصحيح برقم (٦٢٧)، كتاب المساجد.","vol":"6","page":527},{"text":"وقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾. قال السّدي: (أي الخيل). وقال ابن جرير: (ردّوا علي الخيل التي عرضت على فشغلتني عن الصلاة فكروها عليّ).\nوقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. في معناه قولان:\nالقول الأول: أي فأقبل يمسحها وذلك بضرب أعناقها وعقرها: من قولهم مسح علاوته إذا ضرب عنقه. قال الحسن: (قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك فكسف عراقيبها وضرب أعناقها). وفي رواية قال: (أمر بها فعُقرت). وقال السدي: (ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف).\nالقول الثاني: قيل بل جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حبًا لها. فعن ابن عباس قال: (يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًّا لها). واختاره ابن جرير فقال: (يقول: فجعل يمسح منها السوق، وهي جمع الساق والأعناق. لأن نبي الله -ﷺ- لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة ويهلك مالًا من ماله بغير سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها).\nوقد ذكر القاسمي ﵀ تأويلًا عن الرازي حيث قال: (إن رباط الخيل كان مندوبًا إليه في دينهم. كما أنه كذلك في دين الإسلام. ثم إن سليمان ﵇ احتاج إلى الغزو. فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها. وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ ثم إنه ﵇ أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره. ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه. فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور:\nالأول: تشريفًا لها وإبانة لعزتها، لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ.\nالثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتصنع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.\nالثالث: أنه كان أعلم باحوال الخيل وأمراضها وعيوبها. فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض.\nوقال: فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقًا مطابقًا موافقًا. ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات. قال: وأنا شديد التعجب من","vol":"6","page":528},{"text":"الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة. مع أن العقل والنقل يردها. وليس لهم في إثباتها شبهة فضلًا عن حجة.\nقال القاسمي: وسبقه ابن حزم حيث قال: تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذا اشتغل بها عن الصلاة، خرافة موضوعة مكذوبة سخيفة باردة. قد جمعت أفانين من القول، لأن فيها معاقبة خيل لا ذنب لها، والتمثيل بها. وإتلاف مال منتفع به بلا معنى. ونسبة تضييع الصلاة إلى نبي مرسل، ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها).\nقلت: والراجح عندي أنه استعرض الخيل لتبقى في حالة أُهبة واستعداد، وهي من أهم العتاد القتالي الذي يحمل عليه سليمان صلوات الله وسلامه عليه فيُغيرُ بها على أعدائه، ويقيم الحق ومنهج الوحي في الأرض، فلما استعرضها واشتدت أمامه في سرعتها ودقة جاهزيتها، حتى غابت في الأفق فلا ترى، قال ردّوها عليّ فأقبل يداعبها في سوقها وأعناقها يمسح بيده عليها إعجابًا بروعتها وشكرًا لله العظيم الذي خلقها وهيأها، وجعلها من أسباب النصر والقوة، وهي باقية على. هذا النعت إلى يوم القيامة، يستجلب عليها النصر بإذن الله سبحانه.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن جبير بن نفير أن سلمة بن نفيل أخبرهم: [أنه أتى النبي -ﷺ-] فقال: إني سئمت الخيل وألقيت السلاح ووضعت الحرب أوزارها، قلت لا قتال، فقال له النبي -ﷺ-: الآن جاء القتال! لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله قلوب أقوام يقاتلونهم يرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله ﷿ وهم على ذلك، ألا إن عقر دار المؤمنين الشام، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. إخبارٌ عن ابتلاء الله سليمان فابتلاه الله بجنيّ على شكل إنسان جلس على عرشه برهة فسُلب بذلك الملك، ثم رجع إليه سلطانه وأبّهته وملكه بإذن الله. وعن الحسن ومجاهد: (جسدًا: يعني شيطانًا). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو صخر الجنيّ تمثل على كرسيه جسدًا). وقيل اسمه آصف أو حبقيق أو آصر. وعن قتادة: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ وأقبل، يعني سليمان). وقيل كان ذلك الجني يشبه سليمان. وقيل: ثم أناب أي استغفر ورجع إلى الله منيبًا تائبًا. ويبدو أن أمرَ سحرٍ ابتلاه الله به ثم كشفه والله أعلم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٠٤)، وانظر: السلسلة الصحيحة (١٩٦١).","vol":"6","page":529},{"text":"بسبب ذلك، ولكنه بادر ﵊ إلى الاستغفار ثم سأل الله الملك. قال النسفي: (وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان ﵇ فمن أباطيل اليهود: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ قال: قدّم الاستغفار على استيهاب الملك جريًا على عادة الأنبياء ﵈ والصالحين في تقديم الاستغفار على السؤال).\nوقوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. فقد كان سليمان ﵊ مثالًا لطموح المؤمن في الدنيا والآخرة، فقد تعلق قلبه بحب أسباب القوة وما يقهر الباطل في الأرض وأهله، ويعز الحق وينصر جنده وأتباعه، ومن أمثلة هذا الطموح الثاقب عند سليمان ﵇ ما أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: [قال سليمانُ بن داودَ: لأطوفنَّ الليلة على مئة امرأة، كُلُّهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل منهن إلا امرأةٌ واحدة، جاءت بشق إنسان، والذي نفسُ محمد بيده لو قال: إن شاء الله لم يَحْنَثْ، وكان دَرَكًا لحاجته] (١).\nوفي رواية: [وايمُ الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون].\nوعن قتادة: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: ملكًا لا أسلَبه كما سُلِبتُه). وقال ابن جرير: (قال سليمان راغبًا إلى ربه: ربّ استر عليّ ذنبي الذي أذنبت بيني وبينك فلا تعاقبني به ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا يسلبنيه أحد كما سلبنيه قبل هذه الشيطان). وقال النسفي ﵀: (وإنما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة له لا حسدًا وكان قبل ذلك لم يسخر له الريح والشياطين، فلما دعا بذلك سخرت له الريح والشياطين، ولن يكون معجزة حتى يخرق العادات).\nفلذلك فإن ما سأله سليمان محمول على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٤٢)، ومسلم (١٦٥٤)، والنسائي (٧/ ٣١). وأخرجه أحمد (٢/ ٢٧٥)، وأبو يعلى (٦٢٤٤). وانظر صحيح مسلم (١٦٥٤) ح (٢٥).","vol":"6","page":530},{"text":"في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكره القرطبي ﵀ ثم قال: (وحوشي سليمان ﵇ أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا، لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأُعْطِيَ سليمان المملكة). قلت: ولما مر العفريت بين يدي رسول الله -ﷺ- وأراد أن يقطع عليه صلاته فأمكنه الله منه وأراد ربطه تذكر قول أخيه سليمان فأطلقه وكأنه كره ﵊ أن يزاحمه في تلك الخصوصية، إذْ اختص الله سليمان بسخرة الشياطين. وأصل ذلك:\nما أخرج الشيخان والإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [إن عفريتًا من الجنِّ تفلَّتَ على البارحةَ ليقطع على الصلاة، فأمكنني الله منه، فذَعَتُّهُ: (١)، وأردت أنْ أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كُلُكم، فذكرت قولَ أخي سليمانَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فردّهُ الله خاسئًا] (٢). وفي رواية قال رَوْحٌ -أحد الرواة-: فرده خاسئًا.\nوروى الإمام مسلم في صحيحه والإمام النسائي في سننه عن أبي الدرداء ﵁ قال: [قام رسول الله -ﷺ- يصلي فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك. ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثًا وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاةِ قلنا يا رسول الله! سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك. فقال رسول الله -ﷺ-: إن عدوَّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك، (ثلاثَ مرات)، ثم قلت: أَلْعَنُكَ بلعنة الله التامة، فلم يستأخر، (ثلاث مرات)، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوةُ أخينا سليمانَ لأصبحَ مُوثقًا يلعبُ به وِلدان أهل المدينة، . وفي رواية: [صبيان أهل المدينة] (٣).\nفاستجاب الله دعوة نبيِّه سليمان ﵊ بأن لا يكون لأحد بعده ما سخره له سبحانه.\n_________\n(١) أي: فَخَنَقْتُه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦١)، (١٢١٠)، (٣٢٨٤)، (٣٤٢٣)، ورواه مسلم (٥٤١)، ورواه ابن حبان (٢٣٤٩)، (٦٤٢٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٥٤٢)، والنسائي (٣/ ١٣). ورواه ابن حبان في صحيحه (١٩٧٩). ورواه البيهقي (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"6","page":531},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾. فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: رخاء أي رخوة لينة. قال ابن جرير: (يعني رخوة لينة وهي من الرخاوة). وذكر عن ابن زيد قوله: (الرخاء اللينة).\nالتفسير الثاني: رخاء أي طيبة. فعن مجاهد: (في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: طيبة).\nالتفسير الثالث: أي مطيعة. فقد روي عن ابن عباس قوله: (يقول: مطيعة له).\nالتفسير الرابع: أي سريعة. قال قتادة: (سريعة طيبة، ليست بعاصفة ولا بطيئة).\nقال القاسمي ﵀: (أي فذللناها لطاعته إجابة لدعوته ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ أي لينة سهلة، مع شدة وقوة، ولذا وصفت في الآية الأخرى بـ (عاصفة) ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: أي أراد). وقال القرطبي: (أي لينة مع قوتها وشدتها حتى لا تضر بأحد، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه. وكان موكبه فيما روي فرسخًا في فرسخ، مئة درجة بعضها فوق بعض، في كل درجة صنف من الناس، وهو في أعلى درجة مع جواريه وحشمه وخدمه، صلوات الله وسلامه عليه).\nقلت: وغاية القول أنَّ الله سبحانه قد استجاب دعاء سليمان في التمكين والقوة نصرة لدينه وإعزازًا لأهله، فسخر له الرياح طواعية تجري بأمره وتحمله وجنده يصبِّح ويغير على أعدائه متى شاء وحيث أراد وقصد من البلاد.\nوقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي حيث أراد وقصد وهو مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. وعن مجاهد: (قوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث شاء). وقال الحسن: (حيث أراد). وقال ابن عباس: (يقول: حيث أراد انتهى عليها).\nوقوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾. قال قتادة: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغواص يستخرجون الحلي من البحر، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ قال: مردة الشياطين في الأغلال). قال يحيى بن سلام: (ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخرهم). وقال الضحاك: (لم يكن هذا في ملك داود، أعطاه الله ملك داود وزاده الريح).\nوقوله: ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال السدي: (تجمع اليدين إلى عنقه، والأصفاد: جمع صَفَد وهي الأغلال). قال الحافظ ابن كثير ﵀: (أي منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من","vol":"6","page":532},{"text":"الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلِئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها، وآخرين مقرنين في الأصفاد: أي موثوقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرّد وعصى وامتنع من العمل وأبى أو قد أساء في صنيعه واعتدى).\nقلت: فذلل الله له كل الاختصاصات وأصحابها ومهرتها ليبني دولة الحق ويشيدها ليرهب بها عدو الله ويقيم منهج الوحي في الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. في تأويله معان متقاربة:\nالتأويل الأول: هذا الملك الذي أعطاه الله. فعن قتادة قال: (الملك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت وامنع ما شئت). قال الحافظ ابن كثير: (أي هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك. أي مهما فعلت فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب).\nقلت: وهذا علم من الله سبحانه بأن سليمان إنما استقام في حكمه على منهج الوحي، وهو قد عصمه ألا يزيغ عنه، فليحكم بما شاء، ما دام هو يتابع في حكمه الحق والعدل. وقد روي عن الحسن قوله: (ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان ﵇، فإن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾).\nقال الضحاك: (سأل ملكًا هنيئًا لا يحاسب به يوم القيامة، فقال: ما أعطيت وما أمسكت فلا حرج عليك).\nالتأويل الثاني: قيل بل هو إشارة لما أعطيه سليمان ﵇ من قوة الجماع. فعَن قتادة قال: (الإشارة في قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ إلى ما أعطيه من القوة على الجماع). وروى عكرمة عن ابن عباس قال: (كان سليمان في ظهره ماءُ مئة رجل، وكان له ثلاث مئة امرأة وتسع مئة سُرِّية ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. أي جامع من شئت من نسائك واترك جماع من شئت منهن لا حساب عليك). وذهب بعض أهل اللغة هنا إلى أن امْنُن من المنيّ يقال: أَمْنى ومَنَى، يُمني ويَمْني وهما لغتان.\nالتأويل الثالث: قيل بل المراد تسخيره له الشياطين. فقد روي عن قتادة قوله: (هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وثاقك وفي عذابك، أو سرّح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت). فسخرهم له وترك له أمر العتق والتخلية أو الإمساك والوثاق.\nقلت: لقد رضي الله سبحانه عن منهج سليمان في الحكم وإقامة العدل، وحبّه","vol":"6","page":533},{"text":"وطموحه لرؤية منهج الوحي ودولته تهيمن على حياة الناس، فسخر له أسباب ذلك من الملك والجند وكثرة النساء والولد ليقيم أمر الجهاد في سبيل الله، وترك له حرية التصرف في هذا الملك العظيم، ثم هو يوم القيامة من أصحاب الحظ الجميل والوفير، قال جل وعزّ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي في الآخرة قربة وحسن مرجع ومقام.\nقال قتادة: (﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: أي مصير).\nولقد خُيِّر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين أن يكون نبيًا ملكًا وبين أن يكون عبدًا رسولًا، فعمل بنصيحة جبريل ﵇ واختار الثانية لرفعتها عند الله، وترك مقام الملك وما فيه من بهجة وزينة في الحياة الدنيا، يمنع من يشاء ويعطي من يشاء بلا حساب ولا جناح، ليربِّيَ بذلك الأمة على التواضع والتذلل لله والدعاء، فكم يفتن المال قلوبًا فتترك الإنابة والرجاء، وتنسى الدعاء ومن بيده المال والرزق والعطاء.\nفقد أخرج ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد في مسنده عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: [جلس جبريل إلى النبي -ﷺ- فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملكُ ما نزل منذ خُلِق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربُّك: أمَلِكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول الله -ﷺ-: لا بل عبدًا رسولًا] (١).\nوأخرج ابن عساكر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ هذا الدينار والدرهم أهلكا من قَبْلكم وهما مُهْلكاكم] (٢).\nفإذا اجتمع العلم والتقوى مع المال والسلطان فنعم الخير ذلك، ولنعم القوة تلك.\nففي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي -ﷺ- قال: [لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجلٌ آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويُعَلِّمُها] (٣).\nوله شاهد في صحيح الإمام البخاري ومسند الإمام أحمد من طريق أبي هريرة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢١٣٧)، وأحمد (٢/ ٢٣١)، وله شاهد عند البيهقي في \"الزهد\" (ق ٥٠ - ٥١). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٠٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن عساكر (١٧/ ٢١٥/ ٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (رقم- ١٠٠٦٩) بنحوه، وكذلك أخرجه أحمد في \"الزهد\" (١٩٩). وانظر السلسلة الصحيحة (١٧٠٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧١٤١) -كتاب الأحكام. ورواه مسلم (٨١٦) ح (٢٦٨).","vol":"6","page":534},{"text":"ولفظه: [لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النّهار، فسمعه جارٌ له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا، فهو يُهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيتُ مثل ما أوتيَ فلان، فعملت مثل ما يعمل] (١).\nوأما ما يذكر عن الحجاج بن يوسف من أنه قرأ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فقال عن سليمان ﵇: إن كان لحسودًا فالجواب من وجوه:\nأولًا: الحسد ليس من أخلاق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.\nثانيًا: الأدب واجب على العباد عند ذكر أخبار الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nثالثًا: ربّما يحمل كلام سليمان: هب لي ملكًا لا أُسلبه كما سلبته.\nرابعًا: أو المقصود هب لي ملكًا لا يكون لأحد مثله في زماني ليكون حجة على نبوتي وعَلَمًا.\nخامسًا: أو رغبة منه من الله ليعلم منزلته في إجابة دعائه وقبول توبته.\nسادسًا: أو فيه طموح المؤمن القوي الذي لا يرتاح إلا بالمعالي والقوة ورؤية دولة الحق ودين الله ينتصر.\n٤١ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٢٦) - كتاب فضائل القرآن. باب اغتباط صاحب القرآن.","vol":"6","page":535},{"text":"أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الجبار سبحانه نبيّه محمدًا ﵊ مسليًا له ليصبر على ما يلقاه من قومه وعنادهم، فيذكره بإخوته الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم، فهذا أيوب ﵇ حصل له من الابتلاء ما يرفع الله له به مقامه يوم القيامة فأصابه من الضر في جسده وماله ولم يبق له من يستعين به على مرضه إلا زوجته التي صبرت لصبره وآثرت رضاء الله في خدمته وحفظ ودّه، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه مدة مرضه الذي دام نحوًا من ثماني عشرة سنة وكان قبلها وسيع المال والولد، فلما طال به الألم تضرع إلى الله العظيم وتواضع لربه الكريم ناسبًا الأمر لذنب أصابه من وسواس الشياطين، فقبل الله منه ذلك وكشف ما به من الضر والألم وأمره أن يقوم ويركض الأرضَ برجله فأنبع الله له عينًا من الماء يغتسل منها فأذهب عنه بمائها الأذى حتى تماثل للعافية وتنغم بالشفاء، وكان قد غضب مرة على زوجته وأقسم أن يجلدها مئة فلما شفاه الله وأراد أن يرحم زوجته التي أبرته وخدمته جعل له ولها من ذلك فرجًا ومخرجًا بأن أوحى إليه أن يأخذ الشمراخ فيه مئة قضيب فيضربها به ضربة واحدة فيبز بذلك يمينه إنه كان رجّاعًا أوابًا منيبًا. ثم اذكر يا محمد إخوتك إبراهيم وإسحاق ويعقوب أهل العلم والعمل والقوة في العبادة والبصيرة النافذة، فقد كانوا يعملون للآخرة ويدعون لها فأخلصناهم بذكراها من دون غيرهم، فهم أهل الآخرة في الدنيا وأهل الآخرة في الآخرة، وهم عند ربهم من المصطفين الأخيار أولي العزيمة والثناء والقوة والأبصار. وكذلك اذكر يا محمد من ذريتهم إسماعيل واليسع وذا الكفل فكلهم من الأخيار والأبرار. وجزاء المتقين جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها أرائك يتكئون عليها ولهم فيها زوجات طاهرات وفاكهة كثيرة وشراب، رزق الله لهم ما له من نفاد. وأما الأشقياء فسوف يصلون نارًا وسعيرًا،","vol":"6","page":536},{"text":"يعاقبون فيها بالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم ومتضاد ألوان العذاب يهانون به وما لهم من مكرم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، تحيتهم التلاعن والتكذيب والشتائم كل ينسب مصيبته لغيره، من الطغاة والمستكبرين والمستهزئين بشرع الله ووحيه وأمره، فإذا دخل فوج قال لهم من سبقهم لا مرحبًا بكم، فردّ عليهم أولئك بل أنتم لا مرحبًا بكم أنتم دعوتمونا إلى الكبر والعلو في الأرض وتحكيم الشهوات ومكر الليل والنهار وتنحية شرع الله عن الحكم فلا مرحبًا بكم، واللهَ نسأل أن يضاعف عذابكم. ثم أخبر سبحانه عن أكابر المجرمين وقد افتقدوا بعض المؤمنين الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا لضعفهم وقلة حيلتهم، فاين هم اليوم هل زاغ البصر فلم يقع عليهم أمثال صهيب وبلال وسمية وآل ياسر، كلا يا أبا جهل إنهم اليوم في الدرجات العُلا في ظل عرش الرحمان، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام. هذا يا محمد خصام حق واقع يوم القيامة من كلام أهل النار. فإلى تفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.\nقال قتادة: (ذهاب المال والأهل والضر الذي أصابه في جسده). وقال السدي: (نصب في جسدي وعذاب في مالي). وجمهور القراء قرؤوها (بِنُصْب). وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله. والنَّصَبُ: الإعياء. والنَّصْب: البلاء والشر. والمراد بالنُّصْبِ في الآية العلة في جسده.\nقلت: وقد امتلأت كتب المفسرين بقصص واهية كثيرة لا تقوم بها حجة عن أيوب صلوات الله وسلامه عليه وما حصل له من البلاء وسبب ذلك من الذنب وغير ذلك مما يليق ومما لا يليق، كما حُشِيت من قبل بقصص عن داود وسليمان ويوسف عليهم الصلاة والسلام، وكله من طرق واهية وأسانيد ضعيفة، وكثير منه لا تليق معانيه بمقام النبوة، وأغلب الظن أنه من فعل اليهود وحكاياتهم المكذوبة، فمن قتل الأنبياءَ والرسل من قبل هانت عليهم أعراضهم فتكلموا فيها.\nوأما عن أيوب ﵊، فقد صحّ لدينا خبر في السنة العطرة عنه، يحكي قصته وما أغمّه، حكاها لنا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ورواها ابن حبان في صحيحه من طريق نافع بن يزيد، وأبو نعيم في حليته وأبو يعلى في مسنده وصححه الألباني في سلسلته عن أنس بن مالك مرفوعًا: [إن نبي الله أيوب -ﷺ- لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد","vol":"6","page":537},{"text":"من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمرّ بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاستبطأته، فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أشبه منك إذ كان صحيحًا، فقال: فإني أنا هو: وكان له أندران (أي بيدران): أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض] (١).\nقال الألباني عقب الحديث: (وهذا يدل على بطلان الحديث الضعيف: أبى الله أن يجعل للبلاء سلطانًا على عبده المؤمن). قلت: فهذه رواية صحيحة في شأن ابتلاء هذا النبي الكريم، أيوب عليه وعلى الأنبياء جميعًا أفضل الصلوات والتسليم، فابتلاه سبحانه في جسده وماله وبقيت له زوجته تقوم بوده وتخدمه ثماني عشرة سنة، فلما طال المطال وتم الأجل تضرع إلى ربه العظيم، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، ونسب هنا في الآية في هذه السورة المرض الذي انتابه إلى الذنب ووسوسة الشيطان فقال جل ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. فاستجاب له سبحانه وقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال قتادة: (ضرب برجله الأرض: أرضًا يقال لها الجابية، قال: فإذا عينان تنبعان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى). وقال وهب بن منبه: (فركض برجله فانفجرت له عين، فدخل فيها واغتسل، فاذهب الله عنه كل ما كان من البلاء). قال القاسمي ﵀: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أي ماء تغتسل به وتشرب منه، والإشارة إلى عين أو نهر أو نحوهما).\nقلت: والركض في لغة العرب: تحريك الرِّجْل. يقال: رَكَضَ الفرس برجله إذا استحثّه ليَعْدو ثم كَثُرَ حتى قيل ركض الفَرَسُ إذا عدا وليس بالأصل، والصوابُ ركِضَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١٧٦/ ١)، (١٧٧/ ١)، وأبو نعيم في\" الحلية\" (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، ورواه ابن حبان في \"صحيحه\" (٢٥٩١). وانظر السلسلة الصحيحة (١٧).","vol":"6","page":538},{"text":"الفرس على ما لم يُسَمَّ فاعله فهو مركوضٌ. قال ابن جرير ﵀: (اركض برجلك الأرض: أي حركها وادفعها برجلكِ، والركض: حركة الرجل). ولخّصَ الحافظ ابن كثير معنى الآية بقوله: (وأمره أن يقوم حالًا وأن يركضَ الأرض برجله ففعل، فأنبع الله تعالى عينًا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت ما به من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينًا أخرى، وأمره أن يشرب منها فأذهبت جميع ما كان في بطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرًا وباطنًا). والمغتسل: هو الموضع الذي يُغْتَسل فيه، والغسول الماء الذي يُغْتَسل به وكذا المغْتَسل قد يأخذ هذا المعنى. ﴿وَشَرَابٌ﴾: أي يشرب منه.\nفقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، والإمام النسائي في سننه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [بينما أيوب يَغْتسِلُ عريانًا خرَّ عليه جراد من ذَهَبٍ، فجعل أيوبُ يحثي في ثوبه، فناداه ربه ﵎: يا أيوب ألم أَكُنْ أغنيتُك عمّا ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غِنى بي عن بَرَكَتِكَ] (١).\nفامتنّ الله سبحانه بالعافية على أيوب وأذهب عنه ما آلمه وزاده خيرًا إلى خير فقال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال الحسن وقتادة: (فأحياهم الله بأعيانهم وزادهم مثلهم). وقال القاسمي ﵀: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ بأن جمعناهم عليه بعد تفرقهم ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي ترحمًا منا عليه بهذا الإضعاف والمباركة ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي وتذكيرًا لهم لينتظروا الفرج بالصبر والنوال بصدق الاتكال). قلت: ليعلم المؤمنون من بعده بأن مع العسر يسرًا وبأن مع الصبر فرجًا ومخرجًا، كما قال جل ثناؤه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وكقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.\nوفي سنن النسائي عن مُصْعَب بن سعدٍ عن أبيه ﵁ أنه ظن أن له فضلًا على من دونه (أي في المغنم) من أصحاب رسول الله -ﷺ-، فقال النبي -ﷺ-: [إنما يَنْصُرُ الله هذه الأمةَ بضعيفِها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم] (٢).\nوفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: كنت رديفَ النبي -ﷺ- فقال: [يا غلام\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٣٩١)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣١٤).\nوانظر: صحيح سنن النسائي -حديث رقم- (٣٩٦)، ص (٨٧).\n(٢) حديث صحيح. انظر: صحيح سنن النسائي -حديث رقم- (٢٩٧٨). ص (٦٦٩).","vol":"6","page":539},{"text":"أو يا غُلَيِّمُ ألا أَعَلِّمك كلمات ينفعك الله بهن! فقلت: بلى، فقال: احفظ الله يَحْفَظْكَ، احفظ الله تجده أمامك، تَعَرَّفْ إليه في الرَّخاء يَعْرفْكَ في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جَفَّ القلم بما هو كائنٌ، فلو أن الخلق كُلَّهُم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتُبْهُ الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتُبْه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصّبر على ما تكرهُ خيرًا كثيرًا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العُسر يُسْرًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال ابن عباس قوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ يقول: حُزْمة). وفي رواية قال: (الأثل). وقال عطاء: (عيدانًا رطبة). وقال ابن زيد: (ضغثًا واحدًا من الكلأ فيه أكثر من مئة عود فضرب به ضربة واحدة فذلك مئة ضربة). وقيل: قبضة من الشجر.\nقال ابن كثير: (وذلك أنه كان غضب على زوجته لذنب فعلته وأقسم أن يجلدها مئة، ولما شفاه الله وكانت زوجته كما تقدم مخلصة له في خدمته التامة والرحمة به والشفقة عليه والإحسان إليه، ما رأى أن يكافئها على ذلك بالضرب فأفتاه الله ﷿ أن يأخذ ضغثًا وهو الشمراخ فيه مئة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد برّت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره. وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه. ولهذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي إنه رجّاع منيب).\nقلت: ولعمر الله كم سُوِّدَتْ صحف في كتب التفاسير بقصص وحكايات عن ذنب زوجة أيوب معه، كان أولى بتلك الصفحات أن تُتْرَك بيضاء، كيف لا وكثير منها لا يليق بمقام النبوة. ويعجبني هنا ما ذكره القاسمي ﵀ حيث قال: (وقد رووا هنا آثارًا في المحلوف عليه، لم يصح منها شيء. فالله أعلم به ولا ضرورة لبيانه. إذ القصد الإعلام برحمة أخرى ونعمة ثانية عليه، صلوات الله عليه. وهي الدلالة إلى المخرج من الحنث، برخصة وطريقة سهلة سمحة ترفع الحرج).\nقلت: وهذه الطريقة اللطيفة في برّ اليمين عند الحاجة إليها مشروعة في تشريع نبينا محمد -ﷺ-. ولهذا قال سعيد بن جبير عقب الآية السابقة: (وهي لهذه الأمة لمن حلف على مثل ما حلف عليه أيوب). وقال عطاء: (هي للناس عامة). وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة، إلى أن من فعل ذلك فقد برّ في يمينه. وأصل ذلك من السنة ما روى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٠٧)، وانظر مسند أبي يعلى (١٠٩٩)، وله شواهد.","vol":"6","page":540},{"text":"الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة بسند جيد عن سعيد بن سَعْد بن عُبَادة قال: [كان بين أبْياتِنا إنسان مُخْدَجٌ ضعيفٌ لم يُرَغ أَهْلُ الدار إلا وهوَ على أمَةٍ من إماء الدار يَخْبُثُ بها وكان مُسْلِمًا فرَفَعَ شأنَهُ سعدٌ إلى رسول الله -ﷺ- فقال: اضربوه حَدَّه: قالوا: يا رسول الله إنه أضعفُ من ذلك إن ضربناه مئةً قتلناه قال: فخذوا لهُ عِثْكالًا فيه مئةُ شِمْراخٍ فاضرِبوهُ به ضربةً واحدةً وخلّوا سبيله]. هذا لفظ الإمام أحمد من طريق أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد.\nوأما لفظ أبي داود عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيفٍ أنه أخبرهُ بعض أصحاب رسول الله -ﷺ- من الأنصار: [أنه اشتكى رجل منهم حتى أُضْنِيَ فعادَ جِلدَةً على عظم، فدخلت عليه جاريةٌ لبعضهم فهشَّ لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال استفتوا لي رسول الله -ﷺ- فإني قد وقَعْتُ على جارية دخلت عليَّ. فذكروا ذلك لرسول الله -ﷺ- وقالوا ما رأينا بأحدٍ من الناس من الضُّرِ مثلَ الذي هوَ به لو حَمَلْناه إليك لتفسّخت عظامه ما هو إلا جِلْدٌ على عظم، فأمر رسول الله -ﷺ- أن يأخذوا له مئةَ شِمْراخ فيضربوه بها ضربة واحدة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾. أما قوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ ففيه تفاسير:\nالأول: قال ابن عباس: (يقول: أولي القوة والعبادة. ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: يقول: الفقه في الدين. قال: فُضِّلوا بالقوة والعِبادة).\nالثاني: الأيدي: جمع يد. قالوا: وهي النعمة. أي أصحاب النعم الذين أنعم الله ﷿ عليهم.\nالثالث: قيل المراد بالأيدي الأعمال الصالحة. قال ابن كثير: (أي أهل العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة).\nالرابع: قيل المراد أهل الإحسان لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرًا وأهمتهم الآخرة فتسابقوا للعمل لها. قال النسفي: (أي أولي الأعمال الظاهرة والفكر الباطنة، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يتفكرون أفكار ذوي الديانات\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٤٧٢) -كتاب الحدود- باب في إقامة الحد على المريض. ورواه ابن ماجة (٢٥٧٤)، ورواه أحمد. انظر صحيح أبي داود (٣٧٥٤).","vol":"6","page":541},{"text":"في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على إعمالِ جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار لهم، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتامل مع كونهم متمكنين منها). وقال القاسمي: (فيه تعريض بأن من ليس كذلك، كان لا جارحة له ولا بصر).\nقلت: واتفقوا على تأويل ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ بأنها البصائر في الدين والعلم. قال قتادة: (أعطوا قوة في العبادة وبصرًا في الدين). وفصل ذلك ابن جرير بقوله: (وذلك أن باليد البطش وبالبطش تُعرف قوة القويّ، فلذلك قيل للقوي ذو يدٍ، وأما البصر فإنه عني به بصر القلب وبه تنال معرفة الأشياء، فلذلك قيل للرجل العالم بالشيء بصير به).\nوجملة القول أن الله سبحانه عطف في معرض تسلية نبيّه محمد ععلى ذكر داود وسليمان وأيوب وصبرهم ومكانتهم -عطف عليهم- ذكر آبائهم من أهل النبوة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أهل القوة في العلم والعمل، أهل البصيرة في النظر إلى المستقبل، ليتأسى بهم نبينا محمدٌ صلوات الله وسلامه عليه، فيكون جامعًا لكل ما يحبه الله من أسباب التمكين: القوة والبصيرة، فإن جمال الحق بسلطانه ودولته، وعزّ أهله وأتباعه، وإن ذلّ الباطل وأعوانه حين يعز الله أولياءه وعباده فيحكمون بشرعه. فقد قال جل ثناؤه في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. فهذه الآية في سورة الأنبياء، يبين الله فيها المنهج الذي ارتضاه لجميع الأنبياء، إعزاز الحق وقذفه على الباطل ليقهره، فليتنبه المسلمون لذلك في كل زمان ومكان، وليأخذوا بأسباب العلم والبحث العلمي والقوة، فإنه لا حياة للأمة بالجهل والضعف والهوان، بل بالجماعة والقوة ورص الصفوف والبنيان.\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [المؤمن القوي خيرٌ وأححب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرِص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجِزْ، وإن أصابك شيء، فلا تقُل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكنْ قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٦٦٤) -كتاب القدر- باب الإيمان بالقدر والإذعان له، من حديث أبي هريرة.","vol":"6","page":542},{"text":"وروى البخاري في صحيحه قول عمرَ ﵁: [تفقّهوا قبل أن تُسَوَّدوا. وقد تعلم أصحاب النبي -ﷺ- في كبر سنِّهم] (١).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي -ﷺ- قال: [المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشُدُّ بعضُه بعضًا] (٢). وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [المؤمن مرآةُ المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكُفُّ عليه ضَيْعَتَهُ، ويحوطه من ورائه] (٣).\nوفيه أيضًا عن علي ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [المؤمنون تكافأُ دماؤهم، وهُمْ يدٌ على من سِواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يُقْتَل مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهدِه، من أحدث حدثًا فعلى نفسهِ، ومن أحدث حدثًا، أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناس أجمعين، . ورواه النسائي والحاكم وسنده صحيح (٤).\nوفي المسند للإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله -ﷺ-: [المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسُهُ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالحمّى والسهر] (٥).\nوفي رواية: [المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسُه اشتكى كلُّه، وإن اشتكى عينُهُ اشتكى كلُّه].\nوفيه أيضًا عن سهل بن سعد بسند حسن عن النبي -ﷺ- قال: [المؤمن من أهلِ الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألَمُ المؤمن لأهل الإيمان، كما يألم الجسد لما في الرأس].\nقلت: ففي هذا الهدي من مشكاة النبوة ما ينبغي على المسلمين أن يعتنوا به فينهضوا لتقويم حياتهم وبناء جماعتهم وتسوية صفوفهم ليرفعوا راية الحق والجهاد فإنه لا حياة للأمة بدون الحق والوحي والجهاد.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح -كتاب العلم- (١٥): باب الاغتباط في العلم والحكمة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤٦)، ومسلم (٢٥٨٥)، وأحمد (٤/ ٤٠٤)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩١٨). انظر صحيح أبي داود (٤١١٠).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٥٤٣٠). انظر صحيح أبي داود (٣٧٩٧). ورواه النسائي والحاكم بإسناد صحيح. وانظر مسند أحمد (٢/ ١٩١)، (٢/ ٢١١)، وسنن ابن ماجة (٢٦٥٩).\n(٥) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ٢٧١)، وصحيح مسلم (٨/ ٢٠)، و\"الحلية\" -لأبي نعيم- (٤/ ١٢٦). وانظر للرواية بعده مسند أحمد (٥/ ٣٤٠) من حديث سهل بن سعد مرفوعًا. وكذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١١٣٧).","vol":"6","page":543},{"text":"وأما قوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ففيه قراءتان مشهورتان:\nالقراءة الأولى: وهي قراءة قراء المدينة، وبها قرأ نافع وشيبة وهي بإضافة خالصة إلى ذكرى الدار، أي \"بخالصةِ ذكرى الدار\"، أي أخلصوا بخالصة الذكرى وهي خالصة عقبى الدار وأفضل ما في الآخرة وأجمل الثناء في الدنيا.\nالقراءة الثانية: وهي قراءة قراء العراق، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهي بالتنوين، أي ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. فالتقدير: إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، فكأن الله قد اختصهم بهذه الذكرى الرفيعة من غيرهم وكانوا أهلًا لها رغبوا فيها، ورغّبوا الناس بها، وأخلصوا في أعمالهم لاستقبالها.\nوقد جاء في تأويلها بما يتوافق مع إحدى القراءتين السابقتين أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أي كانوا يؤكرون الناس بالآخرة ويدعونهم لطاعة الله.\nفعن قتادة: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بهذه أخلصهم الله، كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله). وقال ابن زيد: (معنى أخلصناهم أي بذكر الآخرة، أي يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا). وقال النسفي: (وقيل خالصة بمعنى خلوص فهي مضافة إلى الفاعل، أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهمٍّ آخر، إنما همّهم ذكرى الدار لا غير).\nالتأويل الثاني: قيل أخلصهم بعمل الآخرة وذِكْرِهم لها فقد شغلتهم وأهمتهم دون ما سواها. فعن مجاهد قال: (بذكر الآخرة فليس لَهم همٌّ غيرها). وقال السُّدي: (بذكرهم الدار الآخرة وعملهم للآخرة).\nالتأويل الثالث: أي أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة.\nفعن ابن زيد قال: (بأفضل ما في الآخرة أخلصناهم به وأعطيناهم إياه. قال: والدار الجنة، وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ قال الجنة وقرأ ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ قال: هذا كله الجنة، وقال: أخلصناهم بخير الآخرة). وقال ابن كثير في تفسيره: (أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هَمٌّ غيرها ويذكّرون الناس بالعمل لها فكان جزاؤهم الجنة).\nالتأويل الرابع: قيل بل المراد خالصة عقبى الدار. فعن سعيد بن جبير: (﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال عقبى: الدار).","vol":"6","page":544},{"text":"التأويل الخامس: قيل بل المعنى بخالصة أهل الدار.\nقال مجاهد: (هم أهل الدار، وذو الدار، كقولك ذو الكلاع وذو يَزَن). وقال القاسمي: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ أي صفيناهم عن شوب صفات النفوس وكدورة حظوظها وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ أي الباقية والمقر الأصليّ، أي استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس، وإعراضهم عن معدن الرجس، مستشرفين لأنوارنا، لا التفات لهم إلى الدنيا وظلماتها أصلًا).\nالتأويل السادس: قيل ذكرى الدار: الثناء الجميل في الدنيا.\nقال النسفي: (وهذا شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به، يقويه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.\nقلت: وكلها اختلافات تنوع لا تضاد، فإن الله قد أخبر بذلك عن بعض من اصطفاه، بانهم قد ملأ ذكر الآخرة والخوف منها عليهم قلوبهم وحياتهم وحركاتهم وسكناتهم حتى صاروا يقومون ويقعدون كأنها أمامهم رأي عين، فقد شغلتهم وَأَهَمَّتْهم، وانعَكس ذلك على جوارحهم وقلوبهم وأقوالهم وأعمالهم ودعوتهم، فأفرد الله لهم بذلك ثناء حسنًا في الدنيا ومقامًا عطرًا في الآخرة، كما أفرد لهم بذلك سبحانه مقامًا رفيعًا، واختصاصًا مميزًا، صاروا ينعتون به في السماء والأرض إلى يوم القيامة، بأنهم أهل الآخرة، وأهل ذكر المعاد والحساب، في وقت يشغل الناس فيه بذكر الدنيا والشهوات والدرهم والدينار، وليتأسى الناس بهم من بعدهم، وليعلموا أن تعظيم حرمات الله وأوامره وهديه وشرعه جزاؤه عظيم في الدنيا وفي الآخرة. وفي صحيح السنة ما يفيد العلم بهذه المقامات العالية:\nفقد أخرج ابن ماجة في سننه بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁: سمعت نبيكم -ﷺ- يقول: [من جعلَ الهمومَ همًّا واحدًا، همَّ المعاد، كفاهُ الله سائرَ همومه، ومن تشعبت به الهمومُ من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هَلك] (١).\nورواه الحاكم من طريق ابن عمر.\nوفي جامعِ الترمذي بإسناد صحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [من كانت الاخرة همَّهُ، جعل الله غناهُ في قلبِه، وجمع له شملَهُ، وأتته الدنيا وهي\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤١٠٦) -كتاب الزهد- باب الهم بالدنيا. وانظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٣٣١٤).","vol":"6","page":545},{"text":"راغمة، ومن كانت الدنيا همَّهُ، جعل الله فقرَه بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ أي: فهم أخيار مختارون من بين أجناسهم اجتباهم الله وَقَرَّبَهم وهيأهم لمهماتٍ من عنده واختصاصات رفيعة من أمره. ومصطفين جمع مصطفى والأخيار جمع خَيِّر. قال القرطبي ﵀: (أي الذين اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته).\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: واذكر يا محمد إسماعيل واليسع وذا الكفل وما أبلوْا في طاعة الله فتأسَّ بهم، واسلك مناهجهم في الصبر على ما نالك في الله، والنفاذ لبلاغ رسالته. هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد ذكر لك ولقومك ذكرناك وإياهم به).\nواليسع خليفة (إلياس) ويقال له بالعبرانية (اليشاع) كما يسمون إلياس (إيليا). وعن السدي: (قوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ قال: القرآن. وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: لحسن منقلب). قال النسفي: (أي هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبدًا وإن لهم مع ذلك لحسن مرجع. يعني يذكرون في الدنيا بالجميل ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب جليل).\nثم وصف هذا النعيم وروعته وظلاله بقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. أي إذا جاؤوها فتحت أبوابها كما قال جل ثناؤه في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. فقوله: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ أي تفتح لهم بالأمر لا بالمس، وقيل تفتَحها الملائكة لهم. قال الحسن: (أبواب تكلم فتكلم: انفتحي، انغلقي). قال القاسمي: (أي متى جاؤوها يرونها في انتظارهم). وروى ابن جرير عن قتادة أثرًا حيث قال: (سأل عمر كعبًا ما عَدن؟ قال: يا أمير المؤمنين قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل). ثم قال أبو جعفر: (فإن الفائدة في ذلك إخبار الله تعالى عنها أن أبوابها تفتح لهم بغير فتح سكانها إياها بمعاناة بيد ولا جارحة).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إن للمؤمن في الجنة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٦٥). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٠٥).","vol":"6","page":546},{"text":"لخيمةً من لؤلؤةٍ واحدة مجوّفة، عرضها (وفي رواية: طولها) ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتُهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (١). أي جنة إقامة وخلود.\nوقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾. أي متكئين على أرائكها، متربعين على سررها، يأتيهم الخدم فيها بألوان الفاكهة وألذّ الشراب، من أي نوع شاؤوا ومن أي طعم ولون أرادوا.\nوقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾. قال قتادة: (قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غَيرهم). وقال السُّدي: (قصرن أبصارهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يردن غَيرهم، ﴿أَتْرَابٌ﴾ قال: مستويات، متواخيات لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن). وقال مجاهد: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾: قال: أمثال). أي على سن واحدة وأعمار متماثلة، وعلى ميلاد امرأة واحدة. قال القرطبي: ﴿أَتْرَابٌ﴾: أي على سن واحد، وميلاد امرأة واحدة، وقد تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة). قال القاسمي ﵀: (أي لا ينظرن إلى غير أزواجهن. أو يمنعن طرف الأزواج أن تنظر للغير لشدة الحسن. وهو أبلغ). قلت: وهذا من أجمل المعاني.\nوفي لغة العرب: أتراب جمع تِرْب بمعنى مثل. أي: كأنما وقعا على التراب في زمان واحد، فولدا في وقت واحد.\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قال السدي: (هو في الدنيا ليوم القيامة). وقال ابن جرير: (هذا الذي يعدكم الله في الدنيا أيها المؤمنون به من الكرامة لمن أدخله الله الجنة منكم في الآخرة). وقال القاسمي: (أي لوقت جزائه. واللام تعليلية. فإن ما وعدوه لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة. وهي تظهر بالحساب وتقع بعده).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾. قال السُّدي: (رزق الجنة، كلما أُخِذَ منه شيء عاد مثله مكانه، ورزق الدنيا له نفاد). وعن قتادة قال: (أي: مَا لَه انقطاع). وفي\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٨٧٩)، وصحيح مسلم (٢٨٣٨) ح (٢٤)، ومسند أحمد (٤/ ٤١١). وروى نحوه الترمذي (٢٥٢٨)، وابن حبان (٧٣٩٥).","vol":"6","page":547},{"text":"سورة هود قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقوله في سورة الرعد: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ ما يشبه ذلك المعنى.\nقلت: فكافأ الله المتقين بألوانٍ مختلفة من الملاذ والنعيم. من الأَسِرَّة المنعّمة بألين الفرش يتكئون عليها، ومن الفاكهة اللذيذة المتنوعة يأكلون منها، ومن المشروبات الملونة المختلفة يلتذون بالشراب منها، ومن الزوجات الحسان -لا ينظرن إلى غير أزواجهن، بل ويمنعن طرف الأزواج أن تنظر لغيرهن من فرط جمالهن وحسنهن- يتلذذن بها، جزاء الغربة لأهل الحق ومكافأة التقوى وحراسة الدين وتعظيم شرع الله والجهاد في سبيله ولزوم التحاكم إلى منهاجه ومنهاج أنبيائه، يرون ذلك رزقًا يوم القيامة لا انقطاع له ولا ملل منه، بل هو نعيم متجدد، في عافية وسرور، وغبطة وسكن في الغرف والقصور، فنسأل الله برحمته أن يبلغنا منازل أنبيائه وأوليائه إنه سميع قريب مجيب.\nفقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: [غَدْوةٌ في سبيل الله أو رَوْحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأةً من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنَصيفُها (١) على رأسها خير من الدنيا وما فيها] (٢).\nوفي جامع الترمذي عن أنس ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [يُعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع. قيل يا رسول الله -ﷺ- أو يطيق ذلك؟ قال: يُعطى قوة مئة] (٣). وفي رواية: [يُعطى المؤمن في الجنة قوة مئة في النساء].\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\nفبعد أن ذكر سبحانه حال المتقين ومستقبلهم، استأنف بذكر حال الأشقياء وما ينتظرهم، بما استهزؤوا بالله وآياته ورسله وبما استكبروا في الأرض عن تحكيم شرعه ودينه، وبما أخلفوا الله ما وعدوه وعاشوا لخدمة شهواتهم وغرائزهم وأهوائهم وأفسدوا في الأرض وسفكوا الدم الحرام وأكلوا المال الحرام.\n_________\n(١) النصيف: الخمار.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٥٦٨) -كتاب الرقاق. باب صفة الجنة والنار.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٣٦). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٥٩).","vol":"6","page":548},{"text":"فعن السدي قوله: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ قال: (لشرَّ منقلب). وأما قوله: ﴿هَذَا﴾ فهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (الأمر هذا). والوقف على ﴿هَذَا﴾ حسن ثم تستأنف بقوله ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾. قال ابن جرير: (وهم الذين تمردوا على ربهم فعصوا أمره مع إحسانه إليهم). وقال القرطبي: (وهم الذين كذبوا الرسل). ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ومنقلب يصيرون إليه، فبئس ما مهدوا لأنفسهم وبئس ما اجترحوا مما هدّد مستقبلهم، فترجم عن المآب أنه جهنم. أي: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم يصلونها فلا مفرّ لهم منها.\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾.\nالحميم هو الذي قد أغلي حتى انتهى حره. قال السّدي: (الحميم الذي قد انتهى حَرُّه). وقال ابن زيد: (الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه). وقوله: ﴿هَذَا﴾ في محل رفع مبتدأ وخبره ﴿حَمِيمٌ﴾، فهو على التقديم والتأخير، والتقدير: أي هذا حميم وغساق فليذوقوه. وجوّز بعض أهل العربية أن يكون خبر \"هذا\" جملة \"فليذوقوه\"، وعندئذ يكون \"حميم\" خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا). كما جوّز بعضهم أن يكون هذا في محل نصب بفعل مضمر يفسره (فليذوقوه).\nوأما قوله: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ ففيه قراءتان:\nالقراءة الأولى: قراءة قراء الكوفة بتشديد السين (وغسَّاق)، فهو اسم فاعل نقل إلى فعّال للمبالغة كضّراب وقتّال.\nالقراءة الثانية: وهي قراءة قراء الحجاز والبصرة وبعض الشاميين (وغسَاق) بتخفيف السين فهو كعذاب وجواب، وكلاهما مشهور في عالم القراءة والقراء.\nوغسّاق من غَسَق يغسِقُ من الغسوق فهو غسّاق وغاسِق. قال الرازي: (والغسّاق البارد المُنْتِن يُخَفّف ويشدد). وجاء في معنى الغسّاق هنا في الآية أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: الغسّاق الزمهرير. فعن ابن عباس قال: (هو الزمهرير يخوفهم ببرده). قال الحافظ ابن كثير: (أما الحميم فهو الحار الذي بلغ أشد درجات الحرارة، وأما الغساق فهو البارد الذي لا يستطاع من شدة البرد المؤلم).\nالتأويل الثاني: الغساق الثلج البارد غاية البرد، فلا يستطاع برده. فعن مجاهد قوله: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾، قال: (بارد لا يُستطاع). وقال مقاتل: (هو الثلج البارد الذي قد","vol":"6","page":549},{"text":"انتهى برده). وقيل: إنه يحرف ببرده كما يحرق الحميمُ بِحَرِّه. وفي لغة العرب يقال ليل غاسق لأنه أبرد من النهار.\nالتأويل الثالث: الغسّاق ما يسيل من جلود أهل النار. فعن قتادة قال: (كنا نحدَّث أن الغسّاق: ما يسيل من بين جلده ولحمه).\nالتأويل الرابع: الغسّاق ما يسيل من أعينهم وبكائهم. قال السُّدي: (الغسّاق الذي يسيل من أعينهم من دموعهم يُسْقونه مع الحميم). وقال ابن زيد: (الحميم دموع أعينهم، يجمع في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم).\nالتأويل الخامس: الغسّاق هو الصديد والقيح الغليظ يخرج من جلودهم. فعن ابن زيد قال: (الغسّاق الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيُسقونه). وعن قتادة قال: (هو ما يسيل من فروج الزناة، ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنتَنْ). وقال محمد بن كعب: (هو عصارة أهل النار). قال القرطبي: وهذا القول أشبه باللغة، يقال: غَسَقَ الجرح يغسِق غسقًا إذا خرج منه ماء أصفر. قلت وقد جاء في الأثر عن عبد الله بن عمرو ﵁ ما يناسب هذا التأويل حيث قال: (هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهراق في المشرق لأنتنت أهل المغرب).\nالتأويل السادس: الغسّاق المنتن. فعن عبد الله بن بريدة قال: (الغسّاق المنتن وهو بالطّخارية). أي بلغة طرخستان ببلاد العجم، فهي غير عربية الأصل.\nقلت: وغاية التأويل أن يقال: إن الله سبحانه قد أوعد أهل الكبر والطغيان عذابه ونيرانه، يسومهم فيها سوء الحال والضيافة والمقام، من الحميم الحار الذي يُشقي الجلود والأجساد، ومن الزمهرير القارس الذي يشرِّد العقل والبال، ومن الشراب المنتن الذي يسيل من قيح أجسامهم وفروج زناتهم ونتن جروحهم يشربونه فبئس الشراب وبئس المآل، بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما استهزؤوا بالوحي الذي فيه حياتهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة.\nوأما قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾، فقد قرأها القراء على لونين:\nالقراءة الأولى: وهي قراءة قراء المدينة والكوفة (وآخَرُ) على التوحيد: أي وعذاب آخر من نحو الحميم والغساق.","vol":"6","page":550},{"text":"والقراءة الثانية: هي قراءة بعض البصريين والمكيين (وأخَرُ) على الجمع، والأول أشهر.\nوفي معنى الآية أقوال:\nالقول الأول: المقصود الزمهرير. فعن السُّدي عن مُرَّة عن عبد الله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: الزمهرير). وكذلك روي عن ابن مسعود قال: (هو الزمهرير).\nالقول الثاني: المقصود من شكل ومثل ذلك العذاب. فعن ابن عباس قال: (يقول من نحوه). وقال الحسن: (ذكر الله العذاب فذكر السلاسل والأغلال وما يكون في الدنيا ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: وآخر لم ير في الدنيا). قال: (ألوان من العذاب). وعن قتادة: ﴿أَزْوَاجٌ﴾، قال: زوج زوج من العذاب). وقال ابن زيد: (من كل شَكْل ذلك العذاب الذي سمى الله أزواج لم يسمها الله. قال: والشكل: الشبيه). وقال ابن كثير: (الشيء وضده يعاقبون بها كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهَوِي إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسببه).\nقلت: القراءة الأولى (وآخَرُ) على التوحيد أشهر بين القراء. والذين اختاروا الجمع (وأُخَرُ) كأنه لا يصلح عندهم أن يكون الأزواج -وهي جمع- صفة ونعتًا لواحد. وقد أشار ابن جرير ﵀ ردًا على ذلك فقال: (والعرب لا تمنع أن ينعت الاسم إذا كان فعلًا بالكثير والقليل والاثنتين فتقول: عذاب فلان أنواع ونوعان مختلفان). وغاية المعنى أن الكفار والطغاة سيفجؤهم الله بالوان من العذاب من جنس ما يعلمون ومن جنس ما لا يعلمون، فلا أحد يحكم بِغير منهج الله وهديه وشرعه إلا مُهَدَّدٌ في الآخرة بألوان الخزي والعذاب، وذلك إذا علم الحق فاستكبر عنه وآثر الخلود إلى الأرض والتراب.\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ - فيه تفاسير:\nالتفسير الأول: أنه من قيل الرؤساء للأتباع. فعن قتادة قال: (هؤلاء التّباع يقولون للرؤوس). وقال ابن زيد: (الفوج: القوم الذين يدخلون فوجًا بعد فوج، وقرأ ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي قبلها). قال ابن كثير: (يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض). وقال ابن جرير: (هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: قال: وهذا خبر من","vol":"6","page":551},{"text":"الله عن قيل الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتحَم فيها عليهم، لا مرحبا بهم ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد كما قيل: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فاتصل قول فرعون بقول ملئه). وقال القاسمي: (أي هذا جمع كثيف من أتباعكم وأشباهكم، أهل طبائع السوء والرذائل المختلفة، مقتحم معكم في مضايق المذلة ومداخل الهوان. والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها).\nالتفسير الثاني: أنه من قول الخزنة للقادة والرؤساء.\nفعن ابن عباس قال: (هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ يعني الأتباج والفوج الجماعة ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي داخل النار معكم، فقالت السادة: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي لا اتسعت منازلهم في النار).\nالتفسير الثالث: أن قوله: ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ من قيل القادة أو من قيل الملائكة. فقد ذكر القرطبي في تفسيره: ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ قيل: هو من قول القادة، أي إنهم صالوا النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة متصل بقولهم: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ و﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ هو من قول الأتباع. وحكى النقاش: إن الفوج الأول قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر. قال القرطبي: والظاهر مِنَ الآية أنها عامة في كل تابع ومتبوع).\nقلت: والآية عامة في حق كل الطغاة والمستكبرين في الأرض، وشأنهم مع أتباعهم ومرؤوسيهم، فإذا ما أفضوا إلى الآخرة وعاينوا العذاب والخزي تبرأ كل من متبوعه ومرؤوسه وتقطعت بهم الأسباب، كما قالَ سبحانه في سورة البقرة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، وكقوله في سورة فصلت ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾، وكقوله في سورة غافر: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾، وكقوله في سورة سبأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.","vol":"6","page":552},{"text":"والتفسير الأول أرجح لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. فأذاقهم الله الخزي هم وأتباعهم يوم القيامة، وفضح سبحانه مكر رؤسائهم وقادتهم وما بيتوا وما دبروا لإبعاد منهج الله عن الأمر والحكم، وأذلهم بحوار مليء بالهوان والندامة بينهم وبين مرؤوسيهم ومتبوعيهم، وشاركت الملائكة الكرام في تهيئة شقائهم وصغارهم.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذرِّ في صُورِ الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بُولُسَ، تعلوهم نارُ الأنيار، يُسْقَون من عصَارةِ أهل النارِ، طينةِ الخبالِ] (١).\nوأصل الرحب في لغة العرب السعة. قال أبو عبيدة: العرب تقول: لا مرحبًا بك، أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت، فخرج كلام الرؤساء مخرج الدعاء، فردّ عليهم المرؤوسون بقولهم: ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير فبئس المنزل وبئس المستقر والمصير، فلا مرحبًا بكم أيها الرؤساء بما قدمتم لنا هذا المستقبل المؤلم بإضلالنا وإغوائنا. قال القاسمي: (أي أنتم أحق بما قلتم، لتضاعف عذابكم بضلالكم وإضلالكم).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾. هو كقوله في سورة النحل: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وكقيله في سورة الأعراف: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي لكل منكم ما يستحق من العذاب والنكال.\nقال ابن مسعود: (معنى عذابًا ضعفًا في النار الحيات والأفاعي). قال ابن جرير: (يعنون: من قدّم لهم في الدنيا بدعائهم إلى العمل الذي يوجب لهم النار التي وردوها وسكنى المنزل الذي سكنوه منها).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾. قال مجاهد: (ذاك أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة، وذكر أناسًا\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٩٢) -أبواب صفة القيامة- باب (١٥). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥). ورواه أحمد. انظر: \"تخريج المشكاة\" (٥١١٢).","vol":"6","page":553},{"text":"صُهيبًا وعمّارًا وخبّابًا، كنا نعدهم من الأشرار في الدنيا). وفي رواية: (قالوا: أين سلمان؟ أين خَبَّاب؟ أين بلال؟).\nفالمراد أكابر المشركين، خدعهم الشيطان في الدنيا واستذلهم فظنوا الأصحاب الكرام الأخيار أشرارًا، فأخزاهم الله يوم القيامة وأذاقهم الندامة. قال ابن وعباس: (يريدون أصحاب محمد -ﷺ-، يقول أبو جهل: أين بلال أين صُهيب أين عمّار؟ أولئك في الفردوس! واعجبًا لأبي جهل! مسكين، أسلم ابنه عكرمة، وابنته جُوَيرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو، قال:\nونورًا أضاءَ الأرض شَرْقًا ومَغْرِبًا ... وموضِعُ رجلي مِنْهُ أسْوَدُ مُظْلِمُ)\nوفي قوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ أكثر من تأويل يشد بعضه بعضًا:\nالتأويل الأول: أي أخطأنا في الدنيا لما سخرنا منهم فلم نعلم مكانهم اليوم؟ .\nفعن مجاهد قال: (أتخذناهم سخريًا في الدنيا فأخطأنا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ فلم نعلم مكانهم). وقال الضحاك: (هم قوم كانوا يسخرون من محمد وأصحابه، فانْطُلِق به وبأصحابه إلى الجنة، وذهب بهم إلى النار فقالوا: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ يقولون: أزاغت أبصارنا عنهم فلا ندري أين هم). وقيل (أم) بمعنى (بل) أي بل زاغت عنهم أبصارنا لخفاء مكانهم علينا في النار، أو التقدير بل زاغت عنهم أبصارنا لكونهم في دار أخرى وهي دار النعيم.\nالتأويل الثاني: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ في موضع الخبر عن أولئك الرجال الذين ظنهم المشركون أشرارًا وأخبروا أنهم سخروا منهم فأين هم في النار اليوم لا نراهم؟ .\nفعن مجاهد، يقول: (أهم في النار لا نعرف مكانهم). قال القاسمي: (قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾ وبهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ أي مالت عنهم كبرًا وتنحّت عنهم أنفة).\nالتأويل الثالث: أين أولئك الذين اتخذناهم سخريًا وزاغت أبصار القوم عنهم في الدنيا احتقارًا وازدراءً؟ . فعن الحسن قال: (كل ذلك قد فعلوا، اتخذوهم سخريًا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم).\nقلت: وهذه الأوجه من التأويل تعود لاختلافهم في القراءة لقوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾. فقد قرأه عامة قراء المدينة والشام ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بالاستفهام وفتح الألف. في حين قرأه","vol":"6","page":554},{"text":"قراء الكوفة والبصرة وبعض أهل مكة بوصل الألف من الأشرار (اتّخذناهم)، فالتقدير: (مِنَ الأشرارِ اتّخذناهم) بحذف الألف في الوصل. قال ابن جرير: (وكل استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ فالعرب تستفهم فيه أحيانًا وتُخْرجه على وجه الخبر أحيانًا. قال: والثانية أولى بالوصل على غير الاستفهام لتقدم الاستمْهام بقوله: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى﴾ فيصير (أتخذناهم) بالخبر أولى وإن كان للاستفهام وجه بمعنى التعجب. قال: وكان بعض أهل العلم بالعربية من أهل البصرة يقول: من كسر السين من السُّخريّ فإنه يريد به الهُزء يريد يسخر به، ومن ضمها فإنه يجعله من السُّخْرة يستسخِرونهم: يستذَلونهم).\nوهذه الأوجه المختلفة من التأويل محتملة واردة يحتملها المجاز والإعجاز، وهي رائعة في مدلولها وآفاقها مفادها جميعًا بأنَّ الطغاة سيفاجؤون يوم القيامة بِعلوِّ مكانة المؤمنين الذين كانوا مستضعفين في الدنيا يستذلونهم ويستخدمونهم ويسخرون منهم ويتغامزون إذا مروا بهم ازدراءً واحتقارًا لشأنهم، فإذا ما جاؤوا يوم الحشر ذُهلوا حين رأوهم قد تميزوا عنهم، ولم يشركوهم سوء مصيرهم، بل هم في روضات الجنات يحبرون ويتنعمون. كما قال جل ثناؤه في سورة الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ وكما قال سبحانه في سورة \"المؤمنون\": ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. وكما قال جل وعزَّ في سورة المطففين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. نعم قد ثُوِّبوا ما كانوا يفعلون ورأوا العذاب وذاقوا الندامة وتقطعت قلوبهم وسالت الدماء بكاء من عيونهم.\nفقد أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: [يرسلُ البكاء على أهل النار، فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم، حتى يصير في وجوههم","vol":"6","page":555},{"text":"كهيئة الأخدود، لو أُرسلت فيه السفن لجَرَتْ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. في إعراب ﴿تَخَاصُمُ﴾ وجهان أو ثلاثة:\nالوجه الأول: بدل من حق مرفوع مثله ما دام قوله: ﴿لَحَقٌّ﴾ خبر إن.\nالوجه الثاني: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. أي: هو تخاصم.\nالوجه الثالث: أنه خبر بعد خبر أو بدل من (ذلك). والتقدير: إن تخاصمَ أهل النار فيها لحق. فهو بالنصب على البدل.\nوجميعها تفيد العلم أنّ الخزي والندامة ستأكل قلوب المشركين في نار جهنم وبأنها ستنعكس على ألسنتهم كل يحفل مصيبته الآخر فيلقي بها الرؤساء على مرؤوسيهم وأتباعهم فيردها أولئك عليهم، والحسرة تأكل وتحصد نفوسهم والجزع يدمرهم ويهلكهم.\nقال القاسمي ﵀: (فكتب (الناصر) عليه: هذا يحقق ما تقدم من أن قوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ من قول المتكبرين الكفار. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ من قول الأتباع. فالخصومة على هذا التأويل حصلت من الجهتين فيتحقق التخاصم. خلافًا لمن قالَ إن الأول من كلام خزنة جهنم والثاني من كلام الأتباع. فإنه على هذا التقدير، إنما تكون الخصومة من أحد الفريقين. فالتفسير الأول أمكن وأثبت).\n٦٥ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٣٢٤). انظر صحيح ابن ماجة (٣٤٩١).","vol":"6","page":556},{"text":"نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الجبار نبيَّه محمدًا صلوات الله وسلامه عليه، لينذر الجبابرة المستكبرين المشركين من قومه أنه لا معبود تصلح له العبادة وتنبغي له الربوبية إلا الله الواحد الأحد الصمد، القهار الجبّار لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، دانت السماوات والأرض وما بينهما لعزته وخضعت لكبريائه وملكوته، فهو العزيز في انتقامه ممن كفر، الغفار لذنوب من تاب إليه وجار، فهذا القرآن هو النبأ العظيم، الذي أنتم عنه معرضون ومنصرفون، وهو وحي الله أخبر به عن شأن آدم مع إبليس واستكباره عن السجود له، ما كان لي أن أخبركم بذلك لولا هذا القرآن كلام الله ووحيه، وما كان لي أن أحدثكم بدونه عن الملائكة وهم الملأ الأعلى لمّا قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، فخلق آدم من طين وقال إني أعلم ما لا تعلمون، ثم نفخ فيه من روحه وأمرهم بالسجود فوقعوا جميعًا ساجدين، إلا إبليس علاه الكبر والغرور والعجب فاستكبر وكان من الكافرين. فسأله ربه ما منعك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فأخرجه وهو رجيم ملعون إلى يوم الدين، فسأل ربه أن ينظره فأنظره إلى يوم يبعثون، ثم حلفَ بعزته سبحانه ليغويثهم أجمعين، إذ علم أنه لا عزة له ولا سلطان على المخلصين، فقال سبحانه: أنا الحق والحق مني، وأقسم جل ثناؤه بالحق ليخزينهم في جهنم أجمعين، إبليس ومن تبعه من المسرفين، فيا محمد قل لقومك لا أريد على البلاغ مالًا ولا أتكلف القول والأمر بل هو ذكر للعالمين، ولتعلمن صدق ما أقول لكم ولو بعد حين. وتفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾. قال القاسمي: (أي رسول مخوِّف). وقال القرطبي: (أي مخوف عقاب الله لمن عصاه).\nوقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. قال ابن جرير: (وما من معبود تصلح له","vol":"6","page":557},{"text":"العبادة وتنبغي له الربوبية إلا الله، إليه يدين كل شيء ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ العزيز في نقمته من أهل الكفر به، المدّعين معه إلهًا غيره، الغفار لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم من كفره ومعاصيه، فأناب إلى الإيمان به، والطاعة له بالانتهاء إلى أمره ونهيه). وقال ابن كثير: (﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ الآية: أي قهر كل شيء وحده وغلبه، مالك جميع الكون متصرف فيه، غفار مع عظمته وعزته). والعزيز هو المنيع الذي لا مثل له، والغفار هو الستار لذنوب خلقه وعباده.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾. أي: قل يا محمد لهم إنّ ما أنذركم به أمر عظيم، كما قال جل ثناؤه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وفيه تفاسير:\nالتفسير الأول: النبأ العظيم هو إرسال هذا النبي ﵊. قال الحافظ ابن كثير: (قل لهم هو خبر عظيم وهو إرسالي إليكم من قِبَله تعالى بالقرآن أنتم عنه معرضون: غافلون). وقال النسفي: (أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد لا شريك له ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة).\nالتفسير الثاني: النبأ العظيم هو القرآن. قال ابن جرير: (قل يا محمد لمكذبي قومك بالقرآن القائلين ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ قل لهم ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾). وذكر آثارًا بذلك عن التابعين. فعن مجاهد في قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: (القرآن).\nوعن ابن سيرين عن شريح أن رجلًا قال له: (أتقضي عليّ بالنبأ)؟ فقال له شريح: (أوليس القرآن نبأ؟ قال: وتلا هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ قال: وقضى عليه). وعن السدي قال: (القرآن، أنتم عنه منصرفون لا تعملون به، ولا تصدقون بما فيه من حجج الله وآياته). وعن قتادة قال: (يعني القرآن الذي أنبأكم به خبر جليل).\nالتفسير الثالث: النبأ العظيم هو الإنذار بالحساب والثواب والعقاب. قال القرطبي: (أي ما أنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبر عظيم القدر فلا ينبغي أن يُسْتَخَفَّ به). وقال القاسمي: (أي الذي أنذرتكم به من التوحيد ومن البعثة به ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾). وقيل عظيم المنفعة.\nقلت: وهي اختلافات تنوع لا تضاد، شأن الراسخين في التفسير من علماء الصحابة والتابعين دومًا، فما اختلفوا في حلال وحرام، أو في سنة وبدعة، أو في إيمان وكفر، بل كانوا يُحَلِّقون دومًا حول المعنى، وغاية القول هنا، أنّ الله يأمر نبيّه","vol":"6","page":558},{"text":"صلوات الله وسلامه عليه لينذرهم شرّ التمادي والكبر والعناد، فما هم بمعجزين شأن أمثالهم ممن أهلكوا ودُمِّروا لما ركنوا إلى شهواتهم وتحاكموا لها، فهذا النبي والقرآن وما فيه من الوعد والوعيد والثواب والنكال والعقاب، حَرِيٌّ بالانتباه له والاستعداد لوعده ووعيده، وخشية الله العظيم من انتقامه وبطشه وغضبه، وترك العجب والكبر ممن يعجب برأيه وعقله ونفسه.\nلقد روى الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثٌ مُنْجيات: خَشْيةُ الله تعالى في السرِّ والعلانية، والعدلُ في الرِّضا والغضب، والقصد في الفقر والغِنى. وثلاث مُهْلِكات: هوىً متبع، وشحٌّ مُطاع، وإعجاب المرء بنفسه] (١).\nوقوله: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾. أي غافلون. قال السدي: (أنتم عنه منصرفون لا تعملون به ولا تصدقون بما فيه من حجج الله وآياته). قال القاسمي: (﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ لتمادي غفلتكم. فإن العاقل لا يعرض عن مثله. كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة. أما على التوحيد، فما مرّ من آثار قدرته وصنعه البديع. وأما على بعثته - ﷺ - به، فقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي فإن إخباره عن محاورة الملائكة وما جرى بينهم، على ما ورد في الكتب المتقدمة، من غير سماع ومطالعة كتاب، لا يتصور إلا بالوحي). والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون. قال ابن عباس: (هم الملائكة). وفي رواية عنه قال: (الملأ الأعلى: الملائكة حين شووروا في خلق آدم، فاختصموا فيه وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة). فهناك تفسيران:\nالتفسير الأول: الاختصام في خلق آدم. فعن السُّدي قال: (﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هو ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾). أي اعْتُبِر الحوار الذي في سورة البقرة بين الملائكة وربهم في شأن خلق آدم هو المقصود بهذا الاختصام وهو بمعنى الاختلاف فيما بين الملائكة أنفسهم في ذلك الشأن. قال ابن كثير: (يعني في شأن آدم ﵊ وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربه في تفضيله عليه). أي فقل يا محمد لمشركي قومك: إن إخباري لكم عن شأن آدم وما حصل من قول الملائكة وإبليس آنذاك دليل على أن هذا القرآن وحي من الله أنزله عليّ إذ تعلمون\n_________\n(١) حديث حسن. انظر: \"الحلية\" - لأبي نعيم - (٢/ ٣٤٣). ورواه الطبراني في \"الأوسط\" كما في \"المجمع\" (١/ ٩١). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٠٢).","vol":"6","page":559},{"text":"أنه لا علم لي بذلك قبل نزول هذا القرآن. قال القاسمي: (يختصمون: استعارة تبعية لـ \"يتقاولون\").\nالتفسير الثاني: هو حمل الاختصام بين الملأ الأعلى على اختلافهم في الكفارات والدرجات، وهو أمر قد أهمّهم لما علموا مصير العصاة من بني آدم، فخوفًا منهم على مصيرهم أن يكون في النار اختلفوا فيما بينهم! كيف يتخلص المؤمنون مما اكتسبوا من آثام ومما استزلهم الشيطان في لحظات ضعف قلوبهم. وأصل ذلك ما أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند صحيح عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [أتاني الليلةَ ربي ﵎ في أحسن صورة، فقال: يا محمدُ هل تدري فيم يختصِمُ الملأ الأعلى؟ قلتُ: لا، فوضع يدَهُ بين كتفيّ، حتى وجدتُ بردها بين ثَدْيَيَّ، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، فقال: يا محمدُ! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلتُ: نعم، في الكفارات والدّرجات، والكفارات المكثُ في المساجد بعدَ الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره. قال: صدقت يا محمد! ومن فعل ذلك عاش بخير، وماتَ بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمهُ. وقال: يا محمدُ إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحَمني، وتتوب عليَّ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام] (١).\nوله لفظ آخر عند الإمام أحمد من طريق معاذ ﵁ قال: [احتبس علينا رسول الله - ﷺ - ذات غداة عن صلاة الصبح. حتى كدنا أن نتراءى قرن الشمس. فخرج - ﷺ - سريعًا. فثوّب بالصلاة. فصلى وتجوز في صلاته. فلما سلّم قال - ﷺ -: كما أنتم. ثم أقبل إلينا فقال: إني قمت من الليل فصليت ما قدّر لي. فنعست في صلاتي حتى استيقظت. فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة. فقال: يا محمد! أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، يا رب! أعادها ثلاثًا. فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين صدري. فتجلى لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٢٣٤). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٨٠)، (٢٥٨١) - كتاب التفسير - سورة (ص). ورواه أحمد في المسند. وانظر ما بعده.","vol":"6","page":560},{"text":"عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني. وإذا أردت فتنة بقوم، فتوفني غير مفتون. وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله - ﷺ -: إنها حق فادرسوها وتعلموها] (١).\nقال ابن كثير: هذا حديث المنام المشهور. ومن جعله يقظة فقد غلط.\nقلت: والسياق يدل على التفسير الأول وكذا الآيات التي بعدها فقد فُسِّر بها هذا الاختصام. وإليه ذهب ابن جرير حيث قال في الآية التي بعد ذلك، وهي قوله: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قال: (قل يا محمد لمشركي قريش: ما يوحي الله إليّ علم ما لا علم لي به، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذ أراد خَلْقَه، إلا لأني أنا نذير مبين).\nوقد قرأها أكثر القراء بفتح الهمزة من (أَنّما) أي إن يوحى إليّ إلا الإنذار، فهي بالفتح بموضع رفع لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله. قال الفراء: (كأنك قلت ما يوحى إليّ إلا الإنذار). ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى (إلا لأنما) ذكره القرطبي عن النحاس. وهناك من قرأها بالكسر على الحكاية ﴿إِلَّا أَنَّمَا﴾ كأبي جعفر بن القعقاع، لأن الوحي قول، والتقدير: يقال لي إنما أنت نذير مبين. والقراءة الأولى أشهر والله أعلم.\nثم ذكر سبحانه قصة الاختصام بين الملائكة بقوله: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾. فقوله ﴿إِذْ قَالَ﴾ من صلة قوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أو بدل منه. والتقدير: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك يا محمد للملائكة إني خالق بشرًا من طين، والمراد آدم ﵇. وهذه القصة قد ذكرها الله سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن، فهي مبسوطة في سورة البقرة وفي أول الأعراف وفي سورة الحجر والإسراء والكهف وفي سورة (ص) ها هنا.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. قال الضحاك: (﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ قال: من قدرتي). وقيل: أي من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا\n_________\n(١) حديث حسن بشواهده. انظر مسند أحمد (٥/ ٢٤٣)، وصحيح سنن الترمذي (٢٥٨٢).","vol":"6","page":561},{"text":"قَلِيلًا﴾. وفي سورة النساء: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. فالمراد إذا عدلته ونفخت فيه الروح فأحييته بها وجعلته حساسًا متنفسًا.\nكما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم! قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليكَ التوراة، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبلَ أن يخلقني؟ ! فحج آدم موسى] (١).\nوقوله سبحانه: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ هو من وقع يقع أي اسقطوا إلى الأرض ساجدين متواضعين تعظيمًا وتكريمًا. قال القرطبي: (وهذا سجود تحية لا سجود عبادة. قال: أي امتثلوا الأمر واسجدوا له خضوعًا له وتعظيمًا لله بتعظيمه). فسجد الملائكة كلهم، مَنْ في السماوات ومن في الأرض أجمعون، إلا إبليس ولم يكن منهم جِنْسًا، بل كان من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان يحتاج إليه، فأبى السجود وخاصم ربّه بدعوى العجب والكبر والغرور أنه خير منه، وأنّ النار تأكل الطين وتحرقه، ولجأ إلى الفلسفة والرأي ناسيًا متجاهلًا الأمر والوحي، فأخزاه الله وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته وحضرة قدسه، وأنزله مذمومًا مدحورًا إلى الأرض، فسأل ربه النظرة إلى يوم المعاد، فأنظره وهو الحليم سبحانه لا يعجل على من عصاه، وأمهله وسماه إبليس خزيًا له وعارًا. قال ابن كثير: (وسماه إبليس لأنه قد أبلس من الرحمة).\nفلما اطمأن عدو الله وأمن من الهلاك إلى يوم البعث والحساب، تمرد وطغى وسعى في الأرض بالفساد والوسوسة ليحمل ابن آدم في لحظات ضعف إيمانه على الفاحشة وقول الزور والكذب وسوء الظن بالله وسفك الدم الحرام، وأكل السحت والمال الحرام، وغير ذلك من صغار الذنب وكباره.\nولهذا قال سبحانه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (وكان بتعظمه ذلك وتكبره على ربه، ومعصيته أمره ممن كفر في علم الله السابق، فجحد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٤٧٣٨)، (٦٦١٤). وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٣٢)، وأبو داود في السنن (٧٠١). ورواه أحمد (٢/ ٢٤٨)، وابن ماجة (٨٠)، وابن حبان (٦١٨٠) من طرق، وللحديث روايات كثيرة.","vol":"6","page":562},{"text":"ربوبيته وأنكر ما عليه الإقرار له به من الإذعان له بالطاعة). ثم ذكر قول ابن عباس: (كان في علم الله من الكافرين).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾.\nفي معنى اليد أقوال:\nالأول: قول مجاهد: (اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة، مجازه لما خلقت أنا كقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي يبقى ربك).\nالثاني: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لما خلقت بغير واسطة. قال القاسمي: (أي بنفسي من غير توسط كأب وأم).\nالثالث: المراد باليد القدرة، يقال مالي بهذا الأمر يد، ومالي بالحمل الثقيل يدان.\nالرابع: الإضافة للخلق لنفسه إضافة تكريم. قال القرطبي: (أضاف خلقه إلى نفسه تكريمًا له، وإن كان خالق كل شيء. وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئًا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم، فذكر اليد هنا بمعنى هذا).\nالخامس: المراد باليدين صفات ذات لله سبحانه كما يليق بجلاله وكماله. قيل في بعض التفاسير: التشبيه في اليد في خلق الله تعالى دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة، وإنما هما صفتان من صفات ذاته تعالى.\nقلت: لقد تكرم الجبار سبحانه أن خلق آدم بنفسه تكرمًا وتفضلًا، ليعلم ابن آدم مكانته عند الله فيعبده لا يشرك به شيئًا، وكان يسعه سبحانه أن يقول له كن فيكون، بل باشر الخلق جل ثناؤه بيديه الكريمتين، وفي الآية دليل عظيم على هاتين الصفتين لله العظيم، من صفات ذاته سبحانه.\nوفي الأثر عن مجاهد عن ابن عمر قال: (خلق الله أربعة بيده: العرش، وعَدْن، والقلم، وآدم، ثم قال لكل شيء كن فكان).\nوفي صحيح الإمام مسلم ومسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: [إن المُقسطين عندَ الله يومَ القيامة على منابرَ من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٢٧) - كتاب الإمارة - ورواه أحمد والنسائي.","vol":"6","page":563},{"text":"وفي المسند وسنن أبي داود وجامع الترمذي ومستدرك الحاكم عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله تعالى خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدْر الأرض، جاء منهم الأحمرُ، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْلُ، والحزْنُ، والخبيثُ، والطيب، وبين ذلك] (١).\nوقوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لم أفعل ذلك استكبارًا عليك، ولا لأني كنت من العالين، ولكني فعلته من أجل أني أشرف منه. قال: يقول وكنت خيرًا لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين والنار تأكل الطين وتحرقه). قال سبحانه يصف كلام إبليس: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فامتنع من السجود فأخزاه الله بكبره وكلما سجد مؤمن سجود التلاوة عند سماع آيات ذلك من القرآن.\nفقد أخرج الإمام أحمد في المسند والإمام مسلم في الصحيح وابن ماجة في السنن واللفظ لأحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجدَ، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلهُ أمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْت بالسجود فعصيت فليَ النار] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. رجيم: هو على وزن فعيل بمعنى مفعول. أي مرجوم مطرود عن الخير كله. قال قتادة: (والرجيم اللعين)، فأخرجه من الجنة وجعله مرجومًا وأتباعه بالكواكب والشهب فلا يستطيع معرفة الخبر من السماء بعد ذلك، وأَرْدَاه مُبْعدًا عن الرحمة والرأفة. وفي هذا الخبر هنا تسميع لقريش وكفارها ومشركيها وتقريع من الله لهم بأنهم إن استمروا على العناد وقابلوا الوحي بالرأي والفلسفة كقولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾. وكقولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فإن مصيرهم كمصير إبليس المبعد اللعين والمطرود عن الجنة والنعيم، باستكباره وحسده وعجبه وغروره، فليحذر كفار مكة أن يصيبهم ما أصاب شيطانهم فيكونوا من الخاسرين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٦)، والترمذي (٢٩٥٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ١٠٤). ورواه أبو داود والحاكم والبيهقي. انظر صحيح الترمذي (٢٣٥٥)، والسلسلة الصحيحة (١٦٣٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨١)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٤٣)، وابن ماجة في السنن (١٠٥٢)، وابن حبان في صحيحه (٢٧٥٩).","vol":"6","page":564},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال القرطبي: (تعريف بإصراره على الكفر، لأن اللعن منقطع حينئذ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن). قلت: فلقد علم الله وكتب في لوحه المحفوظ كتابة علم أن إبليس سيظل كافرًا كما علم وكتب أن أبا لهب سيخرج من الدنيا كافرًا متجبرًا، وكلاهما موعودون جهنم لهم فيها دار الخزي، فالله لم يجبرهم على الكبر وإنما اختاروه لأنفسهم.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾.\nقال ابن جرير: (قال إبليس لربه: رب فإذا لعنتني وأخرجتني من جنتك فأخرني في الأجل ولا تهلكني إلى يوم تبعث خلقك من قبورهم. وبقوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: فبعزتك: أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خلقك، لأضلن بني آدم أجمعين إلا من أخلصته منهم لعبادتك وَعَصَمْتَهُ من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلًا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه).\nوقال القاسمي: (﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وهم الذين أخلصهم الله لنفسه من أهل العناية عن ثوب الكدورات النفسية وحجب الأنانية، وصفّى فطرتهم عن خلط ظلمة النشأة البشرية).\nقلت: فحلف الخبيث بعزة الله مع أنه قد أرْداه الكبر وكان به من الكافرين، فكيف بكثير من المسلمين اليوم يحلفون بغير الله سبحانه، من ولد وبصر وشارب وحياة وغير ذلك من الفانيات وينسون أن يحلفوا بالله ذي الصفات الباقيات الدائمات.\nفعن قتادة: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: عَلِمَ عدوّ الله أنه ليست له عزّة). فحلف بعزة الله أن يضل بني آدم بتزيين الشهوات وإدخال الشبه عليهم فقال ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ أي لأستدعينهم إلى المعاصي وقد علم أخزاه الله أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة والتحريش، ولا سلطان له إلا على فاسد الطبع مثله أو مَنْ به ضعف في إيمانه ويقينه.\nفقد روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الشيطان قد أيسَ أن يَعْبُدَهُ المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم] (١). وفي غير مسلم بدون قوله (في جزيرة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨١٢)، والترمذي (١٩٣٨)، وأحمد (٣/ ٣١٣)، وغيرهم.","vol":"6","page":565},{"text":"العرب). وله شاهد عند الحاكم بسند حسن عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس في حجة الوداع فقال: [إن الشيطان قد يَئِسَ أن يُعبَد بأرضكم، ولكن رضيَ أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتابَ الله وسنةَ نبيّه ..] (١).\nوفي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن سبرة بن أبي فاكِهٍ عن النبي - ﷺ - قال: [إن الشيطان قعدَ لابنِ آدم بأطرقهِ، فقعدَ له بطريق الإسلام فقال: تُسلِم وتذرُ دينَكَ ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلمَ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجرُ وتدعُ أرضك وسماءكَ وإنما مثلُ المهاجر كمثل الفرسِ في الطِّول، فعصاه فهاجرَ، ثم قعد له بطريق الجِهاد فقال: تجاهِدُ فهوِ جهدُ النفس والمال، فتقاتل فتقتلُ فتنكحُ المرأة ويقسمُ المال؟ ! فعصاه فجاهد، فمَنْ فعل ذلك كان حقًّا على الله أن يدخِلَهُ الجنة، ومن قتل كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرقَ كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصتهُ دابَّتهُ كان حقًّا على الله أن يدخلهُ الجنة] (٢). وقوله: \"كمثل الفرس في الطول\" -وهو الحبل الطويل يشد أحد طرفيه في وتد والطرف الآخر بيد الفرس ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه- كناية عن غربة وضيق الهجرة.\nفإذا ما استنفر المسلم في كل عمل لمعاكسة الشيطان، فقد حظي بذلك برضا الرحمان، وبعونه ليصل إلى غايته وهي دخول الجنان، ورؤية وجه الله ذي الجلال والإكرام، ومثال هذه المعاكسة، ما روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الشيطان يحضُرُ أحدَكُم عند كلِّ شيءٍ من شَأْنِهِ حتى يحضرَهُ عند طعامه، فإذا سقطت من أحدِكم اللقمةُ فَليُمِطْ ما كان بها من أذى، ثم ليأكلْها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعَه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة] (٣).\nفإذا ما فعل ذلك في كل شأنه كان من المخلصين، الذين خَلَّصَهم الله من الشيطان وأعانهم على نبذه والترفع عن ساقط حركاته ووسوسته.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم، وبنحوه الترمذي (٢١٥٩) - كتاب الفتن. وانظر سنن ابن ماجة (٣٠٥٥)، كتاب المناسك، ومسند أبي يعلى (٢٠٩٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٨٣)، والنسائي في السنن (٦/ ٢١، ٢٢)، ورواه ابن حبان في صحيحه (٤٥٩٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٠٣٣) ح (١٣٥)، كتاب الأشربة.","vol":"6","page":566},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nقرأ قراء الكوفة بالضم ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾. كأن التقدير قول الله: (أنا الحق وأقول الحق)، أو بتأويل قوله: لأملأن. أي فالحق أن أملأ جهنم منك.\nفي حين قرأها قرّاء المدينة والبصرة بالنصب (فالحقَّ والحقَّ أقول) بمعنى (حقًّا لأملأن جهنم والحق أقول) أو بالنصب على الإغراء والتقدير: (الزموا الحق واتبعوا الحق). والثانية لا اختلاف في نصبها بمعنى (أقول الحق). وكلا القراءتين السابقتين مشهورة عند القراء. فعن مجاهد في قوله ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ قال: (يقول الله: أنا الحقُّ، والحقَّ أقول) وفي رواية (الحق مني، وأقول الحق). وقال السدي: (قسم أقسم الله به). فقوله: (والحق أقول) جملة اعتراضية بين القسم والمقسم عليه، وهو توكيد القسم. ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أي من نفسك وذريتك وممن تبعك من بني آدم وسار على طريقك، كما قال جل ثناؤه في سورة الحجر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وكقوله في سورة الإسراء: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. أي قل لقومك يا محمد: لست أبتغي بدعوتي مالًا أو أجرًا أو ثناءً أو دنيا أشارككم بها وأنافسكم عليها، شأن أصحاب الدعوات الأرضية والمتنافسين على الأغراض الدنيوية، وحب الرياسات والقصور والأموال وزينة الحياة الدنيا، بل كل ما أرجو بعملي وجه الله وأن يكلله بالقبول. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ فقد أديت وبلغت ونصحت لكم دون زيادة أو نقصان، بل نقلت لكم الوحي كما نزل وأنذرتكم به بلا مبالغة أو رجحان.\nقال النسفي ﵀: (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله وما عرفتموني قط متصنعًا ولا مدعيًا بما ليس عندي حتى أنتحل النبوة وأتقوّل القرآن).\nقلت: والتكلف مذموم في كل شيء، والله يحب التواضع والصدق، اللهم إلا فيما رخّصَ فيه في الإصلاح وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. فقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان، وكذا الديلمي بسند حسن عن سلمان، عن النبي - ﷺ - قال:","vol":"6","page":567},{"text":"[لا يتكلفن أحدُ لضيفه ما لا يقدر عليه] (١). وفي رواية الحاكم عن سلمان ﵁ قال: [نهى عن التكلف للضيف].\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [يا أيها الناس! من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم. فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم. فإن الله ﷿ قال لنبيكم - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾] (٢). ورواه النسائي في كتاب العلم عن مسروق قال: [كنا عند عبد الله جلوسًا وهو مضطجع بيننا نراه، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصًّا عند أبواب كندة يزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس! اتقوا الله، من علم منكم شيئًا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيّه ﵇: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾].\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. يعني القرآن، فهو إنذار وذكر للجن والإنس وعنه يسألون في قبورهم وفى محشرهم. كقوله جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وكقوله في سورة هود: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾. أي: صدقه وحقيقته ونبوة محمد - ﷺ - وما أخبر به من الوحي وذكر الوعد والوعيد والنشور. فعن ابن زيد ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ قال: (صدق هذا الحديث نبأ ما كذّبوا به. وقيل: نبأه حقيقة أمر محمد - ﷺ - أنه نبي). وفي قوله: ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أي بعد الموت. فعن قتادة قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، قال: (أي بعد الموت).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الديلمي (٤/ ٢/ ١٩٧)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٥٦)، والخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٠٥). وانظر السلسلة الصحيحة (٢٤٤٠).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٨٢١) - كتاب التفسير - سورة حم الدخان. وكذلك (٤٨٢٢)، ورواه مسلم، وبنحوه ابن جرير في \"التفسير\" - سورة المؤمنون - آية (٧٦).","vol":"6","page":568},{"text":"التأويل الثاني: أي عند الموت. فعن الحسن قال: (يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين).\nالتأويل الثالث: أي بعد الموت وقبله. قال الفراء: (بعد الموت وقبله). وقال القرطبي: (أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي في المستأنف أي إذا أخذتكم سيوف المسلمين).\nالتأويل الرابع: أي يوم بدر. فعن السدي في قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قال: (يوم بدر).\nالتأويل الخامس: يوم القيامة. فعن ابن زيد قال: (يوم القيامة يعلمون نبأ ما كذّبوا به بعد حين من الدنيا وهو يوم القيامة وقرأ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال: وهذا أيضًا الآخرة يستمرّ فيها الحق ويبطل الباطل). واختار هذا التأويل الحافظ ابن كثير.\nقلت: ويبدو أن الآية عامة مطلقة، فلا حدّ للحين عند العرب، فمن المشركين من رأى صدق هذا الوحي وهذا النبي عند الموت، ومنهم من عاينه في الحياة الدنيا، ومنهم من أبصره يوم بدر فعلم ذلك لما لاقى الهلاك وسيوف الأصحاب الكرام، ومنهم من كلمهم رسول الله - ﷺ - في القليب بعدما جيّفوا فأسمعهم الله كلامِ نبيّه وهو يذكرهم ما كان يحذرهم منه، ومنهم من أبصره يوم فتح مكة، ومنهم من أُخِّر علمه بذلك إلى يوم القيامة يوم لا تنفع الندامة. واختار ابن جرير كون الآية مطلقة وذكر أثرًا عن عكرمة حيث يقول: (سُئلت عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين. فقلت: إن من الحين حينًا لا يُدرك ومن الحين حينٌ يُدرك، فالحين الذي لا يدرك قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، والحين الذي يُدرك قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ وذلك من حين تُصرم النخلة إلى حين تُطْلِع وذلك ستة أشهر).\nولا شك أن هذه الآية الكريمة من المعجزات القرآنية، ومن الغيبيات التي لا يملك أحد الاطلاع عليها إلا الله، فإذا كشفها سبحانه لنبيّه لينذر بها قومه، فهذا من أعظم الأدلة على نبوة محمد - ﷺ -.\nقال القاسمي: (﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ أي عند ظهور الإسلام وانتشاره، ودخول الناس فيه أفواجًا أفواجًا، من صحة خبره، وإنه الحق والصدق. وهذا من أجلّ","vol":"6","page":569},{"text":"معجزات القرآن، لأنه من الغيوب التي ظهر مصداقها، إذ كان زمن الإخبار به زمن قلة من المؤمنين، وخوف من المشركين. فلم يمض ردح من الزمن حتى أبدل الله قلتهم كثرة، وضعفهم قوة، وخوفهم أمنًا، وكمونهم ظهورًا وانتشارًا. فصدق الله العظيم، وصدق نبيّه الكريم، وحقت كلمة الله على الكافرين، والحمد لله رب العالمين).\nتم تفسير سورة \"ص\" بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *","vol":"6","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - القرآن موصوف في القرآن الكريم، بأوصاف هي في منتهى الفخامة والتعظيم.\n٢ - إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.\n٣ - \"لا إله إلا الله\" كلمة النجاة في الدارين، وفيها سر الشوكة للمسلمين والتمكين.\n٤ - أصحاب الأيكة هم قوم شعيب - ﷺ -، كانوا أصحاب شجر كثيف ملتف.\n٥ - إنّ صاحب الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ.\n٦ - أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، والأواب هو الرجاع عن الذنوب.\n٧ - علّمَ الله تعالى نبيّه داود ﵇ علم القضاء، ووهبه قوة الفهم والفصل بين المتخاصمين ليقيم العدل والحق في الأرض.\n٨ - إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلامَ الآخر، فسوف تدري كيف تقضي.\n٩ - خلق الله آدم، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم اللَّبن، ثم ضرب كتفه اليسرى، فخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي.\n١٠ - لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.\n١١ - طموح سليمان ﵇ نموذج رائع لطموح المؤمن لنصر الدين الحق.\n١٢ - لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويُعَلِّمها.\n١٣ - إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، ومن يرد الله به خيرًا يصب منه.","vol":"6","page":571},{"text":"١٤ - فضل الله تعالى الأنبياء بالقوة والصبر والفقه في الدين والجلد على العبادة.\n١٥ - المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسُهُ، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر.\n١٦ - من جعل الهموم هَمًّا واحدًا همَّ المعاد، كفاه الله سائرَ همومه. ومن تشعَّبت به الهمومُ من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك.\n١٧ - يعطى المؤمن في الجنة قوة مئة في النساء.\n١٨ - يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال.\n١٩ - الدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام.\n٢٠ - نهى عن التكلف للضيف، ونهى عن التكلف في الكلام، ومن فقه الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>٣٩ - سورة الزمر</span>\nوهي سورة مكية كما قال الحسن وعكرمة وعطاء. وقال ابن عباس: (إلا آيتين نزلتا بالمدينة إحداهما ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ والأخرى ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية). وقيل: إلا سبع آيات، من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر سبع آيات نزلت في وحشي وأصحابه. ذكره القرطبي وابن كثير رحمهما الله تعالى. واختار ابن كثير أن تلك الآيات نزلت بعد \"سبأ\" والله تعالى أعلم. وأما عدد آيات سورة الزمر فهو (٧٥).\nولسورة الزمر فضائل كثيرة، وفيها ذكر الخلق وسعة رحمة الله في مغفرة الذنوب، وفيها ذكر المعاد والنفخ في الصور والفزع وبدء الحساب وتقسيم الملائكة الأمم زمرًا، ودخول أهل الجنة الجنة واستقبال الملائكة لهم، ودخول أهل النار النار وتثريب الملائكة عليهم، ولهذا كان النبي - ﷺ - يقرؤها قبل أن ينام.\nفقد أخرج الترمذي وأحمد والحاكم بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله - ﷺ - لا ينام حتى يقرأ \"بني إسرائيل\" و\"الزمر\"] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٤/ ٢٣٢ - تحفة)، وأحمد (٦/ ٦٨/ ١٢٢)، والحاكم (٢/ ٤٣٤)، وابن خزيمة في صحيحه (١/ ١٢٦/ ٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٤١).","vol":"6","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>موضوع السورة</span>\nأصناف وزمر الكافرين في الدارين\nومنازل وزمر المؤمنين في الدارين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-250> منهاج السورة </span>-\n١ - إثبات التنزيل لهذا القرآن من الله العزيز الحكيم، على رسول الهدى - ﷺ - ليعبد الله مخلصًا له الدين.\n٢ - الدين الخالص لله تعالى، وهو إفراد الله تعالى بالعبادةِ والتعظيم، والمشركون في ضلال مبين.\n٣ - تنزه الله تعالى عن الصاحبة والولد، وتفرّده سبحانه بالخلق والملك والتدبير والتسخير.\n٤ - رجوع ثواب الشكر على الشاكرين، ومغبة الكفر والجحود على الجاحدين.\n٥ - تجرّد الإنسان عند الضر وإخلاصه لله الدعاء والرجاء، ثم عودته إلى الكبر والغرور والشرك عند حدوث الرخاء.\n٦ - لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فالمؤمنون في سجود وقيام وهم من الآخرة يحذرون.\n٧ - أمرُ الله عباده المؤمنين إخلاص التقوى له في عبادتهم، والهجرة إلى حيث يأمنون على دينهم.\n٨ - الخاسرون هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وهم في دركات العذاب خالدون.\n٩ - المؤمنون هم الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وأنابوا إلى الله وكانوا على منهاج النبوة، وهم في الآخرةِ في روضات الجنات في الغرف المبنية.\n١٠ - إنزالُ الله الماء من السماء، وتخزينهُ في الأرض، وإخراج الزرع به والثمر، ثم يباسه بعد خضرته، آيات تدل على البعث بعد الموت.","vol":"6","page":574},{"text":"١١ - انشراح صدر المؤمن للإسلام، وضيق صدر الكافر بالظلم والطغيان.\n١٢ - القرآن أعظم الحديث والذكر، فمن شأنه أن تخبت له القلوب وتقشعر.\n١٣ - الخزي والفضيحة والهوان عاقبة الكفر بالله وتكذيب الرسل.\n١٤ - ضَرْبُ الله الأمثال للمشركين، وإثبات الهداية والإضلال بامر الله.\n١٥ - اعتراف المشركين لله بالربوبية، وعدم إقرارهم له وحده بالألوهية.\n١٦ - إثبات أمر الشفاعة لله وحده، والمشركون محرومون منها، فهم يستبشرون بذكر آلهتهم وينفرون عند ذكر الله وحده، وسيلقون الخزي يوم القيامة.\n١٧ - سلوك الإنسان بينَ الشدة والرخاء، والله يبسط الرزق لمن يشاء.\n١٨ - تودّد الرحمان ﷿ إلى عباده ليتوبوا إليه، ويقبلوا عليه، ووعده لهم بالمغفرة والرحمة.\n١٩ - تحذير الله تعالى عباده مشهد الخزي والندامة، ومغبة الكذب عليه ومآل المستكبرين يوم القيامة.\n٢٠ - النجاة يوم الحشر للمؤمنين، والتحذير من سبيل المشركين، والأرض جميعًا قبضته - تعالى يوم القيامة - والسماوات مطويات بيمينه، فسبحانه وتعالى عما يشركون.\n٢١ - النفخ في الصور: نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لله رب العالمين.\n٢٢ - وَضْعُ الكتاب، ومجيء النبيين والشهداء وبدء الحساب.\n٢٣ - سَوْقُ الكافرين إلى جهنم في زمر، وتقريع خزنة النار لهم وهي تلفظ بالشرر.\n٢٤ - سَوْقُ المؤمنين إلى الجنةِ في زُمر، وسلام الملائكة عليهم، وبث البشرى لهم بالخلود والأمان.\n٢٥ - تسبيح الملائكة حول العرش، وقضي بينهم بالحق، وقيل الحمدُ لله رب العالمين.\n* * *","vol":"6","page":575},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾.","vol":"6","page":576},{"text":"في هذه الآيات:\nهو الحق نزل عليكَ يا محمد، كتاب الله العزيز في كبريائه وجبروته وانتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه وشؤون عباده، وفي ما ارتضى لهم من هديه وشرعه وقدره، أنزلهُ إليكَ كتابًا عظيمًا خضعت له السماوات والأرض وأشفقت منه الجبال، يدعو إلى الحق والعدل الذي قام عليه هذا الكون وهو إفراد الله بالتعظيم والكبرياء فلا يستحق ذلكَ أحد سواه، فادع إلى ذلكَ يا محمد، فله سبحانه الدين الخالص وهو معنى الشهادةِ (لا إله إلا الله)، والذين آثروا الأوثان وتحكيم الشهوات والأهواء وتنحية الوحي والاستهزاء به سينالهم ما يعاقبون به، فلا الأوثان تقربهم إلى الله كما يزعمون، ولا الشهوات والشبهات تنجيهم من سوء المستقبل الذي ينتظرون، فإن الله يطبع على قلب كل متكبر جبار. فهو الله الأحد لم يلد ولم يولد، وكل شيء يعبده، لا شريكَ لهُ في ملكهِ وسلطانه، فلو أرادَ أن يتخذ ولدًا لاصطفى ما يشاء، ولكنهُ القَهَّار الواحد الصمد، لا يحتاج إلى غيرهِ وهو الغني وكل خلقه محتاجٌ إلى رحمتهِ، فقد خلق السماوات والأرض وحمل الليل على النهار يغشى هذا هذا ويغشى هذا هذا وسخر الشمس والقمر لعباده ليعلموا عدد السنين والحساب، وهما يجريان إلى يوم القيامة إلى حين تكوّر الشمسِ وتنكدر النجوم، ولكل منهما منازل في حركته ودورانه لا تعدوه ولا تقصر دونه، فمَنْ يفعل هذه الأفعال ويقسم هذه المقادير ويبسط هذه النعم إلا العزيز صاحب الجبروت والغفار الذي يغفر ويجيب الدعوات. الذي خلقكم من أبيكم آدم وخلق حواء من زوجها من ضلع من أضلاعه، وجعل لكم من الأنعامِ ثمانية أزواج من الإبل زوجين ومن البقر زوجين ومن الضأنِ زوجين ومن المعز زوجين، وهو الذي يقدركم في بطون أمهاتكم نطفة فعلقة فمضغة ثم يكون لحمًا وعظمًا وعصبًا وعروقًا ثم ينفخ فيه من روحه فيصير خلقًا آخر باذن الله أحسن الخالقين، وهذا كله يجري في ظلمة الرحم والمشيمة والبطن فهو المتصرف له الملك فأين تنصرف عقولكم عن تعظيمه وحده وكيف تنصرفون عن عبادته ولا مستحق للعبادة غيره. فإن تكفروا فلا تلوموا إلا أنفسكم فإن الإحسان لا يقابل بالإساءة، وإن تشكروا فهو يرضاه لكم كما ترضون أنتم مقابلة الإحسان بمثله، ثم تُرَدُّون إليه فلا ملجأ ولا منجى لكم مِنْه إلا اللجوء إليهِ فهو العليم بذات صدوركم وبما أسررتم وما أخفيتم. أوليس إذا مسّ أحدكم الضر وحاق به الخطر وأحدق به الخطب جأر إليه، فلماذا إذا شعر بالرخاء فكّرَ بالكبر والعجب وَتَرَكَ الشيطان يحرك لسانه بفاسد القول وما فيه شرك بالله وكفر، كلا فليتمتع بكفره أيامًا فإنها","vol":"6","page":577},{"text":"لا تقاس ولا تقارن بعذاب النار وأحقاب الجحيم. لكن الخاشع في جوف الليل الساجد والقائم الخائف من أهوال يوم القيامةِ ومفاجآتها، الراجي رحمة ربه عند الاحتضار وفي لحظات الخروج من هذه الدنيا ومفاتنها، ليس كمن أشركَ وتكبر وتبختر، ثم خرج ولسانهُ عند الاحتضار يتعثر، فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى، وإلى مفاجآت الموقف ومآسي جهنم سيُولّى، ولا يتذكر هذا إلا أصحاب العلم والعقل لا مَنْ بالشهواتِ وسكرها وانحطاطها يتدلى. فهاجِروا عباد الله إلى أرض الإسلام واتركوا ديار الكفر واصبروا على الجهاد في سبيل الله حتى تظفروا بإحدى الحسنيين النصر والتمكين أو الشهادة والأجر العظيم، فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.\nوتفصيل ذلك:\nقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾. هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ المؤخر ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا، (أي: هذا تنزيل). وجوّز الفراء النصب أي ﴿تَنْزِيلُ﴾ على أنه مفعول به أو على أنه منصوب على الإغراء كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ﴾، أي الزموا كتاب الله. والرفع أشهر عن القراء. والكتاب هو القرآن. قال القرطبي: (سمي بذلكَ لأنهُ مكتوب).\nوقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. قال ابن جرير: (الذي نزلناهُ عليك يا محمد من الله العزيز في انتقامهِ من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، لا من غيره، فلا تكونن في شك من ذلك). أي هذا القرآن من الله العزيز المنيع الجناب الحكيم في أقواله وأفعالهِ وشرعه وقدره، كما قال جل ثناؤهُ في سورة الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. أي أنزلناه بالحق وبالحق نزل، وبالصدق والجد فما فيهِ باطل ولا هزل، لتقيمَ به بين الناس العدل، وتحكم بهذا الوحي حياة البشر، فلا حياةَ ولا أمن ولا سعادة في الإعراض عنه، فأفْرِدِ الله بالعبادةِ والتوسل والطاعة، فلا أحد غيره يملك الضرّ والنفع فإليهِ التذلل والضراعة. فَعن قتادة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ قال: (يعني القرآن). وعن السدي: (قوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قال: فالتوحيد، والدين منصوب بوقوع مخلصًا عليه). فقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حال، أي موحدًا لا تشرك بهِ سبحانه. قال القاسمي: (أي عن شوب الشرك والرياء، بإمحاض التوحيد وتصفيةِ السر).\nقال ابن العربي ﵀: (هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل).","vol":"6","page":578},{"text":"وقوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. قال قتادة: (شهادة أن لا إله إلا الله).\nقلت: فالإخلاص شطر العمل الصالح المتقبل، والصواب وموافقته الحق والسنة شطره الثاني، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، من عملَ عملًا أشركَ فيهِ معي غيري تركتُه وشِركَهُ] (١).\nوعند الترمذي بسند حسن عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [قال اللهُ تعالى: يا ابنَ آدمَ! إنكَ ما دَعْوتَني ورجوتني غفرتُ لكَ على ما كانَ منكَ ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبكَ عَنانَ السماء ثم استغفرتني غفرتُ لكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ! لو أنكَ أتَيْتني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثم لقيتني لا تُشْرك بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرة] (٢).\nورواه الطبراني عن أبي الدرداء وسنده صحيح ولفظه: [قال الله تعالى: يا ابن آدم! مَهْما عَبَدْتَني ورَجَوْتَني ولمْ تُشرك بي شيئًا غفرتُ لكَ على ما كانَ مِنْكَ، وإن استقبلتني بملءِ السماءِ والأرضِ خطايا وذنوبًا استقبلتُكَ بملئهِنَّ منَ المغفرةِ، وأغفرُ لكَ ولا أُبالي] (٣).\nوروى مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقِول: [إنَّ أولَ الناس يُقضى يومَ القيامةِ عليهِ رجلُ استُشهد، فأُتِيَ بهِ، فعرَّفه نِعَمَه، فَعَرَفها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيكَ حتى استُشْهِدتُ. قال: كَذَبْتَ، ولكنَّكَ قاتلت لأن يقال: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ بهِ فَسُحِبَ علىِ وِجهِهِ حتى أُلْقِيَ في النَّار. ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعَلَّمَهُ، وقرأ القرآنَ، فَأُتِيَ بهِ، فَعَرَّفهُ نِعَمَهُ فعرفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العلم وعَلَّمْتُهُ، وقرأتُ فيكَ القرآن، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّكَ تعلّمتَ ليقالَ: عالمٌ، وقرأت القرآنَ ليقالَ: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمِرَ بهِ فسُحبَ على وجهِهِ حتى أُلقيَ في النار. ورجلٌ وسّع الله عليه، وأعطاهُ من أصنافِ المال، فاُتِيَ بهِ، فعرّفهُ نِعَمَهُ فَعَرَفها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أن يُنفَقَ فيها إلا أنْفَقْتُ فيها لكَ، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ ليقالَ هو جواد، فقد قيلَ، ثم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٨٥) - كتاب الزهد - باب تحريم الرياء.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٥٤٠). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٨٠٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء. وله شاهد في مسند أحمد (٥/ ١٥٤).\nوانظر تخريج: \"المشكاة\" (٣٣٦٥)، وصحيح الجامع (٤٢١٧).","vol":"6","page":579},{"text":"أُمِرَ بهِ فسُحب على وجهِهِ حتى أُلقي في النار] (١).\nورواه الترمذي وابن حبان بسند صحيح عن الوليد ابن أبي الوليد أبي عثمان المديني أنّ عُقبةَ بنَ مسلم حدّثهُ، أن شُفَيًّا الأصبَحيَّ حدثه: أنه دخل المدينة فإذا هو برجلٍ قد اجتمعَ عليهِ الناسُ، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، قال: فَدَنَوْتُ منه، حتى قعدتُ بين يديهِ، وهو يحدث الناس، فلما سكتَ وخلا، قلتُ له: أسألكَ بحقِّ وبحقِّ، لمّا حدثتني حديثًا سمعتهُ من رسول الله - ﷺ - وعَقِلْتَهُ وعَلِمْتَهُ، فقال: أبو هريرة: أفعلُ، لأحدثنّكَ حديثًا حَدَّثنيه رسول الله - ﷺ - وعَقِلْتُهُ وعَلِمْتَهُ، ثم نشغَ أبو هريرةَ نشغة (أي شهق حتى كاد يغشى عليهِ خوفًا وأسفًا)، فمكثنا قليلًا ثم أفاق، فقال: لأحدِّثنكَ حديثًا حدثنيهِ رسول الله - ﷺ - أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو هريرة نشغةً أخرى، ثم أفاق ومسحَ عن وجههِ، فقال: أفعلُ، لأحدثنكَ حديثًا حدثنيه رسول الله - ﷺ - أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرةَ نشغةً شديدة، ثم مالَ خارًّا على وجهِهِ، فأسندتُه طويلًا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله - ﷺ -: [إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامةِ، ينزلُ إلى العبادِ ليقضي بينهم، وكلُّ أمة جاثية، فأول من يُدعى به رجل جمع القرآن، ورجلٌ قُتلَ في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقولُ الله ﷿ للقارئ: ألم أُعَلِّمك ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عَمِلْتَ فيما عَلِمْتَ؟ قال: كنتُ أقومُ بهِ آناءَ الليل وآناء النهار، فيقول الله ﷿ له: كذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كَذَبْتَ، ويقول الله ﵎: بل أرَدْتَ أن يقال: فلانٌ قارئ، وقد قيل ذلك.\nويؤتى بصاحب المال، فيقول الله ﷿: ألم أُوْسِعْ عليكَ حتى لم أَدَعْكَ تحتاج إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عملتَ فيما آتيتُكَ؟ قال: كنتُ أصلُ الرَّحِمَ وأتصدقُ. فيقولُ الله له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكةُ: كذبْتَ، ويقول الله ﵎: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جَوادٌ، وقد قيل ذلك.\nويؤتى بالذي قُتِلَ في سبيل الله فيقول الله له: في ماذا قُتِلْتَ؟ فيقول: أي ربِّ! أمَرْتَ بالجهاد في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتِلْتُ، فيقول الله له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكةُ كَذَبْتَ، ويقول الله: بل أردتَ أن يقالَ: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٩٠٥) - كتاب الإمارة. ورواه النسائي.","vol":"6","page":580},{"text":"رسول الله - ﷺ - على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئكَ الثلاثةُ أولُ خلقِ الله تُسعر بهم النار يومَ القيامة] (١).\nقال الوليدُ أبو عثمان المديني: (وأخبرني عُقبةُ أن شُفَيًّا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيّافًا لمعاوية قال: فدخل عليهِ رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة. فقال معاوية: قد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيفَ بمن بَقِيَ مِن الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا، حتى ظننا أنَّهُ هالكٌ، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشَرٍّ. ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجههِ، وقال: صدق الله ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾).\nوبهذا المعنى روى ابن جرير في التفسير عن حفص عن شمر قال: (يؤتى بالرجل يوم القيامةِ للحساب وفي صحيفتهِ أمثال الجبال من الحسنات فيقول ربّ العزةِ جل وعز: صَلّيْتَ يوم كذا وكذا ليقال: صَلَّى فلانٌ، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص. صُمْتَ يوم كذا وكذا ليقال صام فلان، أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص. تصدقتَ يومَ كذا وكذا ليقال: تصدّق فلانٌ، أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالصُ، فما يزالُ يمحو شيئًا بعد شيء حتى تبقى صحيفتهُ ما فيها شيء فيقول ملكاه: يا فلان، ألغير الله كنتَ تعمل؟).\nفنسأل الله الإخلاص في القولِ والعمل، ومتابعة الحق في كل أمر بلا ابتداع أو زلل، ونسأله سبحانه دخولَ الفردوس دون حساب ولا انتظار يوم الحشر أو ملل، إنه رحيم قريب بَرٌّ كريم.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.\nقال مجاهد: (قريش تقوله للأوثان، ومن قَبْلهم يقوله للملائكة ولعيسى بن مريم ولعزَير).\nوقال قتادة: (قالوا ما نعبدُ هؤلاء إلا ليقربونا، إلا ليشفعوا لنا عند الله). وقال السدي: (هي منزلة). فأخبر سبحانهُ عن عبّاد الأوثان أنهم إنما يحملهم على عبادتهم هو أن هذه الأصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين كما زعموا فهم يرجون بذلكَ شفاعتهم عند الله لنصرهم ورزقهم في الدنيا وحمايتهم مما ينوبها، وأما الآخرة والبعث\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الترمذي (٢٣٨٢)، وابن حبان. انظر: صحيح الترغيب (١/ ٢٢).","vol":"6","page":581},{"text":"بعد الموت فقد كانوا منكرين جاحدين له. قال الحافظ ابن كثير: (وما كان الشفعاءُ والوسطاء في نظر المشركين إلا مخلوقين لله تعالى، مربوبين له، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجّوا في جاهليتهم: لبّيكَ لا شريكَ لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك). قلت: فهذه الشبهة قديمة اعتدّ بها المشركون أمام رسلهم، وهي واهية باطلة لأنهم قاسوا الله سبحانه وملائكته على ملوك الأرض وأمرائهم الذين يتوسطون ويشفعون لهم عند ملوكهم، فتعالى اللهُ عما يقولون علوًا كبيرًا، فقد قال سبحانه في سورة الشورى يصفُ نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقال في سورة النحل: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقال فيها أيضًا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فأمر سبحانه بإفرادهِ في العبادةِ فهو العظيمُ لا واسطة لديه إلا الإنابة إليهِ والعملُ الصالح، وهو الذي يحبه من ملوك الأرض ومن عباده جميعًا، وبه ينبغي أن يقرّب الحكام والخلفاء الناس أو يبعدوهم، قال جل ثناؤه في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قال ابن القيم ﵀: (الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حدّه: من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قومٍ: من يتحاكمون إليهِ غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تَأَمَّلْتها وتأمّلت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول الله - ﷺ - إلى طاعة الطاغوت ومتابعته).\nوقد أخرج الإمام البخاري في تفسير سورة نوح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قال: [هي أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم: أن انْصِبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبْدَ. حتى إذا هلكَ أُولئكَ ونُسِيَ العلم عُبِدَتْ] (١).\nوقال ابن جرير بسنده عن محمد بن قيس: (أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٢٠) - كتاب التفسير - سورة نوح.","vol":"6","page":582},{"text":"إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم).\nقلت: فهذا أصل الشرك بدأ بصور، ثم انتهى بصرف العبادة لغير الله، ثم صار دينًا في قلوب كثير من الناس، احتجوا به على الرسل والأنبياء وعاندوهم، وإنما استزلهم الشيطانُ ببعض ما كسبوا. ولهذا قال سبحانه عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال قتادة: (كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده). قال الكلبي: (جواب هذا الكلام في الأحقاف: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ والزلفى القربة) ذكره القرطبي.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. قال القاسمي: (أي عند حشر معبوداتهم معهم، فيقرن كلًّا منهم مع من يتولاه، من عابد ومعبود. ويدخل المبطل النار مع المبطلين، كما يدخل المحق الجنة مع المحقين، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ لا يوصله إلى النجاة ومقر الأبرار). أي فاللهُ يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلًّا بما يستحقُ، كما قال جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. وكما قال في سورة سبأ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. تنزيةٌ لهُ - جلّت عظمته - أن يكون له ولد، فهو الغني لا يحتاجُ إلى أحدٍ من خلقهِ، بل الكل مفتقر إلى هديهِ وتوفيقهِ ورحمته.\nقال ابن جرير: (لو شاء الله اتخاذ ولدٍ، ولا ينبغي له ذلك، لاصطفى مما يخلق ما يشاء. يقول: لاختار من خلقهِ ما يشاء. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هو الذي يعبدهُ كل شيء ولو كانَ له ولد لم يكن له عبدًا فالأشياء كلها له ملك فَأَنَّى يكون لهُ ولدٌ وهو الواحد الذي لا شريكَ لهُ في ملكه وسلطانهِ والقهار لخلقهِ بقدرتهِ، فكل شيء لهُ متذلِّلٌ ومن سطوته خاشع). قلت: إن الاشتراك بين صانعين في إتقان صنعة، يوزعُ الثناء بينهما، فلو أنجزها أحدهما لأخذ الثناء كله، فكيف بالإنسان يحب ذلكَ لنفسهِ ويرضى شريكًا لخالقهِ، فيقسم الثناء والحمد، فتعالى الله عما تتصور عقول المشركين علوًا كبيرًا،","vol":"6","page":583},{"text":"فله المدحُ كله، وله الثناءُ كله، وله الحمدُ كله، وله الكمال كله، ولا أحد يشاركهُ سبحانهُ في صفات الكمال والجلال والجمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾.\nوفي الصحيحين والمُسْنَدِ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا أحدَ أغيرُ من الله، ولذلكَ حرّمَ الفواحشَ، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبُّ إليهِ المدحُ من الله، ولذلكَ مَدَحَ نفسهُ، ولا أحدَ أحبُّ إليهِ العذرُ من الله، من أجلِ ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسلَ] (١).\nوفي صحيح الحاكم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله تعالى: الكِبرياءُ رِدائي، فمن نازعني في ردائي قَصَمْته] (٢). وأصله في صحيح الإمام مسلم ولفظهُ: [قال الله تعالى: الكبرياءُ ردائي والعِزُّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهُما عَذّبتُهُ] (٣). ولهُ شاهد في مسند الإمام أحمد ولفظه: [قال اللهُ تعالى: الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نَازَعني واحدًا منهما قذفتهُ في النار].\nوقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾. أي: فلهُ الخلق والأمرُ والتدبير سبحانهُ وهذا من صفات الربوبيةِ التي تقتضي وتستلزم من العباد إفرادهُ بالألوهيَّةِ كما قال جل ثناؤهُ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.\nوعن ابن عباس قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ قال: (يحمل الليل على النهار). وقال قتادة: (يغشى هذا هذا ويغشى هذا هذا). وقال مجاهد: (يدهوره). وقال السدي: (يجيء بالنهار ويذهب بالليل، ويجيء بالليل ويذهب بالنهار). وقال الضحاك: (أي يلقي هذا على هذا، وهذا على هذا). وبناء على ما سبق ففي الآية أكثر من تأويل:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٣٤)، ومسلم (٢٧٦٠)، ورواه أحمد (١/ ٣٨١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٦١)، وبنحوه أحمد في المسند (٢/ ٢٤٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٣٥ - ٣٦)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٥٢).\nوانظر مسند أحمد (٢/ ٤١٤)، وسنن ابن ماجة (٤١٧٤).","vol":"6","page":584},{"text":"التأويل الأول: قيل التكوير الطرح والإلقاء. ففي لغة العرب: التكوير طرح الشيء بعضه على بعض. قال الرازي: (وتكويرُ المتاع جمعهُ وشده. وتكوير العِمَامة كَوْرها). ويقال: كوّر المتاع أي ألقى بعضهُ على بعض، ومنه قول الضحاك في الآية: (يلقي هذا على هذا، وهذا على هذا).\nالتأويل الثاني: التكوير نقصان أحدهما وزيادة الآخر. قال ابن عباس: (ما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل). ويشبه ذلكَ قولهُ في سورة آل عمران: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾\nالتأويل الثالث: التكوير: التغشية، أي يذهب أحدهما ضوء الآخر. قال قتادة: (يغشى هذا هذا، ويغشى هذا هذا). فتكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوءه، ويغشى النهار على الليل فيذهبُ ظلمته. كما قال سبحانه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾.\nالتأويل الرابع: التكوير مجيء أحدهما وذهاب الآخر. كما قال السدي: (يجيء بالنهار ويذهب بالليل، ويجيء بالليل ويذهب بالنهار).\nقلت: وكلها تأويلات متقاربة تدل على رحمة الله بعباده إذ يدخل الليل في النهار ثم يدخل النهار في الليل وينقصُ من طول أحدهما ويزيدُ في الآخر على مدار السنة ليختبر عباده في تقربهم ومختلف أحوالهم، وليسكنوا في الليل إذا جاء وقد ذهب النهار وما فيهِ من مشقةٍ وعملٍ، ثم ليمتحنهم مرة أخرى بذهاب الليل ومجيء النهار.\nوقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. فيه معنيان:\nالمعنى الأول: الأجل المسمى المنازل الخاصة بكل منهما ووقت بلوغها.\nقال الكلبي: (يسيران إلى أقصى منازلهما، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما لا يجاوزانه). أي لكل واحد منهما منازل، لا تعدوه ولا تقصر عنه، فيكونُ معنى الأجل المسمى: الوقت الذي ينتهي فيه سير الشمس والقمر إلى المنازل المرتبة لغروبها وطلوعها.\nالمعنى الثاني: الأجل المسمى يوم القيامة.\nقال ابن جرير: (وسخر الشمس والقمر لعباده ليعلموا بذلكَ عدد السنين والحساب ويعرفوا الليل من النهار لمصلحة معاشهم. ﴿كُلٌّ﴾ ذلكَ يعني الشمس والقمر","vol":"6","page":585},{"text":"﴿يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني إلى قيام الساعة وذلكَ إلى أن تكوّر الشمس وتنكدر النجوم). وقال القرطبي: (﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي بالطلوع والغروب لمنافع العباد: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا وهو يوم القيامة حين تنفطر السماء وتنتثر الكواكب).\nقلت: وكلا المعنيين تحمله الآية فالشمس والقمر يجريان في منازلهما إلى يوم يحدث الله تغييرًا في حركتهما ويأمرهما بخلافِ ما كان أذن لهما. ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي ذر: قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أتدرون أينَ تذهبُ هذه الشمس؟ إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرشِ، فتخرّ ساجدةً، فلا تزالُ كذلكَ حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئتِ، فترجعُ، فتصبحُ طالعةً من مطلعها، ثمَّ تجري، حتى تنتهيَ إلى مستقرِّها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئتِ، فترجعُ فتصبحُ، طالعةً من مطلعها، ثم تجري، لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهى إلى مستقرها ذاك تحتَ العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعةً من مَغْربِكِ، فتصبح طالعةً من مغربها، أتدرون متى ذاكم؟ حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (١).\nوفي صحيح الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [الشمس والقمرُ يكوّرانِ يومَ القيامةِ]. وله شاهد عند البيهقي عنه ولفظه: [الشمس والقمر ثوران مكوَّرانِ في النار يوم القيامةِ. فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال أحدثك (٢) عن رسول الله - ﷺ -! فسكت الحسن] (٣).\nوقوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّار﴾. قال ابن جرير: (ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال وأنعم على خلقهِ هذه النعم هو العزيز في انتقامهِ ممن عاداه، الغفار لذنوب عبادهِ التائبين إليهِ منها بعفوهِ لهم عنها). أي فهو مع عزتهِ وكبريائهِ وجبروتهِ وقدرتهِ يتوب على من أنابَ إليهِ، وأقبل راجيًا مستغفرًا ما قدم بين يديه.\nوقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. يعني خلقكم من آدم ثم أخرجكم من صلبه، وخلق حواء زوجة أبيكم آدم من ضِلعٍ من أضلاعِهِ ﵇. كما قال جل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٩) - كتاب الإيمان. والآية المذكورة [الأنعام: ١٥٨].\n(٢) وهو أبو سلمة أحد الرواة.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، ومسند أبي يعلى (٣/ ١٧/ ١٠). و\"مشكل الآثار\"- الطحاوي - (١/ ٦٦ - ٦٧). ورواه البيهقي وابن عدي.","vol":"6","page":586},{"text":"ثناؤه في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. وكقوله في سورة الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.\nوعن قتادة: (قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال: يعني آدم، ثم خلق منها زوجها حواء، خلقها من ضِلع من أضلاعه). أي ليسكق إليها وليحصل التناسل فيخلق الله ما شاء من بني آدم.\nوهنا فائدة لطيفة: فقد يقال كيف خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وإنما خلق ولد آدم من آدم وزوجته، ولا شك أن الوالدين قبل الولد؟\nوالجواب على ذلكَ من وجوه:\nالوجه الأول: أن العرب تخبر عن فعلين لرجل وتورد الأول منهما في المعنى بعد \"ثُمَّ\" في خبر المتكلم بنحو قولك: (بلغني ما كان منكَ اليوم. ثم ما كان منك أمس أعجب).\nالوجه الثاني: أن يكون المعنى: خلقكم من نفس وحدها ثم جعل منها زوجها.\nذكره والذي قبله الإمام الطبري.\nالوجه الثالث: أي خلقكم من آدم ﵇ فأودعكم في ظهره وصلبه ثم حصل خروجكم بالتناسل بعد أن خلق من ضلع من أبيكم أمّكم حواء.\nالوجه الرابع: أن يكون المراد بثّ الذرية أمام آدم يوم أخرجها الله أمامهُ من ظهره وكلمهم قبلًا ألمست بربكم وعهد عليهم ألا يشركوا به شيئًا. ثم خلق زوجته حواء. واختاره ابن جرير.\nقلت: لقد ساق ابن جرير أثرًا عن النبي - ﷺ - فيه زيادة: (وخلق بعد ذلكَ حواء من ضِلْعِ من أضلاعه) ما رأيتها في صحيح السنة، وأما الشق الأول فيؤيده من السنة الصحيحة أحاديث أخذ الميثاق. وبذلكَ يكون الوجه الثالث أقرب عندي إلى المعنى وهو من إلهامِ الله تعالى وتوفيقه، ويؤيده من الأدلةِ الصحيحة ما يلي:\nالدليل الأول: يروي ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [لما نزلت آية الدَّيْن قال رسول الله - ﷺ -: إن أول من جحد آدم، إن الله تعالى لما","vol":"6","page":587},{"text":"خلقه مسح ظهره، فأخرجه منه ما هو من ذراريَّ إلى يوم القيامة، فعرضهم عليه] (١).\nففيه إشارة لنثر ذريته من ظهره أمامه بعد خلقه قبل خلق حواء.\nالدليل الثاني: يروي الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة (وفي رواية: يوم عرفة) فأخرج من صُلْبِهِ كُلَّ ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذّرّ ثم كلمهم قِبَلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾] (٢).\nالدليل الثالث: يروي ابن حبان في صحيحه والحاكم بإسناد حسن عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: [لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه قال بيدهِ وهما مقبوضتان: خُذ أيهما شئتَ يا آدم. فقال: يمين ربي وكلتا يداهُ يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم وذريته، وإذا كل إنسان منهم عنده عمر مكتوب] (٣).\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. في قوله ﴿وَأَنْزَلَ﴾ أقوال عند المفسرين:\nالقول الأول: ﴿أَنْزَلَ﴾ بمعنى أنشأ وجعل، فقد روي ذلكَ عن الحسن.\nالقول الثاني: ﴿أَنْزَلَ﴾ بمعنى خلق، قاله سعيد بن جبير.\nالقول الثالث: أن يكون خلقها سبحانه في الجنة مع آدم ﵇ ثم أنزلها معهُ إلى الأرض، كما قيل في قوله جل ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فإن آدم لما هبط إلى الأرض أنزل معه الحديد. ذكره القرطبي والنسفي.\nالقول الرابع: أن الأنعام لا تعيشُ إلا بالنبات، والنباتُ لا يقوم إلا بِالماء، وقد أنزل الماء فكأنه أنزلها. واختاره القرطبي ﵀ حيث قال: (أخبر عن الأزواج\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٩٠)، ورواه أحمد في المسند (١/ ٢٥١)، وأبو يعلى (٢٧١٠)، والطيالسي (٢٦٩٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٩١)، والحاكم عن ابن عباس، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٢٣).\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح ابن حبان (٦١٦٧)، ومستدرك الحاكم (١/ ٦٤)، (٤/ ٢٦٣)، وكذا سنن الترمذي (٣٣٦٨)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" (ص ٦٧).","vol":"6","page":588},{"text":"بالنزول، لأنها تكونت بالنبات والنبات بالماء المنزل. وهذا يسمى التدريج، ومثله قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ الآية).\nالقول الخامس: قيل: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ أي أعطاكم.\nالقول السادس: قيل: جعل الخلق إنزالًا، لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء. فالمعنى: خلق لكم كذا بأمره النازل.\nقلت: وكلها لطائف من التفسير يضمها البيان الإلهي الكريم وإعجاز القرآن العظيم فتبارك من تكلمَ به أحسن الخالقين.\nوأما الأزواج فالمقصودُ بها الأنعام الثمانية: من الإبل زوجين ومن البقر زوجين ومن الضأن زوجين ومن المعز زوجين، كما قال جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. قال مجاهد: (قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الإبل والبقر والضأن والمعز).\nوقال الضحاك: (يعني من المعز اثنين ومن الضأنِ اثنين، ومن البقرِ اثنين ومن الإبل اثنين).\nوقال قتادة: (من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين كل واحد زوج).\nوقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾. أي: نطفة فعلقة فمضغة على مراحل ثلاث ثم يكونُ لحمًا وعظمًا وعصبًا وعروقًا، ثم ينفخ فيه الروح فيصير خلقًا متكاملًا بإذن الله أحسن الخالقين. كما قال سبحانهُ في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\nوكما قال في سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.\nفالقول الأول: هو ما سبق وقد روي عن عكرمة ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قال: (نطفة ثم علقة ثم مضغة). وبنحوه قال قتادة: (نطفة ثم علقة ثم مضغة","vol":"6","page":589},{"text":"ثم عظامًا ثم لحمًا ثم أنبت الشعر، أطوار الخلق).\nوالقول الثاني: أي هو الخلق في بطون الأمهات بعد أن كان الخلق الأول في ظهر آدم.\nفعن ابن زيد قال: (خلقًا في البطون من بعد الخلق الأول الذي خلقهم في ظهر آدم).\nوالقول الثالث: قيل في ظهر الأب ثمَّ خلقًا في بطن الأم ثم خلقًا بعد الوضع. أورده القرطبي عن الماوردي.\nقلت: والراجح عندي القول الأول وهو قول ابن جرير وابن كثير ويدل عليه سياق الآية حيث يقول سبحانه ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ فهو يعني المراحل في الخلق والبناء داخل الأرحام ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾، ويؤيده من السنة الصحيحة إضافة لما سبق من الآيات الكريمة أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إن أحدكم يُجْمعُ خلقُهُ في بطن أمهِ أربعينِ يومًا نطفة، ثمَّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمَّ يكونُ مُضْغَةً مثلَ ذلك، ثمَّ يبعثُ اللَّهُ إليهِ مَلَكًا، ويؤمرُ بأربع كلماتٍ، ويقال لهُ: اكتب عملهُ، ورزقهُ، وأجلهُ، وشقي أو سعيد، ثم يَنْفُخُ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعملُ بعمل أهل الجنةِ، حتى لا يكونَ بينه وبينَها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلُ النار. وإن الرجل ليعمل بعملِ أهلِ النار، حتى ما يكون بينهُ وبينها إلا ذراع، فيسبق عليهِ الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ فيدخلُ الجنة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أُسَيْد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا مرَّ بالنطفةِ اثنتان وأربعون ليلةً، بعث اللَّه إليها مَلكًا فصوّرها، وخلق سمعها وبصرَها، وجِلدَها ولحمها وعظامَها، ثم قال: يا ربَّ أذكرٌ أَمْ أُنثى؟ فيقضي ربك ما شاءَ، ويكتُبُ الملك، ثم يقول: يا رب أَجلهُ، فيقول ربكَ ما شاءَ، ويكتبُ الملك، ثمَّ يقول: يا رب رزقُهُ، فيقضي ربُّكَ ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرجُ الملكُ بالصحيفةِ في يدهِ، فلا يزيد على أمر ولا ينقصُ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأحمد (١/ ٣٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٦٤٥). كتاب القدر.","vol":"6","page":590},{"text":"قلت: ولا تعارض بين هذا الحديث والذي قبله، فالذي قبله يفسره بأن اللَّه إنما يبعث الملك فيهيِّئ هذا الخلق إلى حين يأتي الأمر بنفخ الروح وكتابة الرزق والعمل والأجل وهو بعد أن تمر النطفة بالأطوار الثلاثة: أربعين يومًا نطفة، وأربعين يومًا علقة، وأربعين يومًا مضغة، أي بعد أربعة أشهر، واللَّه تعالى أعلم.\nالحديث الثالث: يروي ابن أبي عاصم في كتاب السنة عن أبي الطفيل قال: كان عبد اللَّه بن مسعود يحدث في المسجد: أن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره. قال: فأتيتُ حذيفة بن أُسَيْدٍ الغفاري فقلت: ألا تعجب من عبد اللَّه بن مسعود يحدث في المسجد: إن الشقي من شقي في بطن أمهِ والسعيد من وعظ بغيره! قال: فما بالُ هذا الطفيل الصغير. قال: لا تعجب. سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- مرارًا ذات عدد يقول: [إن النطفةَ إذا وقعت في الرحم أربعين ليلةً، وقال أصحابي: خمسة وأربعين ليلة، نفخ فيه الروح، قال: فيجيء ملك الرحم فيدخل فيصور له عظمه ولحمه، ودمه وشعره، وبشره وسمعهُ وبصره ثم يقول: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي اللَّه إليه فيه، ويكتب الملك، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي اللَّه إليه ما يشاء، ويكتب الملك، ثم يقول أي رب أثره؟ فيقضي اللَّه تعالى، ويكتب الملك، فيقول: أي رب أجله؟ فيقضي اللَّه ما يشاء، ويكتب الملك، ثم تُطوى تلك الصحيفة فلا تُمسُّ إلى يوم القيامةِ]. وإسنادهُ صحيح على شرط الشيخين (١).\nوقوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: يعني ظلمة الرحم والمشيمة والبطن. فعن عكرمة (﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ قال: البطن والمشيمة والرحم). أي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، كما قال السدي: (ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة البطن). وقال الضحاك: (الرحم والمشيمة والبطن، والمشيمة التي تكون على الولد إذا خرج، وهي من الدواب السَّلى).\nالتأويل الثاني: يعني ظلمةُ المشيمة والرحم والليل. فعن سعيد بن جبير قال: (ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة الليل).\nالتأويل الثالث: قيل: ظُلمة صُلبِ الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم. قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب: \"السنة\" (١٧٩). وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وانظر كذلك الحديث (١٧٨).","vol":"6","page":591},{"text":"القرطبي: (وهذا مذهب أبي عبيدة. أي لا تمنعهُ الظلمةُ كما تمنع المخلوقين).\nقلت: والتأويل الأول هو الأشهر بين المفسرين واختارهُ ابن جرير وابن كثير رحمهما اللَّه تعالى.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. أي: هذا الذي فعل هذه الأفعال وخلق هذه المراحل من الخلق هو ربكم أيها الناس الذي يملكُ الخير والشر فمالكم تصرفون إلى من لا يجلب لنفسهِ ولا لكم نفعًا ولا يدفعُ عنها ضرًا.\nقال ابن جرير: (فأما ملوك الدنيا فإنما يملكُ أحدهم شيئًا دونَ شيء، فإنما له خاص من الملك، وأما الملك التام الذي هو الملك بالإطلاق فلله الواحد القهار، فأنى تصرفون أيها الناس فتذهبون عن عبادة ربكم الذي هذه الصفة صفتهُ إلى عبادة من لا ضر عنده ولا نفع). وبهذا المعنى جاءت الآثار عن التابعين، فعَنْ قتادة: (﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ قال: كقوله: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾). وعن السدي: (﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ قال للمشركين: أين تصرف عقولكم عن هذا؟).\nوقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.\nأي: إن تكفروا باللَّه أيها الكفار به فاعلموا أن اللَّه غني عنكم وعن إيمانكم ولا تزيد عبادتكم في ملكهِ وجبروته، فقد خضعت له السماوات والأرض وما بينهما، وأشفقت من أمره الجبال والبحار والشجر والدواب وكثير من الناس، فمن طغى منهم فسيهينه وماله من مكرم، ولكنه سبحانهُ يحب الإيمان والمؤمنين، ويحب الطاعةَ والإخبات والمخبتين، ويحب الشكر والشاكرين، وهيأ لهم ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، والكل محتاجٌ إلى رحمته ورضوانهِ وجنتهِ.\nوالآية تشبه قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. فعن السدّي: (﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ قال: إن تطيعوا يرضه لكم).\nقال القرطبي: (وقيل لا يرضى الكفر وإن أرادهُ، فاللَّه تعالى يريدُ الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد اللَّه ﷿ خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادةُ غير الرضا. وهذا مذهب أهل السنة).\nقلت: وهذا تفسير صائب، فإن اللَّه يريد ويشاء ما لا يحب ويحب ما لا يشاء، فهو خلق إبليس وشاء ذلكَ مع أنه لا يحبهُ، وكذلكَ يحب الإيمان للطغاة والمستكبرين ولكنه","vol":"6","page":592},{"text":"لم يجبرهم عليه، وهو ردّ على القدرية والجبرية فإن اللَّه علم ذلكَ وكتبه في اللوح المحفوظ كتابة علم لا جبر فيها ولا قهر، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وكقوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.\nوفي سنن البيهقي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمر عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه لو شاءَ أنْ لا يُعصى ما خلق إبليس] (١).\nوأصل هذا المعنى في الصحيحين واللفظ للإمام مسلم عن علي ﵁ قال: [خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في جنازةٍ فلما انتهينا إلى بقيعِ الغَرْقَدِ قعدَ رسول اللَّه -ﷺ- وقعدنا حوله فأخذ عودًا فنكت به في الأرض ثم رفع رأسهُ فقال: ما منكم من نفسٍ منفوسةٍ إلا قد علم اللَّهُ مكانها من الجنةِ والنار، شقيةً أم سعيدة. فقال رجل من القوم: يا رسول اللَّه أفلا ندع العمل، فنتكل على كتابنا، فمن كان من أهل السعادة صار إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوةِ -يعني- صار إلى الشقاوة؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: اعملوا فكل ميسر، من كان من أهل السعادة يُسر لعملها، ومن كان من أهل الشقاوةِ يُسر لعملها] (٢).\nوله شاهد عند ابن أبي عاصم في \"كتاب السنة\" رجاله ثقات رجال الشيخين عن أبي هريرة: [أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول اللَّه: أنعمل في أمر نَأْتَنِفُهُ: أم في أمر قد فرغ منه؟ قال: بل في أمرٍ قد فرغ منه. فقال: ففيم العمل؟ فقال: يا عمر. كلا، لا يدرك إلا بعمل. قال: فالآن نجتهد يا رسول اللَّه] (٣).\nوفي رواية: عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: [قلت يا رسول اللَّه: أرأيت عملنا هذا على أمر قد فرغ منه أم على أمر نستقبله؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: بل على أمرٍ قد فرغ منه. قال عمر: ففيمَ العمل؟ فقال رسول اللَّه: كلا، لا يُنالُ إلا بعمل. فقال عمر: إذن نجتهد]- ورجاله ثقاتٌ.\nوكذلكَ أخرجَ ابن أبي عاصم في \"السنة\"، والآجري، والبيهقي في \"الأسماء\n_________\n(١) حديث حسن. رواه البيهقي في \"الأسماء\" (١٥٧)، ورواه اللالكائي في \"السنة\" (١/ ١٤١/ ١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٤٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٨)، ومسلم (٦٤٧)، وأبو داود (٤٦٩٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١٦١)، ورجاله ثقات.","vol":"6","page":593},{"text":"والصفات\" عن هشام بن حكيم: [أن رجلًا أتى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه: أنبتدئ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ فقال: إن اللَّه تعالى أخذ ذرية آدم من ظهورهم، وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيهِ. فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، فأهلُ الجنةِ ميسرون لعملِ أهل الجنة، وأهلُ النار ميسرون لعملِ أهلِ النار] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قال السّدي: (لا يؤخذ أحد بذنب أحد). وقال القاسمي: (أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، أي ما عليها من الذنوب، أو لا تؤخذ نفسٌ بذنبِ أخرى، بل كلٌّ مأخوذ بذنبه).\nقلت: والآيةُ هذه كقوله سبحانهُ في سورة فاطر: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. وفي صحيح الإمام مسلم وسنن النسائي عن أبي هريرة ﵁، أن النبي -ﷺ- قام حين أنزل عليهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: [يا بني كعب بن لُؤيّ! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّةَ بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمةُ! أنقذي نفسكِ من النار، فإني لا أملكُ لكم من اللَّه شيئًا، غير أنَّ لكم رحمًا سأبُلها ببلالها] (٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾.\nقال ابن جرير: (ثم بعد اجتراحكم في الدنيا ما اجترحتم من صالح وسَيِّئٍ وإيمان وكفر أيها الناس، إلى ربكم مصيركم من بعد وفاتكم. . . قال: فاتقوا أن تلقوا ربكم وقد عملتم في الدنيا بما لا يرضاه منكم فتهلكوا، فإنه لا يخفى عليه عمل عامل منكم).\nقلت وهذه الآية كقوله سبحانه في آخر آية نزلت من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- صعد الصفا فقال: [يا بني فِهْر! يا بني عديّ! يا بني عبد مناف! يا بني عبد المطلب! أرأيتكم لو أخبرتُكمْ أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١٦٨)، وأخرجه الآجري ص (١٧٢)، وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٣٢٦)، وله شواهد.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٢٠٤) - كتاب الإيمان. ح (٣٤٨). ورواه النسائي.","vol":"6","page":594},{"text":"مُصدقِيَّ؟ قالوا: ما جربنا عليكَ إلا صدقًا، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد] (١).\nوفي صحيح مسلم عن قبيصة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يا بني عبد مناف يا بني عبد مناف! إني نذير، إنما مثلي ومَثَلُكُم، كمثل رجل رأى العدوَّ، فانطلق يريد أهله، فخشي أن يسبقوه إلى أهلهِ، فجعل يهتفُ: يا صباحاه، يا صباحاه! أُتيتُمْ أُتيتمْ] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.\nهذه الآية تشبه الآية التي في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. والآية التي في سورة الروم: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. والآية التي بعدها في سورة الروم: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾. وكذلكَ فهي مفسّرة في سورة لقمان بقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾، وبقوله في سورة العلق: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.\nويبدو أن هذه الصفة طبع جاذب في الإنسان ونقطة ضعف في تركيبه يستفيدُ منها الشيطان فيؤزّها وينفخُ فيها لتصير كبرًا وغرورًا حالة الاستغناء أو الشعور بالقوة. وإنما المؤمنون قومٌ مخبتون لا يُفسد المال عليهم قلوبهم ودينهم، كما لا تفسد الصحة والقوة والجمال عليهم صلتهم باللَّه، فهو سبحانهُ يختبرهم بالفقر والغنى، والضعف والقوة، والمرض والعافية، وهم في كل هذه الأحوال حامدون شاكرون، وفي كل هذه المتقلّبات تائبون عابدون. وإليكَ أقوال أهل العلم في تفسير هذه الآية:\nفعن قتادة: (قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ قال: الوجع والبلاء والشدة ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ قال: مستغيثًا به). وعن السُّدي: (﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إذا أصابتهُ عافية أو خير ﴿نَسِيَ﴾ يقول: ترك، هذا في الكافر خاصة، ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: الأندادُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٥٢٥)، (٤٧٧٠). ورواه مسلم (٢٠٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٠٧) - كتاب الإيمان - من حديث قبيصة.","vol":"6","page":595},{"text":"من الرجال: يطيعونهم في معاصي اللَّه). وقيل بل المقصود الأوثان كما قال ابن جرير: (عنى بهِ أنه أطاع الشيطان في عبادة الأوثان فجعل له الأوثان أندادًا، لأن ذلكَ في سياق عتاب اللَّه إياهم له على عبادتها. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال: يقول: ليزيل من أراد أن يوحد اللَّه ويؤمن به عن توحيده، والإقرار بهِ والدخول في الإسلام. قل يا محمد لفاعل ذلكَ: تمتع بكفركَ باللَّهِ قليلًا إلى أن تستوفي أجلك فتأتيك مَنِتَّتك ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي إنك من أهل النار الماكثين فيها).\nقلت: فالأهواء وتحكيم الشهوات والخضوع لها، أو تقديم الرؤساء وتعظيمهم فوق أوامر اللَّه، أو اتّخاذ الأوثان على صور الملائكة والصالحين، كل ذلكَ أنداد من دون اللَّه تضل عن سبيل اللَّه. وإنما يتذكر المؤمن ربّهُ حالة الرخاء كما يتذكره حالة الشدة ويعظمهُ ويحمده حالة العافية والصحة كما يفعل ذلكَ حالة العجز والمرض، فهو من خير إلى خير إلى أن يفارق الدنيا.\nففي المسند في زوائد عبد اللَّه بن الإمام أحمد عن أنس ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [عَجِبْتُ للمؤمن إنّ اللَّه تعالى لم يقضِ لهُ قضاء إلا كان خيرًا له] (١).\nوكذلكَ أخرج الطيالسي والبيهقي بسند صحيح عن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: [عجبتُ للمسلم إذا أصابتهُ مصيبةٌ احتسبَ وصبر، وإذا أصابهُ خيرٌ حمد اللَّهَ وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمةِ يرفعها إلى فيهِ] (٢).\nوأما قوله: ﴿خَوَّلَهُ﴾ أي أعطاه وملكهُ، وقوله: ﴿مَا كَانَ﴾ فإن لـ ﴿مَا﴾ وجهين في اللغة أو ثلاثة:\nالوجه الأول: أن تكون ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، أي ترك الذي كان يدعوهُ في حالة الضرّ والمصيبةِ وهو اللَّه سبحانه.\nالوجه الثاني: أن تكون ﴿مَا﴾ بمعنى (مَنْ)، نحو قوله سبحانهُ: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، والمعنى واحد. وكقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].\nالوجه الثالث: أن تكون ﴿مَا﴾ بمعنى المصدر. والتقدير: أي نسي الدعاء الذي\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه (٣/ ٢٤)، ورواه أبو يعلى (٢٠٠/ ٢) من حديث أنس. وانظر: السلسلة الصحيحة (١٤٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطيالسي (٢١١) بإسناد صحيح. ورواه البيهقي.","vol":"6","page":596},{"text":"كانَ يتضرع به إلى اللَّه وتركَ الدعاء. وعندئذ تكون الهاء في قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ لها وجهان: الأول: أن تكون من ذكر ما. والثاني: أن تكونَ من ذكر الربّ سبحانه.\nوقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. أي: ليقتدي به الجهال، وليكون أسوة في الكبر والعجب، فيأخذ بذلك إثم كل من اقتدى به. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه وأحمد في مسندهِ عن أبي هريرةَ، عن النبي -ﷺ- قال: [من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعَهُ، لا يَنقصُ ذلكَ من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبِعه، لا ينقص ذلكَ من آثامهم شيئًا] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. أي: عش في سكرة العجب ونفخة الكبر من إبليس وأعوانه، فإنما هي أيام تقضيها في هذه الحياة الدنيا ثم تُردُ إلى أشدِّ العذاب ونكال العقاب.\nوقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\nلقد قرأ القراء ﴿أَمَّنْ﴾ على وجهين:\nالوجه الأول: هو قراءة بعض أهل المدينة والبصرة والكوفة بتشديد الميم ﴿أَمَّنْ﴾ بمعنى أم من هو، وجواب هذا الاستفهام متروك يفسره السياق والبيان، لأنَّ الخبر كان يجري عن فريق الكفر ثم أتبع الخبر عن فريق الإيمان فعُلِم المرادُ والفرق بين حال الفريقين. وهذه القراءة قراءة الحسن وأبي عمرو وعاصم والكسائي.\nالوجه الثاني: هو قراءة قراء الكوفة، وبعض أهل المدينة ومكة بالتخفيف (أمَنْ) وعندئذ تكون الألف على احتمالين:\nالاحتمال الأول: أنها ألف استفهام، والتقدير: أهذا كالذي قبله ممن جعل للَّه أندادًا.\nالاحتمال الثاني: أنها ألف النداء، والتقدير: يا من هو قانت آناء الليل، فإن العرب تنادي بالألف أحيانًا كما تنادي بِيَا فتقول: أزيد أقْبِلْ ويا زيدُ أقبل. وعلى هذا المعنى قرأها نافع وابن كثير والأعمش وحمزة.\nقلت: وكلاهما قراءتان مشهورتان دار تأويل المعنى عليهما.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٧٤) - كتاب العلم - ح (١٦). ورواه أحمد.","vol":"6","page":597},{"text":"وأما القنوت ففيه معان متقاربة:\nالمعنى الأول: القنوت: الطاعة. فعن ابن مسعود قال: (القانت: المطيع). وعن ابن عباس قال: (﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ يعني القنوت الطاعة وذلكَ أنه قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٥ - ٢٦] قال: مطيعون).\nالمعنى الثاني: القنوت: الخشوع. فعن ابن شهاب قال: (القانتُ: الخاشع في صلاته).\nالمعنى الثالث: القنوت: القيام. قال يحيى بن سلّام: (القانتُ: القائم في صلاته).\nالمعنى الرابع: القنوت: الدعاء. والقانت هو الداعي لربه.\nالمعنى الخامس: القنوت: هو قراءة القرآن مع طول القيام. فعن نافع عن ابن عمر: (أنه كان إذا سئل عن القنوت قال: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وقرأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾).\nوعن مجاهد قال: (من القنوتِ طول الركوع وغض البصر). قال القرطبي: (وكان العلماءُ إذا وقفوا في الصلاةِ غضّوا أبصارهم، وخضعوا ولم يلتفتوا في صلاتهم، ولم يعبثوا ولم يذكروا شيئًا من أمر الدنيا إلا ناسين).\nقلت: وكلها معان متقاربة يتَّسِعُ لها الإعجاز والبيان الإلهي والهدي النبوي، فالقنوتُ يشمل الخشوعَ والدعاء والتلاوةَ في الليلِ وطول القيامِ وكلها داخلة في مفهومِ الإخبات والطاعة.\nفقد قال سبحانه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وفي صحيح مسلم عن عاصم عن أنس قال: (سألتهُ عن القنوتِ قبلَ الركوع أو بعد الركوع فقال: قبل الركوع. قال: قلت: فإن ناسًا يزعمون أن رسول اللَّه -ﷺ- قنت بعد الركوع! فقال: إنما قنت رسول اللَّه -ﷺ- شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يُقال لهم القُرّاء).\nوصنف الإمام مسلم بعد ذلكَ بابًا سمّاهُ: \"باب أفضل الصلاة طولُ القنوت\" وساق بذلكَ حديث جابر قال: [سئل رسول اللَّه -ﷺ-: أي الصلاةِ أفضل؟ قال: طول القنوت].\nوفي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن جابر قال: [أتى النبي -ﷺ- رجل فقال: يا رسول اللَّه أي الصلاةِ أفضل؟ قال: طول القنوت. قال يا رسول اللَّه! وأي الجهاد","vol":"6","page":598},{"text":"أفضل؟ قال: من عُقِرَ جوادهُ وأريقَ دمهُ. قال: يا رسول اللَّه! أي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر ما كَرِهَ اللَّه ﷿. قال: يا رسول اللَّه! فأي المسلمين أفضل؟ قال: مَنْ سلم المسلمون من لسانهِ ويدهِ. قال يا رسول اللَّه! فما الموجبتان؟ قال: من ماتَ لا يشركُ باللَّهِ شيئًا دخل الجنةَ ومن ماتَ يُشرك باللَّهِ شيئًا دخل النار] (١).\nوفي المسند أيضًا عن عبد اللَّه بن حُبْشِيٍّ الخَثْعَمِيّ: [أن النبي -ﷺ- سُئل أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمانٌ لا شك فيهِ وجهاد لا غلول فيهِ وحَجَّةٌ مبرورةٌ. قيل فأيُّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قيل: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: جَهْدُ المُقِلّ. قيل: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: مَنْ هجرَ ما حرّم اللَّهُ عليهِ. قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه. قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: مَنْ أُهريقَ دَمُهُ وعُقِرَ جوادُهُ] (٢).\nوقد يراد بالقنوت الدعاء نفسه الذي في المغرب والفجر كما ذكر الإمامُ البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: (كان القنوت في المغرب والفجر). ثم ذكر عن أبي هريرةَ ﵁ قال: (كان النبي -ﷺ- يدعو في القنوتِ: اللهم أَنْجِ سَلَمَةَ بن هشام، اللهم أَنْجِ الوليدَ بنَ الوليد، اللَّهُمَّ أنْجِ عيّاش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستَضعفين من المؤمنين، اللَّهُمَّ اشدُدْ وطأتَكَ على مُضرَ، اللهم سنين كَسِني يوسُف).\nثم ذكر حديثًا عن أنس ﵁ قال: (بعث النبي -ﷺ- سبعين رجلًا لحاجة يُقالُ لهم القراء، فعرضَ لهم حيَّان من بني سُلَيم رِعْلٌ وذَكْوان عِنْدَ بئرٍ يقالُ لها بئرُ معونة. فقال القومُ: واللَّهِ ما إياكم أردنا إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي -ﷺ- فقتلوهم فدعا النبي -ﷺ- عليهم شهرًا في صلاة الغداةِ وذلكَ بَدءُ القنوتِ وما كنا نقنت).\nوقد صنف الإمامُ مسلم بهذا المعنى بابًا سمّاه: \"باب استحباب القنوت في جميعِ الصلاةِ إذا نزل بالمسلمينَ نازلة\". وذكر الترمذي عن الإمام أحمد قوله: (لا يُقنت في الفجر إلا عند نازِلة تَنزلُ بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعوَ لجيوش المسلمين).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٣/ ٣٩١)، وصحيح مسلم (٢/ ١٧٥).\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد (٣/ ٤١١ - ٤١٢). وانظر سنن أبي داود (١٣٢٥)، والنسائي (١/ ٣٤٩)، والدارمي (١/ ٣٣١). وسنده صحيح على شرط مسلم.","vol":"6","page":599},{"text":"وقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾. قال السدي: (ساعات الليل). وقال قتادة: (﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ قال: أوَّلهُ وأوسطه وآخره).\nوكذلكَ قال الحسن: (ساعاته، أوله وأوسطه وآخرهُ). وعن ابن عباس قال: (﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ جوف الليل. قال: من أحبّ أن يهون اللَّه عليهِ الوقوف يوم القيامةِ، فليره اللَّه في ظلمة الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه). وقيل: ما بين المغرب والعشاء. ويجمع هذه الأقوال قول قتادة والحسن فهو عام شامل لكل هذه الأوقات التي تندبُ فيها الصلاةُ والقيام.\nوقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقنتُ ساجدًا أحيانًا، وأحيانًا قائمًا، يعني يطيعُ والقنوت عندنا الطاعة، ولذلكَ نصب قوله ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ لأن معناه: أمَّن هو يقنت آناء الليل ساجدًا طورًا وقائمًا طورًا، فهما حال من قانت).\nقلت: والآية تشير إلى قيامِ الليل وما فيهِ من طول السجود والصبر على القيام، وفيها استحبابُ ذلكَ وأنه من صفات المؤمنين، كما قال جل ثناؤه في سورة السجدة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧].\nقال مجاهد: (﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ يعني بذلكَ قيام الليل). وقال أنس: (هو انتظار صلاة العتمة). وقال قتادة: (هو الصلاةُ بين العشاءين).\nوقال عبد اللَّه بن رواحة:\nوفينا رسول اللَّه يتلو كتابه ... إذا انشقَ معروف من الصبح ساطع\nأرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقناتٌ أن ما قال واقع\nيبيت يجافي جنبهُ عن فراشهِ ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجعُ\nفوصف سبحانهُ المؤمنين أنهم أهل قيامٍ بالليل ودعاء، أهل رقة وحزن ورجاء، يبثون إلى اللَّه العظيم ما أهمّهم وأغمّهم، وقد وعد هو سبحانه أن يرفع بذلكَ مُصابَهم ويكشف ضيقهم. فقال جل ثناؤه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. وقال في سورة الإسراء: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقال في سورة الذاريات: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. وقال في سورة غافر: ﴿وَقَالَ","vol":"6","page":600},{"text":"رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\nولقد كانَ لقيام الليل أثرٌ عظيم في صقل قلوب صحابة النبي -ﷺ- وتهذيب نفوسهم وتواضعهم بين بعضهم، لذلكَ كان من أولِ وصايا النبي -ﷺ- لأصحابه في دار الهجرةِ. فقد أخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن سلام قال: [أول ما قدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة انجفل الناس إليهِ فكنت ممن جاءه، فلما تأمَّلتُ وجهه واسْتَبَنْتُه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: أيها الناس: أفشو السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام] (١).\nوكذلكَ أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن بلال عن النبي -ﷺ- قال: [عليكم بقيامِ الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى اللَّه تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات] (٢).\nوفي صحيح الحاكم عن سهل بن سعد ﵁ قال: [جاء جبريل إلى النبي -ﷺ- فقال: يا محمد! عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، واعمل ما شئتَ فإنك مجزي به، وأحبب من شئتَ فإنكَ مفارقهُ، واعلم أن شرف المؤمن قيامُ الليل، وعزَّهُ استغناؤهُ عن الناس] (٣).\nوقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾. قال ابن عباس: (يحذر عقاب الآخرة ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ يقول: ويرجو أن يرحمه اللَّه فيدخله الجنة).\nوقال سعيد بن جبير: (﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾: أي عذاب الآخرة). ورُوي عن الحسن: (أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو! فقال: هذا متمنّ).\nقلت: وذلكَ التمادي هو الغرور المذكور في قوله سبحانه في سورة فاطر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]. قال سعيد ابن جبير: (غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسانُ بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرةِ حتى يقول: يا ليتني قدمتُ لحياتي. قال: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الغرور باللَّه أن يكونَ\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم. انظر: صحيح الترغيب (١/ ٦١٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر سنن الترمذي (٣٥٤٩). و\"مشكاة المصابيح\" (١٢٢٧).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، والطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٦١/ ٢١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٥٣). وانظر: السلسلة الصحيحة (٨٣١).","vol":"6","page":601},{"text":"الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على اللَّه المغفرة). وكل ذلكَ من الشيطان فهو في التفسير الآخر عن ابن عباس: (الغرور: الشيطان).\nلقد أفرز قيام الليل رجالًا حول النبي -ﷺ- رقت قلوبهم للَّه وأخبتوا له، فأورثهم بذلكَ سبحانهُ قوة أُضيفَتْ إلى قوةِ سلاحهم، فحملوا بها على أكبر معاقل الكفرِ في الأرضِ فدكوها، دكوا معقلي فارس والروم، ثم تراهم بعد ذلك مشفقين متذللين يخافون عذاب الآخرةِ ويأملونَ عند الموت بمغفرة اللَّه وعفوهِ وكرمه.\nفقد أخرج الترمذي بسند حسن عن أنس: [أن النبي -ﷺ- دخل على شاب وهو بالموت فقال: كيف تجدكَ؟ قال: واللَّهِ يا رسول اللَّه إني أرجو اللَّه وإني أخاف ذنوبي. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لا يجتمعانِ في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاهُ اللَّه ما يرجو وأَمَّنَهُ مما يخاف] (١).\nقال النسفي في تفسيره: (ودلت الآيةُ على أن المؤمن يجب أن يكونَ بين الخوف والرجاء، يرجو رحمته لا عملهُ، ويحذرُ عقابهُ لتقصيرهِ في عمله، ثمَ الرجاء إذا جاوز حدّه يكونُ أمنًا، والخوفُ إذا جاوزَ حدّه يكونُ إياسًا، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، فيجب ألا يجاوز أحدهما حده).\nوقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فصرف العلم الحقيقي إلى العلمِ الذي يؤصل الحذر من الآخرةِ ويرسخ الرجاء لرحمته سبحانهُ، فأولئكَ الذين وصفهم بالعلم كما قال جل ثناؤهُ في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وعن قتادة: (كان يقال كفى بالرَّهبةِ علمًا). وقال مجاهد: (إن العالم من خشي اللَّه ﷿). وقال وهب بن مالك: (إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله اللَّه في القلب).\nوقد خرّج النسائي في كتاب العلم عن مسروق: (بحسب المرء من العلم أن يخشى اللَّه، وبحسبه جهلًا أن يعجب بعلمه).\nقلت: وكم فُتِنَ الناس اليوم بكلمة العلم، وكم تخبطوا في إطلاقِ كلمة العالم وعلى من تُطلق، وصارَ عندهم العالم هو كل من حمل الشهادات العالية والتخصصات\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي وسنده حسن، وابن ماجة، وعبد اللَّه بن أحمد في \"زوائد الزهد\" (ص ٢٤/ ٢٥)، وابن أبي الدنيا كما في \"الترغيب\" (٤/ ١٤١).","vol":"6","page":602},{"text":"الدقيقةِ سواء في الطب أو الهندسةِ أو الكيماء أو الفيزياء أو الرياضيات أو الجيولوجيا وغير ذلكَ ونسوا أن خشية اللَّه هي شرط لازم لإطلاق هذه الكلمة. فكم من عالمٍ في نظر الناس أسهم في حرق المدن وتدميرها وقتل الناس وتشريدهم، وكم من عالم في نظر كثير من الناس كان سببًا في فِتَنٍ كثيرة وآلام مستطيرةٍ وأمراضٍ انتقلت عبر الأجيال، وكم من طبيب مجرم في حق الناسِ يعيش لرغباتهِ وليرتفع على أكتاف الناسِ ولو بالغش والخداع، وقد رأيت أيام التخصص في أمريكا أساتذة جامعات ضبطُوا -في ولاية آركنساس- وهم يفتعلون الفاحشة فيما بينهم جانب إحدى البحيرات، وشوهد عالم الفيزياء الهندي في مكتبهِ -في جامعة ولاية أوكلاهوما- وقد ضرب رأسه بالرصاص وسقط صريعًا، كما شوهد أحد الدكاترة يُتاجر بالعلم ويخدعُ بعض طالباتهِ بوضع العلامات العالية مقابل أن يزني بهن، إلى غير ما هنالك من الحوادث التي تشير إلى أنّ استخدام كلمة (العالم) اليوم أصبحَ يحتاج إلى تحقيق وتمحيص. وإنما الإسلام وحده الذي عرّف العالم فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال هنا في سورة الزمر: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فكان العالمُ في نظر الإسلام في أي مجال أو مهنة هو ذاكَ الذي ارتبط علمهُ بخشية اللَّه، فبين العلم وبين الخوف من اللَّه صلة من النسب لا تنفك ولا تنفصلُ عنه.\nولقد أعجبني ما ذكره القاسمي ﵀ في تفسيره عن القاشانيّ حيث قال: (وإنما كان المطيع هو العالم، لأن العلم هو الذي رسخَ في القلبِ وتأصّل بعروقه في النفس، بحيث لا يمكن صاحبه مخالفته، بل سيط باللحم والدم، فظهر أثره في الأعضاء، لا ينفك شيء منها عن مقتضاهُ، وأما المرتسم في حيز التخيل، بحيث يمكن ذهول النفس عنهُ وعن مقتضاهُ فليس بعلم).\nوما ذكره النسفي عند هذه الآية نظير ما قبله حيث قال: (﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي يعلمون ويعملون به، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يَقْتَنُون العلوم ثم لا يَقنُتون، وَيَفْتَنّون فيها ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند اللَّه جهلة حيث جعل القانتين هم العلماء. أو أريد به التشبيه أي كما لا يستوي العالم والجاهل كذلكَ لا يستوي المطيع والعاصي).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. أي: إنما يعتبر ويعي حجج اللَّه وآفاق كلامهِ أهل العقول والحجا فيتعظون ويتدبرون ويعملون لا أهل الجهل والتخبط والعجب بالرأي أو الفلسفة والكلام. فأولو الألباب هم أصحابُ العقول من المؤمنين الذين","vol":"6","page":603},{"text":"خلصت عقولهم عن قشر التخيل والوهم ورسخت بالعلمِ واليقينِ والخوف من اللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\nأي: قل يا محمد لمن تبعك من المؤمنين اثبتوا على الحق والتقوى وتعظيم اللَّه وحده، فمن أحسن بالطاعةِ أحسنَ اللَّه إليهِ في الدنيا وبالثواب والنعيم والجنةِ يوم القيامةِ. ثم إنهُ لا عذر لأحدٍ بالنفاق أو الكفر فأرضُ اللَّهِ واسعةٌ فهَاجروا فيها إلى حيثُ تأمنونَ فيه على دينكم وتنعمون فيه بطاعة ربكم، فإنما جزاء هذا الاغتراب في الدنيا من أجل الحق سبحانه وُفُور الأجر في الآخرةِ والنجاة من هول الحساب في عرصات القيامة.\nفعن السُّدي: (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ قال: العافية والصحة). وهذا على من حمل الحسنة على الدنيا. قال القرطبي: (يعني بالحسنة الأولى الطاعة وبالثانية الثواب في الجنة). وهذا على من حمل الحسنة الثانية على نعيم الآخرة.\nقلت: والآية تشمل المعنيين معًا فقد وعد اللَّه المؤمنين حياة طيبة في الدنيا وأطيب منها في الآخرة، فقال جل ثناؤه في سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال في سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. فتفضل اللَّه سبحانه على المؤمنين بحياة طيبة في الدنيا فيها الصحة والعافية والظفر والغنيمة والثناء الحسن، وبحياة أطيب في الآخرة فيها ما لذّ وطاب من الطعام والشراب والنساء والزينة والسرور وألوان الرضوان والنعيم، لتكون نورًا على نور وزيادة في البهجة والسرور، فإن أعطى اللَّه الكافر بعض الخير في الدنيا فإن المؤمن قد امتاز عليه في الدنيا والآخرة، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.\nخرّج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنته، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).\nوقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ يعني: أنه لا يرضى سبحانه من أحد أن يشرك به أو ينافق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٠٨) ح (٥٦) (٥٧)، كتاب صفات المنافقين.","vol":"6","page":604},{"text":"فيفسد قلبه ودينه، وإنما جعل اللَّه مع الضيق فرجًا، ومع الظلم مخرجًا، ومع الإحاطة والقيد متسعًا، فليهاجر في الأرض المؤمنون إلى حيث تعلو كلمة الحق ويأمنون على دينهم ولا يشركون باللَّه ربهم. كما قال جل ثناؤه في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وكما قال جل ثناؤه في سورة العنكبوت: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.\nفاللَّه سبحانه يغار، ولا يحب أن يرى عباده في ذل وهوان، وذبذبة ونفاق للطغيان، بل يحبهم مترفعين بكبرياء الإيمان، ومتعززين بطاعة اللَّه والخشية له والإحسان، فإذا لم يأمنوا على دينهم في مكان فليتحولوا وليهاجروا من مكان إلى مكان.\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكرهُ لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أنْ تعبدوه ولا تشرِكوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل اللَّه جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا مَنْ ولاه اللَّه أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعة المال] (١).\nوفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه تعالى يغارُ، وإنّ المؤمن يغار، وغيرة اللَّه أن يأتيَ المؤمن ما حرّمَ اللَّه عليه] (٢).\nوفي الصحيحين عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى يقول لأهون أهلِ النار عذابًا: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء كنتَ تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هُوَ أهونُ من هذا وأنت في صُلبِ آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيتَ إلا الشرك] (٣).\nفالمعنى الأول: المراد بالأرض سعة البلاد والأقطار والأمصار في الدنيا، وهو موافق للسياق، وبه قال ابن جرير وابن كثير والقرطبي وجمهور من المفسرين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧١٥)، كتاب الأقضية. ح (١٠)، ح (١١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٢٣) - كتاب النكاح، ورواه أحمد ومسلم وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٣٤) - كتاب أحاديث الأنبياء، ورواه مسلم.","vol":"6","page":605},{"text":"قال مجاهد: (فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان والمعاصي واهربوا منها مهاجرين إلى أرض الإسلام والطاعة). وقال ابن جرير: (وأرض اللَّه فسيحة واسعة، فهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام).\nوقال القرطبي: (فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي). وأفاد القاسمي فقال: (﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ أي بلاده كثيرة. فمن تعسر عليه التوفر على الإحسان في وطنه، فليهاجر إلى حيث يتمكن منه. ثم نقل عن الشهاب قوله: لأن الدنيا مزرعة الآخرة، فينبغي أن يلقى في حرثها بذر المثوبات. وعقب بهذه الجملة لئلا يعتذر عن التفريط بعدم مساعدة المكان، ويتعلل بعدم مفارقة الأوطان، فكانَ حثًّا على اغتنام فرصة الأعمار وترك ما يعودتى من حبّ الديار، والهجرة فيما اتسع من الأقطار). وذكر النسفي هذا المعنى فقال: (أي لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة، وحتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكنون في أوطانهم من التوفر على الإحسان قيل لهم: فإن أرض اللَّه واسعة وبلاده كثيرة، فَتَحَوَّلُوا إلى بلاد أخر. واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانًا إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم).\nوالمعنى الثاني: قيل المراد أرض الجنة رغبهم في سعتها وسعة نعيمها، واحتجوا بقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فإن الجنة قد تسمى أرضًا. وبقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾.\nوالمعنى الثالث: قيل المراد بسعة الأرض سعة الرزق. قال القرطبي: (فتكون الآية دليلًا على الانتقال من الأرض الغالية إلى الأرض الراخية، كما قال سفيان الثوري: كن في موضع تملأ فيه جرابك خبزًا بدرهم).\nقلت: والمعنى الأول أظهر وأشهر، وهو مناسب لسياق الآية في الحث على الطاعة وعدم الخنوع والمهانة، والاعتزاز بدين اللَّه الحق سبحانه، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. أي: إنما يستقبل اللَّه المؤمنين الصابرين على إقامة أمره في الأرض، والباذلين للمال والنفس في سبيله، والمجاهدين لأعدائه بالحديد وأسباب القوة من أجل نصرة دينه، والمسترخصين للدماء وإن غلت عليهم من أجل تحكيم منهاجه وشرعه، والمهاجرين المغتربين من أجل توحيده وعدم الشرك به، والمتصبِّرين على مصائب الدنيا وامتحانات اللَّه سبحانه،","vol":"6","page":606},{"text":"فكل هؤلاء يستقبلهم سبحانه بالرضوان، ويبادلهم الصبر والإحسان بالإحسان، ويورثهم بغير حساب ولا مطالبة ولا معاتبة الجنان.\nوعن مالك بن أنس: (قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها).\nوقال قتادة فيها: (لا واللَّه ما هناكُم مِكيال ولا ميزان). وقال السدي: (﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: في الجنة). أي يُغرف لهم من النعيم وألوان الملذات بلا تقدير ولا مكيال، كما قال ابن كثير: (أي ليس يوزن لهم إنما يغرف لهم غرفًا). وهناك من صرف الصبر والصابرين إلى الصيام والصائمين، ذكره القرطبي واختاره بقوله: (و﴿الصَّابِرُونَ﴾: هنا الصائمون، دليله قوله ﵊ مخبرًا عن اللَّه ﷿: \"الصوم لي وأنا أجزي به\". قال أهل العلم: كل أجر يكال كيلًا ويوزن وزنًا إلا الصوم فإنه يُحْثَا حَثْوًا ويُغْرفُ غرفًا).\nقلت: والآية أعمّ من ذلك فتشمل الصبر ابتغاء وجه اللَّه بكل ألوانه: كما جل ثناؤه في سورة هود: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. وكما قال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. . . إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. وكما قال جل وعز في سورة فصلت: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. وكما قال ﷿ في سورة الشورى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وكما قال سبحانه في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.\nوقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن في الجنة مئةَ درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه، ما بينَ الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه فسلوه الفردوسَ، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقهُ عرش الرحمان، ومنه تفجَّرُ أنهارُ الجنة] (١).\nوكذلك أخرجا في الصحيحين عن سهل بن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: [إن في الجنة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٩٠)، وابن حبان (١٧٤٨)، والبيهقي (٩/ ١٥).","vol":"6","page":607},{"text":"بابًا يقالُ له الريانُ، يدخُلُ منه الصائمون يومَ القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهمْ، يقالُ: أين الصائمون؟ فيقومون، فيدخلون منه، فإذا دخلوا، أُغْلِقَ، فلم يدخلْ منه أحد] (١).\nوفي صححيح الحاكم -وعند البيهقي في شعب الإيمان- بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو- عن النبي -ﷺ- قال: [أتعلم! أَوَّلَ زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ فقراء المهاجرين، يأتون يومَ القيامة إلى بابِ الجنة ويستفتحون فيقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ قالوا بأيّ شيء نحاسبُ، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل اللَّه حتى متنا على ذلك؟ فيفتحُ لهم، فيقيلون فيها أربعين عامًا، قبل أن يدخلها الناس] (٢).\nوفي جامع الترمذي ومعجم الطبراني بسند حسن واللفظ للترمذي عن جابر عن النبي -ﷺ- قال: [ليودَّنَ أهل العافية يوم القيامة، أنّ جلودهم قرضت بالمقاريض، مما يرون من ثواب أهل البلاء] (٣).\nوفي مسند الإمام أحمد عن أم سلمة عن أبي سلمة ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: [ما من مسلم تصيبُه مصيبة فيقول ما أمره اللَّهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم آجرني في مصيبتي، واخلفْ لي خيرًا منها، إلا آجرهُ اللَّه في مصيبتهِ، وأخلف اللَّه له خيرًا منها] (٤).\nقلت: ونحن اليوم في زمن غربة الحق، غربة المنهج وغربة الإيمان، وقد زحفت الفتن واشتدت على أمة الإسلام، فصار الصبر من أقوى العدة في مواجهة الباطل والطغيان، وكم رأينا في ترك الصبر والانحراف عن المنهج من هرج وسفك للدماء الحرام، وإضاعة للوقت والمال والأنفس وزعزعة للبنيان.\n\n١١ - ٢١. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢) عن سهل بن سعد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٧٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٨٣٣).\n(٣) حديث حسن. رواه الترمذي في الجامع (٢٤٠٤)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ١٧٨/ ٢).\n(٤) حديث صحيح. رواه أحمد (٦/ ٣٠٩)، ومسلم (٣/ ٣٧)، والبيهقي (٤/ ٦٣)، وغيرهم.","vol":"6","page":608},{"text":"ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾\nفي هذه الآيات: يخاطب اللَّه سبحانه نبيّه ﵊ أن قل لقومك يا محمد! إن اللَّه أمرني أن أفْردَ له العبادة والتعظيم دونَ كل ما تدعون من دونه من الآلهة والأوثان. وأمرني بذلك أن أكون بهذا الامتثال أول من أسلم وأخبت وسارع بالخيرات، وبادر إلى التوحيد والإيمان والطاعات، فإني أخاف إن قصرت أو انسحبت وركنت إلى الدنيا ومعاصيها أهوال يوم القيامة وما فيه من الندامة والحسرات، فهو الرحمان إليه أخلص في الأعمال الصالحات، فاختاروا أنتم لمستقبلكم ما شئتم من دونه تصرفون له القربات، فإن من خَسِرَ نفسه وأهله يوم القيامة فقد ازدحمت عليه الآلام والحسرات، فإن لهيب النار يعلوهم من فوقهم كما يستفزهم من تحتهم فتنبهوا وخافوا اللَّه قبل أن تعاينوا ذلك المصير وتلك المصائب والنازلات، فمن كفر بالطاغوت وآمن باللَّه واليوم الآخر والرسل والكتب والقدر والملائكة وصدّق بمحمد الذي ختم اللَّه به الرسالات، واتبع منهاجه ودعا إلى هديه وسيرته أحسن السير وأصدق الدعوات، فهنيئًا له فقد هداه اللَّه وحماه من سبل الشياطين وطرق الضلالات، لكن من علم اللَّه منه حبّ الكبر والعناد فقد كتب عليه مستقبل أهل الشقاء والغوايات، عدلًا منه سبحانه وحكمة وعلمًا، في حين اختار جل وعزَّ للمؤمنين المتقين أجمل الغرف في الجنات، فقد بناها لهم في أروع صورة تجري من تحتها الأنهار والينابيع والبحيرات، أوليس الذي أنزل من السماء الماء فخزّنه في باطن الأرض فجعله عيونًا وينابيع وأنهارًا، يخرج به زرعًا مختلفًا ألوانه وأُكُله، ثم ييبس من بعد خضرته ثم يتفتت متكسرًا، ثم يعود مرة أخرى في دورة ثانية من تلك الدورات، بقادرٍ على أن يبعث عباده من قبورهم بعدما أماتهم وصاروا في باطن الأرض كالذرات المبعثرات،","vol":"6","page":609},{"text":"فيحاسبهم على ما اجترحوا من الموبقات والكبائر والمعاصي والسيئات، بلى فإن أهل البصائر والعقول يؤمنون ويوقنون بهذه المغيبات. فإلى تفصيل ذلك.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. أي فلا ألتفت إلى غيره، ولا أرجو فرجًا إلا من عنده، ولا أصرف طاعة إلا إليه. كما أخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة قال: [جاء رجل إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمسُ الأجرَ والذكر مالَهُ؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا شيء له)، فأعادها ثلاث مِرار، ويقول رسول اللَّه -ﷺ-: (لا شيء له). ثم قال: إن اللَّه ﷿ لا يَقبلُ من العمل إلا ما كان له خالصًا وابْتُغِيَ به وجهُه] (١).\nوفي معجم الطبراني بإسناد صحيح عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ- قال: [الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها إلا ما ابتغي به وجهُ اللَّه] (٢).\nوالآية أصل فر أن الإخلاص شق العمل الصالح، كما قال جل ثناؤه في سورة البينة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وكما قال في سورة الكهف: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فإن كون العمل صالحًا موافقًا للوحي هو الشق الثاني لحصول القبول.\nوقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أي من هذه الأمة. قال القرطبي: (وكذلك كان، فإنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم للَّه وآمن به، ودعا إليه -ﷺ-). أي لأكون في مقدمة المخبتين المسلمين في الدنيا والآخرة، وكون قدوة المسارعين إلى الخيرات، وإمام المتقين الراجين للرحمات والمبرّات.\nقلت: وهو كذلك في الدنيا والآخرة، فقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أنا أكثر الأنبياء تبعًا يومَ القيامة، وأنا أول من يقرعُ بابَ الجنة] (٣).\n_________\n(١) حديث حسن. رواه النسائي في \"الجهاد\" (٢/ ٥٩). وانظر: \"الصحيحة\" (٥٢).\n(٢) حديث صحيح في الشواهد. انظر معجم الطبراني \"الأوسط\" (٤٢٤٨)، و\"شعب الإيمان\" -للبيهقي- (٧/ ٣٤٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧٩٧)، وصحيح الترغيب (١/ ٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٩٦) ح (٣٣١) - كتاب الإيمان.","vol":"6","page":610},{"text":"وكذلك خرّج الإمام مسلم عن أنس قوله ﵊: [أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا] (١).\nوفي لفظ آخر: [أنا أول شفيع في الجنة، لمْ يصدقْ نبيٌّ من الأنبياء ما صدقتُ، وإنّ منَ الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد].\nوله شاهد فيِ مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند صحيح عن أنس ولفظه: [أنا أوَّلُ مَنْ يأخُذُ بِحَلقَةِ باب الجنة أقعقِعُها] (٢). أي أحركها.\nفقد أمره اللَّه بهذا السبق لتظهر علائم نبوته وملامح قيادته ومعالم صدارته، وليتألق بإخلاصِه الذي لا يشبهه إخلاص في الأمة فهو أتم وأكمل في الشرف والرتبة. ثم إنه كان أول من أسلم للَّه في زمانه. فجمعت الآية معنيين: الأول: وهو السبق الزماني، والثاني: هو السبق النوعي. فصلوات اللَّه وسلامه عليه.\nوأما اللام في قوله ﴿لِأَنْ﴾ فلها وجهان:\nالوجه الأول: أنها زائدة كما قال الجرجاني وغيره. كقوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nوالوجه الثاني: أنها لام أجل والتقدير (لأجل أن أكون أولَ المسلمين). وكأن محذوفًا في الآية تقديره: (قل إني أمرت بالعبادة والطاعة والمسارعة في الخيرات من أجل أن أكون أول المسلمين). واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. قيل: قالها لقومه حين دعوه للتمسك بدين الآباء والأجداد.\nقال النسفي: (وذلك أن كفار قريش قالوا له ﵇: ألا تنظر إلى أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فنزلت ردًّا عليهم).\nقلت: والتوجيه في الآية هو للأمة من بعده، فإن النبي -ﷺ- لن يَعْصِيَ اللَّه ولن يشرك به فقد أعانه اللَّه على الحق وعصمه من الفتن، فيكون الخطاب للأمة من باب أولى كي تخاف عذاب اللَّه يوم القيامة وتجتنب ما يسخطه سبحانه. كما قال جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٩٦) ح (٣٣٠) - كتاب الإيمان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في التفسير. سورة بني إسرائيل. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥١٦)، ورواه أحمد، وابن ماجة (٤٣٠٨) بنحوه.","vol":"6","page":611},{"text":"بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.\nوفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر، عن النبي -ﷺ- قال: [إني فرطكم على الحوض، وإنّ عرضَهُ كما بين أيلةَ إلى الجُحفة، إني لستُ أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا، أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك مَنْ كان قبلكم] (١). قال ابن كثير: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ﴾ وأنا رسول اللَّه، وهذا شرط ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى).\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. فلفظ الجلالة في محل نصب والتقدير: (أعبد اللَّه مخلصًا) و﴿مُخْلِصًا﴾ حال، أي أعبده سبحانه مُفردًا له الإخلاص في الطاعة والعبادة. وفيه ذمُّ الرياء مرة أخرى وتعليم للأمة دقائق التقوى، كما قال جل ثناؤه في سورة الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.\nوفي معجم الطبراني بإسناد جيد: [أن عمرَ ﵁ قال لمعاذ بن جبل حين رآه يبكي: ما يبكيك؟ قال: حديث سمعته من صاحب هذا القبر يعني النبي -ﷺ-: إن أدنى الرياء شرك].\nوفي مسند الإمام أحمد وسنن البيهقي عن محمود بن لبيد عن النبي -ﷺ- قال: [إن أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الأصغرُ. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول اللَّه؟ قال: الرياء، يقول اللَّه ﷿ يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم الجزاء] (٢). وفي رواية: (فانظروا هل تجدون عندهم جزاء).\nوقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. أي اختاروا لأنفسكم المستقبل الذي تشاؤون، فإن مستقبل اتباعي والإيمان بهذا القرآن هو سعادة الآخرة وحسن الختام، وإن مستقبل الإعراض والعناد والكبر شقاوة الآخرة، فهو أمر تهديد ووعيد كما قال جل ثناؤه ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ الإسراء.\nوكقوله جل وعز في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٢٩٦) ح (٣١) - كتاب الفضائل - باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨)، (٥/ ٤٢٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٢٠١/ ١) ورواه البيهقي، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ٢١٧/ ١). وانظر: السلسلة الصحيحة (٩٥١).","vol":"6","page":612},{"text":"لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وكقوله في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. وكقوله في سورة فصلت: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾.\nأخرج ابن جرير في \"التفسير\" بسند جيد، عن جابر ﵁ قال: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- يومًا فقال: [إني رأيت في المنام كان جبريلَ عند رأسي، وميكائيلَ عند رجليَّ، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب لهُ مثلًا، فقال: اسمع سمعت أذنُكَ، واعقِل عقلَ قلبُكَ، إنما مثلكَ ومثلُ أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مائدة، ثم بعث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسولَ، ومنهم من تركه، فاللَّه هو الملكُ، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها] (١).\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nقال ابن عباس: (هم الكفار الذين خلقهم اللَّه للنار وخلق النار لهم، فزالت عنهم الدنيا وحرّمت عليهم الجنة، قال اللَّه: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾).\nوكذلك قال ابن زيد: (هؤلاء أهل النار خسروا أنفسهم في الدنيا، وخسروا الأهلين فلم يجدوا في النار أهلًا، وقد كان لهم في الدنيا أهل).\nوعن مجاهد: (غبنوا أنفسهم وأهليهم قال: يخسرون أهليهم فلا يكون لهم أهل يرجعون إليهم ويخسرون أنفسهم فيهلكون في النار فيموتون وهم أحياء فيخسرونهما).\nوفي الأثر عن ميمون بن مِهْران فيما يرويه عن ابن عباس قوله: (ليس من أحد إلا وخلق اللَّه له زوجة في الجنة، فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله. وفي رواية: فمن عمل بطاعة اللَّه كان له ذلك المنزل والأهل إلا ما كان له قبل ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾).\nقلت: والآية هذه هي مقابل الآية التي في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾. قال سعيد بن جبير: (إن اللَّه ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لِتَقَرَّ بهم عينه ثم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبري في \"التفسير\" (١٧٦٢٤). وانظر: صحيح الجامع (٢٤٦١).","vol":"6","page":613},{"text":"قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾). قال ابن عباس: (هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئًا).\nوفي المسند وسنن البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول: أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك] (١).\nوهي تشبه الآية الأخرى التي في سورة الشورى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾. فسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وهم إلى النار، أو اشتركوا في عذاب النار فذهبوا إليها جميعًا فلا لقاء ولا سرور ولا اجتماع، بل هي معاناة وتمزق وشقاء، نعوذ باللَّه من حال أهل الظلم والقسوة والجفاء.\nوقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. قال ابن جرير: (هو الهلاك الذي يبين لمن عاينه وعلمه أنه الخسران).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. فكنى سبحانه عما تحتهم مما يحيط بهم فسماه ظللًا، لأنها كالظل تُظِلُّهم من أسفل منهم من شدة كثافتها ولهيبها، كما تظلهم من فوقهم، ثم إن هذه الظلل كالأطباق من النار. قال النسفي: (﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ قال: أطباق من النار وهي ظلل لآخرين، أي النار محيطة بهم).\nقلت: والنار دركات ودرجات، كما قال سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. فمن هو في الدركات السفلى تعلوه النيران كالظلل، فهي لمن فوقه ظلل من تحته، كما قال جل ثناؤه في سورة الأعراف: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، وكما قال سبحانه في سورة العنكبوت: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nوأخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي في الجامع بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يومَ القيامة أمثالَ الذرِّ في صُوَرِ الرجال،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٩)، وابن ماجة (٣٦٦٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ٤٤/ ١). ورواه البيهقي بإسناد حسن.","vol":"6","page":614},{"text":"يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار طينةِ الخبال] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: المراد بالعباد: الأولياء، كما قال ابن عباس: (﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ قال: أولياءَه).\nالقول الثاني: المراد بالعباد مؤمنهم وكافرهم. وهو الراجح في الآية كما قال الزمخشري: (وهذه عظة من اللَّه تعالى، ونصيحة بالغة).\nالقول الثالث: قيل بل هو خاص بالكفار. ذكره القرطبي.\nقلت: فالكل محتاج إلى تخويف اللَّه له، والكل مفتقر إلى تقواه وخشيته، لذلك قال: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بتعظيمي وإجلالي، واتقون بأداء فرائضي واجتناب معاصيّ، حتى تنجو من عذابي وسخطي، وتسعدوا في دار المأوى والنعيم جنتي.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾. في قوله ﴿الطَّاغُوتَ﴾ معان متقاربة:\nالمعنى الأول: الطاغوت: هو الشيطان. فعن مجاهد (قوله ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ قال: الشيطان). وقال ابن زيد: (الشيطان هو هاهنا واحد وهي جماعة). فهو على قوله واحد مؤنث لذا قيل أن يعبدوها. قال ابن جرير: وقيل إنما أنثت لأنها في معنى الجماعة.\nالمعنى الثاني: الطاغوت هي الأوثان. قال الضحاك: (الطاغوت: هو الأوثان).\nالمعنى الثالث: الطاغوت هو الكاهن. قيل هو اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت وهاروت وماروت ومعناه الكاهن، ذكره القرطبي.\nالمعنى الرابع: الطاغوت اسم عربي مشتق من الطغيان. قال النسفي: (فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت، إلا أن فيها قلبًا بتقديم اللام على العين).\nقلت: والراجح لديَّ أن الطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد. وقد أُثِر عن عمر بن الخطاب قوله: (الطاغوت: الشيطان). وعن جابر قوله: (الطواغيت كهان كانت تنزل عليهم الشياطين). والأعمّ من هذا: أن الطاغوت هو كل ما عبد من دون اللَّه أو صرفت له العبادة، وكل من دعا إلى عبادة نفسه وتعظيمها، وكل من حكم بغير شرع\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٠٢٥). ورواه أحمد.","vol":"6","page":615},{"text":"اللَّه أو بهواه، وكل من ذُبحَ له أو ابتاع دينًا لم يأذن به اللَّه أو زاد أو انتقص من شرع اللَّه. وقد جاء هذا المعنى عن أئمة كرام: قال الإمام مالك: (الطاغوت: كل ما عبد من دون اللَّه).\nوقال العلامة ابن القيم: (الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حدّه: من معبود أو متبوع، أو مطاع. فَطاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه غير اللَّه ورسوله، أو يعبدونه من دون اللَّه، أو يتبعونه على غير بصيرة من اللَّه، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة للَّه، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة اللَّه تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول اللَّه -ﷺ- إلى طاعة الطاغوت ومتابعته).\nويؤيد هذا قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.\nواختاره ابن جرير بقوله: (أي اجتنبوا عبادة كل ما عُبِد من دون اللَّه من شيء).\nوقوله: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾. قال قتادة: (وأقبلوا إلى اللَّه). وقال السدي: (أجابوا إليه). وقال ابن جرير: (وتابوا إلى اللَّه ورجعوا إلى الإقرار بتوحيده والعمل بطاعته والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد).\nوقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. أي: في الدنيا بالفرج والمخرج والنصر والغنيمة وفي الآخرة بالجنة والرضوان ونعيم الفردوس. كما قال جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nوفي المسند للإمام أحمد عن أبَيّ، عن النبي -ﷺ- قال: [بَشِّرْ هذه الأمّةَ بالسَّناء، والدين، والرِّفعة، والنصر والتمكين في الأرض، فمن عملَ مِنْهمْ عملَ الآخِرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب] وسنده صحيح (١).\nوفي جامع الترمذي وسنن أبي داود بإسناد صحيح عن بريدة، عن النبي -ﷺ-: [بشِّرِ المشّائين في الظُّلَمِ إلى المساجد بالنور التام يومَ القيامة] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وابنه في زوائد \"المسند\" (٥/ ١٣٤)، وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (موارد)، والحاكم (٤/ ٣١١) وقال: \"صحيح الإسناد\"، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني في \"أحكام الجنائز\" (٥٢). وإنظر: صحيح الجامع (٢٨٢٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٥٦١). انظر صحيح أبي داود (٥٢٥). ورواه الترمذي.","vol":"6","page":616},{"text":"وفي سنن النسائي عن سهل بن حنيف، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [بشِّر الناس أنه من قال لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريك له، وجبت له الجنة] وسنده صحيح (١).\nقلت فإذا نطق بها عند الاحتضار كانت من أكبر البشائر وأتمها.\nوفي معجم الطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [بُشرى الدنيا الرؤيا الصالحة] (٢).\nفهذه البشائر جميعًا من نبيّ الأمة محمد -ﷺ- تدخل في تفسير قوله جل ثناؤه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، فنسأل اللَّه أن يمتعنا ببشائر الدنيا وبنعيم الآخرة إنه سميع قريب.\nوقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ -يا محمد- ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وفي قوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أي يتخيرون الحسن من القبيح. قال ابن عباس: (هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به).\nالتأويل الثاني: قيل أحسنه طاعة اللَّه. فعن قتادة قال: (﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وأحسنه طاعة اللَّه).\nالتأويل الثالث: قيل يتبعون المعالي من الأوامر ويتصدرون للأمور العظام. فعن السّدي قال: (أحسن ما يؤمرون به فيعملون به). قال ابن جرير: (الذين يستمعون القول من القائلين فيتبعون أرشده وأهداه وأدله على توحيد اللَّه والعمل بطاعته، ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد ولا يهدي إلى سداد).\nالتأويل الرابع: قيل يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. ذكره القرطبي.\nالتأويل الخامس: قيل: يستمعون القرآن وأقوال الرسول فيتبعون أحسنه أي محكمه فيعملون به. قال الشوكاني في فتح القدير: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ قال: بالثواب الجزيل وهو الجنة، وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل، أو عند حضور الموت أو عند البعث\n_________\n(١) رواه النسائي في \"الكبرى\". وذكره في \"المجمع\" (١/ ١٨) من رواية الطبراني في \"الكبير\" عن زيد بن خالد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧١٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٩٥)، وأحمد في مسنده (٦/ ٤٤٥)، والطبراني في \"الكبير\"، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٤٧).","vol":"6","page":617},{"text":"﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قال: والمعنى: يستمعون القول الحق من كتاب اللَّه وسنة رسوله فيتبعون أحسنه أي محكمه ويعملون به).\nالتأويل السادس: قيل يستمعون الرخص والعزائم فيتبعون العزائم ويتركون الرخص. قال القرطبي: (وقيل يستمعون عزمًا وترخيصًا فيأخذون بالعزم دون الترخيص).\nالتأويل السابع: قيل يستمعون العقوبة الواجبة لهم والعفو فيأخذون بالعفو. قال القاسمي: (أي إيثارًا للأفضل واهتمامًا بأكمل. قال: ويدخل تحته أيضًا إيثار الأفضل من كل نوعين، اعترضا. كالواجب مع الندب. والعفو مع القصاص. والإخفاء مع الإبداء في الصدقة، وهكذا).\nالتأويل الثامن: قيل المراد النقد في الدين لتختر ما هو أصوب وأصح وأكمل. قال الزمخشري: (أراد أن يكونوا نقادًا في الدين، يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل. ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك وأقواها عند السبر، وأبينها دليلًا وأمارة. وأن لا تكون في مذهبك كما قال القائل:\nولا تكن مِثْلَ عَيْرٍ قِيدَ فانقادا\nيريد المقلد) انتهى. قلت: وإنما البيت بأكمله يدل على المعنى فأصله:\nشَمِّرْ وكن في أمور الدِّين مجتهدًا ... ولا تكن مِثْلَ عَيْرٍ قيدَ فانْقادا\nالتأويل التاسع: قيل: إن أحسن القول على من جعل الآية فيمن وَحَّدَ اللَّه قبل الإسلام (لا إله إلا اللَّه). قال عبد الرحمن بن زيد: (﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا. . .﴾ الآيتين. حدثني أبي أن هاتين الآيتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا اللَّه: زيد بن عمر، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، نزل فيهم ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في جاهليتهم ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ لا إله إلا اللَّه، أولئك الذين هداهم اللَّه بغير كتاب ولا نبي ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾) ذكره ابن جرير في التفسير. أي اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم واتبعوا أحسن ما صار من القول إليهم، فآمنوا بمحمد صلوات اللَّه وسلامه عليه يوم بُعثَ فيهم.\nقلت: وكلها تأويلات يحتملها البيان الإلهي والإعجاز، وفيها الآثار الطيبة العطرة من أهل التفسير والعمل والعلم والاجتهاد والإنجاز، وما هي إلا اختلافات تنوع","vol":"6","page":618},{"text":"لا تضاد، بل تدور كلها حول قول الفصل والسداد من أن الذين بنوا إيمانهم وصروح يقينهم ودينهم على ركام الباطل والطاغوت، فسمت نفوسهم بكبرياء الإيمان والاعتزاز باللَّه، فندموا على ما فرطوا في جاهليتهم وفي لحظات ضعفهم، فشمخوا بالمعالي وحدثتهم نفوسهم بالجهاد، فإذا جاءهم الأمر من اللَّه سارعوا إلى امتثاله وتسجيل أعلى الأرقام في إتياف وبلوغه، وإذا خُيّروا بين الأمور العظام رأيتهم يتسابقون إلى أشدّها وما فيها إرضاء للَّه أعلى وأكبر، وإغاظة لعدوه وعدوهم أكثر وأوفر، ولو خيّروا بين الرخص والعزائم حدثتهم نفوسهم باختيار العزائم ولكن حبّ اللَّه لرخصه أنزلهم عند ما أحبّه ربهم واختاره، وإذا سمعوا لغوًا أعرضوا عنه، وإذا كان نصيحة سارعوا إليها، وإذا كان أمرًا في الدين تخيروا أثبته وأقواه وأدقهُ صوابًا وصحة وثبوتًا، وإذا خيرّوا بين العفو والقصاص رأيتهم رحماء كرماء يحبون العفو ليعفو اللَّه عنهم كما وصفهم ربهم بقوله في سورة آل عمران: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وبقوله في سورة الشورى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وهذه الصفات العالية لأصحاب وأتباع هذا النبي الكريم مبسوطة في القرآن والتوراة والإنجيل: فقد أخرج البخاري عن عطاء بن يسار قال: [لقيت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص. قلت: أخبرني عن صفة رسول اللَّه -ﷺ- في التوراة، قال: أجل، واللَّه إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُكَ المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولنْ يقْبِضَهُ اللَّه حتى يقيمَ به الملةَ العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا اللَّه، ويفتح بها أعينًا عمْيًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غُلْفًا] (١).\nوله شاهد عند الدارمي -وفي المشكاة- وهذا لفظ المصابيح: عن كعب يحكي عن التوراة قال: [نجد مكتوبًا محمدٌ رسول اللَّه عبدي المختار، لا فظّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون، يحمدون اللَّه في السراء والضراء، يحمدون اللَّه في كل منزلة، ويكَبرونه على كل شرف، رعاةٌ للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزّرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢١٢٥)، كتاب البيوع، باب كراهية السَّخَب في السوق. وانظر للشاهد: \"مشكاة المصابيح\" (٥٧٧١)، كتاب الفضائل والشمائل.","vol":"6","page":619},{"text":"مناديهم ينادي في جوّ السماء، صفُّهم في القتال وصفّهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دويٌّ كدوي النحل].\nفلقد سمعوا من نبيّهم صلوات اللَّه وسلامه عليه قوله: [إن اللَّه يحبّ معاليَ الأخلاق ويكره سَفْسَافها] (١).\nوقوله: [إن اللَّه تعالى يحبّ معاليَ الأمور وأشرافها، ويكره سَفْسَافها]، فتعلقت قلوبهم بالمعالي وأشراف وعظام الأمور.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. أي: فهم الذين علم اللَّه صدق قلوبهم فهداهم هداية التوفيق والإلهام بعد هداية الدلالة والإرشاد، وهم أصحاب العقول وأولو النهى.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال قتادة: (﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ بكفره). قلت: وهذه الآية كقوله في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن عباس: (كان رسول اللَّه -ﷺ- يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره اللَّه تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من اللَّه السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من اللَّه الشقاوة في الذكر الأول). وهي كقوله أيضًا في سورة يونس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nقال ابن جرير: (أفمن وجبت عليه عليه العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره). والمراد من تخلف عن الإيمان من أقاربه ﵊ كما قال ابن عباس: (يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي -ﷺ- عن الإيمان).\nقلت: وهذه الآية من أصول الإيمان بالقدر، فإن أصوله ثلاثة:\nأولًا: الإيمان بعلم اللَّه المطلق.\nثانيًا: الإيمان بالحكمة البالغة الكاملة للَّه جل ثناؤه.\nثالثًا: الإيمان واليقين بصفة العدل للَّه. وعلى هذا يفسر هذا التحدّي من اللَّه لأبي لهب بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا\n_________\n(١) رواه الحاكم (١/ ٤٨) عن سهل بن سعد بسند صحيح. واللفظ الآخر رواه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٤٠/ ١) من حديث الحسين بن علي. وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٧٨).","vol":"6","page":620},{"text":"ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. وقد نزلت هذه السورة في حياة أبي لهب يُعْلِمُ اللَّه فيها الأمة جميعًا بأن أبا لهب سيخرج من الدنيا كافرًا ولم يجبره أحد على هذا الاختيار وإنما هو علم اللَّه المطلق وحكمته وعدله. وبناء على هذا يُفَسَّرُ حديث الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: [خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلا أن تُخْبرنا يا رسول اللَّه. قال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رِبّ العالمين ﵎ بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم لا يُزاد فيهم ولا يُنْقصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في يساره هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِل على آخرِهم، لا يزادُ فيهم ولا يُنْقَص منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: فَلأيّ شيءٍ إذنْ نَعْمَلُ إن كان هذا أمرًا قد فُرخ منه؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: سدِّدوا وقاربوا فإن صاحِبَ الجنة يُخْتَم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحبَ النار ليُخْتَمُ له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عمل. ثم قال بيده فقبضها ثم قال: فرغ ربكم ﷿ من العباد ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).\nوأما تكرار الإستفهام في الآية بقوله ﴿أَفَأَنْتَ﴾ فهو يستخدم للتأكيد عند طول الكلام، كما قال جل ثناؤه في سورة المؤمنون: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾، فَردَّدَ أنكم مرتين للتأكيد وهو أسلوب تستعمله العرب عند التطويل كما ذكر سيبويه. ونحوه قوله في سورة آل عمران: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فالمراد بآية الزمر استفهام واحد فيسبق الاستفهام، ثم يرد الاستفهام إلى موضعه حيث الحاجة إليه كان التقدير: (أفانت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب في النار). ومنهم من جوَّز في الكلام محذوفًا والتقدير: (أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه) وما بعده مستأنف، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٧)، والترمذي (٢١٤١)، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١١٤٧٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٦).","vol":"6","page":621},{"text":"هو خبر من اللَّه سبحانه عن أهل السعادة وما أُعِدَّ لاستقبالهم وما هُيِّئَ لإتحافهم، بعد أن ذكر سبحانه وأخبر عن حال الأشقياء الذين ستسوء منازلهم وسيلقون ما يزعجهم. أما هؤلاء فهم سكان الغرف الخاصة وهي القصور في الجنة التي تتداخل فيها طباق مبنيّات محكمات مزخرفات بعضها فوق بعض تطل على أنهار جميلة تسلك عبر الأشجار والثمار والخضرة والأزهار، وما فيها من ألوان فتانة تُفرح القلوب وتزيد في الحال جمالًا وسحرًا. فعن ابن عباس (قوله ﴿غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ قال: من زبرجد وياقوت).\nقال الشوكاني ﵀: (وذلك لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض، ومعنى ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ أنها مبنية بناء المنازل في إحكام أساسها وقوة بنائها وإن كانت منازل الدنيا ليست بشيء بالنسبة إليها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي من تحت تلك الغرف، وفي ذلك كمال لبهجتها وزيادة لرونقها).\nوقال ابن القيم ﵀: (أخبر أنها غرف فوق غرف، وأنها مبنية بناء حقيقة، لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل، وأنه ليس هناك بناء. بل تتصور النفوس غرفًا مبنية كالعلالي، بعضها فوق بعض، حتى كأنه ينظر إليها عيانًا. ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية، أي لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها). ثم قال في قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ قال: (الغرفة جنس كالجنة. وتأمل كيف جعل جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة للَّه، الغرفة والتحية والسلام، في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم، فبدَّلوا بذلك سلام اللَّه وملائكته عليهم).\nقلت: وبنحو هذه الآية قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعًا: [إن أهلَ الجنة يتراءَون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءَون الكوكب الدُّريَّ الغابِرَ في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول اللَّه! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا باللَّه وصدقوا المرسلين] (١). ولفظه من طريق سهل بن سعد: [إن أهل الجنة ليتراءَون أهلَ الغرف في الجنة كما تراءَوْن الكواكب في السماء].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١)، وابن حبان (٧٣٩٣).","vol":"6","page":622},{"text":"وفي الصحيحين أيضًا عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدة مجؤفة عرضها (وفي رواية: طولها) ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (١).\nوقد أخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنّ في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها اللَّه لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام] (٢).\nوأما تشكيلة البناء وترتيبها فقد جاء ذلك تفصيله في مسند الإمام أحمد عن أبي مجاهد (سَعْدٌ الطائي) قال حدثنا أبو المُدِلَّةِ مَوْلى أم المؤمنين سمع أبا هريرة يقول: قلنا يا رسول اللَّه: إنا إذا رأيناكَ رَقَّتْ قلوُبنا وكنا من أهل الآخرة وإذا فارقناك أعجبتْنا الدنيا وشمَمْنَا النساء والأولاد. قال: [لو تكونون أو قال: لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكُفِّهِمْ ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تُذْنِبُوا لجاء اللَّه بقوم يذنبون كي يغفرَ لهم. قال: قلنا يا رسول اللَّه حدِّثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبِنَةُ ذهب ولبنةُ فضة ومِلاطُها المِسْكُ الأذْفَرُ وحَصْبَاؤها اللؤلؤُ والياقوتُ وتُرابُها الزَّعفرانُ، مَنْ يَدْخُلُها يَنْعم ولا يَبْأسُ ويَخْلُد ولا يموتُ ولا تَبْلى ثيابُهُ ولا يفنى شَبابُهُ، ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتهم: الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تُحْمَلُ على الغمام وتُفْتَحُ لها أبواب السماء ويقول الرب ﷿: وعزتي لأَنْصُرَنَّكَ ولو بعد حين] (٣).\nفنسأل اللَّه العظيم أن يبلغنا الغرف المبنية، فإن الجنة تشتاق لأهلها ولأعلامها ولأوليائها، كما روى الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن عبد الملك بن بشير ورفع الحديث قال: [ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان، تقول الجنة: يا رب قد طاب ثمري واطردت أنهاري واشتقت إلى أوليائي فعجّل إليّ بأهلي. وتقول النار: اشتد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠)، وأحمد (٤/ ٤١١).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن حبان والطبراني من حديث أبي مالك الأشعري. انظر صحيح الجامع (٢١١٩). ورواه الترمذي (٢٥٢٧) من حديث علي، وسنده حسن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٨٠٣٠)، والترمذي (٢٥٢٦)، والطيالسي (٢٥٨٣)، وابن حبان (٧٣٨٧). وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.","vol":"6","page":623},{"text":"حرّي وبعد قعري وعظم جمري فعجل عليَّ بأهلي. وقال سبحانه ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾] (١). فال ابن القيم في حادي الأرواح: (ففي هذا الحديث طلب الجنة أهلها وكذلك النار).\nوقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. قال ابن جرير: (لكن الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه لهم في الجنة غرف من فوقها غرف مبنية علاليّ بعضها فوق بعض تجري من تحت أشجار جناتها الأنهار).\nوقال ابن كثير: (تسلك الأنهار بين خلال ذلك كما يشاؤون وأين أرادوا).\nوقال القرطبي: (﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي هي جامعة لأسباب النزهة).\nوقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ في محل نصب، والتقدير: وعدهم اللَّه ذلك وعدًا. قال القرطبي: (ويجوز الرفع بمعنى ذلك وعد اللَّه). أي ما ذكره سبحانه وعد وعده عباده المؤمنين وهو سبحانه لا يخلف وعده، كما قال في سورة النساء ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وكما قال ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ فهو وعد للفريقين سيعاينونه.\nوبنحوه في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان عن صهيب مرفوعًا [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إنّ لكم عند اللَّه موعدًا يريدُ أن ينجزكمُوهُ، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقِّلِ اللَّه موازيننا ويُبَيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ فَيُكْشَفُ الحجابُ، فينظرون إليه فواللَّه ما أعطاهم اللَّه شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه ولا أقرَّ لأعينهم] (٢).\nفهلمّ إخوة الدين والإيمان إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فيها غرف مبنية بعضها فوق بعض، تجري من تحت ظلالها وأشجارها الأنهار، وعدها اللَّه الذين آمنوا وأخلصوا دينهم له، وجاهدوا في سبيله وتحاكموا إلى شرعه ومنهاجه، وأقاموا الدين في حياتهم وعظموا حرمات ربهم، وعد اللَّه لا يخلف اللَّه الميعاد.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.\n_________\n(١) انظر كتاب: \"صفة الجنة\" -وانلي- ص (٢١٤)، وإسناده حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٣٣)، ومسلم (١٨١)، والترمذي (٢٥٥٢)، وأخرجه الطبري (١٧٦٤١)، وابن حبان (٧٤٤١).","vol":"6","page":624},{"text":"أصل الينابيع في لغة العرب من نَبَعَ، يقال: نَبَعَ الماء إذا خرج، ونَبَعَ يَنْبِعُ نَبَعَانًا، واليَنْبُوع عينُ الماء، ومنه قوله تعالى في سورة الإسراء ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. والجمع ينابيعَ، والينبوعُ هو ما جاش من الأرض ويجوز في مضارعه رفع ونصب وكسر الباء أي نبعَ يَنبَعُ وينبُعُ وينبعُ.\nوعن الشعبي في قوله ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: (كلّ ندى وماء في الأرض من السماء نزل).\nفأصل الماء الذي في الأرض من السماء كما قال سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾.\nقال سعيد بن جبير: (أصله من الثلج، يعني أن الثلج يتراكم على الجبال فيسكن في قوارها فتنبع العيون من أسافلها).\nوعن ابن عباس قال: (ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في الأرض تُغيرُهُ). وأما توزيعه فبحكمة اللَّه، فقد أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: [ما من عام بأكثر مطرًا من عام ولكن اللَّهَ يُصرِّفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾] (١). فهو يقسمه سبحانه حسب رضاه عن عباده.\nوله شاهد عن البغوي عن ابن مسعود يرفعه: [ليس من سنة بأمَرَّ من أخرى ولكن اللَّه قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول اللَّه ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف اللَّه ذلك إلى الفيافي والبحار] (٢).\nقال الضحاك: (كل ماء في الأرض فمن السماء نزل، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة، ثم تقسم منها العيون والركايا). فإن اللَّه يقسم كيف شاء.\nوأما قوله ﴿فَسَلَكَهُ﴾ أي فأدخله في الأرض وأسكنه فيها. ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. قال الحسن بن مسلم: (ثم أنبت بذلك الماء الذي أنزله من السماء فجعله في الأرض عيونًا زرعًا ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ يعني: أنواعًا مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٠٣)، وابن جرير في \"التفسير\" (١٩/ ١٥)، وهو صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم، ووافقه الذهبي، وأقرَّه الألباني في \"الصحيحة\" (٢٤٦١).\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" (٦/ ١٨٤)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٤٦١).","vol":"6","page":625},{"text":"وأرز ونحو ذلك من الأنواع المختلفة ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ يقول: ثم ييبسُ ذلك الزرع من بعد خُضرته، يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخضر وذوى: هاجت الأرض وهاج الزرع). وقال الأصمعي: (يقال هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى). وأرض هائجة إذا يبِسَ نبتُها أو اصفر. قال الرازي: (هاجَ الشيء ثار) والهيجاء الحرب، وهاج هائجه أي ثار غضبه. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾. أى: فتاتًا متكسرًا من قولك تحطم العود إذا تفتت وتكسر من اليبس ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وفي هذا التمثيل ذهب أهل التفسير إلى ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: المعنى أن من فعل هذا قدر على الإعادة والبعث يوم القيامة. ذكره القرطبي.\nالقول الثاني: هو مثل ضربه اللَّه للدنيا، فكما يصفر النبت الأخضر وييبس فكذلك الدنيا بعد بهجتها.\nقال الحافظ ابن كثير: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي الذين يتذكرون فيتعظون بأن الدنيا هكذا، تكون خضراء حسناء، ثم تعود عجوزًا شوهاء، والشاب يعود شيخًا ضعيفًا ثم يموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير).\nالقول الثالث: هو مثل ضربه اللَّه للقرآن ينمو ويزهر في صدور المؤمنين.\nقال الشوكاني في فتح القدير: (والمعنى: أنزل من السماء قرآنًا فسلكه في قلوب المؤمنين، ثم يخرج به دينًا بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن فيزداد إيمانًا ويقينًا، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع).\nقلت: وكلها أقوال متقاربة يحتملها المجاز والإعجاز، فإن من قدر على إنزال الماء وتحريك البذور به لتخرج ثمارًا وأزهارًا ثم تصفر وتيبس ثم تتفتت، قادر على إحياء العظام وقد صارت رميمًا مبعثرة، فيجمعها وهو خالقها وقد علم كيفية تبعثرها فقال في سورة (ق): ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾، ثم إنه كثيرًا ما يضرب اللَّه مثل الحياة الدنيا بالزرع الذي يكون ناضرًا ثم يتحول حطامًا كما جاء في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾. وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن سهل بن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: [لو كانت الدنيا تَعْدِل عند اللَّه جناحَ بعوضة،","vol":"6","page":626},{"text":"ما سقى كافرًا منها شَربة ماء] (١). وخرّج أيضًا عن عبد اللَّه مرفوعًا: [مالي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (٢). وسببه كما قال ابن مسعود: (اضطجع رسول اللَّه -ﷺ- على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، فقلت: يا رسول اللَّه ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (فذكره».\nولفظ ابن حبّان عن ابن عباس: أن رسول اللَّه -ﷺ- دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبيَّ اللَّه لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: [مالي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها]. ثم إن القرآن في ازدهاره في قلوب المؤمنين وإحياء قلوبهم كمثل الغيث ينزل في الأرض الميتة فيحييها كما قال جل ثناؤه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] فإن الوحي حياة ونور. وفي الصحيحين والمسند عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال: [مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، كمثل الأترجَّة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، كمثل التمرةِ، لا ريح لها وطعمها حلوٌ، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن، كمثل الريحانة، ريحُها طيب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مرّ] (٣). وعند البخاري عن أبي موسى عن النبي -ﷺ- قال: [مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضًا فكان منها نقيةٌ قبلتِ الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعان، لا تمسكُ ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثلُ مَنْ فَقُهَ في دين اللَّه ونفعه ما بعثني اللَّه به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى اللَّه الذي أرسلت به] (٤).\nفسبحان من أحيا القلوب فآمنت به وجاهد أهلها في سبيله، وسبحان من جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة ثم موتًا ثم بعثًا ونشورًا وحسابًا ومعادًا، فريق في الجنة، وفريق في السعير ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.\n_________\n(١) صحيح لغيره. أخرجه الترمذي في الجامع (٢/ ٥٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣/ ٢٥٣).\n(٢) حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٦٠)، والحاكم (٤/ ٣١٠)، وأحمد (١/ ٣٩١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٢٠)، ومسلم (٧٩٧)، وأحمد (٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢)، وأبو يعلى (٧٣١١).","vol":"6","page":627},{"text":"٢٢ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: خطاب من اللَّه تعالى لنبيّه -ﷺ-: أفمن فَسحَ اللَّه قلبه لمعرفته","vol":"6","page":628},{"text":"يا محمد، والإقرار بألوهيته، وإفراده بالعبادة والتعظيم فهو يمضي على بصيرة من اللَّه في كل شأنه وأحواله كمن هو بعيد عن الحق يعيش قسوة القلب وغشاء السكر على عقله وفؤاده، فهذا القرآن أعظم الحديث والذكر فمن شأنه أن تخبت قلوب المؤمنين عند سماعه وتقشعر جلودهم خوفًا مما فيه من الوعد والوعيد، فهو مثاني تُثَنَّى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والبراهين والأدلة والحجج لينذر من كان حيًا فتناله منه خشية ورهبة تحمله على العمل ومباشرة الأمر، فيهديهم ربهم بهذا القرآن هداية توفيق وإلهام بعد أن أضاء لهم في قلوبهم طريق الإيمان والإحسان، فإن من يخذله اللَّه عن اتباع هذا القرآن فيضله فلا سبيل إلى توفيقه واهتدائه. أفمن ينجو يوم الحساب من العذاب كمن يُخَرُّ على وجهه في النار ويقال له ذق إنك أنت العزيز الكريم فهذا جزاء ما كنتم تكسبون، فقد مضى على منهاج التكذيب أمم قبلكم ودول دَكَّها اللَّه بغتة من حيث لا يشعرون، وأذاقهم خزي الدنيا ثم إنهم قادمون على فضيحة الآخرة وخزي الندامة لو كانوا يعلمون.\nلقد ضرب اللَّه في هذا القرآن العربي الفصيح أمثلة في غاية الدقة لمن أراد أن يذكّر أو أراد نجاة وأمانًا، فهل مثل عبد مملوك يشترك في ملكه رجال يتنازعونه بينهم كمن هو خالص لسيده، يبادله خالص الأجر والكرامة والتقدير، فذلك مثل من أشرك باللَّه وقَطَّعَ نَفْسَه ومَزَّق مستقبله ومثل من أخلص العبادة والتعظيم لخالقه جل ثناؤه. قل لقومك يا محمد: إنكم ستنتقلون لا محالة من هذه الدار وستجتمعون عند اللَّه في الدار الآخرة وهناك تختصمون فيفصل بينكم فينجي المؤمنين ويعذب المشركين، فمن أظلم ممن كذب بالوحي والتنزيل ونسب للَّه صفات النقص ظلمًا وزورًا فإن جهنم تنتظره وأشباهه من المستكبرين، وأما من أخلص التقوى للَّه وصدق رسوله فلهم جزاء الضعف في الجنات وهم في الغرفات آمنون. أليس اللَّه يكفي من توكل عليه وأخلص العبادة له فلا تخف يا محمد من أصنامهم التي يخوفونك بها فإنما هي حجارة تبول عليها الطيور فإن اللَّه عزيز ذو انتقام. وليتهم يراجعون عقولهم إذ أقروا بالخلق للَّه ثم هم يدعون مخلوقات من دونه، وليتهم راجعوا أفئدتهم إذا مسّهم الضر فلمن يجأرون، الحجارة لا تسمع ولا تشاركهم نحيبهم ولا تواسيهم مصابهم أم إلى اللَّه الذي امتلأت النفوس من رهبته والتعلق برحمته ورجاء الفرج والمخرج من عنده فهو اللَّه العظيم عليه يتوكل المتوكلون. فاعملوا على طريقتكم فكل يعمل على شاكلته ثم مَرَدُّنا إلى اللَّه فسيرى كُلٌ مصير الآخر وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فإلى تفصيل ذلك:","vol":"6","page":629},{"text":"قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. قال الرازي: الشّرْحُ: الكَشْف تقول (شرح) الغامِضَ أي فسَّره ومنه تشريح اللحم. وشرح اللَّه صدره للإسلام فانشرح أي فتحه ووسعه. قال القاسمي: (أي وسعه لتسليم الوجه إليه وحده، ولقبول دينه وشرعه بلطفه وعنايته وإمداده سبحانه). وقد ذهب بعض المفسرين للتفريق بين مرحلتين: قبل الإسلام وبعد الإسلام.\nففي المرحلة الأولى: يكون المعنى يحتمل الشرح قبل الإسلام. قال ابن عباس: (وسع صدره للإسلام حتى ثبت فيه). وقال مجاهد: (ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه).\nوفي المرحلة الثانية: أن يصرف الشرح إلى ما بعد الإسلام للثبات عليه. قال السدي: (وسع صدره بالإسلام للفرح به والطمأنينة إليه).\nقلت: والبيان الإلهي يحتمل الوجهين فإن من رضي بالإسلام فقد شرح اللَّه صدره له، ثم إذا صدق النية والخشية وعاكس الهوى والشهوة وتعلق قلبه بالإيمان والجهاد يشرح اللَّه صدره لهذا الحق والفرح بنصره والطمانينة عند رؤية دولته وشوكته. قال سبحانه في سورة الأنعام: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾.\nوقد أخرج الإمام أحمد في المسند وأبو داود والنسائي وابن ماجة في السنن بسند صحيح عن بريدة عن النبي -ﷺ- قال: [من قال حين يصبح أو حين يمسي: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فمات من يومه، أو ليلته دخل الجنة] (١).\nوعند أبي داود عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [من قال رضيت باللَّه ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وجبت له الجنة] (٢).\nوقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ هو كقوله جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٢٢)، والترمذي (٤/ ٢٢٩)، وأبو داود (٥٠٧٠)، ورواه ابن ماجة والنسائي. انظر صحيح أبي داود (٤٢٣٧).\n(٢) حديث حسن أخرجه أبو داود (١٥٢٩)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٤)، وله شواهد.","vol":"6","page":630},{"text":"وعن قتادة: (قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال: يعني كتاب اللَّه هو المؤمن، به يأخذ، وإليه ينتهي).\nوقال السدي: (النور الهدى). وقيل: علامة انشراح الصدر: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت، فإذا حصل ذلك للعبد فهو على نور من ربه.\nوقد أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطاه ضل] (١). ورواه ابن حبان في صحيحه.\nقلت: والظلمة هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات، والنور هو نور الوحي ونور السنة نور النبوة والرسالات، نور الفطرة ونور الميثاق مع اللَّه الذي أخذه بنعمان وهو واد إلى جنب عرفات، كما أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: [أخذ اللَّه ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني (يوم) عرفة فأخرج في صُلْبهِ كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قُبُلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]] (٢).\nوقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال المبرد: يقال قسا القلب إذا صَلُبَ. وقلب قاس أي صُلْب لا يرق ولا يلين. وقيل المراد أبو لهب وولده، والراجح أن الآية عامة في كل من جفا قلبه ونأى عن ذكر اللَّه وأعرض عن القرآن. واختار ابن جرير أن (مِنْ) بمعنى (عن) والتقدير: فويل للقاسية قلوبهم عن قبول ذكر اللَّه وقال: (فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر اللَّه وأعرضت، يعني عن القرآن الذي أنزله تعالى ذكره. قال: هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر اللَّه في ضلال مبين، لمن تأمَّله وتدبّره يفهم أنه في ضلال عن الحق جائر). وقال القاسمي: (﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، (٢/ ١٩٧)، وابن حبان (١٨١٢)، ورواه الحاكم (١/ ٣٠). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٧٦).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٩١)، والحاكم عن ابن عباس. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٢٣).","vol":"6","page":631},{"text":"مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي من قبول ذكره لشدة ميلها إلى اللذات البدنية، وإعراضها عن الكمالات القدسية. قال: فـ \"مِنْ\" للتعليل والسببية). قال الفراء: (أي عن ذكر اللَّه كما تقول أتخمت عن طعام أكلته ومن طعام أكلته).\nقلت: وجملة القول أن الويل لمن لا تلين قلوبهم عند ذكر اللَّه ولا تتعلق بالحق ولا تخشع، ولا تعي معنى الأمن في الآخرة ولا تفهم ولا تريد أن تسمع، ومن هنا كان رسول اللَّه -ﷺ- يستعيذ باللَّه من ثلاث -كما أخرج الإمام أحمد من حديث أنس- عنه ويقول: [اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، وعملٍ لا يُرْفَع، ودعاءٍ لا يُسمع] (١). وله شاهد عند الترمذي عن عبد اللَّه بن عمرو ولفظه: [اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن نفس لا تَشْبع، ومن علمِ لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع] (٢). وأصله في صحيح الإمام مسلم من حديث زيد بن أرقم ولفظه: [اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجُبنِ والبُخل، والهرم وعذاب القبر، وفتنة الدجال، اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنتَ وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها] (٣).\nوفي الأثر عن مالك بن دينار قال: (ما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب اللَّه على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم).\nوقد أخرج الدارمي بسند حسن عن قتادة قال: [قالت بنو إسرائيل: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف لنا أن نعرف رضاك من غضبك؟ قال: إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت استعملت عليكم شراركم]. فنعوذ باللَّه من قسوة القلب، ومن أن يُسلط سبحانه على الأمة عتاة القلوب وأهل الجفاء والقسوة ومن لا يخاف اللَّه ولا يخشع.\nوقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. المراد القرآن الكريم، يشبه بعضه بعضًا ويصدق بعضه بعضًا فلا اختلاف فيه ولا تضاد، وما اشتبه في موضع رُدّ علمه إلى المحكم في موضع آخر، فهو كله حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وابن حبان. انظر تخريج \"العلم\" لابن أبي خيثمة (١٤٨/ ١٦٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٤٨٢). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٧٦٩).\n(٣) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه (٨/ ٨١). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٨٢٦).","vol":"6","page":632},{"text":"علم تفسيره العلماء الراسخون، أتباع منهج الفهم عند الصحابة والأئمة والتابعين.\nوقد أخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، بإسناد جيد عن سعد في قول اللَّه ﷿ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية. قال: [أنزل اللَّه القرآن على رسول اللَّه -ﷺ- فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا يا رسول اللَّه لو قصصت علينا، فأنزل اللَّه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١]-إلى قوله- ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية. فتلاها رسول اللَّه -ﷺ- زمانًا، فقالوا: يا رسول اللَّه لوحدثتنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾] (١).\nقلت: وفي الحديث إشارة إن أن أصل العلوم والحِكَم والخير هو القرآن، وأنّ كل فكر لا يتأصل من هذا الكتاب العظيم فهو فكر قاصر، وأن أي فلسفة أو قصص أو حكاية تشذ عن قواعد الأصول والعلم مرفوضة، وأنّ أحدًا لا يملك التأثير بأعظم من القرآن، كما لا يستطيع أحد أن يأتي بِحكمة غابت عن كتاب اللَّه أو الوحي الثاني وهو هدي نبيّه صلوات اللَّه وسلامه عليه، فإن القرآن والسنة هما أحسن الحديث.\nوفي قوله ﴿مُتَشَابِهًا﴾ معان متقاربة ذكرها المفسرون:\nالمعنى الأول: أي يتشابه في الآيات والحروف. فعن قتادة: قال: (يشبه بعضه بعضًا في الآي والحروف).\nوفي رواية أخرى عنه قال: (الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف). وقال القاسمي: (أي يشبه بعضه بعضًا، في الصحة والإحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق ووجوه الإعجاز).\nالمعنى الثاني: أي يتشابه في البناء والهيئة. قال السدي: (المتشابه: يشبه بعضه بعضًا). وقال ابن جرير: (يشبه بعضه بعضًا، لا اختلاف فيه ولا تضاد).\nالمعنى الثالث: أي يتشابه في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضًا. قال سعيد بن جبير: (يشبه بعضه بعضًا ويصدق بعضه بعضًا، ويدل بعضه على بعض). وقال القرطبي: (يشبه بعضه بعضًا في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضًا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٥)، والواحدي (٥٤٤)، والطبري (١٢/ ١٥٠). ورواه ابن حبان في \"صحيحه\". وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة يوسف.","vol":"6","page":633},{"text":"المعنى الرابع: قيل يشبه كتب اللَّه المنزلة على أنبيائه، لما يتضمنه من أمر ونهي وترغيب وترهيب وإن كان أعم وأعجز.\nقلت: وهذ الآية حقًا تدل على إعجاز وسموّ هذا القرآن، فقد نزل على مدة طويلة نحو ربع قرن من الزمن، وجاء أوله يصدق آخره وأوسطه، فلا مفاجآت ولا تناقضات ولا خلل، فلو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، ولو كان مؤلفه بشرًا لظهرت فروق في الفهم والوعي والإدراك والمعالجة على طول ربع قرن، ولكنه الوحي كلام اللَّه خالق وبارئ الكون والبشر. وقد جمع كل ما يحتاجه الناس في حياتهم من أمرٍ ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال وَعِبَر، وما يحتاجونه للتزود من أجل النجاة في معادهم من نار سقر. كما قال جل ثناؤه في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. فهو متشابه في الأصل والحسن والحكمة.\nلقد أخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه بإسناد حسن عن ابن مسعود عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا] (١).\nوأما تسميته \"حديثًا\" قال الشوكاني: (لأن النبي -ﷺ- كان يحدث به قومه ويخبرهم بما ينزل عليه منه).\nونُصب قوله ﴿كِتَابًا﴾ على أنه بدل من ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ يكون قوله ﴿مُتَشَابِهًا﴾ صفة لـ ﴿كِتَابًا﴾. ويجوز نصب ﴿كِتَابًا﴾ على أنه حال. وقد جاء معنى الحديث أنه القرآن في أكثر من موضع في كتاب اللَّه ﷿: كقوله في سورة المرسلات: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. وكقوله في سورة النجم: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾. وكقوله في سورة النساء: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. وكقوله في سورة القلم: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾.\nوقوله ﴿مَثَانِيَ﴾. أي: تثنى فيه الأخبار والمواعظ والحكم والأمثال، ومن روعته\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبري (١/ ٣٠)، ورواه الحاكم وابن حبان. وإسناده صحيح.","vol":"6","page":634},{"text":"فهو لا يُمَلّ. وإليك تفصيل ما ذكر من أقوال:\nالقول الأول: أي تثنى فيه الفرائض والأحكام. فعن قتادة قال: (ثنى اللَّه فيه الفرائض والقضاء والحدود).\nالقول الثاني: أي تثنى فيه الأنباء والأخبار والقضاء. فعن الحسن قوله: (ثنى اللَّه فيه القضاء، تكون السورة فيها الآية في سورة أخرى آية تشبهها). قال ابن جرير: (تُثْنى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحجج).\nالقول الثالث: أي يثنى فيه الأمر فيذكر مرارًا لأهميته. فعن ابن عباس قال: (كتاب اللَّه مثاني، تثنى فيه الأمر مرارًا). وقال ابن زيد: (مردّد، رُدِّد موسى في القرآن، وصالح وهود والأنبياء في أمكنة كثيرة).\nالقول الرابع: يثنى الأمر فيذكَرُ وَضِدُّه. فعن سفيان بن عيينة قال: (إن سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد، فهذان من المتشابه، وتارة تكون بذكر الشيء وضده كذكر المؤمنين ثم الكافرين وكصفة الجنة ثم صفة النار وما أشبه هذا. . . فهذا من المثاني كقوله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤]. وأما إذا كان السياق كلّه في معنى واحد يشبه بعضه بعضًا فهو المتشابه، وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ذاك معنى آخر).\nوذكر الشوكاني عن الرازي في تبيين مثاني: (أن أكثر الأشياء المذكورة في القرآن متكررة زوجين زوجين مثل الأمر والنهي والعام والخاص والمجمل والمفضل وأحوال السماوات والأرض والجنة والنار والنور والظلمة. . .).\nالقول الخامس: أي يثنى في التلاوة فلا يُمَلّ. ذكره النسفي وغيره. قال الشوكاني: (وقيل يثنى في التلاوة فلا يمل سامعه ولا يسام قارئه).\nقلت: والقرآن موصوف بكل هذه الصفات العليا والنعوت الحسنى، فقد تكررت فيه الأنباء والأخبار والمواعظ والحكم والأمثال والمقارنة بين الضّدين والحالين ولكن ذلك كله يمضي في بيان رفيع، فما أجْمِلَ في موضع فُصِّل في موضع آخر، وما نبههَ إلى أهميته في موضع نُبِّهَ إلى جانب آخر في موضع آخر، ومن سموّ إعجازه وروعته أن سامعه لا يملُّه وأنه يثنى في التلاوة ولا تشبع منه القلوب، فهذه فاتحة الكتاب سميت بالسبع المثاني فهي تثنى وتكرر كل يوم في كل صلاة عشرات المرات ولا يملها القلب","vol":"6","page":635},{"text":"بل هو محتاج إلى معانيها وإلى بركتها في كل وقت وحين، فإياك نعبد يا ربنا وإياك نستعين على غرائزنا وشهواتنا ألا تشغلنا عن ذكرك ومنهجك.\nوقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. أصل القشعريرة في كلام العرب من الاضطراب والحركة. يقال: اقشعر جلده: إذا تقبض وتجمع من الخوف. فهي تضطرب وتتحرك خوفًا من الوعيد المذكور في القرآن، ومعايشة لهول الموقف وشدته على أهل الهزل والعصيان، ورجاء باللَّه العظيم أن يمنّ بالمغفرة ونيل الجنان.\nوأما قوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ففيه أقوال:\nالقول الأول: أي ثم تلين عند سماع آيات الرحمة. قال النسفي: (أي إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة).\nالقول الثاني: أي ثم تلين إلى العمل والمسارعة بالخيرات. قال القاسمي: (أي بالانقياد والطاعة والسكينة لأمره). وهو اختيار ابن جرير.\nالقول الثالث: أي تقشعر ثم تلين راجية رحمة اللَّه أن تغمرها في الدنيا والآخرة.\nفعن قتادة قال: (هذا نعت أولياء اللَّه نعتهم بأنها تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذى اللَّه، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان). ذكره الشوكاني.\nوأفاد ذلك الحافظ ابن كثير بقوله: (فهم مخالفون لغيرهم من الفجّار من وجوه:\nأحدها: أنّ سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات.\nالثاني: أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خرّوا سجدًا وبُكيًا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]. أي إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل وتقليد أعمى ومتابعة لغيرهم.\nالثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة ﵃ يسمعونها وتقشعر جلودهم وتلين قلوبهم إلى ذكر اللَّه، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم بل عندهم من الأدب والسكون والخشية ما لا يلحقهم أحد","vol":"6","page":636},{"text":"في ذلك، ولهذا فازوا بالرضا والمدح من اللَّه في الدارين بخلاف بعض الجماعات! ! الذين تذهب عقولهم ويغشى عليهم، إنما هذا في أهل البدع وهذا من الشيطان).\nقلت: والبيان الإلهي يتسع لكل هذه الآفاق والمعاني التي يوصف بها المؤمنون المخبتون، الذين إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واقشعرت جلودهم واشتد خوفهم، فسارعوا إلى الخيرات وإلى ما ينجيهم من الأعمال الصالحات، فإذا ما مرّوا بآيات الرحمة لانت قلوبهم وفرحوا بما بشّرهم به ربهم، ولازَمَهم مع كل ذلك الورع، ولم يخرجوا من توازنهم واستقرارهم ووقارهم.\nفقد أخرج النسائي في كتاب العلم عن الأعمش قال: (بلغني عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير أنه قال: فضل العلم أحب إليّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع). وقد ثبت هذا مرفوعًا من حديث ابن عمر وحذيفة أخرجه الطبراني.\nوقد ساق القرطبي أثرًا عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي قال: (مرّ ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقطًا فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر اللَّه سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى اللَّه وما نسقط).\nثم ساق أثرًا آخر عن عمر بن عبد العزيز قال: (ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطًا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وفي قوله ﴿ذَلِكَ﴾ قولان:\nالقول الأول: ذلك هدى اللَّه أي القرآن. قال النسفي: (﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الكتاب).\nالقول الثاني: أي ذلك الذي وهبه اللَّه لأوليائه من الخشوع والرقة والقشعريرة ولين القلوب هو هدى اللَّه.\nقال ابن جرير: (هذا الذي يصيب هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم عند سماعهم القرآن من اقشعرار جلودهم ثم لينها ولين قلوبهم إلى ذكر اللَّه من بعد ذلك ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ يعني توفيق اللَّه إياهم وَفَّقَهم له ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول: يهدي ﵎ بالقرآن من يشاء من عباده ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ قال: ومن يخذله اللَّه عن","vol":"6","page":637},{"text":"الإيمان بهذا القرآن والتصديق بما فيه فيضله عنه فماله من موفِّق له ومسدد يسدده في اتباعه).\nوجملة القول: أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وهو كتاب تخشع له جوارح المؤمنين به، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى تعظيمه، وامتثال أمره، وهذا من فضل اللَّه على أوليائه وتوفيقه.\nوفي معجم الطبراني عن جبير، عن النبي -ﷺ- قال: [أبشروا، فإن هذا القرآن طرفهُ بيد اللَّه، وطرفهُ بايديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضِلوا بعده أبدًا] وسنده صحيح (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: هو أن يرمى به في جهنم مكبوبًا على وجهه فذلك اتقاؤه إياه. قال عطاء: (يرُمى به مكتوفًا في النار فأول شيء تمسّ منه النار وجهه). وقال الشوكاني في \"فتح القدير\": (والمعنى: أفمن يقي نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه سوء العذاب يوم القيامة لكون يده قد صارت مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه شيء من ذلك ولا يحتاج إلى الاتقاء). وقال القاسمي: (أي فمن يجعل وجهه وقاية لشدة العذاب ذلك اليوم، أي قائمًا مقامها في أنه أول ما يمسه المؤلم له. لأن ما يتقى به هو اليدان، وهما مغلولتان. ولو لم تغلّا كان يدفع بهما عن الوجه لأنه أعز أعضائه. وقيل الاتقاء بالوجه كناية عن عدم ما يتقى به، لأن الوجه لا يتقى به).\nالتأويل الثاني: هو أن يجرّ على وجهه في النار. فعن مجاهد قال: (يجرّ على وجهه في النار). وفي رواية عنه قال: (يخرُّ على وجهه في النار، يقول: هو مثل ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]).\nالتأويل الثالث: هو أن تغل يداه إلى عنقه ويرمى به في النار. قال مقاتل: (هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة عظيمة كالجبل العظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه، فحرها ووهجها على وجهه، لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال) ذكره القرطبي.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ٧٧/ ١)، ورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ١٦٥). وسنده صحيح على شرط مسلم.","vol":"6","page":638},{"text":"التأويل الرابع: أن يبقى المعنى على العموم: أي أفمن يعاين العذاب كمن هو آمن في الجنة.\nقال الزجاج: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن يدخل الجنة). وقال الأخفش: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل أم من سعد؟ مثل قوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾).\nوقال ابن كثير: أفمن يواجه يوم القيامة أعظم العذاب كمن يكون في ذلك اليوم آمنًا منه؟ .\nوقال النسفي: (﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كمن أمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره. قال: وسوء العذاب شدته، ومعناه أن الإنسان إذا لقي مخوفًا من المخاوف استقبله بيده وطلب أن يقي بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقئ مغلولة يداه إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه).\nقلت: وكلها تفاسير تدور حول المعنى الذي مفاده أن من كفر باللَّه ونعمه، واستكبر عن شكره سبحانه وحمده، وعن الخضوع والتذلل بين يديه معترفًا بعظمته، وجبروته وكبريائه الذي لا يليق إلا به، وضئع الوقت والعمر فيما يسخطه، وعاث في الأرض فسادًا يظلم ويسفك الدماء ويحارب اللَّه وأولياءه، فسوف يسحب في النار على وجهه إهانة له، إذ الوجه أكرم ما خلق اللَّه في الإنسان وفيه مركز الأوامر الخيرة والسيئة، ليذله اللَّه ويهينه يوم القيامة إذ آثر سَيِّئ القول والعمل، فهو يسحب في السلاسل يومئذ مكبلًا فيحاول الوجه صدّ العذاب واللهب وردّه دونما جدوى، فإن اليدين مكبلتان بما اجترحت في الدنيا من ظلم وآثام، كما قال جل ثناؤه في سورة الأحزاب: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾. وكقوله في سورة الأنبياء: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. وكقوله في سورة القمر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. وكقوله في سورة الدخان: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [يحشر","vol":"6","page":639},{"text":"المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصَارة أهل النار طينة الخبال] (١).\nوقوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. أي: ذوقوا وبال ما اجترحتم من المعاصي والآثام ثم خرجتم من الحياة الدنيا دون توبة ولا رجعة، كقوله جل ثناؤه في سورة العنكبوت: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وكقوله في سورة يونس: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. وكقوله في سورة التوبة: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.\nقال الشوكاني: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهو معطوف على يتقي: أي ويقال لهم، وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق). وقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ قال عطاء: (أي جزاء ما كنتم تعملون).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي فاجأهم اللَّه بالعذاب وقد سكروا في لهوهم وتكذيبهم فباغتهم به وهم لا يشعرون. قال النسفي: (من الجهة التي لايحتسبون ولايخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها بَيْنا هم امنون إذ فوجئوا من مأمنهم). والآية تشبه قوله في سورة الزمر نفسها: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. أي فيصيبكم ما أصاب الأمم المكذبة من قبلكم.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. قال المبرد: (يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته، أي وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخزي من المكروه والخَزَاية من الاستحياء) ذكره القرطبي. والآية تشبه قوله سبحانه في سورة الرعد: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. وقوله في سورة فصلت: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾. قال الشوكاني: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ أي الذل والهوان ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالمسخ والخسف والقتل والأسر وغير ذلك ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ لكونه في غاية الشدة مع دوامه). وقوله ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ قال\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، أبواب صفة القيامة.","vol":"6","page":640},{"text":"النسفي: (لآمنوا). ولكنهم عموا عن مصائرهم فلم يتفكروا ولم يستعدوا ففاجأتهم مصيبة النار يوم القيامة لا زحزحة عنها.\nوفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [نارُكم هذه التي توقِدُ بنو آدمَ، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم، قيل: يا رسول اللَّه! إن كانت لكافية؟ قال: فإنها فَضَلَتْ عليها بتسعة وستين جزءًا، كُلّهُنَّ مثلُ حرِّها] (١).\nورواه الترمذي من حديث أبى سعيد ولفظه: [ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، لكل جزء منها حرّها] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [النار عدوٌّ فاحذروها] (٣). وهذا في نار الدنيا فما بال نار الآخرة والعياذ باللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\nأي لقد بسطنا في هذا القرآن كل ما يحتاجه الناس من مثل يُفَهِّمُهُمْ معناه ويقربه إلى أذهانهم، فمثّلنا لهؤلاء المشركين أمثالًا من القرون السالفة التي دَمَّرَ اللَّه فيها على المستكبرين بنيانهم وقلب نهارهم ليلًا، وأحال حاضرَ تلك الأمم الظالمة ماضيًا، وصَيَّرَهُم أحاديث للناس يضرب بهم المثل قاسيًا، لكل من أراد أن يمضي على منهاجهم وسنتهم ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، لعلهم ينزجرون ويتعظون أو يحدث لهم القرآن ذكرًا. فإن اللَّه سبحانه قد أنزله قرآنًا عربيًا فيه كل ما يوصلهم إلى سعادة دنياهم وأخراهم، وقد تفضل عليهم بأن أنزله بلسانهم. ثم وصفه بأنه ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ - وفيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أي غير ذي لَبْس، ويكون قوله ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال. قال مجاهد: (قرآنًا عربيًا غيرَ ذي عوج: غير دي لَبْس). وقال ابن جرير: (جعلناه قرآنًا عربيًا إذ كانوا عربًا ليفهموا ما فيه من المواعظ حتى يتقوا ما حذّرهم اللَّه فيه من بأسه وسطوته). ويجوز أن يكون النَصب على التوكيد أو المدح، أو يكون قرآنًا توكيد و﴿عَرَبِيًّا﴾ حال.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣)، وأحمد (٢/ ٤٦٧) وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٩٠). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٨٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٠١٦)، كتاب الأشربة. ورواه أحمد (٢/ ٩٠).","vol":"6","page":641},{"text":"التأويل الثاني: أي غير مختلف. قال النحاس: (أحسن ما قيل فيه قول الضحاك، قال: غير مختلف) ذكره القرطبي.\nالتأويل الثالث: أي غير مخلوق. ذكره ابن عباس، وَنُقِل عن السُّدي.\nالتأويل الرابع: أي غير متضاد. روي ذلك عن عثمان بن عفان. وقال القاسمي: (أي مستقيمًا بريئًا من التناقض والاختلاف ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي العذاب والخزي يوم الجزاء، بالاتقاء من الأفعال القبيحة والأخلاق الرديئة، والاعتقادات الفاسدة). وقال النسفي: (﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾: مستقيمًا بريئًا من التناقض والاختلاف ولم يقل مستقيمًا للإشعار بأن لا يكون فيه عوج قط).\nالتأويل الخامس: قيل المراد بالعوج الشك، ذكره السُّدي والماوردي.\nالتأويل السادس: قيل المراد غير ذي لحن. ذكره القرطبي عن بكر بن عبد اللَّه المزني.\nوكل ما سبق من تاويل يحتمله البيان الإلهي ويتسع له الإعجاز القرآني، فإن هذا القرآن عظيم لا لَبْسَ فيه ولا اختلاف ولا تعارض ولا تضاد ولا لحن فيه ولا شك، فهو كلام اللَّه ليس بمخلوق لا يأتيه ألباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.\nوأما قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ -أي- الوقوع بما وقع به مَنْ قبلهم فيحق عليهم ما حقّ على غيرهم من عذاب الدنيا وخراب الآخرة. قال الشوكاني: (لعلهم يتقون: علة أخرى بعد العلة الأولى. وهي ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي لكي يتقوا الكفر والكذب).\nوقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nفإن ضرب الأمثال تلك ما مُثّلت إلا لِيُتَّقَى أعظم المخوفات وهو الشرك باللَّه، وهذا مثل رائع الدقة ألقاه اللَّه سبحانه ليقرع به عقول المشركين ومحاكماتهم: أفمثل من تنازعه أكثر من رجل فهو عبد مملوك مشترك بينهم، كمثل عبد خالص لرجل لا يملكه غيره؟ لا يستويان. فإن الأول يعاني من تَقَلُّب الأهواء وتحكم الآراء، وتناقض الرغبات. فذلك مثل مَن أشرك باللَّه وصرف العبادة والمحبة لغيره معه.\nوقد أجادَ العلّامة القاسمي ﵀ عندما عبّر عن هذا المثل فقال: (ضرب اللَّه مثلًا: أي للمشرك والموحد، رجلين مملوكين ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي سيئو","vol":"6","page":642},{"text":"الأخلاق، يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المختلفة، لا يزال متحيرًا متوزع القلب، لا يدري أيهم يرضى بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجته ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أي: خلص ملكه له، لا يتجه إلا إلى جهته. ولا يسير إلا لخدمته، فَهَمُّهُ واحد، وقلبه مجتمع ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي: صفة وحالًا. أي في حسن الحال وراحة البال؟ كلا. وهكذا حال من يثبت آلهة شتى. لا يزال متحيرًا خائفًا لا يدري أيهم يعبد، وعلى ربوبية أيهم يعتمد. وحال من لم يعبد إلا إلهًا واحدًا. فَهمُّهُ واحد. ومقصده واحد. ناعم البال. خافض العيش والحال. والقصد أن توحيد المعبود فيه توحيد الوجهة ودرء الفرقة. كما قال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ١٢]) انتهى.\nوقد قرأ قراء مكة والبصرة: ﴿ورجلًا سالمًا﴾ أي خالصًا لرجل. فعن مجاهد عن ابن عباس: (أنه قرأها سالمًا لرجل، يعني بالألف وقال: ليس فيه لأحد شيء). وهي قراءة مشهورة رويت كما ذكرنا عن ابن عباس وغيره.\nوأما قراء المدينة والكوفة فقرؤوها (سَلَمًا) أي صلحًا وهي بمعنى خلوصًا. وقرأها سعيد بن جبير وعكرمة (سِلْمًا) أي ذو سِلْم. والقراءة الأولى والثانية أشهر وإن كانت قراءة أهل المدينة أكثر شهرة، واختارها أبو حاتم وقال: (وهذا الذي لا تنازع فيه).\nوعن مجاهد في قوله: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ قال: (هذا مثل إله الباطل وإله الحق). وعن قتادة قال: (هذا المشرك تتنازعه الشياطين لا يقَرّبه بعضهم لبعض ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قال: هو المؤمن أخلص الدعوة والعبادة).\nوعن ابن عباس قال: (الشركاء المتشاكسون: الرجل الذي يعبد آلهة شتى، كلّ قوم يعبدون إلها يرضونه ويكفرون بما سواه من الآلهة، فضرب اللَّه هذا المثل وضرب لنفسه مثلًا يقول: رجل سَلِمَ لرجل. يقول: يعبدون إلهًا واحدًا لا يختلفون فيه).\nوعن السُّدي قال: (مثل لأوثانهم التي كانوا يعبدون).\nوقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. قال ابن جرير: (هل يستوي مثلُ هذا الذي يخدم جماعة شركاء سيئة أخلاقهم مختلفة فيه لخدمته مع منازعته شركاءه فيه، والذي يخدم واحدًا لا ينازعه فيه منازع إذا أطاعه عرف له موضع طاعته وأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه. يقول: فأي هذين أحسن حالًا وأروح جسمًا وأقل تعبًا ونصبًا).\nوبنحوه ذكر القرطبي فقال: (هذا الذي يخدم جماعة شركاء، أخلاقهم مختلفة،","vol":"6","page":643},{"text":"ونياتهم متباينة، لا يلقاه رجل إلا جزه واستخدمه، فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله لا يُرضي واحدًا منهم بخدمته، لكثرة الحقوق في رقبته، والذي يخدم واحدًا لا ينازعه فيه أحد. إذا أطاعه وحده عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأيهما أقل تعبًا، أو على هدى مستقيم). وقوله ﴿مَثَلًا﴾ صفة على التمييز، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما. واقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس واللَّه تعالى أعلم.\nوقد ورد نحو هذا المثل في السنة الصحيحة، فشبه ﵇ من امتثل طاعة اللَّه وحده بالعامل أخذ الأجر كله آخر يومه وبمن تجاذبته الأهواء والوجهات فترك العمل بمنتصف النهار دون أن يكمل ويأخذ أجره.\nفقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي موسى عن النبي -ﷺ- قال: [مثل المسلمين واليهود والنصارى، كمثل رجلٍ استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عمِلنا لك، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوه، فاستأجرَ أجراء بعدّهم، فقال: اعملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر، فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصرِ قالوا: لك ما عمِلنا، ولكَ الأجرُ الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم، فإنما بقي من النهار شيءٌ يسيرٌ، فأبوا، فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقيةَ يومِهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلكَ مثلُهم، ومثلُ ما قبلوا من هذا النور] (١).\nوأما قوله: ﴿رَجُلًا﴾ فهو بدل من ﴿مَثَلًا﴾ منصوب مثله، أو هو منصوب بنزع الخافض والتقدير: ضرب اللَّه مثلًا برجل. وقوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ قال الفراء: أي مختلفون. وقال الرازي: (شُكْسٌ) بوزن (قُفْل) أي صَعْب الخُلُق، وفي قوله تعالى: ﴿شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ قال: أي مختلفون عَسِرو الأخلاق. وهو من شَكسَ يَشكُسُ شُكسًا فهو شَكِسٌ مثل عَسُرَ يَعْسُرُ عُسْرًا فهو عَسِرْ. قال الزمخشري: (والتشاكس والتشاخس الاختلاف).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٨) - كتاب مواقيت الصلاة - باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب. وانظر كذلك الحديث (٢٢٧١) - كتاب الإجارة.","vol":"6","page":644},{"text":"وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مَنْ اختُلِفَ فيهِ خير أم من لم يُخْتَلَف فيه؟).\nوقال ابن جرير: (بل أكثر هؤلاء المشركين باللَّه لا يعلمون أنهما لا يستويان فهم بجهلهم بذلكَ يعبدون آلهة شتى من دون اللَّه). وقال ابن كثير: (أي فلجهلهم يشركون باللَّه).\nوغاية القول: أَنَّ هؤلاء بشركهم قد أعماهم اللَّه عن الحق أن يتبعوه، وعن نور الوحي أن يمشوا به، ما دام قد ظهر عليهم حب الكبر والظهور والرياء والعناد، فعاقبهم اللَّه بما انتكسوا وبما خضعوا لشهوات عقولهم ودنياهم، بأن أبقاهم في ورطة الشرك والضلال.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.\nقال الفرّاء: (الميّت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والمَيْتُ بالتخفيف من فارقته الروح، فلذلكَ لم تخفف هنا).\nوأنشد أبو عمرو:\nوتسألني تفسير ميت وميّت ... فدونكَ قد فسرت إن كنتَ تعقلُ\nفمن كان ذا روع فذلكَ ميّتٌ ... وما الميتُ إلا من إلى القبرِ يحملُ\nوعن قتادة قال: (نُعِيَتْ إلى النبي -ﷺ- نفسُه، ونُعِيت إليكم أنفُسكم).\nقال القرطبي: (فاحتمل خمسة أوجه:\nأحدها: أن يكون ذلكَ تحذيرًا من الآخرة.\nالثاني: أن يذكره حثًا على العمل.\nالثالث: أن يذكره توطئة للموت.\nالرابع: لئلا يختلفوا في موتهِ كما اختلفت الأمم في غيره، حتى أن عمر ﵁ لما أنكر موته احتج أبو بكر ﵁ بهذه الآية فأمسك.\nالخامس: ليعلمه أن اللَّه تعالى قد سوّى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره، لتكثر فيه السلوة وتقل فيه الحسرة).\nوقال الشوكاني: (ووجه هذا الإخبار الإعلام للصحابة بأنه يموت. فقد كانَ بعضهم","vol":"6","page":645},{"text":"يعتقد أنه لا يموت مع كونه توطئة وتمهيدًا لما بعده حيث قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾).\nوهناك من قرأها: \"مائت ومائتون\"، ولكن قراءة الجمهور أشهر ﴿مَيِّتٌ﴾ و﴿مَيِّتُونَ﴾. وأما الاختصام ففي معناه أقوال:\nالأول: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال: يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر). وقال أبو العالية: (نزلت في أهل القبلة وذلكَ في الدماء والمظالم التي بينهم).\nالثاني: عن ابن زيد: (أهل الإسلام وأهل الكفر).\nالثالث: قيل: بل هو اختصام أهل الإسلام. ففي الأثر عن ابن عمر قال: (لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ فقلنا: وكيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد، حتى رأيتُ بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها فينا نزلت).\nوبنحوه أُثِرَ عن أبي سعيد الخدري قوله: (كنا نقول ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فمَا هذه الخصومة؟ فلما كان يومُ صِفّين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا).\nوعن إبراهيم النَّخعي: (لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يقولون: ما خصومتنا بيننا؟ فلما قتل عثمان ﵁ قالوا: هذه خصومتنا بيننا).\nالرابع: قيل المعنى تربص الكفار بموت النبي -ﷺ-. قال النسفي: (كانوا يتربصون برسول اللَّه -ﷺ- موته فأخبر أن الموت يعمهم فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني، قال: فتَحْتَجّ أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا واجتهدت في الدعوة فلّجوا في العناد).\nقلت: والراجح عندي أن الآية عامة فلا حاجة لكم أيها المشركون أن تنتظروا موت محمد لتشعروا كما يخيّل إليكم بالأمن فإن الأمن هو الحق ودولته وما سوى ذلكَ فهو الخطر والقلق والخوف، فإنكم ماضون جميعًا عن هذه الحياة خارجون منها وإنما يبقى الحق ويبقى الإسلام، ثم تردون إلى عالم الغيبِ والشهادةِ فَيُبَيِّنُ لكم الفصل في ما كنتم تختلفون، ويكشف أمام خلقه سوء النية والمكر الذي كنتم تُبَيِّتُون، وفي ذلكَ اليوم","vol":"6","page":646},{"text":"يُقتصّ للمظلوم من ظالمهِ، وللمغدور من غادره، وللصادق من كاذبه، وللعالمِ من خائنه وواضع حقه.\nكما قال جل ثناؤه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [من كانت عنده مَظْلَمةٌ لأخيه من عرضه (١) أو ماله، فليؤدها إليه، قبل أن يأتي يوم القيامةِ لا يقبل فيهِ دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه وأعطي صاحبهُ، وإن لم يكن له عمل صالح، أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه] (٢).\nوأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا دراهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتهُ قبل أن يمضى ما عليهِ أُخذ من خطاياهم فطرحت عليهِ، ثم طرح في النار] (٣).\nوفي صحيح الحاكم والسياق له -وكذا رواه أحمد وابن ماجة- عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: [من مات وعليه دين، فليس ثئم دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات] (٤).\nوأخرج الترمذي بسند حسن عن الزبير قال: [لما نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال الزبير: يا رسول اللَّه، أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال: نعم. فقال: إن الأمر إذن لشديد] (٥).\n_________\n(١) العِرْضُ: موضع المدح والذم من الإنسان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٥٣٤) - كتاب الرقاق. وانظر كذلك (٢٤٤٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٨١) - كتاب البر والصلة. باب تحريم الظلم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٢٧)، وابن ماجة، وأحمد (٢/ ٧٠ - ٨٢)، وسنده صحيح.\n(٥) حسن الإسناد. أخرجه الترمذي في التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٥٨٣).","vol":"6","page":647},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.\nأي: فلا أحد أعظم جرمًا ممن كذَبَ على اللَّه وافترى عليهِ الكذب فنسب لهُ الولد ونسب لهُ البنات على أنهم الملائكةُ ونسبوا له شركاء الجن وخلقهم، فاللَّهُ جل ثناؤه تعالى أن يكونَ لهُ ولد أو صاحبة أو شريك فهو الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لهُ كفوًا أحد.\nوعن قتادة: (﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾: أي بالقرآن). وقال النسفي: (﴿إِذْ جَاءَهُ﴾: فاجأهُ بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية أو اهتمام بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون).\nوقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ﴾ هو استفهام إثبات وتقرير. ﴿مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ أي مقام للجاحدين والمعاندين. وهو مشتق من ثوى يثوي ثواءً وثُوِيًا. يقال: ثوى فلان بالمكان إذا أقام به. فإن جهنم دار إقامة للمكذبين المستكبرين.\nوقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ فيه أقوال:\nالأول: عن ابن عباس: (يقول: من جاء بلا إله إلا اللَّه ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: رسوله).\nالثاني: قيل المقصود النبيّ وأبو بكر. فعن أسيد بن صفوان عن عليّ ﵁: (في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ﴾ قال: محمد -ﷺ- ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أبو بكر ﵁).\nالثالث: قيل المقصود النبي وعليّ. قال مجاهد: (النبي ﵇ وعلي ﵁).\nالرابع: قيل المقصود جبريل ومحمد ﵇. فعن السُّدي قال: (الذي جاء بالصدق جبريل ﵇، والذي صدق به محمد -ﷺ-).\nالخامس: قيل بل المراد النبي -ﷺ- والمؤمنون. قال قتادة: (هذا رسول اللَّه -ﷺ- جاء بالقرآن وصدّق به المؤمنون).\nالسادس: المؤمنون يجيئون بالقرآن يوم القيامة. فعن النخعي ومجاهد قال: (المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا","vol":"6","page":648},{"text":"ما فيه). وفي رواية عن مجاهد قال: (هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة يقولون: هذا الذي أعطيتمونا، فاتبعنا ما فيه).\nقلت: والآيةُ بإعجازها تشمل كل ما ذكر، فمن جاء بالصدق يتضمن جبريل ﵇ وهذا النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم، وصحابته المؤمنين. ومن صدق به فهم كل من قام بهذا الأمر من لدن أصحاب النبي -ﷺ- إلى يوم القيامة، فهو يشمل كل من دعا إلى (لا إله إلا اللَّه) والقيام بلوازمها والحكم بمقتضاها وكل من حمل الأمانة بصدق وقام بالقرآن بأمانة وعلم إلى يوم يرث اللَّه الأرض ومن عليها.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: اتقوا الشرك). والتقوى من أجَلِّ الرغائب وهي طريق النجاة يوم القيامة والفوز بالنعيم ورغد العيش كما قال سبحانهُ في الآية التي بعدها:\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. قيل: الثناء في الدنيا والنعيم في الآخرة. كما قال جل ثناؤه في سورة \"ق\": ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣١ - ٣٥].\nوفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّهُ تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هو كقوله جلّ ثناؤه في سورة الأحقاف: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم كيْ يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال فيما بينهم وبين ربهم بما كان منهم فيها من توبة وإنابة مما اجترحوا من السيئات فيها ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ويثيبهم ثوابهم ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مما يرضي اللَّه عنهم دون أسوئها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤)، ورواه أحمد، وغيرهم.","vol":"6","page":649},{"text":"وقال القرطبي: (﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾: أي يكرمهم ولا يؤاخذهم بما عملوا قبل الإسلام).\nوجملة المعنى: أنَّ المؤمن حياته كلها خير، إن كان عنده سيئات فمدّ اللَّهُ له في العمر استغفر واستعتب منها وأكثر من الأعمال الصالحات، فبارك اللَّه له في حياته ورفع له في الجنة درجاته باحسن أعماله في الدنيا، فإن من الأعمال أعمالًا لا يعلم وزنها وقيمتها إلا اللَّه، فليكثر المؤمن من الأعمال العالية التي لا ينالها كثير من الناس عسى اللَّه أن يرفعه بها إلى حيث لا يحتسب ويتجاوز بها عن بعض الزلات والعيوب والسيئات. فقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره: [أنه قال لرسول اللَّه -ﷺ-: أرأيتَ أمورًا كنت أتحنَّث (١) بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلةِ رحم، أفيها أجر؟ فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: أسلمت على ما أَسْلفْتَ من خير] (٢).\nولهذا كان من غير الجائز أن يتمنى المسلم الموت لمرض أو حزن أو أصابه فإنه لا يدري في أي حياتهِ وأيامهِ يكون له الخير. فقد روى الحاكم ووافقه الذهبي عن أم الفضل ﵂: [أن رسول اللَّه -ﷺ- دخل عليهم وعباس عم رسول اللَّه -ﷺ- يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: يا عم! لا تتمنَّ الموت، فإنكَ إن كنتَ مُحسنًا، فأن تؤخر تزداد إحسانًا إلى إحسانكَ خير لك، وإن كنتَ مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمن الموت] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.\nقال السدي: (﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ يقول: محمد -ﷺ-). وقال ابن زيد: (بلى واللَّه ليكفينه اللَّه ويعزه وينصره كما وعده). وقال القاسمي: (أي نبيّه -ﷺ- أن يعصمه من كل سوء ويدفع عنه كل بلاء في مواطن الخوف). وقال الجرجاني: (إن اللَّه كافٍ عبده المؤمن وعبده الكافر هذا بالثواب وهذا بالعقاب).\nوفي قراءة قراء بعض أهل المدينة والكوفة: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ أي محمدًا\n_________\n(١) أي أتعبّد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١٢٣)، كتاب الإيمان، ح (١٩٤)، (١٩٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٣٣٩)، وسنده على شرط الإمام البخاري.","vol":"6","page":650},{"text":"وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء. في حين قرأها قراء البصرة وعامة قراء المدينة ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ أي محمدًا. وكلاهما مشهور.\nوعن قتادة: (﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: قال: الآلهة. قال: بعث رسول اللَّه -ﷺ- خالد بن الوليد إلى شعب بِسُقام (١) ليكسر العزى فقال سادنها وهو قَيِّمُها: يا خالد أنا أحذّركها، إن لها شدّة لا يقوم إليها شيء. فمَشى إليها خالد بالفأسِ فَهَشَّمَ أنفها).\nوعن السُّدي: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: يقول بآلهتهم التي كانوا يعبدون.\nوهذه الآية تسلية من اللَّه لنبيّه ﵊ مما يلقاه من المكذبين كما لقي الأنبياء قبله من أقوامهم. فهود ﵇ قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]. فجاءت هذه الآية تثبيتًا من اللَّه وحثًا لنبيهِ علي متابعة الطريق كما قال له في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. وهي لمن بعدهُ منهج وطريق، فإن من أخبت للَّه وحقّق لهُ كامل العبادةِ فليهنأ بحماية اللَّه وبكفايتهِ له كما قال سبحانه في سورة الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨]. وكما قال فى سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].\nوفي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه يقول: يا ابنَ آدم! اكفني أولَّ النهار أربعَ ركعاتِ أكفِكَ بهن آخرَ يومكَ] (٢).\nوفيه أيضًا عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرَّغْ لعبادتي أملأ صدركَ غنى وأسُدَّ فقركَ، وإن لا تفعل ملأتُ يديكَ شغلًا ولم أسدَّ فقركَ] (٣). ورواهُ الترمذي وابن ماجة والحاكم.\nوكذلكَ فقد أخرج الطبراني في \"الكبير\"، والحاكم بسند صحيح عن فضالة بن عبيد\n_________\n(١) هو واد بالحجاز حمته قريش للعزى يضاهئون به حرم الكعبة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد من حديث عقبة بن عامر. انظر صحيح الجامع (١٩٠٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٨)، والترمذي (٣/ ٣٠٨)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٥)، ورواه ابن حبان في \"صحيحه\" -حديث رقم- (٢٤٧٧).","vol":"6","page":651},{"text":"الأنصاري، أنه سمعَ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [أفلح من هُدِيَ إلى الإسلام، وكان عيشهُ كفافًا وقنع به] (١).\nوبنحوهِ في المسند وجامع الترمذي عن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [لو أنكم تتوكلون على اللَّه تعالى حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطيرَ، تغدو خِماصًا، وتروحُ بِطانًا] (٢).\nفإذا كفى اللَّهُ عبده المؤمن فلا طاقة لأحد في إقلاقه، وإذا تولى اللَّهُ عبدًا فلا سبيل لأحدٍ إلى إيذائهِ.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾.\nأي: من أعمى اللَّه على قلبهِ وبصيرتهِ -عدلًا منه سبحانه نتيجةَ تماديه- فلا سبيل إلى هدايتهِ، وهذا شأن من لم يعرف تولي اللَّه وكفايته لهذا النبي الكريم فيخوفونه بمخلوقات وأحجار لاتضر ولا تنفعُ سائلها، وكذلكَ فإن من كتب اللَّه له الهداية -لعلمه سبحانهُ بحرصه عليها وخوفه من مغبةِ التفريط فيها- فإنه لا سبيل لأحد إلى غوايتهِ ما دام هو في حماية اللَّه جل ثناؤه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي منيع الجناب لا يضامُ من استند إلى جانبهِ، فإنه العزيز الذي لا أعزَّ منه، والمنتقمُ ولا أشد انتقامًا منه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله -ﷺ-).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.\nهذا الاعتراف قد ذكر في أكثر من موضع، فقال جلّ ذكره في سورة العنكبوت: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وقال في سورة الزخرف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فإذا كنتم تقرون بأنه الخالق فلم تخضعون لغيره، وإذا كنتم تقرون بأنه الرازق فلم تسألون حجرًا أو قبرًا أو صالحًا مضى لا يملكُ لنفسه ضرًّا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ١٢٢)، والترمذي (٢٣٤٩)، وأحمد (٦/ ١٩). وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\"، وله شواهد.\n(٢) أخرجه الترمذي في السنن (٢٣٤٤). انظر صحيح سنن الترمذي (١٩١١)، ورواه أحمد.","vol":"6","page":652},{"text":"ولا نفعًا ولا حياةً ولا نشورًا. وإذا كنتم تقرون بأنه المحيي والمميت فلم تلتمسون الشفاعة من غيره، أفإن أصابني اللَّه بشدة وضنك في معيشتي هل هن قادرات على كشف الضر عني وتخليصي مما أصابني، ولئن أرادني الرحمان برحمة وسعة في العيش ورغد في العافية وبسط في المال والرزق، ورخاء وغبطة وسرور، هل هن ممسكات عني ما أراد أن يصيبني به من تلك العافية والرحمة وذلكَ الخير. قال مقاتل: (فسألهم النبي -ﷺ- فسكتوا).\nقال ابن جرير: (وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، والمعنى فإنهم سيقولون لا).\nوهي في قراءة أهل البصرة والمدينة: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾، ﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾. وأما قراءة نافع وابن كثير وأهل الكوفة فهي ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾، ﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾. وكلاهما مشهور بين القراء.\nوقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. هو كقوله في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣].\nوفي المسند للإمام أحمد وفي جامع الترمذي ومعجم الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: [يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ اللَّه يحفظك، احفظِ اللَّه تجدهُ تجاهَكَ، إذا سألتَ فاسأل اللَّه، وإذا استعنتَ فاستعن باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوكَ بشيء، لم ينفعوكَ إلا بشيء قد كتبه اللَّه لكَ، ولو اجتمعوا على أن يضروكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللَّه عليكَ، جفّت الأقلامُ ورفعت الصحف] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.\nقال مجاهد: (قوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ قال: على ناحيتكم). وقال ابن جرير: (قل يا محمد لمشركي قومك الذين اتخذوا الأوثان والأصنام آلهة يعبدونها من دون اللَّه، اعملوا أيها القومُ على تمكنكم من العمل الذي تعملون ومنازلكم، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ كذلك على تؤدة، على عمل من سلف من أنبياء اللَّه قبلي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا جاءكم بأس اللَّه مَن المحق منا من المبطل والرشيد من الغويّ). وقال القاسمي:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد، والترمذي (٢٥١٦). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٤٣).","vol":"6","page":653},{"text":"(﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: أي حالتكم التي أنتم عليها، من العداوة ومناصبة الحق). وقال الشوكاني: (أي على حالتكم التي أنتم عليها وتَمَكَّنْتُم منها ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على حالتي التي أنا عليها وتمكنت منها. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ قال: أي يهينه ويذله في الدنيا، فيظهر عند ذلكَ أنه المبطل وخصمه المحق، والمراد بهذا العذاب عذاب الدنيا وما حلَّ بهم من القتل والأسر والقهر والذلة. ثم ذكر عذاب الآخرة فقال: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي دائم مستمر في الدار الآخرة وهو عذاب النار).\nقلت: وغاية المعنى أَنَّ ذلكَ تهديدٌ من اللَّه لهم على تماديهم في الكذب والعناد واتباع ملة الآباء، والتعامي عن الوحي ونور القرآن، واتخاذ الأصنام والأوثان بدعوى الشفاعة ولا برهان، فاعملوا على طريقتكم -أيها القوم- التي ارتضيتم، ومنهجيتكم التي إليها تحاكمتم، فإني سامضي على طريقتي ومنهجي، وستعلمون وبال ذلكَ حين تعاينون عذاب الدنيا وجحيم الآخرة، وقد صدق اللَّه العظيم، فأذاقهم الذل يوم بدر ودُقّت أعناقهم ونكست رؤوسهم، وأهانهم بالجوع والسيف ثم هم في الآخرة من المقبوحين.\nوقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه عن عبد اللَّه قال: [بينا رسول اللَّه -ﷺ- ساجد (وفي رواية: أن النبي -ﷺ- كان يصلي عند البيت) وأبوِ جهل وأصحابٌ له جلوس إذ قال بعضهم لبعض: أيُّكم يجيءُ بِسَلَى جَزور بني فلان فيَضَعُهُ على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به فنظر حتى سجد النبي -ﷺ- وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أُغني شيئًا لو كان لي مَنَعَةٌ، قال: فجعلوا يضحكون ويُحيلُ بعضُهم على بعض ورسول اللَّه -ﷺ- ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره، فرفع رسول اللَّه -ﷺ- رأسهُ ثم قال: اللهم عليكَ بقريش ثلاث مرات، فشَقَّ عليهم إذ دعا عليهم. قال: وكانوا يَرَوْن أنَّ الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمّى: اللهم عليكَ بأبي جهل وعليك بعُتْبةَ بنِ ربيعةَ وشيبةَ بن ربيعة والوليدِ بن عتبة، وأميةَ بن خلف وعقبة بن أبي مُعَيْط وعدَّ السابع فلم يَحفَظْ قال: فوالذي نفسي بيدهِ لقد رأيتُ الذين عدَّ رسول اللَّه -ﷺ- صرعى في القليب قليب بدر] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٠) - كتاب الوضوء. وانظر كذلك الأحاديث (٥٢٠)، (٢٩٣٤)، (٣١٨٥)، (٣٨٥٤)، (٣٩٦٠) - لتفصيل الروايات.","vol":"6","page":654},{"text":"وقد فُصّل هذا الموقف في مسند الإمامِ أحمد يرويه عن عائشة قالت: [أمَرَ رسول اللَّه -ﷺ- بالقَتْلى أنْ يُطْرَحوا في القليب فطُرحوا فيه إلا ما كانَ من أميةَ بن خلف فإنه انتفخَ في درْعِه فملأها فذهبوا يُحَرِّكوه فتزايل فأقرّوه وألقوا عليه ما غيَّبَهُ منَ التُّراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم رسول اللَّه -ﷺ- فقال يا أهل القليب! هل وجدتم ما وعدَ ربُّكم حقًا فإني قد وَجدْتُ ما وعدني ربي حقًا. فقال له أصحابهُ: يا رسول اللَّه أتكلم قومًا موتى! فقال لهم: لقد عَلِموا أن ما وَعدْتُهُمْ حق] (١).\nثم يوم القيامة يخزيهم ويذيقهم أشد العذاب وهم يصطرخون في نار جهنم ربنا أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل، ولكن هيهات فلقد حقت كلمة العذاب على الكافرين.\n\n٤١ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨) فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (١/ ٢٦)، (٣/ ١٠٤ - ١٨٢)، وصحيح مسلم (٢٨٧٣).","vol":"6","page":655},{"text":"يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يوجه اللَّه سبحانهُ خطابه إلى نبيّه ﵇: هذا القرآن قد أنزلناهُ عليك لتنذر به جميع الخلق إنْسَهم وجنّهم ولتعرفهم سبيل النجاة ومعنى الأمن في الدنيا والآخرة، فمن رضي بطريق الوحي واهتدى لطريقِ السعادة فإنما يعود بالنفع على نفسهِ، ومن أصر على الضلال، وطريقِ الغي والشهوات فإنما عليهِ الوبال، وما أنت يا محمد بموكل عليهم حتى يهتدوا إنما أنتَ نذير، فاللَّه هو سبحانه يملك قلوبهم وأرواحهم، فإن الأنفس التي كتب عليها مُفارقة الحياة فتخرجُ منها أرواحها وتفارق أبدانها وتُبطل تصرفاتها بالكلية، وأما تلك التي لم يحن موتها فتقبض عند النوم ويبطل تصرفها بالحواس الظاهرة، ثم يعيدها إلى أن يأتي أجلها وينقضي عمر صاحبها فإذا خرجت عندئذ فلا تعود، إنَّ في ذلكَ لذكرى واعتبارًا، فكذلك الإيمان والضلال، يثبت الإيمان ويتزحزح أو يتغير أو يموت كلّ ذلكَ بعلم اللَّه كالآجال، ويا ويلهم إذ لم يعتبروا يوم اتخذوا الشفعاء على صورة الأصنام، يظنون الصلة عبر الحجارة إلى خالق الأنام، وهي جمادات ومخلوقات وأوثان، لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، فاللَّهُ هو المتصرف وحده، وإليهِ يرجعُ الأمر كله، ويا ويلهم تنقبض قلوبهم إذا ذكر اللَّه وحده، وتشمئز نفوسهم إذا أفرد بالتعظيم لا شريك له، وإذا ذكرت آلهتهم تهللت وجوههم، واستبشرت قلوبهم، بل اللَّه فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة سيحكم بينهم، ويوم القيامةِ يتمنى المشركون أن يفتدوا من العذاب بأموال الدنيا وزينتها، وبأضعاف ذلكَ من بهجتها وعرضها، حين يبصرون ما لا يتوقعون من أهوالها، ويعاينون سوء ما اجترحوا من آثامها، فهذا شأن الإنسان يلجأ إلى اللَّه عند المصيبة، ويجأر إليهِ عند الشدةِ، أما في الرخاء فيستسلم لغواية الشيطان فينسب العلم لنفسه من دون الرحمان، وبأنه هو صانعُ القرار والخير ومدبر الأمر بإتقان، فقد ضلت بذلكَ من قبلهم أمم على مر الزمان، ونالوا نكالَ الغرور الذي أصابهم على مر الأيام، وهذا مصير هؤلاء المشركين اليوم الخائضين في متاهات الكبر والعجب وحالك الظلام، فاللَّهُ","vol":"6","page":656},{"text":"هو الذي يقسم الرزق والخير وهو مدبرُ الأمر لو كانوا يدركونَ ويوقنون شأن أهل الإيمان. فإلى تفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. يشبه آية البقرة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]. ويشبه آية فاطر: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر: ٣١]. فإن القرآن هو الحق نزل لينقذ الناس من ظلمات الهوى وتدلي الشهوات ليرفعهم اللَّه به في طريق الطاعات، وإشباع الغرائز بالسبل المشروعات المأجورات، لا في طرق الشياطين الساقطات، فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه وعمل لسعادة مستقبله ومن اختار الضلال فقد ضر نفسه وأسهم في شقائها يوم القيامةِ. وما أنت عليهم يا محمد بوكيل فما كان لك أن تجبرهم على الهدى فإنما عليكَ البلاغ واللَّهُ يتولى القلوب.\nفقد أخرج ابن ماجة في السنن عن النواس بن سمعان قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [ما من قلب إلا بين إِصْبَعين من أصابع الرحمان إن شاء أقامهُ وإن شاء أزاغه. وكان رسول اللَّه -ﷺ- يقول: يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينكَ. قال: والميزانُ بيد الرحمان يَرْفَعُ أقوامًا ويَخْفِضُ آخرين إلى يوم القيامة] (١).\nورواه أحمد ولفظه: [ما من قلبٍ إلا وهو بين أُصْبُعَين من أصابع رب العالمين إن شاء أن يقيمه أقامهُ وإن شاء أن يُزيغهُ أزاغه. وكان يقول: يا مقلب القلوب ثبِّتْ قلوبنا على دينك، والميزانُ بيدِ الرحمان ﷿ يخفضُهُ ويَرْفَعُه].\nثم روى نحوه من طريق عائشة قالت: [دعواتٌ كان رسول اللَّه -ﷺ- يُكثِرُ أن يَدْعُوَ بها: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: فقلت يا رسول اللَّه إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء فقال: إن قلب الآدمي بين أصبُعين من أصابع اللَّه ﷿ فإذا شاء أزاغهُ وإذا شاء أقامهُ].\nثم ذكر رواية جامعة من طريق أم سلمة: أتُحدِّثُ أن رسول اللَّه -ﷺ-، كان يكثر في دعائه أن يقول: اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: قلت: يا رسول اللَّه!\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٩٩)، وأحمد (٤/ ١٨٢)، بسند صحيح. وانظر للروايات الأخرى مسند أحمد (٢/ ١٦٨)، (٦/ ٣١٥)، وجامع الترمذي (٢/ ٢٦٧)، وصحيح ابن حبان (٢٤١٩)، ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٢١).","vol":"6","page":657},{"text":"أو إن القلوب لتتقلب؟ قال: نعم. ما خلق اللَّه من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين أُصبَعين من أصابع اللَّه، فإن شاء اللَّه ﷿ أقامه وإن شاء اللَّه أزاغه، فنسأل اللَّه ربنا ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألهُ أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. قالت: قلت يا رسول اللَّه! ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلى قولي: اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مُضِلاتِ الفتن ما أحييتنا].\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. هو كقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. أي فما جعلنا أمر القلوب بيدك تدخل الإيمان إليها إذا شئت، بل ذلكَ من أمر اللَّه لا يشاركه فيه أحد.\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nأما قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي يقبضها عند فناءِ آجالها واستيفاءِ أعمارها. قال الشوكاني: (أي يقبضها عند حضور أجلها ويخرجها من الأبدان). وأما صفة القبض فهي كما قال سبحانهُ في سورة الواقعة: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧].\nوكما روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا خرجت روحُ العبد المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها -فذكر من ريح طيبها- ويقول أهل السماء: روح طيبة، جاءت من قبلِ الأرض، صلى اللَّه عليك، وعلى جسدٍ كنتِ تعمرينهُ، فينطلقُ به إلى ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل، وإن الكافر إذا خرجت روحُه -فذكر من نتنها- ويقول أهل السماء: روحٌ خبيثة جاءت مِنْ قِبلِ الأرض، فيقالُ: انطلقوا بهِ إلى آخرِ الأجل] (١).\nوفي مسند أحمد بسند حسن عن شداد بن أوس عن النبي -ﷺ- قال: [إذا حضرتم مَوْتاكم فأغمضوا البَصَرَ، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإن الملائكةَ تُؤَمِّنْ على ما يقول أهل البيت] ورواهُ ابن ماجه والحاكم (٢).\nوكذلكَ أخرج النسائي والحاكم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [إذا حُضِرَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٧٢) - كتاب الجنة ونعيمها.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٢٥)، وابن ماجه (١/ ٤٤٤)، والحاكم (١/ ٣٥٢).","vol":"6","page":658},{"text":"المؤمن، أتته ملائكةُ الرحمةِ بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضيةً مرضيًّا عنكِ، إلى روح وريحانٍ، وربٍّ غير غضبانَ، فيخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناولهُ بعضهم بعضًا، حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيبَ هذا الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتونَ به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدُم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوهُ فإنّه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهِبَ بهِ إلى أمِّهِ الهاويةِ، وإن الكافرَ إذا حُضِرَ أتَته ملائكة العذابِ بِمِسحٍ، فيقولون: اخرُجي ساخطةً مسخوطًا عليكِ، إلى عذاب اللَّه، فيخرجُ كأنتنِ ريحٍ جيفة، حتى يأتُوا بِها باب الأرض، فيقولون ما أنتنَ هذهِ الريح؟ حتى يأتوا بها أرواحَ الكفَّار] (١).\nوأما قوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ففيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: قيل يقبضها عن التصرف والتمييز مع بقاء الأرواح في أجسادها.\nقال الزجاج: (لكل إنسان نفسان: أحدهما نفس التمييز وهي التي تفارقهُ إذا نامَ فلا يعقل، والأخرى نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس). وقال الفراء: (المعنى ويقبض التي لم تمت عند انقضاء أجلها. قال: وقد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا: والتي لم تمت وفاتها نومها). قال ابن زيد (فالنومُ وفاة).\nوقال القاسمي ﵀: (﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي مفارقتها لأبدانها، بإبطال تصرفها فيها بالكلية، ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ أي ويتوفى التي لم يحن موتها في منامها، بإبطال تصرفها بالحواس الظاهرة ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ أي فلا يردها إلى بدنها إلى يوم القيامة ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: هو نوم آخر أو موت ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي فيما ذكر من التوفي على الوجهين ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي في كيفيةِ تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها).\nالتأويل الثاني: قيل المعنى: أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف.\nفعن سعيد بن جبير قال: (إن اللَّه يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء اللَّه أن تتعارف. قال: يجمعُ بين أرواحِ الأحياء وأرواحِ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (١٧٢٩) ص (٣٩٥). ورواه الحاكم.","vol":"6","page":659},{"text":"الأموات فيتعارف منها ما شاء اللَّه أن يتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت ويُرسل الأخرى إلى أجسادها).\nوعن السدي قال: (تُقْبَضُ الأرواح عند نيام النائم فتقبضُ روحه في منامهِ، فتلقى الأرواح بعضها بعضًا أرواح الموتى وأرواح النيام، فتلتقي فتتساءل. قال: فيخلى عن أرواح الأحياء فترجع إلى أجسادها وتريد الأخرى أن ترجعَ فَيَحْبِس التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، قال إلى بقية آجالها). قال ابن عباس: (يمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء).\nوقد ذكر هذا المعنى الحافظ ابن كثير في التفسير حيث قال: (فيه دلالة على أنها تجتمع في الملأ الأعلى، كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا آوى أحدكم إلى فراشهِ فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعهُ، إن أمسكتَ نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادكَ الصالحين]).\nالتأويل الثالث: قيل المرادُ التمييز بينَ النفس والروح.\nفقد رُوي عن ابن عباس قوله: (في ابن آدم نفس وروح بينهما شعاع مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض اللَّه نفسه ولم يقبض روحه).\nالتأويل الرابع: قيل بل المراد التعريف بميكانيكية الرؤيا والأحلام.\nفقد ذُكر عن علي ﵁ قوله: (تخرج الروحُ عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا انتبهَ من النوم عاد الروح إلى جسدهِ بأسرع من لحظة). كما ذكر عنه قوله: (ما رأت نفس النائم في السماء فهي الرؤيا الصادقة وما رأت بعد الإرسال فيلقنها الشيطان فهي كاذبة).\nقلت: وهذا البحث من أدق الأبحاث في الإسلام وأكثرها غموضًا عند كثير من الناس فضلًا عن مشايخهم، وهو من الأمور الغيبية التي أطلعنا اللَّهُ على بعض دقائقه وتفصيلاته. والراجح لدي في معنى الآية هو التأويل الأول، فيتوفى اللَّه الأنفس التي انقضت آجالها، فتفارق أرواحها أبدانها، وتبطل التصرفات منها بالكلية، وأما التي ما زالت تنتظر بقية ما قُسِمَ وقُدِّرَ لها، فيحصلُ لها موت جزئي في منامها، فإن النومَ","vol":"6","page":660},{"text":"يشبه الموت في بعض مظاهره، فاللَّه سبحانهُ قد أطلق لفظ الوفاة في القرآن على ثلاثة معان: الأول: الوفاة بمعنى انقضاء الأجل. كقوله في سورة النحل: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]. وكقوله في سورة محمد: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]. وكقوله هنا في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾.\nالثاني: الوفاة بمعنى النوم. كقوله سبحانه في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وكقوله هنا في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾.\nالثالث: الوفاة بمعنى الرفع والمغادرة. كقوله سبحانه في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]. قال مطر الوراق: (إني متوفيكَ من الدنيا وليسَ بوفاة موت). وكذا قال ابن جرير: (توفيه هو رفعه). وكقوله في سورة المائدة: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].\nوفي آية الزمر هنا فإن الوفاة أطلقت على النوم في حق من لم ينقض أجله بعد، كما روى البيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن جابر، عن النبي -ﷺ- قال: [النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة] (١). وكذلكَ ما في الصحيحين عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا أوى أحدُكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليضطجع على شِقّهِ الأيمن ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبكَ أرفعهُ، فإن أمسكتَ نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادكَ الصالحين] ورواه أبو داود (٢).\nوفي لفظ: (فاغفر لها) بدل (فارحمها).\nوقد روى الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا استيقظَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٣٦/ ٢)، وأخرجه البزار (ص ٣١٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤)، وأبو داود (٥٠٥٠)، وغيرهم.","vol":"6","page":661},{"text":"أحدكم فليقل: الحمدُ للَّه الذي ردَّ عليَّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذِنَ لي بذكره] (١).\nوأخرج البخاري عن حذيفةَ قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أخذ مضجعهُ من الليل وضعَ يده تحتَ خده، ثم يقول: \"اللهم باسمكَ أموت وأحيا\". وإذا استيقظَ قال: \"الحمدُ للَّه الذي أحيانًا بعد ما أماتنا وإليه النشور\"] (٢).\nوأما النفس والروح فقد اختلف الناسُ كثيرًا في أمرهما، هل هما شيء واحد أو شيئان مختلفان؟ ويبدو أنهما يتفقان أحيانًا في المعنى ويختلفان أحيانًا أخرى، فإذا اتفقا انصرف المعنى إلى الروح كما قال جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وكقوله في سورة الفجر: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. وكقوله في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾.\nوقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه وأحمد في مسندهِ عن أم سلمة قالت: [دخل رسول اللَّه -ﷺ- على أبي سلمة وقد شق بصرهُ، فأغمضهُ ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكةَ يؤمنون على ما تقولون] الحديث (٣).\nثم عبّر عن الروح بالنفس كما خرّج مسلم عن أبي هريرةَ عنه -ﷺ- قال: [ألم تروا إلى الإنسانِ إذا مات شخصَ بصرُهُ، فذاكَ حينَ يتبعُ بصرهُ نفسَهُ] (٤).\nوكذلكَ خرّج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرةَ عن النبي -ﷺ- قال: [إن الميت تحضرهُ الملائكةُ، فإذا كان الرجلُ صالحًا قال: اخرجي أيتها النفسُ الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرُجي حميدةً، وأبشري بروحٍ وريحانٍ، وربٍّ غير غضبان، فلا يزالُ يقال لها ذلكَ حتى تخرجَ، ثمَّ يُعرجُ بها إلى السماء، فيستفتحُ لها، فيقالُ: من هذا؟ فيقول: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفسِ الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج \"الكلم الطيب\" (٣٤)، (٤٥)، وصحيح الجامع (٣٢٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣١٢)، (٦٣١٤)، كتاب الدعوات. باب ما يقول إذا نام، ورواه أحمد وأصحاب السنن. وبنحوه روى مسلم عن البراء.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٢٠)، وأحمد (٦/ ٢٩٧)، والبيهقي (٣/ ٣٣٤)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٢١)، كتاب الجنائز. \"شَخَصَ\": أي ارتفع ولم يرتد.","vol":"6","page":662},{"text":"حميدةً، وأبشري برَوْحٍ وريحانٍ، وربّ غير غضبان، فلا يزال يُقالُ لها ذلكَ حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها اللَّه ﵎. فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفسُ الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمةً وأبشري بحميم وغسَّاقٍ، وآخرَ من شكله أزواج، فلا يزالُ يقال لها ذلكَ حتى تخرجَ، ثم يعرجُ بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقالُ: من هذا، فيقالُ: فلانٌ، فيقالُ: لا مرحبًا بالنفس الخبيثةِ، كانت في الجسدِ الخبيث، ارجعي ذميمةً، فإنَّها لا تفتّحُ لك أبواب السماء، فترسل من السماءِ، ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالحُ في قبره، غير فزعٍ ولا مَشعوف (١)، ثم يقال لهُ: فيمَ كنتَ؟ فيقول: كنتُ في الإسلام، قال: فيقالُ: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول اللَّه -ﷺ- جاءنا بالبيناتِ من عند اللَّه فصدقناه، فيقال لهُ: هل رأيتَ اللَّه؟ فيقول: ما ينبغي لأحدٍ أن يرى اللَّه، فيفرج له فرجةٌ من قبل النار، فينظر إليها يحطِمُ بعضها بعضًا، فيقالُ له: انظر إلى ما وَقاكَ اللَّه تعالى، ثم يفرجُ له فرجةٌ قبلَ الجنةِ، فينظرُ إلى زهرتِها، وما فيها، فيقال له: هذا مقعدكَ، ويقال له على اليقينِ كنتَ، وعليه مُتّ، وعليهِ تبعث إن شاء اللَّه. ويجلسُ الرجلُ السوءُ في قبره فزعًا مشعُوفًا، فيقال لهُ: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعتُ الناس يقولون قولًا فقُلْتُهُ! فيُفرجُ لهُ فرجةٌ قبل الجنةِ، فينظرُ إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف اللَّه عنك، ثم يفرج له فرجةٌ إلى النار، فينظرُ إليها يحطمُ بعضها بعضًا فيقال: هذا مقعدكَ، على الشك كنتَ، وعليه متّ، وعليه تُبْعَثُ إن شاء اللَّه] (٢).\nوأما إن اختلفا فيراد بالروح شيء وبالنفس شيءٌ ولكن بينهما صلة من النَسب، فالنفس مجموعة من الأحاسيس والمشاعر والرغبات والروح محرك لهذه الأحاسيس، فإذا خرجت الروح سكنت كل هذه الأحاسيس وصار الجسد كالخشب لا يتأثرُ بما حولهُ. فقوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٢٣] وقوله فيها: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] وقوله فيها: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وكقوله في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ. . .﴾ [المائدة:\n_________\n(١) الشعف: شدة الفزع الذي يذهب بالقلب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٢) - كتاب الزهد - باب ذكر الموت والاستعداد له. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٤٣٧).","vol":"6","page":663},{"text":"٤٥]. فالنفسُ هنا تشمل هذه الأحاسيس والمشاعر والرغبات وما تتمناه الغرائز فهي تشملُ من الجسد والروح معًا.\nوفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [ما من نفس تموت لها عند اللَّه خير يسُرُّها أن ترجعَ إلى الدنيا، وأنَّ لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا فيُقتل مرةً أخرى، لما يرى من فضل الشهادة] (١).\nوبين النفس وبين الروح والقلب صلة من النسب، ففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وابن ماجه وصحيح ابن حبان بسند حسن عن معاذ، عن النبي -ﷺ- قال: [ما من نفسٍ تموتُ وهي تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، يرجع ذلكَ إلى قلب موقن، إلا غفر اللَّه له] (٢).\nوكذلكَ في الصحيحين عن علي قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب اللَّه مكانها من الجنةِ والنار، وإلا قد كُتِبَت شقية أو سعيدة، قيل: أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا، ولا تتكلوا، فكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له، أما أهل السعادة فييسّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسّرون لعمل أهل الشقاوة] (٣).\nوفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي -ﷺ- قال: [ما من نفس منفوسةٍ اليوم، يأتي عليها مئة سنة وهي يومئذ حية] (٤). ومعلوم أن السعادة في الدنيا والآخرة على الروح والجسد معًا، وأن الحياةَ تطلق على الجسمِ وأما الروح فلا تموت، وإنما تلازم الإنسان في الدنيا ثم تقبض من جسده الذي يفقد حركته بخروجها ثم يعرجُ بها إلى السماء، فتستقبلُ إن كانت مؤمنة روح مؤمن، وترفضُ إن كانت خبيثة روح خبيث، ثم تعاد إلى قبرهِ فيعيش فيها حياة البرزخ ينعم في قبره بروحه وجسده أو يشقى في قبره بروحهِ وجسده. كما في حديث البراء وفيه: [ثمّ يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فيردُ إلى الأرض، وتعاد روحهُ في جسدهِ، فإنّه يسمع خفقَ نعال أصحابهِ إذا ولوا عنه مدبرين،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١٨٧٧) - كتاب الإمارة - ح (١٠٨)، ح (١٠٩)، باب فضل الشهادة في سبيل اللَّه تعالى.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٢/ ٤١٩)، وابن حبان (٥)، وأحمد (٥/ ٢٢٩)، ورواه النسائي في \"اليوم والليلة\" (١١٣٦ - ١١٣٩). وانظر السلسلة الصحيحة (٢٢٧٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٣٦٢)، وأخرجه مسلم (٨/ ٤٦ - ٤٧).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٣٨)، كتاب فضائل الصحابة، ح (٢١٨).","vol":"6","page":664},{"text":"فيأتيهِ ملكان شديدًا الانتهارِ فينتهرانهِ. . . .] الحديث. ثم قال في الكافر أو الفاجرِ حيث لم تستقبل روحه: [أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرحُ روحه من السماء طرحًا حتى تقع في جسده ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، فتعادُ روحه في جسدهِ، فإنه ليسمعُ خفق نعال أصحابهِ إذا ولوا عنه. .] الحديث. رواه أبو داود والحاكم.\nفائدة: قلت: وبين الفؤاد والعقل والقلب والنفس والروح صلة من النسب، فالفؤادُ يشمل العقلَ والقلب وهو موضع تكليف وسؤال يوم القيامة كما قال سبحانهُ في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وكما في سورة الأحقاف: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. وكقوله في سورة الأنعام: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].\nوالقلبُ هو مركز التفكير والفقه والفهم وليس العقل الذي في الدماغ، بل إن الدماغ متأثر بالقلب الذي هو من جهة مركز حياة الأبدان وموجه حركتها وبتعطله تتعطل الحياة، ومن جهة ثانية فهو مركز الفكر والعقل والفهم والفقه، كما قال جل ثناؤه في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وكما قال سبحانه في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nولكن القلب متصل بذلكَ بالنفس وما تتميز به من تفاعل مع الغرائز وإحساس ومشاعر، ومتصل بالروح بل الروح متصلة بكل هذه الأجزاء محركة لها. فإن قال قائل: لو استبدلنا قلب إنسان بآخر فماذا يجري لعواطفهِ ومشاعره وروحهِ ما دمتم تقولون إن القلب هو مركز التكليف والنية، وإنه يُسمعُ اليوم مثل هذا الاستبدال في الطب ونقل الأعضاء لظروف مرضية؟ قلنا واللَّهُ المستعان: إن القلب ليس وحده الذي يتحرك بل هو جزء من شبكة معقدة جدًا تسري فيها الروح وتنبثق منها عملية الفهم","vol":"6","page":665},{"text":"والإدراك مع مشاركة من الدماغ والعقل، كما تتأثر بها النفس والأحاسيس والمشاعر، والدليل عندي حديث البراء السابق وفيه: [وإن العبد الكافر (وفي رواية الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكةٌ، غلاظٌ شدادٌ، سودُ الوجوه، معهم المسوح من النار فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيءُ ملك الموت حتى يجلسَ عند رأسهِ، فيقولُ: أيتها النفسُ الخبيثة اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرّق في جسدهِ، فينتزعها كما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب]. فإن الروح سُحبت من بين هذه الشبكة المتكاملة التي تقطعت. وهذا ما وُفِّقْتُ له من الربط بعون اللَّه، وما رأيتهُ في تفسير قبل ذلكَ وربما فتح وإلهام لم أسبق إليه واللَّه تعالى أعلم إذ يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال ابن جرير: (إن في قبض اللَّه نفس النائم والميت وإرسالهُ بعدُ نفسَ هذا ترجع إلى جسمها وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرة وعظة لمن تفكر وتدبَّر وبيانًا لهُ أن اللَّه يحيى من يشاء من خلقه إذا شاء ويميتُ من شاء إذا شاء). أي إن مغادرة الأرواح أجسادها مغادرة كلية عند الموت أو جزئية عند النوم وآلية هذه الصلات مع النفس والقلب والروح، وهذا العالم الغامض المليء بالألغاز، وبعلم الغيب، وميكانيكية الأحلام، كل ذلك من أرفع الدلالات على عظمةِ اللَّه خالق هذه الأنفس والأرواح ومقلب القلوب والأفئدة والعقول، الذي يحيى ويميت، ويبعثُ وينشرُ ويَحْشُرُ، ويحاسب ويجازي، فهل من مدكر ومعتبر في هذه الآيات الدقيقة التي يجريها ﷾ وهو أحسن الخالقين.\nوقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾.\nقال مجاهد: (لا يشفع عندهُ أحد إلا بإذنه). وعن قتادة: (﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ قال: الآلهة ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ قال: الشفاعة). وقوله: ﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ لأنها جمادات وأصنامٌ من أحجار أو طعام.\nقلت: وهذه الآية تفسّر بقوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وبقوله في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].","vol":"6","page":666},{"text":"وهي متصلة بما قبلها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي عطلوا الفكر وما أعملوا العقل بل تجاوزوا صحيح المحاكمات وانحطوا في التصرف فرأوا في أصنامهم وأوثانهم شفعاء، نسبوها للَّه أو نسبوا لها قوةً وتأثيرًا عند اللَّه ظلمًا وزورًا. فكذبهم اللَّه وعابهم، ودحضَ وجهَتَهُمْ وظنَّهم وفاسدَ ما اعتقدوه، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي هو الذي يأذنُ بالشفاعة لمن شاء وأحب، كما قال سبحانهُ في سورة الأنبياء: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤]، إلى أن قال جلت أسماؤه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. فلا أحد يملكَ الشفاعةَ ابتداءً بل من أكرمهُ اللَّه بها، فله الملك والكبرياءُ وحده يومَ لا تكلم نفسٌ إلا بإذنه، كما أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [يقبض اللَّه الأرض يوم القيامةِ، ويطوي السماوات بيمينهِ، ثم يقول: أنا الملِكُ، أين ملوك الأرض؟] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\nقال قتادة: (أي نفرت قلوبهم واستكبرت). وقال مجاهد: (انقبضت. قال: وذلكَ يوم قرأ عليهم النجم عند باب الكعبة). وعن السدي: (قوله: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ قال: نفرت ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أوثانهم).\nوقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. قال القرطبي: (أي يظهر في وجوههم البشر والسرور). وقال القاسمي: (أي يفرحون بذلك. لفرط افتنانهم بها، ونسيانهم حق اللَّه تعالى. ولقد بولغ في الأمرين حيث بين الغاية فيهما. فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورًا حتى تنبسطَ له بشرة وجهه. والاشمئزاز أن يمتلئ غمًا حتى ينقبض أديم وجهه).\nقلت: وأصل الاشمئزاز النفور والازورار وإبداء الكراهية، وهذا شأن كثير من الناس الذين فَتَنوا أنفسهم بالشهوات ومسالك الحرام وتعلقت قلوبهم بالكبائر والفواحش فإذا ما ذكرتهم باللَّه نقموا واشمأزوا بحيث لا يريدون أن يسمعوا صوت الحق الذي يهديهم ويعكر عليهم فاسد أمزجتهم، وكذلكَ إذا ذُكِّروا بالموتِ أبدوا انزعاجهم وغيروا الحديث إلى ما يرفِّه أحلامهم، كما قال جل ثناؤه في سورة الروم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧)، من حديث أبي هريرة.","vol":"6","page":667},{"text":"﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].\nوقد أخرج ابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه يبغض كل جعظري جَوَّاظ، سخّاب في الأسواق، جيفةٍ بالليل، حمارٍ بالنهار، عالمٍ بالدنيا، جاهلٍ بالآخرة] (١).\nوعند الحاكم في تاريخه عن أبي هريرةَ، عن النبي -ﷺ-: [إن اللَّه تعالى يبغضُ كلَّ عالمٍ بالدنيا، جاهلٍ بالآخرة] (٢).\nوفي مسند الإمام أحمد عن أُسامة بن زيد، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى يبغضُ الفاحِش المتفحِشّ] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nفعن السدي: (﴿فَاطِرَ﴾: قال: خالق، وفي قوله: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ﴾ قال: ما غاب عن العباد فهو يعلمه ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ قال: ما عرف العباد وشهدوا فهو يعلمه).\nقلت: وفيهِ أمر من اللَّه لنبيّه وتسلية لهُ إذ كذبه المشركون أن يلجأ إلى اللَّه سبحانهُ بالدعاء والابتهال والتضرع ليرد عنه كيد عدوّه في نحره ويكسر شوكتهُ ويذل كبرياءه وعناده. ولذلكَ كان يفتتح ﵊ قيام الليل بهذا الدعاء العظيم.\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أمّ المؤمنين بأي شيء كان نبيٌّ اللَّه -ﷺ- يفتتح صلاتهُ إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم ربَّ جَبْرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السماوات والأرض عالمَ الغيب والشهادةِ أنتَ تحكم بين عبادكَ فيما كانوا فيه يختلفون. اهدِني لما اختلف فيهِ من الحق بإذنكَ إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه ابن حبان (١٩٥٧)، وأخرجه البيهقي (١٠/ ١٩٤). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٥). والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر. والجواظ: الجموع المنوع. والسّخاب: الصّخاب، كثير الضجيج والخصام.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في \"التاريخ\"، والديلمي. انظر صحيح الجامع (١٨٧٥).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٢٠٢)، وصححه ابن حبان (١٩٧٤). وله شواهد.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٧٧٠)، كتاب صلاة المسافرين.","vol":"6","page":668},{"text":"وفي ذلك تعليم العباد أن يلجؤوا إلى اللَّه تعالى بالصلاة والدعاء في الليل عند الاختلاف وأن يستعينوا بأسمائه الحسنى على إدراك الحق والفصل عند الخلاف.\nوفي الأثر عن سعيد بن جبير قال: (إني لأعرف آية ما قرأها أحدٌ قط فسألَ اللَّهَ شيئًا إلا أعطاهُ إياه، قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾.\nوهذه الآية مفسّرة بالآية التي في سورة يونس: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤]، وبالآية التي في سورة فاطر: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧].\nوفي الصحيحين عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى يقول لأهون أهل النارِ عذابًا: لو أن لك ما في الأرضِ من شيء كنتَ تفتدي بهِ؟ قال: نعم، قال: فقد سألتكَ ما هوَ أهونُ من هذا وأنتَ في صلب آدم أن لا تشركَ بي شيئًا فأبيت إلا الشرك] (١).\nولذلكَ كان يحث النبي -ﷺ- أصحابه على العمل الصالح والصدقة وما ينفعُ يوم الحساب حتى الكلمة الطيبة حتى لا يقعَ في الندامة حيث لا تنفعُ ولا تجدي وقد مضى زمن العمل.\nفقد أخرج الترمذي بسند حسن عن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يقي أحدُكم وجهَهُ حرَّ جَهنم ولو بتمرة، ولو بشِق تمرة، فإن أحدكم لاقِي اللَّه، وقائل له ما أقول لأحدكم: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أجعل لك مالًا وولدًا؟ فيقول: بلى، فيقول: أين ما قدمتَ لنفسك؟ فينظر قدامه وبعده، وعن يمينهِ وعن شماله، ثم لا يجد شيئًا يقي به وجهَه حرّ جهنم، لِيَقِ أحدُكم وَجْهَه النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، فإني لا أخاف عليكم الفاقة، فإن اللَّه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢/ ٣٣٣)، ومسلم (٨/ ١٣٤)، من حديث أنس بن مالك.","vol":"6","page":669},{"text":"ناصركم، ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة، وأكثر ما يخاف على مطيتها السَّرق] (١).\nوجملة القول: أن الذين كذبوا وأشركوا سيتمنون يوم القيامة لو استطاعوا أن يفتدوا بكل ما يملكون وما كانوا يتنعمون به في الدنيا وما لا يملكون من دنيا غيرهم وأضعاف ذلكَ سوء المصير والفاجعة التي ستنزلُ بهم، كما قال في سورة الرعد: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨]. وكما جاء عن مجاهد: (عملوا أعمالًا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات). وقال غيره: (عملوا أعمالًا توهموا أنهم يتوبون منها قبل الموت فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة. قال القرطبي: (ويجوز أن يكونوا توهموا أنه يغفر لهم من غير توبة فـ ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ من دخول النار. ثم ساق أثرًا عن سفيان الثوري في هذه الآية حيث قال: (ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم وقصتهم). وأثرًا عن عكرمة بن عمار حيث قال: (جزع محمد بن المنكدر عند موتهِ جزعًا شديدًا، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب اللَّه ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب».\nوقال ابن جرير: (ظهر لهم يومئذ من أمر اللَّه وعذابه، الذي كان أعدّه لهم ما لم يكونوا قبل ذلكَ يحتسبون أنه أعدّه لهم). وقال ابن كثير: (وأحاط بهم من العذاب ما كانوا يستهزئون به عند ذكره لهم في الدار الدنيا). وهو معنى الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الشوكاني: (أي مساوئ أعمالهم من الشرك وظلم أولياء اللَّه، و﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون مصدرية: أي سيئات كسبهم، وأن تكون موصولة: أي سيئات الذي كسبوه ﴿حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي أحاط بهم ونزل بهم ما كانوا يستهزئون به من الإنذار الذي كان ينذرهم به رسول اللَّه -ﷺ-، قال: وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ الآية: قال: قست ونفرت ﴿قُلُوبُ﴾ هؤلاء الأربعة ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أبو جهل بن هشام والوليد بن عقبة وصفوان وأبيّ بن خلف ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ اللات والعزى ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في التفسير - سورة فاتحة الكتاب -. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٥٣)، في أثناء حديث طويل. وانظر صحيح الجامع (٨٠٠٣).","vol":"6","page":670},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nأما قوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ ففيه أقوال:\nالأول: (﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ عندي بوجوه المكاسب). قاله قتادة وفي رواية: (﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على خير عندي). وقال القاسمي: (أي مني بوجوه الكسب والتحصيل).\nالثاني: (أي بعلم علمني اللَّه إياه) قاله الحسن.\nالثالث: أي على شرف أعطانيه، قال ابن جرير: (يعني على علم من اللَّه بأني له أهل لشرفي ورضاه بعملي).\nوقال ابن كثير: (أي لما علم اللَّه تعالى من استحقاقي له ولولا أني مستحق لما خوّلني هذا). وذكره القرطبي فقال: (أي على علم مِن اللَّه بفضلي).\nالرابع: أي هذا دلالة على منزلتي في الآخرة. قال الشوكاني: (وقيل: قد علمت أني إذا أوتيتُ هذا في الدنيا أنّ لي عند اللَّه منزلة وجاء بالضمير في أوتيته مذكرًا مع كونه راجعًا إلى النعمةِ لأنها بمعنى الإنعام).\nقلت: والآية تصف الغرور الذي يعتري العبد إذا شعر بالغنى والخير والعافية وذهب عنه الألم والعناء والفقر كما قال جل ثناؤه في سورة العلق: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]. وهو مدخل إبليس الأهم إلى النفس البشرية، فالإنسان عند الضعف يتذكر بفطرته ربّه سبحانه فيجأرُ إليه ليكشف عنه المصيبةَ ولكنه سرعان ما يستجيب لغوايات ووساوس شيطانهِ إذا شعر بالعافية والغنى فهو يدخل عليه من التأويل الأول، أي إنما حصل لك ذلك لفضل سعة علمك وإحاطتك بوجوه الكسب والتحصيل، فإن لم يستجب دخل عليه من التأويل الثاني أي إنما حصل لك ذلك الخير بعلم اختصه اللَّه بك، فإن لم يستجب دخل عليه من التأويل الثالث أي إنما ذلكَ علامة رضائه عنك واستحقاقك، وإلا دخلَ عليهِ من التأويل الرابع أي إن ورود هذه النعم عليك في الدنيا علامةُ ورودها عليك في الآخرة ودليل منزلتك يوم القيامة، ولا يهم الترتيب، بل كلها مداخل للشيطان إلى الإنسان ليصرفه عن التواضع للَّه إلى الكبر الذي دمّر إبليس وأخزاه، فتعوذ باللَّهِ من حال المستكبرين. ولذلكَ كانَ من هديه ﵊، الدعاء في الرخاء قبل الشدائد، كما روى الترمذي والحاكم بسند حسن عن","vol":"6","page":671},{"text":"أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [من سرّه أن يستجيبَ اللَّه له عند الشدائد والكُرَب فليكثر الدعاءَ في الرخَاء] (١).\nكما كان من هديه التحذير من مواضع الكبر والغرور، والالتجاء إلى رحمة اللَّه وفضله.\nففي صحيح الإمام مسلم عن جابر، عن النبي -ﷺ- قال: [لا يُدخِل أحدًا منكم عملُهُ الجنة، ولا يجيرُ من النار، ولا أنا إلا برحمة اللَّه] (٢).\nوفيه عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لا يدخلُ الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كبرٍ، قيلَ: إن الرجل يحبُّ أن يكون ثوبُه حسنًا، ونعله حسنة، قال: إن اللَّه جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحقِّ، وغمْطُ الناس] (٣).\nوقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾. قال قتادة: (أي بلاء). وقال القرطبي: (أي بل النعم التي أوتيتها فتنة تختبر بها): وقال النحاس: التقدير: بل أعطيته فتنة. وقال ابن كثير: (أي ليسَ الأمر كما يزعمُ إنما نعمتنا كانت اختبارًا لهُ أيطيعُ أم يعصي ونحن أعلمُ بما سيكون منه).\nقلت: وهذه الآية كقولهِ في سورة الروم: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٦ - ٣٧].\nوكقوله في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٣ - ٨٤].\nوقد أخرج ابن أبي الدنيا في \"قضاء الحوائج\" والطبراني في \"الكبير\" وابن حبان في صحيحه بسند حسن عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [إن للَّه تعالى أقوامًا يختصّهم بالنعم لمنافِعِ العبادِ، ويقرّها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحوّلها إلى غيرهم] (٤).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٣٨٢)، والحاكم. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٩٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨١٧)، كتاب صفات المنافقين، من حديث جابر.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩١) - كتاب الإيمان - باب تحريم الكبر وبيانه.\n(٤) حديث حسن. أخرجه ابن أبي الدنيا في \"قضاء الحوائج\" (رقم - ٥)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥٢٩٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١١٥). وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٩٢).","vol":"6","page":672},{"text":"وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي إن ما قسم اللَّه في الحياة الدنيا اختبار وامتحان فابتلى هؤلاء بالغنى وابتلى هؤلاء بالفقر، وابتلى هؤلاء بالعافية كما ابتلى هؤلاء بالمرض، ثم لا يدري كثير من الناس أجر الصابرين عند اللَّه يوم القيامة وأجر الراضين المحتسبين. قال ابن جرير: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾: بجهلهم وسوء رأيهم ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لأي سبب أعطوا ذلك).\nفقد أخرج الترمذي في \"الجامع\" والطبراني في \"الكبير\" عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: [ليودّنَّ أهل العافيةِ يوم القيامةِ أن جلودهم قرضتْ بالمقاريض، مما يرون من ثواب أهل البلاء] (١).\nوكذلكَ في المسند عن محمود بن لبيد، عن النبي -ﷺ- قال: [اثنتان يكرههما ابنُ آدم: يكرهُ الموت، والموتُ خيرٌ له من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلةُ المال أقلُ للحساب] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nقال السدي: (الأمم الماضية). وقيل: يعني الكفار قبلهم كقارون وغيره كما حكى اللَّه عن قارون في سورة القصص حيث قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. وفي ﴿مَا﴾ قولان:\nالأول: إنها للجحد. والمعنى: لم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب اللَّه شيئًا.\nالثاني: قيل بل هي للاستفهام. والمراد: أي فما الذي أغنى عنهم أموالهم.\nوكلاهما يحتمله المجاز والبيان القرآني، والآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥].\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. أي: لقد حق القول على الأمم الماضية لما كذبت فأهلكها اللَّه ودمّرها، وليس هؤلاء القوم المكذبين من قريش بأحسن حال ممن قبلهم، فالكل\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي \"في الجامع\" (٢٤٠٤)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ١٧٨/ ٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، وانظر السلسلة الصحيحة (٨١٣).","vol":"6","page":673},{"text":"ماض تحت سنته سبحانه، وسيعلم هؤلاء المعاندون أي منقلب ينقلبون فما أحد يعجز اللَّه سبحانه بل الكل مقهور بجبروته وكبريائه وعظمته. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. وكما قال: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٢ - ٥٣].\nوفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعزّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذبته] ورواه أحمد والحاكم (١).\nولفظ الحاكم: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته] (٢).\nولفظ أحمد: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار].\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nهو كقوله في سورة الروم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٧]. وكقوله في سورة الزخرف: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وفي الآية اختصاص للمؤمن بالذكر فهو وحده دون غيره ينتفع بالذكر ويعلمُ حقيقة الأمر، دونما غرور من الشيطان أو وسوسة أو كبر. قال القرطبي: (لأنه هو الذي يتدبر الآيات وينتفع بها، ويعلم أن سعة الرزق قد يكون مكرًا واستدراجًا، وتقتيره رفعة وإعظامًا).\nوفي جامع الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يُعَلِّمُ من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: فقلت أنا يا رسول اللَّه. قال: فأخذ بيدي فعدّ خمسًا قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم اللَّهُ لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جاركَ تكن مؤمنًا، وأحبَّ للنَّاس ما تحب لنفسك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٣٥ - ٣٦)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٥٢) نحوه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٤٨)، (٢/ ٤١٤)، (٢/ ٤٤٢)، وأخرجه الحاكم (١/ ٦١)، وانظر: السلسلة الصحيحة (٥٤١).","vol":"6","page":674},{"text":"تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب] (١).\nوقد نقل القاسمي عن المهايميّ في تفسير الآية قوله: (ومن آياته في ذلكَ أنه تعالى قوي بذاته، له تقوية من يشاء وتضعيف من يشاء. ومنها أنه فيّاض بذاته لا يتوقف فيضه على الشفعاء. ومنها أنه فاعل بذاته لا توقف فعله على سبب وواسطة).\n\n٥٣ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.\nفي هذه الآيات: يتودّد الرحمان إلى عباده جل ثناؤه ويقدم لهم عرضًا مغريًا،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣١٠)، والترمذي في الجامع (٢٣٠٥) بسند حسن.","vol":"6","page":675},{"text":"ودعوة مفتوحة لهم، وخاصة لعصاتهم، ليبادروا إلى التوبة والاستغفار بعد الإقلاع عن الذنوب والآثام، وهي فرصة ذهبية لتدارك العمر والنجاة من خطر لحظات الغرغرة ودقائق بلوغ الروح الحلقوم، فهو الغفور سبحانهُ مهما تراكمت الذنوب، ذو قدرة على تجاوزها وعلى التجاوز والعفو عن صاحبها، فارجعوا أيها الناس إلى اللَّه العظيم واستسلموا لأمرهِ وإلا باغتكم سبحانه بعذاب أليم، واستمسكوا بالقرآن فهو الحق وهو أحسن ما جاءكم، وإلا فاجأكم اللَّه بالعذاب من حديث لا تشعرون، فيتمنى عندها أهل الكبر والظلم العودة إلى الدنيا ويندمون على ما كانوا يفرطون ويستهزئون، كلا لا سبيل فقد قامت حجة اللَّه عليكم في الدنيا وآثرتم الكذب وسبيل المستكبرين والكافرين، ثم يوم القيامة يقفون في وجوه مسودة قد علاها أثر الظلم لتصلى نار جهنم مأوى المتكبرين، في حين ينجي اللَّه المتقين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهو اللَّه الخالق رب كل شيء ومليكه، والكل مقهور بأمره وكبريائه، وعندهُ خزائن السماوات والأرض، فمن آثر عناد اللَّه والكبر الذي لا يليقُ إلا بجلاله أخزاه وكبهُ على وجهه في النار مع الخاسرين، فكيف تعبدون غيره وتدعون نبيّه إلى عبادة من دونه وقد أوحى اللَّه إليهِ كما أوحى إلى الأنبياء من قبله بأن الشرك يحبط العمل، ويورث سخطَ اللَّه وجحيم النار كالظلل، بل أخلص العبادة للَّه يا محمد أنتَ ومن معكَ وكن من الشاكرين، فإن هؤلاء ما قدروا اللَّه حق قدره إذ عرضوا عليك الشرك والكفر باللَّه وهو الذي يقبض الأرض ويطوي السماوات بيمينهِ يوم القيامة سبحانه هو الكبير المتعال، فتعالى عما يشركون وعما يفترون فهو العظيم ذو الجلال. وتفصيلُ ذلك.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار من اللَّه تعالى بأنه يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها وإن كانت كزبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه). وأما أسباب نزول هذه الآيات ففيها أحاديث صحيحة.\nففي الصحيحين وجامع الترمذي عن ابن عباس ﵄: [أن أناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا -ﷺ- فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، ونزل ﴿قُلْ","vol":"6","page":676},{"text":"يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾] (١).\nوكذلكَ فقد أخرج الحاكم والبزار ورجاله ثقات، عن عبد اللَّه بن عمر عن عمر قال: [كنا نقول ما لمفتَتِنٍ توبة وما اللَّهُ بقابل منه شيئًا، فلما قدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة أنزل فيهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ والآيات بعدها. قال عمر: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام بن العاص: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أُصَعِّدُ بها فيه وَأصَوِّبُ ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فَهِّمْنِيها. قال: فألقيَ في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا. قال: فرجعتُ إلى بعيري فجلست عليه فلحقتُ برسول اللَّه -ﷺ- وهو بالمدينة] (٢).\nوجملة أقوال المفسرين في أسباب النزول تنحصر في ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إنها نزلت في قوم من أهل الشرك زنوا وقتلوا وظنوا أنه لا توبة.\nفعن ابن عباس: (﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: وذلكَ أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان ودعا مع اللَّه إلهًا آخر، وقتل النفس التي حرم اللَّه لم يغفر له، فكيف نهاجرُ ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس التي حرم اللَّه ونحن أهل الشرك فأنزل اللَّه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾).\nوعن مجاهد في قول اللَّه: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: (قتل النفس في الجاهلية).\nوقال قتادة: (ذكر لنا أن ناسًا أصابوا ذنوبًا عظامًا في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يُتابَ عليهم فدعاهم اللَّه بهذه الآية: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾).\nوقال عطاء بن يسار: (نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشي وأصحابه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٠)، ومسلم (١٢٢/ ١٩٣)، وأبو داود (٤٢٧٤)، والترمذي في السنن، والنسائي في \"التفسير\" (٤٦٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه محمد بن إسحاق، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الزمر، الآيات (٥٣ - ٥٩).","vol":"6","page":677},{"text":"﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾).\nوقال السدي: (هؤلاء المشركون من أهل مكة، قالوا: كيفَ نجيبك وأنت تزعم أنه من زنى أو قتل أو أشرك بالرحمان كان هالكًا من أهل النار، فكل هذه الأعمال قد عملناها فأنزلت فيهم هذه الآية ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾).\nقال الشوكاني في فتح القدير: (وأعلم أن هذه الآية أرجا آية في كتاب اللَّه سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولًا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلكَ بالنهي عن القنوط من الرحمةِ لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقى بعدهُ شك ولا يتخالج القلب عند سماعه ظنّ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليهِ للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده. . ثم قال: ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب بل أكد ذلكَ بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ فيالها من بشارةٍ ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم الصادقين في رجائه. الخالعين لثياب القنوط الرافضين لسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب).\nوقد ذكر ابن كثير كلامًا جميلًا في ذلكَ حيث قال: (إن اللَّه تعالى بفضله وكرمه ومنّه دعا الكفار جميعًا بلا استثناء إلى التوبة حتى الذي قال أنا ربكم الأعلى ولكنه لم يؤمن إلا في حين لا تنفعهُ توبة عند الاحتضار إذ قال له تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]).\nالقول الثاني: قيل بل المراد أهل الإسلام، فنزلت في قوم صدهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم فظنوا أنه لا توبة.\nيروي ابن جرير عن نافع عن ابن عمر قال: (أنزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا ثم فُتِنُوا وعذّبوا فافتتنوا، كنَّا نقول: لا يقبل اللَّه من هؤلاء صرفًا ولا عدلًا أبدًا، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذِّبوه، فنزلت هذه الآيات وكان عمر بن الخطاب كاتبًا قال: فكتبها بيده ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، إلى أولئكَ النفر فأسلموا وهاجروا).\nثم ساق أثرًا عن ابن سيرين عن علي ﵁ وقد قال لأصحابه: (أي آية في","vol":"6","page":678},{"text":"القرآن أوسع؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] ونحوها، فقال علي: ما في القرآن أوسع من ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ. . .﴾ إلى آخر الآية).\nالقول الثالث: قيل بل نزلت في قوم يرون أهل الكبائر في النار فأعلمهم اللَّه أنه يغفر لمن يشاء.\nفقد روي عن نافع عن ابن عمر قال: (كنا معشر أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- نرى أو نقول: أنه ليسَ شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدًا أصاب منها شيئًا خفنا عليهِ وإن لم يصب منها شيئًا رجونا له) ذكره ابن جرير.\nقال ابن عباس: (من آيس عباد اللَّه من التوبةِ بعد هذا فقد جحد كتاب اللَّه ﷿).\nوروى ابن أبي حاتم عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال لقاصٍّ يُذَكِّرُ الناس وَيُقَنِّطُهُم: (يا مُذَكِّر لم تُقَنِّط الناس من رحمة اللَّه؟ ثم قرأ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾).\nقلت: والراجح أن الآية عامة وإن كانت أسباب النزول قد جاءت فيمن كانوا قتلوا وزنوا وأكثروا من المشركين وظنوا أنه لا توبة، أو في قوم ما استطاعوا أن يهاجروا وفُتنوا وفَتنوا أنفسهم، كما قدمت في بداية ورود الآيات بحديث الصحيحين وحديث الحاكم، ولكن الآيات تبقى في حق كل من أسرف على نفسه بشرك وكفر ثم تاب واستغفر، أو بكبائر وفواحش ثم أقلع وأناب واستعتب، كما قال جل ثناؤه في حق المشركين من أهل الكتاب في سورة المائدة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٤].\nوكما قال جل وعز في حق المنافقين في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ","vol":"6","page":679},{"text":"بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٧].\nوكما قالَ في حق أهل الكبائر في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وكما قال في سورة البروج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]. ففسح لهم طريقًا إلى التوبة كما قال الحسن البصري ﵀: (انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة).\nوفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: [قدمَ رسولُ اللَّه -ﷺ- بِسَبْي، فإذا امرأةٌ من السبي تَسْعَى، إذ وجدَتْ صبيًا في السَّبْي أخذتهُ، فألزقَتْهُ ببطنِها، فأرضَعَتْهُ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أترونَ هذه المرأةُ طَارِحَةً ولدَها في النار؟ قلنا: لا، واللَّهِ، فقال: للَّهُ أرحَمُ بعبادهِ من هذه بولدها] (١).\nوفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لما خلق اللَّه الخلقَ، كتبَ في كتابٍ، فهو عِنْده فوق العرش: إن رحمتي تغلبُ غضبي] (٢). وفي روايةٍ: (سبقت غضبي). وفي رواية: (غلبت غضبي).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي -ﷺ- فيما يحكي عن ربَّه، ﵎، قال: [أذنب عبدٌ ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال اللَّه ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن لهُ ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أنه لهُ ربًّا يغفِرُ الذنبَ ويأخذُ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن لهُ ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرتُ لعبدي فليفعل ما شاء] (٣). أي: ما دام يذنب ويتوب ولا يُصِر، بل يتكرر الذنب من ضَعف وزلل فإن اللَّه يغفر لمن تاب وأقلع واستغفرَ، وردّ الحقوق إلى أهلها.\nوفي صحيح الإمام مسلم ما يشهد لهذا المعنى، ففي حديث أبي أيوب رضي اللَّهُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤)، وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١٠٣٩)، والبغوي في \"التفسير\" (٨٦٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٧٥١)، وأحمد (٢/ ٣١٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٥٨) - كتاب التوبة - من حديث أبي هريرة.","vol":"6","page":680},{"text":"عَنْهُ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [لولا أنكم تُذنبون، لخلق اللَّه خلقًا يذنبون، فيستغفرون فيغفِرُ لهم] (١).\nورواه أحمد عنه، وفيه أنه قال حين حضرته الوفاة: [قد كنت كتمتُ شيئًا سمعتهُ من رسول اللَّه -ﷺ- يقول: لولا أنكم تذنبون لخلق اللَّه ﷿ قومًا يذنبون فيغفر لهم].\nوروى البيهقي في \"شعب الإيمان\" بسند حسن عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [لو لم تكونوا تُذنبون، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبرُ من ذلكَ، العُجْبَ، العُجْب] (٢).\nوروى الطبراني في \"الكبير\" بسند حسن عن أبي سعيد الأنصاري، عن النبي -ﷺ- قال: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له] (٣).\nوقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (لا تيأسوا من رحمة اللَّه).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. أي: حتى الشرك باللَّه إن تاب صاحبه قبل أن يغرغر، وأما إن لم يتب فقد توعده اللَّه بعدم المغفرة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. ففيما عدا الشرك الذي لم يتب صاحبه وماتَ فأمره إلى اللَّه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإن عاقبه كان عدلًا منه سبحانه وإن غفر له وستر عليهِ كان ذلكَ رحمة منه فهو أرحم الراحمين.\nقال ابن جرير: (إن اللَّه يستر على الذنوب كلها بعفوه من أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بهم، أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها).\nوقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. قال قتادة: (أي أقبلوا إلى ربكم). وقال السدي: (أجيبوا). وقال ابن زيد: (الإنابة الرجوع إلى الطاعة والنزوع عما كانوا عليه، ألا تراه يقول: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الرعد: ٣١]). وقال القرطبي: (والإنابة الرجوع إلى اللَّه بالإخلاص).\nوقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. أي استسلموا لأمره ولجبروته فاخضعوا له معظمين مخبتين، وأقروا له بالطاعة والتواضع.\nوقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾. أي عذاب الدنيا وخزي الذل فيها ﴿ثُمَّ لَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٤٨) - كتاب التوبة - باب سقوط الذنوب بالاستغفار والتوبة.\n(٢) حديث حسن. أخرجه البيهقي، وابن عدي (١/ ١٦٤). وانظر: \"الصحيحة\" (٦٥٨).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الطبراني بسند حسن. انظر: صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٦٧٩).","vol":"6","page":681},{"text":"تُنْصَرُونَ﴾ فلا ينصركم ناصر، ولا يمنعكم من بطشه مانع، ولا ينقذكم من بين يديهِ سبحانه منقذ.\nوقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: المراد بأحسن ما أنزل هو القرآن.\nوالقرآن كله حسن، ولكن المعنى كما قال الحسن: (التزموا طاعته واجتنبوا معصيته). وقال السدي: (الأحسن ما أمر اللَّه به في كتابه). واختاره ابن جرير حيث قال: (واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه، ذلكَ هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا. قال: فإن قيل: ومن القرآن شيء أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن وليس المعنى كما توهمت. وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخَبر، والمثل والقصص والجدل والوعد والوعيد أحسنه، وأحسنه أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلكَ وجهه).\nالتأويل الثاني: المراد بأحسن ما أنزل هو المحكمات. قال ابن زيد: (يعني المحكمات، وَكِلُوا علم المتشابه إلى عالمه).\nالتأويل الثالث: المراد القرآن من بين الكتب السابقة. قال ابن زيد: (أنزل اللَّه كتبًا التوراة والإنجيل والزبور ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو المعجز). قال القرطبي: (وقيل: هذا أحسن لأنه ناسخ قاض على جميع الكتب، وجميع الكتب منسوخة).\nالتأويل الرابع: قيل المراد العفو إذا خُيِّرْتم بين العفو والقصاص. قال الشوكاني: (وقيل العفو دون الانتقام، بما يحق فيه الانتقام).\nالتأويل الخامس: قيل المراد بالأحسن أخبار الأمم الماضية فما أنزلها اللَّه إلا لتعتبروا بها فهي أحسن دليل على فهم سنن اللَّه في عباده، فإن في التاريخِ عبرة لمن أراد أن يعتبر.\nالتأويل السادس: قيل بل المراد الوحي دون غيره. قال القرطبي: (وقيل ما عنهم اللَّه النبي ﵇ وليس بقرآن فهو حسن، وما أوحى إليهِ من القرآن فهو الأحسن).\nقلت: وكلها معان متقاربة ويحتملها الإعجاز ويبانُ القرآن، والآية كقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ فإن القرآن خير كتاب على وجه الأرض وقد","vol":"6","page":682},{"text":"نسخ ما أنزل قبلهُ من الكتب من التوراة والإنجيل والزبور، فهو الكتاب والمنهج إلى يوم القيامةِ، وفيه خير الأمر وخير الأخلاق وأرفعها، ففيه مقام الإحسان والعفو وَعِبَرُ الأمم الماضية، وفيه المحكمات من الآيات التي يُرجَع إليها عند الاختلاف في فهم المتشابهات فتبارك اللَّه منزل القرآن العظيم.\nوقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. المراد عذاب الدنيا يفجؤكم اللَّه به فيهددكم بالقتل والأسر والقهر والخوف والجدب والقحط ونقص المياه وموت الثمر، والفقر والأمراض، وعندئذ لا يغني حذر من قدر.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.\nقال السدي: (يا حسرتا: قال الندامة). والألف كناية المتكلم والمراد يا حسرتي. قال ابن جرير: (ولكن العرب تحول الياء في كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفًا فتقول: يا ويلتا ويا ندما فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء. قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾: بمعنى لئلا تقول نفس يا حسرتا، وهو نظير قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، بمعنى أن لا تميد بكم، فأن بهذا المعنى في موضع نصب). وقيل المراد: (من قبل).\nقال الزمخشري: (فإن قلت لم نكّرت؟ قلت: لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر).\nقال القرطبي: (ويجوز أن يريد نفسًا متميزة من الأنفس، إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعقاب عظيم، ويجوز أن يراد التكثير).\nوقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فيه أقوال متقاربة:\nالأول: المراد في أمر اللَّه. فعن مجاهد: (﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قال: يقول في أمر اللَّه). وقال السدي فيها: (تركت من أمر اللَّه).\nالثاني: قيل بل المراد طاعة اللَّه. قال الحسن: (على ما فرطت: في طاعة اللَّه).\nالثالث: قيل بل المراد ذكر اللَّه. قال الضحاك: (أي في ذكر اللَّه ﷿. قال: يعني القرآن والعمل به).\nالرابع: قيل بل المعنى ثواب اللَّه. قال أبو عبيدة: (في جنب اللَّه: أي في ثواب اللَّه).","vol":"6","page":683},{"text":"الخامس: قيل بل المراد بالجنب الجوار والقرب. قال الفراء: (الجنب القرب والجوار، يقال: فلان يعيش في جنب فلان أي في جواره، ومنه ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. أي على ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة).\nالسادس: أي طريق اللَّه. قال الزجاج: (أي على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق اللَّه الذي دعاني إليه).\nقال القرطبي: (والعرب تسمي السبب والطريق إلى الشيء جنبًا، تقول تجرعت في جنبك غصصًا، أي لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك).\nالسابع: قيل بل المعنى رضا اللَّه. قال الشوكاني: (وقال الزجاج: أي فرطت في الطريق الذي هو طريق اللَّه من توحيده والإقرار بنبوة رسول اللَّه -ﷺ- وآله وسلم، وعلى هذا فالجنب بمعنى الجانب: أي قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا اللَّه).\nقلت: وغاية المعنى أنّ الندم سيأكل من قلوب المسرفين الذين ضَيَّعوا حياتهم الدنيا بالكبر والاستهزاء بأمر اللَّه ونهيه واستسهال أمر الفواحش والكبائر والمضي في غير طريق اللَّه وطريق رضوانه وطاعته وثوابه، والاستئناس بجوار غيره، وقرب من أبعده اللَّه وكان من الخاسرين، كما قال جل ثناؤه في سورة الرعد: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\nوفي صحيح الإمام مسلم عن أنس بن مالك، ﵁، عن رسول اللَّه -ﷺ-، قال: [إنّ الكافر إذا عَمَل حسنةً، أُطْعِمَ بها طُعْمةً من الدنيا، وأما المؤمنُ، فإن اللَّه تعالى يَدَّخِرُ له حسناتِه في الآخرة، ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته].\nوفي رواية: [إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنةً يُعطى بها في الدنيا، ويُجْزى بها في الآخرة، وأما الكافِرُ، فيطعَمُ بحسناتِ ما عمل بها للَّه تعالى في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنةٌ يُجْزَى بها] (١).\nوأخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كُلُّ أهل النار يرى مَقْعَدَه من الجنة، فيقول: لو أنَّ اللَّه هداني، فيكون عليهم حَسْرةً، وكُلُّ أهل الجنة يرى مَقْعَدَهُ من النار، فيقول: لولا أنَّ اللَّه هداني، فيكون له شُكْرًا، ثم تلا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٠٨) ح (٥٦) (٥٧)، كتاب صفات المنافقين.","vol":"6","page":684},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. قال قتادة: (فلم يكفه أن ضيَّع طاعة اللَّه، حتى جعل يسخر بأهل طاعة اللَّه. قال: هذا قول صنف منهم).\nوقال السدي: (يقول: من المستهزئين بالنبي -ﷺ- وبالكتاب وبما جاء به).\nوقال ابن جرير (وإن كنت لمن المستهزئين بأمر اللَّه وكتابه ورسوله والمؤمنين به). وقال الشوكاني: (أي وما كنت إلا من المستهزئين بدين اللَّه في الدنيا، ومحل الجملة النصب على الحال).\nقلت: والآية تشبه قوله في سورة التوبة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. فإن الاستهزاء باللَّه أو كتابه أو دينه أو رسوله كفر يورد صاحبه المهانة والذل يوم القيامة. كما جاء في صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري ﵀ عن طيْسَلَةَ بن ميّاس قال: [كنت في النَّجَدَات فأصبتُ ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر فذكرت ذلك لابن عمر قال: ما هي؟ قلت كذا وكذا. قال: ليست هذه من الكبائر: هُنَّ تِسْعٌ: [الإشراك باللَّه، وقتل نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد، والذي يستسخر (٢)، وبكاء الوالدين من العقوق] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. فيه محاولة الظالم الهروب من التكليف، ونسب الجبر والظلم للَّه، ولكنها محاولة واهية لن تجديهم في الآخرة، وهي طريقة كثير من الناس اليوم لِرفع الأمر والمسؤولية عن عاتقهم، وهم يضحكون على أنفسهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون.\nقال قتادة: (﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآية قال: هذا قول صنف منهم. ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ الآية، قال: هذا قول صنف آخر. ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، وأحمد (٢/ ٥١٢)، والخطيب (٥/ ٢٤). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٠٣٤).\n(٢) أي من الاستهزاء باللَّه ودينه ورسله والسخرية بالمؤمنين.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٨) - باب لين الكلام لوالديه.","vol":"6","page":685},{"text":"الْعَذَابَ﴾ الآية. يعني بقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا، قال: هذا صنف آخر).\nوعن ابن عباس (قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قال: أخبر اللَّه ما العباد قائلوه قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، قال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ -إلى قوله- ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول: من المهتدين، فأخبر اللَّه سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى وقال ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. قال: ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا).\nقال الشوكاني: (﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي لو أن اللَّه أرشدني إلى دينه لكنت ممن يتقي الشرك والمعاصي، وهذا من جملة ما يحتج به المشركون من الحجج الزائفة، ويتعللون به من العلل الباطلة، كما في قوله - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ - فهي كلمة حق يريدون بها باطلًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nأي: لو كانت لي فرصة العودة إلى الدنيا، وإمكانية الرجعة إليها، لكنت من عباد اللَّه المخلصين الموحدين المؤمنين، فأخبر تعالى أن لو رُدُّوا لما قدروا على الهدى.\nوأما نَصب ﴿فَأَكُونَ﴾ فعلى وجهين عند أهل اللغة.\nالأول: أن يكون النصب على جواب التمني، أي جواب (لو).\nالثاني: أن يكون معطوفًا على (كرّةً) والتقدير: \"لو أن لي أن أكرَّ فأكون من المحسنين\".\nوقد أخرج الإمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [كُلُّ أهل الجنة يرى مقعدَهُ من النار، فيقول: لولا أن اللَّهَ هداني، فيكونُ لهُ شُكرٌ، وكُلُّ أهلِ النار يرى مقعدَه من الجنة، فيقولُ: لو أن اللَّه هداني، فيكون عليه حسرة] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٥١٢)، والحاكم (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، وقد مضى.","vol":"6","page":686},{"text":"فجاء الجواب من اللَّه ردًّا على تلك النفس المُتَمنِّيَة: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال قتادة: (يقول اللَّه ردًّا لقولهم وتكذيبًا لهم، يعني لقول القائلين: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ والصنف الآخر: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي. . .﴾ الآية). قال النسفي: (ولكن تركت ذلك وضيعته واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك).\nوقال ابن جرير: (يقول: قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك، وكتاب أنزلته يتلى عليك، ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير، فكذبت بآياتي واستكبرت عن قبولها واتباعها وكنت ممن يعمل عمل الكافرين).\nوالمراد بالآيات في هذه الآية ما نزل من القرآن، وذلك كما قال الشوكاني: (المراد بالآيات هي الآيات التنزيلية وهو القرآن، ومعنى التكذيب بها قوله: إنها ليس من عند اللَّه وتكبر عن الإيمان بها، وكان مع ذلك التكذيب والاستكبار من الكافرين باللَّه).\nقلت: وإن كان الخطاب للمذكر إلا أن النفس في كلام العرب تطلق على المذكر والمؤنث. والآية كقوله في سورة هود: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والآية التي قبلها: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\nوفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه تعالى يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أنّ لكَ ما في الأرض من شيء كنتَ تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهونُ من هذا وأنت في صُلبِ آدم أن لا تشركَ بي شيئًا فأبيت إلا الشرك] (١).\nوعن الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يؤتى بالعبدِ يوم القيامة، فيقالُ له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسَخَّرت لك الأنعام والحرثَ وتركتك ترأسُ وتربعُ، فكنت تظنَّ أنك مُلاقِيَّ يومَكَ هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٣٣٤) - كتاب أحاديث الأنبياء - ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٤٢٨). وأصله في صحيح مسلم.","vol":"6","page":687},{"text":"التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون\nتفسير القرآن الكريم على منهاج الأصلين العظيمين -الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة- على فهم الصحابة والتابعين\nتفسير منهجي فقهي شامل معاصر\nالجزء السابع\nتأليف الأستاذ الدكتور مأمون حموش","vol":"7","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"7","page":2},{"text":"التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون","vol":"7","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nموافقة وزارة الإعلام\nرقم: ٩١٠٩٢\nورقم: ٩١٤٥١\nتاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م\nدمشق - سورية\nيطلب من المؤلف\nدمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١\nالمدقق اللغوي الدكتور أحمد راتب حموش","vol":"7","page":4},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾.\nالخطاب لأهل الفرقة والاختلاف، ولأهل الكذب والافتراء، من نسبوا الولد والشريك للَّه، واستهزؤوا بشرعه ووحيه، فسيحشرهم أذلاء صاغرين في سجون جهنم جزاء وفاقًا، بما كانوا يمرحون في الأرض بغير الحق وبما كانوا يتجبرون، وقد علت وجوههم اليوم طبقة من السواد والغبرة والقترة.\nفقد خرّج الإمام أحمد والترمذي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال. يغشاهم الذل من كل مكان. يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار. يُسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال]. وسنده صحيح (١).\nوله شاهد عند ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولفظه: [إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صورة الناس، يعلوهم كل شيء من الصَّغار، حتى يدخلوا سجنًا من النار في دار يقال له بولس من نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار ومن طينة الخبال].\nوقوله: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ جملة في محل نصب على الحال. وقال الأخفش: (﴿تَرَى﴾ غير عامل في ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾، إنما هو مبتدأ وخبر). قال الشوكاني: (والأولى أنَّ \"ترى\" إن كانت من الرؤية البصرية، فجملة ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ حالية، وإن كانت قلبية، فهي في محل نصب على أنها المفعول الثاني لترى، قال: والاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ للتقرير).\nوقال القاسمي ﵀: (﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي لما ينالهم من الشدة التي تغير ألوانهم. فالسواد حقيقي. أو لما يلحقهم من الكآبة، ويظهر عليهم من آثار الهيئات الظلمانية، ورسوخ الرذائل النفسانية في ذواتهم. فالسواد مجاز بالاستعارة).\nوأما الكبر فقد عرّفه رسول اللَّه -ﷺ- في حديثه -الذي في المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن أبي هريرة- حيث قال: [الكِبْرُ مَنْ بَطِرَ الحق، وغَمَطَ الناس] (٢).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد، وأبو داود (٤٠٩٢). انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٨).","vol":"7","page":5},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nقال السدي: (﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قالَ: بفضائلهم). وقال ابن زيد: (بأعمالهم. قال: والآخرون يحملون أوزارهم يوم القيامة ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]).\nوقال القاسمي: (أي بفوزهم وفلاحهم لإتيانهم بأسباب الفوز، من الاعتقادات المبنية على الدلائل والأعمال الصالحة). وقال ابن كثير: (أي بما سبق لهم من السعادة والفوز عند اللَّه فتبيض وجوههم لا يمسهم السوء يوم القيامة ولا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون من كل فزع، مزحزحون عن كل شر، نائلون كلَّ خير).\nوقد قرأها قراء المدينة وبعض قراء البصرة ومكة (بمفازَتِهم)، في حين قرأها قراء الكوفة (بمفازاتِهم) وكلاهما مشهور عند القراء. ويجوز أن تكون الباء في (بمفازتهم) للسببية: أي بسبب فوزهم مع انتفاء مساس السوء لهم وعدم وصول الحزن إلى قلوبهم لأنهم رضوا بثواب اللَّه وأمنوا من عقابه. حكاه الشوكاني.\nوجملة القول: فإن اللَّه وعد الذين اتقوا الشرك والوقوع فيما يسخطه سبحانه بالنجاة يوم القيامة من الأهوال والفزع والمصائب والعذاب بما التمسوا أسباب الفوز والنصر والنجاة بأعمالهم وحرصهم على التقوى والعمل الصالح واجتناب الفواحش والآثام. فجملة ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ وجملة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ كلاهما في محل نصب حال، أي هذه حالة المتقين يوم القيامة.\nقال النسفي: (﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾: النار ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم السوء، أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم). وقال ابن جرير: (ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا إذ صاروا إلى كرامة اللَّه ونعيم الجنان).\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. أي: فله الخلق والأمر سبحانه والتدبير، وهو الحفيظ على كل شيء وكيل، وهو تمهيد للآية التالية حيث يعيب عليهم سبحانه عبادة غيره، فإن الإقرار بالربوبية يقتضي الإقرار بالألوهية كما قال في سورة المؤمن: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ","vol":"7","page":6},{"text":"رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (اللَّه الذي له الألوهة من كل خلقه الذي لا تصلح العبادة إلا له، خالق كل شيء، لا ما لا يقدر على خلق شيء، وهو على كل شيء قيم بالحفظ والكلاءة).\nوقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال قتادة: (أي مفاتيح السماوات والأرض). وقال السدي: (خزائن السماوات والأرض). وقال ابن زيد: (المقاليد: المفاتيح. قال: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض).\nقال الرازي: (والإقليد بكسر الهمزة المِفْتاح. و\"المِقْلَدُ\" بوزن المِبْضَعُ مفتاحٌ كالمنجل والجمع المقاليد). أي عنده مفاتيح خزائن الخير والشر ينفق منها كيف يشاء ويقسم منها كيف يشاء. كما جاء في معجم الطبراني ومسند الطيالسي بسند حسن عن سهل بن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: [عند اللَّه خزائن الخَيْر والشر، مفاتيحُها الرجال، فطوبى لمن جعله اللَّه مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، وويل لمن جعله اللَّه مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير] (١).\nوقيل: (خزائن السماوات المطر، وخزائن الأرض النبات). قلت: بل الآية أعم من ذلك وأشمل فخزائن الخير لا يحصيها إلا اللَّه الخالق الأحد.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فإن من جحدوا القرآن وما فيه من الأدلة والبراهين والحجج، وأنكروا النبوة والوحي، فهم في أشد الخسران وكامل الحرمان.\nقال ابن جرير: (والذين كفروا بحجج اللَّه فكذبوا بها وأنكروها، أولئك هم المغبونون حظوظهم من خير السماوات التي بيده مفاتيحها، لأنهم حرموا ذلك كله في الآخرة بخلودهم في النار، وفي الدنيا بخذلانهم عن الإيمان باللَّه ﷿).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾. أي: فمن هو المنعم غيره الذي يستحق العبادة والتعظيم، ومن هو الرازق غيره الذي يوصف بالكريم، ومن هو المتفضل والمدبر غيره الذي يوصف بالحكيم، ومن هو الجبار القهار غيره ينصر عباده المؤمنين ويوصف بالعلي القوي العظيم.\n_________\n(١) حديث حسن. انظر تخريج \"السنة\" (٢٩٦)، وصحيح الجامع الصغير (٣٩٨٧).","vol":"7","page":7},{"text":"وقد كان المشركون دعوا النبي -ﷺ- لعبادة الأصنام وقالوا هو دين آبائك، فسفههم اللَّه بقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾. والاستفهام للإنكار التوبيخي، و\"غيرَ\" منصوب \"بأعبد\" وكأن التقدير: أفتأمروني أن أعبد غير اللَّه، كما يجوز نصب \"غيرَ\" بتأمروني، و\"أعبد\" بدل منه بدل اشتمال. والجمهور على قراءتها بإدغام نون الرفع في نون الوقاية \"تأمروني\".\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nهو كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال مقاتل: (أي أوحى إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد محذوف). وقال القرطبي: (وقيل: الخطاب له والمراد أمته، إذ قد علم اللَّه أنه لا يشرك ولا يقع منه إشراك. والإحباط الإبطال والفساد، قال القشيري: فمن ارتد لم تنفعه طاعاته السابقة ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فالمطلق ها هنا محمول على المقيد، ولهذا قلنا من حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج).\nوهذا مذهب الشافعي، وأما مالك فتجب عنده الإعادة، والراجح أنها لا تجب، لما روى مسلم في صحيحه عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال أناس لرسول اللَّه -ﷺ-: [يا رسول اللَّه! أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أُخِذَ بعمله في الجاهلية والإسلام] (١).\nوكذلك روى الإمام مسلم عن عروة بن الزبير: [أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول اللَّه -ﷺ-: أرأيت أمورًا كنت أتحنَّثُ بها في الجاهلية، من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: أسلمتَ على ما أسلفت من خير] (٢). واللَّه تعالى أعلم.\nفغاية القول: أن الشرك يذهب العمل، والخطاب وإن وجّه للنبي -ﷺ- ففيه إقناط للكفرة وتضخيم لهذا الذنب العظيم الذي اقترفوه، وهو خطاب للأمة من باب أولى، ويعجبني ما ذكره العلامة القاسمي حيث قال: (\"إنْ\" تقتضي احتمال الوقوع. وهو هنا\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٢٠). كتاب الإيمان.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٢٣). كتاب الإيمان.","vol":"7","page":8},{"text":"مقطوع بعدمه. قال: فالجواب أنّ هذا الكلام وارد على سبيل الفرض. والمحالات يصح فرضها لأغراض. والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة والإيذان بغاية قبح الإشراك).\nوقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. لفظ الجلالة منصوب بما بعده وهو قوله ﴿فَاعْبُدْ﴾. قال النسفي: (ردٌّ لما أمروه به من عبادة آلهتهم كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إن عبدت فاعبد اللَّه، قال: وكن من الشاكرِين على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد آدم). وقال ابن عباس: (فاعبد: أي فَوَحِّد). وقيل بل المعنى (فأطع). ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ قال الشوكاني: (لإنعامه عليك بما هداك إليه من التوحيد والدعاء إلى دينه واختصك به من الرسالة).\nوفي مسند الإمام أحمد عن أبي تميمة قال: شهدت رسول اللَّه -ﷺ- وأتاه رجل فقال: [أنت رسول اللَّه، أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلام تدعو؟ قال: أدعو إلى ربك الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضْلَلْتَ بأرض قَفْرٍ فدعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١). ورواه أبو داود.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nأما سبب نزول هذه الآية، فهو ما ذكره الإمام أحمد في مسنده ورجاله رجال الصحيح، والترمذي في جامعه، وابن خزيمة في صحيحه، وابن جرير في تفسيره عن علقمة بن عبد اللَّه قال: [جاء رجل إلى النبي -ﷺ- من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم! أبلغك أن اللَّه ﷿ يحمل الخلائق على أصبع، والسماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، فضحك النبي -ﷺ- حتى بدت نواجذه، فأنزل اللَّه ﷿ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾].\nوالحديث في الصحيح بلفظ (فتلا رسول اللَّه -ﷺ-). فقد أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، عند تفسير سورة الزمر، قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: [جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا محمد، إنا نجد: أن اللَّه يجعل السماوات على إصْبَع، والأرضينَ على إصَبعٍ، والشجرَ على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائرَ الخلائِق على إصبع،\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد، وأبو داود (٤٠٨٤). انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢).","vol":"7","page":9},{"text":"فيقول: أنا الملك، فضحك النبي -ﷺ- حتى بدت نواجِذُه تصديقًا لقول الحَبْر، ثم قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾] (١).\nثم ذكر البخاري فقال: قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. فروى عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [يقبض اللَّه الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (٢).\nوفي المسند عن ابن عمر ﵄ قال: [إن رسول اللَّه -ﷺ- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ورسول اللَّه -ﷺ- يقول هكذا بيده، ويحركها يقبل بها ويدبر، يُمَجِّدُ الربِّ نفسَهُ أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم فرجف برسول اللَّه -ﷺ- المِنْبَرُ حتى قُلنا لَيَخِرَّنَ به] (٣).\nوفي تأويل قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أكثر من قول:\nالأول: ما عظموا اللَّه حق تعظيمه. قال السّدي: (ما عظموا اللَّه حق عظمته). وقال المبرد: (ما عظموه حق عظمته من قَوْلك فلان عظيم القدر).\nالثاني: ما آمنوا به ولم يعرفوا قدره. قال ابن عباس: (هم الكفار الذين لم يؤمنوا بِقدرة اللَّه عليهم، فمن آمن أن اللَّه على كل شيء قدير فقد قدر اللَّه حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر اللَّه حق قدره).\nالثالث: ما عبدوه بل أشركوا به. قال النحاس: (ما عظموه حق عظمته إذ عبدوا معه غيره وهو خالق الأشياء ومالكها).\nوكلها في معنى واحد، وهو أن الكافرين ما عرفوا اللَّه حق المعرفة، وما عظّموه حق التعظيم، وما أخلصوا له العبادة، بل نسبوا له النقائص والعيوب، فتعالى اللَّه عما يقولون علوا كبيرًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦/ ١٩ - ٢٠)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٧٠)، والترمذي (٣٢٣٨)، (٣٢٣٩)، وانظر مسند أحمد (١/ ٢٥١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٨١٢)، وأخرجه مسلم في الصحيح برقم (٢٧٨٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٨٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٧٣٢٧).","vol":"7","page":10},{"text":"وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.\nيروي ابن جرير عن علقمة عن عبد اللَّه بن مسعود قال: (كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- حين جاءه حبر من أحبار اليهود فجلس إليه فقال له النبي -ﷺ- حدثنا قال: إن اللَّه ﵎ إذا كان يوم القيامة جعل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والماء والشجر على أصبع وجميع الخلائق على أصبع ثم يهزّهن ثم يقول: أنا الملك. قال: فضحك رسول اللَّه -ﷺ- حتى بدت نواجذه تصديقًا لما قال ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾).\nقال ابن عباس: (قد قبض الأرضين والسماوات جميعًا بيمينه، ألم تسمع أنه قال ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يعني الأرض والسماوات بيمينه جميعًا. قال: وإنما يستعين بشماله المشغولة يمينه).\nقلت: وكأن مراد ابن عباس قوله -ﷺ-: [وكلتا يديه يمين] كما في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو، ولفظه بتمامه: [إن المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين، الذين يَعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).\nوأخرج محمد بن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" عن أبي ذر الغفاري، عن النبي -ﷺ- قال: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢).\nقال ابن عباس: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد اللَّه إلا كخردلة في يد أحدكم).\nوقد خرّج الترمذي عن عائشة: [أنها سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن قوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قالت: قلت فأين الناس يومئذ يا رسول اللَّه؟ قال: على جسر جهنم] (٣). وفي رواية: (على الصراط يا عائشة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٢٧) - كتاب الإمارة. ورواه أحمد.\n(٢) حديث صحيح. رواه ابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١١٤/ ١)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\"، ص (٢٩٠). وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٨٩).","vol":"7","page":11},{"text":"وفي لغة العرب: القَبْضة: المرة من القبض، والقُبضةُ: المقدار المقبوض بالكف، ومنه الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي موسى عن النبي -ﷺ-: [إن اللَّه خلق آدم من قُبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض. .] الحديث. ومذهب السلف في (القبضة واليمين) إثبات ذلك بلا تكييف ولا تحريف ولا تبديل للفظ عما تعرف العرب.\nوقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال القرطبي: (ثم نزّه نفسه على أن يكون ذلك بجارحة).\nوقال الشوكاني: (﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له مع هذه القدرة العظيمة والحكمة الباهرة).\nقلت: ثم أتبع هذه الآية ذكر أهوال القيامة والنفخ في الصور يوم لا ينفع الشرك والرياء أهله بل يفزعون ويتقطعون، كما روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِركَه] (١).\n\n٦٨ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٩٨٥) - كتاب الزهد - باب تحريم الرياء.","vol":"7","page":12},{"text":"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر سبحانه عباده عن أهوال يوم القيامة لعلهم يتقوه ويخافوه، وهذه الأهوال تبدأ بنفخة الفزع ثم نفخة الصعق فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء اللَّه، فيموت بها الأحياء منهم ثم يقبض أرواح من استثنى، وآخِر من يموت ملك الموت فينفردُ اللَّه الحي القيوم بالبقاء إذ لا يشاركه في الديمومة أحد، كما كان على ذلك أولًا فيقول جل في كبريائه: (لمن الملك اليوم) ثلاث مرات! ثم يجيب نفسه فيقول (للَّه الواحد القهار). فقد قهر بجبروته وعظمته كل شيء، ثم يحيى إسرافيل ويأمره بنفخة القيام فينفخ فيقوم الناس لرب العالمين. فإذا برز الرحمان لفصل القضاء بين خلقه أضاءت الأرض وأشرقت بعظيم نوره ويؤتى بكتاب الأعمال لبدء الحساب كما يُحضر النبيون للشهادة على الناس، ويكرم اللَّه أمة محمد بالشهادة انتصارًا للأنبياء وشهادة لهم بتبليغ الأمانة التي جحدها أقوامهم، فيقضي اللَّه بين الرسل وأممهم ويفصل بينهم بالحق ويقاضي كلًا بعمله وهو أعلم بما يفعلون. ثم تسوق الملائكة المجرمين والأشقياء إلى النار سوقًا عنيفًا ودفعًا غليظًا فإذا ما وصلوها فتحت أبوابها فتحًا سريعًا، ليباشروهم عقابًا أليمًا بما أشركوا باللَّه وضيعوا شرعه وحكموا بغيره واستهزؤوا برسله، وتقول لهم الملائكة تقريعًا وتوبيخًا: ألم يأتكم رسل من جنسكم بالحجج والبينات وَيُحذرونكم شرّ هذا اليوم وذل الخزي فيه؟ ! قالوا: نعم، ولكن كذبناهم وعاندناهم ليحق علينا الشقاء الذي كتبه اللَّه علينا بعلمه وعدله وحكمته واستحقاقنا له. قالوا: فادخلوا أبواب جهنم ماكثين فيها جزاء مكوثكم في الدنيا على الكبر والعناد والاستهزاء بالحق فبئس ما اخترتم لأنفسكم من الهلاك والشقاء. ثم أخبر سبحانه عن منازل السعداء، أهل الإيمان الأتقياء، حيث تحتفل الملائكة اليوم بتقديمهم، واستقبالهم في وفودهم، ليسيروا في مواكب من البهجة والأمن إلى دار الخلود والاستقرار، فلا نصب بعد اليوم ولا وصَب ولا استعصار، فقد اصطفوا جماعات جماعات، المقربين ثم الأبرار ثم أصحاب اليمين والصالحات، فإذا ما وصلوا دار الخلود والنعيم والمسرات، خرج الخزنة الكرام لاستقبالهم، وتلقتهم الملائكة المقربون بالبشارة والسلام عليهم، سلام عليكم طبتم في منازلكم وفي جنانكم، ماكثين في قصوركم","vol":"7","page":13},{"text":"وغرفاتكم، فقد طابت في الدنيا أقوالكم وأعمالكم، وطابَ جهادكم وسعيكم، فطاب لأجل ذلك جزاؤكم. فتحركت ألسنتهم بحمد اللَّه العظيم، الذي صدقهم وعده الكريم، وأورثهم أرض الجنة أرض النعيم، ينعمون فيها ويتلذذون فنعم أجر العاملين، وأما الملائكة فهم محدقون حول العرش اليوم، يتابعون التسبيح والتعظيم، وقد قاموا بهذا الاستقبال الكريم، فرضي اللَّه عنهم وعن حسن استقبالهم وحسن عبادتهم، ولما فرغ اللَّه من القضاء بين خلقه لهجوا يذكره وقالوا الحمد للَّه رب العالمين. فإلى تفصيل ذلك:\nقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾. أي: نَفَخَ إسرافيل في القرن وهي النفخة الثانية نفخة الصعق، فإن النفخ في الصور ثلاثة أحوال:\nالأولى: نفخة الفزع. وهي التي أشار اللَّه لها في سورة النمل بقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.\nالثانية: نفخة الصعق. وهي قوله في سورة الزمر في هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال السدي: (أي مات).\nالثالثة: نفخة القيام لربّ العالمين. وهي تتمة الآية السابقة: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.\nفبنفخة الصعق يموت الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من استثنى اللَّه سبحانه، ثم يقبض اللَّه أرواح الباقين حتّى يكون آخر من يموت ملك الموت ﵇، فينفرد الحيّ القيوم جل ثناؤه بالديمومة والبقاء، فهو الذي كان أولًا وهو الباقي آخرًا، ثم يقول سبحانه: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ ثم يجيب نفسه بنفسه سبحانه فيقول: (للَّه الواحد القهار)، أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء، وحكمت بالفناء على كل شيء. ثم يحيى اللَّه أولَ من يحيى إسرافيل ويأمره بالنفخة الثالثة وهي نفخة البعث، فينفخ إسرافيل في الصور، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (أي أحياء بعد ما كانوا عظامًا ورفاتًا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة).\nوالآية كقوله في سورة النازعات: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. وكقوله","vol":"7","page":14},{"text":"في سورة الإسراء: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وكقوله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: [بينما يهودي يعرض سلعة له أعطي بها شيئًا كرهه أو لم يرضه قال: لا والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه، قال: تقول: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، ورسول اللَّه -ﷺ- بين أظهرنا؟ قال: فذهب اليهودي إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدًا، وقال: فلان لطم وجهي. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لم لطمت وجهه؟ قال: قال يا رسول اللَّه: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر وأنت بين أظهرنا. قال: فغضب رسول اللَّه -ﷺ- حتى عرف الغضب في وجهه ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء اللَّه فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه. قال: ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث أو في أول من بعث، فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش (وفي رواية: آخذ بقائمة من قوائم العرش) فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي. ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متى ﵇] (١).\nوفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت (٢). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم يُنزل اللَّه من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقلُ. قال: وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذنب (٣) ومنه يركب الخلق يوم القيامة] (٤). (وفي رواية لمسلم: كل ابنِ آدم يأكله التراب إلا عجبَ الذنب منه خلق وفيه يركب).\nوفي جامع الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤١٤)، ومسلم (٧/ ١٠٠ - ١٠١) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أي امتنعت عن الجواب لعدم علمي به.\n(٣) وهو العظم بين الأليتين أسفل الصلب.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٥)، وأخرجه مسلم (٢٩٥٥/ ١٤١).","vol":"7","page":15},{"text":"يا رسول اللَّه! وما تأمرنا؟ قال: قولوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل] (١). وفيه عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول اللَّه ما الصور؟ قال: [قَرْنٌ ينفخُ فيه].\nوعند البخاري عن ابن عباس: [في قوله تعالى ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الصور. و﴿الرَّاجِفَةُ﴾ قال: النفخة الأولى، و﴿الرَّادِفَةُ﴾ قال: الثانية] (٢).\nوأما تفصيل النفخة وما قبلها وما بعدها فقد جاء ذلك في صحيح الإمام مسلم من حديثٌ عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين، لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا، أو أربعين ليلة، فيبعث اللَّه تعالى عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه اللَّه تعالى (وفي رواية: فيطلبه فيهلكه) ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل اللَّه تعالى ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه. ويبقى شرار الناس في خفة الطير (٣) وأحلام السباع (٤)، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارّة أرزاقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا (أي أمال صفحة عنقه) وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه (أي يطينه ويصلحه) فيصعق ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل اللَّه تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: أيها الناس! هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال كم؟ فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق. (وفي رواية: فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق)] (٥).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فيه أكثر من تأويل:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٨٠).\n(٢) رواه البخاري في ترجمة باب. وانظر تخريج المشكاة (٥٥٢٩).\n(٣) المراد سرعتهم إلى الشرور والفساد كسرعة الطير.\n(٤) المراد العدوان والظلم، فهم إليه كالسباع العادية.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٤٠) (١١٦)، وأحمد (٢/ ١٦٦)، وابن حبان (٧٣٥٣).","vol":"7","page":16},{"text":"الأول: أنهم جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت. قال السدي: (جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت).\nوقيل: جبريل وميكائيل وحملة العرش وملك الموت وإسرافيل.\nالثاني: أنهم رضوان والحور ومالك والزبانية. قال الضحاك: (هو رضوان والحور ومالك والزبانية).\nالثالث: أنهم الشهداء. فعن سعيد بن جبير: (الشهداء ثنية اللَّه حول العرش متقلدين السيوف).\nوقيل: عني بالاستثناء في الفزع: الشهداء، وفي الصعق: جبريل وملك الموت وحملة العرش. ورجحه ابن جرير.\nالرابع: أنه موسى ﵇. لما جاء في حديث الصحيحين عن أبي هريرة. وفي رواية أخرى: [فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى اللَّه]. وفي طريق آخر: [لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطِشٌ بجانب العرش (١) فلا أدري أكان فيمن صُعِق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى اللَّه].\nقال القشيري: (ومن حمل الاستثناء على موسى والشهداء فهؤلاء قد ماتوا غير أنهم أحياء عند اللَّه. فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل دون زوال الحياة، ويجوز أن تكون بالموت، ولا يبعد أن تكون الموت والحياة فكل ذلك مما يجوزه العقل، والأمر في وقوعه موقوف على خبر صدق).\nالخامس: قيل اللَّه أعلم بمن استثنى. فعن قتادة قال: (اللَّه أعلم بثنياه).\nوعنه أيضًا: (قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال الحسن: يستثني اللَّه وما يدع أحدًا من أهل السماوات ولا أهل الأرض إلا أذاقه الموت. قال قتادة: قد استثنى اللَّه، واللَّه أعلم إلى ما صارت ثنيته. قال: وذكر لنا أن نبيّ اللَّه قال: أتاني ملك فقال: يا محمد اختر نبيًّا مَلِكًا، أو نبيًا عبدًا، فأومأ إليّ أن تواضَعْ. قال: نبيًا عبدًا. قال: فَأُعْطيت خصلتين: أن جُعِلْتُ أوّلَ من تنشق عنه الأرض، وأولَ\n_________\n(١) أي متعلق به بقوة.","vol":"7","page":17},{"text":"شافِع، فأرفع رأسي فأجدُ موسى آخذًا بالعرش، فاللَّه أعلم أصَعِقَ بعدَ الصعقة الأولى أم لا؟).\nالسادس: قيل الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ يرجع إلى من مات قبل النفخة الأولى. قال القرطبي: (أي فيموت من في السماوات والأرض إلا من سبق موته، لأنهم كانوا قد ماتوا).\nالسابع: قيل عقارب أهل النار وحياتها. ذكره القرطبي أيضًا.\nقلت: اللَّه أعلم ما يستثني عند كل نفخة ومن يُصعَق فيها، ولكن الثابت أن الناس سيموتون جميعًا في نهاية المطاف وأن أول من يرفع رأسه بعد الصعق نبينا ﵊ وهو لا يدري حين يبصر موسى ﵇ متعلقًا بقائمة العرش هل صُعِقَ أم استثنيَ من الصعق.\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾. قال السدي: (في الصور، وهي نفخة البعث).\nوعن عكرمة: (في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ قال: الأولى من الدنيا، والأخيرة من الآخرة).\nوقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. قال ابن جرير: (ذُكِرَ لنا أن معاذ بن جبل سأل نبيَّ اللَّه -ﷺ-: كيف يُبْعَثُ المؤمنون يوم القيامة؟ قال: يبعثون جُرْدًا مُرْدًا مكحلين بني ثلاثين سنة).\nقلت: وهذا ثابت في حديث الترمذي وسنده حسن عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [أهل الجنة جُردٌ، مردٌ، كُحْلٌ، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم] (١).\nورواه أحمد عن معاذ ولفظه: [يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين].\nوأما نساء أهل الجنة فقد وصفهن اللَّه في سورة الواقعة: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. أي في سن واحدة، ليس فيهن العجائز والشّواب، بل كلهن شواب.\nوعن السدي: (﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾: قال حين يبعثون). أي ينظرون إلى البعث\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٤٥) بإسناد حسن في الشواهد، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٩٥) وإسناده على شرط مسلم.","vol":"7","page":18},{"text":"الذي وعدوا به، وإلى الأهوال المحيطةِ بهم، أي قاموا ينظرون ماذا يؤمرون، وقيل بل المعنى ينتظرون ما يفعل بهم.\nقال القاسمي: (أي وقوف، يقلبون أبصارهم دهشًا وحيرة، أو ينتظرون ما يحل بهم).\nوقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالأول: قيل المراد أضاءت بعدل ربها، ذكره الحسن. وقال الضحاك: (بحكم ربها). قال القرطبي: (أي أنارت وأضاءت بعدل اللَّه وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات والعدل نور. قال: إشراقها إضاءتها، يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وشرقت إذا طلعت). وقال النسفي: (وإضافة اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حين ينشر فيها عدله، وينصب فيها موازين قسطه، ويحكم بالحق بين أهلها ولا ترى أزينَ للبقاع من العدل ولا أعمر لها منه).\nالثاني: قيل بل المراد نور يخلقه اللَّه يوم القيامة. قال ابن عباس: (النور المذكور ها هنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نور يخلقه اللَّه فيضيء به الأرض). فتكون إضافة النور إلى اللَّه كإضافة المُلكِ إلى المالك.\nالثالث: قيل بل المراد أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء. فعن السدي: (﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾: قال أضاءت). وقال ابن جرير: (فأَضاءت الأرض بنور ربها. يقال أشرقت الشمس: إذا صفت وأضاءت، وأشرقت: إذا طلعت، وذلك حين يبرز الرحمان لفصل القضاء بين خلقه) واختاره ابن كثير.\nالرابع: قيل بل المراد المعنى الحقيقي وهو أن اللَّه نور السماوات والأرض.\nقال قتادة: (فما يتضارّون في نوره إلا كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه).\nوقال أبو جعفر النحاس: (وقوله ﷿: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ يبين هذا الحديثُ المرفوع من طرق كثيرة صحاح \"وتنظرون إلى اللَّه ﷿ لا تُضامون في رؤيته\" وهو يروى على أربعة أوجه: لا تُضامُون ولا تضارُون ولا تضامُّون ولا تضارّون، فمعنى \"لا تضامُون\" لا يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا في النظر إلى الملوك. و\"لا تضارُون\" لا يلحقكم ضير. و\"لا تضامّون\" لا ينضم بعضكم إلى","vol":"7","page":19},{"text":"بعض ليسأله أن يريه. و\"لا تضارّون\" لا يخالف بعضكم بعضًا، يقال: ضارّه مضارّة وضِرارًا أي خالفه) ذكره القرطبي.\nقلت: والضيم لغة: الظلم، والحديث أصله في صحيح البخاري عن جرير بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنكم سترون ربّكم عيانًا. وفي رواية قال: كنا جلوسًا عند رسول اللَّه -ﷺ- فنظر إلى القمر ليلةَ البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تَضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾] (١).\nوفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [تضامون في رؤية القمر ليلة البدْر؟ قالوا: لا. قال: فكذلك لا تضامون في رؤية ربكم يوم القيامة] (٢).\nوفيه أيضًا عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول اللَّه! أنرى ربنا؟ قال: [تَضَامّون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب؟ قلنا لا. قال: فتضارونَ في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب؟ قالوا: لا. قال: إنكم لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤيتهما].\nفإن اللَّه سبحانه نور السماوات والأرض، فإذا تجلى لعباده ليفصل بينهم فاض النور منه سبحانه: نور وجهه ونور عدله ونور قضائه وحكمه، فكان ذلك كله نورًا على نور.\nوقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾. فيه أكثر من قول:\nالأول: كتب الأعمال. فعن قتادة قال: (كتاب أعمالهم. قال: يريد الكتاب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فأخذ بيمينه وآخذ بشماله). وقال ابن جرير: (يعني كتاب أعمالهم لمحاسبتهم ومجازاتهم).\nالثاني: قيل بل المراد وضع الكتاب للحساب. فعن السدي: (ووضع الكتاب: قال الحساب). أي مِنْ وَضْعِ المُحاسب كتاب المحاسبة بين يديه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٧٣)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٦٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (١٧٨). باب فيما أنكرت الجهمية. انظر صحيح سنن ابن ماجه (١٤٨)، وكذلك (١٤٩) للحديث الذي بعده.","vol":"7","page":20},{"text":"الثالث: قيل بل المراد المحفوظ. قال ابن عباس: (يريد اللوح المحفوظ).\nقلت: والظاهر أنه قد أحضر ما هو مكتوب قد سُطِّرت فيه الأعمال ودقائق الأفعال وعلمه اللَّه وكتبه في اللوح المحفوظ من قبل، ليوزع اليوم على الثقلين كل يأخذ كتابه بيده التي تناسب النتيجة والفصل والعدل والقضاء.\nوقوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾. قال ابن جرير: (وجيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم وردت عليهم في الدنيا حين أتتهم رسالة اللَّه). وقال ابن كثير: (يشهدون على الأمم بأنهم بلغوا رسالات اللَّه إليهم).\nوقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾. فيه أكثر من تأويل:\nالأول: قيل المراد أمة محمد -ﷺ- يشهدون للرسل أنهم قد بلغوا أقوامهم إذ جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة اللَّه.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ فإنهم ليشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وبتكذيب الأمم إيّاهم). والآية كقوله في سورة البقرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.\nالثاني: قيل بل المراد الشهداء الذين قتلوا في سبيل اللَّه.\nقال السدي: (الذين استشهدوا في طاعة اللَّه). وقال القاسمي: (وجوّز إرادة المستشهدين في سبيل اللَّه تعالى، تنويهًا بشأنهم، وترفيعًا لقدرهم، بضمهم إلى النبيين في الموقف). وقال الشوكاني: (وقيل المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل اللَّه، فيشهدون يوم القيامة لمن ذبّ عن دين اللَّه).\nالثالث: قيل بل المراد الحفظة من الملائكة.\nقال ابن زيد: (هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم). وقال القرطبي: (قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ فالسائق يسوقها إلى الحساب والشهيد يشهد عليها، وهو الملك الموكل بالإنسان).\nالرابع: قيل بل المراد الأبرار في كل زمان ليحتجوا أمام اللَّه على أهل ذلك الزمان. قال النسفي: (وقيل هم الأبرار في كل زمان يشهدون على أهل ذلك الزمان). وذكره القاسمي بقوله: (أي الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار المطلعين على أحوالهم).","vol":"7","page":21},{"text":"قلت: والبيان الإلهي يحتمل كل هذه المعاني الجليلة من اشتمال الشهداء على أمة محمد -ﷺ- أمة الوسط، والأبرار في كل زمان، وأتباع الرسل، ومن قتلوا في الذبّ عن دين اللَّه العظيم، ومِنْ حضور الملائكة المختصين بالشهادة لتقام الحجة على الناس في الآخرة كما أقيمت عليهم في الدنيا، وإن كان الأول هو الراجح:\nففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرَّجل، والنبيّ ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومهُ، فَيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا، فَيُقَال له: من يشهدُ لكَ؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيُدعى محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما عِلْمكم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نَبينا، فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (١).\nوفي صحيح الإمام البخاري ومسند أحمد وجامع الترمذي له لفظ آخر عن أبي سعيد به: [يجيء نوح وأمته فيقول اللَّه: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي ربِّ! فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، والوسط: العدل، فيُدعونَ، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (٢).\nوقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾.أي: بالعدل والقسط والصدق. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال القاسمي: (أي فتوزن أعمالهم بميزان العدل، ويوفون جزاء أعمالهم، لا ينقص منها شيء).\nقلت: والمراد القضاء بين النبيين وأممهم، وفصل الخطاب، وإقامة الحجج، وتثبيت الحقوق، ودحض الشبه والأكاذيب والأباطيل، وتعيين المستحقات بدقة وإنصاف، فلا يحمل على أحد ذنب غيره ولا تجزى نفس ولا تعاقب إلا بما اجترحت واكتسبت.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٥٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٠٠٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣٤٩)، والترمذي بإثر (٢٩٦١)، وابن ماجة (٤٢٨٤)، وأحمد (٣/ ٥٨)، وابن حبان (٧٢١٦)، والطبري (٢١٦٥).","vol":"7","page":22},{"text":"وقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾. أي: من خير أو شر، ومن صغير أو كبير. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. أي: فلا تخفى عليه من أعمالهم خافية، فهو الذي يعلم السر وأخفى، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي معهم إذ كانوا يبيتون ما لا يرضى من القول، ويأمرون بالمنكر والفاحشة في الأرض، كما كان مع المؤمنين وهم يحترقون شوقًا للقائه ويبذلون أوقاتهم في رضوانه، وفي الاستعداد للجهاد والموت في سبيله.\nوقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾.أي: جماعة جماعة، وطائفة طائفة، وحزبًا حزبًا، كل حسب انتمائه وصِلاته بأصناف الباطل والهوى وأنواع الغي والضلال. فإن ﴿زُمَرًا﴾ في محل نصب حال.\nفعن قتادة في قوله: ﴿زُمَرًا﴾ قال: (جماعات). وقال أبو عبيدة: (زمرًا: جماعات متفرقة بعضها إثر بعض).\nقال الشوكاني: (وهو مشتق من الزمر، وهو الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه). وقال القاسمي: (أي أفواجًا متفرقة، بعضها في أثر بعض، على تفاوت ضلالهم وغيهم، رعاية للعدل في التقديم والتأخير).\nوقال النسفي: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ سوقًا عنيفًا، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل). وقال القاسمي: (وقيل: دفعًا وزجرًا بصوت كصوت المزمار).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. وهي سبعة أبواب كما قال سبحانه في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾. وجملة (فتحت) جواب (إذا)، إذ إن كل قوم يدخلون من الباب المناسب لأعمالهم ولتوجههم ولما كانوا يخضعون من دون اللَّه من الطواغيت والشهوات والأهواء ومُغريات الحياة الدنيا. قال الحافظ ابن كثير: (وبمجرد وصولهم لها فتحت أبوابها سريعًا لتعجل لهم العقوبة).\nوقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾. أي: تقريعًا لهم وتوبيخًا وزيادة في الحسرة والألم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾: مما أنزل اللَّه على الأنبياء والرسل من الكتب والعلم ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ بالحجج والبراهين ويحذرونكم شرّ هذا الموقف اليوم؟ ! ﴿قَالُوا بَلَى﴾ فأقروا والحسرة تأكل قلوبهم. ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ","vol":"7","page":23},{"text":"عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. أي: فمضى عليهم قضاء اللَّه وكتابته بأن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، إذْ قد علم سبحانه الأعمال كلها وكتبها كتابة علم وعدل لا كتابة ظلم وجبر فتبارك اللَّه أحكم الحاكمين.\nوالآية كقوله سبحانه في سورة السجدة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ثم ذكر سبحانه سبب ما صاروا إليه من الشقاء الذي كتبه اللَّه عليهم لعلمه بفساد نياتهم وتوجههم: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وكقوله في سورة \"المؤمنون\": ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾. وكذلك في سورة تبارك: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾.\nوفي الصحيحين عن علي عن النبي -ﷺ- قال: [ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا: يا رسول اللَّه أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. هو كقوله جل ثناؤه في سورة النبأ: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. وكقوله في سورة البينة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. قال وهب: (تستقبلهم الزبانية بمقامع من نار فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع في الدفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعة ومضر). فهذا مآل الكبر واتباع الهوى فهل أجداكم أو نفعكم عند اللَّه شيئًا، أم هو الذي صيّركم إلى ما أنتم فيه من الشقاء.\nثم وصف سبحانه حال السعداء الأبرار، أهل النجاة والفوز الأخيار، لتستكمل صورة المشهد في ذلك اليوم الرهيب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٨)، ومسلم (٦٤٧) ح (٦)، ورواه أبو داود (٤٦٩٤)، والترمذي (٢١٣٦)، (٣٣٤٤)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٩٨)، وابن ماجة (٧٨).","vol":"7","page":24},{"text":"وهو قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. وعن ابن زيد - في قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ وفي قوله ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ - قال: (كان سوق أولئك عنفًا وتعبًا ودفعًا، وقرأ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ قال: يدفَعون دفعًا، وقرأ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ قال: يدفعه، وقرأ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ثم قرأ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: فهؤلاء وفد اللَّه).\nقال الشوكاني: (أي ساقتهم الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم). وقال النسفي: (المراد سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يكرم ويشرف من الوافدين على بعض الملوك).\nوقال القاسمي: (أي مساق إعزاز وتشريف، للإسراع بهم إلى دار الكرامة ﴿زُمَرًا﴾ أي متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم في الفضل).\nوأحسن الإمام القرطبي الربط بين الآية وما قبلها والمقارنة حيث قال (﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ يعني من الشهداء والزهاد والعلماء والقراء وغيرهم، ممن اتقى اللَّه تعالى وعمل بطاعته. وقال في حق الفريقين ﴿وَسِيقَ﴾ بلفظ واحد، فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. في تقدير جواب (إذا) وجوه عند اهل التفسير:\nالأول: قيل الجواب محذوف تقديره (سعدوا). قال المبرد تقديره: (سعدوا وفتحت). وقيل بل تقديره: اطمأنوا.\nالثاني: قيل بل الجواب قوله ﴿فُتِحَتْ﴾ والواو زائدة. ذكره الأخفش. قال القاسمي نقلًا عن السمين قوله: (وإنما جيء هنا بالواو دون التي قبلها، لأن أبواب السجون مغلقة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له، ثم تغلق عليه. فناسب ذلك عدم الواو فيها. بخلاف أبواب السرور والفرح، فإنها تفتح انتظارًا لمن يدخلها). وقيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على اللَّه","vol":"7","page":25},{"text":"تعالى، والتقدير حتى إذا جاؤوها وأبوابها مفتحة، بدليل قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] ذكره الشوكاني.\nالثالث: قيل بل الجواب محذوف تقديره \"دخلوها\". قال الزجاج: (القول عندي أن الجواب محذوف على تقدير: حتى إذا جاؤوها، وكانت هذه الأشياء التى ذكرت دخلوها فالجواب دخولها وحذف لأن في الكلام دليلًا عليه).\nالرابع: قيل بل الجواب قوله ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضًا. ذكره القاسمي.\nالخامس: قيل بل الجواب محذوف تقديره جاؤوها. ويكون التقدير: (حتى إذا جاؤوها جاؤوها وفتحت أبوابها).\nقال النسفي: (والمعنى حتى إذا جاؤوها وقع مجيئهم مع فتح أبوابها).\nوكلها لطائف جميلة يحتملها التأويل والتفسير تدل على عظمة البيان الإلهي وروعته وجمال آفاقه.\nقال الإمام القرطبي: (وحذف الواو في قصة أهل النار، لأنهم وقفوا على النار وفتحت بعد وقوفهم إذلالًا وترويعًا لهم. ذكره المهدوي وحكى معناه النحاس قبله. قال النحاس: فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني وحذفها من الأول، فقد تكلم فيه بعض أهل العلم بقول لا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وهو أنه لما قال اللَّه ﷿ في أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ دلّ بهذا على أنها كانت مغلقة، ولما قال في أهل الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ دل بهذا علي أنها كانت مفتحة قبل ان يجيئوها، واللَّه أعلم).\nوأما الواو فهي واو الحال على تقدير القول: جاؤوها وقد فتحت لهم الأبواب. وقيل إنها واو الثمانية فإن من عادة العرب في العدد القول: خمسة ستة سبعة وثمانية كقوله تعالى في سورة الحاقة: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، وكقوله في سورة الكهف: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. ومنهم من استدل بهذا التأويل على أن أبواب الجنة ثمانية، واستدل بعضهم بحديث الإمام مسلم وأحمد وبعض أهل السنن عن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما منكم من أحد يتوضأ، فيسبغ الوضوءَ، ثم يقول حين يفرُغُ من وضوئه: أشهد أنْ لا إله إلا اللَّه وحده","vol":"7","page":26},{"text":"لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، إلا فتحت لهُ أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء] (١).\nوفي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون] (٢).\nوقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. قال ابن جرير: (وعنى بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمنة من اللَّه لكم أن ينالكم بعدُ مكروه أو أذى). وقيل الواو ملغاة أي التقدير: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها، قال لهم خزنتها. وقوله ﴿طِبْتُمْ﴾ أي طابت أعمالكم في الدنيا فقابلها اليوم في الآخرة أن طاب مثواكم ومنزلكم. وقال مجاهد: (قوله ﴿طِبْتُمْ﴾ أي كنتم طيبين في طاعة اللَّه). وقال النقاش: (أي طبتم بالعملِ الصالح). وقال مقاتل: (إذا قطعوا جسر جهنم حُبِسْوا على قنطرة بين الجنة والنار، فَيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا وطيُبِّوُا قال لهم رضوان وأصحابه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بمعنى التحية ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾). أي ماكثين فيها أبدًا.\nوقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه حديث القنطرة هذا حيث قال: حدثني الصَّلْتُ بنُ محمد حدثنا يزيدُ بن زُرَيْعٍ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ قال حدثنا سعيدٌ عن قتادةَ عن أبي المتوكل الناجي أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يَخْلُصُ المؤمنون من النار فيُحْبَسُون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأَحَدُهُم أهْدى بمنزلِهِ في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا] (٣).\nوأول من يقرع باب الجنة ويدخلها هو محمد ﵊ خاتم النبيين وسيد ولد آدم، ثم تَلِجُ أمته من بعده.\nفقد روى مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أنا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٣٤) ح (١٧) - كتاب الطهارة - في آخر حديث أطول.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ٩٥)، ومسلم (١١٥٢)، والترمذي (٧٦٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٤٤٠)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣).","vol":"7","page":27},{"text":"أكثر الناس تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة] (١). وفي رواية: (أنا أول شفيع في الجنة).\nوكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [نحن السابقون الأولون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم] (٢). وفي لفظ عند الإمام مسلم عنه: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم (٣)، فاختلفوا فهدانا اللَّه لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه).\nولمسلم عنه أيضًا عن النبي -ﷺ- قال: [أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا صاحب لواء الحمد ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، آخذ بِحلقة باب الجنة فيؤذن لي فيستقبلني وجه الجبار ﷻ فأخر له ساجدًا]. وروى الدارمي نحوه من طريق ابن عباس.\nوكذلك روى مسلم عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك] (٤).\nوأما صفة الزمرة الأولى من بين الزمر الداخلة في هذا الموكب العظيم فهي كما روى الشيخان والإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يتغوطون فيها ولا يتمخطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيًا] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٣٣١)، (٣٣٢) / (١٩٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥)، وأحمد (٢/ ٢٤٣).\n(٣) أي ما سبقونا إلا بهذا القدر.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٣٣) (١٩٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٦).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤) (١٧)، وأخرجه الترمذي (٢٥٣٧)، ورواه أحمد (٢/ ٣١٦)، وابن حبان (٧٤٣٦).","vol":"7","page":28},{"text":"وقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾.\nفإنهم إذا دخلوا الجنة حمدوا اللَّه الذي أذهب عنهم الهَمَّ والغَمَّ وأبدلهم بالحزن والضيق فرجًا ومخرجًا، كما قال سبحانه فى سورة فاطر: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. وكقوله في سورة الأعراف: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.فيحمدون اللَّه عند دخولهم الجنة لما شاهدوا حسن الاستقبال وعاينوا جميل التكريم ورؤية وجه اللَّه العظيم.\nففي صحيح الإمام مسلم عن صهيب عن النبي -ﷺ- قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول اللَّه تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخِلْنا الجنة، وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربِّهم] (١).\nوأما قوله ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ ففيه أكثر من تأويل:\nالأول: قيل المراد أرض الجنة. فعن قتادة: (قوله ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ قال: أرض الجنة). وكذلك قال ابن زيد وقرأ ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وقال القاسمي: (أي أرض الآخرة شبه نيلهم بأعمالهم لها، بإرثهم من آبائهم. فكأن الأعمال آباؤهم). وقال النسفي: (أرض الجنة وقد أورثوها أي ملكوها وجعلوا ملوكها. قال: تشبيهًا بحال الوارث).\nالثاني: قيل بل المراد الأرض التي كانت تكون لأهل النار لو كانوا مؤمنين.\nفقد ذكر ذلك أبو العالية وقتادة والسدي. قال ابن جرير: (وجعل أرض الجنة التي كانت لأهل النار لو كانوا أطاعوا اللَّه في الدنيا فدخلوها ميراثًا لنا عنهم).\nالثالث: قيل بل هو على التقديم والتأخير والمراد أرض الدنيا. ذكره القرطبي.\nقلت: والبيان الإلهي يحتمل هذه اللطائف البديعة، والتفاسير الرفيعة، فالحمد للَّه الذي مَكَّنَنَا في الأرض وخذل عدوّ الحق وأورث الأرض للمؤمنين يحكمون بشرع اللَّه العظيم، ثم كافأهم في قبورهم بأن أراهم مقاعدهم من الجنة وأورثهم مقاعد غيرهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٨١) - كتاب الإيمان.","vol":"7","page":29},{"text":"من أهل النار بما أخلفوا اللَّه ما وعدوه وكانوا كاذبين، ثم هيأ لهم ملكًا في الجنة ليصيروا ملوكًا والخدم حولهم وهم ينعمون ويتلذذون.\nوقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾. قال السدي: (ننزل منها حيث نشاء). وقال أبو جعفر: (نتخذ من الجنة بيتًا ونسكن منها حيث نحبّ ونشتهي). أي حيث شئنا حللنا وحيث أحببنا نزلنا في جناننا المخصصة لنا. قال النسفي: (أي يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ أي يتخذ متبوأ ومقرًا من جنته حيث يشاء). وقوله: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. أي: فهنيئًا لمن قدّم لنفسه في الدنيا لسعادته في الآخرة في الجنة.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّه تعالى: أعْددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر] (١).\nوفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبى -ﷺ- قال: [إن للمؤمنين في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضًا] (٢).\nوفي لفظ آخر: (الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون).\nقال ابن القيم ﵀: (وهذه الخيم غير الغرف والقصور بل هي خيام في البساتين وعلى شواطئ الأنهار).\nوقوله: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾. أي: تراهم يا محمد يوم قضي الأمر محدقين من حول عرش الرحمان. قال ابن جرير: (ويعني بالعرش: السرير). ونقل عن السدي قوله: (محدقين حول العرش، قال: العرش السرير). وإدخال (مِن) في قوله ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ للتأكيد، والمراد حافين حول العرش كقولك (ما جاءني من أحد).\nوقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ في محل نصب حال، أي حال كونهم مسبحين للَّه يلهجون بحمده وبذكره، وقيل: يصلون للَّه حول العرش شكرًا له وتعظيمًا. قال ابن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٢٤) - كتاب الجنة ونعيمها - باب صفة الجنة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٤٣) - كتاب بدء الخلق. وأخرجه مسلم (٢٨٣٨) - كتاب الجنة ونعيمها - باب في صفة خيام الجنة، وما للمؤمنين فيها من الأهلين.","vol":"7","page":30},{"text":"جرير: (يصلون حول عرش اللَّه شكرًا له، والعرب تدخل الباء أحيانًا في التسبيح وتحذفها أحيانًا فتقول: سبح بحمد اللَّه وسبح حَمْدَ اللَّه كما قال جل ثناؤه ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وقال في موضع آخر ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾). قال النسفي: (وذلك للتلذذ دون التعبد لزوال التكليف).\nوقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أي بين الخلائق فريق في الجنة وفريق في السعير. قال الشوكاني: (أي بين العباد بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار). وهو اختيار ابن كثير.\nالتأويل الثاني: قيل: قضي بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء وبين أممهم بالحق والعدل. ذكره القرطبي. وهو اختيار ابن جرير.\nالتأويل الثالث: قيل: بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب درجاتهم. ذكره الشوكاني وَرَجَّح التأويل الأول.\nقلت: فالكل قد أخذ حقه في ذلك اليوم الرهيب، فقد فصل اللَّه بين الأنبياء وأقوامهم بعد أن تقدم الشهداء من أمة محمد بالشهادة ضد المكذبين للرسل على صدق الرسل وتبليغهم. ثم قضي بينهم في دار الخلود كل في مقامه وحسب مرتبته سواء كان من أهل الجنة أو من أهل النار. وكذلك الملائكة فقد أنصفهم ربهم سبحانه في منازلهم ومراتبهم فلهج الملائكة والمؤمنون بحمد اللَّه العظيم الذي حمد نفسه ومدحها من قبلهم فتبارك اللَّه أحسن الخالقين حيث ختم الموقف بقوله: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (افتتح اللَّه أول الخلق بـ \"الحمد للَّه\" فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وختم بالحمد فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).\nقال القرطبي: (فلزم الاقتداء به، والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وخاتمته بحمده).\nوقال القاسمي ﵀: (والقائل: إما الحق ﷻ، أو الملائكة الحافون، أو المؤمنون ممن قضي بينهم، أو الكل، فله الحمد ﷿).\nواختار الحافظ ابن كثير إطلاق الآية حيث قال: (أي نطق الكون أجمعه ناطقه وبهيمه للَّه رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله. قال: ولهذا لم يسند القول إلى قائل فدلّ على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد).\nقلت: فإذا فرح المؤمنون بمنازلهم في الجنة، وَبِخِزْي أعدائهم في النار، نطقت","vol":"7","page":31},{"text":"ألسنتهم بالحمد وتحركت قلوبهم بالشكر والذكر للَّه المنعم الكريم، وشاركتهم بفرحهم الملائكة الكرام، ونَطَقَ معهم كل شيء في هذا الكون بما يحب اللَّه لنفسه من المدح فقالوا جميعًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n\nتم تفسير سورة الزمر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *","vol":"7","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - اللَّه تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك به معه غيره تركه يوم القيامة وشركه، وقال له: اطلب ثوابك من عنده.\n٢ - لا أحدَ أغيرُ من اللَّه، ولذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحبّ إليه المدح من اللَّه ولذلك مدَحَ نفسه، ولا أحدَ أحبُّ إليه العذر من اللَّه، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل.\n٣ - الشمس والقمر ثوران مكوَّران في النار يوم القيامة.\n٤ - إنّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه إليه ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد.\n٥ - عجبًا لأمر المؤمن، إن اللَّه تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له.\n٦ - من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعِه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا.\n٧ - أفضل الصلاة طول القنوت، وأفضل الجهاد من عُقِرَ جوادُه وأريق دَمُه.\n٨ - عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى اللَّه تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات.\n٩ - إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.\n١٠ - إن اللَّه تعالى يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة اللَّه أن يأتي المؤمن ما حرَّم اللَّه عليه.","vol":"7","page":33},{"text":"١١ - ليودَّن أهل العافية يوم القيامة، أنَّ جلودهم قرضت بالمقاريض، مما يرون من ثواب أهل البلاء.\n١٢ - إن اللَّه تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتُغِيَ به وَجْهُه.\n١٣ - الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما ابتغي به وجهُ اللَّه.\n١٤ - إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك.\n١٥ - الطاغوت مشتق من الطغيان. والطاغوت الشيطان، وكل ما عبد من دون الرحمان.\n١٦ - بشرى الدنيا الرؤيا الصالحة، ومن قال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له -صادقًا من قلبه- وجبت له الجنة.\n١٧ - إن اللَّه تعالى يحبّ معاليَ الأمور وأشرافها، ويكره سَفْسَافَها.\n١٨ - إنّ في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها اللَّه لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام.\n١٩ - ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه، واللَّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ.\n٢٠ - أحسن الحديث القرآن، وأحسن القصص القرآن، والقرآن يصدق بعضه بعضًا.\n٢١ - فضل العلم أحبّ إلى اللَّه من فضل العبادة، وخير دينكم الورع.\n٢٢ - ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، لكل جزءً منها حَرُّها.\n٢٣ - من مات وعليه دَيْن فليس ثمّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات.\n٢٤ - لو أنكم توكلون على اللَّه تعالى حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطيرَ، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا.\n٢٥ - قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمان، فمن شاء أقامه، ومن شاء أزاغه. والميزان بيد الرحمان يَرْفَعُ أقوامًا ويخفض آخرين إلى يوم القيامة.\n٢٦ - إذا حضرتم مَوْتاكم فأغِمضُوا البَصَر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإن الملائكة تُؤمِّنُ على ما يقول أهل البيت.\n٢٧ - من سَرّه أن يستجيب اللَّه له عند الشدائد والكُرَبِ، فليكثر الدعاء في الرخاء.","vol":"7","page":34},{"text":"٢٨ - لولا أنكم تذنبون، لخلق اللَّه خلقًا يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم.\n٢٩ - كُلُّ أهل الجنة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا أن اللَّه هداني، فيكون له شُكْرٌ، وُكلُّ أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن اللَّه هداني، فيكون عليه حسرة.\n٣٠ - يقبض اللَّه الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض.\n٣١ - الناقور: الصور. والراجفة: النفخة الأولى. والرادفة: الثانية.\n٣٢ - إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون.\n٣٣ - قال اللَّه تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\n٣٤ - الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلًا، في كل زاوية أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون.\n٣٥ - افتتح اللَّه أول الخلق بـ \"الحمد للَّه\" فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وختم الحساب والقضاء بالحمد فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].\n* * *","vol":"7","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>٤٠ - سورة غافر</span>\nوهي سورة مكية. قيل: سوى الآيتين (٥٦ - ٥٧).\nقال ابن عباس وقتادة: (إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ والتي بعدها). وعدد آيات هذه السورة (٨٥).\nوتسمى بسورة غافر إشارة لقول اللَّه فيها: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾، كما تسمى بسورة المؤمن لاشتمالها على قصة مؤمن آل فرعون.\nقال المهايمي: (سميت به لاشتمالها على كلمات مؤمن آل فرعون، المتضمنة دلائل النبوة ورفع الشبه عنها، والمواعظ والنصائح وسلامته عن أعدائه. وعما أخذوا به، وهي من أعظم مقاصد القرآن. وتسمى سورة غافر وسورة الطّول).\nوقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: (أنزلت سورة حم المؤمن بمكة). وأورد البيهقي في \"الدلائل\" عن ابن عباس قال: (أنزلت الحواميم السبع بمكة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>موضوع السورة</span>\nمنهاج المؤمن في الدعوة\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-254> منهاج السورة</span>-\n١ - انتصار للقرآن من اللَّه العزيز العليم، غافر الذنب وقابل توبة التائبين، شديد العقاب","vol":"7","page":36},{"text":"على المجرمين، وما يجادل في آيات اللَّه إلا أهل الكفر المُسْتدرجين.\n٢ - تسليةُ النبي -ﷺ- بِذِكْرِ أخبار الرسل قبله وصبرهم على أذى قومهم حتى فصل اللَّه بالحق وأنزل نصره على المؤمنين، ونقمته وعذابه بالكافرين.\n٣ - تسبيح الملائكة حملة العرش واستغفارهم للمؤمنين، وسؤال اللَّه تعالى أن يقيهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم برحمته ومن صلح من أرحامهم جنات النعيم.\n٤ - هوان الكفار يوم الحساب، وقد أخزاهم اللَّه بالعذاب، بعدما فرحوا بالشرك في دار الدنيا ونفروا من توحيد اللَّه رب الأرباب.\n٥ - امتنانُ اللَّه على عباده بآيات مقدرته وإنزاله الماء، ليخلصوا له العبادة -سبحانه- والدعاء.\n٦ - ثناء اللَّه على نفسه وعرشه وإثبات تنزل الوحي بأمره لينذر الرسل يوم الحساب، يوم يخرج الناس من قبورهم لنيل الجزاء من الثواب أو العقاب.\n٧ - الإنذار بيوم الآزفة وقد وقعت القلوب في الحناجر من شدة المخافة، وهول الازدحام، وازدحام الأهوال.\n٨ - سنة اللَّه تعالى في أخذ الأمم الظالمة وإنزال نقمته عليها والعذاب، وذلك في الدنيا قبل حلول العذاب الأكبر يوم الحساب.\n٩ - إرسالُ اللَّه تعالى إلى فرعون وهامان وقارون الآثمين، واستكبار القوم ولجوء موسى إلى ربه لينصره على الطاغية وجنوده المجرمين.\n١٠ - تحذير مؤمن آل فرعون قومه تكذيب أو معاندة المرسلين، وتنبيهه لهم أن هذا التمكين في الأرض لا يدوم ولا يرد بأس اللَّه عن القوم المسرفين.\n١١ - تحذير مؤمن آل فرعون قومه عذاب الدارين، وطبع اللَّه على قلوب المتكبرين.\n١٢ - تمادي فرعون في الكفر والضلال، ومساعدة هامان له في تثبيت سلطانه الفاسد، وما كيد الظالمين إلا في تبار وخسار.\n١٣ - استمرار مؤمن آل فرعون تحذير قومه غرور الحياة الدنيا، وترغيبه لهم في طاعة اللَّه الموصلة إلى جنات النعيم، وتوضيحه لهم أن ما هم عليه من الكفر والإفساد يوصل إلى عذاب الجحيم، وأنهم سيذكرون يومًا قوله ونصيحته لهم واللَّه هو السميع البصير العليم.","vol":"7","page":37},{"text":"١٤ - نجاةُ مؤمن آل فرعون في الدنيا والآخرة، وإحاطة العذاب بفرعون وجنده في الغرق والقبر ثم بنار الآخرة المستعرة.\n١٥ - حوار الرؤساء مع أتباعهم من المجرمين، وصورة الخزي والندم على الكافرين.\n١٦ - تقدير اللَّه نزول نصره على رسله وعباده المؤمنين في الدارين، وتسلية اللَّه نبيّه عما يلقاه من أذى المشركين.\n١٧ - تسفيه المنكرين للبعث والمعاد، بأن خلق اللَّه السماوات والأرض أكبر من خلق العباد.\n١٨ - أمْرُ اللَّه عباده إفراده بالدعاء والتعظيم، والمستكبرون عن عبادته مآلهم إلى نار الجحيم.\n١٩ - امتنان اللَّه تعالى على عباده بنعمة الليل والنهار، والأرض والسماء والتصوير والرزق الحلال.\n٢٠ - تفرّد اللَّه تعالى بأمر الإماتة والإحياء، وتقريع المشركين الذين يفرحون بالباطل ومصيرهم إلى الخزي والعذاب والإعياء.\n٢١ - تسلية اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- بأمره بالصبر، وتبشيره باقتراب الفرج.\n٢٢ - امتنان اللَّه على قريش ومن بعدهم بنعمة الأنعام، والمنافع العائدة عليهم منها في المأكل والمشرب والمركب، وكذلك نعمة ركوب السفن في البحار.\n٢٣ - التحذير من مصير الأمم الكافرة التي كفرت وجاءها العذاب بعد الطغيان، وما أغنى عنها ما أُعطيت من القوة والأموال والبنيان.\n٢٤ - إيمان كثير من الناس عند رؤية العذاب، وكفرهم باللَّه بعد ذهاب العقاب.\n٢٥ - سنة اللَّه التي قد خلت في عباده أن الهلاك على الكافرين، والنجاة لطائفة المؤمنين.\n* * *","vol":"7","page":38},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٩. قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إن هذا القرآن المعجز هو من جنس هذه الحروف العربية، فهو تنزيل من اللَّه العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم بما يعملون في السر والخفاء أو علانية وجهارًا تحت سمائه، وهو الغفور يقبل التوبة عن عباده، الشديد العقاب لِمَنْ تمادى في طغيانه وعناده، وهو المتفَضِّلُ صاحب الفضل والنعم المبسوطة على مَنْ شاء من خلقه، المتطوِّل عليهم بما لا يقدرون ولا يطيقون القيام بشكره، من الفضل والمنِّ والإنعام، وتذليل الدنيا وجميل الأيام. إنه ما يَدْفَعُ الحق من عباده بعد البرهان، إلا الجاحدون الذين يتقلبون في البلاد بالكفر والطغيان، وَحُبِّ الرياسة والكبر والعلو بالظلم على الأنام، فقد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من الأمم بعدهم، ممّن أهمَّتهم دنياهم وتعظيم شهواتهم، وبغوا وتمادوا حتى همّت كل أمة بقتل رسولهم،","vol":"7","page":39},{"text":"والمكر واستخدام الباطل في محاولة لتقويض الحق ولكن أنّى لهم، فقد عاجلهم اللَّه بالعقوبة وأنزل العذاب بهم، وحقت عليهم كلمة اللَّه ليملأن جهنم منهم ومن أتباعهم. لكنِ الملائكة الذين يحملون العرش يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للمؤمنين ويدعون اللَّه لهم، بأن يمنّ عليهم بالمغفرة والنجاة من عذاب الجحيم، ودخول الجنان هم وذراريهم ممن اتبعهم آمنين، دون الخوض في متاعب الحساب وآلام العذاب.\nفإلى تفصيل ذلك:\nقوله تعالى: ﴿حم﴾. أجمل ما قيل فيه: إنه إعجاز للعرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي ركبت كلماته من مثل هذه الأحرف المقطعة. وقد مضى ذكر أمثال ذلك.\nأخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن المُهَلِّب بن أبي صُفْرَة قال: أخبرني من سمع النبي -ﷺ- يقول: [إنْ بُيِّتُمْ فليكن شِعارُكمْ: حم لا ينصرون] (١).\nويبدو أن الانتصار قد تواتر بعد ذكر هذه الحروف في أوائل تلك السور التي ذكر فيها. فقال هنا جل ذكره: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. و﴿تَنْزِيلُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، أو مبتدأ مرفوع للخبر ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. والمعنى: هذا القرآن هو تنزيل من اللَّه ذي العزة والعلم.\nقال ابن جرير: (من اللَّه ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه، ﴿الْعَلِيمِ﴾ بما يعملون من الأعمال وغيرها، تنزيل هذا الكتاب). وقال ابن كثير: (فلا يرام عزه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه). وقال النسفي: (أي المنيع بسلطانه عن أن يتقول عليه متقول، العليم بمن صدق به وكذب، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين).\nوقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾. أي يغفر ما سلف، ويعفو ويصفح عمن تاب وأقبل صادقًا.\nوقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾. أي لمن تمرَّد وطغى، وآثر الحياة الدنيا وبغى، وعتا عن أوامر اللَّه فاستكبر وعصى.\nوهذا كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو دواد (٢٥٩٧) - كتاب الجهاد، باب في الرجل ينادي بالشعار، وكذلك أخرجه الترمذي (١٦٨٢)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٦٢٢)، والحاكم (٢/ ١٠٧) وإسناده صحيح. وجهالة الصحابي لا تضر. وانظر صحيح سنن أبي داود (٢٢٦٢).","vol":"7","page":40},{"text":"وقد أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأحمد في \"المسند\" بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، وويل لأقماع القول، وويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (١).\nقال الزمخشري: (من المجاز \"ويل لأقماع القول\" وهم الذين يستمعون ولا يعون). فشبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعلمون به بالأقماع -جمع قِمْع- التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازًا كما يمر الشراب في القمع.\nوقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾. أي: ذي الفضل والنعم المبسوطة على من شاء من خلقه، ونعمه لا يحصيها أحد. يقال منه: إنّ فلانًا لذو طول على أصحابه إذا كان ذا فضل عليهم.\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يقول: ذي السعة والغنى). وقال مجاهد: (الغنى). وقال قتادة: (أي: ذي النعم والفواضل). وقال ابن زيد: (الطول: القدرة). وقال عكرمة: (ذي المَنّ). وقال يزيد بن الأصمِّ: (﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: يعني الخير الكثير).\nوقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.\nأي: لا نظير له تعالى في صفاته، وفي تفضله ومنّه وكرمه، وفي مغفرته وعقابه، فأفردوه بالعبادة والتعظيم، والتمسوا المقام بين الخوف والرجاء، فإليه المآل في نهاية الحال.\nوقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾.\nأي: لا يخاصم في حجج اللَّه وأدلته على وحدانيته إلا الذين جحدوا آياته، فلا يخدعك -يا محمد- تصرّفهم في البلاد ومكثهم فيها مع كفرهم، فإن اللَّه تعالى يمهلهم ليبلغ الكتاب أجله ولتحق عليهم كلمة العذاب.\nوعن قتادة: (﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَاد﴾: أسفارهم فيها ومجيئهم وذهابهم).\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٨٠)، وأحمد (٢/ ١٦٥)، (٢/ ٢١٩)، وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب من المسند\" (١/ ٤٢). وانظر السلسلة الصحيحة (٤٨٢).\nوالأقماع: جمع قِمْع - الإناء يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع.","vol":"7","page":41},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧].\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ اللَّه لَيُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).\nوقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال قتادة: (الكفار). أي: كذّب قبل قومك -يا محمد- قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهم الأمم الذين تحزّبوا وتجمَّعوا على رسلهم بالتكذيب لها، كعاد وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين وأشباههم.\nوقوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. أي: ليقتلوه. والأخيذ: الأسير.\nقال ابن كثير: (أي: حرصوا على قتله بكل ممكن، ومنهم من قتل رسولَهم).\nوقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾.\nأي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة، وماحلوا بالشبهة ليبطلوا بجدالهم وخصومتهم الحق الذي معه من الدخول في طاعته، كما يخاصمك قومك يا محمد.\nأخرج أبو داود والحاكم عن عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: [من أعان على خصومة بظلم، لم يزل في سخط اللَّه حتى ينزع]. وفي لفظ: [فقد باء بغضب من اللَّه ﷿].\nوفي لفظ: [من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط اللَّه حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، حبس في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج مما قال] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦) - كتاب التفسير، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٣١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ١١٧)، والحاكم (٢/ ٢٧)، والسياق له، وأحمد =","vol":"7","page":42},{"text":"وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾. قال قتادة: (شديد واللَّه).\nوالمقصود: فكيف كان انتقامي منهم؟ ألم أهلكهم فأجعلهم للخلق عبرة ولمن بعدهم عظة؟ فالديار خراب، والمساكن خلاء!\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّار﴾.\nأي: كما وجب العذاب على الأمم التي كذبت رسلها قبلك -يا محمد- كذلك وجبت كلمة ربك على كفار قومك الذين اتخذوا الجدال بالباطل طريقًا لهم لدحض الحق الجلي.\nقيل: ﴿أَنَّهُمْ﴾ بدل من الكلمة، والتقدير: أحقت الكلمة حقًا أنهم أصحاب النار. وقيل: بل هي ترجمة عن الكلمة، والتقدير: وكذلك حق عليهم عذاب النار الذي وعد اللَّه أهل الكفر به - واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: يقْرِنون بين التسبيح الدّال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح). قال النسفي: (﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي مع حمده، إذ الباء تدل على أن تسبيحهم بالحمدلة).\nقلت: وحملة العرش هم سادة الملائكة، وأعظمهم قوة وخلقًا.\nكما قال تعالى في سورة الحاقة: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].\nوقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر، عن النبي -ﷺ- قال: [أُذِنَ لي أن أُحَدِّثَ عن ملك من ملائكة اللَّه تعالى حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة سنة] (١).\nوله شاهد عند الطبراني بسند جيد من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أُذِنَ لي أن أُحَدِّثَ عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنهِ العرش،\n_________\n= (٢/ ٧٠). وكذلك (٢/ ٨٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٣٨).\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٧٢٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥١).","vol":"7","page":43},{"text":"وبين شحمة أذنيه وعاتقهِ خفقان الطير سبع مئة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت] (١).\nوقوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. فيه إظهار شرف الإيمان، فهم مع ما أوتوا من قوة لحمل العرش فإنهم أذلاء خاشعون للَّه.\nوقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.قال قتادة: (لأهل لا إله إلا اللَّه).\nقال ابن جرير: (يقول: ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم من توحيد اللَّه، والبراءة من كل معبود سواه ذنوبهم فيعفوها عنهم).\nوفي السنة الصحيحة ما يدل على مثل ذلك:\nففي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما مِنْ عبدٍ مسلم يدعو لأخيه يظهر الغيب إلا قال الملك ولك بمثل] (٢). وفي لفظ آخر: [مَنْ دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكَّلُ بهِ: آمين، ولك بِمِثْل].\nوفي مسند أحمد بإسناد صحيح عن علي ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا عادَ الرجل أخاه المسلم مشى في خرافة (٣) الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان عشيًا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح] (٤).\nوعن خلف بن هشام البزار القارئ قال: (كنت أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكى ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على اللَّه نائمًا على فراشه والملائكة يستغفرون له).\nوقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: (افهموها فما في العالم جنة\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه الطبراني من حديث أنس. انظر صحيح الجامع (٨٦٦)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٥٣٨) - بحث: الإيمان بالملائكة - لمزيد من التفصيل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢٧٣٢) - كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب. ح (٨٦)، ح (٨٧).\n(٣) أي في اجتناء ثمرها.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٨١)، وأبو داود (٣٠٩٩)، وابن ماجة (١/ ٤٤٠)، وأخرجه الحاكم (١/ ٣٤٩)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٧٧). وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٦٧).","vol":"7","page":44},{"text":"أرجى منها، إن ملكًا واحدًا لو سأل اللَّه أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾. أي رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم.\nوقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾. أي: فاصفح عمن أساء ثم جاء تائبًا مطيعًا.\nقال قتادة: (﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ من الشرك ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي طاعتك).\nوقوله: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. أي: اصرف عن الذين تابوا واتبعوا سبيلك عذاب النار يوم القيامة.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾. أي: ربنا اجمع بينهم وبينهم، ممن عمل صالحًا مثلهم ليتم سرورهم بهم.\nكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].\nأخرج البزار والبغوي بسند صحيح عن ابن عباس رفعه إلى النبي -ﷺ- قال: [إنّ اللَّه لَيَرْفَعُ ذُرَّية المؤمن إليه في درجته، وإنْ كانوا دونه في العمل، لِتَقَرَّ بهم عَيْنُه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية، ثم قال: وما نَقَصْنا الآباءَ بما أَعْطَينا البنين] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي إنك أنت -يا ربنا- العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره وشرعه وقدره.\nوقوله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾. قال قتادة: (أي العذاب). أي: وقِهم عذاب السيئات. وقال أيضًا: (أي وقهم ما يسوؤهم). والمقصود: وقهم فعل السيئات أو الوقوع في حبائلها.\nوقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾. أي: ومن تق السيئات وعواقبها يوم القيامة فقد رحمته بالنجاة والجنة ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه البزار (ص ٢٢١)، وابن عدي (ق ٢٧٠/ ١)، والبغوي في \"التفسير\" (٨/ ٨٢)، والحاكم (٢/ ٤٦٨)، وانظر السلسلة الصحيحة (٢٤٩٠).","vol":"7","page":45},{"text":"١٠ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى كيف ينادى الكفار في النار وقد مقتوا أنفسهم إذ ضيّعوا دنياهم بالكفر فاستحقوا العذاب في أخراهم فيقال لهم: إن مقت اللَّه إياكم في الدنيا وأنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون هو أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم، وقد أخزاكم اللَّه في عذاب الهون، ذلك بأنكم كنتم تفرحون بالشرك وتنفرون من توحيده تعالى فالحكم له اليوم وحده لا شريك له.\nإنه -تعالى- هو الذي يبين لكم آيات مقدرته وينزل لكم الماء من السماء وما يتذكر -أيها العباد- إلا من ينيب، فأخلصوا له العبادة والدعاء رغم أنف الكافرين فإن اللَّه سبحانه سميع قريب.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُم إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال مجاهد: (مقتوا أنفسهم حين رأوا أعمالهم، ومَقْتُ اللَّه إياهم في الدنيا، إذ يُدعون إلى الإيمان فيكفرون، أكبر).\nوقال قتادة: (يقول: لمقت اللَّه أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا، فتركوه وأبوا أن يقبلوا، أكبر مما مقتوا أنفسهم، حين عاينوا عذاب اللَّه يوم القيامة).\nوأصل المقت في لغة العرب البغض، يقال: مقت فلان فلانًا أي أبغضه، والمقصود أن الكفار أبغضوا أنفسهم بسبب ما أسفلوا من الأعمال التي أوصلتهم إلى عذاب النار، فنادتهم الملائكة بأن مقت اللَّه لهم وهم يردون أمره في الدنيا ويستكبرون عن طاعته كان أكبر.","vol":"7","page":46},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾.\nإخبار عن تلطفهم في السؤال، فقالوا: يا رب إنه بقدرتك العظيمة أحييتنا بعد ما كنا أمواتًا في أصلاب آبائنا ثم أمتنا بعد انتهاء حياتنا الدنيا ثم أحييتنا اليوم للحساب وقد اعترفنا بذنوبنا وظلمنا أنفسنا في الدار الدنيا فهل أنت مجيبنا للعودة إلى دار الامتحان في الدنيا لنعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل؟ !\nوعن ابن عباس: قوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: (هو كقوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾).\nوعن قتادة قال: (كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم، فأحياهم اللَّه في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان).\nقال: (﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ فهل إلى كرّة إلى الدنيا).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾.\nأي: فَأُجيبوا حين طلبوا الرجعة أن لا سبيل إلى ذلك (١)، والسبب وراء هذا المنع أنّ سجاياكم لا تقبل الحق بل تمجُّه وتنفيه فما بكم حبّ اللَّه ودينه ورسله وإنما إرادة التخلص من ألم النار، وقد قضى اللَّه أن لا رجعة إلى تلك الدار، فالحكم إليه إنه هو الحكيم الجبار العلي المتعال.\nقال ابن جرير: (﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ فأنكرتم أن تكون الألوهة له خالصة وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ يقول: وإن يجعل للَّه شريك تصدقوا من جعل ذلك له ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ يقول: فالقضاء للَّه العلي على كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرًا له اليوم).\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾.\nأي: هو الذي يريكم آيات قدرته العجيبة من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق والزلازل والبراكين وغير ذلك مما يدل على انفراده سبحانه بالجبروت\n_________\n(١) أي في الكلام محذوف هذا تقديره، وقد استغني بدلالة الظاهر من ذكره عليه.","vol":"7","page":47},{"text":"والعظمة، وكذلك ينزل لكم من السماء الغيث الذي يخرج به أقواتكم وغذاء أنعامكم وما يعقب ذلك من أرزاقكم.\nوقوله: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾. قال السدي: (من يقبل إلى طاعة اللَّه).\nأي: وما يتعظ بحجج اللَّه ويعتبر بها إلا من هو بصير راجع إلى اللَّه يرجو رحمته ويخشى عذابه.\nوقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.\nقال النسفى: (ثم قال للمنيبين: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ فاعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وإن غاظ ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم).\nأخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [ادعوا اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن اللَّه لا يستجيب دعاءً مِنْ قَلْبٍ غافل لاهٍ] (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي الزبير قال: [كان ابن الزُّبير يقول في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ، حين يُسَلِّمُ: \"لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إياه، له النِّعمةُ وله الفَضْلُ، وله الثناءُ الحَسَنُ، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون\". وقال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُهلّل بِهنَّ دُبُرَ كل صلاة] (٢).\n\n١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء اللَّه تعالى على نفسه، ومدح عرشه، وإثبات تنزل الوحي\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٤٧٩). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٧٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٩٤) - كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته. وانظر مسند أحمد (٤/ ٤) بإسناد على شرط مسلم.","vol":"7","page":48},{"text":"بأمره، لينذر الرسل يوم التلاقي. يوم يخرج الناس من قبورهم للحساب، ونيل ما استحقوا من الثواب أو العقاب.\nفقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾.إخبار عن عظمته تعالى وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع سماواته ومخلوقاته.\nأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (١).\nوأخرج ابن خزيمة في \"التوحيد\"، وعبد اللَّه بن أحمد في \"السنة\" بسند صحيح عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره] (٢).\nوقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.\nقال ابن زيد: (هذا القرآن هو الروح أوحاه اللَّه إلى جبريل، وجبريل روح نزل به على النبي -ﷺ- وقرأ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]).\nوقال قتادة: (﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ قال: الوحي من أمره).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤].\nوهذا الوحي الأخير من اللَّه هو أكبر معجزة باقية في الأرض إلى يوم القيامة.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [ما مِنَ الأنبياء من نَبِيٍّ إلا قد أُعْطِيَ من الآيات ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أَوْحى اللَّه إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه ابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١١٤/ ١)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٢٩٠)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٩).\n(٢) صحيح موقوف. أخرجه ابن خزيمة في \"التوحيد\" وعبد اللَّه بن أحمد في \"السنة\". انظر \"مختصر العلو\" ص (١٠٢)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١١٦١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٨١) - كتاب فضائل القرآن، وكذلك (٧٢٧٤). =","vol":"7","page":49},{"text":"وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظمه اللَّه، وحذره عباده). وقال قتادة: (يوم تلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والخالق والخلق). وقال ابن زيد: (يوم تتلاقى العباد). وقال ميمون بن مِهران: (يلتقي الظالم والمظلوم). ولا شك أن كل هذه الأوصاف كائنة يوم القيامة.\nوقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾. أي: ظاهرون لا يخفى عليه شيء منهم ومن أعمالهم.\nقال القرطبي: (ومعنى: ﴿بَارِزُونَ﴾ خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء، لأن الأرض يومئذ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمْتًا).\nوقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول الرب: لمن السلطان اليوم؟ وذلك يوم القيامة. فيجيب نفسه فيقول: للَّه الواحد الذي لا مثل له ولا شبيه، القهار لكل شيء سواه بقدرته الغالب بعزته).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [يقبِضُ اللَّه الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (١).\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾.\nإخبار عن عدله تعالى في قضائه وفصله بين خلقه، وحكمه على أعمالهم وما كسبت أيديهم، فإنه تعالى يجازي الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢].\n_________\n= وأخرجه مسلم (١٥٢) - كتاب الإيمان - وقد مضى.\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٢) - كتاب التفسير. وكذلك (٧٤١٢)، ورواه مسلم.","vol":"7","page":50},{"text":"وفي صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول اللَّه -ﷺ- فيما يحكي عن ربه ﷿ أنه قال: [يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا -إلى أن قال- يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجَدَ خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسَه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي -ﷺ- قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب! لِمَنْ يزنُ هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nأي يحاسب الخلائق جميعهم كما يحاسب نفسًا واحدة.\nكما قال جل ذكره: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]. وكقوله جل ثناؤه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].\nقال القاسمي: (﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي بإيصال ما يستحق كل منهم إليه، من تبعات سيئاته وثمرات حسناته).\n\n١٨ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- إنذار قومه يوم القيامة وقد وقعت القلوب في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٧٧)، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجة (٤٢٥٧)، وأحمد في المسند (٥/ ١٦٠)، وأخرجه ابن حبان (٦١٩).\n(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦)، وإسناده صحيح لغيره. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).","vol":"7","page":51},{"text":"الحناجر من شدة المخافة وازدحام الأهوال وما من شفيع للظالمين ولا حميم. إنه تعالى يعلم السر وأخفى، ويقضي بالحق والذين يدعون من دونه ليس لهم من الحكم شيء واللَّه هو السميع البصير.\nفقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. قال مجاهد: (يوم القيامة). وقال ابن زيد: (يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧ - ٥٨]).\nقال ابن جرير: (-يقول-: وأنذر يا محمد قومك يوم الآزفة يعني يوم القيامة أن يوافوا اللَّه فيه بأعمالهم الخبيثة فيستحقوا من اللَّه عقابه الأليم).\nوفي لغة العرب: أزِفَ الرحيل أي دنا، فسميت الآزفة -أي القيامة- بذلك لأنها قريبة إذ كل ما هو آتٍ قريب.\nوقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾.\nقال قتادة: (قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة، فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها).\nوقال السدي: (شخصت أفئدتهم عن أمكنتها فنشبت في حلوقهم فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا، ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقر).\nونصب ﴿كَاظِمِينَ﴾ على الحال، أي ساكتين لا يتكلم أحد إلا بإذنه تعالى.\nكما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ: ٣٨].\nوقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾.\nقال السدي: (من يعنيه أمرهم، ولا شفيع لهم). قال النسفي: (﴿مَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ محب مشفق ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي يشفع).\nوالحميم في لغة العرب: القريب الذي تهتم لأمره. والمقصود: ما للكافرين باللَّه يوم الآزفة من حميم يحم لهم فيدفع عنهم هول ما نزل بهم من عذاب اللَّه، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع ويُجاب لما سأل.\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾.\nقال مجاهد: (﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: نظر الأعين إلى ما نهى اللَّه عنه). وقال قتادة: (أي يعلم همزه بعينه وإغماضه فيما لا يحب اللَّه ولا يرضاه).","vol":"7","page":52},{"text":"قال ابن عباس: (هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غضَّ بصره). قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صَغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها، ليحذَرَ الناسُ عِلمَهُ فيهم، فيستحيوا من اللَّه تعالى حقّ الحياء، وَيتَّقوه حقّ تقواه، ويراقبوه مُراقبة مَنْ يَعْلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلَمُ العينَ الخائنة وإن أبدت أمانةً، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصُدور من الضمائر والسرائر).\nوقوله: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. أي تكنّه وتضمره.\nقال ابن عباس: (هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غضّ بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسَّسَ بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غضّ بصره، وقد علم اللَّه ﷿ منه أنه يودّ لو نظر إلى عورتها). قال: (﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي هل يزني بها لو خلا بها أو لا).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾.\nقال القرطبي: (أي يجازي من غَضَّ بصرَه عن المحارم ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها). وقال القاسمي: (﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾. أي: لأنهم لا يقدرون على شيء.\nقال النسفي: (تهكّمٌ بهم -يعني بآلهتهم- لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾. تقرير ووعيد وتعريض. تقرير أنه تعالى هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ووعيد لهم بأنه تعالى يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون ومصيرهم إليه، وتعريض بآلهتهم الهزيلة التي لا تسمع ولا تبصر.\n\n٢١ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ","vol":"7","page":53},{"text":"وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول تعالى: أولم ير هؤلاء المشركون ما حل بالأمم الكافرة قبلهم -وهم يسيرون في أطراف البلاد فيمرون على آثارهم- مع أنهم كانوا أشد منهم قوة في الأجسام، ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: من المعالم العظيمة والصروح المتينة وقوي البنيان، فأخذهم اللَّه بذنوبهم وما وقاهم من عذاب اللَّه واق، إنهم كفروا رغم ما أُثْبِتَ لهم من الآيات الداعية إلى الإيمان، وما يقتضيه من الأركان، فدمرهم اللَّه، إن عذابه شديد أليم موجع لا مردّ له إذا نزل بالقوم الكافرين.\nوعن قتادة: (﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ يقيهم، ولا ينفعهم).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nقال ابن جرير: (-يقول-: فاحذروا أيها القوم أن تسلكوا سبيلهم في تكذيب محمد -ﷺ- وجحود توحيد اللَّه ومخالفة أمره ونهيه فيسلك بكم في تعجيل الهلاك لكم مسلكهم).\n\n٢٣ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: خَبَرُ إرسال اللَّه تعالى موسى -ﷺ- إلى فرعون وهامان وقارون، ومقابلتهم للحق بالتكذيب والمكر والتهديد بالقتل، ولجوء موسى ﵇ إلى ربه لينصره على هذا الطاغية المتجبر المتكبر.","vol":"7","page":54},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. السلطان هو الحجة والبرهان. قال قتادة: (أي عذر مبين).\nوالآية تسلية من اللَّه تعالى لنبيه -ﷺ- عما يلقى من مشركي قريش بإعلامه ما لقي موسى قبله من فرعون وملئه، وسنته سبحانه في أهل الكفر.\nوقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾. أي: إلى رؤوس الكفر والمكر والكبر.\nففرعون رأس الكفر في زمانه، يعاونه وزيره هامان رأس المكر، وأكثر الناس في زمانه مالًا وتجارة قارون رأس الكبر.\nوقوله: ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. أي اتهموه بالكذب والسحر والجنون.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾.\nأي فلما جاءهم موسى بتوحيد اللَّه وإفراده بالتعظيم والعمل بطاعته مع إقامة الحجة عليهم قالوا اقتلوا أبناء من آمن معه وأبقوا نساءهم للخدمة. قال قتادة: (هذا قتل غير القتل الأول الذي كان) (١).\nوقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. أي: وما مكرهم في محاولتهم تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك.\nقال ابن جرير: (وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان باللَّه إلا في جور عن سبيل الحق، وصدّ عن قصد المحجة).\nوقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾.\nقال ابن كثير: (وهذا عَزْمٌ من فِرْعونَ -لعنه اللَّه- على قتل موسى -﵇- أي قال لقومه: دعوني حتى أقتلَ لكم هذا، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: لا أبالي منه. وهذا في غاية الجَحْدِ والتَّجهرُم والعناد).\nوقوله: ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.\nقال قتادة: (﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أي أمركم الذي أنتم عليه ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ والفساد عنده أن يعمل بطاعة اللَّه).\n_________\n(١) أي غير القتل الذي كان قبل مولد موسى ﵇ للاحتراز من ولادته.","vol":"7","page":55},{"text":"قال القرطبي: (إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في الأرض الفساد. أي يقع بين الناس بسببه الخلاف).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾.\nقال ابن جرير: (وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم من كل متكبر عليه تكبر عن توحيده والإقرار بألوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب اللَّه فيه خلقه).\nقال النسفي: (وقال: ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على اللَّه وعباده، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها).\nوفي سنن أبي داود ومسند أحمد بسند صحيح عن أبي بردة بن عبد اللَّه، أن أباه حدثه، أن النبي -ﷺ- كان إذا خاف قومًا قال: [اللهم إنا نَجْعَلُكَ في نحورهم، ونعوذُ بكَ من شرورهم] (١).\n\n٢٩ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذيرُ مؤمن آل فرعون قومه مغبة إقدامهم على قتل رجل يقول ربي اللَّه ويدلهم على الإيمان به وسبيل النجاة والسعادة في الدارين، وتنبيهه لهم أن هذا التمكين في الأرض قد لا يدوم وقد يأتي عذاب اللَّه فلا يرد عن القوم المسرفين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٥٣٧) - باب ما يقول إذا خاف قومًا. وأخرجه أحمد (٤/ ٤١٤ - ٤١٥)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٦٠١). انظر صحيح أبي داود (١٣٦٠). ورواه الحاكم (٢/ ١٤٢) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.","vol":"7","page":56},{"text":"فقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾.\nقال السدي: (هو ابن عم فرعون. ويقال: هو الذي نجا مع موسى). وقيل: (كان قبطيًا آمن بموسى سرًا). قلت: والأرجح أن يقال: كان رجلًا مؤمنًا من آل فرعون يخفي إيمانه.\nوقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. هذه كلمة حق عند سلطان جائر، وقد ثبت في السنة الصحيحة أن ذلك من أعظم الجهاد.\nفقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أفضلُ الجهاد كلمةُ عدْلٍ عِندَ سلطانٍ جائر -أو \"أمير جائر\"-] (١).\nو﴿أَنْ﴾ في موضع نصب، والتقدير: أتقتلون موسى لأن يقول ربي اللَّه.\nوعن ابن إسحاق: (﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعصاه ويده).\nوقد استشهد أبو بكر ﵁ بهذه الآية مدافعًا عن رسول اللَّه -ﷺ- وقد تطاول عليه الشقي عقبة بن أبي معيط وهو يصلي عند الكعبة يريد خنقه.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن عروة بن الزبير قال: [قلت لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشدِّ ما صَنَعَ المشركون برسول اللَّه -ﷺ-، قال: بَيْنا رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بفِناء الكعبة إذ أقبل عقبةُ بن أبي مُعَيْطٍ فأخذ بِمَنكِب رسول اللَّه -ﷺ- ولَوَى ثوبَهُ في عُنُقِهِ فخنقَهُ خَنْقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر، فَأخذ بِمَنْكِبِه، ودفع عَنْ رسول اللَّه -ﷺ-، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾] (٢).\nوأخرج النسائي في \"الكبرى\" بإسناد على شرط الشيخين عن عروة، عن عمرو بن العاص أنه سُئِل: ما أشدُّ ما رأيتَ قريشًا بلغوا من رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: [مَرَّ بهم ذاتَ يوم فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبدَ ما يعبُدُ آباؤنا؟ فقال: \"أنا ذاك\". فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر مُحتضِنَهُ من وَرَائهِ، وهو يصيح بأعلى صوته، وإنَّ عينيه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٣٤٤) - كتاب الملاحم - باب الأمر والنهي. ورواه ابن ماجة (٤٠١١) - كتاب الفتن. انظر صحيح أبي داود (٣٦٥٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٥) - كتاب التفسير - عند هذه الآية من سورة المؤمن.\nوأخرجه كذلك برقم (٣٦٧٨)، (٣٨٥٦). ورواه أحمد (٢/ ٢٠٤)، وا بن حبان (٦٥٦٧).","vol":"7","page":57},{"text":"لَيَسيلان، وهو يقولُ: يا قوم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلها] (١).\nوالمقصود بالآية: كيف تقتلون رجلًا لكونه يقول: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وقد أقام لكم الحجج والبراهين على صدق ما معه من الحق!\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾. أي: وإن يك موسى كاذبًا بقيله ونبوته فإنما وبال ذلك عليه فلا حاجة لكم بقتله، وإن يك صادقًا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يهددكم به من العذاب في الدنيا والآخرة.\nقال القرطبي: (﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾: ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه، ولكن تلطفًا فى الاستكفاف واستنزالًا عن الأذى. ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: إن لم يصبكم إلا بعض الذي يعدكم به هلكتم).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. قال قتادة: (مشرك أسرف على نفسه بالشرك). وقال السدي: (المسرف: هو صاحب الدم. ويقال: هم المشركون). والمعنى كما قال ابن جرير: (إن اللَّه لا يوفق للحق من هو متعَدّ إلى فعل ما ليس له فعله، كذّاب عليه يكذب، ويقول عليه الباطل وغير الحق).\nوقوله: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: قد أنعم اللَّه عليكم بهذا المُلك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعُوا هذه النعمة بشكر اللَّه، وتصديق رسوله -ﷺ-، واحذروا نقمة اللَّه إن كذّبتم رسوله. ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾، أي: لا تغني عكم هذه الجنود وهذه العساكرُ، ولا تَرُدُّ عنا شيئًا من بأسِ اللَّه إن أرادنا بسوء).\nوقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.\nفيه منهاج كل طاغية على مر الزمان، ابتداء من فرعون الذي كان أعتى الأنام. أراد فرعون أن يقول: ما أشير عليكم إلا بقتل موسى، وما أهديكم بهذا الرأي إلا طريق الصلاح والصواب. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (ما أشير عليكم إلا ما أرى لنفسي ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ في تكذيب موسى والإيمان بي).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١١٤٦٢)، وكذلك في \"التفسير\" (٤٨٢)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم.","vol":"7","page":58},{"text":"وقد كذب عدو اللَّه، فقد كان متحققًا من صدق موسى في نبوته ورسالته كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وكقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢].\nقال النسفي: (﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾: ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب ولا أدخر منه شيئًا ولا أسرّ عنكم خلاف ما أظهر. يعني أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب فقد كان مستشعرًا للخوف الشديد من جهة موسى ﵇، ولكنه كان يتجلد، ولولا استشعاره لم يستشر أحدًا ولم يقف الأمر على الإشارة).\nوهذا المنهاج الذي مضى عليه فرعون في الغش لرعيته والكذب في حقهم هو مصدر خزي وفضيحة له ولأمثاله من الحكام الطغاة يوم القيامة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن مَعْقِل بن يسار قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: [ما مِنْ عَبْدٍ يسترعيه اللَّه رَعِيَّةً فلم يَحُطها بِنُصْحِهِ إلا لم يَجِدْ رائحةَ الجنة] (١).\nوفي لفظ: [ما من والٍ يلي رَعِيَّةً من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرَّم اللَّه عليه الجنة].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا جمع اللَّه الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرْفعُ لكل غادر لِواءٌ، فقيل: هذه غَدْرَةُ فلانِ بنِ فلان] (٢).\nوفي لفظ آخر من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لكل غادر لواء يوم القيامة يُرْفَعُ له بَقدْرِ غَدْرِه، ألا ولا غادِرَ أعظَمُ غَدْرًا من أمير عامّة].\nالحديث الثالث: أخرج مسلم من حديث عائذ بن عمرو مرفوعًا: [إنَّ شَرَّ الرِّعَاء الحُطمة، فإياك أن تكون منهم] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧١٥٠) - (٧١٥١)، كتاب الأحكام، باب من استُرعي رعية فلم ينصح. ورواه مسلم في الصحيح (١٤٢١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٣٥) - كتاب الجهاد. باب تحريم الغدر. وانظر كذلك الحديث (١٧٣٨) للفظ الآخر.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٣٠) - كتاب الإمارة. باب فضيلة الأمير العادل وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم.","vol":"7","page":59},{"text":"٣٠ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾\nفي هذه الآيات: تحذيرُ مؤمن آل فرعون قومه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فإنه من يضلل اللَّه فماله من هاد. وتذكيره لهم مخالفتهم نبي اللَّه يوسف ﵇ قبل ذلك وطاعتهم له من أجل الجاه والوزارة ومنافع الدنيا، فلما مات ظنوا أن الرسالة قد انقطعت، واللَّه يضل المبطلين، ويطبع على قلوب المتكبرين.\nفقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾.\nإخبارٌ من اللَّه ﷿ عن تحذير مؤمن آل فرعون قومه بأس اللَّه ونقمته وما نزل بالأمم السابق عند تكذيبها. قال ابن جرير: (-يقول-: يا قوم إني أخاف عليكم بقتلكم موسى إن قتلتموه مثل يوم الأحزاب الذين تحزّبوا على رسل اللَّه نوح وهود وصالح، فأهلكهم اللَّه بتجرُّئهِم عليهم فيهلككم كما أهلكهم).\nوقوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.\nأي مثل حال قوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم: قوم إبراهيم وقوم لوط. قال ابن عباس: (﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ يقول: مثل حال). وقال ابن زيد: (مثل ما أصابهم). وعن قتادة: (﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: الأحزاب).\nوقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾. قال النسفي: (أي وما يريد اللَّه أن يظلم عباده","vol":"7","page":60},{"text":"فيعذبهم بغير ذنب أو يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب. يعني أن تدميرهم كان عدلًا لأنهم استحقوه بأعمالهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾. أي يوم القيامة يوم يكثر فيه التنادي.\nقال قتادة: (يوم ينادي أهل الجنة أهل النار: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ وينادي أهل النار أهل الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]).\nوقال ابن زيد: (يوم القيامة ينادي أهل الجنة أهل النار). وقيل: (ينادي الكافر فيه بالويل والثبور والحسرة).\nوفي التنزيل أيضًا:\n١ - قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١].\nوفي الصحيحين والمسند عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه يدني المؤمن فيضَعُ عليه كَنَفَهُ ويستُره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربّ، حتى قَرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الدارمي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [إذا جمع اللَّه العباد بصعيد واحد، نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون. ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم هاهنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا. فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجدًا، وذلك قول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨)، وأحمد (٢/ ٧٤).","vol":"7","page":61},{"text":"وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون﴾ ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة] (١).\nالحديث الثالث: يروي عبد اللَّه بن أحمد في \"السنة\" بسند صحيح عن ابن مسعود، أن النبي -ﷺ- قال: [يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد: أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل ناس ما كان يتولى ويعبد في الدنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى. . .] (٢).\nوقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾. أي: يوم تحاولون الفرار من عذاب جهنم وقد أيقنتم بدخولها لكن لا سبيل ولا مفر.\nقال مجاهد: (﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾: فارين غير معجزين). وقال قتادة: (أي منطلقًا بكم إلى النار). وقال: (﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾: أي من ناصر).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. قال ابن جرير: (-أي-: ومن يخذله اللَّه فلم يوفقه لرشده فما له من موفق يوفقه له).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾.\nقال السدي: (﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: قبل موسى). قال ابن كثير: (يعني أهل مصر، قد بعث اللَّه فيهم رسولًا من قبل موسى، وهو يوسفُ -﵇- كان عزيزَ أهل مصر، وكان رسولًا يدعو إلى اللَّه تعالى أمته القِبطَ، فما أطاعُوه تلك الطاعة إلا لمجرَّد الوزارة والجاه الدنيوي. ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾، أي: يشتم فقلتم طامعين: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾، وذلك لِكُفرهم وتكذيبهم).\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في السنن (٢/ ٣٢٦)، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٨٤) وقال: (وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال الصحيح).\n(٢) أخرجه بتمامه عبد اللَّه بن أحمد في \"السنة\" ص (١٧٧). وانظر مختصر العلو (٦٩)، ص (١١٠). وهو حديث صحيح كما أفاد الذهبي وأقره الألباني.","vol":"7","page":62},{"text":"وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾.\nهو ضلال الإهمال والترك والتناسي والخذلان. فإن الضلال له مراتب ثلاث:\nالمرتبة الأولى: الضياع والانحراف.\nالمرتبة الثانية: الترك والإهمال والخذلان.\nالمرتبة الثالثة: الهداية إلى النار يوم القيامة.\nفإن الإعراض عن منهج الرسل والغور في البعد عن اللَّه، والتطاول بالرأي والادعاء والغرور مآله الخذلان من اللَّه، ليزداد ضياعًا إلى الضياع والإهمال.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).\nوالمقصود بالآية: كذلك -يا محمد- يصد اللَّه عن إصابة الحق وقصد السبيل من هو مسرف بالإثم والكفر مرتاب في قلبه.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\n﴿الَّذِينَ﴾ في محل نصب بدل من \"مَنْ\". والتقدير: كذلك يضل اللَّه الذين يجادلون في آياته ويدفعون الحجج بغير دليل، وإنما بدافع الهوى وفاسد التأويل. لقد كبر ذلك الجدال مقتًا عند اللَّه وعند المؤمنين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ٨٩ - ٩٠) - كتاب الفتن. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠).","vol":"7","page":63},{"text":"أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [هلاكُ أمتي في الكتاب واللَّبن. قالوا: يا رسول اللَّه ما الكتابُ واللَّبن؟ قال: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غيرِ ما أنزل اللَّهُ ﷿، ويحبون اللَّبن فيدعون الجماعات والجمع، ويَبْدون] (١).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. قال القاسمي: (أي بطر للحق، لا يقبل الحجة. جبار في المجادلة. ألدّ فيصدر عنه أمثال ما ذكر، من الإسراف والارتياب والمجادلة في الباطل لطمس بصيرته، فلا يكاد يظهر له الحق).\nوقرأ أبو عمرو بن العلاء: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾. وأما عامة القراء: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وهي القراءة الأَوْلى.\nوالطبع هو الختم. قال مجاهد: (ثبتت الذنوب على القلب فحفّت به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم).\nوقوله: ﴿جَبَّارٍ﴾ أي متعظم عن اتباع الحق، متكبر على اللَّه، مشتهر بالجرائم والموبقات. قال قتادة: (آية الجبابرة القتلُ بغير حق).\n\n٣٧ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾\nفي هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن عتو فرعون وتماديه في الكفر، ومساعدة هامان له في تثبيت سلطانه الفاسد، وما كيد فرعون إلا في ضلال وخسار.\nفقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾. الصرح: هو القصر العالي المُنيف الشاهق. قال القرطبي: (لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فرعون أن يتمكن كلام هذا المؤمن في قلوب القوم، أوهم أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٥٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧٧٨).","vol":"7","page":64},{"text":"بان له صوابه لم يخفهِ عنهم، وإن لم يصح ثبتهم على دينهم، فأمر وزيره هامان ببناء الصرح).\nوقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾.\nقال ابن عباس: (مَنْزِلُ السماء). وقال قتادة: (أبواب السماوات). وقال السدي: (طرق السماوات). وقيل: الأمور التي تستمسك بها السماوات. قال ابن جرير: (السبب هو كل ما تُسُبِّبَ به إلى الوصول إلى ما يطلب من حبل وسلم وطريق وغير ذلك). ثم قال: (معناه: لعلي أبلغ من أسباب السماوات أسبابًا أتسبب بها إلى رؤية إله موسى، طرقًا كانت تلك الأسباب منها أو أبوابًا أو منازل أو غير ذلك).\nوقيل: كرر \"أسباب\" للتفخيم، فإن الشيء إذا أبهم ثم أوضح كان تفخيمًا لشأنه. والمقصود: أراد فرعون أن يعظم بذلك شأنه وكرسيه الذي يتزلزل.\nوقوله: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾.\nقال الإمام الجويني أبو محمد والد إمام الحرمين: (وهذا يدل على أن موسى أخبره بان ربه تعالى فوق السماء، ولهذا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾) (١).\nقال ابن جرير: (أي: وإني لأظن موسى كاذبًا فيما يقول ويدعي من أن له في السماء ربًا أرسله إلينا).\nقلت: ومن ثم فمن شك أن اللَّه في السماء اليوم، فقد تشبه بطريقة فرعون. وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦].\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر -في خطبته -ﷺ- يوم عرفة-: [ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول: اللهم اشهد. وفي\n_________\n(١) انظر: \"مختصر العلو\" ص (٨٠)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٧٣ - ١٧٥) لتفصيل البحث.","vol":"7","page":65},{"text":"رواية: فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وَيَنْكتُها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد ثلاث مرات] (١).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾. قال ابن كثير: (أي بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهِمَ به الرعيّةَ أنه يعمل شيئًا يتوصَّل به إلى تكذيب موسى - ﵇-).\nوقرأ قراء المدينة والكوفة: ﴿وَصُدَّ﴾، في حين قرأ ذلك أبو عمرو وقراء البصرة: ﴿وَصُدَّ﴾ -أي: وأعرض. وهما قراءتان معروفتان.\nوقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: في خسران). وقال قتادة: (أي في ضلال وخسار). وقال ابن زيد: (التباب والضلال واحد).\n\n٣٨ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذيرُ مؤمن آل فرعون قومه غرور الحياة الدنيا، وترغيبه لهم في طاعة اللَّه الموصلة إلى جنات النعيم، وتوضيحه لهم أن ما هم عليه من الكفر ونشر الفساد في الأرض يوصل إلى عذاب الجحيم. وأنهم سيذكرون يومًا قوله ونصيحته لهم واللَّه هو السميع البصير العليم.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم ص (١٨٨). وكتابي: أصل الدين والإيمان -عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان- (١/ ١٧٧) لمزيد من الأدلة في بحث العلو.","vol":"7","page":66},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.\nقال النسفي: (فيه تعريض شبيه بالتصريح أن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي).\nقال ابن جرير: (يقول: إن اتبعتموني فقبلتم مني ما أقول لكم، بَيَّنْتُ لكم طريق الصواب الذي ترشُدون إذا أخذتم فيه وسلكتموه، وذلك هو دين اللَّه الذي ابتعث به موسى).\nوقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾.\nقال قتادة: (استقرت الجنة بأهلها، واستقرّت النار بأهلها).\nوالمقصود: شرع يزهدهم في الدنيا التي عكفوا على محاريبها فصدتهم عن الإيمان، وأخبرهم أن هذه الحياة العاجلة متاع زائل عما قريب، ثم إن الآخرة هي دار الاستقرار لا زوال لها، فإما في نعيم وإما في جحيم.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\nأي: من عمل بمعصية اللَّه في هذه الدنيا ثم غادرها دون توبة فإنما يقابله اللَّه تعالى في الآخرة سيئة مثلها من عقابه. ومن عمل بطاعة اللَّه وتعظيم أمره من رجل أو امرأة مع الإيمان باللَّه فإنما يقابله اللَّه تعالى بالرزق الجميل في جنات النعيم.\nوعن قتادة: (﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ أي: شركًا. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ أي خيرًا. ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: لا واللَّه ما هناكم مكيال ولا ميزان).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾.\nقال مجاهد: (﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ قال: الإيمان باللَّه). وعن ابن زيد: (﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّار﴾ قال: هذا مؤمن آل فرعون، يدعونه إلى دينهم والإقامة معهم).\nوقوله تعالى: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّار﴾ بيّن أن ما قال فرعون من قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ سبيل الغي عاقبته النار وكانوا دعوه إلى اتباعه، ولهذا قال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ وهو فرعون).\nقال القاسمي: (﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ﴾ أي: الغالب الذي يقهر من عصاه","vol":"7","page":67},{"text":"﴿الْغَفَّارِ﴾ أي الذي يستر ظلمات نفوس مَنْ أطاعه، بأنواره).\nوقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾.\nقال السدي: (﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًا). وقال الضحاك: (لا كذب). وقال ابن عباس: (﴿لَا جَرَمَ﴾، يقول: بلى، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾). قال مجاهد: (الوثن ليس بشيء). وقال قتادة: (يعني: الوثن لا ينفع ولا يضر). وقال السدي: (لا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة).\nقال القرطبي: (وكان فرعون أولًا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم إلى عبادة البقر، فكانت تُعبد ما كانت شابة، فإذا هَرِمت أمر بذبحها، ثم دعا بأخرى لتعبد، ثم لما طال عليه الزمان قال أنا ربكم الأعلى).\nقلت: فإن توجه الكلام ضد عبادة فرعون فيكون المعنى: حقًا -أيها القوم- إن ما تدعون لعبادته وتعظيمه ليس له دعوة توجب له الألوهية، فهو بشر مثلكم استخف بعقولكم واستعبدكم. قال الكلبي: (ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة). وقال الزجاج: (ليس له دعوة تنفع).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾. أي: وأن مرجعنا ومنقلبنا بعد مماتنا إلى اللَّه.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. قال مجاهد: (السفّاكون الدماء بغير حَقّها هم أصحاب النار). وقال ابن زيد: (سمّاهم اللَّه مسرفين، فرعون ومن معه). وقال قتادة: (أي المشركون).\nقال ابن جرير: (-يقول-: وأن المشركين باللَّه المتعدين حدوده، القتلة النفوس التي حرم اللَّه قتلها، هم أصحاب نار جهنم عند مرجعنا إلى اللَّه).\nوقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾. تهديد ووعيد. أي: فستذكرون في الآخرة قولي إذا نزل بكم العذاب.\nوقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾. أي: أجعل اعتمادي وتوكلي على اللَّه، فإنه الكافي من توكل عليه.\nقال السدي: (أجعل أمري إلى اللَّه).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. أي: إن اللَّه عالم بأمور عباده مطلع على","vol":"7","page":68},{"text":"أعمالهم، يهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الضلال، ويثيب ويعاقب كلًا باستحقاقه.\n\n٤٥ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾.\nفي هذه الآيات: نجاةُ مؤمن آل فرعون في الدنيا والآخرة، وإحاطة العذاب بفرعون وجنده في الغرق ثم في القبر ثم في نار الآخرة المستعرة. وتصويرُ اللَّه تعالى حوار الرؤساء مع أتباعهم من المجرمين في صورة من الخزي والتحسّر والندم حيث لا سبيل إلى نيل العفو أو المغفرة.\nفقوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾. قال قتادة: (كان قبطيًا من قوم فرعون، فنجا مع موسى). والمقصود: نجاه اللَّه مع موسى من الغرق، وفي الآخرة أدخله الجنة ووقاه النار.\nوقوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾. قال ابن جرير: (ما ساءهم من عذاب اللَّه، وذلك نار جهنم).\nوقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. فيه إثبات لعذاب القبر.\nوعن مجاهد: (قوله: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ قال: ما كانت الدنيا). قال قتادة: (يعرضون عليها صباحًا ومساء).\nوقد جاء إثبات عذاب القبر في صحيح السنة المطهرة في أحاديث، منها:","vol":"7","page":69},{"text":"الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن عائشة: [أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاكِ اللَّه عذابَ القبر. قالت عائشة: فدخل رسول اللَّه -ﷺ- عليّ فقلت: يا رسول اللَّه، هل للقبر عذابٌ قبل يوم القيامة؟ قال: لا، وعَمَّ ذلك؟ قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها شيئًا من المعروف إلا قالت: وقاكِ اللَّه عذابَ القبر. قال: \"كذبت يهود. وهم على اللَّه أكذب، لا عذابَ دونَ يوم القيامة\". ثم مكث بعد ذلك ما شاء اللَّه أن يمكُثَ، فخرج ذات يوم نِصْفَ النهار مُشتملًا بثوبه، مُحمرَّةً عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: القبرُ كقِطع الليل المظلم! أيها الناس، لو تعلمون ما أعلمُ بكيتم كثيرًا وضحِكْتُم قليلًا، أيها الناس، استعيذوا باللَّه من عذاب القبر، فإن عذابَ القبر حق] (١).\nوفي رواية: [قالت عائشة: ثم قال لنا رسول اللَّه -ﷺ- بعد ذلك: وإنّه أُوحِي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن حبان في صحيحه عن أنس: [أن النبي -ﷺ- مرَّ بنخل لبني النجار، فسمع صوتًا فقال: ما هذا؟ قالوا: قبر رجل دفن في الجاهلية، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لولا أن تدافنوا لدعوت اللَّه ﷿ أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني] (٣).\nوله شاهد عنده من حديث جابر قال: [دخل النبي -ﷺ- يومًا نخلًا لبني النجار، فسمع أصوات رجال من بني النجار ماتوا في الجاهلية يعذبون في قبورهم، فخرج رسول اللَّه -ﷺ- فزعًا، فأمر أصحابه أن تعوذوا من عذاب القبر] (٤).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن زيد بن ثابت قال: [بينما النبي -ﷺ- في حائط لبني النجار على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٨١)، (٦/ ١٦٤) من حديث عائشة، بإسناد على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٨)، وإسناده على شرط الشيخين أيضًا.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢٠١)، وكذلك (٣/ ١٠٣)، وابن حبان (٧٨٦) وهو سند على شرط الشيخين. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٦) بسند صحيح متصل على شرط مسلم.","vol":"7","page":70},{"text":"ستة أو خمسة أو أربعة -شك الجريري (١) - فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا. قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك. فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا باللَّه من عذاب النار، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب النار، فقال: تعوذوا باللَّه من عذاب القبر، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب القبر، قال: تعوذوا باللَّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ باللَّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا باللَّه من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ باللَّه من فتنة الدجال] (٢).\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.\nقال القرطبي: (وآل فرعون: من كان على دينه وعلى مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ذلك).\nوالمقصود: يأمر اللَّه يوم القيامة ملائكته أن يُدخلوا فرعون ومن كان معه على منهجه أشد العذاب في نار جهنم.\nوقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾. أي: يختصمون فيها، والمراد فرعون وقومه.\nوقوله: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾.\nأي: فيقول الضعفاء للذين استكبروا عن الانقياد للأنبياء وحجة الوحي والحق: إنا كنا نتبعكم فيما دعوتمونا إليه من الشرك في الدنيا فهل أنتم متحملون عنا اليوم جزءًا من العذاب.\nوقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون لا خلاص لنا منها، ﴿إِنَّ\n_________\n(١) هو سعيد الجريري الراوي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن زيد بن ثابت.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٦٠ - ١٦١)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٩٠)، وأخرجه ابن حبان (٧٨٥) بنحو رواية مسلم. وقوله: \"تدافنوا\" أصله \"تتدافنوا\" فحذف إحدى التاءين. والمقصود: لولا خشية أن يفضي سماعكم إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضًا.","vol":"7","page":71},{"text":"اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بفصل قضائه، فأسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فلا نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون، ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.\nأي: سأل أهل النار الخزنة أن يدعوا لهم ربهم بتخفيف العذاب عنهم ولو مقدار يوم واحد من أيام الدنيا.\nوقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾.\nأي: فردوا عليهم ألم تقم الحجج عليكم على ألسنة الرسل قالوا بلى.\nوقوله: ﴿قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.\nقال ابن كثير: (﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾، أي: أنتم لأنفسكم، فنحنُ لا ندعو لكم ولا نسمعُ منكم ولا نَوَدُّ خَلاصَكم، ونحن منكم بُرآءُ، ثم نخبركم أنه سواء دعوتُم أو لم تَدعُوا، لا يُستجاب لكم ولا يُخفف عنكم، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، أي: في ذَهاب، لا يُتَقبَّلُ ولا يُستجاب).\n\n٥١ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريرُ اللَّه نزول نصره على رسله وعباده المؤمنين في الدنيا وفي الدار الآخرة، يوم لا ينفع الظالمين الاعتذار ولا سبيل لنيل الصفح أو المغفرة. وتسليةُ اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- عما يلقاه من أذى قومه بأمره بالصبر والتسبيح كما صبر موسى قبله","vol":"7","page":72},{"text":"على أذى قومه وقد أنزل عليه التوراة كما أنزل عليه القرآن، هدى وذكرى لأولي الألباب، وأن يستعيذ به تعالى من كيد المستكبرين أهل الجدل بالباطل الذي هم في تباب.\nفقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. منهاج عام في حياة الرسل ومن مضى على منهاجهم.\nقال السدي: (قد كانت الأنبياء والمؤمنون يُقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث اللَّه قومًا فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم).\nوهذا الفهم يجيب على ما يخطر بالبال هنا من كون بعض الأنبياء كيحيى وزكريا وشعيا -﵈- قتله قومه، ومنهم من خرج مهاجرًا -من بين أظهر قومه- كإبراهيم -﵇- ومنهم من رفعه اللَّه إلى السماء كعيسى بن مريم -ﷺ-. ويضاف إلى ذلك الأمور الآتية:\n١ - الآية بعمومها تدل على وعد اللَّه بنصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وذلك بإعلائهم على من كذّبهم، وإظفارهم عليهم حتى يقهروهم بالغلبة ويذلوهم بالظفر، كما كان لداود وسليمان -﵉- فقد أعطاهما اللَّه من الملك والسلطان ما قهروا به كل كافر، وكما كان لمحمد -ﷺ- فقد أظهره اللَّه على من كذّبه من قومه وأذلّهم.\n٢ - كما تدل الآية على انتقام اللَّه لرسله والمؤمنين ممن حادّهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل دون قتال، كما فعل تعالى ذكره بنوح وقومه من تغريقهم وإنجائه، وبموسى وفرعون وقومه إذ أهلكهم غرقًا ونجّى موسى ومن معه.\n٣ - وتدل الآية كذلك على انتقام اللَّه في الحياة الدنيا ممن كذبوا الرسل بعد وفاة الرسول فيهم، كنصرة اللَّه شعياء بعد مهلكه بأن سلّط على قتلته من قهرهم، وكفعله بقتلة يحيى إذ سلط بختنصّر عليهم فسامهم سوء العذاب. وكفعْله باليهود الذين أرادوا صلب المسيح ﵇ فسلط اللَّه عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، ثم ينزل عيسى بن مريم قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود ويضع الجزية ويقتل الخنزير ويكسر الصليب.\n٤ - قد يكون الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين والمراد","vol":"7","page":73},{"text":"واحد، أي: ننصر رسولنا محمدًا والذين آمنوا به في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد - ذكره ابن جرير.\nقلت: والأَوْلَى هنا أن يقال: الخبر عام وقد يستثنى بعضهم بالاعتبارات السابقة الذكر.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. قال قتادة: (من ملائكة اللَّه وأنبيائه والمؤمنين به). وعن السدي: (﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ قال: يوم القيامة).\nقلت: وقد جعل اللَّه أمة محمد -ﷺ- أمة الشهادة على جميع الأمم، فهي تنتصر للمرسلين حين يكذبهم أقوامهم.\n- قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- قال: [يجيء نوحٌ وأمته، فيقول اللَّه: هل بَلَّغتَ؟ فيقول: نعم أي ربّ! فيقول لأمته: هل بَلَّغَكُم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبيّ، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والوسط: العدل، فيُدعون، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (١).\nوله شاهد في المسند وسنن النسائي وابن ماجة من حديث أبي سعيد -كذلك- مرفوعًا بلفظ: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: مَنْ يشهدُ لكَ؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى محمّد وأمته، فيُقال لهم: هل بَلَّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيُّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بَلَّغُوا فصدقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾].\nوقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. أي: يوم لا يقبل اللَّه من الظالمين عذرًا ولا فدية.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٢٨٦)، (٨/ ١٣٩)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٢)، وانظر صحيح الجامع (٧٨٩٠). وللشاهد كذلك (٧٨٨٩).","vol":"7","page":74},{"text":"قال ابن جرير: (وذلك أن اللَّه قد أعذر إليهم في الدنيا وتابع عليهم الحجج فيها، فلا حجة لهم في الآخرة إلا الاعتصام بالكذب بأن يقولوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾).\nوقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\nأي: وكذلك فإن للظالمين اللعنة وهي الطرد من رحمة اللَّه، ولهم مع اللعنة كذلك شر ما في الدار الآخرة وهو العذاب الأليم المهين.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾.\nأي: ولقد آتينا موسى حجة الوحي البالغة وبيان أمر الدين الحق، وأورثنا بني إسرائيل \"الكتاب\" أي: التوراة، الذي فيه نور وهدى ومنهاج لسعادتهم في الدارين.\nوقوله تعالى: ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. أي: إرشادًا وتذكرة لذوي العقول. ونُصِبَ قوله: ﴿هُدًى وَذِكْرَى﴾ على المفعول له أو على الحال.\nوقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.\nأي: فاصبر -يا محمد- على ما تلقاه من أذى قومك، فإن وعدك بالنصر حق.\nقال النسفي: (﴿فَاصْبِرْ﴾ على ما يجرعك قومك من الغصص ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ﴾ يعني إن ما سبق به وعدي من نصرتك وإعلاء كلمتك حق).\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. حضّ للأمة على الاستغفار.\nقال القرطبي: (قيل: لذنب أمتك، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك على من يجوّز الصغائر على الأنبياء. ومن قال لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي ﵇ بدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٤] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر اللَّه من ذنب صدر منك قبل النبوة).\nوقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: أوائل النهار وأواخر الليل. والعشي: أوائل الليل. أي: ونزه ربك بالشكر له والثناء عليه بأواخر النهار وأوائل الليل.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾. أي: لا يبلغون ذلك الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب.","vol":"7","page":75},{"text":"قال قتادة: (لم يأتهم بذلك سلطان). وقال مجاهد: (﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ قال: عظمة).\nقال ابن جرير: (إن في صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة لأن اللَّه مُذِلُّهم).\nوقال ابن كثير: (أي: ما في صُدورهم إلا كبرٌ على اتباع الحق، واحتقارٌ لِمَنْ جاءَهم به، وليس ما يَرومُونه من إخماد الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحقُّ هو المرفوع، وقولُهم وقصدُهم هو الموضوع).\nوقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nأي: فاستعذ باللَّه -يا محمد- من شر الكفار، ومن مِثْل ما ابتلوا به من الكفر والكبر، فإن اللَّه هو السميع لدعائك ولما يقولون، البصير بعملك وما يعملون، وسيعلم الذين كفروا أي منقلب ينقلبون.\n\n٥٧ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تسفيهٌ لمنكري البعث بوضعهم أمام الحقيقة الكبيرة: أنّ خَلْقَ السماوات والأرض أكبر من خلق الناس لو كانوا يعلمون. وأنه كما لا يستوي الأعمى والبصير كذلك لا يستوي المؤمنون والكافرون. فالساعة آتية، والدعاء أمْرٌ من اللَّه لعباده ليفردوه التعظيم والعبادة، والمستكبرون في جهنم خالدون.\nفقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. قال يحيى بن سلام: (هو احتجاج على منكري البعث، أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم اعتقدوا عجزي عنها؟).","vol":"7","page":76},{"text":"وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (أنّ خلق جميع ذلك هين على اللَّه).\nوقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾.\nأي: لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر -وهو الكافر لا يتأمل حجج اللَّه بعينه- والبصير الذي يرى -وهو المؤمن الذي صدق بكلمات اللَّه وحججه ورسله-.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾.\nأي: وكذلك لا يستوي أهل الإيمان والعمل الصالح مع الكفار العصاة أهل العمل السَّيئ.\nوقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي حججه تعالى. فيعتبرون ويتعظون. أي لو تذكّروا آياته واعتبروا بها، لعرفوا خطأ ما هم مقيمون عليه، من إنكار البعث، ومن قبح الشرك).\nوقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. قال النسفي: (لأنه لا بد من جزاء لئلا يكون خلق الخلق للفناء خاصة).\nأي: إن الساعة التي يبعث اللَّه فيها عباده من قبورهم لنيل الثواب ونكال العقاب لجائية أيها الناس لا شك في مجيئها، فأيقنوا بحدوثها واستعدوا لها.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يعني المشركين. لا يصدقون بقيام الساعة.\nوقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: وحدوني أغفر لكم). وقيل: أخلصوا لي العبادة أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم.\nوالمقصود: تَلَطُّفٌ من اللَّه تعالى وتَفَضُّلٌ على عباده وتَوَدُّدٌ إليهم، بأن ندبهم إلى دعائه وتكفل لهم بالإجابة.\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ الدعاءَ هو العبادة. ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٧)، وأبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٣٢٤٧)، وابن حبان (٨٩٠)، وابن ماجة (٣٨٢٨). وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٨٦).","vol":"7","page":77},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].\nقال ابن مسعود ﵁: (ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح).\nوفي صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، والترمذي في السنن، وأحمد في المسند، بإسناد حسن في الشواهد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ لم يَدْعُ اللَّه، سبحانه، غَضِبَ عليه] (١). وفي لفظ: [يغضب عليه].\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [ليس شيءٌ أكْرَمَ على اللَّه، سبحانه، من الدعاء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي والحاكم بسند حسن في الشواهد عن أبي هريرة مرفوعًا: [ادعوا اللَّه تعالى وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن اللَّه لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج البزار في مسنده بسند صحيح عن أنس: [أن النبى -ﷺ- مرَّ بقوم مُبْتَلَيْن فقال: أما كان هؤلاء يسألون العافيةَ] (٤).\nففيه الإنكار على المبتلين الذين لا يسألون اللَّه العافية، وقد ثبت في الحديث\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٦٥٨)، والترمذي (٢/ ٣٤٢)، وابن ماجة (٣٨٢٧)، وأحمد (٢/ ٤٤٢)، والحاكم (١/ ٤٩١). وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٦٥٤).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٨٢٩) - كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٨٧).\n(٣) حسن لغيره. رواه الترمذي (٢/ ٢٦١)، والحاكم (١/ ٤٩٣)، وله شاهد في مسند أحمد (٢/ ١٧٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٩٤).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البزار في \"مسنده\" (٣١٣٤ - كشف الأستار). وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢١٩٧).","vol":"7","page":78},{"text":"الصحيح أن اللَّه تعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه يسأله أن يردهما صفرًا خائبتين.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.\nقال السدي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ قال: عن دعائي. ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال: صاغرين).\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنه من لم يسأل اللَّه تعالى يغضب عليه] (١).\nوفي مسند أحمد بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [يُحشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الناس، يعلُوهم كُلُّ شيء من الصَّغار حتى يدخلوا سِجنًا في جهنم -يقال له: بولس- تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من طينة الخَبال عُصَارَةِ أهل النار] (٢).\n\n٦١ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانٌ من اللَّه تعالى على عباده بنعمة الليل الذي يسكنون فيه، ونعمة النهار الذي ينتشرون فيه، وجعل الأرض لهم قرارًا، والسماء بناء، وتصويرهم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٨٢٧)، والترمذي في الجامع (٣٣٧٣) - أبواب الدعوات - انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٨٦).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٧٩)، والترمذي نحوه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٥)، وقد مضى.","vol":"7","page":79},{"text":"بأحسن الصور، ورزقهم من الطيبات، لعلهم يفردونه بالعبادة والتعظيم، ويخلصون له الدين.\nفقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. امتنان منه سبحانه على عباده أن جعل لهم الليل يستريحون فيه من حركات السعي في المعايش في النهار، وجعل النهار مبصرًا مضيئًا ليناسب تحركهم في العمل والأسفار.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن اللَّه لمتفضل عليكم أيها الناس بما لا كفء له من الفضل).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. أي: قليل من يقوم بواجب الشكر للَّه على آلائه وتلطفه ونعمه، كما قال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.\nقال النسفي: (أخبار مترادفة، أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الربوبية والإلهية وخلق كل شيء والوحدانية).\nوقوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. قال القرطبي: (أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: كما ضَلَّ هؤلاء بعبادة غير اللَّه، كذلك أُفِكَ الذين من قبلهم فَعَبدوا غيره بلا دليل ولا برهان، بل بمجرَّدِ الجهل والهوى، وجحدوا حُجج اللَّه وآياته).\nوقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.\nقال القاسمي: (﴿قَرَارًا﴾ أي: تستقرون عليها وتسكنون فوقها ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أي مبنية مرفوعة فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم وقوام دنياكم).\nوقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾. أي: خلقكم في أحسن صورة، فجعل كل عضو في مكان يليق به، ليتم الانتفاع بها، فتستدلوا بذلك على كمال حكمته، فيدعوكم ذلك إلى القيام بشكره والاعتراف بفضله وتعظيمه وحده لا شريك له.","vol":"7","page":80},{"text":"وقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. أي: مما لذّ وطاب من المطاعم والمشارب التي تسرّون بها.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فالذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، هو اللَّه الذي لا تنبغي الألوهة إلا له، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره، لا الذي لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: فتبارك اللَّه مالك جميع الخلق جنّهم وإنسهم، وسائر أجناس الخلق غيرهم).\nوقوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\nأي: هو الباقي الذي لا يموت، الحيّ أزلًا وأبدًا، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا عديل له ولا شبيه ولا نظير، فأخلصوا له العبادة والتعظيم.\nوفي الصحيحين عن عتبان بن مالك عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ اللَّه حرَّمَ على النار من قال لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه ﷿] (١).\nوفي \"الحلية\" لأبي نعيم بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا:\n[من قال: \"لا إله إلا اللَّه\" أَنْجَتْهُ يومًا من دهره، أصابه قبل ذلك ما أصابه] (٢).\nوقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال الفراء: (هو خبر، وفيه إضمار أمر، أي ادعوه واحمدوه).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [لأن أقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس] (٣).\nوفيه أيضًا عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: [جاء أعرابي إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: عَلِّمني كلامًا أقوله. قال: قل لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، اللَّه أكبر كبيرًا والحمد للَّه كثيرًا، سبحان اللَّه رب العالمين، لا حول ولا قول إلا باللَّه العزيز الحكيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٢٠٦)، وأخرجه مسلم (٣٣) - كتاب الإيمان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٤٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (١/ ٥٦)، وأخرجه البزار في \"مسنده\" (رقم - ٣)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٩٣٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٧٠) - كتاب الذكر، باب: في فضائل التسبيح.","vol":"7","page":81},{"text":"قال: فهؤلاء لربي فمالي؟ قال: قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني] (١).\nوفي صحيح مسلم كذلك عن عبد اللَّه بن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهما: [أنه كان يقول دُبُرَ كل صلاة، حين يُسَلِّمُ: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن. لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. قال ابن الزبير: وكان رسول اللَّه -ﷺ- يهلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كل صلاة مكتوبة] (٢).\nوفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [ما أنعم اللَّه تعالى على عبدٍ نعمةً فقال: الحمد للَّه، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٣).\nقلت: ولا شك أن أكبر نعمة يحمد المؤمن اللَّه تعالى عليها هي أن جعله من أهل \"لا إله إلا اللَّه\".\n\n٦٦ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره: قل يا محمد لمشركي قومك إن اللَّه تعالى ينهى أن يُعبد سواه، إذ لا يستحق العبادة إلا هو، فهو الذي أُمرتُ أَنْ أَذِلّ له كما ذلّ له كل شيء وخضع له. لقد خلق أباكم آدم من تراب ثم خلقكم من نطفة ثم من علقة ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ من بطون أمهاتكم صغارًا ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ فتتكامل قواكم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٧٠). الكتاب السابق. باب: في التهليل والتحميد والتكبير، وانظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٩٠٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٣٩٤)، ح (١٣٩)، ح (١٤٠)، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته.\n(٣) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٨٠٥) - باب فضل الحامدين، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٦٧)، وله شاهد عند الطبراني بنحوه.","vol":"7","page":82},{"text":"ويتناهى شبابكم وتمام خلقكم فتصيروا شيوخًا، ومنكم من يفارق الحياة قبل ذلك، إما سقطًا أو صغيرًا أو شابًا أو كهلًا. وإلا فإنه يمضي إلى أجله المحدود وعمره المعدود. إنه تعالى هو المتفرد بالحياة والموت وما أمره إلا كن فيكون.\nقال ابن جريج: (قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: تتذكرون البعث). وقال النسفي: (﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فإنما يكوّنه سريعًا من غير كلفة).\n\n٦٩ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾.\nفي هذه الآيات: العَجَبُ مِنْ قَوْمٍ يصرفون عقولهم عن الهدى إلى الضلال ويكذبون الوحي والمرسلين، وهم يوم القيامة يسحبون في الأغلال إلى الجحيم، مع التقريع والتوبيخ كذلك يضل اللَّه الكافرين، الذين كانوا يفرحون بالباطل ويخوضون بأهوائهم فبئس -جهنم- مثوى للمتكبرين.\nفقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾.\nأي: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بالحق المجادلين بالباطل كيف يصرفون عقولهم عن الهدى إلى الضلال. قال قتادة: (﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: أنى يكذبون ويعدلون). وقال ابن زيد: (يصرفون عن الحق).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\nتهديد ووعيد، للذين كذبوا القرآن والنبوة، وأصروا على العناد والكفر.","vol":"7","page":83},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾.\nقال القرطبي: (أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغُلّت أيديهم إلى أعناقهم). قال ابن جرير: (حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم).\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. قال ابن كثير: (﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾، أي مُتصلة بالأغلال، بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم، تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم). والحميم: هو الماء الحارّ. قال المهايميّ: (لدفعهم برْد اليقين من دلائل الكتاب والسنة ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ -أي يحرقون- قال: لإحراقهم الأدلة العقلية والنقلية).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٥٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٥٠].\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس: [أن رسول اللَّه -ﷺ- قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال رسول اللَّه -ﷺ-: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشَهم، فكيف بمن يكون طعامه] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة. انظر تخريج: \"مشكاة المصابيح\" (٥٦٨٣)، وصحيح الجامع الصغير (٥١٢٦).","vol":"7","page":84},{"text":"وعن مجاهد: (﴿يُسْجَرُونَ﴾ قال: يوقد بهم النار). وقال السدي: (يحرقون في النار). وعن ابن زيد: (يوقد عليهم فيها).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تقريع وتوبيخ.\nأي: يقال لهم أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون اللَّه من الأوثان والآلهة والطواغيت حتى يغيثوكم وينقذوكم مما أنتم متورطون اليوم فيه من الخزي والعذاب فإن المعبود يغيث من عبده وخدمه!\nوقوله: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾.\nقال ابن جرير: (فيجيب المساكين: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ -يقول-: عدلوا عنا فأخذوا غير طريقنا وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئًا، أي لم نكن نعبد شيئًا).\nوالمقصود: قالوا ذهبوا عنا فلم ينفعونا ثم جحدوا عبادتهم في محاولة للخروج من المأزق بأي سبيل. كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾. قال النسفي: (مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادقوا. أو كما أضل هؤلاء المجادلين يضل سائر الكافرين الذين علم منهم اختيار الضلالة على الدين).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾.\nالفرح هنا: هو السرور بالباطل. والمرح: هو الأشر والبطر. والآية توبيخ لهم بما كانوا يفرحون بالمعاصي ويمرحون بالكبر والبطر.\nقال مجاهد: (﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ قال: تبطرون وتأشَرون). وعن ابن عباس: (الفرح والمرح: الفخر والخيلاء، والعمل في الأرض بالجاهلية، وكان ذلك في الشرك، وهو مثل قوله لقارون ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وذلك في الشرك).\nوقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (-يقول-: ادخلوا أبواب جهنم السبعة من كل باب مِنها جزء مقسوم منكم، فبئس منزل المتكبرين في الدنيا على اللَّه أن يوحدوه ويؤمنوا برسله اليوم جهنم).","vol":"7","page":85},{"text":"وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، معَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (١).\n\n٧٧ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تسليةُ اللَّه تعالى نبيَّه -ﷺ- بأمره بالصبر، واقتراب الفرج، وطريق المرسلين. فإنه ما كان لرسول أن يأتي بآية أو نصر من عنده وإنما هو أمر اللَّه الذي ينزل بالنقمة على القوم المجرمين.\nفقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. قال القاسمي: (أي فاصبر على جدال هؤلاء المتكبرين في آيات اللَّه، وعلى تكذيبهم، فإن وعد اللَّه إياك بالظفر عليهم، حق ثابت).\nوقوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.\nأي: فإما نرينك يا محمد في حياتك بعض ما وعدنا هؤلاء المشركين من العذاب والانتقام أو قبضناك إلينا قبل حلول ذلك بهم فإلينا مصيرك ومصيرهم فنحكم عند ذلك بينك وبينهم بالحق، فنكرمك بجوارنا في جنات النعيم، ونخلدهم في النار في العذاب المهين. قال ابن كثير: (﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: في الدنيا. وكذلك وقع، فإن اللَّه تعالى أقرَّ أعيُنهم من كُبَرائهم وعظمائهم، أُبيدوا في يوم بدر. ثم فتح اللَّه عليه مكة وسائر جزيرة العرب في حياته -ﷺ-).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. تسلية من اللَّه تعالى لرسوله -ﷺ-، فإن من الرسل من قصّ عليه سبحانه خبرهم وكيف أهلك مكذبيهم من أقوامهم، ومنهم أضعاف مضاعفة مما لم يقصص\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٧٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٦٠) لتفصيل البحث - النار: صفتها وصفة أهلها.","vol":"7","page":86},{"text":"عليه في القرآن كيف كان لهم العاقبة والنصرة بعد هلاك كفار قومهم.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\nقال النسفي: (وهذا جواب اقتراحهم الآيات عنادًا، يعني: إنا قد أرسلنا كثيرًا من الرسل وما كان لواحد منهم أن يأتي بآية إلا بإذن اللَّه، فمن أين لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلا أن يشاء اللَّه ويأذن في الإتيان بها).\nوقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.\nأي: فإذا جاء عذاب اللَّه ونزل انتقامه بالمكذبين قضي بالعدل: وهو نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين المبطلين: الذين يتبعونَ الباطل والشرك ويعظمون الطواغيت. قال القرطبي: (أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم اللَّه، وإنما التأخير لإسلام من علم اللَّه إسلامه منهم، ولمن في أصلابهم من المؤمنين. وقيل: أشار بهذا إلى القتل ببدر).\n\n٧٩ - ٨١. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾.\nفي هذه الآيات: اللَّه الذي لا تصلح العبادة إلا له -معشر المشركين من قريش- هو الذي جعل لكم الأنعام: من الإبل والبقر والخيل والغنم. فبعضها يركب ويؤكل ويحلب كالإبل، ويحمل عليها الأثقال في الأسفار. وبعضها يؤكل ويشرب لبنها ويحرث عليها الأرض كالبقر. وكذلك الغنم تؤكل ويشرب لبنها، ومن جميعها تستفيدون من الأصواف والأشعار والأوبار، لاتخاذ الثياب والأثاث والمتاع. وإنما يريكم سبحانه بعض آياته وحججه وبراهينه الدالة على وجوب إفراده بالعبادة والتعظيم، ولا تستطيعون إنكار شيء منها إلا بالعناد والكبر وركوب الأهواء واتباع سُبل الشياطين.\nقال ابن جرير: (﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ يعني الخيل والحمير. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني الإبل والبقر والغنم).\nوعن قتادة: (﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني الإبل تحمل أثقالكم إلى بلد). وقال مجاهد: (لحاجتِكم ما كانت).","vol":"7","page":87},{"text":"قال القرطبي: (﴿وَعَلَيْهَا﴾ يعني الأنعام في البر ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحر ﴿تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾؟ أي آياته الدالة على وحدانيته وقدرته). قال ابن كثير: (﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾؟ أي: لا تقدرون على إنكار شيء من آياته، إلا أن تُعانِدوا وتُكابِروا).\n\n٨٢ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره: أفلم يسر يا محمد هؤلاء المجادلون من مشركي قومك في البلاد فإنهم أهل سفر إلى الشام واليمن، رحلتهم في الشتاء والصيف، فينظروا ما حلّ بمن كفر من الأمم قبلهم مع أنهم كانوا أكثر عددًا وأشد بطشًا فما أغنت عنهم قوتهم وأموالهم من بأس اللَّه إذ عاندوا المرسلين، وجحدوا آيات الوحي المبين، سنة اللَّه التي قد خلت في عباده بأن الهلاك على الكافرين.\nوعن مجاهد: (﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ المشي بأرجلهم).\nوعن السدي: (﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ قال: فَرِحُوا بما عندهم من العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس اللَّه تعالى ما لا قِبَل لهم به). قال مجاهد: (قالوا: نحن أعلمُ منهم، لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّب). قال ابن جرير: (﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: فلما جاءهم بأسنا وسطوتنا لم يغن عنهم ما كانوا يعملون من البيوت في الجبال ولم يدفع عنهم ذلك شيء ولكنهم بادوا جميعًا وهلكوا).\nوقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. أي أحاط بهم ما كانوا يستبعدون وقوعه وينكرونه.","vol":"7","page":88},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾.\nقال السدي: (﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال: النقمات التي نزلت بهم ﴿قَالُوا﴾ أقررنا بتوحيد اللَّه وصدقنا أنه لا إله غيره، وجحدنا الآلهة التي كنا قبل وقتنا هذا نشركها في عبادتنا اللَّه، ونعبدها معه ونتخذها آلهة، فبرئنا منها).\nوقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾. قال قتادة: (لما رأوا عذاب اللَّه في الدنيا لم ينفعهم الإيمان عند ذلك).\nوقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. قال قتادة: (يقول: كذلك كانت سنة اللَّه في الذين خلوا من قبل إذا عاينوا عذاب اللَّه لم ينفعهم إيمانهم عند ذلك).\nقال ابن جرير: (ترك اللَّه ﵎ إقالتهم وقبول التوبة منهم ومراجعتهم الإيمان باللَّه وتصديق رسلهم بعد معاينتهم بأسه قد نزل بهم، سنته التي قد مضت في خلقه).\nأخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [إنّ اللَّه يقبلُ تَوبَة العبدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ] (١).\nوقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.\nقال الزجاج: (وقد كانوا خاسرين من قبل ذلك، إلا أنه بيَّن لنا الخسران لما رأوا العذاب).\n\nتم تفسير سورة المؤمن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤٢٥٣)، والترمذي (٣٥٣٧). انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٨٠٢). وصحيح سنن ابن ماجة (٣٤٣٠).","vol":"7","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون.\n٢ - من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط اللَّه حتى ينزع.\n٣ - إن اللَّه ليرفع ذرية المؤمن إليه في درِجته، وإن كانوا دونه في العمل، لِتَقَرَّ بهم عينه.\n٤ - ادعوا اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن اللَّه لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه.\n٥ - يقبض اللَّه الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ !\n٦ - يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت.\n٧ - الآزفة هي القيامة، سميت بذلك لأنها قريبة، إذ كل ما هو آت قريب.\n٨ - أفضلُ الجهاد كلمةُ عَدْلٍ عند سلطان جائر، أو أمير جائر.\n٩ - إن شرّ الرِّعاء الحُطمة، فإياك أن تكون منهم.\n١٠ - الطبع هو الختم. ثبتت الذنوب على القلب فحفّت به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم.\n١١ - استعيذوا باللَّه من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق.\n١٢ - إن الدعاءَ هو العبادة، واللَّه تعالى قريب من عباده، وإنه من لم يسأل اللَّه تعالى يغضب عليه.\n١٣ - إن اللَّه حَرَّم على النار من قال لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه ﷿.","vol":"7","page":90},{"text":"١٤ - ما أنعم اللَّه تعالى على عبد نعمة فقال: الحمد للَّه، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ.\n١٥ - إن اللَّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.\n* * *","vol":"7","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>٤١ - سورة فصلت</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>موضوع السورة</span>\nالقرآن العربي تنزيل الرحمان وفيه تفصيل آيات الآفاق والأنفس والأخبار والأحكام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-258> منهاج السورة</span>-\n١ - تنزيل القرآن من الرحمان، قرآن عربي مفصل الشرائع والأحكام.\n٢ - قلوب المشركين مقفلة عن فهم هذا الوحي الكريم، وآذانهم فيها وقر عن سماع الحق المبين.\n٣ - الويل للمشركين الذين لا يزكون نعمة اللَّه عليهم، وأعدّ اللَّه للمؤمنين جنات النعيم فيها سعادتهم وسرورهم.\n٤ - التقريعُ على المشركين في كفرهم باللَّه وشركهم به. وهو الخالق للسماوات والأرض والجبال، ومقدّر الأعمال والأرزاق والأقوات والآجال.\n٥ - تهديد اللَّه مشركي قريش بمصير الأمم المكذبة قبلهم كعاد وثمود.","vol":"7","page":92},{"text":"٦ - نَعْتُ اللَّه مشهد الحشر وخزي الطغاة وأتباعهم، ونطق أسماعهم وأبصارهم وجلودهم لتشهد عليهم.\n٧ - تزيين الشياطين للكفار أعمالهم، ومكر اللَّه الغالب للطغاة ومكرهم.\n٨ - تنزُّل الملائكة بالأمن والطمأنينة والبشرى بالجنة للمؤمنين، والوَعْدُ لهم بالنصر والتأييد في هذه الدنيا والتمكين.\n٩ - الثناء الحسن على الدعاة إلى اللَّه أهل العمل الصالح والمثل الأعلى في المسلمين، والأمر بمدافعة السيئة بالتي هي أحسن فإذا صاحب العداوة كأنه ولي حميم.\n١٠ - الإخبار عن بلوغ مراتب الجنة العالية أهل الصبر وأصحاب الحظ العظيم، والأمر بالاستعاذة باللَّه من همزات ووساوس الشيطان الرجيم.\n١١ - الليل والنهار والشمس والقمر آيات كبيرة من آيات اللَّه العظيم، والسجود لا يكون إلا للَّه، والملائكة يسبحون ويسجدون ولا يستكبرون، والأرض الخاشعة تهتز بإذن اللَّه بالماء الذي ينزله محيي الموتى الحي القيوم.\n١٢ - تهديد اللَّه تعالى المعاندين في آياته، وثناؤه على كتابه المعجز في بيانه، وتسلية رسوله -ﷺ- عما يلقاه من أذى وتكذيب قومه.\n١٣ - مَرَدُّ العمل الصالح أو السَّعِى على أهله، ومردُّ علم الساعة إلى اللَّه المتصرِّف في ملكه، وسوء حال المشركين في الحشر وعند الحساب لنيل عقابه لهم ونكاله.\n١٤ - حرص الإنسان على الدعاء بالخير، وسرعةُ جزعه إذا أصابه شر، وإسراعه إلى العجب والكبر والشرك إذا أصابه نعيم أو ما يَسُرّ.\n١٥ - تحذير اللَّه المشركين مغبة كفرهم بهذا القرآن، وهو تعالى يريهم آيات الآفاق والأنفس ليظهر لهم أنه الحق كلام الرحمان، ألا إنهم في شك من لقاء ربهم، وهو تعالى محيط بهم وبأعمالهم وبكل ما حولهم.\n* * *","vol":"7","page":93},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إنه ما إن جهر النبي -ﷺ- بدعوته ممتثلًا بذلك أمر ربه ﷿، حتى اتجهت الأنظار إليه وتحركت قوى الشر من قريش نحوه، ممثلة برؤوس الكفر وأئمة الطغيان. وفي هذه الأثناء نزلت أوائل سورة فصلت لتقرع ببيانها الساحر عقول طغاة مكة وقلوبهم وآذانهم التي ما انفتحت بعد لقبول منهج الإيمان.\nأخرج ابن إسحاق في المغازي بسند حسن قال: (حُدِّثْتُ أن عتبة بن ربيعة وكان سيدًا، قال يومًا وهو جالس في نادي قريش، ورسول اللَّه -ﷺ- جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش! ألا أقومُ إلى محمد فأكَلِّمُهُ وأعرضُ عليه أمورًا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكفُّ عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النَسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكَفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال رسول اللَّه -ﷺ-: قل يا أبا الوليد أسمع. قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا","vol":"7","page":94},{"text":"حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه. فلما فرغ من قوله تلا رسول اللَّه -ﷺ- صدر سورة السجدة) (١).\nوفي رواية في مسند عبد بن حميد ومصنف ابن أبي شيبة عن جابر: (أن عتبة قال له: \"فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، واللَّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا واحدًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا\".\nحتى إذا فرغ عتبة ورسول اللَّه -ﷺ- يستمع منه قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاستمع مني. قال: أفعل. قال: \" ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ \".\nثم مضى رسول اللَّه -ﷺ- فيها وهو يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول اللَّه -ﷺ- إلى السجدة منها فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك).\nوفي رواية: (فلما بلغ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم. فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نَحلف باللَّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: \"ورائي أني سمعت قولًا واللَّه ما سمعت مثله قط، واللَّه ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي خَلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فواللَّه ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزّكم\n_________\n(١) أخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، وله شاهد عند أبي يعلى والحاكم بسند يرقى للحسن. انظر كتابي: السيرة النبوية (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"7","page":95},{"text":"وكنتم أسعد الناس به\". قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم) (١).\nفقوله تعالى: ﴿حم﴾ هو كأمثاله في أوائل السور السابقة التي ابتدأت بالحروف المقطعة، ومفاده الإعجاز والتحدي، فإن القرآن العظيم هو من جنس هذه الأحرف وهو يتحدى الجن والإنس بإعجازه وبيانه وروعته وسموه.\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. انتصارٌ للقرآن، فهو منزل من الرحمن الرحيم كما قال جل ذكره: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾.\nوقوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾. أي: بُيِّنت معانيه وأحكمت أحكامه. قال السدي: (بُيِّنت آياته). وقوله: ﴿كِتَابٌ﴾ بدل من ﴿تَنْزِيلٌ﴾، أو خبر ثان لهذا، أو خبر ﴿تَنْزِيلٌ﴾. وجملة: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ في محل رفع نعت لكتاب.\nوقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بالنصب على المدح، والتقدير: ذكرنا قرآنًا عربيًا بشيرًا ونذيرًا، وذكرناه قرآنًا عربيًا. أو بالنصب على الحال من كتاب. و﴿عَرَبِيًّا﴾ نعت قرآن منصوب.\nوقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون).\nوقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. قال ابن جرير: (فصلت آيات هذا الكتاب قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون اللسان العربي، بشيرًا لهم يبشرهم إن هم آمنوا به وعملوا بما أنزل فيه من حدود اللَّه وفرائضه بالجنة، ومنذرًا من كذب به ولم يعمل بما فيه بأمر اللَّه في عاجل الدنيا وخلود الأبد في نار جهنم في آجل الآخرة).\nوقوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. أي: فاستكبر عن الإصغاء للوحي وتدبر حججه هؤلاء مشركو قريش ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: أي لا يصغون للحق إعراضًا واستكبارًا.\nوقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾. قال مجاهد: (عليها أغطية كالجَعْبة للنَّبْل). وعن السدي: (﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ قال: عليها أغطية).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (١١٢٣). وانظر صحيح السيرة - إبراهيم العلي - ص (٦٤)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٢٠٥ - ٢٠٧).","vol":"7","page":96},{"text":"وقوله: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾. قال السدي: (صمم). أي: ثقل يمنع من استماع قولك.\nوقوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ هو الاختلاف في الدين. قال النسفي: (﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ ستر، وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، ومجّ أسماعهم له كأن بها صممًا عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه وبين رسول اللَّه -ﷺ- وما هو عليه حجابًا ساترًا وحاجزًا منيعًا من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي).\nوقوله: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾. أي: اعمل على طريقتك ونحن نعمل على طريقتنا لا نتابعك. قال مقاتل: (اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها). وقال الكلبي: (أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك). وعن الماوردي: (فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا). وقيل: (اعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا). قال ابن جرير: (أي: فاعمل يا محمد بدينك وما تقول إنه الحق إننا عاملون بديننا وما نقول إنه الحق، ودع دعاءنا إلى ما تدعونا إليه من دينك، فإنا ندع دعاءك إلى ديننا).\n\n٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: قل -يا محمد- لهؤلاء المشركين إنما أنا بشر مثلكم أنذركم بالوحي أنه لا إله إلا اللَّه فاعبدوه واستقيموا على عبادته واستغفروه من ماضيكم وجاهليتكم فالويل للمشركين، الذين لا يزكون نعمة اللَّه عليهم بالشكر والإيمان بل يكفرون. لقد أعدَّ اللَّه تعالى للمؤمنين العاملين بطاعته أجرًا غير ممنون، في جنات الخلود جنات النعيم.\nفقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. أي لست بملك بل أنا واحد من بني آدم مثلكم. قال الحسن: (علمه اللَّه تعالى التواضع).\nوقوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي من السماء من عند اللَّه تعالى على أيدي الملائكة.","vol":"7","page":97},{"text":"وقوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. قال ابن كثير: (لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما اللَّه إلهٌ واحد).\nوقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾. قال القرطبي: (أي وجهوا وجوهكم بالدعاء له والمسألة إليه). وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. أي: من شرككم وخطاياكم.\nوقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال ابن عباس: (هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا اللَّه). قلت: وهذا فقه كبير في فهم الآية، فإن إيجاب الزكاة المالية كان في السنة الثانية للهجرة، وهذه الآية مكية، إلا أن يقال أن يكون المراد أصل الصدقة الذي أُمِرَ به المسلمون أول الإسلام متروكًا لشعورهم قبل تعيين الأنصبة في المدينة بعد الهجرة، فيكون هذا جمعًا مع قول قتادة: (﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: يمنعون زكاة أموالهم)، وقوله السدي: (الذين لا يدينون بالزكاة)، وقول معاوية بن قرة: (ليس هم من أهل الزكاة).\nلكن قد يقول قائل: بل الصلاة أَهَمُّ لو أريد تفصيل بعض الأحكام والأركان، فإن الصلاة قد فرضت قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أول الإسلام، ثم فصلت الفرائض ليلة الإسراء.\nووجه الإجابة عند ذلك يكون بالرجوع لمفهوم الزكاة -وهو النماء والطهارة- فتحمل الآية على طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة وأخصّ ذلك طهارتها من دنس الشرك والجحود، ثم أداء زكاة نعم اللَّه الجليلة الكثيرة: كالصحة والمال والولد وألوان النعيم، فيكون معنى الآية: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: دمار عليهم وهلاك محيط بهم ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: زكاة خلقهم من إفراد اللَّه تعالى بالدعاء والتعظيم، وشكره على نعمة العافية والمال والولد وألوان النعيم، ويدخل في ذلك عندئذ الإنفاق على القرابة المحتاجين وغيرهم من المساكين.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨].","vol":"7","page":98},{"text":"ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر عن النبي -ﷺ- أَنَّهُ قال: [يُصْبِحُ على كُلِّ سلامى مِنْ أحدِكم صَدَقَةٌ، فكل تَسْبيحةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تحميدةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تهليلةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تكبيرةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالمعروف صَدَقَةٌ، ونَهْيٌ عن المنكر صَدقَةٌ، ويُجْزئ مِنْ ذلك ركْعتان يَرْكَعُهُما من الضحا] (١).\nالحديث الثاني: روى أحمد وأبو داود -واللفظ له- بإسناد صحيح عن بريدة قال: سَمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [في الإنسان ثلاث مئة وسِتّون مَفْصِلًا فعليه أن يتصدَّق عَنْ كلِّ مَفْصلٍ مِنْهُ بصدقة. قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي اللَّه؟ قال: النُّخاعة في المسجد تَدْفِنُها والشيء تُنَحِّيهِ عن الطريق، فإن لم تجِدْ فَرَكعتا الضحا تُجْزِئُكَ] (٢).\nوقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. قال ابن جرير: (وهم بقيام الساعة وبعث اللَّه خلقه أحياء من قبورهم من بعد بلائهم وفنائهم منكرون).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.\nقال مجاهد: (﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال: محسوب). وقال السدي: (قال بعضهم: غير منقوص، وقال بعضهم: غير ممنون عليهم). وقال غيره: (لا مقطوعٌ ولا مجبوبٌ). والراجح أنه أجر مستمر غير مقطوع ولا منقوص ولا مجبوب، مقابل ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح واستمروا على ذلك حتى لاقوا ربهم. وأما تفسير بعضهم: غير ممنون عليهم فقد رده بعض الأئمة بقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقوله عن أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧].\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢ - ٣].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٢٠) - كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٥٢٤٢) - باب في إماطة الأذى عن الطريق. انظر صحيح أبي داود (٤٣٦٥). ورواه أحمد وابن خزيمة كما في صحيح الترغيب (١/ ٦٦٤).","vol":"7","page":99},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [مَنْ يدخل الجنة يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلى ثِيابُهُ ولا يفنى شبابه] (١).\nوفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [ينادي مُنَادٍ: إنَّ لكمْ أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبَدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعموا فلا تبأسوا أبدًا] (٢).\n\n٩ - ١٢. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: التقريعُ على المشركين في كفرهم وشركهم باللَّه الذي خلق الأرض في يومين، وخلق فيها الجبال وبثّ فيها الدواب وقدّر فيها الأقوات في أربعة أيام، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وقدّر في كل سماء مقاديرها، وزين السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا من استراق الشياطين، ذلك تقدير العزيز العليم.\nفعن السدي: (﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال: في الأحد والاثنين). قال ابن جرير: (وذلك يوم الأحد ويوم الاثنين، وبذلك جاءت الأخبار عن رسول اللَّه -ﷺ- وقالته العلماء). قال ابن كثير: (فالجمهور على أنها كأيامنا هذه).\nقلت: وقد جاء تفصيل بدء الخلق في حديث الإمام مسلم والإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول اللَّه -ﷺ- بيدي فقال: [خلق اللَّه التربة يوم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٦) - كتاب الجنة ونعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، ورواه أحمد (٢/ ٣٦٩)، (٢/ ٤٠٧)، والدارمي (٢/ ٣٣٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٣٧) - الكتاب السابق، الباب السابق.","vol":"7","page":100},{"text":"السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يومَ الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبَثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).\nوقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. قال ابن جرير: (-أي-: وتجعلون لمن خلق ذلك كذلك أندادًا وهم الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معاصي اللَّه).\nوالمقصود: كيف تجعلون لخالق الأرض في يومين ومالك جميع الإنس والجن وكل أجناس الخلق نظراء وأمثالًا تعبدونهم معه وتصرفون لهم الاستغاثة والدعاء والذبح والنذر وغير ذلك مما لا ينبغي إلا للَّه الخالق الواحد الأحد الصمد.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. قال النسفي: (﴿ذَلِكَ﴾ الذي خلق ما سبق ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ خالق جميع الموجودات وسيدها ومربيها).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾. وهي الجبال الثوابت في الأرض تثبتها لئلا تميد بأهلها.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٦ - ٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد: ٣].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥].\nفَثَبَّتَ اللَّه الأرض بهذه الثوابت وهي الجبال، فكانت كالأوتاد قد دُقَّتْ وَغُرِسَتْ في باطنها وأعماقها، يحفظ اللَّه بها توازن واستقرار هذه الأرض التي ارتضاها سبحانه مكان اختبار عباده فيما بعد. قال النسفي: (إنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٩) - كتاب صفات المنافقين - باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇، وأخرجه أحمد - انظر مختصر العلو للذهبي (٧١) - وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١/ ٢٨٨)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ٢٧٥ - ٢٧٦).","vol":"7","page":101},{"text":"الجبال ظاهرةً لطالبيها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال كلها مفتقرة إلى ممسك وهو اللَّه ﷿).\nوقوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: أي أنبت فيها الشجر. فَعَن السدي: (﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أنبت شجرها).\nالتأويل الثاني: أي أدام الخير فيها. قال ابن جرير: (يقول: وبارك في الأرض فجعلها دائمة الخير لأهلها).\nالتأويل الثالث: أي خدّمها بالمنافع وما سيحتاجه الخلق فيها. قال القرطبي: (﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾: بما خلق فيها من المنافع).\nالتأويل الرابع: قيل بل المراد الماء والزرع والثمر. أي: وبارك بالماء والزرع والشجر والثمر.\nقلت: وكلها تفاسير متقاربة، واختلافات تنوع لا تضاد، غايتها أن اللَّه سبحانه قد بارك في الأرض، بما أودع فيها من الخيرات والمنافع والمياه والثمار، لتكون عونًا في المستقبل للإنسان حين يعيش فيها، فتكفيه مؤنتها، عَلّهُ يشكر بذلك خالقها، ولا ينتكس جاحدًا متكبرًا كشيطانها. ويدل على هذا قوله بعدها: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ وفيه معان جميلة ذكرها المفسرون:\nالمعنى الأول: قيل المراد أرزاقها. قال الحسن: (أرزاق أهلها ومصالحهم). وقال ابن زيد: (قدر فيها أرزاق العباد، ذلك الأقوات). وقال السدي: (يقول: أقواتها لأهلها).\nالمعنى الثاني: قيل المراد ما يصلحها. فعن قتادة: (قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قال: صلاحها).\nالمعنى الثالث: قيل المراد الجبال والأنهار والأشجار. فعن مجاهد قال: (خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء). وعن قتادة: (﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: خلق فيها جبالها وأنهارها وبحارها وشجرها، وساكنها من الدواب كلها). وفي رواية قال: (جبالها ودوابها وأنهارها وبحارها).\nالمعنى الرابع: قيل المراد المطر. فعن مجاهد: (في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قال: من المطر).","vol":"7","page":102},{"text":"المعنى الخامس: قيل بل المراد تقدير معاش الناس في كل بلد وما يصلح دنياهم وتجارتهم ومعيشتهم. قال الضحاك: (معنى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد). وقال عكرمة: (في كل أرض قوت لا يصلح في غيرها، اليماني باليمن، والسابري بسابور).\nقلت: وغاية المعنى أن يقال: إن اللَّه ﵎ قد هَيَّأَ الأرض ليسكنها بعد ذلك الإنسان، أكرم المخلوقات وأشرفها، فقد زوّد اللَّه الأرض بما يقوت بني الإنسان من الغذاء، وبما يصلحهم من المعاش، وبما يدبّر أمورهم من أمر التعاون والتجارة، والغذاءُ لا يكون إلا بالمطر، والتجارةُ لا تكونُ إلا بالحركة والتنقّل والسفر، كما تحتاج إلى شيء من المال، وما يقوم مقامه من الحلي والجواهر والياقوت والدرر، فتفضل اللَّه سبحانه فأنزل المطر، وسلكه ينابيع في الأرض لتفجّر يومًا عبر العيون والنَهر، وتكرم اللَّه جل وعزّ فشق الطرق في السهول والجبال، وأودع للإنسان كنوزًا من الخير والمال، والحلي والدرر في الجبال وأعماق البحار، إضافة إلى ما يخرج من تلك الأعماق من السمك واللحم الحلال، كل ذلك قد سخّره لذلك الإنسان، ليدرك يومًا قيمته ومكانته عند خالق الأكوان والأزمان، لعله يقوم بالأمانة العليا التي خلقه من أجلها، وأرسل له بذلك الرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام.\nوأما قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في تتمة أربعة أيام. قال الشوكاني: (أي في تتمة أربعة أيام باليومين المتقدمين. قاله الزجاج وغيره). أي فرغ اللَّه سبحانه من خلق الأرض وجميع ما تقوم به حاجة الإنسان في المستقبل، يوم سيسكنها بأمره، في أربعة أيام: وهي بدءًا من يوم الأحد، يوم خلق فيها الجبال، وانتهاء بيوم الأربعاء، يوم خلق فيها النور والأمل، الذي سيشرق يومًا في قلوب خلقه من النساء والرجال، فكمّلَ سبحانه في تلك الأيام جميع أسباب الحياة فيها، من الأشجار والماء والمدائن والعمران والخراب وغير ذلك مما يقوم ويصلح به الحال.\nوقوله: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ فيه قولان:\nالأول: عن الحسن قال: (في أربعة أيام مستوية تامة). وعن قتادة: (﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قال: من سأل عن ذلك وجده كما قال اللَّه). أي من سأل عن علم ذلك التقدير يوم خلق اللَّه الخلق والأرض، وكم كان ذلك الأجل، حتى استكملها وجعل فيها","vol":"7","page":103},{"text":"الجبال الرواسي والسبل والأنهار، والبحار والأقوات والأشجار، فإنّ حدّه كما أخبر تعالى أربعة أيام.\nوالثاني: عن ابن زيد قال: (قدّر ذلك على قدر مسائلهم، يعلم ذلك أنه لا يكون من مسائلهم شيء إلا شيء قد علمه قبل أن يكون). وقال الفراء: (في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين). قال القرطبي: (وقال أهل المعاني: معنى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: ولغير السائلين، أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل).\nوغاية المعنى أن اللَّه سبحانه قد أثبت تقدير بدء خلق الأرض وما تحتاجه من مقومات العيش فيها في أربعة أيام، ليسكنها الإنسان يومًا فيجد ما يسأل من حاجة فيها، فقد أودعها اللَّه من كنوز الخير وما يقوم به العيش، لينعم الإنسان فيها يومًا ولا يشقى، ولينصرف بهمته ومشاعره وجوارحه إلى ما هو أسمى وأرقى.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. قال القرطبي: (أي عمد إلى خلقها وقصد لتسويتها).\nوقال ابن جرير: (ثم ارتفع إلى السماء)، أي بلا تكييف ولا تمثيل. وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفّس.\nوقد ذكر القاسمي -في تفسيره﵀: (وقال بعض علماء الفلك في تفسير هذه الآية: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ أي ذرات، أي غازات أي سديم. ثم تجاذبت كما يتجمع السحاب فصارت كتلة واحدة. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ أي كتلة واحدة. فدارت ثم تقطعت وتفصلت بالقوة الدافعة، فتكونت الأرض والسماوات، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ أي فصلناهما، فصارتا كرات من الماء في يومين. ثم قال: وفي هذا الوقت كان عرشه على الماء. أي كان ملكه وسلطانه على الماء واللَّه أعلم).\nوعن ابن عباس: (﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، قال اللَّه تعالى للسماء: أطلعي شَمْسَك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك. وقال للأرض: شُقِّي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾).","vol":"7","page":104},{"text":"وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾. قال السدي: (استوى إلى السماء وهي دخانٌ مِنْ تنفس الماء حين تنفّس، فجعلها سماء واحدة، ففتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة. وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد، وما لا يُعلم. ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال: ثم زيَّنَ السماء بالكواكب، فجعلها زينة ﴿وَحِفْظًا﴾ من الشياطين). أي من الشياطين أن تسترق أخبارها.\nوعن قتادة: (﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خَلْقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البَرَد والثلوج).\nوفي المسند وجامع الترمذي بسند حسن عن أبي ذر ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وَحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضِعُ أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته للَّه تعالى ساجدًا] (١).\nوفي مسند الإمام أحمد كذلك بسند صحيح عن أنس أن النبي -ﷺ- قال: [البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألفَ ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة] (٢).\nوفوق هذه المخلوقات كلها ما هو أعظم منها وأكبر، وهو العرش، وتحته كرسي الرحمان ﷿، وقد وصفه اللَّه سبحانه في كتابه فقال في سورة البقرة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال ابن عباس: (لو أن السماوات السبع والأرضين السبع، بُسِطْنَ ثم وُصِلن بعضهن إلى بعض، ما كنّ فيه سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة).\nوبنحو معناه جاء الخبر الصحيح عن رسول اللَّه -ﷺ- فيما يرويه محمد بن أبي شيبة\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي كما مرّ بتمامه. وكذلك ابن نصر في \"الصلاة\" (١/ ٤٤)، (٢/ ٤٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٥٩)، (١٠٦٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٥٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٧٧).","vol":"7","page":105},{"text":"عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (١).\nوأخرج ابن خزيمة في التوحيد بسند صحيح عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره] (٢). فيكون العرش بهذا المعنى هو أعظم المخلوقات، ومن أول المخلوقات، استوى عليه الرحمان سبحانه استواء يليق بجلاله وكبريائه، وهو سبحانه غير محتاج إلى الكرسي ولا إلى العرش، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصفت لكم من خلقي السماء والأرض وما فيهما، وتزييني السماء الدنيا بزينة الكواكب على ما بينت تقدير العزيز في نقمته من أعدائه، العليم بسرائر عباده وعلانيتهم، وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم).\n\n١٣ - ١٨. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (١١٤/ ١)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص (٢٩٠). وانظر السلسلة الصحيحة (١٠٩).\n(٢) موقوف صحيح. رواه ابن خزيمة في \"التوحيد\"، وعبد اللَّه بن أحمد في \"السنة\" بسند صحيح. انظر مختصر العلو ص (١٠٢)، وهو في حكم المرفوع كما لا يخفى. وانظر تفصيل ذلك في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١١٦١).","vol":"7","page":106},{"text":"الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره: فإن أعرض هؤلاء المشركون عن هذه الحجة التي بينتها لهم -يا محمد- فقل أنذرتكم صاعقة تهلككم كما أهلكت عاد وثمود الذين كذبوا المرسلين، واستكبروا في الأرض وطغوا وكانوا ظالمين، فأهلكت عاد بالريح وثمود بالصاعقة وكتب اللَّه النجاة للمتقين.\nفقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.\nالصاعقة: كل ما أفسد الشيء وغَيَّره عن هيئته. قال الرازي: (الصاعقة: نارٌ تسقط من السماء في رَعْد شديد. والصاعقة أيضًا صيحة العذاب). قال قتادة: (يقول أنذرتكم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود. قال: عذاب مثل عذاب عاد وثمود).\nوقوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.\nقال ابن عباس: (الرسل التي كانت قبل هود، والرسل الذين كانوا بعده، بعث اللَّه قبله رسلًا، وبعث من بعده رسلًا). قال ابن كثير: (أي في القرى المجاورة لبلادهم، بعث اللَّه إليهم الرسل يأمرون بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، ومُبشِّرين ومُنذرين، ورأوا ما أحَلَّ اللَّه بأعدائه من النِّقم، وما أَلْبَسَ اللَّه أولياءه من النِّعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدّقوا، بل كذبوا وجحدوا). والآية كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١].\nوقوله: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (فقالوا لرسلهم إذ دعوهم إلى الإقرار بتوحيد اللَّه: لو شاء ربنا أن نوحده. . لأنزل إلينا ملائكة من السماء رسلا. . ولم يرسلكم وأنتم بشر مثلنا، ولكنه رضي عبادتنا ما نعبد فلذلك لم يرسل إلينا بالنهي عن ذلك ملائكة ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ -قالوا لرسلهم: فإنا بالذي أرسلكم به ربكم إلينا جاحدون غير مصدقين به-).\nوقوله: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال النسفي: (أي تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم وهو القوة وعظم الأجرام، أو استولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية).\nوقوله: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. قال القرطبي: (اغتروا بأجسامهم حين تهدّدهم","vol":"7","page":107},{"text":"بالعذاب، وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم). قيل: وبلغ من قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة من الجبل بيده.\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾.\nأي: أولم يروا أن اللَّه الذي خلقهم أوسع منهم قدرة، لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره لهم، ولو شاء لَعَطَبَهُم وعطَّل حرَكَتَهُم وقدرتهم.\nوقوله: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. أي: وكانوا بمعجزاتنا يكفرون، وهم يعلمون أن تلك الآيات حق، وإنما منعهم البغي والكبر.\nوقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال مجاهد: (شديدة). أو قال: (شديدة السَّموم عليهم). وقال قتادة: (الصرصر: الباردة). وقال السدي: (باردة ذات الصوت). قال ابن كثير: (والحق أنها مُتّصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحًا شديدة قوية، لتكونَ عُقوبَتُهم من جنس ما اغترُّوا به من قُواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدًا كقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، أي باردة شديدة، وكانت ذاتَ صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق صَرْصَرًا، لقوة صوت جريه).\nوقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال ابن عباس: (أيام متتابعات أنزل اللَّه فيهن العذاب). وقال مجاهد: (مشائيم). وقال قتادة: (النحسات: المشؤومات النكدات). قال ابن زيد: (النحس: الشر، أرسل عليهم ريح شرٍّ ليس فيها من الخير شيء). وقال الضحاك: (شداد).\nقلت: وأصل النَّحْسِ في لغة العرب ضِدُّ السَّعْد، فيكون المعنى: أرسل اللَّه عليهم الريح الصرصر في أيام ذوات نحس: أي ذوات شؤم وشر وشدة عليهم، ابتُدئ بذلك عليهم ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]، ثم تتابع النحس عليهم سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم.\nوقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾. أي: اتصل بهم عذاب الدنيا بالريح العقيم بعذاب الآخرة الأدهى والأمَرِّ في نار الجحيم، ثم هم لا ينصرون في الآخرة، كما خُذلوا ولم ينصروا في الدنيا.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. -أي هداية الرسل- هداية الدلالة والإرشاد. قال","vol":"7","page":108},{"text":"ابن عباس: (أي بيَّنا لهم). وقال قتادة: (بَيَّنَا لهم سبيل الخير والشر). وقال ابن زيد: (أعلمناهم الهدى والضلالة ونهيناهم أن يَتَّبعوا الضلالة، وأمرناهم أن يتبعوا الهدى).\nوقوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال السدي: (اختاروا الضلالة والعمى على الهدى). وقال ابن عباس: (أرسل اللَّه إليهم الرسل بالهدى فاستحبوا العمى على الهدى).\nوقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾. قال السدي: (عذاب الهون: الهوان). والمقصود: لما آثروا حياة العمى على الهدى بعث اللَّه عليهم صيحة ورَجْفةً وذلًا وهوانًا وعذابًا مخزيًا.\nوقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: بما قدموا لأنفسهم من التكذيب والعناد والجحود.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\nقال القرطبي: (يعني صالحًا ومن آمن به، أي ميزناهم من الكفار، فلم يحلّ بهم ما حَلَّ بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكفارهم).\n\n١٩ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ اللَّه تعالى مشهد الحشر وقد دُفِعَ الطغاة إلى نار جهنم ونطقت جوارحهم بجرائمهم، فاستنكروا على جلودهم شهادتهم عليهم، فأجابوهم بأنهم نطقوا بأمر اللَّه لهم، وقد كانوا لا يستترون، ويظنون أن اللَّه لا يعلم كثيرًا مما يعملون، فأوصلهم ظنهم ذلك باللَّه إلى عذاب الخزي في النار هم فيها خالدون.","vol":"7","page":109},{"text":"فقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾. أي: اذكر يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك خزي ذلك اليوم على الكفار، يوم يفرزون في الحشر باتجاه النار.\nوقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال ابن عباس: (يدفعون). وقال السدي: (يحبَسُ أوّلهم على آخرهم). أي تجمع زبانية العذاب أولهم على آخرهم. قال النسفي: (أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله من وزعته أي كففته).\nقلت: يُستوقفون ليتلاحقوا ويجتمعوا فيها، كما اجتمعوا في الدنيا على الكذب، فاليوم تجمعهم نار جهنم، وفي وصفهم بأعداء اللَّه مبالغة في ذمهم.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿مَا﴾ في قوله ﴿مَا جَاءُوهَا﴾ مزيدة للتأكيد، والمقصود: حتى إذا صاروا بحضرتها أو وقفوا عليها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما قدموه وأخروه.\nقال الرازي: (فاللَّه سبحانه ذكر هنا ثلاثة أنواع من الحواس: وهي السمع والبصر واللمس، وأهمل ذكرَ نوعين، وهما الذوق والشم، فالذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه. . وكذلك الشم).\nفالذوق يحصل عندما تكون جلدة اللسان مماسة للطعام فهو نوع من اللمس، وكذلك الشم يحصل عندما تكون جلدة الحنك مماسة للشيء المشموم وهي نوع من اللمس أيضًا.\nوأما الجلود فهي الجلود المعروفة، في قول أكثر المفسرين. وقيل: (أراد بالجلود الفروج) ذكره السدي. وقال الحكم الثقفي: (إنما عنى فروجهم ولكنه كنى بها)، والأول أرجح وأشمل.\nقال الشوكاني: (لأن ما يشهدُ الفرجُ من الزنا أعظم قبحًا وأجلب للخزي والعقوبة).\nوأما قوله جل ذكره: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ -فقد جاء- في تفسيره حديث صحيح.\nفقد روى مسلم وأحمد عن أنس ﵁ قال: [ضحك رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألون مِمَّ ضحكت؟ قالوا: ممّ ضحكت يا رسول اللَّه؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربَّه يوم القيامة! قال: يقول العبد يوم","vol":"7","page":110},{"text":"القيامة: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعْدًا لكنَّ وسحقًا، فعنكن كنت أناضل] (١).\nوقوله: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. قال النسفي: (وهو قادر على إنشائكم أول مرة وعلى إعادتكم ورجوعكم إلى جزائه).\nوقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الآية. ﴿أَنْ﴾ في محل نصب على العلة، أي لأجل أن تشهد أو مخافة أن تشهد.\nوفي الصحيحين والمسند عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: [﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الآية. قال: كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن اللَّه يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله، فأنزلت: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ الآية] (٢).\nوفي رواية: قال ابن مسعود: [كنت مستترًا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر: قرشيٌّ وثقفيان، أو ثقفي وقرشيان، كثير لحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن اللَّه يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخران: إنا إذا رفَعْنا أصواتنا سمعه، وإنا إذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخران: إن سمع منه شيئًا سمعه كله، قال: فذكرت للنبي -ﷺ- فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٨/ ٢١٧) - كتاب التوبة وقبولها وسعة رحمة اللَّه وغير ذلك. باب: في شهادة أركان العبد يوم القيامة بعمله. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٣٣). ورواه أحمد وغيره. وقوله: \"أناضل\" أي أجادل وأدافع وأخاصم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (فتح الباري - ٨/ ٥٦٢)، وانظر صحيح مسلم -بشرح النووي- (١٧/ ١٢٢)، ورواه أحمد وغيرهم. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - بحث (١٦) - (١/ ٢٦٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٧)، ومسلم (٢٧٧٥)، وأحمد (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، وأخرجه =","vol":"7","page":111},{"text":"وعن السدي: (﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ أي تستخفون منها). قال مجاهد: (تتقون). أي: وما كنتم تستخفون فتتركون ركوب المحرمات والمآثم في الدنيا حذرًا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم، ولكن حسبتم حين ركبتم ذلك في الدنيا أن اللَّه يخفى عليه كثيرًا مما تعملون.\nوعن السدي: (قوله: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ قال: أهلككم). وعن الحسن قال: (إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن باللَّه الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن فأساءا العمل. قال ربكم: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْخَاسِرِينَ﴾).\nقلت: ولقد كانت هذه الآيات العظيمة تهديدًا لقريش إذا استمرت في تشكيكها وتكذيبها واستهزائها بصفات اللَّه، أن يحصل لها من الخزي في ذلك اليوم الموعود ما حكاه اللَّه وأنزله على المؤمنين ليتلوه إلى يوم القيامة.\nوقوله ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾. كقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: سواء عليهم أصبروا أم لم يصبروا، فإن النار مأواهم ومستقرهم لا محيد عنها ولا أمل لهم في الخروج منها.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾. قال القرطبي: (أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار). وقيل: (وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين). قال ابن جرير: (وإن يسألوا العُتبى وهي الرجعة لهم) -أي إلى الدنيا، فلا جواب لهم. قال ابن كثير: (وإن طلبوا أن يستعتبوا ويُبْدوا أعذارًا فما لهم أعذار، ولا تُقال لهم عثرات).\nقلت: وفي لغة العرب، استعتبه: أي استرضاه. والمقصود: وإن حاولوا التماس رضى اللَّه تعالى بالإقرار بالذنب والندم، وطلبوا فرصة أخرى لِيُعَدِّلُوا طريقهم ومنهاج عبادتهم لم يجابوا لذلك، بل كان الجواب كما قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨].\n_________\n= الترمذي (٣٢٤٨)، وكذلك ابن حبان (٣٩٠)، وانظر التفصيل في المرجع السابق. وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول -الوادعي- سورة فصلت، آية (٢٢).","vol":"7","page":112},{"text":"٢٥ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تزيين الشياطين للكفار أعمالهم، حتى جمع اللَّه في العذاب بينهم. ومحاولات الكفار الصد عن القرآن، وسبيل الرحمان، حتى أخزاهم اللَّه وضاعف لهم العذاب بمكرهم.\nفقوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.\nقال مجاهد: (﴿قُرَنَاءَ﴾ شياطين). وقال السدي: (﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الآخرة).\nقال ابن جرير: (-يقول-: وبعثنا لهم نظراء من الشياطين فجعلناهم لهم قرناء قرنّاهم بهم يزينون لهم قبائح أعمالهم. قال: فزين لهؤلاء الكفار قرناؤهم من الشياطين ما بين أيديهم من أمر الدنيا فحسنوا ذلك لهم وحبّبوه إليهم حتى آثروه على أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وحسّنوا لهم أيضًا ما بعد مماتهم بأن دعوهم إلى التكذيب بالمعاد، وأن من هلك منهم فلن يبعث وأن لا ثواب ولا عقاب حتى صدقوهم على ذلك، وسهل عليهم فعل كل ما يشتهونه، وركوب كلّ ما يلتذونه من الفواحش باستحسانهم ذلك لأنفسهم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. قال ابن زيد: (نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).","vol":"7","page":113},{"text":"وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي -ﷺ- قال: [إنّ إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فَرَّقْتُ بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١).\nوله شاهد عند ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري -بإسناد صحيح رجاله ثقات- عن النبي -ﷺ- قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرُج هذا فيقول: لم أزل به حتى طَلَّقَ امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقَّ والديه فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتلَ، فيقول: أنت أنت ويُلْبِسُهُ التاج] (٢).\nوقوله: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾.\nأي: وحق عليهم ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ كمن قبلهم من الجن والإنس استووا وإياهم في الخسار والدمار. قال القرطبي: (أي وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم).\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾. قال النسفي: (هو تعليل لاستحقاقهم العذاب). والمقصود: إن تلك الأمم الضالة من الجن والإنس كانوا مغبونين ببيعهم رضا اللَّه ورحمته بسخطه وعذابه فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.\nهو وصف لمحاولات قريش في الصد عن هذا القرآن، وذلك بافتعال الضجيج والفوضى عند تلاوته، ظنًا منهم أن ذلك سيصرف تأثيره الساحر على قلوب الناس حين يُتْلى فلا يؤثر.\nقال ابن عباس: (هذا قول المشركين قالوا: لا تتبعوا هذا القرآن والهوا عنه). وعن مجاهد: (﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ قال: المكاء والتصفير، وتخليط من القول\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨١٣) - ح (٦٧)، ح (٦٨)، كتاب صفات المنافقين.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٦٥) ورجاله ثقات رجال البخاري. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٨٠)، وكتابي: \"منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن\" ص (٢٤)، لمزيد من التفصيل في هذا البحث.","vol":"7","page":114},{"text":"على رسول اللَّه -ﷺ- إذا قرأ، قريش تفعله). وعن قتادة قال: (أي اجحدوا به وأنكروه وعادوه، قال: هذا قول مشركي العرب). وعن معمر، قال بعضهم في قوله: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ قال: (تحدثوا وصيحوا كيما لا تسمعوه). قال ابن جرير: (﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾: لعلكم بفعلكم ذلك تصدون من أراد استماعه عن استماعه فلا يسمعه، وإذا لم يسمعه ولم يفهمه لم يتبعه، فتغلبون بذلك من فعلكم محمدًا).\nوقوله: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾. تَوَعُّدٌ من اللَّه المشركين على سوء ما مكروا وما بيّتوا.\nوقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال النسفي: (أي أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم وهو الكفر).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾. قال القرطبي: (أي ذلك العذاب الشديد، ثم بينه بقوله ﴿النَّار﴾).\nوقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. أي: لهم فيها المكث الأبدي مقابل ما كانوا من حجج اللَّه ينكرون ويلغون.\nوقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. أي: الشيطانين اللذين كانا سبب غوايتهم، فإن الشياطين على ضربين جني وإنسي كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي ذر، ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يا أبا ذر، تعوّذ باللَّه من شياطين الإنس والجن. فقلت: أوَ للإنس شياطين؟ قال: نعم] (١).\nوقوله: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾.\nأي: نجعلهما أسفل منّا في العذاب ليشتد عليهم النكال، وليذوقوا ضعف الخزي والوبال، جزاء إضلالهم إيانا وصيرورتنا إلى هذا المآل.\n\n٣٠ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ١٧٨ - ١٧٩)، والنسائي (٨/ ٢٧٥)، وله شواهد.","vol":"7","page":115},{"text":"أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تَنَزُّلُ الملائكة بالأمن والطمأنينة والبشرى بالجنة للمؤمنين، والوَعْد بالنصر والتأييد في هذه الحياة الدنيا وفي دار الخلود والنعيم.\nفقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال مجاهد: (هم الذين قالوا ربنا اللَّه ثم لم يشركوا به حتى لقوه). وقال: (أسلموا ثم لم يشركوا به حتى لحقوا به). قال عكرمة: (استقاموا على شهادة أن لا إله إلا اللَّه).\nوالمقصود هم الذين أخلصوا الإيمان والعمل لوجه اللَّه كما شرع وثبتوا على ذلك حتى لقوا ربهم.\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن سفيان بن عبد اللَّه الثقفي قال: [قلت: يا رسولَ اللَّه، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: قل: آمنت باللَّه، ثم استقم] (١).\nوفي لفظ أحمد: [قال: قلت يا رسول اللَّه، حدثني بأمر أعتصِم به. قال: قُل: ربي اللَّه، ثم استقم. قلت: يا رسول اللَّه، ما أكثرُ ما تخاف علىَّ؟ فأخذ رسول اللَّه -ﷺ- بطرف لسان نفسه، ثم قال: هذا] (٢). وفي لفظ آخر: [قال فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه].\nوقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾.\n\"أنْ\" في موضع نصب. والتقدير: بأن لا تخافوا ولا تحزنوا. قال مجاهد: (عند الموت). وقال: (لا تخافوا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم من أهل وولد، فإنا نخلفكم في ذلك كله). وعن السدي: (﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ قال: لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما بعدكم).\nوقوله: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. قال السدي: (في الدنيا). وقال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٨)، وأحمد (٣/ ٤١٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٤٨٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤١٣)، والترمذي (٢٤١٠)، وابن ماجة (٣٩٧٢)، وانظر للفظ الآخر مسند أحمد (٣/ ٤١٣)، (٣/ ٤١٣) - (٣/ ٣٨٤)، والدارمي (٢/ ٢٩٦)، وصحيح ابن حبان (٥٦٩٨)، وإسناده صحيح، وله طرق.","vol":"7","page":116},{"text":"زيد بن أسلم: (يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث) - رواه ابن أبي حاتم.\nوفي المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحَنوط (١) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، (وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون اللَّه أن يعرج بروحه من قبلهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط] الحديث (٢).\nوله شاهد عند ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن الميت تحضُره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرُجي حميدة، وأبشري بروحٍ ورَيْحان، وربٍّ غير غضبان، فلا يزال يقالُ لها ذلك حتى تخرج] (٣).\nوقوله: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال السدي: (نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة). والمعنى: فتقول لهم الملائكة عند موتهم: نحن الذين كنا نتولاكم في الدنيا، أي: كنا قرناءكم نسدّدكم ونعينكم ونحفظكم بأمر اللَّه، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونطمئن قلوبكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم بإذن اللَّه الصراط فوق الجحيم، لتصلوا إلى دار السلام دار الخلود والنعيم.\nوقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾.\nأي: ولكم في الجنة ما تشتهون من الملاذ وألوان السرور والنعيم، ولكم كذلك\n_________\n(١) ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٢٦٢) - كتاب الزهد. باب ذكر الموت والاستعداد له. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٣٧).","vol":"7","page":117},{"text":"ما تسألون وتتمنَّون حصوله من اللَّه المنعم الكريم.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [\"يقول اللَّهُ ﷿: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علىِ قلب بشر، ذُخْرًا، بَلْهَ ما أطلعكم اللَّه عليه\". ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]] (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الجنةَ والنارَ أرسل جَبْرئيلَ إلى الجنة، فقال: انْظُر إليها وإلى ما أعْدَدْتُ لأهلها فيها، قال: فجاءها فنظر إليها وإلى ما أعَدَّ اللَّه لأهلها فيها، قال: فرجَعَ إليه، قال: فوعزتك لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها. .] الحديث (٢).\nوفيه أيضًا بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [المؤمنُ إذا اشتهى الولَدَ في الجنة، كانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وسنُّهُ في ساعة كما يشتهي] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾. نزلًا: نصب على المصدر. أي رزقًا وضيافة من اللَّه الغفور الرحيم. قال ابن كثير: (أي: ضيافة وعطاءً وإنعامًا من غفورٍ لذنوبكم، رحيمٍ بكم رؤوفٍ، حيث غفر، وسَتَرَ، ورَحِمَ ولطفَ).\nأخرج الإمام أحمد والبزار بإسناد على شرط الشيخين عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [\"مَن أَحَب لقاء اللَّه أحبَّ اللَّه لقاءه، ومن كَرِهَ لقاء اللَّه كَرِهَ اللَّه لقاءه\". قلنا: يا رسول اللَّه، كُلُّنا نكرَه الموتَ؟ قال: \"ليس ذلك كراهيةَ الموت، ولكن المؤمنَ إذا حُضِرَ جاءه البشير من اللَّه بما هو صائِرٌ إليه، فليس شيءٌ أحبَّ إليه من أن يكونَ قد لَقِيَ اللَّه فأحَبَّ اللَّه لقاءه - قال: وإن الفاجر -أو الكافر- إذا حُضِرَ جاءَه بما هو صائِرٌ إليه من الشر -أو: ما يَلقى من الشرِّ- فَكَرِهَ لقاءَ اللَّه، فكَرِهَ اللَّه لقاءه\"] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٢٤)، ح (٤)، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.\n(٢) حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي في أبواب صفة الجنة. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٧٥) - باب ما جاء في أن الجنة حُفت بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٠٧٧) - الكتاب السابق، باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٠٧)، والبزار (٧٨٠)، وسنده على شرط الشيخين.","vol":"7","page":118},{"text":"وأصله في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵁ قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ أحَبَّ لقاء اللَّه، أحَبَّ اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه، كره اللَّه لِقاءه. فقلت: يا نبي اللَّه! أَكراهيةُ الموتِ؟ فَكُلُّنا نَكْرهُ المَوْتَ، فقال: ليْسَ كذلِك، ولكِنَّ المؤمِنَ إذا بُشِّرَ برحمة اللَّه ورضوانِه وجَنَّتِهِ، أحبَّ لقاءَ اللَّه، فأحَبَّ اللَّه لقاءه، وإنَّ الكافر إذا بُشِّرَ بعذاب اللَّه وسَخَطِه، كَرِهَ لِقاءَ اللَّه، وكَرِهَ اللَّه لقاءَه] (١).\n\n٣٣ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: الثناءُ الحسن على الدعاة إلى اللَّه أهل العمل الصالح والمثل الأعلى في المسلمين. والأمر بمدافعة السيئة بالتي هي أحسن فإذا صاحب العداوة كأنه ولي حميم. والإخبار عن بلوغ مراتب الجنة العالية أهل الصبر وأصحاب الحظ العظيم. والأمر بالاستعاذة باللَّه من همزات ووساوس الشيطان الرجيم.\nفقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال الحسن: (هذا حبيب اللَّه، هذا وليّ اللَّه، هذا صفوة اللَّه، هذا خيرة اللَّه، هذا أحبُّ الخلق إلى اللَّه، أجاب اللَّه في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب اللَّه فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال إنني من المسلمين).\nوعن قتادة قال: (هذا عبد صدق قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيته، وشاهده مغيبه، وإن المنافق عبد خالف قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيته، وشاهده مغيبه).\nواختلف في المعني بذلك: فعن السدي: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال محمد -ﷺ- حين دعا إلى الإسلام).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٨٤) - كتاب الذكر والدعاء. ح (١٥)، (١٦).","vol":"7","page":119},{"text":"وعن قيس بن أبي حازم قال: (﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال: المؤذن، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ قال: الصلاة ما بين الأذان إلى الإقامة).\nقلت: بل الآية عامة في صفات خير العباد، وهم الأنبياء والرسل وأتباعهم من العلماء والقادة والدعاة إلى اللَّه وأهل العمل الصالح على منهاج النبوة.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق ذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن نصر في \"الصلاة\"، والحاكم في المستدرك، بإسناد صحيح -رجاله كلهم ثقات- عن العلاء بن زياد قال: [سأل رجل عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فقال: أي المؤمنين أفضل إسلامًا؟ قال: \"أفضل المؤمنين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات اللَّه، وأفضل المهاجرين من جاهد لنفسه وهواه في ذات اللَّه\". قال: أنت قلته يا عبد اللَّه بن عمرو أو رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: بل رسول اللَّه -ﷺ- قاله] (١).\nورواه الطبراني بلفظ: [أفضل المؤمنين إسلامًا من سَلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلقًا، وأفضلُ المهاجرين مَنْ هَجَرَ ما نهى اللَّه تعالى عنه، وأفضل الجِهاد من جَاهَدَ نفسه في ذات اللَّه ﷿].\nورواه الحاكم من طريق عبد اللَّه بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده مرفوعًا به دون ذكر الهجرة، وذكر: [أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الديلمي بسند صحيح لغيره عن معقل بن يسار مرفوعًا: [أفضل الإيمان الصبرُ والسماحة] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري: [أنّ رجلًا أتى النبي -ﷺ- فقال: أي الناس أفضل؟ فقال: أفضل الناس (وفي رواية: خير الناس) رجلٌ يجاهد في سبيل اللَّه بماله ونفسه، ثم مؤمن في شعبٍ من\n_________\n(١) أخرجه ابن نصر في \"الصلاة\" (١٤٢/ ٢) بسند صحيح رجاله كلهم ثقات. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٩١)، وصحيح الجامع الصغير (١١٤٠).\n(٢) أخرجه الحاكم (٣/ ٦٢٦)، وبنحوه ابن نصر في \"الصلاة\" (١٤٣/ ٢).\n(٣) أخرجه الديلمي (١/ ١/ ١٢٨)، وابن أبي شيبة في \"الإيمان\" (رقم - ٤٣)، من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، ورجاله ثقات.","vol":"7","page":120},{"text":"الشِّعاب يعبدُ اللَّه ربَّه، ويدعُ الناس من شرِّه] (١).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بإسناد حسن عن ابن عمر ﵄، -وكذلك أحمد والترمذي بألفاظ متقاربة- عن النبي -ﷺ- قال: [المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم] (٢). وفي رواية: (أعظم أجرًا) بدل \"خير\". وفي لفظ آخر: [المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضلُ من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبرُ على أذاهم].\nقال ابن جرير: (﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: وقال إنني ممن خضع للَّه بالطاعة، وذلّ له بالعبودة، وخشع له بالإيمان بوحدانيته).\nوقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾. أي التوحيد والشرك، والبر والإثم.\nقال ابن عباس: (الحسنة لا إله إلا اللَّه، والسيئة الشرك). وقيل: الحسنة الطاعة، والسيئة: الشرك. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك: (الحسنة العلم، والسيئة الفحش).\nوقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال ابن عباس: (أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك). وقال: (أمر اللَّه المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم اللَّه من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم كأنه ولي حميم).\nوعن عطاء: (﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال: السلام). قال ابن جرير: (-يقول-: ادفع يا محمد بحلمك جَهْلَ مَنْ جَهِلَ عليك، وبعفوك عمن أساء إليك إساءة المسيء، وبصبرك عليهم مكروه ما تجد منهم ويلقاك من قِبلهم).\nوقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. قال قتادة: (أي كأنه وليٌّ قريب). والمقصود: فإذا فعلت ذلك تحول عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك. قال القاسمي: (﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ﴾ أي صديق أو قريب ﴿حَمِيمٌ﴾ أي شديد الولاء.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٤)، (١١/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، ومسلم (٦/ ٣٩)، وأبو داود (١/ ٣٨٩)، والنسائي (٢/ ٥٥)، والترمذي (٣/ ١٦)، وابن ماجة (٢/ ٤٧٥)، وأحمد (٣/ ١٦)، والحاكم (٢/ ٧١) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢/ ٤٩٣)، والترمذي (٣/ ٣١٩)، وأخرجه أحمد (٥/ ٣٦٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٦٢ - ٦٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٩٣٩)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٥٢٧).","vol":"7","page":121},{"text":"وأصل الحميم الماء الشديد حرارته. كنى به عن الوليّ المخلص في ودّه، لما يجد في نفسه من حرارة الحب والشوق والاهتمام نحو مواليه).\nوقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾. قال القرطبي: (﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ يعني هذه الفَعلة الكريمة والخصلة الشريفة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ بكظم الغيظ واحتمال الأذى).\nأي: وما يلقى هذه الخصلة الرفيعة التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان إلا الذين صبروا على تجرّع الشدائد، الذين ورثوه من حسن طاعتهم للَّه وامتثالهم لأوامره القاضية بالتخلق بالعلم والعفو والحلم.\nوقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. قال ابن عباس: (أي نصيب وافر من الخير). وقال السدي: (﴿إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: ذو جدّ). وقال مجاهد: (الحظ العظيم الجنة). وقال الحسن: (واللَّه ما عظم حظ قط دون الجنة).\nفيكون مفهوم الآية على أحد تأويلين:\nالتأويل الأول: ما يُلَقَّى تلك الخصلة الشريفة إلا أهل الصبر وإلا ذو حظ عظيم من الخير وكمال النفس والخُلق والعقل.\nالتأويل الثاني: وما يُلَقَّى الجنة إلا الصابرون، وكذلك إلا ذو حظ عظيم.\nقلت: والإعجاز القرآني يحتمل التأويلين معًا، فإن تلك الخصال الرفيعة طرق الجنة.\nوقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾. قال السدي: (وسوسة وحديث النفس). وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي من كيده وشره، وإرادته الفاسدة بمقابلة الإساءة بطرقه الشيطانية التي لا تبقي للصلح سبيلًا.\nقال ابن كثير: (أي: إن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلةَ فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سَلَّطَه عليك، فإذا استعذت باللَّه ولجأت إليه، كَفَّهُ عنك ورَدَّ كيدَه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ","vol":"7","page":122},{"text":"مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨].\nوقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: إنه هو السميع لاستعاذة عباده العليم بأقوالهم وأفعالهم.\nوفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام من الليل كبّر ثم يقول: \"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك\". ثم يقول: \"لا إله إلا اللَّه\" ثلاثًا، ثم يقول: \"اللَّه أكبر كبيرًا\" ثلاثًا، \"أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه\" ثم يقرأ] (١).\n\n٣٧ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾.\nفي هذه الآيات: الليلُ والنهارُ والشمس والقمر آيات كبيرة من آيات اللَّه العظيم. والسجودُ لا يكون إلا للَّه الذي خلقهن فمن استكبر فإن الملائكة جنود كثيرة يسبحون اللَّه وله يسجدون. والأرض الخاشعة تهتز بإذن اللَّه بالماء الذي ينزله عليها -سبحانه- فهو محيي الموتى الحي القيوم.\nفقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية.\nأي: ومن علاماته الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته الليل والنهار والشمس والقمر. قال ابن كثير: (أي: إنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يَقِرَّان، والشمسَ ونورَها وإشراقَها، والقمرَ وضياءَه وتقديرَ منازِلهِ في فَلَكِه، واختلافَ سيرِه في سمائِه، لِيُعرَف باختلافِ سيره وسيرِ الشمس مقاديرُ الليل النهار، والجُمَع والشهورُ والأعوام، ويتبيَّن بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات. ثم لما كان\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٧٧٥) - كتاب الصلاة. انظر صحيح سنن أبي داود (٧٠١).","vol":"7","page":123},{"text":"الشمسُ والقمرُ أحسنَ الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبَّهَ تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، أي: ولا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يُشرك به).\nوفي الصحيحين عن أبي ذر -﵁- قال: [قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب فتسجد تحتَ العرش، ثم تستأمر فيوشِكُ أن يُقالَ لها: ارجعي من حيث جئت] (١).\nوقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ أي: فإن استكبر المشركون عن السجود للَّه وإفراده بالتعظيم فإن الملائكة لا يفترون عن السجود له تعالى وتعظيمه بالليل والنهار. قال ابن عباس: (يقول: عبادي ملائكة صافون يسبحون ولا يستكبرون). قال القرطبي: (﴿وَلَا يَسْأَمُونَ﴾ أي لا يملون عبادته).\nوفي سنن ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إني أرى ما لا تَرَوْن، وأسْمَعُ ما لا تسمعون. إن السَّماء أَطَّت وحقَّ لها أن تئِطَّ. ما فيها موضع أربعِ أصابع إلا وملك واضِعٌ جبهتَه ساجدًا للَّه] (٢).\nوقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾. أي: هامدة ميتة لا نبات فيها. قال قتادة: (أي: غبراء متهشمة). وقال السدي: (يابسة متهشمة).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. قال مجاهد: (﴿اهْتَزَّتْ﴾ بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾ يقول: انتفخت). قال القرطبي: (فربوُّها ارتفاعها. قال: فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولًا وعرضًا). والربوة والرابية في كلام العرب الموضع المرتفع.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: ومن آياته الدالة على قدرته على إعادة الموتى إحياؤه تعالى الأرض الجدبة القاحلة اليابسة بالماء ينزل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩)، وأحمد (٣/ ١٧٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١١٧٦)، وابن حبان (٦١٥٣)، وأخرجه الترمذي (٢١٨٦) نحوه.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤١٩٠) - كتاب الزهد. باب الحزن والبكاء. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٣٧٨). ورواه أحمد والترمذي نحوه. انظر السلسلة الصحيحة (١٠٥٩) - (١٠٦٠).","vol":"7","page":124},{"text":"عليها، فإذا النبات يهتز فيها ويترعرع، وإذا بالثمار والزروع تخرج فيها من جميع الألوان، إنَّ مَنْ أحياها على كل شيء قدير.\n\n٤٠ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تهديد اللَّه تعالى المعاندين في آياته، وثناؤه تعالى على كتابه المعجز في بيانه، وتسلية لرسوله عما يلقاه من أذى وتكذيب قومه.\nفعن ابن عباس: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ قال: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه). وقال قتادة: (هو الكفر والعناد). أو قال: (يكذبون في آياتنا). وقال مجاهد: (المكاء وما ذكر معه). وقال السدي: (يشاقون: يعاندون).\nوالخلاصة كما قال النسفي: (يميلون عن الحق في أدلتنا بالطعن، يقال: ألحد الحافِرُ ولَحَدَ إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فاستعير لحال الأرض إذا كانت ملحودة، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة).\nوقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾. تهديد ووعيد. قال القاسمي: (أي لإحاطة علمه بهم، وكونه بالمرصاد لهم، فيسجزيهم).\nوقوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nأي: هل يستوي من يقذف في نار جهنم يوم القيامة ومن يأتي آمنًا من دخولها.\nوقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. قال القرطبي: (أمر تهديد، أي بعدما علمتم أنهما","vol":"7","page":125},{"text":"لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعيد بتهديد وتوعُّد).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. قال قتادة: (كفروا بالقرآن).\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾. قال السدي: (عزيز من الشيطان). وقال قتادة: (أعزّه اللَّه لأنه كلامه وحفظه من الباطل).\nوقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. قال سعيد: (النكير من بين يديه ولا من خلفه). أي هو منيع الجانب لا يُرام أن يأتي أحدٌ بمثله وليس للبطلان إليه سبيل، فهو كلام رب العالمين الذي تخشع أمامه الجبال والبحار والأكوان.\nوقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. قال ابن كثير: (أي: حكيم في أقواله وأفعاله، حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمرُ به وينهى عنه، الجميع محمودة عواقبُه وغاياته). وقال ابن جرير: (هو تنزيل من عند ذي حكمة بتدبير عباده، وصرفهم فيما فيهم مصالحهم، ﴿حَمِيدٍ﴾ يقول: محمود على نعمه عليهم بأياديه عندهم).\nوقوله: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال قتادة: (يعزي نبيَّه -ﷺ- كما تسمعون يقول: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]).\nوقال السدي: (ما يقولون إلا ما قد قال المشركون للرسل من قبلك).\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: إن ربك -يا محمد- لذو مغفرة للمنيبين إليه، المقبلين بالتوبة عليه، بالصفح عنهم والتجاوز عن عقوبتهم، ولكنه ذو عقاب مؤلم لمن أصَرَّ على كفره وذنبه واستكبر عن التذلل لربه.\nوقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾.\nقال سعيد بن جبير: (لو كان هذا القرآن أعجميًا لقالوا القرآن أعجمي، ومحمد عربيّ). وفي رواية: (قال: الرسول عربي، واللسان أعجمي). وعن مجاهد: (﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ يقول: بُيِّنت آياته، ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ نحن قوم عرب مالنا وللعُجْمة).\nوالمقصود: محاصرة عناد مشركي قريش بقوارع حجج الوحي البالغة، فإن القرآن مع بلاغته وفصاحته وانكسارهم أمام روعة بيانه لم يؤمن به المشركون، فأثبت اللَّه تعالى في هذه الآية أن كفرهم بهذا القرآن إنما هو كفر عناد وتعنت. فإنه لو نزل بلغة العجم لأسرعوا القول هلا أنزل مفصلًا بلغة العرب كي نفهمه؟ .","vol":"7","page":126},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩].\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. قال قتادة: (جعله اللَّه نورًا وبركة وشفاء للمؤمنين). أي: قل يا محمد لمعاندي هذا الوحي من قومك: هذا القرآن لمن آمن به فيه هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. قال قتادة: (عموا وصموا عن القرآن فلا ينتفعون به ولا يرغبون فيه).\nوعن السدي: (﴿وَقْرٌ﴾ قال: صمم. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ قال: عميت قلوبهم عنه).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال مجاهد: (بعيد من قلوبهم). وقال: ضيّعوا أن يقبلوا الأمر من قريب، يتوبون ويؤمنون فيقبل منهم فأبوا). قال ابن جرير: (معناه: كأنّ من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾. تعزية من اللَّه لرسوله محمد -ﷺ- عما يلقاه من تكذيب قومه، فقد كُذِّب موسى وأوذي من قبل ومعه التوراة -كتاب اللَّه- فقال بعضهم هو حق وقال بعضهم هو باطل كما اختلف قومك في كتابك.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. قال السدي: (أخروا إلى يوم القيامة). أي: ولولا ما سبق من قضاء اللَّه وحكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لأهلكهم إهلاك استئصال. وقيل: الكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم ولولا ذلك لقضي بينهم في الدنيا.\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. قال القاسمي: (أي موقع للريب والاضطراب لأنفسهم وأتباعهم، لعمى بصائرهم وتبلد عقولهم، وإلا فالحق أجلى من أن يخفى).\n\n٤٨ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ","vol":"7","page":127},{"text":"أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾.\nفي هذه الآيات: مَرَدُّ العمل الصالح أو السَّيِئ على أهله، ومردُّ علم الساعة إلى اللَّه المتصرف في ملكه، وسوء حال المشركين في الحشر وعند الحساب لنيل عقابه لهم ونكاله.\nفقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾. قال النسفي: (فنفسه نفع). ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، قال: (فنفسه ضرّ).\nوقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يعاقبُ أحدًا إلا بذنب، ولا يُعَذِّبُ أحدًا إلا بعد قيام الحُجَّة عليه، وإرسال الرسول إليه).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول اللَّه -ﷺ- فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] (١).\nوقوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. أي: لا يعلم وقتها إلا هو سبحانه. كما قال جل ذكره: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وكما قال جل ثناؤه: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٤].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: [-قال جبريل للنبي -ﷺ-: يا رسول اللَّه! متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل] (٢).\nوفي رواية: [قال: يا رسول اللَّه! متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل].\nوقوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾. قال القرطبي: (﴿مِنْ﴾ زائدة، أي وما تخرج ثمرة. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أي من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة).\nأي: وما تبرز ثمرة من أغطيتها فتنشق عنها إلا بإذن اللَّه. قال مجاهد: (﴿مِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٧)، وأحمد في المسند (٥/ ١٦٠) وهو جزء من حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩) - كتاب الإيمان، وانظر الحديث (١٠) للرواية الثانية.","vol":"7","page":128},{"text":"أَكْمَامِهَا﴾ حين تطلع). وقال السدي: (من طلعها، والأكمام جمع كُمَّة وهو كل ظرف لماء أو غيره، والعرب تدعو قشر الكفرَّاة كُمًّا).\nوقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. كقوله في سورة الرعد: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].\nقال النسفي: (أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به، يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله من الخداج والتمام والذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك).\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾. أي: ويوم ينادي اللَّه المشركين أين شركائي الذين كنتم تعبدون معي وزعمتم أن لهم الشفاعة.\nوقوله: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾. قال ابن عباس: (قوله: ﴿آذَنَّاكَ﴾ يقول: أعلمناك). قال القاسمي: (أي أعلمناك ما منا من يشهد لهم بالشركة ويقرّ بها الآن). أي: قال المشركون أو الأصنام -أو كلاهما: العابد والمعبود- أسمعناك وأعلمناك ليس أحد منا اليوم يشهد أن معكَ شريكًا.\nوقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: بطل عنهم ما كانوا يدعون من قبل في الدنيا من الأوثان والأصنام والطواغيت وحصل التنكر منهم لعبادتهم.\nوقوله: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال السدي: (استيقنوا أنه ليس لهم ملجأ). أي: أيقنوا وعلموا أنه لا فرار لهم من النار ولا سبيل للنجاة. كما قال جل وعز: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣].\n\n٤٩ - ٥١. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾.\nفي هذه الآيات: حِرْصُ الإنسان على الدعاء بالخير، وسرعةُ جزعه إذا أصابه شر،","vol":"7","page":129},{"text":"وإسراعه إلى العجب والكبر والشرك إذا أصابه نعيم أو ما يَسُرّ.\nفقوله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾. قال ابن زيد: (لا يمل).\nوقوله: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾. قال السدي: (قانط من الخير).\nوالمعنى: لا يمل الإنسان من دعاء ربه بالخير من مال وصحة ورفاهية وسرور، وإن مسه الشر من بلاء أو فقر أو ضيق أو ألم سارع إلى اليأس والقنوط وظن أنه ليس بعد هذا الشر من خير.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾. قال مجاهد: (أي بعملي: وأنا محقوق بهذا).\nوقوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. أي: وما أحسب القيامة قائمة يوم تقوم.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾. قال السدي: (غنى). وقيل: الجنة.\nقال ابن جرير: (يقول: وإن قامت أيضًا القيامة ورددت إلى اللَّه حيًا بعد مماتي ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ يقول: إن لي عنده غنى ومالًا).\nقال ابن كثير: (﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، أي يكفر بقيام الساعة لأجل أنه خُوّل نعمة يفخر ويبطَر ويكفُر، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، أي: ولئن كان ثَمَّ معادٌ فَلَيُحْسِنَنَّ إليَّ ربِّي، كما أحسن إليَّ في هذه الدار، يتمنى على اللَّه -﷿- مع إساءته العملَ وعدم اليقين).\nوقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾. قال القرطبي: (أي لنجزينهم. قسم أقسم اللَّه عليه).\nوقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. أي أليم شديد لا يفتر عنهم.\nوقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. قال السدي: (يقول: ﴿أَعْرَضَ﴾: صد بوجهه ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾، يقول: تباعد). قال النسفي: (هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه اللَّه بنعمة أبطرته النعمة فنسي المنعم وأعرض عن شكره ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ وتباعد عن ذكر اللَّه ودعائه أو ذهب بنفسه وتكبر وتعظّم، وتحقيقه أن يوضع جانبه موضع نفسه لأن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة نفسه).","vol":"7","page":130},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾. قال ابن عباس: (فذو تضرع واستغاثة). قال القرطبي: (والكافر يعرف ربه في البلاء، ولا يعرفه في الرخاء). وقال القاسمي: (﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي كثير. يديم تضرعه، ويستغرق في الابتهال أنفاسه. وقد استعير \"العَرْضُ\" لكثرة الدعاء. كما يستعار له \"الطول\" أيضًا. فيقال: أطال فلان الدعاء، إذا أكثر. وكذلك أعرض دعاءه). وقال ابن كثير: (﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾، أي: يُطيل المسألة في الشيء الواحد. فالكلام العريضُ: ما طالَ لفظُه وقل معناه، والوَجيز: عكسُه، وهو: ما قَلَّ ودَلَّ).\nفائدة: لا منافاة بين قوله: ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ وبين قوله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.\nفإنه قد يكون الأول في قوم والثاني في قوم آخرين، أو قنوط في البر وذو دعاء عريض في البحر، أو قنوط بالقلب ذو دعاء عريض باللسان، أو قنوط من الوثن والصنم ذو دعاء للَّه تعالى - ذكر نحوه النسفي.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].\nأخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]] (١).\n\n٥٢ - ٥٤ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ\n_________\n(١) إسناده قوي رجاله ثقاث. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وقال الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٤/ ١١٥): (رواه أحمد والطبراني والبيهقي في \"الشعب\" بسند حسن). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٤) - وقال الألباني: صحيح بالمتابعة.","vol":"7","page":131},{"text":"مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذيرُ اللَّه تعالى المشركين مغبة كفرهم بهذا القرآن، وهو تعالى يريهم آياته وعجائب قدرته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يظهر لهم أنه الحق كلام الرحمان. ألا إنهم في شك من لقاء ربهم، وهو محيط بأعمالهم وآجالهم، وبكل شيء في هذا الكون حولهم.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. قال ابن جرير: (قل -يا محمد- للمكذبين بما جئتهم به من عند ربك من هذا القرآن: أرأيتم أيها القوم إن كان هذا الذي تكذبون به ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ ألستم في فراقٍ للحق وبعد من الصواب. فجعل مكان التفريق الخبر فقال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ إذ كان مفهومًا معناه. -أي-: قل لهم: من أشد ذهابًا عن قصد السبيل وأسلك لغير طريق الصواب ممن هو في فراق لأمر اللَّه وخوف له بعيد من الرشاد).\nوقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. أي سنري هؤلاء المكذبين -ومن سار بعدهم على منهاجهم- آياتنا البديعة في نصر هذا الدين وإحقاق النبوة وخذلان الطغاة والمتكبرين، وآيات الآفاق والأنفس العجيبة التي تدل على انفراد اللَّه تعالى في هذا الوجود بالكبر والتعظيم.\nفعن عمرو بن دينار عن عمرو بن أبي قيس عن المنهال في قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ قال: (ظهور محمد -ﷺ- على الناس).\nوعن السدي: (يقول: ما نفتح لك يا محمد من الآفاق ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في أهل مكة، يقول: نفتح لك مكة).\nوقال ابن زيد: (آفاق السماوات: نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين، وآيات في أنفسهم أيضًا).\nقال ابن كثير: (أي: سنظهر لهم دلالتنا وحجَجنا على كون القرآن حقًّا منزَّلًا من عند اللَّه -﷿- على رسوله -ﷺ- بدلائل خارجية ﴿فِي الْآفَاقِ﴾، من الفتوحات","vol":"7","page":132},{"text":"وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان. قال مجاهد، والحسنُ، والسُّدي: ودلائلٌ في أنفسهم، قالوا: وقعةُ بدر، وفتحُ مكة، ونحو ذلك من الوقائع التي حَلَّتْ بهم، نصَرَ اللَّه فيها محمدًا -ﷺ- وصحبَه، وخذَلَ فيها الباطِلَ وحِزْبَه.\nويحتملُ أن يكون المرادُ من ذلك ما الإنسان مركَّبٌ منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح الدالِّ على حكمة الصانع -﵎-. وكذلك ما هو مجبولٌ عليه من الأخلاق المتباينة، من حَسَن وقبيح وبين ذلك، وما هو مُتَصَرِّفٌ فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله، وقوته، وحِيَلِه، وحَذَرِه، أن يجوزها ولا يتعدّاها، كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه \"التفكر والاعتبار\"، عن شيخِه أبي جعفر القرشي حيث قال وأحسن المقال:\nوإذا نَظَرْت تريدُ مُعْتبَرًا ... فانْظُر إليكَ فَفِيكَ مُعْتبَرُ\nأنت الذي يُمْسِي ويُصْبح في الـ ... دنيا وكُلّ أمورِه عِبَرُ\nأنتَ المصرَّف كان في صِغَرٍ ... ثم استَقَلَّ بشخصِكَ الكِبَرُ\nأنتَ الذي تَنْعَاهُ خِلْقَتُهُ ... يَنْعاهُ مِنْهُ الشَّعْرُ والبَشَرُ\nأنتَ الذي تُعْطَى وتُسْلَبُ لا ... يُنْجيه من أنْ يُسْلَبَ الحذَرُ\nأنت الذي لا شيء منه له ... وأحقُّ مِنْهُ بمالِهِ القَدَرُ).\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: أولم يكف بربك -يا محمد- أنه شاهد على كل أفعال عباده وأقوالهم، وهو مجازيهم على أعمالهم، ومن ذلك شهوده سبحانه على صدق محمد -ﷺ- عبده ورسوله فيما يخبر عنه.\nكما قال جل ثناؤه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦].\nوفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا] (١).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ٤٦). وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٥) ص (١٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٩٣)، وانظر مختصر صحيح مسلم - (٢٠) -.","vol":"7","page":133},{"text":"وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. قال السدي: (يقول: في شك). أي: هم في شك من قيام الساعة والحساب ولهذا لا يتفكرون ولا يستعدون.\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾. قال ابن جرير: (ألا إن اللَّه بكل شيء مما خلق محيط علمًا بجميعه، وقدرةً عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٤ - ٩٥].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- في صفة بعض دعائه-: [اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر] (١).\n\n-تم تفسير سورة فصلت- بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧١٣)، ورواه أحمد (٢/ ٤٠٤)، وإسناده صحيح.","vol":"7","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - في الإنسان ثلاث مئة وستون مَفْصلًا عليه أن يتصدق عن كل مَفْصل كل يوم بصدقة. فالأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحا.\n٢ - ينادي مناد في الجنة: إنّ لكم أنت تَصِحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا.\n٣ - الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره.\n٤ - البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة.\n٥ - يقول العبد يوم القيامة: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني. . فيختم على فيه فتنطق أركانه بأعماله.\n٦ - إنّ إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة.\n٧ - إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، وربٍّ غير غضبان.\n٨ - المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وسنُّهُ في ساعة كما يشتهي.\n٩ - أفضل الإيمان الصبر والسماحة، وأفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر، وأفضل المؤمنين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده.\n١٠ - تذهب الشمس عند كل غروب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر لتخرج.\n١١ - أطّت السماء وحق لها أن تئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته للَّه تعالى ساجدًا.","vol":"7","page":135},{"text":"١٢ - إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج.\n١٣ - آيات الآفاق والأنفس ماضية بالدلالة إلى قيام الساعة.\n١٤ - ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا.\n١٥ - اللَّه تعالى هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، وهو الظاهر ليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه شيء.\n* * *","vol":"7","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>٤٢ - سورة الشورى</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>موضوع السورة</span>\nالبشرى للمؤمنين، والخذلان للطغاة الظالمين والشورى ركن من أركان السياسة الشرعية عند المسلمين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-262> منهاج السورة</span>-\n١ - انتصار اللَّه لهذا القرآن العظيم، أنزله على رسوله الكريم.\n٢ - الملائكة يسبحون للَّه لا يفترون، وللمؤمنين يستغفرون، والمشركون لا يفلحون.\n٣ - تشريف اللَّه نبيّه بهذ القرآن العربي المبين، لينذر أهل مكة ومن حولهم يوم الحشر العظيم، وأن اللَّه لو شاء لهداهم أجمعين، ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين.\n٤ - اللَّه تعالى هو الحكَمُ، والحكمُ إليه والتقدير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\n٥ - تبيانُ اللَّه منهاج الدين الحق للمرسلين، الذي ثقل وكبر على المشركين، وما حصل التفرق إلا بسبب الاستكبار عن طاعة رب العالمين، واللَّه يجمع الخلق ليوم الحشر ثم يفصل بينهم وهو خير الفاصلين.","vol":"7","page":137},{"text":"٦ - ذمُّ اللَّه أهل الجدال بالباطل وتوعدهم العذاب الأليم، فاللَّه تعالى أنزل الكتاب والميزان لفهم هذا الدين القويم، والمشركون مستهترون بأمر الساعة والمؤمنون مشفقون من هول ذاك اليوم العظيم.\n٧ - لُطْفُ اللَّه تعالى بعباده ورزقه لهم رغم معاصيهم، وتوضيحه لهم السبيلين: سبيل سعادتهم وسبيل شقوتهم.\n٨ - بثُّ اللَّه تعالى البشرى لعباده المؤمنين ليزدادوا إقبالًا عليه، والرسول -ﷺ- لا يبتغي الأجر بدعوته إلا من اللَّه الذي يعلم صدقه وإخلاصه إليه.\n٩ - امتنان اللَّه تعالى على عباده قبول توبة التائبين، وتجاوزه عن المستغفرين.\n١٠ - المؤمنون يقبلون على ربهم ويستجيبون، والكافرون ينفرون ويستكبرون.\n١١ - بَسْطُ اللَّه الرزق لعباده بحكمته، وإنزال الغيث لهم بفضله ورحمته.\n١٢ - إثباتُ الخلق كله للَّه، والمصائب هي عقوبات للمذنبين من اللَّه.\n١٣ - آيات البر والبحر دلالات للمستدلين، ولا نجاة من العذاب إذا نزل بالقوم الظالمين.\n١٤ - فناء زينة هذه الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير وأبقى للمؤمنين المتوكلين، المجتنبين الكبائر والفواحش والمعظمين أوامر ربهم وإذا أصابهم البغي كانوا من المنتصرين، فمن عفا وغفر وصبر فله أجر المحسنين.\n١٥ - ضياعُ من أضلَّه اللَّه ولم يوفِّقه للهداية، والخاسرون هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم وحُرموا الشفاعة والولاية.\n١٦ - أمْرُ اللَّه عباده المسارعة بالاستجابة له قبل مجيء يوم الأهوال فلا ملجأ ولا نصير، وفرحُ الإنسان بالنعمة فإن مسّه الشر فيؤوس كفور.\n١٧ - إثبات الملك كله للَّه وخلق الإناث والذكور، أو التنويع فيهم وهو العليم القدير.\n١٨ - تأكيد أمر الوحي للَّه العظيم، يخاطب به من اصطفى وهو العلي الحكيم.\n١٩ - امتنانُ اللَّه تعالى على رسوله الكريم، بالإيمان وبهذا الكتاب العظيم.\n٢٠ - إثبات أمر الهداية للَّه العزيز الحكيم، وأمر البلاغ لرسوله الكريم.\n* * *","vol":"7","page":138},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصارٌ من اللَّه الملك العظيم، لهذا الوحي الكريم، أنزله على رسوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والملائكة للَّه يسبحون لا يفترون، وللمؤمنين يستغفرون، والذين أشركوا باللَّه لا يفلحون.\nفقوله تعالى: ﴿حم (١) عسق﴾. تقدم الكلام على أمثال ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وأن أهم ما تفيد هو الإعجاز والتحدي.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. انتصار لهذا القرآن العظيم. قال ابن جرير: (هكذا يوحي إليك يا محمد وإلى الذين من قبلك من أنبيائه ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.\nأي جميع ما في السماوات وما في الأرض تحت قهره وتصريفه، فالكل عبيدٌ له وملك له، وهو الشريف الرفيع الكبير المتعال. والتعالي: الارتفاع.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والعظيم: هو الكبير. وتعظَّم: تكبَّر.","vol":"7","page":139},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].\nوفي صحيح سنن ابن ماجة عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ تعارَّ من الليل، فقال حين يستيقظ: لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. ثم دعا ربه: رب اغفر لي، غفر له] (١).\nوفي جامع الترمذي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- أنه قال: [ما من عبد مسلم يعود مريضًا لم يحضُرْ أجلُهُ فيقول سبعَ مرات: أسأل اللَّه العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفِيَ] (٢).\nوقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. قال قتادة: (أي من عظمة اللَّه وجلاله). قال السدي: (﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾: يتشققن). وقال الضحاك: (يتصدعن من عظمة اللَّه).\nوقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال ابن عباس: (والملائكة يسبحون له من عظمته). وقال السدي: (﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: للمؤمنين. يقول اللَّه ﷿: ألا إن اللَّه هو الغفور لذنوب مؤمني عباده، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد توبتهم منها). قال بعض العلماء: (هَيَّبَ وعظَّم جل وعز في الابتداء، وألطف وبشَّر في الانتهاء). وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾. قال النسفي: (أي جعلوا له شركاء وأندادًا ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رقيب على أقوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء فيجازيهم عليها).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. أي: وما أنت -يا محمد- بموكل عليهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٨٧٨) - كتاب الدعاء. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣١٢٨)، باب ما يدعو به إذا انتبه من الليل، ورواه البخاري بنحوه.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢/ ١٦٩٨)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٣٩١ - ٣٩٢) في تفصيل معاني الأسماء والصفات.","vol":"7","page":140},{"text":"ولا مفوض إليك إحصاء أعمالهم، وإنما أنت منذر فبلغهم ما أرسلت به إليهم.\n\n٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تشريف اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- بهذا القرآن العربي المبين، لينذر به أهل مكة ومن حولهم يوم الحشر العظيم، ولو شاء اللَّه لهداهم أجمعين، ولكن حقت كلمة الخزي والذل على الظالمين.\nفقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، أي: واضحًا جليًا بَيِّنًا).\nوقوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال السدي: (مكة). وقال النسفي: (أي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها أشرف البقاع والمراد أهل أم القرى).\nقلت: وفي لغة العرب - أم كل شيء أصله ومركزه، فسميت مكة أم القرى لأنها توسطت الأرض، فجمعت بين الوسطية والمكانة والشرف.\nأخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن محمد بن مسلم، أنه قال: إن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أن عبد اللَّه بن عدي بن الحمراء قال له: رأيت رسول اللَّه -ﷺ-، وهو على ناقته، واقف بالحَزْوَرَة يقول: [واللَّه! إنَّك لَخَيْرُ أرضِ اللَّه، وأحَبُّ أَرْضِ اللَّه إليَّ. واللَّه! لولا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ، ما خرجْتُ] (١).\nوفي صحيح البخاري وسنن ابن ماجة عن صفيَّةَ بنت شيبة قال: سمعت النبي -ﷺ- يخطب عام الفتح، فقال: [يا أيها الناسُ! إنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّةَ يومَ خلقَ السماوات\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣١٠٨) - باب فضل مكة. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٥٢٣). ورواه الترمذي في الجامع (٣٩٢٣)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٠٥)، وابن حبان (٣٧٠٨)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.","vol":"7","page":141},{"text":"والأرض. فهي حرامٌ إلى يوم القيامة. لا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يأخُذُ لُقَطَتَها إلا منشِدٌ] (١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال ابن جرير: (ومن حول أم القرى من سائر الناس). وقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. أي يوم القيامة. يوم يجمع اللَّه الأولين والآخرين في صعيد واحد. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. أي: لا شك في حدوثه ووقوعه.\nوقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. قال القاسمي: (أي منهم فريق في الجنة، وهم الذين آمنوا باللَّه، واتبعوا ما جاءهم به رسول اللَّه -ﷺ-. وفريق في السعير، أي النار الموقدة المسعورة على أهلها. وهم الذين كفروا باللَّه وخالفوا ما جاءهم به رسوله).\nأخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- وفي يده كتابان، فقال أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلّا أن تُخْبِرَنا يا رسول اللَّه، فقال للذي في يده اليمنى، هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقصِ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: فلأي شيء إذن نعملُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرِغَ منه؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضَها، ثم قال: فرغ ربكم ﷿ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (٢).\nوفي صحيح مسلم من حديث علي مرفوعًا: [ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب اللَّه مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقيةً أو سعيدةً. فقال رجل: يا رسول اللَّه أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكل مُيَسَّرٌ، أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة،\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري (١/ ٣١٧)، وصحيح سن ابن ماجة (٢٥٢٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢١٤١)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٤٧٣)، وأحمد (٢/ ١٦٧). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٦)، وصحيح الجامع الصغير (٨٨).","vol":"7","page":142},{"text":"وأما أهل الشقاوة فييسَّرون لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾] (١).\nوفي مسند أبي يعلى بإسناد حسن عن أنس مرفوعًا: [إنَّ اللَّه ﷿ قبض قبضة فقال: في الجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: في النار ولا أبالي] (٢).\nوفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي -وكان من أصحاب النبي -ﷺ- مرفوعًا: [إنَّ اللَّه ﷿ خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول اللَّه فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر] (٣).\nوقد بسطت هذا المفهوم وأنواع الكتابة في اللوح المحفوظ في أبحاث القدر في كتابي: أصل الدين والإيمان -عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان- فلله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال الضحاك: (أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. قال أنس بن مالك: (في الإسلام). وقوله: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. أي يدخل خلقه كلهم الجنة إلا ما لا خير فيهم: ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون، ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ﴾ أي: شافع، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: دافع.\nوقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. إنكار من اللَّه تعالى على المشركين اتخاذهم آلهة من دون اللَّه، وإخبارٌ أنه سبحانه هو الولي الحق الذي لا يستحق أحد العبادة غيره.\nوقوله: ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو القادر على إحياء خلقه بعد موتهم، وهو القادر على كل شيء فلا يعجزه شيء.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٤٦ - ٤٧)، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٢/ ١٧١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦٦/ ٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٨٦)، وابن حبان (١٨٠٦)، ورواه الحاكم (١/ ٣١) وقال: صحيح. ووافقه الذهبي. وأقره الألباني في \"الصحيحة\" (٤٨).","vol":"7","page":143},{"text":"١٠ - ١٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إنَّ اللَّه تعالى هو الحَكَمُ وإليه الحُكْم والتقدير، فاطر السماوات والأرض خالق الأزواج من البشر والأنعام ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وبأمره تصريف الأقدار والأرزاق وهو على كل شيء قدير.\nفعن مجاهد: (﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. قال مجاهد: فهو يحكم فيه). أي: له الحكم فيه سبحانه في كتابهِ وسنة نبيه -ﷺ-، فإن الدين قد اكتمل بهما، وأحكام الشريعة قد بُنِيَت جميعها على هذين الأصلين العظيمين.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].\nوفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ألا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الحديثُ عَنِّي وهو مُتَّكِئٌ على أريكتِه، فيقول: بَيْنَنَا وبينكم كِتابُ اللَّه، فما وجدنا فيه حلالًا اسْتَحْلَلْناه، وما وجدنا فيه حرامًا حَرَّمناه، وإن ما حَرَّمَ رسول اللَّه -ﷺ- كما حَرَّم اللَّه] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي -أبواب العلم-. انظر صحيح الترمذي (٢١٤٦)، ورواه ابن ماجة في السنن (١٢)، وانظر كذلك الحديث (١٣) منه.","vol":"7","page":144},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾. أي: هو الحكم سبحانه في كل شيء.\nوفي صحيح سنن أبي داود من حديث هانئ مرفوعًا: [إنّ اللَّه هو الحكم، وإليه الحكم] (١).\nوقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال ابن جرير: (﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في أموري وإليه فوضت أسبابي وبه وثقت. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: وإليه أرجع في أموري وأتوب من ذنوبي).\nوقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال السدي: (خالق -السماوات والأرض-).\nوقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾. قال مجاهد: (نسْلًا بعد نسل). قال القرطبي: (وإنما قال ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ لأنه خلق حوّاء من ضلع آدم). وقال القاسمي: (﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي من جنسكم ﴿أَزْوَاجًا﴾ أي نساء).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾. أي أصنافًا مختلفة، من الإبل والبقر والغنم وغيرها، ذكورًا وإناثًا.\nوقوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. أي يخلقكم فيه -على تلك الصفة من الذكران والإناث- خلقًا بعد خلق، وجيلًا بعد جيل. قال مجاهد: (نسل بعد نسل من الناس والأنعام). وقال السدي: (﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾: يخلقكم). وقال ابن عباس: (يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها)، قال النسفي: (﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يكثركم، يقال: ذرأ اللَّه الخلق بثهم وكثرهم ﴿فِيهِ﴾ في هذا التدبير، وهو أن يجعل الناس والأنعام أزواجًا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل).\nوقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. قال الواسطيّ: (ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ).\nقلت: وأدخل المثل في الكلام توكيدًا للكلام، وكذلك بالكاف، وهما بمعنى واحد. وذهب بعضهم إلى أن الكاف في قوله: ﴿كَمِثْلِهِ﴾ صلة زيدت للتوكيد. فيكون مثله خبر ليس واسمها شيء، وهذا وجه قوي تعرفه العرب.\nثم إن صفات اللَّه ﷿ تثبت على التفصيل وتنفى على وجه الإجمال. فالإثبات المفصل كإثبات السمع والبصر وسائر الصفات، والنفي المجمل كنفي المثلية في قوله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩٥٥). انظر: صحيح سنن أبي داود (٤١٤٥).","vol":"7","page":145},{"text":"تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.\nوقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. رد على المعطلة، كما إن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ على المشبهة. قال ابن جرير: (﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: السميع لما تنطق به خلقه من قول، البصير لأعمالهم).\nقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال مجاهد: (مفاتيح بالفارسية). وقال السدي: (خزائن السماوات والأرض). قال النحاس: (والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن). ويقال للمفتاح: إقليد، وجمعه على غير قياس، كمحاسن والواحد حسن - حكاه القرطبي.\nوالخلاصة: مفاتيح خزائن السماوات والأرض بيده سبحانه، وهي نوعان: مفاتيح الخير والشر، ومغاليق الخير والشر. فما يفتح من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده.\nوقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. قال القاسمي: (أي يوسع رزقه وفضله على من يشاء من خلقه ويغنيه، ويقتّرُ على آخرين).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي في التوسيع والتقتير، وفيما يصلح لخلقه وما يفسد، وفي كل شيء غير ذلك، فله كمال العلم والحكمة والعدل جل ثناؤه.\n\n١٣ - ١٥. قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تبيانُ اللَّه منهاج الدين الحق للمرسلين، الذي ثقل وكبر على","vol":"7","page":146},{"text":"المشركين، وما حصل التفرق والتمزق إلا بسبب الاستكبار عن طاعة رب العالمين، واللَّه يجمع الخلق ليوم الحشر ثم يفصل بينهم وهو خير الفاصلين.\nفقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾.\nشرع: أي نهج وأوضح وسَن وَبيَّن المسالك. قال مجاهد: (قوله: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾: ما أوصاك به وأنبياءه كلهم دين واحد). وعن السدي قال: (هو الدين كله). وقال: (﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾: اعملوا به). قال قتادة: (بعث نوح حين بعث بالشريعة بتحليل الحلال، وتحريم الحرام ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾).\nقال ابن جرير: (﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ ربكم أيها الناس من الدين ما وصينا به نوحًا أن يعمله ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد. قال: شرع لكم من الدين أن أقيموا الدين). قال: (فمعلوم أن الذي أوصى به جميع هؤلاء الأنبياء وصية واحدة وهي إقامة الدين الحق ولا تتفرقوا فيه). قال القرطبي: (﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ وهو توحيد اللَّه وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وبسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلمًا. ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسن أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة، قال اللَّه تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]).\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. قال قتادة: (تعلّموا أن الفرقة هلكة وأن الجماعة ثقة).\nوقال التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢].\nومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: يروي الترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد اللَّه على الجماعة] (١).\nالحديث الثاني: يروي أبو نعيم في \"الحلية\" بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (١٧٣)، وصحيح الجامع الصغير (١٨٤٤).","vol":"7","page":147},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ-: [آمركم بثلاث وأنهاكم عن ثلاث، آمركم أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل اللَّه جميعًا ولا تفرقوا، وتسمعوا وتطيعوا لمن ولاه اللَّه أمركم. وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (١).\nالحديث الثالث: يروي عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه، والتحدث بنعمة اللَّه شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب] (٢).\nوقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. أي كبر على مشركي قومك يا محمد، ومن سيمضي على منهاجهم في الكفر والكبر، ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة للَّه وإفراده بالألوهية والتعظيم، والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد والطواغيت.\nوعن قتادة: (﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ قال: أنكرها المشركون، وكبر عليهم شهادة أن لا إله إلا اللَّه، فصادمها إبليس وجنوده، فأبى اللَّه ﵎ إلا أن يمضيها وينصرها ويفلجها ويظهرها على من ناوأها).\nوقوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾. قال مجاهد: (يقول: ويوفق للعمل بطاعته واتباع ما بعث به نبيه ﵊ مِنَ الحق مَنْ أقبل إلى طاعته وراجع التوبة من معاصيه). وعن السدي: (﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: من يُقبل إلى طاعة اللَّه).\nوقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. قال معمر عن قتادة: (إياكم والفرقة فإنها هلكة ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يقول: بغيًا من بعضكم على بعض، وحسدًا وعداوة على طلب الدنيا).\nقال النسفي: (﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ أي أهل الكتاب بعد أنبيائهم ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء ﵈ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسدًا وطلبًا للرياسة والاستطالة بغير حق).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع -حديث رقم- (١٢)، وبعض أجزاء الحديث في الصحيحين.\n(٢) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٥/ ٢١١ - ٢١٢)، وسنن أبي داود (٢/ ٢٩٠)، ومسند الطيالسي (٢٤٩١)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٧).","vol":"7","page":148},{"text":"وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال السدي: (يوم القيامة). أي: ولولا ما سبق في قضاء ربك يا محمد أن لا يعاجلهم بالعذاب بل يؤخره إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لأهلكوا حين تفرقوا لعظم ما اقترفوا.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. قال السدي: (اليهود والنصارى). قال ابن كثير: (يعني: الجيل المتأخِّر بعد القرن الأول المكذِّب للحق ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: ليسُوا على يقين من أمرهِم، وإنما هم مُقلِّدون لآبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا بُرهان، وهُم في حيرةٍ من أمرهم وشك مريب، وشقاق بعيد).\nوقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. أي: فإلى ذلك الدين الحق الذي شرع لكم ووصّى به نوحًا وأوحاه إليك يا محمد فادع عباد اللَّه واستقم على العمل به، ولا تتبع سبل الذين عاشوا على الشك والتكذيب وتعظيم الجاهلية وأهواء النفوس من بقية الأمم السابقة.\nوقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾. أي بكل كتاب ثبت تنزيله من اللَّه توراة كان أو إنجيلًا أو زبورًا أو صحف إبراهيم أو قرآنًا، فإن المتفرقين كانوا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.\nوقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. قال قتادة: (أمر نبيّ اللَّه -ﷺ- أن يعدل، فعدل حتى مات صلوات اللَّه وسلامه عليه، والعدل ميزان اللَّه في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدّق اللَّه الصادق، ويكذّب الكاذب، وبالعدل يردّ المعتدي ويوبّخه).\nأخرج البزار والبيهقي بسند حسن عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [ثلاثٌ مهلكات، وثلاثٌ منجياتٌ، فقال: ثلاثٌ مهلكاتٌ: شحٌّ مطاع، وهوى مُتَّبَعٌ، وإعجاب المرء بنفسه. وثلاث مُنْجيات: خشيةُ اللَّه في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا] (١).\nوقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (الخطاب لليهود، أي لنا ديننا ولكم دينكم).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البزار (رقم - ٨٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٣٤٣)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٣٨٢/ ١)، من حديث أبي هريرة. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٠٢).","vol":"7","page":149},{"text":"والمعنى: إنه لا معبود بحق إلا اللَّه لا إله غيره، نقر له بالألوهية ونسجد له اختيارًا، ومن أبى منكم فليعلم أن من أهمل السجود له باختياره سجد له إجبارًا، ونحن برآء من عملكم ومنهاجكم. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١].\nوكقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ -إلى قوله-: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. وهي سورة الولاء والبراء يصف اللَّه بها منهاج المؤمنين في براءتهم من منهاج أهل الكفر والمشركين. وقد استدل الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ على أن الكفر كله ملة واحدة.\nوقوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾. قال مجاهد وابن زيد: (لا خصومة بيننا وبينكم).\nقال القاسمي: (أي لا خصومة ولا محاجة بعد هذا، لأن الحق قد ظهر، ولم يبق للمحاجة حاجة، ولا للمخالفة محل سوى المكابرة).\nوقوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. أي: يجمع اللَّه بيننا يوم القيامة فيقضي بالحق فيما اختلفنا فيه، فإنه إليه المعاد والمآل والمرجع لنوال الثواب أو نكال العقاب.\n\n١٦ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ اللَّه تعالى أهل الضلالة الذين يجادلون من استجابوا للحق وتوعُّدُهم العذاب الأليم، فاللَّه تعالى أنزل الكتاب والميزان لفهم هذا الدين القويم، فالمشركون مستخفّون بأمر الساعة والمؤمنون مشفقون من هول ذاك اليوم العظيم.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. قال: هم أهل الكتاب كانوا يجادلون","vol":"7","page":150},{"text":"المسلمين، ويصدونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا للَّه. وقال: هم أهل الضلالة كان استجيب لهم على ضلالتهم وهم يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية).\nوعن مجاهد: (﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾، قال: طمع رجال بأن تعود الجاهلية، بعدما دخل الناس في الإسلام). قال قتادة: (هم اليهود والنصارى حاجّوا أصحاب نبيّ اللَّه -ﷺ- فقالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيّكم، ونحن أولى باللَّه منكم). وفي رواية: (ونحن خير منكم).\nوالآية توعّدٌ للذين يصدون عن سبيل اللَّه بعد ظهور حجة الوحي البالغة بإبطال حججهم عند اللَّه وأليم العذاب يوم القيامة.\nوقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾. قال قتادة: (الميزان: العدل فيما أمر به ونهى عنه). أي: اللَّه تعالى أنزل القرآن وسائر الكتب المنزلة ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالصدق ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ أي بالعدل.\nقال القرطبي: (والعدل يسمى ميزانًا، لأن الميزان آلة الإنصاف والعدل. وقيل: الميزان ما بيّن في الكتب مما يجب على الإنسان أن يعمل به. وقيل: هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. وقيل: إنه الميزان نفسه الذي يوزن به، أنزله من السماء وعلّم العباد الوزن به، لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس).\nقلت: والأقوال السابقة متقاربة متكاملة، مفادها أن اللَّه تعالى أنزل الميزان الذي هو مقياس العدل الذي يوزن به الحقوق ويسوّى به الخلاف سواء في الدنيا أو في الآخرة.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧ - ٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩].","vol":"7","page":151},{"text":"وفي صحيح الحاكم عن سلمان، عن النبي -ﷺ- قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب، لِمَنْ يزن هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانكَ ما عبدناك حق عبادتك] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. قال ابن كثير: (فيه ترغيب فيها، وترهيب منها، وتزهيدٌ في الدنيا).\nوقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾. قال النسفي: (استهزاء). وهو إلحاحهم بالقول: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تنطعًا واستكبارًا، وتكذيبًا واستبعادًا.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾. أي: خائفون وجلون عند ذكرها لاستقصار حيلتهم وثقتهم بعملهم، مع ما يبذلونه من الجهد في الطاعة والاجتهاد في العبادة. كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الذي لا شك فيه.\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ألا إن الذين يخاصمون في قيام الساعة ويجادلون فيه ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ يقول: لفي جور عن طريق الهدى، وزيغ عن سبيل الحق والرشاد، بعيد من الصواب).\n\n١٩ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).","vol":"7","page":152},{"text":"وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: لُطف اللَّه تعالى بعباده ورزقه لهم رغم معاصيهم، وتوضيحه السبيلين لهم: فمن أراد الحق وإعزاز الدين ذلّل له طريق ذلك، ومن أراد الدنيا وشهواتها أعطاه منها، فالمؤمنون في روضات الجنات يوم القيامة يتلذذون في ألوان النعيم، والكافرون في دركات النار يقاسون في عذاب الجحيم.\nفقوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾. قال ابن عباس: (حَفِيّ بهم). وقال عكرمة: (بارٌّ بهم). وقال السدّيّ: (رفيق بهم). وقال مقاتل: (لطيف بالبرّ والفاجر، حيث لم يقتلهم جوعًا بمعاصيهم). وقال القرظي: (لطيف بهم في العرض والمحاسبة. قال:\nغدًا عند مَوْلى الخلق للخلق موقف ... يسائلهم فيه الجليل ويلطف).\nوقال جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين: (يلطف بهم في الرزق من وجهين: أحدهما -أنه جعل رزقك من الطيبات، والثاني- أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره). وقال الحسين بن الفضل: (لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره). وقال الجُنيد: (لطيف بأوليائه حتى عرفوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه). وقيل: لطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل عليه ورجع إليه، فإنه يقبله ويقبل عليه.\nقلت: وجميع ما سبق داخل في آفاق لطفه سبحانه بعباده، وفي مفهوم اسمه ﴿اللَّطِيفُ﴾ فتبارك اللَّه اللطيف الخبير.\nوقوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾. أي: يوسع رزق من شاء، ويَحْرِم بحكمته من يشاء. وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾. قال النسفي: (﴿الْقَوِيُّ﴾ الباهر القدرة الغالب على كل شيء ﴿الْعَزِيزُ﴾ المنيع الذي لا يغلب).\nوقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. الحرث: العمل والكسب. ومنه قول عبد اللَّه بن عمرو: (احرث لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا). قال السدي: (من كان يريد عمل الآخرة نزد له في عمله). قال القرطبي: (والمعنى: أي من طلب بما رزقناه حرثًا لآخرته، فأدَّى حقوق اللَّه وأنفق في إعزاز الدِّين، فمانما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشرًا إلى سبع مئة فأكثر. ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ أي طلب بالمال الذي آتاه اللَّه رياسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات، فإنا","vol":"7","page":153},{"text":"لا نحرمه الرزق أصلًا، ولكن لا حظّ له في الآخرة من ماله).\nوعن ابن عباس: (﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ قال: يقول: من كان إنما يعمل للدنيا نؤته منها). قال قتادة: (من آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبًا في الآخرة إلا النار، ولم نزده بذلك من الدنيا شيئًا إلا رزقًا قد فرغ منه وقسم له).\nوقوله: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. قال السدي: (للكافر عذاب أليم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].\nوقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠].\nومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي وابن حبان وابن ماجة -واللفظ للترمذي- عن أنس مرفوعًا: [من كانت الآخرة هَمَّهُ جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همَّهُ جعل اللَّه فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له] (١).\nولفظ ابن ماجة وابن حبان إنما هو من حديث زيد بن ثابت مرفوعًا: [من كانت الدنيا همَّهُ، فرق اللَّه عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة نيّته، جمع اللَّه له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بإسناد حسن عن عبد اللَّه: سمعت نبيّكم -ﷺ- يقول: [مَنْ جَعَل الهُمومَ هَمًّا واحِدًا، هَمَّ المعادِ، كفاه اللَّه هَمَّ دُنْيَاهُ. وَمَنْ تَشَعَّبَتْ به\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٧٦)، وابن عدي في \"الكامل\" (ق ٨/ ٢)، (١٢٩/ ١)، ورواه البزار (زوائد البزار - ص ٣٢٢). وانظر السلسلة الصحيحة (٩٤٩).\n(٢) أخرجه ابن ماجة (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، وابن حبان (٧٢) وإسناده صحيح رجاله ثقات.","vol":"7","page":154},{"text":"الهمومُ في أحوال الدنيا، لم يُبالِ اللَّه في أيِّ أوديتِه هَلَكَ] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد وابن ماجة والترمذي وابن حبان بسند صحيح لشواهده عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه يقول: يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا، ولم أسُدَّ فقرك] (٢).\nوقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. أي: أم لهؤلاء المشركين شركاء ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبحه اللَّه.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولولا السابق من اللَّه في أنه لا يعجل لهم العذاب في الدنيا، وأنه مضى من قيله أنهم مؤخرون بالعقوبة إلى قيام الساعة، لفرغ من الحكم بينكم وبينهم بتعجيلنا العذاب لهم فى الدنيا، ولكن لهم في الآخرة من العذاب الأليم كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول: وإن للكافرين باللَّه لهم يوم القيامة عذاب مؤلم مُوجع).\nوقوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾. أي: ترى الكافرين -يا محمد- وجلين خائفين في أرض المحشر يخشون خبائث أعمالهم، وهذا الذي يخافونه من صليهم سوء العذاب واقع بهم لا محالة.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾. قال ابن عباس: (في رياض الجنة ونعيمها).\nوقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. أي: مما تشتهيه أنفسهم، وتلذه أعينهم. فهم اليوم في شغل فاكهون في ألوان المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناظر والمناكح والملاذ.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤١٠٦) - كتاب الزهد. انظر صحيح ابن ماجة (٣٣١٤).\n(٢) أخرجه الترمذي (٣/ ٣٠٨)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٥)، وابن حبان (٢٤٧٧)، وأحمد (٢/ ٣٥٨)، وله شاهد عند الحاكم (٤/ ٣٢٦) بإسناد صحيح، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٣١٥).","vol":"7","page":155},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠ - ٧١].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّه ﷿: أَعْدَدْت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطَرَ على قلب بشر] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. أي الظفر العظيم، والنعيم الكريم، وكمال المنّ والسعة.\n\n٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: بثُّ اللَّه تعالى البشرى لعباده المؤمنين ليزدادوا إقبالًا عليه سبحانه وطاعة له، والرسول -ﷺ- لا يبتغي بدعوته الأجر من الناس بل من اللَّه الغفور الشكور، وهو تعالى يعلم صدق رسوله ويعلم ما في الصدور.\nفقوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال النسفي: (﴿ذَلِكَ﴾ أي الفضل الكبير). قال القرطبي: (أي يبشر اللَّه به عباده المؤمنين ليتعجلوا السرور ويزدادوا منه وجدًا في الطاعة).\nوقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. الخطاب لقريش خاصة. أي: قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلًا، إلا أن تودُّوني لقرابتي فتحفظوني. قال ابن كثير: (أي: قُل -يا محمد- لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم علىِ هذا البلاغ والنُّصح لكم مالًا تُعطُونِيه، وإنما أطلبُ منكم أن تَكُفُّوا شَرَّكم عني، وتَذَرُوني\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٢٤) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.","vol":"7","page":156},{"text":"أبلِّغ رسالة ربي، إن لم تنصُروني فلا تُؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة).\nأخرج البخاري في صحيحه والترمذي في جامعه عن عبد الملك بن مَيْسَرة قال: [سمعت طاووسًا عن ابن عباس: أنه سُئِل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: قُربى آل محمدٍ. فقال ابن عباس: عَجِلْتَ، إن النبي -ﷺ- لم يكُنْ بطنٌ من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة] (١).\nورواه أحمد والطبري عن طاووس قال: سأل رجل ابن عباس المعنى عن قول اللَّه ﷿: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى محمد -ﷺ-. قال ابن عباس: عجلت. إن رسول اللَّه -ﷺ- لم يكن بطن من قريش إلا لرسول اللَّه -ﷺ- فيهم قرابة، فنزلت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم. وفي لفظ الطبري: (إلا القرابة التي بيني وبينكم أن تصلوها).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾. الاقتراف: العمل. قال ابن زيد: (من يعمل خيرًا نزد له). قال القاسمي: (﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي يكتسب طاعة ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ أي بمضاعفته).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. أي غفورٌ لمن تاب ورجع خائفًا من ربه، شكور للسعي الصادق بمضاعفة الحسنات والثواب. قال ابن زيد: (غفر لهم الذنوب، وشكر لهم نعمًا هو أعطاهم إياها، وجعلها فيهم).\nوقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. قال السدي: (يطبع). وقال قتادة: (فينسيك القرآن). والمعنى: أم يقول هؤلاء المشركون إن محمدًا افترى كذبًا، ولو افتريت كذبًا كما يزعم هؤلاء الجاهلون لطبع اللَّه على قلبك وسلبك ما كان آتاك من القرآن.\nكما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. أي لانتقمنا منه أشد الانتقام، ولما استطاع أحد أن يمنع عنه أو يدفع العقاب.\nوقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾. قال القاسمي: (استئناف مقرر لنفي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤٩٧)، والترمذي (٣٢٥١)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٩٤). ورواه ابن جرير في \"التفسير\" (٣٠٦٦٣).","vol":"7","page":157},{"text":"الافتراء عما يقوله ﵊، بأنه لو كان مفترى لمحقه. إذ من سنته تعالى محو الباطل وإثبات الحق بوحيه).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: إنه تعالى يعلم ما في صدور خلقه وما تنطوي عليه ضمائرهم، ولا يخفى عليه من أحوالهم شيء.\n\n٢٥ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى على عباده بقبول توبة تائبهم وتجاوزه عن مستغفرهم فهو العليم بافعالهم. فالمؤمنون يقبلون على ربهم ويستجيبون، والكافرون ينفرون ويستكبرون، واللَّه يبسط الرزق بحكمته، وينزل الغيث وينشر رحمته، وهو الولي الحميد.\nفقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾. قال ابن عباس: (أي عن أوليائه وأهل طاعته). وحقيقة التوبة الرجوع إلى اللَّه سبحانه، مع معاينة الحسرة في القلب على ما كان من الزلل، ورد الحقوق إلى أهلها، والعزم على ألا يعود إلى ما كان سببًا في المعصية. قال محمد بن كعب القرظي: (يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سَيِّئ الإخوان).\nقال ابن القيم ﵀: (وأول معاني التوبة: أن تنظر إلى ما كان من انخلاعك عن الاعتصام باللَّه حين إتيان الذنب وأن اللَّه منع عصمته عنك، وأن تنظر إلى ما كان من فرحك عند ظفرك بذلك الذنب. قال: فما خلّى اللَّه بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك وخلى بينك وبين نفسك ولو عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلًا. قال: وتشتد الغفلة على مقارف الذنب حتى يفرح عند ظفره بشهوته المحرمة. . . وفرحه بها أشد ضررًا عليه من مواقعتها، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدًا، ولا يكمل بها فرحه بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه. قال: ومتى خلي قلبه من هذا الحزن واشتدت","vol":"7","page":158},{"text":"غبطته وسروره فليتّهم إيمانه وليبْكِ على موتِ قلبه).\nوفي معجم الطبراني بسند حسن عن أبي سعيد الأنصاري ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له] (١).\nوفي صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [اللَّهُ أَشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحَدِكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة، فانفلتَتْ منه، وعَلَيْها طعامُه وشرابُه، فأَيسَ منها، فأتى شجرةً، فاضْطَجَعَ في ظلِّها، قَدْ أَيسَ من راحلتِه، فبَيْنا هو كذلك إذ هُوَ بها، قائمةً عندَهُ، فأخذَ بخِطَامِها، ثم قال من شِدَّةِ الفرح: اللهم! أنت عبدي وأنا ربُّكَ، أَخْطَأ من شِدَّةِ الفرَح] (٢).\nوقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾. قال النسفي: (وهو ما دون الشرك، يعفو لمن يشاء بلا توبة). وقال القرطبي: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ أي عن الشرك قبل الإسلام). قال ابن كثير: (أي: يقبل التوبة في المستقبل، ويعفو عن السيئات في الماضي).\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي من الخير والشر، من الأقوال والأعمال.\nوقوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال ابن عباس: (يشفّعهم في إخوانهم). وقال السدي: (يعني يستجيب لهم). أي يستجيب سبحانه الدعاء لأهل الإيمان والعمل الصالح ولأصحابهم وإخوانهم.\nوقوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال ابن عباس: (يشفّعهم في إخوان إخوانهم). وقيل: يعطيهم ما لم يسألوه. وقيل: يزيدهم على ما سألوه.\nوقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. أي: والكافرون في عذاب مؤلم موجع يوم معادهم.\nوقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾.\nأخرج ابن جرير في \"التفسير\" والطبراني ورجاله رجال الصحيح عن أبي هانئ قال: سمعت عمرو بن حريث وغيره يقولون: [إنما نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ ذلك بأنهم قالوا لو أن\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني وأبو نعيم في \"الحلية\". انظر صحيح الجامع (٦٦٧٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧)، وأحمد (٣/ ٢١٣)، وغيرهم.","vol":"7","page":159},{"text":"لنا فتمنوا] (١). وفي لفظ الطبراني: (لأنهم تمنوا الدنيا).\nوعن قتادة: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: (كان يقال: خير الرزق ما لا يُطغيكَ ولا يُلهيك).\nوقوله ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (إن اللَّه بما يصلح عباده ويفسدهم من غنى وفقر وسعة وإقتار. . . ذو خبرة وعلم، بصير بتدبيرهم وصرفهم فيما فيه صلاحهم).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. قال مجاهد: (يئسوا). والمقصود: وهو سبحانه الذي يكرم عباده بنزول المطر من بعد إياسهم، فينزل عليهم في وقت حاجتهم إليه. والآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩].\nوقوله: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾. قال السدي: (المطر). وقيل: ظهور الشمس بعد المطر - ذكره المهدوي. وقال قتادة: (ذُكِرَ لنا أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! قحط المطر وقنط الناس. قال: مُطِرْتُم (وفي رواية: مطروا إذن) ثم قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾).\nقال النسفي: (﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي بركات الغيث ومنافعه، وما يحصل به من الخصب).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾. أي هو المتصرف لخلقه بما فيه اجتماع مصالحهم فيليهم بإحسانه وفضله، ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي المحمود بأياديه عندهم ونعمه فيهم وبجميع ما يقدّره ويفعله.\n\n٢٩ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٣٠٦٩٧)، ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. ورواه الحاكم وصححه وأشار الذهبي أنه على شرط الشيخين. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الشورى - آية (٢٧).","vol":"7","page":160},{"text":"وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ الخلق كله للَّه، والمصائب عقوبات للمذنبين من اللَّه، والجميع تحت حكمه سبحانه، ويريهم آياته في البر والبحر ليعلموا أنه الحق وأن ما يجادلون فيه هو الباطل، ولا نجاة ولا مفر للمشركين إذا نزل العذاب وجاء أمر اللَّه.\nفقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. قال مجاهد: (الناس والملائكة). قلت: بل يشمل ذلك الملائكة والجن والإنس وسائر الحيوانات على اختلاف ألوانهم وأشكالهم ولغاتهم وطبائعهم وتوزعهم في أرجاء السموات والأرض. فَخَلْقُ جميع ذلك يدل أنه تعالى القادر على إحيائكم -أيها الناس- بعد فنائكم.\nوقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (فكذلك هو القادر على جمع خلقه بحشر يوم القيامة بعد تفرق أوصالهم في القبور).\nوقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم ولا يؤاخذون بها في الآخرة).\nوقال قتادة: (ذكر لنا أن نبي اللَّه -ﷺ- كان يقول: لا يُصيب ابنَ آدمَ خَدْشُ عُودٍ، ولا عَثْرَةُ قَدَم، ولا اختِلاجُ عِرْقٍ إلا بذنب، وما يعفو عنه أكثر).\nقلت: والذي ذكر قتادة جاء نحوه بإسناد صحيح. فقد أخرج الطبراني في \"المعجم الصغير\" بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اخْتَلَجَ عرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بذَنْبٍ، وما يدفَعُ اللَّه أكثر] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. أي حيثما كنتم فإنكم في سلطانه وقبضته تعالى. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. أي ما لكم من دونه سبحانه متول بالرحمة ولا ناصر يدفع عنكم عذابه إذا نزل بكم، فاحذروا أيها الناس سخطه.\n_________\n(١) حديث حسن. رواه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (١٠٥٣)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢٤٧). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢١٥).","vol":"7","page":161},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. الجواري: جمع جارية، وهي السائرة في البحر. قال مجاهد والسدي: (الجواري: السفن). وعن مجاهد: (﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ قال: كالجبال).\nوقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾. قال قتادة: (سفن هذا البحر تجري بالريح، فإن أمسكت عنها الريح ركدت). قال ابن عباس: (﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ يقول وقوفًا). وقال السدي: (لا تجري).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. أي: إن في جري هذه السفن في البحر بقدرة اللَّه وتسخيره الريح لعبرة وحجة تدل على وجوب تعظيمه تعالى وحده لا شريك له، وإنما يستفيد من ذلك كل ذي صبر على طاعة اللَّه، ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمه وأياديه عنده.\nوقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال ابن عباس: (﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ يقول: يهلكهن). قال قتادة: (﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي بذنوب أهلها). والمقصود: يهلكهن بالغرق. وجزم ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ عطفًا على ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾. والمعنى: أو يهلك هذه السفن بإغراقها وأهلها بما كسبت ركبانها من الذنوب، واجترحوا من الآثام.\nوقوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾. أي: وإنما يصفح تعالى ويتجاوز بعفوه وكرمه عن كثير من ذنوبكم فلا يعاقب عليها.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال السدي: (ما لهم من ملجأ). أي: ويعلم الذين يخاصمون رسوله محمدًا -ﷺ- من المشركين في حججه وآياته ووحيه العزيز أن لا محيدَ لهم عن بأسنا ونقمتنا، فإنهم مقهورون بقدرتنا، ما لهم من ملجأ يلجؤون إليه إذا حَلَّ بهم عذابنا.\nوقوله: ﴿مَحِيصٍ﴾ مأخوذ من قولهم: فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه. وحاص به البعير حيصة إذا رمى به. قال الرازي: (حاص عنه: عدل وحاد. يقال ما عنه ﴿مَحِيصٍ﴾ أي محيد ومَهْرب).\nوقرأ قراء المدينة: ﴿وَيَعْلَمَ﴾ بالرفع على الاستئناف. في حين قرأها قراء الكوفة والبصرة ﴿وَيَعْلَمَ﴾ بالنصب على العطف على تعليل مقدر، أو على إضمار \"أن\". والتقدير: وليعلم أو لأن يعلم. واللَّه تعالى أعلم.","vol":"7","page":162},{"text":"٣٦ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾.\nفي هذه الآيات: فناءُ زينة هذه الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند اللَّه وأبقى للمؤمنين المتوكلين، المجتنبين الكبائر والفواحش والمعظمين أوامر ربهم وإذا أصابهم البغي كانوا من المنتصرين، فمن صبر وعفا وغفر كان من المحسنين.\nفقوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال القرطبي: (﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يريد من الغنى والسعة في الدنيا. ﴿فَمَتَاعُ﴾ أي فإنما هو متاع في أيام قليلة تنقضي وتذهب، فلا ينبغي أن يتفاخر به. والخطاب للمشركين).\nوقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال القاسمي: (﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي من ثوابه الأخروي ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ وذلك لخلوصه عن الشوائب ودوامه ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي في أمورهم وقيامهم بأسبابهم).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾. قال ابن عباس: (كبير الإثم هو الشرك). وقال السدي: (الفواحش: الزنى). قال النسفي: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ قيل ما عظم قبحه فهو فاحشة كالزنا).\nوقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. أي يتجاوزون ويحلمون عمن ظلمهم أو أساء إليهم. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾. أي أجابوا ربهم حين دعاهم إلى توحيده والبراءة مما يعبد من دونه. قال عبد الرحمن بن زيد: (هم الأنصار بالمدينة، استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيبًا منهم قبل الهجرة).\nوقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. أي أدّوها لمواقيتها بشروطها وهيئاتها.","vol":"7","page":163},{"text":"وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. أي إذا حزبهم أمر تشاوروا بينهم.\nيقول \"سيد\" في \"الظلال\" (٥/ ٣١٦٠): (وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الأمة التي تطبعها وتميزها، ومع أن هذه الآيات مكية نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن يكون نظامًا سياسيًا للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها يقوم عليه أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة).\nقال البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -من صحيحه- باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. قال: (وإنَّ المشاورة قبل العزم والتبيّن لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فإذا عزم الرسول -ﷺ- لم يكن لبشر التقدم على اللَّه ورسوله. وشاور النبي أصحابه يوم أُحُدٍ في المُقام والخُروج، فرأوا له الخروج، فلما لبِسَ لأْمَتَهُ وعزم قالوا: أقِمْ، فلم يَمِل إليهم بعد العَزْمِ وقال: \"لا ينبغي لِنبيّ يَلْبَسُ لأمَتَهُ فيضَعُها حتى يحكم اللَّه\". وشاور عليًا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمعَ منهما حتى نزل القرآن فجلدَ الرّامين، ولم يلتفِت إلى تنازُعِهم ولكنْ حكم بما أمره اللَّه).\nفالشورى: هي استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه للتوصل إلى أقرب الأمور للحق. قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: (قد علم اللَّه أنه ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده) (١).\nوقال الضحاك بن مزاحم: (ما أمر نبيه -ﷺ- بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويدُ اللَّه على الجماعة] (٢).\nوقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. أي: ومما أعطيناهم يتصدقون.\n_________\n(١) أورده في فتح الباري (١٣/ ٣٤٠) - وقال ابن حجر: إسناده حسن. وانظر لأثر الضحاك بعده تفسير الإمام الطبري (٧/ ٣٤٥).\n(٢) حديث صحيح. انظر تخريج \"السنة\" -لابن أبي عاصم- (٨٠)، وانظر كذلك: صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٨٤٤).","vol":"7","page":164},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين ولا أذلة، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا).\nوقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. قال القاسمي: (أي وجزاء سيئة المسيء ما ماثلها. إذ النقصان حيف والزيادة ظلم). قال النسفي: (فالأولى سيئة حقيقية والثانية لا، وإنما سميت سيئة لأنها مجازاة السوء، أو لأنها تسوء من تنزل به، ولأنه لو لم تكن الأولى لكانت الثانية سيئة لأنها إضرار، وإنما صارت حسنة لغيرها، أو في تسمية الثانية سيئة إشارة إلى أن العفو مندوب إليه).\nوقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو). وقال مقاتل: (فكان العفو من الأعمال الصالحة).\nوفي جامع الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري مرفوعًا: [ولا ظُلم عبدٌ مظلمة صبر عليها إلا زاده اللَّه ﷿ عِزًا] (١). وفي لفظ لأحمد: [فاعفوا يزدكم اللَّه عزًا].\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. قال سعيد بن جبير: (أي مَنْ بدأ بالظلم). وقال ابن عيسى: (لا يحبّ مَن يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحدّ).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾.\nقال القرطبي: (دليلٌ على أن له أن يستوفي ذلك بنفسه). وقال القاسمي: (﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي للمعاقب، ولا للعاتب والعائب. لأنهم انتصروا منهم بحق. ومن أخذ حقه ممن وجب ذلك له عليه، ولم يتعد ولم يظلم، فكيف يكون عليه سبيل؟).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.\nأي: إنما السبيل على الذين يبدؤون الناس بالظلم والإضرار، أو يعتدون في الانتقام، ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: يتكبرون فيها ويشيعون الفساد.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: مقابل ظلمهم وعتوهم وبغيهم وإفسادهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، والترمذي (٢٣٢٥) في السنن، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٨٩٤)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٣٠٢٢).","vol":"7","page":165},{"text":"قال سعيد بن جبير: (يعني لمن حَقِّ الأمور التي أمر اللَّه بها). أي: لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل وثناءٌ جميل.\nوالمعنى: ولمن صَبَرَ على الأذى وسَتَرَ السيئة، ﴿وَغَفَرَ﴾: أي تَرَكَ الانتصار لوجه اللَّه تعالى، فإن ذلك من معالي الأمور ورفيع الأعمال التي يحبها اللَّه سبحانه ويجزي بها الأضعاف المضاعفة. وهذا فيمن ظلمه مسلم.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة ﵁: [أنَّ رجلًا شتَم أبا بكر والنبيُّ -ﷺ- جالسٌ، فجعل النبي -ﷺ- يَعْجَبُ ويَتَبَسَّم، فلما أكثر رَدّ عليه بعضَ قوله، فغضِبَ النبي -ﷺ- وقام، فَلَحِقَهُ أبو بكر فقال: يا رسول اللَّه، إنه كانَ يشتُمني وأنت جالسٌ، فلما رددتُ عليه بعضَ قوله غَضِبْتَ وقُمْتَ! قال: إنه كان معك مَلَكٌ يَرُدُّ عنك، فلما رَدَدت عليه بعضَ قولِه حَضَرَ الشيطانُ، فلم أكُنْ لأقْعُدَ مع الشيطان. ثم قال: \"يا أبا بكر، ثلاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ، ما من عبد ظُلِمَ بمظلمة فيُغْضِي عنها للَّه إلا أَعَزَّ اللَّه بها نَصْرَهُ، وما فَتَحَ رَجُلٌ باب عَطِيَّةٍ يُريد بها صلةً إلا زاده اللَّه بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرةً إلا زاده اللَّه بها قِلَّةً\"] (١).\nوفي مسند أحمد والبزار بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا: [ثلاثٌ أقسِمُ عليهن: ما نقَصَ مالٌ قطُّ من صَدَقة، فتصدّقوا، ولا عفا رجُلٌ عن مظلمةٍ ظُلِمَها إلا زاده اللَّه تعالى بها عِزًّا، فاعفُوِا يزدْكُم اللَّهُ عِزًّا، ولا فتحَ رجُلٌ على نفسه بابَ مسألةٍ يسألُ الناس إلا فتَحَ اللَّه عليه بابَ فقْر] (٢).\n\n٤٤ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٣٦)، وإسناده حسن لأجل ابن عجلان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي الدنيا في \"ذم الغضب\". انظر تخريج الترغيب (٢/ ٨)، وأخرجه أحمد والبزار. انظر صحيح الجامع الصغير (٣٠٢٢).","vol":"7","page":166},{"text":"أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ضياعُ مَنْ أضَلَّه اللَّه ولم يوفقه للهداية، وشقاءُ الكفار عند رؤية نار جهنم يوم القيامة، والخاسرون الذين خسروا أنفسهم وأهليهم وحُرموا الشفاعة والنصرة من اللَّه والولاية.\nفقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ومن خذله اللَّه عن الرشاد، فليس له من ولي يليه، فيهديه لسبيل الصواب، ويسدده من بعد إضلال اللَّه إياه).\nوقوله: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾.\nقال السدي: (يقول: إلى الدنيا). أي: وترى الكافرين باللَّه يا محمد يوم القيامة لما عاينوا عذاب اللَّه المحدق بهم يطلبون من ربهم أن يُرَدُّوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة اللَّه فلا يجابون إلى طلبهم.\nوقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾. قال السدي: (﴿خَاشِعِينَ﴾: خاضعين من الذل). وقال ابن زيد: (قد أذلهم الخوف الذي نزل بهم وخشعوا له).\nوقوله: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالخفي الذليل). وقال: (بطرف ذابل ذليل). وقال قتادة: (يسارقون النظر من شدة الخوف). قال ابن جرير: (ينظرون إلى النار من طرف ذليل، وصفه اللَّه جل ثناؤه بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم، حتى كادت أعينهم أن تغور، فتذهب). وقيل: أي يفزعون أن ينظروا إليها بجميع أبصارهم لما يرون من أصناف العذاب.\nوقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال السدي: (غبنوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة). قال القرطبي: (أي يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حَلَّ بالكفار: إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء، فإنهم خسروا أنفسهم لأنهم في العذاب المخلّد، وخسروا أهليهم لأن الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم، وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينه وبينهم).\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾. أي دائم سرمدي لا يحول ولا يزول.","vol":"7","page":167},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أي: ولم يجدوا من يمنهم من اللَّه وحلول نقمته وصِلِيّ عذابه.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾. أي: ومن يخذله اللَّه عن طريق الحق فلا نجاة له.\n\n٤٧ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى عباده المسارعة بالاستجابة له قبل مجيء يوم الأهوال فلا ملجأ ولا نصير، وفرحُ الإنسان بالنعمة فإن مسّه الشر فيؤوس كفور.\nفقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾. تحذير بعد تصوير، وأمر بالاستعداد ليوم القيامة بعد ذِكْرِ ما فيه من الأهوال على الكافرين والتعسير. قال ابن كثير: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، أي: إذا أمر بكونه فإنه كَلَمْحِ البَصَر يكون، وليس له دافع ولا مانع).\nوقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾. وقال مجاهد: (﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾: من مَحْرَز). أي: تلجؤون إليه. وعن السدي: (﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ يقول: من عزّ تعتزون). وقال مجاهد: (ناصر ينصركم). والمعنى: ما لكم من حِصْن يومئد تتحصّنون فيه، ولا مكان يستركم وتتنكّرون فيه، فتغيبون عن بَصَرِهِ -﵎-. أو ما لكم من قدرة على إنكار شيء مما اقترفتموه ودُوِّنَ في صحائفكم.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. أي: فإن أعرض هؤلاء المشركون -يا محمد- عن الحق الذي معك فدعهم، فلم نرسلك رقيبًا عليهم تحفظ أعمالهم وتحصيها، بل عليك بلاغ الرسالة.\nوقوله ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾. أي: فإنا إذا أغنينا الإنسان بسعة وعافية ورخاء ونعمة سُرَّ بالغنى وما أعطيناه من العافية وكثرة المال، وإن أصابتهم فاقة وفقر وضيق عيش أو مرض","vol":"7","page":168},{"text":"عقوبة على معاصيهم أيس من الخير، فالإنسان جحود لنعم اللَّه، يعدّد المصائب وينسى النعم.\nقال ابن جرير: (وإنما قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ فأخرج الهاء والميم مخرج كناية جمع الذكور، وقد ذكر الإنسان قبل ذلك بمعنى الواحد، لأنه بمعنى الجمع).\nقلت: وإنما يَسْلَمُ من هذه الصفة المذمومة المؤمن، فإنه يحمد اللَّه في السراء والضراء، ويتذكر نعم اللَّه عليه في الرخاء والشدة.\nففي صحيح مسلم من حديث صهيب مرفوعًا: [عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمرهُ كُلَّهُ له خَيْرٌ، وليسَ ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سَرَّاء شَكَر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صَبَرَ، فكان خيرًا له] (١).\nوفي مسند أحمد وسنن الدارمي بإسناد على شرط مسلم عن صهيب قال: [بينا رسول اللَّه -ﷺ- قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال؟ ألا تسألوني مم أضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد اللَّه وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٢).\n\n٤٩ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ الملك كله للَّه وخلق الإناث والذكور، أو تنويعهم لبعض عباده وقد يجعل من يشاء عقيمًا إنه عليم قدير.\nفقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. أي: هو سبحانه الخالق المالك المتصرف وحده في عوالم السماوات والأرض، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وما شاء أعطى، وما شاء منع.\nوقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. قال مجاهد والحسن: (يهب\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٩٩) - كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ١٦)، والدارمي (٢/ ٣١٨)، وإسناده صحيح على شرط مسلم. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٧).","vol":"7","page":169},{"text":"لمن يشاء إناثًا لا ذكور معهنّ، ويهب لمن يشاء ذكورًا لا إناث معهم).\nوقوله: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال مجاهد: (يخلط بينهم، يقول: التزويج: أن تلد المرأة غلامًا، ثم تلد جارية، ثم تلد غلامًا، ثم تلد جارية). وقال ابن زيد: (أو يجعل في الواحد ذكرًا وأنثى توأمًا). قال القتبيّ: (التزويج هاهنا هو الجمع بين البنين والبنات، تقول العرب: زوّجت إبلي إذا جمعت بين الكبار والصغار).\nوقوله: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. قال قتادة: (لا يولد له). وقال ابن عباس: (يقول: لا يُلقِح). وأصل العقم في لغة العرب القطع، يقال: مُلْك عقيم: أي تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق خوفًا على الملك. وريح عقيم: أي لا تلقح سحابًا ولا شجرًا. قال الرازي: (ويوم القيامة يومٌ عقيم لأنه لا يومَ بعدَه).\nقال البَغَويُّ: (﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾: ومنهم لوط -﵇- ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: كإبراهيم الخليل -﵇- لم يولد له أنثى. ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: كمحمد -﵊- ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: كيحيى وعيسى ﵉).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. أي: إنه تعالى ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يناسب أحوال عباده في حياتهم أو ابتلائهم، ﴿قَدِيرٌ﴾: على إحداث هذا التفاوت في طبيعة النسل الذي رزقهم، بل هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير.\n\n٥١ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدُ أمر الوحي للَّه العظيم، وامتنانُه تعالى بالكتاب والإيمان على رسوله الكريم، وإثباتهُ تعالى أمر الهداية له والبلاع لنبيه يدعو العباد إلى الصراط المستقيم.","vol":"7","page":170},{"text":"فقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. بيان لبعض مقامات الوحي بالنسبة لجناب اللَّه ﷿.\nفإن أقسام الوحي كما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة كما يأتي:\nالقسم الأول: الرؤيا الصادقة في النوم.\nفقد كانت بداية الوحي كذلك، فكانت البشائر ترد على نفس رسول اللَّه -ﷺ- أثناء نومه، لتجيء الرؤيا كما رآها مثل فلق الصبح.\nفقد خرّج البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: [أوّلُ ما بُدئَ به رسول اللَّه -ﷺ- من الوحْي الرؤيا الصالحةُ في النَّوْم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مِثْلَ فَلَقِ الصُّبح] (١).\nالقسم الثاني: هو ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه ﵊ دون أن يراه. فإن اللَّه ﵎ تارة يقذف في رُوع النبي -ﷺ- شيئًا لا يُتَمارى فيه أنه من اللَّه ﷿.\nفقد أخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ رُوحَ القدس نفثَ في رُوعي، أنّ نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية اللَّه، فإن اللَّه تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (٢).\nالقسم الثالث: هو تمثّل الملك رجلًا يخاطب النبي -ﷺ- حتى يعي عنه ما يقول له. وهذا القسم قد تكرر حتى رآه بعض الصحابة عيانًا، وسمعوا منه أمام النبي -ﷺ- كما في حديث جبريل الذي هو في الصحيح وبعض السنن.\nففي صحيح مسلم عن عمر قال: [بَيْنَا نحن عند رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد. . . .] (٣). وفي لفظ ابن ماجة من حديث أبي هريرة: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يومًا بارزًا للناس فأتاه رجل. وفيه قال عمر: فلقيني النبي -ﷺ- بعد ثلاث فقال: أتدري من الرجل؟\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣) - كتاب بدء الوحي، في أول حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. انظر تخريج: \"مشكاة المصابيح\" (١٥)، وصحيح الجامع الصغير (٢٠٨١).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٨) - (٩) كتاب الإيمان، وصحيح ابن ماجة (٥٣ - ٥٤).","vol":"7","page":171},{"text":"قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: ذلك جبريل أتاكم يُعلمكم معالم دينكم].\nالقسم الرابع: مجيء الوحي أحيانًا بشكل قاس كصلصلة الجرس.\nيروي البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂: [أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول] (١).\nالقسم الخامس: مجيء الملك أحيانًا في صورته الحقيقية التي خلقه اللَّه بها.\nففي صحيح مسلم من حديث عائشة مرفوعًا: [﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾: إنما هو جبريل ﵇، لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته مُنْهبِطًا من السماء سادًّا عِظَمُ خلقِه ما بين السماء إلى الأرض] (٢).\nالقسم السادس: كلام اللَّه لنبيّه مباشرة دون واسطة.\nوقد حدث ذلك ليلة المعراج بعد أن غادر جبريل في السماء السابعة وتابع نبينا -ﷺ- رقيًا إلى سدرة المنتهى، فخاطبه ربه سبحانه هناك. كما في صحيح مسلم من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [فأوحى اللَّه إليّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاة. ثم قال له بعد التخفيف: يا محمد إنهن خمس صلوات كلَّ يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة] (٣).\nالقسم السابع: كلام اللَّه لنبيّه مباشرة أثناء النوم.\nفقد أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعًا: [أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة، فقال يا محمدُ هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع يده بين كتِفَيَّ، حتى وجدت بردها بين ثدييّ، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض] (٤).\nالقسم الثامن: مجيء ملك غير جبريل يكلم النبي وهو يراه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٢)، كتاب بدء الوحي.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٧) - كتاب الإيمان، في أثناء حديث طويل.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١٦٢) - كتاب الإيمان.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٨٠)، وصحيح الجامع الصغير (٥٩).","vol":"7","page":172},{"text":"ففي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: [جلس جبريل إلى النبي -ﷺ- فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملكُ ما نزل منذ خُلِقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك: أمَلِكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لا، بل عبدًا رسولًا] (١).\nوأما قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فهو كما كُلِّم موسى -﵇- فإنه سأل الرؤية بعد التكليم، فحُجِبَ عنها.\nوفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجة عن جابر قال: [لقيني رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا جابر ما لي أراك منكسرًا؟ فقلت: يا رسول اللَّه! استشهد أبي وترك عيالًا ودينًا. فقال: ألا أبشرك بما لقي اللَّهُ به أباكَ؟ قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: ما يكلم اللَّه أحدًا قط إلا من وراء حجابه، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا (٢). فقال: تمنّ عليّ أعطيكَ] الحديث (٣). وفي لفظ ابن ماجة: [ما كلم اللَّه أحدًا إلا من وراء حجاب. وكلم أباك كِفاحًا].\nقال ابن كثير: (ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا).\nوقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. أي: كما ينزل جبريل وغيره من الملائكة على الأنبياء ﵈. قال السدي: (جبرائيل يأتي بالوحي).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قال ابن جرير: ﴿إِنَّهُ﴾ يعني نفسه جل ثناؤه: ذو علوّ على كل شيء وارتفاع عليه واقتدار. ﴿حَكِيمٌ﴾ يقول: ذو حكمة في تدبيره خلقه).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. يعني القرآن، أوحيناه إليك يا محمد، وحيًا وَرَحْمَة من أمرنا. فعن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ قال: (رحمة من أمرنا). وقال السدي: (وحيًا من أمرنا). وإنما سمّاه روحًا لأنه تحيا به القلوب الميتة. قال الشهاب: (فهو استعارة أو مجاز مرسل، لما فيه من الهداية والعلم الذي هو كالحياة).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٣١)، وابن حبان بسند صحيح. انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (١٠٠٢).\n(٢) كفاحًا: أي مواجهة.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٢٥٨)، وصحيح سنن الترمذي (٢٤٠٨).","vol":"7","page":173},{"text":"وقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾. أي على التفصيل الذي شرع لك ربك بعد ذلك وبَيَّنَ لك آفاقه ومعالمه. وقيل: عنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل، وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي - حكاه النسفي.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾. أي: ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم ضياء للناس، باشتماله على منهاج السعادة في الدارين.\nوقوله: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. قال السدي: (يعني القرآن). قال القرطبي: (أي من نختاره للنبوّة، كقوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]).\nقلت: بل الآية تعم كل من أصابه نور هذا الوحي فأبصر به منهاج النجاة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. والهداية هنا هي هداية التوفيق والإلهام.\nوقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. هذه هداية الدلالة والإرشاد. وهي هداية الرسل، والمعنى: وإنك لتدعو يا محمد إلى منهاج قويم وطريق مستقيم. قال السدي: (تدعو إلى دين مستقيم). وقال قتادة: (لكل قوم هاد). وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾. -صراط- بدل، ترجمة عن الصراط الأول. قال ابن كثير: (﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾، أي: شرعه الذي أمَر به اللَّه).\nوقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال القاسمي: (أي خلقًا وملكًا). وقوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. قال ابن جرير: (ألا إلى اللَّه أيها الناس تصير أموركم في الآخرة فيقضي بينكم بالعدل).\nفإن قيل: أوليست أمورهم في الدنيا إليه؟ قيل: هي وإن كان إليه تدبير جميع ذلك، فإن لهم حكامًا وولاة ينظرون بينهم، وليس لهم يوم القيامة حاكم ولا سلطان غيره.\nفيكون المعنى: إن مآل الأمور للفصل والجزاء إليه سبحانه في الآخرة، فهو يحكم ولا معقب لحكمه، وهو أحكم الحاكمين.","vol":"7","page":174},{"text":"أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح من حديث هانئ مرفوعًا: [إن اللَّه هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْم] (١).\n\nتم تفسير سورة الشورى بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منه وكرمه\n* * *\n\n.","vol":"7","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - من عاد مريضًا فقال سبع مرات: \"أسأل اللَّه العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك\" إلا عافاه اللَّه.\n٢ - أم القرى مكة، سميت كذلك لأنها توسطت الأرض، وأمّ كل شيء أصله ومركزه.\n٣ - إن اللَّه ﷿ قبض قبضة فقال: في الجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: في النار ولا أبالي.\n٤ - من لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه، والجماعة رحمة والفرقة عذاب.\n٥ - الميزان آلة الإنصاف والعدل. والعدل يسمى ميزانًا.\n٦ - من كانت الآخرة همّه جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همَّه جعل اللَّه فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له.\n٧ - الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.\n٨ - كبير الإثم هو الشرك، والفواحش ما عظم قبحه فهو فاحشة كالزنا.\n٩ - إن اللَّه تعالى لا يجمع هذه الأمة على ضلالة، ويد اللَّه على الجماعة.\n١٠ - ما عفا رجل عن مظلمة ظُلِمَها إلا زاده اللَّه تعالى عِزًّا، فاعفوا يزدكم اللَّه عِزًّا.\n١١ - عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن.\n١٢ - يهب اللَّه لمن يشاء إناثًا لا ذكور معهن، ويهب لمن يشاء ذكورًا لا إناث معهم، أو يخلط بين الجنسين، وقد يجعل الرجل عقيمًا.","vol":"7","page":176},{"text":"١٣ - الروح هو الوحي تحيا به القلوب الميتة، فالقرآن روح للمؤمنين.\n١٤ - هداية الرسل هي هداية الدلالة والإرشاد، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء، فمن شاء أقامه، ومن شاء أزاغه.\n١٥ - إنَّ اللَّه تعالى هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْم.\n* * *","vol":"7","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>٤٣ - سورة الزخرف</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>ما ورد في ذكرها</span>\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الواحد بن سُليم قال: قدمت مكة، فلقيت عطاء بن أبي رباح فقلت له: يا أبا محمد، إن أهل البصرة يقولون في القدر، قال: يا بني أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فاقرأ الزخرف، قال: فقرأت: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. قال: أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فإنه كتاب كتبه اللَّه قبل أن يخلق السماء وقبل أن يخلق الأرض فيه: أن فرعون من أهل النار، وفيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.\nقال عطاء: فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول اللَّه -ﷺ- فَسألته ما كانت وصية أبيك عند الموت؟ قال: دعاني فقال: يا بني اتق اللَّه واعلم أنك لن تتقي اللَّه حتى تؤمن باللَّه وتؤمن بالقدر كله خيره وشره، فإن مت على غير هذا دخلت النار. إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [إنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللَّه القلم، فقال: اكتبْ، قال: ما أكتب؟ قال: اكتُب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٧٤٩) - أبواب القدر - باب (١٦).","vol":"7","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>موضوع السورة</span>\nاستدراج اللَّه الظالمين بزخرف الحياة الدنيا إلى هوان وشقاء الحياة الآخرة\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-267> منهاج السورة</span>-\n١ - انتصار اللَّه تعالى لهذا القرآن العربي المبين، وبيان سنته تعالى في إهلاك المكذبين للرسل المعاندين للوحي الكريم.\n٢ - إقرار المشركين للَّه تفرده بالربوبية، ومع ذلك يشركون به في الألوهية.\n٣ - امتنان اللَّه على عباده إنزال الماء من السماء وخلق الأزواج وتسيير الفلك.\n٤ - إخبار اللَّه تعالى عن افتراء المشركين، واحتجاجهم بالقدر على شركهم ومكرهم واتباعهم سبيل الشياطين، وتعظيمهم آبائهم الضالين.\n٥ - ثناء اللَّه تعالى على خليله إبراهيم إمام الموحدين، وذمّ المشركين الذين ضيعوا ملته ملة الدين القويم.\n٦ - قَسْمُ اللَّه الرزق والأجل بين العباد، وكذلك النبوة والحكم في البلاد.\n٧ - تسليطُ اللَّه ظلمة الجن على ظلمة الإنس ببغيهم، وتنافر الفريقين يوم الحشر وقضاء اللَّه النافذ -في نار جهنم- بجمعهم.\n٨ - مهمة الرسل البلاغ المبين، وأمر الهداية والتثبيت بيد اللَّه العظيم.\n٩ - قصة موسى مع الطاغية فرعون رأس الكفر والطغيان، وقصة عتوه وتمرده حتى أذاقه اللَّه الخزي واللعنة والحرمان.\n١٠ - ردُّ اللَّه تعالى على قريش في قياسهم الفاسد بتشبيه الأنبياء والملائكة بالأصنام، وخروج عيسى بن مريم آية من آيات اللَّه آخر الزمان.\n١١ - تخويف اللَّه عباده يوم القيامة يوم يخزي المجرمين، ويتخلى الأخلاء بعضهم عن بعض والنجاة للمتقين.","vol":"7","page":179},{"text":"١٢ - شقاء المجرمين في نار جهنم نار الجحيم، فلا يفتر عنهم العذاب ولا هم يموتون.\n١٣ - إثبات العبودية للَّه تعالى سواء في أهل السماء أو في أهل الأرض.\n١٤ - تفرّد اللَّه تعالى بأمر الساعة وكل إليه راجعون.\n١٥ - لا يملك أحد يوم القيامة الشفاعة إلا بإذن اللَّه العظيم، والكافرون لن ينفعهم إقرارهم للَّه بالربوبية ثم هم به مشركون.\n* * *","vol":"7","page":180},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٨. قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصارٌ من اللَّه تعالى لهذا القرآن العربي المبين، وبيان سنته تعالى في إهلاك المكذبين للرسل المعاندين للوحي الكريم.\nفقوله تعالى: ﴿حم﴾ كسابقه في أوائل السور التي ابتدأت بمثل هذه الحروف المقطعة، والتي تحمل معنى التحدي والإعجاز، ثم يأتي بعدها مباشرة ذكر الكتاب ليكون انتصارًا لهذا القرآن.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي البيِّن الجلي في ألفاظه ومعانيه وآفاقه. قال قتادة: (مبين واللَّه بركته، وهداه ورشده).\nوقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: إنا أنزلناه قرآنًا فصيحًا بينًا بلغة العرب، لغة البيان والإعجاز.\nوهذه الآية استدل بها أهل البدعة زمن الإمام أحمد على قضية مبتدعة وهي مسألة خلق القرآن، قالوا: فالمجعول مخلوق. فقارعهم أهل العلم كاشفين جهلهم بلغة العرب. فإن \"جعل\" -في كلام العرب- إن تعدى إلى مفعول واحد كان بمعنى خلق، وإذا تعدّى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق، وإنما يفيد التحويل.","vol":"7","page":181},{"text":"ومثال الأول:\n١ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١].\nفهنا \"جعل\" تعدى إلى مفعول واحد، فهو بمعنى خلق.\nومثال الثاني:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣].\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: لعلكم تفهمون مقاصده وتعون معانيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. تنبيه على فضله ومنزلته وشرفه. قال قتادة: (﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أصل الكتاب وجملته). قال مجاهد: (أي: اللوح المحفوظ). وعن قتادة: (﴿لَدَيْنَا﴾ عندنا. ﴿لَعَلِيٌّ﴾: أي: ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل).\nوالمقصود: أَنَّ هذا القرآن مشرّف في الملأ الأعلى، وهذا يقتضي أن يشرِّفه ويعظمه أهل الأرض. فهو مسطور في اللوح المحفوظ عندنا، وإنه ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أي: ذو مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة وشرف. ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: مُحْكَمٌ بريء من اللَّبْسِ والزَّيغ.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١١ - ١٦].\nأخرج الطبراني بإسناد صحيح عن جبير قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه؟ فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد اللَّه","vol":"7","page":182},{"text":"وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ فيه تأويلان محتملان:\n١ - قال ابن عباس: (أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أُمرتم به). وقال مجاهد: (تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه). واختاره ابن جرير.\n٢ - وقال قتادة: (واللَّه لو أن هذا القرآن رُفِعَ حين رَدّته أوائلُ هذه الأمةِ لَهَلكُوا، ولكن اللَّه تعالى عاد بعائدته ورحمته، وكرَّره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء اللَّه من ذلك).\nوقال: (الذكر ما أنزل عليهم مما أمرهم اللَّه به ونهاهم. ﴿صَفْحًا﴾: لا يذكر لكم منه شيئًا). وقوّاه ابن كثير وقال: (وقول قتادة لطيفُ المعنى جدًّا، وحاصِلُهُ أنه يقول في معناه: أنه تعالى من لُطفه ورحمته بخلقه لا يترك دُعاءَهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم -وهو القرآن- وإن كانوا مسرفين مُعرضين عنه، بل أمرَ به ليهتديَ به من قَدَّر هدايته، وتقومَ الحجة على من كتبَ شقاوَته).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾.\n\"كمْ\" هنا خبرية، يراد بها التكثير. والمعنى: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السالفة. قال النسفي: (أي كثيرًا من الرسل أرسلنا إلى من تقدمك).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nتسلية لرسول اللَّه -ﷺ- عما يلقاه من استهزاء قومه وتكذيبهم. والمعنى: إنها قصة مستمرة، وحال ماضية في الأمم، فإنه لم يكن يأتيهم نبي إلا قابلوه بالسخرية والاستهزاء كما قابلك قومك.\nوقوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: فأهلكنا قومًا أشد من قومك -يا محمد- قوة، في أبدانهم وأتباعهم وأموالهم.\nوقوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال قتادة: (عقوبة الأولين). وقال مجاهد: (سنّتهم). قال القاسمي: (أي سلف في القرآن في غير موضع منه، ذكر قصتهم وحالهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ٧٧/ ١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ١٦٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧١٣).","vol":"7","page":183},{"text":"في تكذيبهم وتعذيبهم وما مثلناه لهم. أي فليتوقع هؤلاء المستهزئون من العقوبة مثل ما حلّ بسلفهم).\n\n٩ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.\nهذه الآيات: إقرارُ المشركين للَّه تفرده بالخلق ثم هم به يشركون، وهو الذي مدّ الأرض لهم وسلك لهم فيها السبل لعلهم يهتدون، ونزّل لهم الماء من السماء وخلق الأزواج وجعل لهم من الفلك والأنعام ما يركبون، ليحمدوه تعالى عند ركوبهم ويعظموه وحده وله يشكرون.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك: من خلق السماوات السبع والأرضين، فأحدثهن وأنشأهنّ؟ ليقولنّ: خلقهنّ العزيز في سلطانه وانتقامه من أعدائه، العليم بهن وما فيهنّ من الأشياء لا يخفى عليه شيء). قال القرطبي: (فأقرّوا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلًا منهم).\nوقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾. قال السدي: (بساطًا). قال ابن كثير: (أي: فِراشًا قرارًا ثابتةً، تسيرون عليها وتقومون وتنامون وتتصرّفون، مع أنها مخلوقةٌ على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. قال قتادة: (أي طرقًا). والمعنى: مَهّد لكم الأرض من وُعورتها، وجعل لكم طرقًا يسهل عليكم التحرك فيها بين جبالها وأوديتها.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. أي أثناء سيركم في البلاد والأقاليم والأمصار. قال السدي: (يقول: لكي تهتدوا بتلك السبل إلى حيث أردتم من البُلدان والقرى","vol":"7","page":184},{"text":"والأمصار، لولا ذلك لم تطيقوا براح أفنيتكم ودوركم، ولكنها نعمة أنعم بها عليكم).\nوقوله: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾. أي: أنزل لكم من المطر بحسب كفاية زروعكم وثماركم وحاجاتكم من الشرب أنتم وأنعامكم. قال ابن جرير: (فلم يجعله كالطوفان فيكون عذابًا كالذي أنزل على قوم نوح، ولا جعله قليلًا، لا ينبت به النبات والزرع من قلّته، ولكنه جعله غيثًا مغيثًا).\nوقوله: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. قال القاسمي: (أي أحيينا به بلدة ميتًا من النبات، قد درست من الجدب وعفت من القحط).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. قال قتادة: (كما أحيا اللَّه هذه الأرض الميتة بهذا الماء كذلك تبعثون يوم القيامة). فنبّه سبحانه بإحياء الأرض على إحياء الأجساد بعد فنائها ليوم الحشر.\nوقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾. قال ابن جرير: (واللَّه خلق كل شيء فزوّجه، أي خلق الذكور من الإناث أزواجًا، والإناث من الذكور أزواجًا). قلت: وهذا في سائر أصناف النباتات، وجميع أجناس الحيوانات.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾. الفلك: السفن. والأنعام: البهائم. أي: سَخّرَ لكم السفن للركوب في البحر، وذلّل لكم الأنعام للركوب في البرّ، إضافة إلى استمتاعكم بأكل لحومها وشرب ألبانها ولبس أصوافها.\nوقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾. قال النسفي: (على ظهور ما تركبونه وهو الفلك والأنعام).\nوقوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾. قال القرطبي: (أي ركبتم عليه، وذكر النعمة هو الحمد للَّه على تسخير ذلك لنا في البر والبحر).\nوقوله: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. أي: ننزه اللَّه الذي ذلّل لنا هذا الركوب وما كنا له مطيقين ولا ضابطين. فعن ابن عباس: (﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.يقول: مطيقين) قال مجاهد: (﴿مُقْرِنِينَ﴾ قال: الإبل والخيل والبغال والحمير). وقال ابن زيد: (لسنا له مطيقين، قال: لا نطيقها إلا بك، لولا أنت ما قوينا عليها ولا أطقناها).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. أي: لصائرون بعد موتنا، فله سبحانه","vol":"7","page":185},{"text":"راجعون، وإليه سيرُنا الأكبر، فنبّه بالسير الأصغر في أطراف الدنيا على السير الأكبر إلى اللَّه الذي هو غاية المنتهى.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بالأذكار الخاصة بركوب الدابة في السفر، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، عن ابن عمر: [أن رسول اللَّه -ﷺ-، كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كَبَّرَ ثلاثًا، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. اللهم إني أسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هَوِّنْ علينا سفرنا هذا. اللهم اطْوِ لنا البُعْدَ. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال. وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان ورجاله رجال الصحيح عن علي بن ربيعة، قال: [أشهدت عليًا أتِيَ بدابَّةٍ ليركبها، فلما وضع رِجله في الركاب قال: بسم اللَّه، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد للَّه، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ثم قال: الحمد للَّه -ثلاث مرات- ثم قال: اللَّه أكبر -ثلاث مرات- ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي -ﷺ- فعل كما فعلت، ثم ضحك، فقلت: يا رسول اللَّه، من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربَّكَ يَعجبُ من عبدِه إذا قال: اغفر لي ذُنوبي، يعلم أنه لا يغفرُ الذنوب غيري] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والطبراني بسند صحيح عن أبي لاسٍ الخُزاعي قال: [حَمَلنا رسول اللَّه -ﷺ- على إبل من إبل الصدقة إلى الحجِّ، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، ما نرى أن تحملنا هذه! فقال -ﷺ-: ما من بعير إلا في ذُرْوَتِه شيطانٌ، فاذكروا اسم اللَّه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٩٩)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٥٤٨)، وأخرجه ابن حبان (٢٦٩٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٥٠٢) وأحمد (١/ ٩٧)، وابن حبان (٢٦٩٨) ورجاله رجال البخاري ومسلم.","vol":"7","page":186},{"text":"عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهِنوها لأنفسكم، فإنما يحمل اللَّه ﷿] (١). أبو لاس: هو محمد بن الأسود بن خَلَف.\nالحديث الرابع: أخرج أحمد والدارمي وابن حبان بسند حسن عن أسامة بن زيد قال: أخبرني محمد بن حَمْزَة: أنه سَمع أباه يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [على ظهْرِ كُلِّ بعير شيطانٌ، فإذا ركبتموها فَسَمُّوا اللَّه -﷿- ثم لا تقصِّرُوا عن حاجاتكم] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج ابن ماجة في السنن بسند صحيح عن عبد اللَّه بن سَرْجِسَ قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول (وفي رواية: يتعوذ) إذا سافر: اللهمَّ! إني أعوذ بكَ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَر، وكآبة المُنْقَلَب، والحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، ودَعْوَةِ المظلومِ، وسوء المنظر في الأهل والمال] (٣).\nوقوله: \"وعثاء السفر\" أي شدته ومشقته. \"وكآبة المنقلب\" أي الانقلاب. قال الخطابي: (معناه أن ينقلب إلى أهله كئيبًا حزينًا، لعدم قضاء حاجته، أو إصابة آفة له). \"والحور بعد الكور\" أي النقصان بعد الزيادة، وأصل الحور الرجوع. \"وسوء المنظر\": المراد كل منظر يعقب النظر سوءًا.\n\n١٥ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٢١)، والطبراني (٢٢/ ٣٣٤)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٣١): (رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في إحداها). وللحديث شواهد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٤)، والدارمي (٢/ ٢٨٥)، وابن حبان (١٧٠٣)، وكذلك (٢٦٩٤) وإسناده حسن، وله شاهد من حديث عقبة بن عامر، أخرجه الطبراني (١٧/ ٨٧٨١) وقال في \"المجمع\" (١/ ١٣١): إسناده حسن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٨٨٨) - كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا سافر، وانظر صحيح ابن ماجة (٣١٣٦)، وصحيح أبي داود (٢٣٣٨)، وروى مسلم نحوه.","vol":"7","page":187},{"text":"سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارٌ من اللَّه تعالى عن افتراء المشركين في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها للَّه، وقولهم الملائكة بنات اللَّه، ويكرهون ذلك لأنفسهم، ويَحْتَجُّون بالقدر على شركهم، واللَّه يعلم مكرهم وكذبهم.\nفقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. قال مجاهد: (ولدًا وبنات من الملائكة). وعن قتادة: (﴿جُزْءًا﴾ أي عِدْلًا). والمقصود: قالوا الملائكة بنات اللَّه، فجعلوهم جزءًا له وبعضًا. قال القرطبي: (عجَّب المؤمنين من جهلهم إذ أقروا بأن خالق السماوات والأرض هو اللَّه ثم جعلوا له شريكًا أو ولدًا، ولم يعلموا أن من قدر على خلق السماوات والأرض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو يستأنس به لأن هذا من صفات النقص).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- أنه قال: [قال اللَّه تعالى: كَذَّبَني ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ له ذلك، وشتمني ولم يَكُنْ له ذلك، فأمّا تكذيبُه إيايَّ فقوله: لنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلُ الخلق بأهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إعادته، وأما شَتْمه إيايَّ فقولُه: اتخذ اللَّه ولدًا، وأنا الأحد الصَّمَدُ، لمْ ألِدْ ولمْ أولَدْ، ولم يَكُنْ لي كفوًا أحَدٌ] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. يعني الكافر الجاحد. قال الحسن: (يعدّ المصائب وينسى النعم). وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي مظهر الكفر.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٩٧٤) - كتاب التفسير - وكذلك (٣١٩٣).","vol":"7","page":188},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. إنكار في صيغة التوبيخ. قال النسفي: (أي بل اتخذ، والهمزة للإنكار تجهيلًا لهم وتعجيبًا من شأنهم حيث ادعوا أنه اختار لنفسه المنزلة الأدنى ولهم الأعلى).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: إذا بُشِّر أحدُ هؤلاء مما جَعلوه للَّه من البنات يأنَفُ من ذلك غايةَ الأنَفَةِ، وتعلوه كآبة من سُوءِ ما بُشِّرَ به، ويتوارى من القوم من خَجَله من ذلك، يقول ﵎: فكيف تأنفون أنتم من ذلك، وتَنْسُبونه إلى اللَّه ﷿؟ !). وعن قتادة: (﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي حزين).\nوقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني المرأة). وقال مقاتل: (لا تتكلم المرأة إلا وتأتي الحجة عليها). والمقصود: تركيب المرأة فيه نقصان، ويُكَمَّل نَقْصُها بلُبس الحُلي منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فعبارتها ضعيفة، فهل هذا النعت يُناسب أن يُنْسَبَ إلى جناب اللَّه العظيم؟ قال النسفي: (أي أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته، وهو أنه ينشأ في الحلية، أي: يتربى في الزينة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاناة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان، وذلك لضعف عقولهن).\nوقال القاسمي: (والمعنى: أومن كان كذلك جعلتموه جزءًا للَّه من خلقه، وزعمتم أنه نصيبه منهم؟).\nقال إلكِيا الهرّاسيّ: (فيه دليل على إباحة الحليّ للنساء).\nوسئل أبو العالية عن الذهب للنساء، فلم ير به بأسًا، وتلا هذه الآية.\nوقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾. أي: وجعل المشركون ملائكة اللَّه -الذين هم عنده يسبحونه ويقدسونه وله يسجدون- إناثًا، فقالوا هم بنات اللَّه، جراءًة منهم على قيل الكذب، وقلة أدب مع ربهم ﷿.\nوقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُم﴾. تجهيل لهم وتهكُّمٌ بهم. والمعنى: هل حضروا خلق اللَّه لهم فوصفوهم بذلك نتيجة رؤيتهم إياهم وعلمهم بدقيق أمرهم؟ !\nوقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾. تهديد ووعيد. والمعنى: سَتُكْتب شهادتهم على الملائكة بما هم مبرؤون عنه، وسَيُسْألون عنها يوم القيامة بمطالبتهم بإقامة براهينهم وحججهم، ولا سبيل لهم إلى ذلك.","vol":"7","page":189},{"text":"وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾. قال مجاهد: (للأوثان). قال القرطبي: (يعني قال المشركون على طريق الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرحمن على زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة).\nوالمقصود: كان منطق المشركين أن لو أراد اللَّه لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات اللَّه، فجمعوا بذلك بين أنواع كبيرة من الخطأ:\nأ- جعلهم للَّه ولدًا.\nب- دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا.\nج- عبادتهم لهم بلا دليل وإنما خبْط الجاهلية.\nد- احتجاجهم بالقدر على عبادتهم الفاسدة.\nوقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾. قال قتادة: (أي ما لهم بقولهم: الملائكة بنات اللَّه، من علم). والمقصود: ما لهم بصحة ما قالوه واحتجوا به من علم يُرجع إليه وإنما هو الكذب والادعاء.\nوقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. أي يكذبون ويتقوّلون. قال مجاهد: (﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: ما يَعْلَمُونَ قُدْرةَ اللَّه على ذلك). وذلك أنهم زعموا أن اللَّه أمرهم بتلك العبادة أو رضيها منهم.\n\n٢١ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول سبحانه: أم آتينا هؤلاء المتخرصين القائلين لو شاء الرحمن ما عبدناهم كتابًا بحقيقة قولهم من قبل القرآن، أو من قبل قولهم وشركهم، فهم مستمسكون يعملون به؟ ! كلا بل حجتهم آباؤهم، شأن الأمم الهالكة قبلهم.\nفقوله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾. إنكارٌ على المشركين عبادتهم دون دليل وبرهان. قال النسفي: (﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ من","vol":"7","page":190},{"text":"قبل القرآن أو من قبل قولهم هذا ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ آخذون عاملون).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. احتجاج فاسد بمنهاج الآبائية، ولا سيما أن آباءهم لم يكونوا أهل رشد وصواب.\nوعن مجاهد: (﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾: مِلّة). قال ابن عباس: (وجدنا آباءنا على دين). وعن قتادة: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾: وإنا متبعوهم على ذلك).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. تَسْلِيةٌ للنبي -ﷺ- أن تقليد الآباء داء قديم، فإنه ما أرسلنا يا محمد من نبي في أمة قبلك إلا قال متنعموها -ممن أترفتهم النعمة وأبطرتهم فلم يألفوا إلا الشهوات والملاهي فهم يعافون مشاق الدين وتكاليفه- إنا عهدنا آباءنا على طريقة في الدين وإنا على منهاجهم سالكون.\nقال قتادة: (﴿مُتْرَفُوهَا﴾: رؤساؤهم وأشرافهم). وقال مجاهد: (﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ بفعلهم). أي: وكذلك يا محمد فقد سلك مشركو قومك منهاج من قبلهم فلا تحزن عليهم.\nوقوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾. أي: قل لهم -يا محمد- أو لو جئتكم بأدل من سبيل الرشاد من ملة آبائكم؟\nوقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. قال القرطبي: (قالوا: إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه وإن جئتنا بما هو أهدى).\nوقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: فانتقمنا منهم بألوان العذاب من قحط وقتل وخسف وغرق وسبي وغير ذلك، فانظر -يا محمد- كيف كان مآل من كذب الرسل. قال قتادة: (شرٌّ واللَّه، أخذهم بخسف وغرق، ثم أهلكهم فأدخلهم النار).\n\n٢٦ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ","vol":"7","page":191},{"text":"عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء اللَّه تعالى على إبراهيم -ﷺ- إمام الموحدين، فقد دعا قومه إلى الحق ثم فاصلهم على منهج التوحيد وإفراد اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم. وذمُّ اللَّه المشركين من العرب الذين ضيّعوا ملة إبراهيم، وقد احتج سبحانه بهذه الآيات المكية على مشركي قريش سوء فهمهم للقدر، وأنه ﷾ وحده قاسم الرزق والأجل، وأنَّ ما قدَّره سبحانه من الرزق بين عباده كان بالحكمة والعدل، ولو شاء بسط الرزق والمال للكافرين بطريقة تفتن العقل والقلب والنظر، ولكن رحمة بالمؤمنين ألا يفتنوا عن دينهم إذا رأوا أهل البغي وقد عجلت لهم الخيرات في الدنيا فيتركوا العمل، ويصيبهم العجز وحب الدنيا والكسل، ويتركوا العلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويجتاحهم الكلال، وإلا فإن الدنيا لا تزن عند اللَّه جناح بعوضة ومن أجل هذا أعطاها للكافر الذي دمَّره الأشر والبطر.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾.\nقال قتادة: (كايدهم، يقول: إنني بريء مما تعبدون). وقال القاضي: (﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: أي اذكر وقت قوله هذا، ليروا كيف تبرّأ عن التقليد وتمسّك بالدليل). و\"بَراءٌ\": مصدر، أريد به معنى الوصف مبالغة، والمقصود: أراد إبراهيم -ﷺ- إظهار البراءة الكاملة من عبادتهم ومعبودهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. قال النسفي: (استثناء منقطع، كأنه قال لكن الذي فطرني ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ يثبتني على الهداية).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال مجاهد: (لا إله إلا اللَّه). وقال قتادة: (شهادة أن لا إله إلا اللَّه، والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده). وفي رواية قال: (التوحيد والإخلاص، ولا يزال في ذريته من يُوَحِّدُ اللَّه ويعبده). وعن ابن عباس: (﴿فِي عَقِبِهِ﴾: يعني من خلفه). قال مجاهد: (ولده). وقال السدي: (في","vol":"7","page":192},{"text":"عقب إبراهيم آل محمد -ﷺ-). قال ابن شهاب: (العقب الولد، وولد الولد). وعن ابن زيد: (عقبه ذريته).\nوالمعنى: وجعل إبراهيم -﵇- كلمة التوحيد التي تكلم بها، وهي قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ كلمة مستمرة في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد اللَّه ويدعو إلى توحيده.\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال قتادة: (أي يتوبون، أو يذّكَّرون). قال القاسمي: (﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لكي يرجعوا إلى عبادته، ويلجؤوا إلى توحيده في سائر شؤونهم). وقال النسفي: (لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم والترجي لإبراهيم).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾. أي: بل متعت -يا محمد- هؤلاء المشركين من أهل مكة وآباءهم من قبلهم بالحياة فلم أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق -أي الوحي العظيم-، ورسول مبين.\nفالحق: القرآن وحجة الوحي البالغة، والرسول المبين: محمد -ﷺ- الذي يبيّن لهم ما بهم إليه حاجة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾.\nقال السدي: (هؤلاء قريش قالوا للقرآن الذي جاء به محمد -ﷺ-). فاتهموا القرآن بالسحر وأعلنوا الجحود والكبر والعناد.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.\nقال ابن عباس: (يعني بالعظيم: الوليد بن المغيرة القرشي، أو حبيب بن عمرو ابن عُمير الثقفي، وبالقريتين: مكة والطائف).\nفهم يريدون الحق في رؤسائهم وزعمائهم، هكذا أملت لهم عقولهم وأهواؤهم، فأجابهم اللَّه ﷿: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال قتادة: (فتلقاه ضعيف الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان وهو مقتور عليه. قال اللَّه جل ثناءه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما قَسَمَ بينهم صورهم وأخلاقهم تبارك ربنا وتعالى).","vol":"7","page":193},{"text":"وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.\nأي: ورفعنا بعضهم بالغنى فوق بعض ليتخذ الغني الفقير في العمل. قال السدي: (يستخدم بعضهم بعضًا في السخرة). أو سببًا في المعاش.\nوقوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قال ابن جرير: (ورحمة ربك يا محمد بإدخالهم الجنة خير لهم مما يجمعون من الأموال في الدنيا).\nثم ذكر سبحانه ما قد يترتب على بسط المال وأسباب الزينة والترف لأهل الدنيا من الفساد الذي قد يؤذي المؤمنين ويفتنهم عن دينهم، فقال جل ذكره: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال ابن زيد: (لولا أن يختار الناس دنياهم على دينهم لجعلنا هذا لأهل الكفر).\nأي: لولا أن يفتن المؤمنون فتنة لا يستقيم معها دينهم وإيمانهم: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ الآية.\nقال قتادة: (السقف: أعلى البيوت). وهي السطوح. والمعارج: الدرج. قال السدي: (المعارج: المراقي). أي: ودَرَجًا عليها يصعدون فيظهرون على السقف.\nوعن ابن عباس: (﴿وَمَعَارِجَ﴾ قال: معارج من فضة، وهي درج). قال: (درج عليها يصعدون إلى الغرف).\nوالمقصود: لولا أن يفتن المؤمنون لجعل اللَّه لأهل الكفر لبيوتهم سقفًا ومصاعد من فضة عليها يصعدون إلى غرفهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾. قال ابن زيد: (الأبواب من فضة والسرر من فضة عليها يتكئون. يقول: على السرر يتكئون). أي: ولجعلنا كذلك لبيوتهم أبوابًا من فضة وسررًا من فضة عليها يتكئون.\nوقوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾. قال ابن عباس: (وهو الذهب). قال القاسمي: (أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفًا، أي زينة من ذهب وجواهر فوق الفضة).\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. إشارة إلى أن ذلك لا يدل على فضيلتهم، وإنما كل ما سبق ذكره من السقف من الفضة والمعارج والأبواب والسرر من الفضة، والزخرف فوق ذلك، إنما هو من المتاع الزائل الذي يستمتع به أهل الدنيا إلى حين ثم يغادرونه إلى قبورهم ومعادهم.","vol":"7","page":194},{"text":"وقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال قتادة: (خصوصًا). والمقصود: ويبقى جمال الدار الآخرة وبهاؤها وروائع بهجتها وزينتها خاصًا بالمتقين لا يحولون عنه ولا يزولون.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].\nوفي الصحيحين عن حذيفة قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: [لا تَلْبَسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة] (١).\nوفي جامع الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح لغيره عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء] (٢).\nوفي مسند أحمد بإسناد قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (٣).\n\n٣٦ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٤٢٦) - كتاب الأطعمة، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٠٦٧)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٣٣٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢/ ٥٢)، والحاكم (٤/ ٣٠٦). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٩٤٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٤٥)، وانظر السلسلة الصحيحة (٤١٤).","vol":"7","page":195},{"text":"يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تسليطُ اللَّه مردة الجن على ظلمة الإنس ببغيهم، وتنافر الفريقين يوم الحشر وقضاء اللَّه النافذ -في نار جهنم- بِجَمْعِهم، وسنةُ اللَّه في تحميل الرسل مهمة البلاغ للعباد وبيده تعالى أمر هدايتهم، وتثبيت اللَّه تعالى رسوله حتى يبقى على طريق المرسلين ويتأسى بجهادهم.\nفقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾. أي يتعامى ويتغافل ويعرض. وقد قرأها ابن عباس وعكرمة \"ومن يَعْشَ\" بمعنى يعمى. فإنه في لغة العرب عَشِيَ يعشى عشًا إذا عَمِيَ، ورجلٌ أعشى وامرأة عشواء إذا كان لا يبصر. وركب فلان العشواء إذا خبط في أمره على غير بصيرة.\nوهذه الآية تتصل بقوله سبحانه في أول السورة: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾. قال ابن عباس: (أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به). وقال قتادة: (واللَّه لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن اللَّه تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء اللَّه من ذلك).\nوالمعنى: أي نواصل لكم الذكر، فمن يعش عن ذلك الذكر بالإعراض عنه إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، أي يتحكم بفكره وفهمه وعقله وقلبه وحركته. قال ابن عباس: (أي ملازم ومصاحب). فيصادر اللَّه بذلك جزءًا من حرية هذا العبد المتهاون بأمر اللَّه بعد أن كرمه بإطلاقها، فيصير يشعر بالقيد والثقل وكأنه أسير حبيس، وكم سمع الناس عن أحوال ومعاناة مَنْ دخل الجني عليه في جسده، فأفسد له حركته وسكونه، وأفقده لذة الطعام والشراب والنكاح، وكم رأى الناس من بؤس حال من سلط اللَّه عليه أعداءه، حتى بدا ذلك واضحًا بتراجع صحته","vol":"7","page":196},{"text":"وعافيته، وحتى تأثرت بذلك شهية الطعام والشراب.\nإن ضريبة الابتعاد عن منهج اللَّه وشرعه قاسية ومؤلمة، فلا يظن ظانٌّ أنه يمكن أن يسعد ببعده عن رضوان ربه ﷿، بل هو غرور زائل، وضوء آفل، وسناد مائل، يدعمه إبليس وأعوانه بعض الشيء بتسليط اللَّه لهم، إلى أن يأتي حين العذاب ونزول الفضائح والآلام.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\nفقد ذكر الشياطين سبحانه بلفظ الجمع بقوله: ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ لأن \"وَمَنْ\" في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ في معنى الجمع.\nقال ابن جرير: (-أي-: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر اللَّه، عن سبيل الحق، فيزيّنون لهم الضلالة، ويكرّهون إليهم الإيمان باللَّه، والعمل بطاعته ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يقول: ويظن المشركون باللَّه بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة، أنهم على الحق والصواب).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.\nأشار سبحانه إلى لحظة العذاب بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ أي الكافر يوم القيامة، وهذا على قراءة قراء الكوفة والبصرة، وهي قراءة حفص وأبي عمرو، وأما على قراءة قراء الحجاز فهي ﴿جاءانا﴾ أي هو وقرينه. وقد جُعلا في سلسلة واحدة، فيقول الكافر: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كما قال جل ذكره: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. وقيل: بعد المشرق والمغرب. قال القرطبي: (﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ هو أي فبئس الصاحب أنت، لأنه يورده إلى النار. قال أبو سعيد الخدري: إذا بُعِثَ الكافِر زوّج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير به إلى النار).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.\nأي: فأنتما مشتركان في العذاب. قال مقاتل: (لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم، لأن قرناءكم وأنتم في العذاب مشتركون، كما اشتركتم في الكفر).\nفإن اللَّه سبحانه يعطي فرصًا للذكرى في هذه الحياة، فمن أخذها أخذ بحظ وافر حسن، ومن أهملها سلط عليه سبحانه شيطانًا يوجه حركته، ويوحي إلى فكره وعقله، ويوسوس في قلبه ألوانًا من الفواحش والموبقات والكبائر والعقوق والشرك باللَّه، وغير ذلك مما يسخط اللَّه سبحانه، ويوعد عليه في الآخرة نيرانه.","vol":"7","page":197},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nأي: أفانت تسمع -يا محمد- من قد أصمه اللَّه عن استماع حججه، أو تهدي من قد أعمى اللَّه قلبه عن إبصار سبيله سبيل الحق والنجاة والسعادة أو تهدي من كان في جور عن سبيل الرشاد. والآية تسلية للنبي -ﷺ- عما يلقاه من عناد قومه وإصرارهم على كفر الجاهلية.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. أي: ولو ذهبت أنت فلا بد الانتقام نازل بهم. قال السدي: (كما انتقمنا من الأمم الماضية). وقال النسفي: (﴿فَإِمَّا﴾ دخلت ما على إن توكيدًا للشرط، وكذا النون الثقيلة في ﴿نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أي نتوفينك قبل أن ننصرك عليهم ونشفي صدور المؤمنين منهم ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ أشد الانتقام في الآخرة).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾. قال السدي: (فقد أراه اللَّه ذلك وأظهره عليه). قال ابن كثير: (أي: نحن قادرون على هذا وعلى هذا. ولم يقبض اللَّه رسوله -ﷺ- أقرَّ عينه من أعدائه، وحَكَّمَهُ في نواصيهم، ومَلَّكَهُ ما تضمَّنته صياصيهم -أي حصونهم-).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي بردة عن أبيه مرفوعًا: [النُّجومُ أَمَنَةٌ للسَّماء، فإذا ذَهَبَتِ النجوم أتى السماءَ ما تُوعَدُ، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبْتُ أنا أتى أصحابي ما يُوعَدُون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعدون] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال قتادة: (أي الإسلام). قال القرطبي: (﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ يريد القرآن، وإن كذب به من كذب، فـ ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يوصّلك إلى اللَّه ورضاه).\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: إن القرآن شرف لك). قال ابن زيد: (أو لم تكن النبوة والقرآن الذي أنزل على نبيه -ﷺ- ذكرًا له ولقومه).\nوالمقصود: إن هذا القرآن شرف لك -يا محمد- ولقومك من قريش، فإنه نزل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٣١) - كتاب فضائل الصحابة. باب بيان أن بقاء النبي -ﷺ- أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، وأبو يعلى (٧٢٧٦).","vol":"7","page":198},{"text":"بلغتهم وعلى رجل منهم، فاحتاج كل مسلم من أهل اللغات إلى لسانهم ليفهم هذا الدين كما نزل.\nوقوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾. قال الفرّاء: (أي عن الشكر عليه). قال ابن جرير: (يقول: وسوف يسألك ربك وإياهم عما عملتم فيه).\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: سل أهل التوراة والإنجيل: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد أن يوحِّدوا اللَّه وحده؟).\nوالمقصود: إن جميع الرسل دعوا إلى دعوتك يا محمد: \"لا إله إلا اللَّه\"، وهي إفراد اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أولاد علّات (وفي رواية: إخوة من علات) أُمهاتم شتى، ودينهم واحد] (١).\n\n٤٦ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٤٤٢)، (٣٤٤٣)، كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم (٢٣٦٥) - كتاب الفضائل. باب فضائل عيسى ﵇.","vol":"7","page":199},{"text":"تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: قصةُ موسى ﵊، مع الطاغية فرعون رأس الكفر والطغيان، الذي أشرك باللَّه وطغى وأفسد في الأرض حتى أذاقه اللَّه وجنوده الخزي والغرق واللعنة والحرمان.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآيات.\nتسلية للنبي -ﷺ- عما يلقاه من تكذيب قومه. فإن موسى ﵇ قال لفرعون كما قلت لقومك: إني رسول اللَّه إليكم، فسخروا كما سخر هؤلاء. قال النسفي: (ما أجابوه به عند قوله إني رسول رب العالمين محذوف دلّ عليه قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا﴾ وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ يسخرون منها ويهزؤون بها ويسمونها سحرًا).\nوقوله: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾. قال القرطبي: (أي كانت آيات موسى من كبار الآيات، وكانت كل واحدة أعظمَ مما قبلها).\nوقوله: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال قتادة: (أي يتوبون، أو يذكرون). قال ابن جرير: (وذلك كأخذه تعالى ذكره إياهم بالسنين ونقص من الثمرات، وبالجراد، والقمل، والضفادع والدم).\nوقوله: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. قال مجاهد: (لئن آمنا لَيُكْشَفَنّ عنا العذاب). والمقصود: ادع لنا ربك بما أخبرنا عن عهده إليك، إنا إن آمنا كشف عنا، فسله يكشف عنا.\nوأما مناداتهم له بالساحر ففيه أكثر من تأويل:\n١ - نادَوْهُ بما كانوا ينادونه به من قبل ذلك على حسب عادتهم.\n٢ - قال ابن عباس: (﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِر﴾ يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيمًا","vol":"7","page":200},{"text":"يوقِّرُونه، ولم يكن السحر صفة ذم). أي كانوا يسمون العلماء سحرة فنادوه بذلك على سبيل التعظيم.\n٣ - وقيل: المقصود يا أيها الذي غَلَبَنا بسحره.\nوقوله: ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾. قال قتادة: (قالوا يا موسى: ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. قال قتادة: (أي يغدرون). أي: فدعا موسى ربه فكشف سبحانه العذاب فنقض القوم العهد الذي جعلوه على أنفسهم فلم يؤمنوا.\nوقيل: قولهم: ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ إخبار منهم عن أنفسهم بالإيمان، فلما كشف عنهم العذاب ارتدوا.\nوقول تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. قال قتادة: (قد كانت لهم جنات وأنهار ماء. قال: كانت جنانًا وأنهارًا تجري من تحت قصوره). والمقصود: نادى فرعون في قومه يا قوم أليس لي ملك مصر فلا ينازعني فيه أحد، وأنهار النيل تجري من تحت قصوري ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ عظمتي وقوتي وضَعْف موسى؟ !\nقال ابن جرير: (﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أيها القوم ما أنا فيه من النعيم والخير، وما فيه موسى من الفقر وعيّ اللسان؟ ! افتخر بملكه مصر عَدُوّ اللَّه وما قد مكّن له من الدنيا استدراجًا من اللَّه له).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾. قال السدي: (قال: بل أنا خير من هذا). وعن سفيان: (﴿مَهِينٌ﴾: حَقير). وقال قتادة: (يعني: ضعيف). وقال أبو جعفر: (يعني لا مُلْك له ولا سلطان ولا مال). وعن السدي: (﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي: لا يكاد يُفهم). وقال قتادة: (عييّ اللسان). وقال سفيان: (يعني في لسانه شيء من الجَمْرَةِ حينَ وضعها في فيه وهو صغير) (١).\nوالمقصود: أراد فرعون استعراض قوته وجبروته أمام قومه واستضعاف موسى. قال\n_________\n(١) قد دعا موسى ربه \"واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي\" فذهب عنه ما يجد، وإنما أراد فرعون إظهار موسى بكل نقيصة وقد كذب، فهو الناقص خِلقَةً وخُلُقًا، وموسى البار الراشد الصادق.","vol":"7","page":201},{"text":"ابن كثير: (وهذا الذي قاله فرعون -لعنه اللَّه- كَذِبٌ واختلاقٌ، وإنما حَمله على هذا الكفرُ والعنادُ، وهو ينظرُ إلى موسى -﵇- بعين كافرة شَقِيَّةٍ، وقد كان موسى -﵇- من الجلالةِ والعظمةِ والبهاء في صورة يَبهر أبصار ذَوي الألباب).\nوقوله: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أقلبة من ذهب). قال مجاهد: (كانوا إذا سوّروا رجلًا سؤروه وطؤقوه بطوق من ذهب علامة لسيادته). فكان ذلك عادة الوقت وزِيّ أهل الشرف. فأراد فرعون القول: هلا ألقى رب موسى عليه أساورة من ذهب إن كان صادقًا!\nوقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. قال قتادة: (أي متتابعين). وقال مجاهد: (يمشون معًا). وقال السدي: (يقارن بعضهم بعضًا). وقال ابن عباس: (يعاونونه على من خالفه). قال القرطبي: (والمعنى: هلّا ضم إليه الملائكة التي يزعم أنها عند ربه حتى يتكثّر بهم ويصرفهم على أمره ونهيه، فيكون ذلك أهْيَبَ في القلوب). فأوهم عدو اللَّه قومه أن الأبهة والعظمة في الزي والمرافقة لا بد منها لصدق رسل اللَّه كما هو حال رسل الملوك، وغفل الشقي أن تأييد اللَّه تعالى لموسى بجنوده التي لا يعلمها غيره وإمداده ببعض الآيات كالعصا واليد البيضاء أبلغ من تلك الأبهة الزائفة التي اغتر بها ملوك الدنيا.\nوقوله: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ قال ابن الأعرابي: (المعنى فاستجهل قومه ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ لخفة أحلامهم وقلّة عقولهم).\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. أي خارجين عن طاعة اللَّه.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. قال ابن عباس: (يقول: أسخطونا)، أو قال: (أغضبونا). وقال قتادة: (أغضبوا ربهم).\nوقوله: ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: انتقمنا منهم بعاجل العذاب الذي عجلناه لهم، فأغرقناهم جميعًا في البحر).\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال أبو مِجْلَز: (﴿سَلَفًا﴾ لمن عمل عملهم، ﴿وَمَثَلًا﴾ لمن يعمل عملهم). وقال مجاهد: ﴿سَلَفًا﴾ إخبار لأمة محمد -ﷺ-، ﴿وَمَثَلًا﴾ أي عبرة لهم). وقال: (سلفًا لكفار قومك يتقدّمونهم إلى النار). وقال قتادة: (﴿سَلَفًا﴾ إلى النار ﴿وَمَثَلًا﴾ عِظةً لمن يأتي بعدهم).\nوالمقصود: جعل اللَّه تعالى فرعون وقومه الذين اتبعوه على الكفر والطغيان","vol":"7","page":202},{"text":"﴿سَلَفًا﴾ يتقدمون الناس يوم القيامة إلى النار ثم يتبعهم الكفار، ومنهم كفار قومك -يا محمد- هم تَبَعٌ لفرعون وجنوده بالأثر، و﴿وَمَثَلًا﴾ أي عبرة لمن سيأتي بعدهم لعلهم ينزجرون عن طريقتهم ويتحولون إلى متابعة طريق الرسل.\n\n٥٧ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّه وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ردُّ اللَّه تعالى على قريش في قياسهم الفاسد من تشبيه الأنبياء والملائكة بالأصنام غير العاقلة، وأنه تعالى لو شاء لأفنى البشر وجعل بدلًا منهم ملائكة يخلفونهم، وأن خروج عيسى بن مريم آخر الزمان آية من آيات اقتراب الساعة، وأنه دعا وسيدعو إلى توحيد اللَّه وهو بريء من شرك قومه والذين يدّعون الانتساب له.\nأخرج الإمام أحمد والطبراني بنحوه بسند حسن عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي رَزِين، عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، عن ابن عباس قال: [لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أمْ لم يفطنوا فيسألوا عنها، ثم طفق يُحَدِّثنا، فلما قام تَلاوَمْنا ألا نكون سألناه عنها فقلتُ: أنا لها إذا راح غدًا، فلما راح الغد، قلت: يا ابن عباس! ذكرتَ أمس أنَّ آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها! فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها. قال: نعم، إن رسول اللَّه -ﷺ- قال لقريش: يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون اللَّه فيه خير. وقد علمت قريش أن","vol":"7","page":203},{"text":"النصارى تعبد عيسى بن مريم، وما تقول في محمد (١). فقالوا: يا محمد، ألست تزعُمُ أن عيسى كان نبيًا وعبدًا من عباد اللَّه صالحًا، فلئن كنت صادقًا فإنَّ آلهتهم كما تقول، قال: فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال: قلت: ما يصِدُّون؟ قال: يضجّون، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال: هو خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة] (٢).\nوفي لفظ الطبراني: (فإن كنت صادقًا فإنها لكآلهتهم).\nوقوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾ أي يضجّون كضجيج الإبل عند حمل الأثقال. ومعناه يعرضون، وقال ابن عباس: (يضحكون).\nوقد ردّ اللَّه عليهم هذا القياس الفاسد من تشبيه الأنبياء والملائكة بالأصنام غير العاقلة، فقال في الآية بعدها: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وأكّد سبحانه حماية لمكانة وكرامة نبيّه عيسى ﵊ أن عيسى ما دعا إلى عبادة نفسه بل دعا إلى عبادة اللَّه جل ثناؤه، فقال سبحانه يحكي قوله في سورة مريم: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. كما أكده في سورة الزخرف: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، بعد أن عاب على قريش الجدل والثرثرة فقال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾، إذ كانوا عربًا فصحاء، يدركون أن الآية السابقة: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ موجهة إليهم وإلى ما يعبدون مما لا يعقل، والحديث لم يكن عن عيسى أصلًا ولا عن الملائكة.\nوقوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾. أي: آلهتنا خير أم عيسى؟ . قال السدي: (خاصموه وقالوا إن كل مَن عُبد من دون اللَّه في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى والملائكة وعزير، فأنزل اللَّه تعالى (٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]).\n_________\n(١) هكذا في المسند وتفسير ابن كثير، وأما في مجمع الزوائد: (وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم وما يقول محمد) - وهذا أوضح.\n(٢) أخرجه أحمد (٢٩٢١)، والطبراني (١٢٧٤٠)، والواحدي (٧٤٠). وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٠٤): فيه عاصم بن بهدلة، وهو ثقة، لكنه سيئ الحفظ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. وانظر تفسير الشوكاني (٢٢٣٨)، وكذلك: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - سورة الزخرف، آية (٥٧).\n(٣) سبق ذكر أسباب نزول الآية (١٠١) من سورة الأنبياء، بإسناد صحيح.","vol":"7","page":204},{"text":"وقال قتادة: (﴿أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدًا -ﷺ-). وفي قراءة ابن مسعود \"آلهتنا خيرٌ أمْ هذا\". وهو يقوي قول قتادة، فهو استفهام تقرير في أن آلهتهم خير.\nوقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. أي: ما أرادوا بذلك التمثيل الفاسد إلا الجدل والخصومة.\nأخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما ضَلَّ قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه إلا أُورِثوا الجدل. ثم تلا هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾] (١).\nوقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾. يعني عيسى -ﷺ-، أنعم اللَّه عليه بالنبوة والرسالة.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال قتادة: (آية لبني إسرائيل). وقال ابن كثير: (أي: دلالة وحجة وبرهانًا على قدرتنا على ما نشاء).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. أي: لو شاء اللَّه أفنى البشر وجعل بدلًا منهم ملائكة يخلفونهم في الأرض، أو يخلف بعضهم بعضًا. قال السدي: (يخلفونكم فيها). وقال مجاهد: (يعمرون الأرض بدلًا منكم). وقال ابن عباس: (يخلف بعضهم بعضًا). وقال قتادة: (يخلف بعضُهم بعضًا، كما يخلفُ بعضكم بعضًا).\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. قال ابن عباس: (خروج عيسى بن مريم). وفي رواية: (نزول عيسى بن مريم). وقال مجاهد: (آية للساعة خروج عيسى بن مريم قبل يوم القيامة). وقال قتادة: (نزول عيسى بن مريم علم للساعة: القيامة).\nومن ذهب أن المقصود القرآن، أو ما بعث به عيسى -﵇- من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الأسقام، فقد أبعد في التأويل، بل قد صح في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد عن ابن عباس أن المقصود بقوله. ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة. ويؤيد ذلك القراءة الأخرى: \"وإنه لَعَلَمٌ للساعة\" أي أمارة ودليل على اقترابها.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٢٥٣)، وابن ماجة (٤٨)، وأحمد (٥/ ٢٥٢)، والحاكم (٢/ ٤٤٨)، والطبري (٣٠٩٣٨)، وغيرهم.","vol":"7","page":205},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابنُ مريم، حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [فبينما هو كذلك إذ بعث اللَّه المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرقيّ دمشق بين مهروذتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طاطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدّر منه مثل جُمان كاللؤلؤ. .] (٢). وقوله: \"بين مهروذتين\" أي يلبس ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. ذكره النووي.\nوفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أوس بن أوس، عن النبي -ﷺ- قال: [ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق] (٣).\nوقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾. قال السدي: (تشكون فيها). أي لا تشكوا فيها أنها واقعة لا محالة.\nوقوله: ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾. أي فيما أخبركم به. قال النسفي: (أي واتبعوا هداي وشرعي أو رسولي، أو هو أمر لرسول اللَّه -ﷺ- أن يقوله).\nوقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. أي: هذا طريق قويم إلى اللَّه، يوصل إلى جنته ورضوانه.\nوقوله: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾. أي عن اتباع الحق واجتناب الآثام.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. أي: إنه لكم عدو ظاهر العداوة يدعوكم لهلاككم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٤٤٨)، كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم في الصحيح (١٥٥) - كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد -ﷺ-. . .\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٩٧ - ١٩٨). انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٤٨).\n(٣) حديث صحيح. انظر تخريج فضائل الشام (٢٢ - ٢٣)، (٢٣ - ٢٦)، وصحيح الجامع (٨٠٢٥).","vol":"7","page":206},{"text":"وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾. قال قتادة: (أي بالإنجيل).\nوقوله: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾. قال السدي: (النبوّة).\nوقوله: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال مجاهد: (من تبديل التوراة). وقال الزجاج: (المعنى لأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة). قال مجاهد: (ويبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه). وقيل: يبين لهم الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على قدر ما سألوه. ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عنها.\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. قال القرطبي: (أي اتقوا الشرك ولا تعبدوا إلا اللَّه وحده، وإذا كان هذا قول عيسى فكيف يجوز أن يكون إلهًا أو ابن إله. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه من التوحيد وغيره).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. أي: هذا الذي أدعوكم إليه من إفراد اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم هو الصراط السوي الذي لا اعوجاج فيه، وما سواه معوج لا يوصل سالكه إلى النجاة.\nوقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: (يعني ما بَيْنَهم).\nوفيه قولان محتملان:\nأ- قال السدي: (اليهود والنصارى). أي خالف بعضهم بعضًا.\nب- فرق النصارى من النُّسْطُورية والملكية واليعاقبة، اختلفوا في عيسى. فقالت النسطورية: هو ابن اللَّه. وقالت اليعاقبة: هو اللَّه. وقالت الملكية: ثالث ثلاثة أحدهم اللَّه. قاله الكلبي ومقاتل.\nوقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. قال السدي: (من عذاب يوم القيامة). أي: فويل للذين ظلموا حيث قالوا في عيسى ما كفروا به من عذاب اللَّه المؤلم الموجع يوم الحساب.\n\n٦٦ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ","vol":"7","page":207},{"text":"عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تخويفُ اللَّه تعالى عباده يوم القيامة يوم يخزي اللَّه المجرمين، ويتخلى الأخلاء عن بعضهم إلا المتقين، فهم في سعادة وسرور يتنعّمون في روضات الجنات آمنين.\nفقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (يقول تعالى: هل ينتظرُ هؤلاء المشركون المكذبون للرسل ﴿إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: فإنها كائنة لا محالةَ وواقعةٌ، وهؤلاء غافلون عنها غير مستَعِدِّين. فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها، فحينئذ يندمونَ كلَّ الندم، حيث لا ينفَعُهم ولا يدفَعُ عنهم).\nوقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾.\nقال ابن عباس: (فكل خُلَّة هي عداوة إلا خُلَّة المتقين). وقال مجاهد: (فكل خُلّة على معصية اللَّه في الدنيا متعادون).\nوالأخلاء: جمع خليل. والمقصود: إنه ستنقطع في ذلك اليوم كل صداقة وصحابة وخلة كانت بين المتخالين في غير ذات اللَّه، وستنقلب عداوة ومقتًا إلا خلة المتحابين في اللَّه فإنها الخلة الباقية.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ اللَّه يقول يوم القيامة: أَيْنَ المتحابُّون بِجَلالي، اليوم أَظِلُّهم في ظِلِّي، يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلِّي] (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.\nقال النسفي: (هو حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في اللَّه يومئذ).\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [يُنادي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٦٦) - كتاب البر والصلة. باب فضل الحب في اللَّه تعالى.","vol":"7","page":208},{"text":"مُنَادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرَموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعَمُوا فلا تَيْأَسُوا أبدًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nأي آمنت قلوبهم وأيقنت بواطنهم، وانقادت لامتثال أمر اللَّه جوارحهم وظواهرهم.\nوقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾. قال ابن عباس: (تحبرون: تكرمون). وقال مجاهد: (تسرّون). وقال قتادة: (أي تنعمون). وقال الحسن: (تفرحون).\nوالمقصود: يقال لهم ادخلوا الجنة ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ المسلمات في الدنيا. وقيل: أنتم وقرناؤكم من المؤمنين. وقيل: أنتم وزوجاتكم من الحور العين. فإنكم تكرمون فيها وتنعمون وتسرون وتتلذذون وتفرحون، يقع ذلك منكم على القلوب والجوارح.\nوقوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾. قال ابن جرير: (يطاف عليهم فيها بالطعام في صحاف من ذهب، وبالشراب في أكواب من ذهب).\nوفي الصحيحين من حديث حذيفة، أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: [لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة] (٢).\nقال الجوهري: (الصحفة كالقصعة والجمع صِحاف. وقال: الكوب كوز لا عروة له، والجمع أكواب). وقال الكسائي: (أعظم القصاع الجَفْنَة، ثم القَصْعة تليها تُشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المِئْكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصُّحَيْفة تشبع الرجل). والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف.\nوعن مجاهد: (﴿وَأَكْوَابٍ﴾: إنها الآنية المدورة الأفواه). قال السدي: (هي التي لا آذان لها). وقال الأخفش: (الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها).\nوقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي في الجنة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٧) - كتاب الجنة ونعيمها. باب في دوام نعيم أهل الجنة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٤٢٦)، (٥٨٣٧)، وأخرجه مسلم (٢٠٦٧)، وغيرهما.","vol":"7","page":209},{"text":"ما تتمناه النفس من طيب الطعم والريح وما تلذ به الأعين من حسن المنظر، في نعيم دائم لا يزول.\nقال سعيد بن جبير: (﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ النظر إلى اللَّه ﷿).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّه ﷿: أعْدَدْت لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشر] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقال لهم: وهذه الجنة التي أورثكموها اللَّه عن أهل النار الذين أدخلهم جهنم بما كنتم في الدنيا تعملون من الخيرات).\nوقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ولكم من جميع أنواع الفاكهة ما تختارون، لتتم عليكم بذلك النعمة بعد تلذذكم بالطعام والشراب.\nقال ابن عباس: (﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾: هي الثمار كلها، رطبها ويابسها).\n\n٧٤ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿إنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾.\nفي هذه الآيات: شقاءُ المجرمين في نار جهنم نار الجحيم، فلا يُفَتَّرُ عنهم العذاب ولا يموتون فيستريحون، ونادوا خازن النار ليتوسط لهم إلى ربّه في القضاء عليهم فأجابهم بأنهم ماكثون، فقد كانوا على الكفر باللَّه والمكر بالحق وأهله يصبحون ويمسون، فها هو اليوم الذي كانوا يوعدون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٢٤) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.","vol":"7","page":210},{"text":"فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾.\nأصل الفتور الضعف، أي لا يخفف عن المجرمين عذاب جهنم وهم فيه ماكثون.\nوقوله: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ قال قتادة: (آيسون: مستسلمون). أي وهم في حالة إياس من كل خير.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾. أي: وما ظلمناهم بالعذاب ولكن هم ظلموا أنفسهم بالشرك والإصرار على المعاصي والآثام. قال ابن كثير: (﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: بأعمالهم السيئة بعد قيام الحُجَج عليهم وإرسال الرسُل إليهم، فكذّبوا وعَصَوا، فَجُوزُوا بذلك جزاء وفاقًا وما ربك بظلام للعبيد).\nوقوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. مالك: خازن جهنم، ناداه أهل النار: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ليقبِضْ أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه.\nوفي صحيح البخاري عن عطاء، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى، عن أبيه قال: [سمعت النبي -ﷺ- يقرأ على المِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾] (١).\nوقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. هو جواب مالك لهم حين سألوه الموت والخلاص.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣].\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا صارَ أَهْلُ الجنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأَهْلُ النار إلى النار جِيءَ بالموت حتى يُجْعَلَ بين الجنة والنار، ثم يُذْبَحُ، ثم ينُادي مُنادٍ: يا أهلَ الجنة لا مَوْتَ، يا أهلَ النار لا مَوْتَ، فيزداد أهلُ الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزدادُ أهلُ النار حُزْنًا إلى حُزْنِهم] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. أي: لقد أقمنا عليكم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٩) - كتاب التفسير. سورة الزخرف، آية (٧٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٤٨) - كتاب الرقاق، وكذلك (٦٥٤٤)، ورواه مسلم.","vol":"7","page":211},{"text":"العذر بحجة الوحي وبيان الرسل، ولكن سجاياكم لا تَقْبَل الحق ولا تحبه، بل تألف الباطل وتأنس به، فلوموا أنفسكم على ما فرطتم وقدمتم لآخرتكم.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. قال مجاهد: (أراد كَيْدَ شَرٍّ فكدناهم). أو قال: (إن كادوا شرًا كدنا مثله).\nوقال قتادة: (أم أجمعوا أمرًا فإنا مجمعون). وقال ابن زيد: (أم أحكموا أمرًا فإنا محكمون لأمرنا).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦].\nوفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته] (١).\nوفي صحيح الترمذي عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا أراد اللَّه بعبده الخيرَ عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّرَ أمسك عنه حتى يُوافى به يوم القيامة] (٢).\nوقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. أي: إسرارهم في أنفسهم وعلانيتهم في مناجاتهم بينهم.\nوقوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. قال السدي: (الحفظة).\nقال القرطبي: (﴿بَلَى﴾ نسمع ونعلم ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي الحفظة عندهم يكتبون عليهم).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. فيه أكثر من تأويل:\n١ - قال مجاهد: (قل إن كان للَّه ولد في قولكم، فأنا أول من عبد اللَّه وَوَحَّدَه وكذّبكم).\n٢ - قال ابن عباس: (يقول: لم يكن للرحمن ولد فأنا أول الشاهدين).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦) - كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (٢٥٨٣) - كتاب البر والصلة. ورواه ابن ماجة والترمذي وغيرهم. انظر صحيح الجامع (١٨١٨).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٥٣)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٢٠).","vol":"7","page":212},{"text":"٣ - وقال قتادة: (هذه كلمة من كلام العرب ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ أي إن ذلك لم يكن، ولا ينبغي).\n٤ - قال السدي: (لو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدًا، ولكن لا ولد له).\nقلت: والقول الرابع أقرب للسياق، والمقصود لو فُرض هذا فأنا أول من يعظم ذلك الولد كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، ولكن هذا ممتنع قي حقه تعالى، فالشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضًا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].\nوقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. قال قتادة: (أي يكذبون). والآية تنزيه من اللَّه تعالى لنفسه عما يصفه به الظالمون، أي: تعالى وتَقَدَّس سبحانه عن الولد، فهو فرد صمد، لا نظير له، ولم يكن له كفوًا أحد، وهو رب السماوات والأرض ورب العرش والكل محتاج إليه، فقير إلى رحمته وفضله.\nوقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. قال السدي: (يوم القيامة). قال النسفي: (﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي القيامة، وهذا دليل على أن ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب).\n\n٨٤ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ العبودية للَّه سواء في أهل السماء أو في أهل الأرض فهو الملك وإليه أمر الساعة وكل إليه راجعون، ولا يملك أحد الشفاعة إلا بإذنه فأنى يصرفون. إنهم يقرون للَّه بالربوبية ومع ذلك يشركون به في عبادتهم فسوف يعلمون.\nفعن قتادة: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ قال: يُعبد في السماء،","vol":"7","page":213},{"text":"ويُعبد في الأرض). قلت: فإنه سبحانه لم يقل: (وهو اللَّه في السماء وهو اللَّه في الأرض)، فإن لفظ الإله في لغة العرب لا تعني إلا المعبود والمألوه والمطاع. فيكون المعنى للمتبصر في لغة العرب: (وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود). فالملائكة في عبادة مستمرة لا يفترون. وكذلك المؤمنون في الأرض يتقلبون بين أصناف العبادة في كل وقت وحين.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. قال ابن جرير: (الحكيم في تدبير خلقه وتسخيرهم لما يشاء، العليم بمصالحهم).\nوقوله: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.\nتبارك: تفاعل من البركة. قال ابن كثير: (أي استقرَّ له السلامةُ من العيوب والنقائص، لأنه الربُّ العَلِيُّ العظيمُ، المالك للأشياء، الذي بيده أزمَّةُ الأمورِ نقضًا وإبرامًا).\nوقوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. أي وقت قيامها، فلا يُجَلِّيها لوقتها إلا هو.\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي للحساب، لنوال الثواب، ونكال العقاب. فيجازي كلًا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nوقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾. قال مجاهد: (عيسى وعزير، والملائكة). أي لا يملك من دُعي من الأصنام والأوثان وغيرهم أن يشفعوا عند اللَّه.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال سعيد بن جبير: (-المعنى- ولا يملك هؤلاء (١) الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة. قال: وشهادة الحق لا إله إلا اللَّه). قال قتادة: (الملائكة وعيسى وعزير قد عُبدوا من دون اللَّه، ولهم شفاعة عند اللَّه ومنزلة).\nوخلاصة المعنى كما قال الحافظ ابن كثير: (﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، هذا استثناء منقطع، أي: لكن مَن شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعتُه عنده بإذنه له).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين باللَّه من\n_________\n(١) المراد عيسى وعزير والملائكة ونحوهم.","vol":"7","page":214},{"text":"قومك: من خلقهم؟ ليقولنّ: اللَّه خلقنا ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ فأيُّ وجه يصرفون عن عبادة الذي خلقهم، ويحرمون إصابة الحق في عبادته).\nوقوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال قتادة: (هذا قول نبيهم ﵊ يشكو قومه إلى ربه). قال مجاهد: (فأبرّ اللَّه ﷿ قول محمد -ﷺ-).\nوفي لفظ: ﴿وَقِيلِهِ﴾ تأويلان -على قراءة النصب- قراءة قراء مكة والبصرة. أي: \"وقيلَه\".\nالتأويل الأول: العطف على قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. أي: ونسمع قيلَه يا رب.\nالتأويل الثاني: أن يقّدر فِعل. أي: \"وقال قيلَه\".\nوأما على القراءة بالكسر: \"وقيلِه\" -قراءة قراء الكوفة- فالتأويل العطف كما يلي: \"وعنده علم الساعة وعلم قيله\".\nقال القرطبي: (في ﴿وَقِيلِهِ﴾ ثلاث قراءات: النصب، والجرّ، والرفع. فأمّا الجرّ فهي قراءة عاصم وحمزة. وبقية السبعة بالنصب. وأما الرفع فهي قراءة الأعرج وقتادة وابن هُرْمُز ومسلم بن جُندب. فمن جرّ حمله على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله. ومن نصب فعلى معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قيلَه، وهذا اختيار الزجاج. وقال الفراء والأخفش يجوز أن يكون \"وقيله\" عطفًا على قوله ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾).\nوقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾. أَمْرٌ بالإعراض عنهم وتوديعهم بالسلام، ولم يجعله تحية لهم. أي: أعرض عن هؤلاء المشركين من قومك -يا محمد- ولا تجاوبهم بمثيل سيئ كلامهم بل تألفهم واصفح عنهم فِعلًا وقولًا. قال القاسمي: (﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: لكم أو عليكم. أو أمري سلام. أي متاركة، فهو سلام متاركة لا تحية).\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. تهديد ووعيد. أي سيعلمون قريبًا إذا نزل بهم بأس اللَّه ووعده، وأعلى دينه وأولياءه، وشرع لهم الجهاد والجلاد، وانتشروا في الأرض ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، كيف يكون الخزي عليهم والذل يحيط بهم.","vol":"7","page":215},{"text":"وعن قتادة: (﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ يُعزي نبيّه -ﷺ-، قال: اصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم).\nوقال ابن جرير: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ما يلقون من البلاء والنكال والعذاب على كفرهم).\n\nتم تفسير سورة الزخرف بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه\n* * *","vol":"7","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - إن هذا القرآن سبب طرفه بيد اللَّه وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا.\n٢ - على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسمّوا اللَّه -﷿- ثم لا تقصِّروا عن حاجاتكم.\n٣ - لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء.\n٤ - ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق.\n٥ - إن اللَّه يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظِلِّي، يوم لا ظِلّ إلا ظِلّي.\n٦ - يجاء بالموت يوم القيامة فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.\n٧ - إذا أراد اللَّه بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّر أمسك عنه حتى يوافى به يوم القيامة.\n٨ - ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عند اللَّه بإذن اللَّه.\n٩ - ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أمر بالإعراض عنهم وتوديعهم، وليس تحية لهم.\n١٠ - الأمر بالصفح كان أول الإسلام، فلما شرع الجهاد صار هو منهاج السلام.\n* * *","vol":"7","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>٤٤ - سورة الدخان</span>\nوهي سورة مكية في الغالب (١)، وعدد آياتها (٥٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>ما ورد في ذكرها:</span>\nأخرج الإمام مسلم عن عبد اللَّه بن عمر: [أن عمر بن الخطاب ﵄ انطلق مع رسول اللَّه -ﷺ- في رهط قِبَلَ ابنِ صَيَّادٍ حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أُطُمِ بني مَغَالَةَ، وقد قارب ابنُ صياد يومئذ الحُلُمَ، فلم يشعر حتى ضرب رسول اللَّه -ﷺ- ظهره بيده ثم قال رسول اللَّه -ﷺ- لابن صياد: أتشهد أني رسول اللَّه؟ فنظرَ إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسولُ الأمِّيين، فقال ابن صياد لرسول اللَّه -ﷺ-: أتشهد أني رسول اللَّه؟ فرفضَهُ رسول اللَّه -ﷺ-، وقال: آمنت باللَّه وبرسله، ثم قال رسول اللَّه ماذا ترى؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذبٌ، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: خُلِّطَ عليك الأمر. ثم قال له رسول اللَّه -ﷺ-: إني قد خبأتُ لك خبيئًا. فقال ابن صياد: هو الدُّخُّ. فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: اخسأ فلن تَعْدُوَ قَدْرَك] (٢).\nوقوله: \"الدُّخ\" يعني سورة الدخان، وكان قد أضمر -ﷺ- لابن صياد آية الدخان: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ فلم يهتد ابن صياد من الآية إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب.\n_________\n(١) قال القرطبي: (مكية باتفاق، إلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان: ١٥]).\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (٨/ ١٩٢ - ١٩٣). وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٤٤) - كتاب الفتن، باب: في قصة ابن صياد، في أثناء حديث طويل.","vol":"7","page":218},{"text":"وفي مسند البزّار ومعجم الطبراني عن زيد بن حارثة: [أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لابن صياد: \"إني قد خَبأْت خَبْأ فما هو؟ \"- وخبأ له رسول اللَّه -ﷺ- سورة الدخان - فقال: هو الدُّخُّ، فقال: \"اخسأ، ما شاء اللَّه كان\". ثم انصرف] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>موضوع السورة</span>\nتهديد الكافرين المعاندين للمرسلين بدخان الدنيا ودخان نار الجحيم\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-272> منهاج السورة</span>-\n١ - انتصار من اللَّه تعالى للقرآن العظيم، الذي نزل في ليلة القدر من شهر رمضان الكريم.\n٢ - تضييق اللَّه حياة المشركين في مكة بالدخان والجهد والقحط لعلهم يرجعون.\n٣ - كشف اللَّه العذاب عن القوم حين دعوه، فلما غدروا أعقبهم يوم بدر يوم البطشة الكبرى، والعذاب الأدنى.\n٤ - تسلية اللَّه تعالى رسوله -ﷺ- بذكر خبر موسى ﵇ مع الطاغية فرعون.\n٥ - غرق فرعون وجنوده، ومغادرتهم الجنات والعيون، ليرثها من بعدهم بنو إسرائيل.\n٦ - إنكار مشركي العرب البعث بعد الموت والحساب، ومطالبتهم بإحضار الآباء وتعجيل الثواب أو العقاب.\n٧ - التقريع على المشركين بأنهم ليسوا أقوى من قوم تُبَّعٍ والأمم السالفة المتجبرة التي كذبت بالحساب، فنزل بها انتقام اللَّه وعاجل العقاب.\n٨ - تقرير اللَّه تعالى حكمته في الخلق، أنها للجِدّ والعبادة لا للهزل واللعب.\n_________\n(١) متن صحيح. أخرجه البزار (٣٣٩٩) والطبراني (٤٦٦٦)، وقال الهيثمي في (المجمع) (١٢٥٦٢): (فيه زياد بن الحسن، ضعفه أبو حاتم، ووثقه ابن حبان). لكن للحديث شواهد كثيرة منها الحديث الذي قبله في صحيح مسلم.","vol":"7","page":219},{"text":"٩ - تأكيد جمع اللَّه الخلائق ليوم الفصل حيث لا يغني حميم ولا قريب، ولا ينجو إلا من رحم اللَّه وجاء بقلب منيب.\n١٠ - نَعْتُ طعام المشركين بأنه من شجرة الزقوم، فهو يغلي في البطون كغلي الحميم.\n١١ - الأمر بإدخال الطغاة إلى وسط الجحيم، وأن يصب على رأس أحدهم من الحميم. ثم يقال له توبيخًا: ذق إنك أنت العزيز الكريم.\n١٢ - نعْتُ مقام المتقين في جنات النعيم، وطعامهم ولباسهم ونكاحهم وقد وقاهم اللَّه عذاب الجحيم.\n١٣ - تسلية النبي -ﷺ- بهذا البيان والذكر الحكيم، ووعده بالنصر القريب على القوم الكافرين.\n* * *","vol":"7","page":220},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٨. قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: نزولُ القرآن الكريم في ليلة القدر من شهر رمضان، وهي ليلة خير من ألف شهر، يُفْصَل فيها من اللوح المحفوظ كل أمر محكم لا يتبدل، رحمة من اللَّه الواحد الأحد رب العالمين.\nفقوله تعالى: ﴿حم﴾. هو كسابقه في مفهوم الحروف المقطعة أوائل السور. وأنه يقتضي الإعجاز.\nوقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. انتصار لهذا القرآن عقب تلك الحروف. فهو الكتاب الواضح في آياته، البين في دلالاته وأحكامه ومعانيه.\nوقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. هي: ليلة القدر، في شهر رمضان. كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. وكما قال جل ذكره: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nقال قتادة: (أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم أنزله اللَّه على نبيّه -ﷺ- في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة).\nوفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن أنس بن مالك قال: دخل رمضان. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ هذا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ وفيه لَيْلةٌ خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْر. مَنْ حُرِمَهَا فقد","vol":"7","page":221},{"text":"حُرِمَ الخيرَ كُلَّه. ولا يُحْرَمُ خَيْرها إلا مَحْرومٌ] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: مُعلِمين الناسَ ما ينفَعُهم ويضُرُّهم شرعًا، لِتَقومَ حُجّة اللَّه على عباده).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. أي: يُفْصَل في هذه الليلة من اللوح المحفوظ كل أمر محكم لا يتبدل ولا يتغيّر، فينزل إلى الكَتَبةِ ما سيكون في السَّنة من الآجال والأرزاق والأحوال الهامة.\nقال ربيعة بن كلثوم: قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: (نعم واللَّه الذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي اللَّه كلَّ أجل وخلق ورزق إلى مثلها). وفي رواية: (فيها يقضي اللَّه كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها).\nوعن عمر مولى غفرة قال: (يقال: ينسخ لملك الموت من يموت ليلة القدر إلى مثلها، وذلك لأن اللَّه ﷿ يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ قال: فتجد الرجل ينكح النساء وبغرس الغرس واسمه في الأموات).\nوعن مجاهد: (قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: في ليلة القدر كلّ أمر يكون في السنة إلى السنة: الحياة والموت، يقدر فيها المعايش والمصائب كلها).\nوقوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾. أي: كل ما يكون وَيُقَدَّر تلك الليلة فبإذن اللَّه وعلمه. قال ابن عيسى: (هو ما قضاه اللَّه في الليلة المباركة من أحوال عباده). وقوله: ﴿أَمْرًا﴾ في محل نصب حال، أو في محل نصب على الاخنصاص.\nوقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. قال القاسمي: (أي مرسلين إلى الناس رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آيات اللَّه ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، رحمة منه تعالى بهم، لمسيس الحاجة إليه).\nوقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. أي: إنما أرسل اللَّه الرسل رحمة بالعباد لاستقامة أمور دنياهم وأخراهم. وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ في محل نصب حال. وقيل: مفعول لأجله، أي: أرسلناه للرحمة.\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (١٦٤٤) - كتاب الصيام. باب ما جاء في فضل شهر رمضان. انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٣٣٣).","vol":"7","page":222},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم.\nوقوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.\n﴿رَبِّ﴾ بدل من ﴿ربك﴾. والمعنى: هو رب السماوات والأرض وما بينهما. ومقصود الشرط: إن كان إقراركم للَّه بالربوبية عن علم وإيقان، فإنه هو الذي أنزل الكتب وأرسل الرسل رحمة بكم، وإنه هو السميع لدعاء عباده وقيلهم العليم بما يصلح أحوالهم.\nوقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nقال القرطبي: (أي: هو خالق العالم، فلا يجوز أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شيء. ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: يحيى الأموات ويميت الأحياء. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: مالككم ومالك من تقدّم منكم. واتقوا تكذيب محمد لئلا ينزل بكم العذاب).\n\n٩ - ١٦. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تضييقُ اللَّه الخناق على مشركي قريش بالدخان والجهد والقحط حتى لجؤوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- يناشدونه بالرحم أن يسأل ربه رفع العذاب، فكشفه تعالى ثم تمادوا فأخزاهم يوم بدر بأشد العقاب.\nفقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾. أي: بل هؤلاء المشركون من قريش في شك يمترون ولا يوقنون. قال النسفي: (وإِن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن بل قول مخلوط بهزء ولعب).\nوقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات.\nأخرج البخاري ومسلم عن مُسلِم بن صَبيح، عن مسروق قال: قال عبد اللَّه: [إنما","vol":"7","page":223},{"text":"كان هذا لأن قريشًا لما استعصوا على النبي -ﷺ- دعا عليهم بسنين كسنين يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: فَأُتِي رسول اللَّه -ﷺ- فقيل: يا رسول اللَّه، استسق اللَّه لمضر فإنها قد هلكت، قال: لمضر؟ إنك لجريء، فاستسقى فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر].\nوفي رواية لمسلم: [جاء إلى عبد اللَّه رجل فقال: تركت في المسجد رجلًا يفسر القرآن برأيه، يفسِّر هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام. فقال عبد اللَّه: مَنْ عَلِم عِلْمًا فليقل به ومن لم يعلم فليقل اللَّه أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: اللَّه أعلم. إنما كان هذا فذكره].\nوفي رواية: [فجعل الرجل ينظرُ إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجَهْدِ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فَأُتِي رسول اللَّه -ﷺ- فقيل: يا رسول اللَّه، استسق اللَّه لِمُضَرَ، فإنها قد هَلَكَت. فاستسقى لهم فَسُقُوا، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. قال ابن مسعود: فيكشِفُ العذابَ عنهم يومَ القيامة؟ ! فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل اللَّه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قال: يعني يوم بدر. قال ابن مسعود: فقد مضى خمسة: الدخان، والرومُ، والقمرُ، والبطشة، واللِّزام] (١).\nوأخرجه الطبراني بسند صحيح عن مسروق قال: [دخلنا المسجد -يعني مسجد الكوفة- عند أبواب كِنْدَةَ، فإذا رجلٌ يقصُّ على أصحابه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، تدرون ما ذلك الدخان؟ ذلك دخان يأتي يومَ القيامة، فيأخذ بأسماعِ المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابنَ مسعود فذكرنا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٢١)، ومسلم (٢٧٩٨)، والترمذي (٣٢٥١)، والنسائي في \"التفسير\" (٥٠١)، (٥٠٣).","vol":"7","page":224},{"text":"ذلك له، وكان مُضْطجعًا فَفَرغ فقعد، وقال: إن اللَّه ﷿ قال لنبيكم -ﷺ-: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، إنَّ مِنَ العِلم أن يقولَ الرجلُ لما لا يعلَم: اللَّه أعلم. سأحدِّثكم عن ذلك، إنَّ قُريْشًا لما أبطأتْ عن الإسلام واستَعْصَتْ على رسول اللَّه -ﷺ-، دعا عليهم بسنين كسِني يوسُف، فأصابهم من الجَهد والجُوع حتى أكلوا العظامَ والمَيتة، وجعلوا يرفَعونَ أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان] (١).\nوقد عدّ النبي -ﷺ- الدخان في الآياتِ التي تكون قبل قيام الساعة كما في حديث حُذيفة بن أَسِيدٍ الغفاري -في صحيح مسلم ومسند أحمد- قال: [اطّلَعَ النبي -ﷺ- علينا ونحن نتذاكَرُ، فقال: ما تَذْكُرون؟ قالوا: نَذْكُرُ الساعة، قال: إنها لَنْ تقومَ حتى تَرَوْنَ قبلها عَشْرَ آيات. فذكر: الدُّخان، والدّجال، والدّابة، وطلوعَ الشمس مِنْ مَغْرِبِها، ونُزولَ عيسى بن مريم -ﷺ-، ويأجوجَ ومأجوجَ، وثلاثةَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِق، وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وخَسْفٌ بجزيرة العرب، وآخِرُ ذلك نارٌ تَخْرُجُ من اليمن، تطرُدُ الناس إلى مَحْشَرِهم] (٢).\nقال ابن مسعود: [خمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، واللِّزامُ، والرُّوم، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ] (٣).\nوِفي صحيح مسلم عن أبي بن كعب، في قوله ﷿: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]. قال: [مصائبُ الدنيا، والرومُ، والبَّطْشَةُ، أو الدُّخان] (٤) -شُعْبَةُ هو الشّاك في البطشة أو الدخان-.\nوقوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾. أي: يتغشاهم ويَعُمُّهم. ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ -تقريع لهم وتوبيخ-. أي يقول اللَّه لهم: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾.\nهو قول قريش للنبي -ﷺ-: إنْ كشف اللَّه عنّا هذا العذاب آمنا بك وأسلمنا معك. قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبري (٣١٠٤٣)، وإسناده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٠١) - كتاب الفتن، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة. ورواه أحمد (٤/ ٦)، وابن أبي شيبة (١٥/ ١٦٣)، وأخرجه الحميدي (٨٢٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٩٨) ح (٤١) - كتاب صفات المنافقين. باب الدخان.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٩٩) - كتاب صفات المنافقين، الباب السابق.","vol":"7","page":225},{"text":"قتادة: (العذاب هنا الدخان). وقال النقاش: (الجوع). وكلا المعنيين وارد ولا تناقض، فقد اجتمع عليهم الجهد والجوع والدخان.\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾. أي: من أي وجه يتذكرون وقد تولوا عن رسول اللَّه -ﷺ- والقرآن والحجج.\nقال ابن عباس: (أي متى يتّعظون واللَّه أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد تولّيهم عن محمد -ﷺ- وتكذيبهم إياه).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾.\nقال مجاهد: (تولوا عن محمد ﵊ وقالوا معلم مجنون).\nقال النسفي: (كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أي: وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الاذّكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول اللَّه -ﷺ- من الآيات والبينات من الكتاب المعجز وغيره، فلم يذكروا وتولوا عنه وبهتوه بأنّ عَدَّاسًا غلامًا أعجميًا لبعض ثقيف هو الذي علمه، ونسبوه إلى الجنون).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾.\nأي: إنا سنكشف عنكم العذاب الذي أنزلناه بكم زمانًا قليلًا أو كشفًا يسيرًا، ولكنكم سرعان ما تعودون إلى كفركم وغيكم وتنسون فضل ربكم.\nقال ابن مسعود: (فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية) - رواه مسلم (١).\nوقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾.\nقال ابن مسعود: (البطشة الكبرى: يوم بدر). قال ابن جرير: (فعادوا، فبطش بهم جل ثناؤه بطشته الكبرى في الدنيا فأهلكهم قتلًا بالسيف).\n\n١٧ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٩٨) - وقد مضى بتمامه.","vol":"7","page":226},{"text":"بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلَا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾.\nفي هذه الآياتِ: تسليةُ اللَّه تعالى رسوله -ﷺ- بذكر خبر موسى ﵇ مع الطاغية فرعون، وتكذيب القوم بالوحي والنبوة حتى دكّهم اللَّه بالهلاك وتركوا الجنات والعيون، وأورثها اللَّه بني إسرائيل بعد أن نجّاهم، وأكرمهم بالتوراة والآيات ومحّص إيمانهم وابتلاهم.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾.\nأي: ولقد اختبرنا قبل فشركي قومك يا محمد قوم فرعون، وهم قبط مصر، وبعثنا فيهم موسى ﵊. قال قتادة: (قوله: ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ قال: موسى ﵇، ووصفه جل ثناؤه بالكرم لأنه كان كريمًا عليه، رفيعًا عنده مكانُهُ، وقد يجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كان في قومه شريفًا وسيطًا).\nوقوله: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾.\nقال قتادة: (يعني به بني إسرائيل، قال لفرعون: علام تحبس هؤلاء القوم، قومًا أحرارًا اتخذتهم عبيدًا، خلّ سبيلهم).\nوالآية كقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧].\nوقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. قال ابن جرير: (أمين على وحيه ورسالته التي أوعدنيها إليكم).","vol":"7","page":227},{"text":"وقوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (لا تفتروا على اللَّه). وقال قتادة: (أي: لا تبغوا على اللَّه).\nوقال ابن كثير: (أي لا تَسْتَكْبِروا اتباع آياته، والانقياد لِحُججه والإيمانِ ببراهينه، كقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]).\nوقوله: ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال قتادة: (أي: بعذر مبين).\nوالمراد: الآيات البينات والأدلة الساطعات والحجج الظاهرات التي أكرم اللَّه بها موسى.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال ابن عباس: (هو الرَّجم باللسان، وهو الشّتم). وقال قتادة: (الرجم بالحجارة). والمقصود: إني أعوذ باللَّه ربي وربكم أن تصلوا إلي بسوء بقول أو فعل.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. قال قتادة: (أي فخلوا سبيلي). وقال مقاتل: (أي دعوني كَفافًا لا لِيَ ولا عَلَيّ). والمقصود: كفوا أذاكم عني ولا تتعرضوا لي ودعوا الأمر مسالمة بيني وبينكم حتى يحكم اللَّه بيننا.\nوقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾.\nأي: فلما طال مُقامه فيهم يقيم حجج اللَّه عليهم، ولم يظهروا إلا العناد والاستكبار والإجرام، دعا عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩].\nوقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾.\nفي الكلام محذوف تقديره: فأجابه ربه في دعوته، وأمره أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم متجاوزًا فرعون وإذنه، كما قال جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧].\nقال النسفي: (﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي: دبّر اللَّه أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده، فينجي المتقدمين ويغرق التابعين).","vol":"7","page":228},{"text":"وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. الرّهو: السير السهل. قال ابن عباس: (﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾: كهيئته وامضِه). وقال مجاهد: (طريقًا يَبَسًا كهيئته، يقول: لا تأمره يرجعُ، اتركه حتى يرجعَ آخرُهم). والمعنى: لما جاوز موسى ببني إسرائيل البحر، أراد أن يضرب بعصاه البحر ليعود كما كان، حتى يصير حائلًا بينهم وبين فرعون فلا يصل إليهم، فأمره اللَّه بتركه ساكنًا وطمأنه بأن لا يخاف دركًا ولا يخشى، وبأن فرعون وجنوده في عداد الغرقى، وهو قوله: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. ﴿كَمْ﴾: للتكثير. أي: كم تركوا من بساتين وعيون ماء، كالأنهار والآبار، كانوا ينعمون بخيراتها فأهلكهم اللَّه ومنعهم من الاستمرار في النعيم، وصيَّرهم إلى حياة الهلاك والجحيم.\nوقوله تعالى: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. أي: وكم تركوا من زروع وثمار مختلفة، ومساكن أنيقة وأماكن حسنة كانوا يستمتعون بالمقام فيها. قال مجاهد: (﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: المنابر). وقال قتادة: (﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: أي حسن).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾. قال قتادة: (ناعمين).\nقال ابن كثير: (أي: عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاؤوا، ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. قال قتادة: (يعني بني إسرائيل).\nوهو كقوله جل ثناؤه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. وكقوله جل ذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾.\nقال الحسن: (فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين).\nقال القاسمي: (﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ فيه تهكّم بهم وبحالهم، المنافية","vol":"7","page":229},{"text":"لحال من يعظم فقده. فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أي: مؤخّرين بالعقوبة. بل عوجلوا بها، زيادة سخط عليهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. أي: من استعباد فرعون وقتله أبناءهم. قال قتادة: (بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾.\n﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من العذاب، إنه كان جبارًا من المشركين. قال القرطبي: (وليس هذا عُلُوّ مَدْح بل هو عُلُوٌّ في الإسراف، كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]. وقيل: هذا العلو هو الترفع عن عبادة اللَّه).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (أي اختيروا على أهل زمانهم ذلك، ولكل زمان عالم). أي: اختار اللَّه بني إسرائيل على عالم ذلك الزمان، فخلّصهم من الغرق وأورثهم الأرض بعد فرعون.\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾. قال قتادة: (أنجاهم اللَّه من عدوهم، ثم أقطعهم البحر، وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى). وقال ابن زيد: (﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ قال: اختبار يتميز به المؤمن من الكافر). وقال: (ابتلاؤهم بالرخاء والشدة، ثم قرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]).\nوالمقصود: اختبرهم اللَّه تعالى بالآيات المعجزات، والخوارق البينات، والحسنات والسيئات، ليميز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق.\n\n٣٤ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إنكارُ مشركي العرب البعث بعد الموت والحساب، وتحديهم بإحضار الآباء وتعجيل ذلك الثواب أو العقاب، فهل هم أقوى من قوم تُبَّعٍ والأمم السالفة المتجبرة التي دكّها العذاب؟ !","vol":"7","page":230},{"text":"فقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾.\nقال قتادة: (قد قال مشركو العرب: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أي: بمبعوثين). يقال: أنشر اللَّه الموتى، ونشرهم إذا بعثهم.\nوالمعنى: أن هؤلاء مشركي قومك يا محمد يكذبون بالنشور بعد الموت والثواب والعقاب.\nوقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. خطاب من المشركين لمن يعدهم النشور من رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنين.\nقال النسفي: (أي إن صدقتم فيما تقولون فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك حتى يكون دليلًا على أن ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق).\nوقوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.\nأي: أهم خير في القوة والمنعة أم قوم تبّع الحميري ومن مضى قبلهم من الأمم القوية المتجبرة دمّرهم اللَّه ودكّ عروشهم بإجرامهم وكفرهم بالبعث والحساب.\nقال قتادة: (ذُكر لنا أن تُبَّعًا كان رجلًا من حمير، سار بالجيوش حتى حير الحيرة، ثم أتى سمرقند فهدمها. وذُكر لنا أنه كان إذا كتب كتبَ باسم الذي تسمّى وملك برًّا وبحرًا وصحًا وريحًا. وذُكر لنا أن كعبًا كان يقول: نُعِتَ نَعْتَ الرَّجُل الصالح ذمَّ اللَّه قومه ولم يذمه. وكانت عائشة تقول: لا تسبّوا تُبَّعًا، فإنه كان رجلًا صالحًا).\nوقوم تبّع -هم سبأ- أهلكهم اللَّه وخرّب بلادهم وشرّدهم في البلاد، وفرقهم شذَر مذَر، وقد شبههم اللَّه في إنكارهم للمعاد بقريش، فقد كانوا عربًا من قحطان، وهؤلاء عربٌ من عدنان. وقد كانت حِمير -وهم سبأ- كلما ملَكَ فيهم رجلٌ سَمَّوه تُبَّعًا، كما يقال: كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرًا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، ونحو ذلك.\nولكن يبدو أن تبعًا أسلم فجاءه المدح في السنة الصحيحة وبقي الذم لقومه. فقد","vol":"7","page":231},{"text":"أخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث سهل بن سعد الساعدي مرفوعًا: [لا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فإنه كان قدْ أسْلَمَ] (١).\nوأخرجه الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين عن عائشة أنها قالت: [كان تُبَّعٌ رجلًا صالحًا، الا ترى أن اللَّه ﷿ ذمّ قومه ولم يذمّه؟] (٢).\nوله شاهد مرسل جيد أخرجه عبد الرزاق قال: أخبرنا بكار بن عبد اللَّه قال: سمعت وهب بن منبه يقول: [نهى رسول اللَّه -ﷺ- الناس عن سبّ أسعد، وهو تُبَّع. قلنا: يا أبا عبد اللَّه! وما كان أسعد؟ قال: كان على دين إبراهيم -ﷺ-] (٣).\nوفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما أدري تُبَّعٌ ألعينًا كانَ أم لا؟ وما أدري ذا القرنين أنبيًّا كان أم لا؟ وما أدري الحدود كفاراتٌ أم لا؟] (٤).\nوقد وقع في \"المستدرك لفظ (أنبيًا) بدل (ألعينًا) ويبدو أنه خطأ من بعض نسّاخ \"المستدرك\" والصواب (ألعينًا).\nقال ابن عساكر عقب الحديث: (وهذا الشك من النبي -ﷺ- كان قبل أن يبين له أمره، ثم أخبر أنه كان مسلمًا، وذاك فيما أخبرنا. . . ثم ساق الحديث السابق: \"لا تسبوا تبعًا فإنه قد كان أسلم\").\nوبنحوه قول الهيثمي: (يحتمل أنه -ﷺ- قاله في وقت لم يأته فيه العلم عن اللَّه، ثم لما أتاه قال ما رويناه في حديث عبادة وغيره). يعني قوله -ﷺ-: \". . . ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له. . . \" أخرجه الشيخان وغيرهما.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٠)، والطبراني في \"الأوسط\" (ص ٣٦٨ - مجمع البحرين)، وله شواهد تقويه. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٢٣).\n(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٥٠)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق من مرسل وهب بن منبه. وبكار بن عبد اللَّه -هو اليمامي- قال الذهبي: \"ما علمت به بأسًا\". قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (ج ٥/ ص ٥٤٩): أخرجه ابن عساكر. فهو شاهد مرسل جيد.\n(٤) أخرج أبو داود (٤٦٧٤) - دون الجملة الثالثة، وأخرجه الحاكم (١/ ٣٦)، وعنه البيهقي (٨/ ٣٢٩)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٣/ ٢٥١/ ١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢١٧)، وهو حديث صحيح على شرط الشيخين.","vol":"7","page":232},{"text":"٣٨ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريرُ اللَّه تعالى حكمته في الخلق للجدّ والعبادة لا للهزل واللعب، وتأكيدُه الفصل لجميع الخلائق في يوم الفصل حيث لا يغني حميم ولا قريب، ولا ينجو يومئذ إلَّا من رحم اللَّه وجاء بقلب منيب.\nفقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾. قال مقاتل: (غافلين). وقال الكلبي: (لاهين). والآية إخبارٌ عن كمال عدله وحكمته سبحانه في غاية الخلق، وعن تنزيهه نفسه عن اللهو والعبث والباطل.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن رسول اللَّه -ﷺ- فيما يرويه عن ربه ﵎: [قال اللَّه ﷿: يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه ﷿، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه قال: [نام رسول اللَّه -ﷺ- على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول اللَّه! لو اتخذنا لك وِطاءً، فقال: ما لي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٧)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٦٠) - في أثناء حديث طويل.","vol":"7","page":233},{"text":"وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استَظَلَّ تَحْتَ شجرة، ثمَّ راحَ وتركها] (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (ما خلقنا السماوات والأرض إلا بالحق الذي لا يصلح التدبير إلا به. لم نخلق الخلق عبثًا بأن نحدثهم فنحييهم ما أردنا، ثم نفنيهم من غير الامتحان بالطاعة والأمر والنهي، وغير مجازاة المطيع على طاعته، والعاصي على المعصية. . . ولكن أكثر هؤلاء المشركين باللَّه لا يعلمون أنَّ اللَّه خلق ذلك لهم، فهم لا يخافون على ما يأتون من سخط اللَّه عقوبة، ولا يرجون على خير إن فعلوه ثوابًا لتكذيبهم بالمعاد).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال قتادة: (يوم يُفصَلُ فيه بين الناس بأعمالهم). فيوم الفصل ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. أي: يوم يجمع اللَّه الأولين والآخرين ثم يفصل بينهم: فريق في الجنة وفريق في السعير.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\n﴿يَوْمَ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ﴾ الأول. والموْلى: هو الوليّ، وهو الناصر والمعين.\nقال قتادة: (انقطعت الأسباب يومئذ بابن آدم، وصار الناس إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيرًا سعد به آخر ما عليه، ومن أصاب يومئذ شرًا شقي به آخر ما عليه).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nقال النسفي: (أي: لا يمنع من العذاب إلا من ﵀ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الغالب على أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ لأوليائه).\n\n٤٣ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾.\nفي هذه الآياتِ: نَعْتُ طعام المشركين في نار الجحيم، إنه من شجرة الزقوم طعام\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (٤١٠٩)، والترمذي - أبواب الزهد. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (١٩٣٦).","vol":"7","page":234},{"text":"يغلي في البطون كغلي الحميم، ويؤمر بإدخال صاحبه إلى وسط الجحيم، ثم يصب على رأسه من ماء الحميم، ويقال لصاحبه استهزاء: ذق إنك أنت العزيز الكريم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾.\nقال القرطبي: (شجرة الزقوم: الشجرة التي خلقها اللَّه في جهنم وسمّاها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجؤوا إليها فأكلوا منها، فغليت في بطونهم كما يغلي الماء الحار. وشبَّه ما يصير منها إلى بطونهم بالمُهْل، وهو النُّحاس المذاب).\nوفي لغة العرب: أثم الرجل إثمًا ومأثمًا إذا وقع في الإثم، فهو آثم وأثيم وأثوم.\nوعن يحيى بن سلام: (الأثيم: هو المشرك المكتسب للإثم).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس: [أن رسول اللَّه -ﷺ- قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال رسول اللَّه -ﷺ-: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشَهم، فكيف بمن يكون طعامه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾.\nقال مجاهد: (خذوه فادفعوه). وقال قتادة: (﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ إلى وسط النار). وأصل العَتْل: أن تأخذ بتلابيب الرجل فتجرّه لتذهب به إلى حبس أو بليّة. فيقال يوم القيامة للزبانية خذوا هذا الأثيم فجرّوه وسوقوه إلى داخل جهنم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾.\nقال ابن جرير: (-يقول-: ثم صبوا على رأس هذا الأثيم من عذاب الحميم يعني من الماء المسخن). وهو كقوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠].\nوقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. استهزاء واستخفاف وتوبيخ وإهانة وانتقاص. أي: قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ. قال ابن عباس: (أي لست بعزيز ولا كريم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس. انظر تخريج: \"مشكاة المصابيح\" (٥٦٨٣)، وصحيح الجامع الصغير (٥١٢٦).","vol":"7","page":235},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾. أي: إن هذا العذاب -معشر الكفار- اليوم، هو الذي كنتم تشكون به في الدنيا فتختصمون فيه ولا توقنون بحدوثه، فها هو اليوم يمس جلودكم ويلفح وجوهكم فذوقوه وأيقنوا.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤].\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يُؤتى بالعبد يومَ القيامة فيقول له: ألمْ أجعلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا وسَخَّرْت لك الأنعام والحَرْثَ، وتَركْتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ فكنت تظنّ أنَّك مُلاقِيَّ يَوْمكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).\nقال أبو عيسى: (ومعنى قوله: \"اليوم أنساك كما نسيتني\": اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسّر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب).\n\n٥١ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلَا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ مقام المتقين بعد نَعْت مقام المجرمين، فالمتقون في جنات وعيون ولباس من حرير ويجلسون متقابلين، وقد زوجهم ربهم بالحور العين، فهم\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الترمذي (١٩٧٨) - أبواب صفة القيامة - وأصله في صحيح مسلم.","vol":"7","page":236},{"text":"يدعون ألوان الفاكهة آمنين، فلا موت بعد اليوم وقد وقاهم اللَّه عذاب الجحيم، وذلك هو الفضل من اللَّه والفوز العظيم. فانتظر يا محمد مآل القوم المكذبين.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾. قال قتادة: (إي واللَّه، آمين من الشيطان والأنصاب والأحزان).\nوقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. ترجمة عن المقام الأمين، فهم في بساتين الخضرة والجمال وبين عيون الماء. قال ابن جرير: (والجنات البساتين، والعيون: عيون الماء المطرد في أصول أشجار الجنات). قال ابن كثير: (وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شجر الزقوم، وشرب الحميم).\nوقوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. السندس: ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه.\nقال عكرمة: (الإستبرق: الديباج الغليظ). وقال الزجاج: (هما نوعان من الحرير). فالسندس: رفيع الحرير كالقمصان ونحوها، والإستبرق: ما يلبس من الحرير على أعالي القماش، وله بريق ولمعان.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ [الكهف: ٣١].\nوفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: [أهدى أكيدر (١) دومة إلى النبي -ﷺ- جبة من سندس، فتعجب الناس من حسنها، فقال: لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذا] (٢).\nوفي الصحيحين أيضًا من حديث البراء قال: [أهدي لرسول اللَّه -ﷺ- ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه فقال رسول اللَّه -ﷺ-: تعجبون من هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا] (٣).\n_________\n(١) أي أميرها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦١٥)، (٣٢٤٨)، وأخرجه مسلم (٢٤٦٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٨٣٦)، وانظر (٣٨٠٢)، وأخرجه مسلم (٢٤٦٨).","vol":"7","page":237},{"text":"وقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾. أي: على السرر، ينظر بعضهم إلى بعض، ولا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. قال مجاهد: (أنكحناهم حورًا. قال: والحور: اللاتي يحار فيهن الطرف باد مُخُّ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد، وصفاء اللون).\nوعن قتادة: (﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾: بيضاء عيناء). وفي رواية: (بيض عين). والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العينين من النساء.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾ [الرحمن: ٧٢ - ٧٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣].\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: في الصحيحين وسنن ابن ماجة والترمذي عن أنس، أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [لَغَدْوة في سبيل اللَّه أو رَوْحَةٌ خَيْرٌ من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوسِ أحدِكم أو موضِعُ يدِه في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أنّ امرأة من نِساء أهل الجنة اطّلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأتْ ما بينهما ريحًا، ولَنَصيفُها -أي خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن داود بن عامر بن أبيِ وقاص عن أبيه عن جده عن النبي -ﷺ- قال: [لو أنَّ ما يُقِلُّ ظفُرٌ مما في الجنة بدا لتَزَخْرَفتْ له ما بين خوافق السماوات والأرض، ولو أنَّ رجلًا مِنْ أهل الجنة اطَّلَعَ فبَدا أساوِرُهُ لطَمَسَ ضوءَ الشمس كما تطمسُ الشمسُ ضوء النجوم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني وأبو نعيم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الشيخان، وابن ماجة (٢٧٥٧)، وانظر صحيح الترمذي (١٣٤٥).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٦١)، وتخريج: \"مشكاة المصابيح\" (٥٦٣٧).","vol":"7","page":238},{"text":"قط، إن مما يغنين: نحن الخيِّرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بِقُرَّةِ أعيان] (١).\nوله شاهد في الروض النضير من حديث أنس ولفظه: [إن الحور العينَ لتغنين في الجنة يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام].\nوقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: مهما طلبوا من أنواع الثمار أُحضِرَ لهم، وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه، بل يحضرُ إليهم كلما أرادوا).\nوقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾.\nقال ابن جرير: (-أي- لا يذوق هؤلاء المتقون في الجنة الموت بعد الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا). وهذا الاستثناء يؤكد النفي، فهو استثناء منقطع، والمقصود: انعدام الموت في الآخرة، واستمرار سعادة أهل الجنة.\nوفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يُؤتى بالموت كهيئة كَبْشٍ أمْلحَ فينادي مُنادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئِبُّونَ ويَنْظُرون فيقول: هل تَعْرِفونَ هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرَئِبُّون ويَنْظُرون فيقول: هَلْ تعرفونَ هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ، وكُلُّهم قد رآه، فيذبَحُ، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موتَ، ويا أهل النار خلودٌ فلا مَوْتَ] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [ينادي مُناد: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تبأسوا أبدًا] (٣).\nوفي مسند البزار ومعجم الطبراني بسند حسن عن جابر قال: [قيل يا رسول اللَّه،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، وأبو نعيم في \"الحلية\". انظر صحيح الجامع الصغير (١٥٥٧)، وكذلك (١٥٩٨) للشاهد بعده.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٣٠) - كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (٢٨٤٩) - كتاب الجنة ونعيمها، وانظر الحديث (٢٨٥٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٧) - كتاب الجنة ونعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة.","vol":"7","page":239},{"text":"هل ينام أهل الجنة؟ قال: لا، النوم أخو الموت] (١).\nوفي رواية الطبراني: [النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون].\nوفي رواية لغيره: [النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة].\nوقوله: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. نور على نور، وفضل على فضل، فقد جمع لهم سبحانه بين الخلود في الجنان، وتحريم أجسامهم عن النيران، لتقر عيونهم وقلوبهم.\nوقوله: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾. قال القرطبي: (أي فعل ذلك بهم تفضّلًا منه عليهم).\nوفي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لن يُدْخِلَ أحدًا منكم عملُه الجنة، ولا يحجيه من النار، قالوا: ولا أنت يا رسولَ اللَّه؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه منه بفضل ورحمة. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدُّلْجة، والقَصْد القَصْد تبلغوا. واعلموا أن أحبَّ العمل إلى اللَّه أدومُه وإنْ قلَّ] (٢).\nوفي لفظ ابن ماجة: [قاربوا وسدّدوا. فإنّه ليس أحَدٌ مِنكم بِمُنْجيه عَمَلُه. قالوا: ولا أنت؟ يا رسول اللَّه! قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة منه وفضل].\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أي: غاية السعادة والربح العظيم والفوز الكبير، فإن الفرح بدخول الجنة والنجاة من النار لمن أعظم الفرح، ولا ينافسه إلا الحصول على رضوان اللَّه فلا يسخط أبدًا، ولذة النظر إلى وجهه الكريم فلا يبأس بعده أبدًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. قال قتادة: (أي هذا القرآن). وقال ابن زيد: (القرآن، ويسرناه: أطلق به لسانه).\nوالمقصود: إنما أنزلناه قرآنًا عربيًا فصيحًا سهلًا واضحًا بأفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها، وسهّلنا ذكره وتلاوته على لسانك وعلى من يقرؤه لعلهم يتعظون ويتفهّمون وينزجرون.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البزار (٣٥١٧)، وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٩٢٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٩٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٨٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ٤٨)، ومسلم (٨/ ١٤٠)، وأحمد (٢/ ٢٦٤)، والسياق لمسلم. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٣٨٦) - كتاب الزهد. باب التوقي على العمل.","vol":"7","page":240},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾. قال النقاش: (أي: انتظر ما وعدتك من النصر عليهم إنهم منتظرون لك الموت). وقال ابن جرير: (فانتظر أنت يا محمد الفتح من ربك والنصر على هؤلاء المشركين باللَّه من قومك من قريش، إنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك بصدِّهم عما أتيتهم به من الحق من أراد قبوله واتباعك عليه).\nوالآية تسلية للنبي -ﷺ- من اللَّه عما يلقاه من عناد قومه وتكذيبهم، وحمل بشائر النصر له والظفر عما قريب.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\nأخرج الخطيب في \"التاريخ\"، والديلمي بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصر مع الصَّبر، والفرجُ مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (١).\n\nتم تفسير سورة الدخان بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٣٨٢).","vol":"7","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - أنزل القرآن كله في ليلة القدر، وهي ليلة مباركة خير من ألف شهر.\n٢ - مَنْ حُرِمَ خير ليلة القدر فقد حُرم أعظم الخير، ولا يُحرم خيرها إلا محروم.\n٣ - من علامات الساعة: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم -ﷺ-، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، ونار تخرج من اليمن.\n٤ - البطشة الكبرى: يوم بدر، والعذاب الأدنى: مصائب الدنيا، والعذاب الأكبر: عذاب الآخرة.\n٥ - الابتلاء بالرخاء والشدة، وبالاختبار يميز اللَّه الخبيث من الطيب.\n٦ - لا تسبّوا تُبَّعًا، فإنه كان قد أسلم، وكان على دين إبراهيم ﵇.\n٧ - ما الدنيا في الآخرة إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.\n٨ - لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه!؟ .\n٩ - ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾: استهزاء واستخفاف وتوبيخ وإهانة وانتقاص.\n١٠ - النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون.\n* * *","vol":"7","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>٤٥ - سورة الجاثية</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>موضوع السورة</span>\nمخالفة اللَّه بين المؤمنين والفاسقين ومشهد الأمم وهي جاثية لنيل الجزاء يوم الدين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-276> منهاج السورة</span>-\n١ - ثناء اللَّه على كتابه المسطور، وإظهار بديع آياته في كونه المنشور.\n٢ - تهديدُ اللَّه المعاندين لآياته المستكبرين، وتوعده لهم بعذاب الهون في نار الجحيم.\n٣ - امتنان اللَّه على عباده تسخيره لهم البحر وما في السماوات والأرض لعلهم يشكرون.\n٤ - ترغيب المؤمنين بالعفو والصفح حتى يأتي أمر اللَّه المبين، وكل نفس بما كسبت رهينة ثم إلى ربكم ترجعون.\n٥ - إخبار اللَّه تعالى عن فضله ونعمه على بني إسرائيل، ومقابلة بعضهم نعمه بالبغي والظلم.\n٦ - امتنان اللَّه تعالى على رسوله -ﷺ- بهذه الشريعة المليئة بالحكم والعلم، وأمره -تعالى- له بمخالفة أهل الشرك والظلم.","vol":"7","page":243},{"text":"٧ - مخالفة اللَّه تعالى بين المؤمنين والفاسقين في الدارين، وختمه -تعالى- على أسماع وقلوب أهل الهوى، وطمس أبصارهم عن الهدى.\n٨ - نَسْبُ المشركين المصائب والموت إلى الدهر، وإنكارهم البعث من القبور والحشر.\n٩ - إثباتُ الملك للَّه والخسارة على المبطلين، وكل أمة جاثية يوم القيامة لتدعى إلى كتابها وليظهر الحق واليقين.\n١٠ - إخبار اللَّه عن افتراق الأمم يوم القيامة فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.\n* * *","vol":"7","page":244},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: انتصار اللَّه تعالى لكتابه العظيم، فهو كتابه المعجز في آياته المسطور، يقابله آيات كبيرة في هذا الكون المنشور، فالسماوات والأرض والمخلوقات والدواب والليل والنهار والحياة والموت والرياح آيات عظيمة تدل على عظمته -تعالى- أصحاب العقول.\nفقوله تعالى: ﴿حم﴾ كسابقه، يفيد التحدي والإعجاز، فإن هذا القرآن المعجز للجن والإنس مؤلف من جنس هذه الأحرف التي يتخاطب العرب بها.\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. انتصار لهذا القرآن المنزل من اللَّه العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير شؤون خلقه وفي قدره وشرعه وجميع تصريفه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال ابن جرير: (إن في السماوات السبع اللاتي منهن نزول الغيث، والأرض التي منها خروج الخلق أيها الناس لأدلة وحججًا للمصدقين بالحجج إذا تبينوها ورأوها).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.\nأي: وفي خلقكم وخلق ما تفرّق في الأرض من دابة تذب عليها من غير جنسكم آيات وعبر لقوم يوقنون بحقائق الأمور فيقرون بمدلولاتها.","vol":"7","page":245},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (واختلاف الليل والنهار، في تعاقُبهما دائِبينَ لا يَفتُران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل اللَّه تعالى من السَّحاب من المطر في وقْتِ الحاجة إليه، وسَمَّاه رِزقًا لأنَّ به يحصل الرزق، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء. وقوله ﷿: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾، أي: جَنوبًا وشمالًا، ودَبورًا وصَبًا، بَحْرية وبَرِّية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو لِلِّقاح، ومنها ما هو غذاءُ الأرواح، ومنها ما هو عقيمٌ لا ينتج. وقال ﷾ أولًا: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم ﴿يُوقِنُونَ﴾، ثم ﴿يَعْقِلُونَ﴾، وهو تَرَقٍّ من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى).\nوعن قتادة: (﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ قال: تصريفها إن شاء جعلها رحمة، وإن شاء جعلها عذابًا).\nوفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].\nأخرج الطبراني في \"الأوسط\"، واللالكائي في \"السنة\" بسند حسن لشواهده، عن عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: [تفكروا في آلاءِ اللَّه، ولا تفكروا في اللَّه ﷿] (١).\nوله شاهد عند أبي نعيم بسند حسن من حديث ابن عباس بلفظ: [تفكروا في خلق اللَّه، ولا تفكروا في اللَّه] (٢).\nوشاهد آخر عنده عن عبد اللَّه بن سلام مرفوعًا بلفظ: [لا تفكروا في اللَّه، وتفكروا في خلق اللَّه، فإن ربَّنا خلقَ ملكًا، قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز\n_________\n(١) حديث حسن لغيره. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٦٤٥٦)، واللالكائي في \"السنة\" (١/ ١١٩ - ١ - ٢)، والبيهقي في \"الشعب\" (١/ ٧٥). وانظر السلسلة الصحيحة (١٧٨٨).\n(٢) حديث حسن. انظر \"الحلية\" لأبي نعيم (٦/ ٦٦ - ٦٧)، وصحيح الجامع الصغير (٢٩٧٣).","vol":"7","page":246},{"text":"السماء العُليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام، والخالق أعظم من المخلوق] (١).\n\n٦ - ١١. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ آلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ آلِيمٌ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: تهديدُ اللَّه تعالى -بعد تعريفه بآياته الكبيرة- كل أفاك أثيم، يُصِرُّ على الكبر والعناد والاستهزاء بالدين، وقد توعده اللَّه وأمثاله من المشركين عذاب الجحيم.\nفقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾. قال النسفي: (إشارة إلى الآيات المتقدمة، أي: تلك الآيات ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾). قلت: بل آيات القرآن كلها حجج وبراهين على وحدانية اللَّه وقدرته.\nوقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾. قال القرطبي: (أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه).\nوقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. قال القاسمي: (أي بعد آياته ودلائله الباهرة. وتقديمُ اسم اللَّه للمبالغة والتعظيم).\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال ابن كئير: (أي: أفاكٍ في قوله كذّاب، حلاف مَهين أثيم في فعله وقيله، كافر بآيات اللَّه).\nوقوله تعالى: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: يسمع آيات كتاب اللَّه تُقرأ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ على كفره وإثمه فيقيم عليه، غير تائب منه، ولا راجع عنه ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ على ربه أن يذعن لأمره ونهيه\n_________\n(١) إسناده حسن في الشواهد. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٦ - ٦٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ج (٤) ص (٣٩٦) عقب الحديث (١٧٨٨).","vol":"7","page":247},{"text":"﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ يقول: كأن لم يسمع ما تلي عليه من آيات اللَّه بإصراره على كفره ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ يقول: فبشر يا محمد هذا الأفاك الأثيم الذي هذه صفته بعذاب من اللَّه له. ﴿أَلِيمٍ﴾ يعني موجع في نار جهنم يوم القيامة).\nوقوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾. قال النسفي: (إذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها ﴿اتَّخَذَهَا﴾ اتخذ الآيات ﴿هُزُوًا﴾).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. أي: سيقابلهم اللَّه لقاء استهزائهم بآياته بعذاب يهينهم ويؤلمهم ويذلهم في نار جهنم.\nوقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾. قال ابن عباس: (أي أمامهم). أي من وراء ما هم عليه من التكبر على الحق والاستهزاء بآيات القرآن جهنم.\nوقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾. أي: من الأموال والأولاد ومتاع الحياة الدنيا. كقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المجادلة: ١٧].\nوفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [يقول اللَّه لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع. فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم. فيقول: كذبت، قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾. يعني: من الأوثان والأصنام والطواغيت والرؤساء، فكل هؤلاء لا يستطيعون نصر أنفسهم يوم القيامة فضلًا عن نصر أتباعهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾. مبتدأ وخبر، يعني القرآن. قال ابن عباس: (يعني كل ما جاء به محمد -ﷺ-).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. أى: جحدوا آياته وحججه ودلائله. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. أي: لهم عذاب من أوجع العذاب اليم. والرجز هو أشد العذاب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٣٤). انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٠٥) - كتاب صفة القيامة. باب: في كثرة العرق يوم القيامة.","vol":"7","page":248},{"text":"١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ اللَّهُ تعالى على عباده تسخيره البحر لهم للمنافع والركوب لعلهم يشكرون، وتسخيره لهم ما في السماوات وما في الأرض لعلهم يتفكرون، وترغيب المؤمنين بالعفو والصفح حتى يأتي أَمْرُ اللَّه البين، فكل نفس بما كسبت رهينة ثم إلى ربكم -معشر العباد- ترجعون.\nفقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾.\nفيه ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، بأن سخّر لهم البحر بما فيه، والسفن تجري فيه بأمره. قال ابن كثير: (فإنه هو الذي أمر البحر أن يحملها).\nوقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. أي: في الأسفار والتجارات والمكاسب والمعايش.\nقال النسفي: (بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري).\nوقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: ما ذلَله لكم عبر البحر، إما من داخله أو من العبور فوقه بالخيرات والأمتعة من الأقاليم النائية والأقطار المتباعدة.\nوقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nأي: من النجوم والجبال، والشجر والدواب والبحار والأنهار، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى من فضله وحده. قال القرطبي: (﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسانٌ منه وإنعام).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: في آيات اللَّه وحججه وأدلته، فيعتبرون بها ويتفكرون).","vol":"7","page":249},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال مجاهد: (لا يبالون نِعَم اللَّه، أو نِقم اللَّه. وهذه الآيات منسوخة بأمر اللَّه بقتال المشركين).\nوالمقصود: كان الأمر من اللَّه للمؤمنين ابتداء الإسلام أن يصفحوا عن أذى المشركين ويصبروا على تماديهم، من باب التأليف لهم، فلما أصَرُّوا على العناد ورضي اللَّه عن إعداد المؤمنين شرع لهم الجلاد والجهاد. قال أبو صالح: (نسختها التي في الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾). وقال ابن زيد: (هؤلاء المشركون، وقد نسخ هذا وفرض جهادهم والغلظة عليهم).\nوعن قتادة: (﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال: نسختها ما في الأنفال: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ وفي براءة: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه).\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. أي: ليجزي بالمغفرة قومًا مخصوصين بصبرهم على أذى أعدائهم مقابل إحسانهم. فتنكير ﴿قَوْمًا﴾ على المدح لهم.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.\nأي: من عمل بطاعة اللَّه فانتهى إلى أمره وانزجر لنهيه فإنما يخص بذلك الخير نفسه ويقدمها لسعادتها، ومن أساء في عمله وأسخط ربه فإنما يرتد ذلك على نفسه فيقدمها لشقاوتها، والمرجع إلى اللَّه تعالى لتوضع الأعمال على الميزان بين يديه. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].\nوأخرج الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي ﵊، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يزن هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١).\n\n١٦ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).","vol":"7","page":250},{"text":"وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن فضله ونعمه على بني إسرائيل ومقابلة بعضهم نعمه بالبغي والظلم، وامتنانُ اللَّه على رسوله -ﷺ- بشريعة غراء فيها الحكم والعلم، وأمْره تعالى نبيّه بالثبات على الحق ومخالفة أهل الشرك والإثم.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.\nقال ابن جرير: (الكتاب: يعني التوراة والإنجيل. والحكم: يعني الفهم بالكتاب والعلم بالسنن التي لم تنزل في الكتاب. والنبوة: يقول: وجعلنا منهم أنبياء ورسلًا إلى الخلق).\nوقوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. أي: من المآكل والمشارب. قال القرطبي: (أي: الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل: يعني المَنّ والسَّلوى في التّيه).\nوقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. أي على عالَمِي زمانهم.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾. قال ابن كثير: (أي: حُجَجًا وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحجج).\nوقوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. أي: فما حصل الاختلاف بينهم إلا بعد قيام حجة اللَّه البالغة عليهم، وإنما كان ذلك طلبًا للرياسات ورغبة في المناصب الدينية الواهية؛ لأنها كانت على حساب الحق.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nأي: إن ربك -يا محمد- سيفصل بينهم يوم الحساب بالحق، فينصر المحق ويخذل المبطل، ويكشف البغي والحسد وطلب الرياسة في الدين على حساب الحق. وفي الآية تحذير لهذه الأمة أن تسلك في دينها مسلك بني إسرائيل.","vol":"7","page":251},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾. قال ابن عباس: (يقول: على هدى من الأمر وبينة). وقال قتادة: (والشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي فاتبعها ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾).\nوقال ابن زيد: (﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ قال: الشريعة: الدين. وقرأ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: فنوح أولهم وأنت آخرهم).\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: ولا تتبع ما دعاك إليه الجاهلون.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. أي: فهؤلا -يا محمد- لن يغنوا عنك لو اتبعتهم من عقاب اللَّه وسخطه، والكلام يتوجه للأمة من بعد نبيها لتحمل الدين بقوة ولا تمضي وراء أهواء الجاهلين والظالمين.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\nأي: وإن الظالمين بعضهم أنصار بعض، واللَّه يلي من اتقاه. قال النسفي: (وما أبين الفضل بين الولايتين). وقال ابن كثير: (﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، أي: وماذا تُغني عنهم وَلَايَتَهُم لبعضهم بعضًا، فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارًا ودمارًا وهَلاكًا، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾. وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات).\nوقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. قال ابن زيد: (القرآن. هذا كله إنما هو في القلب. قال: والسمع والبصير في القلب. وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وليس بِبَصر الدنيا ولا بسمعها).\nقال الزمخشري: (جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع، بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل روحًا وحياة). أي: فهو تشبيه بليغ ﴿وَهُدًى﴾ أي: من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: من العذاب لمن آمن وأيقن ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: يطلبون اليقيق - ذكره القاسمي.\n\n٢١ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ","vol":"7","page":252},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: مخالفةُ اللَّه تعالى بين المؤمنين والفاسقين في الدارين، وخلقُه تعالى السماوات والأرض بالحق ثم الحساب في الآخرة وهم لا يظلمون، وختمُ اللَّه على أسماع وقلوب أهل الهوى، وطمس عيونهم وأبصارهم عن الهدى.\nفقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾.\nالاجتراح: الاكتساب. قال قتادة: (لقد تفرق القوم في الدنيا، وتفرقوا عند الموت، فتباينوا في المصير).\nوالمقصود: هل من اجترح السيئات واكتسب الآثام وكذب الرسل وعبد غير اللَّه كمن صدق اللَّه الإيمان والعمل الصالح؟ ! كلا لا يستوون في أحوال محياهم ومماتهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨].\nوفي الصحيحين والمسند عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه يدنى المؤمن فيضع عليه كَنَفَهُ (١) ويسترُه فيقول: أتعرف ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى قرَّره بذنوبه، ورأى فى نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]] (٢).\n_________\n(١) أي: حفظه وستره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤١)، وأخرجه مسلم (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ٧٤).","vol":"7","page":253},{"text":"وعن مجاهد: (﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر). وقال ليث: (بعث المؤمن مؤمنًا حيًا وميتًا، والكافر كافرًا حيًا وميتًا).\nوقال إبراهيم بن الأشعث: (كثيرًا ما رأيت الفُضيل بن عياض يردّد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: ليت شعري! من أي الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة).\nوقرأ قراء المدينة والبصرة ﴿سَوَاءٌ﴾ بالرفع على أنها خبر مقدم، وأما قراء الكوفة فقرؤوها ﴿سواءً﴾ بالنصب على الحال من مفعولي نجعل، والقراءة بالنصب أشهر.\nوقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: ساء ما ظنُّوا بنا وبِعَدْلِنا أن نُساوِيَ بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة، وفي هذه الدار).\nوقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (فلم يخلق اللَّه السماوات والأرض للظلم والجور ولكن خلقناهما للحق والعدل. ومن الحق أن نخالف بين حكم المسيء والمحسن في العاجل والآجل).\nوقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. قال ابن عباس: (ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من اللَّه ولا برهان). وقال قتادة: (لا يهوى شيئًا إلا ركبه لا يخاف اللَّه). قال النسفي: (أي: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه).\nوقال أبو الدرداء ﵁: (إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه، فإن كان عمله تبعًا لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعًا لعلمه فيومه يوم صالح).\nوقال الأصمعي: سمعت رجلًا يقول:\nإن الهوان هو الهوى قلب اسمه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nوسئل ابن المقنع عن الهوى فقال: هَوانٌ سرقت نونه، فأخذه شاعر فنظمه وقال:","vol":"7","page":254},{"text":"نونُ الهوان من الهَوى مسروقةٌ ... فإذا هَوِيت فقد لقيت هوانا\nوقال آخر:\nإن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد كسبت هوانا\nوإذا هويت فقد تعبّدك الهوى ... فاخضع لحبِّك كائنا من كانا\nوقال عبد اللَّه بن المبارك:\nومن البلايا للبلاء علامة ... ألا يُرى لك عن هواك نزوع\nالعبد عبد النفس في شهواتها ... والحرّ يشبع تارةً ويجوعُ\nوفي مسند البزار، وكتاب \"الحلية\" -لأبي نعيم- بسند حسن في الشواهد، عن أنس مرفوعًا: [ثلاثٌ مهلكاتٌ، وثلاثٌ منجياتٌ، فقال: ثلاثٌ مهلكاتٌ: شحٌّ مطاع، وهوًى مُتَبَعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسه. وثلاثٌ مُنْجيات: خشيةُ اللَّه في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا] (١).\nوقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. قال ابن عباس: (أضله اللَّه في سابق علمه).\nوالمقصود: خذله اللَّه تعالى عن محجة الطريق، وإصابة التوفيق، وسبيل الرشاد، لعلمه بحبه الغي ومعاندة الحق وتعظيم نفسه وهواه.\nوقيل: أضله اللَّه بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه، وهذا المعنى يقتضي الأول.\nوقوله: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾.\nقال القرطبي: (أي: طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى. ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ أي: غطاء حتى لا يبصر الرشد).\nوالمقصود: خذله اللَّه حتى لا يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئًا يهتدي به، ولا يبصر حجة الوحي ليستضيء بها، بل القلب تعظيم هواه على سمعه وبصره وقلبه فانعطب ذلك منه ليبقى غارقًا في مستنقع جهله وشهواته.\n_________\n(١) صحيح بشواهده. أخرجه البزار (٨٠)، وأبو نعيم (٢/ ٣٤٣)، والقضاعي (٣٢٥، ٣٢٦، ٣٢٧)، والديلمي (٢٤٧٥). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٠٢).","vol":"7","page":255},{"text":"وقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (فمن يوفقه لإصابة الحق، وإبصار محجة الرشد بعد إضلال اللَّه إياه ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس، فتعلموا أن من فعل اللَّه به ما وصفنا فلن يهتدي أبدًا).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].\nقلت: والآية دليل على المرتبة الثانية من مراتب الضلال. فإن مراتب الضلال ثلاث:\n١ - الضياع والانحراف.\n٢ - الترك والإهمال والتناسي والخذلان.\n٣ - الهداية إلى النار يوم القيامة.\nفمن ضيَّع هداية الدلالة والإرشاد -هداية الرسل- وأصرَّ على معاندة الحق وتعظيم الهوى والشهوات، وقع في الإهمال والخذلان: عقوبة اللَّه تعالى له.\nوفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب اشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منْكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).\n\n٢٤ - ٢٦. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ٨٩ - ٩٠). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠) - كتاب الفتن. باب: عرض الفتن على القلوب ونكتها فيه. وقوله: \"مجخيًا\" -أي: منكوسًا.","vol":"7","page":256},{"text":"ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: نَسْبُ المشركين المصائب والموت إلى الدهر، وتنطعهم بإنكار البعث من القبور بعد الموت إلى مشهد الحشر.\nأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال اللَّه في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. قال: فيسبون الدهر، فقال اللَّه ﵎: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار] (١).\nوعن مجاهد: (﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال: الزمان). قال قتادة: (قال ذلك مشركو العرب: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ إلا العمر). والمقصود: يقولون ما يهلكنا فيفنينا إلا مرّ الليالي والأيام وطول العمر، إنكارًا منهم أن يكون لهم ربٌ يفنيهم ويهلكهم.\nوفي الصحيحين عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [قال اللَّه تعالى: يسُب ابنُ آدم الدهرَ وأنا الدهرُ، بيدي الليل والنهار] (٢).\nوفي صحيحِ البخاري عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [لا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، ولا تقولوا: خَيْبَة الدهر، فإن اللَّه هو الدَّهْرُ] (٣).\nوالآية إخبارٌ عن قول الدَّهرية من الكفار، ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، فلقد أنكروا البعث ونسبوا النوازل -ومنها الموت- إلى الدهر.\nقال سبحانه في سورة النحل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩].\nفهدَّدهم سبحانه عاقبة ما يحلفون كذبًا وزورًا وافتراء على اللَّه بغير علم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبري (٣١٢٠٧)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦١٨١) كتاب الأدب، وأخرجه مسلم (٢٢٤٦) (١)، وأخرجه الطبري (٢٥/ ١٥٢، وابن حبان (٥٧١٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦١٨٢) - كتاب الأدب، باب: لا تَسُبُّوا الدهر.","vol":"7","page":257},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. قال ابن جرير: (ما هم إلا في ظن من ذلك وشك، يخبر عنهم أنهم في حيرة من اعتقادهم حقيقة ما ينطقون من ذلك بألسنتهم).\nوجاء عن الشافعي وأبي عبيد وبعض الأئمة في تفسير قوله -﵇-: \"لا تسبوا الدهر فإن اللَّه هو الدهر\": (كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شِدَّة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدَّهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويَسُبُّونه، وإنما فاعلُها هو اللَّه تعالى، فكأنهم إنما سَبُّوا اللَّه -﷿- لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نُهِيَ عن سبِّ الدهر بهذا الاعتبار، لأن اللَّه تعالى هو الدّهر الذي يعنونه ويَسنُدون إليه تلك الأفعال). ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير واستحسنه ثم قال: (وقد غَلِطَ ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهريَّة في عَدِّهم الدهرَ من الأسماء الحسنى، أخذًا من هذا الحديث!).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nأي: وإذا تليت على هؤلاء المشركين آيات اللَّه وقوارع الوحي التي يستدل بها على قدرته تعالى على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرّقها ما كان منهم إلا أن قالوا: أحْيوا آباءنا إن كنتم صادقين في حجتكم.\nوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ردٌّ من اللَّه تعالى على هزالهم. قال النسفي: (﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فيها عند انتهاء أعماركم ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يبعثكم يوم القيامة جميعًا، ومَنْ كان قادرًا على ذلك كان قادرًا على الإتيان بآبائكم ضرورة ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: في الجمع).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: حقيقة قدرة اللَّه وهوان أمر البعث عليه، لإعراضهم عن التفكر في آياته وعظيم مخلوقاته التي تدل على جبروته وعظمته وهيمنته.\nقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [يقبض اللَّه","vol":"7","page":258},{"text":"الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟] (١).\nوفيه أيضًا عن عبد اللَّه قال: [جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا محمدُ، إنا نجِدُ أنّ اللَّه يجعل السماوات على إِصبع، والأرضين على إِصبع، والشَّجر على إِصْبَع، والماء والثّرى على إصبع، وسائرَ الخلائقِ على إصبع، فيقول: أنا الملِكُ، فضحك النبي -ﷺ- حتى بَدَتْ نواجذُهُ تصديقًا لقول الحَبْرِ، ثم قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]] (٢).\n\n٢٧ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ الملك للَّه والخسارة على المبطلين يوم الدين، وكل أمة تكون يومئذ جاثية ثم تدعى إلى كتابها للفصل وظهور الحق واليقين.\nفقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا). وقال ابن جرير: (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء الساعةُ التي يُنْشِرُ اللَّه فيها الموتى من قبورهم، ويجمعهم لموقف العرض، ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ يقول: يغبن فيها الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم للَّه شريكًا، وعبادتهم آلهة دونه بأن يفوز بمنازلهم من الجنة المحقون، ويبدلوا بها منازل من النار كانت للمحقين، فجعلت لهم بمنازلهم من الجنة، ذلك هو الخسران المبين).\nوقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾. أي: من هَوْلِ ذلك اليوم.\nوالأمة هنا: أهل كل ملة، وفي تأويل ﴿جَاثِيَةً﴾ أكثر من قول:\n١ - قال مجاهد: (مستوفزة). قال سفيان: (المستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله). وقال الضحاك: (ذلك عند الحساب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٢) - كتاب التفسير. وانظر الحديث (٧٣٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١) - كتاب التفسير. باب قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وانظر الأحاديث (٧٤١٤)، (٧٤١٥)، (٧٤٥١)، (٧٥١٣).","vol":"7","page":259},{"text":"٢ - قال ابن عباس: (مجتمعة). قال الفراء: (المعنى: وترى أهل كل دين مجتمعين).\n٣ - قال عكرمة: (متميزة). قال: (جاثية متميزة على ناحيتها، وليس على الركب).\n٤ - قال مُؤَرِّج: (خاضعة، بلغة قريش).\n٥ - قال الحسن: (باركة على الركب). وأصل الجَثْو: الجلوس على الركب.\nقلت: ويبدو أن الجثو على الركب يكون عند الحساب، فإنه إذا جيء بجهنم تزفر لا يبقى أحد إلا جثا على ركبتيه من شدة الهول ورهبة الموقف.\nويؤيد هذا ما رواه الترمذي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: حدثني رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه ﵎ إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكُلُّ أمة جاثية، فأول من يدعى رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل اللَّه، ورجل كثير المال. . . .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾. قال يحيى بن سلام: (إلى حسابها). وقال مقاتل: (إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر). وقال مجاهد: (ما كتبت الملائكة عليها). والراجح أنه كتاب أعمالها. قال النسفي: (إلى صحائف أعمالها).\nوالآية كقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩].\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: اليوم يوم الجزاء، تجازون بأعمالكم خيرها وشرها. كما قال سبحانه: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وكقوله جل ثناؤه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\nوفي صحيح الحاكم عن سلمان، عن النبي ﵊، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يارب! لِمن يَزِنُ هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي والحاكم. انظر صحيح الترغيب (١/ ٢٠) ص (١٣/ ١٥) - كتاب الإخلاص (الترهيب من الرياء). وأصل معناه في صحيح مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).","vol":"7","page":260},{"text":"فهو ميزان دقيق ذو كفتين، عالي الحساسية والدقة، يعطي الوزن الدقيق الصحيح لكل عمل حسب قيمته وظروف القيام به، فهو يزن أعمالًا صالحة هي عند اللَّه أثقل من الجبال، كما يزن أعمالًا فاسدة هي عند اللَّه ضخمة الأثقال.\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم. ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: نعم، الملائكة يَسْتَنْسِخون أعمال بني آدم).\nأخرج الآجري في \"الشريعة\" بإسناد صحيح عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنَّ أوَّلَ شيءٍ خَلَقَهُ اللَّه ﷿: القلمُ، فَأَخَذهُ بيمينِه -وكلتا يديه يمينٌ- قال: فكتبَ الدنيا وما يكونُ فيها من عملٍ معمولٍ: بَرٍّ أو فجورٍ، رَطْبٍ أو يابِسٍ، فأحصاه عندَه في الذِّكر، ثم قال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهل تكونُ النسخةُ إلا مِنْ أمْرٍ قد فُرِغَ منه] (١).\n\n٣٠ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن افتراق الأمم يوم القيامة إلى فريقين: أما أهل الإيمان والعمل الصالح على منهاج النبوة فهم أهل رحمة اللَّه يدخلهم في جنته برحمته،\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه الآجري في \"الشريعة\" (٣٢١ - ٣٢٢)، وللحديث شواهد كثيرة. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٣١٣٦).","vol":"7","page":261},{"text":"وأما أهل الكفر والاستكبار والاستهزاء بالساعة والحساب، فسينالهم أشد الخزي وأسوأ العقاب.\nفقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: الجنة. قال ابن جرير: (يعني في جنته برحمته).\nوفي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [قال اللَّه ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾. أي: ذلك هو الظفر البين الواضح والفوز الكبير.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا: أما قُرِئت عليكم آيات الرحمن فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عند سماعها).\nوقوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. قال القرطبي: (أي: مشركين تكسبون المعاصي).\nوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾.\nأي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المشركين إن وعد اللَّه بالجزاء حق والساعة آتية لا شك في وقوعها قلتم أي شيء الساعة، أحق هي أم باطل؟ !\nوقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾. قال المُبَرِّد: (-التقدير-: إن نحن إلا نظن ظنًا).\nوالمعنى: قالوا: إن نتوهم وقوعها إلا توهّمًا، أي مرجوحًا لا يقين فيه.\nوقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾. أي: وما نحن بمتأكدين ولا بمتحققين من أمر الساعة، وإنما الغالب في ذلك الظن.\nوقوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾. قال القاسمي: (أي قبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات).\nوقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال النسفي: (ونزل بهم جزاء استهزائهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٥٠) - كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (٢٨٤٦)، وأحمد (٢/ ٤٥٠)، والترمذي (٢٥٦١)، وابن حبان (٧٢) - في أثناء حديث طويل.","vol":"7","page":262},{"text":"وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾. قال ابن عباس: (نترككم). وهو كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١]. قال الترمذي: (معناه: اليوم نتركهم في العذاب).\nوقوله: ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ﴾. أي: كما أهملتم العمل ليومكم هذا وتعاملتم معه بالشك والظن ولزمتم أهواءكم وشهواتكم، فإنا نعاملكم اليوم معاملة الناسي لكم في نار جهنم.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [قالوا: يا رسول اللَّه! هلْ نرى ربَّنَا يوم القيامة؟ قال: هل تُضَارُّون في رؤية الشَّمس في الظهيرة، ليست في سَحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تُضارّون في رؤية القمر ليلةَ البدر، ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده! لا تُضارُّون في رؤية ربكم إلا كما تُضارّون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العَبْدَ فيقولُ: أيْ فُلْ (١)! ألم أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخيلَ والإبلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بلى، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أَنْسَاك كما نَسيتني] (٢).\nوبنحوه رواه الترمذي وقال: (ومعنى قوله: \"اليوم أنساك كما نسيتني\": اليوم أتركك في العذاب).\nوقوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (وما لكم من مستنقذ ينقذكم اليوم من عذاب اللَّه، ولا منتصر لكم ممن يعذبكم فيستنقذ لكم منه).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. قال ابن كثير: (أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حُجج اللَّه عليكم سِخرِيًّا، تسخَرون وتستهزئون بها).\nوقوله: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. أي: وخدعتكم زينة الدنيا وزخارفها فاطمأننتم لها.\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. أي: فاليوم لا يخرجون من النار\n_________\n(١) معناه يا فلان، وهو ترخيم على خلاف القياس.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٦٨) - كتاب الزهد، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٩٧٨).","vol":"7","page":263},{"text":"ولا يطلب منهم العتبى والاعتذار، ولا يؤذن لهم بالرجوع إلى الدنيا لاستئناف الطاعة والاستغفار.\nوقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nأي: فلله الحمد على نعمه وأياديه عند خلقه، فإياه فاحمدوا أيها الناس فهو المالك المتصرف في السماوات والأرض رب العالمين.\nوقوله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال مجاهد: (يعني السلطان).\nقال القرطبي: (﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾ أي: العظمة والجلال والبقاء والسلطان والقدرة والكمال).\nأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، ومسلم في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [العِزُّ إزارُه، والكبرياءُ رِداؤُه، فَمَنْ ينازعني عَذَّبْتُه] (١).\nوفي لفظ عند مسلم: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء رِدائي، والعِز إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذَّبته] (٢).\nورواه أحمد وأبو داود بلفظ: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار].\nورواه الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- فيما يحكيه عن ربه ﷿ قال: [الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي قصمته] (٣).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. أي: وهو القوي القاهر لكل شيء، الذي لا يُغالب ولا يمانع، الذي عزّ كل شيء وقهر أعداءه بنقمته منهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٢٠) - كتاب البر والصلة، ورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٥٢)، وأخرجه أبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجة (٤١٧٤)، وأحمد (٢/ ٤١٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٣٥ - ٣٦)، وانظر مسند أحمد (٢/ ٢٤٨)، لما بعده، وكذلك (٢/ ٤١٤، ٤٢٧)، وسنن أبي داود (٤٠٩٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٦١)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني في السلسلة الصحيحة، عقب الحديث (٥٤١).","vol":"7","page":264},{"text":"وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾. أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وتصريف شؤون خلقه وقضائه وقدره.\nوافق الفراغ من تفسير هذه السورة -سورة الجاثية- ظهر يوم الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة عام ١٤٢٦ هـ، بمنزلنا بدمشق الشام -قدسيا-.\n\nوتم ذلك بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه\n* * *","vol":"7","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - تفكروا في آلاء اللَّه وخلقه، ولا تفكروا في اللَّه ﷿.\n٢ - أيام اللَّه: نعم اللَّه، أو نِقَمُ اللَّه.\n٣ - يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت.\n٤ - منهاج النبوة واحد، والشرائع تختلف، وشريعة نبينا محمد -ﷺ- ناسخة لكل الشرائع قبلها.\n٥ - الهوى إله الكفار، فالكافر اتخذ دينه بغير هدى من اللَّه ولا برهان.\n٦ - مراتب الضلال:\nأ - الضياع والانحراف.\nب - الترك والخذلان.\nج - الهداية يوم القيامة إلى النار.\n٧ - قال اللَّه تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار.\n٨ - الجثو على الركب عند الحساب، من شدة هول جهنم ورهبة العقاب.\n٩ - أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب القدر، وما هو كائن إلى الأبد.\n١٠ - قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار.\n* * *","vol":"7","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>٤٦ - سورة الأحقاف</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>موضوع السورة</span>\nخبر إهلاك أهل الأحقاف المكذبين وتهديد قريش بمصير الأمم الهالكين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-280> منهاج السورة</span>-\n١ - انتصار اللَّه تعالى للقرآن الكريم، وإثبات الخلق للسماوات والأرض وما بينهما بالحق، وتقريع المشركين في عبادتهم آلهة من دون اللَّه الملك العظيم.\n٢ - اتهام الكفار الحق بالسحر، وافتراؤهم على سيد البشر، وتجرد الرسول من علم الغيب وتحذير قومه مغبة الاستمرار على الكبر.\n٣ - قَرْعُ النبي -ﷺ- يَهود المكر بحجة اللَّه البالغة، واعتزاز بعض المشركين بالإفك والباطل، وثناء اللَّه على المخلصين له المستقيمين على منهاجه ووعدهم جنات النعيم.\n٤ - الوصية بالإحسان إلى الوالدين، وتأمل نعم اللَّه عند الأربعين، وسؤال العبد ربه إصلاح حاله وذريته وعونه على العمل الصالح.","vol":"7","page":267},{"text":"٥ - ارتباط الشرك بالعقوق هو الخسران المبين، ومشهد الخزي والذل أمام نار جهنم للكافرين.\n٦ - خبر عاد مع نبيّهم هود ﵊، وعاقبة التكذيب الهلاك بالريحِ العاتية ليذوقوا مغبة الشرك والكبر والآثام.\n٧ - تهديد قريش أن ينزل بها ما نزل بالأمم المكذبة السالفة، ولم تنفعهم الأموال والحصون والأولاد، ولم ينتفعوا بالأسماع والأبصار والأفئدة.\n٨ - إهلاك القرى حول مكة مشهد لقريش للاعتبار، وما نفعتهم آلهتهم ساعة الاضطرار.\n٩ - خبر لقاء رسول اللَّه -ﷺ- مع فريق من الجن، ورجوع القوم إلى قومهم ينذرونهم.\n١٠ - التقريع على منكري البعث والمعاد، والتصوير لمشهد الخزي والهوان للكفار أمام جهنم، وحثّ النبي -ﷺ- على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.\n* * *","vol":"7","page":268},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ اللَّه تعالى على نفسه وكتابه، وخلقه السماوات والأرض بالحق والكفار في غفلة عن أمره، وتقريع اللَّه المشركين في عبادتهم آلهة ضعيفة من دونه.\nفقوله تعالى: ﴿حم﴾ - مفهومه التحدي والإعجاز، شأن الحروف المقطعة التي سبقت في أوائل بعض السور. أي: هذا القرآن من جنس هذه الأحرف، ومع ذلك لا يستطيع أحد مهما أوتي من البلاغة والفصاحة أن يعارضه بمثله.\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ -انتصار لهذا القرآن وثناء عليه، فهو الكتاب المعجز المنزل من اللَّه العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره وشرعه وقدره.\nوقوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. قال ابن جرير: (ما أحدثنا السماوات والأرض فاوجدناهما خلقًا مصنوعًا، وما بينهما من أصناف العالم إلا بالحق. يعني: إلا لإقامة الحق والعدل في الخلق).","vol":"7","page":269},{"text":"وقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال ابن عباس: (يعني القيامة). وهو الأجل الذي تنتهي إليه السماوات والأرض. وقيل: إنه الأجل المضروب لكل مخلوق.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لاهُونَ عما يراد بهم، وقد أنزل إليهم كتابٌ وأرسل إليهم رسولٌ، وهم معرضون عن ذلك كله، أي: وسيعلمون غِبَّ ذلك).\nوقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾.\nأي: قل -يا محمد- لمشركي قومك أرأيتم أوثانكم وآلهتكم التي تدعون من دون اللَّه، عرفوني أي مكان استقلوا بخلقه من الأرض؟ !\nوقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. أي: أم لهم شركة مع اللَّه في خلق السماوات.\nوقوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾. قال النسفي: (أي من قبل هذا الكتاب وهو القرآن، يعني أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، وما من كتاب أنزل من قبله من كتب اللَّه إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير اللَّه).\nوقوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. أي: أو بقية من علم ثابت من علوم الأولين يؤكد صحة منهجكم.\nومن أقوال المفسرين في هذه الآية:\n١ - قال ابن عباس: (﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: خط، كان يخطه العرب في الأرض).\nقال ابن عياش: (الخط: هو العيافة).\n٢ - قال مجاهد: (﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾: أو أحدٍ يأثُر علمًا). وقال العوفي عن ابن عباس: (أو بَيِّنَةٍ من الأمر). وقرأ بعضهم: ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: أو عِلم صحيح يأثرونه عن أحد ممن قبلهم.\n٣ - عن قتادة: (﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: خاصة من علم). وقال أبو بكر بن عياش: (بقية من علم).","vol":"7","page":270},{"text":"وكل هذه الأقوال متقاربة متكاملة مفادها أن الأثارة: هي البقية من العلم الذي ثَبَتَ في كتب الأولين، فطالبهم اللَّه تعالى بإخراج مثل هذه الوثيقة التي تدل على صحة النهج الذي هم عليه، ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾.\nتوبيخ للمشركين لقبح اختيارهم في عبادتهم من لا يستحيب إذا دعي، ولا يسمع إذا نودي. قال القرطبي: (﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي لا أحد أضل وأجهل ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهي الأوثان. ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ يعني لا يسمعون ولا يفهمون، فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم، إذ قد مثلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تُخدم).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾.\nأي: وإذا حشر الناس يوم القيامة كان المعبودون من الأصنام والطواغيت والشياطين أعداء الكفار الذين صرفوا لهم العبادة، وتبرؤوا من عبادتهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]. أي: سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم.\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].\nوفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [إذا كان يوم القيامة أذَّنَ مؤذن: لِيَتَّبعْ كل أمة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللَّه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يَبْقَ إلا مَنْ كان يَعْبد اللَّه بَرٌّ أو فاجِرٌ وغُبَّراتُ أهْلِ الكتاب، فَيُدْعى اليَهودُ، فيقال لهم: ما كنتم تَعْبدون؟ قالوا: كُنّا نَعْبُدُ عُزيرًا ابنَ اللَّه، فَيُقال لهم: كذبتم ما اتَّخَذَ اللَّهُ من صاحبةٍ ولا وَلَدٍ، فماذا تبغون؟ فقالوا: عَطِشنا رَبَّنا فاسْقِنا، فَيُشارُ ألا تَرِدون! فَيُحْشَرون إلى النار كأنها سرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا فيتساقطون في النار، ثم يُدْعى النَّصارى فيُقال لهم: ما كنتم تَعبدون؟","vol":"7","page":271},{"text":"قالوا: كُنّا نَعْبُدُ المسيحَ ابن اللَّه، فَيُقال لهم: كَذَبْتُم ما اتَّخَذَ اللَّه من صاحِبة، فيقال لهم: ماذا تَبْغُون؟ فكذلك مِثْلَ الأوَّل. . . .] الحديث (١).\n\n٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: اتهامُ الكفار الحق بالسحر، وافتراؤهم الكذب على سيد البشر، وبلاع الرسول المبين لقومه ينذرهم مغبة الاستمرار على الكبر.\nفقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ -يعني القرآن. قال النسفي: (﴿بَيِّنَاتٍ﴾ جمع بينة، وهي الحجة والشاهد، أو واضحات مبينات).\nوقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال القاسمي: (أي: بادهوه بالجحود أول ما سمعوه، من غير إجالة فكر، ولا إعمال روية).\nوقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.\nالمعنى: أم يقولون تقوّله محمد، ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ على سبيل الفرض، فإنكم لا تقدرون دفع عذاب اللَّه عني، فكيف أفتري على اللَّه لأجلكم.\nوقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. قال مجاهد: (أي تقولونه). وقيل: (تخوضون فيه من التكذيب). قال القرطبي: (والإفاضة في الشيء: الخوض فيه والاندفاع). وفي التنزيل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ -أي دفعتم.\nوقوله: ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. تهديد ووعيد، وترهيب شديد. ونصب ﴿شَهِيدًا﴾ على التمييز. والمقصود: كفى باللَّه أن يعلم صدقي ويشهد أنكم مبطلون مكذبون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٥٨١) - كتاب التفسير، في أثناء حديث طويل، وانظر كذلك الحديث (٢٢) - كتاب الإيمان، ورواه مسلم في الصحيح (١/ ١١٨).","vol":"7","page":272},{"text":"وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. أي: الغفور لمن تاب وأناب إلى طاعته، الرحيم بعباده المؤمنين الطائعين.\nوقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لست بأول الرسل). وفي رواية: (ما كنت أول رسول أرسل). قال ابن كثير: (أي: لستُ بأول رسول طَرَقَ العالم، بل قد جاءت الرسلُ من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظيرَ له حتى تستنكِروني وتستبعدوا بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل اللَّه قبلي جميعَ الأنبياء إلى الأمم.\nوقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. قال الحسن: (أما في الآخرة فمعاذَ اللَّه قد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الدنيا، أُخرَجُ كما أُخرِجَت الأنبياءُ قبلي؟ أم أُقتَلُ كما قُتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيُخْسَفُ بكم أو تُرمَون بالحجارة؟).\nوقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. أي: قل لهم -يا محمد-: ما أتبع في دعوتي لكم وفي عملي وقولي إلا وحي اللَّه الذي يوحيه إلي.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. قال القاسمي: (أي منذر عقاب اللَّه على كفركم به، أبان لكم إنذاره وأبان لكم دعاءه إلى ما فيه صلاحكم وسعادتكم).\n\n١٠ - ١٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: قَرْعُ النبي -ﷺ- يهود المكر بحجة اللَّه البالغة، واعتزاز بعض المشركين بالإفك والباطل، وثناء اللَّه على المخلصين له المستقيمين على منهاجه ووعده لهم جنات النعيم وحسن المستقر.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني والحاكم وابن حبان، بسند على شرط","vol":"7","page":273},{"text":"الشيخين عن عوف بن مالك قال: [انطلق النبي -ﷺ- يومًا وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلًا منكم يشهدون أنه لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه يحط اللَّه عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه. قال: فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم ردّ عليهم فلم يجبه أحد، ثم ثَلَّثَ فلم يجبه أحد. فقال: أبيتم، فواللَّه إني لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم، ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا نخرج نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد. قال: فأقبل فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني يا معشر اليهود؟ قالوا: واللَّه ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب اللَّه منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدّك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له بأنه نبي اللَّه الذي تجدونه في التوراة. قالوا: كذبت، وردّوا عليه قوله وقالوا فيه شرًا. قال رسول اللَّه -ﷺ-: كذبتم لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، ولما آمن كذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل فيه قولكم. قال: فخرجنا ونحن ثلاثة، رسول اللَّه -ﷺ-، وأنا، وعبد اللَّه بن سلام. وأنزل اللَّه ﷿ فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾] (١).\nوقد صح إسلام عبد اللَّه بن سلام قبل ذلك، ولكنه ربما كان يخفي إسلامه.\nوفي الصحيحين والمسند عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: [ما سمعت النبيَّ -ﷺ- يقولُ لأحدٍ يمشي على الأرض: إنَّه مِنْ أَهْلِ الجنة، إلا لعبد اللَّه بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآية] (٢).\nومعنى الآية: قل -يا محمد- لهؤلاء الكافرين بالقرآن، أرأيتم إن كان هذا القرآن من عند اللَّه قد أنزله عليّ حقًا وكفرتم به، وشهد بصدقه شاهد منكم ومن أكابر علمائكم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (ج ٦) (ص ٢٥)، والطبراني ورجاله رجال الصحيح، وانظر صحيح ابن حبان (٧١٦٣)، ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. والأصح أنه على شرط مسلم. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الأحقاف، آية (١٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٨١٢) - كتاب مناقب الأنصار. وأخرجه مسلم (٢٤٨٣)، وأخرجه أحمد (١/ ١٦٩)، والنسائي (١٤٨)، وابن حبان (٧١٦٣).","vol":"7","page":274},{"text":"فآمن واستكبرتم عن الإيمان فما ظنكم أن اللَّه صانع بكم؟ ! إن اللَّه لا يوفق للهداية القوم الظالمين.\nقال النسفي: (﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ الضمير للقرآن، أي مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن: من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك. ويجوز أن يكون المعنى: إن كان من عند اللَّه وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك يعني من عند اللَّه).\nوعن مسروق: (﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ قال: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه، وكفرتُم أنتم بنبيكم وكتابكم). أي: فآمن عبد اللَّه بن سلام بنبيه وكتابه ثم صدق بمحمد -ﷺ- والوحي الجديد معه، وكفرتم أنتم باستكباركم.\nفائدة: قد تكون هذه الآية مدنية مستثناة من السورة، لأن إسلام عبد اللَّه بن سلام كان بالمدينة، وقد تكون الآية نزلت قبل ذلك بمكة من باب الإخبار قبل الوقوع واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾.\nقال قتادة: (قال ذاك أناس من المشركين: نحن أعز، ونحن، ونحن، فلو كان خيرًا ما سبقنا إليه فلان وفلان، فإن اللَّه يختص برحمته من يشاء).\nوالمقصود: ذهب المشركون في ضلالهم أن القرآن لو كان خيرًا ما سبقهم إليه عمار وبلال وصهيب وخباب وأمثالهم من المستضعفين والعبيد والإماء، فقد أبرق لهم الشيطان أن لهم وجاهة عند اللَّه ومكانة يفضلهم بها بما هو لائق. وكذبوا فيما ذهبوا إليه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. قال ابن كثير: (أي: يَتَعَجَّبُونَ كيف اهتدى هؤلاء دوننا. ولهذا قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بِدْعةٌ، لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركُوا خصلةً من خِصَال الخير إلا وقد بادروا إليها).\nوقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾.\nقال ابن جرير: (-يقول-: وإذ لم يبصروا بمحمد وبما جاء به من عند اللَّه من الهدى فيرشدوا به الطريق المستقيم فسيقولون هذا القرآن الذي جاء به محمد -ﷺ- أكاذيب من أخبار الأولين قديمة).","vol":"7","page":275},{"text":"والمقصود: هروب من الحق بمحاولة الانتقاص من القرآن وأهله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]. وهذا من الكبر والعجب الذي يسخط اللَّه تعالى.\nوفي الصحيحين عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (١).\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي -ﷺ- قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثقالُ ذرةٍ من كبِر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن اللَّه جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس] (٢).\nوقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾.\nأي: ومن قبل هذا القرآن كتاب موسى (التوراة) أنزلناه إمامًا لبني إسرائيل يأتمون به ويهتدون بهديه ورحمة لهم.\nوقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾. أي: وهذا القرآن أنزلناه يصدق كتاب موسى، ويؤكد أن محمدًا -ﷺ- نبي مرسل- وهو بلسان عربي فصيح مبين.\nوقوله: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: لينذر هذا القرآن من كفر وطغى، ويبشر من أحسن وأناب.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الذي لا إله غيره ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على تصديقهم بذلك فلم يخلطوه بشرك ولم يخالفوا اللَّه في أمره ونهيه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من فزع يوم القيامة وأهواله ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا وراءهم بعد مماتهم).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nأي: هؤلاء الموصوفون بما سبق من صدق التعظيم للَّه والاستقامة على منهج الحق هم أهل الجنة ينعمون فيها ولا يرحلون عنها، فأعمالهم سبب لنيل رحمة اللَّه وسبوغها عليهم. ونصب ﴿جَزَاءً﴾ على المصدر.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، (١٠/ ٤٠٨)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٥٣)، من حديث حارثة بن وهب ﵁.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩١)، وأبو داود (٤٠٩١)، وأخرجه الترمذي (١٩٩٩).","vol":"7","page":276},{"text":"١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: وصيةُ اللَّه الإنسان الإحسان إلى والديه، وحثّه إذا بلغ أربعين سنة تأمّل آلاء اللَّه وشكر نعمه عليه، وسؤال اللَّه تعالى إصلاح حاله وذريته ومباشرة العمل الصالح الذي يرضيه.\nفقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾.\nالتوصية: الأمر: والحُسْن ضد القبح، وقوله: ﴿حُسْنًا﴾ - هو كذلك في قراءة قراء المدينة والبصرة. وأما في قراء الكوفة ﴿إِحْسَانًا﴾.\nوالإحسان خلاف الإساءة. والآية عطف على إخلاص العبادة والتعظيم للَّه.\nفكثيرًا ما يعطف سبحانه بين الوصية بإقامة التوحيد وإخلاص العبادة له وبين الوصية ببر الوالدين وحسن صحبتهما والحنوّ عليهما.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].\nومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي بَكْرَةَ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثًا)، قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: الإشراك باللَّه، وعقوق","vol":"7","page":277},{"text":"الوالدين -وجلس وكان متكئًا- ألا وقول الزور، ما زال يكررها حتى قلت: ليته سكت] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" وأكثر أصحاب السنن بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو قال: [جاء رجلٌ إلى النبي -ﷺ- يبايعُهُ على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال: ارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند حسن عن أبي مُرَّة، مولى أم هانئ بنت أبي طالب: [أنه ركب مع أبي هريرة إلى أرضه بـ \"الحقيق\" فإذا دخل أرضه صاحَ بأعلى صوته: عليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته يا أمَّتاه! تقول، وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته، يقول: رحمك اللَّه كما ربيتني صغيرًا. فتقول: يا بنىّ! وأنتَ، فجزاك اللَّه خيرًا ورضي عنك كما بررتني كبيرًا] (٣).\nوقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾. قال قتادة: (يقول: حملته مشقة، ووضعته مشقة). وقرأ أهل المدينة والبصرة: ﴿كُرْهًا﴾، وأهل الكوفة ﴿كُرْهًا﴾.\nوقال الحسن: (حملته في مشقة، ووضعته في مشقة). قال مجاهد: (مشقة عليها). قال ابن كثير: (أي: قاست بسببه في حال حَمْلِهِ مشقةً وتعبًا، من وِحَام وغَثَيَانٍ وثِقَل وكَرْب، إلى غير ذلك مما ينال الحوامِلَ من التعب والمشقة، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، أي: بمشقة أيضًا من الطَّلق وشِدَّته).\nوقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. أي: مدة حمله وفطامه ثلاثون شهرًا. والفِصالُ: الفِطام.\nقال ابن عباس: (إذا حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرًا، وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرًا).\nوفي الأثر عن عثمان أنه أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقضي عليها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في كتاب الأدب (٥٩٧٦)، وأخرجه في \"الأدب المفرد\" (١٥)، ورواه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - ح (١٤٣) - باب الكبائر وأكبرها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٣) - باب جزاء الوالدين. وأخرجه أبو داود - كتاب الجهاد - وكذلك النسائي - كتاب البيعة على الجهاد. ورواه ابن ماجة (٢٧٨٢) - كتاب الجهاد. باب الرجل يغزو وله والدان. انظر صحيح ابن ماجة (٢٢٤٢).\n(٣) حسن الإسناد. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٤). انظر: \"صحيح الأدب المفرد\" (١١).","vol":"7","page":278},{"text":"بالحدّ، فقال له عليّ ﵁: ليس ذلك عليها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فالرضاع أربعة وعشرون شهرًا والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدّها.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. أي قوي وشبَّ وارتجل. قال ابن عباس: (أشدّه: ثلاث وثلاثون سنة، واستواؤه أربعون سنة، والعذر الذي أعذر اللَّه فيه إلى ابن آدم ستون). وعن الشّعبي قال: (الأشدّ: الحلم إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات). والأول أشبه في مفهوم الأشد من الحلم، فإن الأشد هو غاية القوة والاستواء، فالثلاث والثلاثون أشبه.\nوقوله: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. أي: تناهى عقله واكتمل فهمه وكمل حلمه، فهو سن الاستقرار في رسوخ المفاهيم. وروى الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق: متى يُؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: (إذا بَلَغْتَ الأربعين فَخُذْ حِذْرَكَ). قال ابن جرير: (﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: ذلك حين تكاملت حجة اللَّه عليه، وسير عنه جهالة شبابه، وعرف الواجب للَّه من الحق في بر والديه).\nوقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾. أي: ألهمني. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ -أي شكر نعمتك. فأن أشكر: في موضع نصب على المصدر. ووزعت الرجل على كذا: إذا دفعته عليه.\nوقوله: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. قال القرطبي: (أي ما أنعمت به عليَّ من الهداية ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ بالتحنن والشفقة حتى ربّياني صغيرًا. وقيل: أنعمت عليّ بالصحة والعافية وعلى والديّ بالغنى والثروة).\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. أي: ووفقني في المستقبل لاستقبال العمل الصالح الذي ترضاه.\nوقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾. أي: اجعلهم هداة للإيمان والعمل الصالح. قال سهل بن عبد اللَّه. (المعنى اجعلهم لي خَلَفَ صدق، ولك عبيدَ حق).\nوقال أبو عثمان: (اجعلهم أبرارًا لي مطيعين لك). وقال ابن عطاء: (وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم). وقال محمد بن علي: (لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلًا).\nوفي التنزيل نحو ذلك من دعاء المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].","vol":"7","page":279},{"text":"وفي سنن أبي داود وابن ماجة بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: [لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني وَدُنْياي وأهلي ومالي، اللهم استُر عَوْرَتي وآمِنْ روعاتي، اللهم احفظني من بين يَدَيَّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغْتال من تحتي] (١).\nوقوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أي: إني رجعت من ذنوبي السالفة، وإني لك بالطاعة من الخاضعين.\nقال ابن عباس: (﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾.\nأي: هؤلاء الموصوفون بما سبق هم الذين يتقبل اللَّه عنهم أحسن ما عملوا من صالحات الأعمال، ويصفح عن سيئات أعمالهم فلا يعاقبهم عليها.\nوقوله: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾. قال النسفي: (ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم). وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى \"مع\" -أي: مع أصحاب الجنة، والمعنى واحد.\nوقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ - نصب لأنه مصدر مؤكد لما قبله.\nوالتقدير: وعد اللَّه أهل الإيمان والعمل الصالح أن يتقبل أحسن أعمالهم ويتجاوز عن سيئاتهم وعد الصدق.\nوقوله: ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. قال القرطبي: (في الدنيا على ألسنة الرسل، وذلك الجنة).\n\n١٧ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٥٠٧٤)، وابن ماجة (٣٨٧١). انظر صحيح أبي داود (٤٢٣٩).","vol":"7","page":280},{"text":"وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: قصة ارتباط الشعرك بالعقوق، وعاقبة ذلك من الخسران المبين. وتصوير مشهد الخزي والذل أمام نار جهنم للكافرين.\nفعن الحسن: (﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ قال: هو الكافر الفاجر العاقّ لوالديه، المكذب البعث). قال النسفي: (أفّ: وهو صوت إذا صوّت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال حس علم أنه متوجع، واللام للبيان، أي هذا التأفيف لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما).\nوالعقوق من أكبر الكبائر، وعقابه في الدنيا والآخرة، وفي التنزيل: قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣].\nومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج النسائي وأحمد وابن حبان بإسناد جيد عن سالم بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ثلاثة لا ينظر اللَّه ﷿ إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الدارمي والنسائي والبخاري في \"التاريخ الصغير\" بسند حسن في الشواهد عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، (ولا ولد زنية)] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" عن عروة قال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]: [لا تمتنع من شيء أحبّاه] (٣).\nوقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾. قال قتادة: (أن أبعث بعد الموت).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي (١/ ٣٥٧)، وأحمد (٢/ ١٣٤)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" (٢٣٥)، وابن حبان (٥٦). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٧٤).\n(٢) أخرجه الدارمي (٢/ ١١٢)، والنسائي (٢/ ٣٣٢)، والبخاري في \"التاريخ الصغير\" (١٢٤) -والزيادة له- وأحمد (٢/ ٢٠١)، وهو حسن لشواهده.\n(٣) صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩). باب لين الكلام لوالديه.","vol":"7","page":281},{"text":"وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾. أي: وقد مضت قرون من الأمم قبلي فهلكوا فلم يبعث منهم أحد.\nوقوله: ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.\nأي: ووالداه يستصرخان اللَّه عليه ويسألانه له الهداية، ويستغيثان عليه أن يؤمن باللَّه ويقرّ بالبعث وأن وعد اللَّه صدق وحق.\nوقوله: ﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. -أي: فيجيب عدو اللَّه والديه مستنكرًا خروجه من قبره بعد موته فيقول: ما هذا الذي تقولانه إلا ما سطّره الأولون من الناس من الأباطيل.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: دخلوا في زُمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يومَ القيامة).\nوقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. قال ابن زيد: (درج أهل النار يذهب سفالًا، ودرج أهل الجنة يذهب علوًا). والمقصود: لكل أعدّ اللَّه من الثواب أو العذاب حسب عمله ومقابل ما قدّم. قال القرطبي: (﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند اللَّه يوم القيامة بأعمالهم).\nوقوله: ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أي: ولينالوا جزاء أعمالهم فلا يزاد على مسيء ولا ينقص من محسن.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾.\nقال النسفي: (عرضهم على النار تعذيبهم بها). وقيل: دنوّهم منها ينظرون إليها. والمعنى: ذَكِّرْهُم -يا محمد- يوم يكشف الغطاء فيقرّبون من النار وينظرون إليها، ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: لقد استوفيتم لذائذكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فما بقي لكم من اللذائذ شيء لاستيفائكم إياها.\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. قال مجاهد: (الهوان). أي: فاليوم تذوقون عذاب النار الذي يهينكم ويخزيكم.\nوقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال ابن جرير: (بما كنتم تتكبرون في الدنيا على ظهر الأرض على ربكم، فتأبون أن تخلصوا له العبادة).","vol":"7","page":282},{"text":"وقوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾. أي وبما كنتم تصرون عليه من الفسق والمعاصي وتعاطي المنكرات والموبقات والآثام.\n\n٢١ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: خبر عاد قوم هود ﵇، وقد جاءهم بالوحي ينذرهم مغبة الشرك والآثام، فكذبوه فأخذهم اللَّه بريح عاتية تدمر المساكن وتقلع الرجال والخيام.\nفقوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ -تسلية للنبي -ﷺ- عما يلقاه من أذى قومه وعنادهم.\nوعادٌ هم قوم هود -﵊- والأخوة هنا أخوة النسب. قال القرطبي: (كان أخوهم في النسب لا في الدين).\nوقوله: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾. أي اذكر يا محمد لقومك قصة عاد الذين كانوا يسكنون الأحقاف وقد قهروا أهل الأرض بقوتهم. والأحقاف: ديار عاد، وهي الرمال العظام، جمع حِقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلًا. قال عكرمة: (الأحقاف: الجبلُ والغار). وقال قتادة: (ذُكر لنا أن عادًا كانوا حيًّا باليمن أهلَ رملٍ مُشرِفين على البحر بأرض يقال لها: الشِّحْر).\nقال ابن إسحاق: (كانت منازل عاد وجماعتهم، حيث بعث اللَّه إليهم هودًا. الأحقاف: الرمل فيما بين عُمان إلى حَضْرموت فاليمن كله، وكانوا مع ذلك قد فَشَوا في الأرض كلها، قهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم اللَّه).\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.\nقال الضحاك: (لن يبعث اللَّه رسولًا إلا بأن يعبد اللَّه). قال ابن كثير: (يعني: وقد أرسَلَ اللَّه تعالى إلى مَنْ حول بلادهم في القرى مُرسَلين ومُنذِرين، كقوله ﷿:","vol":"7","page":283},{"text":"﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، وكقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٣ - ١٤]).\nوقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي يقول هود لقومه: إني أخاف عليكم بإصراركم على عبادة غير اللَّه عذاب يوم تعظم فيه الأهوال والشدائد، وهو يوم القيامة.\nوقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. قال ابن زيد: (لتزيلنا). أي: أجابوه قائلين: أجئتنا لتصدنا وتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟ .\nوقوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. إخبار عن استعجالهم العقوبة والعذاب، استهتارًا واستبعادًا من وقوع ذلك. قال ابن زيد: (﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب على عبادتنا ما نعبد من الآلهة ﴿إِنْ كُنْتَ﴾ من أهل الصدق في قوله وعداته).\nوقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. أي: قال هود لقومه عاد. إنما العلم بمجيء ما أعدكم من العذاب على كفركم عند اللَّه، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالة ربي إليكم.\nوقوله: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. قال ابن جرير: (﴿تَجْهَلُونَ﴾ مواضع حظوظ أنفسكم فلا تعرفون ما عليها من المضرّة بعبادتكم غير اللَّه، وفي استعجال عذابه).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. العارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء. والمقصود: فلما رأوا العذاب مستقبلهم ظنوا أنه عارضٌ ممطر، فاستبشروا وفرحوا بقدوم الغيث وقد كانوا مُمْحلِين محتاجين إلى المطر.\nوقوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nأي: بل القادم هو ريح شديدة تحمل الدمار والهلاك. قال ابن عباس: (أوّل ما رأوا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمر اللَّه الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، ولهم أنين).\nوقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾. قال ابن عباس: (أي كل شيء بُعثت إليه).","vol":"7","page":284},{"text":"قال النسفي: (تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجمّ الكثير، فعبّر عن الكثرة بالكلية ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ رب الريح).\nوقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. أي: هلكوا وبادوا عن آخرهم، ولم يبق يظهو إلا آثار بيوتهم ومعالم ديارهم.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. أي: مثل هذا العقاب وذلك الخراب والدمار نعاقب القوم المشركين المستكبرين الآثمين.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢].\nوفي صحيح السنة المطهرة من آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا رأى مَخيلةً فِي السماء أقْبَل وأدْبَر، ودخَلَ وخَرَج، وتغيَّرَ وجهه، فإذا أمطرت السماءُ سُرِّيَ عنه فعَرَّفَتْهُ عائشةُ ذلك، فقال النبي -ﷺ-: ما أدري لعلَّه كما قال قوم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة ﵂ زوج النبي -ﷺ- أنها قالت: [كان النبى -ﷺ- إذا عَصَفَت الريح قال: اللهم! إني أسألك خَيْرَها، وخَيْرَ ما فيها، وخَيْرَ ما أُرسِلُتْ به، وأعود بك من شَرِّها، وشَرِّ ما فيها، وشَرِّ ما أُرسلت به. قالت: وإذا تَخَيَّلَت السماءُ، تَغَيَّرَ لونُه، وخرَج ودخَلَ، وأقْبَل وأدْبَر، فإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنه، فَعَرَفت ذلكَ عائشةُ، فسألتْهُ فقال. لعلَّهُ يا عائِشَةُ! كما قال قوم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢٠٦) - كتاب بدء الخلق، وكذلك (٤٨٢٩). وانظر صحيح مسلم (٨٩٩) - كتاب صلاة الاستسقاء.","vol":"7","page":285},{"text":"عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد في المسند بسند صحيح عن عائشة: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا رأى ناشئًا في أفق من آفاق السماء، تَرَك عمله وإن كان في صلاته، ثم يقول: اللهمّ، إني أعوذُ بك من شرّ ما فيه. فإن كشفه اللَّه حمد اللَّه، وإن أمطَرَت قال: اللهم صيبًا نافعًا] (٢).\nالحديث الرابع: خرّج مسلم في صحيحه عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- أنه قال: [نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَت عَادٌ بالدَّبُور] (٣).\nوالصَّبا: ريح الشمال، والدّبور: ريح الجنوب.\n\n٢٦ - ٢٨. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: الخطاب لقريش ليعلموا أن الأمم السالفة التي أهلكها اللَّه بكفرها كانوا أشد منهم في البنيان والحصون، وأكثر منهم في الأموال والأولاد، فلم يزكوا نعمة الأسماع والأبصار والأفئدة فنزل بهم العذاب وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. وكذلك القرى التي حول مكة ممن أهلك اللَّه أهلها ما نفعتهم آلهتهم وما كانوا يفترون.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾. قال قتادة: (أنبأكم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم). أي: لقد مكَّنَ اللَّه الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأجسام والحصون والأولاد ما لم يعط قريشًا مثله.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٩٩) ح (١٥) - كتاب صلاة الاستسقاء. وانظر سنن أبي داود (٥٠٩٨)، (٥٠٩٩)، وسنن الترمذي (٣٢٥٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٩٠)، وله شواهد كثيرة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٠٠) - كتاب صلاة الاستسقاء. باب في ريح الصبا والدبور.","vol":"7","page":286},{"text":"وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا﴾ يسمعون به مواعظ ربهم، وأبصارًا يبصرون بها حجج اللَّه، وأفئدة يعقلون بها ما يشرّهم (١) وينفعهم ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قول: فلم ينفعهم ما أعطاهم من السمع والبصر والفؤاد إذ لم يستعملوها فيما أعطوها له، ولم يعملوها فيما ينجيهم من عقاب اللَّه، ولكنهم استعملوها فيما يقرّبهم من سخطه ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يقول: إذ كانوا يكذبون بحجج اللَّه وهم رسُله، وينكرون نبوتهم ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يقول: وعادَ عليهم ما استهزؤوا به، ونزل بهم ما سخروا به فاستعجلوا به من العذاب، وهذا وعيد من اللَّه جل ثناؤه لقريش، يقول لهم: فاحذروا أن يحلّ بكم من العذاب على كفركم باللَّه وتكذيبكم رسله، ما حل بعاد، وبادروا بالتوبة قبل النقمة).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾. قال ابن كثير: (يعني أهل مكّة، قد أهلك اللَّه الأمم المكذبة بالرسل مما حَولها كعادٍ، وكانوا بالأحقاف بِحَضْرَ موت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سَبَأٌ وهم أهلُ اليمن، ومَدْين وكانت في طريقهم ومَمَرِّهم إلى غَزَّة، وكذلك بحيرة قوم لوط، كانوا يمرون بها أيضًا).\nوقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾. قال ابن زيد: (بيّناها). ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ - قال: (يقول: ليرجعوا عما كانوا عليه مقيمين من الكفر باللَّه وآياته).\nوقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾.\nقال القرطبي: (﴿فَلَوْلَا﴾ بعنى هلّا، أي هلّا نصرهم آلهتهم التي تقرّبوا بها بزعمهم إلى اللَّه لتشفع لهم حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم).\nوالمقصود: الاحتجاج على قريش في منهاج عبادتهم. أي: لو كانت آلهتكم تنفع لنفعت من قبلكم وأنقذتهم من بأس اللَّه حين نزل بهم.\nوقوله: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾. قال القاسمي: (أي غابوا عن نصرهم، وامتنع أن\n_________\n(١) في لغة العرب: \"شِرّة الشباب\" - حِرْصه ونشاطه. و\"أشِرّاء\" كأشِدّاء.","vol":"7","page":287},{"text":"يستمدوا بهم، امتناع الاستمداد بالضال، ففي ﴿ضَلُّوا﴾ استعارة تبعية).\nوقوله: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. قال النسفي: (﴿وَذَلِكَ﴾ إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة وثمرة شركهم وافترائهم على اللَّه الكذب).\n\n٢٩ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: خبرُ لقاء رسول اللَّه -ﷺ- مع فريق من الجن -وقد حيل بينهم وبين استراق السمع من السماء- فاستمعوا القرآن وأنصتوا له ورجعوا إلى قومهم منذرين. فإلى تفصيل ذلك:\nإنّ الجن كما أثبت اللَّه سبحانه كائنات مستترة عن أنظار البشر، قال جل ذكره: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ثم إن اللَّه قد أعطاهم قدرة على التجسم والظهور بأشكال شتى.\nولقد رأى نفر منهم رسول اللَّه -ﷺ- بنخلة عامدًا إلى سوق عكاظ، وكانوا قد حيل بينهم وبين خبر السماء وأرسلت علهيم الشهب، فلما وجدوا رسول اللَّه -ﷺ- قائمًا يصلي صلاة الفجر وهو يقرأ القرآن فاستمعوا فعرفوا ما الأمر الذي حدث وكان سبب منعهم من استراق السمع.\nقال سعيد بن جبير: (لما بعث النبي -ﷺ- حُرست السماء، فقال الشيطان: ما حرست إلا لأمر قد حدث في الأرض. فبعث سراياه في الأرض فوجدوا النبي -ﷺ- قائمًا يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنخلة وهو يقرأ، فاستمعوا حتى إذا فرغ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى قوله ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾).","vol":"7","page":288},{"text":"وأصل ذلك في الصحيحين عن ابن عباس قال: [انطلق رسول اللَّه -ﷺ- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجّهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه -ﷺ- بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢]. وأنزل اللَّه ﷿ على نبيّه -ﷺ-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾] (١).\nولم ير رسول اللَّه -ﷺ- الجن هذه المرّة ولم يقرأ عليهم القرآن، وإنما آذنته بهم شجرة بأنهم حاضرون، ثم أوحي إليه خبرهم وما كان من أمرهم.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه: [عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وقد سئل: من آذَنَ (٢) النبي -ﷺ- بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: إنه آذنت بهم شجرة] (٣).\nوفي مستدرك الحاكم ودلائل النبوة للبيهقي بسند صحيح عن عاصم بن زرّ عن عبد اللَّه قال: [هبطوا على النبي -ﷺ- وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه أنصتوا قالوا: صه. وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا. . .﴾ الآية إلى: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾] (٤).\nوذات يوم جاء وفد من الجن إلى رسول اللَّه -ﷺ- فدعوه للاجتماع بهم وكان معسكرًا خارج مكة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٢١) - كتاب التفسير، وكذلك أخرجه برقم (٧٧٣). ورواه مسلم (٤٤٩/ ١٤٩)، والترمذي (٣٣٢٣)، وأحمد (١/ ٢٥٢).\n(٢) أي أعْلَمَ.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد اللَّه بن مسعود. انظر صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٧١)، وصحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ١٧١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٢٢٨) بإسناد حسن. ورواه الحاكم في المستدرك، من حديث عاصم بن زرّ عن عبد اللَّه.","vol":"7","page":289},{"text":"فقد أخرج الإمام مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: [كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- ذاتَ ليلةٍ، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا استُطير أو اغتيل. فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قِبَل حراء، فقلنا يا رسول اللَّه! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم] (١).\nوعن عاصم عن زِر: (﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ قالوا: صَهْ). قال قتادة: (قد علم القوم أنهم لن يعقلوا حتى ينصتوا). وهذا أدبٌ منهم.\nوعن ابن عباس: (﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ يقول: فلما فرغ من الصلاة). أو من القراءة وتلاوة القرآن.\nقال ابن جرير: (﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: انصرفوا منذرين عذاب اللَّه على الكفر به).\nوقوله: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. أي: قالوا لقومهم: إنا سمعنا قرآنًا أنزل من بعد موسى -﵇- يصدق ما قبله من كتب اللَّه التي أنزلها على رسله.\nوقوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾. أي: يرشد إلى الصواب والسداد في منهاج الإيمان ويدل على ما فيه للَّه رضا.\nوقوله: ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي: ويرشد إلى طريق لا اعوجاج فيه وهو طريق الإسلام.\nوالمقصود: يهدي إلى منهاج الإيمان ويدل على طريق امتثال أعماله وأحكامه.\nوقوله: (﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾. قال ابن كثير: (فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا -ﷺ- إلى الثقلين الإنس والجن حيثُ دعاهمُ إلى اللَّه تعالى، وقرأ عليهم السورةَ التي فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم ووعدُهم ووعيدُهم، وهي سورة الرحمن).\nأخرج الترمذي والحاكم بسند حسن عن جابر ﵁ قال: [خرج\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ١٦٨ - ١٧٠).","vol":"7","page":290},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- على أصحابه فقرأ عليهم \"سورة الرحمن\" من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: لقد قرأتها، سورة \"الرحمن\" على الجِنّ ليلةَ الجنِّ، فكانوا أَحْسَنَ مَرْدودًا منكمُ، كنتُ كُلَّما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيءٍ من نعمِكَ ربَّنا نكذِّبُ، فلكَ الحمد] (١).\nوقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يتغمد لكم ربكم من ذنوبكم فيسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها. . . . وينقذكم من عذاب موجع إذا تبتم من ذنوبكم، وأنبتم من كفركم إلى الإيمان باللَّه وبداعيه).\nوذهب أبو حنيفة أن لا ثواب للجن إلا النجاة من النار لهذه الآية، وهو مذهب بعيد مردود. قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد: (لهم الثواب والعقاب). وقال الضحاك: (الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون). واستدل بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]. قال ابن كثير: (وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٤٧]. فقد امتنَّ تعالى على الثقلين بأن جعل جزاءَ مُحْسِنهِم الجنة، وقد قابلت الجنّ هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس، فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربَّنا نكذب، فلك الحمد. فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يُجازي كافرهم بالنار -وهو مقامُ عَدْلٍ- فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة -وهو مقامُ فَضْل- بطريق الأولى والأحرى).\nوقوله: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: لا يفوت اللَّه ولا يسبقه، بل قدرة اللَّه تناله وتشمله.\nوقوله: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾. أي: وليس له أنصار وأعوان يمنعونه من عذاب اللَّه وحلول نقمته.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. تهديد وترهيب. أي: ومن أعرض عن داعي الحق واستكبر على اللَّه ورسله فقد خاض في أوحال الضلال البين العاقبة.\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢/ ٢٣٤)، والحاكم (٢/ ٤٧٣)، وأخرجه البزار (٢٢١ - ٢٢٢ زوائد)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢١٣٠).","vol":"7","page":291},{"text":"٣٣ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: التقريع على منكري البعث قصة الخلق لهذه السماوات الكبيرة والأرض الواسعة الفسيحة، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس واللَّه على كل شئ قدير. والتصوير لمشهد الخزي والهوان للكفار أمام جهنم. والتسلية للنبي -ﷺ- بِحَثِّه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.\nفقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. قال القرطبي: (الرؤية هنا بمعنى العلم. ومعنى ﴿وَلَمْ يَعْيَ﴾ -لم- يَعْجِز ويَضْعف عن إبداعهن).\nأي: أو لم يعلم هؤلاء الذين ينكرون بعث الأجساد يوم القيامة خلق السماوات والأرض دون لغوب ولا ممانعة. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. وكقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧].\nوقوله: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ - ﴿بَلَى﴾: جواب للنفي. قال ابن جرير: (بلى يقدر الذي خلق السماوات والأرض على إحياء الموتى. . . . لأن من عجز عن ذلك فضعيف فلا ينبغي أن يكون إلهًا من كان عما أراد ضعيفًا).\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾.\nأي: ذَكِّرهم يا محمد يوم يعرض المكذبون بالبعث على النار فيشرفون عليها وقد دنت منهم ويقال لهم توبيخًا وتقريعًا: أليس هذا العذاب هو الذي كذبتم به في الدنيا؟ فيجيبون من فورهم: بلى وربنا.","vol":"7","page":292},{"text":"وقوله: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. أي: فذوقوا إذن جزاء كفركم وجحودكم.\nوقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال عطاء الخراساني: (نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد -ﷺ-). وقال ابن زيد: (كل الرسل كانوا أولي عزم لم يتخذ اللَّه رسولًا إلا كان ذا عزم، فاصبر كما صبروا).\nقلت: والمشهور الأول، وهو أن أولي العزم من الرسل: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء محمد صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين. وقد ورد تخصيصهم بالذكر مرتين في القرآن، مرة في سورة الأحزاب، ومرة في سورة الشورى: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧].\nوقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].\nقال ابن كثير: (وقد يحتمل أن يكونَ المرادُ بأولي العزم جميع الرسل، وتكون \"مِنْ\" في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لبيان الجنس، واللَّه أعلم).\nوقوله: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾. قال مقاتل: (بالدعاء عليهم). وقيل: فى إحلال العذاب بهم، فإن أبعد غاياتهم يوم القيامة. كقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]. وكقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧].\nوقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾. قال يحيى: (من العذاب). وقال النقاش: (من الآخرة).\nوقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾. أي في الدنيا حتى جاءهم العذاب.\nوقال النقاش: (في قبووهم حتى بعثوا للحساب). وقيل: نسّاهم هول ما عاينوا من العذاب طول لبثهم في الدنيا.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥].","vol":"7","page":293},{"text":"وقد مثَّلَ النبي -ﷺ- مكثه في الدنيا كساعة من نهار، يرحل بعدها ويتركها.\nفقد أخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن علقمة عن عبد اللَّه مرفوعًا: [مالي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (١).\nوله شاهد عند ابن حبان وأحمد عن عكرمة عن ابن عباس: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثرَّ في جنبه فقال: يا نبي اللَّه لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: مالي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٢).\nوقوله: ﴿بَلَاغٌ﴾ - فيه تأويلان محتملان:\nالتأويل الأول: البلاغ بمعنى التبليغ. قال الحسن: (أي هذا القرآن بلاغ). فرفع ﴿بَلَاغٌ﴾ على إضمار مبتدأ، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦].\nالتأويل الثاني: أي إن ذلك اللُّبْث بلاغ. قال ابن عيسى. فيوقف على هذا على ﴿بَلَاغٌ﴾ وعلى ﴿نَهَارٍ﴾ - ذكره القرطبي.\nوقوله: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال ابن عباس: (أي الخارجون عن أمر اللَّه). وعن قتادة: (لا يهلك اللَّه إلا هالكًا مشركًا). وهذا من كمال عدله سبحانه فإنه لا يعذب بالنار إلا من استحق الإهانة والعذاب، ومن ثمَّ فلا يهلك على اللَّه إلا هالك.\nأخرج الحاكم وأحمد بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: [مرَّ النبي -ﷺ- بأناس من أصحابه، وصبي بين ظهراني الطريق، فلما رأت أمه الدواب خشيت على ابنها أن يوطأ، فسعت والهة، فقالت: ابني! ابني! فاحتملت ابنها، فقال القوم: يا نبي اللَّه!\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٦٠)، والحاكم (٤/ ٣١٠)، وأحمد (١/ ٣٩١، ٤٤١)، وكذلك ابن ماجة (٢/ ٣٢٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٣٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢٥٢٦)، والحاكم (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وأحمد (١/ ٣٠١)، ورواه البيهقي كما في \"الترغيب\" (٤/ ١١٤)، وانظر: \"الصحيحة\" (٤٤٠).","vol":"7","page":294},{"text":"ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لا واللَّه، لا يُلقي اللَّهُ حبيبَهُ في النار] (١).\n\nتم تفسير سورة الأحقاف بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ١٧٧)، وأحمد (٣/ ١٠٤)، (٣/ ٢٣٥)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني في \"الصحيحة\" (٢٤٠٧).","vol":"7","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - إذا كان يوم القيامة أذَّنَ مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللَّه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار.\n٢ - أهل النار كل عُتُلّ جَوّاظ مستكبر. وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون.\n٣ - إن اللَّه جميل يحب الجمال. الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس.\n٤ - أكبر الكبائر: الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقول الزور.\n٥ - أشد العمر: ثلاث وثلاثون، واستواؤه: أربعون، والعذر الذي أعذر اللَّه فيه إلى ابن آدم ستون.\n٦ - لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر.\n٧ - الأحقاف: ديار عاد، وهي الرمال العظام، جمع حِقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلًا.\n٨ - كان النبي -ﷺ- إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خَيْرَها، وخيرَ ما فيها، وخيْرَ ما أُرسلت به. وأعوذُ بك من شرها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أرسلت به.\n٩ - كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أمطرت قال: اللهم صَيِّبًا نافعًا.\n١٠ - مثل المكوث في الدنيا: كراكب ظلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها. ولا واللَّه، لا يلقي اللَّه حبيبَه في النار.\n* * *","vol":"7","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>٤٧ - سورة محمد</span>\nوهي سورة مدنية، وتسمى سورة القتال، وعدد آياتها (٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>موضوع السورة</span>\nانتصار للمؤمنين أتباع محمد ﵊ ووعيد شديد للمنافقين والكافرين أعداء محمد اللئام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-284> منهاج السورة</span>-\n١ - تهديد لكفار مكة الذين يصدون عن الدين الحق بالغرق في العمى والضلالات. ووعد للمؤمنين المتبعين رسولهم بتكفير السيئات ورفع الدرجات.\n٢ - الحث على الإجهاز على العدو في المعركة، والوعد الجميل للذين قتلوا في سبيل اللَّه.\n٣ - تأكيد سنة اللَّه بنصر المؤمنين الصادقين، وخذلان الكافرين المعاندين.\n٤ - تنبيه الكافرين لرؤية مصير أمثالهم عبر الزمان، واللَّه تعالى عدو للكافرين وهو ولي أهل الإيمان، وقد وعدهم الحياة الرغدة الناعمة في الجنان.\n٥ - الكفار يتمتعون ويأكلون كالأنعام، ومصيرهم إلى الشقاء والحرمان والعذاب بالنيران.","vol":"7","page":297},{"text":"٦ - كما لا يستوي أهل البصيرة واليقين مع أهل الهوى وتزيين الشياطين، كذلك لا يستوي أصحاب الجنة في روضات النعيم مع أصحاب النار في دركات الجحيم.\n٧ - نَعْتُ المنافقين بقسوة قلوبهم واتباع أهوائهم، والثناء على المؤمنين بحسن إسلامهم وزيادة إيمانهم.\n٨ - تأكيد اقتراب الساعة فقد ظهر بعض أشراطها، والأمر بالعلم بلا إله إلا اللَّه سر النجاة وسعادة الدارين.\n٩ - تمني المؤمنين نزول تشريع الجهاد، وجبن بعضهم عند نزول فرض القتال.\n١٠ - التحذير من التولي وما يعقبه من الفتنة في الدين وتقطيع الأرحام، والضلوع في الظلم والآثام.\n١١ - الأمر بتدبر القرآن، وفهم ما فيه من المعاني والأحكام.\n١٢ - نَعْتُ حال المجرمين عند النزع والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ذلك بما أسخطوا اللَّه وكرهوا رضوانه فأخزاهم وأحبط أعمالهم.\n١٣ - مَكْرُ اللَّه تعالى بالمنافقين وفضحهم، وسنة اللَّه في ابتلاء المؤمنين وتمحيصهم.\n١٤ - تهديدٌ للكافرين، ووعد لهم بالخذلان والحرمان. وحث للمؤمنين على طاعة اللَّه ورسوله، ووعد لهم بالنصر والإكرام.\n١٥ - تنبيهُ المؤمنين إلى غرور هذه الحياة الدنيا التي تشغل عن الإيمان، والجهاد والإنفاق والإحسان. والتلميح بالعقاب والاستبدال، إن تولى أو ضعف الرجال.\n* * *","vol":"7","page":298},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تهديدٌ شديد لكفار مكة الذين يصدون عن الدين الحق بالغرق في الضلالات. ووعدٌ أكيد للمؤمنين المتبعين رسولهم بتكفير السيئات ورفع الدرجات.\nفقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (نزلت في أهل مكة). أي: كفروا بآيات اللَّه وجحدوا نبوة رسوله، وحالوا دون اختيار الناس الإيمان باللَّه ونبوة محمد -ﷺ- فصدوهم ووقفوا في طريقهم وبسطوا أيديهم نحوهم بالأذى.\nوقوله: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي جعل أعمالهم ضلالًا على غير هدى وغير رشاد. قال ابن كثير: (أبْطَلها وأَذْهَبَها ولم يَجْعَل لها ثوابًا ولا جزاءً، كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال ابن عباس: (الأنصار). قلت: بل الآية بعمومها تشمل المهاجرين والأنصار ومن مضى على منهاجهم في الإيمان والامتثال.\nوقوله: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾. قال سفيان الثوري: (لم يخالفوه في شيء). والآية من باب عطف الخاص على العام، وفيها دليل أنه لا يستقيم الإيمان دون إقامة مفهوم شهادة: أن محمدًا رسول اللَّه. قال النسفي: (﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ وهو","vol":"7","page":299},{"text":"القرآن، وتخصيص الإيمان بالمنزل على رسوله من بين ما يجب الإيمان به لتعظيم شأنه).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. جملة اعتراضية مؤكدة أن القرآن المنزل على محمد هو الحق، أو أن دين محمد هو الحق الناسخ لجميع الأديان قبله.\nوقوله: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. أي ما مضى من ذنوبهم وخطاياهم قبل الإيمان.\nوقوله: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (أمرهم). وقال مجاهد: (شأنهم). وقال قتادة: (أصلح حالهم). وكلها متقاربة. والبال: كالمصدر مثل الشأن لا يعرف منه فعل، ولا جمع له إلا لضرورة الشعر فيقال: (بالات).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا عَطَسَ أحَدُكُم فليقل: الحمدُ للَّه، وليقل له أخوه -أو صاحِبُهُ-: يرحَمُكَ اللَّه، فإذا قال له: يرحَمُكَ اللَّه، فليقل: يهديكم اللَّه ويُصْلِحُ بالكم] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.\nأي: ذلك الإضلال والهدى، وإبطال أعمال الكفار، والتجاوز عن سيئات الأبرار، إنما يرجع إلى سوء اختيار أهل الضلال، وحسن امتثال المؤمنين الأخيار. قال مجاهد: (الباطل: الشيطان). وقيل: (الباطل: الشرك، والحق: التوحيد والإيمان). قال ابن جرير: (أما الكافرون فأضللنا أعمالهم، وجعلناها على غير استقامة وهدى، بأنهم اتبعوا الشيطان فأطاعوه، وهو الباطل. وأما المؤمنون فكفرنا عنهم سيئاتهم وأصلحنا لهم حالهم بأنهم اتبعوا الحق الذي جاءهم من ربهم وهو محمد -ﷺ-).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾. قال القرطبي: (أي كهذا البيان الذي بُيّن يبيِّنُ اللَّه للناس أمر الحسنات والسيئات).\nقال الزمخشري: (فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في أن جعل اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلًا لعمل المؤمنين. أو في أن جعل الإضلال مثلًا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلًا لفوز المؤمنين).\nوالمقصود: يشبه اللَّه للناس في هذا القرآن الأشباه، فيلحق بكل قوم من الأمثال أشكالًا، وبكل سبيل ووجهة يوليها الناس أوصافًا وأحوالًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٢٢٤) - كتاب الأدب، باب: إذا عطسَ كيفَ يُشَمَّتُ؟ .","vol":"7","page":300},{"text":"٤ - ٩. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: الحثُّ على إتقان الضرب والإجهاز على العدو في القتال والتقييد المحكم للأسرى، والوعد بجميل الأجر والعطاء للمجاهدين الذين قتلوا في سبيل اللَّه، وتأكيد سنة اللَّه بنصر المؤمنين الصادقين، وخذلان الكافرين المعاندين للوحي والمرسلين.\nقال ابن جرير: (﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللَّه ورسوله من أهل الحرب فاضربوا أعناقهم ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾: حتى إذا غلبتموهم وقهرتم من لم تضربوا رقبته منهم فصاروا في أيديكم أسرى ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ فشدوهم في الوثاق كيلا يقتلوكم فيهربوا منكم. فإذا أسرتموهم بعد الإثخان فإما أن تَمُنُّوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم من الأسر، وتحرروهم بغير عوض ولا فدية، وإما أن يفادوكم فداء بأن يعطوكم من أنفسهم عوضًا حتى تطلقوهم، وتخلوا لهم السبيل).\nوقد ادّعى بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة براءة: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nقلت: والحق أنها محكمة غير منسوخة لإمكان اجتماع حكميهما من جهة، ولا دليل يصرح بالنسخ من جهة أخرى.\nفإن كان الحال نهوضًا من غوبة وضعف إلى عز وشوكة، كان الأَوْلى قتل أئمة الكفر الذين يقعون في الأسر، كما جاء الدرس في ذلك يوم بدر، حيث قال تعالى معاتبًا: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. وأما إن كان الحال","vol":"7","page":301},{"text":"فتحًا ونصرًا، واستمرارًا على قهر الأعداء وعزًا، فللحاكم النظر في المصلحة الشرعية في أمر من وقع في الأسر.\nقال الشافعي: (الإمام مُخَيَّرٌ بين قتله أو المن عليه، أو مفاداته أو استرقاقه أيضًا). وإليه ذهب مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم من التابعين، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وفعل الخلفاء الراشدين.\nوأصل ذلك من هدي وسيرة النبي -ﷺ- في مواقف كثيرة، منها:\nالموقف الأول: إطلاقه ثُمامة بن أُثال الحنفي.\nففي الصحيحين -واللفظ لمسلم- عن أبي هريرة قال: [بعث رسول اللَّه -ﷺ- خَيْلًا قِبلَ نَجْدٍ، فجاءت بِرَجُلٍ مِنْ بني حَنيفةَ يُقالُ له: ثُمَامَةُ بن أُثَال، سَيِّدُ أهل اليمامة، فرَبطوه بسارِيَةٍ من سَواري المسجد، فخرج إليه رسول اللَّه -ﷺ- فقال: ماذا عِندك يا ثُمامة؟ ! فقال: عندي يا محمدُ! خَيْرٌ، إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذا دَم، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكِرٍ، وإنْ كنتَ تريدُ المال فَسَلْ تُعْطَ منه ما شئت، فتركه رسول اللَّه -ﷺ-، حتى كان بَعْدَ الغَدِ، فقال: ما عِندك يا ثمامَةُ؟ ! قال: ما قُلْتُ لك: إنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكر، وإن تَقْتُل تَقْتُل ذا دمٍ، وإن كنت تريدُ المال فسل تُعْطَ منه ما شئت؟ فتركه رسول اللَّه -ﷺ- حتى كان من الغَدِ، فقال: ماذا عِندك يا ثمامَةُ؟ ! فقال: عِندي ما قُلْتُ لكَ: إن تُنْعِمْ تُنْعِم على شاكرِ، وإن تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تُعْطَ منه ما شئت، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أطْلِقوا ثُمامة\". فانطلق إلى نَخْلٍ قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمدُ! واللَّه! ما كان على الأرض وَجْهٌ أبغضَ إليَّ مِنْ وجهك، فقد أصبح وجْهُكَ أحَبَّ الوجوه كُلِّها إلي، واللَّه! ما كان مِنْ دِينٍ أبغَضَ إليَّ من دينك، فأصبح دينُك أحبَّ الدين كلِّه إليَّ. . .] الحديث (١).\nالموقف الثاني: قتله -ﷺ- النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط يوم بدر بعد أسرهما. فقد كان النضر بن الحارث حامل لواء المشركين يوم بدر، وكان من أشد الناس إيذاء لرسول اللَّه -ﷺ- بمكة، ومن أشد الناس كيدًا للإسلام والمسلمين، ومن أكابر المجرمين في ذلك الزمان، فتوقف النبي -ﷺ- في طريق عودته من معركة بدر في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٩)، ومسلم (١٧٦٤)، وأبو داود (٢٦٧٩)، وأخرجه النسائي (١/ ١٠٩ - ١١٠)، وأحمد (٢/ ٤٥٣)، وابن حبان (١٢٣٩).","vol":"7","page":302},{"text":"الصفراء وأمر بالنضر بن الحارث فأخرج من بين الأسرى، ثم أمر عليًا ﵁ فتقدم وضرب عنقه.\nثم مضى ﵊، حتى إذا بلغ عرق الظبية توقف وأمر بعقبة بن أبي مُعيط فَسُحِبَ من بين الأسرى، -وهو الذي انبعث ليلقي سلاة الشاة على رأس رسول اللَّه -ﷺ- يوم كان يصلي عند الكعبة، وانبعث مرة أخرى فحاول خنق النبي -ﷺ- وهو يصلي فجاء أبو بكر وهو يبكي فرده عنه، وانبعث مرة ثالثة بأمر أبي بن خلف ليشتم النبي -ﷺ- ويبصق في وجهه بمجلسه -فأمر النبي عاصم بن ثابت الأنصاري فضرب عنقه.\nوفي سنن أبي داود بسند جيد عن مسروق: [عن عبد اللَّه بن مسعود -أن النبي -ﷺ- لما أراد قتل عقبة بن أبي معيط قال: من للصبية؟ قال: النار] (١).\nالموقف الثالث: إطلاقه لثمانين من رجال قريش حاولوا الغدر أثناء كتابته عقد الحديبية.\nففي صحيح مسلم عن أنس قال: [لما كان يوم الحديبية هبط على رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة بالسلاح، من قِبَل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول اللَّه -ﷺ-، فدعا عليهم فأخذوا: قال عفان: فعفا عنهم، ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]] (٢).\nومواقف كثيرة أخرى، كأخذه -ﷺ- من سلمة بن الأكوع جارية فدى بها أناسًا من المسلمين، ومنّه -﵊- على سَبْي هوازن، وغير ذلك من المواقف التي حفلت بها سيرته العطرة ومنهاجه في السياسة الشرعية.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال النسفي: (أثقالها وآلاتها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع، وقيل: أوزارها آثامها، يعني حتى يترك أهل الحرب وهم المشركون شركهم بأن يسلموا، وحتى لا يخلو من أن يتعلق بالضرب والشد أو بالمن والفداء، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي ﵀ أنهم لا يزالون على ذلك أبدًا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٦٨٦) - كتاب الجهاد، في أثناء حديث أطول.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٠٨) - كتاب الجهاد والسير. وانظر تفصيل ذلك في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٢/ ١٠٠٨).","vol":"7","page":303},{"text":"وعن مجاهد: (﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: حتى يخرج عيسى بن مريم فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب، ولا تقرض فأرة جِرابًا، وتذهب العداوة بين الأشياء كلها، ذلك ظهور الإسلام على الدين كله).\nوعن قتادة: (حتى لا يكون شرك). وهو كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وكل ما سبق من المعاني يحتمله البيان الإلهي.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾. قال قتادة: (إي واللَّه بجنوده الكثيرة، كلّ خلقه له جند، ولو سلط أضعف خلقه لكان جندًا).\nو﴿ذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أي الأمر ذلك فلو شاء تعالى لانتقم منهم بعقوبة عاجلة، وكفاكم ذلك كله.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾. أي: ولكنه تعالى شرع فرض الجهاد لقتال الأعداء ليختبر صدقكم وثباتكم في حراسة هذا الدين.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].\nأخرج الحاكم بسند جيد عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: [عليكم بالجهاد في سبيل اللَّه ﵎، فإنه باب من أبواب الجنة، يُذْهِبُ اللَّه به الهَمَّ والغَمَّ] (١).\nورواه عبد اللَّه بن أحمد بلفظ: [وجاهدوا في اللَّه القريب والبعيد، في الحضر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٧٤ - ٧٥)، وانظر مسند أحمد (٥/ ٣٢٦)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٤١)، وانظر ما بعده.","vol":"7","page":304},{"text":"والسفر، فإن الجهاد باب من الجنة، إنه ينجي صاحبه من الهم والغم] (١).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: والذين استشهدوا في سبيل اللَّه فلن يذهب أعمالهم، بل يضاعفها وينميها ويبارك فيها، وربما استمر أجر بعضها إلى يوم القيامة. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن سلمان قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [رِباطُ يَوْمٍ وليلةٍ خَيْرٌ من صيامِ شَهْرٍ وقيامه، وإنْ مات، جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمِنَ الفَتّان] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [يُغفر للشهيد كلُّ ذنب، إلا الدَّين] (٣).\nوفي رواية: [القتل في سبيل اللَّه يُكَفِّر كُلَّ شيء، إلا الدَّين].\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة بسند حسن عن المِقدام بن مَعدِيَكرِب الكندي قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [للشهيد عند اللَّه سَبْعُ خصال: يُغْفَرُ له في أَوَّل دَفْعَةٍ من دمه، ويرى مَقعدَهُ من الجنة، ويُحلَّى حُلَّةَ الإيمان، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمَن من الفزعِ الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويَشْفَعُ في سبعين إنسانًا من أهلِ بيتِهِ] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾. أي: سيهديهم إلى الجنة ويصلح شأنهم ويسعد أحوالهم. وهذه هي المرتبة الرابعة من مراتب الهداية كما جاء في القرآن والسنة. فإن مراتب الهداية أربع:\n١ - هداية عامة للخلق.\n_________\n(١) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد (٥/ ٣٣٠)، وانظر مسند أحمد (٥/ ٣١٦)، وابن عساكر (٨/ ٤٢٨/ ١)، وكذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٤٢)، وإسناده جيد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩١٣) - كتاب الإمارة. باب فضل الرباط في سبيل اللَّه ﷿.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٨٦) - كتاب الإمارة. باب من قتل في سبيل اللَّه كفرت خطاياه، إلا الدين. وانظر للرواية الأخرى (١٨٨٦) ح (١٢٠).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٣١)، والترمذي (١٦٦٣)، وابن ماجة (٢٧٩٩) - لكن بلفظ \"ست خصال\" بدل \"سبع خصال\". وانظر صحيح الجامع (٥٠٥٨).","vol":"7","page":305},{"text":"٢ - هداية الدلالة والإرشاد.\n٣ - هداية التوفيق والإلهام.\n٤ - هداية إلى الجنة في الآخرة.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩]. وقوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].\nوعن مجاهد: (﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ قال: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا).\nوقال ابن عباس: (هم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم).\nيروي البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن نبيَّ اللَّه -ﷺ- قال: [إذا خَلَصَ المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، يتقاصُّونَ مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا وَنُفُّوا أذن لهم بدخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا] (١).\nوله شاهد في المسند من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة] (٢).\nوقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. قال مجاهد: (يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم اللَّه لهم لا يخطئون، كأنهم سكانها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا). وقال ابن زيد: (بلغنا عن غير واحد قال: يدخل أهل الجنة الجنة، ولهم أعرف بمنازلهم فيها من منازلهم في الدنيا التي يختلفون إليها في عمر الدنيا. قال: فتلك قول اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. سنة عظيمة يمضي عليها أهل حراسة الدين، فينعمون بتأييد اللَّه لهم وتثبيت أقدامهم وقهر أعدائهم. والمعنى: إن تنصروا دين اللَّه ينصركم على الكفار، ويثبت أقدامكم عند\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤٠) - كتاب المظالم. باب قصاص المظالم.\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٣/ ١٣)، وكذلك (٣/ ٧٤)، ورواه البخاري بنحوه.","vol":"7","page":306},{"text":"القتال، وعلى الإسلام، وعلى الصراط. كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. فإن الجزاء من جنس العمل: الصبر على الجهاد وإقامة الدين، يعقبه النصر والتأييد والتمكين.\nأخرج الخطيب في \"التاريخ\" بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفَرَجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْر يُسرًا، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (١).\nوعن قتادة: (﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ لأنه حق على اللَّه أن يعطي من سأله، وينصر من نصره).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾. قال ابن زيد: (شقاء لهم).\nوقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: أحبطها وأبطلها. قال ابن جرير: (جعل أعمالهم معمولة على غير هدى ولا استقامة، لأنها عملت في طاعة الشيطان لا في طاعة الرحمن).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [تَعِسَ عبد الدينار والدرهم والقَطيفة والخَميصة، إنْ أُعطي رضي، وإن لم يُعْطَ لم يَرْضَ] (٢). وفي رواية: [تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش].\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: هذا الإضلال وذلك الإتعاس إنما كان مقابل كراهيتهم لما أنزل اللَّه من الكتب والشرائع، وتعظيمهم للأوثان والطواغيت والشهوات، فقابلهم اللَّه بإبطال وإحباط جميع الأعمال. قال القاسمي: (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي من الحق، وشايعوا ما ألفوه من الباطل. ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ كعبادتهم لأوثانهم، حيث لم تنفعهم، بل أوبقهم بها فأصلاهم سعيرًا).\nقلت: بل إن جميع أعمال الكافر تحبط يوم القيامة حتى ما كان منها في وجوه الخيرات، ما دام لم يكن يريدُ تعظيم أمر اللَّه وإقامته.\nففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ اللَّه لا يَظْلم مؤمنًا حسنةً، يُعْطِي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأمّا الكافر فَيُطْعَمُ بحسنات\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، وانظر مسند أحمد (١/ ٣٠٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٣٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٨٦)، (٢٨٨٧) - كتاب الجهاد والسير، وله تتمة.","vol":"7","page":307},{"text":"ما عمِلَ بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها] (١).\nوقوله: \"ما عمل بها للَّه في الدنيا\" -أي ما كان يظهر أنها من أعمال البر والمعروف والخير، ولكنه مع كفره باللَّه وكراهيته لشرعه وأمره لم تنفعه إلا في الدنيا، فقد حَمَلَهُ على فِعْلها دوافع الرياسة والظهور أو العطف والإنسانية، فجازاه اللَّه بمثل نِيَّتِهِ من زينة هذه الحياة الفانية، وأما الآخرة فهي عند اللَّه للمؤمنين المخبتين.\n\n١٠ - ١٣. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيهُ الكافرين لرؤية مصير أمثالهم عبر الزمان، فاللَّه تعالى عدو للكافرين وهو ولي أهل الإيمان، وقد وعدهم الحياة الرغدة الناعمة في الجنان، وأما الكافرون فيتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، ومصيرهم في الدنيا إلى الخزي والخذلان، وفي الآخرة إلى العذاب في النيران.\nفقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. وعيد وتهديد. أي: أولم يسر هؤلاء المنكرون المكذبون في الأرض سفرًا فيروا ما نزل بمن مضى ممن كفر، فكانوا يسافرون إلى الشام فيرون نقمة اللَّه بأهل حجر ثمود، ويسافرون إلى اليمن فيبصرون ما حلّ بسيأ، فإنهم إن لم يتعظوا فالدمار قادم، شأن من سبقهم، فلهم أمثالها.\nوقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. قال مجاهد: (مثل ما دُمرت به القرون الأولى وعيد من اللَّه لهم).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. أي: ذلك بأن اللَّه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٠٨)، كتاب صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.","vol":"7","page":308},{"text":"وليّ المؤمنين وناصرهم، وأن الكافرين لا ينصرهم أحد من اللَّه.\nوفي صحيح البخاري من حديث البراء -في أواخر معركة أحد حين قال أبو سفيان: اعْل هبل- فقال النبي -ﷺ-: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: اللَّه أعلى وأجَلُّ. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزَّى لكم. فقال النبي -ﷺ-: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: [قولوا: اللَّهُ مولانا ولا مولى لكم] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\nبشائر النصر للمؤمنين في الآخرة، بعد تحقيق وعد النصر لهم في الدنيا. فلهم في الدنيا الشوكة والنصر والتمكين، وهم في الآخرة في بساتين التكرمة والنعيم، تجري تحت أشجارها وبيوتها الأنهار.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾. قال القرطبي: (﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا كأنهم أنعام، ليس لهم همّة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عما في غدِهم. وقيل: المؤمن في الدنيا يتزوّد، والمنافق يتزين، والكافر يتمتّع).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يأكل المسلم في مِعًى واحد، والكافر يأكُلُ في سَبْعَةِ أمعاءٍ] (٢).\nوقوله: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾. أي: والنار مقام لهم ومنزل يوم جَزائِهم.\nوقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾. يعني مكة. قال النسفي: (أي: وكم من قرية أشد قوة من قومك الذين أخرجوك أي كانوا سبب خروجك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ أي فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم).\nأخرج ابن جرير بسنده إلى ابن عباس: [لما خرج النبي -ﷺ- من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: اللهم أنتِ أحبّ البلاد إلى اللَّه، وأنت أحبّ البلاد إليّ، ولولا المشركون أهْلُك أخرجوني لما خرجت منك] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠٤٣) - كتاب المغازي. باب غزوة أحد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣٩٦) - كتاب الأطعمة، وابن ماجة (٣٢٥٦) من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم (٢٠٦٢) من حديث أبي موسى.\n(٣) أخرجه الطبري (٣١٣٧٢) عن ابن عباس، وفي إسناده ضعيف هو حسين بن قيس، وفي المتن: \"فنزلت الآية\". وأما أصل المتن فصحيح دون ذكر سبب النزول.","vol":"7","page":309},{"text":"١٤ - ١٥. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: لا يستوي أهل البصيرة واليقين، وأهل الهوى وتزيين الشياطين. وكذلك لا يستوي أصحاب الجنة ذات المياه واللبن والعسل والخمر والنعيم، وأصحاب النار ذات الحميم والجحيم.\nفقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: على بصيرة ويقين في أمر اللَّه ودينه، بما أنزل في كتابه من الهُدى والعلم، وبما جَبَله اللَّه عليه من الفطرة المستقيمة).\nوقوله: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. أي: كمن أراه الشيطان عمله حسنًا، فهو مقيم عليه. قال القرطبي: (﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي ما اشتهوا. وهذا التزيين من جهة اللَّه خلقًا. ويجوز أن يكون من الشيطان دعاءً ووسوسة. ويجوز أن يكون من الكافر، أي زيّن لنفسه سوء عمله وأصرّ على الكفر).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].\nأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄، عن النبي -ﷺ- أنه قال: [إنَّ اللَّه تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلّ] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، (٢/ ١٩٧)، وابن حبان (١٨١٢)، والحاكم (١/ ٣٠)، والترمذي (٢/ ١٠٧) نحوه. وانظر السلسلة الصحيحة (١٠٧٦).","vol":"7","page":310},{"text":"وقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. قال عكرمة: (أي: نعتُها).\nوقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: غير متغيّر). وقال قتادة: (غير مُنتن). وفي لغة العرب: أسِنَ الماء -أي تغير ريحُه.\nوقوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾. قال ابن جرير: (لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه خلقه اللَّه ابتداء في الأنهار).\nوالمقصود: لبن يجري في الأنهار، وهو في غاية البياض والحلاوة والدُّسومة.\nوقوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. قال ابن القيم: (نفى اللَّه عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والإنزاف وعدم اللذة).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦].\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [مَنْ شَرِبَ الخمرَ في الدنيا ثُمَّ لم يَتُبْ منها حُرِمَها في الآخرة] (١).\nوقوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾. آفة العسل عدم التصفية، كما آفة الخمره تغير لذته ومذاقه مع الوقت، وآفة اللبن تغير طعمه مع الزمن، وآفة الماء أنه يصبح آسنًا من طول المكث، فقد انتفت كل هذه الآفات.\nأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن معاوية بن حيدة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ في الجنة بحرَ الماء، وبحرَ العسل، وبحرَ اللبن، وبحرَ الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد] (٢).\nقلت: وهذه الأنهار تتفجر من أعلى الجنة، ثم تنحدر نازلة لتمر تحت قصور وبيوت ومساكن المؤمنين، في منظر رائع خلاب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٧٥) - كتاب الأشربة، وبنحوه الحاكم (٤/ ١٤١)، ورواه مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجة. انظر صحيح الجامع (٦١٨٦) - (٦١٨٧).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٥)، والترمذي (٢٥٧١)، وإسناده حسن.","vol":"7","page":311},{"text":"فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إن في الجنة مئة درجة أعدّها اللَّه ﷿ للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجّر أنهار الجنة] (١).\nوله شاهد عند الترمذي والحاكم بسند صحيح لشواهده، عن عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [الجنة مئة درجة، ما بين كُلِّ دَرَجَتيْن مسيرة مئة عام، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرح الأنهار الأربعة، والعرش من فوقها، وإذا سألتم اللَّه ﵎، فاسألوه الفردوس] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. ﴿مِن﴾ زائدة للتأكيد، والمعنى: وجميع أنواع وأصناف وألوان الثمار والفاكهة متوفرة لضيافتهم وهي رَهْنُ إشارتهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢].\nقال ابن القيم ﵀: (تضمنت النصوص أن لهم فيها الخبز واللحم والفاكهة والحلوى وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر).\nوقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. نور على نور، وسرور فوق سرور، فإن رضى الرحمن أعلى هذه اللذات، وأهنؤها على القلب والنفس والمشاعر. كما قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١]. وكقوله جل ثناؤه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤/ ١٤)، (٩/ ١٠١)، وأحمد (٢/ ٣٣٥)، (٢/ ٣٣٩)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٣٩٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣/ ٣٢٦)، والحاكم (١/ ٨٠)، وأحمد (٥/ ٣١٦)، وكذلك (٥/ ٣٢١)، والسياق له. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٢٢).","vol":"7","page":312},{"text":"وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].\nوفي الصحيحين والمسند عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ اللَّه ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لَبَّيْك رَبَّنا وسَعْدَيك، فيقول: هل رضيتُمْ؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لمْ تُعْطِ أحدًا مِنْ خلقِك؟ فيقول: أنا أعطيكم أَفْضَل من ذلك، قالوا: يا ربِّ وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسخَطُ عليكم بَعْدَهُ أبدًا] (١).\nوقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾. أي: فهل يستوي أصحاب النعيم وأهل الجحيم، أصحاب المنازل والدرجات وأهل الهوي في الدركات. قال الفرّاء: (المعنى: أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار). وقال الزجاج: (أي: أفمن كان على بينة من ربه وأعطي هذه الأشياء كمن زُيِّنّ له سوء عمله وهو خالد في النار). وقال ابن كيسان: (مثل هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم؟ ! ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم؟ !).\nوقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾. أي: حارًا شديد الحرارة والغليان، يشوي الوجوه والأمعاء ويمزق الأبدان.\nوقوله: ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾: أي: فَمَزَّقَ بِغَلَيانه وَفَوَرانه الأمعاءَ والأحشاءَ، عياذًا باللَّه من حال أهل النار.\n\n١٦ - ١٩. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ المنافقين بقسوة قلوبهم وخفة عقولهم واتباع أهوائهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٤٩) - كتاب الرقاق، وكذلك (٧٥١٨) - كتاب التوحيد، وأخرجه مسلم (٢٨٢٩) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها. ورواه أحمد.","vol":"7","page":313},{"text":"والثناء على المؤمنين بحسن إسلامهم وزيادة إيمانهم. وتأكيد اقتراب الساعة فقد ظهر بعض أشراطها. والأمر بالعلم بلا إله إلا اللَّه سر النجاة والسعادة في الدارين.\nفقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾. إخبار عن المنافقين في غبائهم وقساوة قلوبهم وعقولهم. قال ابن زيد: (هم المنافقون، والذين أوتوا العلم الصحابة ﵃). قال النسفي: (هم المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول اللَّه -ﷺ- فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالًا تهاونًا منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة ماذا قال الساعة على جهة الاستهزاء).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. أي: أولئك الذي ختم اللَّه على قلوبهم فأقفلها. قال القاسمي: (أي فلا يدخلها الهدى لإبائهم عنه).\nوقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. أي ومضوا خلف آرائهم وشهواتهم، فلا فهمٌ صحيح. ولا قصد صحيح، وإنما هو ركوب الفتن والأهواء.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾. قال ابن كثير: (أي: والذين قصدوا الهداية وفَّقَهم اللَّه تعالى لها فهداهم إليها، وثَبَّتَهم عليها وزادهم منها).\nوقوله: ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. أي: ألهمهم طريق التقوى والرشد والفلاح. قال الربيع: (آتاهم الخشية). وقال السدي: (ثواب تقواهم في الآخرة). وقال مقاتل: (وفقهم للعمل الذي فرض عليهم). وقال ابن زيد: (بيَّن لهم ما يتقون). وقال عطية: (ترك المنسوخ والعمل بالناسخ). وقال الماوردي: (ترك الرخص والأخذ بالعزائم). قلت: وكلها تفاسير متقاربة متكاملة.\nوقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. قال قتادة: (قد دنت الساعة ودنا من اللَّه فراغ العباد). وعن ابن زيد: (أشراطها: آياتها). أي: فهل ينظرون أن تأتيهم الساعة فجأة، فقد بدت أماراتها وعلاماتها، وهو وعيد للكفار.\nوعن الحسن: (علامات الساعة انشقاق القمر والدخان). وعن الكلبي: (كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام). وعن الحسن البصري قال: (بعثة محمد -ﷺ- من أشراط الساعة).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١].","vol":"7","page":314},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].\n٣ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].\n٤ - وقال تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٦ - ٥٧].\nوفي الصحيحين عن سهل بن سعد قال: [رأيت رسول اللَّه -ﷺ- قال بإصبعه هكذا، بالوسطى والتي تليها: بُعثت أنا والساعة كهاتين] (١).\nوفي صحيح البخاري عن أنس ﵁: [أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه -ﷺ- أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّتين حتى رأوا حراءً بينهما] (٢).\nوفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه قال: [والبطشة الكبرى يوم بدر، فقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآيةُ الروم] (٣).\nوقوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: إذا جاءتهم الساعة أنى لهم أن يتذكروا ويعرفوا ويعقلوا؟). وقال: (أنى لهم أن يتذكروا أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعة). وقال ابن زيد: (لا ينفعهم عند الساعة ذكراهم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢].\nوفي سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم بسند حسن عن أنس بن مالك مرفوعًا: [يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت] (٤).\nوفي لفظ الحاكم عن عبد اللَّه بن قيس أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنَّ أهلَ النار\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٠٣) - كتاب الرقاق. وأخرجه كذلك (٦٥٠٤) من حديث أنس. وكذلك رواه مسلم (٢٩٥١)، والترمذي (٢٢١٤).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٨٢)، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٢٥٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٠٧) - كتاب الاستسقاء، في أثناء حديث طويل.\n(٤) حسن لغيره. أخرجه ابن ماجة (٤٣٢٤) - باب صفة النار. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٩١) وأخرجه ابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" (ق ١٢/ ١).","vol":"7","page":315},{"text":"لَيَبْكون، حتى لو أُجريت السُّفُن في دموعهم، لجرت، وإنهم ليَبْكون الدَّم -يعني- مكان الدمع] (١).\nوقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. أمر بالعلم قبل العمل، وتنبيه لشرف العلم، وأشرف العلوم علوم شهادة أن لا إله إلا اللَّه.\nوعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: (ألم تسمع قوله حين بدأ به ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فأمر بالعمل بعد العلم. وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ -إلى قوله- ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١] وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. ثم قال بعد: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. ثم أمر بالعمل بعد).\nوفي صحيح مسلم عن عثمان ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [من مات وهو يعلم أنّه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة] (٢).\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. قال القرطبي: (يحتمل وجهين: أحدهما- يعني استغفر اللَّه أن يقع منك ذنب. الثاني- استغفر اللَّه ليعصمك من الذنوب). وقيل: الخطاب له والمراد به الأمة. قلت: والأفضل من ذلك أن يقال: ذنب الأنبياء ترك الأفضل دون مباشرة القبيح، وذنوبنا مباشرة القبائح من الصغائر والكبائر.\nوقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. أي: وسل ربك غفران ذنوب أهل الإيمان بك من الرجال والنساء، فإن ذلك بركة وخير لك ولهم.\nوفي السنة الصحيحة روائع في آفاق هذه المعاني، منها:\nالحديث الأول: أخرج الطبراني بسند حسن عن عبادة، عن النبي -ﷺ- قال: [من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتبَ اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج الشيخان وابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقول: [اللهم اغفر لي خطيئتي وجَهلي، وإسرافي في أمري،\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥)، ورجاله ثقات. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦) - كتاب الإيمان، ورواه أحمد. انظر صحيح الجامع (٦٤٢٨).\n(٣) حديث حسن. أخرجه الطبراني كما في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢١٠) وقال الهيثمي: \"وإسناده جيد\". وانظر صحيح الجامع الصغير (٥٩٠٢).","vol":"7","page":316},{"text":"وما أنت أعلَمُ به مني، اللهم اغفر لي هزْلي وجِدِّي، وخطئي وعَمْدِي، وكُلُّ ذلك عندي] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام البخاري والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكْثَرَ من سبعين مَرَّةً] (٢).\nولفظ الترمذي عن أبي هريرة: [﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فقال النبي -ﷺ-: إني لأستغفر اللَّه في اليوم سبعين مرة].\nوله شاهد في صحيح مسلم من حديث الأغَرِّ بن يسار المُزني ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يا أيها الناسُ! توبوا إلى اللَّه، فإني أتوبُ إلى اللَّه في اليوم مئة مرة] (٣). وفي لفظ: [إنَّه ليُغانُ على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة].\nوقوله: \"لَيُغانُ على قلبي\": يعني ما يتغشى القلب. وقيل: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عنه عدّ ذلك ذنبًا واستغفر منه.\nالحديث الرابع: أخرج أحمد ومسلم -واللفظ له- عن عاصم عن عبد اللَّه بن سَرْجِسَ قال: [رأيتُ النبي -ﷺ- وأكلتُ معه خُبْزًا ولَحْمًا، أو قال: ثرِيدًا، قال: فقلت له: أَسْتَغْفَرَ لكَ النبي -ﷺ-؟ قال: نعم، ولَكَ، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]] (٤).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾. قال ابن عباس: (متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الآخرة). وقال السدي: (متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم). قال ابن جرير: (يقول: فإن اللَّه يعلم متصرفكم فيما تتصرفون فيه في يقظتكم من الأعمال، ومثواكم إذا ثويتم في مضاجعكم للنوم ليلًا).\nقلت: والبيان الإلهي المعجز يحتمل كل هذه المعاني، فلا وجه لرفض أيّ منها.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٩٨)، ومسلم (٢٧١٩)، وابن حبان (٩٥٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٨٥)، وأخرجه الترمذي (٣٢٥٥) - في السنن.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٠٢) ح (٤٢)، وكذلك ح (٤١) - كتاب الذكر والدعاء.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٣٤٦) - كتاب الفضائل، وأحمد (٥/ ٨٢)، والترمذي (٢٣).","vol":"7","page":317},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].\nأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي -ﷺ- قال: [فرغَ اللَّه ﷿ إلى كل عبد من خمسٍ: مِنْ أجَلِهِ، ورزقهِ، وأثرِهِ، ومضجعه، وشقي أو سعيد] (١).\nوله شاهد عند ابن عساكر من حديث أنس بلفظ: [فرغ اللَّه من أربع: من الخَلْقِ، والخُلُق، والرِّزقِ، والأجل] (٢).\n\n٢٠ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن تمني المؤمنين نزول تشريع الجهاد، فلما أنزل اللَّه فرض القتال وأحكامه وجد كثير من الناس في قلوبهم الخوف والجبن من لقاء الأعداء، وإنما النجاة كل النجاة بالصدق مع اللَّه في القول والعمل وعند اللقاء، وإلا فالفتنة في الدين وتقطيع الأرحام، والضلوع في الظلم والآثام.\nفقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. قال ابن زيد:\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر تخريج \"السنة\" - لابن أبي عاصم - (٣٠٣ - ٣٠٩)، ورواه أحمد وغيره.\n(٢) حديث صحيح. انظر تخريج \"السنة\" (٣٠٣ - ٣٠٩) من حديث أنس -عند ابن عساكر- وكذلك صحيح الجامع الصغير (٤٠٧٩)، وله شواهد كثيرة.","vol":"7","page":318},{"text":"(هؤلاء المنافقون طبع اللَّه على قلوبهم فلا يفقهون ما يقول النبي -ﷺ-). وقال قتادة: (كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين).\nوالمعنى كما قال ابن جرير: (ويقول الذين صدقوا اللَّه ورسوله: هلا نزلت سورة من اللَّه تأمرنا بجهاد أعداء اللَّه من الكفار. ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ يعني: أنها محكمة بالبيان والفرائض ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ رأيت الذين في قلوبهم شك في دين اللَّه وضعف ينظرون إليك يا محمد ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ خوفًا أن تغزيهم وتأمرهم بالجهاد مع المسلمين، فهم خوفًا من ذلك وتجنُّبًا عن لقاء العدو ينظرون إليك نظر المغشي عليه الذي قد صرع. وإنما عني بقوله ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ من خوف الموت).\nوالآية كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].\nقال ابن القيم ﵀: (ولما كان جهادُ أعداءِ اللَّه في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات اللَّه، كما قال النبي -ﷺ-: \"المجاهد مَنْ جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعة اللَّه، والمهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نهى اللَّه عنه\" (١). كان جهادُ النفس مُقَدَّمًا على جهاد العدو في الخارج، وأصلًا له، فإنه ما لم يجاهدْ نفسه أولًا لِتَفْعَلَ ما أُمِرَتْ به، وتترك ما نُهيت عنه، ويحارِبْها في اللَّه، لم يُمْكِنْهُ جهادُ عدوه في الخارج، فكيف يُمكِنُهُ جهادُ عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلَطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يُحاربه في اللَّه، بل لا يمكنه الخروجُ إلى عدوِّه، حتى يُجاهد نفسَه على الخروج) (٢).\nوقوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. قال قتادة: (هذا وعيد، فأولى لهم، ثم انقطع الكلام فقال: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾). وفي رواية: (وعيد كما تسمعون).\nوعن مجاهد: (﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ قال: أمر اللَّه بذلك المنافقين. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ قال: إذا جدّ الأمر).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢١) من حديث فضالة بن عبيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- في حجة الوداع: [ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة اللَّه، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب] وسنده جيد، وصححه ابن حبان (٢٥)، والحاكم (١/ ١١)، ووافقه الذهبي. انظر تحقيق زاد المعاد - الأرناؤوط - ص (٦) - المجلد الثالث.\n(٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٥ - ٦) - ابن قيم الجوزية - تحقيق الأرناؤوط.","vol":"7","page":319},{"text":"وعن قتادة: (﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. يقول: طواعية اللَّه ورسوله، وقول معروف عند حقائق الأمور خير لهم).\nقال ابن كثير: (ثم قال مشجعًا ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾، أي: وكان الأولى بهم أن يَسمعوا ويُطيعوا، أي: في الحالة الراهنة، ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾، أي: جَدَّ الحال، وحضر القتال، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾، أي: أخلصُوا له النية، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب اللَّه، ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطّعوا الأرحام، وعَصَوا الرحمن).\nوالمقصود: فهل عسيتم بإدباركم ونكولكم عن الجهاد، والصبر على مجالدة الأعداء، لحفظ الدين وحراسته في الأرض، أن تعودوا إلى ما كنتم عليه أيام الجاهلية من سفك الدماء، وقطع الأرحام، والإفساد في البلاد، وظلم العباد.\nوفي السنة الصحيحة روائع من الأحاديث في آفاق ذلك:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [خَلَقَ اللَّه الخلقَ، فلما فرَغَ منه قامت الرحم فأخذت بحقوِ الرحمن -﷿-، فقال: مَه! فقالت: هذا مقامُ العائذِ بكَ من القطيعة، فقال تعالى: ألا ترضينَ أن أصِلَ من وَصَلَكِ، وأقطعَ من قَطَعَكِ؟ قالت: بلى. قال: فذاك. قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي وأحمد بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو -يبلغُ به النبي -ﷺ- قال: [الراحمون يَرحمهم الرحمن، ارحمُوا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرّحِمُ شُجْنَةٌ من الرحمن، مَنْ وصلها وصلتُه، ومن قَطَعها بَتَتُّه] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٣٠)، (٤٨٣١)، (٤٨٣٢). وأخرجه مسلم (٢٥٥٤)، وأحمد (٢/ ٣٣٠)، وابن حبان (٤٤١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، وأحمد (٢/ ١٦٠).","vol":"7","page":320},{"text":"الحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: إنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [قال اللَّه ﷿: أنا الرحمنُ، خلقتُ الرحم وشققتُ لها اسمًا من اسمي، فمن يَصِلها أصِلُهُ، ومن يقطعَعُها أقطعُهُ فأبُتُّه] (١).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [مَنْ سَرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقِه، وأن يُنْسَأ له في أثره، فليصِل رحمه] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري وأحمد عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ الرحمَ مُعَلَّقَةٌ بالعرش، وليس الواصِلُ بالمكافِئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطِعت رَحِمه وَصَلَها] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.\nقال القرطبي: (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ﴾ أي طردهم وأبعدهم من رحمته. ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن الحق. ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ أي قلوبهم عن الخير). وقال النسفي: ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن استماع الموعظة ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ عن إبصارهم طريق الهدى).\n\n٢٤ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده إلى تَدَبُّرِ القرآن وَفَهْمِ ما فيه من المعاني والأحكام. وتحذيرٌ من الإعراض عنه واتباع ما يسوله الشيطان، ونَعْتٌ لحال المجرمين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ١٩٤)، وأبو داود (١٦٩٤)، والترمذي (١٩٠٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٨٥) - كتاب الأدب، وكذلك (٥٩٨٦) من حديث أنس.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٩١)، وأحمد (٢/ ١٩٣)، وأبو داود (١٦٩٧).","vol":"7","page":321},{"text":"عند الفراق والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ذلك بما أسخطوا اللَّه وكرهوا رضوانه فأخزاهم وأحبط أعمالهم.\nفعن قتادة: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ إذن واللَّه يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية اللَّه، لو تدبّره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند اللَّه). قال القرطبي: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي يتفهمونه فيعلمون ما أعدّ اللَّه للذين لم يتولّوا عن الإسلام. ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي بل على قلوب أقفال أقفلها اللَّه ﷿ عليهم فهم لا يعقلون). قال النسفي: (ونكرت القلوب لأن المراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك، والمراد بعض القلوب وهي قلوب المنافقين، وأضيفت الأقفال إلى القلوب لأن المراد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح، نحو الرّين والختم والطبع).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: زَيَّنَ لهم). قال ابن عباس: (هم أهل النفاق).\nوالمعنى: إن الذين رجعوا إلى الكفر وفارقوا الإيمان من بعد ما أكرمهم اللَّه بحجج الحق وأنار لهم سبيل النجاة، إنما زَيَّن لهم صنيعهم ذلك الشيطان وحسَّنه لهم.\nوقوله: ﴿إِوَأَمْلَى لَهُمْ﴾. أي: غرّهم وخدَعهم بما اقترح عليهم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾. قال القاسمي: (﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسبب أنهم ﴿قَالُوا﴾ أي المنافقون ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ أي لليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول اللَّه -ﷺ- ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ أي في بعض أموركم، أو ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد، والتظاهر على الرسول، أو الخروج معهم إن خرجوا، كما أوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] وهم بنو قريظة والنضير الذين كانوا يوالونهم ويوادّونهم).\nقلت: والآية ردٌّ على المترخصين اليوم من التجمعات الإسلامية الجلوس في المحافل التي يحكم بها بالشرائع الوضعية يدّعون الانتصار لبعض شعائر الإسلام حيث يخسرون غالبًا بالأصوات.","vol":"7","page":322},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾. أي ما يخفون ويبيّتون، وما يداهنون به أهل الكفر ويمكرون. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١].\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾.\nتخويف وتهديد، وتذكير ووعيد. قال ابن كثير: (أي كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وَتَعَصَّت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقَهْرِ والضَّرب).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].\nوفي المسند وسنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث البراء مرفوعًا: [وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح (١) من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفُود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب] الحديث (٢).\nوأخرج ابن ماجة نحوه من طريق أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي\n_________\n(١) جمع المِسح، وهو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفًا وقهرًا للبدن.\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠)، وهو حديث صحيح.","vol":"7","page":323},{"text":"ذميمةً، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخرَ من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (١).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: إنما تفعل بهم الملائكة ذلك من الإهانة والضرب عند النزع مقابل ما كانوا عليه مما يسخط اللَّه وكرهوا رضاه تعالى، فأبطل ثواب أعمالهم فلم تنفعهم حتى لو اشتملت على بعض الخير الظاهر.\n\n٢٩ - ٣١. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾.\nفي هذه الآيات: مَكْرُ اللَّه تعالى بالمنافقين وفضحهم، وإظهار علامات لنبيِّه تميزهم وتكشفهم، وسنة اللَّه في ابتلاء المؤمنين، وتمييز المجاهدين والصابرين والصادقين.\nفقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (هم أهل النفاق، وقد عرّفه إياهم في براءة فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وقال: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾).\nوقال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون، والذي أسروا من النفاق هو الكفر). والأضغان: هو ما يُضمر من المكروه. قال الجوهري: (الضغن والضغينة: الحقد). قال السدي: (﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ قال: غِشَّهم). وقال ابن عباس: (حسدهم). وقال قُطْرب: (عدوانهم). وكلها متقاربة متكاملة. قال القرطبي: (والمعنى: أم حسبوا أن لن يظهر اللَّه عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام).\nوقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون وقد أراه اللَّه إياهم). والمقصود: ولو نشاء -يا محمد- لعرّفناكهم فلعرفتهم بعلاماتهم.\nوقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. أي في فحواه ومعناه. واللَّحن: ما عُرِفَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٢٦٢) - كتاب الزهد. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٣٧)، وكذلك صحيح الجامع (١٩٦٤).","vol":"7","page":324},{"text":"بالمعنى ولم يُصَرَّح به. قال الرازي: (اللّحن: الخطأ في الإعراب. ولحنَ له: قال له قولًا يفهمه عنه ويخفى على غيره).\nوفي صحيح البخاري من حديث أم سلمة ﵂: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنكم لتختصمون إليّ ولعلَّ بعضكم أَلحَنُ بحجته من بعض] (١). أي أمضى بها في العرض والجواب لقوته على تصريف الكلام.\nوالمقصود: لقد ظهر للنبي -ﷺ- من العلامات ما يعرف به أهل النفاق، فقد بدا ذلك واضحًا له من أعمالهم وما انفلت على ألسنتهم.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (لا يخفى عليه العامل منكم بطاعته والمخالف له، وهو مجازي جميعكم عليها).\nوقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. أي: ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي حتى يتميز المجاهدون والصابرون. قال ابن عباس: (أخبر اللَّه سبحانه المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر، وبشّرهم فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ثم أخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته لتطيب نفوسهم فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ فالبأساء: الفقر، والضراء: السقم، وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم).\nومفهوم: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ حتى نميّز، كما قال ابن عباس. وقال علي ﵁: (حتى نرى). قال القرطبي: (وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء، لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم. فتأويله: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة، لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة).\nوقوله: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. قال النسفي: (أسراركم). والمقصود: نختبرها ونظهرها. قال إبراهيم بن الأشعث: (وإن الفُضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا).\n\n٣٢ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٦٨٠) - كتاب الشهادات، وانظر كذلك (٢٤٥٨).","vol":"7","page":325},{"text":"بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تهديدٌ شديد ووعيدٌ أكيد للكافرين الذين حاربوا اللَّه ورسوله، وصدوا عن سبيله. وحثٌّ للمؤمنين على طاعة اللَّه وطاعة رسوله وتعظيم هديه. وَوَعْدٌ للكافرين بالخذلان والحرمان، وللمؤمنين بالنصر والتمكين ومعية الرحمان.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال ابن كثير: (يُخبر تعالى عمن كفر وصَدَّ عن سبيل اللَّه، وخالفَ الرسولَ وشاقَّه، وارتدَّ عن الإيمان من بعد ما تَبيَّن له الهدى: أنه لن يَضُرَّ اللَّه شيئًا، وإنما يضرُّ نفسَه ويخسَرُها يوم مَعادِها، وسَيُحْبِطُ اللَّه عمله فلا يثيبُه على سالِفِ ما تقدَّم من عَمَلِه الذي عَقَّبه بردّته مِثقَالَ بعوضةٍ من خَيرٍ، بل يحبطه ويمحَقُه بالكليّة، كما أن الحسنات يذهبن السيئات).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.\nقال قتادة: (من استطاع منكم أن لا يبطل عملًا صالحًا عمله بعمل سَيِّئ فليفعل، ولا قوة إلا باللَّه، فإن الخير ينسخ الشّر، وإنّ الشّر ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال خواتيمها). وقال الحسن: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: أي حسناتكم بالمعاصي). وقال الزُّهْرِي: (بالكبائر). وقال ابن جريج: (بالرياء والسمعة). وقال مقاتل: (بالمَنّ). وكلها متقاربة، والمقصود: إن من الآثام والمعاصي والمخالفات الشرعية، ما يبطل الطاعات والقربات والموافقات الإيمانية، فليحذر العبد من الوقوع فيما يبطل العمل. قال أبو العالية: (كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب، حتى نزلت هذه الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الذين أنكروا توحيد اللَّه وصدّوا من أراد الإيمان باللَّه وبرسوله عن ذلك، ففتنوهم عنه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من ذلك، ثم ماتوا","vol":"7","page":326},{"text":"وهم على ذلك من كفرهم. . . فلن يعفو اللَّه عما صنع من ذلك، ولكنه يعاقبه عليه ويفضحه به على رؤوس الأشهاد).\nوقوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾. الوهن: الضّعف. والسَّلم: الصُلح. قال مجاهد: (﴿فَلَا تَهِنُوا﴾: لا تضعفوا). وقال قتادة: (أي لا تكونوا أولى الطائفتين تصرع). أو قال: (لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت لصاحبتها ودعتها إلى الموداعة، وأنتم أولى باللَّه منهم واللَّه معكم).\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. قال مجاهد: (الغالبون). وقيل: (وأنتم الأعلون في الحجة). وقيل: (وأنتم أعلم باللَّه منهم). وقيل: (المعنى: وأنتم الغالبون لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال).\nقلت: والآية تدل على منع الميل إلى الصلح أو مهادنة الكفار إن لم يكن بالمسلمين حاجة لذلك، والقرار للحاكم المسلم، كما بسطت ذلك في كتابي: السياسة الشرعية على منهج الوحيين القرآن والسنة الصحيحة، فلله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾. أي بنصره وتوفيقه وتأييده، وهو بشارة عظيمة بالظفر. وقوله: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. قال مجاهد: (لن ينقصكم). وقال ابن عباس: (لن يظلمكم أجور أعمالكم). والمقصود: وأنتم الغالبون أيها المؤمنون واللَّه مؤيدكم بنصره، ولن يبطل أعمالكم أو يسلبها أو ينقصها بل يوفيكم ثوابها وأضعافًا مضاعفة منها.\n\n٣٦ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيهُ المؤمنين إلى غرور هذه الحياة الدنيا التي تشغل عن الإيمان والجهاد، والإنفاق في سبيل اللَّه. والتلميح بالعقاب والاستبدال، إن تولى أو ضعف الرجال.","vol":"7","page":327},{"text":"فقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾. قال القاسمي: (أي فلا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك الجهاد).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾. أي: إنما يعود نفع الإيمان والتقوى عليكم، واللَّه غني عنكم ولا يطلب منكم شيئًا، وكذلك يعود إنفاق الأموال بالكامل عليكم لاستغنائه -تعالى- المطلق، فإن في الصدقات مواساة للفقراء ودفعًا لأحقاد صدورهم ونهوضًا بأحوال البلاد والعباد، وفي بذل الأموال للجهاد شوكة لكم في الأرض ودفع لغائلة الشرور والفساد.\nوقوله: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾. ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾: أي فيجهدكم بالمسألة، ويلحّ عليكم بطلبها. ففي لغة العرب: أحفى فلان إذا أكثر الطلب والمسألة. قال الزمخشري: (الإحفاء المبالغة، وبلوغ الغاية في كل شيء. يقال: \"أحفاه في المسألة\" إذا لم يترك شيئًا من الإلحاح).\nفالمعنى: إن يجهدكم -تعالى- بالمسألة ويلح عليكم بطلبها منكم تبخلوا بها وتمنعوها، ضَنًّا منكم بها، ولكنه عَلِمَ ضعفكم في ذلك فلم يفعل.\nوقوله: ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾. أي أحقادكم، وكراهتكم لدينٍ يستهلك أموالكم. قال قتادة: (قد علم اللَّه أن في سؤال المال خروج الأضغان).\nوقوله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾. أي: ها أنتم أيها المؤمنون تدعون للنفقة في جهاد أعداء اللَّه ونُصرة دينه فمنكم من يبخل بالنفقة.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾. أي: ومن يبخل فإنما ينقص من أجره، ويعود وبال البخل عليه.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾. قال ابن زيد: (ليس باللَّه تعالى ذكره إليكم حاجة، وأنتم أحوج إليه).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي أستبدل قومًا غيركم. قادر واللَّه ربنا على أن يهلكهم، ويأتي من بعدهم من هو خير منهم). قال الطبري: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾: أي في البخل بالإنفاق في سبيل اللَّه).","vol":"7","page":328},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].\nومن روائع السنة الصحيحة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن أبي الدنيا في \"قضاء الحوائج\"، والطبراني في \"الأوسط\"، وأبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن لغيره عن ابن عمر مرفوعًا: [إنّ للَّه أقوامًا يختصُّهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نَزَعَها منهم، فحولها إلى غيرهم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [تلا رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآية يومًا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. قالوا: ومن يستبدل بنا؟ قال: فضرب رسول اللَّه -ﷺ- على منكب سلمان ثم قال: هذا وقومه] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة أنه قال: [قال ناس من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: يا رسول اللَّه من هؤلاء الذين ذكر اللَّه: إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فضرب رسول اللَّه -ﷺ- فَخِذَ سلمان وقال: \"هذا وأصحابه. والذي نفسي بيده لو كان الإيمانُ مَنُوطًا بالثُّريَّا لتناولَهُ رجالٌ مِنْ فارِسَ\"] (٣).\n\nتم تفسير سورة محمد -سورة القتال- بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الأربعاء ٢٨ - جمادى الآخرة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣ - آب - ٢٠٠٣ م\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في \"قضاء الحوائج\" (رقم - ٥)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥٢٩٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١١٥)، (١٠/ ٢١٥)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٩٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر سنن الترمذي (٢٥٩٨) - كتاب التفسير - سورة محمد -ﷺ-. آية (٣٨).\n(٣) حديث صحيح. رواه الترمذي في سننه في كتاب التفسير عند هذه الآية. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٩٩)، وفي الصحيحين الشطر الأخير منه.","vol":"7","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - أمَرَ اللَّه تعالى بالقتال في سبيله حتى يكون الدين كله للَّه. فإذا كان بعض الدين للَّه وبعضه لغير اللَّه وجب الجهاد حتى يكون الدين كله للَّه.\n٢ - عليكم بالجهاد في سبيل اللَّه، فإنه باب من أبواب الجنة يذهب اللَّه به الهم والغمّ.\n٣ - القتل في سبيل اللَّه يُكَفِّر كُلَّ شيء إلا الدَّين.\n٤ - أهل الجنة أعرف بمنازلهم ومساكنهم وأزواجهم إذا دخلوا الجنة من أهل الدنيا بدنياهم ومساكنهم وأحوالهم.\n٥ - تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعْطِيَ رضي، وإنْ لم يُعْطَ لم يَرْضَ. تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش.\n٦ - الكافر يطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها.\n٧ - يأكل المسلم في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء.\n٨ - مَنْ شرِبَ الخمرَ في الدنيا ثم لم يَتُبْ منها حُرِمَها في الآخرة.\n٩ - في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر.\n١٠ - أكبر سعادة على الجوارح هي النظر إلى وجه اللَّه الكريم، وأعظم سعادة على النفس والقلب رضوان اللَّه العظيم.\n١١ - يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم.\n١٢ - من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة.\n١٣ - من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة.","vol":"7","page":330},{"text":"١٤ - فرغ اللَّه من أربع: من الخَلْقِ، والخُلُقِ، والرِّزقِ، والأجل.\n١٥ - الرحم معلقة بالعرش، من يصلها يصله اللَّه، ومن يقطعها يقطعه.\n١٦ - روح الكافر إذا سحبها ملك الموت تقطع معها العروق والعصب.\n١٧ - التحذير من الميل إلى الصلح أو مهادنة الكفار إن لم تظهر المصلحة الشرعية.\n١٨ - إن للَّه أقوامًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد، فإذا منعوها حَوَّلها إلى غيرهم.\n* * *","vol":"7","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>٤٨ - سورة الفتح</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد وَرَدَ في ذكر فضلها وأسباب نزولها وموضع ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أحمد والشيخان عن حبيب بن أبي ثابت قال: [أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب اللَّه تعالى! فقال عليّ: نعم. فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية -يعني الصلح الذي كان بين النبي -ﷺ- والمشركين- ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل، أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، قال: بلى، قال: ففيم أعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم اللَّه بيننا؟ ! فقال: يا ابن الخطاب، إني رسول اللَّه ولن يضيعني اللَّه أبدًا، فرجع متغيضًا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: يا ابن الخطاب! إنه رسول اللَّه ولن يضيّعه اللَّه أبدًا، فنزلت سورة الفتح] (١).\nوفى رواية مسلم: [فنزل القرآن على رسول اللَّه -ﷺ- فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول اللَّه أوَفتح هو؟ قال: نعم، فطابت نفسه].\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤٨٤٤) - كتاب التفسير، و(٣١٨٢) - كتاب الجزية والموادعة، وصحيح مسلم (١٧٨٤) في السير، ومسند أحمد (٤/ ٣٢٥)، وتفسير الطبري (٣١٤٦٠)، والصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي.","vol":"7","page":332},{"text":"الحديث الثاني: أخرج ابن جرير والحاكم بسند رجاله ثقات عن مجمع بن جارية ﵁ قال: [أقبلنا مع رسول اللَّه -ﷺ- من الحديبية حتى بلغ رسول اللَّه -ﷺ- كراع الغميم، فإذا الناس يرسمون نحو رسول اللَّه -ﷺ-، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال لبعض الناس فحركنا حتى وجدنا رسول اللَّه -ﷺ- عند كراع الغميم واقفًا، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. فقال بعض الناس: أو فتح هو؟ قال: والذي نفسي بيده إنه لفتح] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- كان يسير في بعض أسفاره وعمرُ بن الخطاب يسير معهُ ليلًا، فسأله عمرُ بن الخطاب عن شيء فلم يُجِبْهُ رسولُ اللَّه -ﷺ-، ثم سألَهُ فلمْ يُجِبْهُ، ثم سأله فلم يُجِبْهُ، فقال عمر بن الخطاب: ثَكِلَتْ أمُّ عمر (وفي رواية: ثكلتك أمُّك يا عمر)، نَزَرْتَ -أي: أحرجت وضيّقت- رسولَ اللَّه -ﷺ- ثلاثَ مرات كُلُّ ذلك لا يجيبُك. قال عمر: فَحَرَّكْتُ بعيري ثم تقدَّمْتُ أمامَ الناس، وخَشيت أن يُنْزَلَ فيَّ القرآنُ، فما نَشِبْتُ أن سَمِعْتُ صارِخًا يَصْرُخُ بي، فقلت: لقد خشيتُ أن يكونَ نزلَ فيَّ قُرآنٌ، فجئت رسول اللَّه -ﷺ-، فَسَلَّمْتُ عليه فقال: لقد أُنزلت عليَّ الليلة سورةٌ لَهِيَ أحَبُّ إليَّ مِمَّا طَلعَتْ عليه الشمسُ، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس: [أنها نزلت على النبي -ﷺ- مرجِعَهُ من الحديبية، وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة، وقد حيل بينهم وبين مساكنهم، ونحروا الهدي بالحديبية ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى قوله ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. قال: لقد أنزلت عَليَّ آيتان هما أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا. قال: فلما تلاهما قال رجل: هنيئًا مريئًا يا رسول اللَّه قد بيّن لك ما يفعل بك فما يفعل بنا؟ فأنزل اللَّه ﷿ الآية التي بعدها ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن معاوية بن قُرَّة عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٥٩) بسند صحيح، وانظر: تفسير الطبري (٣١٤٦٣) - سورة الفتح، آية (١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٣٣) - كتاب التفسير، و(٤١٧٧) - كتاب المغازي.\n(٣) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٣/ ١٢٢)، (٣/ ١٣٤)، (٣/ ١٥٣)، وصحيح البخاري (٤١٧٢)، وصحيح مسلم (١٧٨٦). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٠١).","vol":"7","page":333},{"text":"عبد اللَّه بن مُغَفَّل قال: [قرأَ النبي -ﷺ- يَوْمَ فتح مكة سورة الفتح فَرَجَّعَ فيها. قال معاوية: لو شئت أن أحْكي لكم قراءة النبي -ﷺ- لفَعَلْت] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>موضوع السورة</span>\nالفتح المبين للرسول -ﷺ- والمؤمنين، والخزي والعذاب على المنافقين والكافرين.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-289> منهاج السورة</span>-\n١ - نزول الفتح المبين يوم الحديبية، والبشرى للنبي -ﷺ- بالمغفرة التامة، والهداية إلى الصراط المستقيم، والنصر والتأييد والتمكين.\n٢ - إنزال اللَّه تعالى الطمأنينة على المؤمنين، ووعدهم على صدقهم البيعة جنات النعيم.\n٣ - الوعيد الشديد على المنافقين والمشركين، بالخذلان والعقاب وصلي الجحيم.\n٤ - تأكيد الرسالة للنبي الكريم، والثناء على المبايعين الصادقين، ووعدهم على صدقهم الأجر العظيم.\n٥ - كشف المنافقين وفضحهم، وتوعد المعاندين إنزال العذاب الأليم بهم.\n٦ - اللَّه تعالى ملك السماوات والأرض، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء.\n٧ - فضح المنافقين في حرصهم على المغانم، ودعوتهم لاختبار الصدق القادم.\n٨ - إعذار اللَّه الأعمى والأعرج، والمريض وذي الحرج، ووعده تعالى المخبتين جنات النعيم، والمكذبين عذاب الجحيم.\n٩ - تثبيت اللَّه أهل البيعة تحت الشجرة، وتمهيد الفتح القريب لهم، ووعده تعالى المغانم الكثيرة تكون خاصة بهم.\n١٠ - سنة اللَّه تعالى في إذلال الكافرين وإلقاء الرعب في قلوبهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٣٥) - كتاب التفسير، وكذلك (٤٢٨١)، وأخرجه مسلم (٧٩٤)، وأبو داود (١٤٦٧)، وأحمد (٤/ ٥٤ - ٨٥)، وغيرهم.","vol":"7","page":334},{"text":"١١ - امتنانه تعالى على المؤمنين بصرف كيد المشركين عنهم، ورد كيدهم في نحورهم.\n٢ - إثبات كفر طغاة مكة الذين صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، والتنبيه أن الجهاد لا يكون إلا عند تميز الصفوف، وذكر فضل اللَّه على المؤمنين في حمايتهم.\n١٣ - تأكيد اللَّه تعالى لرسوله بالرؤيا دخول المسجد الحرام مع أصحابه، ووعده لرسوله الذي أرسله بالهدى والدين الحق الظهور التام على أعدائه.\n١٤ - إثبات الرسالة للنبي ﵊، ونَعْتُ أصحابه الغرّ الكرام، وذكر صفتهم في التوراة والإنجيل والقرآن.\n١٥ - وعده تعالى المؤمنين بالنصر والمغفرة، والظهور على الطغاة الجبابرة.\n* * *","vol":"7","page":335},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: قضاءُ اللَّه تعالى بجعل بيعة الرضوان يوم الحديبية الفتح المبين. وامتنانه تعالى على رسوله بالمغفرة التامة والهداية إلى الصراط المستقيم. والنصر الأكيد والتأييد والتمكين.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. قال قتادة: (قضينا لك قضاء مبينًا. قال: والفتح القضاء). وقال مجاهد فيها: (نحرُه بالحديبية وحَلْقُه). وقال جابر: (ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية).\nوفي صحيح البخاري عن شعبة قال: [سمعت قتادةَ عَنْ أنسٍ ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: الحديبية] (١).\nوكذلك أخرج البخاري في صحيحه عن البراء قال: [تعدّون أنتم الفتح فتحَ مكة، وقد كان فَتْحُ مكة فَتْحًا، ونحن نَعُدُّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية] (٢).\nيروي ابن جرير بإسناده عن الشعبي قال: (نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصبه في غزوة، أصابَ أن بويعَ بيعة الرضوان، وغُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخّر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهَدْي محله، وأطعموا نخل خيبر، وفرح المؤمنون بتصديق النبي -ﷺ-، وبظهور الروم على فارس).\nوقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. خصوصيةٌ لرسول اللَّه -ﷺ- وتشريف كبيرٌ له، فهو أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، وأموره كلها منسجمة مع طاعة اللَّه وتعظيم دينه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٣٤) - كتاب التفسير، وانظر كذلك (٤١٧٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٥٠)، (٤١٥١) - كتاب المغازي، من حديث البراء.","vol":"7","page":336},{"text":"وفي صحيح مسلم -في حديث الشفاعة- عن أبي هريرة مرفوعًا: [فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت رسول اللَّه وخاتم الأنبياء، غفر اللَّه لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه] الحديث (١).\nوفي صحيح سنن الترمذي عن أنس قال: [أنزلت على النبي -ﷺ- ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية، فقال النبي -ﷺ-: \"لقد نزَلَتْ عليَّ آيةٌ أحبُّ إليَّ مما على الأرض\". ثم قرأها النبي -ﷺ- عليهم]- وقد مضى أصله بتمامه.\nوقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾. قال ابن جرير: (بإظهاره إياك على عدوك، ورفعه ذكرك في الدنيا، وغفرانه ذنوبك في الآخرة).\nوقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. أي: ويرشدك طريقًا قويمًا لا اعوجاج به.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. قال النسفي: (قويًا منيعًا لا ذل بعده أبدًا). أي: وينصرك اللَّه -يا محمد- على من ناوأك وحاربك نصرًا أكيدًا يحمل العز والشوكة لك وللمؤمنين معك بعد الجهاد والصبر.\nوفي صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [ما نقصَتْ صدقةٌ من مال، وما زاد اللَّه عبدًا بعفوٍ إلا عِزًا، وما تواضع أحدٌ للَّه إلا رفعه اللَّه] (٢).\nوأخرج الخطيب في \"التاريخ\"، والديلمي بسند صحيح عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبر، والفرجُ مع الكرب، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، وإن مع العُسْرِ يُسْرًا] (٣).\n\n٤ - ٧. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ١٢٧ - ١٢٩)، وهو في مختصر صحيح مسلم برقم (٩٢)، ورواه البخاري وأحمد وغيرهما. وانظر \"تخريج الطحاوية\" (٤١) للروايات المختلفة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٨٨) - كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع، وأخرجه الترمذي (٢٠٢٩)، وأحمد (٢/ ٢٣٥)، وابن حبان (٣٢٤٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢).","vol":"7","page":337},{"text":"عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى بإنزاله الطمأنينة على قلوب المؤمنين، وبوعدهم على صدقهم مبايعة النبي -ﷺ- جنات النعيم. والوعيد الشديد على المنافقين والمشركين وتأكيد صليهم الجحيم.\nفقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن عباس: (السكينة: الرحمة). وفي رواية عنه: (﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: جعل الطمأنينة). وقال قتادة: (الوقار في قلوب المؤمنين). والمقصود: أصحاب النبي -ﷺ- الذين استجابوا للَّه ولرسوله وصدقوا ما عاهدوا عليه، وبايعوا يوم الحديبية منقادين لحكم اللَّه ورسوله.\nوقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. دليل على زيادة الإيمان وأنه غير ثابت، وقد استدل بهذه الآية الإمام البخاري ﵀ على أن الإيمان يزيد وينقص، وروى في الباب عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عديِّ بن عديِّ: (إن للإيمان فرائضَ وشرائعَ وحدودًا وسُننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبيّنها لكم حتى تعملوا بها، وإنْ أمُت فما أنا على صحبتكم بحريص) (١).\nوالمقصود: لما انقاد المؤمنون الأوائل لحكم اللَّه ورسوله أنزل في قلوبهم الطمأنينة ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. قال الربيع بن أنس: (خشيةً مع خشيتهم). وقال الضحاك: (يقينًا مع يقينهم).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه. قال ابن عباس: (يريد الملائكة والجن والشياطين والإنس).\nقال ابن كثير: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: ولو أرسلَ عليهم مَلَكًا واحدًا لأباد خَضْراءهم، ولكنه تعالى شَرَعَ لعباده المؤمنين الجهادَ والقتالَ، لما له في ذلك\n_________\n(١) ذكره البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه: \"باب: قول النبي -ﷺ- بني الإسلام على خمس. وهو قول وفعل، ويزيد وينقص\". انظر مختصر صحيح البخاري ص (٦ - ٧) - الألباني.","vol":"7","page":338},{"text":"من الحكمة البالغة والحجَّةِ القاطعة، والبراهين الدامغة، ولهذا قال جلت عظمته: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾).\nوقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\nأخرج الإمام أحمد من حديث أنس -في نزول سورة الفتح مرجعه -ﷺ- من الحديبية وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة- قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لقد أنزلت عليَّ آيتان هما أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا. قال: فلما تلاهما قال رجل: هنيئًا مريئًا يا رسول اللَّه قد بيّن لك ما يفعل بك فما يفعل بنا؟ فأنزل اللَّه ﷿ الآية التي بعدها ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾] (١).\nورواه البخاري عن أنس أيضًا: [﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: الحديبيةُ، قال أصحابه: هنيئًا مريئًا فما لنا؟ فأنزل اللَّه ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\nخلود في الجنان بعد تكفير الذنوب والسيئات، هو بحق أعظم الخيرات والمسرّات.\nوقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ أي: بإيصال الهموم إليهم بسبب عُلُوّ كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبيّ ﵇ قَتْلًا وأَسْرًا واسترقاقًا. ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ يعني ظنهم أن النبي -ﷺ- لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم. كما قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢]).\nوقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾. أي: بالتعذيب في الدنيا بمختلف أنواع الوقائع، كالقتل والسبي والأسْر والإهانة والإذلال، وفي الآخرة بعذاب النار.\nوقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾. أي: وسخط اللَّه عليهم فلا سبيل إلى سعادة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٢٢)، (٣/ ١٣٤)، (٣/ ١٥٣)، وانظر صحيح مسلم (١٧٨٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٧٢) - كتاب المغازي، وانظر كذلك (٤٨٣٤).","vol":"7","page":339},{"text":"قلوبهم، وطردهم من رحمته فلا سبيل إلى دخول جنته.\nوقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. أي: وجعل مصيرهم في الآخرة جحيمًا وسعيرًا، وقد ساءت جهنم مستقرًا ومقيلًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\nقال النسفي: (﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيدفع كيد من عادى نبيه ﵇ والمؤمنين بما شاء منها ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالبًا فلا يرد بأسه ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبّر).\n\n٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إرسالُ اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- بالبشارة للمؤمنين والنذارة للكافرين. وثناؤه تعالى على الصادقين المبايعين ووعدهم على ذلك الأجر العظيم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. قال قتادة: (شاهدًا على أمته على أنه قد بلغهم، ومبشرًا بالجنة لمن أطاع اللَّه، ونذيرًا من النار).\nوقوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. الخطابُ لرسول اللَّه -ﷺ- ولأمته.\nوقوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. فيه تأويلان ممكنان حسب عودة الضمائر:\nالتأويل الأول: الضمير -الهاء- يعود إلى اللَّه تعالى. فيكون المعنى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي تؤيدوا دينه وتقروه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تعظموه. وقيل: (أي تثبتوا له صحة الربوبية وتَنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك) - حكاه القشيري.\nالتأويل الثاني: الضمير -الهاء- يعود إلى الرسول -ﷺ-.\nقال ابن عباس: (\"ويعزّروه\" يعني الإجلال، \"ويوقّروه\" يعني التعظيم)، وهي في قراءة أبي جعفر المدني وأبي عمرو بن العلاء بالياء: (ليؤمنوا، ويعزروه ويوقروه، ويسبحوه). وأما عامة القراء فقراءتهم بالتاء، وهو الأشهر.\nوعن الضحاك: (﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ كل هذا تعظيم وإجلال).","vol":"7","page":340},{"text":"وعن قتادة: (﴿ويُعزروه﴾ ينصروه ﴿ويوقروه﴾ أمر اللَّه بتسويده وتفخيمه).\nوعن عكرمة: (﴿ويعزروه﴾ قال: يقاتلون معه بالسيف). قال ابن جرير: (ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصرة والمعونة ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال. فأما التوقير: فهو التعظيم والإجلال والتفخيم).\nقلت: التعزير ينصرف هنا إلى تعظيم هديه -ﷺ- ومتابعته بالنصر والجهاد، والتوقير ينصرف إلى حسن الأدب عند لقائه، وندائه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكُنية -واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ الضمير راجع إلى اللَّه ﷾ بلا خلاف. وفيه تأويلان متكاملان:\nالتأويل الأول: تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح.\nالتأويل الثانى: هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: غُدْوة وعَشِيًّا. -حكاه القرطبي.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾.\nأي: إن الذين يبايعونك -يا محمد- بالحديبية، إنما هم ببيعتهم لك يبايعون اللَّه تعالى.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد -ﷺ-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ بالحديبية من أصحابك على أن لا يفرّوا عند لقاء العدو، ولا يولُوهم الأدبار ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ يقول: إنما يبايعون ببيعتهم إياك اللَّه، لأن اللَّه ضمن لهم الجنة بوفائهم له بذلك).\nقال: (وفي قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وجهان من التأويل: أحدهما: يد اللَّه فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون اللَّه ببيعتهم نبيّه -ﷺ-، والآخر: قوة اللَّه فوق قوتهم في نُصرة رسوله -ﷺ-، لأنهم إنما بايعوا رسول اللَّه -ﷺ- على نُصرته على العدو).\nوقال الحافظ ابن كثير: (قال ﷿ لرسوله -ﷺ- تشريفًا له وتعظيمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: هو حاضر معهم يَسْمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول اللَّه -ﷺ-، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ","vol":"7","page":341},{"text":"اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]).\nقلت: والآية دليل على إثبات صفة اليد للَّه تعالى، بل له سبحانه يدان كلتاهما يمين. قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).\nوقوله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. أي: فمن نقض البيعة -يا محمد- فلم ينصرك وخالف ما وعد ربه فإنما يعود وبال نقضه عليه.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ -أي ثوابًا جزيلًا. قال قتادة: (وهي الجنة).\nوقوله: ﴿عَلَيْهُ﴾ - قال أهل العربية: الياء هنا حاجز غير حصين، أي: تحفظ حركة اللام لتضم الهاء بعدها نحو قولنا: (كتابَهُ، قلمَهُ). فاعتبروا الياء غير موجودة، وهذا فيه تفخيم لفظ الجلالة، وأما ﴿عَلَيْهِ اللَّه﴾ فهو رقيق. فهي عملية إيقاعية ترتيلية تفيد التفخيم، وتدل على نسبة العهد إلى اللَّه العظيم كما تنسب أمرًا إلى صاحبه فتقول: (كتابهُ، مكتبهُ) الذي يدل على التوقير والتعظيم.\nوهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، وكانت تحت شجرة سَمُرٍ بالحديبية، فإلى ذكر أخبار تلك البيعة من السيرة والسنة الصحيحة.\nلقد خرج رسول اللَّه -ﷺ- يوم الاثنين غُرَّة ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، واصطحب معه زوجته أم سلمة، وقصد بخروجه العمرة، وساق أمامه الهدي الكثير، الذي سيذبح في مكة ويطعم منه فقراؤها، وأخرج معه ألفًا وأربع مئة رجل، في تظاهرة عجيبة تفوح منها مشاعر التعظيم للبيت العتيق، وتُبْطِلُ خُطا رجالها دعاية قريش وإفكها ضد المسلمين بأنهم لا يقرون بحرمة الكعبة. وقد توقع النبي -ﷺ- تصدي قريش\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٢٧)، كتاب الإمارة، باب فضيلة الأمير العادل وعقوبة الجائر. . ورواه أحمد والنسائي. انظر صحيح الجامع (١٩٤٩).","vol":"7","page":342},{"text":"له أو محاولة قتاله، فخرج بأكبر عدد من المسلمين، وقد حملوا سلاحهم ليكونوا مستعدين لأسوأ الأحوال.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن المِسْور بن مَخْرمة ومروان بن الحكم قالا: [خرج رسول اللَّه -ﷺ- عامَ الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة] (١).\nوأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن البراء قال: [كنا مع النبي -ﷺ- أربعَ عشرَة مئة، والحديبية بئر. .] (٢).\nوكذلك خرّج البخاري عن جابر قال: [قال لنا رسول اللَّه -ﷺ- يومَ الحديبية: أنتم خيرُ أهل الأرض، وكنا ألفًا وأربع مئة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة] (٣).\nوالحديبية تبعد عن مكة اثنين وعشرين كيلًا، وسميت بها الغزوة لمنع قريش لهم دخول مكة فيها.\nولما وصل المسلمون إلى ذي الحُليفة صلوا فيها وأحرموا منها بالعمرة:\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الزبير: [أنه سمع جابرًا يُسْأَلُ: هل بايع النبي -ﷺ- بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها ولم يبايع عند شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية] (٤).\nوفي ذي الحليفة بعث رسول اللَّه -ﷺ- بسر بن سفيان الخزاعي الكعبي عينًا له إلى مكة.\nأخرج ذلك الإمام البخاري عن المِسْور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قالا: [خرج النبي -ﷺ- عامَ الحديبية في بِضْعَ عَشْرَةَ مئةٍ من أصحابه، فلما أتى ذا الحُليفة قَلَّدَ الهدي وأشْعَرَهُ وأحرم منها بِعُمرة، وبعث عينًا له من خزاعة] (٥).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٢٣) بسند حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٥٠) - كتاب المغازي. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين - القرآن والسنة الصحيحة (٢/ ٩٧٧ - ٩٨٤) - لتفصيل البحث.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤١٥٤) - كتاب المغازي.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٥٦) - كتاب الإمارة. باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال. وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤١٧٩) - كتاب المغازي.","vol":"7","page":343},{"text":"ثم مضى رسول اللَّه -ﷺ- يقود أصحابه حتى بلغ بهم عُسْفان على ثمانين كيلًا من مكة، فأتاه عينه الخزاعي بخبر قريش وجمعها المجموع لصدّه ومن معه عن دخول مكة، وأخبره بأن خالد بن الوليد قد خرج بخيل قريش إلى كراع الغميم التي تبعد أربعًا وستين كيلًا عن مكة لاستطلاع الموقف وليكونوا طليعة القتال والمباغتة.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث المسور السابق قال: [وسارَ النبي -ﷺ- حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عَيْنُهُ قال: إن قريشًا جمعوًا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك. فقال: أشيروا أيها النّاسُ عليَّ! أترون أن أميل إلى عيالهم وذراريِّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان اللَّه ﷿ قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول اللَّه خرجت عامدًا لهذا البيت لا تُريد قَتْلَ أحد ولا حَرْبَ أحد فتوجّه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم اللَّه] (١).\nثم صلى رسول اللَّه -ﷺ- بأصحابه بعسفان صلاة الخوف وذلك عندما علم بقرب خيل خالد والمشركين، وهي أول صلاة خوف صلاها ﵊، فكان بدء تشريعها في عُسفان من أرض الحديبية. وقد باغت الوحي بهذا التشريع العظيم فرسان خالد ومن معه من المشركين، الذين وقفوا مشدوهين لصلاة يحمل الرجال فيها السلاح ويكونون فريقين: فريق في السجود وفريق يتابع الحراسة.\nثم تحرك رسول اللَّه -ﷺ- بسرعة فسلك طريقًا وعرة عبر ثنية المرار وهي مهبط الحديبية، وأخذ يشد عزائم أصحابه ليصعدوها مسرعين. وقد أراد النبي -ﷺ- بهذه الحركة المفاجئة أن يغير طريقه لئلا يصطدم مع خالد بن الوليد وخيالة المشركين.\nأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: [خرج رسول اللَّه في زمنَ الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي -ﷺ-: إن خالدَ بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فواللَّه ما شعر بهم خالد، حتى إذا هُمْ بقترة الجيمض فانطلق يركض نذيرًا لقريش. . .] (٢).\nفما إنْ شعر خالد بمباغتة النبي -ﷺ- وبحركة الالتفاف السريعة التي قام بها، إلا طار\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٤١٧٩) - كتاب المغازي.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٢٧٣١)، (٢٧٣٢) - كتاب الشروط.","vol":"7","page":344},{"text":"إلى مكة نذيرًا، لتخرج معه قريش وتعسكر في بَلْدَح وهو واد بمكة، ولتنزل على الماء الذي هناك، مسابقةً بذلك إليه جيش المسلمين. ولكن ما إن اقترب النبي -ﷺ- من الحديبية حتى بركت ناقته، حبسها حابس الفيل، فعدل -ﷺ- عن دخول مكة إلى أقصى الحديبية.\nوفي هذه الأثناء كانت قريش تفور غليانًا، تخشى من نزول مَذَلَّةٍ جديدة بها، فهي وإن كان المسلمون قد جاؤوا مسالمين ما يريدون إلا زيارة البيت الحرام، إلا أنها كانت تخاف أن يتحدث العرب أن محمدًا دخل عليهم عنوة وهم ينظرون، ولذلك بدأت ترسل الوفود والمفاوضين.\nوكان رسول اللَّه -ﷺ- قد بعث خرّاش بن أمية الخزاعي، ثم أراد بعث عمر بن الخطاب ولكنه عدل عنه إلى عثمان بن عفان -كما روى أحمد من حديث المسور-: [فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول اللَّه إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني عثمان بن عفان. قال: فدعاه رسول اللَّه -ﷺ- فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنه جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، . . . فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه -ﷺ- ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللَّه -ﷺ-. قال: فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللَّه -ﷺ- والمسلمين أن عثمان قد قتل] (١).\nوهنا دعا رسول اللَّه -ﷺ- أصحابه إلى البيعة تحت الشجرة.\nقال ابن إسحاق: (فحدثني عبد اللَّه بن أبي بكر: أن رسول اللَّه -ﷺ-، قال حين بلغَه أن عثمان قد قُتِلَ: لا نبرح حتى نناجِزَ القوم، فدعا رسول اللَّه -ﷺ- الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة).\nفقام الأصحاب رضوان اللَّه عليهم يبايعون رسول اللَّه -ﷺ- على الثبات والصبر وألا يفروا عند القتال حتى يأذن اللَّه بنصر من عنده أو يموتوا دون ذلك.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن يزيد بن أبي عبيد قال: [قلت لسلمة بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٢٤)، وانظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٠٨) وإسناده حسن.","vol":"7","page":345},{"text":"الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول اللَّه -ﷺ- الحديبية؟ قال: على الموت] (١). وفي رواية: (على الصبر).\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ قال: [لم نبايع رسول اللَّه -ﷺ- على الموت، وإنما بايعناه على ألا نفرّ] (٢). وفي رواية، قال: [كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعَ مئة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سَمُرَةٌ، وقد بايعناه على أن لا نَفِرَّ ولم نبايعه على الموت].\nوقد ضرب رسول اللَّه -ﷺ- لعثمان بيده إذ كان محبوسًا وقال: هذه يد عثمان، هذه لعثمان.\nأخرج ذلك الإمام البخاري عن ابن عمر قال: [فبعث رسول اللَّه -ﷺ- عثمان وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة. فقال رسول اللَّه -ﷺ- بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان] (٣).\nولكن في هذه الأثناء رجع عثمان إلى المسلمين بعدما أنجزوا بيعة الرضوان، ورأت قريش إرسال بعض الرسل للتفاوض مع النبي -ﷺ-، فأرسلت عروة بن مسعود الثقفي، ثم أرسلت الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، ثم أرسلت مكرز بن حفص، ثم أرسلت سهيل بن عمرو الذي كتب الصلح.\nفإلى ذكر كامل القصة كما روى الإمام البخاري وأحمد وأبو داود في السنن.\nروى البخاري في كتاب الشروط من صحيحه عن مَعْمَر عن الزهري قال: أخبرني عروة بنُ الزبير، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ ومَرْوان بن الحكم، يُصَدّق كُلُّ واحد منهما حديث صاحِبِه، قالا: [خرجِ رسول اللَّه -ﷺ- زمنَ الحديبية في بضعَ عَشْرَةَ مئة من أصحابه، فلما أتى ذا الحُلَيفة قلَّدَ الهدي وأشعره، وأحرم منها بِعُمرة وبَعَثَ عينًا له من خُزاعة، وسارَ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينُه فقال: إنّ قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيشَ، وهم مقاتلوكَ وصادُّوك ومانعُوكَ. فقال: أشيروا أيّها الناسُ عليَّ، أَتَرونَ أن نَميل على عيالهم، وذراريّ هؤلاء الذين يريدون أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٦٩) - كتاب المغازي. وانظر للرواية الثانية - كتاب الجهاد والسير - حديث رقم (٢٩٣٨). وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ٩٩٣) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٣٦) - كتاب الإمارة. والسَّمُرة: نوع من شجر الطلح.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠٦٦) في الصحيح - كتاب المغازي.","vol":"7","page":346},{"text":"يصُدُّونا عن البيت؟ -وفي لفظ: أترون أن نميل على ذراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم- فإن يأتونا كان اللَّه قد قَطعَ عُنُقًا من المشركين وإلا تركناهم محزونين. وفي لفظ: \"فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين محرُوبين، وإن نجوا يكن عُنُقًا قطَعها اللَّه، أم ترون أن نؤمَّ البيت فمن صَدّنا عنه قاتلناه\". فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، خرجْتَ عامِدًا لهذا البيت لا نُرِيد قتل أحد ولا حَربًا، فتوجَّه له، فمن صدّنا عنه قاتلناه. فقال النبي -ﷺ-: \"فروحوا إذن\". وفي لفظ: \"فامضوا على اسم اللَّه تعالى\". حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي -ﷺ-: \"إنّ خالد بن الوليد في خيلٍ لقريش طليعة، فخذوا ذاتَ اليمين\". فواللَّه ما شَعَر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركضُ نذيرًا لقُريش، وسارَ النبي -ﷺ- حتى إذا كان بالثنيَّةِ التي يُهبَطُ عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألَحَّت، فقالوا: خَلأت القَصْواء، خَلأت القصواء. فقال النبي -ﷺ-: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بِخُلُق، ولكن حَبَسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطَّة يُعَظِّمونَ فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول اللَّه -ﷺ- العطش، فانتزع -ﷺ- من كنانته سهمًا ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول اللَّه -ﷺ- من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعْدادَ مياهِ الحديبية ومعهم العوذُ المطافِيلُ وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إنا لم نجِئْ لقتالِ أحد ولكِنّا جِئْنا مُعْتَمرين، وإنَّ قريشًا قد نَهَكَتْهُمُ الحربُ وأضَرَّت بهم فإن شاؤوا مادَدْتُهُم مُدَّةً ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظْهَرْ فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناسُ فعلوا وإلا فَقَدْ جَمُّوا، وإنْ هُم أُبوْا فوالذي نفسى بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولَيُنْفِذَنَّ اللَّه أمرَهُ. فقال بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنَّا قدْ جِئْناكم مِن هذا الرجل وسمِعْناه يقول قَوْلًا، فإن شِئتم أن نَعْرِضَهُ عليكم فَعلْنا. فقال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي مِنهم: هاتِ ما سَمِعْتَه يقول، قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال النبي -ﷺ-، فقام عُرْوةُ بن مَسْعود فقال: أيْ قومِ، ألَسْتُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو ألَسْتُ بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تَتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: ألَسْتُمْ تعلمونَ أني استَنْفَرْتُ أهل عُكاظ","vol":"7","page":347},{"text":"فلما بَلَّحُوا عليَّ جِئتكم بأهلي وولدي ومَنْ أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لكم خُطّةَ رُشْدٍ، اقْبلوها ودعوني آتِه، قالوا: ائْتِه، فأتاه فَجَعَل يُكَلِّمُ النبي -ﷺ- فقال النبي -ﷺ- نحوًا مِنْ قَولهِ لِبُدَيل، فقال عُروةُ عند ذلك: أيْ محمد، أرأيتَ إن اسْتَأْصَلْتَ أمر قومِكَ، هلْ سمعتَ بأحَدٍ من العرب اجتاحَ أهلَهُ قبلكَ؟ وإن تكُن الأخرى، فإني واللَّه لأرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خلِيقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امْصُصْ بَظْرَ اللاتِ، أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعَهُ؟ فقال: مَنْ ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيدِه لوْلا يَدٌ كانت لك عندي لمْ أَجْزِكَ بها لأجبتُّكَ، قال: وجَعَلَ يُكَلِّمُ النبي -ﷺ- فَكُلَّما تَكلَّمَ كَلِمَةً أخذَ بلحيَتِه والمغيرة بنُ شعبة قائمٌ على رأس النبي -ﷺ- ومَعَهُ السَّيْفُ وعليه المِغْفَر. فكلّما أهوى عروةُ بيده إلى لحيةِ النبي -ﷺ- ضرَبَ يده بِنَعْل السَّيف وقال له: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رسول اللَّه -ﷺ-، فرفع عُرْوَةُ رأسَهُ فقال: مَنْ هذا؟ قال: المغيرة بن شُعْبَةَ، فقال: أيْ غُدَرُ، ألَسْتُ أسْعَى في غَدْرَتِكَ؟ وكان المغيرةُ صَحِبَ قَوْمًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي -ﷺ-: أمَّا الإسلامَ فأقْبَلُ، وأما المالَ فلستُ منه في شيءٍ. ثم إنَّ عُرْوةَ جعلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبي -ﷺ- بِعَيْنَيهِ قال: فواللَّه ما تَنَخَّمَ رسولُ اللَّه -ﷺ- نُخامَةً إلا وقعت في كفِّ رجُلٍ منهم فدلكَ بها وَجْهَهُ وجِلْدَه، وإذا أمَرَهُم ابْتَدَرُوا أمْرَهُ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكَلّموا خَفَضُوا أصواتَهم عندُه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تعظيمًا له. فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أي قَوْمِ، واللَّه لقدْ وَفَدْتُ على الملوكِ وَوَفَدْتُ على قيصرَ وكِسْرى والنَّجاشي، واللَّه إنْ رأيتُ ملكًا قطُ يُعَظِّمُهُ أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصْحابُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مُحَمَّدًا، واللَّه إنْ يتنَخَّم نُخامةً إلا وقعتْ في كفّ رجلٍ منهم فَدَلكَ بها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وإذا أَمَرَهُمْ ابتدروا أمْرَهُ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تَكَلَّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون النَّظر إليه تعظيمًا له، وإنَّه قد عَرَضَ عليكم خُطَّة رُشْدٍ فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتِه، فقالوا: ائْتِه، فلما أشرفَ على النبي -ﷺ- وأصحابه قال رسول اللَّه -ﷺ-: هذا فلانٌ وهوَ مِنْ قومٌ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فابعثوها له. فبعثَت لهُ، واستقبَلَهُ الناسُ يُلَبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، فما رجَعَ إلى أصحابِه قال: رأيتُ البُدنَ قَدْ قُلِّدَتْ وأُشْعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام رجُلٌ منهم يقال له: مِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، فقال: دعوني آتِه، فقالوا: ائْتِه، فلما أشرفَ عليهم قال النبي -ﷺ-: هذا مِكْرَزٌ وهو رجلٌ فاجِرٌ، فجعل يكلِّم النبي -ﷺ- فبينما هو","vol":"7","page":348},{"text":"يُكلمه إذ جاء سهمل بن عمرو. قال مَعْمَرٌ: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي -ﷺ-: قد سَهُلَ لكم من أمْرِكُم. فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتُب بينَنا وبينكُم كتابًا، فدعا النبي -ﷺ- الكاتب فقال النبي -ﷺ- اكتب: \"بسم اللَّه الرحمن الرحيم\"، فقال سُهيلٌ: أما الرحمن فواللَّه ما أدري ما هِيَ، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنتَ تكتُبُ، فقال المسلمونَ: واللَّه لا نكتبها إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقال النبي -ﷺ-: اكتب باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه، فقال سهيل: واللَّه لو كنّا نعلمُ أنك رسول اللَّه ما صَدَدْناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمدُ بنُ عبد اللَّه، فقال النبي -ﷺ-: واللَّه إني لرسولُ اللَّه وإن كذبتموني، اكتُب: محمدُ بنُ عبد اللَّه -قال الزهري: وذلك لقوله: \"لا يسألونني خُطَّة يُعظمون فيها حُرُمات اللَّه إلا أعطيتهم إيّاها\"- فقال له النبي -ﷺ-: على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيتِ فنطوفَ به. فقال سهيل: واللَّه لا تتحَدَّثُ العربُ أنّا أُخِذْنا ضُغْطَةً، ولكن ذلكَ من العام المقبل، فكتَبَ، فقال سُهَيْلٌ: وعلى أنه لا يأتيكَ مِنَّا رجلٌ -وإن كان على دينك- إلا رَدَدْتَهُ إلينا. قال المسلمون: سبحان اللَّه، كيف يردُّ إلى المشركين وقد جاءَ مُسْلِمًا؟ فبينما هم كذلكَ إذْ دَخَلَ أبو جَنْدَلِ بنُ سهيل بن عمرو يَرْسُفُ في قُيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أوَّلُ مَنْ أقاضِيكَ عليه أن ترُدَّهُ إليَّ، فقال النبي -ﷺ-: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بَعْدُ. قال: فواللَّه إذن لَمْ أُصالِحْكَ على شيء أبدًا. قال النبي -ﷺ-: فَأَجِزْه لي، قال: ما أنا بِمجيزٍ ذلك لك. قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعلٍ، قال مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أجَزْناهُ لك، قال أبو جندل: أي مَعْشَرَ المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مُسْلِمًا؟ ألا ترونَ ما قَدْ لَقيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللَّه. قال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيَّ اللَّه -ﷺ- فقلت: ألست نبيَّ اللَّهِ حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فَلِمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذن؟ قال: إني رسول اللَّه ولسْتُ أعْصيه، وهو ناصري. قلتُ: أوليسَ كنت تَحدَّثتنَا أنّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به؟ قال: بلى، فأخْبَرْتُكَ أنّا نأتِيه العامَ؟ قال: قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتيه ومُطَوِّفٌ به. قال: فأتيتُ أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيَّ اللَّه حَقًا؟ قال: بلى، قُلْتُ: أَلسْنا على الحق وعَدُوُّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلتُ: فَلِمَ نُعطي الدنيَّةَ في ديننا إذن؟، قال: أيها الرجلُ، إنه رسول اللَّه -ﷺ- وليس يَعْصي ربَّهُ وهو ناصِرُهُ، فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فواللَّه إنَّهُ على الحق، قلت: أليسَ كان يُحَدِّثُنا أنا سنأتي البيتَ فنطوِّفُ به؟ قال: بَلى،","vol":"7","page":349},{"text":"أفَأَخْبَرَكَ أنَّكَ تأتيه العام؟ قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتيه ومُطَوِّفٌ به.\nقال الزُّهْري: قال عمر: فَعَمِلْتُ لذلك أعمالًا. قال: فلمّا فرغ من قَضِيَّةِ الكتاب قال رسول اللَّه -ﷺ- لأصحابه: قُوموا فانْحَروا ثم احْلِقوا. قال: فواللَّه ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مَرّات، فلمّا لم يَقُمْ منهم أحَدٌ دَخَلَ على أُمِّ سَلَمَةَ فذكرَ لها ما لقِيَ من الناس فقالت أمّ سلمة: يا نبي اللَّه، أتحِبُّ ذلك؟ اخْرُجْ ثم لا تُكَلِّم أحَدًا منهم كَلِمةً، حتى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فخرج فلم يُكَلِّم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نَحَرَ بُدْنَهُ، ودعا حالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجَعَل بعضهم يَحْلِقُ بَعْضًا حتى كادَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. ثم جاءه نِسْوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرك، فتزوج إحداهُما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي -ﷺ- إلى المدينة. فجاءه أبو بصير رجل من قريش. . -] (١). وسيأتي تمام القصة عند تفسير الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ إن شاء اللَّه.\n\n١١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: فَضْحُ سلوك المنافقين وكَشْفُ كَذِبِ قلوبهم، وتَوَعُّد اللَّه من لا يؤمن به وبرسوله إنزال عذابه المؤلم بهم، فاللَّه تعالى هو الملك يغفر لمن يشاء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٣١) - (٢٧٣٢) - كتاب الشروط، وأخرجه أبو داود (٢٧٥٦) وأحمد (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٨)، وابن حبان (٤٨٧٢) مطولًا.","vol":"7","page":350},{"text":"ويعذب من يشاء وهو الغفور للمؤمنين الرحيم بهم.\nفقوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾.\nقال مجاهد: (أعراب المدينة جهينة ومزينة، استتبعهم لخروجه إلى مكة، قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاؤوه، فقتلوا أصحابه فنقاتِلهم! فاعتلوا بالشغل) - وهو حسن مرسل.\nفلقد استنفر رسول اللَّه -ﷺ- أثناء خروجه الأعراب الضاربين حول المدينة كمزينة وجهينة ونحوهم من أهل البوادي للخروج معه، فاعتذروا إليه بهذه الطريقة الهزيلة التي سجَّلها القرآن في حقهم وعابها عليهم، إذ كان الدافع لذلك جبنًا وجدوه في صدورهم، لقد رأوا فيها عمرة محفوفة بالمخاطر.\nلقد ظنوا أن الفرار أجدى، وأن الاعتذار إلى النبي -ﷺ- سهل، فيما لو قُدِّر وعاد منتصرًا، ففضحهم اللَّه وذمَّهم في قرآن يُتلى.\nوقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: قل لهؤلاء الأعراب الذين يسألونك أن تستغفر لهم لِتَخَلُّفِهِم عنك: إن أنا استغفرت لكم أيها القوم، ثم أراد اللَّه هلاككم أو هلاك أموالكم وأهليكم، أو أراد بكم نفعًا بتثميره أموالكم وإصلاحه لكم أهليكم، فمن ذا الذي يقدر على دفع ما أراد بكم من خير أو شر واللَّه لا يعازّه أحد، ولا يغالبه أحد).\nوالقراءة المشهورة ﴿ضَرًّا﴾ بالفتح، وهي خلاف النفع، وهي قراءة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين، في حين قرأها بالضم ﴿ضَرًّا﴾ عامة قراء الكوفة، وهي بمعنى البؤس والسَّقم.\nوقوله: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تهديد ووعيد، أي: فيجازيكم عليه.\nوقوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾. قال قتادة: (ظنوا بنبي اللَّه -ﷺ- وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنه سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي اللَّه -ﷺ-).\nقال القرطبي: (﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ﴾ أي النفاق. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وهذا التزيين من","vol":"7","page":351},{"text":"الشيطان، أو يخلق اللَّه ذلك في قلوبهم. ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أن اللَّه لا ينصر رسوله).\nوقوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال مجاهد: (هالكين). وقال قتادة: (فاسدين لا يصلحون لشيء من الخير). قلت: والبور في لغة العرب: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. وقوم بور: هَلْكى - حكاه الرازي والجوهري.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾.\nقال ابن كثير: (أي: من لم يُخلِص العمل في الظاهر والباطن للَّه فإنَّ اللَّه تعالى سَيُعَذِّبُهُ في السعير، وإن أظهرَ للناس ما يعتقدون خِلاف ما هو عليه في نفس الأمر).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nأي: وللَّه سلطان السماوات والأرض فهو الحاكم الملك المتصرف في شؤون ما خَلَق، فلا أحد يقدر على دفع أمره -معشر المنافقين- إن أراد تعذيبكم أو العفو عنكم. فبادروا بالتوبة من تَخَلُّفِكُم عن رسول اللَّه -ﷺ- فإن اللَّه يغفر للتائبين وهو الغفور الرحيم.\n\n١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: فَضْحُ اللَّه تعالى المنافقين في هَمِّهم جمع الغنائم رغم التكذيب بالحق والرسول الكريم، وتوجيه اللَّه رسوله لدعوتهم لاختبار قادم يُكْشَفُ فيه أهل الصدق من الكاذبين. وإعذار اللَّه الأعمى والأعرج والمريض ووعده المخبتين للَّه","vol":"7","page":352},{"text":"ورسوله جنات النعيم، والمعرضين المكذبين عذاب الجحيم.\nفقوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.\nأي: سيقول لك -يا محمد- المخلفون عن صحبتك إذا سرت معتمرًا، إذا انطلقت وأصحابك إلى ما أفاء اللَّه عليكم -مما وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر- ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾. قال ابن جرير: (إلى خيبر فنشهد معكم قتال أهلها. . . يريدون أن يغيروا وعد اللَّه الذي وعد أهل الحديبية). قال مجاهد: (تخلفوا عن الخروج إلى مكة، فلما خرج النبي -ﷺ- وأخذ قومًا ووجّه بهم قالوا ذَرُونا نتّبعكم فنقاتل معكم).\nوقوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: من قل الرجوع من الحديبية ومن قبل سؤالكم الخروج إلى مغانم خيبر.\nقال قتادة: (أي إنما جعلت الغنيمة لأهل الجهاد، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب).\nقال ابن كثير: (أمر اللَّه تعالى رسوله -ﷺ- ألا يأذن لهم في ذلك معاقبةً لهم من جنس ذنبهم، فإن اللَّه تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يَشْرَكُهم غيرُهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غيرُ ذلك شرعًا وقدرًا).\nوقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قال ابن زيد: (أَنْ نُصيب معكم غنائم).\nوقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال القرطبي: (يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا. وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلًا، وهو ترك القتال).\nوقوله: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.\nاختلف المفسرون في المقصود من قرأ في هذه الآية على أقوال:\n١ - قال ابن عباس: (﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أهل فارس). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (فارس والروم). وعن كعب قال: (الروم). وعن مجاهد: (هم أهل الأوثان).\n٢ - وقال عكرمة: (هوازن وثقيف). وقال قتادة: (هي هوازن وغطفان يوم حنين). وفي رواية قال: (فدُعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف، فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد).","vol":"7","page":353},{"text":"٣ - وعن الزهري، قال. (بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب). وفي رواية عنه قال: (لم يأت أولئك بعد).\n٤ - وقال مجاهد: (هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعيّن فرقة) -واختاره ابن جرير- وهو الأقرب واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. قال ابن كثير: (يعني يُشرَعُ لكم جِهادهم وقتالُهم، فلا يزال ذلك مستمرًا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يُسلمِون فيدخُلُون في دينكم بلا قتال بل باختيار).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: فإن تخبتوا لأمر اللَّه وتنفروا للجهاد وقتال أعداء هذا الدين فلكم الأجر الجزيل بِعِزِّ الدنيا وسعادةِ الآخرة، وإن تتخلفوا كما فعلتم يوم المسير إلى مكة -زمن الحديبية- فإن عذاب اللَّه نازل بكم.\nوقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾.\nقال قتادة: (عذر اللَّه أهل العذر من الناس). قال الضحاك: (يعني في القتال). وقال ابن زيد: (في الجهاد في سبيل اللَّه). أي. ليس على الأعمى ضيق ولا المريض ولا الأعرج في شهود الحرب للعلل بهم. قال المهايميّ: (﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: وإن أمكنه القتال بإحساس صوت مشي العدوّ، ومشي فرسه، لكن يصعب عليه حفظ نفسه عنه. ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ أي: وإن أمكنه القتال قاعدًا، لكن لا يمكنه الكرّ والفرّ، ولا يقوى قوة القائم. ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي: فإنه وإن أمكنه الإبصار والقيام، فلا قوة له في دفع العدوّ، فضلًا عن الغلبة عليه).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\nقال القاسمي: (أشار تعالى إلى أن هؤلاء، وإن فاتهم الجهاد لا ينقص ثوابهم إذا أطاعوا اللَّه ورسوله). يعني: الأعمى والأعرج والمريض.\nوعموم الآية يفيد أن من يطع اللَّه ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء اللَّه يدخله جنات النعيم، ومن يتخلف يعذبه بالخزي والمذلّة في الدنيا، ثم في الآخرة في عذاب الجحيم.","vol":"7","page":354},{"text":"١٨ - ١٩. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: لقد علم اللَّه في نفوس المؤمنين من أصحاب الشجرة صدق قلوبهم ونياتهم، وإخلاصهم في الوفاء بما ذهبوا إليه وتعاقدوا معك عليه يا محمد، فأمدّهم بتثبيت من عنده، وملأ قلوبهم صبرًا وطمأنينة، ثم أثابهم بصدق عزائمهم ونياتهم فتحًا في القريب العاجل، عوضهم به سبحانه مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم أهلها، فأنزل سبحانه فتحًا قريبًا أتحف به حياتهم وأظهر به شوكتهم وبسط به نفوذهم في الأرض، وسمعت بهم فيه ملوك الدنيا من فارس والروم، ألا وهو الإجهاز على يهود المكر في خيبر.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر بن عبد اللَّه: [في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال جابر: بايعنا رسول اللَّه -ﷺ- على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت] (١).\nوعن قتادة: (﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الصبر والوقار).\nقال ابن جرير: (فأنزل الطمأنينة، والثبات على ما هم عليه من دينهم وحُسن بصيرتهم بالحق الذي هداهم اللَّه له).\nوقوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. أي: ثم أثابهم سبحانه بصدق عزائمهم ونياتهم، فتحًا قريبًا يفرحون به ويأنسون بآفاقه. قال قتادة: (بلغني أنها خيبر). قال ابن كثير: (﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: وهو ما أجرى اللَّه على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم. وما حصَلَ بذلك من الخير العام والمستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حَصَل لهم من العزِّ والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمً﴾).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٢٩٤) - أبواب السِّير عن رسول اللَّه -ﷺ-. باب ما جاء في بيعة النبي -ﷺ-، ورواه مسلم دون الآية.","vol":"7","page":355},{"text":"٢٠ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: وَعْدُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين المغانم الكثيرة عقب الحديبية، وكشف سنته تعالى في إذلال الكافرين وإلقاء الرعب في قلوبهم، وامتنانه تعالى على المؤمنين بصرف كيد المشركين عنهم ومكرهم.\nفعن مجاهد: (﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ قال: المغانم الكثيرة التي وعدوا: ما يأخذونها إلى اليوم).\nوقوله: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. قال ابن عباس: (يعني صلح الحديبية). وقال مجاهد: (عجل لكم خيبر). وقال ابن زيد: (يوم خيبر).\nوقوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾. قيل: هم اليهود كفّ اللَّه أيديهم عن عيال الذين ساروا من المدينة مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى مكة. قال قتادة: (كفَّ أيدي الناس عن عيالهم بالمدينة). وقال في رواية: (عن بيوتهم، وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر، وكانت خيبر في ذلك الوجه). قال ابن كثير: (﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: لم يَنَلْكُم سوءٌ مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كفَّ أيديَ الناس الذين خلفتموهم وراء أَظْهُركم عن عيالِكم وحريمكم).\nوقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (وليكون كفه تعالى ذكره أيديهم عن عيالهم آية وعبرة للمؤمنين به، فيعلموا أن اللَّه هو المتولي حياطتهم وكلاءتهم في مشهدهم ومغيبهم، ويتقوا اللَّه في أنفسهم وأموالهم وأهليهم بالحفظ وحُسن الولاية ما كانوا مقيمين على طاعته منتهين إلى أمره ونهيه).\nوقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. أي طريقًا قويمًا لا اعوجاج فيه، مبناه على","vol":"7","page":356},{"text":"الثقة باللَّه الذي يحفظكم ويختار لكم ما فيه مصلحة دنياكم وآخرتكم، وإن كرهتموه في الظاهر فإنه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.\nأي: ونصر آخر وفتح جديد وغنيمة أخرى لم تكونوا تقدرون عليها، ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ بأن أعدّها لكم وحفظها لوقتها فهو على كل شيء قدير. قال القرطبي: (ومعنى: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: أي أعدّها لكم، فهي كالشيء الذي قد أحيط به من جوانبه، فهو محصور لا يفوت، فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. وقيل: ﴿أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ على أنها ستكون لكم، كما قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقيل: حفظها اللَّه عليكم، ليكون فتحها لكم).\nوقد اختلف في تحديد هذه الغنيمة على أقوال:\nقال ابن عباس: (فارس والروم). وقال مجاهد: (ما فتحوا حتى اليوم). وفي رواية: (هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة). وقال قتادة: (كنا نحدث أنها مكة) -واختاره ابن جرير- واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.\nبشرى من اللَّه سبحانه لعباده المؤمنين، بأنهم أصبحوا في حالة شوكة وتمكين، فلو قاتلكم بعد هذا الفتح والنصر المعجل الكفار لولوكم أعجازهم في الحرب مدبرين، فعل المنهزم الذليل، ثم لا يجدون من يواليهم على حربكم وينصرهم عليكم.\nوقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.\nأي: هذه سنّته تعالى التي مضت في الفريقين: أهل الإيمان وأهل الكفر، فإنه ما تقابل الكفر والإيمان في مشهد إلا زلزل اللَّه الكافرين ونصر المؤمنين، كما كان ذلك يوم بدر حين رضي سبحانه عن فئة الإيمان المستضعفين، فَسَلّطهم على رقاب المشركين، وأعلى بهم راية الحق والدين.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.\nامتنان من اللَّه سبحانه على النبي -ﷺ- والصحابة رضوان اللَّه عليهم أن صرف أيدي المشركين وغدرهم وأذاهم عنهم فلم ينالوا منهم، وكذلك صرف أيدي المؤمنين عن","vol":"7","page":357},{"text":"المشركين عند المسجد الحرام فلم يحصل قتال، بل صان الفريقين لما فيه خير المسلمين وجميل عاقبتهم.\nوقد جاء في أسباب نزول هذه الآيات أحاديث كثيرة:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس قال: [لما كان يوم الحديبية هبط على رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة بالسلاح، من قِبَل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول اللَّه -ﷺ-، فدعا عليهم فأخذوا. قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾] (١).\nفقد تخلل كتابة العقد -يوم الحديبية- بعض الغدر من قريش وبعض الطيش من شبابها، إلا أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم تمكنوا من الإحاطة بهم بسرعة، وأحضروهم بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- أذلاء صاغرين، فهؤلاء كانوا ثمانين رجلًا أرادوا أخذ معسكر المسلمين غرّة، فَأُسروا وجيء بهم إلى رسول اللَّه -ﷺ- فعفا عنهم وأذن بإطلاقهم.\nثم خرج هجوم آخر مفاجئ من ثلة من شباب قريش أثناء الحوار الذي دار بين رسول اللَّه -ﷺ- وسهيل بن عمرو، فما رأى المسلمون إلا وثلاثون شابًا يَنْقَضُون عليهم بأسلحتهم، فحرك النبي -ﷺ- شفتيه بدعاء سريع إلى اللَّه، فأخذ اللَّه بأسماعهم، ووثب الصحابة فأسروهم، وتفصيل ذلك في الحديث الآتي:\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن مغفل المزني ﵁ قال: [كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في أصل الشجرة التي قال اللَّه تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول اللَّه -ﷺ- وعلي بن أبي طالب ﵁، وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول اللَّه -ﷺ- لعلي ﵁: اكتب باسم اللَّه الرحمن الرحيم، فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال: اكتب باسمك اللهم -وكتب- هذا ما صالح عليه محمد رسول اللَّه أهل مكة. فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللَّه. قال: فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح، فثاروا في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨٠٨) - كتاب الجهاد والسير. قصة الحديبية.","vol":"7","page":358},{"text":"وجوهنا، فدعا عليهم رسول اللَّه -ﷺ-، فأخذ اللَّه تعالى بأسماعهم، فقمنا إليهم فأخذناهم. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانًا؟ فقالوا: لا، فخلّى سبيلهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾] (١).\nثم حصل غدر ثالث من المشركين بعد إبرام الصلح وقد اختلط المسلمون بالمشركين وجلسوا معًا تحت الشجر في بطن الوادي.\nفعن قتادة قال: (ذكر لنا أن رجلًا يقال له ابن زنيم اطلع على الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول اللَّه -ﷺ- خيلًا فأتوا باثني عشر من الكفار فقال لهم: هل لكم علي عهد؟ هل لكم عليّ ذمة؟ قالوا: لا، فأرسلهم، وأنزل اللَّه تعالى في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾).\nوهذا الذي ذكره قتادة يشهد له الحديث الآتي:\nالحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن سلمة قال: [ثم إنَّ المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعف، واصطلحنا. قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد اللَّه أسقي فرسه، وأحُسُّهُ وأخدِمُهُ وآكل من طعامه، وتركتُ أهلي ومالي مهاجرًا إلى اللَّه ورسوله -ﷺ-. قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرةً فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول اللَّه -ﷺ-، فأبغضتُهُم فتحولت إلى شجرة أخرى وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين! قُتِلَ ابن زُنَيم. قال: فاخترطت سيفي ثم شَدَدْتُ على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذتُ سلاحهم فجعلته ضِغثًا في يدي، قال: ثم قلت: والذي كرَّمَ وجْهَ محمد لا يَرْفَعُ أحد منكم رأسه إلا ضَرَبْتُ الذي فيه عيناه. قال: ثم جِئتُ بهم أسوقهم إلى رسول اللَّه -ﷺ-. قال: وجاء عمّي عامِرٌ برجل من العَبَلاتِ يُقال له مِكْرَزٌ يقوده إلى رسول اللَّه -ﷺ- على فرس مُجَفَّفٍ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول اللَّه -ﷺ- فقال: دعوهم يكن لهم بَدْءُ الفجور وثناه، فعفا عنهم رسول اللَّه -ﷺ- وأنزل اللَّه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٨٧)، ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (١٨٠٧) - كتاب الجهاد، باب غزوة ذي قرد. وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٥٢ - ٥٤).","vol":"7","page":359},{"text":"ويبدو أن هذه الآية من سورة الفتح قد نزلت في هذه الحوادث جميعها، ومن ثمَّ فلا مانع من تعدد أسبابها، كما لم يكن عند طغاة مكة مانع من تكرار الغدر مرة تلو الأخرى، وفي كل مرة كان اللَّه يذيقهم الذل والخزي والصغار.\nالحديث الرابع: أخرج البخاري في صحيحه عن المسور ومروان قالا: [. . ثم رجع النبي -ﷺ- إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجلٌ من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به، حتى بلغا ذا الحُليفة فنزلوا يأكلون من تَمْرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللَّه إني لأرى سَيْفَكَ هذا يا فلانُ جيدًا، فاسْتَلَّه الآخر فقال: أجل واللَّه إنه لجيّد، لقد جَرَّبْتُ به ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بصير: أرني أنظرْ إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعْدو، فقال رسول اللَّه -ﷺ- حين رآه: لقد رأى هذا ذُعْرًا، فلما انتهى إلى النبي -ﷺ- قال: قُتِل واللَّه صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي اللَّه قد واللَّه أوفى اللَّه ذِمَّتَكَ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني اللَّه منهم. قال النبي -ﷺ-: وَيْلُ أمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيَرُدُّه إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر. قال: ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندل بنُ سُهَيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجلٌ قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فواللَّه ما يسمعون بِعيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبي -ﷺ- تُناشِدُه باللَّه والرَّحم لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أتاه فهو آمن، فأرسل النبي -ﷺ- إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وكانت حميّتُهم أنهم لم يقروا أنه نبيّ اللَّه ولم يقروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وحالوا بَيْنَهم وبين البيت] (١).\n\n٢٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٢٧٣١)، وكذلك (٢٧٣٢) - كتاب الشروط.","vol":"7","page":360},{"text":"كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات كفر طغاة مكة الذين صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام بقصد العمرة وقد ساقوا الهدي، وإثبات أن الجهاد لا يكون إلا عند تميّز الصفوف، فقد منع اللَّه نبيّه -ﷺ- من دخول مكة عنوة دخول الفاتحين، لوجود مؤمنين مستضعفين، الأمر الذي قد ينالهم به الأذى لو فعلوا ذلك. وامتنان اللَّه تعالى على رسوله وعلى المؤمنين إنزاله السكينة على قلوبهم، وحمايتهم بكلمة التقوى وهو أعلم بأحوالهم وما يصلح أمرهم.\nفعن قتادة: (﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾. أي: محبوسًا).\nوقوله: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي: وصدوا الهدي وكان سبعين بدنة عن وصوله إلى محلّه ليذبح ويطعم منه فقراء مكة. قال النسفي: (﴿مَحِلَّهُ﴾ مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب، وهذا دليل على أن المحصر محل هديه الحرم، والمراد المحل المعهود وهو منى). وقال الشافعي: (الحرم). قلت: ولا شك أن مكة كلها منحر، وفجاجها منحر، ولكن اللَّه بفضله جعل ذلك الموضع -حين أحصر نبيّه والمؤمنون- محلًا.\nوفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد اللَّه قال: [نَحَرْنا مع رسول اللَّه -ﷺ- عام الحديبية البَدَنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة] (١).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللَّه قال: [اشتركنا مع النبي -ﷺ- في الحج والعمرة، كُلُّ سَبْعَةٍ في بَدَنَةٍ، فقال رجل لجابرٍ: أَيُشْتَرَكُ في البَدَنَةِ ما يُشْتَرَكُ في الجَزُور؟ قال: ما هي إلا مِنَ البُدن].\nقال: وحضر جابر الحديبية قال: [نَحَرْنا يومئذ سَبْعين بَدَنَةً، اشتركْنا كُلُّ سَبْعةِ في بَدَنَةٍ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣١٨) - كتاب الحج. ومالك (٢/ ٤٨٦)، وأخرجه أبو داود (٢٨٠٩)، والترمذي (٩٠٤)، وابن ماجة (٣١٣٢)، وابن حبان (٤٠٠٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٣١٨) ح (٣٣٣ - ٣٣٤)، من حديث جابر.","vol":"7","page":361},{"text":"وفي صحيح البخاري عن المِسْور ﵁: [أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- نَحَر قبل أن يَحْلِقَ وأمر أصحابه بذلك] (١).\nوفيه عن كَعْب بن عُجْرَةَ قال: [وقف عليَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- بالحديبية ورأسي يَتَهافَتُ قَمْلًا، فقال: يُوْذيكَ هَوَامُّكَ؟ قلتُ: نَعَمْ، قال: فاحلِقْ رأسَكَ. قال: فِيَّ نَزَلتْ هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلى آخرها. فقال النبي -ﷺ-: صُمْ ثلاثةَ أيام، أو تَصَدَّق بِفرَقٍ بَيْن سِتَّةٍ، أو نُسُكٍ مما تَيَسَّر] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.\nقال قتادة: (فكان بها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، فكره اللَّه أن يُؤذَوا أو يوطَؤُوا بغير علم، فتصيبكم منهم معرة بغير علم).\nوفي قوله: ﴿مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال ابن زيد: (إثم بغير علم). وقال ابن إسحاق: (والمعرّة: هي المفعلة من العُرّ، وهو الجرب، وإنما المعنى: فتصيبكم من قِبَلهم معرة تعرُّون بها، يلزمكم من أجلها كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة، من أطاق ذلك، ومن لم يطق فصيام شهرين).\nفكان من الحكمة والحال هذه ألا يدخل المسلمون مكة عنوة، لئلا يقع مسلموها المستضعفون في الضيق والأذى بسبب محاولة قريش استخدامهم دريئة تنتقم من المسلمين بهم، وتنزل نقمتها وحقدها عليهم.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولولا رجال من أهل الإيمان ونساء منهم أيها المؤمنون باللَّه أن تطؤوهم بخيلكم ورجلكم لم تعلموهم بمكة، وقد حبسهم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون من أجل ذلك الخروج إليكم فتقتلوهم).\nقلت: ومن هنا ندرك حجم المصيبة التي تنزل ببعض الأقليات المسلمة المبعثرة في أرجاء المعمورة والتي أسلمت يومًا بفضل اللَّه نتيجة للفتوحات الإسلامية التي طالت تلك البلاد عبر التاريخ، وذلك عندما تحاول تلك المجموعات الاستقلال عن حكومات تلك البلاد باللجوء إلى العنف والقتال، وهي تعيش متفرقة داخل تلك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨١١) - كتاب المُحْصر. باب النحر قبل الحلق في الحَصر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨١٥) - كتاب المُحْصَر. وانظر كذلك (١٨١٤).","vol":"7","page":362},{"text":"البلاد، فينالها عند ذلك من الشر والتشريد ما لا يعلمه إلا اللَّه، وكان أولى بهؤلاء وأمثالهم، أن يصبروا على بناء جماعة الحق في واقعهم، ويصقلوا هذا البناء بالصدق واليقين والعمل الصالح والصبر على منهاج النبوة في التغيير، حتى يأذن اللَّه لهم بحال فيه نصرهم متى رضي عن دينهم وامتثالهم، أو يأذن لهم بالهجرة إلى حيث يعز فيه سبحانه أهل العزائم من الطائفة المنصورة، وأما عند الفوضى واختلاط الصفوف فلا يوجد جهاد حتى تتضح راية الحق وتتميز من راية الباطل.\nوقوله: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. أي: ليدخل اللَّه في الإسلام من أهل مكة من يشاء قبل أن تدخلوها.\nوقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾. قال القُتبي: (أي تميّزوا). وقال الكلبي: (لو تفرّقوا). وقال الضحاك: (لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف).\nوقوله: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: لو تميز مشركو مكة من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين لم تعلموهم، لَسَلَّطَ اللَّه المؤمنين على المشركين بالقتل أو الأسر أو نوع آخر من العذاب الآجل.\nوقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.\nالحمية: فعِيلة، وهي الأنَفَة. قِال الزُّهْري: (حَمِيَّتُهم أنفتهم من الإقرار للنبي -ﷺ- بالرسالة والاستفتاح بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ومنعهم من دخول مكة).\nوقال ابن بحر: (حمِيّتُهم عصبيّتُهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه تعالى، والأنفة من أن يعبدوا غيرها).\nوقيل: (﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ إنهم قالوا: قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا في منازلنا، واللات والعزى لا يدخلونها أبدًا) - ذكره القرطبي.\nوقد مضى في حديث البخاري عن المسور ومروان قالا: [وكانت حميّتهم أنهم لم يقروا أنه نبيُّ اللَّه، ولم يقروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وحالوا بينهم وبين البيت] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٢٧٣١) - (٢٧٣٢) - كتاب الشروط.","vol":"7","page":363},{"text":"قلت: وكل ما سبق ذكره داخل في مفهوم الحمية ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ التي تمسك بها المشركون واستندوا إليها.\nوقوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: فأنزل اللَّه الصبر والطمأنينة والوقار على رسوله -ﷺ- وعلى المؤمنين حين أظهر الكفار حمية الجاهلية.\nوقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال ابن عباس: (شهادة أن لا إله إلا اللَّه، فهي كلمة التقوى. يقول: فهي رأس التقوى). وقال عطاء الخراساني: (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه). وعن مجاهد: (﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال الإخلاص). وفي رواية: (كلمة الإخلاص). وقال سعيد بن جبير: (﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: لا إله إلا اللَّه، والجهاد في سبيله). وعن عروة، عن المسور قال: (لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له). وقيل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nقلت: ويجمع هذه الأقوال (شهادة أن لا إله إلا اللَّه) فإن إقامة هذه الشهادة بلوازمها وشروطها يجمع منهاج التقوى.\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، عن النبي -ﷺ-: [﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: (لا إله إلا اللَّه)] (١).\nوقوله: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾. قال قتادة: (وكان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها: أي التوحيد وشهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله).\nوقال أبو السعود: (﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ أي: متصفين بمزيد استحقاق لها). وقال القاسمي: ﴿وَأَهْلَهَ﴾ أي: المستأهل لها).\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. أي: يعلم حق كل شيء، فيسوقه إلى مستحقه. فهو يعلم المستحق للخير من المستحق للشر.\n\n٢٧ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٠٣) - كتاب التفسير، سورة الفتح - آية (٢٦).","vol":"7","page":364},{"text":"فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدُ اللَّه تعالى لرسوله بالرؤيا دخول المسجد الحرام مع أصحابه آمنين محلقين ومقصرين. ووعده تعالى رسوله الذي أرسله بالهدى والدين الحق الظهور التام على الكافرين.\nفقوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾.\nقال قتادة: (أُري في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام، وأنهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين).\nفقد كان رسول اللَّه -ﷺ- أُري في منامه أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر بذلك أصحابه وهو بالمدينة، فلما خرجوا عام الحديبية ظنوا تحقق الرؤيا هذا العام، فلما ظهر من الأمر ما ظهر وكان الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء.\nففي صحيح البخاري من حديث المسور ومروان: [قال عمر ﵁: فأتيت نبيَّ اللَّه -ﷺ- فقلت: ألستَ نبيَّ اللَّه حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلِمَ نُعطي الدنيّة في ديننا إذن؟ قال: إني رسول اللَّه، ولستُ أعصيه، وهو ناصري. قلت: أولستَ كنت تُحَدِّثنا أنا سنأتي البيتَ ونطوفُ به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَّوِفٌ به] (١).\nفجاءت الآية لتحقيق الخبر وتوكيده: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾. أي: آمنين حال دخولكم، ثم تحلقون أو تقصرون حال إتمام مناسككم.\nفإنه ما إنْ هَلَّ هلال ذي القعدة، وهو الشهر الذي صدّ فيه المشركون المسلمين عن المسجد الحرام، إلا تهيأ النبي -ﷺ- للخروج إلى مكة لقضاء العمرة، ووافق ذلك السنة السابعة للهجرة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٧٣١)، (٢٧٣٢)، وأخرجه أبو داود (٢٧٦٥)، وأحمد (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٨)، وابن حبان (٤٨٧٢) مطولًا.","vol":"7","page":365},{"text":"قال ابن القيم في \"زاد المعاد\": (قال سليمان التَّيمي: لما رجع رسول اللَّه -ﷺ- مِنْ خَيبر، بعث السرايا، وأقام بالمدينة حتى استهل ذو القعدة، ثم نادى في الناس بالخروج) (١).\nوقال الحاكم: (أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان) (٢).\nقال ابن هشام: (واستعمل على المدينة عُويف بن الأضبط الديلي).\nثم خرج رسول اللَّه -ﷺ- في أصحابه وساق ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جندب الأسلمي، وما إن بلغَ ذا الحليفة إلا أحرم للعمرة ولبّى، فلبى المسلمون معه، وكانوا قد خرجوا بسلاحهم خشية غدر قريش، فقد أمرهم رسول اللَّه -ﷺ- أن يكونوا مستعدين للطوارئ ومتهيئين لأسوأ الظروف والأحوال.\nقال موسى بن عقبة: (حتى إذا بلغ يأجُجَ (٣) وضع الأداة كُلَّها، الحَجَفَ والمِجَانَّ، والنَّبْلَ والرِّماح، ودخلوا بسلاح الراكب السيوف).\nوقد أراد بذلك رسول اللَّه -ﷺ- التزام العهد الذي كتبه مع قريش قبل عام.\nففي صحيح الإمام البخاري عن البراء، قال: [لما اعتمر النبي -ﷺ- في ذي القَعْدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. . . فكتب: هذا ما قاضى محمدُ بنُ عبدِ اللَّه لا يُدْخِلُ مكةَ السلاح إلا السيف في القِرَاب، وأن لا يخرُجَ من أهلها بأحد إن أراد أن يتبَعَهُ. وأن لا يَمْنَعَ من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها] (٤).\nفأبقى المسلمون أسلحتهم غير السيوف خارج الحرم، وخلف عليها رسول اللَّه -ﷺ- أوس بن خولى الأنصاري في مئتي رجل، ومضى داخلًا على ناقته القصواء، وقد أحدقت به طائفة من المسلمين متوشحي السيوف وهم يلبون.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٧٠) - ابن قيم الجوزية. وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ١١٨٥).\n(٢) انظر: \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\" (٧/ ٥٠٠). وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٢/ ١١٨٥) لمزيد من التفصيل.\n(٣) موضع على ثمانية أميال من مكة. والخبر ذكره ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١).\n(٤) حديث صحيح. رواه البخاري (٢٦٩٩) - كتاب الصلح. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٢/ ١١٨٦) لمزيد من التفصيل.","vol":"7","page":366},{"text":"يروي البخاري عن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: [لما اعتمر رسول اللَّه -ﷺ- سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول اللَّه -ﷺ-] (١).\nومضى الموكب الرهيب أمام أعين المشركين الذين جلسوا على جبل قعيقعان شمال الكعبة ينظرون إلى المسلمين، وكانوا قد أشاعوا في قومهم فقالوا: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب، فأمر رسول اللَّه -ﷺ- أصحابه بالرَّمَل في الطواف لإظهار القوة.\nفقد أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس قال: [قَدِمَ رسولُ اللَّه -ﷺ- وأصحابُه فقال المشركون: إنه يَقْدُم عليكم وَفْدٌ وَهَنَتْهُم حُمّى يثرب (وفي رواية لمسلم: ولقوا منها شدة)، وأمرهم النبي -ﷺ- أن يَرْمُلُوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين (وفي رواية مسلم: ليرى المشركون جَلَدهم)، ولم يَمْنَعْهُ أن يأمُرَهُم أن يَرْمُلوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم] (٢).\nوفي رواية: [لما قدم النبي -ﷺ- لعامِه الذي استأمن قال: ارْمُلُوا ليرى المشركون قوتهم، والمشركون من قِبَل قُعَيْقِعان].\nورواه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عبد اللَّه بن عباس: [أن قريشًا قالت: إنّ محمدًا وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، فلما قدم رسول اللَّه -ﷺ- لعامه الذي اعتمر فيه قال لأصحابه: ارمُلُوا بالبيت ثلاثًا ليرى المشركون قوتكم، فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتهم] (٣).\nثم أمر أصحابه فقال: اكشفوا عن المناكب واسْعَوا في الطواف، فامتثلوا الأمر بالاضطِباع، فكشفوا المناكب اليمنى وأبقوا طرف الرداء على اليسرى. ثم دخل مكة من قبل الثنية التي تطلعه على الحجون وهو يلبي، حتى استلم الركنَ بمِحجنِه ثم طاف وطاف المسلمون.\nوقد مضى يومئذ عبد اللَّه بن رواحة الأنصاري ﵁ بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- متوشحًا بالسيف يرتجز بقوة وشجاعة، وينزل شعره الأصيل على قلوب المشركين كالسهام.\nقال موسى بن عقبة: (فوقف أهل مكة: الرجالُ والنساءُ والصبيانُ، ينظرون إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٢٥٥) - كتاب المغازي، باب عمرة القضاء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٢٥٦) - كتاب المغازي، باب عمرة القضاء. ورواه مسلم.\n(٣) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (١/ ٣٠٦)، وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ١١٨٧) لتفصيل البحث.","vol":"7","page":367},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد اللَّه بن رواحة بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- يرتجز متوشحًا بالسيف يقول:\nخَلُّوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله\nفي صُحُفٍ تُتلى على رسوله ... يا رب إني مؤمن بقِيله\nإني رأيت الحق في قَبوله ... اليوم نَضْرِبْكُمْ على تأويله\nضَرْبًا يُزيل الهامَ عن مقيلِه ... ويُذْهل الخليل عن خليله\nقال: وتغيَّبَ رجال من المشركين كراهية أن ينظروا إلى رسول اللَّه -ﷺ- حَنَقًا وغيظًا، فأقام رسولُ اللَّه -ﷺ- بمكة ثلاثًا) (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أنس: [أنَّ النبي -ﷺ- دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد اللَّه بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:\nخلّوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله\nضَرْبًا يزيل الهام عن مقيله ... ويُذهل الخليل عن خليله\nفقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- وفي حرم اللَّه تقول الشعر؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: خَلِّ عنْه يا عُمَرُ فلهي أسْرَعُ فيهم من نضح النَّبْل] (٢).\nومضى رسول اللَّه -ﷺ- بأصحابه يرمل بهم حتى أتمّ ثلاثة أشواط من الطواف لها رهبة وهيبة، وحقق ما أراد من إظهار القوة حتى اكتأب المشركون، ثم تابع الأشواط ماشيًا.\nروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنتهم؟ ! هؤلاء أجلدُ من كذا وكذا] (٣).\nولما انتهى رسول اللَّه -ﷺ- من الطواف سعى بين الصفا والمروة، فكانت حركته ضمن موكب أصحابه تنزل على نفوس المشركين كوقع الحديد.\nيروي البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [إنما سعى النبي -ﷺ- بالبيت وبين الصفا والمروة لِيُريَ المشركين قوته] (٤).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٧١)، وسيرة ابن هشام (٢/ ٣٧١) مرسلًا.\n(٢) أخرجه الترمذي في الأدب (٢٨٤٧) وقال: حسن صحيح غريب. وله شواهد كثيرة تقويه.\n(٣) حديث صحيح. رواه مسلم (١٢٦٦) ح (٢٤٠)، كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف، دون الركنين الآخرين.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٣/ ٣٧٦)، وكذلك (٧/ ٣٩٢).","vol":"7","page":368},{"text":"ولما فرغ من السعي قال وهو على المروة: هذا المنحر، وكل فجاج مكة وطرقها منحر، وكان قد وقف الهدي عند المروة فأمر بنحرها.\nيروي الإمام مالك في الموطأ، قال: [حدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أن رسول اللَّه -ﷺ- قال بمنى: هذا المنحر وكل منى منحر. وقال في العمرة: هذا المَنْحَرُ، يعني المروة، وكل فجاج مكة وطُرقها مَنْحَرٌ] (١).\nفنحر عند المروة، ثم حلق وقلّده بذلك المسلمون، ثم بعث ناسًا من أصحابه إلى يأجج ليقيموا على السلاح ويأتي الآخرون ليقيموا مناسكهم، ففعلوا. فلما مضى الأجل أرسلت قريش إلى عليّ أن قل لصاحبك أن أخرج فقد مضى الأجل.\nيروي البخاري عن البراء قال: [فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل] (٢).\nوكان عند دخوله -ﷺ- قد بعث جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث يخطبها إليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوجها العباس من رسول اللَّه -ﷺ-، فلما طلبوا منه الخروج قال لهم -كما يروي ابن إسحاق وموسى بن عقبة-: (وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه. قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فأخرج عنا، فخرج رسول اللَّه -ﷺ- وخلَّف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسَرِف) (٣).\nفخرج رسول اللَّه -ﷺ- بأصحابه وقد من اللَّه عليه بالعمرة وإظهار الشوكة، ولكن ما إن خرج إلا تبعته ابنة حمزة تناديه يا عم، فحملتها فاطمة، واختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقضى بها النبي -ﷺ- لخالتها.\nأخرج ذلك الإمام البخاري عن البراء قال: [فخرج النبي -ﷺ- فتبعتْه ابنةُ حمزة تنادي: يا عمّ. فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنةُ عمي وخالتُها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي -ﷺ- لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم. وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشْبَهْتَ خَلْقي\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مالك في الموطأ. وانظر صحيح سنن أبي داود (١٧٠٥ - ١٧٠٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٢٦٩٩) - كتاب الصلح.\n(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٧٢). و\"سرف\" موضع قرب التنعيم.","vol":"7","page":369},{"text":"وخُلُقي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا] (١).\nثم خرج رسول اللَّه -ﷺ-، وخلَّف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بسرف، فبنى بها رسول اللَّه -ﷺ- هناك، ثم انصرف رسول اللَّه -ﷺ- إلى المدينة في ذي الحجة.\nوسميت هذه العمرة عمرة القضاء، لأن ذلك مشتق من المقاضاة وهي المصالحة التي كانت يوم الحديبية مع قريش. قال ابن القيم: (ومنها أنَّ المُحْصَرَ لا يجب عليه القضاءُ، لأنه -ﷺ- أمرهم بالحلق والنحر، ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء، والعمرة من العام القابل لم تكن واجبة، ولا قضاء عن عُمرة الإحصار، فإنهم كانوا في عمرةِ الإحصار ألفًا وأربع مئة، وكانوا في عمرة القضية دون ذلك، وإنما سُمِّيت عمرةَ القضية والقضاء، لأنها العمرة التي قاضاهم عليها، فأُضيفت العُمرة إلى مصدر فعله) (٢).\nوتحقّق وعد اللَّه لنبيّه والمسلمين، كما أخبرهم قبل عام في القرآن النازل من سورة الفتح: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال ابن هشام: (يعني خيبر).\nوفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه! فلما كانت الرابعة قال: والمقصرين] (٣).\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. قال ابن كثير: (أي: بالعم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تَشْتَمِلُ على شيئين: عِلْمٍ وعَمَلٍ، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعيّ مقبول، فإخباراتُها حقٌّ وإنشاءاتها عدلٌ).\nوقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. أي: على جميع الأديان ومناهج أهل الأرض.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. قال الحسن: (شهد على نفسه أنه سيظهر دينه). والتقدير: وكفاه اللَّه شهيدًا. و﴿شَهِيدًا﴾ تمييز أو حال.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٩٩) - كتاب الصلح. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (٢/ ١١٩٠ - ١١٩٧) لتفصيل البحث.\n(٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ١٠٢٦، ١١٩١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٧٢٧) - كتاب الحج، ورواه مسلم وأكثر أهل السنن.","vol":"7","page":370},{"text":"قال القاسمي: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على أن ما وعده من إظهار دينه على جميع الأديان أو الفتح أو المغانم كائن).\n\n٢٩. قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.\nفي هذه الآية: إثبات الرسالة للنبي ﵊، ونَعْتُ أصحابه الغرّ الكرام، وذِكْرُ صفتهم في التوراة والإنجيل والقرآن، وَوَعْدُهُ تعالى عباده المؤمنين بالنصر والمغفرة والظهور على الطغاة اللئام.\nفقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾. إثبات للنبوة والرسالة بكلام جامع بديع.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. إخبار عن صفة أتباعه ﵊، فهم أولو بأس وشدة عند مجالدة الكافرين، وأولو رحمة ورأفة بين بعضهم بعضًا. قال قتادة: (﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ألقى اللَّه في قلوبهم الرحمة بعضهم لبعض). والآية كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال ابن كثير: (وهذه صفةُ المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا بَرًّا بالأخيار، غَضُوبًا عَبُوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]).\nوفي الصحيحين والمسند عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ترى المؤمنين في تراحُمهم وتوادّهم وتعاطُفهم كمَثَل الجَسَدِ إذا اشتكى عُضْوًا تداعى له سائر جسدِه بالسَّهر والحُمَّى] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٠١١) - كتاب الأدب، وأخرجه مسلم (٢٥٨٦) - كتاب البر والصلة، ورواه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٠).","vol":"7","page":371},{"text":"وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن أبي موسى ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [\"المؤمِنُ للمؤمِنِ كالبُنْيانِ يشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا\"، وشبك بين أصابعه] (١).\nوقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾.\nقال قتادة: (يقول: تراهم ركعًا أحيانًا للَّه في صلاتهم سجدًا أحيانًا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدتهم على الكفار ورحمة بعضهم بعضًا، فضلًا من اللَّه، وذلك رحمته إياهم بأن يتفضّل عليهم فيدخلهم جنته ﴿وَرِضْوَانًا﴾ يقول: وأن يرضى عنهم ربهم).\nفوصفهم اللَّه تعالى بكثرة العمل وكثرة الصلاة، التي هي عمود الدين، وخير موضوع. كما أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [الصلاةُ خيرُ موضوع، فمن استطاع أن يَستكثِرَ فَلْيَسْتكْثِر] (٢).\nكما وصفهم باحتساب ثواب الأعمال عند اللَّه، وأملهم بذلك الجنة وما فيها من الملذات والخيرات والرزق الوفير، ورضوان من اللَّه أكبر من كل شيء.\nففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي -ﷺ-: [إنَّ اللَّه يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لَبَّيْكَ ربَّنا وسَعْدَيْكَ والخيرُ في يَدَيْكَ، فيقول: هَلْ رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعْطَيتنا ما لمْ تُعْطِ أحدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فيقول: [لا أُعْطيكم أَفْضَلَ من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ، وأيُّ شَيْءٍ أفضلُ مِنْ ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا] (٣).\nوقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. فيه أقوال متقاربة متكاملة:\n١ - قال ابن عباس: (صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة). وقال عطية: (مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة أشد وجوههم بياضًا). وقال مقاتل: (النور يوم القيامة). وقال الحسن: (بياضًا في وجوههم يوم القيامة).\n٢ - وقال مجاهد، عن ابن عباس: (أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤٦) - كتاب المظالم، باب نَصْر المظلوم، ورواه مسلم (٢٥٨٥)، والترمذي (١٩٢٨)، وأحمد (٤/ ٤٠٥)، وابن حبان (٢٣١).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في الأوسط. انظر تخريج الترغيب (١/ ١٤٥)، وصحيح الجامع الصغير (٣٧٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٥١٨) - كتاب التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة.","vol":"7","page":372},{"text":"وسَحْنته وسَمْته وخشوعه). وقال مجاهد: (الخشوع والتواضع).\n٣ - وعن شمر عن عطية قال: (تهيّج في الوجه من سهر الليل).\nوقال سعيد بن جبير: (ثرى الأرض، وندى الطهور). وقال عكرمة: (هو أثر التواب). وقال السدي: (الصلاة تُحَسِّنُ وجوههم). وقال بعض السلف: (من كَثُرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار). وقال بعضهم: (إنَّ للحسنة نورًا في القلب، وضياءً من الوجه، وسَعَةً في الرزق، ومَحَبَّةً في قلوب الناس).\nوالخلاصة: أنَّ لكثرة السجود علامة إشراق في الوجه، وقد تمَيّز الصحابة رضوان اللَّه عليهم بتلك السمة الباهرة لكثرة ما هم فيه من الصلاة وطول السجود والقيام. قال الإمام مالك: (بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: واللَّه لهؤلاء خيرٌ من الحواريين فيما بَلَغنا).\nوفي مسند أحمد وسنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ الهَدْيَ الصالحَ والسَّمتَ الصالحَ والاقتصاد جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. أي: بهذه الأوصاف الرفيعة ذُكروا في التوراة.\nوقوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾. أي: ومثلهم في إنجيل عيسى كزرع أخرج نباته فهو يترعرع بكثرة مذهلة.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: سنبله حين يتسلع نباته عن حباته). وقال قتادة: (أخرج نباته. قال: هذا مثل أصحاب محمد -ﷺ- في الإنجيل، قيل لهم: إنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر). وقال مجاهد: (﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: ما يخرج بجنب الحقلة فيتم وينمى). وقال ابن زيد: (أولاده، ثم كثرت أولاده).\nوأما قوله: ﴿فَآزَرَهُ﴾ يعني: فقواه. قال مجاهد: (فشده وأعانه). وقال ابن زيد: (﴿فَآزَرَهُ﴾: اجتمع ذلك فالتفّ، وكذلك المؤمنون خرجوا وهم قليل ضعفاء، فلم\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٩٦)، وأبو داود في السنن (٤٧٧٦) - كتاب الأدب، باب في الوقار. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٩٩٦).","vol":"7","page":373},{"text":"يزل اللَّه يزيد فيهم، ويؤيدهم بالإسلام، كما أيَّد هذا الزرع بأولاده، فآزره، فكان مثلًا للمؤمنين).\nوقوله: ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.\nأي: فلما آزره سبحانه غلظ ذلك الزرع فاستوى على سوقه (والسوق: جمع ساق) فصار هذا الزرع الذي استغلظ وصلب وحسن نباته يعجب الذين زرعوه وبذلوا الجهد في بذاره وتثبيت جذوره، وهو مثل يراد به النبي -ﷺ- والرعيل الأول الذين كانوا أساس هذه الدعوة، فما زالوا في جهاد وعراكِ وبذل وتضحية حتى أنشأ اللَّه بهم جيلًا ضخمًا وجيشًا كبيرًا ليغيظ بهم الكفار.\nقال ابن زيد: (﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ قال: يعجب الزرّاع حُسنه ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ بالمؤمنين، لكثرتهم، فهذا مثلهم في الإنجيل).\nذكر الخطيب -أبو بكر- عن أبي عروة الزبيريّ من ولد الزبير قال: (كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فقد أصابته هذه الآية).\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد قال: قال النبي -ﷺ-: [لا تَسُبُّوا أصحابي، فَلَوْ أنَّ أحدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلغ مُدَّ أحَدِهم ولا نصيفَهُ] (١).\nوقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال النسفي: (لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك). و﴿من﴾ في قوله ﴿مِنْهُم﴾ لبيان الجنس. والمعنى: وعد اللَّه هؤلاء الأخيار من الصحابة الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة لذنوبهم وثوابًا عظيمًا ورزقًا كريمًا ينعمون به في الآخرة، وعْدُ صِدق لا يُبَدَّل ولا يُغَيَّر، ومن أصدق من اللَّه قيلًا.\n\nتم تفسير سورة الفتح بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منه وكرمه الاثنين ٤ - رجب - ١٤٢٦ هـ الموافق ٨ - آب - ٢٠٠٥ م\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦٧٣) - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ-. ورواه مسلم نحوه.","vol":"7","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الفتح المبين بيعة الرضوان يوم الحديبية.\n٢ - النَّصْرُ مع الصَّبر، والفرجُ مع الكرب، وإنّ مع العسر يسرًا.\n٣ - إن المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين، الذي يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا.\n٤ - كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكانت بيعة على الصبر أو الموت.\n٥ - البور في لغة العرب: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، وقوم بور: هلكى.\n٦ - تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، في النحر.\n٧ - السُّنَةُ الرَّمَلُ في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف العمرة أو الحج.\n٨ - المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا. ومثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.\n٩ - الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثِر فليستكثر.\n١٠ - إنّ الهدي الصالحَ والسَّمت الصالح والاقتصاد جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة.\n* * *","vol":"7","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>٤٩ - سورة الحجرات</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>موضوع السورة</span>\nذمُّ مناداة الرسول من وراء الحُجرات وتوجيه المؤمنين لأحسن الأخلاق والعادات\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-293> منهاج السورة</span>-\n١ - ذِكْرُ بعض الآداب في مخاطبة النبي -ﷺ-، كخفض الصوت والتبجيل والاحترام.\n٢ - ذمّ بعض الأعراب في سوء مناداتهم الرسول ﵊، وتوجيههم لِحُسْنِ الأدب الذي عليه الأصحاب الكرام.\n٣ - توجيه المؤمنين للتثبت من صحة الأخبار، لئلا يقعوا في الندم أو ظلم الأخيار.\n٤ - امتنان اللَّه تعالى على المؤمنين بالنبي ﵊، وبأن حبَّبَ إلى قلوبهم الحق والإيمان.\n٥ - الأمر بالمبادرة بالإصلاح بين المؤمنين، والأخذ على يد المخطئ واللَّه يحب المقسطين.\n٦ - تأكيد الأخوة بين المؤمنين، وتحريم السخرية واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة للمسلمين.","vol":"7","page":376},{"text":"٧ - الدعوة للتعارف وحفظ الأنساب، والتميز يكون بالتقوى لا بالأحساب.\n٨ - الفرق بين الإسلام والإيمان عند التخصيص، فالمؤمنون برهنوا على صدقهم ويقينهم بالجهاد بالأموال والأنفس وبذل الغالي والنفيس.\n٩ - المنُّ للَّه وحده في هداية عباده للإيمان، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمان.\n١٠ - اللَّه تعالى هو المتفرد بعلم الغيب، وهو البصير بدقائق أعمال العباد بلا ريب.\n* * *","vol":"7","page":377},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر بعض الآداب التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون في معاملتهم رسول اللَّه -ﷺ- كالتوقير والاحترام، والتبجيل والإعظام، وخفض الصوت عن صوته ﵊.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال ابن عباس: (لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة). وقال: (نُهوا أن يتكلّموا بين يدي كلامه). وقال مجاهد: (لا تَفَتَاتُوا (١) على رسول اللَّه -ﷺ- بشيء حتى يقضيَ اللَّه تعالى على لسانه). وقال الضحاك: (لا تقضوا أمرًا من دون اللَّه ورسوله من شرائع دينِكم). وقال ابن زيد: (لا تقطعوا الأمر دون اللَّه ورسوله).\nأخرج البخاري عن ابن أبي مليكة أن عبد اللَّه بن الزبير أخبرهم: [أنه قدم ركب من بني تميم على النبي -ﷺ-، فقال أبو بكر: أَمِّرْ القعقاع بن معبد بن زرارة. فقال عمر: بل أمِّر الأقرعَ بن حابس. قال أبو بكر: ما أراد إلا خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - حتى انقضت] (٢).\n_________\n(١) افتات الكلام: أي ابتدعه، كذا في كلام العرب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٤٧)، والواحدي (٧٥٢) من حديث عبد اللَّه بن الزبير.","vol":"7","page":378},{"text":"والخلاصة: قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أصل في وجوب الانقياد لرسول اللَّه -ﷺ- في أقواله وأفعاله، وعدم الخروج على منهاجه برأي أو تأويل أو شبهة.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: وخافوا اللَّه أيها المؤمنون أن تتجاوزوا حدودكم وتتقدموا على قول نبيكم وسنته ونهجه، فإن اللَّه سميع لأقوالكم عليم بأعمالكم وبكل شيء.\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية. أدب رفيع آخر أدَّبَ اللَّه تعالى به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت نبيهم -ﷺ- في حضرته.\nأخرج البخاري والترمذي عن نافع بن عمر، عن أبي مُلَيْكَةَ قال: [كادَ الخَيِّران أن يَهْلِكا، أبو بكر وعمر -﵄- رَفَعا أصواتَهُما عند النبي -ﷺ- حين قَدِمَ عليه ركبُ بِني تميم، فأشار أحدُهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخرُ برجُل اخَر -قال نافع: لا أحفظ اسمه- فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خِلافي. قال: ما أردتُ خِلافَكَ. فارتفعت أصواتُهما في ذلك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الآية. فما كان عمرُ يُسمِعُ رسولَ اللَّه -ﷺ- بعد هذه الآية حتى يستفهِمَه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر ﵁] (١).\nوفي صحيح البخاري عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك: [أن النبي -ﷺ- افتقد ثابتَ بن قيس فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه، أنا أعلمُ لك عِلْمَهُ. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسَهُ، فقال له: ما شأنُكَ؟ فقال: شَرٌّ، كان يَرْفَعُ صَوْتَهُ فوقَ صوتِ النبي -ﷺ-، فقد حَبِطَ عَمَلُهُ، فهو من أهل النار، فأتى الرجلُ النبيَ -ﷺ- فأخبره أنه قال كذا وكذا -قال موسى: فرجَعَ إليه المَرَّة الآخِرَةَ ببشارةِ عظيمة فقال: اذهب إليه فقُل له: إنك لستَ من أهل النار، ولكنَّكَ من أهل الجنة] (٢).\nورواه أحمد على شرط الشيخين عن ثابت، عن أنس قال: [لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ - وكان ثابت بن قيس بن الشمَّاسِ رفيعَ الصوتِ فقال: أنا الذي كنتُ أرفَعُ صوتي على\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٤٥)، والترمذي (٣٢٦٦)، والنسائي (٨/ ٢٢٦) عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير. وقوله \"ولم يذكر ذلك عن أبيه\" المراد جده لأمه أسماء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٤٦) - كتاب التفسير، وانظر كذلك (٣٦١٣).","vol":"7","page":379},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- حَبِطَ عملي، أنا من أهل النار. وجلسَ في أهله حزينًا، ففقدَه رسول اللَّه -ﷺ- فانطلقَ بعض القوم إليه فقالوا له: تَفَقَّدك رسول اللَّه -ﷺ- مالك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي -ﷺ- وأجْهَرُ له بالقول، حَبِطَ عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي -ﷺ- فأخبروه بما قال. قال: لا، بل هو من أهل الجنة. قال أنس: فكُنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يومُ اليمامة كان فينا بعضُ الانكشاف، فجاءَ ثابتُ بن قَيس بن شمَّاس وقد تَحَنَّطَ ولبِسَ كفَنَهُ، فقال: بئسما تُعَوِّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قُتِلَ] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. قال مجاهد: (لا تنادوه نداء، ولكن قولًا لينًا يا رسول اللَّه). وعن قتادة قال: (كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فوعظهم اللَّه، ونهاهم عن ذلك).\nوقال الضحاك: (هو كقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. نهاهم اللَّه أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضًا، وأمرهم أن يشرِّفوه ويعظِّموه ويدعوه إذا دعوه باسم النبوة).\nوقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشيةَ أن يغضبَ من ذلك، فيغضب اللَّه تعالى لِغَضَبِهِ، فَيُحبِطَ اللَّه عملَ من أغضبه وهو لا يدري).\nأخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ الرجل ليتكلَّمُ بالكلمةِ لا يَرى بها بأسًا، يَهْوي بها سَبْعين خريفًا في النار] (٢).\nوأخرج الترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح عن بلال بن الحارث المزني صاحب رسول اللَّه -ﷺ- يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [إن أحَدَكُم ليتكلَّم بالكلمة من رضوان اللَّه ما يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ فيكتبُ اللَّهُ له بها رضوانه إلى يوم يَلْقاهُ، وإنَّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٧)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم. ورواه مسلم نحوه (١١٩) ح (١٨٧) - (١٨٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٩٧٠)، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٨٨٤).","vol":"7","page":380},{"text":"أحدَكُم ليتكلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ اللَّه ما يَظُنُّ أنْ تبلُغَ ما بَلَغَتْ فيكتب اللَّه عليه بها سَخَطَهُ إلى يوم يلقاه] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. قال ابن عباس: (طهّرهم من كل قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من اللَّه والتقوى). وقال قتادة: (أخلص اللَّه قلوبهم فيما أحبّ). وقال الأخفش: (اختصها للتقوى).\nوالمعنى: إن الذين يخفضون أصواتهم في مجلس رسول اللَّه -ﷺ- تعظيمًا له أولئك الذين أخلص اللَّه قلوبهم فيما أحب، وجعلها أهلًا ومحلًا لاستقرار التقوى. ثم إنه في الآخرة ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n\n٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: نعْتُ سوء أدب بعض الأعراب القساة في مناداتهم النبي ﵊، وتوجيههم لحسن الأدب الذي عليه الصحابة الكرام.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. ذمٌّ من اللَّه ﷿ لبعض الأعراب الأجلاف الذين كانوا ينادون رسول اللَّه -ﷺ- من وراء الحُجرات، وهي بيوت نسائه، يرفعون أصواتهم وينادون: يا محمد اخرج إلينا، والحجرات: جمع حجرة، والمراد البيت.\nأخرج الترمذي والنسائي بسند صحيح عن البراء: [في قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا محمد، إنَّ حَمْدي زيْنٌ وذَمِّي شينٌ. فقال: ذاك اللَّه ﷿] (٢).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس: [أنه نادى رسول اللَّه -ﷺ- من وراء الحُجُرات فقال: يا محمد -وفي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٩٦٩)، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٨٨٨) - أبواب الزهد، باب ما جاء في قِلَّةِ الكلام.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع (٣٢٦٧)، والنسائي في \"التفسير\" (٥٣٥)، والطبري (٣١٦٧٦)، (٣١٦٧٧)، وإسناده حسن صحيح.","vol":"7","page":381},{"text":"رواية: يا رسول اللَّه - فلم يُجبه، فقال: يا رسولَ اللَّه -ﷺ-، إنَ حَمْدي لَزَينٌ. وإن ذَمِّي لَشينٌ. فقال: ذاك اللَّه -﷿-] (١).\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. إرشاد منه سبحانه إلى الأدب الذي كان ينبغي أن يتأدب به هؤلاء الذين ينادون رسول اللَّه -ﷺ- من وراء الحجرات. قال القرطبي: (أي لو انتظروا خروجك لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم. وكان -ﷺ- لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه، فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. توجيه منه سبحانه إلى التوبة والإنابة لتكفير الزلل والعيوب، فإنه تعالى يغفر ويستر وهو الغفور السِّتير.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن يعلى بن أمية، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى حَيِيٌّ ستير، يحب الحياء والسِّتر] (٢).\n\n٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: توجيهُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين للتثبت من صحة الأخبار، لئلا يقعوا في الندم أو الظلم للمؤمنين الأخيار، وامتنانُه تعالى عليهم بهذا النبي المختار.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. أَمْرٌ بالتثبّت في خبر الفاسق وعدم اعتماده إلا بعد التحقق منه. وقد نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، حين بعثه رسول اللَّه -ﷺ- على صدقات بني المصطلق.\nفقد أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن عيسى بن دينار قال: حدثني أبي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٨)، (٦/ ٣٩٣)، والطبري (٣١٦٧٩)، والطبراني (٨٧٨) وإسناده على شرط البخاري ومسلم، وصرح أبو سلمة بالتحديث عن الأقرع.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٠١٢). وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٣٨٧).","vol":"7","page":382},{"text":"أنه سمع الحارثَ بن ضِرار (١) الخُزاعي يقول: [قدِمْتُ على رسول اللَّه -ﷺ- فدعاني إلى الإسلام، فَدَخلتُ فيه وأقررتُ به. ودعاني إلى الزكاة فأقررتُ بها، وقلت: يا رسولَ اللَّه، أرجِعُ إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداءِ الزكاة، فمن استجاب لي جمعتُ زكاتَه. ويُرسِلُ إليَّ رسولُ اللَّه رسولًا لإِبَّان كذا وكذا لِيأتِيَكَ ما جمعتُ من الزكاة. فلما جمعَ الحارثُ الزكاةَ ممن استجاب له، وبلغ الإبَّانُ الذي أراد رسول اللَّه -ﷺ- أن يبعثَ إليهِ، احتبسَ عليه الرسول فلم يأتِه، فظن الحارِثُ أنه قد حدثَ فيه سَخْطَةٌ من اللَّه ورسوله، فدعا بِسَرَوَاتِ قومه فقال لهم: إن رسولَ اللَّه -ﷺ- كان وَقَّتَ لي وقتًا يُرسِلُ إليَّ رسوله لِيقبضَ ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول اللَّه -ﷺ- الخُلْفُ، ولا أرى حَبْسَ رسوله إلا مِنْ سَخْطَةِ. فانطلقوا فنأتيَ رسول اللَّه -ﷺ-. وبعث رسول اللَّه -ﷺ- الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليدُ حتى بلغ بعضَ الطريق فَرِق -أي: خاف- فرجَع فأتى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ الحارثَ منعني الزكاة وأراد قتلي. فضرب رسول اللَّه -ﷺ- البعثَ إلى الحارث، وأقبل الحارثُ بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصلَ عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارثُ. فلما غشيهم قال لهم: إلى مَنْ بُعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول اللَّه -ﷺ- بعثَ إليكَ الوليدَ بن عُقبة، فزعم أنك منعتَه الزكاة وأردت قتله. قال: لا، والذي بعثَ محمدًا بالحق ما رأيته بَتَّةً ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول اللَّه -ﷺ- قال: منعتَ الزكاة وأردتَ قتل رسولي؟ قال: لا، والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلتُ إلا حين احتَبَسَ عليَّ رسولُ رسولِ اللَّه -ﷺ- خشيت أن تكون كانت سخطة من اللَّه ﷿ ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ إلى هذا المكان ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾] (٢).\nقلت: ويبدو أن سبب تصرف الوليد بن عقبة بتلك الطريقة هو سماعه بخروجهم للقائه، فظنهم يريدون قتله، وإنما أرادوا استقباله. فلنستمع لرواية ابن إسحاق وفيها تفصيل لما حدث، وتصلح شاهدًا للحديث السابق.\nقال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان: [أن رسول اللَّه -ﷺ- بعث إليهم بعد\n_________\n(١) هو والد جويرية التي تزوجها رسول اللَّه -ﷺ-، وكان لزواجه منها الأثر الكبير في تأليف قلوب قومها.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٩) و(٣/ ٤٨٨) ورجاله ثقات إلا دينار الكوفي مقبول، لكن له شواهد كثيرة تقويه إلى الحسن لغيره. وأخرجه الطبراني (٨٧٨).","vol":"7","page":383},{"text":"إسلامهم الوليدَ بن عقبة بن أبي معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قِبَلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غَزْوهم، حتى همَّ رسول اللَّه -ﷺ- بأن يغزوهم، فبينا هم على ذلك قدمَ وفدُهم على رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا: يا رسول اللَّه، سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لِنُكْرِمَه، ونؤدّي إليه ما قِبَلنا من الصدقة، فانشمر راجعًا -أي جدّ وأسرع بالرجوع-، فبلغنا أنه زعم لرسول اللَّه -ﷺ- أنا خرجنا إليه لنقتله، واللَّه ما جئنا لذلك، فأنزل اللَّه تعالى فيه وفيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. . . إلى آخر الآية] (١).\nوقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (فتبينوا لئلا تصيبوا قومًا برآء مما قذفوا به بجناية بجهالة منكم فتندموا على إصابتكم إياهم).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إياكم والظَّنَّ، فإن الظَّنَ أكذَبُ الحديث، ولا تحسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغَضُوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا] (٢).\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: واعلموا -معشر المؤمنين- أن فيكم رسول اللَّه فاحذروا أن تفتروا الكذب بين يديه فإن اللَّه يخبره أخباركم ويعرفه أنباءكم. ولو كان رسول اللَّه -ﷺ- يعمل في الأمور بآرائكم ويطيعكم فيما تقولون له لنالكم بذلك \"العنت\" أي الشدة والمشقة.\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي نضرة قال: [قرأ أبو سعيد الخدري: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. قال: هذا نبيكم يوحى إليه. وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لَعَنِتوا، فكيف بكم اليوم] (٣).\nوقول: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. أي: حسَّن الإيمان في قلوبكم فآمنتم وأقبلتم على الحق. قال القرطبي: (هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي -ﷺ- ولا يخبرون بالباطل، أي جعل الإيمان أحبّ الأديان\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٩٦)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (٨٧١ - ٨٧٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٦٣) - كتاب البر والصلة. باب تحريم الظن والتجسس. . .\n(٣) صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٠٧) - كتاب التفسير - سورة الحجرات - آية (٧).","vol":"7","page":384},{"text":"إليكم]، ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ بتوفيقه ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي حسّنه إليكم حتى اخترتموه).\nوقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. قال ابن عباس: (يريد به الكذب خاصة). وقيل: كل ما خرج عن الطاعة. قال النسفي: (﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ وهو تغطية نعم اللَّه ونجمطها بالجحود ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ وهو الخروج عن محجة الإيمان بركوب الكبائر ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ وهو ترك الانقياد بما أمر به الشارع).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. الرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من \"الرشادة\" وهي الصخرة. قال القاسمي: (﴿أُولَئِكَ﴾ أي الموصوفون بمحبة الإيمان، وتزينه في قلوبهم، وكراهتهم المعاصي ﴿هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ \" أي السالكون طريق الحق).\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في \"الكبرى\" بسند صحيح عن عُبيد اللَّه بن رفاعة عن أبيه قال: [لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول اللَّه -ﷺ-: استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسطَ لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل من هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيمَ يوم العَيْلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤)، ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١٠٤٤٥)، وانظر كتابي: السيرة النبوية (٢/ ٧٤٠) لتفصيل الموقف.","vol":"7","page":385},{"text":"عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره).\n\n٩ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى عباده المبادرة بالإصلاح بين المسلمين الباغين بعضهم على بعض، والأخذ على يد المخطئ منهم حتى يفيء إلى أمر اللَّه واللَّه يحب المقسطين، ويحب المؤمنين أن يكونوا إخوة متسامحين متراحمين.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.\nأخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أنس ﵁ قال: [قيل للنبي -ﷺ-: لو أتَيْتَ عَبْدَ اللَّه بنَ أُبيٍّ، فانطَلَقَ إليه النبي -ﷺ- ورَكِبَ حمارًا فانطلق المسلمون يمشون معه -وهي أرض سَبِخَةٌ- فلما أتاه النبي -ﷺ- فقال: إليك عني، واللَّه لقد آذاني نتنُ حمارِكَ، فقال رجل من الأنصار مِنهم: واللَّه لحِمارُ رسولِ اللَّه -ﷺ- أطْيَبُ ريحًا منكَ، فَغَضِبَ لعبد اللَّه رَجُلٌ من قَوْمِهِ فشتما (١) فغضِبَ لِكُلِّ واحد منهما أصحابُهُ، فكانَ بينهما ضَرْبٌ بالجريد والنِّعال والأيدي، فبلغنا أنها نزلت ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]] (٢).\nوروى البخاري عن أم كلثوِم بنت عقبة أنها سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [ليس الكذَّابُ الذي يُصلح بين الناس فَيَنْمي خيرًا أو يقولُ خيرًا] (٣).\nوقد جاء فضل الإصلاح بين المسلمين في أحاديث كثيرة، منها:\n_________\n(١) أي شتم كل واحد منهما الآخر، وفي رواية في غير الصحيحين (فشتمه).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٩١) - كتاب الصلح، وأخرجه مسلم (١٧٩٩)، وأحمد (٣/ ١٥٧)، (٣/ ٢١٩)، وأخرجه أبو يعلى (٤٠٨٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٦٩٢) - كتاب الصلح. باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس.","vol":"7","page":386},{"text":"الحديث الأول: أخرج البخاري عن سهل بن سعد ﵁: [أنَّ أهْلَ قُباءٍ اقتتلوا حتى تَرَامَوْا بالحجارة، فَأُخْبِرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- بذلك فقال: اذهبوا بنا نُصْلِحْ بَيْنَهُم] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كُلُّ سُلامى من الناس عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يوم تطلُعُ فيه الشمس، يَعْدِلُ بين الناس صدقة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي بَكْرَةَ: أن رسول اللَّه -ﷺ- خَطَبَ يومًا ومعه على المنبر الحسنُ بن علي، فجعل ينظرُ إليه مرة وإلى الناس أخرى ويقول: [إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّه أن يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين] (٣).\nوقد أصلح اللَّه تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة، وحجز به الفتنة أن تستمر لستأصل شوكة المسلمين.\nوقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن عباس: (فإن اللَّه سبحانه أمر النبي -ﷺ- والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم اللَّه وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب اللَّه حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم حتى يفيئوا إلى أمر اللَّه، ويقرّوا بحكم اللَّه).\nوفي الصحيحين وسنن الترمذي -واللفظ له- عن أنس بن مالك، عن النبي -ﷺ- قال: [انْصُر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا، قيل: يا رسول اللَّه نصرته مظلومًا! فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تكفُّهُ عن الظُّلْمِ، فذاك نَصْرك إيّاه] (٤).\nوقوله: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nأي: فإن رجعت الفئة الباغية ونزلت عند حكم اللَّه فأصلحوا بينهما بالإنصاف\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٩٣) - كتاب الصلح. وانظر كذلك الحديث (٦٨٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٠٧) - كتاب الصلح. وانظر كذلك (٢٨٩١)، (٢٩٨٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٠٤)، وأبو داود (٤٦٦٢)، وأحمد (٥/ ٤٤)، وغيرهم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤٣)، (٢٤٤٤)، (٦٩٥٢)، وأخرجه مسلم نحوه، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٨٣٩) - أبواب الفتن، باب (٥٩).","vol":"7","page":387},{"text":"والعدل وميزان القسط ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: فيجازيهم أحسن الجزاء.\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ المقسطين، عند اللَّه، على منابر من نور، عن يمين الرحمن ﷿، وكِلْتا يَدَيْهِ يمين، الذين يَعْدِلون في حُكْمهم وأهْلِيهم وما وَلُوا] (١).\nوله شاهد عند النسائي بسند جيد عن عبد اللَّه بن عمرو -أيضًا- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنَّ المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسَطُوا في الدنيا] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. أي: جميع المؤمنين إخوة في الدين.\nوقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان).\nوالمعنى: احرصوا -أيها المؤمنون- على سلامة صرح الأخوّة بينكم، فأصلحوا بين المختصمين، وخافوا اللَّه بإقامة العدل والقسط لتنالكم رحمته ومغفرته.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في آفاق هذا المعنى، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [المسلمون كَرَجُلٍ واحدٍ، إن اشتكى عَيْنُهُ، اشتكى كُلُّهُ، وإن اشتكى رأسُهُ، اشتكى كُلُّهُ].\nوفي لفظ: [مثل المؤمنين في تَوادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم، مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عُضْوٌ، تداعى له سائِرُ الجسد بالسَّهر والحُمَّى] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [المؤمِنُ للمؤمِن كالبُنيان، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٢٧) - كتاب الإمارة، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٣٠٠)، وأحمد (٢/ ١٥٩)، (٢/ ٢٠٣)، وابن حبان (٤٤٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٥٩١٧ - ٣/ ٤٦٠)، وإسناده صحيح.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٨٦) ح (٦٦)، ح (٦٧) - كتاب البر والصلة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤٦)، ومسلم (٢٥٨٥)، والترمذي (١٩٢٨)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٠٥) من حديث أبي بردة.","vol":"7","page":388},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن سهل بن سعد الساعدي يحدِّثُ عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألَمُ المؤمن لأهل الإيمان كما يألَمُ الجَسَدُ لما في الرأس] (١).\nالحديث الرابع: أخرج مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما مِنْ عَبْدٍ مُسْلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بِمثل] (٢).\n\n١١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: توجيهٌ من اللَّه العظيم عباده المؤمنين، لاجتناب عادات القوم الفاسقين، من السخرية فيما بينهم واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة وغير ذلك من العادات التي تسخط اللَّه، واللَّه غفور رحيم.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. نهي عن السخرية بالناس أو احتقارهم والاستهزاء بهم. قال ابن جرير: (إن اللَّه عمَّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره ولا لذنب ركبه ولا لغير ذلك). قال ابن كثير: (فإنه قد يكون المحتقر أعظمَ قدرًا عند اللَّه تعالى وأحبَّ إليه من الساخر منه المحتقِر له، ولهذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾، فنَصَّ على نَهْي الرجال، وعطفَ بنهي النساء).\n_________\n(١) حسن لغيره. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٤٠)، وإسناده حسن في الشواهد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧٣٢) - كتاب الذكر والدعاء، وأخرجه كذلك (٢٧٣٣)، ورواه أبو داود في السنن (١٥٣٤) من حديث أبي الدرداء.","vol":"7","page":389},{"text":"قال القرطبي: (﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ أفرد النساء بالذى لأن السّخرية منهم أكثر).\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: [الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس] (١). والمراد احتقارهم واستصغارهم.\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عائشة قالت: [حَكَيت للنبي -ﷺ- رجلًا، فقال: ما يسرني أني حَكَيت رجلًا وأن لي كذا وكذا. قالت فقلت: يا رسول اللَّه، إن صفية -وقالت بيدها- هكذا، يعني أنها قصيرة. فقال: لقد مزجت بكلمةٍ لو مُزج بها البحر لمزج] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني وابن عساكر بسند جيد عن شقيق قال: [لبّى عبد اللَّه ﵁ على الصفا، ثم قال: يا لسان قل خيرًا تغنم، اسكت تسلم، من قبل أن تندم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال مجاهد: (لا تطعنوا). وقال قتادة: (ولا يطعن بعضكم على بعض).\nقلت: واللمز في لغة العرب العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها. ورجل لَمّاز ولُمَزَة: أي عيّاب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.\nقال الطبري: (اللَّمْزُ باليد والعين واللسان والإشارة. والهَمْزُ لا يكون إلا باللسان). وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضًا، فمن قتل مسلمًا كأنما قتل نفسه، لأن المؤمنين كنفس واحدة. فيكون المعنى: ولا يعب بعضكم بعضًا.\nوقوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. أي: لا تداعوا بالألقاب. قال أبو جعفر: (والنبز\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٩١) - كتاب الإيمان - باب تحريم الكبر وبيانه. وأخرجه أبو داود في السنن (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٩).\n(٢) حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٢٥٠٢)، (٢٥٠٣)، ورجاله رجال الصحيح.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطبراني (٣/ ٧٨/ ١ - ٢)، وابن عساكر (١٥/ ٣٨٩/ ١)، وإسناده على شرط مسلم. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٣٤).","vol":"7","page":390},{"text":"واللقب بمعنى واحد، يجمع النبز: أنبازًا، واللقب ألقابًا). قال ابن عباس: (التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها، وراجع الحق، فنهى اللَّه أن يعير بما سلف من عمله). وقال ابن زيد: (تسميته بالأعمال السيئة بعد الإسلام زان فاسق).\nأخرج أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن أبي جَبيرَة بن الضحاك قال: [فينا نزلت، معشر الأنصار: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قدم علينا النبي -ﷺ-، والرجل منا له الاسمان والثلاثة. فكان النبي -ﷺ-، ربما دعاهم ببعض تلك الأسماء. فيقال: يا رسول اللَّه! إنه يغضب من هذا. فنزلت: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾] (١).\nواختار ابن جرير أن الآية عامة في كل تلاعب بالألقاب يسيء إلى الآخرين فقال: (والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ اللَّه بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه أو صفة يكرهها).\nوقوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. الاسم هنا بمعنى الذكر والصفة، والتقدير: بئس الذكر اللامزين والمتنابزين أن يذكروا بالفسق بعد الإيمان. قال النسفي: (وقوله بعد الإيمان استقباح للجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يحظره الإيمان).\nوقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال القرطبي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي عن هذه الألقاب الذي يتأذى بها السامعون ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم بارتكاب هذه المناهي).\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.\nتحذير من اللَّه سبحانه عباده المؤمنين من بعض الظن، لما قد يترتب عليه من ظلم وضياع حقوق أو إساءة وغيبة، في حين أذن لهم بظن الخير، أن يظن بعضهم ببعض خيرًا، كما قال سبحانه في سورة النور: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. فتوجه النهي في آية الحجرات إلى ظن الشر والسوء.\nقال ابن عباس: (نهى اللَّه المؤمن أن يظن بالمؤمن شرًا). فإن ظن المؤمن بأخيه المؤمن الشر لا الخير فقد أثم، لأن اللَّه نهاه عن فعل ذلك.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٠)، وأبو داود (٤٩٦٢)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٣٠)، وابن ماجة (٣٧٤١). وانظر صحيح ابن ماجة (٣٠١٥).","vol":"7","page":391},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إياكم والظنَّ، فإن الظَّنَّ أكذب الحديث] (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. قال ابن عباس: (نهى اللَّه المؤمن أن يتتبع عورات المؤمن). وقال مجاهد: (خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر اللَّه). وقال قتادة: (هل ترون ما التجسس أو التجسيس؟ هو أن تتبع، أو تبتغي عيب أخيك لتطلع على سره).\nوالتجسُّس: البحث عما يُكتم عنك، والتحسّس: طلب الأخبار والبحث عنها. والتجسّس يطلق غالبًا في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسّس فيكون غالبًا في الخير، كما قال تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]. وقد يستعمل كل منهما في الشرِّ.\nكما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لا تحاسَدُوا، ولا تباغضوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا] (٢).\nوفي لفظ: [لا تهجُروا ولا تدابروا، ولا تحسَّسوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا].\nقال الأوزاعي: (التجسّس: البحث عن الشيء. والتحسّس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسَمَّع على أبوابهم. والتدابُر: الصَّرْمُ) (٣).\nومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأبو داود في السنن بسند صحيح عن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [إنّك إن اتَّبَعْتَ عَوْرات الناس أفْسَدْتَهم أو كِدْتَ اْنْ تُفْسِدَهم] (٤).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو داود والحاكم بسند رجاله ثقات عن جبير بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٦٣) - كتاب البر والصلة. باب تحريم الظن والتجسس. . .\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٦٣) ح (٣٠) - كتاب البر والصلة. وكذلك ح (٢٩).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم عنه. انظر تفسير ابن كثير عقب الحديث (٦٢٣٥) - سورة الحجرات.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٤٨)، وأبو داود (٤٨٨٨)، والطبراني (١٩/ ٨٩٠)، وأبو نعيم (٦/ ١١٨)، وصححه ابن حبان (٥٧٦٠).","vol":"7","page":392},{"text":"نفير، وكثير بن مرّة وعمرو بن الأسود والمقدام بن معديكرب وأبي أمامة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنّ الأمير إذا ابتغى الرِّيبَةَ في الناس أفسَدَهم] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن زيد بن وهب قال: [أُتِيَ ابن مسعود فقيل: هذا فلان تَقْطُرُ لحيته خمرًا! فقال عبد اللَّه: إنا قد نهينا عن التجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذْ به] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. نهي عن الغيبة، وهو أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: [فرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه] (٣).\nوفي لغة العرب: اغتابه اغتيابًا إذا وقع فيه، والاسم الغِيبة، وهي ذكر العَيْبِ بظهر الغيب. قال الحسن: (الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب اللَّه تعالى: الغِيبة والإفك والبهتان. فأما الغِيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه. وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه). وعن شعبة: قال لي معاوية -يعني ابن قُرّة-: (لو مَرَّ بك رجل أقطع، فقلت هذا أقطع كان غِيبة).\nوقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يَخْمِشُونَ وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤)، وأبو داود (٤٨٨٩)، وصححه الحاكم (٤/ ٣٧٨)، وانظر صحيح سنن أبي داود (٤٠٨٩).\n(٢) صحيح الإسناد. أخرجه أبو داود في السنن (٤٨٩٠) - كتاب الأدب. باب في النهي عن التجسّس. انظر صحيح أبي داود (٤٠٩٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٨٩)، وأبو داود (٤٨٧٤)، وأحمد (٢/ ٣٨٤)، والترمذي (١٩٣٤)، والدارمي (٢/ ٢٩٧)، وابن حبان (٥٧٥٨) - (٥٧٥٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٨٧٨)، (٤٨٧٩) وإسناده قوي. وصححه الأرناؤوط في جامع الأصول (٨/ ٦٢١٥)، وله شواهد.","vol":"7","page":393},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الحاكم وأبو داود بسند صحيح في الشواهد عن المستورد أن النبي -ﷺ- قال: [من أكلَ برجل مسلم أكلة، فإن اللَّه يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوبًا، فإن اللَّه يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة، فإن اللَّه يقوم به مقام سمعة يوم القيامة] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن عائشة قالت: [قلت للنبي -ﷺ-: حَسْبُكَ من صَفِيَّةَ كذا وكذا\" -تعني قصيرة- فقال: \"لقد قلتِ كَلِمَة لو مُزجت بماء البحر لَمَزَجَتْه\". قالت: وحكَيْت له إنسانًا فقال -ﷺ- \"ما أحِبُّ أنى حكيتُ إنسانًا وإنَّ لي كذا وكذا\"] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج الخرائطي في \"مساوئ الأخلاق\" -بإسناد صحيح- عن أنس بن مالك قال: [كانت العرب تخدم بعضها بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما، فناما، فاستيقظا، ولم يُهَيِّئ لهما طعامًا، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم نوم بيتكم، فأيقظاه فقالا: ائت رسول اللَّه -ﷺ- فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، وهما يستأدمانك. فقال: أقرهما السلام، وأخبرهما أنهما قد ائتدما! ففزعا، فجاءا إلى النبي -ﷺ- فقالا: يا رسول اللَّه! بعثنا إليك نستأمك، فقلت: قد ائتدما. فبأي شيء ائتدما؟ قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لَحْمَهُ بين أنيابكما -يعني لحم الذي استغاباه-. قالا: فاستغفر لنا، قال: هو فليستغفر لكما] (٣).\nفائدة: الغيبة تباح عند تحقق المصلحة الشرعية، وذلك في ستة أحوال جمعها الشيخ كمال الدين بن أبي شرف بقوله:\nالقدح ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرّف ومحذّر\nومجاهر فسقًا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر\n_________\n(١) صحيح لطرقه. أخرجه الحاكم (٤/ ١٢٧ - ١٢٨)، وبنحوه أبو داود (٤٨٨١)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٤٠). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٣٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٨٧٥)، والترمذي (٢٥٠٢)، وإسناده على شرط مسلم.\n(٣) أخرجه الخرائطي في \"مساوئ الأخلاق\" (١٨٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٦٠٨). وقال الألباني: إسناده صحيح.","vol":"7","page":394},{"text":"وتفصيل ذلك مع أدلته في كتابي: \"منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن\"، فلله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. فيه بيان من اللَّه سبحانه أن أكل لحم المؤمن بغيبته حيًّا، كأكل لحمه بعد مماته ميتًا. قال ابن عباس: (حرم اللَّه على المؤمن أن يغتاب المؤمن بشيء، كما حرّم المَيْتَة). وقال قتادة: (كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، فكذلك فاكره غيبته وهو حي).\nأخرج الترمذي وابن حبان بسند حسن عن نافع، عن ابن عمر أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [يا معشرَ من آمنَ بلسانه ولمْ يُفضِ الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عَوْراتِهم، فإنه من يَتَّبع عورات المسلمين يَتَّبع اللَّه عَوْرَته، ومن يَتَّبع اللَّه عَوْرَتَهَ يَفْضَحْهُ ولو في جوف رحْلِه. قال: ونظر ابن عُمر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظمَ حرمتك، وللمؤمن أعظمُ حرمةً عند اللَّه منك] (١).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. أي: فاتقوا اللَّه في إخوانكم -معشر المسلمين- ولا تتبعوا العورات أو تتجسسوا، واللَّه يتوب على من تاب، ويرحم عباده المنيبين. قال ابن جرير: (﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾: إن اللَّه راجع لعبده إلى ما يحبه إذا رجع العبد لربه إلى ما يحبه منه، رحيم به بأن يعاقبه على ذنب أذنبه بعد توبته منه).\n\n١٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾.\nفي هذه الآية: دعوة اللَّه عباده للتعارف وحفظ الأنساب وتبادل الخيرات والخبرات، وإنما التميز بالتقوى والحرص على الطاعات، واللَّه عليم بعباده خبير بمن استحق منهم رفع الدرجات.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾. يعني آدم وحواء. قال مجاهد: (خلق اللَّه الولد من ماء الرجل وماء المرأة، وقد قال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾). والمقصود: أَنَّ أصولكم واحدة، من أبويكم آدم وحواء، أو من ماء ذكر من الرجال، وماء أنثى من النساء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٠٣٢)، وابن حبان (٥٧٦٣)، وإسناده حسن.","vol":"7","page":395},{"text":"ويُنسب إلى عليّ ﵁ من الشعر:\nالناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدمُ والأمُّ حوّاء\nنفس كنفس وأرواحٌ مشاكلةٌ ... وأعظمٌ خلقت فيهم وأعضاء\nفإن يكن لهمُ من أصلهم حسبٌ ... يفاخرون به فالطين والماء\nما الفضل إلا لأهل العلم إنّهم ... على الهُدى من استهدى أدِلّاء\nوقَدْرُ كلِّ امرئ ما كان يحسنه ... وللرجال على الأفعال سيماء\nوضدُّ كل امرئ ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. أي: لينسب الرجل إلى أبيه وأمه وقومه، فلا تختلط الأنساب. قال ابن عباس: (الشعوب الجمهور، مثل مضر. والقبائل الأفخاذ). وقال مجاهد: (الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك). وقيل: الشعب أكبر من القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العِمارة، ثم البطن، ثم الفَخِذ. وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.\nقال ابن جرير: (﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾: وجعلناكم متناسبين، فبعضكم يناسب بعضًا نسبًا بعيدًا، وبعضكم يناسب بعضًا نسبًا قريبًا. ليعرف بعضكم بعضًا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لبهم في ذلك، وقربة تقربكم إلى اللَّه، بل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أي أشدكم اتقاء له وخشية بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتًا، ولا أكثركم عشيرة).\nوقال النسفي: (﴿لِتَعَارَفُوا﴾ أي إنما رتبكم على شعوب وقبائل ليعرف بعضكم نسبَ بعض). قال مجاهد: (جعلنا هذا لتعارفوا، فلان بن فلان من كذا وكذا).\nقلت: ومعرفة الأنساب تفيد في صلة الأرحام، وهي محبة في الأهل ومثراة في المال. فقد أخرج الترمذي ورجاله ثقات عن أبيِ هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [تَعَلَّموا من أنسابكم ما تَصلون به أرحامَكُم، فإنَّ صِلةَ الرحم مَحَبَّةٌ في الأهل، مَثْراةٌ في المال، مَنْسَأةٌ في الأثَر] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (١٩٧٩)، والحاكم (٤/ ١٦١)، وأحمد (٢/ ٣٧٤) وله شواهد كثيرة. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧٦).","vol":"7","page":396},{"text":"وله شاهد عند أبي داود الطيالسي في \"مسنده\" قال: حدثنا إسحاق بن سعيد قال: حدثني أبي قال: [كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل فسأله: من أنت؟ قال: فَمَتَّ له برحم بعيدة، فألان له القول، فقال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: اعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت، وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت، وإن كانت بعيدة] (١).\nورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" بنحوه وزاد: [وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها].\nوقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أَصْلٌ في ميزان التفاضل بين الناس. والمقصود: إنما تفاضلكم أيها الناس عند اللَّه بالتقوى لا بالأحساب والأنساب.\nوقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ اللَّه لا ينظر إلى صُوركم وأموالكم، ولكِنْ ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم] (٢).\nوفي لفظ: [إن اللَّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صُوركم، ولكن يَنْظُرُ إلى قلوبكم]. وفي لفظ: (التقوى هاهنا) -ويشير إلى صدره- ثلاث مرِار.\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: [سُئِل رسول اللَّه -ﷺ-: أيُّ الناس أكرم؟ قال: أكرمُهم عند اللَّه أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبيُّ اللَّه، ابنُ نبيِّ اللَّه، ابن نبي اللَّه، ابن خليلِ اللَّه. قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ . قال: فعَنْ معادنِ العرب تسألوني؟ قالوا: نعم! قال: فخياركُم في الجاهلية خياركُم في الإسلام إذا فَقِهُوا] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحْمُ جَهَنَّمَ، أوْ ليكونُنَّ أهونَ على اللَّه من الجُعَلِ الذي يُدَهْدِهُ الخِراءَ بأنْفِه. إنَ اللَّه أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية وفَخْرَها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (٢٧٥٧)، وأخرجه الحاكم (٤/ ١٦١) وهو على شرط مسلم. وانظر: \"الأدب المفرد\" للبخاري (٧٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٦٤) ح (٣٤) - كتاب البر والصلة. وكذلك ح (٣٣). باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٣٥٣) - كتاب أحاديث الأنبياء. وكذلك (٣٣٧٤).","vol":"7","page":397},{"text":"بالآباء. إنما هو مؤمنٌ تقيٌّ، أو فاجِرٌ شقيٌّ. الناس كلُّهم بنو آدمَ، وآدمُ خُلِقَ من التراب] (١). وفي لفظ: [مؤمن تقي، وفاجر شقيّ. والناس بنو آدم، وآدم من تراب].\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر: [أن رسول اللَّه -ﷺ- خطب الناس يوم فتح مكة. فقال: \"يا أيها الناس، إن اللَّه قد أذهب عنكم عُبيَّةَ الجاهلية وتعاظُمها بآبائِها، فالناس رجلان: رَجُلٌ بَرٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّه، وفاجر شقِيٌّ هَيِّنٌ على اللَّه. والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من التراب، قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ \"] (٢).\nوله شاهد عند أبي نعيم في \"الحلية\" (٣/ ١٠٠) عن جابر قال: [خَطبنا رسول اللَّه في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس! إنَّ ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمى، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمرَ إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ألا هل بلّغتُ؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: فيبلغ الشاهد الغائبَ].\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن سمرة، عن النبي -ﷺ- قال: [الحَسَبُ: المالُ. والكرمُ: التقوى] (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. أي عليم بشؤون عباده وبأتقاهم وأكرمهم عنده، خبير بأمورهم وجميع مصالحهم، لا تخفى عليه خافية.\n\n١٤ - ١٨. قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٣١٠٠) - آخر أبواب وأحاديث الجامع.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٠٨)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧٠٠).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٠٩) - كتاب التفسير - سورة الحجرات - آية (١٣).","vol":"7","page":398},{"text":"صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: التمييز بين الإسلام والإيمان، فالمؤمنون هم الذين صدقوا اللَّه اليقين، وبرهنوا على صدقهم بالجهاد بالأموال والأنفس لحفظ وحراسة الدين، واللَّه تعالى له المَنُّ بالهداية على عباده المؤمنين، وهو المتفرد بعلم الغيب والبصير بأعمال العاملين.\nفقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. إنكار على الأعراب ادّعاءهم مقام الإيمان أَوَّل ما دخلوا الإسلام. فإن الإيمان أخصّ من الإسلام -كما هو مذهب أهل السنة والجماعة-. وحقيقة الإيمان الإقرار بالقلب والتصديق بالعمل، وأما الإسلام فقبول ما أتى به النبي -ﷺ- في الظاهر.\nوفي صحيح مسلم من حديث عمر -أن جبريل ﵇ حين طلع بصورة رجل-[قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؛ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه -ﷺ-، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيرِهِ وشرِّه. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فان لم تكن تراه، فإنه يراك] الحديث (١).\nفسأل جبريل ﵇ عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان مترقيًا من الأعم إلى الأخص ثم للأخصّ منه.\nوفي الصحيحين والمسند عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: [أعطى رسول اللَّه -ﷺ- رجالًا ولم يُعْطِ رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول اللَّه، أعطيتَ فلانًا وفلانًا ولم تُعْطِ فلانًا شيئًا، وهو مُؤْمنٌ؟ فقال النبي -ﷺ-: أو مُسْلِمٌ -حتى أعادها سعد ثلاثًا، والنبي -ﷺ- يقول: أو مسلمٌ- ثم قال النبي -ﷺ-: إني لأعطي رجالًا وأدع مَن هو أحبُّ إليَّ منهم فلا أعطيه شيئًا مخافة أن يكُبّوا في النار على وُجوههم] (٢).\nففرّق النبي -ﷺ- بين المسلم والمؤمن، مما يؤكد أن الإيمان أخصّ من الإسلام.\nوهذا يدل مع الآية السابقة أن المقصود تأديب هؤلاء الأعراب الداخلين حديثًا في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨) - كتاب الإيمان. ح (١)، وانظر الحديث (٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠)، وأبو داود (٤٦٨٣)، وأحمد (١/ ١٦٧)، وأخرجه النسائي (٨/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"7","page":399},{"text":"الإسلام لئلا يدّعوا مقام من سبقهم وصار في سجل أهل الإيمان، ولا دليل على أنهم كانوا منافقين كما ذهب البخاري وغيره.\nوقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال ابن كثير: (قوم ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصُل لهم بعد، فَأُدِّبُوا وأُعْلِمُوا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لَعُنِّفُوا وفُضِحوا، كما ذُكِرَ المنافقون في سورة براءة).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. قال مجاهد: \"لَا يَلِتْكُم\": لا ينقصكم). قال ابن زيد: (إن تصدقوا إيمانكم بأعمالكم يقبل ذلك منكم).\nوالمقصود: إِنْ تخلصوا الطاعة للَّه ولرسوله لا ينقصكم ربكم من أجور طاعتكم شيئًا.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي من أطاعه وتاب إليه من سالف ذنوبه، فأنيبوا إليه أيها الأعراب، واستغفروا ذنوبكم، واسلكوا سبيل الإيمان بصدق تنلكم رحمته سبحانه.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. تعريف بحقيقة أهل الإيمان. قال القاسمي: (أي لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به من وحدانية اللَّه ونبوّة نبيّه، وألزموا نفوسهم طاعة اللَّه، وطاعة رسوله، والعمل بما وجب عليهم من فرائض اللَّه بغير شك في وجوب ذلك عليهم).\nوقوله: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: وأضافوا إلى ما سبق مجاهدة المشركين ببذل أموالهم ومهجهم في سبيل اللَّه، لتكون كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. قال ابن زيد: (صدقوا إيمانهم بأعمالهم).\nوالمقصود: هؤلاء هم المتصفون بهذه الأعمال: من أعمال القلب واللسان والجوارح هم الذين صدقوا في اذعاء الإيمان، لظهور أثر الصدق على جوارحهم، وتصديق أفعالهم وأقوالهم.\nوقوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾. أي بما أنتم عليه من الطاعة والامتثال لمعالم الدين. قال ابن جرير: (هذا تقدم من اللَّه إلى هؤلاء الأعراب بالنهي عن أن يكذبوا ويقولوا غير الذي هم عليه في دينهم. يقول: اللَّه محيط بكل شيء عالم به، فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائر صدوركم، فينالكم عقوبته، فإنه لا يخفى عليه شيء).","vol":"7","page":400},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي: واللَّه الذي تعلّمونه أنكم مؤمنون هو علّام جميع ما في السماوات والأرض لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولا يخفى عليه شيء، وهو بكل شيء عليم.\nوقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾. المنّ: ذكر الأيادي تعريضًا للشكر، والمعنى: أيمُن عليك -يا محمد- هؤلاء الأعراب بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم؟ !\nوقوله: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nأي: قل لهم -يا محمد- لا تمنوا عليّ بإسلامكم، فإن المنّة للَّه عليكم بأن هداكم لطريق الإيمان، إن صح زعمكم أنكم مؤمنون. كما قال النبي -ﷺ- للأنصار يوم حنين: [يا معشرَ الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم اللَّه بي؟ وكنتم متفرِّقين فألَّفَكم اللَّه بي، وكنتم عالة فأغناكم اللَّه بي؟ . قالوا: اللَّه ورسوله أمَنّ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. تَاْكيدٌ لعلمه المطلق ﷾ بأحوال جميع مخلوقاته، وما غاب في أرجاء أرضه وسماواته، وبصره بأعمال عباده، فلا يخفى عليه شيء.\n\nتم تفسير سورة الحجرات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الخميس ٧ - رجب - ١٤٢٦ هـ الموافق ١١ - آب - ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٣٣٠) من حديث عبد اللَّه بن زيد بن عاصم - كتاب المغازي.","vol":"7","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، يهوي بها سبعين خريفًا في النار.\n٢ - إنّ اللَّه تعالى حَييٌّ ستير، يحب الحياء والسِّتر.\n٣ - إياكم والظنّ، فإنَّ الظَّنَ أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا.\n٤ - ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينْمي خيرًا أو يقول خيرًا.\n٥ - إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمان، بما أقسطوا في الدنيا.\n٦ - المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينُه، اشتكى كُلُّه، وإن اشتكى رأسه، اشتكى كُلُّه.\n٧ - ما مِنْ عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولكَ بِمثل.\n٨ - الكبر بطرُ الحق وغمطُ الناس. وأكثر خطايا ابن آدم في لسانه.\n٩ - لا قرب بالرحم إذا قطعت، وإن كانت قريبة، ولا بعد بها إذا وصلت، وإن كانت بعيدة. فاعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكم.\n١٠ - إن اللَّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم. وخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقِهوا.\n١١ - الإحسان أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.\n١٢ - المؤمن يجاهد بسيفه وماله ونفسه ولسانه. والإيمان قول وعمل. والقول: قول اللسان وقول القلب. والعمل عمل اللسان والقلب والجوارح.\n* * *","vol":"7","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>٥٠ - سورة ق</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد في ذكر هذه السورة الكريمة وفضلها أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أُمِّ هشام بنتِ حارثةَ بنِ النعمانِ قالت: [لقد كان تَنُّورُنا وتنُّورُ رسول اللَّه -ﷺ- واحِدًا، سنتين أو سَنَةً وبعضَ سَنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول اللَّه -ﷺ-، يقرؤها كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ على المِنْبَرِ، إذا خطَبَ الناس] (١).\nوفي لفظ: [ما حَفِظت \"ق\" إلا مِنْ فِي رسول اللَّه -ﷺ- يَخْطُبُ بها كل جُمُعَة].\nالحديث الثاني: أخرج مالك وأحمد ومسلم عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه: [أنّ عمرَ بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يَقْرَأُ به رسولُ اللَّه -ﷺ- في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح، وأحمد في المسند، عن جابر بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٧٣) ح (٥١)، (٥٢) - كتاب الجمعة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مالك (١/ ١٨٠)، ومسلم (٨٩١)، وأحمد (٥/ ٢١٧)، وأبو داود (١١٥٤)، والترمذي (٥٣٤)، والنسائي (٣/ ١٨٣)، وابن ماجة (١٢٨٢).","vol":"7","page":403},{"text":"سَمُرَةَ: [أنَّ النبي -ﷺ- كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. وكانت صلاتُه، بَعْدُ، تخفيفًا] (١).\nوهذه السورة هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل: من الحجرات، والأول أرجح، وبه جاء النصّ الصحيح عن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كما في الحديث الآتي.\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند يرقى للحسن عن عثمان بن عبد اللَّه بن أوس الثقفي عن جده أوس بن حذيفة قال: [كنت في الوفد الذين أتوا النبي -ﷺ- أسلموا من ثقيف من بني مالك، أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا ولا نبرح حتى يحدثنا ويشتكي قريشًا ويشتكي أهل مكة، ثم يقول: لا سواء، كنا بمكة مستذلين ومستضعفين، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال، الحرب علينا ولنا، فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا ما أمكثك عنا يا رسول اللَّه؟ قال: طرأ عَلَيَّ حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، قال: فسألنا أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تُحَزِّبُون القرآن؟ قالوا: نحزّبُه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم] (٢).\nوبيانه \"ثلاث سور\": البقرة وآل عمران والنساء. \"وخمس سور\": المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة. \"وسبع سور\": يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحِجْر، والنحل. \"وتسع سور\": سبحان، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان. \"وإحدى عشر: سورة\": الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، وألم السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس. \"وثلاث عشرة سورة\": الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٥٨)، كتاب الصلاة، وأحمد (٥/ ٩١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٥٣)، وابن حبان (١٨١٦)، والطبراني في الكبير (١٩٢٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٩)، (٤/ ٣٤٣)، وانظر سنن أبي داود (١/ ٣٢١ - ٣٢٢). وكذلك كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (٣/ ١٤٣٧ - ١٤٣٨) لتفصيل الخبر، وهو حديث حسن.","vol":"7","page":404},{"text":"والجاثية، والأحقاف، والقتال، والفتح، والحجرات. ثم بعد ذلك الحزب المفصل ويبدأ بـ \"ق\" حتى نهاية المصحف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>موضوع السورة</span>\nالقرآن هو الكتاب الجامع المجيد لقصة الإنسان والوعد والوعيد\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-298> منهاج السورة</span>-\n١ - وصْفُ القرآن بالمجيد، وتوبيخ المشركين في إنكارهم البعث والوعد والوعيد.\n٢ - علم اللَّه تعالى بما تنقص الأرض من الأجساد في القبور، والكافرون غافلون ماضون في عتو ونفور.\n٣ - تنبيه اللَّه تعالى على آياته البديعة في الخلق، وإنزال الماء والإحياء بعد الموت.\n٤ - تهديدُ كفار قريش أن ينزل بهم مصير المكذبين، وتقريع لهم في إنكارهم البعث والحساب يوم الدين.\n٥ - إعلامُ اللَّه عن خلقه الإنسان، وعلمه بوساوس نفسه، وقربه تعالى منه وكتابة الملكين.\n٦ - إخبار اللَّه تعالى عن قصة النهاية: الموت، فالقبر، فالبعث، فالحساب.\n٧ - إحضار القرين الموكل بالإنسان كتاب عمله معه إلى مشهد الحشر، وصدور أمر الجبار ﷿ بإلقاء الكافر في النار، واختصام القرين من الجن مع صاحبه.\n٨ - استعداد جهنم لاستقبال الكفار والفجار، واقتراب الجنة من أهلها الأبرار.\n٩ - صدور الأمر من اللَّه بدخول المؤمنين الجنة بسلام، لهم فيها ما لذّ وطاب مما أعِدَّ لقوم كرام.\n١٠ - تنبيه كفار قريش لمصير الأمم قبلهم، وخلق اللَّه السماوات والأرض في ستة أيام، وتوجيه النبي -ﷺ- للصبر والتسبيح والسجود والقيام.\n١١ - تسلية النبي -ﷺ- عما يلقاه من التكذيب، بذكر مشهد البعث والحشر الرهيب.\n١٢ - أمر اللَّه تعالى نبيَّه -ﷺ- بالتذكير بالقرآن، ففيه الذكرى من أراد النجاة من النيران.","vol":"7","page":405},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناء اللَّه تعالى على القرآن بوصفه بالمجيد، وتوبيخ المشركين في إنكارهم المعاد وانغماسهم في الضلال البعيد، واللَّه تعالى يعلم ما تنقص الأرض من أجسادهم وعنده كتاب حفيظ.\nفقوله: ﴿ق﴾ - هو كأشباهه من الحروف التي ذكرت في أوائل السور.\nوقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. قال سعيد بن جبير: (الكريم). قال القرطبي: (﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي الرفيع القدر).\nوجواب القسم هو مضمون الكلام بعد القسم. قال ابن كثير: (وهو إثبات النبوّة، وإثباتُ المعاد، وتقريره وتحقيقُه).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.\nأي: تعجبوا أن أرسل اللَّه إليهم بشرًا منهم من بني آدم، ولم يأتهم ملك برسالة من عند اللَّه، فقالوا هذا شيء عجيب.\nوقوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. تَعَجُّبٌ آخر من الكافرين من المعاد وبعث الأجساد.\nقال الضحاك: (قالوا: كيف يحيينا اللَّه، وقد صرنا عظامًا ورفاتًا، وضللنا في الأرض). قال النسفي: (﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ مستبعد مستنكر).\nوقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ما تأكل الأرض من","vol":"7","page":406},{"text":"لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم). وقال قتادة: (ما تأكل الأرض منهم إذا ماتوا).\nوالمقصود: أنَّ اللَّه تعالى قد علم ما تأكل الأرض من لحومهم وعظامهم في قبورهم، وكيف تتفرق أبدانهم كل ساعة حتى يبعثهم.\nوقوله: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾. قال الضحاك: (ما أكلت الأرض منهم ونحن عالمون به، وهم عندي مع علمي فيهم في كتاب حفيظ). وقال أبو السعود: (أي حافظ لتفاصيل الأشياء كلها، أو محفوظ من التغيّر). وفيه تأكيد لعلمه تعالى بدقائق الأشياء وثبوتها في اللوح المحفوظ عنده.\nوقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. أي: بل كذبوا بما هو أكبر من ذلك، النبوّة والقرآن العظيم المعجز. قال الزمخشري: (إضراب أتبع الإضراب الأول، للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق، الذي هو النبوّة الثابتة بالمعجزات، في أول وهلة من غير تفكّر ولا تدبّر. وكونه أفظع، للتصريح بالتكذيب من غير تدبر بعد التعجب منه).\nوقوله: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. قال ابن عباس: (المريج: الشيء المنكر).\nأو قال: (يقول: مختلف). وفي رواية: (هم في أمر ضلالة). وقال سعيد بن جبير: (ملتبس). وقال قتادة: (ملتبس عليه أمره).\nفالمعنى: فهم في أمر مختلف مضطرب ملتبس منكر عليهم خلاله ونعوته.\n\n٦ - ١١. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيهُ المشركين إلى آيات اللَّه البديعة الدالة على قدرته العجيبة، كخلق السماء والكواكب، ومَدّ الأرض وإرساء الجبال، وخلق الأزواج من النبات،","vol":"7","page":407},{"text":"وإنزال الماء المبارك وإنبات الجنات والحبّ والنخل الباسقات، وإحياء الأرض الميتة وكذلك الخروج للحشر بعد الممات.\nفقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾.\nأي: أفلم ينظر مكذبو البعث إلى السماء فوقهم كيف أُحكم بناؤها وُزينت بالكواكب والنجوم ومالها من صدوع ولا فتوق. قال مجاهد: (﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ يعني من شقوق). وقال غيره: (فُتوق). وقال غيره: (صُدوع). والمعنى متقارب. والآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣].\nوقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾. أي: بسطناها ودحوناها. ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، وهي الجبال. جعلها اللَّه ثوابت رست في الأرض لئلا تميد بأهلها وتضطرب.\nوقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. قال ابن زيد: (هو الحسن المنظر).\nوالمقصود: وأنبت اللَّه في الأرض من كل صنف من أصناف النبات والزروع والثمار ما يسر الناظرين.\nوقوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. قال قتادة: (﴿تَبْصِرَةً﴾: نعمة من اللَّه يبصرها العباد ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي مقبل بقلبه إلى اللَّه).\nوقال مجاهد: (﴿تَبْصِرَةً﴾: بصيرة، ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قال: مجيب).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾.\nأي: وأنزل اللَّه من السماء مطرًا مباركًا فأنبت به سبحانه بساتين وحدائق والزرع المتصف بالحب المستفاد بادخاره. قال قتادة: (﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ هذا البرّ والشعير). وقال مجاهد: (الحنطة). قال القرطبي: (التقدير: وحبّ النبت الحصيد وهو كل ما يحصد. وقيل: كل حبِّ يُحْصَد ويُدّخر ويُقْتات).\nوقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. باسقات: حال، والباسقات: الطوال. قال ابن عباس: (﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قال: النخل الطوال، ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ يقول: بعضه على بعض).\nوالمقصود: وأنبت اللَّه بالماء النخل طوالًا شاهقات ﴿لَهَا طَلْعٌ﴾ -وهو أول ما يخرج من ثمر النخل- متراكب قد نُضِّد بعضه على بعض في شكل بديع.","vol":"7","page":408},{"text":"وقوله: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَاد﴾. قال ابن جرير: (يقول: أنبتنا بهذا الماء الذي أنزلناه من السماء هذه الجنات، والحبّ والنخل قوتًا للعباد، بعضها غذاء، وبعضها فاكهة ومتاعًا).\nوقوله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. أي: وأحيينا بهذا الماء المبارك النازل من السماء بلدة قد أجدبت وقحطت، فهي هامدة لا زرع فيها ولا نبت.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾. أي: كذلك كما أحيا اللَّه هذه الأرض الميتة فإنه يخرجكم من قبوركم أحياء بعد موتكم وفنائكم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث عبد اللَّه بن عمرو، قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا -أي: أمال صفحة عنقه- وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه -أي: يصلحه ويطينه- فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل اللَّه تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون] (١).\n\n١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تهديدُ اللَّه تعالى كفار قريش أن ينزل بهم ما نزل بأمثالهم من المكذبين، وتقريع لهم في إنكارهم المعاد والبعث للحساب يوم الدين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٤٠)، وأحمد في المسند (٢/ ١٦٦).","vol":"7","page":409},{"text":"فقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. أي قبل كفار العرب الذين يكذبون محمدًا -ﷺ-. فعذبهم اللَّه تعالى بالغرق العام والطوفان الكبير.\nوقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾. قال مجاهد: (﴿الرَّسِّ﴾: بئر).\nوالمقصود: أصحاب البئر الذين ذكروا في سورة الفرقان وأهلكهم اللَّه بتكذيبهم.\nوقوله: ﴿وَثَمُودُ﴾. وهم قوم صالح، الذين عقروا الناقة واستكبروا فأهلكوا بالصيحة.\nوقوله: ﴿وَعَادٌ﴾. وهم قوم هود، أهلكوا -لما كذبوا- بالريح الصرصر العاتية.\nوقوله: ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾. أي: هو وقومه الذين دكهم اللَّه بالغرق في اليمّ.\nوقوله: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾. قال ابن كثير: (وهم أمته الذين بُعِثَ إليهم من أهل سَدُومَ ومعاملتها في الغور، وكيف خسف اللَّه تعالى بهم الأرضَ، وأحالَ أرضَهم بُحَيرةً منتنة خبيثةً، بكفرهم وطغيانهم ومخالفتهم الحقّ).\nوقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾. وهم قوم شعيب ﵇. قال قتادة: (والأيكة: الشجر الملتف).\nوقوله: ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾. أهل أوثان كانوا يعبدونها باليمن، وقد مضى تفصيل خبرهم في سورة الدخان.\nوقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾. قال النسفي: (أي كل واحد منهم ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ لأنَّ من كذّب رسولًا واحدًا فقد كذبّ جميعهم ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ فوجب وحلّ وعيدي، وفيه تسلية لرسول اللَّه -ﷺ- وتهديد لهم).\nوقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾. تقريع لمشركي قريش إذ قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لم يعينا الخلق الأول). وقال مجاهد: (أفعيي علينا حين أنشأناكم خلقًا جديدًا فتمتروا بالبعث).\nوالمقصود: أَفَأَعْجَزنا ابتداء الخلق حتى أنتم تشكون في قدرتنا على الإعادة، والإعادة أسهل عادة من المرة الأولى.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].","vol":"7","page":410},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [قال اللَّه تعالى: يَشْتِمُني ابنُ آدمَ، وما ينبغي له أن يَشْتِمني، ويكذِّبُني وما ينبغي له. أما شتمُه فقوله: إنّ لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني] (١). وفي لفظ: [وليس أوَّلُ الخلق بأهون عليّ من إعادته].\nوقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: في شك من البعث).\n\n١٦ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إعلامُ اللَّه تعالى عن خلقه الإنسان وعلمه بوساوس نفسه، وقربه تعالى منه، وكتابة الملكين دقائق قوله وعمله. وإخبار منه تعالى عن قصة النهاية ابتداءً بسكرة الموت، ثم النفخ في الصور للقيام من القبر، ثم مجيء كل نفس يسوقها الملك إلى أرض المحشر لبدء الحساب.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾. إخبار عن كمال إحاطته تعالى بأحوال الإنسان وتقلبات نفسه. قال ابن جرير: (يقول: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما تحدِّثُ به نفسه فلا يخفى علينا سرائره وضمائر قلبه).\nولكنه من حلمه سبحانه وكرمه فإنه قد تجاوز عن حديث العبد نفسه ما لم يقل أو يعمل.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٩٣)، كتاب بدء الخلق. وانظر الحديث (٤٩٧٤).","vol":"7","page":411},{"text":"فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ اللَّه تجاوزَ عن أمتي ما حَدَّثت به أنْفُسُها ما لم تَعْمل أو تتكلّم] (١).\nوفي لفظ: [إن اللَّه تجاوز لأمتي عما وسْوَسَتْ -أو حدَّثتْ- به أنْفُسَها ما لم تعْمل به أو تَكَلَّم].\nقال قتادة: (إذا طلّق في نفسه فليس بشيء).\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. قال ابن كثير: (يعني ملائكته تعالى أقربُ إلى الإنسان من حبل وريده إليه). والوريد: حبل العاتق الممتد من ناحية الحلق إلى العاتق، وهما وريدان عن يمين وشمال.\nوقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾.\nقال مجاهد: (﴿الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ ملكان يتلقيان عملك: أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك). قال الحسن: (حتى إذا متّ طُوِيت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] عَدَلَ واللَّه عليك من جعلك حسيبَ نفسك).\nقال النسفي: (التلقي: التلقن بالحفظ والكتابة، والقعيد: المقاعد، كالجليس بمعنى المجالس، وتقديره: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه).\nوالمقصود: يقول جل ذكره -ونحن أقرب إلى الإنسان من وريد حلقه حين يتلقى الملكان الحفيظان ما يتلفظ به فيجعلانه في صحيفة أعماله-.\nوفي معجم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنّ صاحِبَ الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندمَ واستغفر اللَّه منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٢٦٩)، كتاب الطلاق، وكذلك (٦٦٦٤)، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حَنِثَ ناسيًا في الأيمان.\n(٢) حديث حسن. رواه الطبراني في \"الكبير\" (ق ٢٥/ ٢)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٣٤٩/ ١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١٢٤)، وانظر السلسلة الصحيحة (١٢٠٩).","vol":"7","page":412},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.\nقال ابن عباس: (يكتب كُلَّ ما تَكَلَّم به من خير أو شرٍّ، حتى إنه ليكتُب قوله: أكلتُ، شرِبتُ، ذهبتُ، جِئتُ، رأيتُ، حتى إذا كان يوم الخميس عُرِض قولهُ وعمله، فأقِرَّ منه ما كان فيه من خيرٍ أو شرٍّ، وأُلقي سائره).\nوفي \"الرقيب\" ثلاثة أقوال:\n١ - المتبع للأمور.\n٢ - الحافظ - قاله السدّي.\n٣ - الشاهد - قاله الضحاك.\nوفي \"العتيد\" قولان:\nأ - الحاضر الذي لا يغيب.\nب - الحافظ المُعَدُّ إما للحفظ وإما للشهادة. قلت: وكل هذه المعاني متقاربة، مفادها أن الإنسان ما يلفظ من قول إلا لديه ملك يرقب عمله ﴿عَتِيدٌ﴾ أي حاضر حافظ.\nوقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾. أي: غمرته وشدته. قال القرطبي: (فالإنسان ما دام حَيًّا تكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها، ثم يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان اللَّه تعالى وعده وأوعده).\nوفي صحيح البخاري عن عائشة قالت: [إنَّ رسول اللَّه -ﷺ- كان بَيْنَ يديه رَكْوَةٌ -أو عُلْبَةٌ فيها ماء- فجعل يُدْخِلُ يدَهُ في الماء فَيَمْسَحُ بها وَجْهَهُ ويقول: \"لا إله إلا اللَّه، إن للموت سَكرات\". ثم نَصَبَ يَدَهُ فجعل يقول: \"في الرفيق الأعلى\"، حتى قُبِضَ ومالَتْ يَدُه] (١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. قال ابن جرير: (هذه السكرة التي جاءتك أيها الإنسان بالحق هو الشيء الذي كنت تهرب منه، وعنه تروغ).\nو﴿مَا﴾ في قوله ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ لها وجهان من التأويل:\n١ - ﴿مَا﴾ موصولة، أي ذلك الذي كنت منه تحيد، أي تبتعد وتهرب.\n٢ - ﴿مَا﴾ نافية، والتقدير: ذلك ماهنت تقدر على الفرار منه ولا الحَيْد عنه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٥١٠)، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت.","vol":"7","page":413},{"text":"وكلا المعنيين حق.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾.\nأي: ونفخ في الصور نفخة البعث ليقوم الناس لرب العالمين، ذلك اليوم الذي وعده اللَّه الكفار أن يعذبهم وينتقم منهم فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾.\nقال ابن عباس: (السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه).\nوقال الضحاك. (السائق الملك، والشهيد العمل). وقيل: ملك يسوقُه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله.\nوفي صحيح مسلم عن أنس قال: [كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- فضحك، فقال: هل تدرون ممَّ أضحك؟ قال: قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيخْتَمُ على فيه، ويقال لأركانه انْطقُي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل] (١). أي أجادل وأدافع وأخاصم.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.\nأي: لقد كنت في غفلة من هذا الذي عايَنْتَ اليوم أيها الإنسان من الأهوال والشدائد، فكشفنا عنك غطاءك فجلينا ذلك لك وأظهرناه لعينيك حتى رأيته وعاينته فزالت الغفلة عنك، فانت اليوم نافذ البصر تبصر بقوة كالحديد، فأنت اليوم في أرض المحشر وقد صار عالم الغيب ذلك أمامك عالم شهادة.\nقال ابن عباس: (﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ قال: الحياة بعد الموت). وقال قتادة: (عاين الآخرة).\n\n٢٣ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٢١٧). كتاب التوبة وقبولها وسعة رحمة اللَّه وغير ذلك. باب: في شهادة أركان العبد يوم القيامة بعمله. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٣٣).","vol":"7","page":414},{"text":"عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إحضار القرين الموكل بالإنسان كتاب عمله معه إلى مشهد الحشر، وصدور الأمر من الجبار ﷿ بإلقاء الكافر في جهنم ذات الشرر، واختصام القرين من الجن مع صاحبه وكلاهما واقع تحت ذلك الأمر.\nفقوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾. قال قتادة: (الملك). قال ابن زيد: (هذا سائقه الذي وُكِّلَ به). والراجح أنه الملك الموكل بعمل ابن آدم، فهو القرين الذي لا يفارقه إلا عند الموت، فيأتي يوم القيامة يشهد عليه بما عمل.\nوقوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. قال ابن جرير: (هذا الذي هو عندي معدّ محفوظ).\nوالمقصود: يقول القرين: هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت معه ديوان عمله الذي هو عندي قد كتبت فيه عمله، فهو معدّ محفوظ.\nوقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال ابن كثير: (الظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عَرْصَةِ الحساب، فلما أدّى الشهيدُ عليه، أمرهما اللَّه تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير. ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، ﴿عَنِيدٍ﴾: معانِدٌ للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك).\nوقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. قال قتادة: (هو الزكاة المفروضة). والراجح أن المعنى أعم من ذلك، فهو مناع للحقوق التي عليه من بِرٍّ وصلة وصدقة، لا يؤدي ما وجب عليه فيها.\nوقوله: ﴿مُعْتَدٍ﴾. قال قتادة: (فى منطقِه وسيرته وأمره). قلت: والاعتداء يشمل الظلم في اللسان والجوارح، فاللسان فيه البذاء والفحش، واليد فيها الإقتار والإسراف والسطوة، والرِّجْلُ فيها المشي في الباطل، إلى غير ذلك من أشكال الاعتداء.\nوقوله: ﴿مُرِيبٍ﴾. قال قتادة: (أي شاك). فهو شاك في أمره ودينه، مريب من نظر في أمره وحاله.","vol":"7","page":415},{"text":"وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. أي أشرك باللَّه فعبد معه غيره.\nوقوله: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. تأكيد للأمر الأول.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يَخْرُجُ عُنُقٌ من النار يوم القيامة له عَيْنان تُبْصِران، وأُذُنان تَسْمعان، ولسانٌ ينطِقُ، يقول: إني وُكِّلْتُ بثلاثة: بكل جَبّارٍ عنيد، وبكل مَنْ دعا مع اللَّه إلهًا آخر، وبالمصوِّرين] (١).\nوقوله: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال ابن عباس: (قرينه شيطانه).\nوقال مجاهد: (الشيطان قُيّضَ به). وقال ابن زيد: (قال قرينه من الجن: ربنا ما أطغيته، تبرأ منه).\nوالمقصود: يتبرأ شيطان الكافر يوم القيامة من أن يكون هو الذي أضلّه.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. قال النسفي: (أي ما أوقعته في الطغيان ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى).\nوالآية تشبه الآية الأخرى في سورة إبراهيم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\nفالشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر ويوسوس للعبد حتى يقع في الإثم ثم يتبرأ منه يوم القيامة.\nأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: مَنْ أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبسته التاج، فيخرج هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقَّ والديه فيقول: يوشك أن يبرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٣٧٤). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٨٣)، أبواب صفة جهنم. باب صفة النار.","vol":"7","page":416},{"text":"فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلْبِسُه التاج] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾.\nقال ابن عباس: (إنهم اعتذروا بغير عذر، فأبطل اللَّه حجتهم، وردّ عليهم قولهم).\nوقال ابن زيد: (يقول: قد أمرتكم ونهيتكم، قال: هذا ابن آدم وقرينه من الجن).\nوالمقصود: يردّ اللَّه اعتذار الإنسى وقرينه من الجن عن الكفر والطغيان -فلا يقبل من ذلك شيئًا- يقول: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج البينات والبراهين القاطعات، ومضى زمان التوبة والإنابة من الآثام والسيئات.\nوقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. قال مجاهد: (يعني قد قضيت ما أنا قاضٍ).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. أي لا أعاقب إلا من استحق العقاب بذنبه وإصراره.\n\n٣٠ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: استعدادُ جهنم لاستقبال الكفار والفجار، واقتراب الجنة من أهلها الأبرار، وصدور الأمر بدخولهم الجنان بسلام، ولهم فيها ما يختارون من الملذات التي أعدت لقوم كرام.\nفقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾.\nإِخْبارٌ منه تعالى عن استقبال جهنم يوم القيامة لكل ما يُلقى فيها، وقد وعد تعالى بملئها وهي تقول: هل من مزيد. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بآفاق هذا المعنى.\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه -في كتاب التفسير عند هذه الآية- عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (رقم ٦٥)، وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٨٠)، وأصل معناه في صحيح مسلم.","vol":"7","page":417},{"text":"أنس ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [يُلقى في النار وتقول: هل مِنْ مَزيد، حتى يَضَعَ قَدَمَهُ فتقول: قَطْ قَطْ] (١).\nورواه في كتاب التوحيد بلفظ: [لا يزال يُلقى فيها وتقول: هل مِن مَزيدٍ، حتى يَضَعَ فيها ربُّ العالمين قَدَمَهُ فينزوي بعضها إلى بعض، ثم تقول: قَدْ قدْ، بعِزَّتك وكرمِكَ، ولا تزال الجنة تَفْضُلُ حتى ينشِئَ اللَّه لها خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجنة] (٢).\nولفط الترمذي: [لا تزال جهنم تقول: هَلْ مِن مزيدٍ، حتى يضعَ فيها ربُّ العِزَّةِ قَدَمَهُ فتقول: قَطْ، قط، وعِزَّتِكَ، ويُروي بَعْضُها إلى بعض].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي -ﷺ-: [تحاجَت الجَنَّةُ والنار، فقالت النارُ: أُوثِرتُ بالمتكبِّرين والمُتَجَبِّرِين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخُلني إلا ضُعفاء الناس وسقَطُهم؟ قال اللَّه ﵎ للجنة: أنتِ رحمتي أرْحَمُ بكِ مَنْ أشاءُ من عبادي، وقال للنار: إنما أنْتِ عذابٌ أُعذِّبُ بكِ مَنْ أشاءُ مِن عبادي، ولكل واحِدَةٍ منهما مِلْؤُها، فأمّا النار: فلا تَمْتَلِئُ حتى يَضَعَ رجْلَهُ فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ، فهنالِكَ تمتَلِئُ ويُزوى بَعْضُها إلى بَعْض، ولا يَظْلِمُ اللَّه ﷿ مِنْ خلقِهِ أحدًا. وأما الجنة: فإن اللَّه ﷿ يُنْشِئُ لها خَلْقًا] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [احْتَجَّت الجنة والنارُ، فقالت النار: فيَّ الجبارون والمتكبِّرون. وقالت الجنة: فيَّ ضُعفاء الناس ومساكينهم. فقضى بينهما، فقال للجنة: إنما أنت رحمتي، أرحمُ بك مَنْ أشاء مِن عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذِّبُ بكِ من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤُها] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. قال قتادة: (يقول: وأدنيت).\nأي: قُرِّبت من المتقين يوم القيامة مكانًا غير بعيد، أو شيئًا غير بعيد، فكل آتٍ قريب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٤٨)، كتاب التفسير، باب قوله: \"وتقول هل من مزيد\".\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣٨٤)، كتاب التوحيد، وانظر الحديث (٤٨٤٨). ورواه مسلم بنحوه (٢٨٤٨)، والترمذي (٣٢٧٢)، وأحمد (٣/ ١٣٤)، (٣/ ١٤١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٤٨٥٠)، كتاب التفسير.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٤٧)، وانظر نحوه مسند أحمد (٣/ ١٣)، (٣/ ١٣٤).","vol":"7","page":418},{"text":"وقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. أي: هذا الثواب والإكرام إنما هو خاص لكل رجّاع إلى ذكر اللَّه، حافظ لحدوده، مُعَظِّم لدينه. قال ابن عباس: (﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ قال: لكل مُسَبِّح). وقال مجاهد: (الأواب: المسبّح). وقال الحكم بن عُتَيبة: (هو الذاكر اللَّه في الخلاء). وقال مجاهد في رواية: (الذي يذكر ذنوبه فيستغفر منها). وقال التيمي: (سألت ابن عباس عن الأوّاب الحفيظ قال: حفظ ذنوبه حتى رجع عنها). وقال قتادة: (﴿حَفِيظٍ﴾: حفيظ لما استودعه اللَّه من حقه ونعمته). قال ابن جرير: (هو حفيظ لكل ما قَرَّبَهُ إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سَلَفت منه للتوبة منها والاستغفار).\nوقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾. أي: من خاف اللَّه في سرّه في الدنيا حيث لا يراه أحد إلا اللَّه ﷿.\nوقوله: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾. قال قتادة: (أي منيب إلى ربه مقبل).\nقلت: وبين الخشية والإنابة صلة من النسب. فالإنابة أثر رفيع للخشية، وتعني الرجوع والإحسان. قال الحسن: (عملوا واللَّه بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا).\nوفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -في السبعة الذين يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله- قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ورجلٌ ذكرَ اللَّه خاليًا ففاضت عيناه] (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [عَيْنان لا تَمَسُّهُما النار: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشية اللَّه، وعَيْنٌ باتت تحرس في سبيل اللَّه] (٢).\nورواه الطبراني من حديث أنس بلفظ: [عَيْنان لا تَرَيان النارَ: عينٌ بَكَتْ وجَلًا من خشية اللَّه، وعينٌ باتت تكلأ في سبيل اللَّه].\nوقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾. يعني الجنة. قال قتادة: (سَلِمُوا من عذاب اللَّه ﷿، وسَلَّم عليهم ملائكة اللَّه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٢٣)، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٣٣٨)، أبواب فضائل الجهاد، باب فضل الحرس في سبيل اللَّه ﷿. وانظر صحيح الجامع (٣٩٩٠) لرواية الطبراني.","vol":"7","page":419},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾. قال قتادة: (خلدوا واللَّه، فلا يموتون، وأقاموا فلا يظعنون، وَنَعِمُوا فلا يبأسون).\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [يُنادي مُنَادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أَبَدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعموا فلا تَبْأسوا أبدًا] (١).\nوقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾. أي: من ألوان الملذات وأصناف المسرّات، فمهما طلبوا وجدوا، ومهما خطر في بالهم أحضر بين أيديهم.\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [المؤمِنُ إذا اشتهى الولَدَ في الجنة، كان حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وسنُّهُ في ساعةٍ كما يشتهي] (٢).\nوقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. قال النسفي: (على ما يشتهون، والجمهور على أنه رؤية اللَّه تعالى). وقال القرطبي: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ مِنْ النعم مما لم يخطر على بالهم).\n\n٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيه كفار قريش إلى مصير الأمم قبلهم ممن أسرف وكذّب، وإثبات اللَّه تعالى خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام دون تعب أو نصب. وتوجيهه تعالى نبيّه -ﷺ- إلى الصبر والتسبيح والسجود أطراف النهار وآناء الليل فهو خير له وأطيب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٧)، كتاب الجنة ونعيمها. باب في دوام نعيم أهل الجنة.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٧٧)، أبواب صفة الجنة. ورواه ابن ماجة في السنن (٤٣٣٨)، والدارمي (٢/ ٣٣٧)، وأبو يعلى (١٠٥١).","vol":"7","page":420},{"text":"فقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وكثيرًا أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش من القرون هم أشد من قريش الذين كذبوا محمدًا).\nوقوله: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾. قال ابن عباس: (أثَّروا فيها). وقال مجاهد: (ضربوا في الأرض). وقال قتادة: (فساروا في البلاد). أي ابتغاء الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم أنتم فيها، والخطاب لقريش.\nوقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. أي: فهل كان لهم بتنقّبهم في البلاد وضربهم في أرجاء الأرض وجمعهم الأموال والمكاسب من معدل عن الموت، ومنجى من الهلاك، ومفرّ من قضاء اللَّه وقدره الذي حاق بهم نتيجة تكذيبهم الرسل؟ !\nوالمحيص مصدر حاص عنه يحيص حَيْصًا وحُيوصًا ومَحيصًا ومَحاصًا وحيصانًا، أي: عَدَلَ وحادَ. ويقال: ما عنه محيص أي مَحيد ومَهْرب.\nوالمقصود: حاصرهم العذاب حين نزل بهم فما استطاعوا الحَيْص والمحيد والمهرب منه.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾. أي: إن فيما ذكر في هذه السورة من الحقائق والأخبار لتذكرة وموعظة.\nوقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: لبٌّ يعَي به. وقال مجاهد: (عَقْلٌ). أي عقل يتدبر به، وقيل: من كان له حياة ونفس مميزة.\nقلت: والأولى أن يقال ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: واع يفقه العبر، ويفهم آفاق موعظة هذا الوحي العظيم، فإن عمى القلب هو أشد العمى كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. قال قتادة: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي من هذه الأمة، يعني بذلك القلب: القلب الحي). وقال ابن زيد: (قلب يعقل ما قد سمع من الأحاديث التي ضرب اللَّه بها من عصاه من الأمم).\nوقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. أي أصغى إلى المواعظ وقلبه شاهد غير غافل ولا ساه. قال الضحاك: (العرب تقول: ألقى فلان سمعه: إذا استمع بأذنيه وهو شاهد، يقول غير غائب).","vol":"7","page":421},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾.\nقال ابن عباس: (وما مسنا من نصب). وقال سفيان: (من سآمة).\nواللغوب: التعب والإعياء، والآية في تقرير المعاد وإثبات إحياء الموتى وبعثهم بطريق الأولى، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].\nوقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. قال النسفي: (أي على ما يقول اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه، أو على ما يقول المشركون في أمر البعث، فإن من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم).\nوقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾.\nقال ابن زيد: (قبل طلوع الشمس: الصبح، وقبل الغروب: العصر).\nأخرج البخاري في صحيحه عن جرير قال: [كنّا مع النبي -ﷺ- فنظر إلى القمر ليلة -يعني البَدْرَ- فقال: إنكم سَتَرَون رَبَّكم كما تَرَوْنَ هذا القَمَر، لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾] (١).\nقال ابن كثير: (وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء، ثنتان قبل طلوع الشمس في وقت الفجر وقبل الغروب في وقت العصر، وقيامُ الليل كان واجبًا على النبي -ﷺ- وعلى أمته حَوْلًا، ثُمَّ نُسِخَ في حَقِّ الأمَّةِ وجوبُه. ثم بعد ذلك نسخَ اللَّه تعالى ذلك كُلَّه ليلةَ الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاةُ الصبحِ والعصر، فهما قبل طلوعِ الشمس وقبل الغروب).\nقلت: والمقصود تسلية اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- عما يلقاه من تكذيب المشركين، ليستعين باللَّه عليهم بالتسبيح في هذين الوقتين الكبيرين، فإنهما وقتان ينشغل عنهما كثير من الناس ويغفلون عن أهميتهما.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٤)، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، وكذلك أخرجه برقم (٥٧٣)، ورواه أحمد (٤/ ٣٦٢)، وابن حبان (٧٤٤٣).","vol":"7","page":422},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال أبو الأحوص: (هو تسبيح اللَّه تعالى في الليل).\n٢ - قال مجاهد: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: من الليل كله). أي صلاة الليل كله.\n٣ - عن ابن عباس: (أنها ركعتا الفجر).\n٤ - عن ابن زيد: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ قال: العتمة). يعني صلاة العشاء الآخرة.\nوفي التنزيل نحو ذلك، قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\nوفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصاهت، عن النبي -ﷺ- قال: [مَنْ تَعَارَّ من الليل فقال: لا إله إلا اللَّه وحْدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد اللَّه وسبحان اللَّه، ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دَعا استُجيبَ، فإنْ توضأ وصَلّى قُبِلت صَلاتُه] (١).\nوقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال ابن عباس: (هو التسبيح بعد الصلاة).\nوقيل: (هما الركعتان بعد المغرب). روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وأبي هريرة وأبي أمامة، وأثر ذلك عن مجاهد وقتادة. ولا مانع من اجتماع القولين.\nوفي الصحيحين عن وَرَّاد مولى المغيرة بن شُعبة قال: كتب المغيرةُ إلى معاوية بن أبي سفيان: [أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- كان يقول في دُبر كل صلاة إذا سَلَّمَ: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانِعَ لما أعطيتَ، ولا مُعْطي لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: [جاء فُقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول اللَّه ذَهب أهل الدُّثور بالدرجات العُلَا والنَّعيم المقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يُصَلّون كما نُصَلّي، ويصومون كما نصومُ، ويتصدَّقون ولا نتصَدَّق،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٥٤) كتاب التهجد، ورواه أبو داود (٥٠٦٠)، والترمذي (٣٤١١) من حديث عبادة بن الصامت.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٣٠)، كتاب الدعوات، وأخرجه مسلم (٥٩٣)، وأحمد (٤/ ٢٥٠)، وأبو داود (١٥٠٥)، والنسائي (٣/ ٧١). وقوله: \"ولا ينفع ذا الجد منك الجد، أي: لا ينفع ذا الغنى منك غنًى، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة.","vol":"7","page":423},{"text":"ويُعتقِون ولا نُعتِق! قال: أفلا أُعَلِّمُكُم شيئًا إذا فعلتموه سَبَقْتُم مَنْ بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَنْ فَعَلَ مثل ما فعلتم؟ تُسَبِّحُون وتحمدون وتكبرون دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين. قال: فقالوا: يا رسولَ اللَّه، سمِعَ إخوانُنا أهلُ الأموالِ بما فعلنا، ففعلوا مثله. قال: ذلك فضلُ اللَّه يؤتيه من يشاء] (١).\n\n٤١ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تسليةُ اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- عما يلقاه من تكذيب قومه بذكر ساعة البعث من القبور لمشهد الحشر، ثم القيام بين يدي الجبار لفصل الأمر. وأمره تعالى له بالتذكير بالقرآن ففيه الذكرى من أراد خير المستقر.\nفقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال كعب: (ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة، إن اللَّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء). وقال قتادة: (كنا نحدّث أنه ينادى من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض).\nقلت: والأَوْلى عدم تحديد المكان الذي ينادى منه ما دام لم يقم دليل قوي للاحتجاج. فيكون المعنى كما قال ابن جرير: (واستمع يا محمد صيحة يوم القيامة يوم ينادي بها منادينا من موضع قريب).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾. قال ابن كثير: (يعني النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾. أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾. أي: هو الذي يحيي الأموات\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٥٩٥)، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته. والدثور: واحدها دثر، وهو المال الكثير.","vol":"7","page":424},{"text":"ويميت الأحياء، فله سبحانه بدء الخلق وإعادته، وإليه مصير جميع الخلائق.\nوقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾. أي: يوم تصدّع الأرض عنهم فيخرجون منها سراعًا. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢]. وكقوله جل ذكره: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]. فنصبت ﴿سِرَاعًا﴾ على الحال.\nوفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا -أي: أمال صفحة عنقه- وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه -أي: يصلحه ويطينه- فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل اللَّه تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون] (١).\nوفي صحيح مسلم وسنن أبي داود -واللفظ لمسلم- عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [أنا سَيد ولد آدمَ يوم القيامة، وأول من ينشقّ عنهُ القبر، وأولُ شافع، وأولُ مشفع] (٢).\nولفظ أبي داود: [أنا سَيِّد ولد آدم، وأوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عنه الأرض، وأَوَّلُ شافع، وأوَّلُ مُشَفَّعٍ].\nوقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾. قال القاسمي: (أي ذلك الإخراج لهم جمع في موقف الحساب، علينا سهل بلا كلفة).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- أنه قال: [قال اللَّه تعالى: كَذَّبني ابنُ آدمَ ولم يكنْ له ذلك، وشتمَني ولم يكنْ له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٤٠)، وأحمد في المسند (٢/ ١٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٧٨)، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا -ﷺ- على جميع الخلائق. وأخرجه أبو داود (٤٦٧٣)، كتاب السنة، باب في التخيير بين الأنبياء.","vol":"7","page":425},{"text":"فقوله: لن يُعيدني كما بدأني، وليس أوَّلُ الخلقِ بأَهْوَنَ عليَّ من إعادتِه، وأما شَتْمُه إياي فقوْلُه: اتخذ اللَّه ولدًا، وأنا الأحد الصَّمد، لم ألِدْ ولم أُوْلَد، ولم يُكنْ لي كفُوًا أحَدٌ] (١).\nوقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾. تسلية لرسول اللَّه -ﷺ-، وتهديد لمشركي قريش الذين يكذبون بالبعث وينكرون قدرة اللَّه على ذلك، ويفترون الكذب على اللَّه ورسوله.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾. أي: وما أنت -يا محمد- بمسلط ومسيطر عليهم لتقهرهم على الإيمان.\nوقؤله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. أي: إنما أنت -يا محمد- منذر، تبلغ رسالة ربك، وتنذر من يخاف وعيد اللَّه الذي أوعد به من تكبر وطغى، فإنه سينتفع بذلك.\n\nتم تفسير سورة \"ق\" بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه بعد عودتي من العمرة يوم الاثنين ٢٥ - رجب - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٩ - آب - ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٧٤)، كتاب التفسير، وانظر كذلك (٣١٩٣).","vol":"7","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ \"ق\" كل يوم جمعة على المنبر، إذا خطب الناس.\n٢ - \"المجيد\" وصف من أوصاف الفخامة لهذا القرآن العظيم. وهو يعني الرفيع القدر الكريم.\n٣ - استبعد الكفار بشرية النبي كما استبعدوا البعث، فنبههم اللَّه أن الذي قدر أن يخلق الكون قادر على البعث.\n٤ - الملائكة أقرب للإنسان من حبل الوريد إليه، وله قرين ملكي يأمره بالخير، وآخر جني يأمره بالشر.\n٥ - الكل مؤمن مستبصر يوم القيامة، لكن لا ينفع ذلك، وجهنم تسأل المزيد.\n٦ - أنعم النعيم في الجنة رؤية وجه اللَّه الكريم.\n٧ - كانت الصلاة المفروضة ثنتين الفجر والعصر، ثم شرعت خمس صلوات.\n٨ - أول من تنشق عنه الأرض النبي -ﷺ-، وهو أَوَّلُ شافِعٍ وأول مُشَفَّع.\n* * *","vol":"7","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>٥١ - سورة الذاريات</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>موضوع السورة</span>\nالإقسام بالذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات على إهلاك الطغاة والمجرمين في النار في الدركات\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-302> منهاج السورة</span>-\n١ - إقسام اللَّه تعالى بالرياح والسحب والسفن والملائكة على وقوع المعاد ومشهد الحساب.\n٢ - إقسام اللَّه تعالى بالسماء المحبوكة أن المشركين في مذاهب شتى من الهوى والضلال.\n٣ - وصف المجرمين وهم أمام النار يفتنون، ويقال لهم ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون.\n٤ - نَعْتُ حال المتقين في جنات النعيم، فلقد كانوا أهل جهاد وبذل وقيام، واستغفار بالليل والناس نيام.\n٥ - تنبيه اللَّه عباده على آيات في الآفاق والأنفس قَدَّرها، وعلى سنن الرزق التي كتبها.\n٦ - ذِكْرُ خبر إبراهيم ﵇، مع ضيوفه من الملائكة الكرام.","vol":"7","page":428},{"text":"٧ - قصة إهلاك قوم لوط المجرمين، ونجاة لوط ومن معه من المؤمنين.\n٨ - قصة إهلاك الطغاة الآثمين، من قوم نوح وعاد وثمود وأمثالهم من المجرمين.\n٩ - قدرة اللَّه العجيبة في الخلق، والشرك أعظم الذنوب، والرسول نذير مبين.\n١٠ - تشابه سلوك المكذبين، والذكرى تنفع المؤمنين، وغاية الخلق عبادة اللَّه الرزاق ذي القوة المتين، وويل للكفرة من يومهم الذي يوعدون.\n* * *","vol":"7","page":429},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالرياح والسحب والسفن والملائكة على وقوع المعاد، ومشهد الحساب. وقَسَمٌ منه تعالى بالسماء المحبوكة الأخّاذة أن المشركين في مذاهب شتى من الهوى والضلال والآثام، مصروفون عن الحق واليقين والإيمان، ملعونون في تكذيبهم بيوم الدين، وقريبًا يكونون أمام نار جهنم يفتنون، ويقال لهم تقريعًا: هذا الذي كنتم به تستعجلون.\nفقوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. قال مجاهد: (الرياح). أي: والرياح التي تذرو التراب ذروًا. وعن خالد بن عُرعرة قال: (قام رجل إلى علي ﵁ فقال: \"ما الذاريات ذروًا\"؟ فقال: هي الريح). رواه بسنده ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. الوِقْر: كالحمل وزنًا ومعنى. والمقصود: السحب التي تحمل وقرها من الماء. قال القاسمي: (﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ أي السحب الحاملة للأمطار المنبتة للزروع والأشجار لإفادة الحبوب والثمار).\nوقوله تعالى: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾. قال مجاهد: (السفن). أي: فالسفن التي تجري في البحار جريًا سهلًا يسيرًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال مجاهد: (الملائكة ينزلها بأمره على من يشاء). قال النسفي: (أقسم بالرياح فبالسحاب التي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوبها","vol":"7","page":430},{"text":"فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن اللَّه من الأمطار وتجارات البحر ومنافعها).\nفهذه الآيات قسم من اللَّه تعالى على وقوع المعاد، ويؤكد ذلك الآيات التي تليها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾. جواب القسم، و﴿ما﴾ موصولة أو مصدرية، والموعود البعث. أي إن أمر البعث بعد الموت للحساب والجزاء لخبر صدق.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. الدين: الجزاء. قال مجاهد: (الحساب). وقال قتادة: (﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ وذلك يوم القيامة، يوم يُدان الناس فيه بأعمالهم). أي: إن ذلك الحساب والجزاء كائن يوم القيامة لا محالة.\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن معاذ بن جبل مرفوعًا: [تعلمون المعادَ إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعنَ فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. الحبيكة في كلام العرب الطريقة في الرّمل ونحوه، وجمع الحِباك \"حُبُك\". قال الفرَّاء: (الحُبُك: تَكَسُّر كل شيء كالرَّمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء القائم إذا مرّت به الريح). قال الحسن: (﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: حبكت بالخلق الحسن، حبكت بالنجوم). وقال سعيد بن جبير: (ذات الزينة). وعن ابن عباس: (ذات البهاء والجمال والحُسن والاستواء).\nقال ابن كثير: (فإنها من حُسنها مرتفعةٌ شفَّافَةٌ صفيقةٌ، شديدةُ البناء، مُتَّسِعة الأرجاء، أنيقَةُ البَهاء، مُكَلَّلةٌ بالنجوم الثوابت والسيَّارات، مُوَشَّحَةٌ بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات).\nوقال بعض علماء الفلك: (الحبك جمع حبيكة، بمعنى محبوكة، أي: مربوطة. فمعنى ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات المجاميع من الكواكب المربوط بعضها ببعض بحبال من الجاذبية، فإن كل حبيكة مجموعة من الكواكب المتجاذبة. فالآية الشريفة نص على تعدّد المجاميع وعلى الجاذبية التي يزعم الإفرنج أنهم مكتشفوها. وعليه، فهي إحدى معجزات القرآن العلمية).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾. قال قتادة: (مصدق بهذا القرآن ومكذب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٨٣)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٦) بنحوه، وقال: \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه\". وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٦٨).","vol":"7","page":431},{"text":"وقال ابن زيد: (يتخرصون يقولون هذا سحر، ويقولون هذا أساطير، فبأي قولهم يؤخذ). والمقصود: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول متخالف متناقض مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع، يعكس ألوان الهوى من قلوبكم.\nوقوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. أي: يصرف عن الإيمان والقرآن من صرف اللَّه قلبه عن الحق. قال الحسن البصري: (يصرف عن هذا القرآن من كَذَّبَ به). قال ابن جرير: (يصرف عن الإيمان بهذا القرآن من صرف، ويدفع عنه من يُدْفع، فَيُحْرَمُه).\nوالمقصود: يؤفك عن القرآن أو الرسول أو الإقرار بأمر القيامة من هو في سابق علم اللَّه مأفوك -مصروف- عن الحق، لتعظيمه الهوى والشهوات.\nوقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال ابن عباس: (لُعن المرتابون)، أو قال: (الكهنة). وقال مجاهد: (الذين يتخرصون الكذب -قال-: الذين يقولون: لا نُبْعث ولا يوقنون). وقال قتادة: (أهل الظنون). وقال ابن زيد: (القوم الذين كانوا يتخرصون الكذب على رسول اللَّه -ﷺ-، قالت طائفة: إنما هو ساحر، والذي جاء به سحر. وقالت طائفة: إنما هو شاعر، والذي جاء به شعر، وقالت طائفة: إنما هو كاهن، والذي جاء به كهانة، وقالت طائفة: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] يتخرصون على رسول اللَّه -ﷺ-).\nوخلاصة المعنى: هلك أهل الغِرَّة والظنون، الذين يتجاوزون دلائل اليقين، إلى الأخذ بالهوى والتخمين.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال ابن عباس: (في غفلة لاهون). وقال أيضًا: (في ضلالتهم يتمادون). وقال قتادة: (في غمرة وشبهة). والغمرة: ما ستر الشيء وغطاه، و﴿سَاهُونَ﴾: أي غافلون. فالمعنى: الذين هم في الكفر والشك غارقون، وعن أمر الآخرة لاهون غافلون.\nوقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال مجاهد: (يقولون متى يوم الدين، أو يكون يوم الدين). أي: فهم يسألون متى يوم الحساب استهزاء واستبعادًا وشكًا في القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (يُعَذَّبون كما يفتن الذهب على النار). وقال عكرمة وسفيان الثوري: (يفتنون: يُحرقون).","vol":"7","page":432},{"text":"وأصل الفتنة الاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب أي أحرقته بغية اختباره. ونصب \"يومَ\" بفعل محذوف تقديره \"يقع\" - دلّ عليه السؤال.\nوقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.\nأي: يقال لهم: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ قال مجاهد: (حريقكم). وقال قتادة: (ذوقوا عذابكم). وقال ابن عباس: (تكذيبكم). قال ابن جرير: (﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾: هذا العذاب الذي توفونه اليوم هو العذاب الذي كنتم به تستعجلون في الدنيا). وإنما يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا.\n\n١٥ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ حال المتقين، في جنات النعيم، فلقد كانوا في جهاد وبذل وقيام، واستغفار بالأسحار والناس نيام. وتنبيه اللَّه تعالى عباده على آيات في الآفاق وفي أنفسهم، وسنن الرزق الذي ضمن وصوله إليهم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. قال ابن جرير: (إن الذين اتقوا اللَّه بطاعته واجتناب معاصيه في الدنيا في بساتين وعيون ماء في الآخرة).\nوقوله: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال ابن عباس: (أي عاملين بالفرائض). وعن الضحاك: (﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: أي ما أعطاهم من الثواب وأنواع الكرامات). ونصب ﴿آخِذِينَ﴾ على الحال من قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ مما يرجح أن المراد: المتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذون ما آتاهم ربهم من النعيم والسرور والغبطة. وهو اختيار ابن كثير، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾. قال ابن عباس: (المعنى كانوا قبل أن يفرض عليهم الفرائض محسنين في أعمالهم). وقال القرطبي: (﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أي قبل دخولهم الجنة في الدنيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ بالفرائض).","vol":"7","page":433},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ فيه تأويلان حسب وقوع ﴿مَا﴾ من الإعراب:\nالتأويل الأول: ﴿مَا﴾ نافية. فالتقدير: كانوا قليلًا من الليل لا يهجعونه (١). قال ابن عباس: (لم تكن تمضي عليهم ليلةٌ إلا يأخذون منها ولو شيئًا). وقال مطرِّف ابن عبد اللَّه: (قَلَّ ليلةٌ تأتي عليهم لا يُصَلّون فيها للَّه -﷿-، إمّا من أَوَّلها وإمّا من أوسَطِها). وقال مجاهد: (قَلَّ ما يَرقُدون ليلة إلى الصباح لا يتهجّدون). وقال قتادة عن أنس بن مالك: (﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ قال: يتيقظون يصلون ما بين هاتين الصلاتين، ما بين المغرب والعشاء). وفي لفظ: (كانوا يصلون في ما بين المغرب والعشاء) - ذكره الترمذي. وقال أبو جعفر الباقر: (كانوا لا ينامون حتى يُصَلّون العتمة).\nالتأويل الثاني: ﴿مَا﴾ مصدرية. والتقدير: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم ونومهم. قال الحسن البصري: (كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقلّه، ونشِطوا فمَدّوا إلى السَّحر، حتى كان الاستغفار بِسَحَر).\nقلت: وكلا التأويلين سالك منسجم مع مفهوم قيام الليل، فإن خير القيام هو بعد نوم النصف الأول من الليل، ثم يستيقظ الثلث وينام السدس، فهو نوم قليل لِتَقَطُّعهِ، كما قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦].\nومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن عبد اللَّه بن عمرو، أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [أحبُّ الصلاةِ إلى اللَّهِ صلاةُ داودَ ﵇، وأحَبُّ الصيام إلى اللَّه صيامُ داودَ، وكان ينامُ نِصْفَ الليل، ويقومُ ثُلثه، وينام سُدسه، ويصوم يومًا ويُفطر يومًا] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في الصحيح عن حفصة، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [نِعْمَ الرَّجُل عَبْدُ اللَّه لو كان يُصَلّي من الليل. فكان بَعْدُ لا ينام من الليل إلا قليلًا] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن عبد اللَّه بن سلام قال: [لما قدِمَ رسولُ اللَّه -ﷺ- المدينة انجفَلَ الناسُ إليه، فكنتُ فيمن انجفلَ، فلما رأيتُ\n_________\n(١) أصل الهجوع النوم ليلًا، و﴿يَهْجَعُونَ﴾: أي ينامون. والتَّهْجاع: النومة الخفيفة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١١٣١) - كتاب التهجد، باب من نام عند السَّحَر.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١١٢٢) - كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل.","vol":"7","page":434},{"text":"وجَهه عرفتُ أن وجهَهُ ليس بوجهِ رَجُلٍ كذّاب، فكان أولُ ما سمعته يقول: يا أيها الناس أطعموا الطعامَ، وصِلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بِسَلامٍ] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند حسن عن علي قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ في الجنة لَغُرَفًا يُرى ظُهورُها من بُطونها وبطونُها مِنْ ظهورِها. فقام إليه أعرابي فقال: لِمَنْ هي يا نبيَّ اللَّه؟ قال: هيَ لِمَنْ أطابَ الكلامَ، وأطعَمَ الطعامَ، وأدامَ الصيامَ، وصلّى للَّه بالليل والناس نيام] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال مجاهد: (يصلون). وقال الحسن: (مدّوا في الصلاة ونشِطوا حتى كان الاستغفار). قال ابن زيد: (السَّحَرُ هو السدس الأخير من الليل).\nقلت: ولا شك أن أفضل أوقات الاستغفار والدعاء هو في السَّحر في الثلث الآخر من الليل، فإن كان الاستغفار والدعاء في سجود صلاة الليل كان أقرب وأفضل.\nففي الصحيحين والمسند ومعظم السنن عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [يَنزل ربنا ﵎ كُلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا حين يَبْقى ثلُثُ الليل الآخِرُ يقول: مَنْ يدعوني فأستجيبَ لهُ؟ مَنْ يَسْألني فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرني فأغفِرَ لَهُ؟] (٣). وفي رواية: (حتى يطلعَ الفجر).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن عمرو بن عبسة، أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: [أقربُ ما يكون الربُّ من العبدِ في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أنْ تكونَ مِمّن يذكر اللَّه في تلك الساعةِ فكن] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. ثناء عليهم بإقامة أمر الإنفاق والصدقة والزكاة، بعد وصفهم بإقامة الصلاة. ومن أقوال المفسرين في هذه الآية:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجة (٣٢٥١)، والحاكم (٣/ ١٣).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٥١) - أبواب صفة الجنة - باب ما جاء في صِفة غُرف الجنة. ورواه أحمد وابن حبان من حديث أبي مالك الأشعري، وقد مضى.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٤٥) - كتاب التهجد، وكذلك (٦٣٢١)، (٧٤٩٤)، وأخرجه مسلم (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والنسائي (٤٨٠)، وابن ماجة (١٣٦٦)، وأخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٦٧)، وابن حبان في صحيحه (٩٢٠).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في أبواب الدعوات. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٨٣٣).","vol":"7","page":435},{"text":"١ - قال ابن عباس: (السائل: الذي يسأل الناس، والمحروم: الذي ليس له في الإسلام سهم وهو محارَف). قال الضحاك: (المحروم: هو المُحارَفُ الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى اللَّه له ذلك). وقال إبراهيم: (هو المحارَفُ الذي ليس له أحد يعطف عليه أو يعطيه شيئًا).\n٢ - قال الزهري: (السائل: الذي يسأل، والمحروم: المتعفف الذي لا يسأل). قال قتادة: (السائل الذي يسأل بكفه، والمحروم المتعفف، ولكليهما عليك حق يا ابن آدم).\n٣ - قال ابن زيد: (المحروم: المصاب ثمره وزرعه).\nواختار ابن جرير أنه الذي قد حُرم الرزق واحتاج، وفد يكون ذلك بذهاب ماله وثمره، فصار ممن حرمه اللَّه ذلك، وقد يكون بسبب تعففه وتركه المسألة، ويكون بأنه لا سهم له في الغنيمة لغيبته عن الوقعة.\nوفي الصحيحين وسنن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئًا، ولا يَفْطِنونَ به فيعطونه] (١).\nوفي رواية: [ولكن المسكين المتعفف]. وزاده مسدّد في حديثه: [ليس له ما يستغني به، الذي لا يسأل ولا يعلم بحاجته فيتصدق عليه فذاك المحروم] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾. قال قتادة: (معتبر من اعتبر). وقال: (إذا سار في أرض اللَّه رأى عبرًا وآيات عظامًا).\nقال ابن كثير: (﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ أي: فيها من الآيات الدّالة على عَظَمَةِ خالِقها وقُدرته الباهرة، مما قد ذَرَأَ فيها من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد والجبال، والقِفازِ والأنهار والبحار، واختلاف ألسنةِ الناس وألوانِهم، وما جُبِلُوا عليه من الإرادات والقُوى، وما بينهم من التفاوُتِ في العقول والفُهوم والحركاتِ، والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحِكَم في وضعِ كل عضو من أعضائهم في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٣٣٩)، كتاب التفسير، وكذلك (١٤٧٦) - كتاب الزكاة. وأخرجه مسلم (١٠٣٩) ح (١٠٢) - كتاب الزكاة. وأخرجه أبو داود (١٦٣١).\n(٢) حديث صحيح - دون قوله: \"فذاك المحروم\" فإنه مقطوع من كلام الزهري. انظر صحيح سنن أبي داود (١٤٣٧)، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة؟ وحد الغنى.","vol":"7","page":436},{"text":"المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال ﷿: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. قال عبد اللَّه بن الزبير: (سبيل الخلاء والبول). وقال ابن زيد: (فينا آيات كثيرة: هذا السمع والبصر واللسان والقلب، لا يدري أحد ما هو أسود أو أحمر، وهذا الكلام الذي يتلجلج به، وهذا القلب أي شيء هو، إنما هو مضغة في جوفه، يجعل اللَّه فيه العقل، أفيدري أحد ما ذاك العقل، وما صفته، وكيف هو؟). وقال قتادة: (من تفكَّر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولُيِّنَت مَفاصِلهُ للعبادة). فيكون المعنى كما قال ابن جرير: (وفي أنفسكم أيضًا أيها الناس آيات وعبر تدلكم على وحدانية صانعكم وأنه لا إله لكم سواه).\nوقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ فيه أقوال متقاربة ومتكاملة:\n١ - قال الضحاك وسعيد بن جبير: (الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق). قال سعيد بن جبير: (كل عين قائمة فإنها من الثلج).\n٢ - وعن الحسن: أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: (فيه واللَّه رزقكم ولكنكم تُحرَمونه بخطاياكم).\n٣ - وقال سفيان الثوري: (﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أي عند اللَّه في السماء رزقكم). وقال ابن كيسان: (يعني وعلى ربّ السماء رزقكم، نظيره: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]). وقيل: المعنى وفي السماء تقدير رزقكم، وما فيه لكم مكتوب في أم الكتاب.\n٤ - وقال أهل المعاني: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ معناه: وفي المطر رزقكم، سمى المطر سماء لأنه من السماء ينزل.\nوقوله: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فيه أقوال متكاملة:\n١ - قال مجاهد: (يعني من خير وشر). وقال غيره: (من خير خاصة). وقيل: (الشر خاصة).\n٢ - قال ابن عباس: (﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾: يعني الجنة).\n٣ - قال الضحاك: (﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ من الجنة والنار).\n٤ - قال ابن سيرين: (﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ من أمر الساعة).\nوقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إنّ","vol":"7","page":437},{"text":"الذي قلت لكم أيها الناس: إن في السماء رزقكم وما توعدون لحق، كما حق أنكم تنطقون). وقال القرطبي: (أكَّدَ ما أخبرهم به من البعث وما خلق في السماء من الرزق، وأقسم عليه بأنه لحقٌّ، ثم أكّده بقوله: ﴿مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ وخصّ النطق من بين سائر الحواس، لأن ما سواه من الحواس يدخله التشبيه، كالذي يُرى في المرآة، واستحالة الذوق عند غلبة الصفراء ونحوها، والدويّ والطنين في الأذن، والنطق سالم من ذلك). ثم ذكر قول بعض الحكماء: (كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره).\n\n٢٤ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ خبر إبراهيم ﵇، مع ضيوفه من الملائكة الكرام، وإلقائهم إليه البشرى ولزوجته بقدوم الغلام، وتعجّب الزوجة الفاضلة وهي عجوز عقيم من تلك البشرى ولكنه قضاء اللَّه الذي يعلو كل أمر أو عُرف أو كلام.\nفقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾. قال النسفي: (تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول اللَّه -ﷺ- وإنما عرفه بالوحي).\nوقوله: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾. أي من الملائكة. قيل: هم جبريل وإسرافيل وميكائيل قدموا عليه في صورة شباب حِسان، عليهم مهابة عظيمة.\nوقوله: ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾. قال مجاهد: (أكرمهم إبراهيم، وأمر أهله لهم بالعجل حينئذ). وقيل: لأن إبراهيم ﵇ وسارة خدماهم بأنفسهما - ذكره ابن جرير. وقيل: المكرمين عند اللَّه - ذكره القرطبي، وكلا المعنيين حق.\nوقوله: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾. أي عليكم سلام، أو أمري سلام، أو ردّي لكم سلام. قال ابن كثير: (﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ الرفع أقوى وأثبتُ من النصب، فَرَدُّهُ","vol":"7","page":438},{"text":"أفضلُ من التسليم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، فالخليل اختار الأفضل).\nوقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. أي غرباء لا نعرفكم. قال أبو العالية: (أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض). وقيل: خافهم، يقال: أنكرته إذا خفته. ورُفِعَ ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ بإضمار أنتم.\nوقوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾. قال الزجاج: (أي عدل إلى أهله). والمقصود: انسَلَّ إلى أهله ورجع في خِفية مسرعًا ليحضر لهم ضيافة، وهذا من أدب المضيف.\nوقوله: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾. أي فجاء ضيفه بعجل مشوي قد أنضجه شيًّا.\nوقيل: جاء لهم من خيار ماله. وفي الآية الآخرى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]. أي: مشوي على الرّضْف.\nوقوله: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾. أي: أدناه منهم ليأكلوا منه فلم يأكلوا.\nوقوله: ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. قال ابن كثير: (تَلَطُّفٌ في العبارة وعَرْضٌ حَسَنٌ. وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة، فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعُرون بسرعة، ولم يمتَنَّ أوَّلًا فقال: نأتيكم بطعام؟ . بل جاء به بسُرعَةٍ وخَفاءٍ، وأتى بأفضَل ما وجَدَ من ماله، وهو عِجْلٌ فَتِيُّ سَمين مَشْويٌّ، فقرّبه إليهم، لم يضَعْهُ، وقال اقتربوا، بل وضَعَهُ بين أيديهم، ولم يأمُرهم أمرًا يَشُقُّ على سامِعه بصيغةِ الجَزْمِ، بل قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، على سبيل العَرْض والتَّلَطُّف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضَّل وتُحسِن وتتصدّق فافعَل).\nوقوله: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾. أي: فأضمر منهم مخافة، وأحسّ منهم في نفسه خوفًا حين لم يأكلوا طعامه. وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾. أي: لما رأوا ما بإبراهيم من الخوف أعلموه أنهم ملائكة اللَّه ورسله وبَشَّرُوه بولد يولد له من سارة زوجته. وهذا مبسوط في سورة هود، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾. أي: فاستبشرت بهلاكهم، لفرط كبرهم وعتوهم وتمردهم على اللَّه تعالى، فعند ذلك زادتها الملائكة بشرى ثانية: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. فأضاف البشرى هنا لها، وأضافها في هذه السورة لإبراهيم بقوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ","vol":"7","page":439},{"text":"عَلِيمٍ﴾، ولا شك أن البشارة تشملها لأن الولد منهما، ومع ذلك فكل منهما كما سبق مبشر بغلام عليم: أي يبلغ ويكمل علمه.\nوقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾. قال ابن عباس: (في صيحة). وقال قتادة: (أي أقبلت في رنة). والمقصود: أقبلت في صَرْخَة وعَيْطة ورنة من العجب.\nوقوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾. قال ابن عباس: (لطمت). وقال السدي: (لما بشَّر جبريل سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، ضربت جبهتها عجبًا). وقال سفيان: (وضعت يدها على جبهتها تعجبًا). والمقصود: ضربت بيدها على جبينها تعجبًا، كما تتعجَّبُ النساء من الأمر الغريب.\nوقوله: ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾. قال الضحاك: (لا تلد). أي: كيف ألد وأنا عجوز، وقد كنت في حال الصِّبا عقيمًا لا أحبَلُ؟ والعقيم: التي لا تلد.\nوقوله: ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾. أي: فلا تشكّي في أمر اللَّه وبشارته.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. أي: إنه -تعالى- هو الحكيم في تصريفه شؤون خلقه، العليم بمصالحهم وما تستحقونه أنتم أهل البيت من الكرامة.\n\n٣١ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: قصة إهلاك قوم لوط المجرمين، ونجاة لوط ومن معه من المؤمنين، وجعل اللَّه تعالى ذلك آية للذين يخافون العذاب الأليم.\nفقوله تعالى: (﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾. أي: فما شأنكم أيها المرسلون. قال النسفي: (أي فما شأنكم وما طلبتكم وفيم أرسلتم ﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أرسلتم بالبشارة خاصة أو لأمر آخر أو لهما).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾. يعنون قوم لوط، الذين أجرموا لكفرهم باللَّه وإصرارهم على استباحة ما يسخطه.","vol":"7","page":440},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾. أي مُعَلَّمة. قال ابن عباس: (المسوّمة: الحجارة المختومة، يكون الحجر أبيض فيه نقطة سوداء، أو يكون الحجر أسود فيه نقطة بيضاء). قلت: واللَّه تعالى أعلم بتفصيل ذلك.\nوقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: مُكتَتَبةً عنده بأسمائهم، كل حجر عليه اسم صاحبه). والمقصود: أنها حجارة من طين خُصِّصَت للقوم المتعدين حدود اللَّه الكافرين به، ليرميهم بها تعالى من السماء.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. -وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته- قال ابن جرير: (فأخرجنا من كان في قرية سدوم، قرية قوم لوط من أهل الإيمان باللَّه، وهم لوط وابنتاه).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال قتادة: (لو كان فيها أكثر من ذلك لأنجاهم اللَّه، ليعلموا أن الإيمان عند اللَّه محفوظ لا ضيعة على أهله).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. قال القرطبي: (أي عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن بعدهم). وقال ابن كثير: (أي: جعلناها عبرة لما أنزلنا بهم من العذاب والنَّكال وحجارة السِّجِّيل، وجعلنا مَحَلَّتَهُم بُحيرةً منتنةً خبيثةً، ففي ذلك عبرةٌ للمؤمنين، الذين ﴿يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾).\n\n٣٨ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: قصةُ إهلاك الطغاة الآثمين، من قوم نوح وعاد وثمود وأمثالهم من المجرمين، وجعل اللَّه تعالى ذلك آية للذين يخافون العذاب الأليم.\nفقوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال قتادة: (بعذر مبين). قال الفراء: (هو معطوف على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ ﴿وَفِي مُوسَى﴾).","vol":"7","page":441},{"text":"والمقصود: أي وتركنا أيضًا في قصة موسى آية كبيرة، إذ أرسلناه إلى فرعون بحجة بالغة ودليل باهر قاطع، فأصَرَّ على الكفر والكبر، فدكّه وجنوده العذاب.\nوقوله: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾. أي أعرض عن الإيمان بجموعه وأجناده وغروره وسطوته. قال مجاهد: (﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ بعضده وأصحابه). وقال قتادة: (غلب عدو اللَّه على قومه). وقال ابن زيد: (بجموعه التي معه). وأصل الركن الجانب والناحية التي يعتمد عليها ويتقوى بها.\nوقوله: ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾. أي: قال فرعون لموسى معرضًا متكبرًا: لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرًا أو مجنونًا.\nوقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. أي: فحملناه وجنوده الذين تابعوه على الكفر فألقيناهم في البحر فغرقناهم فيه.\nوقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وفرعون في ذلك مليم، يعني قد أتى ما يُلام عليه من الفعل، وهو الكفر والعناد. قال قتادة: (أي مليم في نعمة اللَّه. مليم في عباد اللَّه).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. أي: وكذلك فقد تركنا في قصة عاد عبرة من تدبر وتأمل، إذ أرسلنا عليهم ريح العذاب مقابل عنادهم وإصرارهم على الكفر. قال ابن عباس: (الريح العقيم: الريح الشديدة التي لا تُلقح شيئًا. لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب). وقال مجاهد: (ليس فيها رحمة ولا نبات ولا تلقح نباتًا).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، عن النبي -ﷺ- قال: [نُصِرْت بالصَّبا، وأهلِكَت عادٌ بالدَّبُور] (١).\nوقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾. أي مما تفسده الريح. ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. قال مجاهد: (كالشيء الهالك). وقال ابن عباس: (كالشيء الهالك البالي).\nأخرج الترمذي بسند حسن عن أبي وائل، عن رجل من ربيعة قال: [قدمت المدينة، فدخلت على رسول اللَّه -ﷺ-، فذكرت عنده، وافد عاد. فقلت: أعوذ باللَّه أن أكون مثل وافد عاد. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"وما وافِدُ عادٍ؟ \" قال: فقلت: على الخبير بها سقطت: إن عادًا لما أقحطت بعثت قيلًا، فنزل على بكر بن معاوية بن وائل فسقاه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢٠٥) - كتاب بدء الخلق، وكذلك (١٠٣٥)، وكذلك أخرجه (٤١٠٥)، ورواه مسلم في الصحيح (٩٠٠)، وقد مضى.","vol":"7","page":442},{"text":"الخمر وغنته الجرادتان، ثم خرج يريد جبال مهرة فقال: اللهم إني لم آتك لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، فاسق عبدك ما كنت مسقيه، واسق معه بكر بن معاوية -يشكر له الخمر الذي سقاه- فرفع له سحابات فقيل له: اختر إحداهن، فاختار السوداء منهن، فقيل له: خذها رمادًا رمددًا، لا تذر من عاد أحدًا، وذكر أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر هذه الحلقة -يعني حلقة الخاتم- ثم قرأ: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾. أي: وكذلك فقد تركنا في قصة ثمود عبرة وآية من يستفيد من الذكرى والآيات والعبر. ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ أي: عيشوا متمتعين بالدنيا إلى وقت الهلاك الذي ضرب عليكم وهو ثلاثة أيام كما في سورة هود: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بُكرة النهار.\nوقوله: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾. أي: استكبروا عن امتثاله. قال مجاهد: (\"فعتوا\": عَلَوْا). وقال ابن زيد: (العاتي: العاصي التارك لأمر اللَّه).\nوقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. أي: العذاب. قال الحسن بن واقد: (كلّ صاعقة في القرآن فهو العذاب). قال النسفي: (وكل عذاب مهلك صاعقة).\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. أي إليها، فإنها نزلت بهم نهارًا.\nوقوله: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾. أي من نهوض. قال قتادة: (يقول: ما استطاع القوم نهوضًا لعقوبة اللَّه ﵎).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾. أي ممتنعين من العذاب. قال قتادة: (ما كانت عندهم من قوة يمتنعون بها من اللَّه ﷿).\nوقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: أي وفي قوم نوح كذلك عبرة وآية. وهذا منسجم مع قراءة حمزة والكسائي وأبي عمرو: \"وقومِ نوحٍ\" بالكسر.\nالتأويل الثاني: أي وأهلكنا قوم نوح كذلك حين طغوا من قبل. وهذا منسجم مع قراءة أكثر القراء بالنصب: \"وقومَ نوح\".\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦١١) - كتاب التفسير - سورة الذاريات، آية (٤٢).","vol":"7","page":443},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. أي: خارجين عن طاعة اللَّه، مخالفين أمره ورسوله.\n\n٤٧ - ٥١. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيه اللَّه تعالى عباده لقدرته العجيبة في الخلق لعلهم يتذكرون، فإن المرجع إليه والحساب بين يديه وإنما الرسول نذير مبين، والشرك أعظم الذنوب عند اللَّه لو كانوا يعلمون.\nفقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. قال ابن عباس: (بقوة). أي رفعناها وجعلناها سقفًا محفوظًا بقوة.\nوقوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. قال ابن جرير: (-أي-: لذو سعة بخلقها وخلق ما شئنا أن نخلقه وقدرة عليه). وقال ابن زيد: (أوسعها ﷻ).\nوقد قرّر علم الفلك الحديث بأن السماء لازالت في اتساع دائم، سواء في تكوين مدن نجومية جديدة باستمرار، أو في تباعد هذه المدن النجومية باستمرار.\nوقوله: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾. أي: بسطناها وجعلناها فراشًا للمخلوقات ليتمتعوا بها.\nوقوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾. أي: فنعم الماهدون نحن لهم. والجمع في اللفظ يفيد التعظيم. والتمهيد: البسط والتسوية والإصلاح.\nوقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾. قال ابن كثير: (أي: جميع المخلوقات أزواج: سماءٌ وأرضٌ، وليلٌ ونهارٌ، وشمسٌ وقمرٌ، وبرٌّ وبحرٌ، وضياءٌ وظلامٌ، وإيمانٌ وكفرٌ، وموتٌ وحياةٌ، وشقاءٌ وسعادةٌ، وجنةٌ ونارٌ، حتى الحيوانات والنباتات). وقال القرطبي: (﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ لتعلموا أنّ خالق الأزواج فرد، فلا يقدّر في صفته حركة ولا سكون، ولا ضياء ولا ظلام، ولا قعود ولا قيام، ولا ابتداء ولا انتهاء، إذ هو ﷿ وتر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]).","vol":"7","page":444},{"text":"وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. أي: لتعلموا أن الخالق تعالى واحد لا شريك له، فيستوجب ذلك عليكم إفراده بالتعظيم والعبادة.\nوقوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. أي: فاهربوا أيها الناس من عقاب اللَّه إلى رحمته، وذلك بالإيمان والعمل الصالح.\nوقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. أي: إني لكم من اللَّه نذير بيّن النذارة أنذركم عقابه.\nوقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. أي: فاحذروا أن تشركوا به شيئًا، فإن الشرك مدعاة لعقابه. قال أبو السعود: (وفيه تأكيد لما قبله من الأمر بالفرار من العقاب إليه تعالى، لكن لا بطريق التكرير -كما قيل- بل بالنهي عن سببه، وإيجاب الفرار منه).\nوقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. أي: قد أبان النذارة وصدقكم التحذير.\n\n٥٢ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾.\nلْي هذه الآيات: تشابهُ سلوك الأمم في تكذيب المرسلين، وإنما على الرسول الذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، وغاية الخلق الخضوع للَّه والصدق في العبودية واللَّه هو الرزاق ذو القوة المتبن. وويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾.\nتسلية لرسول اللَّه -ﷺ- عما يلقاه من ردّ قومه وتكذيبهم للوحي والنبوة. قال القرطبي: (أي كما كذّبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون، كذّب من قبلهم وقالوا مثل قولهم).\nوقوله: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾. أي: فهل أوصى قريشًا بالتكذيب آباؤهم الماضون فقبلوا","vol":"7","page":445},{"text":"ومضوا على طريقة أسلافهم؟ ! . قال قتادة: (أوصى أولاهم أخراهم بالتكذيب؟). وفي رواية عنه: (أي: كان الأول قد أوصى الآخر بالتكذيب).\nوقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لكن هم قومٌ طُغاةٌ، تشابهت قلوبُهم، فقال متأخِّرهم كما قال متقدِّمهم).\nوقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. قال مجاهد: (فأعرض عنهم). ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾. قال ابن جرير: (فما أنت يا محمد بملوم، لا يلومك ربك على تفريط كان منك في الإنذار، فقد أنذرت وبلغت ما أرسلت به).\nوقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القاسمي: ﴿وَذَكِّرْ﴾ أي عظهم ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي من قذر اللَّه إيمانه، أو الذين آمنوا، فإنهم المقصودون من الخلق، لا مَنْ سواهم، إذ هم العابدون).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فيه بيان سرّ السعادة في الدنيا والآخرة، فإن إفراد اللَّه تعالى بالعبادة هو أصل كل خير وصلاح للعباد في الدارين. وعن ابن عباس: (﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: إلا ليقروا بالعبودة طوعًا وكرهًا). وقال ابن جريج: (إلا ليعرفون). وقال الربيع: (﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أي: إلا للعبادة). وقال عكرمة: (إلا ليعبدون ويطيعون، فأثيب العابد وأعاقب الجاحد).\nوقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾. إخبار منه تعالى أنه غير محتاج إلى عباده، بل هم الفقراء المحتاجون إلى رحمته ورزقه وفضله. قال النسفي: (﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: ما خلقتهم ليرزقوا أنفسهم أو واحدًا من عبادي). وقال ثعلب: (﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾: أن يطعموا عبادي، وهي إضافة تخصيص).\nقلت: والآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. فربط العبادة بمفهوم الرزق، فإن الشيطان يهمّ بالعبد كلما حاول تفريغ جزء من وقته لأهله، فجاءت الآية تطمئن المؤمن أن الصبر على تعليم الأهل والولد الحق والصلاة وحب اللَّه ورسوله والجهاد في سبيله لا يؤخر من الرزق شيئًا.\nوكذلك جاء الربط في آية الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. فربط العبادة مرة أخرى بالرزق، فلا يظن ظان أن تخصيص جُلَّ الوقت لإخلاص العبادة للَّه وطلب العلم","vol":"7","page":446},{"text":"والجهاد يقلل الرزق أو يفوت الفرص، بل هو المطلوب أولًا قبل أمور الدنيا.\nومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: يروي الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند صحيح عن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لو أنكم توكلون على اللَّه تعالى حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي في الجامع بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى يقول: يا ابن آدم تَفَرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أَسُدَّ فقرك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة وابن حبان بسند صحيح عن زيد بن ثابت مرفوعًا: [من كانت الدنيا همَّه، فرق اللَّه عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع اللَّه له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: الشديد). أي: إن اللَّه هو الرزاق خلقه المتكفل بأرزاقهم وأقوالهم ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ أي الشديد القوي.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد اللَّه قال: [أقرأني رسول اللَّه -ﷺ-: \"إني أنا الرّزاق ذو القوة المتين\"] (٤).\nوقوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾. أي نصيبًا من العذاب. قال سعيد بن جبير: (سجلًا من العذاب\". وقال الحسن: (دلوًا مثل دلو أصحابهم). وقال قتادة: (عذابًا مثل عذاب أصحابهم). وأصل الذَّنوب في لغة العرب الدَّلو العظيمة، وكانوا يستقون الماء فيقسمون ذلك على الأنصباء، فقيل للذَّنوب نصيب من هذا - حكاه القرطبي.\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح الترمذي (١٩١١)، وكذلك تخريج المشكاة (٢٣)، ورواه أحمد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣/ ٣٠٨)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٥)، وابن حبان (٢٤٧٧)، وأحمد (٢/ ٣٥٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٥٩).\n(٣) أخرجه ابن ماجة (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، وابن حبان (٧٢)، وإسناده صحيح رجاله ثقات.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٩٩٣)، والترمذي (٢٩٤٠). انظر صحيح أبي داود (٣٣٧٧)، وصحيح الترمذي (٢٣٤٣)، وهذه قراءة شاذة.","vol":"7","page":447},{"text":"وقوله: ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: فلا يستعجلوا وقوعه بهم، فإنه واقع بهم يومًا لا محالة. قال ابن عباس: (يقول: للذين ظلموا عذابًا مثل عذاب أصحابهم فلا يستعجلون).\nوقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. تهديد ووعيد، وتقريب لما هو آت وكل آت قريب. قال القاسمي: (أي أوعدوا فيه نزول العذاب بهم، ماذا يلقون فيه من البلاء والجهد. و\"اليوم\" إما يوم القيامة، أو يوم بدر).\n\nتم تفسير سورة الذاريات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة السبت ٣٠ - رجب - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣ - أيلول - ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"7","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الذاريات: الريح، والحاملات وقرًا: السحاب. والجاريات يسرًا: السفن. والمقسمات أمرًا: الملائكة.\n٢ - الكفار يفتنون أمثالهم من أهل النار.\n٣ - في مال الأغنياء حق معلوم، للسائل والمحروم.\n٤ - من تفكر في خلق جسمه علم أنه خلق للعبادة.\n٥ - آداب الضيافة العالية في تصرف إبراهيم -ﷺ- مع ضيوفه.\n٦ - استحالت أرض أهل المعصية قوم لوط بحيرة منتنة.\n٧ - خلق اللَّه من كل شيء زوجين اثنين فهل يستحق العبادة غيره!\n٨ - العبادة سبب خلق المخلوقات جميعًا.\n٩ - مَنْ كانت الآخرة هَمَّه جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.\n١٠ - لو أنّكم توكلون على اللَّه تعالى حقّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا.\n* * *","vol":"7","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>٥٢ - سورة الطور</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد جاء ذكر هذه السورة الكريمة في حديثين اثنين من صحيح السنة العطرة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأكثر أهل السنن عن محمد بن جُبَير بن مُطْعم، عن أبيه قال: [سمعت النبي -ﷺ- يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدًا أحسنَ صوتًا -أو: قراءة- منه] (١). وفي رواية ابن ماجة: [قال جبير: فلما سمعته يقرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ كاد قلبي يطير].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأصحاب السنن إلا الترمذي عن أم سلمة زوج النبي -ﷺ- أنها قالت: [شكوتُ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة. قالت: فطفت ورسول اللَّه -ﷺ-، حينئذ يُصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ بـ: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٦٥)، (٣٠٣٠)، ومسلم (٤٦٣/ ١٧٤)، وأخرجه أبو داود (٨١١)، والنسائي (٩٨٧) وفي \"التفسير\" (٥٤٩)، وابن ماجة (٨٣٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٤)، (١٦١٩)، (٤٨٥٣)، ومسلم (١٢٧٦/ ٢٥٨)، وأبو داود (١٨٨٢)، وأخرجه النسائي (٢٩٢٥)، وفي \"التفسير\" (٥٤٨)، ورواه ابن ماجة.","vol":"7","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>موضوع السورة</span>\nالإقسام بالطور والكتاب وبديع المخلوقات أن عذاب اللَّه واقع بالكافرين أصحاب الموبقات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>منهاج السورة</span>\n١ - إقسامُ اللَّه تعالى ببديع مخلوقاته الدالة على عظمته أن عذابه واقع بالكافرين.\n٢ - نَعْتُ أهوال يوم الحساب، وإحضار جهنم أمام أعين المجرمين لبدء العقاب.\n٣ - الصبر وعدمه على المشركين في النار سواء، ليذوقوا يومئذ سوء العقاب.\n٤ - نَعْتُ حال المتقين في جنات النعيم، وتذكرهم نعمة اللَّه عليهم أن وقاهم عذاب الجحيم.\n٥ - الأمر بالبلاغ المبين، والانتصار للرسول الكريم، والتوبيخ لسلوك المعاندين.\n٦ - التقريع من اللَّه على المشركين، وفضح مكر أهل النفاق أعداء الدين.\n٧ - كشف طغيان المشركين، وتكذيبهم بحقائق الأمور واليقين، وانقلاب المكر على الماكرين.\n٨ - حث اللَّه تعالى رسوله الكريم، على التزام الصبر والاستعانة بالتسبيح وصلاة الليل حتى يأتي نصر اللَّه المبين.","vol":"7","page":451},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يُقسم اللَّه تعالى ببديع مخلوقاته الدالة على عظمته وقدرته وجبروته أن عذابه واقع بالكافرين، يوم تمور السماء وتسير الجبال وتُحضر جهنم أمام أبصار المجرمين، فيقال لهم: اصلوها فالصبر وعدمه سواء إنما هذا جزاء المستكبرين.\nفقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾. قال مجاهد: (الجبل بالسريانية). قال ابن كثير: (فالطُّور هو: الجبلُ الذين يكونُ فيه أشجارٌ، مثل الذي كَلَّمَ اللَّه عليه موسى، وأرسل منه عيسى. وما لم يكن فيه شجرٌ لا يسمى طورًا، إنما يقال له: جبلٌ).\nوقوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾. قال مجاهد: (صحف). وقال قتادة: (المسطور: المكتوب).\nقال القرطبي: (﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ أي مكتوب، يعني القرآن يقرؤه المؤمنون من المصاحف، ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. وقيل: يعني سائر الكتب المنزلة على الأنبياء).\nوقوله تعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾. قال مجاهد: (الرقّ: الصحيفة). والمنشور:","vol":"7","page":452},{"text":"المبسوط. قال القاسمي: (أي: وكتاب سطِّر في ورق منشور يقرأ على الناس جهارًا. و\"الرقّ\" الصحيفة أو الجلد الذي يكتب فيه).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. أي الذي يعمر بكثرة غاشيته من الملائكة، وقد صحّ الخبر عن رسول اللَّه أنه في السماء السابعة.\nففي الصحيحين من حديث قتادة عن أنس بن مالك، عن مالكِ بن صَعْصَعة -في حديث الإسراء- قال رسول اللَّه -ﷺ-: [فأتينا السماء السابعة، قيل: مَنْ هذا؟ قيل: جِبْريل، قيل: من معك؟ قيل: محمّدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ مَرْحبًا به ولنِعْمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على إبراهيم فَسَلَّمْتُ عليه فقال: مَرْحَبًا بك من ابنٍ ونبيّ، فَرُفِعَ لي البيتُ المعمورُ فسألتُ جبريلَ فقال: هذا البَيْتُ المَعْمورُ يُصَلّي فيه كُلَّ يومٍ سبعونَ ألفَ ملكٍ إذا خرجوا لمْ يعودوا إليه آخِرَ ما عليهم] (١). وفي وراية: [ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه].\nوعن ابن عباس: (﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾: هو بيت في السماء حِيالَ الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم يخرجون منه فلا يعودون إليه).\nوالمقصود: أنه بيت في السماء السابعة يطوف به الملائكة كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، فهو كعبةُ أهل السماء السابعة. قال ابن كثير: (ولهذا وُجِدَ إبراهيم الخليل -﵇- مُسْنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، لأنه باني الكعبة الأرضيّة، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماءٍ بيتٌ يتعبَّدُ فيه أهلُها، ويُصلّون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيتُ العزّة، واللَّه أعلم).\nوقوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. قال سماك عن خالد بن عُرْعُرة عن علي ﵁ - سأله رجل عن السقف المرفوع؟ - فقال: (السماء) - رواه ابن جرير. وقال ابن زيد: (سقف السماء). وفي التنزيل: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢]. وقال الربيع بن أنس: (هو العرش). يعني أنه سقف لجميع المخلوقات، والبيان يحتمله.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قيل المُوقد، وقيل المملوء.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٢٠٧) - كتاب بدء الخلق، وأخرجه مسلم (١/ ١٤٨) وكذلك (١٦٤/ ٢٦٤) من حديث قتادة عن أنس به.","vol":"7","page":453},{"text":"قال مجاهد: (﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الموقد). وكذلك قال ابن زيد وقرأ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قال: (أوقدت). وقال قتادة: (﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممتلئ). وبالجمع بين القولين: هو ممتلئ اليوم وسيسجر -أي يوقد- يوم القيامة نارًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ جواب القسم. فالواو الأولى للقسم والبواقي للعطف، وهذا جواب القسم -أي: إن عذاب ربك -يا محمد- لنازل حالّ بالكافرين به يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾. أي: ليس لهم من دافع يدفع عنهم ذلك العذاب إذا نزل بهم، أو ينقذهم منه.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. المَوْرُ: التحرك. قال ابن عباس: (تتحرك تحريكًا). وقال: (هو تَشَقُّقها). وقال مجاهد: (تدور دورًا). وقال الضحاك: (يموج بعضها في بعض). والمقصود: استدارتها وتحريكُها لأمر اللَّه، وموج بعضها في بعض.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾. أي: تسير كسير السحاب اليوم في الدنيا، فتذهب فتصير هباء مُنْبَثًا، وتُنْسَفُ نسفًا. كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. وكقوله جل ذكره: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤ - ٦].\nوقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: فويل للمكذبين في ذلك اليوم من بأس اللَّه وغضبه وعذابه الذي سينزل بهم. والوَيْل: كلمة تقال للهالِكِ تنذره بالهلاك.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ -أي في غفلة ولهو واستهزاء بالدين-. قال ابن جرير: (الذين هم في فتنة واختلاط في الدنيا يلعبون غافلين عما هم صائرون إليه من عذاب اللَّه في الآخرة).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. أي يدفعون إليها ويساقون لها مهانين. قال ابن عباس: (يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار). وقال: (يدفعون فيها دفعًا). وقال قتادة: (يزعجون إليها إزعاجًا). قال الضحاك: (الدعّ: الدفع والإرهاق).\nوقوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: تقول لهم الزبانية تقريعًا وتوبيخًا: هذه النار التي كنتم تجحدون أمرها وتنكرون صِليّها، فهي الآن على مرأى أعينكم قريبة من أجسامكم.","vol":"7","page":454},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. توبيخ لا استفهام. أي: يقال لهم: هل هذا الذي وردتموه سحر أم أنتم لا تعاينونه ولا تبصرونه!؟\nوقوله: ﴿اصْلَوْهَا﴾. أي: ادخلوها لتغمركم فذوقوا حرّها وألمها على أجسادكم.\nوقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾. أي: إنما الصبر وعدمه عليكم سواء، فلا محيدَ لكم عنها ولا نجاة ولا خلاص.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. تعليل الخلود فيها وتجزع سعيرها. أي: ما تجزون إلا أعمالكم، وما قدّمتم لأنفسكم من التكذيب بالوحي والنبوة وتعظيم الهوى والشهوات.\n\n١٧ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ حال المتقين في جنات النعيم، فهم في الطعام والشراب والنكاح والملذات والتكريم، ويطوف عليهم غلمان في الخدمة كأنهم اللؤلؤ المكنون، وهم في اللقاء يتذكرون نعمة اللَّه عليهم فيحمدونه أن وقاهم من عذاب الجحيم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾. عَطْفٌ بذكر حال السعداء، بعد ذكر مآل الأشقياء. فهؤلاء في الروضات وبساتين النعيم، في الوقت الذي صُرف فيه أهل الشقوة إلى صِليّ الجحيم.","vol":"7","page":455},{"text":"وقوله: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال ابن جرير: (عندهم فاكهة كثيرة). يقال: رجل فاكه أي ذو فاكهة، ورجل تامر أي عنده تمر. وقرأ الحسن وغيره: \"فَكِهين\" بغير ألف، ومعناه: معجبين ناعمين. يقال: فِكهَ الرجلُ فهو فَكِهٌ إذا كان طيب النفس مزاحًا. قال ابن كثير: (﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾، أي: يتفكَّهون بما آتاهم اللَّه من النعيم، من أصناف الملاذ، من مآكِلَ ومشارِبَ وملابسَ ومساكِنَ ومراكِبَ وغير ذلك).\nوقوله: ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. أي: ويضاف إلى ذلك التفكه في ألوان النعيم، نعمة جليلة عظيمة وهي زحزحته إياهم عن دخول الجحيم، فإن ذلك من الفوز العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال القرطبي: (الهنيء ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر). أي: ويقال لهم: كلوا واشربوا لا تخافون فيما تأكلون وتشربون أذى ولا غائلة، ولا تجدون ما يعكّر أو ينغِّصُ، فهذا جزاء رفيع أعمالكم وحسن امتثالكم لأوامر ربكم ﷿.\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾. أي: متكئين على نمارق سرر موصولة بعضها إلى بعض. و﴿سُرُرٍ﴾ جمع سرير. والآية وصف بديع لاطمئنان أهل الجنة في منازلهم.\nوقوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. أي: وقرناهم بالحور عظام الأعين حسانها.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nأخرج البزار وابن عدي بسند صحيح عن ابن عباس رفعه إلى النبي -ﷺ-: [إنّ اللَّه لَيَرْفَعُ ذُرِّيةَ المؤمن إليه في درجته، وإنْ كانوا دونَه في العمل، لِتَقَرَّ بهم عَيْنُهُ، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية، ثم قال: وما نَقَصْنا الآباء بما أعْطَيْنا البنين] (١).\nقلت: وهذا تفضّل لطيف من الباري ﷿ على عبده الصالح، أنْ لَمَّ له شَمْلَ أسرته فجمعهم إليه في مستقره في الآخرة وإن كانوا دونه في العمل، ليأنس بهم ويسعد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البزار (ص ٢٢١)، وابن عدي (ق ٢٧٠/ ١)، والبغوي في \"التفسير\" (٨/ ٨٢ - منار)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٩٠).","vol":"7","page":456},{"text":"بحضورهم حوله، وهذا لا ينقصه من تضاعف أجره لقاء رفيع أعماله شيئًا.\nوفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ، أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك] (١). وفي لفظ: [إنّ الرجل لترفعُ درجته في الجنة، فيقول: أنّى لي هذا. فيقال: باستغفار ولدك لك].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إذا مات ابنُ آدمَ انقطعَ عملُه إلا من ثلاثٍ: صَدَقةٍ جاريةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له] (٢).\nوقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾. إخبار عن مقام العدل بعد مقام الإحسان.\nقال القاسمي: (﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي بما عمل من خير أو شر مرتهن به، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، وإنما يعاقب بذنب نفسه).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾. أي: وزدناهم على ما هم فيه من جميل المقام ما لَذّ وطاب من ألوان الفاكهة واللحوم.\nوقوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾.\nأي: ويتعاطون -إضافة لما سبق من الملذات- كأسًا من الخمر الذي لا يصدر عن صاحبه هذيان أو فاحش من القول أو الفعل -كما هو حال شربة الخمر في الدنيا-.\nقال ابن عباس: (﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ يقول: لا باطل فيها). وقال مجاهد: (لا يستبّون).\nوقال قتادة: (لا لغو فيها ولا باطل، إنما كان الباطل في الدنيا مع الشيطان).\nقال ابن جرير: (﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾: ولا فعل فيها يُؤثم صاحبه).\nفنزّه اللَّه خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وما يصدر عنها من أذى: كصداع الرأس، وذهاب العقل، ووجع البطن، ونهوض إلى الفواحش والآثام.\nففي معجم الطبراني \"الكبير\" و\"الأوسط\" بسند حسن عن ابن عباس مرفوعًا:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٩)، وابن ماجة (٣٦٦٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ٤٤/ ١)، وإسناده حسن. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٩٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٦٣١) - كتاب الوصية. باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.","vol":"7","page":457},{"text":"[الخمر أمّ الفواحش، وأكبرُ الكبائر، مَنْ شربها وقعَ على أمِّه وخالتِه وعمّته] (١). فانتفى عن خمر الآخرة كل هذه الآثار الشيطانية، وبقيت المتعة واللذة في صورتها البديعة.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾. الغلمان: الخدم من الأطفال. والمكنون: المصون. والمقصود: إخبار عن الخدم والحشم لأهل الجنة أنهم في الحسن والبياض كاللؤلؤ المكنون -المصون- في الصدف، لشدة حسنهم وبهائهم ونظافتهم وروعة مظهرهم ولباسهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحادثُ أهلُ الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾. قال ابن جرير: (قال بعضهم لبعض: إنا أيها القوم كنا في أهلنا في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب اللَّه وجلين أن يعذبنا ربنا اليوم).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾. قال ابن زيد: (عذاب النار). أي: فامتن اللَّه علينا أن نجانا من عذاب النار وأدخلنا الجنة برحمته وفضله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.\nقال ابن عباس: (البر: اللطيف). قال النسفي: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل لقاء اللَّه تعالى والمصير إليه -يعنون في الدنيا- ﴿نَدْعُوهُ﴾ نعبده ولا نعبد غيره، ونسأله الوقاية ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ المحسن ﴿الرَّحِيمُ﴾ العظيم الرحمة الذي إذا عُبد أثاب وإذا سئل أجاب).\n\n٢٩ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني (رقم ١١٣٧٢)، (١١٤٩٨)، ورواه في \"الأوسط\" (٣٢٨٥)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٥٣).","vol":"7","page":458},{"text":"تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾.\nفي هذه الآيات: الأمر بالبلاغ المبين، والانتصار من اللَّه تعالى لرسوله الكريم، والتوبيخ لسلوك المنافقين والمعاندين.\nفقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾. أَمْرٌ مِنَ اللَّه نبيّه -ﷺ- بالبلاغ والبيان، وتبرئة له من اتهام أهل الكفر والفجور والبهتان. والكاهن: الذي يتصل بالجان الذي يسترق الكلمة من خبر السماء، والمجنون: الذي يتخبطه الشيطان من المَسّ فالمعنى كما قال ابن جرير: (فلست بنعمة اللَّه عليك بكاهن تتكهن، ولا مجنون له رئيّ يخبر عنه قومه ما أخبره به، ولكنك رسول اللَّه واللَّه لا يخذلك).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. أي: بل يقول لك المشركون يا محمد: هو شاعر ننتظر أن تنزل به حادثة متلفة من حوادث الدهر المهلكة، فنتخلص منه بموت أو مصيبة. قال مجاهد: (﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: حوادث الدهر). وقال ابن عباس: (يتربصون به الموت). والمنون: الموت.\nوعن قتادة: (قال ذلك قائلون من الناس: تربصوا بمحمد -رسول اللَّه -ﷺ- الموت يكفيكموه، كما كفاكم شاعر بني فلان، وشاعر بني فلان).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾. أي: قل لهم -يا محمد-: انتظروا وترقبوا فإني منتظر معكم، وستعلمون من سيكون له النصر والعاقبة في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾. أي: أتأمر عقول المشركين وأحلامهم -وكانوا يعدون في الجاهلية أهل الأحلام- أن يقولوا لمحمد -ﷺ- ما يقولون من رميه بالسحر والشعر والجنون؟ ! إن هذا لشيء عجيب، إذ يقولون ما يعلمون أنه كذب وزور.\nوقوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. قال مجاهد: (بل هم قوم طاغون). أي: ولكنهم في حقيقة الأمر قوم معاندون متكبرون ما حملهم على ما قالوه إلا الكبر والطغيان.\nوقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾. أي: أم يقول هؤلاء المشركون: إنّ محمدًا تقوّل هذا القرآن من عند نفسه واختلقه؟ !","vol":"7","page":459},{"text":"وقوله: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. تكذيب لدعواهم. أي: إنما حملهم على ذلك القول كفرهم بالحق الذي جاءهم من عند ربهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. أي: فليأتوا بقرآن يشبهه من تلقاء أنفسهم إن كانوا صادقين في دعواهم أن محمدًا افتراه، فهم أهل الفصاحة والإتقان للعربية وفنونها! ! . إنهم لن يستطيعوا ذلك ولو اجتمع لهم فصحاء الجن والإنس، بل لن يستطيعوا أن يأتوا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله.\n\n٣٥ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تتابع التقريع من اللَّه تعالى على المشركين، في كشف تناقضات طريقهم واتباع الهوى والشياطين، وفضح مكرهم وما هم عليه من العداء لهذا الحق المبين.\nفقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. إثبات للربوبية ومطالبة بمقتضاها: توحيد الألوهية. قال ابن جرير: (أخُلِقَ هؤلاء المشركون من غير شيء، أي من غير آباء ولا أمهات فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفهمون للَّه حجة. -وقيل: المعنى: أم خلقوا لغير شيء- أم هم الخالقون هذا الخلق، فهم لذلك لا يأتمرون لأمر اللَّه ولا ينتهون عما نهوا عنه لأن للخالق الأمر والنهي).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. إنكار على المشركين شركهم بالألوهية، مع إقرارهم للَّه بالربوبية. قال النسفي: (﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فلا يعبدون خالقهما ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقهم وخالق السماوات والأرض). وقال القاسمي: (﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي بوعيد اللَّه، وما أعد لأهل الكفر به من العذاب في الآخرة، فلذلك فعلوا ما فعلوا).","vol":"7","page":460},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾. أي: أم بأيديهم خزائن رزقه فهم لاستغنائهم معرضون؟ ! أم هم الجبابرة المتسلطون فهم لذلك على اللَّه يستكبرون!\nأخرج البخاري في الصحيح عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعم عن أبيه ﵁ قال: [سمعت النبي -ﷺ- يقرأ في المغرب بالطُّور، فلما بلغَ هذه الآية: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير] (١).\nوكان جُبير بن مطعم قد قدم على النبي -ﷺ- بعد وقعة بدر في فداءِ الأسارى، وكان إذ ذاك مشركًا، فكان سماعه لهذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك.\nوقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾. أي: أم لهم مرقاة إلى السماء إلى الملأ الأعلى فيرتقون يستمعون من الوحي، دهم متمسكون بما حصل من الإقرار لهم على منهاجهم!؟\nوقوله: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أي: فليأت الذي يستمع لهم بحجّة تبين أنها حق، يُثبت فيها ما يدّعون.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾. قال القرطبي: (سَفَّهَ أحلامهم توبيخًا لهم وتقريعًا. أي أتضيفون إلى اللَّه البنات مع أنفتكم منهن، ومن كان عقله هكذا فلا يُستبعد منه إنكار البعث).\nوالآية إنكار على المشركين نسبهم البنات إلى اللَّه وجعلهم الملائكة إناثًا عبدوهم مع اللَّه، واختيارهم الذكور لأنفسهم أنفة وكبرًا.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: هل سألت هؤلاء القوم أجرًا يُجْهدهم فلا يستطيعون الإسلام). وقال ابن زيد: (أسألتهم على هذا أجرًا فأثقلهم الذي يُبْتَغى أخذه منهم).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون منه ويخبرون الناس بما لهم وما عليهم، وما كان وما يكون وما هو كائن؟ ! أي: ليس\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٥٤) - كتاب التفسير، وكذلك أخرجه (٧٦٥)، (٣٠٣٠)، وانظر صحيح مسلم (٤٦٣).","vol":"7","page":461},{"text":"الأمر كذلك، فلا يعلم الغيب إلا اللَّه الذي وجب على العباد الخضوع لأمره وتعظيمه وحده لا شريك له.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾. أي: بل يريد هؤلاء -يا محمد- الكيد والمكر بك وبدينك، والحال أنهم هم المكيدون الممكور بهم فأحكم ثقتك باللَّه وتوكلك عليه.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. تأكيد الإنكار على المشركين عبادتهم غير اللَّه، ثم تنزيه اللَّه نفسه عن الند والشريك سبحانه وتعالى عما يشركون.\n\n٤٤ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾.\nفي هذه الآيات: كَشْفُ شِدَّة طغيان المشركين، فهم يكذبون بحقائق الأمور واليقين، وسينقلب المكر عليهم من حيث لا يشعرون. وحَثٌّ من اللَّه تعالى لرسوله بالتزام الصبر والاستعانة بالتسبيح وصلاة الليل حتى يأتي نصر اللَّه المبين.\nفقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: قطعًا). والكسف: جمع كِسْفة. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾. أي: عليهم. ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾. قال النسفي: (يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا هذا سحاب ﴿مَرْكُومٌ﴾ قد ركم أي جمع بعضه على بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾. أي: فدع هؤلاء المشركين -يا محمد- حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يهلكون، وهو يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. أي: يوم لا يجدي الكيد والمكر الذي استخدموه في الدنيا لبغيهم وكفرهم وشهواتهم، ولا هم ينصرهم ناصر فيستقيد لهم ممن عذّبهم وعاقبهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. توعد لهم بعذاب","vol":"7","page":462},{"text":"في دار الدنيا قبل عذاب الآخرة. قال ابن زيد: (دون الآخرة في هذه الدنيا ما يعذبهم به من ذهاب الأموال والأولاد). وعن مجاهد: (﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قال: الجوع). وعن البراء: (﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قال: عذاب القبر). وعن قتادة أن ابن عباس كان يقول: (إنكم لتجدون عذاب القبر في كتاب اللَّه ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾).\nوعموم هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]. قال ابن كثير: (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: نُعَذِّبهم في الدنيا، ونبتليهم فيها بالمصائب، لعلهم يرجعون وينيبون فلا يفهمون ما يُراد بهم، بل إذا جَلَّى عنهم مما كانوا فيه عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه).\nوقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾. أي: فاصبر -يا محمد- لحكم ربك وأمره وما يلحقك من أذى قومك ولا تبالهم، فإنك تحت كلاءتنا ورعايتنا وحفظنا. قال ابن جرير: (﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: فإنك بمرأى منا نراك ونرى عملك ونحن نحوطك ونحفظك فلا يصل إليك من أرادك بسوء من المشركين).\nوقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. فيه أقوال متكاملة:\nالقول الأول: حين قيامك من كل نوم. فعن أبي الأحوص: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ قال: سبحان اللَّه وبحمده. ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ قال: من كل منامة، يقول حين يريد أن يقوم: سبحانك وبحمدك). واختار ابن جرير بأن المعنى: (وصل بحمد ربك حين تقوم من منامك وذلك نوم القائلة، وإنما عنى صلاة الظهر).\nالقول الثاني: حين القيام لصلاة الليل أو النهار. قال ابن زيد: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾: إذا قام لصلاة من ليل أو نهار. وقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ قال من نوم). وعن الضحاك قال: (إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك ولا إله غيرك).\nالقول الثالث: حين القيام لمغادرة المجلس. فعن مجاهد: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: من كل مجلس). وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: إذا أراد الرجلُ أن يقوم من مجلسه قال: سبحانك اللهم وبحمدك).\nقال عطاء: (يقول: حين تقومُ من كل مجلس، إن كنت أحسنت ازددتَ خيرًا، وإن كان غيرَ ذلك كان هذا كفارةً له).","vol":"7","page":463},{"text":"قلت: ولا مانع من تعميم القيام سواء كان من نوم أو مجلس أو لصلاة في الليل أو النهار، وقد ورد في السنة الصحيحة ما يؤيد ذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [مَنْ تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا اللَّه، وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. سبحانَ اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: ربِّ اغفر لي -أو قال: ثم دَعَا- استُجِيب له، فإن عزَمَ فتوضأ ثم صلّى تُقبلت صلاتُه] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والنسائي ورجاله ثقات عن أبي بَرْزَةَ الأسلمي قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول بأخَرَةٍ إذا أراد أن يقوم من المجلس: \"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنتَ، أستغفرك وأتوب إليك\". فقال رجل: يا رسول اللَّه، إنك لتقولُ قولًا ما كنتَ تقولُه فيما مضى؟ ! قال: \"كفارة لما يكون في المجلس\"] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ فكَثُرَ فيه لَغَطُهُ فقال قبل أن يقوم من مَجْلِسِه ذلك: سُبْحانك اللهم وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلا أنْتَ، أستغفرك وأتوبُ إليك. إلا غُفِرَ له ما كان في مجلسِه ذلك] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ-، إذا قام من الليل كبَّر ثم يقول: \"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك\" ثم يقول: \"لا إله إلا اللَّه\" ثلاثًا، ثم يقول: \"اللَّه أكبر كبيرًا\" ثلاثًا \"أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه\" ثم يقرأ] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٥٤)، وأبو داود (٥٠٦٠)، والترمذي (٣٤١٤)، وأخرجه النسائي (٨٦١)، وابن ماجة (٣٨٧٨)، ورواه أحمد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٨٥٩)، والنسائي (١٠٢٥٩) - ورجاله ثقات.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٤٣٣) - أبواب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من مجلسه. انظر صحيح الترمذي (٢٧٣٠)، ورواه ابن حبان (٥٩٤)، والحاكم (١/ ٥٣٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٧٧٥) - في الصلاة. انظر صحيح سنن أبي داود (٧٠١).","vol":"7","page":464},{"text":"وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. أي ومن الليل فعظم ربك -يا محمد- بالتلاوة والصلاة والعبادة. كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\nوفي سنن أبي داود عن عاصم بن حميد قال: [سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول اللَّه -ﷺ- قيام الليل؟ فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبْلك، كان إذا قام كبّر عَشْرًا، وحمد اللَّه عشرًا، وسَبَّحَ عشرًا، وهَلَّلَ عَشْرًا، واستغفر عشرًا، وقال: \"اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني\" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة] (١).\nوقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. الراجح هما الركعتان قبل صلاة الفجر توافقان جنوح النجوم للغيبوبة، أو فريضة الفجر.\nقال ابن عباس: (هما السجدتان قبل صلاة الغداة).\nوقال ابن زيد: (يعني حين تدبر النجوم للأفول عند إقبال النهار). وعن الضحاك: (﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قال: صلاة الغداة) -يعني صلاة الصبح المكتوبة- واختاره ابن جرير.\nقال الزمخشري: (وقرئ \"وأَدْبار\" بالفتح، بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت).\nوفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [لمْ يَكُنِ النبي -ﷺ- على شيْءٍ من النَّوافِل أشَدَّ مِنْهُ تعاهُدًا على ركعتي الفَجْر] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي -ﷺ- قال: [ركعتا الفجر خَيْرٌ من الدنيا وما فيها] (٣).\nوفي رواية عنها عن النبي -ﷺ- أنه قال فى شأن الركعتين عند طلوع الفجر: [لَهُما أحَبُّ إليَّ من الدنيا جميعًا].\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٧٦٦). وانظر صحيح أبي داود (٦٩٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٦٩) - كتاب التهجد، ورواه مسلم (٧٢٣) ح (٩٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧٢٥) ح (٩٦)، (٩٧) - كتاب صلاة المسافرين.","vol":"7","page":465},{"text":"وفي صحيح مسلم أيضًا عنها قالت: [ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- في شيء من النوافل، أسْرَعَ مِنْه إلى الركعتين قبل الفجر] (١).\n\nتم تفسير سورة الطور بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الثلاثاء ٣ - شعبان - ١٤٢٦ هـ الموافق ٦ - أيلول - ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٢٤) ح (٩٥)، الكتاب السابق. باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما والمحافظة عليهما.","vol":"7","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - كان يقرأ -﵊- في صلاة المغرب بالطور.\n٢ - يوقد البحر نارًا تتأجج يوم القيامة.\n٣ - المتقون فاكهون في الجنة متقابلون، ويرفع درجات الابن بأبيه وبالعكس.\n٤ - لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، فكل نفس بما كسبت رهينة.\n٥ - يحمد أهل الجنة ربهم أن وقاهم عذاب السموم.\n٦ - يزعمون القرآن مفترى؟ ! ! قل: هاتوا سورة مثله.\n٧ - اللَّه خالق كل شيء والكافرون يعبدون سواه.\n٨ - من أراد بالإسلام كيدًا فسيرجع اللَّه كيده في نحره.\n٩ - التسبيح عند افتتاح الصلاة والقيام من النوم والقيام من المجلس.\n١٠ - ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.\n* * *","vol":"7","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>٥٣ - سورة النجم</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٦٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>ما ورد في ذكرها:</span>\nأخرج البخاري ومسلم عن عبد اللَّه قال: [أول سُورة أُنزلت فيها سَجْدة \"والنجم\"، قال: فَسَجَد رسول اللَّه -ﷺ- وسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، إلا رجلًا رأيته أخذ كَفًّا من تُرابٍ فَسَجَد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافرًا، وهو أمية بن خلف] (١).\nوفي لفظ مسلم: [غَير أن شيخًا أخذ كفًا من حَصًى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. قال عبد اللَّه: لقد رأيته بَعْدُ قُتِلَ كافرًا].\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: [أن النبي سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>موضوع السورة</span>\nالإقسام بالنجم على حدث المعراج العظيم وتقريع الكافرين والثناء على المؤمنين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٦٧)، (١٠٧٠)، (٣٨٥٣)، وأخرجه مسلم (٥٧٦)، وأبو داود في السنن (١٤٠٦)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٠١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٠٧١) - كتاب الكسوف، وكتاب سجود القرآن.","vol":"7","page":468},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-312> منهاج السورة</span>-\n١ - إقسام اللَّه تعالى بالنجم تأكيدًا لحدث المعراج، ورؤية الآفاق والآيات العظيمة.\n٢ - رؤية النبي -ﷺ- لجبريل على صورته الحقيقية عند سدرة المنتهى.\n٣ - تحقير المشركين وأصنامهم، وتسفيه عقولهم وفساد محاكماتهم.\n٤ - إثبات الأولى والآخرة للَّه العظيم، وكذلك الشفاعة لا تكون إلا بعد إذنه الكريم.\n٥ - تقريع على الكافرين وصفهم الملائكة بنات اللَّه، وأمر اللَّه رسوله الإعراض عن المشركين، وهو ﷾ أعلم بالمهتدين، وبمن أصرّ على الضلال المبين.\n٦ - إثبات الملك والحساب للَّه رب العالمين، والثناء على الأطهار المؤمنين المتقين.\n٧ - ذمُّ أهل الإعراض والكبر، وتأكيد استقلال كل واحد بما عليه من الإثم والوزر، واللَّه تعالى لا يضيع لأحد ما استحقه من الأجر.\n٨ - إثبات أمر الخلق والفرح والحزن والحياة والموت للَّه العظيم، وتأكيد إهلاكه -تعالى- عبر الزمان القوم الظالمين.\n٩ - محمد -ﷺ- نذير كمن سبقه من الرسل، والقرآن نذير كالكتب قبله وهو كلام رب البشر.\n١٠ - تأكيد اقتراب الساعة والناس في لهو وغفلة، وأولى بهم أن يلتفتوا لما ينجيهم من السجود للَّه وتعظيمه وحده.\n* * *","vol":"7","page":469},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيد اللَّه تعالى حدث المعراج بإقسامه بالنجم، وتتابع الآيات في ذلك كالقوارع تخرق العقول والقلوب، وتفسد على أصحاب النزعة المادية حياتهم، وتنذر الأمة من مغبة تحكيم الفلسفة والرأي ومعارضة الوحي، فإن الوحي قوة فتاكة إذا سلطها اللَّه سبحانه على أمة فإنها لا تبقي ولا تذر.\nفقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال مجاهد: (إذا سقطت الثريا مع الفجر). وهو قسم من اللَّه تعالى. قال الشعبي: (الخالق يُقسِمُ بما شاء من خَلْقِه، والمخلوق لا ينبغي له أنْ يُقسم إلا بالخالق). وقال الضحاك: (﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾: إذا رُمي به الشياطين). وهو قول يحتمله التأويل ومفهوم رجم الشياطين بالأشهب الثاقبة. وقيل: المقصود الزهرة - حكاه السدي، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ جواب القسم. فقد أقسم سبحانه بمخلوق عظيم يراه الناس ويبصرونه عظيمًا، ليؤكد أمرًا كبيرًا جليلًا، وهو أن هذا النبي ما حاد عن الحق ولا زال عنه، ولا تركه لحظة إلى خرافات الأولين وهذيانات القاصين والمشعوذين.","vol":"7","page":470},{"text":"والضال هو السالك في الجهالة يخبط في طريقه بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق، العادِلُ عنه قصدًا إلى غيره. قال ابن كثير: (فنزه اللَّه -﷾- رسولَه وشرْعَه عن مشابهة أهل الضّلال كالنّصارى وطرائِق اليهود، وعن عِلم الشيء وكتمانِه والعمل بخلافه، بل هو -صلوات اللَّه وسلامه عليه- وما بعثه اللَّه به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسَّداد).\nوقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾. أي ما ينطق عن هواه، فليس في قوله غاية لمصلحة أو غرض أو شهوة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. قال قتادة: (يوحي اللَّه ﵎ إلى جبرائيل، ويوحي جبريل إلى محمد -ﷺ-).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].\n٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].\nوفي صحيح السنة العطرة من آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي رافع -وغيره- رفعه قال: [لا ألفِيَنَّ أحدَكُم مُتكئًا على أريكَتهِ يأتيه أمْرٌ مما أمَرْتُ به أو نَهَيْتُ عنه فيقول: لا أدري. ما وَجَدْنا في كتاب اللَّه اتَّبَعْناه] (١).\nوأبو رافع: هو مولى النبي -ﷺ-، واسمه: أسْلَمُ.\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله -ﷺ-: [ألا هَلْ عسى رجُلٌ يبلُغُهُ الحديثُ عني وهو مُتَّكِئٌ على أريكته، فيقول: بَيْننا وبينكم كتابُ اللَّه، فما وَجَدْنا فيه حلالًا استَحْللْناه، وما وجدنا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٣)، وكذلك الترمذي. انظر صحيح سنن الترمذي (٢١٤٥).","vol":"7","page":471},{"text":"فيه حرامًا حَرَّمناه، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّه -ﷺ- كما حرَّم اللَّه] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والحاكم بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهُما، كِتابَ اللَّه، وسنتي، ولن يتَفَرَّقا حتى يردا عليَّ الحوض] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود وأحمد بسند قوي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: [كنتُ أكتبُ كلَّ شيء أسْمَعُهُ من رسول اللَّه -ﷺ- أريدُ حِفْظَه، فنهتني قريشٌ فقالوا: إنَّكَ تكتبُ كُلَّ شيء تسمعه من رسول اللَّه، ورسول اللَّه -ﷺ- بشرٌ يتكلَّمُ في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منهُ إلا حقّ] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج أحمد بسند حسن عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: [قيل يا رسول اللَّه، إنك تداعبنا! قال: إني لا أقول إلا حقًا] (٤).\nالحديث السادس: أخرج البزار بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [ما أخبرتكم أنه من عند اللَّه فهو الذي لا شكَّ فيه] (٥). وفي لفظ: [ما قلت لكم قال اللَّه فلن أكذبَ على اللَّه].\nوقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. قال قتادة: (يعني جبريل). والقوى: جمع قوة، فإن جبريل -﵇- قد آتاه اللَّه خلقًا عجيبًا وقوة مذهلة.\nوقوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. قال ابن عباس: (ذو منظر حسن). وقال قتادة: (ذو خلق طويل حسن). وقال ابن زيد: (ذو قوة، المِرَّة: القوة). وقال ابن جرير: (عني بالقوة: صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات). وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي ارتفع واعتدل.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (١٢). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢١٤٦).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ١٤)، والحاكم وغيرهما. وانظر السلسلة الصحيحة (١٧٦١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٦٤٦)، كتاب العلم، باب في كتابة العلم، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٩٢) وإسناده قوي، وله شواهد.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٦٠)، وإسناده حسن، وله شواهد.\n(٥) حديث حسن. أخرجه البزار في المسند. وانظر المجمع (٨٣٧) من حديث ابن عباس، وإسناده حسن، وله شواهد.","vol":"7","page":472},{"text":"ومنه ما روى أبو داود في السنن بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرّة سوي] (١). أي لا تحل الصدقة لغني ولا لصحيح سوي قوي.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. أي: فاستوى هذا الشديد القوي جبريل ومعه محمد -﵉- بالأفق الأعلى. قال الربيع: (السماء الأعلى، يعني جبريل ﵇). وقال عكرمة: (والأفق الأعلى الذي يأتي منه الصبح). وقال مجاهد: (هو مطلع الشمس). وقال قتادة: (هو الذي يأتي منه النهار). واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. قال الربيع: (هو جبريل ﵇). أي: ثم دنا جبريل من رسول اللَّه -ﷺ- ﴿فَتَدَلَّى﴾ أي: فزاد في القرب، والتدلي هو النزول بقرب الشيء.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال مجاهد: (حيث الوتر من القوس). أي: فكان جبريل ﵇ قريبًا من النبي -ﷺ- على قدر قوسين أو أدنى من ذلك يعني: أو أقرب منه.\nوفي الصحيحين وسنن الترمذي عن عبد اللَّه بن مسعود: [في قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ وفي قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وفي قوله: ﴿رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قال فيها كلها: رأى جبريل ﵇ له ست مئة جناح] (٢).\nوفي لفظ الترمذي: [﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى رسول اللَّه جبرائيل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض].\nوفي الصحيحين أيضًا عن مسروق قال: [قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قالت: ذاك جبريل ﵇، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنما أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسَدَّ الأفق] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٦٣٤)، في السنن. انظر صحيح سنن أبي داود (١٤٣٩)، ورواه أحمد وغيرهما. انظر صحيح الجامع (٧١٢٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٣٧) - كتاب التفسير، ورواه مسلم. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦١٧) - كتاب التفسير.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٣٣) - كتاب بدء الخلق، وانظر صحيح مسلم (١٧٧)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٢٨).","vol":"7","page":473},{"text":"وفي جامع الترمذي عن الشعبي قال: [لقي ابن عباس كعبًا بعرفة فسأله عن شيء فكبّر حتى جاوبته الجبال. فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم. فقال كعب: إنّ اللَّه قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. قال مسروق: فدخلت على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربَّه؟ فقالت: لقد تكلمت بشيء قَفَّ (١) له شعري. قلت: رُويدًا، ثم قرأت ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ فقالت: أين تذهب بك؟ إنما هو جبريل. من أخبرك أن محمدًا رأى ربَّه أو كتم شيئًا مِمّا أمر به أو يعلم الخمس التي قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فقد أعظم الفرية، ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين، مرّة عند سدرة المنتهى، ومرّة في أجياد (٢) له ست مئة جناح، قد سدّ الأفق] (٣).\nويؤكد هذا ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال: [سألت رسولَ اللَّه -ﷺ- هل رأيتَ ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه] (٤).\nوكذلك ما جاء فيه من حديث أبي موسى قال: [قام فينا رسول اللَّه -ﷺ- بخمس كلمات فقال: إن اللَّه ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفِضُ القسطَ ويَرْفَعُه، يُرْفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (٥).\nوأمّا ما روى مسلم عن ابن عباس: (﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: رآه بفؤاده مرتين). فموقوف على ابن عباس، وهو من اجتهاده الخاص، وحديث عائشة مرفوع صريح أنه لم يره وما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه سبحانه في الدنيا.\nوقد وقفت على رواية رائعة عند ابن ماجة من حديث أبي هريرة، وذلك عند سؤال الملكين في القبر بعد الدفن، قال رسول الله -ﷺ-: [فيجلس الرجل الصالح في قبره،\n_________\n(١) أي قام من الفزع.\n(٢) موضع أسفل مكة.\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٢٧٨) وفيه ضعف، لكن يشهد له خبر عائشة في الصحيحين. فقد أخرجه البخاري (٤٦١٢)، (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٢٨).\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١/ ١٦١)، وفتح الباري (٨/ ٦١٠ - ٦١١).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٩) - كتاب الإيمان - من حديث أبي موسى ﵁.","vol":"7","page":474},{"text":"غيرَ فزع ولا مشعوف (١)، ثم يقال له: فيمَ كنتَ؟ فيقول: كنتُ على الإسلام. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول اللَّه -ﷺ- جاءنا بالبينات من عند اللَّه فصدقناه، فيقال له: هل رأيت اللَّه؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه، فيفرج له فرجةٌ قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك اللَّه تعالى، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك، ويُقال له: على اليقين كُنْتَ، وعليه مُتَّ، وعليه تُبْعثُ إن شاء اللَّه. . .] (٢).\nفيسأله الملكان عن أصول دينه التي لا تكون النجاة إلا بإقامتها وتعظيمها، ومن تلك الأسئلة: هل رأيت اللَّه؟ فيجيب الرجل الصالح بدين المرسلين المؤمنين: ما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. أي: أوحى إلى عبده ورسوله أمورًا من الدين، وأطلعه على أمور كثيرة:\nأولا: أوحى إليه شرع الصلاة:\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس -في الإسراء-: [. . . وأوحى اللَّه إليّ ما أوحى، ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب! خفف على أمتي فحطّ عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عني خمسًا. قال: إنّ أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد! إنهن خمس صلوات كلَّ يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، من هم بحسنة فلم يعملها كُتِبَت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا. ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئًا، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فَسَلْهُ التخفيف. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه] (٣).\n_________\n(١) الشعف: شدة الفزع والقلق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٢٦٨) - كتاب الزهد. باب ذكر القبر والبلى. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٤٣)، وصحيح الجامع (١٩٦٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٦٢) - كتاب الإيمان، في ختام حديث الإسراء.","vol":"7","page":475},{"text":"ثانيًا: أوحى له خواتيم سورة البقرة ومغفرة الكبائر للمؤمنين:\nفكان فيما أوحى اللَّه لنبيّه -ﷺ- ليلة الإسراء خواتيم سورة البقرة، وأخبره بمغفرة المقحمات لمن يموت من أمته لا يشرك باللَّه شيئًا.\nفقد روى مسلم في صحيحه عن عبد اللَّه قال: [لما أُسري برسول اللَّه -ﷺ- انتُهِيَ به إلى سِدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به من فوقها فيقبض منها. قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: فراش من ذهب. قال: فأعطي رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثًا: أُعطي الصلوات الخمس، وأعطي خوايتم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك باللَّه من أمته شيئًا المقحمات] (١).\nثالثًا: سمع صريف الأقلام وكتابة الملائكة أعمال العباد.\nفقد أخرج الإمام البخاري من حديث ابن عباس وفيه: [ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، ففرض اللَّه على أمتي خمسين صلاة. . . فرجعت فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يُبدَّلُ القول لديّ] (٢).\nرابعًا: دخل الجنة ورأى نهر الكوثر فيها، ورأى في أصل سدرة المنتهى أنهارًا أربعة تفجّر منها.\nففي صحيح البخاري عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [بينما أنا أسيرُ في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قبابُ الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربُّك، فإذا طينُه مِسْكٌ أذفَرُ] (٣). والأذفر هو الشديد الرائحة.\nوكذلك أخرج البخاري عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، عن النبي -ﷺ- قال: [فَرُفِعَ لي البيتُ المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يُصلي فيه كُلَّ يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخِرَ ما عليهم، وَرفِعَت لي سِدْرَةُ المنتهى فإذا نَبقُها كأنه قلال وورقُها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٣) - كتاب الإيمان. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ٣٧٧ - ٣٨١) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري -[فتح الباري (١/ ٤٥٨) - (٣/ ٤٩٢)] من حديث ابن عباس.\n(٣) حديث صحيح. انظر: (فتح الباري - شرح صحيح البخاري - (٨/ ٧٣١».","vol":"7","page":476},{"text":"باطنان ونهران ظاهران، فسألت جبريل: فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات] (١).\nخامسًا: رأى النار وأبصر فيها عذاب الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم، وعذاب خطباء القول الذين لا يمتثلونه بالعمل.\nفقد أطلع اللَّه نبيّه ﵊ على صور من العذاب لأعمال تورد النار كالغيبة والنميمة والقذف والزنا والربا، وكذلك أراه صورًا من عذاب من يدّعي الطهارة ويعلمها للناس من خطباء هذه الأمة الذين يعملون على خلاف ما يقولون.\nففي المسند بإسناد صحيح من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لما عرج بي ربي ﷿، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم] (٢).\nوروى البيهقي بسند حسن من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أتيتُ ليلة أُسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت وفَتْ، فقلت يا جبريل: من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب اللَّه ولا يعملون به] (٣).\nسادسًا: رأى عن يمين آدم أهل الجنة، وعن يساره أهل النار.\nفقد خرّج البخاري من حديث أنس: [. . . فلما فُتِحَ علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسْوِدة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى. فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظرَ قِبَل شماله بكى] (٤).\nفصدقه المؤمنون بكل ما ذكره لهم وعلى رأسهم الصديق ﵁، وقد سُمِّيَ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر (صحيح البخاري - فتح الباري (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢».\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٤)، وأبو داود (٤٨٧٨). وانظر: \"الصحيحة\" (٥٣٣).\n(٣) حديث حسن. رواه البيهقي عن أنس. انظر صحيح الجامع الصغير (١٢٨).\n(٤) حديث صحيح. انظر: صحيح البخاري - فتح الباري (١/ ٤٥٨)، (٣/ ٤٩٢)، (٦/ ٣٧٤).","vol":"7","page":477},{"text":"بذلك من يومئذ، في حين كذبته قريش وسخر من الحدث المشركون.\nففي صحيح البخاري عن جابر، أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [لما كذبني قريش قمتُ في الحجر فجلّى اللَّه لي بيت المقدس، فطفِقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال عبد اللَّه بن مسعود: (رأى جبريل ﵇ له ست مئة جناح) - رواه البخاري ومسلم كما سبق بتمامه. وعن قتادة: (﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى جبريل في صورته التي هي صورته. قال: وهو الذي رآه نزلة أخرى).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾. قال ابن جرير: (أفتجادلون أيها المشركون محمدًا على ما يرى مما أراه اللَّه من آياته).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. ﴿نَزْلَةً﴾ مصدر في محل نصب حال، والتقدير: ولقد رآه نازلًا نزلةً أخرى. قال القرطبي: (فقوله: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ يعود إلى محمد -ﷺ-، فإنه كان له صعودٌ ونزول مرارًا بحسب أعداد الصلوات المفروضة، فلكل عَرْجَةٍ نزلة. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ أي ومحمد عند سدرة المنتهى وفي بعض تلك النزلات). وقال النسفي: (﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ مرة أخرى من النزول. أي: نزل عليه جبريل ﵇ نزلة أخرى في صورة نفسه فرآه عليها وذلك ليلة المعراج).\nوفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن مسروق قال: [كنت عند عائشة فقلت: أليس اللَّه يقول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فقالت: أنا أوّلُ هذه الأمة سألَ رسول اللَّه -ﷺ- عنها، فقال: إنما ذاك جبريل. لم يَرَهُ في صورته التي خُلِقَ عليها إلا مَرَّتين. رآه مُنْهبِطًا من السماء إلى الأرض، سادًّا عظمُ خَلْقِهِ ما بينَ السماء والأرض] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. السدرة: شجرة النبق في السماء السابعة، والمنتهى بمعنى موضع انتهاء علوم الخلائق. قال كعب: (إنها سدرة في أصل العرش، إليها ينتهي علم كل عالم، مَلك مقرّب أو نبيّ مرسل، ما خلفها غيب لا يعلمه إلا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧١٠) - كتاب التفسير. وكذلك (٣٨٨٦)، ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦١٢)، (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧/ ٢٨٧)، والترمذي (٣٠٦٨)، والنسائي في \"التفسير\" (٤٢٨ - ٤٢٩)، وأحمد (٦/ ٢٤١).","vol":"7","page":478},{"text":"اللَّه). وقال في رواية أخرى: (إليها ينتهي علم الخلائق، ثم ليس لأحد وراءها علم، ولذلك سميت سدرة المنتهى، لانتهاء العلم إليها). وقال الضحاك: (لأنه ينتهي إليها كل شيء من أمر اللَّه لا يعدوها).\nوفي صحيح البخاري من حديث مالك بن صعصعة مرفوعًا: [ورُفعت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال، وورقها كأنه آذان الفيول في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران] الحديث (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه قال: [لما أسري برسول اللَّه -ﷺ- انْتُهِيَ به إلى سِدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به من فوقها فيقبض منها] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال النسفي: (أي الجنة التي يصير إليها المتقون، وقيل: تأوي إليها أرواح الشهداء).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. أي رآه إذ يغشى السدرة ما لا يحيط به الوصف من الروعة والجمال والحسن. وهو تعظيم وتكثير لما يغشاها.\nوفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه السابق: [قال: ﴿يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: فراش من ذهب].\nوفي صحيح مسلم من حديث أنس: [فلما غشيها من أمر اللَّه ما غَشِيَ تغيرت، فما أحد من خلق اللَّه يستطيع أن يَنْعَتَها من حُسْنِها] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. أي ما مال بصر محمد -ﷺ- يَعْدِل يمينًا وشمالًا عما رأى، ولا جاوز ما أمِرَ به. قال محمد بن كعب القرظي: (﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ قال: رأى جبرائيل في صورة الملك).\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال عبد اللَّه بن مسعود: (رأى جبريل ﵇ له ست مئة جناح) (٤). قال ابن زيد: (جبريل، رآه في خلقه الذي يكون به في السماوات قدر قوسين من رسول اللَّه -ﷺ- فيما بينه وبينه). وقال ابن جرير: (﴿لَقَدْ رَأَى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري. انظر: فتح الباري (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢)، وقد مضى بتمامه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٣) - كتاب الإيمان. وقد مضى بتمامه قبل صفحات.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٦٢) - كتاب الإيمان، في أثناء حديث الإسراء الطويل.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٥٧)، كتاب التفسير، في أثناء حديث. ورواه مسلم.","vol":"7","page":479},{"text":"مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: لقد رأى محمد هنالك من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى).\nقلت: وقد سبق ذكر الآيات الكبيرة التي رآها نبينا -ﷺ- ليلة المعراج: كدخوله الجنة ورؤيته نهر الكوثر فيها، ورؤيته الأنهار الأربعة التي في أصل سدرة المنتهى تتفجّر منها، ورؤيته النار وعذاب بعض أهلها، ورؤيته الأسودة عن يمين آدم وشماله: نسمُ بنيه من أهل الجنة وأهل النار، إضافة إلى سماعه صريف الأقلام وكتابة الملائكة أفعال العباد، إلى غير ذلك من الآيات الكبيرة التي أطلع اللَّه عليها نبينا -ﷺ- في تلك الليلة.\n\n١٩ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تحقيرٌ للمشركين وأصنامهم، وتصغيرٌ لعقولهم وفساد حكمهم ومنهاجهم، وإثبات الأولى والآخرة للَّه العظيم، الذي لا يستطيع ابتداء الشفاعة لديه رسول أو ملك كريم، إلا من بعد أن يأذن اللَّه العزيز الحكيم.\nفقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. تقريع من اللَّه سبحانه بالمشركين في اتخاذهم الأصنام والأوثان، وعبادتها من دون الرحمن، وتخصيص البيوت لها مضاهاة بكعبة أهل الإسلام.\nقال ابن كثير: (وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيتٌ بالطائف له أستار وسَدَنة، وحوله فِناءٌ مُعَظَّمٌ عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على مَنْ عداهم من أحياء العرب بعد قريش).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس: ﵄ في قوله: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: [كان اللّات رجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الحاجِّ] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٥٩)، كتاب التفسير، سورة النجم، آية (١٩).","vol":"7","page":480},{"text":"قال ابن جرير: (كان قد اشتقوا اسم اللات من اسم اللَّه، فقالوا اللات يعنون مؤنثة منه) - تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوأما العُزّى فمشتقة من العزيز. وكانت شجرة عليها بناءٌ كبيرٌ وأستارٌ بنخلة، وهي بين مكة والطائف، وكانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: (لنا العزّى ولا عزّى لكم). فقال رسول اللَّه -ﷺ-: [قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ حَلَفَ فقال في حَلِفِهِ: واللّات والعُزّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه] (١). والمقصود ما يكون من ذلك من زلة اللسان على عادة الجاهلية.\nوفي المسند وصحيح ابن حبان بإسناد على شرط مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: [حَلَفْتُ باللات والعُزَّى، فقال لي أصحابي: بئسَ ما قلتَ! قُلْتَ هُجرًا! فأتيت رسول اللَّه -ﷺ- فذكرت ذلك له، فقال: قُل: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير. وانفث عن شِمالك ثلاثًا وتَعَوَّذ باللَّه من الشيطان الرجيم، ثم لا تَعُدْ] (٢).\nوأما \"مَنَاة\" فكانت تُعظِّمها خزاعة والأوس والخزرج في الجاهلية، وكانوا يهلون منها للحج إلى الكعبة. قال البخاري: (قال سفيان: مَناةُ بالمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ). قال: (وقال مَعْمَرٌ عن الزهري، عن عُروة، عن عائشة: كان رجالٌ من الأنصارِ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ لمناة، -ومناةُ صَنَمٌ بين مكةَ والمدينة- قالوا: يا نبي اللَّه، كنّا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة) (٣).\nوقد خرّج البخاري في صحيحه عند تفسير هذه الآية: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ عن عروة: قلت لعائشة ﵂: فقالت: [إنما كان مَنْ أَهَلَّ لِمَناة الطّاغِيَة التي بالمُشَلَّلِ لا يطوفون بين الصَّفا والمَرْوَةِ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٦٠)، كتاب التفسير، وكذلك (٦١٠٧). ورواه مسلم في الصحيح (٥/ ١٦٤٧)، وأبو داود (٣٢٤٧)، والترمذي (١٥٤٥)، والنسائي (٣٧٧٥) وفي \"التفسير\" (٥٦٦)، ورواه ابن ماجة (٢٠٩٦).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ١٨٣)، (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، والنسائي (٣٧٧٦)، (٣٧٧٧)، وفي \"التفسير\" (٥٦٥)، وابن حبان (٤٣٦٥)، وإسناده على شرط مسلم، ويشهد لأصله ما قبله.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، عقب الحديث (٤٨٦١). وانظر كذلك (١٦٤٣).","vol":"7","page":481},{"text":"شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فطاف رسول اللَّه -ﷺ- والمسلمون] (١).\nوهذه الثلاثة هي من أشهر الطواغيت التي كانت العرب تعظمها كتعظيم الكعبة، وهناك غيرها. قال ابن إسحاق: (وقد كانت العربُ اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوتٌ تُعَظِّمُها كتعظيم الكعبة، بها سَدَنَةٌ وحُجَّابٌ، وتُهدي لها كما يُهدى للكعبة، وتطوفُ بها تطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضلَ الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيتُ إبراهيم -﵇- ومسجدُه، فكانت لقريش وبني كنانة العُزَّى بنخلة، وكانت سدنتها وحُجَّابُها بني شيبان من سُلَيم حلفاء هاشم) (٢).\nقلت: وقد بعث رسول اللَّه -ﷺ- سرية في أعقاب فتح مكة لخمس ليال بقين من رمضان أمَّرَ عليها خالد بن الوليد إلى العُزى ليهدمها -كما يروي ابن سعد في الطبقات- في ثلاثين فارسًا من أصحابه حتى انتهوا إليها، فهدمها ثم رجع إلى رسول اللَّه -ﷺ- فأخبره، فقال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فإنك لم تَهْدِمْها فارجع إليها فاهدمها. فرجع خالد وهو مُتَغَيِّظٌ فَجَرَّد سيفَه، فخرجت إليه امرأة عجوز عُريانة سوداء ناشرة الرأس، فجعل السَّادِنُ يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ورجع إلى رسول اللَّه -ﷺ- فأخبره، فقال: نعم تِلك العُزَّى، وقد أَيِسَتْ أن تُعْبَدَ في بلادكم أبدًا. وكانت بِنَخْلة -على يوم من مكة-، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وكانت أعظمَ أصنامِهم، وكان سدنَتُها بني شيبان (٣).\nثم بعث رسول اللَّه -ﷺ- سعدَ بن زيد الأشهلي إلى مناة -كما يروي ابن سعد في الطبقات-، وكانت بالمُشَلَّل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فخرج في عشرين فارسًا حتى انتهى إليها وعندها سادِنٌ، فقال السَّادِنُ: ما تُريد؟ قلتُ: هَدْمَ مَناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعدٌ يمشي إليها، وتخرُجُ امرأةٌ عُريانة سوداءُ، ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتَضْرِبُ صَدْرها، فقال لها السَّادِنُ: مناة دونك بعضَ عُصَاتك، فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم، ومعه أصحابه فهدمه، وكسروه، ولم يجدوا في خزانته شيئًا (٤).\nوأما اللات فكانت لثقيف بالطائف -كما يروي ابن إسحاق في السيرة- وكان سدنتها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٨٦١)، كتاب التفسير، سورة النجم - آية (٢٠).\n(٢) انظر سيرة \"ابن هشام\" (٤/ ٦٢)، وتفسير ابن كثير - سورة النجم - آية (٢٠ - ٢١).\n(٣) انظر: طبقات ابن سعد (٢/ ١٤٥ - ١٤٦)، وكتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٢٨١ - ١٢٨٢).\n(٤) انظر: ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ١٤٦ - ١٤٧)، وكتابي: السيرة النبوية (٣/ ١٢٨٢).","vol":"7","page":482},{"text":"وحُجابها بني مُعَتِّب، وقد بعث إليها رسول اللَّه -ﷺ- المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صَخْر بن حَرب، فهدماها وجَعلا مكانها مسجدَ الطائف.\nوبذلك أزيلت أكبر مراكز الوثنية في جزيرة العرب، وأُجهز على قلاعها الخرافية ومنشآتها الأسطورية، لتسطع على الأرض من جديد شمس دين الإسلام دين الحق والتوحيد، وهي تشع فوق أرجاء مكة وربوعها، ومنها تمتد إلى أرجاء المعمورة، وهي تحمل إلى البشرية النور والأمن والتوحيد والإيمان، بعدما عانت البشرية زمنًا طويلًا من ظلام الشرك والكفر والظلم والطغيان، وليدخل الناس في دين اللَّه أفواجًا.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. أي: جعلكم للَّه البنات ولكم البنين قسمة جائرة. من ضازه يضيزه إذا ضامه.\nوقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. إنكار على المشركين إحداثهم الكذب والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة، ما أنزل اللَّه بها حجة ولا مستند لهم بذلك إلا تعظيم آبائهم لها وحسن ظنهم بآبائهم وما تهوى نفوسهم، ولذلك قال سبحانه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾. أي: ولقد جاءهم من اللَّه الوحي والنبوة فكذبوا واتبعوا أهواءهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾. أي: ليس كل من تمنى خيرًا حصل له، وما كل من زعم أنه مهتد يكون كذلك، فالأمر للَّه تعالى مالك الدارين.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. أي: إذا كان أمر الشفاعة هكذا في حق الملائكة المقربين فكيف بالأصنام المذمومة؟ قال القرطبي: (هذا توبيخ من اللَّه تعالى لمن عبد الملائكة والأصنام، وزعم أن ذلك يقرّبه إلى اللَّه تعالى، فأعلم أن الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على اللَّه لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- قال: [أما أهل النار الذين هم","vol":"7","page":483},{"text":"أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحما أُذِن بالشفاعة] الحديث (١).\nفالحديث يثبت أن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن اللَّه تعالى بذلك، وهذه الشفاعة لأهل الكبائر دون الشرك، فإن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.\nوفي معجم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ- قال: [صنفان من أمتي لن تنالَهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق] (٢).\n\n٢٧ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريع على الكفار الذين لا يصدقون بالبعث في الدار الآخرة تسميتهم الملائكة تسمية الإناث بقولهم: هم بنات اللَّه، وأمْرٌ من اللَّه تعالى لرسوله -ﷺ- بالإعراض عن الكافرين، فإن اللَّه هو أعلم بالمهتدين وبمن إصرَّ على الضلال المحبين.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾. إنكار على المشركين تسمية الملائكة كتسمية الأنثى، وزعمهم الفاسد أنها بنات اللَّه كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]. قال النسفي: (﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ لأنهم إذا قالوا للملائكة بنات اللَّه فقد سمّوا كل واحد منهم بنتًا وهي تسمية الأنثى).\nوقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. أي ومالهم بما يَدَّعُون من مستند\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ١١٨)، وانظر تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢/ ٧٥٢ - ٧٥٩).\n(٢) حديث حسن. رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" - قال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٣٥): (ورجال الكبير ثقات). وهو في الأوسط (١/ ١٩٧/ ٢) حسن لغيره. وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٤/ ١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٧١).","vol":"7","page":484},{"text":"علم، وإنما هو الظن. ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. أي: ولا يجدي الظن ولا يقدّم لأهله نفعًا، ولا يقوم مقام الحق شيئًا.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إياكم والظَّن، فإنَّ الظَّنَ أَكْذَبُ الحديث] (١).\nوقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾. أي: فدع -يا محمد- من أعرض عن الحق، ولم يُعَظِّم ربّه ﷿، ويعلي ذكره فوق كل شيء.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولم يطلب ما عند اللَّه في الدار الآخرة، ولكنه طلب زينة الحياة الدنيا، والتمس البقاء فيها).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أي: العلم بأحوال الدنيا ومداخل أمورها غاية ما وصلوا إليه.\nوفي التنزيل نحو ذلك، قوله جل ذكره: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. قال الفراء: (﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ صَغّرهم وازدرى بهم، أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة).\nأخرج ابن حبان في \"صحيحه\"، وكذلك البيهقي، بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه يبغض كل جعظري جواظ، سخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة] (٢).\nوالجَعْظَري: الفظ الغليظ المتكبر، والجوّاظ: الجموع المنوع. والسخاب: كالصخاب، وهو كثير الضجيج والخصام. وفي رواية ذكرها ابن الأثير: (خُشب بالليل، سُخُب بالنهار). أي: إذا جنّ عليهم الليل سقطوا نيامًا كأنهم خشب، فإذا أصبحوا تساخبوا على الدنيا وتسابقوا إليها حرصًا وشحًا وطمعًا.\nوللحديث شاهد صحيح عند الحاكم في \"تاريخه\" عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنّ اللَّه تعالى يبغض كلَّ عالمٍ بالدنيا، جاهِلٍ بالآخرة] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٥٦٣) - كتاب البر والصلة، باب تحريم الظن والتجسس.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٩٥٧ - موارد)، والبيهقي (١٠/ ١٩٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم والديلمي بإسناد صحيح. انظر صحيح الجامع (١٨٧٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٩٥).","vol":"7","page":485},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾.\nأي: إن ربك -يا محمد- هو أعلم بمن حاد عن دينه وأخطأ سبيل الهدى والنجاة، ممن هو قد أصاب قصد السبيل وسلك سبيل النجاة، وكل ذلك سابق في علم اللَّه تعالى.\n\n٣١ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات الملك والحساب للَّه رب العالمين، وثناء على المجتنبين الكبائر والفواحش من المؤمنين، واللَّه تعالى هو أعلم بالمتقين.\nفقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. أي هو المالك -سبحانه- المتصرف في هذا الكون، الحاكم بين عباده، فمثيب للمحسنين ومعاقب للآثمين. قيل اللام في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة. قال القرطبي: (أي وللَّه ما في السماوات وما في الأرض، أي وعاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم مسيء ومحسن، فللمسيء السوءى وهي جهنم، وللمحسن الحسنى وهي الجنة). وقال النسفي: (﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، أو بسبب الأعمال الحسنى. والمعنى أن اللَّه ﷿ إنما خلق العالم وسوى هذا الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين والمسيء منهم إذ الملك أهل لنصر الأولياء وقهر الأعداء).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قيل: الكبائر ما أوعد اللَّه عليه النار، والفواحش ما شرع فيها الحد. واللمم: الصغائر. وقيل: كبائر الإثم الشرك لأنه أكبر الآثام، والفواحش: الزنى. ثم استثنى استثناء منقطعًا: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال الشعبي: (كل ما دون الزنى). وقال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق: (إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة).\nأخرج ابن جرير بسند جيد عن ابن عباس: (﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، قال هو الرجلُ يُلِمُّ بالفاحشة ثم يتوب).","vol":"7","page":486},{"text":"وأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس -أيضًا-: [﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: قال النبي -ﷺ-:\nإن تَغْفِر اللهمَّ تغفر جَمَّا ... وأَيُّ عَبْدٍ لك لا ألَمَّا] (١)\nقال مجاهد: (هو الذي يأتي بالذنب ثم لا يعاوده).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [ما رأيت شيئًا أشْبَهَ باللَّمم مما قال أبو هريرة عن النبي -ﷺ-: إن اللَّه كَتبَ على ابن آدمَ حَظَّهُ من الزِّنا، أدركَ ذلكَ لا مَحَالَةَ، فزِنا العينِ: النَّظَرُ، وزِنا اللسانِ: المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تتمنَّى وتَشْتَهي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلك كُلَّهُ ويكَذِّبُهُ] (٢).\nوفي رواية لمسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [كُتِبَ على ابنِ آدمَ نصيبُهُ من الزِّنى، مُدْرِكٌ ذلك لا مَحَالَةَ، فالعينان زِناهُما النَّظَر، والأُذُنان زِناهما الاستماعُ، واللسانُ زناه الكلام، واليَدُ زناها البَطْشُ، والرِّجْلُ زناها الخُطا، والقلبُ يهوى ويتمنّى، ويُصَدِّق ذلك الفرجُ ويُكذِّبُه].\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾. أي: لمن تاب من ذنبه واستغفر - قاله ابن عباس. فرحمته تعالى وسعت كل شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها، وفي التنزيل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- فيما يَحْكي عن ربه ﷿ قال: [أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، قال: اللهمَّ! اغْفِر لي ذنبي، فقال ﵎: أَذْنَبَ عَبْدي ذَنْبًا، عَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، ويَأخُذُ بالذَّنب، ثم عادَ فأذْنَبَ، فقال: أيْ ربِّ! اغفِر لي ذَنْبي، فقال ﵎: عبدي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له ربًّا يغفِرُ الذَّنْبَ، ويأخذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عاد فأذْنَبَ، فقال: أي ربِّ! اغفر لي ذَنْبي، فقال ﵎: أَذْنَبَ\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦١٧) - عند تفسير هذه الآية، ورواه الحاكم (٢/ ٤٦٩)، وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٢٤٣) - كتاب الاستئذان، ورواه مسلم (٢٦٥٧) - كتاب القدر، ورواه عبد الرزاق في \"التفسير\" (٣٠٣٧).","vol":"7","page":487},{"text":"عبدي ذنبًا، فَعَلِمَ أنَّ له ربًا يغفِرُ الذَّنب، ويأخذ بالذَّنبِ، اعمل ما شِئتَ فقد غفرت لك] (١).\nوفي صحيح مسلم -أيضًا- عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [لو يَعْلَمُ المؤمِنُ ما عِنْدَ اللَّه من العقوبةِ، ما طمِعَ بجنَّتِه أحَدٌ، ولوْ يَعْلَمُ الكافِر ما عِند اللَّه من الرَّحمة، ما قَنِطَ من جَنَّتهِ أحَدٌ] (٢).\nوقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال ابن زيد: (حين خلق آدم من الأرض ثم خلقكم من آدم).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ اللَّه خَلَقَ آدمَ من قُبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدمَ على قَدْرِ الأرض، فجاءَ مِنْهم الأحْمَرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهْلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطَّيِّبُ] (٣).\nفالمعنى: هو تعالى ﴿أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ -أي: بصير بأحوالكم وما يصدر عنكم، فهو يعلم ما يقع منكم في سابق علمه قبل أن يخلقكم، فقد أنشأ أباكم من الأرض ثم استخرج ذريته من صلبه فقسمهم فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وابن حبان في \"صحيحه\"، والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وكان من أصحاب النبي -ﷺ-، مرفوعًا. [إنّ اللَّه ﷿ خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول اللَّه فعلى ماذا نعمل؟ قال على مواقع القدر] (٤).\nوأخرج أبو يعلى في \"مسنده\" بسند صحيح لغيره عن أنس مرفوعًا: [إنّ اللَّه ﷿\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٥٨) - كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة. قال عبد الأعلى -أحد الرواة-: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: \"اعمل ما شئت\".\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٥٥) - كتاب التوبة. باب في سعة رحمة اللَّه تعالى، وأنها تغلب غضبه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٦)، والترمذي وقال حسن صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٥٥)، ورواه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٣٢٧)، (٣٨٥).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٨٦)، وابن حبان (١٨٠٦)، والحاكم (١/ ٣١) وسنده صحيح.","vol":"7","page":488},{"text":"قبض قبضة فقال: في الجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: في النار ولا أبالي] (١).\nوقوله: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. أي: وهو -تعالى- أعلم بأحوالكم حين أنتم حمل لم تولدوا ولم تخرجوا من بطون أمهاتكم.\nأخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ اللَّه تعالى وكَّلَ بالرحم ملكًا يقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد اللَّه أن يقضي خلقها قال: أي رب شقي أو سعيد؟ ذكر أو أنثى؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتبُ كذلك في بطن أمه] (٢).\nوقوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال زيد بن أسلم: (يقول: فلا تبرئوها). قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: فلا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي).\nوقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. أي: اللَّه أعلم -يا محمد- بمن خاف مقام ربه وعظّم شرعه وحرص بصدق على النجاة من عقابه.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n- قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.\nومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: [سَمَّيْتُ ابنتي بَرَّةَ، فقالتْ لي زينبُ بِنْتُ أبي سَلَمَةَ: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- نهى عن هذا الاسم، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا تُزكُّوا أنْفُسَكم، اللَّهُ أعْلَمُ بأهل البِرِّ مِنكُم\". فقالوا: بِمَ نُسَمِّيها؟ قال: سَمُّوها زَيْنَبَ] (٣).\nورواه مسلم عن أبي هريرة: [أنّ زينبَ كان اسْمُها بَرَّة، فقيل: تُزَكِّي نَفْسَها، فسَمّاها رسول اللَّه -ﷺ- زينب] (٤).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرة عن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١٧١/ ٢)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦٦/ ٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٧)، (٤٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٤٦) - كتاب القدر، وانظر كذلك (٢٦٤٥)، ورواه أحمد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٤٢) ح (١٩) - كتاب الآداب، وكذلك ح (١٨).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢١٤١) - كتاب الآداب. باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية ونحوهما.","vol":"7","page":489},{"text":"أبيه قال: [أثنى رجلٌ على رَجُلٍ عند النبي -ﷺ- فقال: \"وَيْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبك\"، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ مِرارًا. ثم قال: مَنْ كان مِنكم مادِحًا أخاه لا مَحالةَ فَلْيَقُل: أَحْسِبُ فُلانًا واللَّه حَسيبُهُ، ولا أُزكِّي على اللَّه أحدًا، أَحْسبُه كذا وكذا، إنْ كان يعلمُ ذلك منْه] (١).\nالحديث الثالث: روى مسلم وأبو داود والترمذي عن هَمّام، قال: جاء رجل فأثنى على عثمان في وجهه، فأخذ المقداد بن الأسود ترابًا فحثا في وجهه، وقال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا لقيتُم المَدَّاحين فاحْثوا في وجوههم التراب] (٢).\n\n٣٣ - ٤١. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ أهل الإعراض والكبر، وتقرير أنه لا يحمل أحدٌ عن أحد الإثم والوزر، واللَّه تعالى لا يضيع لأحد استحقاقه من الثواب والأجر.\nفقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾. ذمٌّ من اللَّه لمن تولى عن طاعته فلا صدّق ولا صلى، ولكن كذّب وتولى. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان باللَّه، وأعرض عنه وعن دينه).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. أي أطاع قليلًا وأنفق ثم انقطع وأمسك وبخل. قال ابن عباس: (أطاع قليلًا ثم قطعه). وقال مجاهد: (﴿وَأَكْدَى﴾: انقطع عطاؤه). وقال قتادة: (أعطى قليلًا، ثم قطع ذلك). قال القرطبي: (وأصل \"أَكْدى\" من الكُدْية، يقال لمن حَفَر بئرًا ثم بلغ إلى حجر لا يتهيأ له فيه حَفْر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يُتَمِّم، ولمن طلب شيئًا ولم يبلغ آخره). وقال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٦٢) - كتاب الشهادات، وأخرجه مسلم (٣٠٠٠) ح (٦٥) وأبو داود (٤٨٠٥)، وأحمد (٥/ ٤١)، (٥/ ٤٥)، وابن حبان (٥٧٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠٠٢)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٣٩)، وأبو داود (٤٨٠٤)، والترمذي (٢٣٩٣)، وابن ماجة (٣٧٤٢)، وأحمد (٥/ ٦).","vol":"7","page":490},{"text":"الكسائي: (أكْدى الحافرُ وأَجبل إذا بلغ في حَفْره كُدْية أو جبلًا فلا يمكنه أن يَحفِر).\nوقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. قال ابن كثير: (أي: أعندَ هذا الذي قد أمسكَ يده خشية الإنفاق، وقَطَعَ معروفَه، أعندهُ علمُ الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عِيانًا؟ ! أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسكَ عن الصَّدقة والمعروف والبرِّ والصلة بُخلًا وشُحًّا وهَلَعًا).\nفالآية ذمٌّ لسلوك أهل البخل والشح الذين لا يثقون بإخلاف اللَّه الرزق لهم عقب الصدقات والإنفاق في سبيل اللَّه.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٨ - ١١].\nوفي صحيح مسلم عن جابر، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فان الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النَّبيَّ -ﷺ- قال: [ما مِنْ يوم يُصْبحُ العِبادُ فيه إلا مَلكانِ ينزلانِ فيقول أحدهما: اللهم أعط مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخرُ: اللهم أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا] (٢).\nوفي معجم الطبراني ومسند أبي يعلى بسند حسن من حديث بلال مرفوعًا: [أنفق بلالًا، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾. أي: أم لم يخبر بما في التوراة التي أنزلها اللَّه سبحانه على موسى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٧٨) - كتاب البر والصلة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٤٢) - كتاب الزكاة. وأخرجه مسلم (١٠١٠)، وغيرهما.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الطبراني (١٠٢٠)، وأبو يعلى (٦٠٤٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٢٨٠)، وحسن إسناده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٢٦).","vol":"7","page":491},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. أي: وبما في صحف إبراهيم الذي أحسن الوفاء للَّه، وأخلص الانقياد والطاعة. قال ابن عباس: (﴿وَفَّى﴾ للَّه بالبلاغ). وقال سعيد بن جبير: (بلَّغ جميع ما أُمِرَ به). وقال قتادة: (﴿وَفَّى﴾ طاعة اللَّه، وأدّى رسالته إلى خلفه). وقول قتادة شامل لما سبق في تأويل هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. بيان من اللَّه سبحانه لما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى، أن وزر كل نفس إنما هو عليها لا يحمله عنها أحد. كما قال جل ذكره: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ- حين أُنْزِلَ عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من اللَّه، لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد المُطَّلبِ! لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنكَ من اللَّه شيئًا. يا صَفِيَّةُ! عَمَّةَ رسول اللَّه -ﷺ- لا أغني عنك من اللَّه شيئًا. يا فاطمةُ! بنت رسول اللَّه سليني ما شِئت، لا أغني عنك من اللَّه شيئًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. أي: أو لم يُنبأ كذلك أنه لا يجازى عامل إلا بعمله، فكما لا يُحْمَلُ عليه وِزْرُ غيره، كذلك لا يأخذ من الأجو إلا من كسبه وسعيه.\nوقد ثبت انتفاع العبد من عمل غيره بأمور:\n١ - دعاء المسلم له، إن توفرت فيه شروط القبول.\nففي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].\nوفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء، عن النبي -ﷺ- قال: [دعوةُ المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملكٌ مُوَكَّل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكَّلُ به: آمين ولك بمثل] (٢).\nوفي صحيح أبي داود عن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: [كان النبي -ﷺ- إذا فرغ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠٦) - كتاب الإيمان، وانظر كذلك الحديث (٢٠٤) منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٨٦) - كتاب الدعاء. باب: الدعاء للمسلم بظهر الغيب.","vol":"7","page":492},{"text":"من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل] (١).\n٢ - قضاء وليِّ الميت صومَ النذر عنه.\nففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [مَنْ مات وعليه صيام، صامَ عنه وليُّه] (٢).\nوأخرج أبو داود عن ابن عباس ﵁: [أن امرأة ركبت البحر فَنَذَرتْ، إِنِ اللَّه ﵎ أنجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها اللَّه ﷿، فلم تَصُم حتى ماتت، فجاءت قرابَةٌ لها (إما أختُها أو ابنتُها) إلى النبي -ﷺ-، فذكرت ذلك له، فقال: أرأيتُك لو كان عليها دَيْنٌ كنتِ تَقْضِينَه؟ قالت: نعم. قال: فدينُ اللَّه أحق أن يُقضى، فاقض عن أمِّك] (٣).\nقال أبو داود في \"المسائل\" (٩٦). (سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يُصام عن الميت إلا في النذر).\n٣ - قضاء الدَّين عنه من أي شخصٍ موليًا كان أو غيره.\nفقد أخرج الحاكم بسند صحيح من حديث جابر قال: [مات رجل، فغسلناه، وكفَّناه وحَنَّطْناهُ، ووضعناه لرسول اللَّه -ﷺ- حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول اللَّه -ﷺ- بالصلاة عليه، فجاء معنا، فتخطّى خُطًا، ثم قال: لعل على صاحبكم دينًا؟ قالوا: نعم ديناران، فتخلّف، فقال له رجل منا يُقال له أبو قتادة: يا رسول اللَّه هما عليّ، فجعل رسول اللَّه -ﷺ- يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلّى عليه] (٤).\n٤ - الأعمال الصالحة من الولد الصالح.\nفإن لوالديه مثلَ أجره، دون أن يَنقُصَ من أجره شيء، لأن الولد من سعيهما وكسبهما، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ٧٠)، وصححه الألباني في \"أحكام الجنائز\" (١٠٧) ص (١٥٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم فى الصحيح (٣/ ١٥٥) - كتاب الصيام. باب: قضاء الصيام عن الميت، من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٨٢٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٥٨)، وانظر: \"أحكام الجنائز\" (١٧) ص (١٦).","vol":"7","page":493},{"text":"وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ أطيبَ ما أكلَ الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه] (١).\nوله شاهد في المسند وبعض السنن عنها بلفظ: [إنّ أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم].\nومن تلك الأعمال الصدقة والصيام والعتق ونحوه لأحاديث، منها:\nأ- أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: [أنّ رجلًا قال: إنّ أمي افْتُلِتَت نفسُها -أي ماتت فجأة- ولم تُوص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدّقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم، فتصدق عنها] (٢).\nب - أخرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة ﵁: [أنّ رجلًا قال للنبي -ﷺ-: إنّ أبي مات وترك مالًا ولم يُوص، فهل يكفِّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم] (٣).\nج - أخرج أبو داود من حديث عبد اللَّه بن عمرو: [أنّ العاصَ بن وائل السَّهمي أوصى أنْ يُعْتَقَ عنه مئةُ رقبة، فأعتق ابنهُ هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يُعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول اللَّه -ﷺ-، فأتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه إنَّ أبي أوصى أن يُعتق عنه مئة رقبةٍ، وإنَّ هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتِقُ عنه؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (إنّه لو كان مسلمًا فأعتقتم أو تصدَّقتم عنه، أو حَجَجْتُم عنه بلغه ذلك) وفي لفظ: (فلو كان أقَرَّ بالتوحيد فصُمت وتصدّقت عنه نفعه ذلك)] (٤).\nفائدة: كل الأحاديث تفيد أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابُها. قال الشوكاني: (فيخصَّص بهذه الأحاديث عمومُ قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٠١٣)، وللشاهد بعده (٣٠١٥)، ورواه أحمد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٩٨)، وأخرجه مسلم (٣/ ٨١)، وغيرهما.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥/ ٧٣)، وانظر تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢/ ١٢٢٤ - ١٢٢٩).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أبو داود في الوصايا (٢/ ١٥)، وانظر \"أحكام الجنائز\" ص (١٧٣).","vol":"7","page":494},{"text":"التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العموميات القرآنية أنه لا يصلُ ثوابُهُ إلى الميت، فيوقَفُ عليها، حتى يأتي دليلٌ يقتضي تخصيصها) (١).\nوقد استنبط الشافعي ﵀ من الآية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ أن القراءة لا يصل إهداءُ ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم. ذكره الحافظ ابن كثير في \"التفسير\" ثم قال: (ولهذا لم يندبُ إليه رسول اللَّه -ﷺ- أمته ولا حَثَّهم عليه).\nوقال العزّ بن عبد السلام: (ومن فعل طاعة للَّه تعالى، ثم أهدى ثوابها إلى حيّ أو ميت، لم يُنْتقل ثوابُها إليه، إذ ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فإن شَرَعَ في الطاعة ناويًا أن يقع عن الميت لم يقع عنه، إلا فيما استثناه الشرعُ كالصدقة والصوم والحج) (٢).\n٥ - الآثار الصالحة والصدقات الجارية يخلفها الميت.\nففي التنزيل: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة أشياء: إلا من صدقة جارية، أو علمٍ يُنْتفَعُ به، أو ولدٍ صالح يدعو له] (٣).\nوفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علمًا علَّمَهُ ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومُصْحَفًا ورَّثَهُ، أو مسجدًا بناهُ، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقُهُ من بعد موته] (٤).\nوالخلاصة: يصل إلى الميت من الحي: الدعاء، وصوم النذر من الولي، وقضاء الدين، وأعمال الصلاح من الولد الصالح، والحج عنه حالة وصيته بذلك، وينتفع بالآثار الصالحة والصدقات الجارية التي خلفها، وأما العبادات البدنية كالصلاة والصوم وقراءة القرآن والذكر فالراجح عدم وصولها، وبه قال الشافعي ومالك وكثير من العلماء المحققين ﵏ جميعًا.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام الجنائز\" ص (١٧٣) - نقلًا عن \"نيل الأوطار\" للشوكاني.\n(٢) المرجع السابق ص (١٧٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٢٢٨ - ١٢٢٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥/ ٧٣) - كتاب الوقف. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٠٠١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٢٤٢). انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٩٨).","vol":"7","page":495},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. بشارة للمؤمن ونذارة للكافر، أي: وأن نتائج سعيه سيراها في صحيفته يوم القيامة، ثم ينال أوفر الجزاء وأتمّه وأعدله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرّ. قال النسفي: (أي يرى هو سعيه يوم القيامة في ميزانه، ثم يجزى العبد سعيه ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾). قال القاسمي: (أي يجزى سعيه جزاءً وافرًا لا يبخس منه شيئًا).\nوفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].\nوفي الصحيحين عن عائشة أن النبي -ﷺ- قال: [ليس أحد يحاسَبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليس يقول اللَّه ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (١).\nوفي الصحيحين أيضًا عن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما منكم أحدٌ إلا سيكلمه ربه، ليس بينَه وبينَه ترجمان، ولا حجابٌ يَحْجُبُهُ، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قَدَّم من عمله، وينظُرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النارَ تلقاء وجهِه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة] (٢).\nوفي صحيح الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي ﵊ قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يزن هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (٣).\n\n٤٢ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٣٩)، وأخرجه مسلم (٢٨٧٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٣٩) - كتاب الرقاق. وأخرجه مسلم (١٠١٦) - كتاب الزكاة.\n(٣) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦) وسنده جيد. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).","vol":"7","page":496},{"text":"الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ أمر الخلق والفرح والحزن والحياة والموت للَّه العظيم، وتأكيد إهلاكه -تعالى- عبر الزمان القوم الظالمين.\nفقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. أي المعاد، وانتهاء جميع الخلق إليه. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه -ﷺ-: وأن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم، وهو المجازي جميعهم بأعمالهم، صالحهم وطالحهم، ومحسنهم ومسيئهم).\nأخرج الحاكم -والطبراني بنحوه- بسند صحيح لشواهده، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: [قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود! إني رسولُ رسولِ اللَّه -ﷺ-: تعلمونَ المعادَ إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. أي خلق الضحك والبكاء، والفرح والحزن، فأضحك وأفرح من شاء، وأبكى وأحزن من شاء.\nوقال عطاء بن أبي مسلم: (﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ يعني أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء). وقال الحسن: (أضحك اللَّه أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار). وقال ذو النون: (أضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بظلمة نكرته ومعصيته). وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يضحكون؟ قال: (نعم! والإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي).\nأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" -بإسناد صحيح على شرط مسلم- عن أبي هريرة قال: [خرج النبي -ﷺ- على رهط من أصحابه يضحكون ويتحدّثون، فقال: \"والذي نفسي بيده! لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٨٣)، ورواه الطبراني في \"الكبير\"، و\"الأوسط\" بنحوه كما ذكر الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٦). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٦٨).","vol":"7","page":497},{"text":"كثيرًا\". ثم انصرف -ﷺ- وأبكى القوم، وأوحى اللَّه ﷿ إليه: يا محمدُ! لِمَ تُقَنِّطُ عبادي؟ فرجع النبي -ﷺ- فقال: أبشروا، وسدِّدُوا، وقاربوا] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث عائشة مرفوعًا: [إن الكافر يزيدُه اللَّهُ ببكاءَ أهلِه عذابًا، وإن اللَّه لهو أضحك وأبْكى، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]] (٢).\nوأخرج الحاكم على شرط الشيخين عن عبد اللَّه بن قيس أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنَّ أهلَ النار ليَبْكون، حتى لو أُجريت السُّفُنُ في دموعهم، لجرت، وإنهم ليبكون الدَّم! - يعني- مكان الدَّمْعِ] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾. قال ابن بحر: (خلق الموت والحياة، كما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢]). وقيل: قضى أسباب الموت والحياة. وقيل: أمات الكافر بالكفر، وأحيا المؤمن بالإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] الآية. وقال ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦]- حكاه القرطبي. وبنحو ذلك قول عطاء: (أمات بعدله وأحيا بفضله). وقيل: (أمات الآباء وأحيا الأبناء). وقيل: (أنام وأيقظ). وقيل: (أمات في الدنيا وأحيا للبعث).\nقلت: وجميع ما سبق مما يحتمله التأويل، فإن مفهوم الحياة والموت سواء في الأبدان أو النفوس والقلوب بيده ﷾، فهو يحيي ويميت وإليه المصير.\nأخرج البخاري وابن ماجة عن حذيفة قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ-، إذا انتبه من الليل، قال: الحمد للَّه الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النُّشور] (٤).\nوفي لفظ عند البخاري: [كان النبي -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم باسمك أحيا وأموت]. وفي رواية من حديث أبي ذر بلفظ: [باسمك نموتُ ونحيا].\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٥٤)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٢٢/ ١٠٥٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١/ ١٦٢/ ١١٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣١٩٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٢٨) - كتاب الجنائز. باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥)، وله شاهد عند ابن ماجة (٤٣٢٤)، وابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" (ق ١٢/ ١). وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٦٧٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣٩٤) - (٧٣٩٥)، كتاب التوحيد، ورواه ابن ماجة في السنن (٣٨٨٠) - كتاب الدعاء، باب ما يدعو به إذا انتبه من الليل.","vol":"7","page":498},{"text":"وأخرج أحمد وابن حبان بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄، عن النبي -ﷺ- أنه قال: [إن اللَّه تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ] (١).\nفالنور: هو نور الوحي الذي به تحيا القلوب، نور النبوة والرسالات. والظلمة: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء التي تميت القلوب، ظلمة الخضوع للغرائز والشهوات.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. أي: ابتدع إنشاء الزوجين وجعل كلًا منهما زوجًا للآخر.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾. أي إذا تدفق في الرحم. يقال: مَنى وأَمْنى. قال عطاء: (مَنى الرجل وأمْنى من المَنِيّ، وسميت مِنًى بهذا الإسم لما يُمنى فيها من الدماء أي يُراق). وقال أبو عبيدة: (تمنى: تُقَدَّر). والراجح الأول. قال القرطبي: (والنطفة الماء القليل، مشتق من نَطَفَ الماءُ إذا قَطَرَ. ﴿تُمْنَى﴾ تُصَبُّ في الرحم وتراق).\nوفي التنزيل: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠].\nوفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن بسر بن جحَّاش القُرَشي، قال: بزق النبي -ﷺ- في كفه. ثم وضع أصبُعَه السبابة وقال: [يقول اللَّه ﷿: أنّى تُعْجِزُني، ابنَ آدمَ! وقَدْ خلقتُكَ مِنْ مِثْل هذه. فإذا بَلَغَتْ نفسُكَ هذه (وأشار إلى حَلْقِه) قُلْتَ: أتَصَدَّقُ. وأنّى أوانُ الصَّدقة؟] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾. أي إعادة الخلق في نشاة أخرى، فإنه - تعالى- كما خلقَ البداءة فهو قادر على الإعادة.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال مجاهد: (﴿أَغْنَى﴾: موَّل، ﴿وَأَقْنَى﴾: أخْدَم). وقال ابن عباس: (﴿أَغْنَى﴾ أعطى، ﴿وَأَقْنَى﴾: أرضى). والعرب تقول: \"أقناه\" اللَّه أي أعطاه ما يُقْتَنى من \"القِنْية\" والنَّشَب. \"وأقناه\" أيضًا: رضّاه. والقِنى: الرضا. ويقال: \"أغناه اللَّه وأقناه\" أي أعطاه ما يَسْكُنْ إليه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، (٢/ ١٩٧)، وابن حبان (١٨١٢)، والحاكم (١/ ٣٠).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٢٧٠٧) - كتاب الوصايا. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٢١٨٨).","vol":"7","page":499},{"text":"وخلاصة المعنى كما ذكر القاسمي ﵀: (﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي أغنى من شاء بالمال. و\"أقناه\" أي جعل له قنية، وهو ما يدّخره من أشرف أمواله).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال ابن عباس: (هو هذا النَّجمُ الوقَّاد الذي يُقال له: مِرِزَمُ الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه). قال النسفي: (هو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خراعة تعبدها، فأعلم اللَّه أنه رب معبودهم هذا).\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾. وهم قوم هود. وسميت الأولى لتقدمها في الزمان. وهم عاد بن إرم بن سام بن نوح، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨]. وكانوا من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على اللَّه تعالى وعلى رسوله، فدكهم اللَّه بريح صرصر عاتية، سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام متتابعة، وأما عاد الآخرة فهم من ولد عاد الأولى.\nوقد أبعد النّجعة اليوم بعض المتعالمين حين سمّى -أمريكة- بعاد الثانية، فزعم أن تلك الأولى وهذه الآخرة، جَهْلًا بتفسير كتاب اللَّه تعالى، واستخدامًا للفلسفة والرأي بدل تتبع دقائق الوحي.\nوقوله: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾. هم قوم صالح، أهلكهم اللَّه بالصيحة لما ظلموا. قال ابن جرير: (يقول جل ذكره: ولم يبق اللَّه ثمود فيتركها على طغيانها وتمرّدها على ربها مقيمة، ولكنه عاقبها بكفرها وعتوّها فأهلكها).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾. أي: وكذلك فقد أهلك سبحانه قوم نوح من قبل هؤلاء، فقد كانوا أشدَّ عنادًا وغرورًا وتمردًا من الذين من بعدهم. وفيه تسلية للنبيّ -ﷺ- وتعزية عما يلقاه من عناد قومه وكبرهم، فإن اللَّه قد أهلك من كان أكفر منهم وأطغى.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال القرطبي: (يعني مدائن قوم لوط ﵇ ائتفكت بهم، أي انقلبت وصار عاليها سافلها. يقال: أَفَكْته أي، قلبته وصرفته. ﴿أَهْوَى﴾ أي خسف بهم بعد رفعها إلى السماء، رفعها جبريل ثم أهوى بها إلى الأرض).\nوقوله تعالى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. قال قتادة: (الحجارة). وقال ابن زيد: (الحجارة التي رماهم بها من السماء). وقوله: ﴿مَا غَشَّى﴾ تعظيم وتهويل لما صبّ عليها من","vol":"7","page":500},{"text":"العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود، كما قال جل ذكره: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣].\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾. قال النسفي: (﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ﴾ أيها المخاطب ﴿تَتَمَارَى﴾ تتشكك بما أولاك من النعم أو بما كفاك من النقم، أو بأي نعم ربك الدالة على وحدانيته وربوبيته تشكك).\n\n٥٦ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول جل ذكره: هذا محمد -ﷺ- أيها الناس- نذير من جنس الرسل من قبله الذين أنذروا قومهم، كما أن هذا البيان نذير يشبه ما أُنذر به الأولون في الكتب المتقدمة. وتأكيد اقتراب الساعة والناس في لهو وغفلة، وأولى بهم أن يلتفتوا لما ينجيهم من السجود للَّه وتعظيمه وحده.\nفقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال قتادة: (أنذر محمد -ﷺ- كما أنذرت الرسل من قبله). وقال: (إنما بعث محمد -ﷺ- بما بعث الرسل قبله). وقال أبو مالك: (﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ مما أنذروا به قومهم في صحف إبراهيم وموسى).\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ مثلي ومثلَ ما بعثني اللَّه ﷿ به كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بِعَيْنيَّ، وإني أنا النذير العُرْيان] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. قال ابن عباس: (من أسماء يوم القيامة، عَظَّمَهُ اللَّه، وحذّره عباده). وقال مجاهد: (﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ قال: اقتربت الساعة). فالمعنى: اقتربت القريبة، وهي القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يدفعُها إذن من دون اللَّه أحدٌ، ولا يَطلِعُ على عِلمها سواهُ).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٢٨٣) - كتاب الفضائل، وهو جزء من حديث أطول.","vol":"7","page":501},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾. إنكار على المشركين استماعهم القرآن ثم إعراضهم عنه وعجبهم أن يكون نزل على محمد -ﷺ-.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾. قال ابن جرير: (وتضحكون منه استهزاءً به، ولا تبكون مما فيه من الوعيد لأهل معاصي اللَّه، وأنتم من أهل معاصيه).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال ابن عباس: (هو الغناء بالحميرية، سمد لنا: غنّى لنا). وقال مجاهد: (هو الغناء، يقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غنى). وقال الضحاك: (السُّمود: اللهو واللعب). وقال عكرمة، عن ابن عباس: (كانوا إذا سمعوا القرآن تَغَنَّوا ولعبوا). وقال الحسن: (﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾: غافلون).\nوالآية تشبه قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦ - ٦٧]. قال سعيد بن جبير: (يسمرون بالليل يخوضون في الباطل). وقال مجاهد: (بالقول السَّيِئ في القرآن). وأصل السَّمر: الحديث بالليل.\nوالخلاصة: أنَّ كفار مكة لما طغوا أخذوا يَسْمُرون بالليل يتغنون بكلام فاحش يؤذي اللَّه ورسوله، ويتمادون بلغو القول وهم يَهْذون ويلعبون ويطربون، فعَاب اللَّه ذلك عليهم في هذه الآيات التي تحمل لهم التهديد والوعيد.\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. أي: فلربكم -أيها الناس- فاسجدوا مخبتين، وأخلصوا له العبادة والتعظيم. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن المراد سجود التلاوة، والأول أرجح.\nوقد تقدّم أول السورة حديث الإمام البخاري عن ابن عباس: [أنَّ النبي -ﷺ- سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس] (١).\nوله شاهد عند الدارقطني عن أبي هريرة أنه قال: [إن النبي -ﷺ- سجد في سورة النجم وسجدنا معه].\nوروى الجماعة إلا ابن ماجة عن زيد بن ثابت قال: [قرأت على النبي -ﷺ- والنجم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٤٨٦٢) - كتاب التفسير، سورة النجم، باب ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.","vol":"7","page":502},{"text":"فلم يسجد فيها] (١). ورجّح الحافظ في الفتح أن الترك كان لبيان الجواز.\n\nتم تفسير سورة النجم بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه الاثنين ٩ - شوال - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٢ - أيلول - ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٧٢)، (١٠٧٣)، ومسلم (٥٧٧)، وأبو داود (١٤٠٤)، و(١٤٠٥)، والترمذي (٣٧٦)، والدارمي (٢/ ٣٤٣)، وأحمد (٥/ ١٨٦)، والنسائي (٢/ ١٦٠).","vol":"7","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - اللَّه تعالى يقسم بما شاء من خلقه، أما المخلوق فلا يحق له أن يقسم إلا بالخالق.\n٢ - أمرُه -ﷺ- لابن عمرو بكتابة حديثه نَسْخٌ لأمره بعدم الكتابة.\n٣ - جبريل ﵇ هو الذي دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، وحديثه -ﷺ-: \"أتاني ربي في أحسن صورة\" يعني في المنام، ولم تثبت رؤية اللَّه لأحد في الدنيا.\n٤ - أمر -ﷺ- بعض أصحابه فهدموا كل وثن في الجزيرة العربية.\n٥ - الظن المذموم هو ظن السوء، واجتناب الكبائر يكفر الصغائر، واستمرار الصغائر بريد للكبائر.\n٦ - النهي عن تزكية النفس والمدح في الوجه.\n٧ - الشافعي ﵀ يفتي بعدم وصول قراءة القرآن للأموات.\n٨ - الذي خلق الإنسان من نطفة هو الذي يبعثه بعد موته.\n٩ - إن الكافر يزيدُه اللَّه ببكاء أهله عذابًا، وإن اللَّه لهو أضحك وأبكى.\n١٠ - إن اللَّه تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ.\n١١ - لما قرأ النبي -ﷺ- ﴿فَاسْجُدُوا﴾ سجد، فسجد المؤمنون والمشركون، والجن والإنس.\n١٢ - ترك السجود أحيانًا -سجود التلاوة- يدل على عدم الوجوب.\n* * *","vol":"7","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>٥٤ - سورة القمر</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٥).\nروى مسلم في صحيحه عن عُبيد اللَّه بنِ عبد اللَّه، أنَّ عُمرَ بن الخطاب سأل أبا واقد اللَّيْثي: ما كان يَقْرَأُ به رسول اللَّه -ﷺ- في الأضحى والفِطْر؟ فقال: [كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>موضوع السورة</span>\nاقتراب الساعة وحادثة انشقاق القمر وقصة تكذيب الأمم واتهام الحق بالسحر\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-316> منهاج السورة</span>-\n١ - التنبيه على اقتراب الساعة، وحادثة انشقاق القمر، ومقابلة المشركين ذلك الحدث بالسحر والتكذيب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٩١)، كتاب صلاة العيدين، وأخرجه مالك (١/ ١٨٠)، وأحمد (٥/ ٢١٧)، وأبو داود (١١٥٤)، والترمذي (٥٣٤)، والنسائي (٣/ ١٨٣)، وابن ماجة (١٢٨٢)، وابن حبان (٢٨٢٠) من حديث أبي واقد الليثي.","vol":"7","page":505},{"text":"٢ - تسليةُ اللَّه نبيّه بالإعراض عن المشركين، الذين كذبوا بآية انشقاق القمر وكانوا بها كافرين، والوعيد بنزول الانتقام منهم يوم الدين.\n٣ - قصة تكذيب الرسل منذ كذب قوم نوح رسولهم -أول الرسل ﵊-، فدعا على قومه حين استعصوا فأنزل اللَّه بهم الانتقام. وجعل إهلاكهم آية باقية عبر الزمان.\n٤ - قصة تكذيب عاد رسولهم، وإرسال اللَّه عليهم الريح لاستئصالهم.\n٥ - قصة تكذيب ثمود رسولهم، وإرسال اللَّه عليهم الصيحة لإهلاكهم.\n٦ - قصة تكذيب قوم لوط رسولهم، وتدمير اللَّه قريتهم على رؤوسهم.\n٧ - قصة تكذيب آل فرعون رسولهم، وانتقام اللَّه منهم بإغراقهم.\n٨ - ليس كفار مكة ببعيد إهلاكهم إن تمادوا بالكفر شأن من سبقهم.\n٩ - سوء مصير المجرمين في عذاب الهون في الجحيم، وكل شيء قدّره اللَّه إلى يوم الدين.\n١٠ - سعادة المؤمنين في روضات جنات النعيم، يتنعمون بالملذات من اللَّه المنعم الكريم.\n* * *","vol":"7","page":506},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: التنبيهُ على اقتراب الساعة للغافلين، وانشقاق القمر بمكة أمام أعين المشركين، ومقابلتهم ذلك بالتكذيب والاتهام بالسحر شأن الأولين المستكبرين.\nفقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. أي: قربت ودنت الساعة التي تقومِ فيها القيامة. وهو كقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]. وكقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]. وكقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. قال ابن جرير: (﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: هذا من اللَّه تعالى ذكره إنذار لعباده بدنوّ القيامة، وقرب فناء الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم، وهم عنها في غفلة ساهون).\nومن كنوز السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵁ قال: [رأيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال لإصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام: بُعِثْتُ والساعة كهاتين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند على شرط الشيخين عن إسماعيل بن عُبَيد اللَّه قال: قدِم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فسأله: ماذا سَمِعْتَ من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٣٦)، كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (٢٩٥٠)، كتاب الفتن، ورواه أحمد في المسند (٥/ ٣٣٨).","vol":"7","page":507},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- يذكرُ به السَّاعة؟ فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [أنتم والسَّاعةُ كهاتين] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الحافظ أبو بكر البزار بسند حسن عن قتادة، عن أنس: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- خَطَبَ أصحابَه ذات يوم، وقد كادت الشَّمسُ أن تَغْرُبَ فلم يَبْقَ منها إلا شِفٌّ يسير، فقال: \"والذي نفسي بيده ما بقيَ من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه\"، وما نرى من الشَّمس إلا يسيرًا] (٢). والشف اليسير: الشيء القليل.\nوله شاهد عند الإمام أحمد عن ابن عمر قال: [كنا جلوسًا عند النبي -ﷺ- والشمسُ على قُعَيقعانَ بعد العصر، فقال: ما أعمارُكم في أعمار من مَضى إلا كما بَقِيَ من النَّهار فيما مضى] (٣).\nالحديث الرابع: روى مسلم في الصحيح عن خالد بن عُمَيْر العدوي قال: [خطبنا عُتْبَةُ بن غزوانَ، فَحمدَ اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أمَّا بَعْدُ، فإن الدنيا قد آذَنَتْ بِصُرْمٍ (٤) ووَلّت حَذَّاءَ (٥)، ولم يثقَ منها إلا صُبَابَةٌ (٦) كَصُبابَةِ الإناء، يَتَصَابُّها صاحِبُها، وإنَّكم مُنْتَقِلون منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانْتَقِلُوا بِخَيْرِ ما بِحضرتِكُم، فإنه قد ذُكِرَ لنا أن الحجرَ يُلْقى من شَفَةِ جَهَنَّمَ، فيهوي فيها سبعين عامًا لا يُدْرِكُ لها قَعْرًا، وواللَّه! لتُمْلأَنَّ، أفَعَجِبْتُم؟ ولقد ذُكِرَ لنا أنَ ما بَيْنَ مِصْراعَيْن مِنْ مصاريعِ الجنة مَسيرةُ أربعين سنةً، وليأتِيَنَّ عليها يومٌ وهو كَظِيظٌ من الزِّحَام] (٧).\nوقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. أي: وانفلق القمر، وذلك أيام كان رسول اللَّه -ﷺ- بمكة قبل الهجرة. فإنه أمام إلحاح المشركين في رؤية معجزة حسية لتصديق النبوة، استجاب اللَّه تعالى لذلك فأراهم آية انشقاق القمر نصفين حتى رأوا جبل حراء بينهما.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٣)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم، وله شواهد.\n(٢) حديث حسن. أخرجه البزار كما في \"المجمع\" (١٠/ ٣١١)، وذكره الذهبي في \"الميزان\" (٨٨٥٨) وقال: (قال ابن عدي: رأيت أحمد بن حنبل صحَّحَ هذه الرواية).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١١٦)، وإسناده حسن في الشواهد. وقعيقعان: جبل بمكة.\n(٤) الصرم: الانقطاع والذهاب.\n(٥) حَذّاء: مسرعة الانقطاع.\n(٦) صبابة: البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء.\n(٧) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٩٦٧)، كتاب الزهد، ورواه أحمد في المسند (٤/ ١٧٤).","vol":"7","page":508},{"text":"فقد أخرج البخاري عن أنس ﵁: [أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه -ﷺ- أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّتَين حتى رأوا حراءً بينهما] (١).\nوقد رواها الإمام البخاري أيضًا عن شاهد عيان وهو عبد اللَّه بن مسعود ﵁ حيث قال: [انشق القمر ونحن مع النبي -ﷺ- بمِنى فقال: اشهدوا، فذهبت فرقة نحو الجبل] (٢).\nوقد بَيَّنَ الإمام الترمذي في جامعه ترافق ذلك مع نزول آية القمر، حيث روى عن أنس ﵁ قال: [سأل أهلُ مكة النبي -ﷺ- آية، فانشق القمر بمكة مرتين فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي ذاهب] (٣).\nوكذلك فقد روى الترمذي وصفًا بديعًا للحدث عن ابن مسعود قال: [بينما نحن مع رسول اللَّه -ﷺ- بمنى، فانشق القمر فلقتين: فلقة من وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول اللَّه -ﷺ-: \"اشهدوا\" يعني: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾] (٤).\nوأخرج الطبراني بسند حسن عن عكرمة، عن ابن عباس قال: [كُسِفَ القمر على عهد رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: سُحِرَ القَمَرُ. فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إلى قوله ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾] (٥).\nوقد أورده الحافظ ابن كثير في \"البداية والنهاية\" وقال: (سنده جيد، وفيه أنه كسف تلك الليلة، فلعله حصل له انشقاق في ليلة كسوفه، ولهذا خفي أمره على كثير من أهل الأرض).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.\nأي: وإن يبصر هؤلاء المشركون دليلًا وحجَّة وبرهانًا ساطعًا لا يقرون بالحق ولا ينقادون له، بل يعرضون ويتكبرون ويتهمون ما رأوه بالسحر الذاهب المضمحل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/ ١٨٢)، وانظر صحيح الترمذي (٢٦١٩) نحوه.\n(٢) حديث صحيح. انظر فتح الباري (٦/ ٦٣١)، وصحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح الترمذي (٢٦٢٠)، وصحيح البخاري (٣٦٣٧)، وصحيح مسلم (٨/ ١٣٣) دون قوله: \"فنزلت\"، وقال البخاري: \"فرقتين\" بدل \"مرتين\"، وهي رواية مسلم.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦١٩)، كتاب التفسير، سورة القمر، وأصله في الصحيحين، وقد مضى نحوه من حديث أنس وابن مسعود.\n(٥) حديث حسن. أخرجه الطبراني (١١/ ١١٦٤٢)، ورجاله رجال الصحيح، وله شواهد.","vol":"7","page":509},{"text":"الذي لا دوام له. قال مجاهد: (﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾: ذاهب)، وهو من قولهم: مَرَّ الشيء واستمر إذا ذهب. وقال الضحاك: (محكم قوي شديد)، وهو من المِرَّة وهي القوة. والأول أرجح لورود النص فيه.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن جبير بن مطعم قال: [انشق القمر على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، حتى صار فرقتين، على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقال بعضهم: لئن كان سحرنا، فما يستطيع أن يسحر الناس كلهم] (١).\nوأخرج البيهقي فىِ \"الدلائل\"، والطيالسي بنحوه، عن مسروق، عن عبد اللَّه قال: [انْشَقَّ القمرُ بِمَكَّةَ حتى صار فِرْقَتين، فقال كُفَّار قريش أهل مكة: هذا سِحْرٌ سَحَرَكم به ابنُ أبي كَبْشَةَ، انظروا السُّفَّار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتُم فَهُوَ سِحْرٌ سَحَرَكُم به. قال: فَسُئِلَ السُّفَّار، قال: وقَدِموا من كل وجهٍ، فقالوا: رأيناه] (٢).\nولفظ الطيالسي: قال عبد اللَّه بن مسعود: [انشَقَّ القمرُ على عهد رسول اللَّه -ﷺ- فقالت قريشٌ: هذا سِحْرُ ابن أبي كبشة. قال: انظروا ما يأتيكم به السُّفَّار، فإن محمدًا لا يستطيعُ أن يسحَرَ الناس كُلَّهم. قال: فجاء السُّفَّار فقالوا ذلك] (٣).\nوالخلاصة: لقد علّل المشركون تلك الآية العظيمة بالسحر الذي كانوا عادة يفرون من الحقيقة بالاتهام به، فقد اتهموا الرسول -ﷺ- به من قبل، ولكنّ اللَّه حاجَّهم بالمعجزات الحسية شأن الأمم قبلهم، ليحق عليهم ما حقَّ على الأمم الذين كذبوا وعاندوا من قبلهم.\nوفي التنزيل: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].\nوتأويل الآية: أي كما أن معجزة صالح -ﷺ- لم تنفع في جلب ثمود إلى الإيمان، فإن المشركين من قريش لن تنفعهم معجزة يعطيها اللَّه لمحمد ﵊،\n_________\n(١) صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٢٢)، كتاب التفسير، سورة القمر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٢٦٦)، وإسناده على شرط الصحيح. وأخرجه الطبري (٣٢٦٩٩) من وجه آخر، وإسناده على شرط الشيخين، وله طرق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطيالسي (٢٩٥)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم.","vol":"7","page":510},{"text":"قياسًا على عبر التاريخ والزمان، وعلى سنة الأولين مع رسلهم عَبْرَ القرون والدهور والأيام.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾.\nأي: وكذّب هؤلاء المشركون من قريش ما جاءهم من آيات اللَّه، وقد عاينوا القمر وقد انفلق فلقتين، وآثروا اتباع أهواء نفوسهم من التكذيب بما يثبت نبوة محمد -ﷺ-، وكل أمر وعدهم اللَّه أو قدّره كائن في وقته، وسيثبت ويستقر عند ظهور العقاب والثواب.\nوعن قتادة: (﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾: أي بأهل الخير الخير، وبأهل الشر الشر). وقال ابن جريج: (مستقر بأهله). وقال مجاهد: (﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: يوم القيامة). وقال السدي: (﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: واقع).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾. أي: ولقد جاءهم في هذا القرآن من أخبار الأمم قبلهم وقصص هلاكهم عند تكذيبهم الرسل، ما فيه عظة وعبرة لمن يعتبر. وعن مجاهد: (قوله: ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ قال: منتهى).\nوقوله: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَة﴾. فيه أكثر من تأويل يناسب السياق:\n١ - يعني القرآن، وهو بدل من \"ما\" من قوله: ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾. حكاه القرطبي.\n٢ - هو حكمة، أي خبر لمبتدأ محذوف. ﴿بَالِغَةٌ﴾: أي حكمة قد بلغت غايتها من الإحكام والتنزه عن الخلل، ومن الاشتمال على البراهين السَاطعة والحجج التي كل منها كالجبل.\n٣ - جملة مستأنفة للتعجب من حالهم، مع ما جاءهم مما يقود إلى الإيمان بادئ بدء. -حكاه القاسمي- وقال: (وهو ما يفهم من تأويل ابن كثير. وعبارته ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ أي في هدايته تعالى لمن هداه، وإضلاله لمن أضله).\nوقوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. النذر إما جمع نذير، أو تكون بمعنى الإنذار. وهناك تأويلان حسب موقع \"ما\" من الإعراب:\nأ- \"ما\" نافية. أي ليست تغني عنهم النذر. قال ابن جرير: (فليست تغني عنهم النذر ولا ينتفعون بها، لإعراضهم عنها وتكذيبهم بها).\n٢ - \"ما\" -بمعنى \"أنّى\"- استفهام يفيد التوبيخ. قال القرطبي: (أي فأي شيء تغني","vol":"7","page":511},{"text":"النذر عنهم وهم معرضون عنها). وقال ابن كثير: (يعني: أيُّ شيء تغني النذر عَمَّن كتب اللَّه عليه الشقاوة، وختم على قلبه؟ فمن الذي يهديه من بعد اللَّه؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]).\n\n٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- بالإعراض عن المشركين، وتَرَقُّبِ نزول الانتقام بهم يوم الدين، يوم هم على النار يفتنون.\nفقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. أي: فأعرض عن هؤلاء المشركين من قومك -يا محمد- الذين إن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر، وانتظر لهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾. قال ابن كثير: (إلى شيء مُنكَر فَظِيع، وهو موقف الحساب، وما فيه من البلاء، بل والزلازل والأهوال).\nوقوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾. قال قتادة: (أي ذليلة أبصارهم). قال القرطبي: (الخشوع في البصر الخضوع والذلّة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن أثر العزّ والذّل يتبين في ناظر الإنسان، قال اللَّه تعالى: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٩]. وقال تعالى: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]).\nوقوله: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾. أي من القبور، واحدها جدث.\nوقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾. أي: كأنهم في انتشارهم -بعد خروجهم من قبورهم- وسعيهم إلى موقف الحساب جراد منتشر في الآفاق.\nوقوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾. أي: مسرعين بنظرهم قِبَل داعيهم إلى ذلك الموقف الرهيب، فلا يخالفون ولا يتأخرون. قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾: أي عامدين إلى الداع). وقال النسفي: (مسرعين مادي أعناقهم إليه).\nوقوله: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾. أي صعب شديد، عبوس قمطرير، كثير الأهوال والشدائد. قال ابن جرير: (وإنما وصفوه بالعسر لشدة أهواله وبلْباله). قال اللَّه","vol":"7","page":512},{"text":"تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠].\nوفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق] (١).\n\n٩ - ١٧. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: قصة تكذيب الرسل منذ كَذَّبَ قوم نوح نبيهم ﵇، فلجأ إلى اللَّه بالدعاء حين استعصوا فجاء الانتقام، وجعل سبحانه قصة إهلاكهم آية تتناقلها الأجيال على مرّ الزمان.\nفقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾. تهديد للمشركين من أهل مكة، وتسلية للنبي -ﷺ- عما يلقاه من أذاهم وتكذيبهم.\nوقوله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾. قال مجاهد: (استطير جنونًا). وقال مجاهد أيضًا: (استعر جنونًا). وقال ابن زيد: (اتهموه وزجروه وأوعدوه لئن لم يفعل ليكوننّ من المرجومين، وقرأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]). وكلا المعنيين متوجه مناسب للسياق.\nوقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فدعا نوح ربه: إن قومي قد غلبوني، تمرّدًا وعتوًّا، ولا طاقة لي بهم، فانتصر منهم بعقاب من عندك على كفرهم بك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٩٤٠)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٦٦) في أثناء حديث طويل.","vol":"7","page":513},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾. قال السدي: (هو الكثير).\nوالمقصود: فأجبنا نوحًا إذ دعانا مستغيثًا بنا فأرسلنا ماء السماء منهمرًا متدفقًا يحمل للكافرين أهوال فيضان العذاب.\nوقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾. أي: وفجرنا ينابيع الأرض وعيون الماء ليلتقي ماء الأرض مع ماء السماء على أمر قَدْ قدَّره اللَّه وقضاه.\nوقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾. الدُّسر: جمع دسار، والدّسار المسمار.\nومن أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - قال القرطبي: (الدّسُر: المسامير). وقال قتادة: (مساميرها التي شدّت بها). وقال ابن زيد: (الدُّسر: المسامير التي دُسرت بها السفينة، ضربت فيها، شدّت بها). واختار هذا المعنى ابن جرير.\n٢ - وقال مجاهد: (الدُّسر: أضلاع السفينة).\n٣ - وقال عكرمة: (هو صدرُها الذي يُضرب به الموج).\n٤ - وقال الضَّحاك: (الدسُر: طرفاها وأصلُها).\n٥ - وقال العوفي، عن ابن عباس: (هو كَلْكَلُها، أي صدرها).\nقلت: وفي لغة العرب: الدُّسُر: خيوط تُشَدُّ بها ألواح السفينة، وقيل هي المسامير، فيكون المعنى الأول هو الأنسب في التأويل، وهو اختيار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير.\nوقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. قال سفيان: (بأمرنا). وقال ابن كثير: (أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حِفظنا وكَلَاءتنا).\nقلت: ولفظ العين في القرآن قد يفيد الصفة التي لا بد من إثباتها للَّه تعالى، وقد يفيد العناية والرعاية. فقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] يفيد الأمرين:\n١ - إثبات العين للَّه تعالى.\n٢ - مفهوم الرعاية والحفظ والكلاءة. قال أبو نهيك: (ولتعمل على عيني). أي:","vol":"7","page":514},{"text":"فكانت تربية موسى ﵇ برعاية اللَّه وحفظه. وكذلك قوله تعالى هنا في آية القمر: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾.\nوقوله: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِر﴾. قال مجاهد: (لمن كان كفر فيه). أو قال: (كفر باللَّه).\nوالمقصود: إنما غرّقنا قوم نوح ونجينا نوحًا: عقابًا من اللَّه، وثوابًا للذي جُحِد وكُفِر. فكان جزاء لقوم نوح على كفرهم باللَّه، وانتصارًا لنوح -ﷺ- في صبره وثباته وجهاده.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾. قال القرطبي: (يريد هذه الفعلة عبرةً. وقيل: أراد السفينة تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذبون الرسل). قال البخاري: (قال قتادة: أبقى اللَّه سفينة نوحٍ حتى أدركها أوائل هذه الأمة).\nوقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: فهل من خائف مُتَّعِظ معتبر! قال ابن زيد: (المدّكر: الذي يتذكّر). وأصله مُذْتَكِر مُفْتَعِل من الذكر، فثقلت على الألسنة فقلبت التاء دالًا لتوافق الذال في الجهر وأدغمت الذال فيها.\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن الأسود، عن ابن مسعود قال: [أقرأني رسول اللَّه -ﷺ-: \"فهل من مُدّكر\". فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن، مُدَّكِر أو مُذَّكِر؟ قال: أقرأني رسول اللَّه -ﷺ- مدَّكِر] (١).\nوفي صحيح البخاري عن الأسود بن يزيد، عن عبد اللَّه قال: [قرأت على النبي -ﷺ-: \"فهل من مُذَّكر\". فقال النبي -ﷺ-: \"فهل من مُدَّكِر\"] (٢).\nوكذلك روى البخاري عن الأسود، عن عبد اللَّه قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ: \"فهل من مدّكر\"] (٣).\nوفي الصحيحين عن أبي إسحاق: أنه سمِعَ رجلًا يسأل الأسودَ: \"فهل من مدكر\"، أو: \"مُذَّكر\"؟ قال: [سمعت عبد اللَّه يقرأ: \"فهل من مدّكر\". وقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقرؤها: \"فهل من مدّكر\" دالًا] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٩٥)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٧٤)، كتاب التفسير، سورة اقتربت الساعة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٧٠)، كتاب التفسير، وانظر كذلك (٣٣٤١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٧١)، ومسلم (٨٢٣) ح (٢٨٠) (٢٨١)، ورواه أبو داود (٣٩٩٤)، والترمذي (٢٩٣٧)، والنسائي في \"التفسير\" (٥٧٥).","vol":"7","page":515},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. قال ابن كثير: (أي: كيف كان عذابي لمن كَفَر بي وكَذَّب رُسُلي ولم يَتَّعِظ بما جاءت به نُذُري؟ وكيف انتصرتُ لهم، وأخذت لهم بالثَّأر؟).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾. قال البخاري: (قال مجاهد: يَسَّرنا: هَوَّنَّا قِراءَته). وقال السدي: (يَسَّرنا تلاوته على الألسُن). وقال ابن زيد: (يسَّرنا: بَيَّنا). قال ابن عباس: (لولا أن اللَّه يسَّره على لسانِ الآدميين ما استطاعَ أحدٌ من الخلق أن يتكلم بكلام اللَّه ﷿).\nوالمقصود: امتنان من اللَّه تعالى على عباده أن سهَّل لفظ القرآن لهم، ويَسَّر فهم معناه، ليكون ذكرى لمن أراد أن يذّكَّر أو أراد شكورًا.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: [إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: أقرأني جبريلُ ﵇ على حرف، فراجَعْتُه، فلم أزل أستزيدُهُ فيزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف] (١).\nقال ابن شِهاب: (بلغني أنَّ تلكَ السَّبْعَةَ الأحرف إنما هيَ في الأمرِ الذي يكونُ واحِدًا، لا يخْتَلِفُ في حلالٍ ولا حرامٍ).\nوقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: فهل من متّعظٍ بهذا القرآن متذكر وعده ووعيده؟ ! قال محمد بن كعب القرظي: (فهل من مُنْزَجِرٍ عن المعاصي؟). قال البخاري: (وقال مطرٌ الورَّاقُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال: هلْ مِنْ طالبِ عِلْمٍ فيعانَ عليه؟).\nولقد تكرر في هذه السورة قوله سبحانه: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ للتنبيه والإفهام. قال القرطبي: (وقيل: إنّ اللَّه تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢١٩)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٨١٩).","vol":"7","page":516},{"text":"المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو ادّكر، وإنما كرّر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ لأن \"هَلْ\" كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم، فاللام من \"هَلْ\" للاستعراض والهاء للاستخراج).\n\n١٨ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار عن عاد قوم هود حين كذبوا رسولهم فأرسل اللَّه عليهم ريحًا صرصرًا -أي باردة شديدة- في يوم نحس عليهم، مستمر عذابه لاتصال عذاب الدنيا بالآخرة. وكانت الريح ترفع أحدهم ثم تنكسه على أم رأسه، وقد جعلها اللَّه آية تتناقلها الأجيال إلى يوم القيامة.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فانظروا معشر كفرة قريش باللَّه كيف كان عذابي إياهم، وعقابي لهم على كفرهم باللَّه، وتكذيبهم رسوله هودًا، وإنذاري بفعلي بهم ما فعلت من سلك طرائقهم، وكانوا على مثل ما كانوا عليه من التمادي في الغيّ والضلالة).\nوقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال ابن عباس: (ريحًا شديدة). وقال قتادة: (والصرصر: الباردة). وقال ابن زيد: (الصرصر: الشديدة).\nوقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. أي في يوم شرّ وشؤم عليهم. قال قتادة: (النَّحْس: الشؤم). وقال ابن زيد: (النّحْس: الشَّر ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ في يوم شرّ).\nوقوله: ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾. قال قتادة: (يستمر بهم إلى نار جهنم). والمقصود: لقد نزل بهم العذاب في يوم شؤم فمازال يتتابع البلاء عليهم بعده إلى أن وافوا جهنم.\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. قال القرطبي: (﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ في موضع الصفة للريح أي تَقْلَعهم من مواضعهم. قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها). والمنقعر: المنقطع من أصله. قال مجاهد: (كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم فتندقّ أعناقهم وتبين رؤوسهم عن أجسادهم).","vol":"7","page":517},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. تهديد ووعيد لكفرة قريش ومن سار على منهاجهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: ولقد سهلنا القرآن للادّكار والاتعاظ بما صرفنا فيه من الوعد والوعيد والمواعظ الكثيرة.\n\n٢٣ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إِخْبَارٌ من اللَّه جَلَّ وعزَّ عن تكذيب ثمود نبيهم صالحًا -﵊-، وتطاولهم على الناقة بعقرها حتى نزل بهم من اللَّه الانتقام، وقد جعل اللَّه قصة إهلاكهم عبرة تتعاقب نقلها الأجيال على مر العصور والأزمان.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾. قال القرطبي: (هم قوم صالح كذبوا الرسل ونبيهم، أو كذبوا بالآيات التي هي النذر).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. قال ابن كثير: (يقولون: لقد خِبْنا وخَسِرنا إن سَلَّمنا كُلُّنا قيادَنا لواحدٍ منا!). قال النسفي: (﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ كأن يقول إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وسعر ونيران -جمع سعير- فعكسوا عليه، فقالوا: إن اتبعناك كنا إذن كما تقول. وقيل: الضلال الخطأ، والبعد عن الصواب. والسعر: الجنون). وقال قتادة: (﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾: في عناء وعذاب). أو قال: (في ضلال وعناء).\nوقوله: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾. استفهام بمعنى الإنكار. أي: أخُصِّص بالرسالة من بيننا وفي آل ثمود من هو أكثر منه مالًا وأحسن حالًا.\nوقوله: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾. أي بل هو كذاب بطر متكبر، حمله بطره وحرصه","vol":"7","page":518},{"text":"على التعظُّم علينا على ادّعاء ذلك. والأشَرُ في لغة العرب: البَطَر.\nوقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. تهديد لهم ووعيد، على تطاولهم على نبي اللَّه بالاتهام والتكذيب.\nوقوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾. أي: إنا مختبروهم بالناقة فمخرجوها لهم من الهضبة كما سألوا امتحانًا لهم. قال ابن كثير: (أخرج اللَّه تعالى لهم ناقةً عظيمة عُشَرَاء من صَخْرَةٍ صَمَّاءَ طِبقَ ما سألوا، لتكون حُجَّة اللَّه عليهم في تصديق صالح -﵇- فيما جاءهم به).\nوقوله: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾. أمر من اللَّه تعالى لصالح -﵇- بلزوم الصبر والمصابرة، فإن العاقبة والنصر سيكون له في الدارين. قال النسفي: (﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمري).\nوقوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يوم لهم ويومٌ للناقة. كقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]. وقيل: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لأن العرب إذا أخبرت عن فعل جماعة بني آدم مختلطًا بهم البهائم، غلّبوا فعل بني آدم على فعل البهائم.\nوقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾. قال مجاهد: (يحضرون بهم إلى الماء إذا غابت، وإذا جاءت حضروا اللبن). والشِّرب: الحظ من الماء. والمقصود: الناقة تحضرُ الماء يوم وردِها، وتغيب عنهم يوم وِردهم. قال ابن عباس: (كان يوم شِربهم لا تشرب الناقة شيئًا من الماء وتسقيهم لبنًا وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كلّه فلم تبق لهم شيئًا).\nأخرج الإمام أحمد من حديث جابر قال: [لما نزلنا الحجْر في مغزى رسول اللَّه -ﷺ- تبوك، قال: \"أيها الناس لا تسألوا في هذه الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيّهم أن يبعث اللَّه لهم ناقة، فبعث اللَّه ﷿ إليهم الناقة، فكانت ترِدُ من ذلك الفجّ فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون يوم غِبِّها\"] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. أي: فنادى القوم صاحبهم -قدار ابن سالف أحيمر ثمود- فاجترأ على الإقدام على عقرها، وتعاطى الأمر العظيم غير\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٩٦)، وصححه ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (٥/ ١١).","vol":"7","page":519},{"text":"مكترث لعاقبته، كما قال تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٢ - ١٤].\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. أي: فكيف كان عذابي مقابل تكذيبهم وكفرهم! قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه لقريش: فكيف كان عذابي إياهم معشر قريش حين عذبتهم ألم أهلكهم بالرجفة. ونُذُر: يقول: فكيف كان إنذاري من أنذرت من الأمم بعدهم بما فعلت بهم وأحللت بهم من العقوبة).\nوقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. يريد صيحة جبريل ﵇ التي كان فيها هلاكهم.\nوقوله: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ فيه أكثر من تأويل:\n١ - قال ابن عباس: (﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ قال: كالعظام المحترقة). وكأن المقصود: تمثيل هؤلاء القوم بعد هلاكهم وبلائهم بالشيء الذي أحرقه محرق في حظيرته.\n٢ - قال الضحاك: (المحتظر: الحظيرة تتخذ للغنم فتيبس، فتصير كهشيم المحتظر، قال: هو الشوك الذي تحظر به العرب حول مواشيها من السباع، والهشيم: يابس الشجر الذي فيه شوك ذلك الهشيم).\n٣ - قال سفيان: (الهشيم: إذا ضربت الحظيرة بالعصا تهشم ذاك الورق فيسقط. والعرب تسمي كل شيء كان رطبًا فيبس هشيمًا).\nقلت: وكلها أقوال مُتقاربة مُتكاملة، يحتملها البيان الإلهي المعجز. قال القاسمي: (﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أي كالشجر اليابس المتكسّر، الذي يتخذه من يعمل الحظيرة للغنم ونحوها. أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء. وقرئَ بفتح الظاء، اسم مكان. أي كهشيم الحظيرة، أو الشجر المتخذ لها. وهو تشبيه لإهلاكهم وإفنائهم، وأنهم بادوا عن آخرهم، لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا، كما يهمد وييبس الزرع والنبات بعد خضرة ورقه، وحسن نباته).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: ولقد سهلنا القرآن للتلاوة والادّكار والاتعاظ بما فيه من قصص ومواعظ وعبر، فهل من متعظ أو معتبر!؟","vol":"7","page":520},{"text":"٣٣ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تكذيب قوم لوط نبيَّهم ﵊، وإصرارهم على فاحشتهم وكفرهم حتى نزل بهم من اللَّه أشد الانتقام، وقد جعل اللَّه قصة إهلاكهم آية وعبرة إلى آخر الزمان.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾. إخبار عن تكذيب قوم لوط نبيّهم، ومخالفته فيما نهاهم عنه من إتيانهم الذكور، وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين.\nوقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾. قال النّضر: (الحاصب الحصباء في الريح). وقال أبو عبيدة: (الحاصب الحجارة). وفي الصحاح: (والحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء وكذلك الحَصِبة). والمقصود: لقد أهلكهم اللَّه هلاكًا متفردًا كما تفرّدوا بفاحشتهم فسبقوا إليها، وكان إهلاكهم أن أمر تعالى جبريل -﵇- فرفع مدائنهم ثم قلبها عليهم، وأُتبِعت بحجارة من سجيل منضود، وهي الحاصب الذي أرسله عليهم.\nوقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾. قال القرطبي: (يعني من تبعه على دينه ولم يكن إلا بنتاه). والسَّحر هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر. قال الأخفش: (﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾: إنما أجراه لأنه نكرة، ولو أراد سَحَر يوم بعينه لما أجراه). وكذا قال الزجاج: (﴿بِسَحَرٍ﴾ إذا كان نكرة يُراد به سحَر من الأسحار).\nوقوله: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾. قال ابن جرير: (والحاصب الذي حصبناهم به بسحر، بنعمة من عندنا: يقول: نعمة أنعمناها على لوط وآله، وكرامة أكرمناهم بها من عندنا).","vol":"7","page":521},{"text":"وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾. أي: كذلك يُثيب اللَّه ويُجازي من أطاع وشكر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾. أي: ولقد كان -لوط- أنذرهم بأس اللَّه وحلول نقمته قبل نزول العذاب بهم، فما التفتوا إلى إنذاره، بل شكوا بذلك وتماروا فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. قال ابن كثير: (وذلك ليلة ورَدَ عليه الملائكةُ: جبريلُ، وميكائيل، وإسرافيلُ في صورة شَبَاب مُردٍ حِسَانٍ مِحنةً من اللَّه بهم، فأضافَهُم لوطٌ -﵇- وبعثتِ امرأتُه العجوزُ السَّوءُ إلى قومها، فأعلمتهُم بأضياف لوط، فأقبلوا يُهْرعون إليه من كل مكان، فأغلقَ لوطٌ دونهم البابَ، فجعلوا يحاوِلونَ كسرَ الباب، وذلك عَشِيّة، ولوطٌ -﵇- يُدافِعُهم ويُمَانِعُهم دونَ أضيافه، ويقول لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني نِساءهم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١]، ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾، أي: ليس لنا فيهن أرَبٌ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. فلما اشتد الحالُ وأبَوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريلُ -﵇- فضرب أعينهم بطَرف جناحه، فانطمست أعينُهم. يقال: إنها غارت من وجوههم. وقيل: إنه لم يبقَ لهم عيون بالكُلِّية، فرجعوا على أدبارهم يتحسَّسُون بالحيطانِ، ويتوعَّدُون لوطًا -﵇- إلى الصباح).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾. قال قتادة: (يقول: صبحهم عذاب مستقرّ، استقرّ بهم إلى نار جهنم). وقال ابن زيد: (ثم صبّحهم بعد هذا، يعني بعد أن طمس اللَّه أعينهم، فهم في ذلك العذاب إلى يوم القيامة).\nوقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. أي: فذوقوا معشر قوم لوط عذاب اللَّه وبأسه الذي أنذركموه رسولكم لوط عليه الصلاة السلام. قال القرطبي: (أي فقلنا لهم ذوقوا، والمراد من هذا الأمر الخبر).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: ولقد سهّل اللَّه هذا القرآن سواء للتلاوة أو للاتعاظ، فهل من مُتّعِظ بما فيه من العبر وأخبار الأمم. والخطاب لقريش ثم هو يعمّ كل من جاء بعدهم، ومضى على منهاجهم.\nقال النسفي: (وفائدة تكرير ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أن يجدّدوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارًا واتعاظًا، وأن يستأنفوا تنبهًا واستيقاظًا إذا سمعوا الحثّ على ذلك والبعث عليه).","vol":"7","page":522},{"text":"٤١ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تكذيب آل فرعون رسولهم موسى ﵊، وتماديهم بالكفر والعناد حتى نزل بهم من اللَّه الانتقام، وما كفار مكة ببعيد إهلاكهم إن أصروا على الكفر والعناد كبقية الأقوام.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾. إخبارٌ من اللَّه عن استيفاء الحجة على آل فرعون، فجاءهم موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنِّذارة إن كفروا، وأيدهم اللَّه تعالى بالآيات والمعجزات الباهرة.\nوقوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾. قال ابن جرير: (يقول جلّ ثناؤه: كذّب آل فرعون بأدلتنا التي جاءتهم من عندنا، وحججنا التي أتتهم بأنه لا إله إلا اللَّه وحده كلها).\nوقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. قال قتادة: (يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم).\nوقوله: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾. أي: أكفاركم -معشر المشركين من قريش- خير من الذين تقدّم ذكر هلاكهم لما كفروا بالكتب وكذبوا الرسل؟ ! ألكم خصوصية تميّزكم منهم فتكفرون وتكذبون ثم تنجون؟ ! .\nوقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. قال عكرمة: (يعني في الكتب). والمعنى: أم معكم -أيها المشركون- من اللَّه براءة أقرّها في الكتب ألا ينالكم بعذاب ولا انتقام.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: يعتقدون أنهم يتناصرون، بعضهم بعضًا، وأنَّ جَمْعهم يُغني عنهم مَنْ أرادَهُم بسوءٍ).\nوقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. إخبارٌ من اللَّه سبحانه وتقريرٌ أنّ كفار قريش سيهزمون ويولون أدبارهم المؤمنين أثناء فرارهم مغلوبين صاغرين.\nأخرج البخاري في الصحيح والنسائي في \"التفسير\" عن عكرمة، عن ابن عباس: [أن رسول اللَّه -ﷺ- قال -وهو في قُبَّةٍ يومَ بَدْر-: \"اللهم إني أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهم إنْ تَشَأْ لا تُعْبَدْ بعدَ اليوم\". فأخذ أبو بكر بيده فقال: حَسْبُكَ يا رسولَ اللَّه،","vol":"7","page":523},{"text":"أَلْحَحْتَ على رَبِّكَ، وهو يَثِبُ في الدِّرْع، فخرج وهو يقول: \" ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ \"] (١).\nوفي رواية: [فخرج وهو يقول: \" ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ \"].\nوقوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. أي: ليس الأمر كما يزعم المشركون أنْ لا بعث لهم بعد مماتهم، بل إن الساعة موعدهم للبعث والعقاب، وستكون الساعة أدهى وأمرّ عليهم أضعافًا مضاعفة من هزيمة بدر.\nأخرج البخاري عن يوسف بن ماهَكَ قال: [إنّي عِنْدَ عائشة أُمِّ المؤمنين قالت: لَقَدْ\nأُنْزلَ على مُحَمّد -ﷺ- بِمَكّة، وإني لجاريةٌ ألْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾] (٢).\n\n٤٧ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾.\nفي هذه الآيات: سوء مصير المجرمين في عذاب الهون في الجحيم، فكل شيء قد قدّره اللَّه منذ الأزل إلى يوم الدين، وأما المؤمنون فهم في روضات الجنات يتنعمون في ألوان الملذات والنعيم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. قال قتادة: (في عناء). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن المجرمين في ذهاب عن الحق، وأخذ على غير هدى ﴿وَسُعُرٍ﴾ يقول: في احتراق من شدة العناء والنصب في الباطل). قال ابن كثير: (يخبرنا تعالى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٧٥)، (٤٨٧٧)، كتاب التفسير، وأخرجه كذلك برقم (٢٩١٥)، (٣٩٥٣). ورواه النسائي في \"التفسير\" (٥٧٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٧٦)، كتاب التفسير، وانظر كذلك (٤٩٩٣).","vol":"7","page":524},{"text":"عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق، وسُعُرٍ مما هُم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كُلَّ من اتّصف بذلك من كافر وَمُبتدع من سائر الفرق).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. تَقْرِيرٌ من اللَّه العظيم لِمَا سيكون من مذلة وإهانة لتلك الوجوه التي أبت أن تسجد للَّه في الدنيا كبرًا وعنادًا.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. أي: ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ذوقوا أَلَم جهنم. فَمَسُّها ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها. و\"سَقَر\" اسم من أسماء جهنم لا ينصرف، لأنه اسم مؤنث معرفة، وكذا لَظَى وجهنم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. إثبات قدر اللَّه السابق لخلقه. كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وكقوله جل ذكره: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣].\nقال القرطبي: (الذي عليه أهل السنة أن اللَّه سبحانه قَدَّرَ الأشياء، أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير اللَّه تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره، كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القَدريّة وغيرهم من أن الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [جاء مشركُو قريش يخاصمون رسول اللَّه -ﷺ- في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾] (١).\nوله شاهد عند البخاري في \"خلق أفعال العباد\" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ في أهل القدر].\nوفي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [القَدَرِيّة مَجُوسُ هذه الأمة: إنْ مَرِضُوا فلا تعودوهم، وإنْ ماتوا فلا تشهدوهم] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٥٦)، والترمذي (٢١٥٧)، (٣٢٩٠)، ورواه ابن ماجة (٨٣)، والواحدي (٧٧٥). وانظر للشاهد: \"خلق أفعال العباد\" ص (١٩).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٤٦٩١)، كتاب السنة. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٩٢٥).","vol":"7","page":525},{"text":"وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ اللَّه كتبَ مقادير الخلائق قبل أن يخلُق السماوات والأرضَ بخمسين ألف سنة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. تقرير لنفوذ مشيئته سبحانه في خلقه، فإنه إذا أراد أمرًا كَوَّنَهُ بقولة واحدة: كن فيكون، فإذا هو موجود حاصل قائم كسرعة اللمح بالبصر لا يبطِئُ ولا يتأخر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال ابن زيد: (أشياعكم من أهل الكفر من الأمم الماضية، يقول: فهل من أحد يتذكر). والمقصود: كان في الأمم السالفة أمثالكم وأشباهكم من المكذبين للرسل فدَمَّرناهم، فهل من معتبر بسنن اللَّه في خلقه.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾. قال الضحاك: (الكتب). والمقصود: لقد تمّ جمع كل أقوالهم وأعمالهم وتدوينها في الكتب التي بأيدي الملائكة -﵈-.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مكتوب). وقال قتادة: (محفوظ مكتوب). قال القرطبي: (أي كل ذنب كبير وصغير مكتوب على عامله قبل أن يفعله ليجازى به، ومكتوب إذا فعله).\nوفي التنزيل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩].\nوفي المسند وسنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان عن عائشة، أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقول: [يا عائشة! إياك ومُحقِّرات الذنوب فإن لها من اللَّه طالبًا] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾. قال النسفي: (﴿وَنَهَرٍ﴾ وأنهار، اكتفى باسم الجنس، وقيل: هو السعة والضياء ومنه النهار).\nوالمقصود: إخبار من اللَّه تعالى عن حال المتقين يوم القيامة أنهم في ظلال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٥٣) ح (١٦)، والترمذي (٢١٥٦)، وأحمد (٢/ ١٦٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٧٠)، وابن ماجة في السنن (٤٢٤٣)، وأخرجه الدارمي (٢/ ٣٠٣)، وابن حبان (٥٥٦٨)، وإسناده على شرط البخاري.","vol":"7","page":526},{"text":"وبساتين، تتدفق عبرها الجداول والأنهار، ويفوح فيها عبق الأزهار والرياحين. بعكس حال الأشقياء والمجرمين، أهل الضلال والسعر وصلي الجحيم.\nوقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾. أي: في مجلس حق ومنبر نور، لا لغو فيه ولا تأثيم.\nوقوله: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. أي: عند الملك العظيم، ذي القدرة والجبروت والقوة المتين، ﷾.\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ المُقْسِطين، عند اللَّه، على منابِرَ من نُور، عن يمين الرحمن ﷿، وكِلْتا يديه يمين، الذين يَعْدِلُون في حُكْمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).\nوفي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن عبادة، عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّه تعالى: حُقَّت محبتي للمتحابين فِيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ. المتحابّون فيّ على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء] (٢).\n\nتم تفسير سورة القمر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر الجمعة ١٣ - شعبان - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٦ - أيلول - ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٢٧)، كتاب الإمارة. ورواه أحمد والنسائي وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك. انظر: \"تخريج الترغيب\" (٤/ ٤٧)، وصحيح الجامع الصغير (٤١٩٧).","vol":"7","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - إخبار اللَّه تعالى باقتراب قيام الساعة.\n٢ - ثبوت انشقاق القمر معجزة لرسول اللَّه -ﷺ-، ونزول الآية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.\n٣ - يثأر اللَّه لأنبيائه ممن كذبهم كقومي نوح وهود. فأهلك أحدهم بالطوفان والآخرين بالريح العاتية. وثأر لصالح بصيحة أردت ثمود هشيمًا منثورًا. وثأر للوط من قومه فأصبحوا صرعى الدمار والأحجار. ويحذر قريشًا أن يحل بهم ما حل بمن مضى من الأمم المكذبة قبلهم.\n٤ - مجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، فلا تعودوهم ولا تشهدوهم.\n٥ - السعداء في جنات ونهر، والأشقياء في جحيم وسعر.\n٦ - المتحابون في اللَّه على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء.\n* * *","vol":"7","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>٥٥ - سورة الرحمن</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٧٨).\nقال المهايميّ: (سميت به لأنها مملوءة بذكر الآلاء الجليلة، وهي راجعة إلى هذا الاسم).\nأخرج الترمذي والحاكم والبزار بسند حسن في الشواهد عن جابر ﵁ قال: [خرج رسول اللَّه -ﷺ- على أصحابه فقرأ عليهم \"سورة الرحمن\" من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: لقد قَرَأْتُها، سورة \"الرحمن\" على الجنَّ ليلةَ الجِنَّ، فكانوا أحْسَنَ مَرْدودًا منكمُ، كنتُ كُلَّما أتَيْتُ على قولِه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيءٍ من نعمِكَ ربنَّا نكذِّبُ، فلك الحمد] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>موضوع السورة</span>\nنِعَمُ الرحمان وآلاؤه الحسان وحال السعداء وحال الأشقياء اللئام\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢/ ٢٣٤)، والحاكم (٢/ ٤٧٣)، وله شاهد يتقوى به عند ابن جرير (٢٧/ ٧٢)، والبزار (ص ٢٢١ - ٢٢٢)، من زوائده، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢١٥٠).","vol":"7","page":529},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-320> منهاج السورة</span>-\n١ - امتنان اللَّه على عباده بأجل النعم التي أكرمهم بها وهي القرآن، ثم نعمة النطق والبيان.\n٢ - امتنانه تعالى على العباد بنعمة الشمس والقمر، والنجم والشجر، والسماء والميزان، والأرض والفاكهة والنخل والحب والريحان.\n٣ - إثبات خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار.\n٤ - إظهار بعض الآيات البديعة في الخلق في الأنهار والبحار.\n٥ - إثبات الفناء لكل شيء والبقاء للواحد القهار، وهو سبحانه كل يوم هو في شأن وله الكمال والجميع إليه بالافتقار.\n٦ - إثبات العجز لجميع الثقلين في مشهد الحشر بين يدي الرحمان، والتحدي لهم أن يهربوا إن استطاعوا من الحساب والقصاص والميزان.\n٧ - تفطّر السماء يوم القيامة وذل المشهد على المجرمين، ودنو جهنم من الكافرين.\n٨ - ذِكْرُ حالِ السعداء المقربين الأبرار، بعد ذكر حال الأشقياء الفجار.\n٩ - ذِكْرُ حال أصحاب اليمين، وما أعد اللَّه لهم في جنات النعيم، فتبارك اللَّه رب العالمين.\n* * *","vol":"7","page":530},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٣. قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى على عباده بالنعم الجليلة التي حَفَّهم بها وأعظمها القرآن، ثم نعمة النطق والكلام، ثم نعمة الأرض وما فيها من الفاكهة والنخل والحب والريحان.\nفقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾. قال قتادة: (نعمة واللَّه عظيمة).\nقال القاضي: (لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية، صدّرها بـ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وقدّم ما هو أصل النعم الدينئة وأجلّها، وهو إنعامه بالقرآن، وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين، ومنشأ الشرع، وأعظم الوحي، وأعز الكتب، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها، مصدق لنفسه، ومصداق لها).\nوقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. قال قتادة: (الإنسان: آدم -ﷺ-).\nوقال ابن زيد: (﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال: البيان: الكلام). وقال الحسن: (يعني النُّطق). وقال قتادة: (علمه اللَّه بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه، ليحتج بذلك على خلقه). وقال أيضًا: (تَبَيَّنَ له الخيرُ والشر، وما يأتي، وما يدع).\nقال ابن كثير: (قول الحسن هاهنا أحسنُ وأقوى، لأن السياقَ في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداءُ تلاوتِه، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخَلْقِ، وتسهيل خُروج","vol":"7","page":531},{"text":"الحروف من مواضِعها من الحَلق واللَّسان والشفتين، على اختلاف مخارجِها وأنواعِها).\nقلت: وعموم الآية يشمل تعليم اللَّه الإنسان ما يحتاج إليه في أمر دينه ودنياه من بيان الحلال والحرام، والمعايش والمنطق وغير ذلك. وهو اختيار شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير﵀.\nوقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ فيه أقوال متكاملة.\n١ - قال ابن عباس: (بحساب ومنازل يرسلان). وقال: (يجريان بعدد وحساب).\nوقال قتادة: (بحساب وأجل). وقال: (يجريان في حساب).\nوالمقصود: الشمس والقمر بحسبان ومنازل لها يجريان ولا يعدوانها.\n٢ - قال ابن زيد: (﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال: يحسب بهما الدهر والزمان، لولا النهار والليل والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يحسب شيئًا. لو كان الدهر ليلًا كله، كيف يحسب، أو نهارًا كله كيف يحسب).\n٣ - قال الضحاك: (﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال: بقدر يجريان).\nقلت: فجميع ما ذكر يدخل في مفهوم الآية، فإن الشمس والقمر آيتان عظيمتان من آيات اللَّه، يجريان متعاقبين بحساب دقيق لا يضطرب ولا يختلف.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].\n٢ - قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].\nوالحسبان مصدر من قول القائل: حسبته حسابًا وحسبانًا، وقيل: إنه جمع حساب.\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذَرّ: [أن النبي -ﷺ- قال يومًا: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: إنّ هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت","vol":"7","page":532},{"text":"العرش، فتخرّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يُقالَ لها: ارتفعي] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. قال مجاهد: (﴿وَالنَّجْمُ﴾ نجم السماء).\nوقال السدي: (النجم: نبات الأرض). والأول أصح. وأما الشجر فهو ما قام على ساق.\nوفي التنزيل:\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ١٨].\nوالمقصود: أن جميع نجوم السماء ونباتات الأرض تسجد طواعية للَّه العظيم، فالكل منقاد له تعالى وفيه إشارة لما ينبغي أن يكون عليه أمر الثقلين.\nوقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾. أي: والسماء رفعها سبحانه فوق\nالأرض، ووضع العدل بين خلقه في الأرض. كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].\nقال مجاهد: (﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال: العدل).\nقلت: فالميزان هو معيار التوازن في كل الأشياء وجميع المخلوقات، وهو معيار إقامة منهج القسط في الأرض، وقد احتج بعض علماء الأصول بهذه الآية على مشروعية القياس.\nوجاء في كتاب: \"توحيد الخالق\" (٢) ربطًا مع مفهوم هذه الآية: (اكتشف \"نيوتن\" أن في السماء قانونًا محكمًا دقيقًا يحكم أجرام السماء هو قانون الجذب، وأن محصلة هذا الجذب بين الكواكب هو الاتزان بينها ﴿الْمِيزَانَ﴾. ويعتبر اكتشاف الكوكبين \"نبتون وبلوتو\" نصرًا للقانون الذي اكتشفه نيوتن، فباستخدام ميزان الجذب حدّد الفلكيون مواقع لكوكب \"أورانس\" ولكن بواسطة الرصد وجدوا مواقعه مختلفة، فافترض الفلكيون وجود كواكب أخرى تؤثر بجذبها لأورانس، وقد أمكن حساب مواقع الكوكب السيار \"نبتون\" في السماء من مقدار تاثيره على \"أورانس\"، وحدد الاتجاه الذي شوهد قيه بعد تقدم وسائل الرصد، تطبيقًا لقانون الجذب، وبالمثل في هذا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٩)، كتاب الإيمان، وهو جزء من حديث أطول.\n(٢) كتاب: \"توحيد الخالق\" - عبد المجيد الزنداني - ص (٣٣٣ - ٣٥٤).","vol":"7","page":533},{"text":"الميزان أمكن اكتشاف السيار الآخر \"بلوتو\" فهل فُهِم الآن معنى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾؟ !).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾. يعني: ألا تظلموا أو تبخسوا في الوزن، فقد خلق سبحانه السماوات والأرض بالحق والعدل، وهكذا يجب أن تكون الأشياء كلها قائمة بميزان الحق والعدل.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. قال ابن زيد: (نقصه، إذا نقصه فقد خسَّره، تخسيره نقصه).\nوالمقصود: أقيموا منهاج الحكم بالقسط والعدل، كما أُمرتم بإقامة لسان الميزان بالعدل.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ قال ابن عباس: (يقول: للخلق). وقال: (كل شيء فيه الروح). وقال الحسن: (للخلق الجن والإنس). قال ابن كثير: (أي: كما رفَعَ السماء وَضَعَ الأرض ومَهَدَها، وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات، لتستقِرَّ لما على وجهها من الأنام، وهم: الخلائق المختلفةُ أنواعُهم وأشكالُهم وألوانُهم وألسنتهُم، في سائر أقطارها وأرجائها).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾. أي: فيها فاكهة مختلفة الألوان والروائح والطعوم، والنخل من أشرفها وألذّها وأكثرها نفعًا. قال قتادة: (أكمامها: ليفها). قال النسفي: (﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ هي أوعية الثمر، الواحد كِمّ بكسر الكاف، أو كل ما يُكَمّ أي يُغَطّى من ليفه وسعفه وكفُرّاه، وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجمّاره وجذوعه).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾. الحبّ: الحِنطة والشعير ونحوهما. والعَصْف: التِّبْنُ وورق الشجر والزرع. قال ابن عباس: (تِبْن الزرع وورقه الذي تَعصِفُه الرياح).\nوقال سعيد بن جبير: (بَقْل الزرع أي أوّل ما ينبت منه). وقال ابن زيد: (الريحان: الرياحين التي توجد ريحها).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال قتادة: (يقول للجن والإنس: بأيِّ نِعم اللَّه تكذّبان).","vol":"7","page":534},{"text":"أي: فكيف تكذبون -معشر الثقلين- وهذه النعم العظيمة ترفلون بِظِلِّها وتنغمسون بملذاتها!\n\n١٤ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إثبات خلق الإنسان من الصلصال والجان من النار، وإظهار بعض الآيات البديعة في الخلق في الأنهار والبحار.\nفقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. أي من الطين اليابس الذي له صلصلة إذا حرّك ونقر كالفخار. قال ابن عباس: (﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾: الطين اليابس). وقال عكرمة: (الصلصال: طين خُلط برمل فكان كالفخار). وقال مجاهد: (الصلصال: الترابُ اليابسُ الذي يُسمع له صلصلة فهو كالفخار). والفخار: هو الذي قد طُبخَ من الطين بالنار.\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ اللَّه خلق آدم من قُبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْرِ الأرض، فجاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبَيْنَ ذلك، والسَّهْلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطَّيبُ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. أي من طرف لهبها. قال مجاهد: (اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت). وقال ابن عباس: (﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾: من لهب النار، من أحسنها). أو قال: (من خالصِ النار). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾، وهو ما اختلط بعضه ببعض، من بين أحمر وأصفر وأخضر، من قولهم: مَرِج أمر القوم: إذا اختلط).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في \"التفسير\". انظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٥٥).","vol":"7","page":535},{"text":"وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [خُلِقَت الملائكة من نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ من مارج من نارٍ، وخُلِق آدمُ مما وُصِفَ لكم] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعمة ربكما معشر الثقلين من هذه النعم تكذبان؟\nوقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾. أي: مشرق الشمس في الشتاء، ومشرقها في الصيف.\nوقوله: ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. يعني: مغربي الشمس في الصيف والشتاء.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].\nوالمراد جنس المشارق والمغارب.\n٢ - قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠].\nوالمراد هنا اختلاف مطالع الشمس على مرور العام، وبروزها للناس كل يوم من سمت في الأفق حسب تنقل الأيام.\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي هذه النعم والمصالح المستفادة من اختلاف هذه المشارق والمغارب للخلق من الجن والإنس تكذبان معشر الثقلين؟ !\nوقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾. - مَرَج: خلّى وأرسل. قال ابن عباس: (أي أرسلهما). وقال ابن زيد: (﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ أي منعهما أن يلتقيا، بما جعل بينهما من البرزخِ الحاجز الفاصل بينهما).\nقال ابن كثير: (والمرادُ بقوله: ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾، المِلْحَ والحُلّوَ، فالحُلْو هذه الأنهار السَّارحة بين الناس). وهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣].\nوقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. قال مجاهد: (بينهما حاجز من اللَّه، لا يبغي أحدهما على الآخر). وقال أيضًا: (لا يختلطان).\nوالمقصود: جعل اللَّه بينهما حاجزًا من الأرض فلا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة، ومن ثمّ فكل واحد منهما محفوظ في صفته وطبيعته.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٩٦)، وأحمد (٦/ ١٥٣)، وابن حبان (٦١٥٥).","vol":"7","page":536},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم اللَّه -معشر الجن والإنس- تكذبان من هذه النعم التي منها إرسال الأنهار والبحار وحفظها لما يستفاد منها.\nوقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. أي: يخرج من كليهما اللؤلؤ: وهو ما عظم من الدر، والمرجان: ما صغُر منه وحَسُنُ. قال قتادة: (اللؤلؤ: الكبار من اللؤلؤ، والمرجان: الصغار منه). وقال مرّة: (المرجان: جيد اللؤلؤ). أو قال: (اللؤلؤ العظام). وقيل: المرجان: الخرز الأحمر. وقيل غير ذلك.\nقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. فيه امتنان من اللَّه تعالى على عباده بنعمة هذه الحلية من اللؤلؤ والمرجان.\nوقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. أي: وله -تعالى- السفن الجارية في البحار -المرفوعات القلاع- كالجبال. قال مجاهد: (ما رُفِعَ قلْعُهُ من السفن فهي مُنْشأَة، ومالم يُرْفَع قَلْعُهُ فليس بمنشأة). قال ابن جرير: (وقوله: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ يقول: كالجبال، شبَّه السفن بالجبال، والعرب تسمي كل جبل طويل علمًا).\nقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم ربكما -معشر الثقلين- تكذبان من هذه النعم التي منها تسخيره السفن الجارية في مصالحكم وأسفاركم وتجاراتكم في الأنهار والبحار.\n\n٢٦ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ الفناء لكل شيء والبقاء للواحد القهار، فهو سبحانه كل يوم هو في شأن وله الكمال والجميع إليه بالافتقار.\nفقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾. تقرير لفناء جميع الخلق من الجن والإنس، فكل مَنْ على ظهر الأرض هالك. قال قتادة: (أنْبأ بما خلق، ثم أَنْبأَ أن ذلك كُلَّه فانٍ).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. فيه إثبات صفة الوجه للَّه جل ثناؤه، وكما هو في الآية الأخرى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. فإنه مهما أوِّلت به من كون المقصود ما ابتغي به وجهه - ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ذاته - كما","vol":"7","page":537},{"text":"ذهب بعض المفسِّرين، فإن الآيتين تصرحان بصفة الوجه للَّه الكريم التي لا ينكرها إلا هالك.\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال: قام فينا رسولُ اللَّه -ﷺ- بخمس كلمات فقال: [إنَّ اللَّه ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يَخْفِضُ القِسْطَ ويرفَعُه، يُرْفَعُ إليه عملُ الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفَه لأحْرَقت سبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خلقه] (١).\nقال ابن عباس: (﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: ذو العظمة والكبرياء). قال ابن كثير: (وقد نَعَتَ تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، أي: هو أهل أن يُجَلَّ فلا يُعْصى، وأَنْ يُطاع فلا يُخالف، كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، وكقوله إخبارًا عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]).\nوفي جامع الترمذي عن أنس مرفوعًا: [ألِظُّوا بياذا الجلال والإكرام] (٢). أي: الزموا ذلك في الدعاء.\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم ربكما -معشر الثقلين- تكذبان.\nقال القرطبي: (ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. وقيل: وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب).\nوقوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. إخبار عن كمال غناه، وافتقار الخلائق جميعًا إلى سؤاله ورحمته. قال ابن عباس: (أهل السماوات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعًا). وقال ابن جريج: (وتسأل الملائكة الرزق لأهل الأرض). وقال قتادة: (لا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض، يُحْيي حَيًّا، ويُميت ميتًا ويربى صغيرًا، ويذل كبيرًا، وهو مَسْأل حاجات الصالحين، ومنتهى شكواهم، وصريخ الأخيار). وعن ابن عباس أيضًا: (﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يعني مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة، كل يوم هو في ذلك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٩)، كتاب الإيمان، وفي رواية: \"حجابه النار\" بدل \"النور\".\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٥٢٤)، وبنحوه الحاكم (١/ ٤٩٨ - ٤٩٩)، وله شواهد.","vol":"7","page":538},{"text":"وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال عُبَيد بن عُمَير: (مِنْ شأنه أن يُجيبَ داعيًا، أو يُعطِيَ سائلًا، أو يَفُكَّ عانيًا، أو يَشْفِي سقيمًا). وقال مجاهد: (كُلّ يوم هو يجيب داعيًا، ويكشف كربًا، ويجيب مضطرًّا، ويغفر ذنبًا).\nأخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء، عن النبيّ -ﷺ-، في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: [من شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، ويُفَرِّجَ كَربًا، ويَرْفعَ قَوْمًا، ويَخْفِضَ آخرين] (١).\nورواه ابن أبي عاصم في \"السنة\" بلفظ: [في شأنه أن يغفر ذنبًا، ويكشف كربًا، ويجيب داعيًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين].\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعمه تعالى في صرفه إياكم -معشر الثقلين- في مصالحكم ومنافعكم تكذبان؟ !\n\n٣١ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ العجز لجميع الثقلين في مشهد الحشر بين يدي الرحمان، وتحدّي الجبار جميع خلقه يومئذ أن يفلتوا من الحساب أو يهربوا من بين يديه ومن الحساب والقصاص والميزان.\nفقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. تهديد من اللَّه لعباده ووعيد.\nقال ابن عباس: (وَعيدٌ من اللَّه تعالى للعباد، وليسَ باللَّه شُغلٌ وهو فارغٌ).\nوعن قتادة: (أنّه تلا: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ قال: دنا من اللَّه فراغ لخلقه).\nوقال ابن جريج: (﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾، أي: سنقضي لكم).\nقال البخاري في \"كتاب التفسير\" من صحيحه: (﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: سَنُحاسبُكمْ،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٢٠٢)، باب فيما أنكرت الجهمية، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (١٦٧)، وانظر: \"كتاب السنة\" - ابن أبي عاصم - حديث (٣٠١)، وصحَّحَهُ الألباني.","vol":"7","page":539},{"text":"لا يشغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وهو معروف في كلام العرب، يُقال: لأَتَفَرَّغَنَّ لك، وما بِه شُغْلٌ، يقول: لآخُذَنّكَ على غِرَّتِكَ).\nوالثقلان: الجن والإنس. كما في المسند وسنن أبي داود والنسائي من حديث البراء -في عذاب القبر- مرفوعًا: [فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين] (١). وفي رواية: (إلا الجنّ والإنس).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال ابن جرير: (فبأيّ نعم ربكما معشر الثقلين التي أنعمها عليكم، من ثوابه أهل طاعته، وعقابه أهل معصيته تكذّبان؟).\nوقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. هو من باب التحدّي وإثبات الذل والعجز للعباد يوم يُحاط بهم في الحشر لمشهد الحساب.\nقال ابن كثير: (أي: لا تستطيعون هَرَبًا من أمر اللَّه وقدَره، بل هو محيطٌ بكم، لا تقدرون على التخلُّص من حُكمِهِ، ولا النفوذِ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أُحِيطَ بكم. وهذا في مقام المحشر، الملائكة مُحدِقَةٌ بالخلائق، سبعُ صفوفٍ من كل جانب، فلا يقدِرُ أحدٌ على الذهاب ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾، أي: إلا بأمر اللَّه، ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧]).\nقلت: ولقد تَخَبَّطَ بعض المتشدقين اليوم من اعتبار الآية نصرًا للعلم الحديث بكشوفاته واختراعاته المثيرة، فصرَفوا معنى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ أي بالعلم، ووجهوا المعنى إلى أنه بالعلم يمكن اختراق آفاق الفضاء وفهم حركة الكواكب والمجرات.\nوهذا ليس موضوع البحث في الآية، بل هو يناقضها ويعارضها حين ظنوا أنهم بالعلم خرجوا عن أقطار السماوات والأرض، بل هم بكل ما أوتوا من قوة وعلم داخل أقطار السماوات والأرض. والآية حديث عن خبر المشهد في الحشر يوم القيامة، وقد اجتمع الجن والإنس أمام ربهم في صعيد واحد، فهو اليوم يتحداهم أن يفلتوا من قبضته بعدما انتشروا في أرجاء الدنيا يخوضون ويفسدون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠).","vol":"7","page":540},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم ربكما -معشر الجن والإنس- من نعمه الكثيرة التي منها التسوية بين جميعكم، لا يقدر أحد على خلاف أمره تكذبان؟ !\nوقوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾. إثبات لكامل الإحاطة بالعباد -يوم الحشر- ومطلق العجز الذي ينزل بهم. فإن محاولة الفرار تعني الحرق بالنار والإحاطة باللهب. قال ابن عباس: (الشواظ هو لهب النار. ﴿وَنُحَاسٌ﴾: دخان النار). والعرب تسمي الدخان نحاسًا. وقال الضحاك: (﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ سَيْلٌ من نار. ﴿وَنُحَاسٌ﴾: سَيْلٌ من نحاس). وقال مجاهد: (النحاس: الصفر، يذاب فيصبّ على رؤوسهم).\nوبكلا المعنيين فإن المقصود: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردّتكم الملائكة وزبانية العذاب بإرسال اللهب من النار والدخان أو النحاس المذاب عليكم لترجعوا، ومن ثمّ فلا تنتصران. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\n\n٣٧ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تَفَطُّرُ السماء يوم القيامة وذل المشهد على المجرمين في أرض المحشر، ودُنُوُّ جهنم من الكافرين يخرج منها الشرر، ليطوفوا بين الحميم وبين الجحيم ويذوقوا جزاء الكفر والبطر.\nفقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. يعني: يوم القيامة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فإذا انشقت السماء وتفطّرت، وذلك يوم القيامة، فكان لونها لون البرذون الورد الأحمر (١».\n_________\n(١) الورد الأحمر: الفرس الأحمر.","vol":"7","page":541},{"text":"وقد ورد أمر تشقق السماء في القرآن في مواضع مختلفة:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١ - ٢].\nوأما ﴿كَالدِّهَانِ﴾ فهو الدّهن، والمقصود: تصير السماء في صفاء الدهن.\nوقيل: المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن، أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدُّهن لرقتها وذوبانها. ذكره القرطبي.\nقال الحافظ ابن كثير: (﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾، أي: تذُوب كما يذوب الدّرْدي والفضة في السَّبْكِ، وتتلوّنُ كما تتلوَّنُ الأصباغ التي يُدهَنُ بها، فتارةً حمراء وصفراءَ وزرقاءَ وخضراءَ، وذلك من شدة الأمر وهَوْلِ يوم القيامة العظيم).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي قدرة ربكما معشر الثقلين على ما وصف لكم تكذبان؟ !\nوقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ فيه أكثر من تأويل:\n١ - قال مجاهد: (لا يسأل الملائكة عن المجرم، يعرفون بسيماهم).\n٢ - قال الحسن: (لا يسألون عن ذنوبهم، لأن اللَّه حفظها عليهم، وكتبتها عليهم الملائكة).\n٣ - قال أبو العالية: (لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم).\n٤ - قال قتادة: (كانت المسألة قبل، ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت الجوارح شاهدة عليهم).\nقلت: ووجه الجمع بين هذه الأقوال في مفهوم هذه الآية، وبين الآيات الدالة على صريح المساءلة يوم القيامة، نحو قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]. وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] أنّ يوم القيامة يوم طويل وفيه مواطن كثيرة، فيسألون في موطن، ولا يسألون في آخر.\nفتُحمل الآية هنا على الموطن الذي لا يؤذن لهم فيه بالاعتذار لوضوح جرائمهم وشهادة جوارحهم عليهم، كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ","vol":"7","page":542},{"text":"فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]. كما لا يسأل أحد من مجرمي الإنس والجن عن ذنوب بعضهم لاكتمال السجلات بدقائق تلك الجرائم وتفاصيلها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].\nقال ابن القيم في \"طريق الهجرتين\": (اختلف في هذا السؤال المنفيّ، فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف، لا يسألون حينئذ، ويسألون بعد إطالة الوقوف، واستشفاعهم إلى اللَّه أن يحاسبهم، ويريحهم من مقامهم ذلك. وقيل المنفيّ سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة. أي قد علم اللَّه بذنوبهم، فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها) انتهى.\nوقد أفرد الإمام مسلم في صحيحه في كتاب التوبة بابًا سمّاه: باب: تقرير النعم يوم القيامة على الكافر والمنافق. روى فيه -ما يجمع معاني هذه الآية والآيات الأخرى في مواقف الحساب- عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [فيلقى العَبْدَ فيقول: أي فُلْ! ألم أكرِمْكَ وأسوَّدْك وأزوَّجْك وأسخَّر لك الخيل والإبل وأذَرْكَ ترأس وتربَعُ؟ فيقول: بلى أي ربِّ، قال: فيقول: أفَظَنَنْتَ أنك ملاقِيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل! ألم أكرِمْكَ وأُسَوَّدْكَ وأُزوَّجْكَ وأسَخَّر لك الخيل والإبل، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتربَعُ؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالثَ فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنتُ بك وبكتابك وبرسلك، وصلّيتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ، ويثني بخير ما استطاع، قال: فيقول: هاهنا إذن. قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكّر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيختَمُ على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقِي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليُعْذِر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يَسْخَطُ اللَّه عليه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم ربكما معشر الجن والإنس في إقامة العدل فيكم والقصاص من المجرمين تكذبان!\nوقوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال الحسن: (سواد الوجه وزرقة الأعين).\nوالمقصود: يعرفون يومئذ بعلامات تدل على صفة الإجرام والشقاء فيهم، كما يعرف المؤمنون بالغرّة والتحجيل من الوضوء وآثار السجود.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٢١٦)، كتاب التوبة وقبولها وسعة رحمة اللَّه وغير ذلك.","vol":"7","page":543},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].\nقال ابن عباس: (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودّ وجوه أهل البدعة والفُرْقَة).\nوقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾. أي: تأخذ الملائكة بنواصي المجرمين، أي بشعور مقدم رؤوسهم، وأقدامهم فيقذفونهم في النار. قال الضحاك: (يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره). وقيل: تسحبهم الزبانية إلى النار تارة بجرّهم من نواصيهم وتارة بجزهم من أقدامهم. والنواصي جمع ناصية.\nوالمقصود: المبالغة في إهانة المجرمين والطغاة يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم ربكما -معشر الثقلين- في فصل أهل الطاعة يوم القيامة عن أهل المعصية، وإهانة المجرمين، تكذبان؟ !\nوقوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. أي: يقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: هذه النار التي كنتم تجحدون، فهي اليوم على مرأى أبصاركم تنظرون.\nوقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال قتادة: (يطوفون مرة بين الحميم ومرة بين الجحيم، والجحيم النار، والحميم الشراب). وعن ابن عباس: (﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، أي: قد انتهى غَلْيُه، واشتد حَرُّه). فقوله: ﴿آنٍ﴾ أي: حار شديد الحرارة، قد بلغ غايته في حرّه وحميمه، واشتد غليانه. وكل شيء قد أدرك وبلغ فقد أَنَى.\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال القاسمي: (أي من عقوبته أهل الكفر به، وتكريمه أهل الإيمان به).\n\n٤٦ - ٦١. قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ","vol":"7","page":544},{"text":"بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ حال السعداء الأبرار، بعد ذكر مآل الأشقياء الفجار، فهم يتنعمون بين الجنان والعيون، والفواكه والحور العين، وألوان الملذات الكثيرة، والنعم الجليلة الوفيرة.\nفقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال ابن عباس: (وعد اللَّه جل ثناؤه المؤمنين الذين خافوا مقامه، فأذوا فرائضه الجنة). وقال مجاهد: (الرجل يهمّ بالذنب فيذكر مقامه بين يدي اللَّه فيتركه، فله جنتان). قال القرطبي: (والمعنى خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية. فـ ﴿مَقَامَ﴾ مصدر بمعنى القيام. وقيل: خاف قيام ربه عليه أي إشرافه واطلاعه عليه، بيانه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]).\nوأما الجنتان: فهما بستانان في عرض الجنة. قيل: إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعله رؤسماء الدنيا. وقيل: إحدى الجنتين جنته التي خلقت له وجنة ورثها. وقيل: إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها. - واللَّه تعالى أعلم.\nقلت: وقد ثبت في صحيح السنة حديثان في آفاق معنى هذه الآية.\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيّ عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قيس، عن أبيه: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [جَنّتان من فِضّة، آنِيَتُهُما وما فيهما، وجَنَّتان مِنْ ذَهَبٍ آنيتُهما وما فيهما، وما بينَ القوم وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلا رِداءُ الكِبْرِ على وَجْهِهِ في جنة عَدْن] (١).\nالحديث الثاني: أخرج النسائي في \"التفسير\"، وأحمد في المسند، بسند حسن،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٧٨)، كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (١٨٠)، والترمذي (٢٥٢٨)، وابن ماجة (١٨٦)، وأحمد (٤/ ٤١١).","vol":"7","page":545},{"text":"عن عطاء بن يسار، قال: أخبرني أبو الدّرداء: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قرأ يومًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. فقلت: وإنْ زنى وإن سَرَقَ؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. فقلت: وإنْ زنى وإنْ سَرَقَ يا رسول اللَّه؟ فقال: وإنْ رغِمَ أنفُ أبي الدَّرداء] (١).\nوله شاهد رواه ابن أبي عاصم في \"السنة\" عن عمرو بن الأسود قال: [خرج من منزله وخرج أبو الدرداء وهو يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فذكر عن النبي -ﷺ-: وإن زنى وإن سرق].\nقال ابن كثير: (وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهى من أدَلّ دليل على أن الجنَّ يدخُلون الجنة إذا آمنوا واتقوا).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم ربكما -أيها الجن والإنس- التي أنعم عليكم بإثابته المطيع منكم ما وُصف لكم من الجنان تكذبان؟ !\nوقوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. الأفنان أغصان الشجر. فوصف سبحانه هاتين الجنتين بالأغصان النضرة يصن بعضها بعضًا، وتحمل من ألوان الثمار وأنواعها النضيج البهيج.\nفعن ابن عباس: (﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ قال: ذوَاتا ألوان). وقال عكرمة: (ظلّ الأغصان على الحيطان). وقال الضحاك: (﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ يقول: ألوان من الفاكهة).\nوقال مجاهد: (﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾: ذواتا أغصان).\nوالفَنَنُ في لغة العرب الغُصْن، وجمعه الأَفْنان. والفنون الأنواع. والأفانين: الأساليب، وهي أجناس الكلام وطرقه. ورجل متفنّن: أي ذو فنون. وافتَنّ الرجل في حديثه إذا جاء بالأفانين.\nوخلاصة القول: أن أغصان هاتين الجنتين تحمل فنونًا من الملاذ، وضروبًا من الألوان، في أصناف الفاكهة والثمار، بهجة ونعمة لأهلها، إضافة إلى ظلها المديد الذي يفيض بالأنس والطمأنينة.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٥٨٠)، وأحمد (٦/ ٤٤٢)، والطبري (٣٣٠٨٨)، والبغوي (٤١٨٩) من طرق، وهذا إسناد على شرط الشيخين. ويشهد له ما رواه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٩٧٥)، ورجاله ثقات.","vol":"7","page":546},{"text":"أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ في الجنة لشجرة يسير الراكبُ الجوادَ أو المضمَّرَ السريعَ مئةَ عام ما يقطعها] (١).\nوفي مسند أحمد وصحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللَّه -ﷺ-: [طوبى شجرةٌ في الجنة، مسيرة مئة عام، ثيابُ أهل الجنة تخرُجُ من أكمامها] (٢).\nويشهد له ما رواه ابن جرير عن فرات بن أبي الفرات عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ شجرة غرسها اللَّه بيده، ونفخ فيها من روحه بالحلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة] (٣).\nوقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم اللَّه -معشر الثقلين- من إعداده هذا النعيم لأهل طاعته تكذبان؟ !\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾. أي: وفي هاتين الجنتين عينا ماء تسرحان خلالهما لسقي تلك الأشجار، وإخراج تلك الألوان من الثمار. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾!\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فيهما من كل نوع من الفاكهة ضربان، فبأي آلاء ربكما التي أنعم على أهل طاعته من ذلك تكذبان).\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾. أي: ويضطجع أهل الجنة في جلوسهم على فرش بطائنها من غليظ الديباج. قال عكرمة: (﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قال: الديباج الغليظ). وقال أبو عِمران الجوني: (هو الديباج المَعْمول بالذهب، فَنَبَّهَ على شرف الظِّهارة بشرف البِطانة). وقال أبو إسحاق، عن هُبيرة بن يَرِيم، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: (هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظّواهر؟).\nقال ابن كثير: (وهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى).\nوقوله: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ثمارها دانية).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٥٣) كتاب الرقاق، ومسلم (٢٨٢٨) كتاب الجنة ونعيمها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٧١)، وابن حبان (٢٦٢٥)، وابن جرير في \"التفسير\" (١٣/ ١٠١)، وله شواهد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٨٥).\n(٣) أخرجه ابن جرير - سورة الرعد، آية (٢٩). وفرات هذا قال ابن أبي حاتم (٣/ ٢/ ٨٠) عن أبيه: \"صدوق لا بأس به\".","vol":"7","page":547},{"text":"وقال قتادة: (لا يردّ أيديهم عنه بعد ولا شوك).\nوالمقصود: أن ثمر الجنة قريب من أهلها يتناولونه متى شاؤوا وهم قعود على فرشهم، لا يفصلهم عنه ارتفاع أو شوك، ولا يحتاجون في تحصيله إلى تسلّق الشجر، بل تنحطّ الأغصان بحمولتها من الثمار أمام متناول أيديهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم ربكما -معشر الجن والإنس- من هذه النعم الجليلة التي وصفها لكم مما أعدّه لأهله طاعته تكذبان؟ !\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾.\nأي: في هذه الفرش التي بطائنها من استبرق نساء غضيضات عن غير أزواجهن، قد قصر طرفُهن عن الرجال، فلا ينظرن إلا إلى أزواجهن ولا يرين شيئًا في الجنة أحسن منهم، لم يطأهن أحدٌ قبل أزواجهن من الإنس والجن، بل هم أبكار عُرُبٌ أتراب.\nوعن قتادة: (﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ الآية، يقول: قُصِر طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم). وعن ابن عباس: (﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ يقول: لم يُدْمهنّ إنس ولا جان). وقال مجاهد: (لم يمسّهن).\nوالآية دليل آخر صريح على دخول مؤمني الجن الجنة. قال أرطأةُ بن المنذر: (سُئِلَ ضمرةُ بن حَبيب: هل يدخل الجنُّ الجنّة؟ قال: نعم، ويَنْكِحون، للجن جنِّيات، وللإنس إنسيّات).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم اللَّه عليكما -معشر الجن والإنس- مما وصف لكم تكذبان! .\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. قال السدي: (صفاء الياقوت وحسن المرجان). وقال قتادة: (شبّه بهن صفاء الياقوت في بياض المرجان).\nوقال ابن زيد: (كأنهن الياقوت في الصفاء، والمرجان في البياض. الصفاء: صفاء الياقوتة، والبياض: بياض اللؤلؤ).\nوالآية: نَعْتٌ من اللَّه سبحانه لنساء أهل الجنة للخطّاب من أهل الإيمان ليتقدموا لخطبتهن، فالمهر تقوى اللَّه وتعظيم أمره وحق الخوف منه.\nوقد حفلت السنة الصحيحة بذكر بعض الصفات البديعة لتلك النسوة في الجنة، في أحاديث:","vol":"7","page":548},{"text":"الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند على شرط مسلم عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [للرَّجُلِ من أهل الجنة زوجتان من الحور العين، على كل واحدة سبعون حُلّةً، يُرى مُخُّ ساقها من وراء الثياب] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، عن النبي -ﷺ- أنه قال: [لَرَوْحَةٌ في سبيل اللَّه، أو غَدْوَةٌ خَيْرٌ من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوسِ أحدكم من الجنة أو موضِعُ قِيدٍ -يعني سَوْطَهُ- خَيْرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أنَّ امرأةً من أهل الجنة اطّلعتْ إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأتْهُ ريحًا، ولَنَصِيفُها -أي خمارها- على رأسعها خَيْرٌ من الدنيا وما فيها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ قال: أخبرنا أيوبُ عن محمد -أي: ابن سيرين- قال: إمّا تَفاخروا وإما تذاكرَوا: الرجالُ في الجنة أكثرُ أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أَولمْ يَقُلْ أبو القاسم -ﷺ-: [إنَّ أوَّلَ زُمْرة تدخُلُ الجنة على صورة القمر ليلة البَدْر، والتي تليها على أضوء كوكبٍ دُرِّيٍّ في السماء، لِكُلَّ امْرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يُرَى مُخُّ سوقِهما مِنْ وراءِ اللَّحْمِ، وما في الجنة عَزَبٌ] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي مثل هذه النعم الموصوفة لكم من جميل الثواب -معشر الجن والإنس- تكذبان؟ !\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. قال قتادة: (عملوا خيرًا فجوزوا خيرًا). وقال ابن زيد: (ألا تراه ذكرهم ومنازلهم وأزواجهم، والأنهار التي أعدّها لهم، وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ حين أحسنوا في هذه الدنيا أحسنا إليهم أدخلناهم الجنة).\nوالمقصود: ليس من مقابل للإحسان في العمل في الدنيا إلا الإحسان في الثواب وحسن الاستقبال في الآخرة، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\n\n٦٢ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٥)، وإسناده على شرط مسلم، وتفرّد به أحمد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٩٦)، كتاب الجهاد والسير، ورواه أحمد (٣/ ٢٦٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٤)، كتاب الجنة ونعيمها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، وصحفاتهم وأزواجهم.","vol":"7","page":549},{"text":"مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ حال أصحاب اليمين، وما أعدّ اللَّه لهم في جنات النعيم، من الفاكهة والعيون والحور العين، فتبارك اللَّه رب العالمين.\nفقوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾. أي: ومن دون تلك الجنتين السابقتين الذكر جنتان، هما دونهما في المنزلة والمرتبة والفضيلة، فالأوليان للمقرّبين، والأخريان لأصحاب اليمين. قال ابن زيد: (﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ هما أدنى من هاتين لأصحاب اليمين).\nوقال: (من دونهما في الفضل). قال ابن كثير: (والدليل على شرف الأوليَين على الأخريَين وجوه: أحدهما: أنه نَعَتَ الأُوليين قبل هاتين، والتقديم يَدُل على الاعتناء. ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وهذا ظاهر في شرف التقدم وعلوه على الثاني. وقال هناك: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾، وهي الأغصان أو الفنون في الملاذِّ، وقال هاهنا: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ أي سوداون من شدة الريّ من الماء).\nوتقدم في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن قيس أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عَدْن] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي ألوان هذه النعم وهذا النعيم الموعود لأهل الجنة -معشر الثقلين- تكذبان؟ ! .\nوقوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال ابن عباس: (قد اسودَّتا من الخُضرة، من شدة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٨٠)، ومسلم (١٨٠)، والترمذي (٢٥٢٨)، ورواه أحمد في المسند (٤/ ٤١١).","vol":"7","page":550},{"text":"الرِّيِّ من الماء). وقال قتادة: (خضراوان من الريّ ناعمتان). وقال: (إذا اشتدت الخضرة ضربت إلى السواد). وقال محمد بن كعب: (﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: ممتلئتان من الخضرة).\nوالمقصود: إنهما جنتان تكاثفت الخضرة فيهما فانعكست بالنضارة في الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض.\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: فبأي أمثال هذا النعيم الخلاب في جنان اللَّه التي أعدّها للمتقين -معشر الثقلين- تكذبان؟ ! .\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾. قال ابن عباس: (أي فَيَّاضتان). وقال الضحاك: (أي: ممتلئتان لا تنقطعان). ولا شك أن الجري أقوى من النَّضْخ، وهو الموصوف في أولى الجنتين: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾، فهاتان دونهما.\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾. أي: وفي هاتين الجنتين فاكهة ونخل ورمّان. وقال في الجنتين السابقتين: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾، وهوَ أشمل. قال ابن كثير: (ولا شك أن الأولى أعمّ وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكِهة، وهي نكرة في سياق الإثبات لا تَعُمُّ. ولهذا فُسِّر قوله: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ من باب عطف الخاص على العام، كما قرّره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرَفهما على غيرهما).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾.\nخَيْرات: جمع خَيْرَةٍ، وهي المرأة الصالحة الحسنة الخُلق الحسنة الوجه. وقيل: \"خَيَّرات\" بمعنى خيرات فخفِّف. قال قتادة: (﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ يقول: في هذه الجنان خيرات الأخلاق، حسان الوجوه). وقال ابن زيد: (الخيرات الحسان: الحور العين).\nقال الحكيم الترمذي -صاحب نوادر الأصول-: (فالخيرات ما اختارهنّ اللَّه فأبدع خلقهن باختياره، فاختيار اللَّه لا يشبه اختيار الآدميين). وقال القرطبي: (ثم قال: ﴿حِسَانٌ﴾ فوصفهن بالحسن، فإذا وصف خالق الحسن شيئًا بالحسن فانظر ما هناك).\nيروي الطبراني في \"الصغير\" و\"الأوسط\"، وأبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن باحسن أصوات ما سمعها أحدٌ قط، إنَّ مما يغنين: نحن الخيِّرات الحسان،","vol":"7","page":551},{"text":"أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان. وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا يمتنه، نحن الآمنات فلا يخفنه، نحن المقيمات فلا يظعنه] (١).\nوله شاهد في الروض النضير من حديث أنس، ولفظه: [إن الحور العينَ لتغنين في الجنة يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام].\nوقيل: المراد بـ ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ خيرات كثيرة حسنة في الجنة، والمعنى الأول أرجح، ويؤيده قوله تعالى بعده: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال البخاري: (قال ابن عباس: ﴿حُورٌ﴾ سودُ الحدق. وقال مجاهد: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾ محبوساتٌ، قَصَرْنَ طَرْفهُنَّ وأَنْفُسَهُنّ على أزواجهن). وقال الضحاك: (﴿مَقْصُورَاتٌ﴾ المحبوسات في الخيام لا يخرجن منها). وقال ابن عباس: (﴿فِي الْخِيَامِ﴾: بيوت اللؤلؤ). وقال الحسن: (الخيام: الدّر المجوف). قال ابن كثير: (هناك قال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، ولا شك أن التي قد قَصَرت طَرْفها بنفسها أفضلُ ممن قُصِرت، وإن كان الجميع مُخدَّراتٍ).\nوفي صحيح البخاري عن أبي بكر بنِ عبد اللَّه بن قيس عن أبيه أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنّ في الجنة خيمةً من لؤلؤةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُها سِتُّون ميلًا، في كل زاوية منها أهل ما يَرون الآخرين، يطوفُ عليهم المؤمنون] (٢).\nوأخرجه مسلم بلفظ: [إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدةٍ مُجَوَّفةٍ، طولها سِتّون ميلًا، للمؤمن فيها أهلون يطوفُ عليهم المؤمن فلا يرى بعضُهم بعضًا] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي ألوان النعيم والملاذ الموصوفة لكم -معشر الجن والإنس- مما أعدّه اللَّه لأهل طاعته في الجنة تكذبان؟ ! .\nوقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لم يَمَسَّهن بنكاح فيدميهن إنس قبلهم ولا جان). قلت: وقد تقدم اللفظ نفسه في الجنتين الأوليين، وزاد هناك في وصفهن: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾، لينعت سبحانه زيادة التألق والحسن في جائزة السابقين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط، وأبو نعيم في الحلية. انظر صحيح الجامع (١٥٥٧)، وكذلك (١٥٩٨) للشاهد بعده.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٧٩)، كتاب التفسير. وانظر (٣٢٤٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٨) ح (٢٤)، والترمذي (٢٥٢٨)، وأحمد (٤/ ٤١١).","vol":"7","page":552},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾.\nقال ابن عباس: (الرفرف: فضول المحابس والبسط). وقال قتادة: (﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾: محابس (١) خضر). وقال العلاء بن بدر: (الرَّفرف على السرير، كهيئة المَحابس المتدلِّي). وقال عاصم الجَحْدري: (﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ يعني الوسائد). وقال سعيد بن جبير: (الرَّفرف رياض الجنة). قال النسفي: (﴿عَلَى رَفْرَفٍ﴾ هو كل ثوب عريض وقيل الوسائد).\nوأما قوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾. قال ابن عباس: (العبقري: الزرابي). وقال مجاهد: (العبقري: الديباج). وقال الحسن: (هي بُسط أهل الجنة). وقال أبو العالية: (العبقري: الطنافس المُخْمَلَة، إلى الرّقة ما هي!). وقال القُتَيبي: (كل ثوب مُوَشَّى عند العرب عبقري). وقال أبو عُبيدة: (هو منسوب إلى أرض يُعمل بها الوشي). وقال الخليل بن أحمد: (كُلّ شيء نفيس من الرِّجال وغير ذلك يسمّى عند العرب عبقريًا). وقال ابن الأنباري: (إن الأصل فيه أن عَبْقَر قرية يسكنها الجنّ ينسب إليها كل فائق جليل).\nوفي الصحيحين -نحو ذلك- من قول النبي -ﷺ- يصف عمر بن الخطاب ﵁: [فأخذها ابنُ الخطاب، فَلَمْ أرَ عَبْقريًا من الناس ينزعُ نَزْعَ عمر] (٢).\nوفي رواية: [ثم أخذها عمر بن الخطاب من يد أبي بكر فاستحالت في يده غَرْبًا، قلم أرَ عبقريًا من الناس يفرِي فَرْيَهُ]. قال أبو عمرو بن العلاء: (أي: رئيس قوم وجليلهم).\nوالخلاصة: أن أهل الجنة يتكئون على فرش ووسائد ناعمة، وبُسط منقوشة بديعة.\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أي: فبأي نعم اللَّه -معشر الجن والإنس- من إغداقه ذلك النعيم والرخاء والزينة والنعومة في العيش لأهل كرامته في جنات الخلود تكذبان!\nوقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.\nأي: تبارك اسم ربك -يا محمد- ذي العظمة والكبرياء، والتفضل بالآلاء.\n_________\n(١) المحابس: هي ما يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٦٦٤)، (٧٠٢٢)، ومسلم (٢٣٩٢)، وأحمد (٢/ ٣٦٨).","vol":"7","page":553},{"text":"و﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة، و﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ذو العظمة والكبرياء). والمعنى: تقدّس اللَّه العظيم، ذو الاسم الكريم، فهو أهل أن يُجَلَّ فلا يُعصى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وأن يُذكر فلا يُنسى.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة، قالت: [كان النبي -ﷺ-، إذا سَلَّمَ، لمْ يَقْعُدْ، إلا مِقدار ما يقول: اللهم! أنت السلام ومنكَ السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام] (١).\nوفي مسند أحمد بسند جيد عن ربيعة بن عامر قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [ألِظّوا بذي الجلال والإكرام] (٢). وفي رواية عند الترمذي وأبي يعلى من حديث أنس: [ألِظّوا بياذا الجلال والإكرام] (٣).\n\nتم تفسير سورة الرحمن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الأربعاء ١٨ - شعبان - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢١ - أيلول - ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٩٢) كتاب المساجد، ورواه أحمد (٦/ ٦٢)، وأبو داود (١٥١٢)، والنسائي (٣/ ٦٩)، والترمذي (٢٩٨ - ٢٩٩)، وابن ماجة (٩٢٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٧٧)، والنسائي في \"التفسير\" (٥٨٣)، والحاكم (١/ ٤٩٨) وصححه، ووافقه الذهبي، وإسناده حسن. وله شواهد.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٥٢٢)، وأبو يعلى (٢٧٣٣)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١٧).","vol":"7","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - قرأ النبي -ﷺ- سورة الرحمن على وفد الجن المؤمن.\n٢ - خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار.\n٣ - آلاء اللَّه تعالى ونعمه على الإنس والجن لا تحصى، وقليل من عباده الشكور.\n٤ - يقال للمجرمين يوم الحشر: انفذوا إن استطعتم من السماوات والأرض فرارًا من هول المحشر والزحام، ومن الحساب والقصاص والميزان.\n٥ - المؤمنون يعرفون يوم القيامة بالغرة والتحجيل، والكفار يعرفون بسواد وجوههم.\n٦ - أعدّ اللَّه للمؤمنين في الجنة فرش الإستبرق والثمار الدانية والحور العين الأبكار، ولا ثواب لمن أحسن واستقام على التوحيد إلا الجنة فهي منازل الأخيار.\n٧ - المقارنة بين الجنتين الأوليين والأخريين، تشير إلى سبق الأولين وعلو مقامهم في الغرف والفردوس يوم الدين.\n٨ - ألِظُّوا بياذا الجلال والإكرام، كما كان يفعل نبيكم ﵊.\n* * *","vol":"7","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>٥٦ - سورة الواقعة</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>ما ورد في ذكرها:</span>\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه قد شبت. قال: [شَيَّبَتْني هُودٌ، والواقِعةُ، والمُرْسَلاتُ، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشَّمس كُوِّرتَ] (١).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند على شرط مسلم، عن سماك بن حَرْب، أنه سَمِعَ جابر بن سَمُرةَ يقول: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يُصلي الصَّلوات كنحوٍ من صلاتِكم التي تُصَلُّونَ اليوم، ولكنه كان يُخَفِّفُ، كانت صلاته أخفَّ من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر \"الواقعة\" ونحوها من السور] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>موضوع السورة</span>\nواقعة القيامة وأصناف الناس في الدارين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٢٩٧)، كتاب التفسير - سورة الواقعة. وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٦٢٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٠٤)، وإسناده على شرط مسلم.","vol":"7","page":556},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-325> منهاج السورة</span>-\n١ - إثبات وقعة القيامة، ونَعْتُ أهوال هذه الطامة.\n٢ - ورود الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: السابقون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال.\n٣ - السابقون المقربون هم قليل في الأمم، وقد أعدّ اللَّه لهم في الجنة أجَلَّ النعم.\n٤ - أصحاب اليمين في الظلال والثمار والنعيم، وهم جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين.\n٥ - أصحاب الشمال في الأشقياء يوم الدين، في السموم والحميم وطعام الزقوم وعذاب الجحيم.\n٦ - امتنان اللَّه على عباده بنعمة الخلق والنسل والزرع وماء الشرب ونار الوقود.\n٧ - إقسام اللَّه تعالى بمواقع النجوم، أن القرآن العظيم في كتاب مكنون، لا تصل إليه الشياطين، وإنما الملائكة المقربون.\n٨ - وصف لخظة الغرغرة والفراق، وعجز الحاضرين تخليص الروح من اللحاق.\n٩ - ذكر أصناف الناس عند الاحتضار، فهم على ثلاثة أحوال.\n١٠ - السابقون المقربون وأصحاب اليمين في جنات النعيم، وأهل التكذيب بالحق في نار الجحيم.\n* * *","vol":"7","page":557},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ وقعة القيامة، ونَعْتُ أهوال هذه الطامة، ووصف أصناف الناس في ورودهم وما هم عليه من الحال، فهم السابقون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال.\nفقوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾. أي: إذا نفخ في الصور وقامت القيامة. قال الضحاك: (﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾: يعني الصيحة). قال ابن عباس: (الواقعة والطامة والصاخة، ونحو هذا من أسماء القيامة، عظَّمَهُ اللَّه، وحذّره عباده).\nقال ابن كثير: (الواقعة: من أسماء يوم القيامة، سُمِّيت بذلك لتحقّق كونِها ووجودِها، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥]).\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. قال قتادة: (أي ليس لها مثنوية، ولا رجعة، ولا ارتداد). والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية.\nوالمقصود: ليس لحدوثها مانع يمنع وقوعها، ولا صارف يصرفها، ولا دافع يدفعها.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٧].","vol":"7","page":558},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣].\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول اللَّه! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل] (١).\nوقوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾. أي: خفضت أقوامًا ربما كانوا في الدنيا أعزاء، فأردتهم في نار جهنم. ورفعت أقوامًا ربما كانوا في الدنيا وضعاء، فأبلغتهم مساكن الأبرار في جنات النعيم.\nقال قتادة: (﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ يقول: تخلّلت بهل سهل وجبل، حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقوامًا في كرامة اللَّه، وخفضت أقوامًا في عذاب اللَّه).\nوعن عكرمة قال: (خفضت وأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى. قال: فكان القريب والبعيد من اللَّه سواء).\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾. أي: إذا زلزلت الأرض زلزلة فَحُرِّكت تحريكًا.\nقال ابن عباس: (﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ يقول: زلزلها). وقال مجاهد: (زلزلت). وقال قتادة: (زلزلت زلزلة)، أو قال: (زلزلت زلزالًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. قال ابن عباس: (يقول: فُتِّتَتْ فَتًّا).\nوقال ابن زيد: (صارت الجبال كما قال اللَّه تعالى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]).\nوالبسيسة عند العرب: الدقيق والسويق.\nوالمقصود: صارت الجبال كالدقيق المبسوس، وهو المبلول.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. قال ابن عباس: (الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئًا). وقال قتادة: (كيبيس الشجر، تذروه الرياح يمينًا وشمالًا). وقال الحارث، عن علي ﵁: (﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٤٣١)، كتاب التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٨٥).","vol":"7","page":559},{"text":"كرهَج الغُبار يسطع ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء). وقال عكرمة: (المُنْبَثُّ: الذي قد ذرته الريح وبثَّته).\nوالمقصود: زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها وتسييرها ونسفها، وصيرورتها كالعهن المنفوش كما أفاد ابن كثير ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. أي أصنافًا ثلاثة، كل صنف يشاكل ما هو منه، كما يشاكل الزوج الزوجة. قال عثمان بن عبد اللَّه بن سراقة (١): (اثنان في الجنة وواحد في النار. يقول: الحور العين للسابقين، والعُرُب الأتراب لأصحاب اليمين). وعن ابن عباس: (﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ قال: هي التي في سورة الملائكة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾). وقال مجاهد: (﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ يعني فِرَقًا ثلاثة).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. بيان للأصناف الثلاثة. فأصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشأمة هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. قاله السدي. والمشأمة هي الميسرة. وقال ابن جريج: (أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات).\nوفي صحيح البخاري من حديث الإسراء عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [فلما فُتِحَ عَلَونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعدٌ على يمينه أَسْوِدة، وعلى يساره أَسْوِدة، إذا نظر قِبَل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى. فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظرَ قَبِل شماله بكى] (٢).\nوأما السابقون: فهم أهل السبق إلى الإيمان والعمل الصالح وحمل لواء الجهاد في سبيل اللَّه في كل زمان، لحراسة الدين وسياسة الدنيا به.\nفقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ مبتدأ وخبر، أي: السابقون إلى طاعة اللَّه هم السابقون إلى رحمة اللَّه. ومن أقوال المفسرين في ذلك:\n_________\n(١) هو ابن خالةِ عمر بن الخطاب ﵁.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري - فتح الباري - (١/ ٤٥٨، ٣/ ٤٩٢، ٦/ ٣٧٤).","vol":"7","page":560},{"text":"١ - قال عثمان بن أبي سودة: (﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: أولهم رواحًا إلى المساجد، وأسرعهم خفوقًا في سبيل اللَّه).\n٢ - قال محمد بن سيرين: (هم الذين صلوا إلى القبلتين، دليله قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾).\n٣ - عن محمد بن كعب القُرظي قال: (إنهم الأنبياء).\n٤ - عن سعيد بن جبير قال: (السابقون إلى التوبة وأعمال البر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]).\n٥ - عن ابن عباس قال: (إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية، وسابقان في أمة محمد -ﷺ- وهما أبو بكر وعمر ﵄).\n٦ - قال ابن جرير: (هم الذين سبقوا الناس أولًا إلى الإيمان باللَّه ورسوله).\nقلت: والراجح عندي مما سبق أن السابقين هم حملة لواء الحق في كل زمان من كل أمة، الذين ربطوا مستقبلهم ومصيرهم بمستقبل هذا الحق وهذا الدين العظيم.\nفقد أخرج أبو نعيم في \"الحلية\" وعنه الديلمي بسند جيد عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [في كل قرن من أمتي سابقون] (١). وفي رواية: [لكل قرن من أمتي سابقون]. وفي طريق آخر من حديث أنس بلفظ: [لكل قرن سابق].\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. تأكيد لحسن استقبالهم يوم القيامة من ربهم، فإن الجزاء من جنس العمل.\n\n١٣ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٨)، وعنه الديلمي (٢/ ٣٣٣) معلقًا. وإسناده جيد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٠١)، وانظر للشواهد والروايات الأخرى صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٥٠٤٨)، (٥٠٤٧).","vol":"7","page":561},{"text":"وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: السابقون المقربون هم قليل في الأمم، وقد أعدّ اللَّه لهم أجمل وأجَلَّ النعم، فهم يتلذذون اليوم باللحم والفاكهة والشراب والحور وينعمون بأحسن العطاء والكرم.\nفقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. فيه تفسيران اثنان:\nالتفسير الأول: قيل جماعة من الأمم الماضية وقليل من أمة محمد (ممن آمن بمحمد -ﷺ-).\nالتفسير الثاني: قيل: (كلا الثلتين من أمة محمد -ﷺ-، فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها). روي ذلك عن أبي بكر ﵁.\nوالثلة في لغة العرب: من ثَلَلْثُ الشيء أي: قطعته. (والثلة: كالفرقة).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. قال ابن عباس: (منسوجة بالذهب).\nوقال عكرمة: (مشبكة بالدر والياقوت). قلت: والوضن في كلام العرب: النسج المضاعف، من وَضَنَ فلان الحجر والآجُرَّ إذا وضعه بعضه فوق بعض فهو موضون.\nوالمقصود: أن سرر السابقين في الجنة محكمة النسج والتشبيك.\nوقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾. أي: وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحدٌ وراء أحد.\nقال النسفي: (﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في \"على\"، وهو العامل فيها، أي استقروا عليها متكئين ﴿عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ ينظر بعضهم في وجوه بعض ولا ينظر بعضهم في أقفاء بعض، وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة، و﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حال أيضًا).\nوقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾. أي: يخدمهم ويقوم على راحتهم وطلباتهم أطفال مُبَقّون أبدًا على شكل الولدان لا يتحولون عنه، وهم روعة في الأنس","vol":"7","page":562},{"text":"والجمال. قال مجاهد: (﴿مُخَلَّدُونَ﴾: لا يموتون). وقال ابن جرير: (ولدان على سنّ واحدة، لا يتغيرون ولا يموتون).\nأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن عن أنس بن مالك قال: [سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن ذراري المشركين لم يكن لهم ذنوب يعاقبون بها فيدخلون النار، ولم تكن لهم حسنة يجازون بها فيكونون من ملوك الجنة؟ فقال النبي -ﷺ-: هم خدم أهل الجنة] (١). ورواه ابن مندة بنحوه عن أبي مالك بلفظ: [أطفالُ المشركين هم خَدَمُ أهل الجنة]. قال القرطبي: (والمقصود: أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة، والنعمة إنما تتم باحتفاف الخدم والولدان بالإنسان).\nوقوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. الأكواب: جمع كوب، والمراد الآنية التي لا عُرى لها ولا خراطيم، والأباريق: جمع إبريق، ولها عرى وخراطيم. وسمّي الإبريق كذلك لأنه يبرق لونه من صفائه. والمعين الجاري من ماء أو خمر. قال قتادة: (﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: من خمر جارية).\nوالمقصود: أنّ اللَّه سبحانه زادهم على سرورهم وهم على سررهم شرابًا من الخمر الجارية من العيون، أو الظاهرة للعيون من المعاينة.\nوقوله: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾. قال قتادة: (ليس لها وجع رأس).\nوالمراد: لا يعتري شاربها الصداع كما كان يعتري شارب خمر الدنيا، فإن الاسم واحد والطعم واللون واللذة شيء آخر.\nوقوله: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾. قرأها قراء المدينة والبصرة بفتح الزاي \"لا يُنْزَفون\" أي: لا تنزف عقولهم. وقرأها قراء الكوفة بكسر الزاي: \"لا يُنْزفون\" أي: لا ينفد شرابهم، وكلا المعنيين حق.\nوقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾. أي: ويطوف هؤلاء الولدان المخلدون على السابقين بألوان الفاكهة التي يشتهونها لأنفسهم ويتخيرونها من ثمار الجنة، وكذلك بلحم طير مما لذّ وطاب واشتهته الأنفس.\n_________\n(١) صحيح لشواهده. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٠٨)، وبنحوه أبو يعلى في \"مسنده\" (١٠١١ - ١٠١٢)، والبزار (٢٣٢). وبنحوه روى ابن مندة في \"المعرفة\" (٢/ ٢٦١/ ١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٦٨).","vol":"7","page":563},{"text":"روى الحسن بن عرفة عن ابن مسعود مرفوعًا: (إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويًا) (١).\nقال ابن القيم ﵀: (تضمنت النصوص أن لهم فيها الخبز واللحم والفاكهة والحلوى وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر، وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر).\nوقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. قرئ بالرفع والنصب والجر. أما الجر فقد قرأه حمزة والكسائي، وهو عندئذ معطوف على ﴿بِأَكْوَابٍ﴾. والمقصود: يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور. أو يكون معطوفًا على ﴿جَنَّاتِ﴾، أي هم في جنات النعيم وفي حور. كأنه قال: وفي معاشرة حور - على تقدير حذف المضاف.\nوقرأ الأشهب العقيلي والنخعي بالنصب، والتقدير: ويزوّجون حورًا عينًا.\nوالجمهور على الرفع، أي: وعندهم حور عين، وهو الأرجح، لأنه لا يُطاف عليهم بالحور.\nوالحور: جمع حَوْراء، وهي النقية بياض العين، الشديدة سوادها. والعين: جمع عيناء، وهي النجلاء العين في حُسْن.\nوقوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾. أي: هنّ في صفاء بياضهن وروعة حسنهن، كاللؤلؤ المصون المحفوظ.\nوقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: ثوابًا لهم من اللَّه تعالى على أعمالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وعوضًا من صبرهم على الطاعة والبر.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾. قال ابن عباس: (باطلًا ولا كذبًا).\nوقال مجاهد: (شتمًا ومأثمًا). واللغو من الكلام هو العبث الخالي من المعنى، والتأثيم مصدر أثَّمْتَه، أي قلمت له أثمت. قال محمد بن كعب: (﴿تَأْثِيمًا﴾ أي لا يؤثِّمُ بعضُهم بعضًا). والخلاصة: لا يكون فيها العبث من الكلام ولا الفاحش ولا ما يحمل القبح والإثم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا﴾. قال ابن عباس: (أي يحيِّي بعضهم بعضًا). وقيل: تحييهم الملائكة أو يحييهم ربهم ﷿. ونصب ﴿قِيلًا﴾ بـ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أو هو\n_________\n(١) إسناده جيد - كما ذكر الشيخ وانلي في كتابه: \"صفة الجنة\". طعام الجنة وشرابها (١٢٤).","vol":"7","page":564},{"text":"استثناء منقطع، والتقدير: لكن يقولون قيلًا أو يسمعون. و﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾ منصوبان بالقول، أي: إلا أنهم يقولون الخير. أو على المصدر، أي: إلا أن يقول بعضهم لبض سلامًا. أو يكون وصفًا لـ ﴿قِيلًا﴾، والسلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلًا يسلم فيه من اللغو - حكاه القرطبي.\nقال ابن كثير: (﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾، أي: لا يسمعون في الجنة كلامًا لاغيًا، أي: غَثًّا خاليًا من المعنى، أو مشتملًا على معنى حقير أو ضعيف، كما قال: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]، أي: كلمة لاغية ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾، أي: ولا كلامًا فيه قُبح، ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾، أي: إلا التسليم منهم بعضهم على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠] وكلامهم أيضًا سالمٌ من اللَّغو والإثم).\n\n٢٧ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: العطفُ على ذكر السابقين المقربين، بذكر الأبرار أصحاب اليمين، فهم ينعمون بالثمار والظلال والفاكهة والحور العين، وهم جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين.\nفقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾. أي: فما حال أصحاب اليمين؟ وكيف سيكون مآلهم؟ قال القرطبي: (والتكرير لتعظيم شأن النعيم الذي هم فيه).\nقلت: وأصحاب اليمين هم من أُخِذَ نحو اليمين، وأعطي كتابه بيمينه يوم الحشر في أرض المحشر.\nوقوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. أي في ثمر سدر موقّر حملًا لا شوك فيه. فإن السّدر -عادة- شجر له شوك، وإنما قد خضد اللَّه تعالى شوكه في الجنة فجعل مكان كل شوكة ثمرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. الطلح شجر عظام بأرض الحجاز، واحدته","vol":"7","page":565},{"text":"طلحة، ومنضود: أي: متراكم الثمر. قال ابن عباس: (يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل).\nوقيل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ هو الموز بعضه على بعض، كما ذكر ابن عباس أيضًا. وكذلك في عُرف أهل اليمن، فإنهم يسمون الموز الطلح.\nوقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. أي: وظل دائم لا تنسخه الشمس فتذهبه.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب الجوادَ المضمَّرَ السريع في ظلها مئة عام ما يقطعها] (١). زاد ابن جرير في رواية عنده: (اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾).\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يقول اللَّه: أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطرَ على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. وموضِعُ سَوْطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]] (٢).\nوفيه بإسناد صحيح عن أنس أن النبي -ﷺ- قال: [إنّ في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾. أي جارٍ لا ينقطع. قال الثوري: (يعني يجري في غير أخدود). وأصل السّكب الصبّ. قال القرطبي: (أي وماء مصبوب يجري الليل والنهار في غير أخدود لا ينقطع عنهم. وكانت العرب أصحاب بادية وبلادٍ حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء فوعدوا في الجنة خلاف ذلك، ووصف لهم أسباب النزهة المعروفة في الدنيا، وهي الأشجار وظلالها، والمياه والأنهار واطّرادها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٨١)، ومسلم (٢٨٢٦)، وأحمد (٢/ ٤١٨)، وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٤٠٣). وأخرجه الطبري (٣٣٣٧٨) وله طرق. وانظر صحيح الجامع (٢١٢١).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٢٥)، في أبواب التفسير، سورة الواقعة.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح الترمذي (٢٦٢٦)، وصحيح البخاري (٤٨٨١)، وقد مضى نحوه.","vol":"7","page":566},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾. أي: وهم في فاكهة وفيرة متنوعة الألوان والمذاق، ليست بالقليلة العزيزة كما كانت في بلادهم، بل هي مستمرة عبر فصول السنة المختلفة، لا انقطاع لها في وقت من الأوقات كانقطاع فواكه الصيف فى الشتاء، ولا يمنع مانع من شوك أو حائط أو بعد من تناولها، بل كما قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]، وكما قال جل ذكره: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤].\nوعن قتادة: (﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ قال: لا يمنعهم من تناولها عودٌ ولا شوكٌ ولا بُعْد).\nوفي الصحيحين عن عبد اللَّه بن عباس قال: [خَسَفَت الشمس على عَهْد النبي -ﷺ- فَصَلّى فقالوا: يا رسول اللَّه، رأيناك تناوَلُ شيئًا في مَقامِكَ ثم رَأَيْناكَ تَكَعْكَعْتَ، فقال: إني أُرِيتُ الجنةَ فتناولتُ منها عُنقودًا ولو أَخَذْتُه لأكلتمْ منه ما بقيت الدنيا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾. أي: عالية وطيئة ناعمة. قال النسفي: (﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ رفيعة القدر، أو نضدت حتى ارتفعت، أو مرفوعة على الأسرة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. وصف لما أعدّ اللَّه لهم من الأبكار وأجمل النساء. قال سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عباس: (هن من بني آدم، نساءكن في الدنيا، ينشئهن اللَّه أبكارًا عذارى عربًا).\nو﴿عُرُبًا﴾: جمع عَرُوب، وهي المرأةُ المُتَحبِّبَةُ المتودِّدَةُ إلى زوجها. وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنةَ التَبَعُّل: إنها لَعَرِبَة. وقوله: ﴿أَتْرَابًا﴾ أي: على ميلاد واحد، وهو جمع \"تِرْب\" وهو ما كان من سِنٍّ واحدة. قال سعيد بن جبير: (العُرُب اللاتي يشتهين أزواجهنَّ). وقال ابن عباس: (العُرُب العواشق لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون).\nقال الحافظ ابن كثير: (﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، جرى الضميرُ على غير مذكورٍ، لكن لما دلَّ السياقُ، وهو ذِكرُ الفُرُشِ على النساء اللاتي يُضَاجَعْنَ فيها، اكتفى بذلك عن ذكرهنَّ، وعاد الضميرُ عليهنّ).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٤٨)، كتاب الأذان، ورواه مسلم (٩٠٧)، وأحمد (١/ ٢٩٨)، وأبو داود (١١٨٩)، والنسائي (٣/ ١٤٦ - ١٤٨)، ومالك (١/ ١٨٦ - ١٨٧).","vol":"7","page":567},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. أي: خُلِقْنَ لأصحاب اليمين، أو: ادُّخِرن لأصحاب اليمين. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أنشأنا هؤلاء اللواتي وصف صفتهنّ من الأبكار للذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة). وقال القرطبي: (قيل: الحور العين للسابقين، والأتراب العرب لأصحاب اليمين).\nوقال القاسمي: (﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ متعلق بـ \"أنشانا\" أو \"جعلنا\" أو صفة لـ ﴿أَبْكَارًا﴾ أو خبر لمحذوف، مثل هنّ). وقيل: ويجوز أن يكون قوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ متعلقًا بما قبله، وهو قوله: ﴿أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي: في أسنانهم.\nوفي آفاق هذا المعنى أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ أوَّلَ زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البَدْرِ، والذين يلونهم على أشدَّ كوكب دُرَّيٍّ، في السماء إضاءة، لا يبولون، ولايتغَوَّطونَ ولا يَتْفِلُونَ ولا يمتخطِون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المِسْكُ، ومجامِرُهُم الأَلُوَّةُ، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ واحد، على صورة أبيهم آدم، سِتُّون ذراعًا، في السماء] (١).\nوفي رواية بالضم: (على خُلُقِ رجل واحد).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد بإسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يدخُلُ أهل الجَنَّةِ الجنَّةَ جُردًا مُردًا بيضًا جِعَادًا مُكَحَّلين، أبناءَ ثلاثٍ وثلاثين، وهم على خَلْقِ آدم سِتُّونَ ذِراعًا في عَرْضِ سَبْعَةِ أذرُع] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بإسناد حسن عن معاذ بن جبل: أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [يَدْخُلُ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلينَ أبناء ثلاثٍ وثلاثين سنة] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. أي: جماعةٌ من الأولين، وجماعة من الآخرين. وثلّة مرفوع على الابتداء، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره \"هم\".\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤)، وأحمد (٣١٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٩٥)، وإسناده على شرط الإمام مسلم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٥٤٥) بإسناد حسن في الشواهد.","vol":"7","page":568},{"text":"والمقصود: لأصحاب اليمين ثُلَّتان - القول الأول: ثلة من الأولين من الأمم الماضية، وثلة من الآخرين من هذه الأمة.\nوالقول الثاني: كلا الثلتين من أمة محمد -ﷺ-. قال القاسمي: (أي جماعة وأمة من المتقدمين في الإيمان، وممن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان من هذه الأمة. والكثرة ظاهرة لوفرة أصحاب اليمين في أواخرهم دون السابقين). واللَّه تعالى أعلم.\n\n٤١ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: استكمال للمشهد يوم القيامة بذكر الفريق الثالث -فريق الشقاء- بعد ذكر الفريقين -السابقين وأصحاب اليمين- في السعداء. فهؤلاء أهل الشقوة في طعام الزقوم، وشراب الحميم، وعذاب الجحيم، والخذلان والحرمان من النعيم.\nفقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾. أي: فأيّ شيء هم أصحاب الشمال، وكيف ستكون أحوالهم في الدار الآخرة. قال قتادة: (أي ماذا لهم، وماذا أعدّ لهم).\nوقوله تعالى: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾. تفسير ونعت لصفاتهم في ذلك اليوم.\nوالسموم: الهواء الحار، والحميم: الماء الساخن المغلي. قال القرطبي: (والسموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن. والمراد هنا حرّ النار ولفحها. ﴿وَحَمِيمٍ﴾ أي ماء حارٌّ قد انتهى حرّه، إذا أحرقت النار أكبادهم وأجسادهم فزعوا إلى الحميم، كالذي يفزع من النار إلى الماء ليطفئ به الحر، فيجده حميمًا حارًا في نهاية الحرارة والغليان).\nوقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال ابن عباس: (هو ظل الدخان).","vol":"7","page":569},{"text":"وقال ابن زيد: (ظل الدخان دخان جهنم).\nوالمقصود: أنهم يفزعون من شديد السَّموم إلى الظل فإذا هو ظل من يحموم، أي من دخان جهنم الأسود المحرق.\nوفي التنزيل نحو ذلك: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩ - ٣٤].\nوقوله تعالى: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. قال قتادة: (لا بارد المنزل، ولا كريم المنظر).\nوعن الحسن: (ليس طيّب الهُبوب ولا حسن المنظر).\nوالمقصود: فزعوا إلى ظل ﴿لَا بَارِدٍ﴾ بل هو حار، لأنه من دخان شفير جهنم. ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾ أي وما هو بعذب. وكل ما لا خير فيه فليس بكريم - كذا في كلام العرب.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾. هو سرّ بلوغهم ذلك المقام المهين، وذلك الخزي العظيم. فلقد استحقوا هذه العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا مُتَنَعِّمِين بالحرام. قال ابن عباس: (﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ يقول: منعمين).\nوالمترف: المنعَّم. وقال السّدي: (﴿مُتْرَفِينَ﴾ أي مشركين).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال مجاهد: (يُصِرّون: يدمنون).\nوقال ابن زيد: (الحنث العظيم: الذنب العظيم. قال: وذلك الذنب العظيم الشرك، لا يتوبون ولا يستغفرون).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. أي قد جمعوا إلى الشرك الكفر بالبعث والحساب، وإنكار المعاد والقيامة.\nوقوله تعالى: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)﴾. استبعاد أكبر لبعث الآباء والأجداد.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. أي: قل لهم -يا محمد- إن الأولين من آبائكم والآخرين منكم سيجمعون إلى عرصات القيامة لا نُغادر منهم أحدًا. قال ابن كثير: (﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أي مُؤقَّت بوقت مُحَدَّد، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص). قال القرطبي: (ومعنى الكلام القَسَم، ودخول اللام في قوله تعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ هو دليل القسم في المعنى، أي إنكم لمجموعون قَسَمًا حَقًا خلاف قسمكم الباطل).","vol":"7","page":570},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٥].\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: [قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود! إني رسولُ رسولِ اللَّه -ﷺ-: تعلمون المعادَ إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [ثم ينفخ في الصور. . ثم لا يبقى أحدٌ إلا صعق، ثم يرسل اللَّه تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس! هلمّوا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾.\nأي: ثم إنكم معشر الضالين عن الحق والهدى، المكذبين بالبعث، مدعوُّون إلى طعام من شجر كريه المنظر، كريه الطعم، تملؤون منه بطونكم. قال ابن كثير: (وذلك أنهم يُقْبَضُون ويُسجَرون حتى يأكلوا من شجر الزقوم، حتى يملؤوا منها بطونهم).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول اللَّه -ﷺ- قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لو أنَّ قَطْرَةً من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾. أي: ثم إنكم لشاربون على الزقوم -أو على الأكل- من الماء المغلي الذي قد اشتد غليانه. قيل: وهو صديد أهل النار. قال القرطبي: (أي يورثهم حَرَّ ما يأكلون من الزقوم مع الجوع الشديد عطشًا فيشربون ماء يظنون أنه يزيل العطش فيجدونه حميمًا مُغْلى).\nوقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. الهيم: الإبل العطاش التي لا تَرْوى لداء\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٨٣)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٦٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٤٠)، وأحمد في المسند (٢/ ١٦٦).\n(٣) حديث صحيح. انظر تخريج \"مشكاة المصابيح\" (٥٦٨٣)، وصحيح الجامع الصغير (٥١٢٦).","vol":"7","page":571},{"text":"يصيبها. قاله ابن عباس. وقال عكرمة: (هي الإبل المِراض). وقال الضحاك: (الهيم الإبل يصيبها داء تعطش منه عطشًا شديدًا). وواحدها أَهْيَم والأثنى هَيْماء، ويقال لذلك الداء الهُيَام. وروي أيضًا عن ابن عباس: (فيشربون شرب الرمال التي لا ترْوى بالماء). قال المهدوي: (ويقال لكل ما لا يروى من الإبل والرمل أهيم وهيماء). قال النسفي: (والمعنى أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل، فإذا ملؤوا منه البطون سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين وهما لذوات متفقة، وصفتان متفقتان، لأن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما يشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضًا، فكانتا صفتين مختلفتين).\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾. تهكّم بهم. أي: هذا الموصوف هو رزقهم الذي يُعَدّ لهم، وهو ضيافتهم عند نزولهم عند ربهم في ذلك اليوم، قال القاسمي: (وفيه مبالغة بديعة، لأن النزل ما يعدّ للقادم عاجلًا إذا نزل، ثم يؤتى بعده بما هو المقصود من أنواع الكرامة، فلما جعل هذا، مع أنه أمر مهول، كالنزل، دلّ على أن بعده ما لا يطيق البيان شرحه. وجعله نزلًا، مع أنه ما يكرم به النازل، متهكمًا، كما في قوله:\nوكنا إذا الجبارُ بالجيش ضافَنا ... جعلنا القنا والمُرْهقاتِ له نُزْلًا).\n\n٥٧ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً","vol":"7","page":572},{"text":"وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى على عباده بنعمة الخلق لهم، وللماء الذي يعقب التناسل بينهم، وللزرع وماء الشرب والنار التي يوقدون عليها طعامهم.\nفقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾. تقرير من اللَّه تعالى للمعاد، وتكذيب لأهل الزَّيغ والإلحاد. الذين استبعدوا البعث بقولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. قال ابن كثير: (﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾، أي: نحق ابتدأنا خَلْقَكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، أفليس الذي قدر على البَدْأةِ بقادر على الإعادة بطريق الأَوْلى والأحرى، فلهذا قال: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾، أي: فهلا تُصَدِّقُون بالبعث!).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾. حجة أخرى على المشركين منكري البعث والحساب، فإن اللَّه تعالى متصف بالخلق دومًا وقد أنشأكم من ماء مهين. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذبين بالبعث: أفرأيتم أيها المنُكرون قُدرة اللَّه على إحيائكم من بعد مماتكم النطف التي تمنون في أرحام نسائكم، أأنتم تخلقون تلك أم نحن الخالقون).\nوقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ الآية.\nقال مجاهد: (﴿قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾: المستأخر والمستعجل). قال القاسمي: (أي كتبنا على كل نفس ذوقَه. أي: ومن كان سبيله ذلك، فشأنه أن يرهب من نزوله، ويتأهَّب لما يخوّف به من بعده. والجملة مقررة لما قبلها بإيذان أنهم في قبضة القدرة، فلا يغترون بالإمهال، بدليل ما قدره عليهم من الموت. وفي قوله تعالى: ﴿بَيْنَكُمُ﴾ زيادة تنبيه، كأنه بين ظهرانيهم، ثم أكّد ما قرره بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي بمغلوبين ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أي بعد مهلككم، فنجيء بآخرين من جنسكم ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من صور وأشكال أخرى، فكيف نعجز عن إعادتكم؟).\nوقوله: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال مجاهد: (في أي خلق شئنا).\nقال النسفي: (وعلى أن ننشئكم في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يعني أنا نقدر على الأمرين جميعًا: على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم، فكيف نعجز عن إعادتكم!).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال مجاهد: (﴿النَّشْأَةَ","vol":"7","page":573},{"text":"الْأُولَى﴾: إذ لم تكونوا شيئًا). وقال قتادة: (هو خلق آدم). قال القرطبي: (﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ أي إذ خُلقتم من نُطْفة ثم من عَلَقة ثم من مُضْغة ولم تكونوا شيئًا. . . ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي فهلّا تذكرون. وفي الخبر: عجبًا كل العجب للمكذّب بالنشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبًا للمصدّق بالنشأة الآخرة وهو لا يسعى لدار القرار).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾.\nاحتجاج آخر على منكري البعث والمعاد. أي: أخبروني عن أرضكم حين تطرحون فيها البَذْر، أأنتم تنبتونه زرعًا فيكون فيه السنبل والحبّ، أم ليس لكم إلا إلقاء البذر بعد شق الأرض، ثم الإنبات وإخراج الحب والسنبل علينا؟ ! إنكم تقرون للَّه بذلك، فيكف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم؟\nأخرج ابن حبان في صحيحه، والبزار والطبري بسند حسن عن أبي هريرة قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: لا تقولنَّ: زَرَعْتُ ولكن قل: حرثتُ. قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾.\nأي: لو نشاء لجعلنا زرعكم هشيمًا متكسرًا، لا ينتفَعُ به في مطعم وغذاء، فظلتم تعجبون بحطامه وتندمون مما حلّ بكم.\nفعن ابن عباس: (﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ قال: تعجبون). وقال عكرمة: (تلاومون).\nوقال الحسن: (تندمون). وأصل التفكه في كلام العرب: التعجب أو التندم. قال الرازي: (و\"تفكه\" تَعَجَّبَ. وقيل: تَنَدَّم. قال اللَّه تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي تَنْدَمون. وتفكَّهَ بالشيء تمتَّعَ به). وقوله: ﴿فَظَلْتُمْ﴾ أصله: \"فظَلَلْتُم\" وحذفت اللام الأولى للتخفيف.\nوفي الآية تنبيه للمشركين على أمرين:\n١ - ما أولاهم به من النِّعم في زرعهم إذ لم يجعله حطامًا ليشكروه.\n٢ - ليعتبروا بذلك في أنفسهم، كما أنه يجعل الزرع حطامًا إذا شاء، وكذلك\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البزار (١٢٨٩) \"كشف\" وابن حبان (٥٧٢٣)، والطبري (٣٣٤٩٢)، وأبو نعيم (٨/ ٢٦٧)، والبيهقي (٦/ ١٣٨)، وفي \"الشعب\" (٥٢١٧)، ورجاله ثقات.","vol":"7","page":574},{"text":"يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا - حكاه القرطبي.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. أي: لو جعلناه حُطامًا لظَلْتمُ تفكَّهونَ في المقالة، تُنَوِّعُون كلامَكُم، فتقولون تارةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾. أي مُلْقَون للشر معذبون لا يثبت لنا مال. ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون﴾ أي محدودون -لا حَظَّ لنا-.\nفعن عكرمة: (﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قال: إنا لمولَع بنا). وقال قتادة: (﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾: أي معذّبون). وقال مجاهد: (مُلْقون للشر). واختار ابن جرير أن معناه: إنا لمعذّبون، لأن الغرام عند العرب العذاب.\nوعن مجاهد: (﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قال: حُورِفنا فحرمنا). والمحروم الممنوع من الرزق، أو هو ضد المرزوق -وهو المحارِف-. قال ابن جرير: (وقوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ يعني بذلك تعالى ذكره أنهم يقولون: ما هلك زرعنا وأصبنا به من أجل ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ولكنا قوم محرومون، يقول: إنهم غير مجدودين، ليس لهم جَدّ (١».\nوقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (المزن: السماء والسحاب). وقال ابن زيد: (المزن: السحاب اسمها).\nوالمعنى: أفرأيتم أيها الغافلون هذا الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من السحاب فوقكم إلى قرار الأرض، أم نحن منزلوه لكم.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. الأجاج من الماء: هو ما اشتدت ملوحته.\nوالمقصود: لو شئنا جعلنا ذلك الماء النازل لكم من المزن ملحًا فلم تنتفعوا منه بشراب ولا غرس ولا زرع، فهلّا شكرتم ربكم أن أنزله لكم عَذْبًا تشربون وتنتفعون.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾. أي: أخبروني عن النار التي تظهرونها بالقدح من الزناد، فتستخرجونها من أصلها. قال النسفي: (والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى الزند والأسفل الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة).\nوقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾. أي: أأنتم خلقتم شجرتها أم نحن الخالقون لها ابتداء. قال ابن كثير: (أي: بل نحن الذين جعلناها مُودَعًة في\n_________\n(١) أي حظ.","vol":"7","page":575},{"text":"موضِعها، وللعرب شجرتان، إحداهما: المَرْخُ، والأخرى: العَفَار، إذا أُخِذَ منهما غصنان أخضران فَحُكَّ أحدُهما بالآخر تناثَرَ مِن بينهما شَرَرُ النار).\nوقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾. أي: نحن جعلنا نار الدنيا موعظة للنار الكبرى في الآخرة. قال مجاهد: (﴿تَذْكِرَةً﴾: للنار الكبرى التي في الآخرة).\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [نارُكُم جُزْءٌ مِنْ سبعين جُزْءًا من نار جهنم. قيل: يا رسول اللَّه، إنْ كانت لكافِيةٌ، قال: فُضِّلَت عليهن بِتسعةٍ وستين جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرّها] (١).\nوقوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قال ابن عباس: (المقوين: المسافرين). وقال الضحاك: (أي منفعة للمسافرين، سمّوا بذلك لنزولهم القَوَى وهو القفر).\nوقال الفرّاء: (إنما يقال للمسافرين: مُقْوين إذا نزلوا القِىّ وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها). وفي لغة العرب: منزلٌ قَوَاء: لا أنيس به، وأَقْوَت الدار وقَوِيت إذا خلت من سكانها. وأقوى الرجل إذا سافر، أي نزل القَواء والقِيّ. وقال مجاهد: (﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: للحاضر والمسافر، لكل طعام لا يُصْلِحه إلا النار). وقال أيضًا: (المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار باللَّه منها). وقال ابن زيد: (للجائعين في إصلاح طعامهم).\nقلت: ويبدو أن الآية تصلح للجميع، لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير، والعرب تقول: بات فلان القَواء وبات القفرَ إذا بات جائعًا على غير طُعْم. قال القشيري: (وخص المسافر بالانتفاع بها لأن انتفاعه بها أكثر من منفعة المقيم، لأن أهل البادية لابد لهم من النار يوقدونها ليلًا لتهرب منهم السباع، وفي كثر من حوائجهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. أي: فنزه اللَّه الذي خلق الأضداد: الماء العذب والماء الأجاج، فجعل هذا في الأنهار وذاك في البحار، وخلق النار فجعلها في الدنيا مصلحة للعباد، وجعلها كذلك زاجرًا لهم في المعاد.\nفعظّم ربك -يا محمد- ونزهه عما أضافه إليه المشركون من الأنداد، والعجز عن البعث يوم التناد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٣٢٦٥)، كتاب بدء الخلق. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٨٨).","vol":"7","page":576},{"text":"٧٥ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾.\nفي هذه الآيات: إقسامُ اللَّه تعالى بمواقع النجوم، أنّ القرآن العظيم في كتاب مكنون، لا تصل إليه الشياطين، وأنه تنزيل رب العالمين، فكيف يجحد بآيات اللَّه بعد ذلك الجاحدون.\nفقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: \"لا\" صلة، والمعنى: فأقسم، بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾. وهو قول أكثر المفسرين.\nالتأويل الثاني: \"لا\" بمعنى \"ألا\" للتنبيه، والمراد التنبيه على فضيلة القرآن ليتدبروه، وأنه ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة كما زعم المشركون.\nالتأويل الثالث: \"لا\" زائدة، والتقدير: أقسم بمواقع النجوم، ويكون جواب القسم: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾. ذكره سعيد بن جبير.\nالتأويل الرابع: \"لا\" ليست زائدة، بل لها معنى، وإنما يؤتى بها في أول القسم إذا كان مُقْسَمًا به على منفيّ. كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: [لا، واللَّه ما مَسَّت يدُ رسول اللَّه -ﷺ- يدَ امرأة قطّ] (١).\nفتقدير الكلام في الآية: لا. أقسمُ بمواقع النجوم، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة، بل هو قرآن كريم. قال الفراء: (هي نفي، والمعنى: ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف ﴿أُقْسِمُ﴾).\nالتأويل الخامس: \"فَلأُقْسِم\" بغير ألف بعد اللام، وهي قراءة الحسن، والتقدير: فلأنا أقسم بذلك.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧١٣)، ومسلم (١٨٦٦)، وغيرهما.","vol":"7","page":577},{"text":"قلت: وكل ما سبق محتمل يدل على وجوه الإعجاز الكثيرة لهذا القرآن العظيم، ويفيد أن المعنى قَسَمٌ من اللَّه ﷿، الذي يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: بمنازل القرآن. قال ابن عباس: (نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين بعد. قال: وتلا ابن عباس هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ قال: نزل متفرّقًا).\nوقال عكرمة: (إن القرآن نزل جميعًا، فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل يأتي بالسورة، وإنما نزل جميعًا في ليلة القدر). وعن مجاهد: (﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ قال: هو محكم القرآن).\nالتأويل الثاني: مواقع النجوم: مساقطها ومغاربها. قال مجاهد: (﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: قال: في السماء، ويقال مطالعها ومساقطها). وقال قتادة: (﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: أي مساقطها).\nالتأويل الثالث: مواقع النجوم: منازلها. قاله عطاء بن أبي رباح.\nالتأويل الرابع: مواقع النجوم: انتثارها وانكدارها. قال الحسن: (انكدارها وانتثارها يوم القيامة).\nالتأويل الخامس: هي الأنواء المعروفة في الجاهلية. قال الضحاك: (هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا مُطِروا قالوا مُطِرنا بِنَوْء كذا).\nقلت: الراجح أن المراد مساقط النجوم ومغايبها في السماء، يدل على ذلك لفظ ﴿بِمَوَاقِعِ﴾ وهو جمع موقع، والموقع المفعل: من وقع يقع موقعًا وهو اختيار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: وإن هذا القسم الذي أقسمتُ به لقَسَمٌ عظيمٌ، لو تعلمونَ عظمَتَه لَعَظَّمْتُم المُقسم به عليه).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾. قيل: إن الهاء تعود على القرآن، أي إن القرآن لقسم عظيم، قاله ابن عباس وغيره. وقيل: ما أقسم اللَّه به عظيم ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ذكر المقسم عليه. قال القرطبي: (أي أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن قرآن كريم، ليس","vol":"7","page":578},{"text":"بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم محمود، جعله اللَّه تعالى معجزة لنبيّه -ﷺ-، وهو كريم على المؤمنين، لأنه كلام ربهم، وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء، لأنه تنزيل ربّهم وَوَحيْه. وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ أي غير مخلوق. وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ لما فيه من كريم الأخلاق ومعاني الأمور. وقيل: لأنه يُكَرّم حافظه، ويُعظّم قارئه).\nوقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾. أي مصون عند اللَّه محفوظ من الباطل.\nقال ابن عباس: (الكتاب الذي فى السماء). وقال جابر بن زيد وابن عباس أيضًا: (هو اللوح المحفوظ).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال ابن عباس: (الكتاب الذي في السماء).\nوالمقصود: أن القرآن الذي في اللوح المحفوظ لا يمسّه إلا الملائكة المقربون، ولا سبيل إلى أن يتناوله الشياطين. قال ابن زيد: (زعموا أن الشياطين تنزّلت به على محمد، فأخبرهم اللَّه أنها لا تقدر على ذلك، ولا تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا، وهو محجوب عنهم، وقرأ قول اللَّه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١ - ٢١٢]).\nفالحديث عن القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون أي اللوح المحفوظ - عند اللَّه تعالى.\nوهذه طائفة من أقوال المفسرين في ذلك:\n١ - عن ابن عباس قال: (إذا أراد اللَّه أن ينزل كتابًا نسخته السفرة، فلا يمسه إلا المطهرون، قال: يعني الملائكة).\n٢ - عن سعيد بن جبير: (﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: الملائكة الذين في السماء).\n٣ - عن أبي العالية: (﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب).\n٤ - عن قتادة: (﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ذاكم عند ربّ العالمين، فأما عندكم فيمسه المشرك النجس، والمنافق الرَّجِس).","vol":"7","page":579},{"text":"قلت: وأما من ذهب إلى أن المراد منع المحدث أو الجنب أو الحائض من مسّ المصحف فإن الآية ليست في هذا السياق من جهة، والأحاديث في ذلك كلها ضعيفة من جهة أخرى. ويدحضها قول النبي -ﷺ-: [المؤمن لا ينجس].\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة: [أنه لقي النبي -ﷺ- في طريق من طرق المدينة وهو جنب، فانْسَلَّ فذهب فاغتسل، فتفقّدَه النبي -ﷺ-، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول اللَّه، لقيتَني وأنا جُنُبٌ فكرِهْتُ أن أجالسك حتى أغتسل، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: سبحان اللَّه، إن المؤمن لا ينجس] (١).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن حذيفة، أنّ رسول اللَّه -ﷺ- لقيه وهو جُنُبٌ، فحادَ عنه فاغْتَسل، ثم جاء فقال: كنتُ جُنُبًا قال: [إن المُسْلِمَ لا ينجُس] (٢).\nوفيه عن عائشة قالت: [كان النبي -ﷺ- يذكر اللَّه على كل أحيانِه] (٣).\nوأما ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم: [أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه -ﷺ- لِعَمْرو بن حزم: أن لا يمَسَّ القرآنَ إلا طاهر] (٤).\nفمفهومه أن أهل القرآن هم أهل الطهارة، فأما المؤمن فلا ينجس، ومن ثمّ فلا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.\nففي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر: [أن رسول اللَّه -ﷺ- نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو] (٥).\nوقد روي عن أبي حنيفة جواز مسّ المحدث المصحف، وكذلك عن جماعة من السَّلف منهم ابن عباس والشَّعبي وغيرهما.\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال جابر بن زيد: (القرآن من ذلك الكتاب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٧١)، كتاب الحيض. باب الدليل على أن المسلم لا ينجس.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٧٢)، كتاب الحيض. الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٧٣)، كتاب الحيض. باب ذكر اللَّه تعالى في حال الجنابة وغيرها.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٩٩)، ورواه أبو داود من حديث الزهري.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (١٨٦٩)، وأبو داود (٢٦١٣)، وأحمد (٢/ ٧)، وابن حبان (٤٧١٣)، وغيرهم.","vol":"7","page":580},{"text":"قال ابن كثير: (أي: هذا القرآن منزَّلٌ من رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سِحْرٌ، أو كَهانَةٌ، أو شِعْرٌ، بل هو الحق الذي لا مِرْيَةَ فيه، وليس وراءه حقّ نافع).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مكذّبون غير مصدقين). وقال مجاهد: (تريدون أن تُمالِئوهم فيه، وتركنوا إليهم).\nوالمدهِنُ الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبِّه بالدهن في سهولة تليّنه وتغيره.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره، وقصصت عليكم أمره أيها الناس أنتم تلينون القول للمكذّبين به، ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: وتجعلون شكركم للَّه تعالى على امتنانه عليكم بالرزق والخير والعافية هو التكذيب والجحود والنكران!\nقال الحسن: (بئسما أخذ قوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب اللَّه إلا التكذيب به).\nأو قال: (خسر عبد لا يكون حظه من كتاب اللَّه إلا التكذيب).\nيروي ابن جرير بسنده عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁: (﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: شكركم. قال: شكركم، تقولون مُطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا).\nثم روى بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: (ما مُطر الناس ليلة قطّ، إلا أصبح بعض الناس مشركين يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا. قال: وتجعلون شكركم أنكم تكذبون).\nقلت: وهذان الأثران عن علي وابن عباس ﵄ يصلحان شاهدين للحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ابن عباس قال: [مطر الناس على عهد النبي -ﷺ-، فقال النبي -ﷺ-: أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾] (١).\nوالنازل هو قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، والباقي من الآيات نزل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٣)، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء.","vol":"7","page":581},{"text":"بغير ذلك، ولكن اجتمعا في وقت النزول، فذكر الجميع من أجل ذلك، كما ذكر النووي عن ابن الصلاح.\nوقد ورد هذا المعنى كذلك في الصحيحين من حديث زَيْد بن خالدٍ الجُهَنيّ قال: [صلّى لنا النبي -ﷺ- صلاة الصبح بالحديبية على إثْرِ سماءٍ كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمِنٌ بي وكافر، فأما من قال: مُطِرْنا بفضل اللَّه ورحمته فذلك مؤمن بي كافرٌ بالكوكب، وأما مَنْ قال: بنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافِرٌ بي ومؤمنٌ بالكوكب] (١).\n\n٨٣ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾.\nفي هذه الآيات: وصفُ لحظة الغرغرة والفراق، وعجز الحاضرين أمام المحتضر عن إنقاذ الروح من اللحاق.\nفقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾. أي: فهلا إذا بلغت النفس أو الروح الحلقوم عند الاحتضار، والحلقوم ممر الطعام والشراب. كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٦ - ٣٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد من حضر من أهل الميت ينتظرون متى تخرج نفسه). قال ابن كثير: (﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾، أي: إلى المحتضر وما يُكابده من سكرات الموت). وقال القرطبي: (﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أمري وسلطاني. وقيل: تنظرون إلى الميّت لا تقدرون له على شيء. وقيل: المعنى فهلّا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع وأنتم حضور أمسكتم روحه في جسده، مع حرصكم على امتداد عمره، وحبكم لبقائه. وهذا ردّ لقولهم: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٤٦)، كتاب الأذان، وكذلك (١٠٣٨)، وأخرجه مسلم (٧١)، ومالك (١/ ١٩٢)، وأحمد (٤/ ١١٧)، وغيرهم.","vol":"7","page":582},{"text":"إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. وقيل: هو خطاب لمن هو في النزع، أي إن لم يك ما بك من اللَّه فهلّا حفظت على نفسك الروح).\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾. أي بالقدرة والعلم والرؤية. وقيل: بملائكتنا.\nقال ابن جرير: (يقول: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. أي: لا ترون حضور هؤلاء الملائكة. وقال النسفي: (﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾: لا تعقلون ولا تعلمون). أي قرب قدرة اللَّه ورؤيته.\nوفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [الميِّتُ تَحْضُرُه الملائكة. فإذا كان الرجل صالحًا، قالوا: اخْرُجي أيتها النفس الطيِّبة! كانت في الجسد الطيِّب. . . . وإذا كان الرجل السوء قال: اخرُجي أيتها النفس الخبيثة! كانت في الجسد الخبيث] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾. أي: فهلّا أرجعتم هذه الروح إلى جسدها ومنعتم مغادرتها إن كنتم غير محاسبين بأعمالكم.\nقال ابن عباس: (﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾: يقول: غير محاسبين). وقال ابن زيد: (كانوا يجحدون أن يُدانوا بعد الموت، قال: وهو مالك يوم الدين، يوم يُدان الناس بأعمالهم، قال: يدانون: يحاسبون). وعن الحسن: (﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غير مبعوثين يوم القيامة، ترجعونها إن كنتم صادقين). وقال أيضًا: (غير مصدقين أنكم تُدانون وتبعثون وتجزون، فَردُّوا هذه النَّفس). وعن مجاهد: (﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾: غير مُوقنين). وقال ميمون بن مهران: (غير معذبين مقهورين).\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قال القاسمي: (أي في أنكم غير مسوسين، مربوبين مقهورين).\n\n٨٨ - ٩٦. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٢٦٢)، كتاب الزهد. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٣٧).","vol":"7","page":583},{"text":"مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر أصناف الناس عند الاحتضار، فهم على ثلاثة أحوال: السابقون المقربون، ثم يليهم أصحاب اليمين، وكلاهما في جنة النعيم. ثم أهل التكذيب بالحق أهل الجحيم.\nفقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. أي: فأما إن كان هذا المتوفّى من السابقين المقربين الذين قَرَّبَهم اللَّه من جواره في جنانه. ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: راحة ومستراح). وقال: (يعني بالريحان: المستريح من الدنيا).\nوعن مجاهد: (﴿فَرَوْحٌ﴾ قال: راحة. ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ قال: الرزق). وقال سعيد بن جبير: (الرَّوْح: الفرح، والرَّيحان: الرزق). وقال الضحاك: (الرَّوح: المغفرة والرحمة، والرَّيحان: الاستراحة). وقال مجاهد أيضًا: (﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: جنّةٌ ورَخاء). وقال قتادة: (فروحٌ ورحمة).\nوالخلاصة: إن كان المتوفى من أهل القربات: الذين فعلوا الواجبات والمستحبّات، وتركوا المحرّمات والمكروهات وبعض المباحات، حصل له من جميع ما سبق ذكره من الرحمة والراحة، والرخاء والاستراحة، والفرح والسرور، والرزق الطيب الموفور، ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾.\nأخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عائشة قالت: [سمعت النبي -ﷺ- يقرؤها: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾] (١). أي برفع الراء.\nوفي سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إنّ الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرُجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (٢).\nوفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا:\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه أبو داود (٣٩٩١)، والترمذي (٢٩٣٨)، والنسائي في \"التفسير\" (٥٨٦)، وأحمد (٦/ ٦٤)، وأبو يعلى (٤٥١٥)، والحاكم (٢/ ٢٣٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٢٦٢) كتاب الزهد، وهو جزء من حديث أطول.","vol":"7","page":584},{"text":"[فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مدّ بصره] (١).\nوفي مسند أحمد، عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال؟ [إنما نَسَمةُ المؤمن طائرٌ يعلَقُ في شجر الجنة، حتى يَرْجِعَه اللَّه إلى جسده يوم يَبْعثه] (٢).\nوأصل ذلك المعنى في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن مسعود -في شأن أرواح الشهداء- قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أرواحهم في جَوْف طَيْرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ مُعَلَّقةٌ بالعرش تَسْرحُ من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل] الحديث (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾.\nأي: وأما إن كان المتوفى من أصحاب اليمين، فإن الملائكة تبشره عند احتضاره أن سلامٌ عليك، ورافقتك السلامة حتى تلحق بأصحاب اليمين فإنك منهم، وهم يسلمون عليك.\nقال البخاري: (﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾: أي: مُسَلَّمٌ لكَ إنَّكَ من أصحاب اليمين، وأُلْغِيَتْ إنَّ وهوَ مَعْناها، كما تقول: أنْتَ مُصَدّقٌ، مسافِرٌ عَنْ قليل، إذا كان قد قال: إني مسافرٌ عن قليل، وقد يكون كالدعاءِ له كقولِكَ: فَسَقْيًا من الرجال. إنْ رَفَعْتَ -السّلامُ- فهو من الدعاء).\nوعن قتادة: (﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. قال: سَلِمَ من عذاب اللَّه، وسَلّمت عليه ملائكة اللَّه). وقال عكرمة: (تُسَلِّم عليه الملائكة، وتخبرُه أنه من أصحاب اليمين). وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والنسائي (١/ ٢٨٢)، ورواه ابن ماجة (١/ ٤٦٩)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٥)، ورجاله رجال الشيخين سوى الشافعي، وهو ثقة إمام.\n(٣) حديث صحيح. رواه مسلم (١٨٨٧) من حديث ابن مسعود، كتاب الإمارة، في أثناء حديث طويل.","vol":"7","page":585},{"text":"والشق الثاني من المعنى ذكره النسفي جيث قال: (﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. أي فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي يسلمون عليك، كقوله: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾. أي: وأما إن كان المحتضر من أهل التكذيب بالحق، وأهل اتباع الهوى والضلال، فإن الضيافة ستكون من الشراب المغلي الذي قد انتهى حره، في أرجاء النار التي تغمره، فبئس الشراب وبئس الرزق وبئس المستقر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾. قال مجاهد: (الخبر اليقين).\nقال القرطبي: (أي هذا الذي قصصناه محض اليقين وخالصه. وجاز إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما. قال المبرِّد: هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين، فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين. وعند البصريين: حق الأمر اليقين أو الخبر اليقين. وقيل: هو توكيد).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. أي: فنزّه اللَّه تعالى عن النقائض والعيوب، فاذكره وعظّمه حق الذكر والتعظيم. قال القاسمي: (﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: نزهه عما يصفونه به من الأباطيل، وما يتفوهون به من الأضاليل، قولًا وعملًا).\nأخرج الترمذي والنسائي بسند حسن عن جابر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ قال: سبحان اللَّه العظيم وبحمده غُرِست له نخلةٌ في الجنّة] (١).\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم] (٢).\nوفي صحيح سنن ابن ماجة عن حذيفة بن اليمان: [أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول إذا\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٤٦٤)، (٣٤٦٥)، والنسائي (٨٢٧)، وابن حبان (٨٢٦)، والحاكم (١/ ٥٠١)، وفيه عنعنة أبي الزبير، لكن له شاهد أخرجه الحاكم (١/ ٥١٢) من حديث أبي هريرة، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٠٦)، (٦٦٨٢)، (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤)، والترمذي (٣٤٦٧)، والنسائي (٨٣٠)، وابن ماجة (٣٨٠٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٢).","vol":"7","page":586},{"text":"ركع: \"سبحان ربي العظيم\" ثلاث مَرَّات. وإذا سجد قال: \"سبحان ربي الأعلى\" ثلاث مَرَّات] (١).\n\nتم تفسير سورة الواقعة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر السبت ٢٨ - شعبان - ١٤٢٦ هـ الموافق ١ - تشرين الأول - ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٨٨٢). انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٧٢٥)، وصحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٧٧٤).","vol":"7","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الناس ثلاثة أصناف: السابقون المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.\n٢ - في كل أمة مؤمنة سابقون وأصحاب اليمين، وخيرهم أمة محمد -ﷺ-.\n٣ - في الجنة فاكهة مختلفة ولحم طير وحور عين خصصت للمقربين.\n٤ - في الجنة سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود خصص لأهل اليمين.\n٥ - المؤمنات يُحْشَرن أبكارًا عُرُبًا أترابًا، في بهاء وجمال، وحلاوة وظرافة.\n٦ - ذات الأزواج في الدنيا تختار أحسنهم أخلاقًا زوجًا لها في الجنة.\n٧ - أصحاب الشمال في سموم وحميم، وظل من يحموم، وغسلين وزقوم.\n٨ - استبعاد المكذبين بالبعث إعادتهم يوم الحشر، واللَّه خلقهم من عدم فهو القادر على إخراج كل واحد منهم من القبر.\n٩ - اللَّه تعالى زرع لهم وأمطرهم ورزقهم، فقابلوه بالكفر والنكران، والجحود وعبادة الشيطان.\n١٠ - المطهرون هم الملائكة البررة المقربون، والسابقون لا خوف عليهم فهم الأبرار المقدمون، وأصحاب اليمين يبشرون بالسلام والنعيم، وأهل التكذيب يساقون إلى الحميم وقرار الجحيم.\n* * *","vol":"7","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>٥٧ - سورة الحديد</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٢٩).\nأخرج أبو داود والترمذي وأحمد والنسائي بسند حسن عن خالد بن مَعْدان، عن ابن أبي بلال، عَنْ عِرْباض بن سارية أنه حدّثهم: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- كان يقرأ المُسَبِّحات قبل أن يرقد، وقال: إنَّ فيهنَّ آيةً خيرٌ مِنْ ألفِ آية] (١).\nقال القرطبي: (يعني بالمسبِّحات: \"الحديد\" و\"الحشر\" و\"الصَّف\" و\"الجمعة\" و\"التغابن\").\nقِال ابن كثير: (والآية المشارُ إليها في الحديث هي -واللَّه أعلم- قولُهُ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>موضوع السورة</span>\nنصر اللَّه الأكيد، بمنهاج النبوة والحديد\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-329> منهاج السورة</span>-\n١ - اشتراك جميع الكائنات بالتسبيح للَّه العظيم، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٥٠٥٧)، والترمذي (٣٠٨٩)، وأحمد (٤/ ١٢٨)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٧١٣)، (٧١٤)، وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٣٣).","vol":"7","page":589},{"text":"٢ - الدعوة إلى الإيمان باللَّه والإنفاق في سبيله، وبيان الفرق بين السابقين إلى الإيمان والتابعين لهم بإحسان.\n٣ - نَعْتُ مشهد النجاة يوم القيامة للمؤمنين، ومشهد الذل والخزي والهوان على المنافقين.\n٤ - استبطاءُ اللَّه تعالى الخشية في قلوب المؤمنين، واللَّه هو المحيي القلوب والأرض الميتة وهو أعلم بالمتقين.\n٥ - ثناء اللَّه على الصدق والصديقين، وبيان مصير الكفار والمكذبين.\n٦ - ذمُّ اللَّه الدنيا واللهو واللعب وتفاخر الناس بالزائل الفانى، وحثّه تعالى عباده على التسابق إلى طلب المغفرة ومنازل أهل المعالي.\n٧ - تقدير اللَّه المصائب والآلام، ومآل أهل البخل إلى الخزي والخسران.\n٨ - إرسال اللَّه تعالى الرسل الكرام، بالبينات والكتب والميزان، ووعده تعالى بالنصر والتأييد لأوليائه الصالحين الكرام\n٩ - إرسال اللَّه نوحًا وإبراهيم ﵉، وجعل النبوة والكتاب في سلالتهما للمصطفين الكرام.\n١٠ - ثناؤه تعالى على عيسى بن مريم وأتباعه الصادقين، وذم أهل الابتداع والتنطع في الدين. وأمرُه تعالى عباده المؤمنين أن يَصْدُقُوه التقوى ومتابعة منهج رسوله الكريم، فالفضل بيد اللَّه وهو ولي الأتقياء المخبتين.\n* * *","vol":"7","page":590},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تسبيحُ جميع الكائنات للَّه الملك العزيز الحكيم، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.\nفقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. إِخْبَارٌ من اللَّه تعالى عن اشتراك جميع ما في السماوات والأرض من الكائنات والحيوانات والنباتات في تنزيهه وتقديسه وتعظيمه. قال ابن عباس: (﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾: صلّى للَّه ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ممن خلق من الملائكة ﴿وَالْأَرْضِ﴾ من شيء فيه رُوح أو لا رُوحَ فيه).\nوفي التنزيل: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].\nأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأحمد في المسند، بإسناد صحيح من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا -في ذكره -ﷺ- وصية نوح ﵊ لابنه-: [آمرك بـ \"لا إله إلا اللَّه\"، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت \"لا إله إلا اللَّه\" في كفة، رجحت بهن \"لا إله إلا اللَّه\"، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن \"لا إله إلا اللَّه\". و\"سبحان اللَّه","vol":"7","page":591},{"text":"وبحمده\" فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق] (١).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: وهو العزيز الذي قد عزّ وغَلَب كل شيء، وقد خضع له كل شيء، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في شأنه كله: في خلقه وقدره وقوله وفعله وشرعه.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nأي: هو المالك -سبحانه- المتصرف بجميع خلقه في السماوات والأرض، وعنده خزائن المطر والنبات وسائر الرزق، يميت الأحياء في الدنيا ويحيي الأموات للبعث، بل كل موت وحياة بإذنه وأمره، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوقؤله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.\n﴿الْأَوَّلُ﴾: أي السابق للأشياء كلها. ﴿وَالْآخِرُ﴾: أي الباقي بعد الأشياء كلها. ﴿وَالظَّاهِرُ﴾: هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلاه. ﴿وَالْبَاطِنُ﴾: هو المحتجبُ عن أبصار الخلائق. قال البخاري: (قال يحيى: الظاهر على كل شيء علمًا، والباطن على كل شيء علمًا).\nوفي صحيح مسلم عن سهيل قال: [كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: اللهم رب السماوات ورب الأرض وربّ العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شرّ أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدَّين، وأغننا من الفقر. وكان يروي ذلك عن أبى هريرة عن النبي -ﷺ-] (٢).\nورواه أحمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يدعو عند النوم: [اللهم رب. . .] وذكره.\nوقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال القاسمي: (أي تام العلم، فلا يخفى عليه شيء).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٤٨)، وأحمد (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، وكذلك (٢/ ٢٢٥)، والبيهقي في \"الأسماء\" (٧٩). وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧١٣)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٤٠٤)، وإسناد صحيح.","vol":"7","page":592},{"text":"وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.\nإخبار عن خلقه تعالى السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم علوه على العرش بعد خلقهن.\nففي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أبي هريرة قال: أخذ رسول اللَّه -ﷺ- بيدي فقال: [خلق اللَّه التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخِر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).\nقال شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير﵀: (﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يقول تعالى ذكره: هو الذي أنشأ السماوات السبع والأرضين، فدبّرهن وما فيهنّ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ على عرشه، فارتفع عليه وعلا).\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: عدد ما يدخل فيها من حبٍّ وقَطْر، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من زرع ونبات وثمار. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من البَرَدِ والأمطار، والثلوج والأقدار، وجميع الأحكام والأوامر والقضاء مع الملائكة الأبرار. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي من الأعمال مع الملائكة الأخيار.\nفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: [قام فينا رسول اللَّه -ﷺ- بِخَمْسِ كلماتٍ فقال: إن اللَّه ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُه،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٨٩) كتاب صفات المنافقين، باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇. ورواه أحمد، وأبو يعلى في المسند (١/ ٢٨٨).","vol":"7","page":593},{"text":"يُرْفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبل عملِ النهار، وعملُ النهارِ قَبْلَ عَمَلِ الليل، حجابه النور، لو كشَفَهُ لأحرقت سبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خَلْقِه] (١).\nوقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. أي: بصفاته: بسمعه وبصره وعلمه. ويؤكد ذلك آخر الآية: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ففيه تفسير صفة المعية. قال ابن كثير: (أي: رقيبٌ عليكم، شهيدٌ على أعمالكم حيث أنتم، وأين كنتُم، من برّ أو بحر، في ليلٍ أو نَهار، في البيوت أو القِفار، الجميعُ في علمه على السَّواء، وتحت بصره وسَمْعِه، فيَسْمَعُ كلامَكُم، ويرى مكانكم، ويعلم سرَّكم ونجواكم، كما قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]. وقال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]. فلا إله غيره ولا ربَّ سواه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. معية الرعاية والنصر والتأييد.\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]. معية العلم والاطلاع.\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. معية صفتي السمع والبصر.\n٤ - وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. قال الإمام البغوي الشافعي: (أي إلا هو رابعهم بالعلم).\nوفي صحيح مسلم من حديث عمر -لما سأل جبريل النبي -ﷺ- عن الإحسان- قال: [أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. تأكيد لما سبق، فله سبحانه سلطان السماوات والأرض وما فيهن، وأمره تعالى نافذ بهن، وإليه مصير أمور جميع خلقه، وإليه مآلهم وحسابهم وثوابهم وعقابهم.\nوقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. أي: يدخل هذا في هذا، ويطيل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٩) - كتاب الإيمان. وفي لفظ: \"حجابه النار\".\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٨) - كتاب الإيمان، وكذلك (٩) - من حديث أبي هريرة.","vol":"7","page":594},{"text":"أحدهما ويقصر الآخر. قال إبراهيم: (﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل). وقال عكرمة: (قصر هذا في طول هذا، وطول هذا في قصر هذا). وقال الأعمش عن إبراهيم: (قصر أيام الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره).\nوقوله: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ هو. أي: وهو ذو علم بسرائر عباده وما تضمره صدورهم، وما تحدثهم به أنفسهم من خير أو شر، فلا يخفى عليه خافية.\n\n٧ - ١١. قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: دعوة اللَّه عباده للإيمان به والإنفاق في سبيله، فهو الذي ينزل على عبده الآيات البينات ليخرج العباد من الظلمات إلى النور بأذنه. وبيان الفرق في الأجر بين من آمن وأنفق من بعد الفتح وبين من سبق إلى البذل والإيمان، ومضى مبكرًا في سبيل أهل الدرجات والإحسان.\nفقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: آمنوا باللَّه أيها الناس، فأقرّوا بوحدانيته وبرسوله محمد -ﷺ- فصدقوه فيما جاءكم به من عند اللَّه واتبعوه).\nوقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. حثٌّ على الإنفاق في سبيل اللَّه، الذي هو من الدلائل على صدق الإيمان، ويشمل ذلك القربات إضافة إلى الزكوات.\nقال الحسن: (﴿مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم). قال القرطبي: (وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النوّاب","vol":"7","page":595},{"text":"والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم).\nوفى صحيح مسلم عن مطرِّفٍ، عن أبيه قال: [أتَيتُ النبي -ﷺ- وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: يقول ابنُ آدم: مالي، مالي. قال: وهَلْ لكَ، يا ابْنَ آدمَ! مِن مالِكَ إلا ما أكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تَصدَّقْتَ فأمْضَيْتَ] (١).\nوقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. ترغيب بالإيمان وحثّ على الإنفاق لما يعقب ذلك من الثواب الجزيل.\nوقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: وأيُّ شيءٍ يمنعكم الإيمان والرسولُ بين أظهركم، يدعوكم إلى ذلك، ويبيّن لكم الحُجَج والبراهين على صحّةِ ما جاءكم به؟).\nوالآية فيها حالان متداخلان: الأول - حال من معنى الفعل في ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ والتقدير: وما لكم كافرين باللَّه. الثاني - واو الحال في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ فيكون المعنى. وأيّ عذر لكم في ألا تؤمنوا وقد أزيحت العلل ببلاغ الرسول. قال القرطبي: (﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ بيَّن بهذا أنه لا حكم قبل ورود الشرائع).\nأخرج أحمد وأبو يعلى بسند حسن عن ابن مُحَيْريز قال: قلت لأبي جمعة: حَدّثنا حديثًا سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-. قال: نعم. أحدّثك حديثًا جيّدًا: [تَغَذَّينا مع رسول اللَّه -ﷺ- ومعنا أبو عبيدة بن الجَرّاح، فقال: يا رسول اللَّه، هل أحدٌ خيرٌ منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني] (٢).\nوله شاهد رواه الحسن بن عرفة العبدي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: أى الخَلْق أعجبُ إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: فالنبيون. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن. قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قال: فقال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٥٨) - كتاب الزهد والرقائق. ورواه أحمد (٤/ ٢٤).\n(٢) حسن الإسناد. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٦)، وأبو يعلى (١٥٥٩)، والطبرانى (٣٥٣٧)، وصححه الحاكم (٦٩٩٢/ ٤)، وكذا الذهبي. وله شواهد.","vol":"7","page":596},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ-. ألا إنَّ أعجب الخلق إليَّ إيمانًا لَقَوْمٌ يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها] (١).\nوقوله: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾. قال مجاهد: (هو الميثاق الأول الذي كان وهم في ظهر آدم بأن اللَّه ربكم لا إله لكم سواه). وقيل: الميثاق هنا بيعة الرسول -ﷺ-، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]. وقيل: أخذ اللَّه ميثاقكم بما أودع فيكم من العقول، وأقام عليكم الدلائل والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول - واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال القاشاني: (أي إن بقي نور الفطرة والإيمان الأزليّ فيكم). وقال ابن جرير: (يقول: إن كنتم تريدون أن تؤمنوا باللَّه يومًا من الأيام، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لتتابع الحجج عليكم بالرسول وإعلامه ودعائه إياكم إلى ما قد تقرّرت صحته عندكم بالأعلام والأدلة والميثاق المأخوذ عليكم).\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.\nقال مجاهد: (من الضلالة إلى الهدى). أي: هو الذي ينزل على رسوله القرآن المشتمل على الحجج الواضحات والدلائل الباهرات والبراهين القاطعات، ليخرجكم بهذه الآيات والمعجزات من ظلمات الهوى والجاهلية والكفر إلى نور الحق واليقين والإيمان.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. أي: وإن اللَّه تعالى رؤوف بعباده بإنزاله الكتب وإرساله الرسل لإنارة الطريق وإزاحة العلل وإزالة الشكوك والشبهات.\nوقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. توبيخ على ترك الإنفاق في سبيل اللَّه. قال الشهاب: (هذا من أبلغ ما يكون في الحث على الإنفاق، لأنه قرنه بالإيمان أولًا لما أمرهم به، ثم وبّخَهم على ترك الإيمان، مع سطوع براهينه، وعلى ترك الإنفاق في سبيل من أعطاه لهم، مع أنهم على شرف الموت، وعدم بقائه لهم إن لم ينفقوه. وسبيل اللَّه كل خير يوصلهم إليه، أعم من الجهاد وغيره. وقصر بعضهم إياه على الجهاد، لأنه فرده الأكمل، وجزؤه الأفضل، من باب قصر العام على أهم أفراده وأشملها، ولا سيما وسبب النزول كان لذلك).\n_________\n(١) حسن لشواهده. انظر رواية البزار (٣٨٣٩) - \"كشف\"، والحاكم (٢/ ٨٥)، وأبي يعلى (١٦٠)، من حديث عمر، وتفسير ابن كثير (٣٧٠) - تحقيق المهدي.","vol":"7","page":597},{"text":"والمقصود في الآية: أيّ شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل اللَّه، وهذا الذي بين أيديكم من المال وغيره لا يدوم لكم ولا يبقى، بل يرثه اللَّه وكل شيء في السماوات والأرض، فما أجدر والحال هذه أن ينفق العبد في حياته، ويتخذه ذخرًا يجده في صحيفته بعد مماته.\nوقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾. قال مجاهد: (آمن فأنفق، يقول: من هاجر ليس كمن لم يهاجر).\nوعن قتادة: (﴿مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ قال: فتح مكة). وقال عامر الشعبي: (فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية، يقول تعالى ذكره: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية). والجمهور على أن المراد بالفتح فتح مكة.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾. قال قتادة: (كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك). وفي الكلام حذف والتقدير: لا يستوي من أنفق قبل الفتح وقاتل مع من أنفق من بعد الفتح وقاتل. قال القرطبي: (وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفِعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشقّ، والأجر على قدر النَّصب، واللَّه أعلم).\nوقال الإمام مالك: (ينبغي أن يُقَدَّمَ أهل الفضل والعزم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾).\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس قال: [كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلامٌ، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتُمونا بها؟ فبلغَنا أنّ ذلك ذُكر للنبي -ﷺ- فقال: دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثلَ أحُدٍ -أو: مثلَ الجبالِ- ذهبًا، ما بلغتم أعمالهم] (١).\nوهذه المشاجرة كانت أثناء غزو بني جَذيمة بعد فتح مكة، وذلك في شهر شوال سنة ٨ هـ حين بعث رسول اللَّه -ﷺ- سرية يقودها خالد بن الوليد فيها ثلاث مئة وخمسون رجلًا من المهاجرين والأنصار إلى بني جذيمة في يلملم جنوب مكة، يدعوهم إلى الإسلام، فلما وصل أرضهم ودعاهم إلى الدين الحق جعلوا يقولون صبأنا ويعنون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٦٦)، وإسناده على شرط البخاري.","vol":"7","page":598},{"text":"أسلمنا إذ لم يكن يحسنون أن يعبروا بمصطلحات الإسلام، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ويظن أنهم يخدعونه بقولهم صبأنا. فكان بين خالد وعبد الرحمن كلامٌ وشرٌّ في ذلك، فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فأنَّبَ خالدًا بعدما تبرأ من فعله بقوله -كما روى البخاري عن سالم عن أبيه-: [اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالدٌ مرتين] (١). ولكنه لم يعزله ولم يعاقبه إذ كان متأولًا.\nوقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قال قتادة: (الجنة). ونصب \"كُلًّا\" على إيقاع الفعل عليه، والتقدير: (وعد اللَّه كلًا الحسنى). يعني المنفقين قبل الفتح وبعده، وإن كانوا يتفاوتون في الثواب.\nوفي التنزيل: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير] (٢). فعطف بمدح الآخر حتى لا يظن ظان أنه مذموم، وإنما سبقه الأول بالعمل والثواب والتفضيل.\nوفي سنن النسائي وصحيح ابن حبان بسند حسن من حديث أبي ذر، وأبي هريرة مرفوعًا: [سَبَقَ درهمٌ مئة ألف دِرهم: رجلٌ له دِرْهمَان أخذَ أحدَهما فتصدَّق به، ورجلٌ له مالٌ كثير فأخذ منْ عُرضِه مئة ألف فتصدّق بها] (٣).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: فلخِبْرَتِه فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاكَ إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجَهْدِ والقلة والضيق).\nوقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال زيد بن أسلم: (هو النفقة على الأهل). وقال عمر بن الخطاب: (هو الإنفاق في سبيل اللَّه). والآية عامة في كل إنفاق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٣٣٩) - كتاب المغازي. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١٣٢١) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٦٦٤)، وأحمد (٢/ ٣٦٦)، وابن ماجة (٧٩)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٦٢٣)، (٦٢٤)، وابن حبان (٥٧٢١)، (٥٧٢٢)، وغيرهم.\n(٣) حديث حسن، أخرجه النسائي (٥/ ٥٩)، وابن خزيمة (٢٤٤٣)، ورواه ابن حبان (٣٣٤٧).","vol":"7","page":599},{"text":"خالص لوجه اللَّه في أيّ وجه من وجوه البر والخيرات. والعرب تقول لكل من فعل فعلًا حسنًا: قد أقرض، وسمي القرض قرضًا، لأن القرض أخرج لاسترداد البدل. والبدل هنا الأضعاف الكثيرة، كما قال تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ أي: ما بين السبع إلى سبع مئة إلى ما شاء اللَّه من الأضعاف. قال القشيري: (والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية طيب النفس، يبتغي به وجه اللَّه دون الرياء والسُّمعة، وأن يكون من الحلال).\nومن كنوز السنة العطرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجلٌ إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! أيُّ الصَّدقةِ أعْظَمُ أجْرًا؟ قال: أنْ تَصَدَّق وأنت صحيح شحيحٌ تَخْشى الفَقْرَ، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحُلقوم، قُلْتَ: لفلانٍ كذا ولِفلانٍ كذا، وقد كان لفلان] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم بسند صحيح عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك: [أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه! إنّ لفلان نخلة، وأنا أقيم نخلي بها، فمره أن يعطيني إياها حتى أقيم حائطي بها. فقال له النبي -ﷺ-: \"أعطها إياه بنخلة في الجنة\". فأبى، وأتاه أبو الدحداح فقال: بِعْني نَخْلَكَ بِحائطي. قال: ففعل. قال: فأتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! إني قد ابتعتُ النخلة بحائطي، فاجعلها له، فقال النبي -ﷺ-: \"كم من عَذْق دَوّاح لأبي الدحداح في الجنة\" - مرارًا. فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح! اخرجي من الحائط، فإني بعته بنخلة في الجنة. فقالت: قد ربحت البيع. أو كلمة نحوها] (٢).\nوالعَذْق: النخلة. والدوّاح: العظيم الشديد العلو، وكل شجرة عظيمة: دوحة. وفي رواية للحديث عند ابن سعد من حديث عبد اللَّه بن مسعود بلفظ: [ربَّ عَذْقٍ مُذَلّلٍ لابن الدَّحداحة في الجنة].\nوفي رواية لمسلم عن جابر بن سمرة قال: [صَلّى رسول اللَّه -ﷺ- على ابن الدَّحْداح،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤١٩) كتاب الزكاة. وأخرجه مسلم (١٠٣٢)، وأبو داود (٢٨٦٥)، والنسائي (٥/ ٨٦)، وابن ماجة (٢٧٠٦)، وأحمد (٢/ ٢٣١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٤٦)، وابن حبان (٢٢٧١ - موارد)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٣٠٠/ ٧٦٣)، والحاكم (٢/ ٢٠) بإسناد صحيح على شرط مسلم. وانظر لرواية ابن سعد: \"صحيح الجامع\" (٣٤٨٤). ولرواية مسلم: صحيح مسلم (٩٦٥) - كتاب الجنائز.","vol":"7","page":600},{"text":"ثم أُتِيَ بفرس عُرْي فَعَقَلَهُ -أي حبسه- رجُلٌ فَركِبَهُ، فجعل يتوقَّصُ - أي يتوثب به، ونحن نَتَّبِعُه نَسْعى خَلْفَهُ قال: فقال رجلٌ من القوم: إن النبي -ﷺ- قال: \"كمْ من عِذْقٍ مُعَلَّقٍ -أو مُدَلّى- في الجنة لابن الدَّحْداح -أو قال شعبة-: \"لأبي الدحداح\"].\nوللحديث شاهد من رواية عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم قال: [لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا. .﴾ جاء ابن الدحداح. .] (١). وشاهد آخر عند ابن أبي حاتم عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾، قال أبو الدّحداح الأنصاري: يا رسول اللَّه! وإنَّ اللَّه ليريد منَّا القرضَ؟ قال: نعم، يا أبا الدّحداح! قال: أرِنِي يدَكَ يا رسول اللَّه! فناولَه يدَه، قال: فإني قد أقرضتُ ربي حائِطي - وله حائط فيه ستُّ مئة نخلة، وأمُّ الدَّحداح فيه وعيالُها، قال: فجاء أبو الدَّحداح فناداها: يا أمَّ الدَّحداح! قالت: لبيك. فقال: اخرُجي، قد أقرضْتُهُ ربي -﷿-. وفي رواية أنها قالت له: ربح بَيْعُكَ يا أبا الدَّحداح! ونَقَلت منه متاعَها وصِبيانَها].\nوقد ثبت كذلك في صحيح الترمذي عن أنس قال: [لما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] أو ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١]، قال أبو طلحة، وكان له حائط: يا رسول اللَّه حائطي للَّه، ولو استطعت أن أسِرَّه لم أعلنه، فقال: \"اجعله في قرابتك، أو أقْرَبيك\"].\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبادُ فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدُهما: اللهم! أعْطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم! أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا] (٢).\nورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ: [إنَّ مَلَكًا ببابٍ من أبواب الجنة يقول: مَنْ يُقْرِضِ اليوم يُجْزَ غدًا. ومَلَكٌ بباب آخر يقول: اللهم أعط منفقًا خلَفًا، وأعط ممسكًا\n_________\n(١) انظر: \"المصنف\" (٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، و\"المعجم الأوسط\" للطبراني (١/ ١٠١/ ١/ ٢٠٥٢)، وكذلك \"تخريج مشكلة الفقر\" (٧٦ - ١٢٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٩٦٤)، وتفسير ابن كثير -حديث رقم- (٦٦٢٢)، لرواية ابن أبي حاتم، وصحيح الترمذي (٢٣٩٦) لحديث أنس.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٤٤٢) - كتاب الزكاة، وأخرجه مسلم (١٠١٠) - كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك. ورواه الطبراني وابن حبان بلفظ مشابه. انظر صحيح الترغيب (١/ ٩٠٥) - كتاب الصدقات.","vol":"7","page":601},{"text":"تلَفًا]. ورواه الطبراني مثل ابن حبان، إلا أنه قال: \"بباب من أبواب السماء\".\nقال النووي في شرح مسلم: (قال العلماء: هذا في الإنفاق في الطاعات ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك، بحيث لا يذم، ولا يسمى سرفًا، والإمساك المذموم هو الإمساك عن هذا).\nوقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾. أي: يعطيه ثوابه أضعافًا مضاعفة، قد تتجاوز سبع مئة الضعف.\nوقوله: ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. قال القاسمي: (أي: جزاء شريف جميل. والجملة حالية، أو معطوفة مشيرة إلى أن الأجر كما زاد كَمُّهُ، زاد كيفُهُ).\n\n١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: مشهدُ النجاة للمؤمنين والمؤمنات والفوز العظيم، ومشهد الذل والخزي والهوان على المنافقين والمنافقات يوم الدين.\nفقوله: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. أي: قدّامهم. قال الحسن: (يعني على الصراط). وقال عبد اللَّه بن مسعود: (على قَدْر أعمالهم يمرّون على الصِّراط، مِنهم مَنْ نورُه مثل الجبل، ومنهم مَنْ نورُهُ مثل النخلة، ومِنهم مَنْ نورُه مثلُ الرجل القائم، وأدناهم نورًا مَنْ نورُه في إبهامه يَتَّقِدُ مرَّةً ويَطْفَأُ مرَّة). رواه ابن جرير في \"التفسير\".\nقلت: والآية تعمّ النور على الصراط وفي عموم الموقف في المحشر يوم القيامة. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، ونعيم بن حماد في \"زوائد الزهد\" بسند صحيح لغيره عن أبي الدرداء ﵁ قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أَنا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ له بالسجود يومَ القيامة، وأنا أوَّلُ من يرفع رأسَه، فأنْظُر بين يَدَيَّ، فأعرفُ أمتي من بين","vol":"7","page":602},{"text":"الأمم، ومن خَلْفي مِثْلُ ذلك، وعن يميني مِثلُ ذلك، وعن شِمالي مِثلُ ذلك\". فقال: رجل: كيف تَعرف أمتَك يا رسول اللَّه من بين الأمم، فيما بين نوحٍ إلى أمّتك؟ قال: هم غُرٌّ مُحَجَّلون، مِنْ أثَرِ الوُضوء، ليس لأحد ذلك غيرهم، وأعرفُهم أنهم يؤتون كُتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذُرِّيَتُهم] (١).\nوفي رواية عند ابن أبي حاتم والحاكم: [أعرِفهم، مُحَجَّلُون من أثر الوضوء، ولا يكونُ لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يُؤتون كُتُبهم بأيمانهم، وأعرفُهم بسيماهم في وجُوههم، وأعرِفُهم بنُورهم يسعى بين أيديهم وذرِّيتهم].\nوفي رواية عند ابن المبارك ويحيى بن إسحاق: [وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم].\nوقوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. قال الضحاك: (أي: وبأيمانهم كتبهم، يقول اللَّه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، وأما نورهم فهداهم). وقال الفراء: (الباء بمعنى \"في\"، أي: في أيمانهم. أو بمعنى \"عن\" أي: عن أيمانهم). قال مقاتل: (ليكون دليلًا لهم إلى الجنة).\nقال النسفي: (﴿يَسْعَى﴾ يمضي ﴿نُورُهُمْ﴾ نور التوحيد والطاعات، وإنما قال: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم، فيجعل النور في الجهتين شعارًا لهم وآية، لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا، وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون، سعى بسعيهم ذلك النور).\nيروي الحاكم والبيهقي بسنده عن مسروق عن عبد اللَّه قال: (يجمع اللَّه الناس يوم القيامة، إلى أن قال: فَيُعْطَوْن نورهم على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يعطى نورَه مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يُعْطى نوره مثلَ النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة، إذا أضاء قدَّم قدمه، وإذا طفئ قام. قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دَحْضٌ، مزَلة، فيقال لهم: امضوا\n_________\n(١) صحيح لغيره. أخرجه أحمد (٥/ ١٩٩)، ونعيم بن حماد في \"زوائد الزهد\" (١١٢/ ٣٧٦) ورواه الحاكم (٢/ ٤٧٨) وصحّحه، وبَيّض له الذهبي. وأقوى الروايات رواية عبد اللَّه بن المبارك ويحيى بن إسحاق فهي الأصح، والباقي لا يخلو من تخاليط ابن لهيعة كما أفاد الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/ ١٨٠) - كتاب الطهارة ص (١٨٨).","vol":"7","page":603},{"text":"على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشدِّ الرَّجل، يَرْمُلُ رَمَلًا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخرُّ يدٌ، وتعلق يد، وتخرّ رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد للَّه الذي نجَّانا منك بعد أن أراناك، لقد أعطانا اللَّه ما لم يُعطَ أحدٌ) (١).\nويروي ابن جرير بسند مرسل جيد عن قتادة قال: (ذكر لنا أن نبي اللَّه -ﷺ- قال: \"إن من المؤمنين من يضيء نوره كما بين المدينة وعدنٍ أو ما بين المدينة وصنعاء، ودون ذلك، حتى يكون منهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه\") (٢).\nوقوله: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.\nأي: ويقال لهم: بشراكم اليوم دخول جنات الخلود تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾.\nانظرونا: من النظر وهو الانتظار، أي: أمهلونا وأخرونا لنستضيء من نوركم. قال ابن عباس وأبو أمامة: (يغشى الناس يوم القيامة ظلمة، ثم يعطون نورًا يمشون فيه). وقال ابن عباس: (بينما الناس في ظلمة، إذ بعث اللَّه نورًا، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلًا من اللَّه إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا، تبعوهم، فأظلم اللَّه على المنافقين، فقالوا حينئذٍ: انظرونا نقتبس من نوركم، فإنا كنا معكم في الدنيا. قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور).\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عَبْدَة بن سُلَيمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سُلَيم بن عامر قال: (خرجنا على جنازة في باب دِمَشْقَ، ومعنا أبو أمامةَ الباهلي، فلما صُلِّيَ على الجنازة وأخذوا في دفنِها، قال أبو أمامة: أيها الناس! إنكم قد أصبحتُم وأمسيتُم في منزلٍ تَقتَسِمُون فيه الحسناتِ\n_________\n(١) رواه الحاكم والبيهقي بطوله. ورواه ابن جرير في \"التفسير\" (٣٣٦١٦) - مختصرًا. وهو موقوف على ابن مسعود، ولكن مثل هذا التفصيل عادة يكون في حكم المرفوع.\n(٢) مرسل. أخرجه الطبري (٣٣٦١٤) بسند جيد عن قتادة، وكرره (٣٣٦١٥) عنه به.","vol":"7","page":604},{"text":"والسيئات، وتُوشِكونَ أن تظعَنُوا منه إلى منزلٍ آخر، وهو هذا -يُشير إلى القبر- بيتِ الوحدةِ، وبيتِ الظلمةِ وبيتِ الدُّود، وبيتِ الضيق، إلا ما وسَّع اللَّه، ثم تنتقِلُون منه إلى مواطنِ يوم القيامة، فإنكم في بعض تلكَ المواطِن حين يغشى الناسَ أمرٌ من اللَّه، فَتَبْيَضُّ وجوه وتَسْوَدُّ وجوهٌ، ثم تنتقلون منه إلى منزلٍ آخرَ فتغشى الناسَ ظلمةٌ شديدةٌ، ثم يُقْسَمُ النورُ فيُعطى المؤمن نورًا، ويُتْرَكُ الكافرُ والمنافق فلا يُعْطيان شيئًا. وهو المثل الذي ضربه اللَّه في كتابه، قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾. . إلى قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضي الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾، وهي خدعة اللَّه التي خَدَعَ بها المنافقين حيث قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. فيرجعون إلى المكان الذي قُسِم فيه النورُ، فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم وقد ضُرِبَ بينهم بسور له بابٌ، ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. . الآية. يقول سُلَيم بن عامر: فما يزال المنافق مغترًّا حتى يُقسم النُّور، ويُميِّز اللَّه بين المؤمن والمنافق) - ذكره ابن كثير.\nوقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾. قال مجاهد: (كالحجاب في الأعراف). وقال قتادة: (السور: حائط بين الجنة والنار).\nوقوله: ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾. قال ابن زيد: (الجنة وما فيها). وقوله: ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. قال قتادة: (أي النار). قال النسفي: (﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ بين المؤمنين والمنافقين ﴿بِسُورٍ﴾ بحائط حائك بين شق الجنة وشق النار. ﴿لَهُ﴾ لذلك السور ﴿بَابٌ﴾ لأهل الجنة يدخلون منه ﴿بَاطِنُهُ﴾ باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي: النور أو الجنة ﴿وَظَاهِرُهُ﴾ ما ظهر لأهل النار ﴿مِنْ قِبَلِهِ﴾ من عنده ومن جهته ﴿الْعَذَابُ﴾ أي: الظلمة أو النار).\nوقوله: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾. أي: نشهد معكم الصلوات، ونحضر الجمعات، ونقف معكم بعرفات، ونسهم جميعًا بالغزوات؟ ! قال القرطبي: (أي ينادي المنافقون المؤمنين ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدنيا، يعني نصلي مثل ما تصلون، ونغزو مثل ما تغزون، ونفعل مثل ما تفعلون).\nوقوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾. أي: فأجابهم المؤمنون ﴿بَلَى﴾ قد كنتم معنا في الظاهر.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال مجاهد: (النفاق، وكان المنافقون مع","vol":"7","page":605},{"text":"المؤمنين أحياء يناكحونهم، ويغشَوْنهم، ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتًا، ويُعْطَوْنَ النور جميعًا يوم القيامة، فيطفأُ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويُمازُ بينهم حينئذ). وقال بعض السَّلف: (أي: فتنتُم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات).\nوقوله: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾. أي: بالمؤمنين الدوائر. قال قتادة: (يقول: تربَّصُوا بالحق وأهله). وقيل: أخّرتم التوبة وسوّفتم فيها.\nوقوله: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾. أي: شككتم في التوحيد والوحي والنبوة والبعث بعد الموت. قال قتادة: (يقول: وشككتم في توحيد اللَّه، وفي نبوة محمد -ﷺ-).\nوقوله: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ أي: الأباطيل والآمال الكاذبة الواهية. قال ابن عباس: (الدنيا). وقال قتادة: (كانوا على خدعة من الشيطان، واللَّه ما زالوا عليها حتى قذفهم اللَّه في النار). وقال أبو سنان: (هو قولهم سيُغْفَرُ لنا). وقيل: غرّهم طول الأمل. وقيل: هو ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين ونزول الدوائر بهم. وقال بلال بن سعد: (ذكرك حسناتِك ونسيانك سيئاتك غِرّة).\nوقوله: ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. يعني حتى نزل بكم الموت. وقيل: حتى جاء نصر اللَّه لنبيّه -ﷺ- والمؤمنين. وقال قتادة: (﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: إلقاؤهم في النار).\nوقوله: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال مجاهد: (أي الشيطان). وقرأ أبو حَيوة ﴿الْغَرُورُ﴾ بضم الغين يعني الأباطيل، وهو مصدر. والقراءة بالفتح أشهر. قال ابن جرير: (يقول: وخدعكم باللَّه الشيطان، فأطمعكم بالنجاة من عقوبته، والسلامة من عذابه).\nأخرج البخاري في صحيحه عن عبد اللَّه ﵁ قال: [خَطَّ النبي -ﷺ- خَطًّا مُرَبَّعًا، وخَطَ خَطًّا في الوسَط خارِجًا مِنْهُ، وخَطَّ خُطُطًا صِغارًا إلى هذا الذي في الوسَطِ مِنْ جانِبه الذي في الوسط، فقال: \"هذا الإنسانُ، وهذا أجَلُه محيطٌ به -أو قد أحاط به- وهذا الذي هو خارجٌ أمَلُهُ، وهذه الخُطَطُ الصّغارُ الأعراضُ، فإنْ أخْطأه هذا نَهَشَهُ هذا، وإنْ أخطأه هذا نهشَه هذا\"] (١).\nوأخرج أحمد في المسند عن علي بن زيد: حدثني من سمع أبا هريرة يقول: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٤١٧) - كتاب الرقاق، وانظر كذلك (٦٤١٨).","vol":"7","page":606},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ-: [يا ابن آدم! اعمل كأنك ترى، وعُدَّ نفسك مع الموتى، وإياك ودعوة المظلوم] (١).\nوفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: [أخذ رسول اللَّه -ﷺ- بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل] (٢). وكان ابن عمر يقول: [إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك].\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال قتادة: (يعني المنافقين، ولا من الذين كفروا). أي: لو افتدى أحدهم من العذاب بملء الأرض ذهبًا ما نفعه. قال القرطبي: (أيأسهم من النجاة).\nوقوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾. أي: مئواكم ومسكنكم الذي خُصِّص لمستقركم يوم القيامة النار.\nوقوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾. أي: هي أولى بكم من كل منزل، فهي تناسب إصراركم على الكفر والنفاق والارتياب. والمولى في كلام العرب: من يتولى مصالح الإنسان، ثم استعمل فيمن كان ملازمًا للشيء.\nوقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: ساءت مرجعًا ومستقرًا ومصيرًا. قال ابن جرير: (يقول: وبئس مصير من صار إلى النار).\n\n١٦ - ١٧. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: استبطاءُ اللَّه تعالى الخشية في قلوب المؤمنين، إنه تعالى هو المحيي القلوب والأرض الميتة وهو أعلم بالمتقين.\n_________\n(١) حديث حسن في الشواهد. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٤٣)، وانظر \"الحلية\" (٣/ ٣٠١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ١٩٥)، وأحمد نحوه (٢/ ٢٤)، (٢/ ٤١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٠١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٧٣/ ٢).","vol":"7","page":607},{"text":"فقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (تطيع قلوبهم).\nقال ابن كثير: (يقول تعالى: أما آنَ للمؤمنين أن تخشع قلوبُهم لذكر اللَّه، أي: تلينُ عند الذِّكر والموعظة وسَمَاع القرآن، فتفهَمُه وتنقادُ له وتسمعُ له وتُطيعُه).\nيروي ابن أبي حاتم بسنده عن عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثنا صالح المرّي، عن قتادة، عن ابن عباس أنه قال: (إن اللَّه استبطأ قُلوب المهاجرين فعاتبَهُم على رأس ثلاثَ عشرةَ من نزول القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية).\nوفي صحيح مسلم عن عونِ بن عبد اللَّه، عن أبيه، أنَّ ابن مسعود ﵁ قال: [ما كان بَيْنَ إسْلامنا وبَيْن أنْ عاتَبَنا اللَّه بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أرْبَعُ سِنينَ] (١).\nورواه ابن ماجة عن أبي حازم، أن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير أخبره، أنّ أباه أخبره: [أنَّهُ لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية، يعاتبهم اللَّه بها إلا أربع سنين ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾] (٢).\nوفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي -ﷺ- قال: [أولُ شيء يُرفَعُ منْ هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعًا] (٣).\nوقوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾. قال ابن جرير: (هو هذا القرآن الذي نزله على رسوله -ﷺ-).\nوقوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.\nقال مجاهد: (الأمد: الدهر). قال ابن مسعود: (إنّ بني إسرائيل لما طال عليهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠٢٧) - كتاب التفسير، عند هذه الآية [الحديد: ١٦].\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤١٩٢) - كتاب الزهد. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٣٨٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطبراني كما في \"المجمع\" (٢٨١٣)، وقال الهيثمي: إسناده حسن. وفي الباب عن عوف بن مالك، أخرجه أحمد (٦/ ٢٦ - ٢٧) ح (٢٣٤٧٠) بإسناد لا بأس به.","vol":"7","page":608},{"text":"الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابًا من عند أنفسهم استحلَّته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب اللَّه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون).\nقال النسفي: (ويجوز أن يكون نهيًا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وُبِّخُوا، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا للَّه ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره).\nوقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. أي: وكثير من هؤلاء الذين أوتوا الكتاب من قبل أمة محمد -ﷺ- خارجون عن دينهم، نابذون لما في كتابهم.\nقلت: وفي الآية تحذير لهذه الأمة من التشبه بالذين حملوا الكتاب من قبلهم حملًا هزيلًا، فلما طال عليهم الأجل والإمهال والاستدراج قست قلوبهم لزوال الخشية والروعة التي كانت تنبعث لهم من الكتابين، فاشتروا بآيات اللَّه ثمنًا قليلًا، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين اللَّه، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه، فصار الدين المحرّف يماشي الأهواء والشهوات، ويبرّر ركوب المعاصي والموبقات، حتى وصلوا إلى هيئة من الأعراف المخالفة للشريعة يعظمونها فيما بينهم، وهم في ما تعارفوا عليه نابذون لشرع اللَّه خارجون عن ميزانه وضوابطه.\nأخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن أبي عامر (عبد اللَّه بن يحيى) قال: [حَجَجْنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: إنّ أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة -وهي الجماعة- وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، واللَّه يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيّكم -ﷺ-، لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ١٠٢)، (٢/ ٣٣٢)، وسنن أبي داود (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤) واللالكائي في \"شرح السنة\" (١/ ٢٣/ ١)، ورواه بنحوه الحاكم (١/ ١٢٨)، والدارمي (٢/ ٢٤١)، والآجري في \"الشريعة \" (١٨). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٤).","vol":"7","page":609},{"text":"قال ابن القيم: (وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا غريبة بين اثنين وسبعين فرقة ذات أتباع ورئاسات، ومناصب وولايات، ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول؟ فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشهوات التي هي غاية مقاصدهم وإرادتهم؟).\nوقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. أي: يحيي الأرض اليابسة بعد موتها بالمطر. وقال صالح المري: (المعنى يلين القلوب بعد قساوتها). وقال جعفر بن محمد: (يحييها بالعدل بعد الجور). وقيل: المعنى فكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالكفر والضلالة. قال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: فيه إشارة إلى أنه -تعالى- يُلينُ القلوبَ بعد قسوتها، ويَهدِي الحَيَارى بعد ضَلَّتِها، ويُفَرِّجُ الكروب بعد شِدَّتِها، فكما يُحيي الأرض الميِّتة المُجْدبة الهامِدة بالغيث الهَتَّان، كذلك يَهدي القلوبَ القاسِية ببراهين القُرآن والدَّلائل، ويُولجُ إليها النُّور بعدما كانت مُقْفَلةً لا يَصِلُ إليها الواصِل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الإضلال، والمُضِلّ لمن أراد بعد الكَمَال، الذي هو لما يشاءُ فَعَّالٌ، وهو الحَكَمُ العدلُ في جميع الفعَال، اللطيف الخبير الكبيرُ المتعال).\nوقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. قال القاسمي: (﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي الحجج وضروب الأمثال ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: لتثوبوا إلى عقولكم ومراشدكم).\n\n١٨ - ١٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ اللَّه تعالى على المصدقين والمصدقات والوعد لهم بالأجر الكريم، وبيانُ أنَّ الصدق في الإيمان باللَّه ورسله يوصل إلى مرتبة الصديقين. والشهداء منازلهم خاصة بهم وأما الكفار فهم أصحاب الجحيم.\nفقوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾. قال القرطبي: (أي المتصدقين والمتصدقات، فأدغِمت التاء في الصاد. قال: وهو حثٌّ على الصدقات).","vol":"7","page":610},{"text":"وقوله: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال الحسن: (كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع). وقيل: هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبًا صادقًا.\nقلت: والأشهر أن القرض الحسن يكون في مفهوم النفقة والإعانة في سبيل اللَّه. قال ابن جرير: (﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني بالنفقة في سبيله، وفيما أمر بالنفقة فيه، أو فيما ندب إليه).\nوقوله: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾. أي: يضاعف اللَّه لهم ثواب تلك القروض الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.\nأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: [إن السَّلف يجري مجرى شطر الصَّدَقة] (١). والسَّلَفُ: هو القرض الذي لا منفعة للمقرض فيه.\nوأخرج ابن حبان بسند حسن في الشواهد عن الأسود بن يزيد عن عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: [من أقرض مرتين كان له مثلُ أجر أحدهما لو تصدَّق به] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. أي: ولهم مآل كريم، ومستقر رفيع في الجنة.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. فيه أقوال حسب تأويل موقع \"الشهداء\" من العطف أو الاستئناف.\n١ - قال ابن عباس: (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ قال: هذه مفصولة ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾). وقال أبو الضُّحَا: (﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾).\n٢ - قال مسروق، عن عبد اللَّه في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: (هم ثلاثة أصناف: يعني المصدِّقين، والصدّيقين، والشهداء).\n٣ - قال مجاهد: (﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: بالإيمان على أنفسهم باللَّه). قيل: فأخبر عن المؤمنين باللَّه ورسله بأنهم صديقون وشهداء.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٤١٢)، وأبو يعلى (٣/ ١٢٩٨)، ورجاله ثقات. انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (١٥٥٣) - فضل القرض الحسن وأنه يعدل التصدق بنصفه.\n(٢) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١١٥٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٦٨/ ١) بسند لا بأس به في المتابعات، وأخرجه ابن عدي (٢١٢/ ٢)، وغيرهم.","vol":"7","page":611},{"text":"قلت: والآية فيها من بديع الإعجاز الكثير ما يحتمل جَمْعَ هذه المعاني الطيبة المختلفة:\nأ- مقام الصديقية أعلى من مقام الشهادة:\nفإن الطائفة المنصورة حملة لواء هذا الدين من المؤمنين باللَّه ورسوله هم الصديقون الذين يتلون الأنبياء، والشهداء هم الذين يتلون الصدّيقين، والصالحون يتلون الشهداء، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. ففرّق بين الصديقين والشهداء، فهما صنفان متمايزان، ومقام الصديقيّة أعلى من مقام الشهادة.\nوفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ أهل الجنة ليتراءَوْنَ أهل الغرف من فوقهم، كما تراءَون الكوكب الدُّرِّيَّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول اللَّه، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، ورجال آمنوا باللَّه وصدّقوا المرسلين] (١).\nب- مقام الجهاد والشهادة في سبيل اللَّه في الذِّروة العليا مِن مراتب الإسلام ومنازل الجنان.\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّه وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٠ - ٢٢].\nأخرج البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ في الجنة لمئة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، أعدّها اللَّه للمجاهدين في سبيله] (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: [أنّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه، أخبرني بشيء يعدل الجهاد في سبيل اللَّه؟ قال: لا تستطيع. قال: أخبرني؟ قال: هل تستطيع إذا خرج\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١)، وابن حبان (٧٣٩٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٩)، (٦/ ١٠)، في الجهاد، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٣٥).","vol":"7","page":612},{"text":"المجاهدُ أن تصومَ لا تُفطر، وتقوم لا تفتر؟ قال: لا. قال: فذلك الذي يعدل الجهاد] (١).\nوفي المسند ومستدرك الحاكم بسند حسن عن ابن عباس مرفوعًا: [الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قُبّةٍ خضراء، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بُكرةً وعشيًا] (٢).\nج- أهل الصدق في الإيمان -من هذه الأمة- هم أهل الشهادة على الناس يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nأخرج الإمام أحمد والبخاري عن أبي سعيد ﵁ قال: [يجيء النبيّ يوم القيامة ومعه الرجل، والنبيّ ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومُه، فيقال لهم: هل بَلَّغَكُم هذا؟ فيقولون: لا، فيُقال له: مَنْ يَشْهَدُ لكَ؟ فيقول: محمد وأمتُه، فيُدعى محمد وأمتُه، فيُقال لهم: هل بَلَّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيُقال: وما عِلْمُكم بذلك؟ فيقولون: جاءَنا نبيُّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بَلَّغوا فصدَّقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (٣).\nوقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. قال القرطبي: (أي لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم).\nوالمقصود: لهم يومئذ الأجر الجزيل والنور العظيم الذي يسعى بين أيديهم حسب تفاوت أعمالهم.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\nهو ذكر حال الأشقياء، بعد تفصيل أصناف السعداء. فإن أهل الكفر باللَّه والتكذيب بالوحي والنبوة والمعجزات لا أجر ولا نور لهم، وإنما النار مثوى لهم.\n\n٢٠ - ٢١. قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٦/ ٣٥)، ورواه الترمذي في السنن. انظر صحيح سنن الترمذى (١٣٢٠) - أبواب فضائل الجهاد.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد والطبراني والحاكم بسند حسن. انظر صحيح الجامع (٣٦٣٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٢٨٦)، وأحمد (٢/ ٣٢)، وانظر صحيح الجامع (٧٨٨٩).","vol":"7","page":613},{"text":"بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ اللَّه تعالى الدنيا وفساد مناهج أهلها أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر بالزائل الفاني. وحثُّ اللَّه تعالى عباده على التسابق في طلب المغفرة والجنة ومنازل أهل المعالي.\nفقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. - توهين وتحقير لشأن الدنيا وزينتها الفانية وغرورها الزائل. قال قتادة: (﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: أكل وشرب). وقال مجاهد: (كل لعب لهو). وقيل: اللعب ما رغَّب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة. وقيل: اللعب الاقتناء، واللهو النساء.\nقال القاسمي: (﴿لَعِبٌ﴾ أي تفريح نفس ﴿وَلَهْوٌ﴾ هو أي باطل ﴿وَزِينَةٌ﴾ أي منظر حسن ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ أي: في الحسب والنسب). وقال النسفي: (﴿لَعِبٌ﴾ كلعب الصبيان ﴿وَلَهْوٌ﴾ كلهو الفتيان ﴿وَزِينَةٌ﴾ كزينة النسوان ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ كتفاخر الأقران ﴿وَتَكَاثُرٌ﴾ كتكاثر الدهقان (١) ﴿فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ أي مباهاة بهما، والتكاثر ادعاء الاستكثار). وقال القرطبي: (﴿وَزِينَةٌ﴾ الزينة ما يتزين به، فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة، وكذلك من تزين في غير طاعة اللَّه. ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ هو أي يفخر بعضكم على بعض بها. وقيل: بالخلقة والقوة. وقيل: بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء. قال: وجه الاتصال -يعني في الآية وما قبلها- أن الإنسان قد يترك الجهاد خوفًا على نفسه من القتل، وخوفًا من لزوم الموت، فبين أن الحياة الدنيا منقضِية فلا ينبغي أن يترك أمر اللَّه محافظة على ما لا يبقى. و﴿وَمَا﴾ صلة، تقديره: اعلموا أنّ الحياة الدنيا لعب باطل ولهو فرح ثم ينقضي).\nقلت: وهذه الآية خير تعريف لحقيقة هذه الحياة الدنيا في أمثل تشبيه.\n_________\n(١) الدهقان: التاجر. فارسي معرب.","vol":"7","page":614},{"text":"وفي التنزيل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].\nوفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب، والطعن فى الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة] (١).\nوفي صحيح مسلم -أيضًا- عن عياض بن حمار عن النبي -ﷺ- أنه خطبهم فقال: [إنَّ اللَّه أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد] (٢).\nوفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء قال: [خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صبًّا، حتى لا يُزيغَ قلب أحدكم إزاغة إلا هِيَهْ، وايم اللَّه لقد تركتم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء] (٣).\nوفي صحيح ابن حبان ومسند أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: [ما أخشى عليكم الفقر، ولكني أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ، ولكني أخشى عليكم التعمُّد] (٤).\nوقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾. أي: مطر. ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾. الكفار هنا: الزرّاع، وأصل ذلك من الكفر وهو التغطية، فهم يغطّون البذر. وقيل: الكفار هنا الكافرون باللَّه ﷿، لأنهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا من المؤمنين، فهم يعظمونها حرصًا على شهواتهم ومصالحهم. قال ابن كثير: (﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، أي: يُعجِبُ الزُرَّاعَ نباتُ ذلك الزرع الذي نبتَ بالغيث، وكما يُعْجِبُ الزرَّاع ذلك كذلك تُعْجِبُ الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرصُ شيءٍ عليها وأمْيَلُ الناس إليها).\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾. أي: ثم يجف بعد خضرته ويتغيّر من النضرة إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٣/ ٤٥)، والبيهقي (٤/ ٦٣)، وغيرهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٦٠)، ورواه أبو داود وابن ماجة - في أثناء حديث طويل.\n(٣) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٥)، وإسناده حسن، رجاله كلهم ثقات.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢٤٧٩)، والحاكم (٢/ ٥٣٤)، وأحمد (٢/ ٣٠٨)، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢١٦).","vol":"7","page":615},{"text":"الصفرة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ثم ييبسُ ذلك النبات ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد أن كان أخضر نضرًا).\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾. أي: ثم يصير يابسًا متحطمًا. والمقصود: إنما مثل الحياة الدنيا كذلك: شباب فاكتهال فعجز وشيخوخة. فالشباب مليء بالجمال والقوة، والكهولة مرحلة متوسطة تنفدُ فيها بعض قوى الشباب وتتغير بعض الطباع، والشيخوخة ضعف في الهمة والحركة. كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].\nأخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتكَ قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك] (١).\nفإذا وهبك اللَّه عقلًا سديدًا فأشغله بالعلم والقرآن، وإذا وهبك قوة وسلامة في البدن والجوارح فبادر إلى الطاعات والصدقات والقيام، وخذ من الليل إن استطعت قبل أن لا تستطيع القيام، واعلم أن اللَّه قد يخذل من استطاع وضيَّعَ العمر باللهو وارتكاب الحرام، فلا يوفقه للنطق بالشهادة عند الاحتضار في لحظات الختام، ويحرمه من لذة النظر إلى وجهه يوم القيامة كما يحرمه نعمة الأمن هناك والأمان.\nكما خرَّج البخاري في صحيحه من حديث جرير ﵁ قال: [كنا عند النبي -ﷺ-، فنظر إلى القمر ليلة فقال: إنكم سترون ربَّكم، كما ترون هذا القمر، لا تُضَامونَ في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]] (٢).\nوقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾. قال قتادة: (صار الناس إلى هذين الحرفين في الآخرة). أي: ليس في الآخرة إلا هذا أو هذا: عذاب شديد مهين، أو مغفرة ورضوان ونعيم مقيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد عن عمرو بن ميمون مرسلًا. والحاكم والبيهقي عن ابن عباس مرفوعًا. انظر: صحيح الجامع (١٠٨٨)، وتخريج أحاديث \"اقتضاء العلم\" (١٧٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٤) - كتاب مواقيت الصلاة. باب فضل صلاة العصر.","vol":"7","page":616},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. قال القرطبي: (هذا تأكيد ما سبق، أي تغرّ الكفار، فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة. وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيدًا في العمل للدنيا، وترغيبًا في العمل للآخرة).\nوفي صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [واللَّه! ما الدنيا في الآخرة إلا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحدكُم إِصْبَعَهُ هذه -وأشار يحيى بالسّبابة- في اليَمّ، فينظر أحدُكم بِمَ تَرْجِعُ؟] (١).\nوقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. حثٌّ على المبادرة إلى الخيرات، وفعل الطاعات وترك المحرمات، وما يكون فيه غفران الزلات والعثرات.\nوقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. قال السدي: (كعرض سبع السماوات وسبع الأرضين). وقال الحسن: (يعني جميع السماوات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها). قلت: والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب التعبير عن سعة الشيء بعرضه دون طوله، ومنْ ثمّ فإذا كان عرض جنة النعيم بهذه السعة فتأمّل كيف يكون مقدار طولها! ! وتفسير الحسن والسدي منسجم مع الآية الأخرى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].\nوقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. أي: هي قد خُصِّصَت لأهل الصدق في الإيمان، ومتابعة الرسل عليهم الصلاة والسلام. والآية دليل على أنها مخلوقة.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال النسفي: (وهم المؤمنون، وفيه دليل على أنه لا يدخل أحدٌ الجنة إلا بفضل اللَّه).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [إنّ فقراءَ المهاجرين أتوا رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: قد ذهب أهل الدُّثور (٢) بالدرجات العُلا، والنعيم المقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلونَ كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعتقون ولا نُعتقُ. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أفلا أُعلّمكم شيئًا تُدركون به من سبقكم، وتسبقون به مَنْ بَعدكم، ولا يكونُ أحدٌ أفضلَ مِنكم، إلا مَنْ صنعَ مثلَ ما صنعتُم؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: تُسبِّحون، وتكبِّرون، وتحمدون دُبُرَ كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرّة.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٥٨) - كتاب الجنة ونعيمها. وأخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨).\n(٢) الدثور: جمع دَثْر، وهو المال الكثير.","vol":"7","page":617},{"text":"قال أبو صالح (١): فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: سمع إخوانُنا أهلُ الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء] (٢).\nوفي الصحيحين، وسنن ابن ماجة -واللفظ له- عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [قاربوا وسَدِّدوا. فإنه ليس أحدٌ منكم بِمُنْجيهِ عَمَلهُ. قالوا: ولا أنت؟ يا رسول اللَّه! قال: ولا أنا. إلا أن يتغمَّدَني اللَّه برحمةٍ منه وفضل] (٣).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن جرير: (وهو ذو الفضل العظيم عليهم، بما بسط لهم من الرزق في الدنيا، ووهب لهم من النِّعم وعرَّفهم موضع الشكر، ثم جزاهم في الآخرة على الطاعة ما وصف أنه أعَدَّه لهم).\n\n٢٢ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تقديرُ اللَّه تعالى المصائب والآلام، وكل شيء قد قَدَّره سبحانه قبل خلق الأنام، لكيلا تأسوا على ما فاتكم عبر الأيام، وأهل البخل والإعراض مآلهم إلى الخزي والخسران.\nفقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾.\nقال ابن عباس: (هو شيء قد فرغ منه من قبل أن نبرأ النفس). وعن قتادة: (﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أما مصيبة الأرض: فالسنون. وأما في أنفسكم: فهذه الأمراض والأوصاب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾: من قبل أن نخلقها).\n_________\n(١) هو راوي الحديث عن أبي هريرة، واسمه ذكوان السمان، ثقة ثبت، توفي سنة (١٠١).\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٥٩٥) - كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٤/ ٤٨)، ومسلم (٨/ ١٤٠)، وسنن ابن ماجة (٤٢٠١).","vol":"7","page":618},{"text":"وقال ابن زيد: (المصائب والرزق والأشياء كلها مما تحبّ وتكره فرغ اللَّه من ذلك كله قبل أن يبرأ النفوس ويخلقها). فالضمير في ﴿نَبْرَأَهَا﴾ يعود على النفوس أو على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة والبرية.\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [كَتَبَ اللَّه مقاديرَ الخلائق قبلَ أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وَعَرْشُه على الماء] (١).\nوفي لفظ أحمد: [قدّر اللَّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألفِ سنة].\nقلت: والآية ردٌّ على القدرية الذين يقولون لا قدر، وعلى الذين يخوضون في القدر دون علم ولا يثبتون العلم السابق للَّه. فإن كل نازلة مكتوبة، وكل مصيبة بذنب، وما يدفع اللَّه أكثر.\nففي التنزيل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].\nوفي معجم الطبراني \"الصغير\" بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اخْتَلَجَ عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بِذَنْبٍ، وما يَدْفَعُ اللَّه عنه أكثر] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: إنَّ علمه تعالى الأشياء قَبْل كَونِها وكتابَتِه لها طِبْقَ ما يُوجَدُ في حينها سَهْلٌ على اللَّه -﷿- لأنه يعلمُ ما كان وما يكونُ، وما لم يكنْ لو كان كيف كان يكون).\nوقوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. أي: أعْلَمناكم بسبق عِلْمِنا وتَقَدُّم كتابتنا، فإنَّ ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في أموالكم أو أنفسكم فإنه مكتوب عليكم قبل خلقكم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فلم تدركوه منها، ولا تفرحوا بما آتاكم منها فَمَلَّككُم وخَوَّلَكُم.\nقال ابن عباس: (﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ قال: الصبر عند المصيبة، والشكر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٦٥٣) كتاب القدر، وأخرجه أحمد (٢/ ٦٩)، والترمذي (٢١٥٦)، ورواه ابن حبان (٦١٣٨).\n(٢) حديث حسن. رواه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (١٠٥٣)، وانظر السلسلة الصحيحة (٢٢١٥).","vol":"7","page":619},{"text":"عند النعمة). وقال: (ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرًا، وغنيمته شكرًا). وقال ابن زيد: (لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما آتاكم منها). وقال سعيد بن جبير: (﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾: من العافية والخصب).\nوقراءة العامة ﴿آتَاكُمْ﴾ أي: أعطاكم من الدنيا، وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو ﴿آتَاكُمْ﴾ أي: جاءكم. وهما قراءتان صحيحتان، والمدّ أشهر، واختاره ابن جرير.\nوخلاص المعنى: المؤمن يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فهو يتقلب بين منزلتي الصبر والشكر، ويعلم أنّ اللَّه قد فَرَغ من كتابة كل شيء وَعَلِمَهُ.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند صحيح عن عبادة بن الوليد بن عبادة قال: [حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لم تطعم الإيمان ولم تبلغ حق حقيقة العلم باللَّه حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: إن أوَّلَ ما خلقَ اللَّه القلم، ثم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني إن مت ولست على ذلك دَخلت النار] (١).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. أي: لا تتخذوا نعمة اللَّه عليكم أشرًا وبطرًا، تفخرون بها على الناس. قال القرطبي: (والحزن والفرح المنهيّ عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي متكبّر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧)، والترمذي في \"التفسير\" (٢/ ٢٣٢).","vol":"7","page":620},{"text":"٢ - وقال تعالى -في وصية لقمان لابنه-: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].\nوفي الصحيحين عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كلّ عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (١).\nوفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [بينما رجل يمشي في حلّة تُعْجِبُهُ نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَه، يختال في مِشْيَتهِ، إذ خسف اللَّه به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة] (٢).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. قال سعيد بن جبير: (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يعني بالعلم ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ أي: بألا يعلِّموا الناس شيئًا). وقال زيد بن أسلم. (إنه البخل بأداء حق اللَّه ﷿). وقيل: إنه البخل بالصدقة والحقوق -قاله: عامر بن عبد اللَّه الأشعري-. وقال طوس: (إنه البخل بما فيه يديه).\nوهذه الأقوال متقاربة في المعنى. والمقصودُ: ذمّ الذين يفعلون المنكر ويحضّون عليه.\nقال النسفى: (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون -يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالًا وحظًا من الدنيا، فلحبّهم له وعزّته عندهم يزوونه عن حقوق اللَّه ويبخلون به- ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: ويحضون غيرهم على البخل ويرغبونهم في الإمساك).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٨ - ١١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].\nوفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاوي (٨/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، (١٠/ ٤٠٨)، ومسلم (٢٨٥٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٢٢١)، (١٠/ ٢٢٢)، وأخرجه مسلم (٢٠٨٨).","vol":"7","page":621},{"text":"ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشُّحَ، فإن الشّحَ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. أي: ومن يعرض عن طاعة ربه وتعظيم أوامره فإن اللَّه هو الغني عن عباده، الحميد إلى جميع خلقه بوفير نعمه عليهم. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ومن يدبر معرضًا عن عظة اللَّه، تاركًا العمل بما دعاه إليه من الإنفاق في سبيله، فرحًا بما أوتي مختالًا به فخورًا بخيلًا، فإن اللَّه هو الغني عن ماله ونفقته، وعن غيره من سائر خلقه، الحميد إلى خلقه بما أنعم به عليهم من نعمه).\n\n٢٥. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآية: إرسالُ اللَّه تعالى الرسل الكرام، بالبينات والكتب والميزان، واللَّه تعالى وعد بالنصر لأوليائه الصالحين الكرام.\nفقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾. أي: بالمعجزات الواضحات، والحجج القاطعات، والشرائع الظاهرة ذات الدلائل الباهرة.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾. أي: الكتب، فيها النقل الصدق والخبر الصحيح. قال النسفي: (﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: الوحي).\nوقوله: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾. قال قتادة: (الميزان: العدل). وقال ابن زيد: (﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ بالحق، قال: الميزانْ ما يعمل الناس، ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان، ويعطون بميزان، يعرف ما يأخذ وما يعطي. قال: والكتاب فيه دين الناس الذي يعملون ويتركون، فالكتاب للآخرة، والميزان للدنيا).\nفالميزان: أداة الضبط وآلة التمييز، وهو الحق الذي فطر اللَّه القلوب والعقول\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢٥٧٨) - كتاب البر والصلة.","vol":"7","page":622},{"text":"عليه، فبه يتميز الحق من الباطل، وبه تقاس الأمور وتُحاكَم، وبه يُنْصَف المظلوم.\nوفي التنزيل: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧ - ٩].\nوفي صحيح مسلم عن جابر، أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشّح فإن الشّح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nوفيه أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء] (٢).\nوقوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. أي: ليعمل الناس بينهم بالعدل - في معاملاتهم وعلاقاتهم، وليُحَكِّمُوا الشرع الحنيف الذي يقوم على الحق والعدل.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾.\nالحديد يُخلق في المعادن، والمعادن إنما تكون في الجبال، فالحديد ينزله اللَّه من معادنه التي في الجبال، لينتفع به بنو آدم.\nوقوله: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾. يعني فيه قوة شديدة. قال ابن تيمية: (أخبر أنه أنزل الحديد، فكان المقصود الأكبر بذكر الحديد هو اتخاذ آلات الجهاد منه، الذي به يُنْصر اللَّه ورسوله -ﷺ-).\nفائدة: الجمع في الآية بين الكتاب والميزان والحديد منسجم غاية الانسجام، فالكتاب فيه الوحي العظيم، الذي يضمن لمن اهتدى بهديه سعادة الدارين. والميزان فيه قواعد الشريعة وأصول الحكم ورفع المظالم والفصل بين المتخاصمين. والحديد فيه ردعٌ لمن اختار الفساد والباطل والظلم، فيكون في بأسه وقوته حراسة للحق والعدل والدين.\nأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [بُعثت بين يدي الساعةِ بالسيف، حتى يُعبَد اللَّه وحده لا شريك له، وَجُعل رزقي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢٥٧٨) - كتاب البر والصلة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم -حديث رقم- (٢٥٨٢) - الباب السابق. والجلحاء: التي لا قرن لها.","vol":"7","page":623},{"text":"تحت ظلِّ رمحي، وجعلت الذلَّة والصَّغار على من خالف أمري، ومن تَشَبَّهُ بقوم فهو منهم] (١).\nوأخرج النسائي وابن ماجة بسند حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [حَدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خَيْرٌ لأهل الأرض مِنْ أَنْ يُمطروا أربعين صباحًا] (٢).\nقال شيخ الإسلام ﵀معلقًا على هذا الحديث-: (وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة، فإذا أقيمت الحدود ظهرت طاعة اللَّه ونقصت معصية اللَّه تعالى، فحصل الرزق والنصر) (٣).\nقلت: فإن حمل الناس على الوقوف عند حدود اللَّه وتعظيم حرمات اللَّه هو من مقاصد الحكم في الإسلام، ومن ثمّ فإن تشريع الحدود إنما جاء لتحقيق هذا الهدف النبيل، وإنما تحمل العقوبات الشرعية الخير للناس في دنياهم وأخراهم. وبعض الناس لا يصلح إلا بالقوة، وبعضهم لا يصلحه إلا اللين والسماحة، وبين الفئتين قوم ينفع معهم تحكيم الميزان. فكان في الكتاب والميزان والحديد ما يغطي أحوال الناس وطبائعهم وسلوكهم.\nوقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. قال ابن كثير: (أي: في معايشهم كالسِّكة والفَأس والقَدوم، والمِنشار، والإزْميل، والمجْرفة، والآلات التي يُستعان بها في الحِراثة والحِياكة والطبخ والخَبْز، وما لا قَوام للناس بدونه، وغير ذلك).\nوقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾. اختبار اللَّه تعالى عباده في غاية حمل السلاح. والآية عطف على محذوفٍ دلّ عليه ما قبله. والتقدير: أنزل اللَّه سبحانه الحديد لينتفعوا به، ويستعملوه في الجهاد، وليعلم اللَّه من يصدق نصر اللَّه ورسله عند البأس. أو يكون التقدير: أنزل اللَّه تعالى الكتاب والميزان والحديد اختبارًا لعباده في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥٠)، (٢/ ٩٢)، والطحاوي في \"المشكل\" (٢٣١)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣١٣)، وله شواهد.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٢/ ١١١)، والنسائي (٢/ ٢٥٧)، وأحمد (٢/ ٤٠٢)، وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٢٨٧/ ١). وانظر السلسلة الصحيحة (٢٣١).\n(٣) انظر: \"السياسة الشرعية\" -ابن تيمية- ص (٦٨). وكتابي: \"السياسة الشرعية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة\" (١٦٦ - ١٦٨).","vol":"7","page":624},{"text":"وعن ابن عباس: (﴿يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال: ينصرونهم لا يكذبونهم، ويؤمنون بهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: وهم لا يرونهم). وقيل: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالإخلاص.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: إن اللَّه قوي على نصر دينه ورسله وأوليائه، ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: منيع غالب قاهر لأعدائه، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم أيها الناس ببعض، وهو -تعالى- غير محتاج إلى من ينصره أو ينصر دينه.\nقال ابن جرير: (﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن اللَّه قوي على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره ونهيه، عزيز في انتقامه منهم، لا يقدر أحد على الانتصار منه مما أحل به من العقوبة). وقال النسفي: (﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته ﴿عَزِيزٌ﴾ يربط بعزته جأش من يتعرض لنصرته).\n\n٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إرسالُ اللَّه تعالى نوحًا وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وجعلُ النبوة والكتاب في سلالتهما للمصطفين الكرام، وثناؤه تعالى على عيسى بن مريم وأتباعه الصادقين أهل الإحسان، وذمّ أهل الابتداع في الدين والتنطع وأهل الفسق اللئام.\nفقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾.\nإخبار من اللَّه تعالى أنه منذ بعث نوحًا وإبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- لم ينزل كتابًا أو يرسل رسولًا أو يوحي لبشر إلا من سلالتهما حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم الذي بشر من بعده بنبينا محمد صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين. قال القرطبي: (﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ أي: جعلنا بعض ذريتهما","vol":"7","page":625},{"text":"الأنبياء، وبعضهم أممًا يتلون الكتب المنزلة من السماء: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان). وقال ابن عباس: (الكتاب الخط بالقلم).\nوقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ﴾. أي: فمن ذرية إبراهيم ونوح مهتد إلى الحق مستبصر سبيل الرشاد والنجاة. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: كافرون خارجون عن الطاعة.\nوقوله: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾. أي: ثم أتبعنا على آثار نوح وإبراهيم برسلنا الذين أرسلناهم في أقوامهم: كموسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم.\nوقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾. أي: وأتبعنا بعيسى -فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه- وآتيناه الإنجيل: وهو الكتاب الذي أوحيناه إليه.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾. ﴿رَأْفَةً﴾ أي: رقة وخشية ومودة ولينًا. ﴿وَرَحْمَةً﴾ تعطفًا على إخوانهم، كما قال في صفة أصحاب النبي -ﷺ-: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾. قال النسفي: (هي ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين مخلصين أنفسهم للعبادة، وهي الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف فعلان من رهب كخشيان من خشي، وانتصابها بفعل مضمر يفسّره الظاهر، تقديره: وابتدعوا رهبانية).\nوقوله: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾. أي: ابتدعها أمة النصارى، فأخرجوها من عند أنفسهم ونذروها.\nوقوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم ألزموا بها أنفسهم.\nوقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾. فيه تفسيران متكاملان:\nالتفسير الأول: إنهم قصدوا بذلك رضوان اللَّه. قال قتادة: (لم تكتب عليهم، ابتدعوها ابتغاء رضوان اللَّه). وقال ابن زيد: (ابتدعوها ابتغاء رضوان اللَّه تطوعًا، فما رَعَوْها حق رعايتها).\nالتفسير الثاني: ما كتبنا عليهم ذلك السلوك في العبادة، إنما كتبنا عليهم ما كان ابتغاء رضوان اللَّه -أي على منهاج النبوة.\nوقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. قال ابن كثير: (أي: فما قاموا بما التزموه حقَّ","vol":"7","page":626},{"text":"القيام. وهذا ذمٌّ لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين اللَّه ما لم يَأمُر به اللَّه. والثاني: في عدم قيامهم بما التزمُوه مما زعموا أنه قُرْبَةٌ يُقَرِّبهم إلى اللَّه ﷿).\nقلت: فالآية دليل على ذم الابتداع في الدين، حتى في أمم الأقدمين، فإن الإحداث في الدين واختراع الطرق في العبادة خروج عن منهاج النبوة واتهامٌ لدين اللَّه بالنقص وفتح لباب الهوى. وكان ابن مسعود يقول: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم).\nوفي التنزيل الحكيم:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠].\nوفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: [صَنَعَ رسولُ اللَّه -ﷺ- أمرًا فتَرَخَّصَ فيه، فبلغَ ذلك ناسًا من أصحابه، فكأنهم كَرِهوه وتَنَزَّهوا عنه، فبلغَهُ ذلك، فقام خطيبًا فقال: ما بالُ رجالٍ بَلَغهُم عني أمرٌ تَرَخَّصْتُ فيه، فكرهوه وتنزهوا عنه، فواللَّه! لأنا أعلمهم باللَّه وأشدُّهُم له خَشْيةً] (١).\nوذكر الإمام الشاطبي في \"الاعتصام\": (أن الزبير بن بكار قال: سمعت مالكًا بن أنس -وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد اللَّه من أين أحرم؟ - قال: من ذي الحليفة حيث أحرم رسول اللَّه -ﷺ-. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أُحْرِمَ من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال الإمام مالك: وأيّ فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصّر عنها رسول اللَّه -ﷺ-، إني سمعت اللَّه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]).\nوصح عن الشافعي أنه قال: (ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول اللَّه -ﷺ- وتعزب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصَّلْتُ من أصل، فيه عن رسول اللَّه -ﷺ- خلافُ ما قلتُ، فالقولُ ما قال رسول اللَّه -ﷺ- وهو قولي) (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم- (٢٣٥٦) - كتاب الفضائل، باب علمه -ﷺ- باللَّه تعالى وشدة خشيته.\n(٢) رواه الحاكم بسنده المتصل إلى الشافعي. وانظر كذلك: ابن عساكر (١٥/ ١/ ٢).","vol":"7","page":627},{"text":"وذكر ابن عبد البر في \"الانتقاء\" (ص ١٤٥) قول أبي حنيفة: (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، فإننا بشر، نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا). وكان يقول: (إذا صحّ الحديث فهو مذهبي) (١).\nومضى على ذلك المنهاج الأصيل الإمام أحمد بن حنبل وكان يقول: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا أبا حنيفة ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري رحمهم اللَّه تعالى، وخذ من حيث أخذوا، من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال) (٢).\nوأما \"الرهبانية\" فهي في مفهومها الصحيح عكس ما في أذهان جهلة الزهاد والعباد، إنها الجهاد في سبيل اللَّه، وقد صحّ في ذلك الخبر عن رسول اللَّه -ﷺ-.\nفقد أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أنّ رجلًا جاءه فقال: أوصني. فقال: سألتَ عما سألتُ عنه رسول اللَّه -ﷺ- من قبلك، أوصيك بتقوى اللَّه تعالى فإنه رأسُ كلِّ شيء، وعليكَ بالجهاد، فإنه رهبانيَّةُ الإسلام، وعليك بذكر اللَّه تعالى، وتلاوة القرآنِ، فإنه رَوْحُكَ في السماء، وذِكرُك في الأرض] (٣).\nوله شاهد عنده من حديث أنس بلفظ: [لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل اللَّه].\nوقوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. قال ابن زيد: (الذين رعوا ذلك الحق).\nوقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. أي. وكثير منهم مبتدع في الدين، خارج عن طاعة اللَّه وطاعة رسوله، منقاد وراء الأهواء والشهوات.\n\n٢٨ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا\n_________\n(١) انظر: ابن عابدين في \"الحاشية\" (١ - ٦٣). وكتابي: (السيرة النبوية) (١/ ١٧ - ١٨).\n(٢) انظر: ابن القيم في \"أعلام الموقعين\" (٢/ ٣٠٢)، والمرجع السابق ص (١٨).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٨٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٥٥). وانظر للشاهد بعده مسند أحمد (٣/ ٢٦٦)، ومسند أبي يعلى (٤٢٠٤).","vol":"7","page":628},{"text":"يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين أن يَصْدُقوهُ التقوى والإيمان، ومتابعة رسوله ﵊، فإن الفضل كله بيد اللَّه وهو ولي الأتقياء الكرام.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ في توجيهه تأويلان:\nالتأويل الأول: قيل الخطاب لمؤمني أهل الكتاب. قال ابن عباس: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ يعني الذين آمنوا من أهل الكتاب). واختاره ابن جرير.\nالتأويل الثاني: قيل بل الظاهر أن لفظ الآية أعم، وأن المقصود بها حثّ كل من آمن بالنبي -ﷺ- على الثبات في الإيمان والرسوخ فيه، والانصياع لأوامره.\nوهذا التأويل أرجح عندي وأشمل، وقد اختاره العلامة القاسمي ﵀، وقال: (ومنه ما حرض عليه في الآيات قبلها من الإنفاق في سبيله، وسخاوة النفس فيه. وأنّ لهم في مقابلة ذلك أجرًا وافرًا، كما قال في أول السورة: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ فآخر السورة، فيه رجوع لأوائلها بتذكير ما أمرت به، وما سبق نزولها لأجله).\nوقوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. أي: يؤتكم نصيبين من الأجر والثواب.\nوأصل الكفل: الحَظّ، وأصله ما يكتفل به الراكب فيحبسه ويحفظه عن السقوط.\nوفي توجيهه كذلك تأويلان: التأويل الأول: الضمير في ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ يعود على مؤمني أهل الكتاب.\nقال ابن عباس: (﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قال: أجرين، لإيمانهم بعيسى -ﷺ-، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وإيمانهم بمحمد -ﷺ-، وتصديقهم به). وقال أيضًا: (﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ قال: ضعفين). فوجّه ابن عباس الآية هنا إلى مؤمني أهل الكتاب الذين صدقوا محمدًا -ﷺ- وتابعوه، وهذا تفسير سالك مؤيد بالأحاديث الصحيحة، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بي،","vol":"7","page":629},{"text":"ورجل مملوك أدى حق اللَّه وحق مواليه، ورجل أدَّب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الروياني في \"مسنده\"، وأحمد كذلك نحوه، بسند حسن عن أبي أمامة الباهلي قال: [كنت تحت راحلة رسول اللَّه -ﷺ- في حجة الوداع، فقال قولًا حسنًا، فقال فيما قال: مَنْ أَسْلَم مِنْ أهل الكتاب فله أجره مرتين، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا] (٢).\nالتأويل الثاني: الضمير في ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ يعم المؤمنين من هذه الأمة.\nفإن توجيه الآية لعموم المؤمنين الصادقين في تقواهم وحفظهم هذا الدين -من هذه الأمة- يؤيده ما رواه ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير قال: (لما افتخر أهلُ الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرَّتين أنزل اللَّه هذه الآية في حق هذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: ضِعْفين، وزادهم: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، يعني: هُدى يتبَصَّرُ به من العمى والجهالة، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. ففضلهم بالنور والمغفرة).\nوكذلك يؤيده من السنة الصحيحة أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال: [مثلُ المسلمين واليهود والنصارى كمثلِ رجُلٍ استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجْرِك الذي شَرَطْتَ لنا، وما عَمِلْنا باطلٌ. فقال لهم: لا تَفْعَلوا، أكمِلوا بقية عَمَلِكم وخُذُوا أجركم كاملًا، فأَبَوْا وترَكُوا. واستأجر آخرِين بعدهم فقال: أكْمِلوا بقيَّةَ يومِكم هذا، ولكم الذي شرطْتُ لهم من الأجر، فَعَمِلُوا حتى إذا كان حينَ صلاة العَصْرِ قالوا: لَكَ ما عَمِلْنا باطِلٌ ولكَ الأجْرُ الذي جَعَلْتَ لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بَقِيَّة عملِكم فإن ما بَقِيَ من النهار شيءٌ يسيرٌ، فأبَوْا، فاستأجَرَ قومًا أن يَعْمَلُوا له بَقِيَّةَ يَوْمِهم فَعَمِلوا بقيَّةَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٤) - كتاب الإيمان، وأخرجه البخاري كذلك، وقد تقدم.\n(٢) حديث حسن أخرجه الروياني في \"مسنده\" (٣٠/ ٢٢٠/ ١)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٥٩) وفيه عنده \"يوم الفتح\" بدل \"حجة الوداع\" - والأول أصح. وانظر السلسلة الصحيحة (٣٠٤).","vol":"7","page":630},{"text":"يَوْمِهم حتى غابت الشَّمْسُ واستكمَلُوا أجْرَ الفريقين كِليهما، فذلك مَثَلُهُم ومثلُ ما قَبِلوا من هذا النُّور] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والبخاري والترمذي عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَثَلُكُم ومثلُ اليهودِ والنصارى كمثلِ رَجُلٍ استعملَ عُمّالًا، فقال: مَنْ يعملُ لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ ألا فعملت اليهودُ. ثم قال: مَن يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراطٍ؟ ألا فعملت النصارى. ثم قال: من يعمَلُ لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم. فغضبت النصارى واليهودُ، وقالوا: نحن أكثرُ عملًا وأقلُّ عطاءً. قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنما هو فَضْلي أُوتيه من أشاء] (٢).\nوقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾. قال ابن عباس: (الفرقان، واتباعهم النبي -ﷺ-). وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قال: القرآن). وعن مجاهد: (﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ قال: هدى). قال القاسمي: (\"النور\" هو ما يبصر من عمى الجهالة والضلالة، ويكشف الحق لقاصده، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]).\nوقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: ويصفح لكم عن ذنوبكم فيسترها عليكم واللَّه واسع المغفرة والرحمة.\nوقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبمحمد -ﷺ- من أهل الكتاب: يفعل بكم ربكم هذا لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل اللَّه الذي آتاكم وخصّكم به. لأنهم كانوا يرون أن اللَّه قد فضَّلهم على جميع الخلق، فأعلمهم اللَّه جل ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد -ﷺ- من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم). وقال القرطبي: (﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: ليعلم، و\"أن لا\" صلة زائدة مؤكدة، قاله الأخفش.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٨) - كتاب مواقيت الصلاة. وكذلك (٢٢٧١) - كتاب الإجارة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٦)، والبخاري في الصحيح (٣٤٥٩)، والترمذي في الجامع (٢٨٧١)، وابن حبان في صحيحه (٦٦٣٩).","vol":"7","page":631},{"text":"وقال الفراء: معناه لأن يعلم و\"لا\" صلة زائدة في كل كلام دخل عليه جَحْد).\nوقد ذكر أن في قراءة عبد اللَّه ﴿لكي يعلم﴾ - ذكره الطبري. قال القاسمي: (ليعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل اللَّه، فضلًا عن أن يتصرفوا في أعظمه، وهو النبوة، فيخصوا بها من أرادوا).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\nإعلام اللَّه تعالى أهل الكتاب -الذين زيَّنَ لهم الشيطان أنهم أفضل الخلق- أنه قد آتى أمة محمد -ﷺ- من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم لأن الفضل بيده -سبحانه- دونهم، ودون غيرهم من الخلق، يؤتيه من يشاء من عباده ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n\nتم تفسير سورة الحديد بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الاثنين ٧ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ١٥/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"7","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - \" سبحان اللَّه وبحمده\" صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق.\n٢ - اللَّه تعالى هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.\n٣ - أعْجَبُ الخلق إيمانًا قوم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها من عند اللَّه رب العالمين، ويتابعون صحابة هذا النبي الكريم، أولئك لهم عند اللَّه الأجر العظيم.\n٤ - لا يستوي من أنفق وقاتل من قبل الفتح مع من فعل ذلك بعده.\n٥ - المؤمن القوي خير وأحبّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفى كل خير.\n٦ - يسلب المنافقون نورهم على الصراط ويتم اللَّه النور للمؤمنين.\n٧ - يعرف النبي -ﷺ- أمته بأثر الوضوء، ويعرفهم بسيماهم في وجوههم، ويعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم.\n٨ - يا ابن آدم! اعمل كأنك تُرى، وعُدَّ نفسك مع الموتى، وإياك ودعوة المظلوم.\n٩ - النار أولى بالمنافقين من كل منزل لقاء كفرهم وخداعهم ومكرهم.\n١٠ - أول شيء يُرفَعُ مِنْ هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعًا.\n١١ - إن السَّلف يجري مجرى شطر الصدقة، والسَّلف القرض الحسن.\n١٢ - مثل هذه الدنيا كزرع يبس ثم تحطم، والآخرة نعيم لا يبلى.\n١٣ - كتب اللَّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء.\n١٤ - اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.","vol":"7","page":633},{"text":"١٥ - أرسل اللَّه الحق بالقرآن والقوة بالحديد لحمايته الحق وإقراره.\n١٦ - حدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خَيْر لأهل الأرض مِنْ أن يُمْطروا أربعين صباحًا.\n١٧ - لا يقبل اللَّه عملًا ابتدعه الناس دينًا لهم، بل ما كان على منهاج النبوة.\n١٨ - لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل اللَّه.\n١٩ - القرآن فرقان يفرق بين الحق والباطل، ونور يُبَصِّرُ من عمى الجهالة والضلالة.\n٢٠ - خير الأمم أمة محمد -ﷺ-، وفضل اللَّه يؤتيه -تعالى- من يشاء.\n* * *","vol":"7","page":634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>٥٨ - سورة المجادلة</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٢٢).\nقال المهايميّ: (سميت بها، لأنها لما كانت لطلب الحق والصواب، أشبهت مجادلة الأنبياء والقرآن، ولذلك سمع اللَّه لصاحبها).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>موضوع السورة</span>\nقصة المجادلة، وآداب النجوى\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-333> منهاج السورة</span>-\n١ - سماع اللَّه قصة المجادلة وشكواها من فوق عرشه وهو السميع البصير.\n٢ - ذكر مفهوم الظهار، وأحكام الظهار، والكفارة الواجبة في ذلك.\n٣ - المكر بالذين يحادون اللَّه ورسوله، وإحصاء اللَّه تعالى أقوالهم وأعمالهم.\n٤ - علم اللَّه تعالى بالسر وأخفى، وما يكون في النجوى، واللَّه بكل شيء عليم.\n٥ - ذمُّ أهل الكتاب الذين يتغامزون عند رؤية المؤمنين، وتوعد اللَّه لهم عذاب الجحيم.","vol":"7","page":635},{"text":"٦ - الأمرُ للمؤمنين بالتناجي بالبر والتقوى لا بالإثم والعدوان، فإن النجوى لا تسلم من مكر الشيطان.\n٧ - الأمْر بالتفسُّح في المجالس وعدم إيذاء النبي الكريم، واللَّه تعالى يرفع المؤمنين وأهل العلم الصادقين.\n٨ - الأمْرُ بتقدم النجوى للرسول بالصدقات، ثم نسخ ذلك والأمر بالطاعات والقربات.\n٩ - ذم المنافقين وتوعدهم العذاب المهين، ولن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم يوم الدين.\n١٠ - كتابة اللَّه النصر للمؤمنين والخزي على الكافرين، والولاء والبراء جزء من منهج الإيمان عند المسلمين، وأهله هم حزب اللَّه الذين يرثون جنات النعيم.\n* * *","vol":"7","page":636},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١. قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\nفي هذه الآية: سماعُ اللَّه تعالى قصة المجادلة وشكواها إلى النبي -ﷺ- من فوق سبع سماوات، واللَّه هو السميع البصير.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في \"التفسير\"، بسند على شرط مسلم، عن عروة، عن عائشة قالت: [الحمد للَّه الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصوات، لقد جاءت المجادِلةُ إلى النبي -ﷺ- تُكَلِّمُه وأنا في ناحيةِ البيتِ، ما أسمع ما تقولُ، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا. . .﴾. . . إلى آخر الآية] (١).\nواختلف المفسرون في اسم المرأة من الأنصار -المجادِلة رسول اللَّه -ﷺ- ونسبها. قيل: هي خولة بنت ثعلبة. وقيل: هي خويلة بنت خويلد. وقيل: هي خويلة بنت الصامت. وقيل غير ذلك.\nقلت: ولا يهمّ الاسم (٢)، وإنما يهمّ العلم المنبثق عن تلك المجادَلة. قال ابن جرير: (وكانت مجادلتها رسول اللَّه -ﷺ- في زوجها، وزوجها أوس بن الصامت، مراجعتها إياه في أمره، وما كان من قوله لها: أنت عليّ كظهر أمي، ومحاورتها إياه في ذلك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، والبخاري (٧٣٨٥) تعليقًا، والنسائي (٣٤٦٠)، وفي \"التفسير\" (٥٩٠)، وابن ماجة (١٨٨)، (٢٠٦٣)، وعبد بن حميد (١٥١٤)، ورواه ابن جرير في التفسير (٣٣٧٢٦)، وإسناده على شرط الإمام مسلم.\n(٢) وإن كان ثبت في صحيح أبي داود أن اسمها خويلة بنت مالك بن ثعلبة، وخويلة هي للتصغير من \"خولة\". واسم زوجها أوسُ بن الصامت. انظر صحيح سنن أبي داود (١٩٣٤).","vol":"7","page":637},{"text":"٢ - ٤. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر مفهوم الظهار، وأحكام الظهار، والكفارة الواجبة في ذلك.\nأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم بسند صحيح في الشواهد عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: [كنت رجلًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظاهرت من امرأتي، حتى ينسلخ رمضان، فرقًا من أن أصيب منها في ليلي فأتتابع في ذلك، إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني ذات ليلة، إذ تكشَّف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم فقلت: انطلقوا معي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبره بأمري، فقالوا: لا واللَّه لا تفعل، نتخوَّفُ أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول اللَّه -ﷺ- مقالة يبقي علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قلت: فخرجت فأتيت رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبرته خبري، فقال: \"أنت بذاك\"؟ قلت: أنا بذاك، قال: \"أَنْتَ بِذَاكَ\"؟ قلت: أنا بذاك، قال: \"أَنْتَ بِذاكَ\"؟ قلت: أنا بذاك، وها أنذا فأمض فيَّ حكم اللَّه، فإني صابر لذلك، قال: \"أَعْتِقْ رقبةً\". قال: فضربت صفحة عنقي بيدي، فقلت: لا والذي بعثكم بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: \"فَصُمْ شَهْرين\"، قلت: يا رسول اللَّه وهل أصابني ما أصابني، إلا في الصيام، قال: \"فأطْعِمْ ستِين مِسْكينًا\"، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وَحْشَى (١) ما لنا عشاء. قال: \"اذهب إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَني زُرَيْقٍ فَقُلْ لهُ فليَدْفَعْها إليك فاطعِمْ عنك منها وَسْقًا سِتّين مسكينًا، ثم استَعِنْ بِسائِره عَليكَ وعلى عيالك\".\n_________\n(١) بات وَحِشًا: أي جائعًا.","vol":"7","page":638},{"text":"قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللَّه -ﷺ- السعة والبركة، أَمَرَ لي بِصَدَقتكم فادفعوها إلي، فدفعوها إليّ] (١).\nوأخرج أبو داود بسند حسن عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة، قالت: [ظاهرَ مني زوجي أوسُ بن الصامت، فجئت رسول اللَّه -ﷺ-، أشكو إليه، ورسول اللَّه -ﷺ- يجادلني فيه، ويقول: \"اتقي اللَّه فإنه ابن عمك\"، فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى الفرض فقال: \"يعتق رقبة\"، قالت: لا يجد، قال: \"فيصوم شهرين متتابعين\"، قالت: يا رسول اللَّه، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: \"فليطعم ستين مسكينًا\"، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأتِيَ ساعتئذ بِعَرَقٍ (٢) مِنْ تَمْرٍ، قلت: يا رسول اللَّه، فإني أعينه بعَرَق آخر، قال: \"قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك\"] (٣).\nوله شاهد عنده من طريق سليمان بن يسار قال: [فَأُتِيَ رسول اللَّه -ﷺ- بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعًا، قال: \"تَصَدَّق بهذا\" قال: فقال: يا رسول اللَّه، على أفْقَرَ مني ومن أهلي؟ فقال رسول -ﷺ-: \"كله أنت وأهلك\"] (٤).\nفقه أحكام الظهار:\n١ - من قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي فهو مظاهر. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾.\n٢ - المظاهر تحرم عليه زوجته، فلا يطؤها ولا يستمتع منها بشيء حتى يكفّر.\nففي سنن أبي داود عن عكرمة: [أن رجلًا ظَاهَر من امرأته فرأى بريق ساقها في القمر فوقع عليها. فأتى النبي -ﷺ-، فأمره أن يكفر].\nوفي لفظ: [أن رجلًا ظَاهَر من امرأته، ثم واقعها قبل أن يُكَفر، فأتى النبي -ﷺ-\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو دواد (٢٢١٣)، والترمذي (٣٢٩٩)، واللفظ له، وابن ماجة (٢٠٦٢)، والحاكم (٢/ ٢٠٣)، وكذلك نحوه (٢/ ٢٠٤). وانظر صحيح الترمذي (٢٦٢٨).\n(٢) العَرَقُ: هو زنبيل يسع خمسة عشر صاعًا أو أكثر.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢٢١٤) - تفريع أبواب الطلاق - باب في الظهار، وانظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١٩٣٤).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢٢١٧) - الباب السابق. انظر صحيح سنن أبي داود (١٩٣٧).","vol":"7","page":639},{"text":"فأخبره، فقال: \"ما حملك على ما صنعت\"؟ قال: رأيت بياض ساقها في القمر، قال: \"فاعتزلها حتى تكفر عنك\"] (١).\n٣ - الكفارة: تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.\nأخرج أبو داود عن هشام بن عروة: [أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت، وكان رجلًا به لمَمٌ، فكان إذا اشتدَّ لَمَمُهُ (٢) ظاهرَ من امرأته، فأنزل اللَّه تعالى فيه كفارة الظهار] (٣).\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.\n٤ - الظهار حرام، لأن اللَّه وصفه بأنه منكر من القول وزور، وأنكر على المظاهر. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.\nقال سعيد بن جبير: (كان الإيلاء والظهارُ من طلاقِ الجاهلية، فوقَّت اللَّه الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفّارة).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ - الخطاب للمؤمنين. واستدل الإمام مالك بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية.\nوقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ - استدل بها الجمهور على أن الأَمَةَ لا ظهار منها، ولا تدخل في هذا الخطاب.\nوقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا تصيرُ المرأة بقولِ الرجُل: أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي، أو كأمي أو \"مثل أمي\"، وما أشبه ذلك، لا تصيرُ أمَّهُ بذلك، إنما أُمُّهُ التي وَلَدَتْهُ. ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، أي: كاملًا فاحشًا باطلًا، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، أي: عما كان منكم في حال الجاهلية، وهكذا أيضًا عما خَرَج من سَبْقِ اللسانِ ولم يَقْصِد إليه المتكلم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٢٢٢١)، (٢٢٢٢) - في الظهار. انظر صحيح سنن أبي داود (١٩٤١ - ١٩٤٢).\n(٢) اللمم: شدة الرغبة في النساء.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٢١٩) - تفريع أبواب الطلاق. باب في الظهار.","vol":"7","page":640},{"text":"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. تكرار العبارة لبيان حكم الظهار، بعد بيان أنه منكر وزور.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، أي: ثم يعودون لنقض ما قالوا أو لتداركه -على حذف المضاف-. أو: ثم يعودون لتحليل ما حرّموا على أنفسهم. واختلف المفسرون بماذا يحصل النقض على أقوال:\n١ - قال أحمد بن حنبل: (هو أن يعود إلى الجماع، أو يعزم عليه، فلا يَحِلُّ له حتى يكفِّرَ بهذه الكفّارة).\n٢ - وقال أبو حنيفة: (هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه، ورُفِعَ ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته فقد حرّمها تحريمًا لا يرفعه إلا الكفّارة).\n٣ - وقال الشافعي: (هو أن يُمسِكها بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلِّق فيه فلا يُطَلِّق).\n٤ - وحُكي عن مالك: (أنه العزم على الجماع والإمساك)، وعنه: (أنه الجماع).\n٥ - وقال سعيد بن جبير: (﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، يعني: يُريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرّموه على أنفسهم). وقال الحسن البصري: (يعني الغِشْيَانَ في الفَرْج). وكان لا يرى بأسًا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يُكفرِّ.\n٦ - قال بُكير بن الأشج: (العودُ هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرّره).\nقلت: أما قول بكير فباطل -كما قال ابن العربي وغيره- ولا دليل عليه في أصل هذا التشريع من السنة الصحيحة في القصص الواردة في الظهار. وقول الشافعي بعيد عن مفهوم السياق، ويبقى مفهوم العَوْدِ يدل عليه ما بعده -وهو إيجاب الكفارة- فيكون المقصود: الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فيما ذهبوا إليه، فيعزمون على غشيانهن ووطئهن رغبة في تحليلهن بعد تحريمهن، فلا بد من الكفارة.\nففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عكرمة: [أنّ رجلًا ظَاهر من امرأته، ثم واقعها قيل أن يُكَفِّرَ، فأتى النبي -ﷺ- فأخبره، فقال: \"ما حملك على ما صنعت\"؟ قال: رأيت بياض ساقها في القمر، قال: \"فاعتزلها حتى تكفّر عنك\"] (١).\nوقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. أي: فإعتاق رقبة (٢) كاملة، من قبل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٢٢١) - تفريع أبواب الطلاق. باب في الظهار.\n(٢) قال ابن كثير: (فهاهنا الرقبة مطلقةٌ غير مقيدة بالإيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان).","vol":"7","page":641},{"text":"المسيس بأي شكل من أشكاله - وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي.\nوعن ابن عباس: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، المسّ: النكاح)، وقال الزهري: (ليس له أن يُقَبِّلها ولا يَمَسَّها حتى يُكَفِّر).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾. أي تُزجرون به. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. أي: واللَّه عليم بأحوالكم، خبير بما يُصلحكم.\nوقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. أي: فمن لم يجد ما يعتق رقبة وجب عليه صيام شهرين متتابعين قبل المسيس.\nفإن أفطر في أثنائهما بغير عذر استأنفهما، وإن أفطر لعذر من مرض أو سفر يبني على ما صام منهما. قال مالك: (إذا مرض في صيام كفارة الظهار بنى إذا صحّ).\nوقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. قال القرطبي: (ذكر اللَّه ﷿ الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينًا لكل مسكين مُدّان بمُد النبي -ﷺ-. قال: ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وإطلاق الإطعام يتناول الشّبع، وذلك لا يحصل بالعادة بمدّ واحد إلا بزيادة عليه).\nوقال النسفي: (لكل مسكين نصف صاع من برّ، أو صاع من غيره).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أي: هذا التغليظ في الكفارة لتَصْدُقوا اللَّه تعالى الإيمان به وتعظيم شرعه وهدي نبيه -ﷺ-، وتنخلعوا من عادات الجاهلية.\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. أي محارمه فلا تنتهكوها، بَيَّنَ لكم الطاعة بعد المعصية، والمعصية هنا الظهار، والطاعة الكفارة وترك ذلك القول المنكر.\nوقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجُون من البلاء، كلّا، ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم، أي: في الدنيا والآخرة).\n\n٥ - ٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا","vol":"7","page":642},{"text":"عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إذلالُ اللَّه الذين يناصبونه ورسوله العداء ومكرهُ تعالى بهم، وإحصاؤه جميع أقوالهم وأعمالهم ليظهرها يوم الحشر لهم، فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يكون في النجوى، ثم يُنَبِّئ عباده يوم القيامة بما عملوا، وهو بكل شيء عليم.\nفقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال قتادة: (يقول: يعادون اللَّه ورسوله). وأصل المحادّة الممانعة، ومنه الحديد. قال الزجاج: (المحادّة أن تكون في حدّ يخالف حدّ صاحبك). والمقصود: توعّدٌ من اللَّه للمعاندين شرعه المحادين المخالفين لرسله، الممانعين علوّ دينه في الأرض.\nوقوله: ﴿كُبِتُوا﴾. قال أبو عبيدة والأخفش: (أهلكوا). وقال قتادة: (أُخزوا كما أخزي الذين من قبلهم). وقال ابن زيد: (عذبوا). وقال السدي: (لعنوا). قلت: وأصل الكبت الصرف والإذلال. والعرب تقول: كبت اللَّه العدو أي صرفه وأذَلّه. وَكَبَتَه لوجهه: أي صَرَعَه.\nوقوله: ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.\nأي: أهينوا وَأُخْزُوا ولعنوا وذلّوا كما فعل بمن أشْبهَهُم من قبلهم.\nوقوله: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وقد أنزلنا دلالات مفصلات، وعلامات محكمات تدلّ على حقائق حدود اللَّه).\nوقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. أي: وللجاحدين آيات اللَّه البينات التي أنزلها اللَّه على رسوله، والمستكبرين عن طاعته عذاب موجع يوم القيامة في نار جهنم.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾. أي: يوم يجمع اللَّه الأولين والآخرين في صعيد واحد فينبئهم بما صنعوا من خير أو شر.","vol":"7","page":643},{"text":"وقوله: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾. أي: أثبته -تعالى- وحافظه وضبطه عليهم ونسيه عاملوه.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. . .﴾ الآية. إخبار عن إحاطة علمه سبحانه بخلقه، واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤية مكانهم ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ أي من سر ثلاثة ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ أي يسمع سرّهم ونجواهم، ولا يخفى عليه شيء من أسرارهم.\nوقوله: ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. أي: ولا يكون من نجوى خمسة إلا هو سادسهم، ولا أقل من ثلاثة ولا أكثر من خمسة إلا هو معهم إذا تناجوا في أي موضع كانوا.\nقال الضحاك: (﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ قال: هو فوق العرش وعلمه معهم).\nوقوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. أي: ثم يخبر هؤلاء المتناجين وغيرهم بما كان من أمرهم وما حاولوا كتمه مما يحبّه -تعالى- أو يسخطه - يوم القيامة.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. إثبات أن المعية الوارد في الآية هي معية علم، وكذلك حيثما وردت المعية في القرآن جاء ما يفسّرها ويدل عليها من السياق، وهي تفيد في مجموع مواضعها أنها معية بالصفات لامعية في الذات، فاللَّه تعالى فوق عرشه، بائن من خلقه، يسمع ويبصر ويعلم كل شيء في أرجاء ملكوته، وفي أحوال عباده. قال الإمام أحمد: (افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم).\n\n٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ","vol":"7","page":644},{"text":"بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ أهل الكتاب الذين يتغامزون عند رؤية المؤمنين، وتوعّد اللَّه لهم عذاب الهون في نار الجحيم. وأمْرُه تعالى المؤمنين التناجي بالبر والتقوى لا بالإثم والعدوان، فإن النجوى من مكر الشيطان، ليفَرِّق بذلك بين المؤمنين، وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن اللَّه العظيم.\nفقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. قال مجاهد: (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ قال: اليهود). قال النسفي: (كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، ويريدون أن يغيظوهم ويوهموهم في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا، وأن أقاربهم قتلوا، فنهاهم رسول اللَّه -ﷺ- فعادوا لمثل فعلهم وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان وتواص بمعصية الرسول ومخالفته).\nوقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وكذلك البزار، والطبراني في المعجم؛ بإسناد جيد عن عبد اللَّه بن عمرو: [أنّ اليهود كانوا يقولون لرسول اللَّه -ﷺ-: سامٌ عليك، ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا اللَّه بما نقول فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾] (١).\nوفي صحيح مسلم عن الأعمش، عن مُسْلم، عن مسروقٍ، عن عائشة قالت: [أتى النبيَّ -ﷺ- أُناسٌ من اليهود، فقالوا: السَّامُ عليكَ، يا أبا القاسم! قال: \"وعليكم\". قالت عائشة: قلتُ: بَلْ عَلَيْكُم السَّامُ والذَّامُ. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: يا عائشةُ! لا تكوني فاحِشة. فقالت: ما سَمعْتَ ما قالوا؟ فقال: أوليسَ قد رَدَدْتُ عليهم الذي قالوا؟ قلْتُ: وعَلَيْكمُ] (٢).\nوفي رواية: [ففطنت بهم عائشة فَسَبَّتْهُمْ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"مَهْ، يا عائشةُ!\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٠)، والطبراني والبزار. وقد جوّده الهيثمي في \"المجمع\" (١١٤٠٥)، وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - المجادلة - آية (٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢١٦٥) ح (١١)، كتاب السلام. باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم.","vol":"7","page":645},{"text":"فإن اللَّه لا يُحِبّ الفُحْشَ والتَفَحُّشَ\" - وزاد فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ. . .﴾ إلى آخر الآية].\nوفي صحيح البخاري ومسلم -واللفظ له- عن جابر قال: [سَلَّمَ ناسٌ من يَهود على رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: السَّامُ عليكَ، يا أبا القاسم! فقال: \"وعليكم\". فقالت عائشة، وغضبت: ألَمْ تَسْمَع ما قالوا؟ قال: بلى، قَدْ سَمِعْتُ، فَرَدَدْتُ عليهم، وإنّا نُجَابُ عليهم ولا يُجَابون عَلينا] (١).\nقال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يُحرَّفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شَتْمٌ في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيًا لعذَّبنا اللَّه بما نقول له في الباطن، لأن اللَّه يعلم ما نُسِرُّه، فلو كان هذا نبيًا حقًا لأوشك أن يُعَاجلَنا اللَّه بالعقوبة في الدنيا، فقال اللَّه تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة، ﴿يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾).\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾.\nتَأديبٌ من اللَّه تعالى عباده المؤمنين، بمخالفة طريقة الكفرة والمنافقين، فإذا تناجوا فلا يتشبهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر.\nوقوله: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. أي: وتناجوا بالطاعة وبالعفاف عما نهى اللَّه عنه.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: وخافوا اللَّه الذي إليه تجمعون في الآخرة، فعظموه حق التعظيم بامتثال دينه والتحاكم إليه.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أي: إنما النجوى -وهي المسارَّة التي يظن المؤمن منها السوء- من تزيين الشيطان وتسويله، لِيُسيءَ إلى المؤمنين ويمزّق الأخوة التي تربطهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٠١)، ومسلم (٢١٦٦)، وكذلك (٢١٦٥) نحوه.\nوله شاهد عند الترمذي عن قتادة: [أخبرنا أنس بن مالك أن يهوديًا أتى على نبي اللَّه وأصحابه فقال: السلام عليكم، فرد عليه القوم، فقال نبي اللَّه -ﷺ-: هل تدرون ما قال هذا؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، سلم يا نبي اللَّه، قال: لا، ولكنه قال: كذا وكذا رُدّوه عليَّ، فردوه فقال: قلت: السام عليكم؟ قال نعم، قال نبي اللَّه -ﷺ- عند ذلك. إذا سلم عليكم أحدٌ من أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت. قال: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾]. صحيح سنن الترمذي (٢٦٢٩).","vol":"7","page":646},{"text":"وفي الصحيحين والمسند عن عبد اللَّه ﵁: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث] (١).\nوفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه ﵁ قال: قال النبي -ﷺ-: [إذا كنْتُم ثلاثة فلا يتناجى رَجُلان دونَ الآخر حتى تختلطوا بالناس، مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يُحْزِنُه] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (بأمره).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وليس التناجي بضارّ المؤمنين شيئًا إلا بإذن اللَّه، يعني بقضاء اللَّه وقَدَره).\nوقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال القرطبي: (أي يكِلون أمرهم إليه، ويفوّضون جميع شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر، فهو الذي سلّط الشيطان بالوساوس ابتلاءً للعبد وامتحانًا ولو شاء لصرفه عنه).\n\n١١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾.\nفي هذه الآية: الأَمْرُ بالتفسّح في المجالس عند الحاجة لذلك وعدم إيذاء النبي -ﷺ- في مجلسه الكريم، واللَّه تعالى هو يرفع المؤمنين وأهل العلم في درجات الأولياء الصالحين.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾. تعليم منه تعالى للمؤمنين أدب المجالس، وذلك بأن يفسح المرء لأخيه ويتنحَّى توسعة له. وقُرِئَ: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾. قال الشهاب: (وارتباطه بما قبله ظاهر، لأنه لما نهى عن التناجي والسرار، علم منه الجلوس مع الملأ، فذكر آدابه. ورتب على امتثالهم فسحه لهم فيما يريدون التفسح، من المكان والرزق والصدر).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٢٨٨)، كتاب الاستئذان، باب لا يتناجى اثنان دون الثالث.\nورواه مسلم (٢١٨٤) نحوه، وأبو داود (٤٨٥١)، وأحمد (١/ ٣٧٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، كتاب الاستئذان. باب: إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارَّة والمناجاة. ورواه مسلم (٢١٨٤)، كتاب السلام.","vol":"7","page":647},{"text":"قال ابن كثير: (وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في الحديث الصحيح:\n\"من بنى للَّه مسجدًا بنى اللَّه له بيتًا في الجنة\". وفي الحديث الآخر: \"من يَسَّرَ على مُعْسِر يَسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، واللَّه فى عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\". ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾).\nقال قتادة: (نزلَت هذه الآيةُ في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدَهم مُقْبِلًا ضَنُّوا بمجالسهم عند رسول اللَّه -ﷺ-، فأمرهم اللَّه أن يَفْسَحَ بعضُهم لبعض).\nأخرج البخاري في صحيحه عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي -ﷺ- قال: [لا يُقيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِه ثم يَجْلِسُ فيه] (١).\nورواه بنحوه في - كتاب الجمعة - من صحيحه عن ابن جُرَيج عن نافع قال: سمعت ابنَ عمر ﵄ يقول: [نهى النبيُّ -ﷺ- أن يقيم الرجلُ الرجلَ مِنْ مَقْعَدِه ويَجْلِسَ فيه. قلت لنافع: الجمعةَ؟ قال: الجْمُعَةَ وغيرَها] (٢).\nوله شاهد عنده في كتاب الاستئذان عن نافع -أيضًا- عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-: [أنه نهى أن يُقامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ويَجْلِسَ فيه آخر، ولكن تَفَسَّحُوا وتوسَّعوا، وكان ابن عمر يكرهُ أن يقومَ الرجلُ من مَجْلِسِه ثم يُجْلسَ مكانَهُ] (٣).\nوفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [لا يُقمِ الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسَحِ اللَّه لكم] (٤).\nوفي لفظ: [لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يَفْسَحِ اللَّه لكم].\nوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾.النشز: الارتفاع، وأصله من نشز الأرض وهو ارتفاعها. قال النحاس: (النَّشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى). ونشزَ الرجل إذا انتحى من موضعه، وامرأة ناشز أي منتحية عن زوجها.\nفالمعنى: إذا قيل لكم ﴿انْشُزُوا﴾ عن النبي -ﷺ- ﴿فَانْشُزُوا﴾ -أي انهضوا فإنه له\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - (٦٢٦٩) - كتاب الاستئذان.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٩١١) - كتاب الجمعة، باب: لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٢٧٠) - كتاب الاستئذان. عند ذكر آية المجادلة (١١).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٨) بإسناد حسن. وكذلك (٢/ ٤٨٣) للفظ الآخر.","vol":"7","page":648},{"text":"حوائج فلا تمكثوا. وقال قتادة: (المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف).\nقال القاسمي: (﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أي انهضوا للتوسعة، أو ارتفعوا في المجالس، أو انهضوا عن مجلس الرسول، إذا أُمِرتم بالنهوض عنه، ولا تملوه بالارتكاز فيه).\nوقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾. أي: يرفع اللَّه المؤمنين بامتثال أوامره، وأوامر رسوله، فإنه ليس في فسح الرجل لأخيه في المجلس انتقاص له، بل رفعة ومزية عند اللَّه، كما هو النهوض لكل أمر بمعروف.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. قال ابن مسعود: (مدح اللَّه العلماء في هذه الآية). والمقصود: يرفع اللَّه المؤمنين والعلماء بالثواب في الآخرة وبالكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن، والعالم على من ليس بعالم، وللعلماء مزية.\nقال القرطبي: (المعنى أنه يرفع اللَّه الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم ﴿دَرَجَاتٍ﴾ أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أُمِروا به).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عامر بن واثِلةَ: [أن نافعَ بنَ عبد الحارث لقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وكان عمرُ يَسْتَعملُه على مَكَّةَ فقال: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ على أهل الوادي؟ فقال: ابْنَ أَبْزَى؟ قال: وَمَنِ ابْنُ أبزى؟ قال: مَوْلًى مِنْ موالينا. قال: فاسْتَخْلَفْتَ عليهم مَوْلًى!؟ قال: إنَّهُ قارئٌ لكتاب اللَّه ﷿، وإنَّهُ عالِمٌ بالفرائض. قال عمر: أما إنَّ نبيَّكم -ﷺ- قَدْ قال: \"إنَّ اللَّه يَرْفَعُ بهذا الكتاب أَقْوامًا ويضَعُ به آخرين\"] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: [وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إنّ العلماء ورثة الأنبياء، إن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨١٧) - كتاب صلاة المسافرين، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٥)، وابن ماجة (٢١٨)، وأخرجه ابن حبان (٧٧٢).","vol":"7","page":649},{"text":"الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما وَرَّثُوا العلم، فَمَنْ أخذَهُ أخذ بِحظٍّ وافر] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [نَضَّرَ اللَّه امرأً سمِعَ منا حديثًا فحفظه حتى يُبَلِّغَه، فرُبَّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفْقَهُ منه، وربَّ حامل فِقْهٍ ليس بفقيه] (٢).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾. أي: خبير بمراتب عباده ومنازل أعمالهم، وقد وسع علمه كل شيء.\n\n١٢ - ١٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: الأَمْرُ بتقدم النجوى للرسول بالصدقات، ثم نَسْخُ ذلك والأمر بالتوبة وإقامة الصلوات، وإيتاء الزكاة وطاعة اللَّه ورسوله وفعل الخيرات.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾.\nأَمْرٌ من اللَّه تعالى عبادَه المؤمنين إذا أراد أحدهم مناجاة رسول اللَّه -ﷺ- ومساررته بأمر أن يقدّمَ بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لهذا المقام، ثم نسخ ذلك. قال قتادة: (إنها منسوخة). وقال ابن عباس: (كان المسلمون يقدّمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاةُ نُسِخَ هذا).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: خير لكم عند اللَّه وأطهر لقلوبكم من المآثم.\nوقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال قتادة: (سأل الناس رسول اللَّه -ﷺ- حتى أحفوه بالمسألة، فوعظهم اللَّه بهذه الآية، وكان الرجل تكون له الحاجة إلى نبيّ اللَّه -ﷺ-، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدّم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل اللَّه ﷿ الرخصة بعد ذلك ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٢٢٣). باب فضل العلماء والحث على طلب العلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - (٣٦٦٠) - كتاب العلم، باب فضل نشر العلم.","vol":"7","page":650},{"text":"وقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: أَخِفْتُم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول، ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، فنسخ وجوب ذلك عنهم).\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، ذلك أن المسلمين أكثرُوا المسائلَ على رسول اللَّه -ﷺ- حتى شقّوا عليه، فأراد اللَّه أن يخفف عن نبيِّه -﵊- فلما قال ذلك ضَنَّ كثيرٌ من الناس وكَفُّوا عن المسالة، فأنزل اللَّه بعد هذا: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فَوَسَّعَ اللَّه عليهم ولم يُضَيِّق).\n\n١٤ - ١٩. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ اللَّه تعالى المنافقين، وتوعدهم العذاب المهين، وما أولادهم ولا أموالهم بالتي تمنع عنهم نار الجحيم، فلقد عظموا أهواءهم حتى استحوذ عليهم الشيطان الرجيم.\nفقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ الآية. - إنكار من اللَّه تعالى على المنافقين موالاتهم للكفار في الباطن وهم لا معهم ولا مع المؤمنين.\nقال قتادة: (هم المنافقون تولّوا اليهود وناصحوهم. ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ يقول: ليس المنافقون من اليهود ولا من المسلمين بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم). قال النسفي: (﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ يا مسلمون ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾ ولا من","vol":"7","page":651},{"text":"اليهود، كقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾).\nوقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي ويقولون واللَّه إنا المسلمون لا منافقون، وهم يعلمون في حقيقة الأمر أنهم كاذبون منافقون.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام ابن جرير في \"التفسير\" بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان أو بعيني شيطان. قال: فدخل رجل أزرق، فقال: يا محمد، علام سبببتني أو شتمتني أو نحو هذا. قال: وجعل يحلف. قال: ونزلت هذه الآية في المجادلة: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ والآية الأخرى] (١). وفي رواية: أن الرسول -ﷺ- هو الذي قال له: علام تشتمني أنت وأصحابك.\nفقد أخرج أحمد والحاكم بإسناد على شرط مسلم عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدّثه: [أنّ النبي -ﷺ- كان في ظل حُجْرَةِ من حُجَرِه، وعنده نَفَرٌ من المسلمين قد كاد يَقْلِصُ عنئهم الظلُّ، قال: \"إنه سيأتيكم إنسان ينظُرُ بعيني شيطان، فإذا أتاكَم فلا تكلّموه\". فجاء رجلٌ أزرق، فدعاه رسول اللَّه -ﷺ- فَكَلَّمَهُ، فقال: علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟ \" -نَفرٌ دعاهم بأسمائهم- قال: فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا له واعتذروا إليه، قال: فأنزل اللَّه ﷿: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: أرصَد اللَّه لهم على هذا الصنيع العذاب الأليمَ على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونُصْحِهم، ومُعاداةُ المؤمنين وغِشِّهم).\nوقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: اتقوا بالأيمان الكاذبة، لِيخدعوا بذلك من لا يعرف أبعاد أعمالهمِ، فحصل بذلك صدٌّ عن سبيل اللَّه لبعض الناس. قال القرطبي: (﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يستجِنُّون بها من القتل. وقرأ الحسن وأبو العالية ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ بكسر الهمزة هنا وفي \"المنافقون\"، أي إقرارهم اتخذوه جنة، فآمنت إلسنتهم من خوف القتل، وكفرت قلوبهم ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ في الدنيا بالقتل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٤٠)، وابن جرير في \"التفسير\" (٣٣٨٠٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢٦٧)، والطبري (٣٣٨٠٨)، والحاكم (٢/ ٤٨٢) وإسناده على شرط مسلم. وقال صاحب المجمع (٧/ ١٢٢): (رجال أحمد رجال الصحيح).","vol":"7","page":652},{"text":"وفي الآخرة بالنار. والصدّ المنع ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أى عن الإسلام وقيل: في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. وقيل: أي بإلقاء الأراجيف وتثبيط المسلمين عن الجهاد وتخويفهم).\nوقوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لن تغني عن هؤلاء المنافقين يوم القيامة أموالهم، فيفتدوا بها من عذاب اللَّه المهين لهم، ولا أولادهم، فينصرونهم، ويستنقذونهم من اللَّه إذا عاقبهم).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: هؤلاء المنافقون الذين تولوا قومًا غضب اللَّه عليهم، وأظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر هم أهل النار الذين هم فيها ماكثون.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ قال قتادة: (إنّ المنافق حلف له يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا). وفي رواية قال: (واللَّه حالَفَ المنافقون ربهم يوم القيامة، كما حالفوا أولياءه في الدنيا).\nقلت: وهذا أمر عجيب، وهو بعث اللَّه المنافقين من قبورهم أحياء كهيئاتهم قبل مماتهم: في خلقهم وسلوكهم، فيحلفون له مغالطين كاذبين كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا.\nوقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾. أي: في حلفهم وإنكارهم أمام ربهم ﷿. قال ابن زيد: (ظنوا أنهم ينفعهم في الآخرة).\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. تقرير لحالهم الذي كانوا عليه في الدنيا وبعثوا عليه.\nوقوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾. أي: غلب عليهم الشيطان واستحوذ على قلوبهم حتى غفلوا عن ذكر اللَّه وتركوا طاعته.\nقال المفضّل: (﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ﴾ أحاط بهم). وقيل: غلب واستعلى عليهم بوسوسته لهم في الدنيا. وقيل: قوي عليهما. وفي لغة العرب: أحوذ فلان الشيء إذا جمعه وضم بعضه إلى بعض. والمقصود: جمعهم الشيطان فغلبهم وقوي عليهم وأحاط بهم حتى كانت الغفلة وإهمال الطاعة أو الترك بالكلية.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾. أي: جنده وأتباعه وطائفته ورهطه.","vol":"7","page":653},{"text":"وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال القرطبي: (في بيعهم، لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة).\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند حسن عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [ما مِنْ ثلاثةٍ في قَرْيةٍ ولا بَدْوٍ، لا تُقامُ فيهم الصلاةُ إلا قد استحوذَ عليهم الشيطانُ، فعليكَ بالجماعة فإنما يأكل الذئبُ القاصيةَ] (١).\n\n٢٠ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: كتابةُ اللَّه النصر للمؤمنين والخزي على الكافرين، والولاء والبراء جزء من منهج الإيمان عند المسلمين، وأهله هم حزب اللَّه وأهل رضوانه وقد وعدهم اللَّه جنات النعيم.\nفعن قتادة: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يقول: يعادون اللَّه ورسوله). وقال مجاهد: (يعادون، يشاقّون).\nفقوله: ﴿يُحَادُّونَ﴾. أي هم في حدٍّ، والشرع في حدٍّ، فهم مجانبون للحق مشاقون له، قد جعلوا أنفسهم في ناحية بعيدة عن ناحية الهدى والرشاد.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾. أي هم في أهل الذلة والصغار والشِّقوة.\nوقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. قال قتادة: (كتب اللَّه كتابًا وأمضاه).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ١٩٦)، وأبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٢/ ١٠٦)، وابن حبان (٢١٠١)، وابن خزيمة (١٤٧٦)، والحاكم (١/ ٢١١). انظر صحيح أبي داود (٥١١).","vol":"7","page":654},{"text":"قال ابن جرير: (يقول: قضى اللَّه وخطَّ في أمّ الكتاب، لأغلبنّ أنا ورسلي من حادّني وشاقَّني).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. قال النسفي: (﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لا يمتنع عليه ما يريد ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب غير مغلوب).\nوقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.\nقال قتادة: (لا تجد يا محمد قومًا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر، يوادّون من حادّ اللَّه ورسوله: أي من عادى اللَّه ورسوله). قال القرطبي: ﴿يُوَادُّونَ﴾: يحبون ويوالون).\nوقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾.\nأي: لا يوادّ المؤمنون المحادّين للَّه ورسوله ولو كانوا أقرب الأقربين كالآباء والأبناء والإخوان وغيرهم من القرابة والأرحام.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].\n٢ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم والطحاوي بسند رجاله ثقات من حديث حبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: [رأيت رسول اللَّه -ﷺ-، وهو يريد غزوًا، أنا ورجل من قومي، ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: أو أسلمتما؟ قلنا: لا، قال: فلا نستعين بالمشركين على المشركين، قال: فأسلمنا، وشهدنا معه، فقتلت رجلًا، وضربني ضربة، وتزوجت بابنته بعد ذلك، فكانت","vol":"7","page":655},{"text":"تقول: لا عدمتُ رجلًا وشحك هذا الوشاح! فأقول: لا عدمتُ رجلًا عجل أباك إلى النار] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عمر -في قصة أسارى بدر- قال: [فاستشار رسول اللَّه -ﷺ- أبا بكر وعمر وعليًا ﵃، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذَ منهم الفدية، فيكونَ ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم اللَّه فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت واللَّه ما أرى ما رأى أبو بكر. ولكن أرى أن تمكنني من فلان -قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل بن أبي طالب فيضربَ عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضربَ عنقه، حتى يعلم اللَّه أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. . .] الحديث (٢) -وقد نزل الوحي بعدها يوافق قول عمر-.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾. أي المؤمنون أصحاب منهج الولاء والبراء.\nقال السدي: (﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾: جَعَل في قلوبهم الإيمان).\nوقال الربيع بن أنس: (كتَبَ: أثبت). وقيل: ﴿كَتَبَ﴾ - أي جمع.\nوقيل: خلق في قلوبهم التصديق، يعني من لم يوال من حاد اللَّه - حكاه القرطبي.\nوقوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾.قال ابن عباس: (أي: قوّاهم). وقال الحسن: (﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: بنصر منه). وقال الربيع بن أنس: (بالقرآن وحججه). وقال ابن جريج: (بنور وإيمان وبرهان وهدى). وقيل برحمة من اللَّه. وقيل: أيدهم بجبريل ﵇. قلت: وهذه المعاني متقاربة متكاملة تغطي آفاق مفهوم هذه الآية.\nوقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nقال ابن كثير: (وفي قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: سرٌّ بديعٌ، وهو أنه لما سَخِطُوا على القرَائب والعَشائِر في اللَّه عَوَّضَهم اللَّه بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطحاوي (٣/ ٢٣٩)، وأحمد (٣/ ٤٥٤)، والحاكم (٢/ ١٢١ - ١٢٢) وصححه، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة -عقب حديث- (١١٠١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٠ - ٣١)، وبنحوه رواه مسلم (١٧٦٣).","vol":"7","page":656},{"text":"أعطاهُم من النعيم المُقيم، والفوز العظيم والفضل العميم).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾. أي: أولئك الذين هذه صفتهم جندُ اللَّه وأولياؤه وأهل كرامته.\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قال النسفي: (الباقون فى النعيم المقيم، الفائزون بكل محبوب، الآمنون من كل مرهوب). وقال القاسمي: (أي الناجحون الفائزون بسعادة الدارين).\nقلت: وهذه الآية في وصف المؤمنين بأنهم حزب اللَّه المفلحون، تقابل الآية التي سبقتها في وصف المنافقين الكاذبين بأنهم حزب الشيطان الخاسرون. فهؤلاء أهل النعيم المقيم، وأولئك أهل الشقاء في الجحيم.\n\nتم تفسير سورة المجادلة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت ١٢ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ١٥/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"7","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - اللَّه تعالى يسمع السر والنجوى مهما خفيت، فسمع المجادلة وهي في بيت عائشة من فوق سبع سماوات، وعائشة لم تسمعها تمامًا ولو أصغت.\n٢ - الظِّهار من أمر الجاهلية، ولا تحل امرأة المظاهر له إلا بعد الكفارة، والكفارة عتق أو صيام أو إطعام قبل أن يتماسا.\n٣ - اللَّه تعالى يعلم النجوى، ونهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يتسار اثنان دون الثالث فيحزن، واليهود والنصارى كانوا يتناجون في معصية الرسول فكشفهم اللَّه وأرداهم.\n٤ - لا يقيم الرجلُ الرجلَ مِنْ مَجْلِسِه ثم يَجْلِسُ فيه، ولكن افسحوا يفسح اللَّه لكم.\n٥ - لا يجوز القيام تعظيمًا لأحد من الناس، والصحابة قاموا لإنزال سعد لأنه مصاب جريح لا دخل للتعظيم في ذلك، والقيام لا ينبغي إلا للَّه.\n٦ - أمر اللَّه بدفع صدقة إذا ناجى أحد الرسول إشعارًا لهم بقدر نبيهم وهديه، ثم نسخت الآية تخفيفًا عنهم.\n٧ - اليمين الغموس أن يحلف الرجل كذبًا وهو يعلم، وهي من أكبر الكبائر.\n٨ - ما يستحوذ الشيطان إلا على حزبه المنافقين والكافرين وأمثالهم.\n٩ - المؤمن لا يوادّ من حادّ اللَّه ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه.\n١٠ - حزب اللَّه المفلحون هم الذين لا يوادّون من حادّ اللَّه ورسوله، فأولئك هم الفائزون، وحزب الشيطان هم الخاسرون.\n* * *","vol":"7","page":658},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>٥٩ - سورة الحشر</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٢٤).\nروى البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفَاضِحَةُ ما زالت تَنْزِلُ: ومِنْهُمْ ومِنْهُم، حتى ظنوا أنها لم تُبْقِ أحدًا منهم إلا ذُكِرَ فيها. قال: قلت: سورةُ الأنفال؟ قال: نَزَلَتْ في بَدْرٍ. قال: قلت: سورةُ الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير] (١).\nوروى البخاري في كتاب المغازي من صحيحهِ عن سعيد بن جبير قال: [قلتُ لابن عباس: سورةُ الحشر، قال: قُلْ: سورة النضير] (٢).\nوسميت سورة الحشر لأنهُ كان في اجلاءِ بني النضير أول حشر في الدنيا إلى الشام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>موضوع السورة</span>\nحشر يهود بني النضير إلى أرض المحشر في الشام وثناء اللَّه تعالى على المهاجرين والأنصار الكرام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-337> منهاج السورة</span>-\n١ - اشتراك الخلائق جميعًا بالتسبيح للَّه العزيز الحكيم، وإخراج يهود بني النضير من ديارهم صاغرين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٨٢)، كتاب التفسير. وكذلك (٤٠٢٩)، كتاب المغازي.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠٢٩)، كتاب المغازي. وكذلك (٤٨٨٣)، كتاب التفسير.","vol":"7","page":659},{"text":"٢ - جعل اللَّه الثواب على قطع نخل هؤلاء الماكرين، أو تركهِ وكل ذلكَ ليخزي الفاسقين.\n٣ - ذكر الأموال التي أغدقها سبحانه على رسوله من جرّاءِ تشريد بني النضير وإخراجهم.\n٤ - تنبيه المؤمنين لتعظيم هديه ﵊، فأمرهُ وَقَسْمُهُ يقتضي الامتثال من الأتباع الكرام.\n٥ - الثناء على المهاجرين والأنصار أهل السبق إلى الإيمان، وبيان فضل من جاء بعدهم من أهل الإحسان.\n٦ - الإخبار عن المنافقين ومكرهم وتآمرهم مع اليهود ضد النبي ﵇، وتشبيه سلوكهم في المكر بوسواس الشيطان.\n٧ - الوصية للمؤمنين بصدق التقوى والاستعداد ليوم الدين، ولا يكونوا كالذين نسوا اللَّه فنسيهم، وكانوا من الفاسقين.\n٨ - لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، فأصحاب الجنة هم أهل الفوز والنعيم.\n٩ - تصدّع الجبال خشية للَّه من كلامهِ العظيم، ليعرف الإنسان تقصيره تجاه ربه الكريم.\n١٠ - تفرد اللَّه تعالى بالأسماء الحسنى والصفات العليا، وهو العزيز الحكيم.\n* * *","vol":"7","page":660},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تسبيحُ الخلائق جميعًا للَّه العزيز الحكيم، وإخراجُ يهود بنى النضير من ديارهم صاغرين، وذلكَ جزاءُ الكافرين الماكرين، وعَقْدُ اللَّه الثواب على قطع نخلهم أو تركهِ ليخزي الفاسقين.\nفقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾. أي صلى للَّه، وسجد لهُ وعظّمه ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من خلقه، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. أي في انتقامهِ من أعدائهِ، مَنيعُ الجنابِ لا يعجزهُ شيء، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير شؤون خلقه وفي قدره وشرعه.\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.\nأي: هو الذي أخرج الذين أنكروا نبوة محمد -ﷺ- وحاولوا قتله ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم يهود بني النضير أذلاء صاغرين من ديارهم إلى الشام فكانَ ذلكَ أول حشر في الدنيا إلى أرض المحشر والمنشر -الشام-. وأما تفصيل ذلكَ من صحيح السيرة:","vol":"7","page":661},{"text":"فقد كان القراء السبعون الذين غُدِرَ بهم في بئر معونة من خيار المسلمين، يحتطبون بالنهار ويتصدقون من ذلكَ على أهل الصفة، ويقومون بالليل يصلون ويسبحون، ويتدارسون بينهم القرآن. ففقدهم المسلمون في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة.\nوقد فرح المنافقون واليهود في المدينة بما حصل، وبدأت حركات المكر والدّس والخداع، وكان اليهود قد أسهموا في تقديم المعلومات إلى قريش عن المسلمين، وشاركوا في تحريضها واستثارتها لتأتي إلى قتال أُحُد.\nقال ابن إسحاق: (كانت النضير قد دسّوا إلى قريش وحضوهم على قتال رسول اللَّه -ﷺ- ودلّوهم على العورة).\nوكان اليهود أيضًا قد أعانوا أبا سفيان من قبل في غزو أطراف المدينةِ حيث جاءها ليلًا، والتي أدت لمطاردة المسلمين له في غزوةِ السويق بعد بدر، بعدما فرّ هو وأصحابه متخففين من السويق أثناء الهروب.\nأضف إلى ذلكَ تلك الأشعار الخبيثة التي أطلقها كعب بن الأشرف النضري، والتي أفلت بها لسانهُ وبسطه في أعراض النبي -ﷺ- وأصحابه ونساء المسلمين، والتي كانت سببًا لتصفيته وتخليص الأرض من رجسه.\nأضف إلى ذلكَ أيضًا محاولتين جديدتين من يهود بني النضير في هذه الفترة، للغدر وقتل النبي -ﷺ-، من خلال طرق شيطانية وأساليب خسيسة، هي جزء من منهج اليهود المكرة والمغضوب عليهم، والذي عُرفوا به على مدار العصور والأزمان.\nالمحاولة الأولى: محاولة من بني النضير لاغتيال النبي -ﷺ- بعد غزوة بدر الكبرى.\nوكان ذلكَ إثر كتاب بعثت به قريش إليهم، فيه تهديد ووعيد، إن لم يقاتلوا الرسول -ﷺ- ويجتمعوا على قتله.\nفقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- قال: [كتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحَلْقَةِ والحصون، وإنكم لتقَاتِلُنَّ صاحبنا، أو لنَفْعَلَنَّ كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء -وهي الخلاخيل- فلما بلغ كتابُهم النبي -ﷺ- أجمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول اللَّه -ﷺ-: اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابكَ، وليخرج منا ثلاثون حَبْرًا، حتى نَلْتقي بمكان المَنْصَفِ -أي موضع وسط- فيسمعوا منك، فإن","vol":"7","page":662},{"text":"صدقوكَ وآمنوا بكَ، آمنا بك، فقص خبرهم. .] (١).\nورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" والحاكم في \"المستدرك\" والحافظ ابن حجر في \"الفتح\"، وفيهِ أنهم لما اقتربوا اقترح اليهود أن يجتمع النبي -ﷺ- ومعهُ ثلاثة من أصحابهِ بثلاثةٍ من أحبارهم، فإن أقنعهم آمنت بنو النضير، وقد حمل الثلاثة خناجرهم، إلا أن امرأة منهم قد أفشت خبرهم لأخٍ لها مسلم، فهرع إلى النبي -ﷺ- وأخبرهُ بما بَيَّتَ القوم، فرجع ﵊ ولم يقابلهم (٢)، ونجّى اللَّه نبيّهُ من قتلةِ الأنبياء يهود.\nالمحاولة الثانية: محاولة أخرى من بني النضير لقتل النبي -ﷺ- بإلقاء صخرة عليه. وهذه المحاولة الثانية من يهود، رواها ابن إسحاق وتابعه كتاب السير، ومفادها أن النبي -ﷺ- ذهب بنفسهِ إلى بني النضير مع نفر من أصحابهِ، وكلمهم في أن يعينوه على دفع دية الرجلين من بني كلاب، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، في أعقاب حادثة بئر معونة، وكان ذلكَ يجب عليهم حسب بنود المعاهدة.\nقال ابن إسحاق: (ثم خرج رسول اللَّه -ﷺ- إلى بني النضير، يستعينهم في ديةِ ذَينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري، للجوار الذي كان رسول اللَّه -ﷺ- عقد لهما، كما حدثني يزيد بن رومان، وكان بَين بني النضير وبين بني عامر عقدٌ وحِلفٌ، فلما أتاهم رسول اللَّه -ﷺ- يستعينهم في ديةِ ذَيْنَك القتيلين، قالوا: نَعَمْ يا أبا القاسم، نعينُكَ على ما أحْبَبْتَ، مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه -ورسول اللَّه -ﷺ- إلى جنب جِدار من بيوتهم قاعد- فمَنْ رجلٌ يعلو على هذا البيت، فيُلقي عليه صخرةً، فيريحنا منه؟\nفانتدب لذلكَ عمرو بن جِحَاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلكَ، فَصَعِدَ لِيُلْقِي عليه صخرة كما قال، ورسول اللَّه -ﷺ- في نفر من أصحابهِ، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، رضوان اللَّه عليهم. فأتى رسول اللَّه -ﷺ- الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرجَ راجعًا إلى المدينةِ. فلما اسْتَلْبَثَ النبيَ -ﷺ- أصحابُه، قاموا في طلبه، فَلَقُوا\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر سنن أبي داود (٢/ ١٣٩ - ١٤٠)، كتاب الخراج والفيء والإمارة، والحديث رجاله ثقات، وجهالة اسم الصحابي لا تضر. وانظر كتابي: \"السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة\" (٢/ ٨٠٠) لتفصيل الحدث.\n(٢) انظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، و\"فتح الباري\" (٧/ ٣٣١).","vol":"7","page":663},{"text":"رجلًا مقبلًا من المدينةِ، فسألوهُ عنه، فقال: رأيتهُ داخلًا المدينة. فأقبل أصحابُ رسول اللَّه -ﷺ- حتى انتهوا إليهِ -ﷺ-، فأخبرهم الخبرَ، بما كانت اليهود أرادت من الغَدْرِ به، وأمر رسول اللَّه -ﷺ- بالتهيؤِ لحربهم، والسير إليهم) (١).\nفهذه السلسلة من الأعمال العدوانية التي كانت تشير لسوء العلاقة ونبذ العهد من جانب بني النضير مع المسلمين، والتي ختمت بمحاولتي اغتيال للنبي -ﷺ-، كانت سببًا مباشرًا في حصارهم وإجلائهم.\nوكانت غزوة بني النضير في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة. وذكر ابن سعد والواقدي دون إسنادٍ أن النبي -ﷺ- بعث محمد بن مسلمة إلى بني النضير يقول لهم: (اخرجوا من المدينةِ ولا تساكنوني بها، وقد أجَّلْتكم عشرًا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه).\nفاستعدوا للخروج والرحيل إذ لم يجدوا مناصًا منه، وهموا بذلكَ لولا أن عبد اللَّه ابن أبي بن سلول المنافق حرَّضهم مع بعض المنافقين من أصحابه على التمرّد وعدم الخروج، ووعدهم وعودًا كاذبة بالنصر والعون، فأعلنوا تمردهم وتحصنوا بحصونهم.\nقال ابن إسحاق: (وقد كان رهط من بني عَوف بن الخزِرج، منهم عدو اللَّه عبد اللَّه ابن أبيّ بن سلول ووديعة ومالك بن أبي قَوقل، وسُوَيد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا، وتمنَّعوا فإنا لن نُسْلِمكم، وإن قُوتِلْتُمْ قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم).\nوهنا شَعَرَ اليهود بالأمن ورجعت إليهم ثِقَتُهم، واختاروا المناوأةَ والتحدي، وأعلق رئيسهم حيي بن أخطب التمرد، إذ بعث إلى رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك).\nفاشتاط المسلمون غضبًا لهذا التحدّي السافر، ونفوسهم ما زالت جريحة من ألم بئر معونة، وقد رأوا تكالب العرب عليهم من كل جانب، وتآمر الأعراب لاغتيالهم أفرادًا وجماعات، وها هي يهود تقدم على محاولة دنيئة لقتل النبي -ﷺ-، ثم تعلنُ التمرد والكبر، فما كان أمامهم إلا خوض الملحمة مهما كانت النتائج.\n_________\n(١) انظر: \"السيرة\" لابن إسحاق (٣/ ١٩١)، وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ٨٠٠ - ٨٠١).","vol":"7","page":664},{"text":"وبالفعل، فما إن بلغ النبي -ﷺ- جواب حيي بن أخطب إلا كَبَّرَ وَكبَّرَ أصحابهُ، ثم نهض لمناجزة القوم، وأعطى اللواء إلى علي بن أبي طالب.\nقال ابن هشام: (واستعمل على المدينة ابن أمِّ مكتوم). وقال ابن إسحاق: (ثم سار بالناسِ حتى نزل بهم).\nولما انتهى رسول اللَّه -ﷺ- إلى بني النضير، وجدهم قد لجؤوا إلى حصونهم وتحصَّنوا بها، فما إن أبصروا الجيش إلا بدؤوا يرمون المسلمين من داخل حصونهم بالنّبل والحجارة، تعينهم في ذلك وتغطيهم بساتينهم ونخيلهم، وهنا أصدر النبي -ﷺ- أوامرهُ إلى جنده بقطع النخيل وتحريقها.\nقال ابن إسحاق: (فنادوه: أن يا محمد، قد كنتَ تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صَنَعهُ، فما بالُ قطع النخيل وتحريقها).\nإلا أن النبي -ﷺ- لم يأبه لهذه الحركات الشيطانية، والدعايات الصبيانية من يهود، بل مضى في إصدار أوامره لأصحابهِ، فهو يعلم أن اليهود قوم غدر مكرة، لا ينفع معهم إلا السيف والحسم.\nيروي أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن كعب، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- قال: [فلما كانَ الغد، غدا عليهم رسول اللَّه -ﷺ- بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: إنكم واللَّهِ لا تأمنون عِندي إلا بعهد تُعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوهُ عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك. ثم غدا على بني قريظةَ بالكتائب، وتركَ بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه. فانصرف عنهم، وغدا على بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبها، فكان نخل بني النضير لرسول اللَّه -ﷺ- خاصة، أعطاه اللَّه إياها، وخصّه بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يقول: بغير قتال، فأعطى النبي -ﷺ- أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة، لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول اللَّه -ﷺ-، التي في أيدي بني فاطمة] (١).\nفأذاقهم اللَّه الخزي في الدنيا، قبل ما ينتظرهم من خزي الآخرة، وخذلهم\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر سنن أبي داود (٣/ ٤٠٤ - ٤٠٧)، وكتابي: السيرة النبوية (٨٠٤).","vol":"7","page":665},{"text":"المنافقون وتخلوا عنهم، وخضعوا لأمر النبي -ﷺ- واستسلموا له، ورجوه أن يُجْليهم ويكف عن دمائهم، على أن يحملوا على الإبل ما استطاعوا من أموالهم إلا السلاح، فأجازهم، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم، ويخلعون أبوابها وما وافقهم من أخشابها وشبابيكها. وأنزل اللَّهُ فيهم سورة كاملة من القرآن، وهي سورة الحشر.\nقال ابن إسحاق: (ونزل في بني النضير سورةُ الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم اللَّه به من نقمتهِ، وما سلط عليهم به رسوله -ﷺ- وما عمل به فيهم).\nأخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [فحاصرهم رسول اللَّه -ﷺ- حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة -يعني السلاح- فأنزل اللَّه فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ فقاتلهم النبي -ﷺ- حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبطِ لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان اللَّه قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلكَ لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْر﴾ فكانَ ذلكَ أول حشر في الدنيا إلى الشام] (١).\nقال ابن عباس: (من شكَ في أن أرضَ المحشر هاهنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: \"اخرجوا\". قالوا: إلى أين؟ قال: \"إلى أرض المحشر\").\nوفي المسند للإمام أحمد، وكذلكَ في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح من حديث ميمونة بنت سعد، عن النبي -ﷺ- قال: [الشام أرض المحشر والمَنْشَر] (٢).\nوعن قتادة: (قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قيل: الشام، وهم بنو النضير حي من اليهود، فأجلاهم نبي اللَّه -ﷺ- من المدينة إلى خيبر، مرجعه من أحد).\nثم قال سبحانهُ مخاطبًا المؤمنين: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ وينزل بهم الخزي فيغادروا مساكنهم ومنازلهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ وذلكَ لما أرسل إليهم رأس المنافقين وجماعته أن اثبتوا في حصونكم ووعدوهم النصر، ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم والبيهقي. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الحشر. وكتابي: \"السيرة النبوية على منهج الوحيين\" (٢/ ٨٠٥).\n(٢) حديث صحيح. انظر أحاديث فضائل الشام (٤)، وصحيح الجامع الصغير (٣٦٢٠).","vol":"7","page":666},{"text":"يَحْتَسِبُوا﴾ أن يأتيهم، وقذف بهم الرعب فزلزل قلوبهم، فأخذوا ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ من داخلها، والمسلمون يخربونها من ظاهرها، وهو قوله: ﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الزهري: (لما صالحوا النبي -ﷺ- كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلكَ خرابها). وقال قتادة: (كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، وتخربها اليهود من داخلها). وقال ابن زيد: (هؤلاء النضير، صالحهم النبي -ﷺ- على ما حملت الإبل، فجعلوا يقلعون الأوتاد يخربون بيوتهم).\nوقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. فيه مشروعية القياس في الإسلام، كدليل من أدلةِ الاستنباط في الشريعة. والمعنئ: أي فقيسوا أنفسكم وأعمالكم واتعظوا يا ذوي الأفهام أن ينزل بكم ما نزل بيهود إن قلدتم مسلكهم.\nقال ابن جرير: (وإنما عُني بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب، وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون).\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾. قال البخاري: (الجلاء الإخراج من أرض إلى أرض).\nوالمقصود: لولا أن قضى اللَّه جلاء يهود بني النضير من أرضهم وديارهم، لعذبهم في الدنيا بالقتل والسَّبي، ولكنه رفع العذاب عنهم في الدنيا بالقتل، وجعل عذابهم في الدنيا الجلاء.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾. حَتْمٌ لازم لهم في الآخرة صلي النار، بعد أن أخزاهم -تعالى- في الدنيا بالرحيل من ديارهم صاغرين، ليجمع لهم سبحانه بذلك بين الخزيين.\nلقد خرجوا يحملون أبواب بيوتهم وشبابيكها بعد أن خربوا ديارهم بأيديهم، حتى حمل بعضهم الأوتاد وجذوع السقف ثم حملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ست مئة بعير. قال ابن إسحاق: (فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم مَنْ سار منهم إلى خيبر: سلّام بن أبي الحُقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق، وحُيَيّ بن أخطب).\nقال: (وخلوا الأموال لرسول اللَّه -ﷺ-، فكانت لرسول اللَّه -ﷺ- خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسّمها رسول اللَّه -ﷺ- على المهاجرين الأولين دون الأنصار. إلا أن سَهْلَ بن حُنيف وأبا دجانة سِماكُ بن خرشة ذكرا فَقْرًا، فأعطاهما رسول اللَّه -ﷺ-.","vol":"7","page":667},{"text":"قال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامينُ بن عُمير، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحْرزاها).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال القرطبي: (﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك الجلاء ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ أي عادوه وخالفوا أمره). وقال القاسمي: ﴿ذَلِكَ﴾ أي الجلاء والعذاب ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا﴾ أي خالفوا ﴿اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي فيما نهاهم عنه من الفساد، ونقض الميثاق).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أي له في الدنيا والآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nقال مجاهد: (نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، ونزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه).\nوفي الصحيحين عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: [حرق رسول اللَّه -ﷺ- نخل بني النضير وقطع، وهي البُوَيْرَة (١) فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾] (٢).\nوفي جامع الترمذي وسنن النسائي بسند حسن عن ابن عباس: [في قول اللَّه ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: اللينة (٣): النخلة، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال: استنزلوهم من حصونهم. قال: وأُمِروا بقطع النخل فحكّ في صدروهم، فقالوا: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، ولنسألن رسول اللَّه -ﷺ- هل لنا فيما قطعنا من أجر، وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل اللَّه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾] (٤).\n_________\n(١) البويرة: اسم لنخل بني النضير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٠٣١)، كتاب المغازي، وأخرجه مسلم (١٧٤٦) ح (٢٩).\n(٣) قال الأخفش: إنما سميت لينة اشتقاقًا من اللَّون لا من اللين. قيل: وأصلها لونة. وقيل: بل أصلها لينة من لانَ يلينُ. وقيل هي النخلة القريبة من الأرض. واللَّه أعلم.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٠٣)، والنسائي في \"التفسير\" (٥٩٤) بسند صحيح.","vol":"7","page":668},{"text":"٦ - ٧. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكُرُ اللَّه سبحانه الأموال التي أغدقها على رسوله من جرّاء تشريد بني النضير وإخراجهم، وجعلها خالصة لنبيّه -ﷺ- يقسمها كيف يشاء بينهم. وتنبيهُ اللَّه المؤمنين لتعظيم هديه ﵊، فإن أمره ونهيه وقَسْمه يعني الامتثال والرضا من الأتباع الكوام.\nفقوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾.\nالفيء لغة من فاء يفيء إذا رجع وهو المال الذي أخذه المسلمون من أعدائهم دون قتال. والإيجاف سرعة السير، وهو كناية عن القتال والجهاد، والركاب ما يركب عليه من الإبل.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عمرَ ﵁ قال: [كانت أموال بني النضير مما أفاء اللَّه على رسوله -ﷺ- مما لم يوجِف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول اللَّه -ﷺ- خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنتهِ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُراعِ (١) عُدَّةً في سبيل اللَّه] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nقال النسفي: (يعني أن ما خوّل اللَّه رسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه اللَّه عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ولا يقسمه قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرًا).\n_________\n(١) الكراع: اسم لجميع الخيل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٩٠٤)، كتاب الجهاد والسير.","vol":"7","page":669},{"text":"وقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.\nأي: ما أفاء اللَّه على رسوله من جميع البلدان التي تُفتح هكذا، فحكمها حكم أموال بني النضير في التقسيم، فاللَّه سبحانه لم يقسم هذا الفيء أخماسًا ولا أثلاثًا، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم لأنهم أهم من يدفع إليه.\nقال الإمام مالك: (هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي منه القرابة باجتهاد، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين).\nوقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. قال القرطبي: (ومعنى الآية: فَعَلْنا ذلك في هذا الفيء، كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس رُبْعها لنفسه، وهو المِرْباع. ثم يصطفي منها أيضًا بعد المِرْباع ما شاء. يقول: كي لا يعمل فيه كما كان في الجاهلية. فجعل اللَّه هذا لرسوله -ﷺ-، يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء خمس وقع بين المسلمين جميعًا).\nوقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. أصل عظيم من أصول هذه الشريعة العظيمة، ومنهاج قويم لبناء أمة قوية كريمة.\nقال الحسن: (﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قال: يؤتيهم الغنائم ويمنعهم الغلول). وقال السدي: (ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه). وقال ابن جُريج: (ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه). وقال الماوردي: (وقيل إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد).\nأخرج البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن في عَلْقَمةَ: [عن عبد اللَّه قال: لَعَنَ اللَّهُ الواشِمات والموتَشِماتِ، والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ للحُسْنِ، المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّه، فبلغ ذلك امرأةً من بني أسَدٍ يُقال لها: أُمُّ يعقوبَ، فجاءت فقالت: إنه بَلَغَني أنّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فقال: ومالي لا ألْعَنُ مَنْ لعَنَ رسولُ اللَّه -ﷺ- ومَنْ هو في كتابِ اللَّهِ؟ فقالت: لقد قَرَأْتُ ما بين اللّوْحَيْن فمَا وجدتُ فيه ما تقولُ، فقال: لئِنْ كُنْتِ قَرأتِيه لقد وَجَدْتيه، أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلكَ يَفْعَلونه، قال: فاذهبي","vol":"7","page":670},{"text":"فانظري، فذهبَت فنظرتْ فلم تَر مِنْ حاجتها شيئًا، فقال: لو كانت كذلك ما جامَعْتُها] (١).\nوأخرج النسائي بسند صحيح عن ابن عمر وابن عباس: [أنهما شهدا على رسول اللَّه -ﷺ- أنه نهى عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير، ثم تلا رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآية: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾] (٢).\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أي: خافوا عذاب اللَّه، بتعظيم أوامره وترك معصيته، فإنه تعالى شديد العقاب لمن عصاه، وخالف أمره أو أمر رسوله فأباه.\n\n٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ اللَّه تعالى على المهاجرين والأنصار أهل السبق إلى الإيمان، وبيان حال الذين جاؤوا من بعدهم أهل الفضل والإحسان.\nفقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾. بيان من اللَّه تعالى لحال الفقراء المهاجرين المستحقين للفيء. فقد أخرجهم كفار مكة، أي أحوجوهم إلى الخروج.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٨٦)، كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (٢١٢٥) ح (١٢٠)، وأخرجه أبو داود (٤١٦٩)، والترمذي (٢٧٨٢)، والنسائي (٥٠٩٩)، وفي \"التفسير\" (٥٩٩)، وابن ماجة (١٩٨٩)، وأخرجه أحمد (١/ ٤٣٣).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (٥٢١٥)، ورواه مسلم (٦/ ٩٥) دون تلاوة الآية.","vol":"7","page":671},{"text":"وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾. قال القرطبي: (أي غنيمة في الدنيا ﴿وَرِضْوَانًا﴾ في الآخرة، أي مرضاة ربهم).\nوقوله: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: هؤلاء الذين صَدَّقوا قولَهم بفعلِهم، وهؤلاء هُم ساداتُ المهاجِرين).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. مدحٌ للأنصار وثناء عطر عليهم، وبيان لشرفهم وفضلهم وكرمهم. فهم الذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ أي: سكنوا المدينة. واستوطنوها قبل قدوم المهاجرين إليهم، وآمنوا قبل كثير منهم.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عَمْرو بن مَيمون قال: قال عمر ﵁: [أُوصي الخليفة بالمهاجرين الأوَّلين أنْ يَعْرِف لهم حَقَّهم، وأوصي الخليفة بالأنصار الذين تبوؤوا الدارَ والإيمان مِنْ قَبْل أن يُهاجِرَ النبي -ﷺ-: أن يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهم ويَعْفُوَ عن مسيئِهم] (١).\nوقوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين).\nوالمقصود: لقد أظهر الأنصار تألق نفوسهم وما انطوت عليه من الشرف والكرم حتى شاطروا إخوانهم المهاجريات أموالهم، وأنزلوهم منازلهم، ونزل من كان عنده زوجتان عن إحداهما لأخيه من المهاجرين يتزوجها.\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سفيان عن يحيى بن سعيد: [سمع أنسَ بن مالك ﵁ حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي -ﷺ- الأنصار إلى أن يُقْطِعَ لهم البحرين، فقالوا: لا إلّا أن تُقْطِعَ لإخواننا من المهاجرين مِثْلَها. قال: إمَّا لا فاصبروا حتى تَلْقَوني، فإنه سيصيبُكم بَعْدي أَثَرَةٌ] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: [قالت الأنصار للنبي -ﷺ-: اقسِم بَيْننا وبَيْن إخوانِنَا النخيل، قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤونة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٨٨)، كتاب التفسير، وانظر الحديث (١٣٩٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٧٩٤)، كتاب مناقب الأنصار. وانظر (٢٣٧٦).","vol":"7","page":672},{"text":"ونُشركُكُم في الثَّمرَة، قالوا: سمعنا وأطعنا] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس قال: [قال المهاجرون: يا رسول اللَّه! ما رأينا مثلَ قوم قدمنا عليهم أحسنَ مواساةً في قليل ولا أحسنَ بذلًا في كثيرٍ، لقد كَفونا المُؤْنَة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله! قال: \"لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم اللَّه لهم\"] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. قال الحسن: (يعني الحسد). وقال قتادة: (﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ يعني مما أُعطي إخوانهم). والمعنى: ومن كرم هؤلاء الأنصار وسمو أخلاقهم وتألق خصالهم أنهم لا يجدون في أنفسهم حسدًا لإخوانهم المهاجرين فيما فَضَّلهم اللَّه به من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة، والسَّبْق في بعض الخصال ورفيع الأعمال.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام النسائي في \"السنن الكبرى\" بسند على شرط الشيخين عَنْ أنس قال: [كُنّا جُلوسًا مع رسول اللَّه -ﷺ- فقال: \"يَطْلُعُ عليكم الآنَ رجلٌ من أهل الجنة\". فَطَلَع رجلٌ من الأنصار تَنْطُفُ لحيتُه من وضوئِه، قد تَعَلَّقَ نعليه بيده الشمال، فلما كان الغدُ قال رسول اللَّه -ﷺ- مثلَ ذلك، فطلعَ ذلك الرجل مثل المَرَّة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال رسول اللَّه -ﷺ- مثلَ مَقالتِه أيضًا، فطلعَ ذلك الرجل على مِثل حالهِ الأولى، فلما قام رسولُ اللَّه -ﷺ- تَبِعه عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيتُ أبي، فأقسمتُ ألا أدخُلَ عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تُؤويني إليك حتى تمضي فَعَلْتُ. قال: نعم. قال أنس: فكان عبد اللَّه يُحدِّث أنه باتَ معه تلكَ اللياليَ الثلاثَ فلم يَرَه يقوم من الليل شيئًا، غير أنَّه إذا تعارَّ تَقَلَّبَ على فراشه ذَكَر اللَّه وكبَّر حتى يقوم من الليل شيئًا، غير أنَّه إذا تعارَّ تَقَلَّبَ على فراشه ذَكَر اللَّه وكبَّر حتى يقوم لصلاةِ الفَجْر. قال عبد اللَّه: غير أني لم أسمَعْه يقول إلا خيرًا، فلما مَضَتِ الثلاثُ ليالٍ وكِدْتُ أن أحتقِرَ عملَه قلت: يا عبد اللَّه! لم يكنْ بيني وبين أبي غَضَب ولا هَجْر، ولكن سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول لك ثلاث مَرَّات: \"يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة\". فطَلَعت أنت الثلاث المرّات، فأردت أن آوِي إليك لأنظُرَ ما عَملُك فأقتدِيَ به، فلم أرَكَ تعمل كثيرَ عملٍ، فما الذي بلغَ بكَ ما قال رسولُ اللَّه -ﷺ-؟ قال: ما هو إلا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٣٢٥)، كتاب الحرث والمزارعة. وانظر (٢٧١٩) كذلك.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢٠١) وإسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم.","vol":"7","page":673},{"text":"ما رأيتَ. فلما وَلَّيتُ دعاني فقال: ما هُو إلا ما رأيت، غير أني لا أجِدُ في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسُد أحدًا على خيرٍ أعطاهُ اللَّه إياه. قال عبد اللَّه: \"هذه التي بَلَغَت بكَ، وهي التي لا نُطيق\"] (١).\nوقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. يعني: حاجَة.\nوأصل الخصاصة من الاختصاص، وهو الانفراد في الأمر. قال القرطبي: (فالخصاصة الانفراد بالحاجة، أي ولو كان بهم فاقة وحاجة). وأما الإيثار فهو تقديم الآخرين على النفس وحظوظها الدنيوية، رغبة في الحظوظ الدينية. وينشأ ذلك عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة. فهذه الخصلة الرفيعة قد وصف اللَّه تعالى بها الأنصار، فهم يقذمون المحاويج على حاجة أنفسهم.\nأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁: [أنَّ رجلًا أتى النبي -ﷺ- فبعث إلى نسائه فقلن ما معنا إلا الماء. (وفي لفظ: أتى رجلٌ رسولَ اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! أصابني الجَهْدُ. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا). فقال رسول اللَّه -ﷺ-: من يضمّ أو يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء. فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يُريانه كأنهما يأكلان، فباتا طاويين. فلما أصبح غدا إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: ضحك اللَّه الليلة أو عجب من فعالكما، فأنزل اللَّه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي: مَنْ سَلِمَ مِنَ الشّح فقد أَفْلَح وأَنْجحَ. والشّح: البخل، ومنع الفضل من المال. والشحيح: البخيل. قال ابن زيد: (من وقي شحّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يدعه الشّح أن يحبس من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين، كما قال اللَّه ﷿). وفي رواية عنه: (من لم يأخذ شيئًا لشيء نهاه اللَّه ﷿ عنه، ولم يدعه الشحّ على أن يمنع شيئًا من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٦٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٦٩٩) بسند على شرطهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٧٩٨)، (٤٨٨٩)، وأخرجه مسلم (٢٠٥٤) ح (١٧٢)، (١٧٣)، والترمذي (٣٣٠٤)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٠٢).","vol":"7","page":674},{"text":"شيء أمره اللَّه به، فقد وقاه اللَّه شحّ نفسه، فهو من المفلحين).\nوفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشّح فإن الشّح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. هذا هو القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء. قال النسفي: (﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف أيضًا على المهاجرين وهم الذين هاجروا من بعد. وقيل التابعون بإحسان، وقيل: من بعدهم إلى يوم القيامة).\nوعن مجاهد: (﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: الذين أسلموا نعتوا أيضًا).\nفالمهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان داخلون في استحقاق الفيء لفقرائهم، وقد ورد هذا العطف في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة: ١٠٠].\nقال ابن كثير: (فالتابعون لهم بإحسان المتبعون لآثارهم الحَسنة وأوصافهم الجميلة، الدَّاعون لهم في السِّر والعلانية. ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾، أي: قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾، أي: بُغْضًا وحَسَدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية الكريمة: أن الرافضيَّ الذي يسبُّ الصحابةَ ليس له في مال الفيء نصيبٌ لعدم اتصافه بما مَدَحَ اللَّه به هؤلاء في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾).\nقلت: وقد ثبت في صحيح السنة بيان مفهوم هذه الآية في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البيهقي بسند صحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب ﵁ في قصة ذكرها قال: [ثم تلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هذه لهؤلاء، ثم تلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية، ثمّ قال: هذا لهؤلاء، ثم تلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢٥٧٨)، كتاب البر والصلة.","vol":"7","page":675},{"text":"عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى آخر الآية، ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هؤلاء الأنصار، قال: وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ إلى آخر الآية، قال: فهذه استوعبت الناس، ولم يبق أحدٌ من المسلمين، إلا وله في هذا المال حق، إلا ما تملكون من رقيقكم، فإن أعش إن شاء اللَّه، لم يبق أحد من المسلمين، إلا سيأتيه حقه حتى الراعي بـ \"سرو حمير\" يأتيه حقه، ولم يعرق فيه جبينه] (١).\nوفي لفظ: (واللَّه ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال، أعطي منه أو منع حتى راع بـ \"عدن\").\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمر قال: [﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، هزه لرسول اللَّه -ﷺ- خاصة، قُرى عرينة فدك وكذا وكذا، ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، و﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، و﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، و﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق].\nقال أيوب: (أو قال: حظ، إلا بعض من تملكون من أرقائكم) (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الشافعي والبيهقي بسند صحيح عن الزهري عن مالك بن أوس أن عمر ﵁ قال: [ما من أحد إلا وله فى هذا المال حق، أعطيه أو منعه، إلا ما ملكت أيمانكم] (٣).\n\n١١ - ١٧. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه البيهقي (٦/ ٣٥٢) من طريق عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس. وانظر للفظ بعده: الإرواء (٥/ ٨٤ - ٨٥)، وإسناده حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٩٦٦) - كتاب الخراج والإمارة والفيء. باب في صفايا رسول اللَّه -ﷺ- من الأموال. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٥٧٠)، والإرواء (٥/ ٨٣ - ٨٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الشافعي (١١٥٩)، وعنه البيهقي (٦/ ٣٤٧)، وانظر تخريج \"الإرواء\" -حديث رقم- (١٢٤٥).","vol":"7","page":676},{"text":"كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن المنافقين كعبد اللَّه بن أبي بن سلول ورافعة بن تابوت ووديعة ومالك ابني نوفل وسُويد وداعس وغيرهم حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم النصر وبذل الغالي والنفيس لنصرتهم على محمد -ﷺ- وأصحابه، وهم في ذلك كاذبون، بل هم عند البأس جبناء أذلاء صاغرون، يفرون إذا حمي الوطيس فشأنهم في تحريضهم شأن الوسواس من الشيطان الرجيم.\nفعن ابن عباس: (قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ يعني عبد اللَّه بن أبي بن سلول وأصحابه، ومن كان منهم على مثل أمرهم. ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني النضير).\nوقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾. أي يقولون لهم: لئن أخرجتم من دياركم ومنازلكم، وأجليتم عنها لنخرجنّ معكم، فنجلي عن منازلنا وديارنا معكم.\nوقوله: ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا نطيع أحدًا سألنا خذلانكم، وترك نصرتكم، ولكنا نكون معكم).\nوقوله: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾. أي: وإن قاتلكم محمد -ﷺ- وأصحابه لنكونن لكم بالعون والنصر والتأييد.","vol":"7","page":677},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: واللَّه يشهد كذب هؤلاء المنافقين في زعمهم ووعدهم لبني النضير بالنصر والتأييد.\nوقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾. تأكيد لِنَعْتهم بالكذب.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾. أي: منهزمين. وقيل: معنى: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ طائعين. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ مكرهين ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾. وقيل: معنى ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ لا يدومون على نصرهم. قال القرطبي: (وقيل: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ أي علم اللَّه منهم أنهم لا يخرجون إن خرجوا. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أي علم اللَّه منهم ذلك. ثم قال: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ فأخبر عما قد أخبر أنه لا يكون كيف كان يكون لو كان؟ وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾).\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي بنوعٍ مّا من أنواع النصر. والضمير للمنافقين أو اليهود).\nوقوله: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾. أي لأنتم أشد مرهوبية في صدور بني النضير أو المنافقين من اللَّه، فهم يخافونكم معشر المؤمنين أكثر مما يخافون من ربهم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قال النسفي: (لا يعلمون اللَّه وعظمته حتى يخشوه حق خشيته).\nوقوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر﴾. أي: لا يقدر هؤلاء اليهود أو المنافقون على مقاتلتكم مجتمعين إلا حالة تحصّنهم بالخنادق والدروب أو من وراء حيطان يستترون بها لجبنهم ورَهْبَتِهم.\nوقوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾. أي عداوتهم بينهم شديدة. وقال مجاهد: (﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي بالكلام والوعيد لنفعلن كذا). وقيل: إذا لم يلقوا عدوًا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، فإذا لقوا العدو انهزموا.\nوقوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. قال مجاهد: (يعني اليهود والمنافقين).\nوعنه أيضًا: (يعني المنافقين). وقال قتادة: (﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي مجتمعين على أمر ورأي ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ متفرقة). وعن مجاهد أيضًا: (أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا ليقوّي أنفس المؤمنين عليهم). وقال قتادة: (تجد أهل","vol":"7","page":678},{"text":"الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمون في عداوة أهل الحق).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. أي ذلك التشتيت والكفر لكونهم لا يعقلون أمر اللَّه ولا يتدبرون آياته، بل هم منقادون وراء أهوائهم وشهواتهم.\nوقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني بني قَيُنُقاع، أمكن اللَّه منهم قبل بني النضير). ومعنى: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي جزاء غَدرهم وكفرهم ومكرهم، فأجلاهم رسول اللَّه -ﷺ- وشرَّدهم.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: في الآخرة.\nوقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾. قال مجاهد: (المراد بالإنسان هاهنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم). ومعنى قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ أي أغواه حتى نطق بالكفر. قال ابن عباس: (فضرب اللَّه هذا مثلًا للمنافقين مع اليهود).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾. تشبيه لتخاذل المنافقين عن اليهود وعدم الوفاء في نصرتهم. قال القاسمي: (﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ أي إذ غرّ إنسانًا ووعدهُ على اتباعهِ وكفره باللَّه، النصرة عند الحاجة إليه ﴿فَلَمَّا كَفَرَ﴾ أي باللَّه، واتبعه وأطاعه ﴿قَالَ﴾ أي مخافة أن يشركه في عذابه، مسلمًا له وخاذلًا ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ أي فلا أعينك ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي في نصرتك، فلم ينفعهُ التبرؤ، كما لم ينفع الأول وعده بالإعانة).\nوقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾. أي: فكان عاقبة الشيطان وذلكَ الإنسان المصدق له المتّبع لأمره أنهما خالدان في النار ماكثان فيها أبدًا.\nوقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وذلكَ ثواب اليهود من النضير والمنافقين الذين وعدوهم النصرة، وكُلُّ كافر باللَّه ظالم لنفسه على كفره بهِ أنهم في النار مخلَّدون).\n\n١٨ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ","vol":"7","page":679},{"text":"أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: وصيةُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين أن يَصْدُقُوه التقوى والاستعداد ليوم الدين، ولا يكونوا كالذين نسوا اللَّه فنسيهم وكانوا من الفاسقين. إنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فأصحاب الجنة هم أهل الفوز والنعيم.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. أمر من اللَّه تعالى بتقواه، وليحاسب كل نفسه قبل أن يحاسبه سبحانه، وليجهد بادخار وسعه من العمل الصالح. قال قتادة: (﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة. ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد، وغدٌ يوم القيامة).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عند المنذر بن جرير، عن أبيهِ قال: [كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- في صَدْرِ النهار، فجاءَهُ قومٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتابي (١) النِّمار أو العَباءِ، متقلِّدي السُّيوف، عامَّتُهم مِنْ مُضَرَ، بل كُلُّهم مِنْ مُضَر، فتَمَعَّرَ وَجْهُ رسول اللَّه -ﷺ- لِمَا رأى بِهم من الفاقَةِ، فدخلَ ثم خَرَجَ، فأمَرَ بلالًا فأذَّنَ وأقامَ، فصلّى ثم خطبَ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلى آخر الآية. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحَشر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] تَصَدَّقَ رجُلٌ من ديناره، مِنْ دِرْهَمِه، مِنْ ثوبِه، من صاعِ بُرِّهِ، مِنْ صاعِ تَمرهِ -حتى قال- ولو بشِقِّ تمرةٍ. قال: فجاءَ رجلٌ من الأنصار بِصُرَّةٍ كادت كَفُّهُ تَعْجِزُ عنها، بل قد عَجَزَتْ، قال: ثم تتابعَ النَّاسُ، حتى رأيتُ كومين مِنْ طعامٍ وثياب، حتى رأيتُ وجهَ رسول اللَّه -ﷺ- يَتَهَلَّلُ، كأنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسنةً، فلهُ أجرُها، وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها بعدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجورهم شيءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيئةً، كانَ عليهِ وزْرُها وَوزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوزارهم شيءٌ\"] (٢).\n_________\n(١) قال: اجتبت القميص أي دخلت فيها، والنمار جمع نمر، وهي ثياب صوف فيها تنمير كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض. أراد أنه جاءه قوم لابسي أزر مخططة من صوف، ومجتابي النمار أي خارقي أوساطها.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٠١٧)، كتاب الزكاة. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٥٩).","vol":"7","page":680},{"text":"وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. تأكيد للأمر الأول، فإنَّ السعادةَ في الدارين منوطةٌ بالتقوى.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: إن اللَّه مطلع على جميع أعمالكم ولا يخفى عليهِ شيء.\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال سفيان: (نَسُوا حقَّ اللَّه، فأنساهم أنفسهم، قال: حَظَّ أنفسهم). وقال النسفي: (تركوا ذكر اللَّه ﷿ وما أمرهم به: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ فتركهم من ذكره بالرحمة والتوفيق).\nوقال مقاتل بن حيان: (تركوا أمره ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أن يعملوا لها خيرًا). وقال سهل بن عبد اللَّه: (﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ عند الذنوب ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ عند التوبة).\nوالمقصود: تحذير اللَّه تعالى المؤمنين أن يكونوا كالذين ركبوا المعصية والذنوب وأصروا حتى خذلهم اللَّه عن التوبةِ والتوفيق وأرداهم المهالك وبلوغ الشقاء.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال سعيد بن جبير: (العاصون. وقال ابن زيد: (الكاذبون). وأصل الفسق الخروج، والمقصود: هؤلاء الذين خذلهم اللَّه هم الخارجون عن طاعته، المستكبرون عن الإخبات لأمره.\nوقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. أي: لا يعتدل أهل النار وأهل الجنة في الرتبةِ والفضل والمنزلةِ. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أي: هم المقربون المدركون ما طلبوا وأرادوا، الناجون مما حذروا، السالمون من عذاب اللَّه ﷿.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- قال: [أما أهل النار الذين هم","vol":"7","page":681},{"text":"أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون] (١).\nوفي صحيح مسلم -أيضًا- عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: [ينادي مُنَادٍ: إنَّ لكم أن تصِحُّوا فلا تسقَمُوا أبدًا، وإن لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا] (٢).\n\n٢١ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تَصَدُّعُ الجبال خشية للَّه من كلامهِ العظيم، فاللَّهُ تعالى هو الملكُ القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، وهو سبحانهُ الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى العزيز الحكيم.\nفقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبلٍ حملته إياه تصدّع وخشعَ مِنْ ثقلهِ، ومن خشيةِ اللَّه، فأمر اللَّه ﷿ الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشيةِ الشديدةِ والتخشّع).\nوقال قتادة: (يعذر اللَّه الجبل الأصمّ، ولم يعذر شقيّ ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدّعت جوانحهُ من خشية اللَّه).\nوالمقصود: إذا كان الجبلُ في قسوتهِ وصلابتهِ يتصدعُ لو فهم القرآن، خشية من عظمة الرحمان، فكيفَ لا تلينُ قلوب البشر الذين فهموا مراد اللَّه ووعده ووعيده.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ١١٨)، في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح أخرجه مسلم (٢٨٣٧)، كتاب الجنة ونعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة.","vol":"7","page":682},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١]. أي: لكانَ هذا القرآن.\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال الزمخشري: (والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلةِ تخشعه، عند تدبر القرآن، وتدبّر قوارعه وزواجره). وقال القاسمي: (﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ أي وتلك الأمور، وإن كانت وهمية، مفروضة، فلا بد من اعتبارها وضربها للناسِ الذين نسوا صغر مقدارهم فتكبروا، ولينَهم فقست قلوبهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي ليعلموا أنهم أولى بذلكَ الخشوع والتصدّع).\nوفي التنزيل: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤].\nأخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد اللَّه ﵄: [أنَّ النبي -ﷺ- كان يقومُ يومَ الجمعةِ إلى شجرة، أو نَخْلَةٍ، فقالت امرأة من الأنصار، أو رَجُلٌ، يا رسول اللَّه، ألا نَجْعَلُ لكَ مِنْبَرًا؟ قال: \"إِنْ شئتم\"، فجعلوا لهُ مِنْبرًا، فلما كانَ يومُ الجُمعةِ دَفَعَ إلى المنْبر، فصَاحَتْ النخلةُ صِياحَ الصبي، ثم نزل النبي -ﷺ- فَضَمَّهُ إليهِ، يَئِنُّ أنِينَ الصَّبي الذي يُسَكَّنُ، قال: \"كانت تبكي على ما كانت تَسْمَعُ من الذِّكر عندها\"] (١).\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: الذي يتصَدَّعُ من خشيتهِ الجبل أيها الناس، هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له، عالم غيب السماوات والأرض، وشاهد ما فيهما مما يرى ويحسّ ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ يقول: هو رحمان الدنيا والآخرة، رحيم بأهلِ الإيمان به).\nوقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾.\n﴿الْمَلِكُ﴾: أي المالك لكل شيء المتصرف فيه. و﴿الْقُدُّوسُ﴾: الطاهر من العيوب المُتنزِّهُ عنها. وعن قتادة: (﴿الْقُدُّوسُ﴾ أي: المبارك).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يقبض اللَّه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٥٨٤)، كتاب المناقب، وأخرجه الترمذي (٥٠٥)، والبيهقي في \"السنن\" (٣/ ١٩٦)، وأخرجه ابن حبان (٦٥٠٧) من حديث أنس.","vol":"7","page":683},{"text":"الأرض يوم القيامةِ ويطوي السماء بيمينهِ ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (١).\nوفي صحيح أبي داود عن عائشة: [أن النبي -ﷺ- كان يقول في ركوعه وسجوده: [سُبُّوح قدُّوس ربُّ الملائكة والروح] (٢).\nوقوله: ﴿السَّلَامُ﴾. أي: ذو السَّلام، الذي سَلِمَ من كل عيب وبرئ من كل آفة.\nأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند حسن عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى وضعهُ اللَّه في الأرض، فأفشوا السلام بينكم] (٣).\nوقوله: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾. أي: الذي يصدق عبادَه وعدَه، فهو من الإيمان: التصديق، أو يؤمنهم في القيامة من عذابه، فهو من الأمان، ضدُّ الخوف (٤).\nقال ابن عباس: (أي: آمن خلقه من أن يظلمهم). وقال ابن زيد: (صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به).\nوقوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. أي: الشهيد. وقيل: الأمين. وقيل: الرقيب الحافظ.\nقال ابن عباس: (أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]).\nوقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾. أي الغالب القاهر، والعِزَّة: الغَلَبة.\nقال الحافظ ابن كثير: (العزيز: أي: الذي قد عزَّ كل شيء فقهره وغلب الأشياء، فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وبروته وكبريائه).\nوقوله: ﴿الْجَبَّارُ﴾. هو الذي أجْبَرَ الخلق وقهرهم على ما أراد من أمرٍ أو نهي.\nوقيل: هو العالي فوق خلقه. قال قتادة: (الجبار الذي جبر خلقه على ما يشاء). وقال ابن جرير: (الجبار: المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم).\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمر قال: [رأيتُ رسول اللَّه -ﷺ- على المِنْبر وهو\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه البخاري في الصحيح (٧٣٨٢)، (٦٥١٩)، ورواه مسلم (٨/ ١٢٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (١/ ١٦٥)، ورواه مسلم بنحوه كذلك.\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح \"الأدب المفرد\" (٧٦٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٩٤).\n(٤) انظر: \"جامع الأصول\" (٤/ ١٧٦)، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٣٨٠) - بحث الأسماء والصفات.","vol":"7","page":684},{"text":"يقول: يأخذ الجَبَّارُ ﷿ سماواته وأرضيه بِيَدَيْهِ، ثم يقول: أنا الجبار، أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون] (١).\nوقوله: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾. أي المتعالي عن صفات الخلق. وقيل: الذي يَتَكَبَّرُ على عُتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فَيقصِمَهم. وقيل: إن المتكبِّرَ من الكبرياء الذي هو عظمة اللَّه تعالى، لا مِنَ الكِبْر الذي هو مذموم (٢).\nوعن قتادة: (المتكبر: يعني عن كل سوء). أو قال: (تكبَّر عن كلّ شرٍّ).\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [قال اللَّه ﷿: الكبرياء ردائي، والعزةُ إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيه في النار] (٣).\nوفي لفظ: \"والعظمة إزاري\".\nوفي صحيح مسلم عنه بلفظ: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعِزّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عَذَّبته] (٤).\nوقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: تنزه اللَّه وتعالى عن شرك المشركين به.\nوقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾. الخلق: التقدير، والخالق هو الذي يقدر وينفذ كما شاء، ولا يوصف بذلكَ إلا اللَّه ﷿، فهو الذي إذا أراد شيئًا قال لهُ كن فيكون على الصفة التي يريد.\nأخرج الطيالسي والبيهقي بسند صحيح عن أسامة، عن النبي -ﷺ- قال: [قاتل اللَّه قومًا يُصَوِّرون ما لا يخلقون] (٥).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّه تعالى: ومن أظلم ممن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٨٨)، ح (٢٦)، من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، وله شاهد عند ابن ماجة (١٩٨)، وأحمد (٢/ ٨٨).\n(٢) انظر جامع الأصول (٤/ ١٧٧)، وكتابي أصل الدين والإيمان (١/ ٣٨٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٨)، ورواه أبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجة (٤١٧٤).\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٨/ ٣٥ - ٣٦)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٥٢).\n(٥) حديث صحيح. رواه الضياء في \"المختارة\" (١/ ٤٣٤) من طريق الطيالسي وهذا في \"المسند\" (٦٢٣). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٩٦)، ورواه البيهقي.","vol":"7","page":685},{"text":"ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا شعيرة] (١).\nوفي المسند عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه تعالى هو الخالق القابض الباسط الرازق] (٢).\nوقوله: ﴿الْبَارِئُ﴾. هو الذي خلق الخلق لا عن مثال.\nوفي المسند بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن خنبش التميمي عن النبي -ﷺ- قال: [أتاني جبريل، فقال: يا محمد! قُلْ. قلت: وماذا أقول؟ قال: قل أعوذُ بكلمات اللَّه التامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر من شرّ ما خلق، وذرأ، وبرأ. .] (٣).\nوقوله: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾. هو الذي أنشأ خَلْقَهُ على صُوَر مختلفة. ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦].\nوفي سنن النسائي عن علي، أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا سجد يقول: [اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت. سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، فأحسن صورته، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك اللَّه أحسن الخالقين] (٤).\nوقوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. أي: كل أسمائه تعالى حسنى، وهي الدالةُ على صفاته العلا.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرةَ، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنَّ للَّه تِسْعَةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحِدًا، مَن أحصاها دخلَ الجنة] (٥).\nوفي لفظ: [للَّه تِسْعةٌ وتِسْعونَ اسمًا -مئة إلا واحِدًا- مَنْ حَفِظَها دخَلَ الجنةَ، وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري (١٠/ ٣٢٤) في اللباس، ومسلم (٢١١١) في اللباس والزينة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند. وبنحوه أبو داود في السنن (٣٤٥١). انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٢٩٤٥).\n(٣) برأ: أي أوجد من العدم. وذرأ: أي خلق. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٤).\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (١٠٧٨). ورواه مسلم بنحوه.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٣٦)، كتاب الشروط. وكذلك (٦٤١٠)، كتاب الدعوات. ورواه مسلم (٢٦٧٧)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.","vol":"7","page":686},{"text":"وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nأي: ينزهه جميع ما في السماوات والأرض، ويسجد له طوعًا وكرهًا، وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾، أي الشديد الانتقام من أعدائه، المنيعُ الذي لا يُرامُ جنابُه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه وفي شرعه وقدره.\n\nتم تفسير سورة الحشر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الخميس ١٧ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٠/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"7","page":687},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - كل شيء في هذا الكون يسبح اللَّه ويمجده ويعظمه ويقدسه.\n٢ - تآمر يهود بني النضير على قتل رسول اللَّه فأجلاهم، وما قطع من نخل بني النضير أو حرق أو ترك فبإذن اللَّه.\n٣ - الفيء: كل مال أخذ من الكفار من غير قتال، ومصارفه: للَّه ولرسوله وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.\n٤ - صرف شيء من ذلكَ الفيء لفقراء المهاجرين والذين تبوؤوا الدار.\n٥ - التواضع والانقياد لأوامر رسول اللَّه -ﷺ- ونواهيه واجب على كل مسلم.\n٦ - الداعي إلى الحق يجب ألا يخالف ما ينهى عنه، وعليه أن يكون في موضع الأسوة الحسنة.\n٧ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ استوعبت المسلمين عامة.\n٨ - منافقو المدينة وَرَّطّوا اليهود -يهود بني النضير- ثم تَخَلَّوا عنهم، فمثلهم كمثل الشيطان يغوي ويتبرأ ممن غواه.\n٩ - إن الجبال تتصدع من خشية اللَّه، فما لقلوب المشركين لا تتصدع.\n١٠ - كل أسماء اللَّه تعالى حسنى، وللَّه سبحانه تسعة وتسعون اسمًا من حَفِظَها دخل الجنة، وهو تعالى وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْر.\n* * *","vol":"7","page":688},{"text":"التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون\nتفسير القرآن الكريم على منهاج الأصليين العظيمين - الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - على فهم الصحابة والتابعين\nتفسير منهجي فقهي شامل معاصر\nالجزء الثامن\nتأليف الأستاذ الدكتور مأمون حموش","vol":"8","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"8","page":2},{"text":"التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون","vol":"8","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nموافقة وزارة الإعلام\nرقم: ٩١٠٩٢\nورقم: ٩١٤٥١\nتاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م\nدمشق - سورية\nيطلب من المؤلف\nدمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١\nالمدقق اللغوي الدكتور أحمد راتب حموش","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>٦٠ - سورة الممتحنة</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٣).\nقال القرطبي: (الممتحِنة -بكسر الحاء- أي المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازًا، كما سُمِّيت سورة \"براءة\" المبعثرة والفاضحة، لما كشفت عن عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة: الممتحَنة -بفتح الحاء- فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أمُّ كُلْثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، قال اللَّه تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عَوْف، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>موضوع السورة</span>\nمنهج الولاء والبراء، والتفريق بين المسالمين والأعداء\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-341> منهاج السورة</span>-\n١ - قصة حاطب بن أبي بلتعة ورسالته إلى المشركين ينذرهم الفتح القادم.\n٢ - قواعد منهج الولاء والبراء الذي هو جزء من منهاج الإيمان عند المسلمين.\n٣ - ذِكْرُ اللَّه تعالى -إبراهيم ﵇- المثل الأعلى للمؤمنين في الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين.","vol":"8","page":5},{"text":"٤ - التفريق بين المحاربين من الأعداء والمسالمين، والنهي عن موالاة المقاتلين منهم والأمر بالإقساط إلى المقسطين.\n٥ - الأمْرُ باختبار المؤمنات المهاجرات، والترغيب بنكاحهن والتأكيد على دفع مهورهن.\n٦ - الأمر بتعويض الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا، والحث على لزوم التقوى.\n٧ - مبايعة النبي -ﷺ- النساء على الإسلام، وذكر بنود البيعة التي بقيت عبر الزمان.\n٨ - تجديدُ النهي عن موالاة الكافرين، وتأكيد قواعد الولاء والبراء عند المؤمنين.\n* * *","vol":"8","page":6},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة وهو رجل من المهاجرين شهد بدرًا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان، فلما غدرت قريش ونقضت العهد وأمر رسول اللَّه -ﷺ- أصحابه بالتجهز عامدًا فتح مكة، حدث أن أرسل حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش ينذرها المسلمين وجيش الفتح القادم، -يريد بذلك أن يتخذ عندهم يدًا- وحمّلَهُ امرأة عجوزًا لتوصله إلى مكة، إلا أن الوحي الكريم تدخل في اللحظة المناسبة وأفسد الإنذار، وبَيَّنَ قواعد منهج الولاء والبراء الذي يجب أن يكون عليه الأخيار.\nأخرج البخاري في صحيحه عن علي ﵁ قال: [بعثني رسول اللَّه -ﷺ- أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخٍ فإنَّ بها ظعينةً معها كتاب فخذوه منها. قال: فانطلقنا تَعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة. قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقلنا: لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لَنُلْقِيَنَّ الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللَّه -ﷺ- فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول اللَّه -ﷺ-. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: يا حاطِبُ ما هذا؟ قال: يا رسول اللَّه لا تعجل عليَّ، إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريش، يقول: كنت حليفًا ولم أكُنْ من أنْفُسِها وكان من معك من المهاجرين","vol":"8","page":7},{"text":"من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالَهم، فاحبَبْتُ إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أما إنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق (وفي رواية: يا رسول اللَّه قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين دعني أضرب عنقه). فقال: إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل اللَّه اطّلع على من شهد بدرًا قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل اللَّه السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾] (١).\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾. أي: من المشركين والكفار الذين يحاربون اللَّه ورسوله ويصدون عن الدين الحق ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يعني أخلاء وأصدقاء وأنصارًا. والآية فيها تهديد ووعيد لمن يضعف أمام إقامة منهج الولاء والبراء.\nوقوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. قال القرطبي: (يعني بالظاهر، لأن قلب حاطب كان سليمًا، بدليل أن النبي -ﷺ- قال لهم: \"أما صاحبكم فقد صدق\" وهذا نصٌّ في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده). وعن الزجاج: (﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم).\nوقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. أي: كيف توادوهم أو تتولوهم وهذا حالهم لا يخفى عليكم من محاربة ما جاءكم من الحق.\nوقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾. استئناف يبيّن بعض النعوت والصفات التي كفر بها طغاة مكة، وهو إخراجهم الرسول والمؤمنين من ديارهم. قال ابن عباس: (﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي -ﷺ-). وقيل: بل هو حال من ﴿كَفَرُوا﴾. وكلا التأويلين منسجم مع السياق.\nوقوله: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. تعليل لـ ﴿يُخْرِجُونَ﴾. والتقدير: إنما يخرجونكم مع رسولكم من مكة بسبب إيمانكم باللَّه وحده، وإفراده تعالى بالتكبير والتعظيم.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾. قال ابن كثير: (أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتُم خرجتُم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٩٨٣) - كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا. وكذلك (٤٢٧٤) - في باب غزوة الفتح، و(٣٠٠٧) - كتاب الجهاد. ورواه مسلم بنحوه (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٥)، وأحمد (١/ ٧٩).","vol":"8","page":8},{"text":"فلا تُوالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من ديارِكم وأموالِكم حَنَقًا عليكم، وسُخْطًا لدينكم).\nوقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾. قال النسفي: (المعنى: أي طائل لكم في إسراركم، وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي وأنا مطلع رسولي على ما تسرون).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. أي: ومن يفعل ذلك الإسرار إلى الكفار أو المكاتبة لإطلاعهم على أسرار المسلمين فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وجار عن قصد الطريق.\nوفي التنزيل نحو ذلك من آيات الولاء والبراء:\nأ- قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك:\nقال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: [حدثنا أبي حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: قلت لعمر ﵁: إن لي كاتبًا نصرانيًا. قال: مالك؟ قاتلك اللَّه. أما سمعت اللَّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية. ألا اتخذت حنيفيًا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذ أهانهم اللَّه، ولا أعزّهم إذ أذلّهم اللَّه، ولا أدنيهم إذ أقصاهم اللَّه].\nورواه البيهقي ولفظه: [لا تؤمنوهم وقد خونهم اللَّه، ولا تقربوهم وقد أبعدهم اللَّه، ولا تُعِزُّوهم وقد أذلهم اللَّه] (١).\nوقوله: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾. أي: يلقوكم ويظفروا بكم ويتمكنوا منكم. وفي لغة\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البيهقي (١٠/ ١٢٧)، وحسنه الألباني في \"الإرواء\" (٨/ ٢٥٦).","vol":"8","page":9},{"text":"العرب: ثقِف فلان فلانًا: أي صادفه، فهو من المثاقفة.\nوقوله: ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾. أي يكونوا لكم حربًا. ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾. أي بالضرب والقتل وأنواع الأذى. ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ أي بالشتم والسبّ وفاحش القول.\nوقوله: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾. أي: وتمنوا لو ترتدون عن دينكم، فهم يريدون أن يلحق بكم مضار الدنيا والدين من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارًا بمحمد وهذا القرآن. وهذا تهييج لكم على عداوتهم. قال النسفي: (وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم وأولها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم لأنكم بذّالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أهم شيء عند صاحبه).\nوقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال القرطبي: (لما اعتذر حاطب بأن له أولادًا وأرحامًا فيما بينهم، بَيَّن الربّ ﷿ أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئًا يوم القيامة إنْ عُصِي من أجل ذلك).\nوقوله: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾. أي يحكم بينكم ويقضي لكل بما يستحقه يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n\n٤ - ٦. قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ اللَّه تعالى المثل الأعلى للمؤمنين في الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين، إنه إبراهيم ﵇ ومن كان معه على الحق المبين.\nأخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس ﵄: [في قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ نزل في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش","vol":"8","page":10},{"text":"يحذرونهم. وقوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم] (١).\nفقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾. تنبيه اللَّه تعالى المؤمنين إلى التأسي بسيرة إبراهيم في البراء من الكفار. أي: فاقتدوا به معشر المؤمنين وائتموا بمنهاجه. قال ابن زيد: (﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ هم الأنبياء). وقيل: أصحاب إبراهيم من المؤمنين، وهو الأنسب للسياق.\nفقوله: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾. أي: الكفار. ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أي: من الأصنام والطواغيت.\nوقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾. أي بدينكم وطريقكم. ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾. قال ابن كثير: (يعني: وقد شُرِعت العدواةُ والبغضاء من الآنِ بيننا وبينكم، ما دمتُم على كُفركم، فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغِضُكُم).\nوقوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. أي: حتى تفردوا اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد والطواغيت.\nوقوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال ابن عباس: (نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين). والمعنى: لكم فى إبراهيم والمؤمنين معه أسوة صالحة للتأسي بها، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو للَّه تبرأ منه.\nوفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤].\nوفي صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: [لما حضرتْ أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسولُ اللَّه -ﷺ-، فوجد عنده أبا جَهْلٍ وعبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: يا عَمّ قُلْ لا إله إلا اللَّه، كلمة أشهدُ لك بها عند اللَّه. فقال\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الممتحنة.","vol":"8","page":11},{"text":"أبو جهل وعبدُ اللَّه بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغبُ عن مِلّةِ عبد المطلب؟ فلو يزل رسول اللَّه -ﷺ- يَعْرِضها عليه ويُعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلَّمهم: هو على مِلّةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك. فأنزل اللَّه ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾] (١).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾. هو من قيل إبراهيم والمؤمنين معه. أي: توكلنا عليك ربنا وسلمنا أمورنا لك، ورجعنا طائعين مخبتين تائبين راجين عفوك ومغفرتك، فإن مصيرنا إليك، ومرجعنا يوم نبعث من قبورنا إلى موقف العَرْض بين يديك.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن عباس: (لا تسلطهم علينا فيفتنونا). وقال مجاهد: الا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا). وقال قتادة: (يقول: لا تُظْهِرهم علينا فَيَفْتَتِنُوا بذلك، يرون أنهم ظهروا علينا لحقّ هم عليه).\nوقوله: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾. أي: واستر علينا ربنا ذنوبنا بعفوك وكرمك.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: إنك أنت ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامك من أعدائك، والذي لا يُضام من لاذَ بجنابك. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرك شؤون خلقك، وفي أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك.\nوقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر﴾. تأكيد لما تقدم، وتهييج إلى التأسي الصادق بملة إبراهيم، ملة التوحيد والتعظيم، والولاء والبراء، عليه وعلى نبينا وسائر المرسلين أفضل الصلاة والتسليم، لمن كان يرجو لقاء اللَّه وثوابه والنجاة من عذابه يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال ابن عباس: (﴿الْغَنِيُّ﴾: الذي قد كمل في غناه، وهو اللَّه، هذه صفته لا تنبغي إلا لَهُ، ليس له كُفء، وليس كمثله شيءٌ، سبحان اللَّه الواحد القهار). وقال ابن كثير: (﴿الْحَمِيدُ﴾: المُستحمِدُ إلى خَلْقه، أي هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إله غيرُه، ولا ربَّ سواه). والمعنى: إنه من يعرض عن أمر اللَّه ويدبر مستكبرًا، ويوالي أعداء اللَّه ويلقي إليهم بالمودة، فإن اللَّه غني\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ٤٠) - كتاب الإيمان. باب: أول الإيمان قول لا إله إلا اللَّه.","vol":"8","page":12},{"text":"عن إيمانه وطاعته كما هو غني عن جميع خلقه، وهو ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي المحمود عند أهل المعرفة بأياديه وآلائه عندهم.\n\n٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: التفريقُ بين المحاربين من الأعداء والمسالمين، والنهي عن موالاة المقاتلين منهم والأمر بالإقساط إلى المقسطين.\nفقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء المشركون، قد فعل، قد أدخلهم في السلم وجعل بينهم مودّة حين كان الإسلام حين الفتح). والمعنى: إنه تعالى قد يغيّر الأحوال ويقلب القلوب فيؤمن هؤلاء المشركون من قريش الذين أُمِرْتُم بمعاداتهم ومفاصلتهم على الدين الحق، ومن ثمَّ يجعل اللَّه بينكم وبينهم مَحَبَّةً بعد البِغضَة، ومودَّة بعد النَّفرة، وأُلْفَةً بعد الفرقة، ولذلك قال: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ قال قتادة: (على ذلك). ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي يغفر الذنوب الكثيرة، ويعفو عما سلف أيام الجاهلية، إنه تعالى رحيم بعباده التائبين وبجميع خلقه.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح من حديث أبي سعيد","vol":"8","page":13},{"text":"-في قسمة أموال هوازن وقد وجد الأنصار في أنفسهم- فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: [يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالًا فهداكم اللَّه، وعالة فأغناكم اللَّه، وأعداء فألف اللَّه بين قلوبكم؟ قالوا: بلى] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [أَحْبِبْ حبيبَكَ هَوْنًا ما فعسى أن يكون بغيضكَ يومًا ما. وأَبْغِض بغيضك هونًا ما فعَسى أن يكون حبيبكَ يومًا ما] (٢).\nوقوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. أي: لا ينهاكم اللَّه -معشر المؤمنين- عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم من الكفرة كالنساء والضعفة فتحسنوا لهم، وتعدلوا وتقضوا إليهم بالقسطِ ولا تظلموهم. قال النسفي: (وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم).\nأخرج البخاري ومسلم عن أسماء بنتِ أبي بكر ﵄ قلْتُ: [قَدِمت عليَّ أمي وهي مشركةٌ في عهد رسول اللَّه -ﷺ- فاستفْتَيْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ-، قلتُ: إنَّ أمي قَدِمَتْ وهِيَ راغِبَةٌ، أفأصِلُ أُمِّي؟ قال: نَعَمْ. صِلي أُمَّك] (٣).\nورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" عنها بلفظ: [أتتني أمي راغبة، في عهد النبي -ﷺ-، فسألتُ النبي -ﷺ-: أفأصلها؟ قال: نعم. قال ابن عيينة: فأنزل اللَّه ﷿ فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾] (٤).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن اللَّه يحب المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾. قال مجاهد: (كفار أهل مكة). والمقصود: إنما ينهاكم اللَّه -معشر\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٧٦، ٧٧)، (٣/ ٨٩)، وانظر كتابي: السيرة النبوية -على منهج الوحيين- (١٤١٢) لمزيد من التفصيل.\n(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (١٩٩٧)، وابن حبان والبجهقي. وانظر صحيح الجامع (١٧٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الخاري (٢٦٢٠) - (٣١٨٣)، ومسلم (١٠٠٣)، وأحمد (٦/ ٣٤٧) و(٦/ ٣٥٥)، وأخرجه أبو داود (١٦٦٨)، وابن حبان (٤٥٢).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٥). وانظر: \"صحيح الأدب المفرد\" -حديث رقم- (١٩) - باب برّ الوالد المشرك.","vol":"8","page":14},{"text":"المؤمنين- عن موالاة الذين جاهدوكم على الدين وناصبوكم العداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم أن تولوهم، فتكونوا لهم أولياء ونصراء.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. أي: ومن يتخذهم أولياء وأنصارًا وأحبابًا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n\n١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: الأَمْرُ باختبار المؤمنات المهاجرات وعدم إرجاعهن إلى الكفار إن صحّ إيمانهن، والترغيب في نكاحهن بعد دفع مهورهن والإحسان إليهن، والأمر بتعويض الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا وبتقوى اللَّه العليم الحكيم.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. استثناء لِما كان قد وقع في عقد صلح الحديبية بين رسول اللَّه -ﷺ- وكفار قريش من قولهم: [على أن لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا] (١).\nفنزل الوحي في شأن المسلمات المهاجرات يأمر بعدم ردّهم -أصلًا- إلى المشركين. فتمسك المسلمون بظاهر نصّ العقد: (على أن لا يأتيك منا رجلٌ)، والذي يُفْهم منه أن النساء غير مشمولين في هذا العقد.\nيروي البخاري في صحيحه عن المسور قال: [. . . ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه\n_________\n(١) وفي رواية: [على أنه لا يأتيك منا أحدٌ - وإن كان على دينك إلا رددته إلينا]. والحديث رواه البخاري (٢٧٣١)، (٢٧٣٢) - كتاب الشروط، ورواه مسلم (١٧٨٤) في السير، ورواه أحمد في المسند (٤/ ٣٢٥) من حديث المسور بن مخرمة.","vol":"8","page":15},{"text":"تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمرُ يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاويةُ بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية] (١).\nويبدو أن سبب نزول هذه الآيات قدوم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة فيمن هاجر، فجاء أهلها يسألون النبي -ﷺ- أن يرجعها إليهم، فأبى -﵊- لِما نزلَ من القرآن فيهن، فكان يختبرهن فإن كان الإسلام أخرجهن استبقاهن ودفع مهورهن لأزواجهن، في حين كان لا يدفع ذلك قبل الصلح ونزول هذه الآيات.\nفقد أخرج البخاري وأحمد عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- قال: [لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي -ﷺ- أنه لا يأتيك منا أحدٌ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخَليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي -ﷺ- على ذلك، فردَّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا ردّه في تلك المدّة وإن كان مسلمًا. وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول اللَّه -ﷺ- يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي -ﷺ- أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما نزل فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾] (٢).\nفإلى فهم الآيات كما جاء في التفاسير:\nيروي ابن جرير بإسناده إلى أبي نصر الأسديّ، قال: (سُئِل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول اللَّه -ﷺ- النساء؟ قال: كان يمتحنهنّ باللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللَّه ما خرجت إلا حبًا للَّه ورسوله). وفي رواية: قال ابن عباس: (كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله).\nوعن مجاهد: (قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قال: سلوهن ما جاء بهن؟ فإن كان جاء بهن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٧٣١)، (٢٧٣٢) - كتاب الشروط.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٤١٨٠)، (٤١٨١) - كتاب المغازي. وكذلك (٢٧١١)، (٢٧١٢) - كتاب الشروط.","vol":"8","page":16},{"text":"غضب على أزواجهن، أو سخطة، أو غيره، ولم يُؤمِنَّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ).\nوقال قتادة: (كانت محنتهنّ أن يستحلفن باللَّه ما أخرجكنّ النشوز، وما أخرجكن إلا حبّ الإسلام وأهله، وحِرْصٌ عليه، فإذا قُلْنَ ذلك قُبِلَ ذلك منهن).\nوقال عكرمة: (يقال لها: ما جاء بك إلا حبّ اللَّه، ولا جاء بك عشق رجل منا، ولا فرارأ من زوجك، فذلك قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾).\nوقال ابن زيد: (كانت المرأة من المشركين إذا غضبت على زوجها، وكان بينه وبينها كلام، قالت: واللَّه لأهاجرنّ إلى محمد -ﷺ- وأصحابه، فقال اللَّه ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إن كان الغضب أتى بها فردّوها، وإن كان الإسلام أتى بها فلا تردّوها).\nقال ابن اسحاق: (فحدثني الزُّهري، عن عُروة بن الزبير، قال: دخلتُ عليه وهو يكتب كتابًا إلى ابن أبي هنيدة، صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال: فكتب إليه عروة بن الزُّبير: إن رسول اللَّه -ﷺ- كان صالح قُريشًا يوم الحُديبية على أن يردّ عليهم من جاء بغير إذن وليِّه، فلما هاجر النساء إلى رسول اللَّه -ﷺ- وإلى الإسلام، أبى اللَّه أن يُرْدَدْنَ إلى المشركين إذا هنّ امتُحنَ بمحنة الإسلام، فعرفوا أنهنّ إنما جِئْنَ رغبة في الإسلام، وأمَرَ بردّ صَدُقاتهن إليهم إن احْتبَسْنَ عنهم، إن هم ردّوا على المسلمين صداقَ من حُبِسوا عنهم من نسائهم، ذلكم حكم اللَّه يحكم بينكم، واللَّه عليم حكيم. فأمسك رسول اللَّه -ﷺ- النساء وردَّ الرجال، وسأل الذي أمره اللَّه به أن يسأل من صدُقات نساء من حُبِسوا منهنّ، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردّون عليهم، إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم اللَّه به من هذا الحكم لردّ رسول اللَّه -ﷺ- النساء كما ردّ الرجال، ولولا الهُدْنة والعَهْد الذي كان بينه وبين قُريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يَرْدُدْ لهن صداقًا، وكذلك كان يصْنَع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد) (١).\nوقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾. أي: ادفعوا إلى أزواج المهاجرات منَ المشركين ما غرموه عليهن من الأصدِقة. قاله ابن عباس وقتادة. قلت: وهذا من الوفاء بالعهد، لا يُجمع على الرجل خسران الزوجة والمال.\nوقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. أي: إذا آتيتموهن\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام (٣/ ٣٢٦) من مرسل عروة. وانظر كتابي: السيرة النبوية (٢/ ١٠٣٩).","vol":"8","page":17},{"text":"أصدِقتهن فانكحوهنّ. والمقصود: إقامة النكاح بشروطه الشرعية، من انقضاء العِدّة والولي والشاهِدَيْن ودفع المهور كما هو معلوم في شأن النكاح.\nوقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. تحريم استمرار المؤمنين على نكاح المشركات. قال ابن هشام: (واحِدة العصم: عِصْمة، وهي الحبل والسبب). وأما الكوافر فجمع كافرة. قال مجاهد: (أصحاب محمد أُمروا بطلاق نسائهم كوافر بمكة، قعدن مع الكفار). وقال قتادة: (مشركات العرب اللاتي يأبين الإسلام أمِرَ أن يُخَلّى سبيلُهن). وقال ابن زيد: (إذا كفرت المرأة فلا تمسكوها، خلوها، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها حين كفرت).\nوفي صحيح البخاري من حديث المسور: [﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمرُ يومئذ امرأتين كانتا له على الشرك] (١).\nوقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يَذْهَبْنَ إلى الكفّار، إن ذَهَبْنَ، وليطالِبُوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجَرْن إلى المسلمين).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. أي: هذا الذي ذُكر في هذه الآية من أمر الصلح واستثناء النساء بالشروط السابقة إنما هو حكم اللَّه يحكم به بين خلقه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يصلح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه وقدره وجميع أقواله وأفعاله.\nوقوله: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾. قال الزهري: (يقول: إن فات أحدًا منكم أهلهُ إلى الكفار، ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل الذي يأخذون منكم، فعوضوهم من فيءٍ إن أصبتموه). ذكره ابن إسحاق.\nوعند ابن جرير بإسناده إلى ابن عباس قال: (يعني: إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول اللَّه -ﷺ- أن يُعطى من الغنيمة مثل ما أنفق). قال مجاهد: (مهر مثلها يُدفع إلى زوجها).\nوالمقصود: لو ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين فامتنعوا من دفع ما أنفق ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ -يعني فاقتصصتم- فالقصاص يكون بإعطاء المؤمن الذي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٣١)، (٢٧٣٢) - كتاب الشروط، وقد مضى بتمامه.","vol":"8","page":18},{"text":"ذهبت زوجته من العقب الذي بأيديكم، وهو ما كان من صَداق نساء الكفار اللواتي آمنّ والذي أَمَرَ اللَّه برده إلى أزواجهم المشركين. فإن لم يتيسر ذلك فمن الغنائم التي تؤخذ من أيدي الكفار.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. أي: واحذروا -أيها المؤمنون باللَّه- أن تتعدوا ما أمرتم به، فهذا مِن امتحان الصدق في الإيمان.\n\n١٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.\nفي هذه الآية: مبايعة النبي -ﷺ- على الإسلام، وذِكْرُ بنود هذه البيعة التي خَلَّدها اللَّه عبر الزمان.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عروة: [أن عائشة زوج النبي -ﷺ- أخبرته أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ -إلى قوله- ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول اللَّه -ﷺ-: (قد بايعتك) كلامًا، (وفي رواية: يكلمها به) ولا واللَّه ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: (قد بايعتك على ذلك)] (١).\nوفي لفظ الترمذي، قالت عائشة: [ما كان رسول اللَّه -ﷺ- يمتحن إلا بالآية التي قال اللَّه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية. قال معمر: فأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: ما مست يد رسول اللَّه -ﷺ- يد امرأة إلا امرأة يملكها].\nوفي جامع الترمذي وموطأ مالك ومسند أحمد بسند صحيح عن أميمة بنت رُقَيقة قالت: [أتيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- في نِساءٍ لِنُبايِعَه، فأخذ علينا ما في القرآن: ألا نُشْرِكَ باللَّه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٧١٣) - كتاب الشروط. وكذلك (٤٨٩١) نحوه. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٣٤).","vol":"8","page":19},{"text":"شيئًا. . . الآية، وقال: فيما استَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ، قلنا: اللَّه ورسوله أرحمُ بنا مِن أنفُسِنا، قلنا: يا رسول اللَّه! ألا تُصافِحنا؟ قال: إني لا أصافِحُ النساءَ، إنما قولي لامرأة واحدةٍ كقولي لمئة امرأة] (١).\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ - يشمل التحذير من الشرك ومداخله.\nفقد أخرج البخاري عن أم عطية قالت: [بايعنا رسول اللَّه -ﷺ- فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ونهانا عن النياحة] (٢).\nوفي رواية: قالت أم عطية: [أخذ علينا رسولُ اللَّه -ﷺ- عند البيعة أن لا ننوح، فما وَفَت منا امرأة غيرُ خَمْسِ نِسوة: أمُّ سُلَيم، وأم العلاء، وابنة أبي سَبْرَة امرأة مُعاذ، وامرأتان -أو: ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى- وقد كان رسول اللَّه -ﷺ- يتعاهَدُ النساء بهذه البيعة يوم العيد].\nوكذلك أخرج الإمام أحمد بسند قوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [جاءت أميمةُ بنتُ رقيقة إلى رسول اللَّه -ﷺ- تبايِعُه على الإسلام، فقال: أبايِعُك على أن لا تشركي باللَّه شيئًا، ولا تَسرقي ولا تَزْني ولا تَقْتُلي ولَدَكِ، ولا تأتي بِبُهتان تفترينَه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرَّجي تبرُّجَ الجاهلية الأولى] (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصِّرًا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ما جَرَت به عادةُ أمثالها، وإن كان بِغير عِلْمِهِ، عَمَلًا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول اللَّه! إن أبا سفيان رجل شحيحٌ لا يُعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليَّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"خذي من مالِه بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك\" أخرجاه في الصحيحين).\nوقوله: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾. تحريم لما انتشر من الفجور في الجاهلية. كقوله تعالى:\n_________\n(١) إسناده صحيح. أخرجه الترمذي (١٥٩٧)، والنسائي (٤١٠١)، و(٣٥٨)، وفي \"التفسير\" (٦٠٩)، ورواه أحمد (٦/ ٢٥٧)، ومالك (٢/ ص ٩٨٢) وإسناده على شرطهما.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٩٢)، ومسلم (٩٣٦) ح (٣٣)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٠٧)، وانظر للرواية الأخرى (١٣٠٦) - من صحيح الإمام البخاري.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٩٦)، وإسناده قوي، وله شواهد.","vol":"8","page":20},{"text":"﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. ثم إن الزنى ينافي عقد الإيمان، بل لا يستقر الإيمان ساعة وقوع الفاحشة في القلب وإنما يخرج منه.\nأخرج أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان على رأمسه كالظُّلة، فإذا أقلع رجعَ إليه] (١).\nوفي لفظ: [فإذا انقلع منها رجع إليه الإيمان].\nوأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة قالت: [جاءت فاطمةُ بنتُ عُتبة تُبايع النبي -ﷺ- فأخذ عليها: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ. . .﴾. . الآية، قال: فوضعت يدَها على رأسِها حياءً، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أَقِرِّي أيتها المرأة، فواللَّه ما بايعنا إلا على هذا. قالت: فنعم إذن، فبايعها بالآية] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾. أي لا يئدن المَوْؤودات ولا يُسقطن الأجنة. ذكره القرطبي. قال ابن كثير: (﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قَتْلَه وهو جَنينٌ، كما قد يفعلُه بعض الجهلة من النساء، تطرحُ نفسها لئلا تحبل إمَّا لِغَرض فاسدٍ أو ما أشبهه).\nوقوله: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم). قال النسفي: (كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك، كنّى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبًا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين).\nوقوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال البخاري: قال ابن عباس: (إنما هو شَرْطٌ شَرَطَهُ اللَّه للنساء). أي: ولا يخالفن أمرك إليهن مما أمرتهنّ به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر. قال ميمون بن مهران: (لم يجعل اللَّه لنبيه طاعة إلا لمعروف، والمعروف طاعة). قلت: وقد جاء النهي للنساء في السنة الصحيحة عن معاص كثيرة تخصّهن: فقد أخرج أبو داود والبيهقي بسند صحيح عن امرأة من المبايعات قالت: [كان فيما أخذ علينا رسول اللَّه -ﷺ- في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: وأن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٦٩٠)، والحاكم (١/ ٢٢)، وانظر السلسلة الصحيحة (٥٠٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٥١)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم.","vol":"8","page":21},{"text":"لا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، وأن لا ننشر شعرًا] (١).\nوفي الصحيحين من حديث أبي بردة بن أبي موسى قال: [وَجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريءٌ ممن برئ منه رسول اللَّه -ﷺ-، فإن رسول اللَّه -ﷺ- برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة] (٢).\nوالصالقة: هي التي ترفع صوتها عند الفجيعة بالموت. والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة هي التي تشق جيبها عند ذلك.\nوقد أخرج الشيخان من حديث ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي -ﷺ-: [ليس منا من لطمَ الخدود، وشقّ الجيوبَ، ودعا بدعوى الجاهلية] (٣).\nوفِي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [لَعَنَ اللَّه الواصِلَةَ والمستوصِلَةَ، والواشِمة والمستوشِمة] (٤).\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن أم سلمةَ الأنصارية قالت: [قالت امرأة من النسوة، ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: \"لا تَنُحْنَ\". قلت: يا رسول اللَّه إن بني فلان، قد أسعدوني على عمي (٥)، ولابد لي من قضائهم، فأبى عليَّ فعاتبته مرارًا، فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد قضائهن ولا على غيره حتى الساعة، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري] (٦).\nقال عبد بن حميد: أم سلمة الأنصارية هي: أسماء بنت يزيد بن السكن.\nقلت: وهذه البيعة تشتمل على منهاج النجاة للعبد في الدارين، ولذلك ورد تكرارها كثيرًا من النبي -ﷺ- للرجال والنساء في مواضع مختلفة من السيرة العطرة. وفي ذلك أحاديث، منها:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢/ ٥٩)، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٦٤) بسند صحيح.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٢٩)، ومسلم (١/ ٧٠)، والنسائي (١/ ٢٦٣)، وأخرجه البيهقي (٤/ ٦٤)، من حديث أبي بردة بن أبي موسى.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٢٧ - ١٢٨)، ومسلم (١/ ٧٠)، والبيهقي (٤/ ٦٣ - ٦٤).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٩٣٣) - كتاب اللباس، باب وصل الشعر.\n(٥) أي ناحوا معي عند موت عمي مواساة منهم.\n(٦) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٣٥)، وصحيح سنن ابن ماجة (١٥٧٩).","vol":"8","page":22},{"text":"الحديث الأول: -في شأن الرجال-. أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت قال: [كُنَّا عند رسول اللَّه -ﷺ- في مَجْلِسٍ فقال: تُبايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تقتُلوا أولادكم -قرأ الآية التي أُخِذت على النساء: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ - فَمَنْ وفى منكم فأجرُه على اللَّه، ومَنْ أصاب من ذلك شيئًا فستره اللَّه عليه فهو إلى اللَّه، إن شاء غَفَر له، وإن شاء عَذَّبه] (١).\nالحديث الثاني: -في شأن النساء-. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [شهِدْتُ الصلاةَ يوم الفطر مع رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعُمر وعثمان، فَكُلُّهم يُصَلِّيها قبل الخطبة ثم يخطبُ بعدُ، فنزل نبيُّ اللَّه -ﷺ- فكأني أنظرُ إليه حين يُجَلِّسُ الرجالَ بيده، ثم أقبل يَشُقُّهم حتى أتى النساءَ مع بلال فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾، حتى فرغ من الآية كلها. ثم قال حين فرغ: أنتُنَّ على ذلك؟ فقالت امرأة واحدةٌ -لم يُجبه غيرُها-: نعم يا رسول اللَّه! قال: فَتَصَدَّقنَ. قال: وبَسطَ بلالٌ ثوبَهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ (٢) والخواتيمَ في ثوبِ بلال] (٣).\nوقوله: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال القاسمي: (أي فبايعهن على الوفاء بذلك، وسل اللَّه لهن مغفرة ذنوبهن، والعفو عنها، فإنه غفور رحيم لمن تاب منها).\n\n١٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾.\nفي هذه الآية: تجديدُ النهي عن موالاة الكافرين، كما ابتدأ ذلك في أول هذه السورة التي هي منهاج كامل للمؤمنين، في قواعد الولاء للمسلمين والبراء من المشركين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، ورواه أحمد في المسند (٥/ ٣١٤)، وغيرهم.\n(٢) الفتخ: جمع فتخة، وهي الخاتم لا فصّ له. وقيل: الفتخ: الخواتيم العظام، أو حلق من فضة لا فصّ فيها.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٩٥)، وأخرجه مسلم (٨٨٤) - من حديث ابن عباس.","vol":"8","page":23},{"text":"فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. يشمل سائر الكفار من المشركين والمنافقين واليهود والنصارى ممن غضب اللَّه عليهم.\nوقوله: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾. قال مجاهد: (المعنى يئسوا من ثواب الآخرة). قال النسفي: (لأنهم ينكرون البعث). والمقصود: كيف توالون قومًا وتتخذونهم أولياء وأخلاء وهم آيسون من ثواب الآخرة ونعيمها قد كفروا بالبعث والحساب. قال ابن زيد: (يعني اليهود). وقال الحسن: (هم اليهود والنصارى). وقيل: هم المنافقون. وقال ابن مسعود: (معناه أنهم تركوا العمل للآخرة وآثروا الدنيا).\nوقوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. فيه قولان متكاملان:\nالقول الأول: قد يئس الكفار من الآخرة كما يئسوا من لقاء قراباتهم الذين ماتوا لأنهم لا يؤمنون بالبعث والنشور. قال ابن عباس: (يعني: من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء منهم أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم اللَّه). وقال الحسن: (﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ قال: الكفار الأحياء قد يئِسوا من الأموات). يعني من الاجتماع بهم مرة أخرى. وقال قتادة: (كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا).\nالقول الثاني: قد يئس الكفار الأحياء من ثواب الآخرة وكرامتها كما يئس الكفار الأموات في قبورهم من كل خير حين عاينوا مقاعدهم من النار وذاقوا عذاب البرزخ.\nقال مجاهد: (﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ قال: من ثواب الآخرة حين تبين لهم عملهم، وعاينوا النار).\nواختار ابن جرير القول الثاني، وإن كان القول الأول سالك المعنى، ومن ثمَّ فالإعجاز القرآني يحتمل التأويلين معًا، واللَّه تعالى أعلم.\n\nتم تفسير سورة الممتحنة بعون اللَّه وفضله، وواسع منّه وكرمه ظهر الأحد ٢٠ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٣/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"8","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - لا يجوز للمؤمن أن يوادّ أعداء اللَّه خوفًا على أهله وماله.\n٢ - لعل اللَّه قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.\n٣ - لا توالوا من إذا غلبوكم لا يرحمونكم، ونفعهم منقطع عنكم.\n٤ - على المؤمنين أن يتبرؤوا من الكفار ولو كانوا آباءهم.\n٥ - لا بأس بالإحسان إلى الكفار المسالمين، وخاصة الأرحام والأقربين.\n٦ - من يتولى الكفار فإنه منهم، واللَّه جامع المنافقين والكافرين في جهنم.\n٧ - استثناء استرجاع المهاجرات المؤمنات من شروط صلح الحديبية.\n٨ - فسخ الأنكحة بين المسلمين والمشركين، وللمسلم والمشرك استرداد المهر.\n٩ - بايع الرسول النساء على التوحيد وعدم السرقة والزنى وقتل الأولاد وألا يدخلن على أزواجهن غير أولادهم وألا يعصين في معروف، وما مست يد رسول اللَّه -ﷺ- يد امرأة قط، إنما كان يبايعهن بالكلام.\n١٠ - ليس منا من لطَمَ الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.\n* * *","vol":"8","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>٦١ - سورة الصف</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد في ذكر هذه السورة الكريمة أحاديث من السنة الصحيحة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج الدارمي والترمذي بسند صحيح عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن سلام قال: [قَعدنا نَفَرٌ من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أيَّ الأعمال أحبّ إلى اللَّه تعالى لعملناها، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا﴾ حتى ختمها. قال عبد اللَّه: فقرأها علينا رسول اللَّه -ﷺ- حتى ختمها. قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة. قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي. قال عبد اللَّه: فقرأها علينا ابن كثير] (١). وفي رواية: (قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة وقرأها علينا يحيى وقرأها علينا الأوزاعي وقرأها علينا محمد).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم والبيهقي بسند على شرط الشيخين عن عبد اللَّه بن سلام: [أَنَّ أناسًا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- قالوا: لو أرسلنا إلى رسول اللَّه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الدارمي (٢/ ٢٠٠)، والترمذي (٣٣٠٩)، والحاكم (٢/ ٦٩). وقال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٦٤١): وقع لي سماع هذه السورة مسلسلًا، وإسناده صحيح، قَلَّ أن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوّه.","vol":"8","page":26},{"text":"نَسألُه عن أحبّ الأعمال إلى اللَّه ﷿؟ فلم يذهب إليه أحدٌ منا، وهِبْنَا أن نسألَه عن ذلك، قال: فدعا رسول اللَّه -ﷺ- أولئكَ النفَرَ رجلًا رجلًا حتى جمعهم، ونزلت فيهم هذه السورة: ﴿سَبَّحَ﴾، الصفّ. قال عبد اللَّه بن سلام: فقرأها علينا رسول اللَّه -ﷺ- كُلَّها] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد اللَّه بن سلام قال: [تذاكرنا: أيُّكم يأتي رسول اللَّه -ﷺ- فيسألَهُ: أيّ الأعمال أحبُّ إلى اللَّه؟ فلم يقم أحدٌ منا، فأرسلَ رسول اللَّه -ﷺ- إلينا رجلًا، فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة، يعني سورة الصف كلها] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>موضوع السورة</span>\nوحدة الصف في القتال والقيام وذم التفرق والنفاق والانهزام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-346> منهاج السورة</span>-\n١ - اشتراك جميع الكائنات في تسبيح اللَّه العزيز الحكيم.\n٢ - تحذير المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون، والتنبيه على فضل الجماعة في قتال المشركين.\n٣ - ثناء اللَّه تعالى على منهاج موسى وعيسى ﵉، وتبشير عيسى بالمصطفى سيد الخلق وخير الأنام.\n٤ - ذمّ أهل الفرية والكذب واللَّه لا يوفق القوم الظالمين، الذين يحاولون إطفاء نور اللَّه العظيم.\n٥ - أفضل أنواع التجارة: الإيمان باللَّه والجهاد في سبيله لإعلاء كلمته ونصر دينه.\n٦ - تشجيع المؤمنين لنصر دين اللَّه العظيم، وثناؤه تعالى على الحواريين الصادقين.\n٧ - تأييد اللَّه تعالى بنصره المؤمنين، وكتابته الغلبة للمخلصين المخبتين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٢)، والحاكم (٢/ ٦٩ - ٧٠)، والبيهقي (٩/ ١٦٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٤٥٢) وإسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم.","vol":"8","page":27},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تسبيحُ جميع الكائنات للَّه العزيز الحكيم، وتحذير المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون، والتنبيه على فضل الجماعة في قتال المشركين.\nفقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. إخبار من اللَّه تعالى أن جميع ما في السماوات والأرض من شيء ينزِّهُه ويمجّده ويعظمه ويقدّسه، ويُسَبِّح ويصلي له ويُوَحِّده. كقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. أي: منيعُ الجناب قد عزّ كل شيء وغلبه. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وتدبيره وقدره وشرعه.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. إنكار بليغ على حصول الطلاق بين القول والعمل في حياة المؤمنين.\nروى مسلم في صحيحه عن أبي حَرْب بنِ أبي الأسود، عن أبيه قال: [بُعِثَ أبو موسى الأشعري إلى قُرّاء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثُ مئة رَجُلٍ قد قَرؤوا القُرآن، فقال: أنتم خِيارُ أهل البصرة وَقُرَّاؤُهم، فَاتْلوهُ، ولا يَطولَنَّ عليكم الأمدُ فَتَقْسُوَ قلوبُكم كما قسَتْ قلوبُ مَنْ كان قبلكم، وإنا كُنَّا نَقْرأُ سُورةً، كُنَّا نُشَبِّهُهَا في الطول والشِّدة بسورة براءةَ، فَأُنْسِيتُها، غَيْرَ أني قد حَفِظْتُ مِنها: لو كان لابن آدم واديانِ مِنْ مالٍ لابْتَغى واديًا ثالثًا، ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، وكُنَّا نَقْرَأُ سُورةً","vol":"8","page":28},{"text":"كُنَا نُشَبِّهُها بإحدى المُسَبِّحاتِ فَأُنْسِيتُها، غيرَ أني قد حَفِظتُ منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فَتُكْتَبُ شهادةً في أعناقِكم، فَتُسْألون عنها يوم القيامة] (١).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (كان ناسٌ من المؤمنين قبلَ أن يُفْرَضَ الجهادُ يقولون: لَوَدِدْنا أن اللَّه -﷿- دَلَّنا على أحبِّ الأعمال إليه، فنعملَ به. فأخبر اللَّه نبيَّهُ أن أحبَّ الأعمالِ إيمانٌ به لا شكَّ فيه، وجهادُ أهلِ معصيتهِ الذين خالفوا الإيمان ولم يُقِرُّوا به. فلما نزل الجهادُ كَرهَ ذلك أناسٌ من المؤمنين، وشقَّ عليهم أمرُه، فقال اللَّه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾). رواه ابن جرير واختاره لمعنى الآية.\nقلت: بل الآية عامة في كل عزيمة أو عِدَة أو نذر أو قول لا يفي به المؤمن بعد أن أخذه على نفسه أو عاهد اللَّه عليه. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].\nوفي الصحيحين والمسند ومعظم السنن عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أَرْبَع مَنْ كُنَّ فيه كان منافِقًا خالصًا، ومَنْ كانَتْ فيه خَلَّةٌ مِنْهن كانت فيه خَلَّةٌ مِنْ نِفاقٍ، حتى يَدَعَها: إذا حَدَّثَ كذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا خاصَمَ فَجرَ] (٢).\nوفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر وابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: [لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أن يُعْطِيَ عَطِيَّةً، أو يَهَبَ هِبَةً، فَيَرْجِعَ فيها، إلا الوالِدَ فيما يُعطي ولَدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكُلُ، فإذا شَبعَ قاءَ ثم عادَ في قيئِه] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. تأكيد الإنكار، لتناقض الأقوال مع الأعمال. قال النسفي: (واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض). وقال القرطبي: (و\"مَقْتًا\" نصب بالتمييز، المعنى: كبر قولهم ما لا يفعلون مقتًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠٥٠) - كتاب الزكاة. باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨)، وأبو داود (٤٦٨٨)، والترمذي (٢٦٣٢)، وأخرجه النسائي (٨/ ١١٦)، وأحمد (٢/ ١٨٩ - ١٩٨)، وابن حبان (٢٥٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٥٣٩)، وابن ماجة (٢٣٧٧). انظر صحيح أبي داود (٣٠٢٣).","vol":"8","page":29},{"text":"وقيل: هو حال. والمقت والمَقَاتة مصدران، يقال: رجل مَقيت وممقوت إذا لم يحبه الناس).\nقال الزمخشري: (هذا من أفصح كلام وأبلغه في معناه. قصد في \"كَبُرَ\" التعجب من غير لفظه. ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين. وأسند إلى ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، ونصب \"مقْتًا\" على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص، لا شوب فيه، لفرط تمكّن المقت منه. واختير لفظ \"المقت\" لأنه أشد البغض وأبلغه، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرًا، حتى جعل أشده وأفحشه. و﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند اللَّه، فقد تم كبره وشدته).\nقال الناصر: (وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس، وهو تكراره لقوله: ﴿مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وهو لفظ واحد، في كلام واحد. ومن فوائد التكرار التهويل والإعظام) حكاه القاسمي.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. قال ابن كثير: (فهذا إخبار منه تعالى بمحبة عباده المؤمنين إذا اصطفُّوا مواجهين لأعداء اللَّه في حَوْمَةِ الوغى، يقاتلون في سبيل اللَّه من كفَرَ باللَّه، لتكون كلمةُ اللَّه هي العليا، ودينُه هو الظاهرُ العالي على سائر الأديان). قال ابن عباس: (﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: مُثَبّتٌ، لا يزول، ملصق بعضه ببعض). وقال قتادة: (﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك اللَّه ﷿ لا يحب أن يختلف أمره، وأن اللَّه صفّ المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر اللَّه فإنه عصمة لمن أخذ به).\nيروي الدارمي وصاحب المصابيح بسند حسن عن كعب يحكي عن التوراة قال: [نجد مكتوبًا: محمد رسول اللَّه عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه الشام، وأمته الحمّادون، يحمدون اللَّه في السراء والضراء، يحمدون اللَّه في كل منزلة ويكبرونه على كل شرف، رعاةٌ للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزّرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جوّ السماء، صَفُّهم في القتال وصفّهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل] (١).\n_________\n(١) هذا لفظ المصابيح، ورواه الدارمي مع تغيير يسير. وبعضه في صحيح البخاري (٤٨٣٨).","vol":"8","page":30},{"text":"وأخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن، والطبراني بإسناد على شرط مسلم عن يزيد بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير قال: [قال مُطَرِّفٌ: كان يبلغني عن أبي ذَرّ حديثٌ كنت أشتهي لقاءَه، فلقيتُه فقلتُ: يا أبا ذرٍّ، كان يبلغني عندك حديثٌ فكنت أشتهي لقاءَك. فقال: للَّه أبوك! فقد لقيتَ، فهاتِ. فقلتُ: كان يبلغني عنك أنك تزعمُ أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- حَدَّثكم: أن اللَّه يحبُّ ثلاثةً ويُبْغِض ثلاثةً؟ قال: أجَل، فلا إخالُني أكذِبُ على خليلي -ﷺ-. قلت: فَمَن هؤلاء الثلاثة الذين يحبُّهم اللَّه؟ قال: رجُلٌ غَزَا في سبيل اللَّه، خرَج مُحْتَسِبًا مُجاهدًا فلقي العدوَّ فَقُتِلَ، وأنتم تجدونَهُ في كتاب اللَّه المنزَّل، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾] الحديث (١).\n\n٥ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: بيانٌ من اللَّه تعالى أنَّ موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل اللَّه، وقد حَلَّ العقاب بمن خالفهما، وقد بشَّر عيسى بالمصطفى عليهما الصلاة والسلام.\nفقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾. تسلية للنبي -ﷺ- عما يلقاه من أذى قومه، فها هو موسى قد أوذي من قبله فصبر. وفيه نهيِ للمؤمنين عن إيذاء نبيهم مثل قوم موسى. كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: [قَسَمَ رسول اللَّه -ﷺ- قِسمةً، فقال رجلٌ من الأنصار: واللَّه ما أرادَ محمدٌ بهذا وَجْهَ اللَّه، فأتيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- فأخبرتهُ فتَمَعَّرَ وَجْهُهُ، وقال: رحِمَ اللَّه موسى، لقد أوذِيَ بأكثرَ مِنْ هذا فصَبَرَ] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٥٣)، والنسائي (٥/ ٨٤)، والترمذي (٢٥٦٨)، وابن حبان (٣٣٤٩)، والحاكم (٢/ ١١٣)، والطبراني (١٦٣٧) بإسناد على شرط مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٥٩) - كتاب الأدب، وانظر كذلك (٣١٥٠).","vol":"8","page":31},{"text":"ومن إيذاء بني إسرائيل لموسى ﵇: رَمْيُه بالأدْرة، وقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، وغير ذلك من محاولات الاتهام والعِناد.\nقال القرطبي: (﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ والرسول يحترم ويعظَّم. ودخلت \"قَدْ\" على ﴿تَعْلَمُونَ﴾ للتأكيد، كأنه قال: وتعلمون علمًا يقينًا لا شبهة لكم فيه).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. أي: فلما عدلوا ومالوا عن الحق والهدى، عدَلَ اللَّه بقلوبهم فأمالها عن الرشد والهداية إلى الزيغ والضلال. وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب الضلال كما جاء في الكتاب والسنة.\nفمراتب الضلال: أولًا - مرتبة الضياع والانحراف: وهي نتيجة رفض الحق وطريق الرسل.\nثانيًا - مرتبة الترك والإهمال والتناسي والخذلان: وهي نتيجة للغور في البعد عن اللَّه، وتعمد ما يسخطه.\nثالثًا - مرتبة الهداية إلى النار يوم القيامة.\nفقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. يدل على المرتبة الثانية مرتبة الترك والخذلان، فيختم اللَّه على قلوب أصحابها فلا طريق للحق إليها.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأيّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال النسفي: (أي لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٨٩ - ٩٠). والكوز مجخيًا: أي منكوسًا.","vol":"8","page":32},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.\nأي: واذكر لقومك يا محمد هذه القصة أيضًا -قصة عيسى بن مريم ﵇- إذ بعثه اللَّه إلى بني إسرائيل بالإنجيل مصدقًا ما تقدمه من كتاب، وهو التوراة التي بشّرت به. ولم يقل عيسى لهم ﴿يَاقَوْمِ﴾ كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه.\nوقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. أي: وكما بشرت التوراة بعيسى، فإن عيسى بشَّر بمحمد -عليهما الصلاة والسلام-.\nقال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]: حَدَّثنا أبو اليَمان: أخبرنا شُعيب عن الزُّهري قال: أخبرني محمد بن جبير ابنِ مطعم، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [إنَّ لي أسماءً: أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي الذي يَمْحو اللَّه بي الكُفرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ الناس على قدمي، وأنا العاقِب] (١). والعاقب الذي ليس بعده نبي.\nوفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يُسَمِّي لنا نَفْسَهُ أسماءً، فقال: أنا محمدٌ، وأحمدُ، والمُقَفِّي، والحاشِرُ، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ الرحمة] (٢).\nوفي التنزيل: إثبات لتلك البشائر في التوراة والإنجيل وميثاق الأنبياء:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. قال ابن عباس: (ما بعث اللَّه نبيًا إلا أخذ عليه العهد: لئن بُعِثَ محمدٌ وهو حيٌّ لَيتبعنَّه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بُعِثَ محمد وهم أحياء لَيتَّبعُنَّه ويَنْصُرنَّهُ).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٩٦) - كتاب التفسير، وكذلك (٣٥٣٢) في المناقب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٣٥٥) - كتاب الفضائل. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٩٥)، (٤/ ٤٠٤).","vol":"8","page":33},{"text":"ومن كنوز السنة العطرة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند جيد عن خالد بن مَعْدان، عن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أنهم قالوا: يا رسول اللَّه! أخبرنا عن نفسك. قال: [دعوة أبي إبراهيم، وبُشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصور بُصرى من أرض الشام] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي أمامة قال: [قلتُ يا نبي اللَّه! ما كان بَدْءُ أَمرِكَ؟ قال: دعوةُ أبي إبراهيم، وبُشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرجُ منها نورٌ أضاءت له قصور الشام] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن العِرباض بن سارية قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إني عند اللَّه لخاتَمُ النبيّين وإنَّ آدم لَمُنْجَدِل في طينته، وسأنبئكم بأوَّل ذلك، دعوةُ إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت] (٣).\nوجاء في التوراة: (أن نبيًا سيظهر في مكة، -وهو أحد أبناء إسماعيل ﵇- وأن اسْمَه يرتفع فيها، وأنه يركب الجمل، وأنه يحارب بالسيف، وأنه ينتصر هو وأصحابُه، وأنه يُبارك عليه في كل يوم -وهذا ما يفعله المسلمون عند التشهد-، وأن ملوك اليمن تأتيه بالقرابين، وأن علامة سلطانه على كتِفه بقدْرِ بيضة الحمام) (٤).\nوجاء في إنجيل بَرْنابا (باب: ٢٢٠): أن عيسى ﵇ قال لأتباعه: (وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمدٌ رسول اللَّه الذي متى جاء كشفَ هذا الخِداع للذين يؤمنون بشريعة اللَّه).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. أي: بَيِّن. قال ابن جُريج: (﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال: أحمد). وقيل: عيسى. واختار ابن جرير وابن كثير والقاسمي وغيرهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٦٠٠)، والطبري (٢٠٧٥)، والبيهقى في \"الدلائل\" (١/ ٨٣) وإسناده جيد، وجهالة الصحابي لا تضر، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٦٢)، وكذلك الطيالسي (١١٤٠)، ورواه ابن سعد (١/ ١٠٢)، وإسناده لا بأس به، وله شواهد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٢٧)، وأخرجه الطبري (٣٤٠٥٤)، ورواه الحاكم (٢/ ٤١٨)، وله شواهد.\n(٤) انظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٤٢)، وسِفْر التَّكوين (٢١: ٢٢).","vol":"8","page":34},{"text":"أنه أحمد -﵊. قال ابن كثير: (أي: المُبَشَّر به في الأعصار المتُقَادمة المُنَوَّه بِذِكْرِهِ في القرون السالفة، لما ظهر أمرُه وجاء بالبينات قال الكفرة المخالفون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾). قال القاسمي: (والإشارة إلى ما جاء به أو إليه، ﵊، وتسميته سحرًا مبالغة. يريد ﵇: أن ديني التصديق بكتب اللَّه وأنبيائه جميعًا، ممن تقدّم وتأخّر).\nفائدة: الفرق بين أحمد ومحمد -ﷺ-.\nقال ابن القيم في \"جلاء الأفهام\": (الفرق بين محمد وأحمد من وجهين:\nأحدهما: أن محمدًا هو المحمود حمدًا بعد حمد، فهو دالّ على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه. و﴿أَحْمَدُ﴾ أفعَل تفضيل من الحمد، يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقّه غيره. فمحمد زيادة حمد في الكمية، وأحمد زيادة في الكيفية، فيحمد أكثر حمد، وأفضل حمد حمده البشر.\nوالوجه الثاني: أن محمدًا هو المحمود حمدًا متكررًا كما تقدم، وأحمد هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره. فدلّ أحد الاسمين -وهو محمد- كونه محمودًا. ودل الاسم الثاني -وهو أحمد- على كونه أحمد الحامدين لربه).\n\n٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: ذمُّ من اختار سبيل الفرية والكذب على اللَّه طريقًا له واللَّه لا يوفق القوم الظالمين، الذين يحاولون إطفاء نور اللَّه واللَّه ناصر دينه ومظهر رسوله ولو كره المشركون.\nفقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾. أي: لا أحد أظلمُ ممن يختار سبيل الفِرية والكذب على اللَّه وقد ظهر أمر الدين الحق بالبينات والمعجزات، فهو يُدعى إلى التوحيد والإخلاص ويأبى إلا البقاء على الشرك والرياء. قال القرطبي: (هذا تعجُّب ممن كفر بعيسى ومحمد بعد المعجزات التي ظهرت لهما).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. أي: جزاء وفاقًا. فإنّ مقابلة الفرية والكذب إنما","vol":"8","page":35},{"text":"هو بالختم والطبع، والترك والنسيان، والإهمال والخذلان.\nوقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. قال ابن زيد: (نور القرآن). قلت: والأشمل أن يقال نور الإسلام الممثل بالوحيين: القرآن والسنة المطهّرة، فإنه يؤذي أعين الطغاة ويحرق بإشعاعه قلوبهم، فناصبوه العداء لمنع انتشار نوره، ولكنهم بذلك كمن يحاول إطفاء نور الشمس بفيه. قال ابن جرير: (يقول: يريدون ليبطلوا الحق الذي بعث اللَّه به محمدًا -ﷺ- بأفواههم يعني بقولهم إنه ساحر، وما جاء به سحر، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ يقول: اللَّه معلن الحق، ومظهر دينه، وناصر محمدًا ﵊ على من عاداه، فذلك إتمام نوره).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. أي: واللَّه متم الحق ومبلغه غايته، ومظهر نبيه وصحابته، والطائفة التي على منهاج النبوة، ولو كره الكافرون وأغاظهم ذلك.\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. قال النسفي: (أي الملة الحنيفية). وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة له. قال مجاهد: (إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام).\nوقوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. أي: ولو أغاظ ذلك أهل الشرك والكفر والطغيان.\nوفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: [لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم -ﷺ- فيقول أميرهم: تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضَكم على بعض أمراءُ، تَكْرِمَةَ اللَّه هذه الأمة] (١).\nوكذلك أخرج الإمام مسلم عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خَذَلَهُمْ حتى يأتيَ أمر اللَّه وهم كذلك] (٢).\nوله شاهد عنده من حديث المغيرة بلفظ: [لنْ يزالَ قوم من أمتي ظاهرين على الناس، حتى يأتيهم أمر اللَّه، وهم ظاهرون].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٦) - كتاب الإيمان، من حديث أبي الزبير عن جابر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩٢٠) - كتاب الإمارة. وانظر للشاهد حديث رقم (١٩٢١).","vol":"8","page":36},{"text":"١٠ - ١٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: بيانُ أفضل أنواع التجارة، إنه الإيمان والجهاد لنيل رضوان اللَّه والمغفرة، ونصره -تعالى- في الدنيا والفوز في الآخرة.\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: تخلصكم من عذاب موجع في نار جهنم. قال قتادة: (فلولا أن اللَّه بَيَّنها، ودلَّ عليها المؤمنين، لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها، حتى يضنوا بها، وقد دلكم اللَّه عليها، وأعلمكم إياها فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: الحمد للَّه الذي بَيَّنها).\nوقد تقدم حَديث الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن سلام قال: [تذاكرنا: أيّكم يأتي رسول اللَّه -ﷺ- فَيَسْألَهُ: أيّ الأعمال أحبّ إلى اللَّه؟ فلم يقم أحدٌ منا، فأرسل رسول اللَّه -ﷺ- إلينا رجلًا، فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة، يعني سورة الصف كلها] (١).\nومن ضمن هذه السورة هذه الدعوة إلى هذه الصفقة العظيمة من التجارة الرابحة: الإيمان والجهاد. فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إيمانًا يقينيًا لا يشوبه أدنى شك. فناداهم بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم دعاهم إلى الصدق في هذا الإيمان حتى تحصل النجاة ويكون الظفر بالصفقة الكبيرة. وهو كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦].\nثم عطف على الإيمان الجهاد في سبيل اللَّه بالأموال والأنفس. قال القرطبي: (ذكر الأموال أولًا لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال القاسمي: (أي من أهل العلم. أو أنه خير). والمقصود: هذه التجارة التي ذكرت لكم في صدق الإيمان وفي الجهاد ببذل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٤٥٢) وإسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم.","vol":"8","page":37},{"text":"الأموال والأنفس، خير لكم من تجارة الدنيا، والكدِّ لها والتصدي لها وحدَها. فهو من باب إلهاب الحمية للطاعة، والاستثارة بلفظ \"التجارة\" للباعة، فإن اللَّه اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة.\nوقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.\nقال ابن كثير: (أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودَلَلتُكُم عليه غَفَرتُ لكم الزّلات، وأدخلتكم الجنَّات، والمساكن الطيبات، والدرجات العاليات).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ذلك النجاء العظيم من نكال الآخرة وأهوالها).\nوقوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾. قال الفرّاء: (\"أخْرى\" معطوفة على ﴿تِجَارَةٍ﴾ فهي في محل خفض). والمقصود: وتجارة أخرى تحبون الظفر بأرباحها وجوائزها.\nوقيل: بل محلها الرفع على الابتداء، والمعنى: أي: ولكم خصلة أخرى سوى ذلك في الدنيا تحبونها: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾. قلت: وكلا التأويلين يحتمله الإعجاز القرآني والبيان الإلهي.\nوقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾. قال القرطبي: (أي هو نصر من اللَّه، فـ ﴿نَصْرٌ﴾ على هذا تفسير ﴿وَأُخْرَى﴾. وقيل: رفع على البدل من \"أخْرى\" أي ولكم نصر من اللَّه. ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي غنيمة في عاجل الدنيا، وقيل فتح مكة. وقال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم).\nوقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي بهذا النصر على عدوهم، والفتح العاجل لهم، وما يرافق ذلك من الرضا عنهم، ويعقبه نعيم الجنة عرّفها لهم.\n\n١٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾.\nفي هذه الآية: تشجيعُ اللَّه المؤمنين على نصر دين اللَّه العظيم، كما نصر الحواريون عيسى بن مريم ومنهاج النبوة الكريم، وقد كتب اللَّه النصر والغلبة للصادقين المخبتين.","vol":"8","page":38},{"text":"فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ﴾. ابتداء خطاب من اللَّه، أي: كونوا - معشر المؤمنين أنصارًا للَّه في جميع أقوالكم وأفعالكم. وقيل: بل التقدير: قل لهم يا محمد كونوا أنصار اللَّه. والأول أنسب للسياق.\nوقوله ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. الحواريّون: خواص الرسل. قال القرطبي: (أكّدَ أمر الجهاد، أي كونوا حوارِيّ نبيِّكم ليظهركم اللَّه على من خالفكم كما أظهر حواريّ عيسى على من خالفهم). قال ابن كثير: (﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مَنْ معيني في الدعوة إلى اللَّه ﷿؟ ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ -وهم أتباع عيسى ﵇-: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، أي: نحن أنصارُكَ على ما أُرسلت به ومؤازِرُوك على ذلك. ولهذا بعثهم دعاةً إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيليين واليُونانيين).\nوعن قتادة: (قد كانت للَّه أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه. قال: جاءه سبعون رجلًا فبايعوه عند العقبة، فنصروه وآوَوْه حتى أظهر اللَّه دينه).\nوقوله: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾. أي: اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به عيسى ﵇، وجحدت طائفة أخرى نبوّته، ورموه وأمَّه بالبهتان والكذب -وهم اليهود- عليهم لعائن اللَّه. وغلت فيه طائفة ممن اتبعه وكانوا شيعًا: منهم من قال: إنه اللَّه. ومنهم من قال: هو ابن للَّه. ومنهم من قال: إنه ثالث ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس. ذكره الحافظ ابن كثير.\nوقوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. أي: فقوّينا الذين آمنوا منهم على عدوهم الذين كفروا بعيسى فأصبحوا غالبين. قال ابن عباس: (أيَّد اللَّه الذين آمنوا في زمن عيسى بإظهار محمد على دين الكفار). وقال مجاهد: (أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى). قلت: وكلا المعنيين حق، فإن المؤمنين في زمان عيسى -﵇- كانوا هم الغالبين، ثم أيَّد اللَّه بقيَّتهم فنصرهم على من عاداهم من فِرق النصارى ببعثة محمد -ﷺ-.\n\nتم تفسير سورة الصف بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه عصر الأربعاء ٢٣ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٦/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م","vol":"8","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - أمقت شيء عند اللَّه أن تقولوا ما لا تفعلون.\n٢ - صفوفُ هذه الأمة في الصلاة وفي القتال سواء، فهي كالبنيان المرصوص تحمل الرعب والرهبة للأعداء.\n٣ - بشارة النبيين وبشارة عيسى بالنبي الأمي العربي محمد -ﷺ-.\n٤ - محمد -ﷺ- هو الماحي الذي يمحو اللَّه به الكفر، والحاشر الذي يُحْشَرُ الناس على قدمه، وهو العاقب الذي ليس بعده نبي.\n٥ - ما أنزل اللَّه الإسلام إلا ليظهره على الأديان عامة ويختمها به.\n٦ - لا تزال طائفة من أمة محمد -ﷺ- ظاهرين على الحق لا يضرّهم من خذلهم إلى يوم القيامة.\n٧ - كان المسلمون الأوائل أنصار محمد -ﷺ- كما كان الحواريون أنصار عيسى -ﷺ-.\n٨ - ألقي شبه عيسى على أحد الحواريين، وجزاؤه الجنة بإذن اللَّه.\n* * *","vol":"8","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>٦٢ - سورة الجمعة</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد جاء ذكر هذه السورة وفضلها وفضل يوم الجمعة في أحاديث من السنة العطرة:\nالحديث الأول: روى مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عباس وأبي هريرة: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين] (١).\nالحديث الثاني: روى مسلم -في كتاب الجمعة- من صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [خير يوم طلعت عليه الشمسُ يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أُدْخِل الجنة، وفيه أخرج منها] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود وابن حبان بسند صحيح عن أوس بن أوسٍ الثقفي ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فيه خُلِقَ آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النفخةُ، وفيه الصعقة، فأكثِروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ. قالوا: وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أَرمْتَ؟ -أي بليت-\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨٧٧)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠)، وأخرجه أبو داود (١١٢٤)، والترمذي (٥١٩)، وابن ماجة (١١١٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٥٤) والذي بعده. وفيه زيادة: (ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)، كتاب الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة.","vol":"8","page":41},{"text":"فقال: إن اللَّه جل وعلا حرَّم على الأرض أن تأكلَ أجسامنا] (١).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد وابن ماجة بلفظ واحد عن أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ يومَ الجمعة سيدُ الأيام، وأعظمها عند اللَّه، وهو أعظمُ عند اللَّه من يوم الأضحى ويوم الفطر، وفيه خمسُ خلالٍ: خلق اللَّه فيه آدم، وأهبط اللَّه فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفّى اللَّه آدم، وفيه ساعة لا يسأل اللَّه فيها العبد شيئًا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة. ما مِنْ ملكٍ مقرَّبٍ، ولا سماء، ولا أرضٍ، ولا رياحٍ، ولا جبالٍ، ولا بحرٍ، إلّا وَهُنَّ يُشفِقْنَ مِنْ يوم الجمعة] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [نحن الآخِرون الأوَّلون يوم القيامةِ، ونحنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتابَ من قَبْلِنا وأوتيناهُ مِن بَعْدهم، فاختلفوا، فهدانا اللَّه لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومُهم الذي اختلفوا فيه، هدانا اللَّه له -قال (٣): يومُ الجمعة- فاليوم لنا، وغدًا لليهود، وبَعْد غَدٍ للنصارى] (٤).\nالحديث السادس: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ هذا يومُ عيد، جعله اللَّه للمسلمين، فمن جاء إلى الجمعة فَلْيَغْتسل، وإن كان طيبٌ فليمَسَّ مِنه، وعليكم بالسواك] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>موضوع السورة</span>\nالجمعة تشريعها وآدابها واختصاص اللَّه هذه الأمة بها\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٠٣٤)، وابن ماجة (١٠٨٥)، والنسائي (٣/ ٩١). ورواه ابن حبان وغيرهم. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٨٨٩).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد، وابن ماجة (١٠٨٤) كتاب الصلاة. باب في فضل الجمعة.\n(٣) أي: قال الرواي مفسرًا لقوله -ﷺ-: \"فهذا يومهم\" أي يوم الجمعة، ويؤيّده ما في رواية النسائي: \"يعني يوم الجمعة\" (١٣٦٥).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥)، كتاب الجمعة.\n(٥) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (١٠٩٨)، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة.","vol":"8","page":42},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-351> منهاح السورة</span>-\n١ - اشتراك جميع الكائنات بتسبيح اللَّه الملك القدوس العزيز الحكيم.\n٢ - امتنان اللَّه تعالى على عباده ببعث رسوله الكريم، يعلمهم الكتاب والسنة ومنهاج هذا الدين القويم.\n٣ - متابعة الأخيار في هذه الأمة نبيهم وأصحابه على منهاج الحق منهاج الرسول الكريم.\n٤ - تشبيهُ الذين نقضوا عهد التوراة بالحمار يحمل كتبًا لا ينتفع بها، ودعوة اليهود لتصديق ادعائهم أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه بتمني الموت في سبيل اللَّه.\n٥ - الأمْرُ بالسعي إلى صلاة الجمعة وتأجيل الصفق في الأسواق وتعظيم هذه الشعيرة العظيمة.\n٦ - إباحة العودة بعد الصلاة لابتغاء الرزق والفضل من اللَّه، والأمر بالتماس ذكره تعالى دومًا فعليه الفلاح في الدنيا والآخرة.\n٧ - عتاب لطيف من اللَّه تعالى لأصحاب نبيه الكرام، في انشغالهم بالعير عن متابعة خطبة نبيهم ﵊.\n٨ - ما عند اللَّه خير وأبقى واللَّه خير الرازقين.\n* * *","vol":"8","page":43},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تسبيحُ جميع الكائنات للَّه الملك القدوس العزيز الحكيم، الذي امتن على عباده بإرسال هذا النبي الكريم، يعلمهم الكتاب والسنة ويتابعهم الأخيار من بعدهم على هذا المنهاج القويم.\nفقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. إخبارٌ من اللَّه تعالى أنه يسبح له كل من في السماوات والأرض من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقوله: ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾. الملك: هو المالك لكل شيء المتصرف فيه. والقدّوس: هو الطاهر من العيوب المتنزِّه عنها. قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يقبض اللَّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (١).\nوفي سنن أبي داود عن عائشة: [أن النبي -ﷺ- كان يقول في ركوعه وسجوده: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨١٢)، (٦٥١٩)، (٧٣٨٢)، ورواه مسلم (٨/ ١٢٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (١/ ١٦٥) من حديث عائشة، ورواه مسلم بنحوه.","vol":"8","page":44},{"text":"وقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. العزيز: الغالب القاهر، والعِزَّة: الغَلَبة. والحكيم: العالم وصاحب الحكمة والمتقن للأمور. وفي التنزيل: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].\nوفي الصحيحين عن ابن عباس: أن نبي اللَّه -ﷺ- كان يدعو عند الكرب: [لا إله إلا اللَّه الحليم الحكيم، لا إله إلا اللَّه ربُّ العرش العظيم. لا إله إلا اللَّه ربُّ السماوات والأرض ورب العرش الكريم] (١).\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: (الأميّون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب). وقيل: الأميّون الذين لا يكتبون. وكذلك كانت قريش. وقوله: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني محمدًا -ﷺ-. وما من حَيّ من العرب إلا ولرسول اللَّه -ﷺ- فيهم قرابة وقد وَلدوُه. قال ابن إسحاق: (إلا حيّ تَغْلِب، فإن اللَّه تعالى طَهَّر نبيّه -ﷺ- منهم لِنَصْرانِيَّتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة. وكان أميًا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم -ﷺ-).\nقال الماوردي (٦/ ٦): (فإن قيل ما وجه الامتنان بأن بعث نبيًا أميًّا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها).\nوكونه بعث في الأميين -أي العرب- لا ينفي عموم بعثته للعالمين، وإنما يكون وجه الامتنان من اللَّه على قومه أبلغ وأكثر، وهذه الآية مصداق إجابة دعوة إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]. فبعثه اللَّه على حين فترة من الرسل، وطموس في السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه.\nوقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فيه البدء بتزكية النفس لتتحمل لوازم العلم، فإن الإيمان أولًا ثم طلب العلم يكون يعقبه، كما قال بعض السلف: (تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا). فقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني القرآن. قال ابن عباس: (﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي يجعلهم أزكياء القلوب\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٦٣٤٥)، (٦٣٤٦)، وصحيح مسلم (٢٧٣٠)، كتاب الذكر والدعاء، وصحيح سنن الترمذي (٢٧٣٢)، ورواه ابن ماجة (٣٨٨٣).","vol":"8","page":45},{"text":"بالإيمان). وقيل: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهّرهم من دنس الكفر والذنوب - قاله ابن جريج. وعن الحسن: (﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السنة). وقال مالك بن أنس: (\"الحِكْمَةُ\" الفقه في الدِّين).\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. أي: وإن كانوا من قبل محمد -ﷺ- لفي كفر وجهالة، وذهاب عن الحق.\nوقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. عطف على ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ أي بعث في الأميّين وبعث في آخرين منهم. أو هو منصوب بالعطف على الهاء والميم في ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين - حكاه القرطبي وقال: (لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندًا إلى أوّله، فكأنه هو الذي تولّى كل ما وجد منه) وقال عكرمة: (﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم التابعون). وقال مجاهد: (هم الناس كلهم، يعني من بعد العرب الذين بُعِث فيهم محمد -ﷺ-). وقال ابن زيد: (هم من دخل في الإسلام بعد النبي -ﷺ- إلى يوم القيامة).\nقلت: وآفاق هذه المعاني في عموم بعثته -ﷺ-، وتصديق العرب والعجم بهذا الدين، والتسابق لحمل لوائه مؤيد في تفسير هذه الآية بروائع من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: [كنا جُلوسًا عند النبي -ﷺ- فَأُنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال: قُلت: مَنْ هُمْ يا رسول اللَّه؟ فَلَمْ يُراجِعْهُ حتى سأل ثلاثًا وفينا سلمانُ الفارسي، وضَعَ رسول اللَّه -ﷺ- يده على سَلْمانَ، ثم قال: لو كان الإيمان عِند الثريا لنالَهُ رجالٌ أو رجُلٌ مِنْ هؤلاء] (١).\nوقد صَحَّ بلفظ آخر: [لو كان الدينُ عند الثريا لذهبَ به رجلٌ من فارس، أو قال: من أبناء فارس حتى يتناوله] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم بإسناد على شرط البخاري عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قال النبي -ﷺ-: [رأيت غنمًا كثيرة سوداء، دخَلَت فيها غَنَمٌ كثيرةٌ بيض.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٩٧)، كتاب التفسير، سورة الجمعة (٣)، وأخرجه مسلم (٢٥٤٦)، والترمذي (٣٣١٠)، وأحمد (٢/ ٤١٧)، والنسائي في \"التفسير\" (٦١٢)، وأخرجه الطبري في \"التفسير\" (٣٤٠٨٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦/ ١٩١)، وأحمد (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩) عن أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"8","page":46},{"text":"قالوا: فما أوَّلْتَهُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: العَجَم، يَشْرَكونَكُم في دينكم وأنسابكم. قالوا: العجم يا رسول اللَّه؟ قال: لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من العجم، وأسعد بهم الناس] (١).\nالحديث الثالث: أخرج أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" بسند حسن من طريق عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- مرفوعًا: [رأيتُ الليلة غنمًا سودًا تَتْبَعُني، ثم أَرْدَفتها غنم عُفْرٌ، فقال أبو بكر: تلك العرب اتَّبَعَتْكَ، ثم أردفَتْها الأعاجم. فقال -ﷺ-: كذلكَ عَبَّرَها الملك بِسَحَر] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج ابن أبي عاصم في \"السنة\" بسند صحيح عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ في أصلاب أصلاب أصلاب رجال رجالًا ونساءً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾] (٣).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال النسفي: (في تمكينه رجلًا أميًا من ذلك الأمر العظيم وتأييده عليه واختياره إياه من بين كافة البشر).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يعني: ما اختص اللَّه به محمدًا -ﷺ- من النبوة العظيمة، وما خصّ به أمّته من بعثته الكريمة. قال ابن عباس: (الفضل: الدين). وقال مقاتل: (الوحي والنبوة). وقيل: (إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي -ﷺ- ودخولهم في دينه ونصرته). وقيل: إنه المال ينفق في طاعته. ودليله ما في صحيح البخاري ومسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة: [أنَّ فقراء المهاجرين أتوا رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: ذهبَ أهل الدُّثور (٤) بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال: \"وما ذاك\"؟ قالوا: يُصَلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدّقون ولا نتصدق ويُعتقون ولا نُعتق. فقال رسول اللَّه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٩٥) وقال: \"صحيح على شرط البخاري\" ووافقه الذهبي، وأقره الألباني بقوله: (وهو كما قالا). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠١٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٩) (١/ ١٠) بنحوه. وانظر كذلك (١/ ٢٠٩). وسلسلة الأحاديث الصحيحة ص (١٥) -المجلد الثالث- عقب الحديث (١٠١٨).\n(٣) إسناده صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" -حديث رقم- (٣٠٩)، والطبراني (٦٠٠٥) وسنده حسن. ورواه ابن مردوديه كما في \"الدر\" (٦/ ٢١٥)، وجوّده الهيثمي (١٨٧٠٢) ووافقه الألباني في تخريج كتاب: \"السنة\" (٣٠٩).\n(٤) الدثور: جمع دثر، وهو المال الكثير.","vol":"8","page":47},{"text":"-ﷺ-: \"أفلا أعلمكم شيئًا تُدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنَعَ مثل ما صنعتم\"؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: \"تسبّحون وتكبّرون وتحمدون دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة\". قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾] (١).\nقلت: وجميع ما ذكر من اختصاص اللَّه محمدًا -ﷺ- بالنبوة، واختصاص أمته باستقبال بعثته، وانقياد الناس إليه ودخولهم في دينه ونصرته، وتسابق بعض العرب والعجم لحمل لواء شريعته، وإنفاق بعض الأغنياء في سبيل نشر دعوته، كل ذلك داخل في مفهوم هذه الآية.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن عباس: (حيث ألحق العجم بقريش). وقال: (يقول: واللَّه ذو الفضل على عباده، المحسن منهم والمسيء، والذي بعث فيهم الرسول منهم وغيرهم، العظيم الذي يقلّ فضل كل ذي فضل عنده).\n\n٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تشبيه الذين أوتوا التوراة من اليهود والنصارى وقد كُلفوا العمل بها فلم يعملوا بها، ثم كذبوا بمحمد -ﷺ- ولم يؤمنوا بالوحي والنبوة، بالحمار يحمل على ظهره كتبًا من كتب العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما بداخلها، ودعوة اليهود لتصديق ادعائهم أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه بتمني مفارقة هذه الحياة إلى دار الخلود وجنات النعيم،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٢٩)، (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥)، وابن حبان (٢٠١٤)، وأخرجه البيهقي (٢/ ١٨٦) من حديث أبي هريرة.","vol":"8","page":48},{"text":"ولكنهم أحرص الناس على الحياة واللَّه عليم بالظالمين.\nقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾. قال ابن عباس: (﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي كُلّفوا العمل بها). وقال الجُرجاني: (هو من الحَمالة بمعنى الكفالة، أي ضمنوا أحكام التوراة).\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. أي تركوا العمل بها، وأهملوا التحاكم إليها.\nوقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. أسفارًا: جميع سِفْر، وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال مجاهد: (﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ يحمل كتبًا لا يدري ما فيها، ولا يعقلها). وقال مَيمون بن مِهْران: (الحمار لا يدري أسِفْر على ظهره أم زِبيل، فهكذا اليهود). قال القرطبي: (وفي هذا تنبيه من اللَّه تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه، لئلا يلحقه من الذمّ ما لحق هؤلاء).\nقلت: وقد جاء في السنة الصحيحة نحو ما جاء في هذه الآية مما يعيب اليهود، ويحذر أمة محمد -ﷺ- أن تسلك مسلكهم.\nفقد أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي موسى عن النبي -ﷺ- قال: [إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه وتركوا التوراة] (١).\nوكذلك أخرج الطبراني بسند صحيح عن خَبّاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن بني إسرائيل لما هلكوا قصُّوا] (٢).\nقال المناوي: (أي لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص، وعولوا عليها، واكتفوا بها).\nقلت: وما أشبه حال المسلمين اليوم بهذا الحال الذي حُذّروا من اتباعه، فإن كثيرًا من وعاظهم انصرفوا إلى الوعظ بالقصص والأخبار الواهية، والحكايات والإسرائيليات البالية، تاركين منهج الفقه والعلم النافع الذي يعرف الناس بدينهم الحق، والذي يحملهم على العمل الصالح والدأب والتحصيل النافع.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الكبير\" بسند حسن. انظر \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٧٢)، وكذلك صحيح الجامع الصغير (٢٠٤٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (رقم - ٣٧٠٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٦٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٨١).","vol":"8","page":49},{"text":"أخرج الحاكم بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لتركبنَّ سُنَنَ من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أنّ أحدهم دخل جُحْرَ ضب دخلتم، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم] (١).\nوقوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. أي: بئس مثل القوم المثل الذي ضربناه لهم. قال ابن القيم في \"أعلام الموقعين\": (قاسَ من حَمَّلَهُ سبحانه كتابَهُ ليؤمِنَ به ويتدبّره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبّر ولا تفهّم ولا اتباع له، ولا تحكيم له، وعمل بموجبه -كحمار على ظهره زاملة أسفار، لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظّه من كتاب اللَّه كحظّ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره. فهذا المثل، وإن كان ضُرِب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى، لمن حمل القرآن، فترك العمل به، ولم يؤدّ حقّه، ولم يرعه حق رعايته).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. أي: واللَّه لا يوفق القوم الذين اختاروا ظلم أنفسهم، بكفرهم بآيات ربهم. وقيل: واللَّه لا يهدي من سبق في علمه أن يكون كافرًا.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. -هادوا-: من هادَ يهود إذا تهوّد. والمقصود: لما ادّعت اليهود الفضيلة بأنهم أبناء اللَّه وأحباؤه من دون الناس دُعوا للاختبار الدقيق، فإن للأولياء عند اللَّه الكرامة، ومن ثمَّ قيل لهم: تمنّوا على اللَّه أن يميتكم وينقلكم سريعًا إلى دار كرامته التي أعدها لأولياءه، فتستريحوا من كرب الدنيا وهمومها وغمومها، وتصيروا بعد الموت إلى روح الجنان ونعيمها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم ودعواكم.\nوفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦].\nوقوله: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. أي: لا يتمنى اليهود الموت أبدًا بما\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٥)، والدولابي في \"الكنى\" (٢/ ٣٠)، وله شاهد عند الترمذي، والحاكم (١/ ١٢٩) من حديث عبد اللَّه بن عمرو. وانظر صحيح الجامع (٤٩٤٣).","vol":"8","page":50},{"text":"اجترحوا من ظلم وآثام، وبما اكتسبوا من كفر وفجور وإجرام.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. أي: واللَّه ذو علم بمن أوبق نفسه بالكفر باللَّه ورسله وكان من الظالمين.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود: إن الموت الذي تكرهون تمنّيه وتحذرون وقوعه نازل بكم. وهو كقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].\nوقوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. قال ابن جرير: (ثم يردّكم ربكم من بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة، عالم غيب السماوات والأرض، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: يعني وما شهد فظهر لرأي العين، ولم يغب عن أبصار الناظرين).\nوقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: فيخبركم حينئذ ما كنتم في الدنيا تعملون من الأعمال، سيئها وحسنها، لأنه محيط بجميعها، ثم يجازيكم على ذلك المحسن بإحسانه، والمسيء بما هو أهله).\n\n٩ - ١٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين بالسعي إلى صلاة الجمعة إذا سمعوا النداء لها، والتبكير لسماع خطبتها، وترك البيع والشراء تعظيمًا لهذه الشعيرة العظيمة. وإباحةُ العودة بعد الصلاة إلى ابتغاء الرزق والفضل من اللَّه، والأمر بالتماس ذكره تعالى وتعظيم أمره دومًا، ففي ذلك الفلاح في الدنيا والآخرة.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.\nأمْرٌ بالمبادرة إلى صلاة الجمعة عند سماع النداء لها، وليس المقصود الهرولة إليها. قال قتادة: (والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضيّ إليها). وكان عمر يقرؤها: \"فامضوا إلى ذكر اللَّه\" - ذكره ابن جرير بإسناده.","vol":"8","page":51},{"text":"وقد ثبت النهي عن الإسراع والهرولة إلى صلوات الجماعة عامة عند التوجه إليها.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [إذا سَمِعْتُم الإقامةَ فامشُوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار ولا تُسرعوا، فما أدْرَكْتُم فَصَلُّوا وما فاتكم فأتِمّوا] (١).\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، أن أباه أَخْبَرَهُ قال: [بَيْنَما نحنُ نُصَلِّي مع رسول اللَّه -ﷺ-. فَسَمِعَ جَلَبَةً، فقال: ما شأنُكُم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتُم الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركْتُم فَصَلّوا، وما سبقَكُم فَأَتِمّوا] (٢).\nوَسُمِّيَت الجُمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فأهل الإسلام يجتمعون فيه كل أسبوع مرة في المساجد يستمعون الذكر وموعظة الحق ويتعلمون أمر دينهم، وقد أضلّ اللَّه ﵎ عن الجمعة أهل الكتابين قبلنا فاختار اليهود لعيدهم السبت، والنصارى الأحد، وخبأ اللَّه الجمعة عيدًا لأهل الإسلام.\nففي صحيح مسلم عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أَضَلَّ اللَّهُ عن الجُمعة مَنْ كان قَبْلنا، فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحد، فجاء اللَّه بِنا، فَهدانا اللَّه ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبتَ والأحدَ، وكذلك هم تَبَعٌ لنا يوم القيامة، نحن الآخرون مِن أهل الدنيا، والأوَّلون يَوْمَ القيامة، المَقْضِيُّ لهم قبل الخلائق] (٣).\nوفي رواية: [هُدينا إلى الجمعة وأضَلَّ اللَّه عنها مَنْ كان قَبْلَنا].\nوالمراد بالنداء في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ النداء الثاني الذي كان يُرْفَعُ بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- إذا جلس على المنبر، وأما النداء الأول فإنما زاده عثمان بن عفان ﵁ أيام خلافته لتنبيه الناس وقد كثروا إلى ترك الأسواق والأعمال والاستعداد إلى صلاة الجمعة.\nففي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد قال: [كانَ النداءُ يومَ الجمعة أَوَّلُه إذا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٦)، كتاب الأذان، وكذلك (٩٠٨)، وأخرجه مسلم (٦٠٢)، وابن ماجة (٧٧٥)، وأحمد (٢/ ٥٣٢)، وابن حبان (٢١٤٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٦٠٣)، كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعيًا.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٥٦)، كتاب الجمعة، ح (٢٢)، وانظر كذلك ح (٢٣).","vol":"8","page":52},{"text":"جَلَس الإمامُ على المنبر على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعُمَر، فلما كان عُثمان بعد زَمَنٍ، وكَثُرَ الناسُ، زاد النداءَ الثاني على الزَّوراء] (١). والزَّوراء أرفع دار بالمدينة قرب المسجد، كان يؤذن المؤذن عليها.\nوفي رواية أخرى عن السائب بن يزيد: [أنَّ الذي زاد التأذينَ الثالثَ يَوْمَ الجمعة عثمان بن عفان ﵁ حين كَثُرَ أهل المدينة، ولم يكن للنبي -ﷺ- مؤذِّنٌ غَيرَ واحدٍ، وكان التأذينُ يومَ الجمعةَ حينَ يجلس الإمام -يعني على المنبر-] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>آداب خاصة بيوم الجمعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>الأدب الأول: الغُسْل لصلاة الجمعة:</span>\nفمن السنة الاغتسال قبل المجيء إلى صلاة الجمعة، وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى البخاري عن عبد اللَّه بن عمر قال: سمعت النبي -ﷺ- يخطب على المِنبر فقال: [مَنْ جاءَ إلى الجمعة فليغتسل] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [غُسلُ يومِ الجمعة واجبٌ على كل مُحْتَلِم] (٤).\nالحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [حَقٌّ للَّه على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعةِ أيام، يغسِلُ رأسه وجسَده] (٥).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن جابر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [على كل رجلٍ مسلمٍ في كل سبعة أيام غُسْلُ يومٍ، وهو يومُ الجمعة] (٦).\nقلت: وهذه الأحاديث تدل بمجموعها على وجوب الغسل قبل المجيء لصلاة الجمعة، وإنما هناك قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، فيكون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٩١٢)، كتاب الجمعة، باب الأذان يوم الجمعة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩١٣)، كتاب الجمعة، الباب السابق، وانظر الحديث (٩١٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩١٩)، كتاب الجمعة، ورواه مسلم (٨٤٤) بنحوه.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٧٩)، ومسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (٣/ ٩٣)، ورواه مالك (١/ ١٠٢)، وغيرهم.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٤٩)، والبخاري نحوه (٨٩٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٨٨).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه النسائي في السنن (٣/ ٩٣)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٠٤)، ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٩٥)، وأخرجه ابن حبان (١٢١٩)، وإسناده صحيح.","vol":"8","page":53},{"text":"الوجوب في حق من يكون حاله أو طبيعة عمله يحتاج إلى الغسل لئلا يؤذي برائحته المسلمين.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ تَوضَّأ فأحْسَنَ الوضوء، ثم أتى الجُمعة فاستمعَ وأَنْصَتَ، غُفِرَ له ما بينَهُ وبَيْنَ الجمعة، وزيادَةُ ثلاثةِ أيام، ومَنْ مَسَّ الحصى فقد لغا] (١).\nوفي سنن أبي داود بإسناد حسن عن سمرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [من توضأ يوم الجمعة فبها وَنِعْمَتْ، ومَن اغتسل فهو أفضل] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>الأدب الثاني: التبكير لصلاة الجمعة:</span>\nأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا كان يومُ الجمعة كان على كُلِّ باب من أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون الأوَّلَ فالأوَّل، فإذا جلس الإمام طَوَوا الصُّحفَ وجاؤوا يستمعون الذكر، ومثَلُ المُهَجَّر كَمَثَلِ الذي يُهدي البَدَنَةَ، ثم كالذي يُهدي بقرةً، ثم كالذي يُهْدي الكَبْشَ، ثم كالذي يُهدي الدجاجة، ثم كالذي يُهدي البَيْضَة] (٣).\nوأخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [مَنْ غَسَّلَ واغتسل يومَ الجمعة، وبَكَّرَ وابتكرَ، ومشى ولم يَرْكَب، ودنا من الإمام واستمع ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة أجرُ سنةٍ، أجرُ صيامها وقيامِها] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>الأدب الثالث: لبس أحسن الثياب والتسوك والتماس أجمل الطيب:</span>\nففي الصحيحين من حديث أبي سعيد مرفوعًا: [غُسْل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يَمَسَّ مِنْ طِيب أهله] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٥٧) ح (٢٧)، كتاب الجمعة. ورواه أحمد وأكثر أهل السنن.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٣٥٤)، كتاب الطهارة، باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٤١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٥٠)، كتاب الجمعة. باب فضل التهجير يوم الجمعة.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٤)، وأبو داود (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، وابن ماجة (١٠٨٧)، والنسائي (٣/ ٩٥ - ٩٦)، والبغوي (١٠٦٥)، والحاكم (١/ ٢٨٢).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٧٩)، ومسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (٣/ ٩٣).","vol":"8","page":54},{"text":"وفي مسند أحمد بإسناد حسن عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [من اغتسل يوم الجمعة، ومَسَّ من طيب أهله إن كان عنده، ولبس مِنْ أَحسنِ ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجدَ فيركع إن بدا له، ولم يؤذِ أحدًا، ثم أَنْصَتَ إذا خَرَجَ إمامُه حتى يُصَلّي، كانت كفارةً لما بينها وبين الجمعة الأخرى] (١).\nوفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند حسن عن عائشة أن رسول اللَّه -ﷺ- خَطَبَ الناسِ يوم الجمعة، فرأى عليهم ثيابَ النِّمار، فقال: [ما على أحدِكم إنْ وَجَدَ سعةً أن يَتَّخِذَ ثوبين لِجُمْعَتِهِ سِوى ثَوْبي مِهْنَتِه] (٢).\nوالجمعة واجبة على الرجال الأحرار دونَ النساء والعبيد والصبيان، ويُعذَر المسافر والمريض وقيِّم المريض وما أشبه ذلك من الأعذار.\nففي سنن أبي داود بسند صحيح عن طارق بن شهاب عن النبي -ﷺ- قال: [الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض] (٣).\nوأخرج الدارقطني بسند حسن عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: [ليس على المسافر جمعة] (٤). ورواه الطبراني بلفظ: [ليس على مسافر جمعة].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>ما يستحب من الأذكار والأدعية يوم الجمعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>أولًا: الإكثار من الصلاة والسلام على النبي -ﷺ</span>-:\nفقد أخرج أبو داود وابن ماجة والنسائي بسند صحيح عن أوس بن أوس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ. .] الحديث (٥).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٠)، ورجاله ثقات، وله شواهد كثيرة.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (١٠٧٨) - (١٠٧٩)، وابن ماجة (١٠٩٦). وانظر صحيح سنن أبي داود (٩٥٣). والنِّمار: بردة من صوف تلبسها الأعراب.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٠٥٤)، والبيهقي (١٧٢/ ٣)، والحاكم (٢٨٨/ ١).\n(٤) حديث حسن. أخرجه الدارقطني (٤/ ٤/ ٢)، وانظر صحيح الجامع الصغير (٥٢٨١).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٠٣٤)، وابن ماجة (١٠٨٥)، والنسائي، وقد مضى.","vol":"8","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>ثانيًا: قراءة سورة الكهف:</span>\nأخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- قال: [مَن قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاءَ له من النور ما بين الجمعتين] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>ثالثًا: الإكثار من الدعاء رجاء مصادفة ساعة الإجابة:</span>\nففي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي -واللفظ له- عن جابر ﵁، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبدٌ مسلم يسأل اللَّه ﷿ شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد صلاة العصر] (٢).\nوقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة. قال القرطبي: (﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾: منع اللَّه ﷿ منه عند صلاة الجمعة، وحرّمه في وقتها على من كان مخاطبًا بفرضها. والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما. قال: وخصّ البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا يُنْهى عن البيع والشراء).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: سعيكم إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة إلى ذكر اللَّه، وترك البيع خير لكم من البيع والشراء في ذلك الوقت، إن كنتم تعلمون مصالح أنفسكم ومضارها).\nوقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. هذا أمر إباحة. قال الضحاك: (هذا إذن من اللَّه، فمن شاء خرج، ومن شاء جلس).\nوقوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. أي من رزقه. قال ابن كثير: (لما حَجَرَ عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أذِن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل اللَّه).\nوقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أي عند البيع والشراء وفي شأنكم كله. قال القاسمي: (أي اذكروا أمره ودينه وشرعه دائمًا، لتصير ملكة لكم، تظهر آثارها على أعمالكم وأخلاقكم، فتفلحوا بسعادة الدارين). وعن مجاهد: (لا يكون العبدُ من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٣٦٨/ ٢)، والبيهقي (٢٤٩/ ٣)، وإسناده صحيح.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٨٥٣)، وصحيح الترغيب (٧٠٥)، ورواه الحاكم على شرط مسلم، ورواه أبو داود والنسائي -واللفظ له- وله شواهد كثيرة بألفاظ مقاربة.","vol":"8","page":56},{"text":"الذاكرين اللَّه كثيرًا حتى يذكر اللَّه قائمًا وقاعدًا ومُضْطَجِعًا).\nقلت: وذكر اللَّه يشمل التسبيح والتهليل والدعاء والصلاة على النبي ﵇. ويشمل تلاوة القرآن ومطالعة السنة وهدي خير الأنام. كما يشمل ملاطفة الخلق واختيار أجمل القول مع الوالدين والزوجة والأبناء والأرحام.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يقول اللَّه تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، واللَّهِ للَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة بسند حسن عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: [من دخل السوق فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتبَ اللَّه له ألفَ ألفِ حسنة، ومحا عنه ألف ألفِ سيئة، ورفعَ له ألفَ ألفِ درجة، وبنى له بيتًا في الجنة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد، وأبي هريرة قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصَلّيا أو صلّى ركعتين جميعًا كُتِبَا في الذاكرين والذاكرات] (٣). وفي رواية: [إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ أهله وصليا ركعتين كُتِبا من الذاكرين اللَّه كثيرًا والذاكرات].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٦٧٥)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي، وابن ماجة (٢٢٣٣). انظر صحيح ابن ماجة (١٨١٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٣٠٩)، أبواب قيام الليل. وانظر صحيح سنن أبي داود (١١٦١). ورواه النسائي وابن ماجة والحاكم. انظر: صحيح الجامع (٣٣٠).","vol":"8","page":57},{"text":"١١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾.\nفي هذه الآية: عتابٌ لطيف من اللَّه تعالى لصحابة نبيه -ﷺ- في انشغالهم بالعير وبهجة قدومها عن متابعة خطبته ﵊ يوم الجمعة، فما عند اللَّه خير وأبقى واللَّه خير الرازقين.\nأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن جابر بن عبد اللَّه قال: [بينما نحن نصلي مع النبي -ﷺ- إذْ أقْبَلَت عِيرٌ تحْمِلُ طعامًا فالتفتوا إليها، حتى ما بقيَ مع النبي -ﷺ- إلا اثْني عشَرَ رجلًا، فنَزَلتْ هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾] (١).\nولفظ الترمذي: [بينما النبي -ﷺ- يخطب يوم الجمعة قائمًا، إذ قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلًا فيهم: أبو بكر، وعمر، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾].\nوأخرج الطبري بسند رجاله رجال الصحيح عن جابر بن عبد اللَّه قال: [كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرّون بالكبر والمزامير ويتركون النبي -ﷺ- قائمًا على المنبر، وينفضون إليها، فأنزل اللَّه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾] (٢).\nوقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. فيه دليل أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائمًا.\nوفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: [كانت للنبي -ﷺ- خُطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويُذَكِّر الناس] (٣).\nوقوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ما عند اللَّه من الثواب وحسن المآب خيرٌ من لذة اللهو وفائدة التجارة، فثواب انصرافكم إلى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩٣٦)، كتاب الجمعة. وكذلك (٢٠٥٨)، (٤٨٩٩)، وأخرجه مسلم (٨٦٣) ح (٣٦)، (٣٧)، (٣٨)، والترمذي (٣٣١١)، وأحمد (٣/ ٣١٣).\n(٢) أخرجه الطبري في \"التفسير\" -حديث رقم- (٣٤١٤٥) ورجاله رجال الصحيح، وكذلك أخرجه أبو عوانة في صحيحه، وذكره الحافظ في الفتح. وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي- سورة الجمعة، آية (١١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨٦٢) ح (٣٤) من حديث جابر بن سمرة.","vol":"8","page":58},{"text":"الصلاة وسماع العلم وتعظيم معالم الشرع لا يعدله كسب من أرزاق الدنيا.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لمن توكل عليه، وطلب الرزق في وقتِه). وقال القرطبي: (﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي خير من رزق وأعطى، فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نَيْلِ ما عنده من خيري الدنيا والآخرة).\n\nتم تفسير سورة الجمعة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت ٢٦ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٩/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"8","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه قُبض، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة إجابة.\n٢ - أكثروا الصلاة على نبيكم يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليه.\n٣ - كان -ﷺ- يقرأ في صلاة الجمعة بسورتي \"الجمعة والمنافقون\".\n٤ - نزول الرسالة في العرب لا ينافي كونها للناس كافة.\n٥ - مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ينفذوا أحكامها كمثل الحمار يحمل أسفارًا.\n٦ - لو باهل اليهود رسول اللَّه لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا.\n٧ - من السنة الاغتسال والتبكير للجمعة، ووجوب ترك البيع والإنصات، والجمعة إلى الجمعة كفارة للخطايا بينهما.\n٨ - لا ظهر بعد الجمعة، وحرمةُ ترك الخطيب، وصحة الجمعة بالنفر القليل.\n٩ - من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين.\n١٠ - يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبدٌ مسلمٌ يسأل اللَّه ﷿ شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد صلاة العصر.\n١١ - يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين، وفي الجنة سوق يأتونها يوم الجمعة.\n١٢ - البقاء لما عند اللَّه من الأجر خير من اللهو والتجارة.\n* * *","vol":"8","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>٦٣ - سورة المنافقون</span>\nوهى سورة مدنية، وعدد آياتها (١١).\nأخرج البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم قال: [كُنْتُ في غَزَاة فسَمِعْتُ عبدَ اللَّه بن أُبيّ يقول: لا تُنْفِقُوا على من عند رسول اللَّه حتى يَنْفَضُّوا من حَوْلِهِ، ولئن رجعنا مِنْ عِنده لَيُخرجَنَّ الأعزّ منها الأذلّ، فذكرت ذلك لعمي أو لِعُمَر فَذَكرَهُ للنبي -ﷺ- فَدَعاني فَحَدَّثْتُهُ، فأرسلَ رسول اللَّه -ﷺ- إلى عبد اللَّه بن أُبيّ وأصحابِه فَحَلَفُوا ما قالوا، فَكَذَّبني رسولُ اللَّه -ﷺ- وصَدَّقَهُ، فأصابني هَمٌّ لَمْ يُصِبْني مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ في البيتِ فقال لي عَمِّي: ما أرَدْتَ الى أن كَذَّبَكَ رسول اللَّه -ﷺ- ومَقَتَكَ؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فبعث إليَّ النبي -ﷺ- فقرأ فقال: إنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يا زَيْدُ] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>موضوع السورة</span>\nفضح المنافقين وكشف صفاتهم\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-363> منهاج السورة</span>-\n١ - فضحُ المنافقين في كذبهم وكفرهم بالدين، وضخامة أجسادهم وفصاحة أقوالهم لا تخدع أهل اليقين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٠٠)، كتاب التفسير، وانظر كذلك (٤٩٠١)، (٤٩٠٤)، وأخرجه مسلم (٢٧٧٢)، والترمذي (٣٣١٢)، (٣٣١٣).","vol":"8","page":61},{"text":"٢ - المنافقون يحسبون كل صيحة عليهم، وهم العدو الذي يجب الحذر من مكرهم.\n٣ - كَشْفُ استكبار المنافقين وزهدهم في مغفرة اللَّه الكريم، وتقرير اللَّه تعالى أن العزة له ولرسوله وللمؤمنين.\n٤ - تحذير المؤمنين من سبيل النفاق والمنافقين، والأمر بالإنفاق في سبيل اللَّه لإعتاق النفوس من الجحيم.\n٥ - لا يؤخر اللَّه نفسًا إذا جاء أجلها واللَّه خبير بما تعملون.\n* * *","vol":"8","page":62},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: فضحُ اللَّه تعالى المنافقين، في شهادتهم وأيمانهم الكاذبة وهم يصدون عن سبيل اللَّه وعن رسوله الكريم، فلقد آمنوا ثم كفروا فهم لا يفقهون، ولهم أجساد مستوية وصور مهيبة وفصاحة في القول ولكن قلوبهم خاوية من الإيمان، ويحسبون كل صيحة عليهم من شدة جبنهم وخوفهم من أهل الإسلام، إنهم العدو الذي يجب الحذر منه فقاتلهم اللَّه من قوم لئام.\nفقوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. إِخْبَارٌ من اللَّه تعالى عن مجيء المنافقين إلى النبي -ﷺ- يتفوّهون بالإسلام، ويشهدون بالرسالة للنبي ﵊، وليس الأمر كذلك في قلوبهم بل هم قوم منكرون. وقيل: معنى ﴿نَشْهَدُ﴾ نحلف، والأول أظهر.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾. جملة اعتراضية ضرورية للسياق. قال القرطبي: (﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ كما قالوه بألسنتهم).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: فيما أخبروا به، وإن كان مطابقًا للخارج، لأنهم لم يكونوا يَعْتقِدون صحة ما يقولون ولا صِدْقَهُ، ولهذا كَذَّبهم بالنسبة إلى اعتقادهم).\nوقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. أي استتروا بالأحلاف الكاذبة، والأيمان: جمع","vol":"8","page":63},{"text":"يمين. قال مجاهد: (يجتنّون بها، قال: ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا). قال قتادة: (﴿جُنَّةً﴾: سترة يستترون بها كما يستتر المستجنّ بِجُنّتِه في حرب وقتال، فيمنعون بها أنفسهم وذراريهم وأموالهم، ويدفعون بها عنها).\nوقوله: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي فصدوا الناس عن الإسلام والجهاد، بالتنفير وإلقاء الشبه والاقتداء بهم في تخلّفهم. وقيل: صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم اللَّه عليهم من القتل والسَّبي وأخذ الأموال.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال النسفي: (من نفاقهم وصدّهم الناس عن سبيل اللَّه، وفي ﴿سَاءَ﴾ معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾. أي: أقروا باللسان ثم كفروا بالقلب. وفيه إثبات أن الذي استقر عليه أمر المنافقين هو الكفر. ولذلك قال بعدها ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أي ختم عليها بالكفر. قال قتادة: (أقروا بلا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه -ﷺ-، وقلوبهم منكرة تأبى ذلك).\nوقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. أي: الحق من الباطل، والمعروف من المنكر، لطبع اللَّه على قلوبهم وإقفالها. قال القاسمي: (﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي حقيقة الإيمان، وحمكة الرسالة والدين).\nوقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾. أي: وإذا نظرت -يا محمد- إلى هؤلاء المنافقين لأعجبتك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. أي: كانوا ذوي فصاحة وبلاغة، فلو سمعهم السامع لأصغى إلى حديثهم لبلاغة ألسنتهم. قال ابن عباس: (كان عبد اللَّه بن أُبَيّ وسيمًا جسيمًا صحيحًا صبيحًا ذَلِقَ اللسان، فإذا قال سمع النبي -ﷺ- مقالته. وصفه اللَّه بتمام الصورة وحسن الإبانة).\nوقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. قال النسفي: (إلى الحائط، شُبِّهوا في استنادهم -وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير- بالخشب المسندة إلى الحائط، لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكًا غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، أو لأنهم أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام).","vol":"8","page":64},{"text":"قال سيبويه: (خَشبَة وخُشُب، مثل بدَنة وبدن). و﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ للتكثير، لكثرة استنادهم إلى الأيمان الكاذبة لحقن دمائهم.\nوقوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾. أي يظنون كلما وقع أمر أو حدث أو خوف أنه نازل بهم. قال القرطبي: (يحسبون كلّ صيحة عليهم أنه قد فُطِن بهم وعُلِمَ بنفاقهم، لأنّ للريبة خوفًا). وقال ابن جرير: (يقول جلّ ثناؤه: يحسب هؤلاء المنافقون من خبثهم وسوء ظنهم وقلة يقينهم، كلّ صيحة عليهم، لأنهم على وجل أن يُنزل اللَّه فيهم أمرًا يهتك به أستارهم ويفضحهم، ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي ذراريهم، وأخذ أموالهم).\nوفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩].\nوفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: [مَثَلُ المنافق كَمَثَلِ الشاةِ العائِرة (١) بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرَّة، وإلى هذِه مرَّة] (٢).\nوقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾. إثبات عداوتهم ووجوب الحذر منهم. وذلك من وجهين: الأول: الحذر من الميل إلى كلامهم أو تصديقهم أو الثقة بأقوالهم. الثاني: الحذر من تخذيلهم المؤمنين أو قيامهم عيونًا للكافرين يتجسّسون على أعراض المسلمين ومخططاتهم ومناهجهم وتحركاتهم.\nوقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. كلمة ذمّ وتوبيخ. قال ابن عباس: (أي لعنهم اللَّه). وقيل: بل المعنى أخزاهم اللَّه. قال النسفي: (﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاء عليهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعو عليهم بذلك).\nوقوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. أي: كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال، وكيف يعدلون عن الحق إلى الجهل والمكر.\n_________\n(١) العائرة: المترددة، الحائرة لا تدري أيهما تتبع وكيف تتوجه، ومعنى تعير أي تتردد وتذهب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٧٨٤)، كتاب صفة المنافقين وأحكامهم. وفي رواية للحديث: \"تَكِرُّ في هذه مرّة، وفي هذه مرّة\".","vol":"8","page":65},{"text":"٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: كَشْفُ استكبار المنافقين وزهدهم في نيل المغفرة وتوعُّد اللَّه لهم الحرمان من المغفرة والخذلان. وتقرير اللَّه تعالى أن العزة له ولرسوله وللمؤمنين وأن الذلة على القوم المنافقين اللئام.\nفقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- يستغفر لكم ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ يقول: حرّكوها وهزّوها استهزاء برسول اللَّه -ﷺ- وباستغفاره).\nوقوله: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. قال القرطبي: (أي يعرضون عن الرسول متكبرين عن الإيمان).\nوقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.\nقال النسفي: (أي ماداموا على النفاق. والمعنى: سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم، أو لأن اللَّه لا يغفر لهم).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. أي إن اللَّه لا يوفق ولا يصلح من سبق في علم اللَّه أنه سيموت فاسقًا.\nوقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. أي: حتى يتفرّقوا عنه. قال ابن عباس: (لا تطعموا محمدًا وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة، فيتركوا نبيهم) -وهو قول عبد اللَّه بن أبيّ المنافق لأصحابه-.\nأخرج الترمذي وأحمد وابن جرير بسند صحيح عن الحكم قال: سمعت محمد بن كعب القرظي قال: سمعت زيد بن أرقم رضي اللَّه قال: [لما قال عبد اللَّه بن أبيّ: ﴿لَا","vol":"8","page":66},{"text":"تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وقال أيضًا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، أخبرت به النبي -ﷺ- فلَامني الأنصار، وحلف عبد اللَّه بن أبي ما قال ذلك، فرجعت إلى المنزل فنمت فدعاني رسول اللَّه -ﷺ- فأتيته، فقال: إن اللَّه قد صدقك، ونزل بهم: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا﴾ الآية] (١).\nوقد جاء في رواية أخرى عند الترمذي تفصيل كامل الحدث -من حديث زيد بن أرقم قال: [غزونا مع رسول اللَّه -ﷺ-، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه، فسبق أعرابي أصحابه، فيسبق الأعرابي فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه، حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيًا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع قباض الماء فرفع الأعرابي خشبة، فضرب بها رأس الأنصاري فشجّه. فأتى عبد اللَّه بن أبي -رأس المنافقين- فأخبره، وكان من أصحابه. فغضب عبد اللَّه بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول اللَّه، حتى ينفضوا من حوله -يعني الأعراب- وكانوا يحضرون رسول اللَّه -ﷺ- عند الطعام.\nفقال عبد اللَّه: إذا انفضوا من عند محمد، فأتوا محمدًا بالطعام، فليأكل هو ومن عنده.\nثم قال لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة فليخرج الأعزُ منكم الأذل. قال زيد: وأنا ردف رسول اللَّه -ﷺ- فسمعت عبد اللَّه بن أبي فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول اللَّه -ﷺ-، فأرسل إليه رسول اللَّه -ﷺ- فحلف وجحد، قال: فصدقه رسول اللَّه -ﷺ- وكذبني، قال: فجاء عمي إلي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول اللَّه -ﷺ- وكذبك والمسلمون، قال: فوقع علي من الهمّ ما لم يقع على أحد، قال: فبينما أنا أسير مع رسول اللَّه -ﷺ- في سفر قد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول اللَّه -ﷺ- فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا.\nثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول اللَّه -ﷺ-؟ قلت: ما قال لي شيئًا، إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي. فقال: أبشِر. ثم لحقني عمر، فقلت له مثل قولي\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع -حديث رقم- (٣٣١٢) - كتاب التفسير، ورواه أحمد في المسند (٤/ ٣٦٩ - ٣٧٣). ورواه ابن جرير. وانظر صحيح سنن الترمذي عقب الحديث (٢٦٤٠)، وكذلك صحيح البخاري (٤٩٠٢).","vol":"8","page":67},{"text":"لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول اللَّه -ﷺ- سورة المنافقين] (١).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ردٌّ من اللَّه على المنافقين، أَنّ بيده تعالى مفاتيح خزائن السماوات والأرض، فهو ينفق كيف يشاء، ولا يقدر أحد أن يعطي أحدًا شيئًا إلا بمشيئته.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ - أنّ الأمر كذلك، وأنه إذا أراد شيئًا يَسَّره.\nوقوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.\nأخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: [كنّا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار -أي ضربه برجله-، فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول اللَّه -ﷺ- فقال: ما بال دعوى جاهلية. قالوا: يا رسول اللَّه! كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال: دعوها فإنها منتنة، فسمع بذلك عبد اللَّه بن أبي فقال: فعلوها؟ أما واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي -ﷺ- فقام عمر فقال: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي -ﷺ-: دعه لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد] (٢).\nورواه الترمذي وفيه زيادة: [وقال غير عمر: فقال له ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه: واللَّه لا تنقلب حتى تُقِرَّ أَنّك الذليل، ورسول اللَّه -ﷺ- العزيز ففعل] (٣).\nورواه ابن إسحاق، وفيه: (فقال عمر: مُرْ به عبّاد بن بشر فليقتله، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه! لا، ولكن أذّن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يرتحل فيها، فارتحل الناس. قال: فلما استقل رسول اللَّه -ﷺ- وسار، لقيه أُسيد بن حُضير، فحيّاه بتحية النبوة وسلّم عليه، ثم قال: يا نبي اللَّه، واللَّه لقد رُحْتَ في ساعة مُنْكَرة، ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: أو ما بَلَغَكَ ما قال صاحبكم؟ قال: وأيّ صاحب يا رسول اللَّه؟\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه الترمذي في \"التفسير\" - سورة المنافقين. انظر صحيح الترمذي (٢٦٤٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٩٠٥) - كتاب التفسير. وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٨٤) - كتاب البر والآداب والصلة.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٤١)، كتاب التفسير، سورة المنافقين.","vol":"8","page":68},{"text":"قال: عبد اللَّه بن أبي. قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأنت يا رسول اللَّه واللَّه تُخْرِجه منها إن شئت، هو واللَّه الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول اللَّه، ارفق به، فواللَّه لقد جاءنا اللَّه بك، وإن قومَهُ ليَنْظُمون له الخرَزَ ليتوّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبتَهُ مُلكًا.\nثم مشى رسول اللَّه -ﷺ- بالناس يومَهُم حتى أمسى، ولَيْلَتَهُم حتى أصبح، وصَدْرَ يومهم ذلكَ حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وَجدوا مسّ الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول اللَّه -ﷺ- ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد اللَّه بن أبي) (١).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: وللَّه ﴿الْعِزَّةُ﴾ يعني الشدة والقوة، وكذلك لرسوله وللمؤمنين باللَّه، ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك.\n\n٩ - ١١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: تحذيرُ اللَّه تعالى المؤمنين من سبيل النفاق والمنافقين، والأمر بالإنفاق في سبيل اللَّه لإعتاق النفوس من الجحيم، ولا يؤخر اللَّه نفسًا إذا جاء أجلها واللَّه بكل شيء عليم.\nفعن الضحاك: (قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: الصلوات الخمس). وقيل: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي عن الحج والزكاة. وقيل: عن قراءة القرآن. وقيل: عن إدامة الذكر. وقال الحسن: (جميع الفرائض، كأنه قال عن طاعة اللَّه). وهذا القول يشمل جميع ما قبله.\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢) وهو حديث رجاله ثقات لكنه مرسل، وله شاهد مرسل جيد من طريق عروة عند ابن أبي حاتم، فيكون حسنًا لغيره مع أصله الذي مضى في الصحيحين. انظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (٢/ ٨٤٧).","vol":"8","page":69},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال ابن جرير: (ومن يلهه ماله وأولاده عن ذكر اللَّه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يقول: هم المغبونون حظوظهم من كرامة اللَّه ورحمته ﵎).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس قال: (ما يمنع أحدكم إذا كان له مال يجب عليه فيه الزكاة أن يزكي، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرّة فلا يعطاها، فقال رجل: أما تتقي اللَّه، يسأل المؤمن الكرّة؟ قال: نعم، أقرأ عليكم قرآنًا، فقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فقال الرجل: فما الذي يوجب عليَّ الحج؟ قال: راحلة تحمله، ونفقة تبلغه).\nوعن سفيان: (قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: الزكاة والحج).\nقلت: والآية عامّة في الحثّ على الإنفاق في الطاعات، فكل مُفَرِّط يندم عند الاحتضار، ويسأل الزيادة في العمر ويتمنى الرجعة ليستعتب مما فات، ويتدارك نفسه قبل أن يصير في الأموات، ولكن هيهات هيهات، فقد كان ما كان وأتى ما هو آت.\nقال الحافظ أبو القاسم الطَّبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدَة الحَوْطِيُّ، حدثنا المغيرة، حدثنا حَريزُ بن عثمان، عن نُعَيم بن نَمْحَة قال: كان في خُطبة أبي بكر الصديق -﵁-: (أما تعلَمون أنكم تَغْدون وتَروحون لأجل معلوم. فمن استطاعَ أن يقضِيَ الأجل وهو في عَمَلِ اللَّه -﷿- فليفعَلْ، ولن تنالوا ذلك إلا باللَّه ﷿، إن قومًا جَعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم اللَّه أن تكونوا أمثالهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، أينَ مَنْ تَعْرِفون مَن إخوانكم؟ قدِموا على ما قدّموا في أيام سَلَفِهم، وخَلُّوا بالشِّقوة والسعادة، أين الجبّارون الأوّلون الذي بَنَوا المدائنَ وحَفَّفُوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصَّخرِ والآبار. هذا كتاب اللَّه لا تفنى عجائبُه فاستضِيئوا منه ليوم ظُلمَةٍ، واستنصحوا كتابه وتبيانه، إِن اللَّه أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، لا خيرَ في قول لا يُراد به وجهُ اللَّه، ولا خير في مالٍ","vol":"8","page":70},{"text":"لا يُنفَقُ في سبيل اللَّه. ولا خيرَ فيمن يغلِب جهلُه حلمَه، ولا خير فيمن يخاف في اللَّه لومةَ لائم) (١).\nوأما الكفار، فإنهم يرجون الرجعة إلى الدنيا عند الاحتضار، ليؤمنوا باللَّه ويصدقوا الرسل ويعملوا بعمل الأبرار. قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤].\nوقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (لن يؤخر اللَّه في أجل أحد فيمدّ له فيه إذا حَضَرَ أجله، ولكن يخترمه ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يقول: واللَّه ذو خبرة وعلم بأعمال عبيده هو بجميعها محيط، لا يخفى عليه شيء، وهو مجازيهم بها، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته).\n\nتم تفسير سورة \"المنافقون\"، بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الثلاثاء ٢٩ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ١/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) إسناد جيد. ورجاله كلهم ثقات، ولهذه الخطبة شواهد. وقد ذكرها الحافظ ابن كثير في \"التفسير\" - سورة الحشر، آية (١٩)، وقال: هذا إسناد جيد.","vol":"8","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - المنافقون يقولون نقيض ما يوقنون، فكذبهم اللَّه تعالى وفضحهم في قرآن مبين.\n٢ - أضلّ اللَّه تعالى المنافقين، وفتنهم بأشكال وفصاحة وأجسام لا تنفعهم يوم الدين.\n٣ - قام ابن سلول ينافق في المسجد فأسكته الصحابة فترك الجمعة.\n٤ - الدعوات إلى غير منهاج الإسلام دعوات باطلة منتنة جاهلية.\n٥ - مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعيرُ إلى هذه مرة، وإلى هذه مرّة.\n٦ - تألق ابن عبد اللَّه بن أبي في موقفه من أبيه اللئيم، فقد أعطى صورة المفاصلة الرائعة لهذا الدين.\n٧ - العزة للَّه ولرسوله وللمؤمنين، والخزي والذل والهوان على المنافقين.\n٨ - لا تؤجل نفس حلّ أجلها، ولا رجعة للدنيا بعد الموت.\n* * *","vol":"8","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>٦٤ - سورة التغابن</span>\nوهي سورة مدنية في قول الأكثرين. وقال الضحاك: مكية. وقال الكلبي: هي مكية ومدنية. وعدد آياتها (١٨). وهي آخر المُسَبِّحات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>موضوع السورة</span>\nفتنة الكفار والأزواج والأولاد والأموال وأهوال يوم التغابن الشديد الأحوال\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-367> منهاج السورة</span>-\n١ - اشتراك جميع الكائنات بالتسبيح للَّه الملك القوي الحميد.\n٢ - الخلق كله للَّه مؤمنهم وكافرهم، وهو العليم بدقائق أعمالهم.\n٣ - أحسن اللَّه تعالى كل شيء خلقه، وعلم أفعال العباد وسرائرهم وما يعلنون.\n٤ - تذكيرُ اللَّه تعالى عباده خبرَ من كفر من الأمم ونزول انتقامه بهم الأليم، وهذا جزاء البغي والكبر ومعاندة الوحي والمرسلين.\n٥ - استبعاد الكفار البعث والحساب، وتأكيد اللَّه تعالى الجزاء والعقاب.\n٦ - دعوة اللَّه عباده الصدق في الإيمان، والاستعداد ليوم الشدة والزحام.\n٧ - المؤمنون خالدون في جنات النعيم، والكفار مخلدون في نار الجحيم.","vol":"8","page":73},{"text":"٨ - إثبات حدوث المصائب بأمر اللَّه العظيم، وإثبات أمر الهداية من اللَّه للمؤمنين.\n٩ - الأمر بطاعة اللَّه ورسوله الكريم، وحسن التوكل على اللَّه العظيم.\n١٠ - تنبيه اللَّه عباده المؤمنين لفتنة الأزواج والأولاد والأموال، والحث على التقوى والسمع والطاعة والبذل وحسن الأقوال والأعمال.\n* * *","vol":"8","page":74},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: تسبيحُ جميع الكائنات للَّه الملك القوي الحميد، الذي خَلَقَ الخلق وَعَلِمَ الإيمان والكفر وهو العليم البصير، وصَوَّر العباد فأحسن التصوير وإليه المصير، وتفرد بعلم الغيب وهو عليم بذات الصدور.\nفقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. إِخْبَارٌ من اللَّه تعالى أن جميع ما في السماوات وما في الأرض من شيء يسبّح له ويمجّده ويقدّسه، ويصلي له ويوحِّده، كقوله جل ذكره: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾. أي: هو المتصرف في جميع الكائنات، وسلطانه ماض وقضاؤه نافذ في جميع المخلوقات، وهو المحمود على جميع ما يخلقه ويُقَدِّره.\nوقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل أمر أراده فلا مانع له ولا مدافع.\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. قال ابن عباس: (إن اللَّه خلق بني آدم مؤمنًا وكافرًا، ويعيدهم في يوم القيامة مؤمنًا وكافرًا). وقال الزجاج: (إن اللَّه","vol":"8","page":75},{"text":"خلق الكافر، وكُفْرُهُ فِعْلٌ له وكسب، مع أن اللَّه خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعلٌ له وكسب، مع أن اللَّه خالق الإيمان).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الطبراني بسند حسن عن عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: [خلقَ اللَّه يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنًا، وخلق فرعون في بطن أمه كافرًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند، وابن سعد في \"الطبقات\" بسند صحيح عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي -وكان من أصحاب النبي -ﷺ- مرفوعًا: [إن اللَّه ﷿ خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي. فقال قائل: يا رسول اللَّه فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر] (٢).\nوله شاهد في المسند وزوائد المسند بإسناد صحيح عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ- قال: [خلق اللَّه آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: [إن أحدكم أو الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غيرُ ذراعٍ أو باعٍ، فَيَسْبِقُ عليه الكتاب فيعملُ بِعَمَلِ أهلِ الجنة فيدخُلُها، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعملِ أهل\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني (١٠٥٤٣)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ١٩٠)، واللالكائي في \"السنة\" (١٣٠/ ١ - ٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٣١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٨٦)، وابن سعد (١/ ٣٠)، وابن حبان (١٨٠٦)، وغيرهم.\n(٣) رواه أحمد وابنه في زوائد \"المسند\" (٦/ ٤٤١)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (ج ١٥/ ١٣٦/ ١)، وإسناده صحيح. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٩).","vol":"8","page":76},{"text":"الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها غيرُ ذراع أو ذراعين، فَيَسْبقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخُلُها] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الشيخان وابن حبان من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: [إنّ الرجل ليَعْملُ عملَ أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإنّ الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة] (٢).\nوالمقصود: تعلق علم اللَّه الأزلي بكل معلوم، فيجري ما علم وما أراد وما حكم.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. أي: واللَّه الذي خلقكم بصير بأعمالكم، فاحذروا غضبه وما يعقب مخالفة أمره ونهيه.\nوقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: خلق السماوات السبع والأرض بالعدل والإنصاف). وقال ابن كثير: (﴿بِالْحَقِّ﴾: بالعدل والحكمة).\nوقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني آدم خلقه بيده).\nقلت: بل الآية تعم جميع الخلائق، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. قال النسفي: (﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي جعلكم أحسن الحيوان كله وأبهاه).\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. أي: المرجع، فيجازي كلًا بعمله، فأحسنوا سرائركم وأعمالكم كما أحسن اللَّه صوركم.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. قال الزمخشري: (نبه بعلمه ما في السماوات والأرض، ثم بعلمه ما يسرّه العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور، أن شيئًا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه، ولا عازب عنه، فحقه أن يتقى ويحذر، ولا يجترأُ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم، في معنى تكرير الوعيد. وكل ما ذكره بعد قوله تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٩٤) - كتاب القدر. ورواه مسلم (٢٦٤٣)، وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذي (٢١٣٧)، وابن ماجة (٧٦)، وأحمد (١/ ٤١٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٨٩٨)، (٦٤٩٣)، ومسلم (١١٢)، وابن حبان (٦١٧٥)، والبيهقي في الدلائل (٤/ ٢٥٢)، وأحمد (٥/ ٣٣١).","vol":"8","page":77},{"text":"كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ كما ترى، في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته).\n\n٥ - ٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تذكيرُ اللَّه تعالى عباده خَبَرَ من كفر من قبل ونزل بهم العذاب الأليم، ذلك بسبب البغي والكبر ومعاندة الوحي والمرسلين.\nفقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. قال القرطبي: (الخطاب لقريش. أي: ألم يأتكم خبر كفار الأمم الماضية. ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي عوقبوا. ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي موجِع).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾. أي: هذا العذاب الذي نزل بتلك الأمم بسبب كفرهم برسلهم وقد جاؤوهم بالآيات الباهرات والدلائل القاطعات على النبوة، فأنكروا أن يكون الرسول من البشر كِبرًا وعلوًا. قال النسفي: (أنكروا الرسالة للبشر ولم ينكروا العبادة للحجر).\nوقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾. أي: كفروا بالرسل وأعرضوا عن الإيمان، وتولوا عن صحيح الدليل والبرهان.\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾. قال مقاتل: (أي بسلطانه عن طاعة عباده). وقيل: استغنى اللَّه بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان، عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى الهداية.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: واللَّه غني عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم بجميل أياديه عندهم، وكريم فعاله فيهم).\n\n٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ","vol":"8","page":78},{"text":"خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: استبعادُ الكفار البعث والحساب، وتأكيدُ اللَّه تعالى الجزاء والعقاب، ودعوة اللَّه عباده إلى الصدق في الإيمان، والاستعداد ليوم الشدة والزحام، فالمؤمنون في جنات النعيم، والكفار مخلدون في الجحيم.\nفقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾. أي ظنوا أنهم لا يبعثون بعد موتهم. قال القرطبي: (والزَّعم هو القول بالظن). وقال شُريح: (لكل شيء كُنْية، وكُنْيَةُ الكذب زعموا).\nوقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث بعد الموت: بلى وربّي لتخرجن من قبوركم أحياء، ثم لتخبرن بما أسلفتم من أعمال أيام دنياكم.\nوقوله: ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. أي: وبعثكم ومجازاتكم هين على اللَّه تعالى. وهذه ثالث آية أمر اللَّه رسوله -ﷺ- أن يقسم بربه ﷿ على وقوع المعاد تأكيدًا لذلك، وتشديدًا في لهجة الإثبات أمام زعم المشركين. وهذه الآيات:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].\nوقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أمرهم بالإيمان باللَّه تعالى ورسوله محمد -ﷺ- بعد أن عرفهم قيام الساعة وهدّدهم موقف العرض والحساب.","vol":"8","page":79},{"text":"وقوله: ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾. يعني القرآن. فهو نور يهدي به اللَّه قلوب العباد، وهو نور يُهتدى به من ظلمة الضلال إلى سبيل النجاة والرشاد.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. أي: فلا تخفى عليه سرائركم وعلانيتكم.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾. قال ابن كثير: (وهو يومُ القيامة، سُمِّيَ بذلك لأنه يُجْمَعُ فيه الأوّلون والآخرون في صعيد واحدٍ، يُسْمِعُهم الداعي وينفذهم البَصَر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾. قال ابن عباس: (هو اسم من أسماء يوم القيامة، عظّمهُ وحذّره عباده). وقال قتادة: (﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ هو يوم القيامة، وهو يوم التغابن: يوم غبن أهل الجنة أهل النار). وقال مقاتل: (لا غَبْنَ أعظمُ من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة ويُذهب بأولئك إلى النار).\nقلت: والتغابن في لغة العرب يحمل معنى الذهول، فأهل الجنة يذهلون يوم القيامة من حال أهل النار الذي صاروا إليه، فإطلاق اسم ﴿التَّغَابُنِ﴾ على يوم القيامة هو من باب التهويل والتحذير من أهوال ذلك اليوم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أي: ومن يَصْدُق اللَّه الإيمان والعمل يمح عنه ذنوبه ويدخله بساتين الخلود تجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار وذلك هو الظفر العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: والذين جحدوا توحيد اللَّه وإفراده بالتعظيم، وكذبوا بكتابه ورسوله أولئك أهل النار يمكثون فيها ولا يخرجون منها، فبئس المستقر وساء المنقلب والمآل والقرار.\n\n١١ - ١٣. قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا","vol":"8","page":80},{"text":"عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ حدوث المصائب بأمر اللَّه، وإثباتُ أمر الهداية للمؤمنين والتوفيق بإذن اللَّه، والأمر بطاعة اللَّه ورسوله والتوكل على اللَّه.\nفقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (بأمر اللَّه، يعني عن قَدَره ومشيئته). وقال القرطبي: (﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإرادته وقضائه).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال ابن عباس: (يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه). وعن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة، فَقُرِئ عنده هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فَسُئل عن ذلك فقال: (هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند اللَّه، فيسلم ذلك ويرضى) - رواه ابن جرير.\nوقال سعيد بن جبير: (﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يعني: يسترجع، يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]).\nوالمقصود: من نزلت به مصيبة فصبر واسترجع طمأن اللَّه قلبه وعوضه خيرًا منها. كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره اللَّه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف اللَّه له خيرًا منها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول اللَّه -ﷺ-؟ ثم إني قلتها، فأخلف اللَّه لي رسول اللَّه -ﷺ-] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الدارمي وأحمد بسند صحيح عن صهيب قال: [بينا\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (٣/ ٣٧)، وأحمد (٦/ ٣٠٩)، والبيهقي (٤/ ٦٥).","vol":"8","page":81},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول اللَّه! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد اللَّه وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الطيالسي والبيهقي بسند صحيح عن سعد مرفوعًا: [عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خير حمدَ اللَّه وشكر، إنّ المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٢).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي: واللَّه قد احاط بكل شيء علمًا، بما كان ويكون وما هو كائن من قبل أن يكون، وما لن يكون ولكن لو قدّر وكان كيف يكون.\nوقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. أَمْرٌ بتعظيم الوحيين: القرآن والسنة المطهرة، فإن في طاعة اللَّه ورسوله النجاة والسعادة في الدارين.\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. أي: فإن أعرضتم وأدبرتم عن طاعة اللَّه وطاعة رسوله مستكبرين فإن واجب الرسول البلاغ، واللَّه سبحانه وليّ الانتقام ممن عصاه، وخالف أمره وركب هواه. قال الزهريُّ: (من اللَّه الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم).\nوقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. أَوَّلُه خبر عن التوحيد يفيد الطلب، والتقدير: أفردوا اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم، وأحسنوا التوكل عليه فإنه هو ولي المؤمنين.\n\n١٤ - ١٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ\n_________\n(١) أخرجه الدارمي (٢/ ٣١٨)، وأحمد (٦/ ١٦) وسنده صحيح على شرط الإمام مسلم. وبنحوه روى مسلم في الصحيح (٨/ ٢٢٧)، وله شواهد كثيرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطيالسي (٢١١)، والبيهقي بسند صحيح. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٧)، وصحيح الجامع الصغير (٣٨٨١).","vol":"8","page":82},{"text":"وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين إلى فتنة الأزواج والأولاد والأموال وما قد يشغل عن ذكره والجهاد في سبيله، والحث على التقوى والسمع والطاعة والإنفاق في سبيل اللَّه لنصرة دينه.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. تنبيه المؤمنين إلى مواطن من العداوة تصد عن طاعة اللَّه وتلهي عن ذكر اللَّه. فإن من الأزواج أزواجًا يعادين بعولتهن ويُثَبِّطْنَهم عن العمل الصالح، وربما حَمَلْنَهم على بعض الأعمال المنكرات، وكذلك فإنّ نحو هذه العداوة قد يتسبب بها الأولاد.\nأخرج الترمذي بسند حسن عن ابن عباس، وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: [هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي -ﷺ- فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، أن يأتوا رسول اللَّه، فلما أتوا رسول اللَّه -ﷺ- رأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية] (١). وفي رواية ابن أبي حاتم: (فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).\nوعن مجاهد: (﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قال: يحمل الرجلَ على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجلُ مع حُبِّه إلا أن يطيعه). وقال ابن زيد: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾: يعني على دينكم).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٣١٧) - كتاب التفسير - سورة التغابن. وانظر صحيح الترمذي (٢٦٤٢). ورواه الطبري (٣٤١٩٨). ورواه الحاكم وابن أبي حاتم.","vol":"8","page":83},{"text":"ومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن يَعْلى العامري أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي -ﷺ- فضمّهما إليه وقال: [إن الولدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الحاكم بسند صحيح من حديث الأسود بن خلف مرفوعًا: [إنَّ الولدَ مبخلة مجبنة مجهلةٌ محزنة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو يعلى والبزار بسند صحيح في الشواهد عن أبي سعيد مرفوعًا: [الولدُ ثمرة القلب، وإنه مَجْبنةٌ، مَبْخلَةٌ، مَحْزَنَةٌ] (٣).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال النسفي: (﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾ عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها ﴿وَتَصْفَحُوا﴾ تعرضوا عن التوبيخ ﴿وَتَغْفِرُوا﴾ تستروا ذنوبهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\nقال قتادة: (﴿فِتْنَةٌ﴾ يقول: بلاء، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهي الجنة).\nوفي التنزيل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤].\nوفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند صحيح عن عبد اللَّه بن بريدة، أن أباه حدثه قال: [رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يخطب، فأقبل حسن وحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل النبي -ﷺ- فأخذهما فوضعهما في حِجْرِه، فقال: صدق اللَّه ورسوله، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. رأيت هَذَيْن فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٦٦٦) - كتاب الأدب. انظر صحيح ابن ماجة (٢٩٥٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم من حديث الأسود بن خلف. والطبراني من حديث خولة بن حكيم. انظر تخريج المشكاة (٤٦٩١ - ٤٦٩٢)، وصحيح الجامع (١٩٨٦).\n(٣) صحيح لغيره. أخرجه البزار (١٨٩٢)، وأبو يعلى (١٠٣٢)، وانظر صحيح الجامع (٧٠٣٧).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١١٠٩)، وابن ماجة (٣٦٠٠)، والترمذي (٣٧٧٤)، في وأحمد (٥/ ٣٥٤)، والحاكم (٤/ ٣٥٤)، وابن حبان (٦٠٣٩).","vol":"8","page":84},{"text":"وأخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن الشَّعبي قال: [حَدّثنا الأشعث بن قيس قال: قَدِمْتُ على رسول اللَّه -ﷺ- في وَفْدِ كِنْدَةَ، فقال لي: هل لكَ من ولَد؟ قلتُ: غلامٌ وُلِدَ لي في مخرجي إليك من ابنة حَمَد، ولَودِدْتُ أن بمكانه شِبَعَ القوم. قال: لا تقولَنّ ذلك، فإن فيهم قُرّة عين، وأجرًا إذا قُبضوا، ثم قال: ولئن قلت ذاك إنهم لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ، إنهم لمجبنة مَحْزنة] (١).\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. أصل عظيم من أصول هذه الشريعة المطهرة، وجواب من جوامع الكلم لكثير من المسائل الفقهية المستعصية. والمقصود: استوفوا جهدكم معشر المؤمنين في تقوى ربكم وابذلوا طاقتكم.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه] (٢).\nوقوله: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: كونوا مُنقادين لما يأمُركم اللَّه به ورسولُه، لا تحيدوا عنه يمنةً ولا يسْرَةً، ولا تُقَدِّموا بين يدي اللَّه ورسوله، ولا تَتَخَلَّفوا عما أُمِرتم، ولا تركَبوا ما عنه زُجِرتم).\nوقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأنفقوا مالًا من أموالكم لأنفسكم تستنقذوها من عذاب اللَّه. والخير في هذا الموضع المال). والمراد: بذلُ المال على الفقراء من الأرحام والقرابات، والمساكين من المسلمين ذوي الحاجات.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي: ومن يدافع السقوط فينصره اللَّه على هوى نفسه وبخلها وشحها وحرصها وطمعها يصبح من المفلحين الناجين المدركين آمالهم عند ربهم.\nوفي التنزيل:\n﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٨ - ١١].\nوفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم\n_________\n(١) حسن بشواهده. أخرجه أحمد (٥/ ٢١١)، والحاكم (٤/ ٢٣٩)، والطبراني (٦٤٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٣٣٧)، وسنن النسائي (٥/ ١١٠)، في أثناء حديث طويل.","vol":"8","page":85},{"text":"ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).\nوقوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية.\nقال النسفي: (﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بنية وإخلاص، وذكر القرض تلطف في الاستدعاء ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يكتب لكم بالواحدة عشرًا أو سبع مئة إلى ما شاء من الزيادة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ يقبل القليل ويعطي الجزيل ﴿حَلِيمٌ﴾ يقيل الجليل من ذنب البخيل، أو يضعف الصدقة لدافعها ولا يعجل العقوبة لمانعها).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ينزلُ اللَّه تعالى في السماء الدنيا لِشَطْرِ الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول: مَنْ يدعوني فأستجيب له! أو يسألني فأعْطِيَه! ثم يقول: مَنْ يُقْرِضْ غيرَ عديمٍ ولا ظلوم] (٢).\nوقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. أي يعلم ما خفي من سرائر القلوب، وما انتشر من ظواهر الأمور والخطوب.\nوقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي الذي قهر بعزته وكبريائه كل شيء، والذي أتقن كل شيء فأحكم خلقه، فهو الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه وتدبيره.\n\nتم تفسير سورة التغابن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت ٣ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ٥/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (٢٥٧٨) - كتاب البر والصلة، من حديث جابر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٥٨) ح (١٧١) - كتاب صلاة المسافرين. وأخرجه ابن خزيمة في \"التوحيد\" ص (١٣١)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٤٩٦). وأعدم الرجل -في لغة العرب- إذا افتقر، فهو معدوم وعديم وعدوم.","vol":"8","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - علم اللَّه تعالى من يستحق الهداية ممن يستحق الضلال.\n٢ - استبعد الكفار أن تكون هدايتهم على أيدي بشر مثلهم.\n٣ - التغابن اسم من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذّره عباده.\n٤ - عجبًا للمؤمن، إن اللَّه تعالى لا يقضي له قضاء إلا كان خيرًا له.\n٥ - من استسلم لقضاء اللَّه هدى اللَّه قلبه وعَوَّضَه عما فاته.\n٦ - الأزواج والأولاد والمال فتنة، فإياكم أن تفتنوا بذلك عن دينكم.\n٧ - الولد ثمرة القلب، وإنه مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَجْهَلَةٌ محزنة.\n٨ - الصدقات على اللَّه جزاؤها ونزلت منزلة القرض له.\n٩ - اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشُّحَ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.\n١٠ - اللَّه تعالى يعلم ما خفي من سرائر القلوب، وما انتشر من ظواهر الأمور والخطوب.","vol":"8","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>٦٥ - سورة الطلاق</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>موضوع السورة</span>\nأحكام الطلاق والعدة\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-371> منهاج السورة</span>-\n١ - بيان العدة التي تطلق لها النساء، وتأكيد حق السكنى للمطلقة ما دام لزوجها عليها رجعة.\n٢ - الحث على تعظيم حدود اللَّه، والتحذير من تجاوز حدود الشريعة.\n٣ - الأمر بالإحسان للزوجات في الإمساك أو الفراق، وبيان جائزة التقوى والحث على التوكل على اللَّه فهو علامة الفلاح والسباق.\n٤ - بيان عدة الآيسة والصغار اللائي لم يحضن، وتوضيح عدة الحامل.\n٥ - الأمْرُ بالسكنى والنفقة للمطلقة حتى انقضاء عدتها، والتحذير من التضييق عليها.\n٦ - الحامل ينفق عليها حتى تضع حملها، وأجر الإرضاع على الآباء، ولا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها.","vol":"8","page":88},{"text":"٧ - سنة اللَّه تعالى في الانتقام من أهل القرى الظالمين، وامتنان اللَّه سبحانه بنعمة الوحي والهداية ونعيم الآخرة على المؤمنين.\n٨ - الإخبار عن قدرته تعالى وسلطانه العظيم، وخلقه سبع سماوات وسبع أرضين.\n* * *","vol":"8","page":89},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾.\nفي هذه الآية: بيانُ العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء، وتأكيد حق السكنى للمطلقة ما دام لزوجها عليها رجعة، والحث على تعظيم حدود اللَّه.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال القرطبي: (الخطاب للنبي -ﷺ-، خوطب بلفظ الجماعة تعظيمًا وتفخيمًا).\nأخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، عن ابن شهاب قال: أخبرني سالِمٌ: [أنّ عبد اللَّه بن عمرَ ﵄ أخبره: أنه طَلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لرسول اللَّه -ﷺ-، فتَغَيَّظَ فيه رسول اللَّه -ﷺ- ثم قال: لِيُراجِعْها ثُمَّ يُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثم تحيضَ فتطهُرَ، فإنْ بدا له أن يُطَلِّقها فليطلِّقْها طاهِرًا قَبْلَ أن يَمَسَّها، فتِلك العِدَّةُ كما أمَرَهُ اللَّه] (١). ورواه مسلم وفيه: [فتلك العدَّة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء].\nوفي صحيح مسلم عن ابن جُرَيْجٍ قال: [أخبرني أبو الزبير: أنه سَمِعَ عبدَ الرحمن بنَ أيمنَ مولى عَزَّةَ، يسألُ ابنَ عُمَرَ؟ وأبو الزبير يسمع ذلك، كيف ترى في رَجُلٍ طَلَّقَ امرأته حائِضًا؟ فقال: طَلَّقَ ابنُ عمر امرأَته وهي حائِضٌ على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فَسَألَ عُمَرُ رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال: إنَّ عبدَ اللَّه بن عمرَ طَلَّقَ امرأته وهي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٠٨) - كتاب التفسير. ورواه مسلم (١٤٧١) ح (١).","vol":"8","page":90},{"text":"حائِضٌ، فقال له النبي -ﷺ-: \"لِيُراجِعْها\"، فرَدّها، وقال: \"إذا طَهُرت فَليُطَلِّقْ أو لِيُمْسِكْ\".\nقال ابن عمر: وقرأ النبي -ﷺ-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾] (١).\nورواه أبو داود وفيه: [وقرأ النبي -ﷺ-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلِ، عدتهن].\nوعن ابن عباس: (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: لا يُطَلِّقها وهي حائضٌ ولا في طُهرٍ قد جامعها فيه، ولكن: يتركُها حتى إذا حاضت وطَهُرت طلَّقَها تطليقةً). وقال عكرمة: (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، العِدّة: الطهر، والقُرْء الحَيضة، أن يُطَلِّقها حُبْلى مستبينًا حَمْلُها، ولا يُطَلِّقها وقد طاف عليها، ولا يدري حُبْلى هي أم لا).\nقال ابن كثير: (ومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكامَ الطلاق وقَسَّموه إلى طلاق سُنَّة وطلاق بِدْعَة، فطلاقُ السنة أن يُطلِّقها طاهرًا من غير جِماع، أو حامِلًا قد استبان حَملُها، والبِدْعي: هو أن يُطَلِّقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحَمَلت أم لا؟ وطلاق ثالثٌ لا سُنّة فيه ولا بِدعة، وهو طلاقُ الصغيرة والآيِسة، وغير المدخول بها).\nوقوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾. قال السدي: (احفظوا العدة). وقال النسفي: (اضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، وخوطب الأزواج لغفلة النساء). والمقصود من ذلك: ضبط أول العدة ونهايتها لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾. أي وخافوا ربكم أيها الناس في ضبط تلك العدة واحذروا معصيته في أي أمر أو حدّ من حدود شرعه.\nوقوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾. قال ابن عباس: (هي المطلقة لا تخرج من بيتها، ما دام لزوجها عليها رجعة، وكانت في عدة). فلها حق السكنى أثناء عدتها، وليس لزوجها أن يخرجها كما ليس لها أن تخرج لأنها معتقلة لحق زوجها.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٧١) ح (١٤) - كتاب الطلاق. وأخرجه أبو داود (٢١٨٥)، والنسائي (٦/ ١٣٩)، وأحمد (٢/ ٨٠ - ٨١)، والشافعي (٢/ ٣٣).","vol":"8","page":91},{"text":"وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال مجاهد: (إلا أن يزنين)، وقال الحسن: (الزنى، فتخرج ليقام عليها الحد). وقال قتادة: (إلا أن يطلقها على نشوز، فلها أن تحول من بيت زوجها). وقال ابن عباس: (والفاحشة: هي المعصية). وقال: (الفاحشة المبينة أن تبذُوَ على أهلها).\nوالخلاصة من أقوال المفسرين في ذلك: لا يُخْرَجْنَ من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة وهي: أ- الزنا. ب- إذا نشَزَت المرأة أو بَذَتْ على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفِعال.\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شرائعه ومحارمه وما حَدّ لخلقه من الأحكام.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. قال الضحاك: (يقول: تلك طاعة اللَّه فلا تعتدوها. من كان على غير هذه فقد ظلم نفسه). وقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ومن يتجاوز حدود اللَّه التي حدّها لخلقه فقد ظلم نفسه، يقول: فقد أكسب نفسه وزرًا، فصار بذلك لها ظالمًا، وعليها متعدّيًا).\nوقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال قتادة: (أي مراجعة). قال: (هذا في مراجعة الرجل امرأته). وقال مقاتل: (﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد طلقة أو طلقتين ﴿أَمْرًا﴾ أي المراجعة من غير خلاف). قال القرطبي: (الأمر الذي يحدثه اللَّه أن يُقَلِّبَ قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه، فيراجعها).\nومن هنا ذهب الإمام أحمد وطائفة من السلف إلى أن المبتوتة لا تجب لها السكنى ولا النفقة، وقد صحّ بذلك الخبر عن رسول اللَّه -ﷺ-:\nفقد أخرج النسائي في \"الكبرى\" والطبراني في \"الأوسط\" بسند حسن عن عامر الشعبي: [أنه دخل على فاطمة بنتِ قيس أُختِ الضّحاك بن قيس القُرَشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إليَّ وهو مُنطلقٌ في جيش إلى اليمنِ بِطَلاقي، فسألتُ أولياءَه النفقة عليَّ والسكنى، فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئًا، ولا أوصانا به، فانطلقتُ إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقُلت: يا رسول اللَّه! إنَّ أبا عَمْرو بن حفص أرسلَ إليَّ بِطَلاقي، فطلبتُ السكنى والنفقة علي، فقال أولياؤه: لم يُرسِل إلينا في ذلك بشيءٍ. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إنما السكنَى","vol":"8","page":92},{"text":"والنفقةُ للمرأة إذا كان لزوجها عليه رَجْعَةٌ، فإذا كانت لا تحِلّ له حتى تَنكِحَ زوجًا غيره فلا نفقة لها ولا سكنى] (١).\n\n٢ - ٣. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى الرجال بالإحسان للزوجات في الإمساك أو الفراق، وبيانُ جائزة التقوى والحث على صدق التوكل على اللَّه ففي ذلك الفلاح والسباق.\nفقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. أي المعتدات، إذا قاربن انقضاء العدة. قال ابن جرير: (﴿أَجَلَهُنَّ﴾ وذلك حين قرب انقضاء عددهن).\nوقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال الضحاك: (يقول: فراجع إن كنت تريد المراجعة قبل أن تنقضي العدّة بإمساك بمعروف، والمعروف أن تحسن صحبتها ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ والتسريح بإحسان: أن يدعها حتى تمضي عدتها، ويعطيها مهرًا إن كان لها عليه إذا طلقها). وقال ابن كثير: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: أي محسنًا إليها في صحبتها، وإما أن يعزم على مفارقتها ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: من غير مُقَابحةٍ ولا مُشاتمةٍ ولا تعنيف، بل يُطَلِّقها على وَجه جَميل وسبيل حسن).\nوقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. هو على الندب لا على الوجوب، سواء في الطلاق أو الرجعة، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهو مذهب أبي حنيفة.\nقلت: وإنما يتأكد في حق مَنْ عُرِف بالاستهتار في هذه الأمور وعدم المبالاة.\nقال القرطبي: (وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يُتَّهَمَ في إمساكها،\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٥٥٩٦)، والطبراني في \"الأوسط\" (١١٦٤)، وإسناده حسن، وللحديث طرق وشواهد كثيرة.","vol":"8","page":93},{"text":"ولئلا يموت أحدهما فيدّعي الباقي ثبوت الزوجية لِيَرث).\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح عن عمران بن حصين، سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها، فقال: [طَلَّقْتَ لغير سُنة، وراجَعْتَ لغير سنة: أشْهِدْ على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ] (١).\nوعن الحسن: (﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: من المسلمين). وقال قتادة: (من أحراركم).\nوقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾. قال النسفي: (لوجهه خالصًا، وذلك أن يقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الضرر).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. أي: إنما ينتفع بهذه الأحكام والمواعظ من كان يؤمن باللَّه ويعظم شرعه، ويخاف عقابه في الدار الآخرة.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. أصل عظيم من أصول الشريعة المطهرة، فإن التقوى هي مفتاح كل خير، وكل فرج ومخرج من كل أمر عسير.\nقال ابن عباس: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يقول: نجاته من كلّ كرب في الدنيا والآخرة). وعن قتادة: (﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ قال: من شبهات الأمور، والكرب عند الموت). وقال الحسن: (مخرجًا مما نهىِ اللَّه عنه). وقال أبو العالية: (مخرجًا من كل شدة). وقال الربيع بن خَيْثَم: (﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من كل شيء ضاق على الناس). وقال الكلبي: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بالصبر عند المصيبة ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من النار إلى العقوبة). وقال الحسين بن الفضل: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في أداء الفرائض، ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من العقوبة).\nوقال سهل بن عبد اللَّه: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في اتباع السنة ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب).\nوقيل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في الرزق بقطع العلائق يجعل له مخرجًا بالكفاية. وقال عمر بن عثمان الصَّدفي: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فيقف عند حدوده ويجتنب معاصيه يخرجه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢١٨٦) - تفريع أبواب الطلاق. باب الرجل يراجع ولا يشهد. وانظر صحيح سنن أبي داود (١٩١٥).","vol":"8","page":94},{"text":"من الحرام إلى الحلال، ومن الضّيق إلى السّعة، ومن النار إلى الجنة).\nوقوله: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. أي من جهةٍ لا تخطر بباله. قال قتادة: (من حيث لا يرجو ولا يؤمل). وفي الأثر عن أبي ذر قال: (إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم -تلا-: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ فما زال يكررها ويعيدها) (١).\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنته، يعطى بها (وفي رواية: يثاب عليها الرزق في الدنيا) ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (٢).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. أي: ومن يفوِّض أموره إلى اللَّه، ويحسن الاعتماد عليه -سبحانه- فهو كافيه ما أهمه وما أغمّه.\nقال الإمام أحمد: (التوكل عمل القلب). وقال سهل: (التوكل الاسترسال مع اللَّه مع ما يريد). وقيل: (هو علم القلب بكفاية الرب للعبد).\nقلت: ولا يستقيم التوكل إلا من أهل العمل ومواجهة القدر بالقدر، وإلا كان عجزًا وكسلًا. وقد امتدح اللَّه المؤمنين بهذه الصفة العالية فقال جل ثناؤه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]. وقال جل ذكره: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nومن كنزو السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لَوْ أنّكُم كنْتم تَوَكّلُون على اللَّه حق توكلِه لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطيرُ، تَغْدو خِماصًا، وتروح بِطانًا] (٣).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [من نزلت به فاقةٌ، فأنزلَها بالناس، لَمْ تُسَدَّ فاقَتُه،\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٢)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٣٣٠) مرفوعًا، ولا يصح رفعه كما قال الهيثمي (٩١٣٠) ففيه انقطاع. والأشبه أن يكون موقوفًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٣٥)، وأحمد (٣/ ١٢٥). وانظر السلسلة الصحيحة (٥٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجة (٤١٦٤). انظر صحيح الترمذي (١٩١١).","vol":"8","page":95},{"text":"ومن نزلت به فاقةٌ، فأنزلها باللَّه، فيوشِكُ اللَّهُ له برزقٍ عاجل، أو آجلٍ].\nوفي لفظ: [من نزل به حاجةٌ فأنزلها بالناس كانَ قَمِنًا ألا تُسَهَّل حاجتُه، ومنْ أنزلها باللَّه أتاه اللَّه برزقٍ عاجل، أو بموت آجل] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البزار وابن أبي الدنيا بسند حسن عن ابن عمر مرفوعًا: [لو تعلمونَ قَدْر رحمةِ اللَّه ﷿، لاتَّكلتُم عليها] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: مُنْفِذٌ قضاياه وأحكامه في خَلْقِه بما يُريده ويشاؤه).\nوقوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. قال مسروق: (أجلًا). أو قال: (منتهى). قال القرطبي: (أي لكل شيء من الشدة والرخاء أجلًا ينتهي إليه. وقيل: تقديرًا).\nوفي التنزيل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (٣).\nورواه الترمذي بلفظ: [قدّر اللَّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة].\n\n٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٤٤٢) ح (٤٢٠٧) ورجاله ثقات، وأخرجه الترمذي (٢٣٢٦)، وأبو داود من حديث ابن مسعود. وانظر صحيح الجامع (٦٤٤٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن أبي الدنيا في \"حسن الظن\" (٢/ ١٩٣/ ١)، ورواه البزار بإسناد حسن كما قال الهيثمي (١٠/ ٢١٣). وانظر السلسلة الصحيحة (٢١٦٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٥١) - باب كتب المقادير قبل الخلق. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤١) بلفظ: (كتب اللَّه مقادير الخلائق. . .)، وانظر صحيح سنن الترمذي (١٧٥٠) - أبواب القدر، ورواه أحمد.","vol":"8","page":96},{"text":"لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾.\nفي هذ الآيات: بيانُ عدة الآيسة -وهي التي انقطع محيضها لكبرها- أنها ثلاثة أشهر عوضًا عن ثلاثة القروء في حق من تحيض، وكذا الصغار اللائي لم يحضن بَعْدُ لصغرهن فعدتهن مثل عدة الآيسة ثلاثة أشهر، وأما الحامل فعدتها تنتهي بوضع الحمل، والفلاح كل الفلاح إنما هو بامتثال التقوى واللَّه عنده أجر عظيم.\nفقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. قال القرطبي: (يعني قعدن عن المحيض). وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ فيه قولان عند المفسرين يكمل أحدهما الآخر:\nالقول الأول: أي إن رأين دمًا فشككتم أهو دم حيض أو استحاضة. وهو قول مجاهد وابن زيد.\nالقول الثاني: إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهن، فإن عدتهن ثلاثة أشهر.\nقال النسفي: (﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ أي فهذا حكمهن). وهو اختيار ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. قال السدي: (الجواري). قال ابن جرير: (يقول: وكذلك عدد اللائي لم يحضن من الجواري الصغار إذا طلقهن أزواجهن بعد الدخول).\nوقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: ومن كانت حامِلًا فَعِدّتُها بوضعه، ولو كان بعد الطلاقِ أو الموتِ بِفُواقِ ناقة).\nوفي صحيح البخاري عن يحيى قال: أخبرني أبو سلمة قال: [جاء رجلٌ إلى ابن عباس -وأبو هريرة جالِسٌ عِنده- فقال: أَفْتِني في امرأة وَلَدَتْ بَعْدَ زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: آخِرُ الأجَلين. قلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة- فأرسلَ ابنُ عباس غُلامَهُ كُرَيبًا إلى أم سلمة يسألها فقالت: قتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأسلمية وهي حُبْلى، فوضَعَتْ بَعْدَ موتِه بأربعين ليلة، فَخُطِبَتْ فأنكحها رسولُ اللَّه -ﷺ- وكان أبو السّنابل فيمن خطبها] (١).\nوأخرج البخاري وأحمد والنسائي عن المِسور بن مَخْرمة: [أنَّ سُبَيْعَةَ الأسلمية تُوفي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٠٩) - كتاب التفسير، عند هذه الآية من سورة الطلاق.","vol":"8","page":97},{"text":"عنها زوجها وهي حامل، فلم تمكُث إلا لياليَ حتى وضعت، فلما تَعَلّت من نفاسها خُطِبَت، فاستأذنت رسول اللَّه -ﷺ- في النكاح، فَأذِنَ لها أن تُنْكَحَ، فَنُكِحَت] (١).\nوفي صحيح مسلم عن ابن شهاب: حدثني عُبَيْد اللَّه بنُ عبدِ اللَّه بنِ عُتبة بن مسعود، أن أباه كتبَ إلى عمر بن عبد اللَّه بن الأرقم الزُّهري، يأمره أن يَدْخُلَ على سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ، فيسأَلَها عن حَديثها وعَمَّا قال لها رسول اللَّه -ﷺ- حين استَفْتَتْهُ، فكتب عمِرُ بن عبد اللَّه إلى عبد اللَّه بن عُتبة يُخْبِرُه أن سُبَيْعَةَ أخْبَرَتْه، أنها كانت تحت سَعْدِ بن خوْلَةَ، وهو في بني عامرِ بن لؤي، وكان مِمَّن شهد بَدْرًا، فَتُوفي عنها في حَجَّة الوداعِ وهي حامِلٌ، فَلمْ تَنْشَبْ أن وَضَعَتْ حَمْلَها بَعْدَ وفاتِه، فلمّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها تَجَمَّلَتْ لِلخُطَّاب، فدخِلَ عليها أبو السّنابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ -رجلٌ من بني عبد الدار- فقال لها مالي أَراكِ مُتَجَمِّلةً؟ لعلّك تَرْجين النِّكاح، إنَّك واللَّه! ما أنْتِ بناكِحٍ حتى تَمُرَّ عليك أربعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ. قالت سُبَيْعة: فلما قال لي ذلك، جَمَعْتُ عَليَّ ثِيابي حين أمْسَيْتُ، فأتَيْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- فسألْتُهُ عن ذلك؟ فأفتاني بأني قدْ حَلَلْتُ حين وَضَعْتُ حَمْليِ، وأمَرَني بالتزوُّج إنْ بدا لي] (٢). قال ابن شهاب: (فلا أرى بأسًا أنْ تَتَزَوَّجَ حين وضَعَتْ، وإنْ كانت في دَمِها، غيرَ أنه لا يقرَبُها زوجُها حتى تَطْهُر).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. قال مقاتل: (ومن يتق اللَّه في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يُسرًا في توفيقه للطاعة).\nوالمقصود: تأكيد أن تقوى اللَّه بتعظيم أوامره واجتناب نواهيه مفتاح كل فرج وتيسير، وكل مخرج من أمر عسير.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾. أي هذا الذي ذُكِرَ من الأحكام الشرعية هو أمْرُ اللَّه أنزله إليكم من اللوح المحفوظ وبَيّنَه لكم، لتكونوا على بصيرة في أمور دينكم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾. أي: ومن يخف اللَّه فيعظم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣٢٠)، والنسائي (٦/ ١٩٠)، وأحمد (٤/ ٣٢٧)، وابن ماجة (٢٠٢٩)، والشافعي (٢/ ٣٢ - ٣٣)، والبيهقي (٧/ ٤٢٨)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٨٤) - كتاب الطلاق. باب انقضاء عدة المتوفى عنها وغيرها، بوضع الحمل. وانظر صحيح البخاري (٥٣١٩)، وسنن أبي داود (٢٣٠٦)، والنسائي (٦/ ١٩٤ - ١٩٥)، وابن ماجة (٢٠٢٨)، والبيهقي (٧/ ٤٢٨).","vol":"8","page":98},{"text":"أمر دينه حق التعظيم يمح عنه ذنوبه ويجزل له الثواب على التقوى والعمل الصالح، ويدخله جنته وذلك أعظم الجزاء وأطيب النعيم.\n\n٦ - ٧. قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: الأَمْرُ بالسكنى والنفقة للمطلقة حتى انقضاء عدتها، والتحذير من التضييق عليها، والحاملُ ينْفق عليها حتى تضع حملها، وأجر الإرضاع على الآباء، ولا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها.\nفقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: من سعتكم). قال السدي: (المرأة يطلقها، فعليه أن يسكنها، وينفق عليها). قال ابن كثير: (يقول تعالى آمرًا عباده إذا طَلَّقَ أحدُهم المرأة أن يُسْكِنها في منزل حتى تنقضي عدَّتها، فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أي: عندكم). وعن قتادة: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ قال: إن لم تجد إلا جَنْبَ بيتِكَ فأسكنها فيه). وقال السدي: (﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم، من مقدرتكم).\nوقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. قال مجاهد: (في المسكن). وقال سفيان: (ليس ينبغي له أن يضارها ويضيق عليها مكانها). وقال مقاتل: (يعني يُضاجِرها لِتَفْتَدِيَ منه بمالها أو تخرجَ من مسكنه). قال القاسمي: (﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ أي لا تستعملوا معهن الضرار ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ أي في المسكن ببعض الأسباب، من إنزال من لا يوافقهن، أو بشغل مكانهن، أو غير ذلك، حتى تضطروهن إلى الخروج أو الافتداء).\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال السدي: (ينفق على الحبلى إذا كانت حاملًا حتى تضع حملها). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإن كان نساؤكم المطلقات أولات حمل وكنّ بائنات منكم، فأنفقوا عليهن في عدّتهن منكم حتى يضعن حملهن).\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال القرطبي: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ -يعني","vol":"8","page":99},{"text":"المطلقات- أولادكم منهن فعلى الآباء أن يعطوهنّ أجرة إرضاعهن).\nوقوله: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال النسفي: (أي تشاوروا على التراضي في الأجرة، أو ليأمر بعضكم بعضًا، والخطاب للآباء والأمهات ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بما يليق بالسنة، ويحسن في المروءة، فلا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما، وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه). وقال القرطبي: (﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ هو خطاب للأزواج والزوجات، أي وليَقْبَلْ بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل. والجميل منها إرضاع الولد من غير أجرة. والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. قال السدي: (إن أبت الأم أن ترضع ولدها إذا طلقها أبوه التمس له مرضعة أخرى، الأمّ أحق إذا رضيت من أجر الرضاع بما يرضى به غيرُهَا، فلا ينبغي له أن ينتزع منها).\nوقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. قال سفيان: (يقول: من طاقته). أي: لينفق على المولود والدُه أو وليُّه، بحسب قدرته وعلى قدر وسعه).\nوقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال ابن زيد: (فرض لها من قدر ما يجد). وقال السدي: (﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ يقول: لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني). وقال سفيان: ﴿إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ يقول: إلا ما أطاقت). وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوقوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ قال سفيان: (بعد الشدة الرخاء). قال ابن جرير: (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ﴾ للمقل من المال المقدور عليه رزقه ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ يقول: من بعد شدة رخاء، ومن بَعد ضيق سعة، ومن بعد فقر غنى).\nقلت: والآية وعد من اللَّه تعالى بالفرج على المعسر الممتثل أمر اللَّه في بذل وسعه بأنه سيجعل له بعد الضيق غنى، وبعد الشدة سعة، وبعد العسر يسرًا.\nوفي التنزيل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦].\nأخرج الخطيب في \"التاريخ\" بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفرج مع الكرب، وإن مع العُسْر يسرًا] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢).","vol":"8","page":100},{"text":"٨ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: سُنَّةُ اللَّه تعالى في الانتقام من أهل القرى إذا تكبروا على الحق وتمادوا على الرسل غير ما ينتظرهم في الآخرة من العقاب، وامتنان اللَّه سبحانه على المؤمنين بنعمة الوحي والهداية في الدنيا وما أعدَّ لهم في الآخرة من جزيل الثواب.\nفقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾. قال السدي: (غيَّرت وعصت). وقال ابن زيد: (العتوّ هاهنا الكفر والمعصية، وعتت عن أمر ربها: تركته ولم تقبله). والمقصود: كم من أهل قرية طغوا عن أمر ربهم وتمادوا في تكذيبهم الرسل ولجّوا في الكفر والفساد والمعصية.\nوقوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. أي جازيناها بالعذاب في الدنيا. قال ابن عباس: (يقول: لم نرحم). قال القرطبي: (لما ذكر الأحكام ذكر وحذّر مخالفة الأمر، وذكر عُتُوّ قوم وحلول العذاب بهم). وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، فعذبناها عذابًا نكرًا في الدنيا بالجوع والقَحْطِ والسيف والخَسْف والمَسْخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حسابًا شديدًا. والنُّكر: المنكر.\nوقوله: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾. أي في الآخرة، عذبناها عذابًا منكرًا فظيعًا.\nوقوله: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. أي فذاقت غِبَّ مخالفتها، وتجرّعت نتيجة طغيانها. قال ابن زيد: (ذاقت عاقبة ما عملت من الشر. الوبال: العاقبة).\nوقوله: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾. أي هلاكًا في الدنيا وألوان العذاب، وفي الآخرة في نار جهنم.\nوقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. بيان لذلك الخسران أنه العذاب الشديد في نار الآخرة بعدما حلّ بهم من العذاب في الدنيا.","vol":"8","page":101},{"text":"وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال السدي: (يا أولي العقول). وقال ابن كثير: (أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبَكم ما أصابَهم يا أولي الألباب).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. بدل من ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، أو نعت لهم. أي الذين آمنوا باللَّه وصدقوا رسله.\nوقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾. يعني القرآن. والمقصود: يا أولي العقول النيرة الذين آمنتم باللَّه وصدقتم رسوله، اتقوا اللَّه الذي أنزل عليكم القرآن، فخافوه واعملوا بطاعته واحذروا معصيته.\nوقوله: ﴿رَسُولًا﴾. قيل: قد نُصب على أنه بدل اشتمال (١). وقيل: الرسول تفسير وترجمة عن الذكر - واختاره ابن جرير. وقال الزجاج: (إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل، أي أنزل إليكم قرآنًا وأرسل رسولًا). ويجوز أن ينتصب ﴿رَسُولًا﴾ على الإغراء، والتقدير: اتبعوا رسولًا.\nوقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: يقرأ عليكم آيات القرآن، ويبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام، ليخرج المؤمنين به من ظلمات الجاهلية والكفر، إلى نور العلم والإيمان.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾. أي: قد وسع اللَّه عليه من ألوان الرزق والنعيم في الجنات. قال النسفي: (﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾. فيه معنى التعجب والتعظيم لما رزق المؤمنين من الثواب).\n\n١٢. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.\nفي هذه الآية: إخبار اللَّه تعالى عن قدرته التامة وسلطانه العظيم، في خلق سبع سماوات وسبع أرضين، يتنزل الأمر بينهن بإذن الواحد القهار الحكيم ليكون ذلك باعثًا على تعظيم دينه القويم.\n_________\n(١) أي لأن الرسول هو الذي بلغ الذّكر. فيكون ﴿رَسُولًا﴾ بدل اشتمال وملابسة.","vol":"8","page":102},{"text":"فقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. قال ابن جرير: (لا ما يعبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تقدر على خلق شيء).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. أي: في الخلق والعدد. قال قتادة: (خلق سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه).\nقلت: وأما تفصيلِ توضع الأرضين السبع فاللَّه أعلم به، وإنما نسلم لقول اللَّه تعالى في هذه الآية ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، وكذلك لما ثبت في السنة الصحيحة في آفاق ذلك من أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن سعيد بن زيد قال: سَمِعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [من أخذ شِبْرًا من الأرض بغير حَقِّهِ، طُوِّقَهُ في سَبْع أَرَضين يوم القيامة] (١). وفي لفظ: [من اقتطع شبرًا من الأرض ظُلمًا، طَوَّقه اللَّه إياه يومَ القيامة من سَبْعِ أرضين].\nالحديث الثاني: خرّج مسلم -كذلك- عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لايأخُذُ أحدٌ شِبْرًا من الأرض بغير حَقِّهِ، إلا طَوِّقَهُ اللَّه إلى سَبْع أرضين يوم القيامة]. (٢)\nالحديث الثالث: أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأحمد في المسند، بسند صحيح من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [إن نبيَّ اللَّه نوحًا -ﷺ- لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرتك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ \"لا إله إلا اللَّه\"، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت \"لا إله إلا اللَّه\" في كفة، رجحت بهن \"لا إله إلا اللَّه\"، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن \"لا إله إلا اللَّه\". وسبحان اللَّه وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (١٦١٠) - كتاب المساقاة. ح (١٣٧)، (١٣٨). باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها. وللحديث قصة.\n(٢) حديث صححيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٦١١) - كتاب المساقاة. الباب السابق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٤٨)، وأحمد (٢/ ١٦٩ - ١٧٠). والبيهقي في \"الأسماء\" (٧٩). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٤).","vol":"8","page":103},{"text":"الحديث الرابع: أخرج النسائي وابن حبان بسند حسن عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه، أنّ كعبًا حلف بالذي فلق البحر لموسى: [أنَّ صُهيبًا حدّثه أن محمدًا -ﷺ- لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: \"اللهم ربَّ السماوات السبع وما أظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين السبع وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطين وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما أَذْرَيْنَ، إنا نسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، ونعوذ بك من شَرِّها وشَرِّ أَهلها وشَرِّ ما فيها\"] (١).\nفهذه الآية مع هذه الأحاديث تثبت وجود الأرضين السبع كما أثبت الوحي من قرآن وسنة وجود السماوات السبع، ومن فسّر الآية من المعاصرين بما يؤول إلى نفي المثلية في العدد اغترارًا بما وصل إليه علم الأوربيين والأمريكان وغيرهم من الرقي وأنهم لا يعلمون سبع أرضين فقد أبعد النُّجْعَة وأغرقَ في النَّزْع وخالف القرآن والحديث بلا مستند. وإنما يقال له: هل علم القوم حقيقة وجود سبع سماوات طباقًا؟ ! الجواب: لا، وإنما هو خبر اللَّه تعالى آمنا به وصدقناه وجاءت به جميع الكتب المنزلة على الرسل. ومن ثم يقال لهؤلاء: أفننكر كلام اللَّه وكلام رسوله بجهل الأوربيين وأقرانهم، مع اعترافهم أنهم كلما ازدادوا علمًا بالكون ازدادوا علمًا بجهلهم به، وصدق اللَّه العظيم القائل: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، والقائل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].\nوقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾. قال مجاهد: (يتنزل الأمر من السماوات السبع إلى الأرضين السبع). والأمر هنا الوحي أو القضاء والقدر.\nوفي قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُنَّ﴾ إشارة إلى ما بين الأرض السُّفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بحياة بعض وموت بعض وغِنى قوم وفقر قوم. وقيل: هو ما يُدَبَّرُ فيهن من عجيب تدبيره، فَيُنزل المطر ويُخرج النبات ويأتي بالليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها، فينقلهم من حال إلى حال.\nوقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال القرطبي: (يعني أن من قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر، ومن العفو والانتقام أمكن، وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومُكْنَته).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٨٨٢٦)، (١٠٣٧٧)، وأخرجه ابن حبان (٢٧٠٩)، وابن خزيمة (٣٥٦٥)، والحاكم (١/ ٤٤٦)، والبيهقي (٥/ ٢٥٢).","vol":"8","page":104},{"text":"وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. -علمًا- نصب على المصدر المؤكد، أو هو تمييز، والتقدير: قد علم كل شيء علمًا، أو أحاط إحاطةً علمًا. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: فخافوا أيها الناس المخالفون أمر ربكم عقوبته، فإنه لا يمنعه في عقوبتكم مانع، وهو على ذلك قادر، ومحيط أيضًا بأعمالكم، فلا يخفى عليه منها خاف، وهو محصيها عليكم، ليجازيكم بها، يوم تجزى كل نفس ما كسبت).\n\nتم تفسير سورة الطلاق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة الأربعاء ٧ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ٩/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"8","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - لا تطلق المرأة في الحيض ولا في طهر مَسّها فيه.\n٢ - يجب على المطلقة أن تقضي عدتها في بيت زوجها.\n٣ - المطلقة المبتوتة ليس لها نفقة ولا سكنى.\n٤ - الطلاق يقع بمجرد التلفظ به ولا يجب فيه إشهاد بل يستحب.\n٥ - عدة المطلقة اليائسة والمطلقة غير البالغة ثلاثة أشهر.\n٦ - عدة الحامل: المطلقة أو المتوفى عنها زوجها لحين وضعها.\n٧ - النفقة على المطلقات الحاملات حين يلدن ولهن أجر الإرضاع.\n٨ - النَّصْرُ مع الصَّبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العُسْرِ يُسْرًا.\n٩ - إهلاك اللَّه الأمم الكافرة من قبل عبرة كبيرة لهذه الأمة.\n١٠ - لا يأخذ أَحَدٌ شِبْرًا من الأرض بغير حَقِّه، إلا طَوَّقَهُ اللَّه إلى سبع أرضين يوم القيامة.\n* * *","vol":"8","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>٦٦ - سورة التحريم</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>موضوع السورة</span>\nتحريم النبي -ﷺ- على نفسه بعض الطيبات والأمر بمجاهدة الكفار والتماس أعلى الدرجات والقربات\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-375> منهاج السورة</span>-\n١ - عتاب لطيف من اللَّه لرسوله في تحريمه على نفسه ما أحَلَّ اللَّه له ابتغاء مرضاة أزواجه واللَّه غفور رحيم.\n٢ - تبيانه تعالى كيفية تحليل اليمين وكفّارته، واللَّه هو العليم الحكيم.\n٣ - عتابُ اللَّه لزوجات رسوله ليقدموا له أهنأ العيش وأطيبه، وإلا جاء الاستبدال من اللَّه لهن بِمَنْ هُنَّ أكثر حرصًا على التقوى والإيمان، والعمل الصالح والإحسان.\n٤ - الأمر للمؤمنين بالاجتهاد في طاعة اللَّه هم وذريتهم للنجاة من عذاب اللَّه الأليم، وتصوير مشهد الخزي والندامة يوم القيامة على الكافرين والمنافقين، ومشهد النجاة والفرح والسرور للمؤمنين في جنات النعيم.\n٥ - أمْرُ اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- بمجاهدة الكفار والمنافقين أصحاب الجحيم. وضَرْبُه تعالى","vol":"8","page":107},{"text":"المثل بامرأة نوح وامرأة لوط في خيانتهما منهاج النبوة لتكونا يوم القيامة في النار مع الداخلين.\n٦ - ضَرْبُ اللَّه المثل بامرأة فرعون للمؤمنين، ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها وكانت من القانتين.\n* * *","vol":"8","page":108},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: عِتابٌ لطيف من اللَّه تعالى لرسوله -ﷺ- في تحريمه على نفسه ما أحَلَّ اللَّه له ابتغاء مرضاة أزواجه واللَّه غفور رحيم، وقد أوضح اللَّه تعالى له كيفية التحلل من ذلك وكفارة اليمين. وعتابٌ لطيف آخر لزوجاته -ﷺ- ليقدموا له أهنأ العيش وأطيبه وإلا جاء الاستبدال من اللَّه العليم الحكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>أسباب نزول هذه الآيات:</span>\nلقد ورد ذكر سبب نزول هذه الآيات في أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن ابن جريج قال: [زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواصيت أنا وحفصة أن أَيَّتُنا دخل عليها النبي -ﷺ- فلتقل إني لأجد منك ريح مغافير (١)، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له ذلك،\n_________\n(١) مغافير: جمع مغفور، وهو صمغ حُلْوٌ له رائحة كريهة ينضجه شجر يسمى العُرْفط كأن النحل وقف =","vol":"8","page":109},{"text":"فقال: لا بأس، شربت عسلًا عند زينب ابنة جحش ولن أعودَ له. فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: بل شربت عسلًا] (١).\nوفي رواية: (قال: ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدًا).\nالحديث الثاني: يروي النسائي بسند صحيح عن أنمس ﵁: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حرامًا، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إلى آخر الآية] (٢).\nالحديث الثالث: يروي البزَّار في مسنده بإسناد صحيح عن ابن عباس: [﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: نزلت هذه في سُرِّيَتِه] (٣).\nوذكر ابن جرير بإسناده من حديث زيد بن أسلم وعُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عباس: أن الآية نزلت في شأن مارية القبطية أم إبراهيم أصابها النبي -ﷺ- في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة في نفسها في ذلك.\nفعن زيد بن أسلم: (أنّ رسول اللَّه -ﷺ- أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت: أي رسول اللَّه في بيتي وعلى فراشي؟).\nوفي رواية ابن عباس: (قال: ألا ترضين أن أحرِّمها فلا أقربها؟ قالت: بلى. فحرّمها. وقال لها: لا تذكري ذلك لأحد، فذَكرته لعائشة).\nورواه الهيثم بن كليب في مسنده، كما ذكر الحافظ ابن كثير، وقال هذا إسناد صحيح، عن ابن عمر: [قال النبي -ﷺ- لحفصة: لا تخبري أحدًا وإنّ أم إبراهيم عليَّ حرام. فقالت: أتحرم ما أحَلَّ اللَّه لك؟ قال: فواللَّه لا أقربها. قال: فلم يقربها، حتى\n_________\n= عليه، وكان يكره ﵊ أن يرى منه رائحة كريهة فحرّمه على نفسه.\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٥٢٦٧) - كتاب الطلاق. وكذلك (٦٦٩١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي في السنن (٣٩٥٩)، وفي الكبرى (٢١)، وفي \"التفسير\" (٦٢٧)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٣) من طريقين، وهو صحيح، وله شواهد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البزار (٢٢٧٤)، (٢٢٧٥) \"كشف\"، ورواه الطبراني -حديث رقم- (١١١٣٠) وإسناده صحيح. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٢٦): رجال البزار رجال الصحيح غير بشر بن آدم، وهو ثقة.","vol":"8","page":110},{"text":"أخبرت عائشة، قال: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾] (١).\nقال الشوكاني: في تفسيره \"ج ٥/ ص ٢٥٢\": (فهذان سببان صحيحان لنزول الآية، والجمع ممكن بوقوع القصتين: قصةَ العسل وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعًا وفي كل واحد منهما أنه أسَرَّ الحديث إلى بعض أزواجه).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي غفور يا محمد ذنوب التائبين، وقد غفر لك تحريمك على نفسك ما أحل لك.\nوقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. قال الشعبي: (عوتب في التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين). أي: قد بين اللَّه لكم تحلة أيمانكم، وحدّها لكم أيها الناس، فتحليل اليمين كفارتها. والتحلّة: مصدر بمعنى التحليل. فشرع تحليل الأيمان بحل ما عقدته بالكفارة.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾. قال القرطبي: (وليّكم وناصركم بإزالة الحظر فيما تحرمونه على أنفسكم، وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفارة، وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة).\nوقوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. أي: فلما أخبرت بالحديث الذي أسرّ إليها رسول اللَّه -ﷺ- صاحبتها وأظهر اللَّه نبيّه محمدًا -ﷺ- على أنها قد أنبأت بذلك صاحبتها ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أي عرّف النبي -ﷺ- حفصة بعض ذلك الحديث وأخبرها به وترك أن يخبرها ببعض.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. أي: قالت حفصة حين أنبأها ذلك: من أنبأك هذا الخبر وأخبرك به؟ قال النبي -ﷺ-: خبرني به ﴿الْعَلِيمُ﴾ بسرائر عباده ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأمورهم وأحوالهم، لا يخفى عليه شيء.\nوعن ابن زيد قال: (﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ ولم تشك أن صاحبتها أخبرت عنها ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾).\nوقوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال ابن عباس: (يقول: زاغت قلوبكما، يقول: قد أثمت قلوبكما). وقال قتادة: (أي مالت قلوبكما). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن تتوبا إلى اللَّه أيتها المرأتان فقد مالت قلوبكما إلى محبة\n_________\n(١) إسناده صحيح. وصححه الحافظ ابن كثير. وانظر \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة التحريم. وله شواهد.","vol":"8","page":111},{"text":"ما كرهه رسول اللَّه -ﷺ- من اجتنابه جاريته، وتحريمها على نفسه، أو تحريم ما كان له حلالًا مما حرّمه على نفسه سبب حفصة).\nوقال القرطبي: (﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني حفصة وعائشة، حَثَّهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول اللَّه -ﷺ-. ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي زاغت ومالت عن الحق. وهو أنهما أحَبَّتَا ما كرِهَ النبي -ﷺ- من اجتناب جاريته واجتناب العسل، وكان ﵇ يحبّ العسل والنساء).\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾. أي تتظاهرا على النبي وتتعاونا عليه بالمعصية والإيذاء. قال الضحاك: (﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ يقول: على معصية النبي -ﷺ- وأذاه). وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: اللَّه وليّه وناصره، فلا يضره ذلك، التظاهر منهما، وكذلك جبريل وليه، وكذلك ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال عكرمة: (أبو بكر وعمر). فقد كانا عونًا له عليهما وهما أبوا عائشة وحفصة. وقيل: خيار المؤمنين. وقيل الأنبياء. وقال السدي: (هم أصحاب محمد -ﷺ-). قلت: واللفظ يعمّ من صيح من المؤمنين ممن آمن وعمل صالحًا.\nوقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. أي: والملائكة على تكاثر عددهم بعد نصرة اللَّه وجبريل وصالحي المؤمنين ﴿ظَهِيرٌ﴾ فوج مظاهر له، أعوان على من آذاه، وأراد مساءته، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه.\nوقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾.\nروى مسلم في صحيحه عن سِمَاكٍ أَبي زُمَيْلٍ: حدَّثني عبد اللَّه بن عباس: حدّثني عمر بن الخطاب قال: [لمّا اعتزَلَ نبيُّ اللَّه -ﷺ- نِساءه قال: دخلتُ المسجِدَ، فإذا الناس يَنْكُتون بالحصى ويقولون: طَلَّق رسول اللَّه -ﷺ- نِساءه، وذلك قبل أَنْ يُؤمَرْنَ بالحجاب -قال عمر- فقلت: لأَعْلَمَنَّ ذلك اليوم -قال-: فَدَخَلْتُ على عائشةَ، فقلت: يا بِنْتَ أبي بكر! أقَدْ بلغَ مِنْ شأنِكِ أَنْ تُؤذي رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقالت: مالِي ومالَكَ يا ابْنَ الخَطّاب؟ عَليكِ بِعَيْبَتِكَ (١). قال: فدخَلْتُ على حفصةَ بنتِ عمرَ، فقلت لها: يا حفصةُ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شأنِكِ أَنْ تؤذي رسولَ اللَّه -ﷺ-؟ اللَّه! لقد عَلِمْتِ أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- لا يُحِبُّكِ، ولولا أنا لَطَلَّقَكِ رسولُ اللَّه -ﷺ-، فبَكَتْ أشدَّ البُكاء، فقلت لها: أينَ\n_________\n(١) المراد عليك بوعظ ابنتك حفصة. والعيبة في لغة العرب: وعاء يجعل الإنسان فيه أفضل ثيابه ونفيس متاعه، فشبهت ابنته بها.","vol":"8","page":112},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ-؟ قالت: هو في خِزانته في المَشْرُبَة، فدخلت فإذا أنا بِرباحٍ غلامِ رسول اللَّه -ﷺ- قاعِدًا على أُسْكُفَّةِ المَشْرُبة، مُدَلٍّ رِجليه على نَقيرٍ مِنْ خَشَبٍ، وهو جِذْعٌ يَرْقى عليه رسول اللَّه -ﷺ- ويَنْحَدِرُ، فنادَيْتُ: يا رباحُ! استأذِن لي عِندك على رسول اللَّه -ﷺ-، فَنَظَرَ رَباحٌ إلى الغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إليَّ فلم يَقُل شيئًا، ثم رفعتُ صوتي فقُلتُ: يا رباحُ! استأذِن لي عندك على رسول اللَّه -ﷺ-، فإني أظُنُّ أنَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- ظَنَّ أني جِئْتُ مِنْ أجل حَفْصَةَ، واللَّه! لئِن أمرني رسولُ اللَّه -ﷺ- بضَرْبِ عُنُقِها لأضرِبَنَّ عُنَقَها، ورَفَعْتُ صَوْتي، فأوْمَأَ إليَّ أنِ ارْقَهْ، فدَخلتُ على رسول اللَّه -ﷺ- وهو مُضْطَجِعٌ على حَصير فَجَلَسْتُ، فأدْنَى عليه إزارَهُ، وليسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وإذا الحصيرُ قد أثَّرَ في جنبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبصري في خِزَانَةِ رسول اللَّه -ﷺ-، فإذا أنا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، ومِثْلِها قَرَظًا (١) في ناحية الغُرْفةِ، وإذا أَفِيقٌ (٢) مُعَلَّقٌ، -قال-: فابْتَدَرَتْ عَيْنايَ. قال: \"ما يبكيك؟ يا ابن الخطاب! \" قلت: يا نبيَّ اللَّه! ومالي لا أَبْكي؟ وهذا الحصيرُ قد أثَّرَ في جَنْبِكَ، وهذه خِزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاكَ قيصرُ وكِسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول اللَّه -ﷺ- وصَفْوَتُهُ، وهذِه خِزانَتُكَ. فقال: \"يا ابنَ الخطاب! ألا ترضى أن تكون لنا الآخِرةُ ولهم الدنيا؟ \" قلت: بلى. قال: ودَخَلْتُ عليه حينَ دخَلْتُ وأنا أرى في وجهه الغضبَ، فقلت: يا رسول اللَّه! ما يَشُقُّ عليك من شأنِ النساء؟ فإن كنتَ طَلَّقْتَهُنَّ فإن اللَّه معك وملائكتَه وجبريلَ وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلَّما تَكَلَّمْتُ -وأحْمَدُ اللَّه- بكلامٍ إلا رَجوْتُ أنْ يكونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قولي الذي أقولُ. ونزلت هذه الآيةُ آيةُ التَّخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكانت عائِشةُ بِنْتُ أبي بكر وحفصةُ تَظاهرانِ على سائرِ نساء النبي -ﷺ-، فقلت: يا رسول اللَّه! أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قال: \"لا\". قلت: يا رسول اللَّه! إني دخلتُ المسجدَ والمسلمون يَنْكتون بالحصى، يقولون: طَلَّقَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- نِساءَه، أَفَأَنْزِلُ فَأُخَبِرَهُم أَنَّكَ لم تُطَلِّقهُنَّ؟ قال: \"نعم، إن شئت\" فلم أَزلْ أُحَدِّثُهُ حتى تَحَسَّرَ الغَضَبُ عن وَجْهِهِ، وحتى كَشَرَ فَضحِكَ، وكان مِنْ أَحْسَنِ الناس ثَغْرًا، ثمَّ نزلَ نبيُّ اللَّه -ﷺ- فَنَزلْتُ أَتَشَبَّثُ بالجِذعِ، ونزلَ رسول اللَّه -ﷺ- كأنَّما يمشي على الأرض ما يَمَسُّهُ بيده، فقلت: يا رسول اللَّه! إنّما كُنْتَ في الغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ. قال: \"إنَّ\n_________\n(١) القرظ: ورق السلم يدبغ به.\n(٢) أفيقٌ: هو الجلد الذي لم يتم دباغه، وجمعه أَفَق، كأديم وأَدَم.","vol":"8","page":113},{"text":"الشهر يكون تِسعًا وعِشْرين\" فقمت على باب المسجد، فناديتُ بأعلى صوتي: لَمْ يُطَلِّق رسول اللَّه -ﷺ- نِساءَهُ، ونزلَتْ هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. فكنتُ أنا استنبطْتُ ذلكَ الأمْرَ، وأنزل اللَّه ﷿ آيةَ التَّخْيير] (١).\nوفي جاء الترمذي عن عائشة قالت له: يا رسول اللَّه -ﷺ- لا تخبر أزواجك أني اخترتك، فقال النبي -ﷺ-: [إنما بعثني اللَّه مُبَلِّغًا ولم يَبْعَثني مُتَعَنِّتًا] (٢).\nوقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾. قال ابن جرير: (﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ يقول: خاضعات للَّه بالطاعة ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ يعني مصدقات باللَّه ورسوله).\nوقوله: ﴿قَانِتَاتٍ﴾. قال ابن زيد: (مطيعات). وكذلك قال قتادة.\nوقوله: ﴿تَائِبَاتٍ﴾. أي: راجعات إلى ما يحبّه اللَّه منهن من طاعته عما يكرهه منهن.\nوقوله: ﴿عَابِدَاتٍ﴾. أي: متذللات للَّه بطاعته وطاعة رسول -ﷺ-.\nوقوله: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. قال ابن عباس: (صائمات). وقال زيد بن أسلم: (مهاجرات). والأول أرجح. وقد صح عند ابن جرير عن أبي هريرة موقوفًا: [﴿السَّائِحُونَ﴾ هم الصائمون] (٣).\nوكان بعض أهل العربية يرى أن الصائمِ إنما سمي سائحًا لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد الطعام، فكأنه أُخِذ من ذلك. حكاه ابن جرير وأُثِرَ عن الفَرّاء والقُتَبي وغيرهما.\nوقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾. قال ابن كثير: (أي: مِنْهُن ثَيِّباتٍ، ومنهن أبكارًا، أي ليكون ذلك أشهى إلى النفوس، فإن التنوع يَبْسُط النفسَ).\nوإنما سميت الثيب ثيبًا لأنها ثابت إلى بيت أبويها، وأما البِكْرُ فهي العذراء، سُمِّيت بِكْرًا لأنها على أوَّل حالتها التي خُلِقَت بها - حكاه القرطبي.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٧٩) - كتاب الطلاق، ح (٣٠)، وح (٣١).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٤٤)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥١٦).\n(٣) أخرجه الطبري (١٧٣٠٢) - سورة التوبة، آية (١١٢)، وهو صحيح موقوف.","vol":"8","page":114},{"text":"٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين الاجتهاد في طاعته هم وذريتهم للنجاة من عذابه الأليم، وتصوير مشهد الخزي يوم القيامة على الكافرين والمنافقين، ومشهد النجاة والسرور والفرح في دخول المؤمنين جنات النعيم.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال سفيان، عن منصور عن رجل، عن علي بن أبي طالب قال: (يقول: أدّبوهم، علِّموهم). - رواه ابن جرير.\nوعن ابن عباس: (﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يقول: اعملوا بطاعة اللَّه، واتقوا معاصي اللَّه، ومُروا أهليكم بالذكر يُنْجيكم اللَّه من النار). وقال مجاهد: (اتقوا اللَّه، وأوصوا أهليكم بتقوى اللَّه). وقال قتادة: (يقيهم أن يأمرهم بطاعة اللَّه، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليهم بأمر اللَّه يأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت للَّه معصية ردعتهم عنها، وزجرتهم عنها). وعن الضحاك: (حقٌّ على المسلم أن يُعَلِّم أهله من قرابتِه وإمائه وعبيده ما فرَض اللَّه عليهم، وما نهاهم اللَّه عنه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول اللَّه -ﷺ- قريشًا فاجتمعوا فعمَّ وخَصَّ، فقال: يا بني كعب بن لؤي","vol":"8","page":115},{"text":"أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدِ شمسٍ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مَناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئًا، غير أن لكم رحِمًا سأبُلُّها ببلالها] (١).\nوفي سنن أبي داود عن سبرة قال: قال النبي -ﷺ-: [مُروا الصَّبيَ بالصلاة إذا بلغ سَبْعَ سنين، وإذا بلغَ عَشْرَ سنين فاضربوه عليها] (٢).\nوله شاهد عنده من حديث عبد اللَّه بن عمرو بلفظ: [مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع] (٣).\nقال ابن كثير: (قال الفقهاء: وهكذا في الصوم، ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المَعْصية، وتَرْك المنكر، واللَّه الموفق).\nوفي صحيح مسلم من حديث عائشة أنّ النبي -ﷺ- كان إذا أوْتَرَ يقول: [قومي فَأوتري يا عائشة] (٤).\nوفي مسند أحمد وسنن أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: [رحم اللَّه رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضحَ في وجهها الماء. رحم اللَّه امرأة قامت من الليل فَصَلّت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء] (٥).\nوقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال ابن جرير: (يقول: حطبها الذي يوقد على هذه النار بنو آدم وحجارة الكبريت). وعن مجاهد: (هي حجارةٌ من كبريت، أنتنُ من الجيفة).\nوقوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾. قال القرطبي: (يعني الملائكة الزبانية غِلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، خُلِقوا من الغضب، وَحُبِّبَ إليهم عذابُ الخلق\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠٤) - كتاب الإيمان. وانظر صحيح البخاري (٤٧٧١).\n(٢) حسن صحيح. أخرجه أبو داود (٤٩٤) - كتاب الصلاة. باب متى يؤمر الغلام بالصلاة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٩٥) - كتاب الصلاة. انظر صحيح أبي داود (٤٦٦).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٤٤)، وأحمد (٢/ ١٥٢)، (٢/ ٢٠٥) من حديث عائشة.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٣٠٨)، وأحمد (٢/ ٢٥٠)، النسائي (٣/ ٢٠٥) وغيرهم.","vol":"8","page":116},{"text":"كما حُبِّبَ لبني آدم أكل الطعام والشراب. ﴿شِدَادٌ﴾ أي: شداد الأبدان. وقيل: غِلاظ الأقوال شداد الأفعال. وقيل: غِلاظ في أخذهم أهل النار شداد عليهم). وقيل: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي: طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين باللَّه ﴿شِدَادٌ﴾ في تركيبهم ومنظرهم المزعج الرهيب.\nوقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: لا يخالفون اللَّه في أمره من زيادة أو نقصان، ولا يتأخرون عن فعل ما يأمرهم طرفة عين، بل يبادرون إلى الامتثال وتنفيذ الأمر بإتقان.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nأي: يقال للكفار يوم القيامة: إنه لا ينفعكم عذر اليوم فلا تعتذروا، إنما توفون جزاء أعمالكم التي كنتم تعملونها في الدنيا. قال ابن جرير: (فلا تطلبوا المعاذير منها). وقال القرطبي: (﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ فإن عذركم لا ينفع. وهذا النّهي لتحقيق اليأس).\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. إرشاد من اللَّه تعالى عباده المؤمنين للمبادرة إلى التوبة الصادقة قبل فوات الأوان.\nيروي ابن جرير بسنده عن سماك، عن النعمان بن بشير، قال: سُئِلَ عمر عن التوبة النصوح، قال: (التوبة النصوح: أن يتوب الرجل من العمل السَّيِئ، ثم لا يعود إليه أبدًا). وقال ابن عباس: (﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أن لا يعود صاحبها لذلك الذنب الذي يتوب منه، ويقال: توبته أن لا يرجع إلى ذنب تركه). وقال قتادة: (هي الصادقة الناصحة). وقال ابن زيد: (التوبة النصوح الصادقة، يعلم أنها صدق ندامة على خطيئته، وحبّ الرجوع إلى طاعته، فهذا النصوح).\nوعن الحسن: (التوبة النصوح: أن تُبْغِضَ الذنب كما أحببتَه، وتستغفِرَ منه إذا ذكرته).\nقلت: وشروط التوبة النصوح كما أحب تصنيفها خمسة:\nأولًا: أن يكف عن الآثام وينقلع عن المحرمات.\nثانيًا: أن يندم على ما فرط باجتراح السيئات.\nثالثًا: أن يعقد العزم ألا يعود إلى السقوط في هذه الآثام والزلات.\nرابعًا: أن يؤدي الحقوق إلى أصحابها وكذلك الأمانات.","vol":"8","page":117},{"text":"خامسًا: أن يترك الصحبة الفاسدة التي تحمله على الموبقات. وأن يهاجر من الأرض والقرية التي يعمل أهلها المنكرات، إلى القرى والبلاد التي يغلب على أهلها فعل الحسنات.\nوأما ترتيب أدلتها من الكتاب والسنة:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].\n٢ - أخرج أحمد وابن ماجة بسند حسن عن ابن معقل قال: [دخلت مع أبي على عبد اللَّه، فسمعته يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"النَّدمُ توبة\". فقال له أبي: أنت سمعت النبي -ﷺ- يقول: \"الندم توبة\"؟ قال: نعم] (١).\nورواه الطبراني من حديث أبي سعيد الأنصاري بلفظ: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له].\n٣ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].\n٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].\nوفي مسند أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [نفسُ المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه] (٢).\n٥ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].\nوفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري -في قصة الرجل قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم كمّل بالراهب مئة، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فنصحه فقال له-: [ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٣٣)، وابن ماجة (٤٢٥٢). انظر صحيح ابن ماجة (٣٤٢٩). ورواه الطبراني بسند حسن من حديث أبي سعيد الأنصاري. انظر صحيح الجامع (٦٦٧٩).\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد من حديث أبي هريرة. انظر تخريج: \"مشكاة المصابيح\" (٢٩١٥).","vol":"8","page":118},{"text":"اللَّه تعالى فاعبد اللَّه معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء] الحديث (١).\nوقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال القرطبي: (﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجبة). وقال النسفي: (هذا على ما جرت به عادة الملوك من الإجابة بعسى ولعل ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت).\nوقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. قال القاسمي: (أي لا يذلّهم. تعريض لأعدائهم بالخزي والصغار).\nوقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يسعى نورهم أمامهم ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ يقول: وبأيمانهم كتابهم).\nوقوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال مجاهد: (هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نورَ المنافقين قد طفِئ).\nأخرج الإمام أحمد بسند حسِن في الشواهد عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أنا أوّل من يُؤْذَنُ له بالسجود يومَ القيامة، وأنا أول من يرفع رأسه، فأنظرُ بين يديَّ، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مِثْلُ ذلك، وعن يميني مِثْلُ ذلك، وعن شمالي مِثلُ ذلك. فقال رجل: كيف تعرِف أمتَك يا رسول اللَّه -ﷺ- من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هم غرٌّ مُحَجَّلُون، مِنْ أَثَرِ الوضوء، ليس لأحد كذلك غيرِهم، وأَعْرِفُهُم أنهم يؤتَون كُتُبَهُم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذُرِّيَتُهُم] (٢). ورواه محمد بن نصر المروزِيّ بنحوه وفي روايته: [غرٌّ مُحَجَّلون من أثر الوضوء، ولا يكون أحدٌ من الأمم كذلك غيرُهم، وأعرفهم أنهم يُؤْتَون كُتُبَهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثَر السجود، وأعرِفُهم بِنُورهم يسعى بين أيديهم].\nوأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن يحيى بن حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صلّيت خلف النبي -ﷺ- عام الفتح فسمعته يقول: [اللهم لا تخزني يومَ القيامة] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٣٧٣)، (٦/ ٣٧٤)، وأخرجه مسلم (٢٧٦٦).\n(٢) رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو حديث حسن في المتابعات. انظر صحيح الترغيب (١/ ١٧٥) - كتاب الطهارة، الترغيب في الوضوء وإسباغه.\n(٣) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٣٤)، ورجاله كلهم ثقات، وجهالة الصحابي لا تضرّ.","vol":"8","page":119},{"text":"٩ - ١٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- بمجاهدة الكفار والمنافقين أصحاب الجحيم، وضَرْبه تعالى المثل بامرأة نوح وامرأة لوط في خيانتهما منهاج النبوة لتكونا يوم القيامة في النار مع الداخلين.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال قتادة: (أمر اللَّه نبيه ﵊ أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين بالحدود). فجهاد الكفار بالسلاح والقتال، وجهاد المنافقين بالوعيد واللسان وبإقامة الحدود عليهم.\nوقوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. قال قتادة: (يقول: واشدد عليهم في ذات اللَّه). وقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: ومكثهم جهنم ومستقرهم إلى النار، وبئس القرار والموضع الذي يصيرون إليه نار السعير.\nوقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: في مخالطتِهم المسلمين ومُعَاشَرتهم لهم، أنَّ ذلك لا يُجْدي عنهم شيئًا، ولا ينفعهم عند اللَّه، إن لم يكن الإيمان حاصلًا في قُلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾، أي: نبيَّين رسُولَين عندهما في صُحبتهما ليلًا ونهارًا، يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشدَّ العشرة والاختلاط).\nوقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، أي في الدين، لم يوافقاهما على الإيمان والرسالة. وليس المقصود الزنا أو الفاحشة، فإن نساء الأنبياء معصومات عن ذلك لحرمة الأنبياء. قال ابن عباس: (ما بغت امرأة نبي قط. إنما كانت خيانتهما في الدين). وقال عكرمة: (وكانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين). وقال الضحاك: (كانتا مخالفتين دين النبي -ﷺ- كافرتين باللَّه).\nيروي ابن جرير بإسناده عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قيس، عن ابن عباس: (قوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾: قال: كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون.","vol":"8","page":120},{"text":"وكانت امرأة لوط تَدُلّ على الضيف). أو قال: (أما امرأة نوح فكانت تُخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تَدُلُّ قومها على أضيافِه).\nوقال العوفي، عن ابن عباس قال: (كانت خيانتُهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تَطّلِعُ على سِرِّ نوح، فإذا آمن معَ نوحٍ أحدٌ أخبرت الجبابرة من قوم نُوح به، وأما امرأة لوطٍ فكانت إذا أضافَ لوطٌ أحدًا أخبرت به أهلَ المدينة ممن يعمل السوء).\nوقوله: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. أي فما نفع هاتين المرأتين إذ عصتا اللَّه أن أزواجهما أنبياء. قال قادة: (هاتان زوجتا نَبِيَّي اللَّه، لما عصتا ربهما لم يغن أزواجهما عنهما من اللَّه شيئًا). وقال: (يقول اللَّه: لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئًا، وامرأة فرعون لم يضرّها كفر فرعون).\nوقوله: ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. قال ابن جرير: (قال اللَّه لهما يوم القيامة: ادخلا أيتها المرأتان نار جهنم مع الداخلين فيها).\n\n١١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الصورة المقابلة من المثل، فالذين آمنوا لا يضرهم مخالطةُ الكافرين إن ضاق الأمر عليهم أو حوصروا أو كانوا محتاجين إليهم، فإن اللَّه تعالى قضى أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن لكل نفس ما كسبت، وامرأة فرعون خير مثل في ذلك للمؤمنين، وكذلك مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها وصبرت على أمر ربها وكانت من القانتين.\nفقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. قال قتادة: (كان فرعون أغنى أهلِ الأرض وأكفره، فواللَّه ما ضَرَّ امرأته كُفْر زَوجها حين أطاعت رَبَّها لِتَعلموا أن اللَّه تعالى حَكَمٌ عدل، لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه).\nوقوله: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾. قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. قال النسفي: (فكأنها أرادت الدرجة العالية لأنه تعالى منزه عن المكان، فعبرت","vol":"8","page":121},{"text":"عنها بقولها عندك). قال ابن جرير: (فاستجاب اللَّه لها فبنى لها بيتًا في الجنة).\nوقوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾. قال القرطبي: (تعني بالعمل الكفر. وقيل: من عمله من عذابه وظلمه وشماتته. وقال ابن عباس: الجماع).\nوقوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال مقاتل: (القبط). وقال الكلبي: (أهل مصر). قال ابن جرير: (تقول: وأخلصني وأنقذني من عمل القوم الكافرين بك، ومن عذابهم). وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم، ﵂.\nأخرج أبو يعلى بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنّ فرعون أوْتدَ لامرأتِه أربعة أوتادٍ في يديها ورِجْليها، فكان إذا تفرّقوا عنها ظلّلتها الملائكة، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فكشف لها عن بيتها في الجنة] (١).\nوله شاهد عند الحاكم والطبري بسند على شرط الشيخين من حديث سلمان ﵁ قال: [كانت امرأة فرعون تُعَذَّبُ بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة].\nوشاهد عند البيهقي في \"شعب الإيمان\" عن ثابت عن أبي رافع قال: [وتَدَ فرعون لامرأته أربعة أوتاد، ثم حمل على بطنها رحىً عظيمة حتى ماتت]-وهو مرسل صحيح-.\nوقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾. قال ابن كثير: (أي: حَفِظَتْه وصانته. الإحصان: هو العَفاف والحُرمة. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، أي: بواسِطة المَلَك، وهو جبريلُ، فإن اللَّه بَعَثَهُ إليها فتَمَثَّلَ لها في صورة بَشَر سَوِيٍّ، وأمره اللَّه تعالى أن ينفُخ بفيه في جيب دِرْعِها، فنزلت النفخةُ فَوَلَجَت في فَرْجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇).\nوقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾. أي: بقدره وشرعه. قال قتادة: (يقول: آمنت بعيسى، وهو كلمة اللَّه ﴿وَكُتُبِهِ﴾ يعني التوراة والإنجيل).\nوقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. أي: من المطيعين المخبتين. قال قتادة: (يقول: وكانت من القوم المطيعين).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٤/ ١٥٢١ - ١٥٢٢) وإسناده على شرط مسلم، وانظر للشاهد الأول تفسير الطبري (٢٨/ ١١٠)، والحاكم (٢/ ٤٩٢)، وهو موقوف إسناده صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٥٠٨). وللشاهد الثاني \"شعب الإيمان\" (٢/ ٢٤٤/ ١٦٣٨).","vol":"8","page":122},{"text":"وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في فضل آسية بنت مزاحم -امرأة فرعون- وفضل مريم بنت عمران ﵉.\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن علي ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [خير نسائِها مريمُ بنتُ عمران، وخير نسائها خديجةُ بنتُ خُوَيلد] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند بسند على شرط الصحيح عن ابن عباس قال: [خطّ رسول اللَّه -ﷺ- في الأرض أربعة خُطوطٍ، وقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلمُ. فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: أفضلُ نساءِ أهل الجنة خديجة بنتُ خُوَيلد، وفاطِمةُ بنتُ محمد، ومريم ابنةُ عِمران، وآسية ابنةُ مزاحمٍ امرأة فِرعون] (٢).\nوله شاهد في المسند -أيضًا- من حديث أنس بلفظ: [خير نساء العالمين أربع: مريمُ بنتُ عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون].\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كَملَ من الرجال كثير، ولم يكمُلْ من النساء إلا آسية امرأةُ فرعون، ومريم بنتُ عمران -زاد ابن مردويه: (وخديجة بنت خويلد) - وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام] (٣).\n\nتم تفسير سورة التحريم بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة الجمعة ٩ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ١١/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م.\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣٨١٥) - كتاب مناقب الأنصار. ورواه مسلم برقم (٢٤٣٠) - كتاب فضائل الصحابة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣١٦) وإسناده على شرط الصحيح. وانظر للشاهد -بعده- صحيح الجامع (٣٣٢٣)، وسنده صحيح.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤١١) - كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلك (٣٧٦٩)، (٥٤١٨). وأخرجه مسلم (٢٤٣١) - كتاب فضائل الصحابة، ورواه أحمد، وغيرهم.","vol":"8","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - حَرَّم الرسول -ﷺ- أمَّ ولده إبراهيم فعاتبه اللَّه وأمره بإعادتها.\n٢ - التحريم ليس طلاقًا إلا بنية الطلاق، وكفارة التحريم كفارة يمين.\n٣ - تحريم مارية وتحريم العسل واقعتان مستقلتان في أسباب نزول الآية.\n٤ - هدَّدَ اللَّه نساء نبيّه أن يستقمن أو يزوجه خيرًا منهن.\n٥ - المسلم مسؤول عن أهل بيته أمرًا ونهيًا وترغيبًا وترهيبًا.\n٦ - مُروا الصَّبي بالصلاة إذا بلغ سَبْعَ سنين، وإذا بلغ عَشْر سنين فاضربوه عليها.\n٧ - المؤمن نوره يسعى بين يديه يوم القيامة والمنافق يطفأ نوره.\n٨ - الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.\n٩ - نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء.\n١٠ - رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة: اختارت الجار قبل الدار.\n١١ - أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنتُ خوَيلد، وفاطمة بنتُ محمد، ومريم ابنة عِمران، وآسية ابنةُ مزاحمٍ امرأة فرعون.\n١٢ - كمل من الرجال كثير، ولم يكمُلْ من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.","vol":"8","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>٦٧ - سورة الملك</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>ذكر ما جاء في فضلها من أحاديث:</span>\nالحديث الأول: أخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ سُورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجلٍ حتى غُفِرَ له، وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾] (١).\nوفي رواية: (شفعت لصاحبها حتى غُفر له).\nوفي رواية: [إن سورة من كتاب اللَّه ما هي إلا ثلاثون آية، شفعت لرجل فأخرجته من النار، وأدخلته الجنة].\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني في \"الأوسط\" بسند جيد عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [سُورة من القرآن ما هى إلا ثلاثون آية خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة، وهي ﴿تَبَارَكَ﴾] (٢).\n_________\n(١) حديث حسن صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٩)، وأبو داود (١٤٠٠)، والترمذي (٢٨٩١)، والنساتي في \"الكبرى\" (٧١٠)، وفي \"التفسير\" (٦٣٢)، وابن ماجة (٣٧٨٦). وانظر للروايات المختلفة: تخريج الترغيب (٢/ ٢٢٢)، وصحيح الجامع الصغير (٢٠٨٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٣٦٦٧)، وإسناده قوي، وله شواهد.","vol":"8","page":125},{"text":"الحديث الثالث: أخرج الحاكم وأبو الشيخ بسند صحيح عن عبد اللَّه مرفوعًا: [سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر: [أنَّ النبي -ﷺ- كان لا ينام حتى يقرأ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>موضوع السورة</span>\nكمال الملك للَّه رب العالمين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-381> منهاج السورة</span>-\n١ - البدء بتمجيد اللَّه تعالى خالق الموت والحياة، جاعل الكواكب زينة للسماوات، والشهب رجومًا للشياطين.\n٢ - إعداد اللَّه نار جهنم ليعذب بها الكافرين، الذين كذبوا الرسل وعاندوا الوحي الكريم.\n٣ - تخصيص رفيع الأجر لأهل الخشية والخوف من اللَّه العظيم، الذي ذلل الأرض لعباده ليسعوا في مناكبها ويكونوا من الشاكرين.\n٤ - تنبيه اللَّه عباده أن لا يأمنوا عقابه إن اختاروا طريق المعصية والآثام، ودعوتهم لرؤية بديع قدرته في حركة الطير فوقهم ما يمسكهن إلا الرحمان.\n٥ - تنبيه العباد أن النصر والرزق بيد اللَّه العلي الكريم، الذي إليه يرجع الخلق وتكون الندامة والخزي على الكافرين.\n٦ - الثناء على المؤمنين في توكلهم على العزيز الرحيم، وتنبيه العباد إلى نعمة الماء الذي إن غار لا يأتيهم به إلا الرحمان الكريم.\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٨)، وأبو الشيخ في \"طبقات الأصبهانيين\" (٢٦٤) وهو صحيح الإسناد. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١١٤٠).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٣١٦) - أبواب فضائل القرآن. باب ما جاء في سورة الملك، من حديث جابر ﵁.","vol":"8","page":126},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تمجيدُ اللَّه تعالى نفسه فهو الخالق القادر العزيز الغفور، الذي خلق الموت والحياة والسماوات وَزَيَّنَها بالكواكب وجعل الشهب رجومًا للشياطين، وأعدّ عذاب السعير للكافرين.\nفقوله: ﴿تَبَارَكَ﴾. تفاعل من البركة. قال الحسن: (تقدّس). وقال ابن جرير: (تعاظم وتعالى). فهو تمجيد من اللَّه تعالى لنفسه الكريمة.\nوقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. قال ابن عباس: (بيده الملك يُعِزُّ من يشاء ويُذِلّ من يشاء، ويحيي ويميت، ويُغني ويُفقِر، ويُعطي ويمنع). وقال محمد بن إسحاق: (له ملك النبوّة التي أعزّ بها من اتبعه وذلّ بها من خالفه). والمقصود: بيده سبحانه مُلك الدنيا والآخرة وسلطانهما، وأمره وقضاؤه نافذ فيهما، فتعالى اللَّه الملك القهار.\nوقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال القرطبي: (من إنعام وانتقام). والمعنى: أمره نافذ في كل شيء لكمال قهره وقدرته، فلا يعجزه شيء.\nوقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال قتادة: (أذلّ اللَّه ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء). والمقصود: أوجد سبحانه الخلائق من العدم ليختبرهم أيهم أفضل عملًا. قال النسفي:","vol":"8","page":127},{"text":"(والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير والحياة التي لا تفي بعليل ولا طبيب، فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم، فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم).\nوقدّم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، ولأن أقوى الناس داعيًا إلى العمل من نَصَبَ موته بين عينيه، وأَكْثَر من ذكر هادِم اللذات الذي يسحبه إلى قبره مما في يديه.\nوعن الفضيل بن عياض: (﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون للَّه. والصواب: أن يكون على السنة).\nوقال شيخ الإسلام: (وإذا كانت جميع الحسنات، لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه اللَّه، وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال. في الكلم الطيب، والعمل الصالح، في الأمور العلمية، والأمور العملية العبادية).\nأخرج الطبراني في \"الكبير\" بسند حسن عن عباد بن تميم عن عمه مرفوعًا: [يا نعايا العرب! يا نعايا العرب! يا نعايا العرب! إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية] (١).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. أي: وهو الغالب الذي لا يعجزه من عصاه، الستور لمن تاب واستعتب والتمس رضاه.\nوقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾. قال ابن جرير: (طبقًا فوق طبق، بعضها فوق بعض). قال القرطبي: (و﴿طِبَاقًا﴾ نعت لـ ﴿سَبْعَ﴾ فهو وصف بالمصدر).\nوقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. قال قتادة: (ما ترى فيهم من اختلاف).\nوقال ابن كثير: (﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، أي: بل هو مُصْطَحِبٌ مُسْتَوٍ، ليس فيه اختلافٌ ولا تنافرٌ ولا مخالفة، ولا نقصٌ ولا عيبٌ ولا خَلَلَ).\nوقوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. قال ابن عباس: (أي: شقوق). وفي\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح. انظر \"المجمع\" (٦/ ٦٥٥). ورواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١٢٢). والبيهقي في \"الزهد\" (٢/ ٣٧/ ٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٥٠٨).","vol":"8","page":128},{"text":"رواية: (أي: وَهِيٍّ). وقال السدي: (﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: من خُرُوق). وقال قتادة: (أي هل ترى خَلَلًا يا ابن آدم؟). والمقصود: اردد طرفك إلى السماء فقلِّب البصر في أرجائها فانظر متأملًا هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو شقوقًا.\nوقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. قال قتادة: (مرتين). أي رجعتين مرة بعد مرة. فإن النظرة الأولى قد لا تكشف العيب، فانظر الثانية نظر الفاحص المستكشف.\nوقوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾. قال ابن عباس: (ذليلًا). وقال مجاهد: (صاغرًا). فأخبر اللَّه تعالى أنه وإن نظر في السماء مرة بعد مرة متفحصًا لا يرى فيها عيبًا بل يتحيّر بالنظر إليها، ويرجع البصر خاشعًا صاغرًا متباعدًا عن رؤية أي عيب أو نقص أو خلل. وفي لغة العرب: خَسَأ البصر أي سَدِر -يعني لم يكد يبصر- من باب قَطَع وخَضَع. وخسأت الكلبَ أي أبعدته وطردته.\nوقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. الحسور: الإعياء. قال قتادة: (﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ يقول: مُعْيٍ لم ير خللًا ولا تفاوتًا). والمقصود: عاد البصر بعد التأمل حسيرًا -أي كليلًا- قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرُّر ولا يرى نقصًا ولا عيبًا.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾. بيان لكمال زينة السماء وتمام خلقها وحسن تلألئها بعد نفي النقص أو العيب في صرحها. والمصابيح: الكواكب التي وضعت فيها السيَّارات والثوابتِ. قال النسفي: (﴿بِمَصَابِيحَ﴾ بكواكب مضيئة كإضاءة الصبح، والمصابيح السرج، فسميت بها الكواكب والناس يزينون مساجدهم ودورهم بإيقاد المصابيح، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح، أي بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. أي وجعلنا الشهب التي تصدر عن هذه المصابيح رجومًا لأعدائكم من الشياطين. والرجوم: جمع رجم، وهو مصدر سُمِّيَ به ما يرجم به. قال قتادة: (خلق اللَّه تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر والأوقات. فمن تأوّل فيها غير ذلك فقد تكلّف ما لا علم له به، وتعدّى وظلم).\nأخرج البخاري عن ابن عباس قال: [انطلق رسول اللَّه -ﷺ- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء","vol":"8","page":129},{"text":"وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه -ﷺ- بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء] (١).\nفهؤلاء الشياطين ما عادوا يَحْظَون اليوم بخبر كامل من السماء كما كانوا قبل بعثة النبي -ﷺ-، فربما استرقوا جزءًا من الخبر لا تكتمل معه قصة أو خبر قبل أن تحرقهم الشهب وتقطع عليهم السبيل.\nقال شيخ الإسلام: (وقد أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم، فإنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا، وأخبر أن الشياطين تُرجم بالنجوم).\nقلت: وأما ما يربط به المنجمون بعض ما يحدث في الدنيا في حياة الناس من موتِ أحد مشاهيرهم، أو ولادة مولود لبعضهم، أو مما ينتظر بعضهم من أماني وأحلام في المستقبل يزعمون أن الأفلاك توجبه، فكل ذلك من الكذب على اللَّه بغير علم.\nقال محمد بن كعب: (واللَّه ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلًا ويتخذون النجوم علة).\nوقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا لهؤلاء الشياطين أشدّ الحريق مقابل ما تعاطوا به من السحر والكفر والكذب على اللَّه ورسله.\n\n٦ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٢١) - كتاب التفسير. ورواه مسلم والترمذي وغيرهما.","vol":"8","page":130},{"text":"كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: إعدادُ اللَّه نار جهنم ليعذب بها الكافرين، الذين كذبوا الرسل وعاندوا الوحي الكريم، ليذوقوا الخزي والندامة والألم في مستقرهم في الجحيم.\nفقوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾. أي أَعَدَّ اللَّه لكل من كفر به من الشياطين وغيرهم عذاب النار في الآخرة.\nوقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: وبئس المرجع والمآل والمستقر والمنقلب.\nوقوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾. قال ابن جريج: (يعني الصياح). وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾. قال مجاهد: (يقول: تغلي كما يغلي القِدْر). وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾. قال ابن عباس: (تكاد يفارق بعضها بعضًا وتنفطر). وقال: (يقول: تتفرّق). قال ابن زيد: (التميز: التفرّق من الغيظ على أهل معاصي اللَّه غضبًا للَّه، وانتقامًا له). والمقصود: تكاد جهنم ينفصل بعضها من بعض، مِنْ شدّة غيظها على أهلها وحنقها بهم.\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾.\nأي: كلما ألقي فيها جماعة من الكفار سألهم خزنة جهنم -على جهة التوبيخ والتقريع-: ألم يأتكم رسول في الدنيا ينذركم لقاء يومكم هذا ويحذركم مآسيه؟ ! فأجابوا: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ حذرنا وأنذرنا فقابلناه بالتكذيب وقلنا: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي على ألسنتكم معشر الرسل ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعيد.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ليسَ أحَدٌ","vol":"8","page":131},{"text":"أحَبَّ إليه المدحُ من اللَّه ﷿، مِنْ أجْلِ ذلك مَدَحَ نَفْسَهُ، وليسَ أحَدٌ أَغْيَرَ من اللَّه، مِنْ أَجْلِ ذلك حَرَّمَ الفواحِشَ، وليس أحَدٌ أحبَّ إليه العُذرُ من اللَّه، مِنْ أجْل ذلك أنزل الكِتابَ وأرسَلَ الرُّسُل] (١).\nوفي سنن أبي داود بسَند صحيح عن أبي البَخْتَرِيِّ الطائي قال: أخبرني من سمع النبي -ﷺ- أنه قال: [لَنْ يهلكَ الناس حتى يَعْذِروا، أو يُعْذِروا، من أنفسهم] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.\nإِخْبَارٌ من اللَّه ﷿ عن وقوع الكافرين يوم الحسرة بالندامة، ورجوعهم على أنفسهم بالملامة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقال الفوج الذي ألقي في النار للخزنة ﴿لَوْ كُنَّا﴾ في الدنيا ﴿نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ من النذر ما جاؤونا به من النصيحة، أو نعقل عنهم ما كانوا يدعوننا إليه ﴿مَا كُنَّا﴾ اليوم ﴿فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني أهل النار). والمقصود: ما كانوا يسمعون الإنذار سماع طالب الحق، ولا يعقلون حجج الوحي عقل المتأمل المتدبر، وهذا ما وَرَّطهم في العذاب يوم القيامة. قال النسفي: (وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل وأنهما حجتان ملزمتان).\nوقوله: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾. أي: أقروا بكفرهم في تكذيب الرسل ومعاندة حجج الوحي. ووحّد الذنب وقد أضيف إلى الجمع لأن فيه معنى الفعل، فالذنب بمعنى الجمع، فأدّى الواحد عن الجميع، كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.\nوقوله: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: بُعْدًا). قال القرطبي: (أي فَبُعْدًا لهم من رحمة اللَّه).\n\n١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٦٠) ح (٣٥) - كتاب التوبة. باب غيرة اللَّه تعالى، وتحريم الفواحش. قال القاضي: (يحتمل أن المراد الاعتذار، أي اعتذار العباد إليه من تقصيرهم، وتوبتهم من معاصيهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾).- يفسِّر \"العُذْر\".\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٣٤٧)، بإسناد حسن، وجهالة الصحابي لا تضرّ، فالإسناد رجاله ثقات. وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٦٥٣).","vol":"8","page":132},{"text":"اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ رفيع الأجر والثواب لأهل الخشية والخوف من اللَّه العظيم، الذي يعلم السر وأخفى وهو اللطيف الخبير الكريم، والذي ذلَّل الأرض لعباده ليسعوا في مناكبها وليشكروه على نعمه وليستعدوا للقائه في يوم الحشر العظيم.\nفقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾. قال ابن جرير: (يخافون ربهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يقول: وهم لم يَرَوْه).\nقلت: بل الخشية أخص من الخوف، فالخشية للعلماء باللَّه، والخوف لعامة المؤمنين. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وكما قال نبيه -ﷺ-: [إني أتقاكم للَّه وأشدكم له خشية]- رواه مسلم.\nوقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي لهم عفو من اللَّه عن ذنوبهم، وثواب جزيل على خشيتهم إياه -سبحانه- بالغيب.\nوقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾. اللفظ لفظ الأمر والمراد به الخبر. والتقدير: سواء أخفيتم قولكم وكلامكم أيها الناس أو أعلنتموه فإن إسراركم وإجهاركم قد أحاط به اللَّه.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: إنه تعالى محيط بضمائر الصدور لا يخفى عليه منها شيء، فغيرها أحرى أن لا يخفى عليه.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. أي: ألا يعلم السر من خلق السر، وهو ﴿اللَّطِيفُ﴾ بعباده ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم وبأعمالهم.\nواللطيف اسم من أسماء اللَّه تعالى. ومعناه: الذي يوصِلُ إليك أَرَبَك في رِفْق. وقيل: هو الذي لَطُفَ عن أن يُدْرَكَ بالكيفية.\nقال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٩].\nوالخبير: العالم العارف بما كان وما يكون. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].","vol":"8","page":133},{"text":"وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾. أي: سهلة تستقرون عليها، قد سَهّلَها لكم. والذلول في كلام العرب المنقاد الذي يَذِلّ لك. والمصدر الذُّلُ وهو اللين والانقياد.\nوقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. أىِ في أطرافها ونواحيها وأرجائها. قال ابن عباس: (يقول: امشوا في أطرافها). وقال مجاهد: (في طرقها وفجاجها).\nقال ابن كثير: (أي: فَسَافِروا حيث شِئْتُم من أقطارها، وتردّدوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سَعْيَكُم لا يُجْدي عليكم شيئًا، إلا أن يُيَسِّره اللَّه لكم، ولهذا قال: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ - فالسعي في السبب لا ينافي التوكل).\nوفي سنن ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [لو أنكم تَتَوَكّلون على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزقُ الطير، تَغْدو خِماصًا وتروح بِطانًا] (١).\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. أي: وإليه المرجع سبحانه يوم القيامة، هو ينشركم من قبوركم للقيام بين يديه في أرض المحشر.\n\n١٦ - ١٩. قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده أن لا يأمنوا عقابه إن اختاروا طريق المعصية والآثام، فلقد أهلك سبحانه من قبلهم من أهل الكفر والمكر والإجرام، فهلا نظروا إلى بديع قدرته في حركة الطير فوقهم ما يمسكهن إلا الرحمان.\nفقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾. أي: أأمنتم اللَّه الذي استوى على العرش فوق سبع سماوات أن ينزل نقمته بأهل المعاصي والآثام. قال ابن عباس: (أأمنتم عذاب من في\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجة (٤١٦٤)، وأحمد (١/ ٣٠)، وغيرهم.","vol":"8","page":134},{"text":"السماء إن عصيتموه). وقيل: تقديره أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشُه ومملكتُه. قال القرطبي: (وخَصَّ السماءَ وإن عَمَّ مُلكُهُ تنبيهًا على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظّمونه في الأرض). وقال ابن جرير -شيخ المفسرين-: (﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهو اللَّه).\nقلت: والآية دليل ساطع من أدلة العلو وأن اللَّه تعالى في السماء -أي: على السماء- فإن ﴿فِي﴾ -في هذه الآية كما ذكر البيهقي والذهبي وأئمة السلف- تعني \"على\".\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٤ - ٥].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج مسلم عن جابر: [-أن رسول اللَّه -ﷺ- قال في خطبته يوم عرفة-: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول: اللهم اشهد). وفي رواية: [فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤/ ٣٩ - ٤٣). وانظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (٧٠٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١/ ٣٥٠)، وأحمد (٢/ ١٦٠)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٥١٤) ص (١٤٠)، وهو جزء من حديث طويل.","vol":"8","page":135},{"text":"وقوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾. أي كما خسف بقارون. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تضطرب وتتحرك. والمَوْر: الاضطر اب بالذهاب والمجيء.\nوقوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ -وهو اللَّه- ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾. قال ابن جرير: (وهو التراب فيه الحصباء الصغار). وقال القرطبي: (أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل. وقيل: ريحٌ فيها حجارة وحَصْباء. وقيل: سحاب فيه حجارة).\nوقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: فستعلمون كيف يكون إنذاري وعاقبة من كذّب به. قال النسفي: (أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. أي: ولقد كذب -يا محمد- الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم السالفة والقرون الخالية رسلهم.\nوقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. قال ابن كثير: (أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟ أي: عظيمًا شديدًا أليمًا).\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾. قال مجاهد: (بَسْطُهُنَّ أجنحتهنَّ وقبضهنّ). وقال قتادة: (﴿صَافَّاتٍ﴾: الطير يصف جناحه كما رأيت، ثم يقبضه). والمقصود: أولم ينظر هؤلاء القوم نظرة تأمل في جماعات الطير، تارة يَصْفُفْنَ أجنحتهنَّ في الهواء، وتارة تجمع جناحًا وتنشر جناحًا.\nوقوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾. أي: ما يمسك الطير في الجو فوقكم إلا الرحمن، بما سخّر لهن من الهواء، وبما دبّرَ لهن من بنية يتأتى منها الجري في الجوّ. كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩].\nوقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. قال القاشاني: (أي فيعطيه ما يليق به، ويُسَوِّيه بحسب مشيئته، ويودع فيه ما يريده بمقتضى حكمته، ثم يهديه إليه بتوفيقه). وقال ابن جرير: (يقول: فلهم بذلك مذكر إن ذكروا، ومعتبر إن اعتبروا، يعلمون به أن ربهم واحد لا شريك له ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ يقول: إن اللَّه بكل شيء ذو بصر وخبرة، لا يدخل تدبيره خلل، ولا يُرى في خلقه تفاوت).","vol":"8","page":136},{"text":"٢٠ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيهُ العباد أن النصر والرزق بيد اللَّه العلي الكريم، الذي خلق الأرض وبَثَّ فيها العباد وجعل لهم السمع والأبصار ليشكروه وإليه المرجع يوم الحشر العظيم، يوم يرسل اللَّه الخزي والندامة والمذلة على الكافرين.\nفقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾. تبكيت وتقريع بالمشركين الذين عبدوا مع اللَّه آلهة يبتغون بذلك النصر والرزق، ويظنون أنها تقربهم إلى اللَّه زلفى. قال ابن جرير: (يقول: من هذا الذي هو جند لكم أيها الكافرون به ينصركم من دون الرحمن إن أراد بكم سوءًا، فيدفع عنكم ما أراد بكم من ذلك).\nوقول: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾. قال القرطبي: (من الشياطين، تَغرّهم بأن لا عذاب ولا حساب).\nوقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾. أي: أم من هذا الذي هو يطعمكم ويسقيكم، ويأتي بأقواتكم ويغدق عليكم ويعطيكم حوائجكم، إن قطع اللَّه رزقه عنكم؟ !\nوقوله: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: في ضلال). وقال جماهد: (﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ قال: في كفور). والمقصود: بل استمروا في طغيانهم وتماديهم وضلالهم وشرودهم عن الحق.","vol":"8","page":137},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nمثل ضربه اللَّه للمؤمن والكافر، فالكافر يمضي في ضلاله وتخبطه كالمنكِّس رأسه لا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه، وأما المؤمن فهو يمضي في طريقه مطمئنًا يستضيء بنور إيمانه ويقينه، فهو كالذي يمشي سويًا معتدلًا ناظرًا ما بين يديه وعن يمينه وعن شماله، يبصر العقبات ويحذر العثرات.\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾. أي خلقكم ابتداء. قال القرطبي: (أمر نبيه أن يعرّفهم قبح شركهم مع اعترافهم بأن اللَّه خلقهم).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾. قال النسفي: (خصّها لأنها آلات العلم). فالسمع تسمعون به، والأبصار تبصرون بها، والأفئدة تعقلون بها.\nوقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي باستعمالها فيما خلقت له).\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: (أي خلقكم في الأرض). وقال ابن شجرة: (نشركم فيها وفرّقكم على ظهرها).\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: وإليه تجمعون من قبوركم لمشهد الحساب ونيل الثواب والعقاب.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. استهزاء من المشركين بيوم المعاد. أي يقولون: متى يوم القيامة! ومتى هذا العذاب الذي تعِدوننا به إن كنتم صادقين في وعدكم! أعلمونا زمانه وميعاده؟ !\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\nأي: قل لهم يا محمد: إن وقت قيام الساعة موكول أمره وعلمه إلى اللَّه، فلا يشاركه في علمه غيره، وإنما أنا ﴿نَذِيرٌ﴾ أي: مخوِّف ومعلم لكم، ﴿مُبِينٌ﴾: أبيّن لكم الشرائع.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. أي قريبًا. فهو مصدر بمعنى مُزْدَلَفًا. قال مجاهد: (﴿زُلْفَةً﴾: قد اقترب). وقال الحسن: (لما عاينوه).\nوقوله: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال قتادة: (لما رأوا عذاب اللَّه زلفة، يقول: سيئت وجوههم حين عاينوا من عذاب اللَّه وخزيه ما عاينوا). وقال ابن زيد: (الزلفة حاضر قد حضرهم عذاب اللَّه ﷿).","vol":"8","page":138},{"text":"وفي التنزيل: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٧ - ٤٨].\nوقوله: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. قال ابن زيد: (استعجالهم العذاب). أي: يقال لهم حينئذ على وجه التقريع والتوبيخ: هذا الذي كنتم تكذبون وتدّعون من أجله الأباطيل والأحاديث، هذا هو العذاب الذي كنتم به تذكرون ربكم أن يعجله لكم وتتمايلون مستهزئين.\n\n٢٨ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ مرجع الأمر كله للَّه العلي العظيم، فهو الرحمان عليه يتوكل المؤمنون وسيعلم الكفار أنهم أهل الضلال المبين. مَنْ يأتيكم أيها الناس بالماء إن غار في أرضكم سوى اللَّه الحكيم الكريم!\nفقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك أرأيتم أيها الناس إن أماتني اللَّه وأصحابي أو أخّر آجالنا.\nوقوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال ابن كثير: (أي خَلِّصوا أنفسكم، فإنه لا مُنْقِذَ لكم من اللَّه إلا التوبةُ والإنابةُ، والرجوعُ إلى دينه، ولا ينفعكم وقوعُ ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا اللَّه أو رحِمنا، فلا مناصَ لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم).\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾. قال النسفيّ: (أي الذي أدعوكم إليه الرحمان ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ صدقنا به ولم نكفر به كما كفرتم ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ فوضنا إليه أمورنا).\nوقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. أي: فستعلمون معشر المشركين إذا نزل العذاب بكم ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ نحن أم أنتم، وسترون لمن تكون العاقبة في الدارين.\nوقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾. الغائر: الذاهب في الأرض وهو ضد النابع. أي: قل يا محمد -يا معشر قريش- ماذا لو غار ماء آباركم وينابيعكم فذهب في الأرض","vol":"8","page":139},{"text":"لا تناله الدلاء، ولا الفؤوس الحداد، ولا السواعد الشداد. قال القرطبي: (وكان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون).\nوقوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. إظهار بديع لرحمة اللَّه في خلقه، لعل المشركين يكفرون بالطواغيت ويعظمون أمره، وينصرفون إلى امتثال شرعه!\nقال ابن عباس: (﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ يقول: بماء عذب). وقال قتادة: (الماء المعين: الجاري). وقال سعيد بن جبير: (الظاهر). وفي رواية أخرى عن ابن عباس: (﴿بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ أي ظاهر تراه العيون).\nوبناء على ذلك فإن ﴿مَعِينٍ﴾ أي ظاهر تراه العيون، فهو مفعول، أو هو من مَعَن الماء إذا كثُر فهو على وزن فعيل، أي هو كثير جار ونابع وسائح على وجه الأرض.\nوالمقصود: لابد لهم أمام هذا القرع الرائع أن يقولوا إنما يأتينا به اللَّه، فقل لهم يا محمد: فلم تشركون به من لا يقدر على التحكم بمياهكم وآباركم وينابيعكم! وليس له أمر إجرائها في سائر أقطار البلاد، حسب حاجة البهائم والعباد.\nأخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: [ما مِن عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن اللَّه يصرفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠]] (١).\nوله شاهد عند البغوي عن ابن مسعود يرفعه: [ليس من سنة بأمَرَّ من أخرى، ولكن اللَّه قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حوّلَ اللَّه ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف اللَّه ذلك إلى الفيافي والبحار] (٢).\n\nتم تفسير سورة الملك بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الأحد ١١ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ١٣/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٠٣)، وابن جرير في \"التفسير\" (١٩/ ١٥)، وهو صحيح على شرط الشيخين. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٦١).\n(٢) صحيح مرفوع. أخرجه البغوي في \"معالم التنزيل\" (٦/ ١٨٤ - منار). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ج (٥) ص (٥٩٣). وقوله: \"بأمَرّ\" أي بأسوأ.","vol":"8","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر.\n٢ - كان رسول اللَّه -ﷺ- لا ينام حتى يقرأ السجدة والملك.\n٣ - لن يُرى في خلق السماوات السبع من خلل مهما تكرر إمعان النظر.\n٤ - ندامة الكفار في جهنم حيث لا تنفع الندامة.\n٥ - الأجر والمغفرة للذين يخشون ربهم بالغيب.\n٦ - طلب الرزق لا ينافي التوكل. ولو أنكم تتوكلون على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا.\n٧ - ذات اللَّه تعالى فوق كل مخلوق، ووسعت صفاته كلَّ شيء.\n٨ - لا يرزق غير اللَّه إن أمسك رزقه، ولا يجير من عذاب اللَّه أحد إن أنزل نقمته.\n٩ - من هذا الذي ينبع الماء إن أراد أن يجعله غائرًا في الأرض!\n١٠ - ما مِنْ عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن اللَّه يصرفه بين خلقه حيث يشاء.\n* * *","vol":"8","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>٦٨ - سورة القلم</span>\nوهي سورة مكية، ويقال لها سورة نون، وعدد آياتها (٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>موضوع السورة</span>\nالقلم أول ما خلق اللَّه رب العالمين وكُتب فيه تقدير جميع ما في الدارين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-385> منهاج السورة</span>-\n١ - القسم بالقلم لتأكيد اللَّه نبوة رسوله الكريم، وإثبات الخلق جميعه للَّه العظيم.\n٢ - توعد اللَّه تعالى المنافقين والكافرين، واللَّه تعالى هو أعلم بالضالين وبالمهتدين.\n٣ - الدعوة لإقامة منهج الولاء والبراء، والتحذير الشديد من اتباع سبيل الأعداء.\n٤ - قصة أصحاب الجنة وانعكاس المكر السَّيِئ على أهله الماكرين، والشعور بالندم بعد نزول الانتقام من اللَّه رب العالمين، وبقاء الأمل باللَّه بعد التوبة فإن الفوز هو النجاة من عذاب الجحيم.\n٥ - التفريق بين المسلمين والمجرمين، فالمؤمنون في سرور ونعيم، والكافرون هم وشركاؤهم في نار الجحيم.\n٦ - ظهور الساق يوم الحشر ككلمة السر بين المؤمنين وربهم ليخروا له ساجدين، وحرمان اللَّه المنافقين أن يكونوا مع الساجدين.","vol":"8","page":142},{"text":"٧ - استدراج اللَّه الكفار في الدنيا وكذلك المنافقين، حتى يحيط بهم كيده المتين.\n٨ - أمر اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- بالصبر، وكشف محاولات الكفار إصابته بالعين والسحر.\n٩ - اتهام الكفار الرسول بالجنون، وهذا الوحي ونبي الحق شرف للعالمين.\n* * *","vol":"8","page":143},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٧. قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالقلم يؤكد النبوة لنبيه الكريم، ويثبت له الخُلق العظيم، ويتوعد المنافقين والكافرين، واللَّه تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.\nفقوله: ﴿ن﴾ - كقوله في أوائل السور المتقدمة التي تبدأ بمثل هذه الحروف المقطعة، والراجح أن المراد الإعجاز، أي: هذا القرآن مكون من مثل هذه الأحرف، والخلق عاجزون عن معارضته بمثله.\nوقوله: ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قسم من اللَّه تعالى بالقلم، والمراد جنس القلم الذي يُكتب به، كما قال جل ثناؤه: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥].\nأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح من حديث عبادة مرفوعًا: [إن أوَّلَ ما خلق اللَّه القلم، ثم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة] (١).\nوفي رواية: [إن أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد]. وفي لفظ آخر: (اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة).\nوعن ابن عباس: (﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يعني وما يكتبون). وقال أيضًا: (وما يَعْملون).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧)، والترمذي في التفسير (٢/ ٢٣٢)، وانظر تخريج أحاديث \"مشكاة المصابيح\" (٩٤).","vol":"8","page":144},{"text":"وقال السدي: (﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يعني الملائكة وما تكتُب من عمل العباد). قال ابن كثير: (﴿وَالْقَلَمِ﴾. فهو قَسَمٌ منه تعالى، وتنبيهٌ لِخَلْقِه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تُنالُ العُلوم).\nوقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. قال النسفي: (أي بإنعامه عليك بالنبوة وغيرها). وقال القرطبي: (والنعمة هاهنا الرحمة). وقيل: النعمة هاهنا قسم والتقدير: ما أنت ونعمة ربك بمجنون، فالواو والباء من حروف القسم.\nوالمقصود: ما أنت -يا محمد- بما جئت به قومك من الوحي والهدى والحق بمجنون -كما نسبك الجهلة من قومك ظلمًا إلى الجنون-.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: وإن لك يا محمد عند اللَّه الثواب العظيم الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد، مقابل حملك هذه الأمانة، والصبر على أذى قومك في سبيلها. قال ابن جرير: (﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص ولا مقطوع). فهو من قولهم: مننت الحبل إذا قطعته. وحبل منين إذا كان غير متين. وعن مجاهد: (﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: غير محسوب). وقال الحسن: (غير مكذر بالمنّ). وقال الضحاك: (أجرًا بغير عمل). وعن الماوردي: (غير مقدّر وهو التفضّل، لأن الجزاء مقدّر والتفضل غير مقدّر). وجميعها أقوال متقاربة متكاملة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -ﷺ-: وإنك يا محمد لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدَّبه اللَّه به، وهو الإسلام وشرائعه).\nقلت: و\"على\" في لغة العرب حرف استعلاء، فكأن الخلق العظيم في مقام أنت علوته يا محمد، وسموت فوقه بتألق صفاتك وأخلاقك.\nومن كنوز السنة العطرة في وصف أخلاقه وشمائله -ﷺ- أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة: [-وقد سألها رجل-: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خُلُق رسول اللَّه -ﷺ-. قالت: ألسْتَ تَقْرأُ القرآنَ؟ قلت: بلى. قالت: فإن خُلُقَ نبيّ اللَّه -ﷺ- كان القرآن] (١).\nقال الحافظ ابن كثير في تفسير هذا الحديث: (ومعنى هذا أنه -عليه الصلاةُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٤٦) - كتاب صلاة المسافرين، في أثناء حديث طويل.","vol":"8","page":145},{"text":"والسلامُ- صارَ امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجيةَ له وخُلقًا تَطَبَّعَهُ، وترك طَبْعَهُ الجبلِّيَّ، فمهما أمَره القرآنُ فَعَله، ومَهما نهاه عنه تَرَكه، هذا مع ما جبله اللَّه عليه من الخُلُق العظيم، من الحياء والكرم، والشجاعة، والصَّفحِ، والحِلم وكلِّ خلق جميل). وقال القرطبي: (ولم يُذكر خُلُقٌ محمود إلا وكان للنبي -ﷺ- منه الحظّ الأوفر).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: [خَدَمْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- عشر سنين فما قال لي \"أف\" قطُّ، ولا قال لشيء فعلتُه: لِمَ فَعَلْتَه؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فَعَلْتَهُ؟ ! وكان رسول اللَّه -ﷺ- من أحْسَنِ الناس خلقًا، ولا مَسسْتُ خَزًّا ولا حَريرًا ولا شيئًا كان ألينَ من كفِّ رسول اللَّه -ﷺ-، ولا شَممْتُ مسكًا ولا عِطرًا كان أطيب من عَرَق رسول اللَّه -ﷺ-] (١).\nقلت: وهذا الحديث العظيم يدل أن اللَّه تعالى قد جمع في شخص النبي -ﷺ- حسن الخَلْقِ والخُلُق، فهو من أحسن الناس خَلْقًا وخُلقًا.\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن البراء قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- أحسنَ الناس وجهًا وأحسن الناس خُلقًا، ليس بالطويل ولا بالقصير] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد على شرط الشيخين عن عائشة قالت: [ما ضَرَبَ رسول اللَّه -ﷺ- بيده خادِمًا قطُّ، ولا امرأةً، ولا ضربَ بيده شيئًا قطُّ، إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه. ولا خُيِّرَ بين شيئين قطّ إلا كان أحبُّهما إليه أيسرُهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يُؤتَى إليه إلا أن تُنْتَهك حُرمات اللَّه، فيكون هو ينتقم للَّه ﷿] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنما بُعثت لأُتَمِّمَ صالح الأخلاق] (٤).\nالحديث السادس: أخرج الترمذي بسند صحيح من حديث أبي الدرداء، أن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٣٨)، ومسلم (٢٣٠٩)، وأبو داود (٤٧٧٤)، ورواه أحمد (٣/ ٢٥٥)، وابن حبان (٢٨٩٤) من حديث أنس.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٣٣٧) ح (٩٣)، وأخرجه الترمذي في \"الشمائل\" (١٣١) من حديث البراء.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٢)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم، وله طرق.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٨١)، وإسناده حسن.","vol":"8","page":146},{"text":"النبي -ﷺ- قال: [ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلُق حسن، وإن اللَّه تعالى لَيُبْغِضُ الفاحش البذيء] (١).\nالحديث السابع: أخرج الترمذي بإسناد حسن من حديث جابر، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنَّ مِن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا -قال- وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدَكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون والمُتَشَدِّقون والمُتَفَيْهِقون. قالوا: يا رسول اللَّه، قد عَلِمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون] (٢).\nوالمتشدقون: المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل: أراد بالمتشدق: المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾. قال الضحاك: (يقول: ترى ويرون). وقال ابن عباس: (ستعلم ويعلمون يوم القيامة). قال النسفي: (أي عن قريب ترى ويرون، وهذا وعد له ووعيد لهم).\nوقوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. أي: بأيكم الجنون. أهو في فريق الإيمان أم في فريق الكفر. قال مجاهد: (﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: بأيكم المجنون). وقال قتادة: (بأيكم أولى الشيطان). والمقصود: ستعلم يا محمد ويعلم مخالفوك ومكذبوك قريبًا من المفتون الذي افتُتِنَ عن الحق وضل عن سواء السبيل، فهو متبوع للشيطان وأولى أن يوصف بالجنون.\nوفي التنزيل: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.\nأي: إن ربك -يا محمد- هو أعلم بمن ضل عن طريق الحق الذي أمر به، وهو أعلم بمن اهتدى إليه وإلى منهاج النجاة والسعادة في الدارين.\n\n٨ - ١٦. قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٠٠٢)، وأبو داود (٤٧٩٩) - مختصرًا.\n(٢) إسناده حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٠١٨)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٦٣).","vol":"8","page":147},{"text":"زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: دعوة من اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- إلى إقامة منهج الولاء والبراء، والتحذير من اتباع سبيل الأعداء.\nفلقد عرض المشركون على النبي -ﷺ- أن يترك بعض ما هو عليه مقابل أن يتركوا بعض ما هم عليه، وأن يعبد آلهتهم عامًا ويعبدوا ربَّه عامًا، فقالوا له كما يروي ابن هشام: (لو قبلت آلهتنا نعبد إلهك). فأنزل اللَّه: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.\nوقوله: ﴿تُدْهِنُ﴾ من الدُّهن، فشبه سبحانه التليين في القول بتليين الدُّهن.\nقال ابن عباس: (ودّوا لو تكفر فيكفرون). وفي رواية: (لو ترخّص لهم فيرخّصون). وقال مجاهد: (لو تَركَن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك). وقال قتادة: (ودُّوا يا محمد لو أدهنت عن هذا الأمر، فأدهنوا معك).\nوالآية تشبه قوله سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾.\nوكان الأخنس بن شريق الثقفي ممن ينال من رسول اللَّه -ﷺ- ويطعن فيه، فوصفه اللَّه بتسع صفات ذميمة في القرآن، فقال جل ذكره: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾.\nقال ابن عباس: (والمهين: الكذاب). وقال مجاهد: (مهين: ضعيف). وقال قتادة: (وهو المكثار في الشر). وقال الحسن: (كل مكثار في الحلف مهين ضعيف).\nوقوله: ﴿هَمَّازٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني الاغتياب). وقال قتادة: (يأكل لحوم المسلمين).\nوقوله: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. قال ابن عباس: (يمشي بالكذب). وقال قتادة: (ينقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض).\nوقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْر﴾. أي بخيل بالمال والإنفاق والعطاء. ﴿مُعْتَدٍ﴾ على الناس ﴿أَثِيمٍ﴾ ذي إثم بربه، فهو بخيل بالبذل وبالعمل، كثير الفواحش والآثام، متطاول على حقوق الناس.","vol":"8","page":148},{"text":"ثم وصفه بقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. ليجمع بهذا الوصف ساقط الصفات وذميم الأخلاق، فإن العتل هو الجافي الشديد في كفره، وكل شديد قوي تسميه العرب عتلًا.\nقال ابن عباس: (العتل: العاتل الشديد المنافق). وقال الحسن: (فاحش الخلق لئيم الضريبة).\nوعن وهب الذَّماري قال: (تبكي السماء والأرض من رجل أتم اللَّه خلقه، وأرحب جوفه، وأعطاه مِقْضَمًا من الدنيا، ثم يكون ظلومًا للناس، فذلك العتل الزنيم).\nوالزنيم في كلام العرب هو الملصق بالقوم وليس منهم. قال ابن عباس: (والزنيم الدعيّ). وقال عكرمة: (الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها). وقيل: كانت في أذن الأخنس زنمة يعرف بها.\nوقد أخبر النبي -ﷺ- في حديثه أن مثل هذه الصفات هي صفات مَنْ أبغضه اللَّه وَوَعَدَهُ عذابه ونيرانه.\nفقد أخرج البخاري عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: [ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كُلُّ ضعيف متضعف، لو أقسم على اللَّه لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النار؟ كُلُّ عتل جَوّاظ مستكبر] (١).\nوروى البيهقي وابن حبان بسند جيد عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ اللَّه يبغض كل جعظري جوّاظ، سخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة] (٢).\nوالجعظري هو الفظ الغليظ المتكبِّر، والجواظ هو الجموع المنوع الأكول.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: أفي مقابلة إنعام اللَّه تعالى عليه بالمال والولد، أعلن الكفر وكذب بالوحي واتّهم التنزيل أنه مأخوذ من أساطير الأولين؟ !\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٧١) - كتاب الأدب. وانظر تفصيل الجث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ٢٥٤ - ٢٥٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البيهقي وابن حبان. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٨٧٤)، والمرجع السابق (١/ ٢٥٦).","vol":"8","page":149},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٥].\nوقوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. أي: سنكويه على أنفه مهانة له، بعلامة يعرف بها إذلالًا له، ويبدو أن هذا الوعيد في الدنيا والآخرة.\nفعن ابن عباس: (﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ فقاتل يوم بدر، فخطم بالسيف في القتال). وعن قتادة قال: (سنسم على أنفه. قال: شين لا يفارقه آخر ما عليه).\nقال الزمخشري: (الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، لتقدّمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحميّة، واشتقوا منه \"الأنَفَة\" وقالوا: الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين. وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه. فَعبّر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه؟ قال: وفي لفظ ﴿الْخُرْطُومِ﴾ استخفاف به واستهانة، لأن أصل الخرطوم للخنزير والفيل. وقيل: سنعلمُه يوم القيامة بعلامة مشوّهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول اللَّه -ﷺ- عداوة بان بها عنهم) انتهى.\n\n١٧ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.\nفي هذه الآيات: انعكاسُ المكر السَّيِئ على أهله الماكرين، والشعور بالندم بعد","vol":"8","page":150},{"text":"نزول الانتقام من اللَّه رب العالمين، وبقاء الأمل باللَّه بعد التوبة من الظلم فإن العذاب الحقيقي هو عذاب الجحيم.\nفقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ الآية. قال ابن جرير: (أي بلونا مشركي قريش، يقول: امتحناهم فاختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ يقول: كما امتحنا أصحاب البستان ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ يقول: إذ حلفوا ليصرمُنّ ثمرها إذا أصبحوا). وقال ابن كثير: (هذا مثل ضربه اللَّه لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النِّعم الجسيمة، وهو بِعْثَةُ محمد -ﷺ-، فقابلوه بالتكذيب والردِّ والمحاربة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾، أي: اختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾، أي: حلفوا فيما بينهم ليجذُّن ثمرَها ليلًا، لِئلا يعلَم بهم فقير ولا سائل، ليتوفَّرَ ثمرُها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾. قيل: ولا يقولون إن شاء اللَّه. قلت: والأرجح أن يقال: ولا يستثنون أحدًا من الفقراء بل يحرمون الكل. فإنه لا معنى لمن بيَّت ذلك الاستثناء بقول: إن شاء اللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. قال ابن عباس: (طاف عليها أمر من اللَّه وهم نائمون). والمقصود: نزل بها بلاء أو آفة سماوية.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾. قال ابن عباس: (الصريم: الليل). أي: فأصبحت كالليل الأسود. وقال الثوري والسّدي: (مثل الزَّرع إذا حُصِدَ، أي: هَشيمًا يَبَسًا). والصريم في لغة العرب: المجدود المقطوع، كما يطلق على الليل المظلم لأنه يقطع بظلمته عن التصرف. والمقصود: احترقت الأرض واسودت كالليل المظلم، أو صُرِمَ عنها الخير: أي قطع وهلك ثمرها وشجرها.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾. أي: نادى بعضهم بعضًا عند الصباح ليذهبوا إلى الجِذاذِ. وقوله تعالى: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾. أي: باكروا بالخروج إلى زرعكم إن كنتم تريدون الحصاد. قال القاسمي: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ أي قاصدين قطع ثمارها). وقد قطعها البلاء من أصلها بالليل وهم لا يشعرون.\nوقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. قال قتادة: (يُسِرّون). أي خرجوا بكرة وهم","vol":"8","page":151},{"text":"يكتمون ذهابهم ويتسارّون فيما بينهم: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾. أي: لا تمكنوا اليوم فقيرًا من الدخول عليكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال مجاهد: (على جِدّ قادرين في أنفسهم). وقال عكرمة: (﴿عَلَى حَرْدٍ﴾: على غيظ). قلت: وفي لغة العرب: (حَرَدَ) أي: قصد. والحَرَدُ بالتحريك الغضب. والمقصود: أي غدوا على قصد وبقوة وشدة ﴿قَادِرِينَ﴾ أي في زعهمم على ما أصروا عليه من الصرام وحرمان المساكين.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾. قال قتادة: (أي أضللنا الطريق). والمقصود: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها -وقد تغيرت حالها بما نزل بها من البلاء واستحالت نضارتها وزهرتها ووفرة ثمارها إلى أرض سوداء مدلهمة- أنكروها وشكّوا فيها هل هي جنتهم أم لا، وظنوا أنهم قد أخطؤوا الطريق.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. قال قتادة: (بل جوزينا فحُرمنا). قال ابن كثير: (ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: بل هي هذه، ولكن نحن لا حَظَّ لنا ولا نصيب).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (﴿أَوْسَطُهُمْ﴾: أي أعدَلُهم وخيرهم). والمقصود: قال أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم حين رأوا الهلاك الذي نزل بأرضهم: هلّا كنتم شكرتم اللَّه على ما أعطاكم وتبتم إليه من فساد نيتكم. وعن مجاهد: (﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ قال: يقول: تستثنون، فكان التسبيح فيهم الاستثناء). قال النحاس: (أصل التسبيح التنزيهُ للَّه ﷿، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّه، لأن المعنى تنزيه اللَّه ﷿ أن يكون شيء إلا بمشيئته).\nقلت: والراجح ما ذكرناه، فإن تسبيح اللَّه يشتمل على شكره وإخلاص النية والقصد له، ويدل على ذلك قولهم بعد ذلك: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (أي نستغفر اللَّه من ذنبنا ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ لأنفسنا في منعنا المساكين). قال القرطبي: (﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ اعترفوا بالمعصية ونزهوا اللَّه عن أن يكون ظالمًا فيما فعل).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه:","vol":"8","page":152},{"text":"فأقبل بعضهم على بعض يلوم بعضهم بعضًا على تفريطهم فيما فرّطوا فيه من الاستثناء، وعزمهم على ما كانوا عليه من ترك إطعام المساكين من جنتهم).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي قال أصحاب الجنة: يا ويلنا إنا كنا عاصين بمنع حق الفقراء، وتركنا الاستثناء.\nوقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. قال القاسمي: (﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ أي بتوبتنا إليه، وندمنا على خطأ فعلنا، وعزمنا على عدم العود إلى مثله. ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي في العفو عما فرط منا، والتعويض عما فاتنا).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾. قال ابن زيد: (عذاب الدنيا، هلاك أموالهم: أي عقوبة الدنيا). والمقصود: كذلك يكون العذاب في الدنيا لمن خالف الرسل وكفر بالحق وبغى الفساد في الأرض.\nوقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. أي: ولعذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا لو كان هؤلاء المشركون يفقهون. قال النسفي: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لما فعلوا ما يفضي إلى هذا العذاب). وقال ابن جرير: (يقول: لارتدعوا، وتابوا وأنابوا، ولكنهم بذلك جهال لا يعلمون).\n\n٣٤ - ٤١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر مآل المتقين في روضات الجنات، التي لا يعتريها ما يعتري بساتين الدنيا من الشوائب وآلافات، والتفريق بين المسلمين والمجرمين، فالمؤمنون في سرور ونعيم، والكافرون هم وشركاؤهم في نار الجحيم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. قال القرطبي: (أي إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغّصه كما يشوب جنات الدنيا).","vol":"8","page":153},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾. استفهام إنكار. أي: أفنساوي بين أهل الكرامة والطاعة وأهل الشقوة والمعصية في الجزاء، كلا لا يكون ذلك وربّ الأرض والسماء.\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. توبيخ على طريقة الالتفاف. قال النسفي: (﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج، وهو التسوية بين المطيع والعاصي، كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا بما شئتم).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: أم بأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف، متضمن حكمًا مؤكدًا كما تَدَّعُونه -المطيع فيه كالعاصي- فأنتم تختارون منه كما تشتهون؟ !\nوقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. زيادة في التوبيخ. أي: أم لكم ﴿أَيْمَانٌ﴾ أي عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة، فأنتم استوثقتم بهذه العهود على اللَّه تعالى في أن يدخلكم الجنة! ! قال الشهاب: (بالغة: متناهية في التوكيد). وأصله بالغة أقصى ما يمكن، فحذف منه اختصارًا. وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: إنه سيكون لكم ما تريدون وتأملون وتشتهون! ! كلا، ليس الأمر بهذه السذاجة كما تظنون وتحلمون.\nوقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أيهم بذلك كفيل). والزعيم: الكفيل والضّمين. والمقصود: سل يا محمد هؤلاء المتقوّلين من المشركين أيهم كفيل بما تقدّم: من أن لهم من الخير ما للمسلمين، أو أنّ لهم من العهود والمواثيق ما يحصل لهم به سعادة الدارين؟ !\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. أي: أم لهم شركاء من الأصنام والأنداد والطواغيت فهم لهم شهداء ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ فليشهدوا لهم على ما زعموا ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. قال القرطبي: (وقيل: أي فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر معناه التعجيز).\n\n٤٢ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ","vol":"8","page":154},{"text":"مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾.\nفي هذه الآيات: ظهورُ الساق علامة لسجود المؤمنين في المحشر لرب العالمين، وحرمان اللَّه تعالى المنافقين أن يكونوا مع الساجدين، واستدراج اللَّه لهم قبل ذلك في دار الدنيا حتى يحيط بهم كيده المتين.\nفقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.\nأي: إنّ ذلك التكريم للمتقين في جنات النعيم، والانتقام من المجرمين بصلي الجحيم، هو يوم القيامة يوم تظهر كلمة السر بين المؤمنين وربهم، وهي \"صفة الساق\" للَّه العظيم، فيخرون له ساجدين، ويكشف اللَّه حينئذ المنافقين.\nوفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأكثر أهل السنن وأحمد وابن حبان عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: [يَكْشِفُ رَبُّنَا عن ساقِه، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجُد في الدنيا رياءً وسُمعةً، فيذهب ليسجُدَ فيعودُ ظهرُه طبقًا واحدًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج عبد اللَّه بن أحمد في \"السنة\" بسند صحيح عن ابن مسعود، أن النبي -ﷺ- قال: [يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد: أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل ناس ما كان يتولى ويعبد في الدنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى فينطلقون، فيتمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان، ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ولمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمد وأمته، فيتمثل الرب ﷿ لهم فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: بيننا وبينه علامة فإذا رأيناه عرفناه، فيقول: ما هي؟ فيقولون:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩١٩)، (٧٤٣٩)، وهو جزء من حديث طويل. ورواه مسلم (١٨٣)، والترمذي (٢٥٩٨)، والنسائي (٨/ ١١٢)، وابن ماجة (١٧٩)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٦)، وابن حبان في صحيحه (٧٣٧٧).","vol":"8","page":155},{"text":"﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. فعند ذلك يكشف عن ساقه فيخرون، ويبقى قومٌ ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم، فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، والرب ﷿ أمامهم] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الدارمي في سننه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [إذا جمع اللَّه العباد بصعيد واحد، نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون. ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم هاهنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا. فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجدًا وذلك قول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة] (٢).\nقلت: فكان الإيمان بالأَسماء والصفات سببًا للنجاة يوم القيامة، لما اشتملت هذه الصفات على كلمة السر التي بين اللَّه وبين المؤمنين وهي \"الساق\" التي هي صفة من صفاته، وهي ساق تليق بجلاله وجماله وكماله، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد فَصَّلْتُ هذه الأبحاث في كتابي: \"أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان\"، فلله الحمد والشكر وواسع الامتنان.\nوأما ما ذهب إليه كثير من المفسرين إلى أن المقصود: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي عن شدة وكرب، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. أو قيل عن ساق العرش، أو غير ذلك من التكلف، فيقال: أَبَعْدَ هذا البيان من الوحي العظيم، يتلو تفسيره النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يكون هناك بيان لعالم أو حكيم! !\nكلا، فإذا صَحّ الخبر عن رسول اللَّه -ﷺ- مفسرًا ما أشكل فهمه من القرآن، فليس لأحد بعد ذلك مقال. وهذا هو المنهج الذي كان عليه علماء الصحابة والتابعون لهم من الراسخين في العلم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه بتمامه عبد اللَّه بن أحمد في \"السنة\" ص (١٧٧) - وهو حديث صحيح كما أفاد الذهبي وأقرّه الألباني. انظر: \"مختصر العلو\" (٦٩ (ص (١١٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الدارمي في السنن (٢/ ٣٢٦)، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٨٤) وقال: (وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال الصحيح).","vol":"8","page":156},{"text":"وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. ﴿خَاشِعَةً﴾ أي ذليلة، وهي في محل نصب حال من الضمير في يدعون، والتقدير: يدعون في حال خشوع أبصارهم ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي يعلوهم الصغار ويغشاهم.\nوقوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. أي: وقد كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود للَّه وهم أصحاء سالمون مستطيعون. وعن إبراهيم التيمي: (﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ قال: إلى الصلاة المكتوبة). وقال سعيد بن جبير: (يسْمع المنادي إلى الصلاة المكتوبة فلا يجيبه). قال ابن عباس: (هم الكفار كانوا يدعون ﴿إِلَى السُّجُودِ﴾ في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعوهم وهم خائفون. ثم أخبر اللَّه سبحانه أنه حَالَ بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فإنه قال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وأما في الآخرة فإنه قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾).\nوقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾. قال السدي: (يعني القرآن). وقيل: يوم القيامة. والمعنى: أي دعني -يا محمد- وكِلْ أمر هؤلاء المكذبين بالقرآن إليّ. وفيه تهديد ووعيد، وتسليةٌ للنبي -ﷺ-.\nوقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس: (سنمكر بهم). أي سنملي لهم ونكيدهم من حيث لا يشعرون. وقال سفيان الثوري: (نُسْبِغُ عليهم النعم وننْسيهم الشكر). وقال الحسن: (كم مستَدْرَجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالسّتر عليه). وقال أبو رَوْق: (أي كلّما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار).\nوالاستدراج: ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرّج.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].\nأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا","vol":"8","page":157},{"text":"بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١).\nوقوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾. أي أمهلهم وأؤخرهم وأُنْظِرهم وأطيل لهم المدة. والمُلاوة: المُدة من الدهر. والمقصود: إحقاق المكر والكيد بهم.\nوفي الصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجة عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ اللَّه ليُملي للظالم حتى إذا أخذَهُ لم يُفْلِتْهُ. قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. قال النسفي: (قوي شديد، فسمّى إحسانه وتمكينه كيدًا كما سمّاه استدراجًا لكونه في صورة الكيد حيث كان سببًا للهلاك. والأصل أن معنى الكيد والمكر والاستدراج هو الأخذ من جهة الأمن، ولا يجوز أن يسمى اللَّه كائدًا وماكرًا ومستدرجًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾. استفهام بمعنى النفي. أي: أم تسألهم -يا محمد- غرامة على تبليغ الرسالة، فهم من غرامة ذلك ﴿مُثْقَلُونَ﴾. أي: فهو يثقل عليهم لما فيه من بذل المال والكلفة.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. قال ابن عباس: (الغيب هنا اللوح المحفوظ). قال ابن جرير: (يقول: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه نبأ ما هو كائن، فهم يكتبون منه ما فيه، ويجادلونك به، ويزعمون أنهم على كفرهم بربهم أفضل منزلة عند اللَّه من أهل الإيمان به). وقيل: ﴿يَكْتُبُونَ﴾: أي يحكمون لأنفسهم بما يريدون ويرغبون.\n\n٤٨ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥) وإسناده قوي. وقال الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٤/ ١١٥): (رواه أحمد والطبراني والبيهقي في \"الشعب\" بسند حسن).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦) - كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجة (٤٠١٨)، وابن حبان (٥١٧٥)، والبيهقي (٦/ ٩٤).","vol":"8","page":158},{"text":"الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- بالصبر، وكشف محاولات الكفار إصابته -ﷺ- بالعين والسحر، واتهامه كذلك بالجنون، وهذا الوحي ونبي الحق إنما هما شرف للعالمين.\nفقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. تَخْفِيفٌ عن النبي -ﷺ- وتسليةٌ له. أي: اصبر يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم، فإن اللَّه سيحكمُ لك عليهم، وامض في دعوتك، وستكون العاقبة لك وللمؤمنين في الدارين.\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾. أي الذي حبسه في بطنه، وهو يونس بن متى ﵊. قال ابن جرير: (﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك، كما عاقبه فحبسه في بطنه).\nقال قتادة: (﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يقول: لا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب).\nوقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مغموم). وقال عطاء: (مكروب). أي قد أثقله الكرب والغَمُّ وكظمه. قال النسفي: (﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مملوء غيظًا، من كظم السقاء إذا ملأه).\nوقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. أي: لولا أن تداركه اللَّه برحمته واستجاب دعاءه. ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾: أي لنبذ من بطن الحوت بالفضاء من الأرض. ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ أي: معاتب بزلته. قال ابن عباس: (﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ يقول: وهو مليم). وقال المعتمر عن أبيه عن أبي بكر: (وهو مذنب).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].","vol":"8","page":159},{"text":"وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه سعد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [دعوةُ ذي النون إذْ دعا وهو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فإنه لم يَدْعُ بها رجُلٌ مُسْلِمٌ في شيء قطُّ إلا استجابَ اللَّه له] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. أي اصطفاه ربه واختاره وقبل دعاءه وعذره وجعله من المستكملين لصفات الصلاح. قال ابن عباس: (ردّ اللَّه إليه الوَحي، وشفَّعه في نفسه وفي قومه، وقبِل توبته، وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مئة ألف أو يزيدون).\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خيرٌ من يونس بن مَتّى] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾.\nقال ابن عباس: (يقول: ينفذونك بأبصارهم من شدة النظر. قال: يقال للسهم: زهق السهم أو زلق). وفي رواية: (يقول: ليزهقونك بأبصارهم). وقال قتادة: (لينفذونك بأبصارهم، معاداة لكتاب اللَّه ولذكر اللَّه). وقال الضحاك: (يقول: ينفذونك بأبصارهم من العداوة والبغضاء). وقال الكلبي: (ليصرعونك).\nوقرأها عامة قراء المدينة ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بفتح الياء، وأما عامة قراء الكوفة والبصرة فقرؤوها ﴿ليُزلقونك﴾ بضم الياء، وكلاهما مشهور عند أهل العلم بالقراءات، فإن العرب تقول لمن يحلق الرأس: أزلقه وزلقه.\nوقال ابن جرير: (إنه عُني بذلك: وإن يكاد الذين كفروا مما عانوك بأبصارهم ليرمون بك يا محمد، ويصرعونك، كما تقول العرب: كاد فلان يصرعني بشدة نظره إليّ. قالوا: وإنما كانت قريش عانوا رسول اللَّه -ﷺ- ليصيبوه بالعين، فنظروا إليه ليعينوه، وقالوا: ما رأينا رجلًا مثله، أو إنه لمجنون، فقال اللَّه لنبيه عند ذلك: (وإن يكاد الذين كفروا ليرمونك بأبصارهم).\nقلت: والعجيب أن هؤلاء الجاهليين كانوا يؤمنون بإصابة العين وتأثيرها،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٥٠٥). وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٧٨٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٤١٦)، (٤٦٣١)، ومسلم (٢٣٧٩)، وأبو داود (٤٦٦٩)، وابن حبان (٦٢٣٨). ورواه أحمد (١/ ٣٩٠) من حديث عبد اللَّه مرفوعًا.","vol":"8","page":160},{"text":"ويعلمون صحة ذلك وصلته بالحسد، في حين ترى كثيرًا من الناس اليوم لا يكادون يفقهون معنى الحسد أو السحر أو العين ولا يؤمنون بشيء من هذا، بل ينسبونه إلى الخرافة وإلى أساطير الأولين، وكثير منهم واقع تحت نار السحر والعين والحسد من حيث لا يدري.\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر اللَّه ﷿).\nقلت: وفي القرآن آيات تدل على تأثير العين، منها هذه الآية في سورة القلم، وآيتان في سورة يوسف:\n١ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧].\nقال الضحاك: (خاف عليهم العين). وقال قتادة: (خشي نبي اللَّه -ﷺ- العينَ على بنيه كانوا ذوي صورة وجمال). وفي رواية: (كانوا قد أوتوا صورة وجمالا فخشي عليهم أَنْفُسَ الناس). وقال السدي: (خاف يعقوب -ﷺ- على بنيه العين فقالوا: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ فيقال: هؤلاء لرجل واحد! ولكن ادخلوا من أبواب متفرقة).\nوكذلك قال ابن إسحاق: (لما أجمعوا الخروج، خشي عليهم أعين الناس، لهيأتهم، وأنهم لرجل واحد).\n٢ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٨].\nقال مجاهد: (﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: خيفة العين على بنيه). وقال ابن جرير: (إلا أنهم قضوا وطَرًا ليعقوب بدخولهم، لا من طريق واحد، خوفًا من العين عليهم، فأطمانت نفسه أن يكونوا أُتوا من قبل ذلك، أو نالهم من أجله مكروه).\nوأما السنة العطرة فقد أسهمت بقسط وافر في الدلالة على أثر العين وسبيل الوقاية والعلاج منها. ومن ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن أم سلمة ﵂ أن النبي -ﷺ-","vol":"8","page":161},{"text":"رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: [استرقوا لها فإن بها النظرة] (١).\nالحديث الثاني: يروي مسلم في الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [العين حق، ولو كان شيء سابقَ القدر سبقته العين، وإذا استُغْسلتم فاغسلوا] (٢).\nأي: متى عُرِفَ الحاسد، يؤمرُ بالوضوء أو الغسل، ثم يُجْمَعُ ذلك الماء الذي تطهَّرَ به فَيُغْسَلُ به المحسود فيشفى بإذن اللَّه، وهذا من الطب النبوي الذي يجهله كثير من الناس.\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح: [أنّ أسماء بنت عميس قالت: يا رسول اللَّه! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، فأسترقي لهم؟ فقال: نعم، فإنه لو كان شيء سابقَ القدر لسبقته العين] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد بسند حسن عن عائشة قالت: [دخلَ النبي -ﷺ- فسمع صوت صبي يبكي فقال: ما لصبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين؟] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عائشة أن النبي -ﷺ- قال: [استعيذوا باللَّه من العين، فإن العين حق] (٥).\nالحديث السادس: أخرج أحمد بسند صحيح عن أبي ذر مرفوعًا: [إن العين لتولع الرجل بإذن اللَّه حتى يصعد حالقًا ثم يتردّى منه] (٦).\nوفي رواية: [إن العين لتوقع الرجل].\nوله شاهد عنده وعند الطبراني بسند حسن من حديث ابن عباس بلفظ: [العين حق، تستنزل الحالق]. أي للعين من الأثر بإذن اللَّه أن تسقط الرجل من الجبل الشاهق المرتفع.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٧٣٩)، كتاب الطب، باب رُقْية العين.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢١٨٨)، كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقي.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح ابن ماجة (٢٨٢٩)، كتاب الطب، باب من استرقى من العين.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٧٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٤٨).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢/ ٣٥٦)، والحاكم (٤/ ٢١٥)، والديلمي (١/ ١/ ٤٨).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٤٦). وانظر السسلسلة الصحيحة (٨٨٩). والشاهد رواه أحمد (١/ ٢٧٤)، والحاكم (٤/ ٢١٥)، والطبراني كما في \"المجمع\" (٥/ ١٠٧).","vol":"8","page":162},{"text":"الحديث السابع: أخرج أبو نُعيم في \"الحلية\" بسند حسن عن جابر مرفوعًا: [العينُ تُدْخِلُ الرجلَ القبرَ، والجمل القِدْر] (١).\nالحديث الثامن: يروي الطيالسي والبزار بسند حسن عن جابر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء اللَّه وقدره بالعين] (٢).\nوفي رواية: [أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب اللَّه وقضائه وقدره بالأنفس. يعني بالعين].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. قال القاسمي: (أي عِظة وحكمة وتذكير وتنبيه لهم، على ما في عقولهم وفطرهم من التوحيد. فكيف يُجَنَّنُ من جاء بمثله؟).\nوالمقصود: ما هذا القرآن الذي يعادونه، ويعادون النبي -ﷺ- الذي نزل عليه، فيرمونه بأبصارهم ويقولون ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ -لعدم تمالك أنفسهم من الحسد منه والتنفير عنه-، إلا عِظَةٌ من اللَّه لهم لعلهم يرجعون وينزجرون، ويدركون أن هذا النبيّ شرف للعالمين، شرفوا باتباعه والإيمان به -ﷺ-.\n\nتم تفسير سورة القلم بعون اللَّه توفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الخميس ١٥ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ١٧/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٩٠)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٤٩).\n(٢) حديث حسن. رواه البزار والطيالسي والبخاري في \"التاريخ\" من حديث جابر. انظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٢١٧).","vol":"8","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - يقسم اللَّه تعالى بالقلم تنبيهًا لشرف العلم وتدوينه.\n٢ - أول ما خلق اللَّه القلم فقال له: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة.\n٣ - كان خلقُه -ﷺ- القرآن، ووصفه ربه تعالى بأنه على خلق عظيم.\n٤ - كان رسول اللَّه -ﷺ- أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا.\n٥ - لا يدخل الجَنَّة نمام، واللَّه يبغض كل جعظري جوّاظ، سخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة.\n٦ - مانعو الزكاة حرموا من مالهم في الدنيا والآخرة.\n٧ - أرادوا أن يحرموا المساكين حقهم، فحُرموا الشجر والثمر وحقّ المساكين.\n٨ - يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد، بل يعود ظهره طبقًا واحدًا.\n٩ - إذا رأيت اللَّه تعالى يعطي العبد على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج.\n١٠ - العين حق، ولو كان شيءٌ سابق القدر لسبقته العين.","vol":"8","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>٦٩ - سورة الحاقة</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>موضوع السورة</span>\nالحاقة وأهوال القيامة والحساب\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-389> منهاج السورة</span>-\n١ - التنبيه ليوم القيامة بصيغة التفخيم، ولفت الانتباه إلى طغيان الأمم السابقة ونزول العذاب العظيم.\n٢ - ذكر الأحداث الرهيبة لبدء القيامة والحساب، من النفخ في الصور وحركة الأرض والجبال وانشقاق السماء ليبدأ بعد ذلك العرض ثم الثواب والعقاب.\n٣ - توزيع الكتب يوم القيامة، فالفرحة العظيمة لأصحاب اليمين، والخزي والندامة لأصحاب الشمال في نار الجحيم.\n٤ - تأكيد الوحي والنبوة بإقسام اللَّه بعالمي الغيب والشهادة، والقرآن كتاب اللَّه الذي تفرد إليه سبحانه الطاعة والعبادة.\n٥ - المبالغة بوصف العقاب لو افترى الرسول هذا الكتاب، وهذا القرآن فيه تذكرة للمتقين، ويحمل الحسرة والندامة للكافرين.","vol":"8","page":165},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: التنبيهُ ليوم القيامة بصيغة التفخيم، ولَفْتُ الانتباه إلى طغيان الأمم السابقة ونزول العذاب العظيم، واللَّه تعالى يجعل في ذلك الذكرى وهو العزيز الحكيم.\nفقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾. قال ابن عباس: (﴿الْحَاقَّةُ﴾: من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه، وحذّره عباده). وقال عكرمة: (الحاقة: القيامة). وقال قتادة: (﴿الْحَاقَّةُ﴾: يعني الساعة، أحقت لكل عامل عمله). أو قال: (أحقت لكلّ قوم أعمالهم).\nوالمقصود: ﴿الحَاقَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة كالصّاخة والطّامة والقارعة والواقعة. وسميت بذلك لأن الأمور تُحَقّ فيها، وفيها يتحقق الوعدُ والوعيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾. استفهام يفيد شدّ الانتباه وتعظيم شأن المُسْتَفهم عنه. قال قتادة: (﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾: تعظيمًا ليوم القيامة كما تسمعون). وقال سفيان بن عُيينة: (كل شيء قال فيه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فإنه أُخبر به، وكل شيء قال فيه: \"وما يُدريك\" فإنه لم يُخبر به).\nقال القرطبي: (﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ أي: أيّ شيء أعلمك ما ذلك اليوم. والنبي -ﷺ-","vol":"8","page":166},{"text":"كان عالمًا بالقيامة ولكن بالصفة. فقيل تفخيمًا لشأنها: وما أدراك ما هي؟ كأنك لستَ تعلمها إذ لم تعاينها).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾. القارعة: اسم من أسماء القيامة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد فيها بهجومها عليهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾. قال قتادة: (الطاغية الصيحة). وقال مجاهد: (الطاغية الذنوب). وقال ابن زيد: (إنها طغيان، وقرأ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]). وقال السدي: (﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾: يعني عاقر الناقة).\nقلت: والراجح أنها الصيحة التي زلزلتهم، وأسكنتهم وأهمدتهم. يدل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾. فدل أن المراد أسلوب الهلاك.\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول: بريح مهلكة باردة، عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، دائمة لا تَفْتُر). وقال قتادة: (والصرصر الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم). وقال الثوري: (﴿عَاتِيَةٍ﴾ أي: شديدة الهبوب).\nوقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. أي: سَلَّطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام كوامل متتابعات مشائيم. قال ابن عباس: (﴿حُسُومًا﴾: تباعًا). وقال مجاهد: (متتابعة). وقال قتادة: (متتابعة ليس لها فترة).\nوعن سفيان: (﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة، و﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال: مشائيم). وقال ابن زيد: (﴿حُسُومًا﴾ حسمتهم لم تُبْقِ منهم أحدًا).\nوقوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. قال ابن عباس: (خَرِبة).\nأي: فترى -يا محمد- قوم عاد بعد الرياح العاتية التي سُلطت عليهم كأنهم أصول نخل قد خوت. وقال أبو الطفيل: (﴿خَاوِيَةٍ﴾ أي بالية). وقيل: (خاوية: ساقطة).\nقال القاسمي: (أي ساقطة مجتثة من أصولها كآية: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]). قال القرطبي: (يحتمل أنهم شُبِّهوا بالنخل التي صرعت من أصلها، وهو إخبار عن عِظَم أجسامهم. ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع، أي","vol":"8","page":167},{"text":"إن الريح قد قطعتهم حتى صاروا كأصول النخل خاوية. أي الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخلة الخاوية الجوف).\nوقال ابن كثير: (أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخرّ مَيِّتًا على أمِّ رأسِه، فينشَدِخُ رأسُه وتبقى جُثَّته كأنها قائمةُ النخلةِ إذا خَرَّت بلا أغصان).\nأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: [نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَت عادٌ بالدَّبورِ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾. أي فهل ترى يا محمد لعاد قوم هود من بقاء أو بقية. لقد بادوا عن آخرهم، ولم يبق اللَّه لهم خلَفًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾. أي بالفِعلة الخاطئة. قال الربيع: (أي: بالمعصية). وقال مجاهد: (بالخطايا). والمؤتفكات: قرى قوم لوط ائتفكت -أي انقلبت- بهم.\nوالمقصود: جاء فرعون ومن قبله من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وهي قرى قوم لوط ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي بالفَعْلة الخاطئة، وهي التكذيب بما أنزل اللَّه والإصرار على الكفر والظلم.\nوقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾. قال ابن كثير: (وهذا جِنسٌ، أي: كُلٌّ كَذَّبَ رسولَ اللَّه إليهم. كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤]. ومن كذّب برسولٍ فقد كَذَّبَ بالجميع، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥، ١٢٣، ١٤١]. وإنما جاء إلى كل أمة رسولٌ واحد).\nوقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾. قال ابن عباس: (يعني أخذة شديدة). وقال السدي: (مهلكة).\nقال القرطبي: (﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أي عالية زائدة على الأخذات وعلى عذاب الأمم. ومنه الرّبا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى. يقال: ربا الشيء يربو أي زاد وتضاعف. وقال مجاهد: شديدة. كأنه أراد زائدة في الشدة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. طغا الماء: أي: ارتفع وعلا. قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٠٥)، كتاب بدء الخلق. وكذلك (١٠٣٥)، ورواه مسلم.","vol":"8","page":168},{"text":"ابن عباس: (يعني كثر الماء ليالي غرّق اللَّه قوم نوح). والجارية: السفينة.\nوالمقصود: لما أصرّ قوم نوح على الكفر وتكذيب الوحي والنبوة أرسل اللَّه عليهم ماء السماء فكثر حتى تجاوز حده المعروف فكان الطوفان وغرق القوم الكافرين، ونجّى اللَّه بسفينة نوح المؤمنين.\nوفي الآية زجر لهذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. وفيه امتنانٌ من اللَّه عليهم أن جعلهم ذرية من نجا من الغرق بقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم، ومن ثمّ فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته.\nوقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾. قال النسفي: (أي الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين ﴿لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عبرة وعظة). وقال ابن كثير: (﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾، عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه، أي وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار، كما قال: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢]).\nوقيل: أبقى اللَّه السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة. ذكره قتادة.\nقلت: والراجح من السياق أن المراد قصة النجاة في سفينة الحق التي حملت نبيَّ اللَّه نوحًا -ﷺ- والذين آمنوا منه، فهي التي تحمل العبرة والذكرى للأجيال المؤمنة التي ستعقب هذا الحدث إلى يوم القيامة، ويدل على ذلك ختام الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. أي: وتفهم هذه الآية العظيمة والمعجزة الإيمانية أذن عقلت عن اللَّه مراده فانتفعت بما سمعت من آيات كتابه.\nوعن ابن عباس: (﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: حافظة). أو قال: (يقول: سامعة، وذلك الإعلان). وقال قتادة: (﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن عقلت عن اللَّه، فانتفعت بما سمعت من كتاب اللَّه). وقال الضحاك: (سمعتها أذن ووعت).\n\n١٣ - ١٨. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ","vol":"8","page":169},{"text":"عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ الأحداث الرهيبة لبدء القيامة والحساب، من النفخ في الصور وحركة الأرض والجبال وانشقاق السماء ليبدأ بعد ذلك العرض ثم الثواب والعقاب.\nفقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال القاسمي: (أي: لخراب العالم).\nقال أبو السعود: (هذا شروع في بيان نفس الحاقة، وكيفية وقوعها، إثر بيان عظم شأنها بإهلاك مكذبيها).\nوعن ابن عباس: (﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلم يبق أحد إلا مات). وقال الربيع: (هي النفحة الأخيرة).\nقلت: والراجح أنها النفخة الأولى -نفخة الفزع- التي تعقبها نفخة الصعق ثم نفخة القيام للَّه رب العالمين. ودليل ذلك الآية بعدها: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾، وهذا منسجم مع آية سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٧ - ٨٨].\nقال ابن كثير: (وقد أكّدها هاهنا بأنها ﴿وَاحِدَةٌ﴾، لأن أمر اللَّه لا يُخالف ولا يُمانَع، ولا يحتاجُ إلى تكرار وتأكيد).\nوقوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾. قال النسفي: (رفعتا عن موضعهما ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ دقتا وكسرتا، أي ضرب بعضها ببعض حتى تندق وترجع كثيبًا مهيلًا وهباء منبثًا).\nوالمقصود: تبدلت الأرض غير الأرض، ونسفت الجبال فكانت هباء منبثًا، لابتداء أمور القيامة من الحشر والحساب. وفي قوله: ﴿فَدُكَّتَا﴾ دليل على إدماج الجبال كلها جملة واحدة لتدك مع الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾. أي: فحينئذ نزلت النازلة وهي القيامة.\nوقوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾. أي: وانصدعت السماء وتفطرت فهي يومئذ ضعيفة متصدعة. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وعن ابن عباس: (﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ هو: يعني متمزّقة ضعيفة).","vol":"8","page":170},{"text":"وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾. أي: على ما استدقّ من السماء ينظرون إلى أهل الأرض. قال ابن عباس: (يقول: والملك على حافات السماء حين تشقق). وقال قتادة: (على نواحيها). وقال سعيد بن المسيب: (الأرجاء حافات السماء).\nوقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. أي: ويحمل عرش الرحمن يوم القيامة ثمانية من الملائكة العظام.\nأخرج الطبراني بسند جيد عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أُذِنَ لي أَنْ أُحَدِّثَ عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتِقه خفقان الطير سبع مئة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت] (١).\nوأخرج أبو داود بسند صحيح من حديث جابر بن عبد اللَّه: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة اللَّه تعالى حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة سنة] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.\nأي: يومئذ تعرضون على ربكم للحساب والجزاء، لا تخفى منكم سريرة وحال كانت تخفى في الدنيا بستر اللَّه. قال النسفي: (﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ للحساب والسؤال، شُبِّهَ ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرّف أحواله).\nوقد قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيانُ بن عُيينة، عن جعفر بن بُرْقان، عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحَاسَبُوا، وزِنوا أنْفُسَكم قبل أن توزَنوا، فإنه أخفُّ عليكم في الحساب غدًا أن تُحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزّينوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾).\n\n١٩ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني بسند جيد من حديث أنس. انظر صحيح الجامع الصغير (٨٦٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٧٢٧). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥١).","vol":"8","page":171},{"text":"كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: وَصْفُ الفرحة العظيمة لمن استقبل كتابه بيمينه يوم الدين، فهو في عيشة ناعمة في الملذات في جنات النعيم.\nفقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾. فيه بدء تفصيل العرض. وإعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة.\nوقوله: ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾. قال القرطبي: (أي يقول ذلك ثقة بالإسلام وسرورًا بنجاته، لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، والشِّمال من دلائل الغَمّ).\nوعن ابن زيد: (﴿هَاؤُمُ﴾ أي: تعالوا). وقال مقاتل: (هُلُمَّ). وقيل: أي خذوا، ومنه الخبر في الربا \"إلا هاءَ وهاءَ\" أي يقول كل واحد لصاحبه: خذ. قال القتيبي: (والأصل هاكم فأبدلت الهمزة من الكاف). وقال ابن السِّكيت والكسائي: (العرب تقول هاءَ يا رجل اقرأ، وللاثنين هاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال، وللمرأة هاءِ وهاؤما وهاؤمْنَ).\nوأما الهاء في قوله: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ فهي للسكت، لا ضمير غيبة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ قال ابن عباس: (يقول: أيقنت).\nوقال قتادة: (ظن ظنًا يقينًا، فنفعه اللَّه بظنه). والمعنى: إني علمت أني ملاق جزائي وتكريمي يوم القيامة فأعددت له عدته من الإيمان والعمل الصالح.\nوقوله تعالى: (﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. قال الفراء: (﴿رَاضِيَةٍ﴾ أي مرضية).\nوقيل: ذات رِضًا، أي يرضى بها صاحبها.\nوالمقصود: فهو في عيش هنيء يرضاه لا ينغصه مكروه.\nوقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: في بستان عال رفيع).\nوقال النسفي: (﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ رفيعة المكان أو رفيعة الدرجات أو رفيعة المباني والقصور، وهو خبر بعد خبر). والمعنى: في جنة عظيمة في النفوس، فوق الطموح والآمال في رفعتها ودرجاتها وقصورها ونعيمها وملاذها.\nوقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾. أي ثمارها قريبة متناولة، ينالها راغبها وهو على حاله من القيام أو القعود أو الاضطجاع. قال قتادة: (دنت فلا يردّ أيديهم عنها بعد","vol":"8","page":172},{"text":"ولا شوك). وعن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية: (﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قال: يتناول الرجل من فواكهها وهو نائم).\nوالقطوف: جمع قِطْف، وهو ما يُقطَفُ من الثمار. والقَطْف بالفتح المصدر، والقِطاف وقت القطف.\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.\nأي: ويقال لهم تكريمًا: كلوا واشربوا أكلًا وشربًا ﴿هَنِيئًا﴾ لا مكروه فيه ولا تكدير ولا تنغيص ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾: أي بما قدمتم في أيام دنياكم من الأعمال الصالحة.\nوفي التنزيل نحو هذه الآيات، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].\nوفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه يدني المؤمن فيضَع عليه كنَفَهُ (١) ويستره فيقول: أتعرِفُ ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربّ، حتى قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]] (٢).\n\n٢٥ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: وَصْفُ مشهد الندم والخزي لمن أوتي كتابه بشماله يوم الدين، فهو اليوم في السلاسل والحميم وطعام الغسلين في نار الجحيم.\n_________\n(١) أي: حفظه وستره.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨)، وأحمد (٢/ ٧٤).","vol":"8","page":173},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾.\nإخبار عن حال أهل الشقوة حين توزع عليهم كتبهم في أرض المحشر بشمائلهم، فيجدون فيها حصائد أعمالهم، فيندمون غاية الندم، فيقول قائلهم: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾. قال النسفي: (لما يرى فيها من الفضائح).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾. أي: يتمنى أن لم يكن أعطي الكتاب، ولم يدر ما الحساب.\nوقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾. قال الضحاك: (أي موتة لا حياة بعدها).\nوقال قتادة: (تمنى الموت، ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت).\nوقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. أي لم يدفع عني مالي ولا جاهي العذاب، فأصبحت أسير عملي، فلا ناصر ولا مجير ولا معين.\nوعن ابن عباس: (﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ضلّت عني كل بينة فلم تغن عني شيئًا). وقال عكرمة: (﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: حجتي). وقال ابن زيد: (سلطان الدنيا).\nوقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾. أي: فعند ذلك يأمر اللَّه تعالى ملائكته من خُزّان جهنم بسحبه من أرض المحشر ووضع الأغلال في عنقه ثم بإلقائه في نار جهنم ليصلى فيها، ولتغمره بسعيرها.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.\nقال القاسمي: (﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ أي حلقة منتظمة بأخرى، وهي بثالثة، وهَلُمَّ جرا. ﴿ذَرْعُهَا﴾ أي: مقدارها ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ فأدخلوه فيها. أي: لفّوه بها، بحيث يكون فيما بين حلقها مرهقًا، لا يقدر على حركة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾. تعليل استحقاقه ذلك الخزي والعذاب. فلقد كان لا يوقن باللَّه العظيم المستحق للعظمة وحده، بل كان يشرك معه الأنداد والطواغيت، فيصرف لهم من العبادة والتعظيم ما لا ينبغي إلا للَّه الواحد القهار.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. قال القرطبي: (بَيَّنَ أنه عُذّب على ترك الإطعام وعلى الأمر بالبخل، كما عُذّب بسبب الكفر. والحَضُّ: التحريض والحَثّ).\nوالمقصود: إنه قد جمع إلى الكفر، الشح والبخل، والدعوة إلى ذلك.","vol":"8","page":174},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾. أي: فليس له اليوم قريب تأخذه الحمية له كما كان له في الدنيا مما يأنس به عند النائبات والشدائد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾. قال ابن عباس: (صديد أهل النار). أو قال: (ما يخرج من لحومهم). وقال قتادة: (شر الطعام وأخبثه وأبشعه). قلت: والغِسْلين فِعْلين من الغَسل، والمقصود: من غسالة أبدان أهل النار وصديدهم. وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾. أي: الآثمون، أصحاب الإصرار على الخطايا والآثام.\nقال ابن جرير: (يقول: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون، وهم المذنبون الذين ذنوبهم كفر باللَّه).\n\n٣٨ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدُ الوحي والنبوة بإقسام اللَّه تعالى بعالمي الغيب والشهادة، فهو الكتاب الحق كلام اللَّه تعالى الذي تفرد إليه العبادة.\nفقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾. أي: ما الأمر كما تكذبون معشر المشركين. بل أقسم بجميع الأشياء مما ترون ومما لا ترون أن هذا القرآن قول الرسول الكريم، أوحاه إليه رب العالمين. قال ابن زيد: (﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ قال: أقسم بالأشياء، حتى أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. قال النسفي: (﴿إِنَّهُ﴾ أي إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي محمد -ﷺ- أو جبريل ﵇، أي يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند اللَّه).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. أي: وما هذا القرآن بقول شاعر، فمحمدٌ -ﷺ- لا يحسن قيل الشعر. قال قتادة: (طهّره اللَّه من ذلك وعصمه). إنكم قليلًا ما تصدقون أنتم -معشر المشركين من قريش- بما ظهر صدقه وبيانه، ووضح برهانه، ظلمًا وعنادًا وعتوًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال قتادة: (طهّره من الكهانة،","vol":"8","page":175},{"text":"وعصمه منها). قال القاسمي: (﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ أي كما تدعون أخرى بأنه من سجع الكهان ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي تتعظون وتعتبرون).\nفنفى عنهم الإيمان أولًا ثم الذكرى ثانيًا: لأن اتهام القرآن بالشعر بالغة من الكذب، فهم أهل الفصاحة والعلم بصناعة العرب والشعراء. ثم إن الكهان يأخذون جُعْلًا، ويتكلفون السجع والكذب، وإدخال الأخبار ببعضها، فأين الذكرى لهم في ذلك!\nوقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: وإنما هذا القرآن تنزيل من ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الذي ربّاهم بصنوف نعمه، وما خلقهم عبثًا ولا تركهم للضياع، بل أكرمهم بالوحي والنبوة، ليوصلهم إلى سبل السعادة ومناهج الفلاح.\n\n٤٤ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾.\nفي هذه الآيات: المبالغةُ بوصف العقاب لو افترى الرسول هذا الكتاب، وإنما هو كلام اللَّه العظيم، فيه تذكرة للمتقين، ويحمل الحسرة والندامة للكافرين.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أي: محمد -ﷺ- أو كان كما يزعُمون مفتريًا علينا، فزاد في الرِّسالة أو نقصَ منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك، لعاجَلناه بالعقوبة. ولهذا قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، قيل: معناه: لانتقمنا منه باليمين، لأنَّها أشدُّ في البَطْش. وقيل: لأخذنا بيمينه).\nقلت: فهناك تأويلان متكاملان لقوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾:\nالتأويل الأول: أي لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة. ذكره ابن جرير واختاره.\nالتأويل الثاني: أي لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه. فهو كقول السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض من بين يديه لبعض أعوانه: خذ بيده، فأقمه، وافعل به كذا وكذا، والمقصود الإهانة. قال الزمخشري: (المعنى لو ادّعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا،","vol":"8","page":176},{"text":"كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم، معاجلة بالسخط والانتقام. فصوّر قتل الصبر بصورته ليكون أهول. وهو أن يؤخذ بيده، وتضرب رقبته. وخصّ اليمين عن اليسار، لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده، وأن يكفحه بالسيف، وهو أشد على المصبور، لنظره إلى السيف، أخذ بيمينه).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾. قال ابن عباس: (وهو نياطُ القلبِ، وهو العِرْق الذي القلب مُعَلَّقٌ فيه). وقال مجاهد: (الوتين: حبل القلب الذي في الظهر). وقال الضحاك: (وتين القلب: وهو عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾. أي: فما منكم أيها الناس من أحد يحجزنا عن محمد ومعاقبته لو تقول علينا بعض الأقاويل.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال قتادة: (القرآن). أي: وإنّ هذا القرآن عظة يتعظ به أهل الإيمان والتقوى، لئلا يندرجوا مع أهل الكفر والشقوة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾. قال الربيع: (بالقرآن). أي: وإنا لنعلم أنه مع هذا البيان والإعجاز لهذا القرآن فإن منكم من يكذب به، إيثارًا للدنيا والهوى.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. أي: وإنه لتحسر وندم سيلحق بالكافرين بهذا القرآن يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وإنه للحق اليقين الذي لا شك فيه أنه من عند اللَّه، لم يتقوّله محمد -ﷺ-).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن عباس: (أي فصَلّ لربك). وقيل: أي نزه اللَّه عن السوء والنقائص.\n\nتم تفسير سورة الحاقة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت ١٧ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ١٩/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"8","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الحاقة من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه، وحذّره عباده.\n٢ - هلكت ثمود بالصيحة وعادٌ بريح صرصر وكفار قوم نوح بالغرق والمؤمنون حُمِلوا في الجارية.\n٣ - يُعطى أصحاب اليمين كتبهم بأيمانهم، ويسعى نورهم من بين أيديهم.\n٤ - يُعطى أصحاب الشمال كتبهم بشمائلهم من وراء ظهورهم.\n٥ - يُسلسل الكفار بالأغلال، ويساق المتكبرون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال.\n* * *","vol":"8","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>٧٠ - سورة المعارج</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>موضوع السورة</span>\nتأكيد عذاب اللَّه -ذي المعارج- على أهل الكفر والسيئات وتحذير المؤمنين من سَيِّئِ الأخلاق والعادات\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-393> منهاج السورة</span>-\n١ - سؤال بعض الكافرين عن عذاب اللَّه وهو لا محالة واقع، وليس له من دون اللَّه ذي المعارج دافع.\n٢ - حث اللَّه تعالى نبيِّه -ﷺ- على الصبر، فإن النصر لا بد قريب.\n٣ - وَصْفُ الأهوال التي تسبق القيامة، ومشهد الذل في المحشر على المجرمين والندامة.\n٤ - إخبار اللَّه عن الإنسان وما فيه من سَيِّئِ العادات، وثناء على المصلين المزكين في أرفع الصفات، وتخصيص اللَّه تعالى لهم في الجنة أرفع الدرجات.\n٥ - استنكار على المشركين نفورهم عن الحق وبديع الآيات، وتوبيخ لهم في طمعهم بالجنة وهم قائمون على الشرك والموبقات.","vol":"8","page":179},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٧. قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: سؤالُ بعض الكفار عن عذاب اللَّه وهو لا محالة واقع، على الكافرين وليس له من دون اللَّه ذي المعارج دافع، فاصبر يا محمد فكل آت قريب والصبر نافع.\nفقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. قال ابن عباس: (ذاك سؤال الكفار عن عذاب اللَّه وهو واقع). وقال مجاهد: (دعا داع ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ قال: يقع في الآخرة). وقال قتادة: (سأل عذاب اللَّه أقوام، فبين اللَّه على من يقع على الكافرين).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧].\nوفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: [قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٣ - ٣٤] الآية] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٤٩) - كتاب التفسير من صحيحه - سورة الأنفال.","vol":"8","page":180},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من اللَّه دافع يدفعه عنهم).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾. قال الرازي: (المعارج جمع معرج، وهو المصعد). قال ابن عباس: (﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ يقول: العلو والفواضل). أو قال: (ذي الدرجات).\nوقال قتادة: (ذي الفواضل والنِّعم). وقال مجاهد: (﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ قال: معارج السماء). وقيل: هي معارج الملائكة؛ لأنها تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك.\nوقيل: المعارج هي الدرجات التي يعطيها سبحانه أولياءه في الجنة.\nوقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.\nأي: تصعد إليه الملائكة ﴿وَالرُّوحُ﴾ -وهو جبريل ﵇ أو روح المؤمن عند الموت- فيكون مقدار صعودهم ذلك في يوم لغيرهم من الخلق خمسين ألف سنة.\nقال ابن كثير: (وأما ﴿وَالرُّوحُ﴾: يحتمل أن يكون المراد به جبريل، ويكون من بابَ عطْفِ الخاص على العام. ويحتمل أن يكون اسمَ جنْسٍ لأرواح بني آدم فإنها إذا قُبِضَت يُصْعَدُ بها إلى السماء).\nقلت: وكلا المعنين حق، فصعود الروح جبريل وكذلك أرواح المؤمنين ثابت في السنة الصحيحة:\nففي المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا: [فيصعدون بها -أي روح المؤمن- فلا يمرون بها على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة] الحديث (١).\nوعن مجاهد: (﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: منتهى أمره من أسفل\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧) (٤/ ٢٩٥)، وأخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠)، والطيالسي (رقم ٧٥٣).","vol":"8","page":181},{"text":"الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السماوات والأرض مقدار خمسين ألف سنة، ويوم كان مقداره ألف سنة، يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مئة عام).\nقلت: والآية دليل واضح من أدلة العلو للَّه تعالى فوق جميع خلقه، فوق السماوات السبع فوق العرش العظيم.\nففي التنزيل:\n١ - قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].\n٢ - وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر: ١٠].\n٣ - وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [الملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفحر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذي باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون. أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهو يصلون] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند بسند جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا، فأتى موسى ﵇ فلطمه، فذهب بعينه، فعرج إلى ربه ﷿ فقال: يا رب بعثتني إلى موسى فلطمني فذهب بعيني، ولولا كرامته عليك لشققت عليه. قال: ارجع إلى عبدي فقل له: فليضع يده على ثور، فله بكل شعرة وارت كفه سنة يعيشها] الحديث (٢).\nالحديث الثالث: حديث المعراج -في الصحيحين وغيرهما- عن أنس وفيه: [ثم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢)، ورواه أحمد (٢/ ٣١٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد، وأصله وشاهده في الصحيحين. انظر: \"مختصر العلو\" (٨٦).","vol":"8","page":182},{"text":"عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾. أي: فاصبر يا محمد على أذى قومك صبرًا لا جزع فيه، ولا يثنيك ما تلقى منهم من الأذى عن تبليغ رسالة ربك، فإن النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسرًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾. قال النسفي: (﴿إِنَّهُمْ﴾ إن الكفار ﴿يَرَوْنَهُ﴾ أي العذاب أو يوم القيامة ﴿بَعِيدًا﴾ مستحيلًا ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ كائنًا لا محالة، فالمراد بالبعيد البعيد من الإمكان، وبالقريب القريب منه).\n\n٨ - ١٨. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ الأهوال التي تسبق القيامة، ومشهد الذل في أرض المحشر على المجرمين والندامة، ونار جهنم قد أعدت لاستقبال الطغاة لتنقلهم من الفرحة إلى السآمة.\nفقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾. يعني: كالشيء المذاب. قال مجاهد: (كَعَكَرِ الزيت). وقال قتادة: (تتحول يومئذ لونًا آخر إلى الحمرة).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾. يعني: كالصوف المنفوش. وهو كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]. وعن مجاهد: (﴿كَالْعِهْنِ﴾ قال: كالصوف).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾. أي: ولا يسأل قريب قريبه عن شأنه أو حاله لانشغاله بشأن نفسه. قال قتادة: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ يشغل كل إنسان بنفسه عن الناس).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢)، (٦/ ٤٧٧)، وصحيح مسلم (١/ ٤٤٨)، (١/ ١٥٦ - ١٥٧)، من حديث الإسراء والمعراج.","vol":"8","page":183},{"text":"وقوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: المقصود الأقرباء يعرف بعضهم بعضًا، ثم ينشغل كل بنفسه عن غيره.\nقال ابن عباس: (﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: يعرف بعضهم بعضًا، ويتعارفون بينهم، ثم يفر بعضهم من بعض، يقول: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]).\nوقال قتادة: (﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يعرفونهم يعلمون، واللَّه ليعرِفَنَّ قوم قومًا، وأناس أناسًا).\nالتأويل الثاني: المؤمنون يبصرون الكفار. قال مجاهد: (﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ المؤمنون يبصرون الكافرين).\nالتأويل الثالث: الكفار الأتباع يعرفون المتبوعين الرؤساء في النار.\nقال ابن زيد: (﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: يبصرون الذين أضلوهم في الدنيا في النار).\nوالتأويل الأولى هو الأنسب للسياق، وهو اختيار ابن جرير. قال: (معنى ذلك: ولا يسأل حميم حميمًا عن شأنه، ولكنهم يبصرونهم فيعرفونهم، ثم يفر بعضهم من بعض). وبنحوه ذكر الحافظ ابن كثير حيث قال: (أي: لا يسأل القريبُ عن حاله، وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغلُه نفسُه عن غيره).\nوقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾.\nأي: يتمنى الكافر لو يفتدي يومئذ من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا: الولد والزوجة والأخ والعشيرة، بل وكل أهل الأرض ليحظى بالنجاة ولكن هيهات! !\nوعن قتادة: (﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾. الأحبّ فالأحبّ، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته لشدائد ذلك اليوم).\nوعن مجاهد: (﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ قال: قبيلته). وقال ابن زيد: (﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾ قال: الصاحبة الزوجة ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ قال: فصيلته: عشيرته).\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾. أي: لا سبيل له إلى ذلك، فإنه لا يُقبل منه فِداءٌ ولو جاء بأهل الأرض وبأعزّ ما يجده من المال ولو بملء الأرض ذهبًا لو استطاع إلى","vol":"8","page":184},{"text":"ذلك سبيلًا، فإن ﴿لَظَى﴾ -وهي جهنم- له بالمرصاد.\nقال القرطبي: (﴿كَلَّا﴾: تكون بمعنى حقًا، وبمعنى لا. وهي هنا تحتمل الأمرين، فإذا كانت بمعنى حقًا كان تمام الكلام ﴿يُنْجِيهِ﴾. وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها، أي ليس ينجيه من عذاب اللَّه الافتداء ثم قال: ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ أي هي جهنم، أي تتلظّى نيرانها).\nو﴿لَظَى﴾ اسم من أسماء جهنم، واشتقاق ﴿لَظَى﴾ من التلظِّي. والتِظاءُ النار التهابها، وتلظيها تَلَهُّبُها، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] أي تتلهب.\nوقوله تعالى: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه- \"نَزَّاعَةٌ\" بالرفع. وقرأها عاصم في رواية أبي عمرو عنه ﴿نَزَّاعَةً﴾ بالنصب. فبالرفع هي خبر لمبتدأ محذوف تقديره \"هي\"، أو خبر آخر لإن، أو بدل من لظى. وبالنصب تكون حالًا مؤكدة، أو تُنْصَبُ على معنى أنها تتلظى نزاعة، أي في حال نزعها للشّوى. وقيل غير ذلك.\nوالشّوى في لغة العرب: جمع شواة وهي جلدة الرأس. والشّوى: اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، وكل ما ليس مقتلًا. يقال: رماه فأشواه إذا لم يصب المقتل.\nوعن ابن عباس: (﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ قال: تنزع أم الرأس). وفي رواية: (يعني الجلود والهام). وقال مجاهد: (﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ قال: لجلود الرأس). وقال أبو صالح: (نزاعة للحم الساقين). وقال قتادة: (أي نزاعة لهامته ومكارم خلْقه وأطرافه). وقال الضحاك: (تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئًا). وقال ابن زيد: (الشوى: الآراب العظام).\nفقوله تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾. قال مجاهد: (عن الحق). وقال قتادة: (﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ﴾ عن طاعة اللَّه ﴿وَتَوَلى﴾ قال: عن كتابه، وعن حقه). وقال ابن زيد: (ليس لها سلطان إلا على هوانِ مَنْ كفرَ وتولى وأدبر عن اللَّه، فأما من آمن باللَّه ورسوله، فليس لها عليه سلطان). قال ابن كثير: (أي: تَدْعُو النارُ إليها أبناءها الذين خلقهم اللَّه لها، وقَدَّر لهم أنَّهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ، ثم تَلْتَقِطُهم من بين أهل المحشر كما يَلْتَقِطُ الطيرُ الحبَّ، وذلك أنهم كما قال اللَّه -﷿- كانوا ممن ﴿أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾، أي: كَذَّب بقلبه، وتركَ العملَ بجوارِحه).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾. قال مجاهد: (جمع المال). وقال قتادة: (كان","vol":"8","page":185},{"text":"جَموعًا قمومًا للخبيث). قال ابن جرير: (يقول: وجمع مالًا فجعله في وعاء، ومنع حق اللَّه منه، فلم يزكّ ولم ينفق فيما أوجب اللَّه عليه إنفاقه فيه).\n\n١٩ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارٌ من اللَّه تعالى عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الصفات والأخلاق الدنيئة الواجب مدافعتها، وثناءٌ على المصلين المزكين المشفقين من عذاب اللَّه الحافظين فروجهم والموفون بعهودهم والمؤدون الأمانات إلى أهلها، ووعد لهم مع البشرى بدخول الجنان والاستقرار في روضاتها.\nفقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. الهلع: شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. والهلوع: الجزوع الحريص. قال سعيد بن جبير: (﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ قال: شحيحًا جزوعًا). وقال عكرمة: (ضجُورًا). وقال الضحاك: (﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ يقول: هو بخيل منوع للخير، جزُوع إذا نزل به البلاء، فهذا الهلوع). وقال شعبة: (الهلوع: الحريص).\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [شرُّ ما في رجلٍ شحٌّ هالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾. تفسير لآفاق ذلك الهلع: قال ابن كثير: (أي:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٢٥١١). كتاب الجهاد. باب في الجرأة والجبن. من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر صحيح سنن أبي داود (٢١٩٢)، ومسند أحمد (٢/ ٣٠٢)، وصحيح ابن حبان (٣٢٥٠).","vol":"8","page":186},{"text":"إذا أصابه الضُّرُّ فَزِع وجَزِع وانخلعَ قلبُهُ من شدة الرُّعب، وأيِسَ أن يحصلَ له بعد ذلك خير).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. قال النسفي: (وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس، وهذا طبعه وهو مأمور بمخالفة طبعه وموافقه شرعه. والشر: الضر والفقر. والخير: السعة والغنى. (أو المرض والصحة».\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العبادُ فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدُهما: اللهمَّ! أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم! أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾. قال القرطبي: (دلّ على أن ما قبله في الكفار، فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣]). وقال ابن كثير: (أي: الإنسان من حيثُ هو مُتَّصِفٌ بصفات الذم إلا من عصمه اللَّه ووفَّقَه، وهداه إلى الخير ويَسَّرَ له أسبابه، وهم المصلون).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. يشمل في مفهومه المحافظة على أوقاتها وأركانها وواجباتها، وسكونها وخشوعها جزء من ذلك.\nوعن إبراهيم النخعي: (﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قال: الصلوات الخمس). أو قال: (المكتوبة).\nوعن ابن مسعود قال: (الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر). وقال عقبة بن عامر: (هم الذين إذا صلوا لم يلتفِتوا خلفهم، ولا عن أيمانهم، ولا عن شمائلهم).\nرواه بسنده ابن جرير. كما روى عن قتادة قوله: (ذُكر لنا أن دانيال نعت أمة محمد -ﷺ- قال: يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما غرقوا، أو عاد ما أُرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة، فعليكم بالصلاة فإنها خُلُقٌ للمؤمنين حسن).\nوقال ابن جريج والحسن: (هم الذين يكثرون فعل التطوع منها).\nوقيل: المراد بالدوام السكون والخشوع، ومنه الماء الدائم، أي: الساكن الراكد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٠١٠)، كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك.","vol":"8","page":187},{"text":"ولا شك أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة.\nففي التنزيل:\n﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].\nوفي صحيح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن الحارث الأشعري -من وصايا يحيى بن زكريا ﵇ كما ذكر لنا رسول اللَّه -ﷺ-: [وإن اللَّه أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن اللَّه ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: [هو اختلاس يختَلِسُهُ الشيطان من صلاة العبد] (٢).\nوالاختلاس: هو الاختطاف بسرعة على غفلة. قال العلامة الطيبي طيب اللَّه ثراه: (سمي اختلاسًا تصويرًا لقبيح تلك الفعلة بالمختلس، لأن المصلي يقبل عليه الرب ﷾ والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة). واللَّه أعلم.\nالحديث الثالث: أخرج النسائي والترمذي -واللفظ للنسائي- من حديث رفاعةَ بن رافع -حديث المسيء صلاته- قال له النبي -ﷺ-: [إنه لا تَتِمُّ صلاةُ أحدِكم حتى يُسْبِغَ الوضوءَ كما أمَرَه اللَّه تعالى، ويغسلَ وجهَهُ ويديه إلى المرفقين، ويمسحَ برأسِه ورجلَيه إلى الكعبين، ثم يكبّر اللَّهَ، ويحمدُه، ويُمَجِّدُه، ويقرأ من القرآن ما أذِنَ اللَّهُ له فيه وتَيَسَّرَ، ثم يكبر ويركع، فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصِلُهُ وتسترخي، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده، ويستوي قائمًا حتى يأخذ كلُّ عظمٍ مأخذه، ويقيمَ صُلبَه، ثم يكبر، فيسجدُ، ويُمَكِّنُ جبهتَه من الأرض، حتى تطمئِنَّ مفاصِلُهُ وتسترخي، ثم يكبِّر فيرفع رأسه، ويستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم صلبه (فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال:) لا تتم صلاةُ أحدكم حتى يفعلَ ذلك] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال قتادة: (الحق\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٢٩٨)، أبواب الإمثال.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٩١٠)، في الصلاة. باب الالتفات في الصلاة. ورواه البخاري.\n(٣) رواه النسائي وهذا لفظه، والترمذي وقال: \"حديث حسن\". انظر صحيح الترغيب (١/ ٥٣٧).","vol":"8","page":188},{"text":"المعلوم: الزكاة). أو قال: (الزكاة المفروضة). وقال ابن عباس: (يقول: هو سوى الصدقة يصل بها رحمه، أو يقري بها ضيفًا، أو يحمل بها كَلًّا، أو يُعين بها محرومًا).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإلا الذين في أموالهم حقّ مؤقت، وهو الزكاة للسائل الذي يسأله من ماله، والمحروم الذي قد حرم الغنى، فهو فقير لا يسأل).\nقلت: والزكاة أشبه بالحق المعلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو واجب على قدر الحاجة، فيكون بعد الزكاة المعلومة في أنصبتها ومقاديرها، كما قال الشعبي: (إن في المال حقًا سوى الزكاة).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. أي: وإلَّا المؤمنون باليوم الآخر، فهم يقرون بالبعث والحساب، ويعملون لما يَكون فيه الفوز بالجنة والنجاة من العقاب.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. أي: والذين هم في الدنيا من عذاب الآخرة خائفون وجلون، فهم راجون رحمة ربهم لا يضيعون له فرضًا، ولا يتعدّون له حدًّا، وهم له خاشعون.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. قال النسفي: (أي لا ينبغي لأحد وإن بالغ في الاجتهاد والطاعة أن يأمنه، وينبغي أن يكون مترجحًا بين الخوف والرجاء).\nأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنْتُه يوم أجمع عبادي] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾. أي: والذين هم حافظون فروجهم عن الحرام، فهم يمنعونها أن توضع في غير ما أذن اللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. أي: ويستثنى مما سبق الأزواج والإماء، فهن حلال لمن ملكهن بكلمة اللَّه وضوابط الشرع.\nأخرج أبو داود بسند حسن عن حكيم، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول اللَّه!\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم والبزار بسند حسن. انظر صحيح الجامع الصغير (٤٢٠٨).","vol":"8","page":189},{"text":"عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: [احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينُك] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحًا سوى زوجته أو ما ملكت يمينه فهو بذلك متعد حدود اللَّه، ماض في طريق معصيته.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإلا الذين هم لأمانات اللَّه التي ائتمنهم عليها من فرائضه وأمانات عباده التي اؤْتُمِنُوا عليها، وعهوده التي أخذها عليهم بطاعته فيما أمرهم به ونهاهم، وعهود عباده التي أعطاهم على ما عقده لهم على نفسه راعون، يرقبون ذلك، ويحفظونه فلا يضيعونه، ولكنهم يؤدّونها ويتعاهدونها على ما ألزمهم اللَّه وأوجب عليهم حفظها).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [مَنْ حَمَلَ علينا السلاح فليس مِنّا، ومَنْ غَشَّنا فليس منا] (٢).\nوفي الصحيحين من حديث أنس قال: قال النبي -ﷺ-: [لكل غادر لواء يومَ القيامة، يقال: هذه غَدْرةُ فلان] (٣).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [المسلم أخو المسلم، لا يخونُه، ولا يَكذِبُه، ولا يخذُله، كل المسلم على المسلم حرام، عِرضُه ومالُه ودمُه] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾. أي: والذين لا يكتمون الشهادة التي استشهدوا عليها، بل يؤدونها صحيحة غير مبدلة ولا معدّلة.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٤٠١٧)، كتاب الحمّام. باب ما جاء في التعرّي. ورواه ابن ماجة (١٩٢٠). وانظر صحيح سنن أبي داود (٣٣٩١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠١)، كتاب الإيمان. وانظر كذلك الحديث (١٠٠)، (١٠٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٤٦٤)، (١٢/ ٢٩٩)، وأخرجه مسلم (١٧٣٥).\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٥٧٢)، وكذلك (١١٥٢) من حديث ابن عمر.","vol":"8","page":190},{"text":"قال القرطبي: (﴿قَائِمُونَ﴾ على من كانت عليه من قريب أو بعيد، يقومون بها عند الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيرونها).\nوفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال قتادة: (على وضوئها وركوعها وسجودها). وقيل: على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها. وقيل: الدوام عليها الاستكثار منها، والمحافظة عليها أن لا تضيع عن مواقيتها.\nقلت: الدوام يشمل المحافظة على أدائها وعدم الانشغال عنها. وأما المحافظة عليها فيضم مراعاة إسباغ الوضوء لها وإقامتها في مواقيتها بأركانها وواجباتها ومستحباتها وآدابها. وقد افتتح الكلام بذكر الدوام على الصلاة واختتمه بذكر المحافظة عليها، ليدل على مكانتها في الإسلام وشرفها وعلو قدر صاحبها.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات والنعوت الرفيعة هم أهل الكرامة وحسن التكريم في الآخرة، ينعمون بأنواع الملاذ، وصنوف المسارّ، وألوان الكرامات.\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [يُنادي مُنَادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقموا أَبَدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا] (١).\n\n٣٦ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾.\nفي هذه الآيات: استنكارٌ على المشركين نفورهم من الحق وقد رأوا أمامهم تأييد اللَّه نبيّه بالنصر والمعجزات، وتوبيخٌ لهم في طمعهم بالجنان وهم باقون على الشرك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٧)، كتاب الجنة ونعيمها. باب في دوام نعيم أهل الجنة.","vol":"8","page":191},{"text":"والموبقات، كلا فإن مآلهم إلى نار الجحيم والحميم والدركات.\nفقوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. قال قتادة: (عامدين). وقال ابن زيد: (المهطع: الذي لا يطرف. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معناه: مسرعين).\nوعن الحسن: (﴿مُهْطِعِينَ﴾ قال: منطلقين). والمعنى: فمال هؤلاء الكفار من قومك -يا محمد- مسرعين نافرين منك وهم مشاهدون لما أيدك اللَّه به من الآيات والمعجزات. كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١].\nوقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾. أي متفرقين، واحِدها عِزَةٌ.\nقال ابن عباس: (﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ قال: قَبِلك ينظرون، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾. قال: العزِين: العُصَبُ من الناس، عن يمين وشمال مُعرِضين يستهزئون به). وعن الحسن: (﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ متفرقين، يأخذون يمينًا وشمالًا يقولون: ما قال هذا الرجل؟). وقال قتادة: (﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ أي: فِرَقًا حول النبي -ﷺ- لا يَرغبون في كتاب اللَّه، ولا في نبيّه -ﷺ-).\nوفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة: [أن رسول اللَّه -ﷺ- خرجَ عليهم وهم حِلَقٌ، فقال: \"ما لي أراكُم عِزينَ؟ \"] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا﴾. قال ابن كثير (أي: أيطَمعُ هؤلاء، والحالةُ هذه من فرارهم عن الرسول ونِفَارهم عن الحق أن يدخلوا جناتِ النعيم؟ بل مأواهم نارُ الجحيم).\nوقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾. قال قتادة: (إنما خُلِقْتَ من قَذرٍ يا ابن آدم، فاتق اللَّه). قال ابن جرير: (يقول جلّ وعزّ: إنا خلقناهم من منيّ قذر، وإنما يستوجب دخول الجنة من يستوجبه منهم بالطاعة، لا بأنه مخلوق، فكيف يطمعون في دخول الجنة وهم عصاة كفرة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٣٠/ ١١٩)، وأبو داود (٤٨٢٣)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٤٢)، وأخرجه الطبري (٣٤٩٦٥). وفيه حث على الاجتماع، ونهي عن الفرقة.","vol":"8","page":192},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٥ - ١٠].\nومن كنوز صحيح السنة حديث رائع في ذكر هذه الآيات موضع التفسير:\nفقد أخرج الحاكم في المستدرك، وأحمد في المسند، وابن ماجة مختصرًا، بإسناد صحيح -واللفظ للحاكم- عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش القرشي قال: [تلا رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآية: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾، ثم بزق رسول اللَّه -ﷺ- على كفّه فقال: يقول اللَّه: يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيْتُكَ وعدَّلتك مشيت بين بردتين وللأرض منك وئيد -يعني شكوى- فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟ !] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾.\nقال القرطبي: (﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ أي أقسم. و\"لا\" صلة. ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ هي مشارق الشمس ومغاربها. ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ يقول: نقدر على إهلاكهم والذهاب بهم، والمجيء بخير منهم في الفضل والطوع والمال. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر نريده).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. تهديد ووعيد.\nأي: فاتركهم -يا محمد- يخوضوا في باطلهم ولهوهم وغرورهم، وانشغل أنت بما أمرت به من البلاغ وإقامة الدين الحق، فإن لهم يومًا يحاصرهم فيه العذاب ويدفعون ثمن الكبر والاستهتار غاليًا.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٥٠٢)، (٢/ ٣٢٣)، وأحمد (٤/ ٢١٠)، وابن سعد (٧/ ٤٢٧)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في \"الزوائد\" (ق ١٦٨/ ١): \"إسناده صحيح، ورجاله ثقات\". وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١١٤٣): (وهو كما قالوا).","vol":"8","page":193},{"text":"أي: إنه اليوم الذي يخرجون فيه من قبورهم مسرعين، وذلك حين يسمعون الصيحة الآخرة إلى إجابة الداعي كأنهم إلى عَلم أو غاية يستبقون.\nو﴿يَوْمَ﴾ بدل من \"يَوْمَهُم\" الذي قبله، والأجداث: القبور، وهي: جمع جدث. و﴿سِرَاعًا﴾: أي مسرعين. وعن ابن عباس: (﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ إلى غاية، وهي التي تنصب إليها بصرك). وهناك قراءة مشهورة بفتح النون، أي: \"نَصْبٍ\". قال الكلبيّ: (إلى شيء منصوب، عَلَم أو راية).\nوالإيفاض الإسراع، فقوله: ﴿يُوفِضُونَ﴾. أي: يُسرعون. قال قتادة: (﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ قال: إلى عَلَم يسعون). وقال أبو العالية: (إلى علامات يستبقون).\nوقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ قال ابن جرير: (يقول: خاضعة أبصارهم للذي هم فيه من الخزي والهوان ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يقول: تغشاهم ذلة). والرَهَقُ: الغشيان. قال قتادة: (هو سواد الوجوه).\nوالمقصود: ذليلة أبصارهم في ذلك اليوم لما يتوقعونه من الخزي والهوان والعذاب.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. أي: ذلك هو اليوم الذي كانوا يوعدون في الدنيا أنهم ملاقوه، وأنه سيكون يوم شؤم عليهم، لما ينتظرهم فيه من العذاب والقصاص والنكال.\n\nتم تفسير سورة المعارج بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم الثلاثاء ٢٠ - شوال - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٢ - تشرين الثاني - ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"8","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - عذاب اللَّه لا شك واقع بالكافرين.\n٢ - الملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إلى اللَّه الذين باتوا فيكم ليسألهم عن حالكم.\n٣ - لظى: اسم من أسماء جهنم، وأصله من التَلظِّي وهو التلَهُّب.\n٤ - ويل لمانع الزكاة: كنزه صفائح نار وتدوسه بقره وإبله وغنمه غدًا.\n٥ - تدعو النار أهلها بلسان فصيح، وتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب.\n٦ - الإنسان هلوع جزوع منوع إلا المصلين المزكين العفيفين.\n٧ - ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط مُنْفِقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا.\n٨ - احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، وغطّ فخذك فإن الفخذ عورة.\n٩ - لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غَدْرةُ فلان.\n١٠ - الأمناء والقائمون بالقسط والمقيمون الصلاة والحافظون فروجهم أولئك في جنات النعيم، وأهل الكفر والكبر والعناد في نار الجحيم.\n* * *","vol":"8","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>٧١ - سورة نوح</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>موضوع السورة</span>\nخبر نوح ﵊ وقصة إغراق اللَّه أهل الكفر والإجرام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-397> منهاج السورة</span>-\n١ - إرسال اللَّه نبيه نوحًا ﵊، لينذر قومه مغبة الشرك باللَّه وتعظيم الشهوات والآثام.\n٢ - صَبْرُ نوح -ﷺ- على أذى قومه اللئام، وهو يدعوهم إلى تعظيم اللَّه وعبادته وشكره على جميل الإنعام، ونتائج ذلك عليهم برغد العيش وحياة الكرام.\n٣ - بثُّ نوح الشكوى إلى اللَّه العظيم، عما يلقاه من تمرد قومه واتباعهم سبل الشياطين.\n٤ - إغراق اللَّه قوم نوح الكافرين، ودعاء نوح ربه إهلاك من في الأرض من المجرمين، والمغفرة له ولوالديه ولجميع المؤمنين.","vol":"8","page":196},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن إرساله نبيّه نوحًا -ﷺ- إلى قومه لينذرهم بأسه -جَلَّت عظمته- قبل حلوله، فإن تداركوا أنفسهم بالتوبة والإنابة وإفراده تعالى بالتعظيم ورسوله بالمتابعة رفع عنهم سخطه وكفّر عنهم سيئاتهم ومَدَّ في أعمارهم بالراحة والهناءة في العيش، ليوافقوا الأجل المسمى لهم في أم الكتاب.\nفقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾. نوح -ﷺ- هو أول رسول إلى أهل الأرض.\nففي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة -حديث الشفاعة- مرفوعًا: [فيقول آدم ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مِثْلَه، ولن يغضبَ بعدَه مِثْلَهُ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا -ﷺ- فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسمّاك اللَّه عبدًا شكورًا فاشفع لنا إلى ربك. . .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾. أي بأن أنذر قومك، فموضع ﴿أَنْ﴾ نصب بإسقاط الخافض. ويجوز ﴿أَنْ﴾ بمعنى المفإرة فلا محل لها من الإعراب. - حكاه القرطبي.\nوقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (يعني عذاب النار في الآخرة).\nوقال الكلبي: (هو ما نزل عليهم من الطوفان). وقيل: أي أنذرهم العذاب الأليم على الجملة إن لم يؤمنوا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٣٣٤٠)، كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم (١/ ١٢٧ - ١٢٩). ورواه أحمد.","vol":"8","page":197},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. أي مخّوف بَيِّن النذارة، ظاهر الأمر واضحه، ومظهره بلسانكم الذي تعرفونه.\nوقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. قال قتادة: (أرسل اللَّه المرسلين بأن يُعْبَد اللَّهُ وحدَه، وأن تتقى محارمه، وأن يُطاع أمره).\nوقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾. أي: إنْ أثبتّم للَّه تعالى وحده التعظيم، فأفردتموه بالعبادة وأفردتم رسوله بالمتابعة فيما جاءكم به من الوحي الكريم، غفر اللَّه لكم ذنوبكم.\nوفي ﴿مِنْ﴾ أكثر من تأويل عند المفسرين:\nالتأويل الأول: ﴿مِنْ﴾ صلة زائدة. والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم. قاله السدي.\nالتأويل الثاني: ﴿مِنْ﴾ للتبعيض. والتقدير: يغفر لكم بعض ذنوبكم، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. قال ابن كثير: (وقيل: إنها للتبعيض، أي: يغفر لكم الذنوب العِظام التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام).\nالتأويل الثالث: ﴿مِنْ﴾ بمعنى \"عن\". والتقدير: يصفح لكم عن ذنوبكم. واختاره ابن جرير. وقال زيد بن أسلم: (المعنى يخرجكم من ذنوبكم). وقال ابن شجرة: (يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها).\nوقوله: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. فيه أقوال متكاملة.\n١ - قال ابن عباس: (أي ينسئ في أعماركم). ومفهومه: أن اللَّه تعالى كان قد قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا بارك في أعمارهم، وإن لو يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. - حكاه القرطبي.\n٢ - قال مقاتل: (يؤخركم إلى منتهى آجالكم في عافية، فلا يعاقبكم بالقحط وغيره). ومفهومه: يؤخركم اللَّه بذلك من العقوبات والشدائد إلى آجالكم.\n٣ - قال الزجاج: (أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب). وعن الفراء: (﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عندكم تعرفونه، لا يميتكم غَرَقًا ولا حَرقًا ولا قتْلًا).\nقلت: وزيادة العمر في الطاعة والبر وصلة الرحم زيادة حقيقية، وهي في علم اللَّه تعالى ومكتوبة في اللوح المحفوظ، وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة.","vol":"8","page":198},{"text":"الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [مَنْ أحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقه، ويُنْسَأَ له في أثرِه، فليصل رحِمه] (١).\nوفي رواية: [مَنْ سَرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه أو يُنْسَأَ له في أثرِهِ فليصل رَحِمَه] (٢).\nقال الألباني ﵀: (هذا الحديث نص في أن صلة الرحم سبب للزيادة في الرزق وطول العمر، ولا ينافيه أن الرزق والعمر مقدران، فإنهما مقدران بأسبابهما. ألا ترى أن دخول الجنة أو النار مقدر أيضًا، ومع ذلك فدخولهما مربوط بالسبب من الإيمان أو الكفر. قال: فإذا قلنا طال عمره حقيقة بصلته للرحم فهو كما لو قلنا: دخل الجنة بإيمانه ولا فرق).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عائشة، أن النبي -ﷺ- قال لها: [إنّه من أعطي حظّه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر] (٤).\nوقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: بادِرُوا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أَمَرَ تعالى بِكَوْنِ ذلك لا يُرَدُّ ولا يُمانَعُ، فإنه العظيم الذي قَهَرَ كُلَّ شيءٍ، العزيزُ الذي دانت لعِزَّته جميع المخلوقات).\n\n٥ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٩٨٦)، كتاب الأدب. وأخرجه مسلم (٨/ ٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٠٦٧)، كتاب البيوع. باب من أحب البَسْطَ في الرزق. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٧٦٢) - تحقيق الألباني. وكذلك التعقيب عليه ص (٤٧٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ١٥٩) ورجاله ثقات. وله شاهد رواه الترمذي (١/ ٣٦٢).\n(٤) حديث حسن. انظر تخريج \"الترغيب\" (٢/ ٣١)، وصحيح الجامع الصغير (٣٦٩١). وسنده حسن.","vol":"8","page":199},{"text":"فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن صبر نبيِّه -نوح -ﷺ- على دعوة قومه وأذاهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعوهم ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا، فلم يزدادوا إلا عتوًا ونفورًا واستكبارًا، وأنه دعاهم إلى تعظيم اللَّه واستغفاره وشكره الذي ينعكس عليهم رزقًا وخيرًا وأنهارًا، ومع ذلك أصروا على الكفر والمنكر وتناسوا النعم فهم لا يرجون للَّه وقارًا.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾. قال النسفي: (دائبًا بلا فتور).\nوالمقصود: واصلت لهم الدعاء ودأبت في ذلك بالليل والنهار حرصًا على نجاتهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾. قال القرطبي: (أي تباعدًا من الإيمان).\nوقال ابن جرير: (يقول: إلا إدبارًا عنه (١) وهربًا منه وإعراضًا عنه).\nوقوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾. أي: لئلا يسمعوا دعائي. قال ابن كثير: (أي سَدُّوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه. كما أخبر تعالى عن كفار قريش: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]).\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (تنكَّروا له لئلا يعرفهم).\nوقال سعيد بن جبير: (غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول).\nوقوله: ﴿وَأَصَرُّوا﴾. أي: ركبوا رؤوسهم بالاستمرار على ما هم عليه من الكفر والشّر فلم يتوبوا. والإصرار على الذنوب من أكبر الكبائر وفيه الوعيد الشديد.\nفقد أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأحمد في المسند، بإسناد صحيح، عن\n_________\n(١) أي عن الحق الذي دعاهم إليه.","vol":"8","page":200},{"text":"عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [ارْحَموا تُرْحموا، واغْفِروا يُغْفَر لكم، وويل لأقماع القول، وويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (١).\nقال الزمخشري: (من المجاز: \"ويل لأقماع القول\" وهم الذين يستمعون ولا يعون).\nوالمقصود: تشبيه الذين يستمعون القول فلا يعونه ولا يعملون به بالأقماع -جمع قِمْع، وهو الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع- لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازًا كما يمر الشراب في القمع.\nوقوله: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾. ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ تفخيم. قال ابن جرير: (يقول: وتكبروا فتعاظموا عن الإذعان للحقّ، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾. أي جهرة بين الناس. قال مجاهد: (الجهار الكلام المعلن به).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ﴾. أي صرخت لهم ورفعت صوتي بإنذارهم.\nقال مجاهد: (﴿أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ يقول: صحت بهم).\nوقوله: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾. قال مجاهد: (فيما بيني وبينهم).\nأي: أخفيت دعوتي بيني وبين بعضهم، وأتيتهم في منازلهم، فنَوّعت في أساليب تلطَّفي لهم، لقبول دعوتي حرصًا على نجاتهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾. أي: فقلت لهم: سلوا اللَّه المغفرة من ذنوبكم السالفة وما اجترحتم من الآثام، بإخلاصكم إليه التقرب والتوسل بصحيح الإيمان، إنه سبحانه هو السِّتير الغفار صاحب الغفران.\nقال الفضيل: (يقول العبد: أستغفر اللَّه. وتفسيرها أَقِلْني).\nوقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. قال البخاري: قال ابن عباس: (﴿مِدْرَارًا﴾: يتبع بعضها بعضًا). أي: إنكم إن أخلصتم التعظيم والعبادة للَّه العظيم،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٨٠)، وأحمد (٢/ ١٦٥)، (٢/ ٢١٩)، وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب من المسند\" (١/ ٤٢). وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٤٨٢).","vol":"8","page":201},{"text":"وأحسنتم الاستغفار والإنابة إليه سقاكم من غيث كثير متتابع إنه هو البرّ الرحيم. وقال النسفي: (﴿مِدْرَارًا﴾ كثيرة الدّرور).\nيروي ابن جرير بإسناده عن الشعبي قال: (خرج عمر بن الخطاب يستسقي، فما زاد على الاستغفار، ثم رجع فقالوا: يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح (١) السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، وقرأ الآية التي في سورة هود حتى بلغ: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]).\nوقال الأوزاعي: (خرج الناس يستسقون، فقام فيهم بلال بن سعد فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: اللهم إنا سمعناك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وقد أقررنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟ ! اللهم اغفر لنا وارحمنا واسقنا! فرفع يديه ورفعوا أيديهم فَسُقوا).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾.\nقال قتادة: (علم نبي اللَّه -ﷺ- أنهم أهل حرص على الدنيا فقال: هلمّوا إلى طاعة اللَّه، فإن في طاعة اللَّه درك الدنيا والآخرة).\nوقال ابن صبيح: (شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له: استغفر اللَّه. وشكا آخر إليه الفقر فقال له: استغفر اللَّه. وقال له آخر: ادع اللَّه أن يرزقني ولدًا، فقال له: استغفر اللَّه. وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر اللَّه. فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئًا، إن اللَّه تعالى يقول في سورة \"نوح\": ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾).\nقال ابن كثير: (أي: إذا تُبْتم إلى اللَّه واستغفرتموه وأطعتموه كَثُرَ الرزقُ عليكم، وأسقاكم من بَرَكات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبتَ لكم الزرعَ، وأدرَّ لكم الضَّرعَ، وأمدَّكم بأموال وبنينَ، أي: أعطاكمُ الأموالَ والأولادَ، وجعل لكم جناتٍ فيها أنواع الثمار، وخَلَّلهَا بالأنهار الجارية بينها).\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. ترهيب بعد ترغيب. وفيه أقوال متقاربة:\n_________\n(١) المجدح: نجم من النجوم، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبهًا بالأنواء مخاطبة بما يعرفونه لا قولًا بالأنواء. اهـ ابن الأثير.","vol":"8","page":202},{"text":"١ - قال ابن عباس: (﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ يقول: عظمة). وقال مجاهد: (لا تبالون للَّه عظمة). أو قال: (لا تبالون عظمة ربكم. قال: والرجاء: الطمع والمخافة).\n٢ - قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (ما لكم لا تعظمون اللَّه حق عظمته).\n٣ - قال ابن عباس في رواية أخرى: (ما لكم لا تعلمون للَّه عظمة).\n٤ - قال قتادة: (﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾: لا ترجون للَّه عاقبة).\n٥ - قال ابن زيد: (﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ قال: الوقار الطاعة).\nوالخلاصة: عدل القرآن بهم من دعوتهم بمقام الترغيب إلى دعوتهم بمقام الترهيب من اللَّه وبأسه ونقمته وجبروته.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. أي: وقد خلقكم سبحانه حالًا بعد حال، طورًا نطفة، وطورًا علقة، وطورًا مضغة. قال ابن عباس: (﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. يقول: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة). قال مجاهد: (من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم ما ذكر حتى يتمّ خلقه). وقال قتادة: (طورًا نطفة، وطورًا علقة، وطورًا عظامًا، ثم كسا العظام لحمًا، ثم أنشأه خلقًا آخر، أنبت به الشعر، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾. هو دليل آخر يقرع اللَّه به آذان وأبصار المشركين: أنَّ الذي قدّر هذا التركيب العلوي العجيب يجب أن يُعْبَد. وعن ابن عباس: (﴿طِبَاقًا﴾. بعضها فوق بعض، كل سماء مطبقة على الأخرى كالقباب). قال القرطبي: (وقوله ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ على جهة الإخبار لا المعاينة. قال: ﴿طِبَاقًا﴾ نصب على أنه مصدر، أي مطابقة طباقًا. أو حال بمعنى ذات طباق، فحذف ذات وأقام طِباقًا مقامه).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. هو كقوله جلت عظمته: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥].\nقال ابن كثير: (﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كُلًا منهما أُنموذَجًا على حِدَةٍ، لِيُعْرَفَ الليلُ والنهار بمطلَع الشمس","vol":"8","page":203},{"text":"وَمَغيبها، وقدَّر القمر منازلَ وبُروجًا، وفاوت نورَهُ، فتارةً يزدادُ حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يسْتَسِرَّ، ليدلَّ على مضي الشهور والأعوام).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾. قال ابن جريج: (يعني آدم ﵇ خلقه من أديم الأرض كلها). وقال النسفي: (﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أنشأكم، استعير الإنبات للإنشاء ﴿نَبَاتًا﴾ فنبتم نباتًا). وقال ابن جريج: (أنبتهم في الأرض بالكِبَر بعد الصِّغَر وبالطول بعد القِصَر).\nقلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة أن اللَّه ﵎ قبض قبضة من جميع ترب الأرض فخلق منها آدم، فجاء نسله متفاوتًا حسب طبيعة تلك الترب، فأشبه خلق الإنسان خلق النبات وترعرعه.\nفقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ اللَّه خلقَ آدَمَ من قُبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاءَ بنو آدَمَ على قَدْر الأرض، فجاءَ مِنهم الأحْمَرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهْلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطيِّبُ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾. أي: ثم يعيدكم في الأرض عند موتكم فتدفنون فيها، إلى أن يخرجكم من قبوركم بالنشور للبعث يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾. أي مبسوطة تستقرون عليها، فقد مَهَّدَها لكم لتصلح لانتشاركم في معايشكم، وقرَّرها وثَبَّتها بالجبال الراسيات والشمِّ الشامخات.\nوقوله تعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: طرقًا مختلفة).\nوقال قتادة: (طرقًا وأعلامًا). والفجاج: جمع فجّ: وهو الطريق. والمعنى: يقول نوح لقومه -في معرض تذكيرهم نعم ربه عليهم-: إن اللَّه تعالى قد مهّدَ لكم هذه الأرض وبسطها لتستقروا عليها، ولتسلكوا منها طرقًا صعابًا متفرقة في أرجائها وأطرافها ونواحيها لالتماس مصالحكم. فجمع لكم بذلك بين تسخير المنشآت العلوية والسفلية، لتنالوا من الفوائد والمنافع السماوية والأرضية. أفلا يحملكم هذا على إفراده تعالى بالعبادة والتعظيم، فتعبدوه ولا تشركوا به شيئًا؟ !\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والترمذي من حديث أبي موسى. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٣٥٥)، أبواب تفسير القرآن. والسلسلة الصحيحة (١٦٣٠).","vol":"8","page":204},{"text":"٢١ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: بثُّ نوحٍ -﵇- الشكوى إلى اللَّه العظيم، عما يلقاه من عصيان قومه واتباعهم الهوى وتعظيم الأصنام وما يملي لهم الشيطان الرجيم، وأهل الدنيا والشهوات وَمَنْ مُتِّعَ بأموال وبنين.\nفقوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾. قال القرطبي: (شكاهم إلى اللَّه تعالى، وأنهم عصوه ولم يتّبعوه فيما أمرهم به من الإيمان).\nوقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾. أي واتبعوا ساداتهم وأغنياءهم وكبراءهم من أبناء الدنيا والشهوات ممن لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا وهلاكًا في الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾. قال مجاهد: (عظيمًا). وقال ابن زيد: (كثيرًا).\nقال المبرد: (﴿كُبَّارًا﴾ بالتشديد للمبالغة) (١).\nوالمقصود: مكروا مكرًا كبيرًا عظيمًا، في إصرارهم على الكفر والكبر، وتحريشهم السفلة على قتل نوح ومحاصرة دعوته.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾.\nأي: وقال الرؤساء لسفلتهم حافظوا على آلهتكم ولا تتركوا هذه الأنصاب وعظموها.\nقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا هشامٌ عن ابنِ جُرَيجٍ. وقال عطاءٌ عن ابن عباس ﵄: [صارت الأوثان التي كانت في قوم نوحٍ في العرب بعْدُ، أَمَّا وَدٌّ: فكانت لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَل، وأما سُوَاعٌ: فكانت لِهُذَيْلٍ، وأمّا يغوثُ:\n_________\n(١) وفي لغة العرب: أمر عجيب وعُجَاب وعُجَّاب، ورجل طويل وطُوَال وطوَّال، وشاب حسن وحُسَّان، وجميل وَجُمَّال، ونحو ذلك بالتخفيف والتشديد، بمعنى واحد.","vol":"8","page":205},{"text":"فكانت لِمُرادٍ ثُمَّ لبني غُطَيْفٍ، بالجُرْفِ عِنْدَ سَبَأٍ، وأمّا يعوقُ: فكانت لِهَمْدانَ، وأَمَّا نَسْرٌ: فكانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِي الكَلاع، أسماء رجالٍ صالحين مِنْ قومِ نوح، فلما هَلَكُوا أوْحى الشيطان إلى قومهم أن انْصِبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنْصابًا وسَمّوها بأسْمائهم، فَفَعَلُوا، فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هلك أولئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ] (١).\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حُمَيد، حدَّثنا مهرانُ، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قال: (كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح. وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم، فلما ماتُوا قال أصحابهُم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صَوَّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادةِ إذا ذكرناهم. فصَوَّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دَبَّ إليهم إبليسُ فقال: إنما كانوا يعبدُونهم وبهم يُسْقَون المطرَ. فعبدوهم).\nوالخلاصة: هذه كانت أكبر أصنامهم التي صوَّروها وأوحى الشيطان إليهم فنصبوا لها أنصابًا وعبدوها. فودّ صنم على صورة رجل، وسواعٌ على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسرٌ على صورة نسر. وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب، فكان ودّ لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير.\nوقوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. أي: وقد ضلّ بعبادة هذه الأصنام خلق كثير، فاستمرت عبادتها في العرب والعجم إلى الأزمنة التي بعدها إلى يومنا هذا.\nقال ابن جرير: (فَنُسِبَ الضلال إذ ضَلَّ بها عابدوها إلى أنها المُضِلّة).\nوقد قال الخليل ﵇ في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦].\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾. قال ابن كثير: (دعاءٌ منه على قومه لِتَمرّدهم وكُفرهم وعِنادهم، كما دعا موسى -﵇- على فرعون وملئِه في قوله: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. وقد استجاب اللَّه لكل من النَّبِيَّيْنِ في قومه، وأغرق أمَّته بتكذيبهم لما جاءهم به).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٢٠)، كتاب التفسير. سورة نوح، آية (٢٣).","vol":"8","page":206},{"text":"٢٥ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إغراقُ اللَّه قوم نوح الكافرين بالطوفان، ليدخلوا بعد ذلك عذاب نار القبر ضريبة الآثام. ودعاء نوح ربه إهلاك مَنْ في الأرض مِن الكافرين، والمغفرة له ولوالديه ولجميع المؤمنين.\nفقوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾. أي: فمن إصرارهم على الكفر ومخالفة رسولهم أغرقوا بالطوفان ثم أدخلوا في النيران. قال سفيان: (﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ قال: بخطيئاتهم أُغرقوا). وقال الفراء: (المعنى: من أجل خطاياهم). وقال القرطبي: (﴿مَا﴾ صلة مؤكدة، والمعنى من خطاياهم. ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أي بعد إغراقهم).\nقال القشيريّ: (وهذا يدل على عذاب القبر). وقال ابن كثير: (﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾، أي: نُقِلوا من تَيَّار البحار إلى حرارة النار). قلت: والقول بأنه عذاب القبر قبل عذاب جهنم قول سديد.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧].\nوفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث البراء: [فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه. . .] الحديث (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل. أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠).=","vol":"8","page":207},{"text":"وقوله: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾. قال ابن جرير: (تقتص لهم ممن فعل ذلك بهم، ولا تحول بينهم وبين ما فعل بهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. هو دعاء نوح -ﷺ- على قومه حين يئس من اتباعهم إياه. قال قتادة: (دعا عليهم بعد أن أوحى اللَّه إليه). وقال السدي: (﴿دَيَّارًا﴾: أي من يسكن الديار). وقال الضحاك: (واحدًا).\nوأصل ﴿دَيَّارًا﴾ الذي يدور في الأرض فيذهب ويجيء، وهو فيْعال من الدوران ديوارًا، فاجتمعت الياء والواو فأدغمت الواو فيها وصيرتا ياء مشددة، كما قيل: الحيّ القيام من قمت، وإنما هو قيوام. ذكره ابن جرير ثم قال: (والعرب تقول ما بها ديار ولا عريب، ولا دوي، ولا صافر، ولا نافخ ضرمة، يعني بذلك كله: ما بها أحد). وقال القُتَبيّ: (أصله من الدار، أي نازل بالدار. يقال: ما بالدار ديار، أي أحد).\nوفي صحيح مسلم -كان من دعاء النبي -ﷺ- على الأحزاب يوم الخندق-: [اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾. أي: إن تركتهم ولم تهلكهم يضلوا عبادك الذين قد آمنوا بك، ومَنْ سيجيء بعدهم.\nوقوله: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾. أي: ولا يكون في عقبهم ونسلهم ﴿إِلَّا فَاجِرًا﴾ في دينك ﴿كَفَّارًا﴾ لنعمتك. قال النسفي: (﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ إلا من إذا بلغ فجر وكفر، وإنما قال ذلك لأن اللَّه تعالى أخبره بقوله: لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن).\nوقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾. قال القرطبي: (دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمنين.\nوهما: لمك بن مُتَوَشْلِخ، وشمخى بنت أنوش، ذكره القشيري والثعلبي).\nوقيل: (﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾: آدم وحواء). والأول أقرب، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾. قال الضحاك: (يعني مسجدي). وظاهر الآية يشمل كل من دخل منزله وهو مؤمن، فهو داخل في دعوته.\nوفي سنن أبي داود والترمذي بسند حسن عن أبي سعيد: أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ-\n_________\n= والطيالسي (٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وروى النسائي (١/ ٢٨٢) نحوه.\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣/ ١٣٦٣). وانظر كتابي: السيرة النبوية (٢/ ٩١٩) لتفصيل ذلك.","vol":"8","page":208},{"text":"يقول: [لا تَصْحَبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكُلْ طعامَكَ إلا تقِيّ] (١).\nوقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. دعوة تشمل كل مؤمن ومؤمنة.\nقال الضحاك: (عامة إلى يوم القيامة). وقال ابن كثير: (دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يَعُمُّ الأحياء منهم والأموات، ولهذا يُسْتَحبُّ مثلُ هذا في الدعاء، اقتداء بنوع ﵇، وبما جاء في الآثار والأدعية المشروعة).\nقلت: ومن ذلك ما أخرج الطبراني بسند حسن عن عبادة، عن النبي -ﷺ- قال: [من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات، كتبَ اللَّه له بكلِّ مُؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنة] (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾. قال مجاهد: (إلا خسارًا). وقال السُدِّي: (إلا هلاكًا). والتبار: الهلاك والدمار.\nوالمقصود: دعا نوح ﵊ على الكافرين أن لا يزدادوا في إصرارهم على كفرهم إلا دمارًا وهلاكًا وخسارًا في الدنيا والآخرة، وهي دعوة تشمل كل كافر ومشرك إلى يوم القيامة.\n\nتم تفسير سورة نوح بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الجمعة ٢٣ - شوال - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٥ - تشرين الثاني - ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٥)، ورواه أحمد (٣/ ٣٨).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني بسند حسن من حديث عبادة مرفوعًا. انظر: \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢١٠) وقال: \"وإسناده جيد\". وصحيح الجامع الصغير (٥٩٠٢).","vol":"8","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - أمر اللَّه نوحًا -ﷺ- أن ينذر قومه بأس اللَّه قبل حلوله.\n٢ - لم تزد دعوة نوح -ﷺ- لقومه إلا فرارًا من رسالته.\n٣ - مَنْ أحَبَّ أن يُبْسَط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه.\n٤ - صنائع المعروف تقي مصارع السوء وآلافات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة.\n٥ - نوَّعَ نوحٌ -ﷺ- لقومه أسباب الترغيب والترهيب بلا فائدة.\n٦ - أصنام قوم نوح هي تماثيل لرجال صالحين سابقين.\n٧ - عذاب القبر حق، والكافر يفرش له في قبره من النار.\n٨ - لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي.\n٩ - دعاء نوح -ﷺ- باستئصال الكافرين والمغفرة للمؤمنين خلَّده القرآن الكريم.\n١٠ - من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة.\n* * *","vol":"8","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>٧٢ - سورة الجن</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٨).\nقال المهايميّ: (سميت بها لاشتمالها على تفاصيل أقوالهم في تحسين الإيمان، وتقبيح الكفر، مع كون أقوالهم أشد تأثيرًا في قلوب العامة، لتعظيمهم إياهم).\nأسباب النزول: أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس قال: [انطلق رسول اللَّه -ﷺ- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث؟ ! فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه -ﷺ- بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمّعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا. وأنزل اللَّه ﷿ على نبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (في الصحيح ٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩/ ١٤٩)، والترمذي في السنن (٣٣٢٣)، ورواه أحمد في المسند (١/ ٢٥٢)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٢٢٦).","vol":"8","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>موضوع السورة</span>\nاستماع الجن للقرآن الكريم وافتراق أقوامهم إلى صالحين وفاسقين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-401> منهاج السورة</span>-\n١ - إخبار اللَّه تعالى عن استماع نفر من الجن هذا القرآن، وإعلان إيمانهم به وتكذيب زعيمهم الشيطان، وأتباعه من شياطين الإنس والجان.\n٢ - اعتراف الجن بالشهب الحارقة تمنعهم خبر السماء، وأن أهل الأرض يذوقون بسبب ذنوبهم الشقاء.\n٣ - انقسام الجن إلى فريقين: مؤمنين وفاسقين. فأهل الإيمان آمنون في جنات النعيم، وأهل الفسق خالدون مع إبليس في نار الجحيم.\n٤ - إثبات المساجد للَّه فلا يعبد فيها إلا اللَّه العظيم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، ومن أصر على الشرك والمعصية صار يوم القيامة إلى الجحيم.\n٥ - إثبات علم الغيب وأمر الوعد والوعيد للَّه العلي العظيم، فهو سبحانه قد أرسل الرسل وعَلِمَ أعمالهم وأحصى كل شيء في كتاب مبين.","vol":"8","page":212},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن استماع نفر من الجن هذا القرآن، وإعلان إيمانهم به وكذب زعيمهم الشيطان، وكذلك أتباعه من شياطين الإنس والجان.\nفقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. أي: قل يا محمد مخبرًا قومك: أوحى اللَّه إلي أن نفرًا من الجن استمعوا هذا القرآن. والنّفر جماعة من الثلاثة إلى العشرة. وقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: جن نصيبين.\nوقوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾. قال النسفي: (﴿فَقَالُوا﴾ لقومهم حين رجعوا إليهم من استماع قراءة النبي -ﷺ- في صلاة الفجر ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ عجيبًا بديعًا مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه، والعجب ما يكون خارجًا عن العادة، وهو مصدر وضع موضع العجيب).\nوقوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾: أي إلى السّداد والنجاة والفلاح. وهو منهج التوحيد والحق والإيمان.\nوقوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. أي: فصدقناه ولن نشرك بربنا أحدًا من خلقه.\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. الجدّ في لغة العرب: العظمة والجلال. أي: تعالت عظمته وتقدس أمره وفضله ﷻ. قال ابن عباس: (﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: فِعْلُهُ وأمرُه","vol":"8","page":213},{"text":"وقدرتُه). وقال أيضًا: (جدُّ اللَّه: آلاؤه وقدرته ونِعمته على خلقه). وقال مجاهد: (﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾: جلال ربنا). وقال قتادة: (تعالى جلالُه وعظمته وأمره). وقال السُّدِّي: (تعالى أمرُ ربنا). وقال سعيد بن جبير: (تعالى ربُّنا).\nوفي الصحيحين من حديث المغيرة مرفوعًا: [ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجد] (١). قال أبو عبيدة والخليل: (أي ذا الغنى، منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة).\nوقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. هو تنزيهٌ من مؤمني الجن -حين أسلموا وآمنوا بالقرآن- للَّه تعالى أمره وجلت قدرته، عن اتخاذ الصاحبة والولد.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. أي: وأنه كان يقول إبليس على اللَّه جورًا وظلمًا، وباطلًا وزورًا. قال مجاهد: (﴿سَفِيهُنَا﴾ يعنون إبليس). وقال السُّدي، عن أبي مالك: (﴿شَطَطًا﴾، أي: جورًا). وقال ابن زيد: (ظُلمًا كبيرًا). قال ابن كثير: (ويُحتمل أن يكون المرادُ بقولهم: ﴿سَفِيهُنَا﴾: اسمَ جنس لكل من زَعَم أن للَّه صاحبةً أو ولدًا. ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾، أي: قبل إسلامِه ﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾، أي: باطلًا وزُورًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.\nقال القرطبي: (﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ أي حسبنا ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فلذلك صدقناهم في أن للَّه صاحبة وولدًا، حتى سمعنا القرآن وتَبَيَّنًا به الحقّ).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. ترهيب من التعامل مع الجن، كالاستعاذة بهم أو استخدامهم في السحر والإضلال.\nقال السُّدي: (كان الرجل يخرُج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذُ بسيِّد هذا الوادي من الجِنِّ أن أُضَرَّ أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشِيتي، قال: فإذا عاذَ بهم من دون اللَّه رَهقَتهم الجنِّ الأذى عند ذلك).\nوقال عكرمة: (كان الجن يَفْرَقُون من الإنس كما يفرَقُ الإنس منهم أو أشد، فكان الإِنسُ إذا نزلوا واديًا هَرَبَ الجِنُّ، فيقول سَيِّدُ القوم: نعوذ بسيِّد أهل هذا الوادي. فقال الجِنُّ: نراهُم يَفْرَقُونَ منا كما نَفْرَقُ منهم. فدنَوا من الإنس فأصابوهم بالخَبَلِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣٣٠)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة في أثناء حديث.","vol":"8","page":214},{"text":"والجُنونِ، فذلك قول اللَّه ﷿: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾). رواه ابن أبي حاتم.\nوقال قتادة: (﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، أي إثمًا، وازدادت الجِنُّ عليهم جَرَاءَةً).\nوقال أبو العالية: (﴿رَهَقًا﴾، أي: خوفًا). وقال مجاهد: (زاد الكفارُ طغيانًا).\nوالمقصود: لما رأت الجن التماس بعض الإنس الفرج منهم تسلطوا عليهم بمزيد من الخوف والإرهاب والذعر والطغيان، حتى أوقعوهم في الشرك أكبر والموبقات والظلم والآثام.\nوفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٨ - ١٢٩].\nقال ابن عباس: (﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ يعني أضللتم منهم كثيرًا). وقال مجاهد: (كثر من أغويتم). فحكى اللَّه إجابتهم بقوله: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضًا.\nقال ابن جريج: (كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة).\nوقال القرطبي: (فاستمتاع الجن من الإنس أن تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم).\nوقيل: وأما استمتاع الجن بالإنس فبما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر. وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون.\nوعن ابن زيد: (﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).\nقلت: فهذا التسليط من اللَّه تعالى لظلمة الجن على ظلمة الإنس داخل في مفهوم قوله جلت عظمته: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.","vol":"8","page":215},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾.\nإخبارٌ من اللَّه سبحانه عن قيل هؤلاء النفر من الجن: عن ظنهم أن لن يبعث اللَّه بعد هذه المدة رسولًا يدعوهم إلى التوحيد ويصحح له المسار، كما ظن بعض رجال الإنس. قال الكلبي: (ظن كفار الجنّ كما ظن كفرة الإنس أن لن يبعث اللَّه رسولًا). واختاره ابن جرير.\nويجوز أن يكون المعنى أن الجن ظنوا كما ظننتم يا أهل مكة أنه لا بعث بعد الموت. قال النسفي: (أي إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم، ثم بسماع القرآن اهتدوا وأقروا بالبعث فهلا أقررتم كما أقروا).\n\n٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: اعترافُ الجن بالشهب الحارقة التي أصبحت تمنعهم خبر السماء، وحسن أدبهم في نسب إرادة الرشد لربهم وأنه يذوق أهل الأرض بِسبب ذنوبهم الشقاء.\nفقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾. قال النسفي: (طلبنا بلوغ السماء واستماع أهلها. واللمس: المس، فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف).\nوقوله: ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾. قال ابن جرير: (يعني حفظة).\nوالمقصود: فوجدنا جمعًا أقوياء من الملائكة يحرسون ويمنعون الجن من الاقتراب.\nوقوله: ﴿وَشُهُبًا﴾. جمع شهاب، وهي النجوم التي كانت تُرجم بها الشياطين.\nوالمقصود: أن الشياطين كانت تسترق السمع من السماء مما تتكلم به الملائكة مما قضى اللَّه به في الأرض، فيلقونه إلى الكهنة والسحرة ليضلوا الناس عن الدين الحق، فلما بُعِثَ النبي -ﷺ- حفظ اللَّه السماء بالحرس الشديد والشهب الحارقة، فطرِدت الشياطين عن مقاعدها، وهذا من لطف اللَّه بخلقه، وحفظه لكتابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾.","vol":"8","page":216},{"text":"قال قتادة: (كانت الجن تسمع سمع السماء، فلما بعث اللَّه نبيّه، حُرست السماء، ومنعوا ذلك، فتفقّدت الجنّ ذلك من أنفسها).\nوالرَّصَد: الحافظ للشيء والجمع أرصاد، وقيل: الرصد هو الشهاب، أي شهابًا قد أرصد له ليرجم به.\nأخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: [إن نبيَّ اللَّه -ﷺ- قال: إذا قضى اللَّه تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان (١)، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء] (٢).\nوأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا. فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زادوه فيكون باطلًا. فلما بعث رسول اللَّه -ﷺ- منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول اللَّه -ﷺ- قائمًا يصلي بين جبلين -أراه قال بمكة- فلقوه فأخبروه هذا الحدث الذي حدث في الأرض] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.\nقال ابن كثير: (أي لا ندري أشر أريد بأهل الأرض أم رشد، وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى اللَّه ﷿). وقال ابن القيم: (قول مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ فأتوا بالفعل المبني للمجهول تأدبًا ولم يقولوا أراده ربهم. وكذلك قول الخضر في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها بينما قال في الغلام:\n_________\n(١) أي تجر على حجر أملس.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٧١٠)، كتاب التفسير، وقد مضى بتمامه.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٦٤٨)، كتاب التفسير، سورة الجن.","vol":"8","page":217},{"text":"﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]).\nوقال في موضع آخر: (ومن ذلك الأدب الرفيع قول إبراهيم -ﷺ-: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ عطفًا على قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٧٩]. فنسب كل الخير للَّه سبحانه، وتأدب مع اللَّه فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل وإذا أمرضني، مع أن الخلق كله للَّه، ولكن ما أصابه من مرض ينسبه إلى سبب من الذنب أو التقصير في حق اللَّه ﵎. ومثله قول موسى ﵇ لما تمتع بالقوة وأدْهَشَ من حوله أمام البئر قال متأدبًا متواضعًا للَّه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. ومثله قول أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. فهو غاية في الأدب مع اللَّه نسب الضر وإصابته له لتقصير منه فمسَّه، ولم يقل فعافني واشفني بل قال متواضعًا مخبتًا مستسلمًا للَّه: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وكذلك قال آدم من قبل: (﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ولم يحتج بالقضاء والقدر) (١).\nقلت: وهذا الأدب الرفيع قد ورد في السنة الصحيحة في أحاديث، منها:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب -في استفتاح النبي -ﷺ- في صلاة الليل-: [أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفتُ بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسنِ الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ كُلُّهُ في يَدْيكَ، والشَّرُ ليس إليك، أنا بِكَ وإليكَ] الحديث (٢).\nفقوله: \"والشرّ ليس إليك\" يمثل تأدبًا رفيعًا مع اللَّه سبحانه، فهو ينسب الذنب والتقصير والمصائب لنفسه مع أن الكل من خلق اللَّه وتقديره.\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [سَيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك وَوَعْدِك ما استطعت، أعوذ بك من شَرِّ ما صَنَعْتَ، أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل\n_________\n(١) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين. وانظر كتابي: \"أصل الدين والإيمان\" (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (٧٧١)، كتاب صلاة المسافرين. وهو جزء من حديث أطول.","vol":"8","page":218},{"text":"وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة] (١).\nفهذا الحديث هو سيد الاستغفار، فقد جمع من أبلغ الأدب وأرفع الخصال، فلفظة \"أبوء\" تعني أقِرُّ وأعترف فيها من الأدب الكثير، فرتب اللَّه على صاحبها الجزاء الكبير.\n\n١١ - ١٧. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: انقسام الجن إلى فريقين: مؤمنين وفاسقين، فأهل الإيمان آمنون في جنات النعيم، ومن فسق عن أمر اللَّه كان مع إبليس في نار الجحيم.\nفقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾. أي: منا المسلمون العاملون بطاعة اللَّه، ومنا غير ذلك. قال ابن عباس: (منا المسلم، ومنا المشرك).\nوقوله: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال عكرمة: (يقول: أهواء مختلفة). وقال قتادة: (كان القوم على أهواء شتى). وقال مجاهد: (﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ قال: مسلمين وكافرين). وقال ابن زيد: (صالح وكافر).\nوالطرائق: جمع طريقة، والمقصود طريقة الرجل ومذهبه. والقِدد: جمع قِدَّة، وهي الضروب والأجناس المختلفة. قال الرازي: (و\"القِدَّةُ\" -بالكسر- الطريقة والفِرْقَةُ من الناس، إذا كان هَوَى كُلّ واحدٍ على حِدَةٍ، يقال: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾). قال ابن جرير: (﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ يقول: وأنا كنا أهواء مختلفة، وفِرَقًا شتى، منا المؤمن والكافر).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٣٠٦)، كتاب الدعوات. باب أفضل الاستغفار.","vol":"8","page":219},{"text":"وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: وأنا علمنا أننا لن نعجز اللَّه في الأرض إن أراد بنا سوءًا. قال النسفي: (﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ أيقنا ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ﴾ لن نفوته ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حال، أي لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها).\nوقوله: ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾. قال القرطبي: (أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات اللَّه: أنا في قبضته وسلطانه، لن نفوته بهرب ولا غيره. و﴿هَرَبًا﴾ مصدر في موضع الحال أي هاربين).\nوقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾. فَهُم يفتخرون بذلك، وهو مَفْخَرٌ لهم بحق، وشرف رفيع. أي: وأنا لما سمعنا القرآن آمنا به وباللَّه، وصدّقنا محمدًا -ﷺ- على رسالته. قال الحسن: (بعث اللَّه محمدًا -ﷺ- إلى الإنس والجن، ولم يبعث اللَّه تعالى قط رسولًا من الجن، ولا من أهل البادية، ولا من النساء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]).\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: [بعثت إلى الأحمر والأسود]. قال مجاهد: (يعني الإنس والجن). فهو صلوات اللَّه وسلامه عليه رسول اللَّه إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، مُبَلِّغًا لهم عن اللَّه تعالى ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز.\nوقوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. البخس: النقصان. والرَّهق: العدوان. قال ابن عباس: (فلا يخاف أن يُنْقَصَ من حسناته أو يحمل عليه غيرُ سيئاته، كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]).\nوقوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾. القاسط: الجائر، لأول عادل عن الحق، والمُقْسِطُ: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق. والعرب تقول: قسَطَ فلان: أي جار، وأقسط: إذا عدله. والمعنى: وأنا منا المسلمون الذين خضعوا للَّه بالطاعة ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل. قال ابن عباس: (﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾: العادلون عن الحق). وقال مجاهد: (الظالمون). وقال قتادة: (الجائرون).\nوقوله: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. أي: فمن استقام على الحق وخضع للَّه بالطاعة فأولئك ترجّوا رشدًا في دينهم والتمسوا سبيل النجاة والفلاح.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾. أي: وأما الجائرون عن الإسلام الملتمسون غير سبيل المؤمنين ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أي وقودًا توقد بهم.","vol":"8","page":220},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾.\nقال ابن عباس: (يعني بالاستقامة: الطاعة. فأما الغدق فالماء الطاهر الكثير).\nوقال مجاهد: (﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ طريقة الإسلامِ ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ قال: نافعًا كثيرًا، لأعطيناهم مالًا كثيرًا). والعرب تقول: غدِقت العينُ تغدَق، فهي غَدِقة، إذا كثر ماؤها. والمقصود بالآية أن الاستقامة على الدين الحق سبب في سعة الرزق وإقبال الدنيا. قال قتادة: (يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا). وقال: (لو اتقوا لوسَّعَ عليهم في الرزق). وقال الربيع: (﴿مَاءً غَدَقًا﴾: عيشًا رغدًا).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الترمذي في السنن بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لو أنكم كُنتم تَوَكَّلُونَ على اللَّه حقَّ توكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وتروح بِطانًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ اللَّه تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي في الجامع بسند صحيح عن أنس، عن النبي -ﷺ-\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤١٦٤)، وأحمد في المسند، والترمذي في الجامع. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩١١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣/ ٣٠٨)، وأحمد (٢/ ٣٥٨)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٥)، وابن حبان (٢٤٧٧). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٥٩).","vol":"8","page":221},{"text":"قال: [من كانت الآخرة همَّهُ، جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا هَمَّهُ، جعلَ اللَّه فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له] (١).\nوقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. أي لنختبرهم فيه. قال قتادة: (لنبتليهم فيه). وقال زيد بن أسلم: (لنبتليهم من يستمرُّ على الهداية ممَّن يرتد إلى الغواية).\nوالمقصود: أنَّ الاستقامة على الحق والهدى يغدق اللَّه بها على أهلها الرزق الوفير والسعة في الدنيا، وهذا الإغداق بحد ذاته موضع امتحان للعباد واختبار لهم، وكثير من الناس يضعف شكره للَّه عند انفتاح الدنيا وزينتها.\nأخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء قال: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- ونحن نذكر الفقرَ ونتخوفه. فقال: [آلْفَقْرَ تخافون؟ والذي نَفْسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكمُ الدنيا صَبًّا حتى لا يُزيغَ قَلْبَ أحدِكُم إزاغَةً إلاهِيَهْ. وَايْمُ اللَّه لقد تركْتُكُم على مِثْلِ البيضاء، ليلُها ونهارُها سواء] (٢).\nوبعض المفسرين ذهب إلى تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ قال طريقة الضلالة، والراجح ما ذكرناه، وهو المناسب للسياق، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا﴾. أي: ومن يعرض عن هذا القرآن، ومتابعة النبي ﵊، يسلكه اللَّه عذابًا صعبًا شاقًا شديدًا.\nقال ابن عباس: (﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ يقول: مشقة من العذاب يصعد فيها). وقال أيضًا: (﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ قال: جبل في جهنم). وقال قتادة: (عذابًا لا راحةَ فيه). أو قال: (صَعودًا من عذاب اللَّه لا راحة فيه). وقال ابن زيد: (الصعد: العذاب المنصب).\n\n١٨ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٧٦)، وله شاهد عند ابن ماجة (٢/ ٥٢٤)، وكذلك عند ابن حبان (٧٢) من حديث زيد بن ثابت مرفوعًا، وإسناده صحيح.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (٥). باب اتباع سنة رسول اللَّه -ﷺ-.","vol":"8","page":222},{"text":"بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ المساجد للَّه فلا يعبد فيها غير اللَّه الواحد الأحد العلي العظيم، وأنه ما على الرسول إلا البلاغ المبين، ومَنْ أَصَرَّ على الشرك باللَّه وعصيانه كان في الآخرة من أهل الجحيم.\nفقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. أي: وقل أوحي إليّ أن المساجد للَّه. وقال الخليل: (أي ولأن المساجد للَّه). وقال عكرمة: (﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: المساجد كلها). وقال قتادة: (كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائِسهم وبيعهم أشركوا باللَّه، فأمر اللَّه نبيّه أن يوحّد اللَّه وحده).\nقال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ إضافة تشريف وتكريم، ثم خصّ بالذكر منها البيت العتيق فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. فيه تأويلان:\nالأول: أي لما قام محمد -ﷺ- يدعوهم إلى اللَّه ﵎ كادت العرب يجتمعون ضده ويزدحمون على حربه وإطفاء النور الذي جاء به.\nالثاني: أي لما قام محمد -ﷺ- يصلي اجتمع أصحابه عليه يصلون بصلاته ويسجدون بسجوده. وكلا المعنيين حق.\nو﴿لِبَدًا﴾ أي جماعات، من تلبُّد الشيء على الشيء أي تجمع، ومنه اللِّبْد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقًا شديدًا فقد لبَّدته. قال الرازي: (ويقال: الناس لُبَدٌ أيضًا أي مُجتمعون).\nوعن مجاهد: (﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: جميعًا). وقال ابن زيد: (واللبد: الشيء الذي بعضه فوق بعض، قال: تظاهروا عليه بعضهم على بعض، تظاهروا على رسول اللَّه -ﷺ-). وقال قتادة: (تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى اللَّه إلا أن ينصره ويمضيه، ويظهره على من ناوأه).\nوفي جامع الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [قول الجن لقومهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته","vol":"8","page":223},{"text":"ويسجدون بسجوده قال: تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم: لما قام عبد اللَّه يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾. قال ابن كثير: (أي: قال لهم الرسول لمَّا آذوه وخالفوه وكذَّبوه وتظاهروا عليه، لِيُبطِلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾، أي: أعبدُ ربي وحدَه لا شريك له، وأستجيرُ به وأتوكَلُ عليه، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. أي: قل لهم يا محمد: إن ما جئتكم به هو الحق، ولا أملك أمر هدايتكم أو غوايتكم، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿ يقلبها كيف يشاء، ومن ثمَّ فالهداية أو الإضلال إنما شأن ذلك إليه جلت عظمته وقدرته.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.\nقال قتادة: (أي: لا نصيرَ ولا ملجأ). وقال أيضًا: (لا وليَّ ولا موئِل). وقال مجاهد: (﴿مُلْتَحَدًا﴾: ملجأ). وقال السدي: (حِززًا).\nقال القرطبي: (﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ أي لا يدفع عذابه عني أحد إن استحفظته. ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أي ملتجأ ألجأ إليه).\nوقوله: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾. قال الحسن: (فإن فيه الأمان والنجاة). فهو استثناء من قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ﴾. أي: لا يخلصني من بأس اللَّه إلا إخلاص إبلاغ الرسالة والدعوة إلى سبيله ﷿. كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nويجوز أن يكون مستثنًى من قوله تعالى -في الآية السابقة-: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾.\nقال قتادة: (فذلك الذي أملكه بتوفيق اللَّه، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما). والتقدير: لا أملك لكم إلا أن أبلغكم. قلت: وكلا المعنيين حق، وفي كل منهما انسجام مع سياق الآيات والبيان والإعجاز.\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عباس. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٦٤٧)، كتاب التفسير، عند هذه الآية.","vol":"8","page":224},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ومن يعص اللَّه فيما أمره ونهاه ويكذّب به، ورسوله، فجحد رسالاته، فإن له نار جهنم يصلاها ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ يقول: ماكثين فيها أبدًا إلى غير نهاية).\nونصب: ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال، وجُمعَ لأن المقصود وصف مصير كل من فعل ذلك. فَوُحِّدَ أوَّلًا للفظ \"مَنْ\" ثم جمع للمعنى.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾. قيل: ﴿حَتَّى﴾ هنا مبتدأ. والتقدير: حتى إذا رأوا عذاب الآخرة الذي يوعدون، أو عذاب الدنيا قبله من القتل يوم بدر والخزي، هنالك سيعلمون. - حكاه القرطبي.\nوقيل: ﴿حَتَّى﴾ متعلق بمحذوف دلت عليه الحال. والتقدير: لا يزالون على ما هم عليه حتى ﴿إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾. حكاه النسفي.\nوقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾. أي: فسيعلمون عند حلول العذاب بهم ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾: أهم أم المؤمنون المخلصون التوحيد والتعظيم للَّه ﷿. أي: بل المشركون في حال خزي تام ومذلة يومئذ لا ناصر لهم بالكلِّية، وهم أقلُّ عددًا من جنود اللَّه ﷿ التي ستحيط بهم وتحاصرهم إلى أشد العذاب.\n\n٢٥ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ علم الغيب وأمر الوعد والوعيد للَّه العلي العظيم، فهو سبحانه قد أرسل الرسل وعلم أعمالهم وأحصى كل شيء في كتاب مبين.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾.\nقال القرطبي: (يعني قيام الساعة. وقيل: عذاب الدنيا، أي لا أدري، فـ ﴿إِنْ﴾ بمعنى \"ما\" أو \"لا\". أي لا يعرف وقت نزول العذاب ووقت قيام الساعة إلا اللَّه).","vol":"8","page":225},{"text":"وقوله: ﴿أَمَدًا﴾ -أي غاية وأجلًا. قال النسفي: (﴿أَمَدًا﴾ غاية بعيدة، يعني أنكم تعذبون قطعًا، ولكن لا أدري أهو حالّ أم مؤجل).\nوقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾. أي هو عالم الغيب، والغيب ما غاب عن العباد.\nوقوله: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. قال ابن عباس: (فأعلم اللَّه سبحانه الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه بما أوحى إليهم من غيبه، وما يحكم اللَّه، فإنه لا يعلم ذلك غيره).\nوعن قتادة: (﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ فإنه يصطفيهم، ويطلعهم على ما يشاء من الغيب). وقال ابن زيد: (ينزل من غيبه ما شاء على الأنبياء، أنزل على رسول اللَّه -ﷺ- الغيب القرآن، قال: وحدثنا فيه بالغَيب بما يكون يوم القيامة).\nوقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. قال قتادة: (الملائكة).\nوقال ابن عباس: (هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي -ﷺ- من الشيطان حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول: ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم).\nوقال إبراهيم النخعي: (الملائكة رصد من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من الجن).\nوغاية المعنى أن يقال: إنّ اللَّه تعالى يختمن رسوله بمزيد من مُعَقِّباتٍ من الملائكة يحفظونه من أمر اللَّه، ويعصمونه من الشياطين ووساوسهم وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي.\nوقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾. فيه تفاسير، حسب عودة الضمير:\n١ - قيل: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ عائد على النبي -ﷺ-. قال سعيد بن جبير: (ليعلم محمد -ﷺ-). وقال قتادة: (ليعلم نبيُّ اللَّه أن الرسلَ قد بَلَّغَت عن اللَّه، وأن الملائكةَ حفظتها ودفعت عنها). - واختاره ابن جرير.\n٢ - قيل: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ - عائد على من كذّب الرسل. قال العوفي عن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، قال: هي مُعَقِّبات من الملائكة يحفظون النبي من الشيطان، حتى يتَبَيَّن الذي أُرسِلَ إليهم، وذلك حين يقولُ: ليعْلَمَ أهلُ الشرك أن قد أُبلغوا رسالاتِ ربهم).\nوقال مجاهد: (ليعلمَ من كذَّب الرسل أن قد أبلغوا رسالاتِ ربهم).\n٣ - قيل: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ - عائدٌ على اللَّه ﷿. قال النسفي: (أي ليعلم اللَّه ذلك","vol":"8","page":226},{"text":"موجودًا حال وجوده، كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنه يوجد).\nقلت: وكل ذلك من التأويل المنسجم مع السياق القرآني والإعجاز البياني.\nوقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. قال سعيد بن جبير: (ليعلم الرسل أن ربهم أحاط بهم، فبلغوا رسالاتهم). قال ابن جرير: (يقول: وعلم بكل ما عندهم ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ يقول: علم عدد الأشياء كلها، فلم يخف عليه منها شيء). و﴿عَدَدًا﴾ منصوب على الحال، أي: وعلم كل شيء معدودًا محصورًا. وقيل: بل هو مصدر في معنى إحصاء، واللَّه تعالى أعلم.\n\nتم تفسير سورة الجن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر الأحد ٢٥ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٧ - تشرين الثاني - ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"8","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - اشتراك الجن في بلاغ رسول اللَّه -ﷺ-، واستماعهم إليه وهو يقرأ القرآن، وإيمانهم به وبرسالته.\n٢ - كانت الجن تسمع سمع السماء، فلما بعث اللَّه نبيّه، حُرست السماء، ومُنعوا ذلك.\n٣ - أرسل إبليس سبعة من الجن ليكتشفوا له الخبر فرجعوا مسلمين.\n٤ - الجن فريقان: مسلمون وفاسقون. فمن أسلم نجا، ومن تمرد هلك.\n٥ - المساجد للَّه تعالى فلا تدعوا مع اللَّه أحدًا.\n٦ - اللَّه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته.\n٧ - علم اللَّه الأشياء قبل وقوعها، وأحاط بها، وأحصاها عددًا.\n* * *","vol":"8","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>٧٣ - سورة المزمل</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>موضوع السورة</span>\nتوجيه المزمل ﵊ إلى قيام الليل وحمل الأمانة وجهاد الكفار اللئام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-405> منهاج السورة</span>-\n١ - توجيه الوحي الكريم نبي اللَّه والمؤمنين، إلى توثيق الصلة باللَّه أيام الشدة عن طريق قيام الليل وذكر اللَّه العظيم.\n٢ - أَمْرُ اللَّه نبيّه بالصبر على أذى أهل الجحيم، وله في صبر موسى على أذى فرعون وجنده أسوة حتى يأتي النصر المبين.\n٣ - هذه السورة من القرآن فيها تذكرة لأولي الألباب، وتسلية للنبي -ﷺ- والأصحاب.\n٤ - كان قيام اللَّه فريضة أول الإسلام، ثم خفف على أمة هذا النبي ﵊.","vol":"8","page":229},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: توجيهُ الوحي الكريم، نبي اللَّه -ﷺ- والمؤمنين -أيام التعذيب والاضطهاد في مكة من الطغاة على أوائل المسلمين- إلى توثيق الصلة باللَّه ﷿ عن طريق قيام الليل وذكر اللَّه العظيم.\nفقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾. قال الضحاك: (يا أيها النائم). وقال قتادة: (يا أيها المزمل في ثيابه). وقال ابن عباس: (يا محمد زملت القرآن).\nوقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أمْرٌ من اللَّه سبحانه رسوله -ﷺ- أن يترك التَّزَمُّل، وهو التغطّي في الليل، وينهض إلى قيام الليل، فكان واجبًا عليه وحده.\nوكان هذا بعد مجيء الأمر العام بصلاة ركعتين أول النهار وآخره. قال مقاتل بن سليمان: (فرض اللَّه في أول الإسلام الصلاة، ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]). ثم جاء الأمر بتمكين العزيمة في صلاة الليل، وتفصيل ذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [فإن اللَّه افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل اللَّه","vol":"8","page":230},{"text":"التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا مِنْ بَعْد فريضة] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند جيد عن ابن عباس قال: [لما نزلت أولُ المزّمل كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخِرُها، وكان بين أولها وآخِرها سنة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن جرير في \"التفسير\" بسنده عن أبي عبد الرحمن قال: [لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، حتى نزلت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فاستراح الناس] (٣).\nوأما قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهو استثناء من الليل. قال القرطبي: (أي صلّ الليل كله إلا يسيرًا منه، لأن قيام جميعه على الدوام غير ممكن، فاستثنى منه القليل لراحة الجسد. والقليل من الشيء ما دون النصف).\nوقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾. قال ابن كثير: (﴿نِصْفَهُ﴾: بَدَلٌ من الليل، ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، أي: أمرناك أن تقومَ نصفَ الليل بزيادة قليلة أو نُقْصانٍ قليل، لا حَرَجَ عليك في ذلك).\nقلت: وقد جاء الأمر بالتخفيف في آخر هذه السورة رحمة من اللَّه بنبيه -ﷺ- والمؤمنين.\nفقد أخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس: [قال في المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ نسختها الآية التي فيها: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]] (٤).\nوقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. الترتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام.\nوالمقصود: لا تعجل -يا محمد- بقراءة القرآن، بل اقرأه في تمهل وتعقل وبيان، وتدبّر للمعاني والعبر والأحكام.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٥٣ - ٥٤). وانظر صحيح مسلم (٧٤٦)، كتاب صلاة المسافرين. باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٣٠٥)، كتاب الصلاة. أبواب قيام الليل. باب نسخ قيام الليل. وانظر صحيح سنن أبي داود (١١٥٧).\n(٣) أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (٣٥١٧٧). وانظر كتابي: السيرة النبوية (١/ ٢٢٦) لتفصيل البحث.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٣٠٤)، أبواب قيام الليل. باب نسخ قيام الليل.","vol":"8","page":231},{"text":"قال قتادة: (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال: بيّنه بيانًا). وقال مجاهد: (بعضه على أثر بعض، على تؤدة). وقال أيضًا: (ترسل فيه ترسلًا). وقال الحسن: (اقرأه قراءة بينة).\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن قتادة قال: سألتُ أَنسَ بنَ مالكٍ عن قِراءة النبي -ﷺ- فقال: [كانَ يَمُدُّ مَدًّا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن قتادة قال: [سُئِلَ أنَسٌ: كَيْفَ كانَتْ قراءة النبي -ﷺ-؟ فقال: كانتْ مَدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَمُدُّ ببِاسمِ اللَّهِ، ويُمُدّ بالرحمن، ويَمُدُّ بالرحيم] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أم سلمة: أنها سُئِلَتْ عن قِراءة رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: [كان يقطع قراءته آية آية، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [يُقال لصاحِب القرآن: اقرأ وارق ورتِّل كما كنت تُرَتِّل في الدنيا، فإن منزِلتَك عند آخِر آية تقرؤها] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [زَيِّنُوا القرآن بأصواتكم] (٥).\nالحديث السادس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، أو سعيد بن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ليس منا مَنْ لم يَتَغَنَّ بالقرآن] (٦).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٤٥)، كتاب فضائل القرآن. باب مدّ القراءة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٤٦)، الباب السابق. وأخرجه ابن حبان (٦٣١٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٢)، وأبو داود (١٤٦٦)، والترمذي (٢٩٢٧). وانظر: \"صفة صلاة النبي -ﷺ-\" ص (٧٧). والإرواء (٣٤٣)، وله شواهد.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤)، وأحمد (٢/ ١٩٢).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (٢/ ١٧٩)، وابن ماجة (١٣٤٢)، وأحمد (٤/ ٢٩٦)، وابن حبان (٧٤٩)، وعبد الرزاق (٤١٧٦).\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٤٦٩) في الصلاة. باب استحباب الترتيل في القراءة.","vol":"8","page":232},{"text":"الحديث السابع: أخرج ابن ماجة بإسناد صحيح عن جابر، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ مِنْ أَحْسَنِ الناسِ صَوْتًا بالقرآن، الذي إذا سَمِعْتُموه يَقْرأُ، حَسِبْتُموه يَخْشى اللَّه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. أي: إنا سنوحي إليك هذا القرآن، وهو قول ثقيل يثقل حمله والعمل بشرائعه. قال قتادة: (ثقيل واللَّه فرائضُهُ وحدوده). وقال مجاهد: (حلاله وحرامه). وقال الحسن: (العمل به). وقال أبو العالية: (ثقيلًا بالوعد والوعيد والحلال والحرام). وقال محمد بن كعب: (ثقيلًا على المنافقين).\nوقيل: على الكفار، لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسبّ آلهتهم، والكشف عما حرّفه أهل الكتاب. حكاه القرطبي.\nوقال الحسين بن الفضل: (ثقيلًا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد). وقال ابن زيد: (هو واللَّه ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة).\nقلت: والخلاصة أن هذا القرآن العظيم ثقيل في تنزيله، ثقيل في أحكامه وعبره وآياته، ثقيل في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثقيل في ميزان من عظّمه وقام بما فيه يوم القيامة.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: [أنزل اللَّه على رسوله -ﷺ- وفخِذه على فخذِي، فَثَقُلَتْ عليَّ، حتى خِفْتُ أن تَرُضَّ فخذي] (٢).\nوفي صحيح البخاري -أيضًا- عن عائشة أم المؤمنين ﵂: [أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليَّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزلُ عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّد عرقًا] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٣٣٩) في الصلاة. باب في حسن الصوت بالقرآن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ١٨٢). وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ١٥٨ - ١٧٢). البحث التاسع: أقسام الوحي وأنواعه.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في مقدمة الصحيح. حديث (٢)، كتاب بدء الوحي.","vol":"8","page":233},{"text":"وفي المسند ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام: أي ربِّ مَنَعْتُه الطعامَ والشهواتِ بالنهار فشفعني فيه. يقول القرآن: ربِّ مَنَعْتُه النومَ بالليل فشفعني فيه، فَيُشفَعان] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.\nيقال نشأ: إذا قام من الليل. قال مجاهد: (إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم). وفي الصحاح: (ناشئة الليل أول ساعاته، وقيل ما ينشأ فيه من الطاعات) ذكره الرازي. وعن قتادة: (﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أي أثبت في الخير، وأحفظ في الحفظ). وقال مجاهد: (يواطئُ سمعك وبصرك وقلبك بعضه بعضًا). وفي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [و﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أوله، وكانت صلاتهم لأول الليل. يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض اللَّه عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ، وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ هو أجدر أن يفقه في القرآن] (٢).\nوعن ابن زيد: (﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: أقوم قراءة لفراغه من الدنيا).\nقلت: والمقصود بناشئة الليل ساعاته وأوقاته التي ينهض بها العبد للقيام بين يدي اللَّه ﷿، فهي ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة. فقم بها -يا محمد- واؤمر قومك ليقوموا فيها، فإن السكينة والقوة ستنزل على قلوبهم وستصقل بها نفوسهم وعقولهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. أي تصَرُّفًا في حوائجك، وإقبالًا وإدبارًا وذهابًا ومجيئًا. قال مجاهد: (﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾: متاعًا طويلًا).\nوالسَّبْح: الجري والدوران، ومنه السابح في الماء، لتقلبه بيديه ورجليه.\nوقيل: السبح الفراغ. أي إن لك فراغًا للحاجات بالنهار.\nففي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [وقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ يقول: فراغًا طويلًا] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والطبراني والحاكم. انظر تخريج المشكاة (١٩٦٣)، والترغيب (٢/ ٦٠)، ورواه البيهقي. انظر صحيح الجامع الصغير (٣٧٧٦).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (١٣٠٤)، أبواب قيام الليل. انظر: صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١١٥٦).\n(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١١٥٦)، أبواب قيام الليل. باب نسخ قيام الليل. وهو خاتمة حديث قد مضى أوله.","vol":"8","page":234},{"text":"قلت: والراجح في المعنى: إن -لك يا محمد- في النهار وقتًا لحوائجك وأمور حياتك، فأفرغ الليل واملأ القلب من القرآن والناس نيام.\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾.\nأي: واذكر ربك يا محمد، وأكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته.\nوالتبتل: الانقطاع إلى عبادة اللَّه ﷿. وفي لغة العرب: بتلت الشيء أي قطعته.\nوالمقصود: انقطع بعبادتك إلى اللَّه ولا تشرك به غيره.\nوعن ابن عباس: (﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ قال: أخلص له إخلاصًا). وقال مجاهد: (أخلص إليه المسألة والدعاء). وقال الحسن: (بَتِّل نفسك واجتهد).\nوقال قتادة: (أخلص له العبادة والدعوة). وقال ابن زيد: (أي تفرّغ لعبادته).\nوفي التنزيل نحو ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨].\nوفي المسند وجامع الترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ اللَّه تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك] (١).\nوقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾.\nأي: هو رب المشارق والمغارب المتفرد بالملك والجبروت فلا يستحق العبادة غيره، فأفرده بالتعظيم والتأليه والتوكل. قال القرطبي: (﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي قائمًا بأمورك. وقيل: كفيلًا بما وعدك).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].\nوقد كان من دعائه -ﷺ-: [اللهم لك أسلمت، وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، وإليك أنَبْتُ، وبكَ خاصمتُ، اللهم إني أعوذُ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تُضِلَّني،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٨)، والترمذي (٣/ ٣٠٨)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٥)، وأخرجه ابن حبان (٢٤٧٧). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٥٩).","vol":"8","page":235},{"text":"أنت الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون] (١).\n\n١٠ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- بالصبر على ما يقوله المكذبون من سفهاء قومه وهجرهم الهجر الجميل الذي لا عتاب معه فإن اللَّه أعد للمجرمين عذاب الجحيم، وقد أرسل إلى فرعون موسى من قبل فاستكبر هو وجنوده حتى نزل بهم العذاب الأليم.\nفقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. قال القرطبي: (﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي من الأذى والسبّ والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ أي لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم، فإن في ذلك ترك الدعاء إلى اللَّه، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعدُ بقتالهم وقتلهم). وقال قتادة: (قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ براءة نسخت ما هاهنا، أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، لا يقبل منهم غيرها).\nوقال أبو الدرداء: (إنا لَنَكْشِرُ في وجوه أقوام ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتقليهم أو لتلعنهم).\nوقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾. قال ابن كثير: (أي: دَعني والمكذِّبين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٠٢)، ورواه مسلم في الصحيح، كتاب الذكر، ورواه البخاري مختصرًا في كتاب التوحيد. من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"8","page":236},{"text":"المُترَفين أصحابَ الأموال، فإنهم أقدرُ على الطاعة من غيرهم، وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم).\nوقوله: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾. يعني رويدًا. أي إلى مدّة آجالهم. وقيل: إلى مدة الدنيا.\nقال قتادة: (إن للَّه فيهم طَلِبة وحاجة). قالت عائشة: (لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسير حتى كانت وقعة بدر). رواه ابن جرير بسنده إلى عبد اللَّه بن الزبير عن عائشة.\nوفي التنزيل: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾. قال ابن عباس وعكرمة: (﴿أَنْكَالًا﴾: قيودًا).\nوقال مجاهد: (الأنكال: القيود). وواحدها نِكْل، وهو ما منع الإنسان من الحركة.\nوقيل: سمّي نِكلًا؛ لأنه يُنَكَّلُ به. والجحيم: السعير المضطرمة.\nوقوله: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. أي: طعامًا يغُصُّ به آكله فلا هو سالك ولا خارج.\nقال ابن عباس: (يَنْشِب في الحلق فلا يدخلُ ولا يخرُج).\nوقوله: ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: وعذابًا مؤلمًا موجعًا.\nوقول: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾. أي: تُزَلزل فتتحرك وتضطرب بمن عليها.\nونصب ﴿يَوْمَ﴾ على الظرفية، والتقدير: ينكل بهم ويعذبون ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾.\nوقيل: بنزع الخافض، والتقدير: هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض والجبال.\nوقوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. قال مجاهد: (ينهال). وقال ابن عباس: (الكثيب المهيل: الرمل السائل. أو قال: اللين الذي إذا مسسته تتابع).\nوفي لغة العرب: هلت الرمل إذا حُرِّك أسفله. والمهيل: الذي يمرّ تحت الأرجل. والمعنى: تصير الجبال يومئذ ككثبان الرمل بعدما كانت حجارة صماء.\nثم إنها تُنْسَفُ نسفًا لا يبقى لها أثر، حتى تصير الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٦ - ١٠٧] أي: واديًا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ أي رابية.\nوقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾. الخطاب لقريش، والمراد سائر الناس. قال ابن جرير: (﴿رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ بإجابة من أجاب منكم دعوتي، وامتناع","vol":"8","page":237},{"text":"من امتنع منكم من الإجابة، يوم تلقوني في القيامة).\nوقوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾. أي: هو كإرسالنا موسى رسولًا إلى فرعون وقومه من قبل، لإقامة حجة الوحي والنبوة.\nوقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: (شديدًا).\nقال ابن زيد: (الوبيل: الشّر، والعرب تقول لمن تتابع عليه الشر: لقد أوبل عليه).\nوقال الزجاج: (﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ أي ثقيلًا غليظًا. ومنه قيل للمطر وابل (١».\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾. توبيخ وتقريع.\nأي: كيف تقون أنفسكم إن بقيتم على كفركم عذاب يوم يصير فيه الأطفال الصغار ﴿شِيبًا﴾ أي بيض الشعور لشدة هَوْله. وهذا كناية عن شدة الخوف.\nأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، عن النبي -ﷺ- قال: [يقول اللَّه تعالى يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير كله في يديك. فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين. فعندها يشيب الصغير ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]] (٢).\nوفي رواية: [فحينئذ تضع الحامِلُ حَمْلَها ويشيبُ الوليدُ].\nوقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. أي: متشققة بذلك اليوم لشدّته وعظيم هوله، وانفطارها لنزول الملائكة. وقال ابن عباس: (تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل وعزّ). وقال مجاهد: (﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾: مثقلة به). قال النسفي: (﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وصف لليوم بالشدة أيضًا. أي السماء على عظمها وإحكامها تنفطر به أي تنشق، فما ظنّك بغيرها من الخلائق).\nوقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾. أي: كان وعد اللَّه بالقيامة والحساب والجزاء كائنًا لا شك فيه ولا خُلْف. وقال مقاتل: (كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كلّه).\n\n١٩ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)\n_________\n(١) مطر وابل: أي مطر شديد.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٤١)، كتاب التفسير. ورواه مسلم (١/ ١٣٩ - ١٤٠).","vol":"8","page":238},{"text":"إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر جل ذكره أن هذه السورة من القرآن فيها تذكرة يتذكر بها أولو الألباب، وأن قِيامَ الليل كان فريضة أول الإِسلام ثم خفف اللَّه ذلك على النبي والأصحاب.\nفقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. يعني هذه السورة. وقال قتادة: (يعني القرآن).\nوقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. قال قتادة: (بطاعة اللَّه). قال النسفي: (أي فمن شاء اتعظ بها واتخذ سبيلًا إلى اللَّه بالتقوى والخشية).\nولا شك أن هذه المشيئة مقهورة بمشيئة اللَّه، فهو أعلم من يستحق الهداية والفضل. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾.\nأي: إنّ ربك يا محمد يعلم أنك تقوم أقَلَّ من ثلثي الليل مصليًا، ونصفه وثلثه أحيانًا. ويقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك، وذلك حين فرض عليهم قيام الليل.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾. أي: يعلم مقادير الليل والنهار على حَقائقها، فيعلم القدر الذي تقومونه من الليل، وإنما تعلمون أنتم قدْر قيامكم بالتحري والاجتهاد.\nوقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾. قال الحسن: (لن تطيقوه). وقال قتادة: (قيام الليل كتب عليكم). قال القرطبي: (أي علم أنكم لن تحصوه، لأنكم إن زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضًا، وإن نقصتم شقّ ذلك عليكم).\nوقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. أي: فعاد عليكم بالعفو، ورجع من تثقيل إلى تخفيف،","vol":"8","page":239},{"text":"ومن عُسْرٍ إلى يسر، فصفح عن التقصير فيما أمرتم به، وأسقط عنكم فرض قيام الليل.\nوقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فاقرؤوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم، وهذا تخفيف من اللَّه ﷿ عن عباده فرضه الذي كان فرض عليهم بقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سعد بن هشام بن عامر -أنه قال لعائشة ﵂- أنبئيني عن قيام رسول اللَّه -ﷺ-. فقالت: ألستَ تَقْرَأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قُلْتُ: بلى. قالت: [فإنَّ اللَّه ﷿ افترضَ قِيامَ الليل في أوَّل هذه السورة، فقام نَبِيُّ اللَّه -ﷺ- وأصحابُه حولًا، وأمسك اللَّه خاتِمَتَها اثْنَي عشر شَهْرًا في السماء، حتى أنزل اللَّه، في آخرِ هذه السورة، التخفيف، فصار قيامُ الليل تطوعًا بَعْدَ فريضة] (١).\nوقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nأي: علم اللَّه أن سيكون في هذه الأمة أصحاب أعذار في ترك قيام الليل: كالمرضى، والمسافرين في مكاسبهم ومتاجرهم، والمنشغلين بما هو أعظم من ذلك وهو أمر الغزو والجهاد لإعلاء كلمة اللَّه في الأرض.\nوقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. أي فاقرؤوا إن تيسّر عليكم ذلك، وصلّوا من الليل ما استطعتم. قال ابن كثير: (أي: قوموا بما تَيَسَّرَ عليكمُ منه).\nوقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. أي: وأقيموا الصلاة المفروضة عليكم، وأدوا الزكاة الواجبة في أموالكم. والآية مكية، والمراد الصلاة التي فرضت بمكة أول الإِسلام، وكذلك الزكاة العامة قبل أن تحدد أنصبتها في المدينة.\nوقوله: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. يعني من الصدقات. قال: عمر بن الخطاب: (هو النفقة في سبيل اللَّه). وقال زيد بن أسلم: (القرض الحسن النفقة على الأهل). وقال ابن زيد: (القرض: النوافل سوى الزكاة). قال القرطبي: (القرض الحسن ما قصد به وجه اللَّه تعالى خالصًا من المال الطيب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٧٤٦)، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض. وهو جزء من حديث طويل.","vol":"8","page":240},{"text":"وفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨].\nقال النسفي: (القرض لغة: القطع، فالمقرض يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذا المتصدق يقطع ذلك القدر من ماله فيجعله للَّه تعالى، وإنما أضافه إلى نفسه لئلا يَمُنَّ على الفقير فيما تصدق به عليه، وهذا لأن الفقير معاون له في تلك القربة فلا يكون له عليه منّة، بل المنّة للفقير عليه ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ من الحلال بالإخلاص).\nقلت: وقد جاء النص بتحريم القرض الذي يجرّ نفعًا، فهو مخالف للقرض الحسن الذي رضيه اللَّه لعباده ورغّبه بهم.\nفقد أخرج أحمد وأصحاب السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أن رسول اللَّه -ﷺ- بعث عتّاب بن أسيد إلى مكة فقال: [أتدري إلى أين أبعثك؟ إلى أهل اللَّه، وهم أهل مكة، فانَهَهُم عن أربع: عن بيع وسَلَفٍ، وعن شرطين في بيع، وربح ما لم يضمن، وبيع ما ليس عندك] (١).\nفقوله: \"بيع وسلف\" فسّره ابن الأثير بقوله: (هو مثلُ أن يقول: بعتُكَ العبد بألف على أن تسلفني في متاع، أو على أن تقرضني ألفًا، لأنه إنما يقرضه ليحابيه في الثمن، فيدخل في حدّ الجهالة، ولأن كل قرض جرَّ منفعة فهو ربًا).\nوقوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾.\n﴿خَيْرًا﴾ مفعول به ثان لتجدوه. و﴿أَجْرًا﴾ تمييز. والمعنى: كل ما تقدّموه من الصدقات والنفقات في سبيل اللَّه هو خيرٌ مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا.\nففي صحيح البخاري عن عبد اللَّه: [قال النبي -ﷺ-: أَيُّكُم مالُ وارِثهِ أَحَبُّ إليه من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأصحاب السنن، والحاكم (٢/ ١٧)، والبيهقي (٥/ ٣١٣).","vol":"8","page":241},{"text":"مالِهِ؟ قالوا: يا رسول اللَّه، ما مِنّا أحدٌ إلا مالُه أحَبُّ إليه. قال: فإنَّ مالَه ما قدَّمَ، ومالَ وارثِه ما أخَّرَ] (١).\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أيِ وسلوا اللَّه المغفرة لذنوبكم فإنه تعالى غفور رحيم. قال سعيد بن جبير: (﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما كان قبل التوبة ﴿رَحِيمٌ﴾ لكم بعدها).\n\nتم تفسير سورة المُزَّمِّل بِعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الثلاثاء ٢٧ شوال ١٤٢٦ هـ ٢٩/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٤٤٢)، كتاب الرقاق. باب ما قدَّمَ من ماله فهو له.","vol":"8","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - أمر اللَّه رسوله بقيام الليل وترتيل القرآن.\n٢ - علبكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات.\n٣ - كان رسول اللَّه -ﷺ- يقطع قراءته آية آية، وكان يمدّ مَدًّا.\n٤ - إنَّ من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، الذي إذا سمعتموه يقرأ، حَسِبْتموه يخشى اللَّه.\n٥ - قيام الليل كان فريضة سَنَة، ثم خَفَّفَهُ اللَّه إلى تطوع.\n٦ - من يعص الرسول يأخذه اللَّه أخذًا وبيلًا.\n٧ - الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.\n٨ - أفضل أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم: ذكر اللَّه تعالى.","vol":"8","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>٧٤ - سورة المدثر</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>موضوع السورة</span>\nتوجيه المدثر ﵊ إلى حياة الصبر والجهاد وتبليغ الدعوة للأنام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-409> منهاج السورة</span>-\n١ - أمر اللَّه رسوله بالإنذار، وتطهير العمل والثياب، والصبر للَّه العزيز الحكيم.\n٢ - النفخ في الصور أمر عظيم، وَوَقْعُ ذلك اليوم على الكافرين أليم.\n٣ - توعُّدُ اللَّه تعالى الوليد بن المغيرة العذاب المهين، لا تهامه بالسحر كلام اللَّه العظيم.\n٤ - تهديد اللَّه تعالى الكفار بملائكة العذاب تقهرهم في نار الجحيم، وَعِدّة هؤلاء الملائكة الزبانية الشداد تسعة عشر كما هو مكتوب في كتب أهل الكتابين.\n٥ - إقسام اللَّه تعالى بالقمر والليل والصبح أن جهنم إحدى الكُبَر، جعلها سبحانه نذيرًا للبشر.\n٦ - ارتهانُ كل نفس بكسبها، ونجاة أصحاب اليمين، وخزي المجرمين في نار الجحيم.\n٧ - هذا القرآن تذكرة للمتقين، وما يذكرون إلا بمشيئة اللَّه رب العالمين.","vol":"8","page":244},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- بإنذار قومه وتعظيم اللَّه العلي العظيم، وتطهير الثياب والعمل من الشرك والصبر للَّه العزيز الحكيم، فإنه إذا نفخ في الصور فذلك يوم على الكافرين أليم.\nفقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. نزل ذلك بعد قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.\nفلقد علم النبي -ﷺ- يقينًا أنه أصبح نبيًا بعدما فجئه الملك بغار حراء، وأدرك أن جبريل سفيرُ الوحي الذي ينقل الخبر إليه من اللَّه في السماء، ولكن الوحي فتر أيامًا بعد ذلك -كما يروي ابن سعد عن ابن عباس- قبل أن يعاود المجيء والنداء، وكان ذلك قد أهمَّ النبي -ﷺ-.\nقال ابن حجر في \"الفتح\": (وكان ذلك ليذهب ما كان -ﷺ- وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود).\nوفي الصحيحين واللفظ للإمام مسلم عن أبي سلمة قال: [أخبرني جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يحدث عن فترة الوحي. فقال في حديثه: فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه (وفي رواية للبخاري: فرُعبت منه) حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني، فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا","vol":"8","page":245},{"text":"الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان. ثمَّ حَمِيَ الوحي وتتابع] (١).\nوكذلك في الصحيحين عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ قال: يا أيها المدثر. قلت: يقولون اقرأ باسم ربك الذي خلق. فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد اللَّه ﵄ عن ذلك وقلت له مثلَ الذي قلت، فقال جابر: لا أُحَدِّثكَ إلا ما حَدَّثنا رسول اللَّه -ﷺ-. قال: [جَاوَرْتُ بحراء فلما قضيت جواري هَبَطْتُ فاستبطنت الوادي فنويت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، (وفي رواية: فإذا هو على العرش في الهواء، يعني جبريل ﵇، فأخذتني رجفة شديدة)، (وفي رواية: فإذا هو جالس على كرسي بين السماء والأرض)، (وفي رواية: على عرش بين السماء والأرض) فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصُبُّوا عليّ ماء باردًا. قال: فدثروني وصبّوا عليّ ماء باردًا. قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ] (٢).\nوفي التحقيق أن ﴿اقْرَأْ﴾ نزلت قبل ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ لأسباب ذكرها ابن القيم ﵀:\nالأوّل: أن قوله: \"ما أنا بقارئ\" صريح أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئًا.\nالثاني: أن الأمر بالقراءة هو في الترتيب قبل الأمر بالإنذار.\nالثالث: أن اجتهاد جابر غيرُ تحديث عائشة عن النبي -ﷺ- وخبره عن نفسه.\nالرابع: أنه جاء في حديث جابر ما يشير إلى أن ﴿اقْرَأْ﴾ نزلت أولًا، وهو قوله ﵇: \"فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء. . .\" أي يوم نزل عليه أول مرة بـ ﴿اقْرَأْ﴾.\nفتكون هذه الآيات هي ثاني ما نزل من القرآن على النبي -ﷺ-، وهي: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.\nوالمُدَّثِّر في لغة العرب: من دثَرَ وتَدَثَّرَ أي تَلَفَّفَ في الدثار، وهو كل ما كان من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٣٨)، ومسلم (١٦١)، ح (٢٥٦)، وأحمد (٣/ ٣٢٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٢٢)، ورواه مسلم (١٦١)، ح (٢٥٧)، كتاب الإيمان.","vol":"8","page":246},{"text":"الثياب فوق الشعار. حكاه الرازي. وله في التفاسير أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: قيل المراد: (يا أيها المتدثر بثيابِه عند نومه).\nقال ابن عباس: (قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: يا أيها النائم). وقال قتادة: (يقول المتدثر في ثيابه). وقال ابن جرير: (وذكر أن نبيَّ اللَّه -ﷺ- قيل له ذلك وهو متدثر بقطيفة). ثم روى عن إبراهيم -من التابعين- قوله: (كان متدثرًا في قطيفة).\nالتأويل الثاني: قيل بل المعنى: يا أيها المتدثر النبوة وأثقالها.\nقال عكرمة: (دُثِّرت هذا الأمر فقم به). فيكون المعنى: يا مَنْ حُمِّلْتَ أعباء النبوة، وحُفِظْتَ وغُطيِّت بأمانة الوحي، قم فأنذر الناس عذاب اللَّه الشديد، وانهض إلى الأمة فأنقذها من مغبة الاسترسال بالشرك وتعظيم الشهوات وتجاهل الآخرة.\nفقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذابَ اللَّه الذي أشركوا به وعبدوا غيره. قال قتادة: (أي أنذر عذابَ اللَّه ووقائعه في الأمم وشدة نِقْمَتِه).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: ورّبك فَعَظِّم دون غيره من الآلهة والأنداد والطواغيت.\nوقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال ابن عباس: (لا تلبسها على معصية ولا على غدرة. قال: وثيابك فَطَهِّرْ من الإثم. قال: نَقِّ الثياب في كلام العرب).\nوقال: (لا تكن ثيابُكَ التي تلبس من مكسب غيرِ طائب). وقال مجاهد: (عملك فأصلح).\nفيكون المعنى: أي نَقِّ سريرتك وَصَفِّها للَّه، وأطِبْ كسبك ومطعمك، وطهر الداخل والخارج.\nوقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال مجاهد: (الأوثان). وقال الضحاك: (يقول: اهجر المعصية).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: (لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها). وقال الحسن: (لا تمنن تستكثر عملك الصالح). أي لا يكثر عملك في عينك فتمنن على ربك، فإنما هو فضله ومنّه عليك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال ابن زيد: (حمل أمرًا عظيمًا محاربة العرب ثم العجم من بعد العرب في اللَّه).","vol":"8","page":247},{"text":"قلت: وقد اشتملت هذه الآيات التي كانت في أول ما نزل من القرآن على منهاج الإِسلام كله، فرسمت محاور هذا الدين وأعمدة هذا البنيان، وأوضحت معالم هذا الدين بشكل مجمل. ففي مضمونها:\nأولًا: تعظيم اللَّه وحده وتصغير الشرك والطغاة والطواغيت.\nوقد ضُمِّنَ هذا المعنى بقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. فهي دعوة التوحيد دعوة الرسل ﵈.\nأخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي تميمةَ عن رجل من قومه، أنه أتى رسول اللَّه -ﷺ-، أو قال: شهدت رسول اللَّه -ﷺ- وأتاه رجل فقال: أنت رسول اللَّه -أو قال: أنت محمد؟ - فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إنْ مَسَّكَ ضر فدعوته كشفَ عنكَ، والذي إن أضْلَلْتَ بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).\nثانيًا: تزكية النفس.\nوقد تضمن هذا المفهوم في قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.\nويكون هذا بلزوم عبادات وشرائع شرعها، وأخلاق ومعاليَ رغَّب ودعا إليها، وبتركِ قبائح وفواحِشَ حذّر من مغبتها.\nولقد وقع في رواية أخرى للحديث السابق تفصيلٌ آخر يربط هذه الأخلاق مع أعلاها، ويوضح نَسَبها إلى أرفعها وأرقاها، وهو تعظيم اللَّه جل ذكره وإفراده بكل معاني العبادة.\nفقد أخرج أبو داود والترمذي عن أبي جري جابر بن سليم قال: [رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول اللَّه -ﷺ-، قلت: عليك السلام يا رسول اللَّه، مرتين، قال: \"لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك\". قال: قلت: أنت رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: \"أنا رسول اللَّه الذي إذا أصابك ضُرٌّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عامُ سنةٍ فَدَعَوْتَهُ أنْبَتَها لكَ، وإذا كنت بأرض قَفْراءَ أو فلاةٍ فَضَلَّتْ راحلتك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٠٨٤)، كتاب اللباس. باب ما جاء في إسبال الإزار. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢)، ورواه أحمد. انظر صحيح الجامع (٢٤٢).","vol":"8","page":248},{"text":"فَدَعَوْتَهُ رَدَّها عليك\". قلت: اعهد إلي، قال: \"لا تَسُبَّنَّ أَحَدًا\" قال: فما سَبَبْتُ بعده حرًا ولا عبدًا ولا بعيرًا ولا شاة، قال: \"ولا تَحْقِرَنَّ شيئًا مِنَ المَعْرُوف، وأَنْ تُكَلِّمَ أخاك وأنْتَ مُنْبَسِطٌ إليه وَجْهُكَ إنَّ ذلكَ من المعروف، وارْفَعْ إزارك إلى نصف الساق، فإن أبَيْتَ فإلى الكعبين، وإياك وإسبالَ الإزار فإنها من المخيلة، وإن اللَّه لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتَمكَ وعَيَّركَ بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه\"] (١).\nثالثًا: حفظ الجماعة المؤمنة، بالدعوة إلى بنائها وتوثيق أواصر التعاون والأخوة فيما بينها.\nفقد قال جل ذكره في أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. أي قم يا محمد إلى الجماعة فاحفظها، وإلى الأمة فأنذرها، فإن القوة والحفظ متعلقة ببناء الجماعة وحفظ كيانها وحماية صرحها، فليعطف غنيها على فقيرها، وليرحم قويها ضعيفها، وليشد بعضها أزر بعض.\nوقد قال اللَّه في أواخر السورة نفسها: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.\nأخرج عبد اللَّه بن الإمام أحمد في زوائد المسند، بإسناد حسن عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ لمْ يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه، والتحدث بنعمة اللَّه شُكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب] (٢).\nرابعًا: الصبر على الأذى.\nوهو داخل في قوله سبحانه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال ابن زيد: (حمل أمرًا عظيمًا محاربة العرب ثم العجم من بعد العرب في اللَّه). وبنحوه قال اللَّه في سورة الأحقاف لنبيّه -ﷺ-: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٠٨٤)، والترمذي (٢٨٧٧). انظر صحيح أبي داود (٣٤٤٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٥/ ٢١١)، (٥/ ٢١٢)، وصحيح الجامع (٦٤١٧). وله شاهد عند البخاري في الأدب المفرد (٣٣)، وعند أبي داود (٢/ ٢٩٠) وابن حبان (٢٠٧٠).","vol":"8","page":249},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: [ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا همٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذى ولا غمٍّ، حتى الشوكةُ يُشاكُها إلا كفَّر اللَّه بها من خطاياه] (١). والنصب: التعب والوصب: المرض.\nخامسًا: التحذير من الدار الآخرة.\nوهو داخل في قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. وبنحوه قوله جل ذكره في سورة مريم: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩].\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال ابن عباس: (الناقور: الصور). وقال مجاهد: (وهو كهيئة القرن). والمقصود: ذِكْرُ أول شدائد القيامة، وهو النفخ في الصور.\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"وكيفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد التقمَ القَرْنَ واسْتَمَعَ الإِذْنَ متى يُؤْمَرُ بالنَّفْخِ فَيَنْفُخَ\". فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي -ﷺ-، فقال لهم: \"قولوا حَسْبُنا اللَّه ونِعْمَ الوكيلُ، على اللَّه توكَّلنا\"] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: شديد).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾. قال قتادة: (فَبَيَّنَ اللَّه على من يقع).\nقال النسفي: (وأكّد بقوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ليؤذن بأنّه يسير على المؤمنين. أو ﴿عَسِيرٌ﴾ لا يرجى أن يرجع يسيرًا كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا).\n\n١١ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٥٧٣)، كتاب الأدب، ورواه البخاري وغيره.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٨٠)، أبواب صفة القيامة. باب ما جاء في الصُّور.","vol":"8","page":250},{"text":"سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: توعُّد اللَّه سبحانه الوليد بن المغيرة العذاب الأليم، لاتهامه القرآن بالسحر وافتراء الكذب على كلام اللَّه العظيم.\nفإنه ما إنْ أتى موسم الحج عقب الأمر بالجهر بالدعوة، إلا وخشيت قريش ماذا تقول للعرب في شأن محمد، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة وكان من أعلمهم بالفصاحة والشعر ولسان العرب، وكلموه في الأمر عسى أن يجدوا له حلًا ومخرجًا.\nيروي البيهقي والحاكم على شرط البخاري عن عكرمة عن ابن عباس: [أن الوليد بن المغيرة جاء رسول اللَّه -ﷺ- فقرأ عليه القرآن فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم! إنَّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه فأنت أتيت محمدًا لتعرض ما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له. قال: وماذا أقول؟ فواللَّه ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم بِرَجَزِه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن، واللَّه ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. وواللَّه إن لِقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يُعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكَّر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر بأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ الآيات] (١).\nقال ابن عباس: (أنزل اللَّه في الوليد بن المغيرة قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾).\nوقوله: ﴿وَحِيدًا﴾. قال مجاهد: (خلقته وحده ليس معه مال ولا ولد). وقال قتادة: (وهو الوليد بن المغيرة، أخرجه اللَّه من بطن أمه وحيدًا لا مال له ولا ولد، فرزقه اللَّه المال والولد، والثروة والنماء).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال مجاهد: (كان ماله ألف دينار).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (١/ ٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٧)، وانظر: \"الصحيح المسند في أسباب النزول\" - الوادعي - سورة المدثر، الآيات (١١ - ٣٠).","vol":"8","page":251},{"text":"وقال سفيان: (بلغني أنه أربعة آلاف دينار). وقال ابن جرير: (وهو الكثير الممدود عدده أو مساحته) - إشارة إلى الأراضي والمال.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾. قال مجاهد: (كان بنوه عشرة، وقوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: من المال والولد). أي: وبسطت له في العيش بسطًا.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾. أي: ثم يأمل ويطمح أن أزيده مالًا وثروة وولدًا فوق ما أعطيته. كلا ليس الأمر كذلك كما يرجو، فإنه كان لآياتنا وحججنا جاحدًا معاندًا. قال الحارث: (معاندًا عنها، مجانبًا لها).\nوعن قتادة: (﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: كفورًا بآيات اللَّه جحودًا بها).\nوقوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال مجاهد: (مشقة من العذاب). وقيل: هو جبل في جهنم يصعد بها يوم القيامة ثم يهوي إرهاقًا وتعبًا من العذاب.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾. أي: فَكَّرَ في شأن النبي -ﷺ- والقرآن و﴿وَقَدَّرَ﴾ أي هيأ الكلام في نفسه. قال قتادة: (زعموا أنه قال: واللَّه لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر، فأنزل اللَّه فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾: قبض ما بين عينيه وكلح).\nوقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. أي لُعِنَ. وقيل: فَقُهر وغُلبَ، وكل مُذَلَّل مُقَتَّل.\nوقال الزهري: (عُذِّب، وهو من باب الدعاء). وقال ناسٌ: ﴿كَيْفَ﴾ تعجيب، والمقصود: العجب كل العجب مما صدر منه في شأن القرآن بعد فكر وروية؟ !\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. قال القرطبي: (﴿ثُمَّ قُتِلَ﴾ أي لُعِنَ لعنًا بعد لعن. وقيل: فقتل بضرب من العقوبة، ثم قتل بضرب آخر من العقوبة ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أي على أي حال قَدر).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: بأي شيء يرد الحق ويدفعه. وإنما هو المكر والكذب.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾. ﴿عَبَسَ﴾ أي قبض بين عينيه وقطَّب. ﴿وَبَسَرَ﴾ أي: كلح وكره. قال النسفي (﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ قطب وجهه ﴿وَبَسَرَ﴾ زاد في التقبض والكلوح).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾. قيل: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أي ولَّى وأعرض ذاهبًا إلى أهله","vol":"8","page":252},{"text":"﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي تعظم عن أن يؤمن. وقيل: أدبر عن الإيمان واستكبر حين دُعي إليه.\nوالمقصود: ركبه الشيطان وعلا رأسه وفِكْرَه فأدبر واستكبر.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. قال أبو رزين: (يأخذه عن غيره). أو يأثره عن غيره.\nوالمقصود: نطق بكلمة الكذب في شأن الحق فجحده واتهمه ورماه بالسحر بعد التَّثَبُّتِ من أنه أعلى وأجل. فما أسهل اتهام الحق بالسحر للهروب من تكاليفه وتبعاته.\nثم قال سبحانه متوعدًا إياه إثر هذه المحاولة الماكرة لطمس الحق: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قيل: وهو باب من أبواب جهنم.\nوالمقصود: سأغمره في جهنم كي يصْلى حرّها. قال القرطبي: (وإنما سُمِّيت سقر من سَقَرَتْه الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾. تهويل لأمرها، ومبالغة في وصفها. أي: وأيّ شيء سقر يا محمد؟ فهي كلمة تعظيم.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾. أي: لا تبقى من فيها حيًّا، ولا تذر من فيها ميتًا، بل تحرقهم كلما جدد خلقهم. قال مجاهد: (لا تميت ولا تحيي). وقال مرثد: (لا تبقي منهم شيئًا أن تأكلهم، فإذا خلقوا لها لا تذرهم حتى تأخذهم فتأكلهم). وقال السدي: (لا تبقي لهم لحمًا ولا تذر لهم عظمًا). قال الزمخشري: (أي لا تبقي شيئًا يُلقى فيها إلا أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكًا حتى يعاد. أو لا تبقي على شيء، ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة).\nوقوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. لَوَّاحة: أي محرقة للجلود. قال قتادة: (حرّاقة للجلد). فهو من \"لوّحته الشمس\" إذا سوّدت ظاهره وأطرافه. والبَشَر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد.\nقال أبو رزين: (تلفح الجلد لفحة، فتدعه أشد سوادًا من الليل). وروي عن ابن عباس: (تحرق بشرة الإنسان). فهي تغير البشر أي الجلد وتحرقه.\nوقيل: بل \"البشر\" اسم جنس بمعنى الناس. فيجوز أن يكون المعنى: لائحة للناس، من \"لاح\"، بمعنى ظهر، والبشر بمعنى الناس. حكاه القاسمي.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي من الخزنة المتولِّين أمرها، والتسلّط على","vol":"8","page":253},{"text":"أهلها. قال ابن كثير: (﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي: من مُقَدَّمي الزبانية، عَظيمٌ خَلْقُهم، غَليظٌ خُلُقُهم).\nفتوعد اللَّه سبحانه الوليد بن المغيرة مقابل هذا الكذب والنفاق والمراوغة في تعامله مع الوحي والحق أن يصليه سقر، بعد أن أعطاه في الدنيا من المال والولد ما كان ينبغي أن يستعين به على طاعة اللَّه وشكره، إذ كان أولاده جميعًا حاضرين أمامه يستأجرون في تجارتهم ولا يسافرون فيجهدون، وأغدق عليه من الأرض والثروة والخير الكثير، الذي سينقلب عليه في الآخرة نقمة أن كفر باللَّه وبرسوله.\n\n٣١ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تهديدُ اللَّه تعالى الكفار بملائكة العذاب تقهرهم وتغلبهم في نار الجحيم، وعدة هؤلاء الملائكة الزبانية الشداد تسعة عشر كما هي في كتب أهل الكتابين. وقد أقسم اللَّه تعالى بالقمر والليل والصبح أن جهنم إحدى الكبر، جعلها سبحانه نذيرًا للبشر، لمن شاء أن يتقدم في الطاعة أو يتأخر.\nفقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾. أي: وما جعلنا خزنة النار ﴿إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ أي: إلا زبانيةً غلاظًا شدادًا. قال ابن كثير: (وذلك ردٌّ على مشركي قُريش حين ذَكَر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشرَ قريش، أما يستطيع كلُّ عشرةٍ منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾، أي شديدي الخَلْق لا يُقاوَمونَ ولا يُغالبون. وقد قيل: إنَّ أبا الأشدَّين -واسمُه: كَلَدة بن أَسِيد بن خَلَف- قال: يا معشرَ قُريش! اكفُوني منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعةَ عَشرَ، إعجابًا منه بنفسه، وكان قد بلغَ من القوة -فيما يزعمون- أنه كان يقِفُ على جلد البقر ويُجاذِبه عشَرَةٌ لينتزِعُوه من تحت قَدَميه، فيتمزَّق الجِلدُ ولا يتزحزحُ عنه. قال السهيلي: وهو الذي","vol":"8","page":254},{"text":"دعا رسول اللَّه -ﷺ- إلى مُصارعته وقال: إن صَرَعتني آمنتُ بك. فصَرعَهُ النبي -ﷺ- مرارًا فلم يؤمن).\nوقال القرطبي: (﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ أي لم نجعلهم رجالًا فتتعاطون مغالبتهم).\nوالمقصود: فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم، وهم أقوم خلق اللَّه بحقه، والغضب له، وأشدهم بأسًا، وأقواهم بطشًا؟\nوقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال قتادة: (إلا بلاء). وروي عن ابن عباس من غير وجه قال: (ضلالة للذين كفروا، يريد أبا جهل وذويه).\nوقيل: (إلا عذابًا). أي جعلنا ذلك سبب كفرهم وسبب العذاب.\nوالمقصود: إنما جعلنا عدد الملائكة الزبانية الشداد ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ إضلالًا ومحنة للكافرين، حتى قالوا ما قالوا مستهزئين، ليتضاعف عذابهم ويكثر غضب اللَّه عليهم، قال الجبائيّ: (المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوّي هؤلاء التسعة عشر على ما لا يقوى عليه مئة ألف ملك أقوياء). وقال الكعبي: (المراد من الفتنة الامتحان، حتى يفوّض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعيّن إلى علم الخالق سبحانه. قال: وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به).\nوقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال ابن عباس: (وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشر، فأراد اللَّه أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا). وقال مجاهد: (يجدونه مكتوبًا عندهم عدّة خزنة أهل النار).\nوقال قتادة: (يصدق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل، أن خزنة النار تسعة عشر). وقال أيضًا: (ليستيقن أهل الكتاب حين وافق عدّة خزنة النار ما في كتبهم). وقال ابن زيد: (﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنك رسول اللَّه).\nوقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾. أي: إلى إيمانهم، وذلك بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد -ﷺ-.\nوقوله: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا يشكّ أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك والمؤمنون باللَّه من أمة محمد -ﷺ-).\nوقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. أي: وليقول المنافقون","vol":"8","page":255},{"text":"والمشركون ما الحكمة من ذكر هذا هاهنا؟ . قال ابن زيد: (يقول: حتى يخوّفنا بهؤلاء التسعة عشر).\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. قال ابن كثير: (أي: مِنْ مِثل هذا وأشباهه يتأكَّدُ الإيمانُ في قلوب أقوامٍ، ويتزلزل عند آخَرِين، وله الحكمة البالغة، والحجَّة الدامغةُ).\nوقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. قال قتادة: (أي من كثرتهم).\nقال الزمخشري: (أي وما يعلم ما عليه كل جند من العدد الخاص، من كون بعضها على عقد كامل، وبعضها على عدد ناقص، وما في اختصاص كل جند بعدده، من الحكمة إلا هو. ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك، كما لا يعرف الحكمة في أعداد السماوات والأرضين وأمثالها. أو وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعزّ عليه الزيادة على عدد الخزنة المذكور، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها).\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث أنس -حديث الإسراء- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [ثم عرج بنا إلى السماء السابعة. . . ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه] (١).\nوله شاهد في المسند عنه مرفوعًا بلفظ: [البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة].\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن من حديث أبي ذر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إني أرى ما لا تَرَوْن وأسْمَعُ ما لا تَسْمعون، أَطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئِطّ، ما فيها مَوْضِعُ أربع أصابع إلا ومَلَكٌ واضِعٌ جبهتَهُ للَّه ساجدًا] الحديث (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطيالسي في \"مسنده\"، وابن خزيمة في \"صحيحه\" بإسناد\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٤٨). ورواه البخاري. وانظر للشاهد بعده: صحيح الجامع (٢٨٨٨). رواه أحمد وغيره.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٤١٩٠) - كتاب الزهد - باب الحزن والبكاء، والترمذي في أبواب الزهد. انظر صحيح سنن الترمذي (١٨٨٢)، وصحيح سنن ابن ماجة (٣٣٧٨).","vol":"8","page":256},{"text":"حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [ليلةُ القَدْر ليلةُ سابِعَةٍ أو تاسعةٍ وعِشرين، إنَّ الملائكة تلكَ الليلةَ في الأرض أكثرُ مِن عددِ الحصى] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. قال مجاهد: (النار). والمعنى: ما هذه النار الموصوفة بما ذكر إلا تذكرة ذكر اللَّه تعالى بها البشر -وهم بنو آدم-.\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾. قال القاسمي: (﴿كَلَّا﴾ ردع لمن أنكر العدة أو سقر أو الآيات، أو إنكار لأن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون).\nثم أقسم سبحانه بالقمر وبما بعده، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾. أي: ولّى. قال ابن عباس: (دبوره: إظلامه).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾. أي أشرق. قال قتادة: (إذا أضاء وأقبل).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال مجاهد: (يعني: جهنم).\nوالمقصود: إن جهنم لإحدى الكبر، أي الأمور العظام.\nوقوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. أي إنذارًا لهم. قال قتادة: (قال الحسن: واللَّه ما أُنذر الناسُ بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها).\nوقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. قال ابن عباس: (من شاء اتبع طاعة اللَّه، ومن شاء تأخر عنها). وقال قتادة: (يتقدّم في طاعة اللَّه، أو يتأخَّر في معصيته).\nوفي الآية إثبات مشيئة العبد في اختيار الطريق، وهي مشيئة مقهورة بمشيئة اللَّه ﷿، كما قال جل ذكره: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]. فله الأمر سبحانه وله الحكمة والحجة البالغة.\n\n٣٨ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا\n_________\n(١) إسناده حسن. أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٢٥٤٥)، وعنه أحمد (٢/ ٥١٩)، وأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ٢٢٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٢٠٥). وقال الألباني: وهذا إسناد حسن.","vol":"8","page":257},{"text":"الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ارتهانُ كل نفس بكسبها، ونجاة أصحاب اليمين، وخزي المجرمين في نار الجحيم، وهذا القرآن تذكرة للمتقين، وما يذكرون إلا بمشيئة اللَّه رب العالمين.\nفقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. أي: مرهونة ومحبوسة بكسبها، معتقلة بعملها يوم القيامة. قال ابن عباس: (يقول: مأخوذة بعملها).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال ابن زيد: (أصحاب اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها اللَّه لهم، وقرأ قول اللَّه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] قال: لا يؤاخذهم اللَّه بِسَيِّئِ أعمالهم، ولكن يغفرها اللَّه لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم).\nقال القاسمي: (﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أي فإنهم فكّوا رقابهم بما أطابوه من كسبهم، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق).\nوقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سُلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟).\nقال ابن كثير: (أي: يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾. أي: ما قمنا بحق اللَّه تعالى، ولا بحق عباده الواجب علينا. فما عبدنا اللَّه ولا أحْسَنّا إلى خَلْقِه المحتاجين.\nوقوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. أي: وكنا نخوض في الباطل وفيما لا نعلم. قال قتادة: (يقولون: كلما غوى غاوٍ غوينا معه).","vol":"8","page":258},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. أي: وكنا نكذب بيوم الحساب، يوم الثواب والعقاب.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. أي: حتى أتانا الموت الموقن به. وهو كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].\nوفي صحيح البخاري من حديث أم العلاء مرفوعًا: [أمّا هو -يعني عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين من ربّه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قال النسفي: (من الملائكة والنبيين والصالحين، لأنها للمؤمنين دون الكافرين. وفيه دليل ثبوت الشفاعة للمؤمنين).\nوفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن قيس قال: كنت عند أبي بردة ذات ليلة. فدخل علينا الحارث بن أقَيْش. فحدثنا الحارث ليلتئذ، أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنَّ من أمتي مَنْ يدخُل الجنةَ بشفاعتِه أكثرُ مِنْ مُضَرَ. وإنَّ مِنْ أمتي من يَعْظُمُ للنار حتى يكونَ أحَدَ زواياها] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾. قال قتادة: (أي عن هذا القرآن).\nأي: فما لهؤلاء المشركين الذين قِبَلك -يا محمد- لا يستمعون لهذه الذكرى من الوحي، فيعرضون ولا يعتبرون ولا يتعظون!؟\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾. أي فهم يُوَلُّونَ تولية الحمر لفرارها من الصيد. قال ابن عباس: (أراد الحمر الوحشية). وقرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء، أي مُنَفَّرَة مذعورة. والباقون بالكسر، أي نافرة. وهما قراءتان مشهورتان.\nوقوله تعالى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. أي نفرت وهربت من رُماة يرمونها، أو من أسد يريد افتراسها. قال ابن عباس: (﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة). أو قال: (رجال القَنْص). وقال زيد بن أسلم: (هو الأسد). وقال حَمَّاد بن سَلَمةَ، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس: (الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية قَسْوَرة، وبالفارسية شِيرٌ، وبالنبطية أويا).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٩٢٩) من حديث أم العلاء، وله قصة. واليقين: الموت.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٣٢٣)، كتاب الزهد. باب صفة النار. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٩٠). والحديث فيه إثبات الشفاعة للمؤمنين.","vol":"8","page":259},{"text":"والمقصود: كأن هؤلاء المشركين في نفِارهم عن الحق وإعراضهم عنه كحمر الوحش وهي تشتد هاربة من الأسد أو الرماة يريدون صيدها.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. أي: كتبًا مفتوحة موجهة إليهم من رب العالمين، يقال لهم فيها: إني قد أرسلت إليكم محمدًا -ﷺ- فاتبعوه.\nقال مجاهد: (﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: إلى فلان من ربّ العالمين).\nوقال قتادة: (قد قال قائلون من الناس: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فائتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان، نؤمر فيه باتباعك. قال قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل). أو المعنى: يريد كل واحد منهم أن ينزل عليه كتاب كما أنزل علي النبي -ﷺ-، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وكقوله تعالى: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣].\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. قال قتادة: (إنما أفسدهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافونها، هو الذي أفسدهم). قال القاسمي: (﴿كَلَّا﴾ أي لا يكون مرادهم، ولا يتبع الحق أهواءهم. أو ليس إرادتهم تلك للرغبة في الإيمان، فقد جاءهم ما يكفيهم عن اقتراح غيره، وإنما هم مردة الداء، ولذا قال: ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ أي لا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يخشون العقاب، لإيثارهم العاجلة).\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾. قال قتادة: (أي القرآن). أي حقًا إن القرآن تذكرة وعظة.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. أي: فمن شاء اتعظ وعمل بما فيه من أمر اللَّه ونهيه، واستعدّ للقاء ربه.\nوقوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. ترويحٌ لقلب النبي -ﷺ- مما كان يخامرهُ من إعراضهم، وتسلية له عما يلقاه من كبرهم وعنادهم وهو يحرص على إيمانهم.\nوالمعنى: ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكير إلا بمشيئة اللَّه لهم. وهو كقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].\nوقوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. قال قتادة: (ربنا حقوق أن تتقى محارمه،","vol":"8","page":260},{"text":"وهو أهل المغفرة يغفر الذنوب). أو قال: (أهل أن تتقى محارمه، وأهل المغفرة: أهل أن يغفر الذنوب).\nوالمقصود: اللَّه تعالى أهل أن يُخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنوب من تاب إليه وأناب.\n\nتم تفسير سورة المدثر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الخميس ١/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n* * *","vol":"8","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - نزول المدثر لم يكن أول القرآن، إنما كان بعد فترة الوحي.\n٢ - اشتمال سورة المدثر على منهاج الإِسلام: تعظيم الرب، وتطهير القلب والثياب، وهجر المعصية، والصبر على الأذى.\n٣ - أثر الصاحب السَّيِّئِ في حياة ومصير صاحبه، فقد كاد الوليد بن المغيرة أن يسلم لولا مكر أبي جهل به لعنهما اللَّه.\n٤ - ذكر عدد ملائكة النار ليستيقن أهل الكتاب بصدق رسالة محمد -ﷺ-.\n٥ - اليقين الموت، وليس المعرفة كما يدعي أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود.\n* * *","vol":"8","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>٧٥ - سورة القيامة</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٠).\nقال المهايميّ: (سميت به لتضمنها غاية تعظيم ذلك اليوم، من لا يتناهى ثوابه وعقابه، بحيث تتحسَّر فيه كل نفس من تقصيرها، وإن عملت ما عملت).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>موضوع السورة</span>\nأحوال الناس عند الاحتضار وأهوال القيامة والحساب والانتظار\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-413> منهاج السورة</span>-\n١ - إثبات اللَّه تعالى المعاد، وتأكيد بعث الأجساد.\n٢ - ذكر أهوال القيامة قبل الحساب، ومعرفة الإنسان بنفسه واستحقاقه الثواب أو العقاب.\n٣ - تكفُّلُ اللَّه تعالى تثبيت القرآن في قلب نبيه ﵊، والناس في لهو وغفلة عن هول يوم الزحام.\n٤ - الوجوه يوم القيامة إما ناضرة وهي وجوه المؤمنين، أو باسرة وهي وجوه الكافرين.\n٥ - الإخبار عن حالة الإنسان عند الاحتضار، وما يرافق ذلك من تقلب الأحوال، وإلى اللَّه المرجع في النهاية والمآل.\n* * *","vol":"8","page":263},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إثباتُ اللَّه تعالى المعاد، وتأكيد بعث الأجساد، وذِكْرُ أهوال القيامة قبل الحساب، ومعرفة الإنسان بنفسه وأعماله واستحقاقه الثواب أو العقاب.\nفقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قيل: ﴿لَا﴾ صلة، وقيل: ﴿لَا﴾ توكيد للكلام:\nأ - قال سعيد بن جبير: (﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: أقسم بيوم القيامة).\nب - قال أبو بكر بن عياش: (قوله ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ توكيد للقسم، كقوله لا واللَّه).\nوالمقصود: إثبات المعاد، والردّ على منكري بعث الأجساد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال الحسن: (أقسم بيوم القيامة، ولم يُقسم بالنفس اللوامة). وقال قتادة: (بل أقسم بهما جميعًا). قلت: والصحيح أنه أقسم بهما تعالى جميعًا، وهو اختيار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀.\nوعن سعيد بن جبير: (﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال: تلوم على الخير والشر). وقال مجاهد: (تندَّم على ما فات وتلوم عليه). وقال الحسن البصري: (إن المؤمن -واللَّه- ما نراه إلا يلومُ نفسَه: ما أردتُ بِكلمتي؟ وما أردتُ بأكلتي؟ ما أردتُ بحديثِ نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُمًا ما يُعاتِبُ نفسه).","vol":"8","page":264},{"text":"قال القاشانيّ: (جمع بين القيامة والنفس اللوامة، في القسم بهما، تعظيمًا لشأنهما، وتناسبًا بينهما. إذ النفس اللوامة، هي المصدقة بها، المقرّة بوقوعها، المهيئة لأسبابها، لأنها تلوم نفسها أبدًا في التقصير، والتقاعد عن الخيرات، وإن أحسنت، لحرصها على الزيادة في الخير، وأعمال البر، تيقُّنًا بالجزاء، فكيف بها إن أخطأت وفرطت وبدرت منها بادرة غفلة ونسيانٍ).\nوقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أيَظُنُّ ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرّقها؟).\nوقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. البنان: الأصابع، واحدها بنانة. أي: بلى قادرين على ما هو أعظم من ذلك: أن نسوي أصابع يديه ورجليه لتصبح شيئًا واحدًا كخفّ البعير أو حافر الحمار، فإذا هو يأكل بفيه كسائر البهائم. قال ابن عباس: (﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ قال: لو شاء لجعله خفًا أو حافرًا). وقال الحسن: (جعلها يدًا، وجعلها أصابع يقبضهنّ ويبسطهنّ، ولو شاء لجمعهُنّ، فاتقيت الأرض بفيك، ولكن سوّاك خلقًا حسنًا).\nو﴿قَادِرِينَ﴾ حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف. قال سيبويه: (على معنى نجمعها قادرين). وقيل: بل المعنى نقدر قادرين، أو نقوى قادرين - حكاه الفرّاء.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. فيه أقوال متقاربة:\n١ - قال ابن عباس: (يعني الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة. ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة). وقال: (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ قال: يمضي قدمًا). وقال سعيد بن جبير: (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ قال: سوف أتوب).\n٢ - وقال عبد الرحمن بن زيد: (يعني الكافر يكذّب بما أمامه من البعث والحساب).\n٣ - وقال مجاهد: (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: يمضي أمامه راكبًا رأسه). وقال الحسن: (لا تلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية اللَّه قُدُمًا قُدُمًا، إلا من قد عصم اللَّه). وقال: (قدُمًا في المعاصي). وقال عكرمة: (قدمًا لا ينزع عن فجور).\n٤ - وقال الضحاك: (هو الأمل، يؤمل الإنسان: أعيش وأصيب من الدنيا كذا، وأصيب كذا، ولا يذكر الموت).","vol":"8","page":265},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. أي يسأل: متى يوم القيامة؟ سؤال استبعاد واستهزاء، أو تسويفًا منه للتوبة.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (هذا عند الموت).\nوقال الحسن: (هذا يوم القيامة). وقرأ نافع وأبان عن عاصم: \"بَرَقَ\" والمعنى: لمع البصر من شدة شخوصه، فتراه لا يطرِف. وقرأ الباقون بالكسر \"بَرِق\" والمعنى: تَحَيَّرِ فلم يطرِف. قال الفرّاء والخليل: (بَرِق: فزع وبُهِتَ وتحيَّر).\nقلت: والمقصود تنبيه المستبعد للقيامة إلى معالم حدوثها: إنه انبهار الأبصار ولمعها وتحيّرها من شدة الشخوص للموت أو للبعث.\nوقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾. قال قتادة: (ذهب ضوؤه فلا ضوء له).\nوالمقصود: ذهب ضوؤه كله ولا يعود كما يعود إذا خسف في الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال مجاهد: (كُوِّرا يوم القيامة).\nوالمقصود: ذهب ضوؤهما جميعًا، فتجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار.\nوقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾. قال ابن كثير: (أي: إذا عاينَ ابنُ آدم هذه الأهوالَ يومَ القيامة حينئذ يُريد أن يَفِرَّ ويقول: أينَ المَفَرُّ؟ أي: هل من مَلجأٍ أو موئِل؟).\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا حرز). وقال أيضًا: (يعني: لا حصن، ولا ملجأ). وقال الحسن: (يقول: لا جبل). والوزَرُ في لغة العرب: ما يُلجأُ إليه من حِصْنٍ أو جبل أو غيرهما. قال السدي: (كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصّنوا في الجبال، فقال اللَّه لهم: لا وزَرَ يعصمكم يومئذ مني).\nوالمقصود: ليس يومئذ فرار ينفع صاحبه، ولا شيء يلجأ إليه من حصن ولا جبل ولا معقل.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. قال قتادة: (أي المنتهى).\nوالمقصود: إلى ربك أيها الإنسان يومئذ المرجع والمنتهى والاستقرار، وهو الذي يقرّ جميع خلقه مقرهم.\nوقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ما عمل قبل","vol":"8","page":266},{"text":"موته، وما سنّ فعمل به بعد موته). وقال أيضًا: (يقول: بما قدّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، فينبأ بذلك). وقال مجاهد: (بأول عمله وآخره).\nوقال قتادة: (﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ﴾ من طاعة اللَّه ﴿وَأَخَّرَ﴾ مما ضَيَّعَ من حق اللَّه). أو قال: (بما قدّم من طاعته، وأخَّر من حقوق اللَّه).\nوالمقصود: يَخْبَرُ العبد يومئذ بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، مقطوعها ومستمرها، كما قال سبحانه: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\nوقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.\nأي: بل الإنسان يعرف ما هو عليه من إيمان أو كفر، وطاعة أو معصية، واستقامة أو اعوجاج، ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك، فعليه من يكذّب عذره، وجوارحه ستكون عليه شاهدة يوم الحساب.\nفعن ابن عباس: (﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ يقول: الإنسان شاهد على نفسه وحده). وقال قتادة: (شاهد عليها بعملها). وقال سعيد بن جبير: (شاهد على نفسه ولو اعتذر). وعن مجاهد: (قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ قال: ولو جادل عنها، فهو بصير عليها). وقال السدي: (﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ولو أرخى الستور، وأغلق الأبواب). وقال الحسن: (﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ لم تقبل معاذيره).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك (١)، فيقول: يا رب آمنتُ بك وبكتابك وبرسلك، وصَلّيت وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ، ويُثَنّي بخير ما استطاع، قال: فيقول: هاهنا إذن. قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكَّر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ؟ فَيُخْتَم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطِقِي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك لِيُعْذِرَ من نفسه،\n_________\n(١) أي يسأله اللَّه كما سأل رجلين قبله: \"ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع\"؟ وكانا أقرّا بذلك وأنكرا البعث ولقاء اللَّه. فقال لكل منهما: اليوم أنساك كما نسيتني.","vol":"8","page":267},{"text":"وذلك المنافق، وذلك الذي يَسْخَطُ اللَّه عليه] (١).\n\n١٦ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تكفُّلُ اللَّه تعالى تثبيت القرآن في قلب نبيّه ﵊، والناس في لهو وغفلة عن يوم الزحام، والوجوه يومئذ إما ناضرة وهي وجوه المؤمنين، أو باسرة وهي وجوه الكافرين.\nفقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (أنّ النبي -ﷺ- كان إذا نزل عليه القرآن تعَجَّل يريد حفظه). قال سعيد: (يحرّك شفتيه ليحفظه). وقال ابن عباس: (كان يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، فكان يعرف ذلك فيه). وقال قتادة: (كان النبي -ﷺ- يحرك به لسانه مخافة النسيان، فأنزل اللَّه ما تسمع). وقال الحسن: (كان رسول اللَّه -ﷺ- يحرك به لسانه ليستذكره، فقال اللَّه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ إنا سنحفظه عليك).\nوفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن سعيد بن جبير: [عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول اللَّه -ﷺ- يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرّك شفتيه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. قال: جَمْعَهُ في صدرك ثمَّ تقرأَه. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. قال: فاستمع وأنصت. ثم إنَّ علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول اللَّه -ﷺ- بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي -ﷺ- كما أقرأه] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٢١٦)، كتاب التوبة وقبولها وسعة رحمة اللَّه وغير ذلك. باب: تقرير النعم يوم القيامة على الكافر والمنافق. وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٣٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٢٧)، (٥٠٤٤)، (٧٥٢٤)، ومسلم (٤٤٨/ ١٤٧)، وأحمد (١/ ٣٤٣) وإسناده على شرطهما. ورواه الترمذي (٣٣٢٩)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٥٤).","vol":"8","page":268},{"text":"وروى البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: [كان النبي -ﷺ- إذا نزل عليه الوحيُ حَرَّك به لسانَه يُريد أنْ يحفَظَهُ، فأنزل اللَّه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾] (١). وفي رواية: [فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ - يخشى أن يتفلت منه].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. قال البخاري: قال ابن عباس: [﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾: أن نَجْمَعَهُ في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أن تَقْرَأه] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. قال ابن عباس: (﴿قَرَأْنَاهُ﴾: بَيّناه. ﴿فَاتَّبِعْ﴾: اعْمَل به). ذكره البخاري في \"كتاب التفسير\" عند هذه الآية أول الباب.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس: [﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فإذا أَنْزلْنَاهُ فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ علينا أن نُبَيِّنَهُ بلسانِك. قال: فكان إذا أتاهُ جِبريلُ أطْرَقَ، فإذا ذهب قرأهُ كما وعَدَهُ اللَّه] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾. قال قتادة: (اختار أكثر الناس العاجلة، إلا من رحم اللَّه وعصم). قال النسفي: (﴿كَلَّا﴾ ردع عن إنكار البعث أو ردع لرسول اللَّه -ﷺ- عن العجلة وإنكار لها عليه، وأكّده بقوله: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبّون العاجلة الدنيا وشهواتها ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ الدار الآخرة ونعيمها فلا تعملون لها).\nوقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. أي: ناعمة غضة حسنة مشرقة. قال مجاهد: (مسرورة). وقال: (الوجوه الحسنة. نضرة الوجوه: حُسنها. من السرور والنعيم والغبطة).\nوقال ابن زيد: (الناضرة: الناعمة). قلت: والنَّضْرة في لغة العرب: الحُسْن والرَّوْنَق.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٢٧)، كتاب التفسير، سورة القيامة (آية: ١٦). وانظر كذلك الحديث (٤٩٢٨) - عند الآية (١٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٢٨)، كتاب التفسير، عند هذه الآية.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٢٩)، كتاب التفسير، في ختام حديث في تفسير هذه الآيات من سورة القيامة: (١٦ - ١٩). وانظر مسند أحمد (١/ ٣٤٣) نحوه.","vol":"8","page":269},{"text":"وفي الحديث: [نَضَّرَ اللَّه امرأ سمع مقالتي فوعاها]: أي دعاء لوجهه بالنضارة. أي: نعَّمَهُ وحَسَّنه وزاده نورًا وإشراقًا وبهاء وجمالًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: تنظر إلى ربها نظرًا. قاله عكرمة. وكان الحسن يقول: (نضرت وجوههم ونظروا إلى ربّهم). والآية في إثبات رؤية المؤمنين للَّه ﷿ يوم القيامة، وأما الكفار فيحرمهم ربهم من هذه النعمة العظيمة فلا يبصرون إلا ما يخزيهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].\nقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول اللَّه ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى]. وفي رواية: (ما حجب الفجار إلا وقد عَلِمَ أن الأبرار يرونه ﷿).\n٢ - وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه اللَّه الكريم.\nففي صحيح مسلم عن صهيب، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول اللَّه تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب فينظرون إلى وجه اللَّه، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾] (١).\nومن كنوز السنة الصحيحة في مفهوم هذه الآية كذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جرير بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنكم سترون ربكم عيانًا. وفي رواية: كنا جلوسًا عند رسول اللَّه -ﷺ- فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨١)، والترمذي (٢٥٥٢)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٣٣).","vol":"8","page":270},{"text":"﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أنَّ أناسًا قالوا: يا رسول اللَّه! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: نعم. هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحْوًا ليس معها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه! قال: ما تضارون في رؤية اللَّه يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. .] الحديث (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي -ﷺ- قال: [جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جلّ وعزَّ إلا رِداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (٣).\nوفي أفراد مسلم، عن جابر في حديثه: [إن اللَّه يتجلّى للمؤمنين يضحك] (٤).\nيعني في عرصات القيامة. فالمؤمنون ينظرُون إلى ربهم ﷿ في العرصات، ثم في روضات الجنات.\nوقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾. قال مجاهد: (كاشرة). وقال قتادة: (أي كالحة). وقال ابن زيد: (عابسة). وقال السدي: (تُغَيَّر ألوانها).\nوفي كلام العرب: بسَرَ الرجل وجهه، أي: كَلَحَ، ويقال: عَبَسَ وبَسَرَ.\nوالمقصود: تكون وجوه الفجار يوم القيامة مسودة كالحة متغيرة الألوان من هول ما توقن أنها قادمة عليه.\nوقوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. الفاقرة: الداهية والأمر العظيم. أي: توقن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٤)، كتاب مواقيت الصلاة، وأخرجه كذلك (٤٨٥١)، (٧٤٣٤)، وأخرجه مسلم (٦٣٣)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٥٥١)، وابن ماجة (١٧٧)، ورواه أحمد (٤/ ٣٦٠)، وكذلك ابن حبان (٧٤٤٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٤٣٧)، وأخرجه مسلم (١٨٢). وأخرجه أحمد (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، وأخرجه ابن حبان (٧٤٢٩) من حديث أبي هريرة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٧٨)، (٤٨٨٠)، ومسلم (١٨٠)، وأحمد (٤/ ٤١١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩١) في أثناء حديث مطول. وانظر تفصيل البحث في كتابي: \"أصل الدين والإيمان\" - رؤية اللَّه يوم القيامة - بحث (١٠) ص (٢٠٦).","vol":"8","page":271},{"text":"وتعلم أنها هالكة خاسرة، وفي الداهية والشر العظيم مقحمة ماضية.\nقال مجاهد: (﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ قال: داهية). وقال قتادة: (أي شر).\nوقال ابن زيد: (تظن أنه ستدخل النار، قال: تلك الفاقرة، وأصل الفاقرة: الوسم الذي يفقر به على الأنف). وقال الأصمعي: (أصلها الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم). فنعوذ باللَّه من حال ومستقبل الكفار والفجّار.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ -إلى قوله-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٢ - ١٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].\nقال ابن عباس: (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفُرْقة).\n\n٢٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ اللَّه سبحانه عن حالة الاحتضار، وما يرافق ذلك من الأحوال والأهوال، والمرجع إلى اللَّه سبحانه والمعاد والمآل.\nفقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾. كلّا: رَدْعٌ وزَجْر. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء المشركون من أنهم لا يعاقبون على شركهم ومعصيتهم ربهم، بل إذا بلغت نفس أحدهم التراقي عند مماته وحشرج بها).\nوقال ابن زيد: (﴿التَّرَاقِيَ﴾: نفسه). قال القرطبي: (وقيل: ﴿كَلَّا﴾ معناه حقًا، أي","vol":"8","page":272},{"text":"حقًّا أن المساق للَّه ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ أي إذا ارتقت النفس إلى التراقي).\nوالتراقي: جمع تَرْقُوة، وهي العظام المكتنفة لِنُقْرَةِ النَّحر -بين ثُغرة النحر والعاتق-، وهو مقدّم الحلق من أعلى الصدر، موضع الحَشرجة. وقد يكنى عن الإشفاء على الموت ببلوغ النفس التراقي، والمقصود: تذكيرهم شدّة الحال عند نزول الموت.\nوقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. -هو على وجه الاستبعاد واليأس- قال ابن عباس: (أي: هل من راق يرقي). وقال أبو قلابة: (هل من طبيب شاف). وقال ابن زيد: (وقال أهله: من ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به؟ وطلبوا له الأطباء والمداوين، فلم يغنوا عنه من أمر اللَّه الذي قد نزل به شيئًا).\nوقيل: بل المعنى: من رَقِيَ يَرْقى، إذا صَعِدَ. قال أبو الجوزاء، عن ابن عباس: (﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ قال قيل: مَنْ يَرْقى بروحِه، ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟).\nوعلى هذا فإنه يكون من كلام الملائكة. وكلا المعنيين وارد منسجم مع السياق والإعجاز.\nوقد أظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ واللام في قوله: ﴿بَلْ رَانَ﴾ [المطففين: ١٤] لئلا يشبه مَرَّاق وهو بائع المَرْقة، وبَرَّان في تثنية البر. قال القرطبي: (والصحيح ترك الإظهار، وكسرة القاف في ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ وفتحة النون في ﴿بَلْ رَانَ﴾ تكفي في زوالِ اللبس).\nقلت: وكلام القرطبي مناسب في هذا المقام، لئلا يفهم قوم وجوب مثل هذا الوقف.\nوقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾. أي: وأيقن الإنسان حين عاين الملائكة أنه مفارق الدنيا والأهل والمال والولد.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. فيه أقوال متقاربة ومتكاملة:\n١ - قال ابن عباس: (التفت عليه الدنيا والآخرة. يقول: آخرَ يوم من أيام الدنيا، وأولَ يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدَّة بالشدَّة إلا مَن رحم اللَّه).\n٢ - وقال عكرمة: (﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: الأمر العظيم بالأمر العظيم).\nوقال مجاهد: (بلاء ببلاء. يقول: تتابعت عليه الشدائد). قال الضحاك: (اجتمع","vol":"8","page":273},{"text":"عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه).\n٣ - وقال الشعبي: (المعنى التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدّة الكرب). وقال قتادة: (أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى).\n٤ - وقال سعيد بن المسيب والحسن: (هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن). وقال زيد بن أسلم: (التفت ساق الكفن بساق الميت). وقال الحسن أيضًا: (ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه، ولقد كان عليهما جوّالًا).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾. أي المرجع والمآب. والمساقُ: المصدر من ساق يسوق، وذلك أن الملائكة ترفع الروح فتسوقها عبر السماوات إلى السماء التي فيها اللَّه تعالى. -هذا إن كان الميت من أهل الإيمان-. وأما الكافر أو الفاجر فتساق روحه إلى السماء الدنيا فقط ولا يفتح لها ثم يقول اللَّه تعالى في الحالتين: [أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى] الحديث (١).\nوفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١ - ٦٢].\nوفي سنن ابن ماجة -في احتضار الكافر- من حديث أبي هريرة مرفوعًا:\n[فيقال: لا مَرْحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث. ارجعي ذميمةً، فإنها لا تُفْتَحُ لكِ أبواب السَّماء، فيُرْسَلُ بها من السماء، ثم تصيرُ إلى القبر] (٢).\nوأخرج الحاكم وابن ماجة وابن أبي عاصم بإسناد رجاله ثقات عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا كان أجَلُ أحدِكُم بِأَرْض، أَوْ ثَبَتْهُ إليها الحاجةُ. (وفي رواية: أثبتَ اللَّه له إليها حاجة) فإذا بلغ أقصى أثرِهِ، قبضَهُ اللَّه سبحانه. فتقول الأرض يوم القيامة: ربّ! هذا ما استودعتني] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٨)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠)، والنسائي (١/ ٢٨٢) مختصرًا، من حديث البراء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٢٦٢)، كتاب الزهد. باب ذكر الموت والاستعداد له. وإسناده صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٣٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢/ ٥٦٦)، والحاكم (١/ ٤١ - ٤٢)، وابن أبي عاصم في =","vol":"8","page":274},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. إخبار عن الكافر كان في الدنيا مكذبًا بالحق معرضًا عن الإيمان والعمل الصالح. قال قتادة: (لا صدق بكتاب اللَّه ولا صلى للَّه ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ كذب بكتاب اللَّه، وتولى عن طاعة اللَّه).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. قال ابن عباس: (يختال). وقال زيد بن أسلم: (يتبختر).\nقال النسفي: (وأصله يتمطط أي يتمدد، لأن المتبختر يمد خطاه، فأبدلت الطاء ياء لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة).\nوالمقصود: ثم انصرف إلى أهله مختالًا يتبختر، فهو يتمطط -يتمدد- من التكسّل والتثاقل عن داعي الحق.\nوفي جامع الترمذي ودلائل البيهقي بسند حسن عن ابن عمر مرفوعًا: [إذا مشت أمتي المُطَيْطاءَ وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم] (١).\nوالمُطيطاء: التبختر ومدّ اليدين في المشي. قال ابن الأثير: (وهي من المصغرات التي لم يُستعمل لها مكبر).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، لذلك الكافر المتبختر.\nأخرج النسائي في \"التفسير\"، والطبراني في \"المعجم\" والحاكم في \"المستدرك\" بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ قال: قاله رسول اللَّه -ﷺ- لأبي جهل، ثم أنزله اللَّه ﷿] (٢).\n_________\n= \"السنة\" (٣٤٦)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٧٦/ ١). وقال البوصيري في \"الزوائد\" (ق ٢٦٣/ ٢): \"هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات\". وانظر \"الصحيحة\" (١٢٢٢).\n(١) حديث حسن في الشواهد. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٢٦١)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٥٢٥)، والبغوي (٤٢٠٠) من حديث ابن عمر. وأخرجه ابن المبارك في الزهد من رواية نعيم بن حماد برقم (١٨٧)، وكذلك ابن عدي (٦/ ٣٣٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٦٥٨)، والطبراني (١٢٢٩٨)، والحاكم (٢/ ٥١٠) وصححه. ووافقه الذهبي. وانظر: \"الصحيح المسند من أساب النزول\" - الوادعي - سورة القيامة. آية (٣٤ - ٣٥). وله شواهد.","vol":"8","page":275},{"text":"و﴿أَوْلَى لَكَ﴾ بمعنى ويل لك (١)، وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره ولاء متكررًا مضاعفًا، فَكُرِّر للتأكيد. كأنه قيل: ويل لك فويل لك، ثم ويل لك فويل لك.\nوقيل: ويل لك يوم الموت، وويل لك في القبر، وويل لك حين البعث، وويل لك في النار. حكاه النسفي.\nوقيل: المعنى بُعْدًا لك. فبعدًا في أمر دنياك، وبعدًا لك فبعدًا في أمر أخراك -حكاه الرازي عن القاضي. ثم قال: قال القفال: (هذا يحتمل وجوهًا: أحدها- أنه وعيد مبتدأ من اللَّه للكافر.\nوالثاني: أنه شيء قاله النبي -ﷺ- لعدوه -يعني أبا جهل- فاستنكره عدو اللَّه لعزته عند نفسه، فأنزل اللَّه تعالى مثل ذلك.\nوالثالث: أن يكون ذلك أمرًا من اللَّه لنبيّه بأن يقولها لعدو اللَّه، فيكون المعنى: ثم ذهب إلى أهله يتمطى، فقل له يا محمد: أولى لك فأولى، أي احذر، فقد قرب منك ما لا قبل لك به من المكروه).\nوقيل: الأحسن أنه أفعل تفضيل خبر لمبتدأ يقدر كما يليق بمقامه. فالتقدير هنا: النار أولى لك. يعني: أنت أحق بها، وأهل لها - حكاه الزمخشري.\nقلت: وكل ما سبق من وجوه الإعجاز البلاغي الذي يظهر وجوه الإعجاز القرآني، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾. قال ابن عباس: (يقول: هملًا).\nوقال مجاهد: (لا يؤمر، ولا يُنهى). وقال السدي: (يعني لا يبعث).\nوقال ابن كثير: (والظاهر أن الآية تعمّ الحالين، أي: ليس يترك في هذه الدنيا مُهْمَلًا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يُترك في قبره سُدًى لا يُبعث، بل هو مأمورٌ منهيٌّ في الدنيا، محشورٌ إلى اللَّه في الدار الآخرة. والمقصود هنا إثبات المعاد، والردّ على من أنكره من أهل الزَّيغِ والجهل والعِناد).\n_________\n(١) قال الشهاب: (هو محصل معناه المراد منه، فإنه مثله، فيرد للدعاء عليه، أو للتهديد والوعيد). وعن الأصمعي: (أنها تكون للتحسر على أمر فات). وقيل: (أولى: اسم وزنه \"أفعل\" من الويل. وقيل بل هو فعل ماض دعائيّ من (الولي) واللام مزيدة. أي أولاك اللَّه ما تكرهه. أو غير مزيدة، أي أدنى الهلاك لك).","vol":"8","page":276},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾. استدلال على الإعادة بالبدأة.\nأي: ألم يكن الإنسان ماء مهينًا في قطرة تمنى في الرحم. والنطفة: الماء القليل، من نطفَ الماء: إذا قطرَ. و﴿يُمْنَى﴾ أي يراق من الأصلاب فيصب في الأرحام.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾. أي: ثم كان دمًا بعد النطفة فقَدّر الرحمن الخلق فسواه تسوية، وعدّله تعديلًا، بجعل الروح فيه، فجعله ناطقًا سميعًا بصيرًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سواه خلقًا سويًا أولادًا له، ذكورًا وإناثًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. أي: أليس الذي أنشأ هذا الخلق البديع، فبدأ خلق الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم صيره إنسانًا، له أولاد ذكور وإناث، ﴿بِقَادِرٍ﴾ أن يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا؟ فإن الإعادة أهون من الابتداء.\nأخرج أبو داود بسند صحيح عن موسى ابن أبي عائشة قال: [كان رجل يُصَلِّي فوق بيته وكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: سبحانك، فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-] (١).\nقال أبو داود: قال أحمد: (يعجبني في الفريضة، أن يدعو بما في القرآن).\n\nتم تفسير سورة القيامة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم السبت ٣/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٣/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٨٨٤) ورجاله رجال البخاري ومسلم، وجهالة الصحابي لا تضر.","vol":"8","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - \" لا\" التي تسبق القسم هي نفي لمزاعم الكفار، ثم يأتي القسم.\n٢ - الذي يخلق يعيد، ولا مفرّ للمكذب بالبعث من النار.\n٣ - نضّر اللَّه امرأ سمع حديث المصطفى -ﷺ- فنقله ورواه بأمانة، فإنه رب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه.\n٤ - إن اللَّه تعالى يتجلى للمؤمنين يوم القيامة يضحك.\n٥ - حُقَّ لوجوه المؤمنين أن تنضر وهي تنظر إلى خالقها ﷿.\n٦ - حُقَّ لوجوه الكفار أن تكون باسرة، ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾.\n٧ - كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: سبحانك، فبلى.\n* * *","vol":"8","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>٧٦ - سورة الإنسان</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣١).\nقال البخاري في كتاب الجُمعة: حدثنا أبو نُعيم، حدثنا سفيان، عن سَعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هُرمُزَ الأعرج، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: [كان النبي -ﷺ- يقرأ في الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>موضوع السورة</span>\nقصة الإنسان في الدارين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-417> منهاج السورة</span>-\n١ - خَلْقُ اللَّه الإنسان من نطفة فجعله سميعًا بصيرًا، وهداهُ لاختيار أحد السبيلين ليكون إما شاكرًا وإما كفورًا.\n٢ - نَعْتُ حال الكافرين في السلاسل والجحيم، ونَعْتُ حال المتقين في جنات النعيم.\n٣ - ذِكْرُ ما في الجنة لأهلها من النعيم والفضل العميم، وهو تكرمة لهم من اللَّه العلي الكريم.\n٤ - امتنان الرحمن ﷿ على نبيه الكريم، بهذا التنزيل العظيم، ودعوته للاستعانة بالصبر والصلاة على مكر المجرمين، الذين توعدهم اللَّه سوء العذاب في نار الجحيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٩١)، ورواه مسلم (٨٨٠) من حديث سفيان الثوري به.","vol":"8","page":279},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: خَلْقُ اللَّه تعالى الإنسان من نطفة فجعله سميعًا بصيرًا، وتوضيح السبيلين له ليختار لنفسه أن يكون شاكرًا أو كفورًا.\nفقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾.\nقال سيبويه: (﴿هَلْ﴾ بمعنى قد). وقال الفرّاء: (\"هل\" تكون جَحْدًا، وتكونُ خَبَرًا، فهذا من الخبر). فهو كما تقول: هل أعطيتك؟ تُقَرِّره بأنك أعطيته. والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ . وقيل: (هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى أتى). قلت: هَلْ -في لغة العرب- للاستفهام، وقد تُصرف مجازًا إلى معاني أخرى، والأنسب للسياق هنا التقرير. قال الشهاب: (أي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه، والمقرر بهِ من ينكر البعث).\nوالمرادُ بالإنسان جنس بني آدم. قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أَوْجَدَهُ بعد أن لم يكن شيئًا يُذكر، لحقارتهِ وضَعفه).\nوقد علم اللَّه تعالى أن جواب القوم: نعم، قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه. فيقال لهم: فالذي أوجدهم بعد أن لم يكونوا، كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم؟ حكاه القاسمي.\nوقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾.\nبيان وتفصيل لبدء ذلكَ الإيجاد والكون بعد عدم. وقوله: ﴿أَمْشَاجٍ﴾ يعني أخلاط، واحدها مِشْج وَمَشِيج. ويقال: مشجْتُ هذا بهذا أي خلطته، فهو مَمْشُوج","vol":"8","page":280},{"text":"ومشيج، أي مَخلوط وخليط. قال ابن عباس: (ماء المرأة وماء الرجل يمشجان). وقال عكرمة: (ماء الرجل وماء المرأة يختلطان).\nوقال الربيع: (الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة).\nوعن قتادة قال: (الأمشاج: اختلط الماء والدم، ثم كان علقة، ثم كان مضغة).\nوقال أيضًا: (﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أطوار الخلق، طورًا نطفة، وطورًا علقة، وطورًا مضغة، وطورًا عظامًا، ثم كسى اللَّه العظام لحمًا، ثم أنشأهُ خلقًا آخر، أنبت له الشعر).\nوالمقصود: خلق اللَّه تعالى الإنسان من اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، ثم نقله بعد ذلكَ من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولونٍ إلى لون.\nوقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾. هو سرّ وغاية الخلق. أي نختبره ونمتحنه، كما قال جل ثناؤه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].\nوقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. أي: فجعلنا له سمعًا وبصرًا يساعدانه على طاعة اللَّه أو معصيته.\nوقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾. قال مجاهد: (أي بيّنا له السبيل إلى الشقاء والسعادة). وقال عكرمة: (بيّنا له طريق الخير وطريق الشّر).\nوقال النسفي: (بيّنا له طريق الهدى بأدلة العقل والسمع).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nفهذه الهداية المذكورة في قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ والآيات السابقة بعدها هداية الدلالة والإرشاد -هداية الرسل وإقامة حجة اللَّه على عباده- وهي المرتبة الثانية من مراتب الهداية كما وردت في الكتاب والسنة. فمراتب الهداية:\nأ - الهداية العامة لجميع الخلق لمصالحهم.","vol":"8","page":281},{"text":"ب - هداية الدلالة والإرشاد.\nج - هداية التوفيق والإلهام.\nد - الهداية إلى الجنة يوم القيامة.\nوقد فصلت هذا البحث في كتابي: \"أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان\"، فلله الحمد والمنة.\nفهداية السبيل هنا هي بيان طريق النجاة والسعادة في الدارين، وقد قام بذلكَ الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم على أكمل وجه.\nففي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا كان حقًا عليهِ أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم. . .] الحديث (١).\nوقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. قال قتادة: (إما شاكرًا للنعم وإما كفورًا لها).\nقال ابن جرير: (فيكون قوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ حالًا من الهاء التي في هديناه، فيكون معنى الكلام إذا وجه ذلكَ إلى هذا التأويل: إنا هديناهُ السبيل، إما شقيًا وإما سعيدًا). وقيل التأويل: إنا بينا لهُ طريق الجنة، وعرفناه سبيله، إن شكر، أو كفر.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [والقرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك، كُلُّ الناس يغدو، فبايعٌ نفسَهُ، فمعتِقُها، أو موبِقها] (٢).\nقال القرطبي: (وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة، نفيًا للمبالغة في الشكر، وإثباتًا لها في الكفر، لأن شكر اللَّه تعالى لا يُؤدَّى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتفِ عن الكفر المبالغة).\nوالمقصود: لما كان الشكر قلّ من يتصف به قال: ﴿شَاكِرًا﴾، ولما كان الكفر كثيرًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٦/ ١٨)، كتاب الإمارة. وانظر مختصر صحيح مسلم (١١٩٩)، ورواه أحمد (٢/ ١٦١)، (٢/ ١٩١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٣)، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، في ختام حديث.","vol":"8","page":282},{"text":"من يتصف به ويكثر وقوعه من الإنسان بخلاف الشكر قال ﴿كَفُورًا﴾ بصيغة المبالغة، واللَّه تعالى أعلم.\n\n٤ - ١٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: وَصْفُ حال الكافرين في السلاسل والجحيم، ونَعْتُ حال المتقين في الملذات والسرور والنعيم، فإنهم كانوا قبل ذلك محسنين، يعظمون أوامر ربهم ويخشون يوم الحشر العظيم.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾.\nالسلاسل: القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعًا كما مضى في \"الحاقة\". والأغلالُ جمع غُلّ. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إنا أعتدنا لمن كفر نعمتنا وخالف أمرنا سلاسل يُسْتوثق بها منهم شدًّا في الجحيم ﴿وَأَغْلَالًا﴾ يقول: وتشدّ بالأغلال فيها أيديهم إلى أعناقهم. وقوله: ﴿وَسَعِيرًا﴾ يقول: ونار تُسعر عليهم فتتوقد).\nوعن جبير بن نُفير، عن أبي الدرداء كان يقول: (ارفعوا هذه الأيدي إلى اللَّه جل ثناؤه قبل أن تُغَلَّ بالأغلال). وقال الحسن: (إن الأغلال لم تجعل في أعناقِ أهل النار؛ لأنهم أعجزوا الربّ سبحانه ولكن إذلالًا).\nوفي جامع الترمذي ومسند أحمد بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامةِ أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل","vol":"8","page":283},{"text":"مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقونَ من عُصَارةِ أهل النار، طينة الخبال] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾.\nالأبرار: أهل الصدق والوفاء بامتثال ما أمر اللَّه تعالى. واحدهم بَرُّ. والكأس: كل إناء كان فيه شراب. والكافور: مزاج يجمع بين التبريد والرائحة الطيبة.\nوقال ابن عباس: (﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ يريد الخمر). فنفس الخمر تسمى كأسًا، وقيل: الكأس الزجاجة إذا كان فيها خمر. قال قتادة: (تمزج لهم بالكافور وتُختم بالمسك). وقال الحسن: (بَرْدُ الكافورِ في طيب الزَّنجبيل).\nوقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. فيه أكثر من تأويل حسب إعراب ﴿عَيْنًا﴾:\n١ - قيل: يشربون عينًا. قال الزجاج: (المعنى من عين).\n٢ - وقيل: ﴿عَيْنًا﴾ بدل من كافور. قال الفراء: (إن الكافور اسم لعين ماء في الجنة).\n٣ - وقيل: ﴿عَيْنًا﴾ بدل من كأس على الموضع.\n٤ - وقيل: ﴿عَيْنًا﴾ حال من المضمر في مزاجها.\n٥ - وقيل: نصب على المدح. قلت: وكل ما سبق يقتضيه الإعجاز لهذا القرآن العظيم. والمقصود: أن الأبرار يشربون في الجنةِ من عين نضاخة بشراب ممزوج بالكافور، وقد جمع بين التبريد والرائحةِ الطيبة واللذاذة الرائعة.\nوقوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾. قال مجاهد: (يقودونها حيث شاؤوا). وقال قتادة: (مستقيد ماؤها لهمِ يفجرونها حيثُ شاؤوا). وقال الثوري: (يُصرِّفونها حيث شاؤوا). قال النسفي: (﴿يُفَجِّرُونَهَا﴾ يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم ﴿تَفْجِيرًا﴾ سهلًا لا يمتنع عليهم).\nوقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. قال قتادة: (بطاعة اللَّه، وبالصلاة، وبالحج، وبالعمرة).\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الأبرار الذين يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا، برّوا بوفائهم للَّه بالنذور التي كانوا ينذرونها في طاعة اللَّه).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٠٢٥)، وصحيح الجامع الصغير (٧٨٩٦).","vol":"8","page":284},{"text":"وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيعَ اللَّهَ فليُطِعْهُ، ومَنْ نذرَ أَنْ يعصي اللَّه فلا يعصه] (١).\nوفي سنن النسائي بسند صحيح عن عمران بن حُصين عن النبي -ﷺ- قال: [النَّذْرُ نَذْران، فما كان من نَذْرٍ في طاعة اللَّه فذلك للَّه، وفيه الوفاء. وما كان من نذر في معصية اللَّه، فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه. ويكفّره ما يكفِّرُ اليمين] (٢).\nوقوله: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. أي: ممتدًا طويلًا فاشيًا. قال ابن عباس: (﴿مُسْتَطِيرًا﴾: فاشيًا).\nوقال قتادة: (استطار -واللَّه- شرُّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض).\nوالمعنى كما قال ابن كثير: (ويتركون المحرَّمات التي نهاهم عنها خِيْفةً من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شرّه مستطيرٌ، أي: منتشرٌ عام على الناس إلا من رحم اللَّه).\nوقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾. الضمير في ﴿حُبِّهِ﴾ يعود على الطعام. قال مجاهد: (﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قال: وهم يشتهونه). وقال سليمان بن قيس: (على حبهم للطعام).\nوالمقصود: وكذلكَ من صفات هؤلاء الأبرار التي برّوا بها أنهم يطعمون المحتاجين الطعام في حال مَحبّتهم وشهوتهم له.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].\nوفي صحيح مسلم عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هُريرة قال: [أتى رسول اللَّه -ﷺ- رَجُلٌ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٦٩٦)، (٦٧٠٠)، وأبو داود (٣٢٨٩)، والترمذي (١٥٢٦)، والنسائي (١٧١٧)، ومالك في الموطأ (٢/ ٤٧٦)، وأحمد (٦/ ٣٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (٣٥٩٩)، وتخريج \"الإرواء\" (٨/ ٢١٧).","vol":"8","page":285},{"text":"فقال: يا رسول اللَّه! أيُّ الصَّدقة أعظَمُ؟ فقال: أن تَصَدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقر وتأمل الغنى] الحديث (١).\nوالمراد: أن خير الصدقة ما كان حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتكَ إليه، وهو مفهوم قوله -ﷺ-: (وأنتَ صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى).\nوبعض المفسرين أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ على اللَّه ﷿، أي على حبّ اللَّه، والأول أرجح وأنسب للمعنى ولنظيره من الآيات والأحاديث كما سبق بيانه، واللَّهُ تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. المسكين هو الفقير ذو الحاجة لا يجد ما يكفيه. واليتيم هو مَنْ فقد أبويه أو أحدهما في حال صغره. والأسير المحبوس. قال مجاهد: (الأسير: المسجون). أو قال: (المحبوس).\nوقال قتادة: (لقد أمَرَ اللَّه بالأُسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك)، وقال: (كان أسراهم يومئذ المشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. قال مجاهد: (أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه اللَّه من قلوبهم، فأثنى بهِ عليهم ليرغب في ذلكَ راغب).\nوالمقصود: إنما يطعم هؤلاء الأبرار الفقراء واليتامى والأسارى لوجه اللَّه، فهم لا يتوقعون المكافأة، ولا يريدون ثناء الناس عليهم بذلكَ، علمه اللَّه من قلوبهم فأثنى عليهم بذلك.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. قال ابن عباس: (﴿عَبُوسًا﴾ ضَيِّقًا، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: طويلًا). وقال مجاهد: (﴿عَبُوسًا﴾، العابس الشفتين: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾، قال: تقبيض الوجه بالبُسُور). وقال قتادة: (تعبس فيه الوجوه من الهول، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: تقليصُ الجبين وما بين العينين، من الهول). وقال ابن زيد: (العَبوس: الشرّ، والقمطرير: الشديد).\nقلت: والعرب تقول اقمطَرّ اليوم فهو مُقْمَطِرّ إذا كان صعبًا شديدًا. ويوم عبوس أي تعبس فيهِ الوجوه من هوله وشدته. فيكون المعنى: إنا نخاف يومًا ذا عبوس -لكثرة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٠٣٢)، كتاب الزكاة. . باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح.","vol":"8","page":286},{"text":"عبوس الكفار فيه-، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ صعبًا شديد الأهوال.\nوقوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾.\nأي: فآمنهم اللَّه بلطفه ورحمته من شدائد ذلك اليوم، ومنحهم حسنًا وبهاءً في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم. قال الحسن: (﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ قال: نضرة في الوجوه، وسرورًا في القلوب). فإن القلب إذا سُرَّ استنار الوجه.\nوفي النضرة ثلاثة أوجه: قال الضحاك: (البياض والنقاء). وقال سعيد بن جبير: (الحسن والبهاء). وقال ابن زيد: (أثر النعمة. قال: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ قال: نعمة وسرورًا).\nوفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (عبس: ٣٨ - ٣٩).\nوفي الصحيحين والمسند من حديث كعب بن مالك -حين تاب اللَّه عليه بعد التخلف عن تبوك- قال: [فلما سَلَّمتُ على رسول اللَّه -ﷺ- قال: وهو يَبْرُقُ وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مَرَّ عليك منذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ. . قال: وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سُرَّ استنار وجهُه كأنه قطعة قمر، حتى يُعْرَفَ ذلكَ منه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾. قال قتادة: (يقول: وجزاهم بما صبروا على طاعة اللَّه، وصبروا عن معصيته ومحارمه، جنة وحريرًا).\nوالمقصود: أورثهم سبحانهُ بصبرهم على إقامة الدين الحق خير منزل وأرغد عيش وأحسن لباس.\n\n١٣ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، والترمذي (٣١٠٢)، وأحمد (٣٨٧١٦)، والنسائي في \"التفسير\" (٢٥٢)، وابن حبان (٣٣٧٠)، وهو جزء من حديث طويل.","vol":"8","page":287},{"text":"شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ ما فيه أهل الجنة من الفضل العميم، وروائع النعيم المقيم، وما ذاكَ إلا تكرمةً لهم من اللَّه العلي الكريم.\nفقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾.\nالأرائك: جمع أريكة. قال ابن عباس: (يعني الحِجال). وقال قتادة: (كنا نُحَدَّثُ أنها الحجالُ في الأسرّة). ونصب ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على الحال. والزمهرير: البرد الشديد. قال مُرَّة الهَمداني: (الزمهرير: البرد القاطع).\nوالمقصود: جزاهم ربهم جنة متكئين فيها على الأسرة التي عليها الكلل، ولا يرون حرَّ الشمس ولا برد الزمهرير، بل أعذب المناخ وأروع المجلس.\nوقوله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾. قال ابن جرير: (وقَرُبت منهم ظلالُ أشجارها).\nوقوله: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾. قال قتادة: (لا يردُّ أيديهم عنها بُعد ولا شوك).\nوقال مجاهد: (إذا قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلَّت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلَّت حتى ينالها، فذلكَ تذليلها).\nوالمقصود: ذُلِّل لهم اجتناءُ ثمر شجرها، فقد دنت منهم أغصانها، كما قال جل ثناؤه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وكما قال جلت عظمته: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]. قال ابن زيد: (الدانية: التي قد دنت عليهم ثمارها). وقال ابن كثير: (أي متى تعاطاه دنا القِطفُ إليهِ وتَدلَّى من أعلى غُصنِه، كأنهُ سامعٌ طائع).\nوقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾. أي: وتدور عليهم الخدم إذا أرادوا الشرب بآنيةٍ من فضة وكؤوس الفضة. والأكواب: جمع كوب. وهو كوز لا أذن له، أو إبريق لا عروة له.\nوقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾. قال النسفي: (كان تامة، أي كونت فكانت قوارير بتكوين اللَّه، نصب على الحال). وقيل: ﴿قَوَارِيرَا﴾ في محل نصب خبر كان. وقال ابن جرير: (يقول: كانت هذه الأواني وأكواب قوارير، فحوّلها اللَّه فضة. وقيل: إنما قيل: ويطاف عليهم بآنية من فضة، ليدلّ بذلك على أن أرض الجنة فضة، لأن كلّ آنية تُتَّخَذُ، فإنما تُتخذ من تربة الأرض التي فيها، فدلَّ جلّ ثناؤهُ بوصفة الآنية متى يطاف","vol":"8","page":288},{"text":"بها على أهل الجنة أنها من فضة، ليعلم عباده أن تربة أرض الجنة فضة).\nوقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال الحسن: (صفاء القوارير في بياض الفضة). وقال مجاهد: (فيها رقة القوارير في صفاء الفضة). ونصب ﴿قَوَارِيرَا﴾ هنا على البدلية أو \"تمييزًا\" لتبيان اللَّه له بقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. والمقصود: هذه القوارير الموصوفة تجمع بين صفاء الزجاج وبياض الفضة، والقوارير لا تكونُ عادة إلا من زجاج، فجعلها اللَّهُ من فضة شفافة يُرى ما في باطنها من ظاهرها مما لا نظير لهُ في الدنيا.\nوقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. أي مصنوعة في حجومٍ على قدر ريِّ طالبيها من أهل الجَنَّة، وهو أبلغ في الاعتناءِ والتشريف والتكريم وحسن الضيافة. قال الحسن: (قُدِّرت لرّي القوم). وقال سعيد: (قدر ريِّهم). وقال مجاهد: (لا تنقص ولا تفيض).\nوقال ابن جرير: (قدّرها لهم السُّقاة يطوفون بها عليهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا﴾. قال مجاهد: (يأثُرُ لهم ما كانوا يشربون في الدنيا فيحبِّبُه إليهم). وقال قتادة: (تمزج بالزنجبيل).\nوالمقصود: يسقون -أي الأبرار- في الجنة ﴿كَأْسًا﴾ أي: خمرًا مزجت بالزنجبيل. قال القاسمي: (أي ما يشبهه في الطعم. وكانت العرب يستلذون الشراب الممزوج به). وقال ابن كثير: (فتارة يُمزَجُ لهم الشرابُ بالكافور وهو باردٌ، وتارةً بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمرُ، وهؤلاء يُمزَجُ لهم من هذا تارة ومن هذا تارةً. وأما المقرَّبون فإنهم يشربونَ من كلِّ منهما صِرْفًا، كما قال قتادة وغير واحد).\nوقوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. السلسبيل في لغة العرب: اسم لماء في غاية السلاسة، حديد الجرية، يسوغ في الحلوق. قال عكرمة: (اسم عين في الجنة). وقال مجاهد: (سميت بذلك لسلاسة سيلها وجدة جريها).\nوقوله: ﴿عَيْنًا﴾ بدل من ﴿زَنْجَبِيلًا﴾، فسميت العين زنجبيلا لطعم الزنجبيل فيها. والعرب تستلذه وتستطيبه، وقد جمع بين سلاسة الانحدار وسهولة المساغ والمذاق الطيب.\nوقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾. أي: ويطوف على أهل الجنةِ غلمانٌ ينشئهم اللَّه لخدمةِ المؤمنين، أو ولدان الكفرة يجعلهم اللَّه تعالى قائمين على خدمة أصحاب النعيم، وهم ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: على حالة واحدة وسن واحدة لا يتغيرون عنها. وقال قتادة: (﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي لا يموتون). والمعنى الأول أرجح.","vol":"8","page":289},{"text":"قال القرطبي: (﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي باقون على ما هم عليهِ من الشباب والغضاضةِ والحُسن، لا يَهْرَمونَ ولا يتغيرون، ويكونون على سنّ واحدة على مر الأزمنة. وقيل: مخلّدون لا يموتون. وقيل: مُسوَّرون مَقَرَّطون، أي مُحَلَّونَ والتخليد التحلية).\nأخرج أبو نعيم في \"الحلية\"، والطبراني في \"الأوسط\"، بسند حسن في الشواهد عن أنس بن مالك قال: [سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن ذراري المشركين لم يكن لهم ذنوب يعاقبون بها فيدخلون النار، ولم تكن لهم حسنة يجازون بها فيكونون من ملوك الجنة؟ فقال النبي -ﷺ-: هم خدم أهل الجنة] (١).\nوله شاهد عند ابن مندة في \"المعرفة\" عن سنان بن سعد عن أبي مالك قال: سئل النبي -ﷺ- عن أطفال المشركين؟ قال: [أطفال المشركين هم خَدَمُ أهل الجنة] (٢).\nوقوله: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾. أي: وإذا نظرت إليهم في حسنهم وكثرتهم وصفاء ألوانهم وسرعة انتشارهم في قضاء حوائج السادة ظننتهم لؤلؤًا مفرقًا منثورًا. وأما الحور العين فشبَّههن باللؤلؤ المكنون المخزون لأنهن لا يُمتهنَّ بالخدمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾.\n﴿ثَمَّ﴾ ظرف مكان. والمقصود: وإذا رأيت هناك في الجنة -يا محمد- ورميت بطرفك في أرجائها رأيت مملكة للَّه عظيمة وسلطانًا باهرًا وكرامة لهؤلاء الأبرار في الكسوة والطعام والشراب وألوان الملذات وروعة الخدمة.\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أبي سعيد مرفوعًا: [إن أدنى أهل الجنة منزلًا رجل صرفَ اللَّه وجهه عن النار قِبَل الجنة. . . فيقول: أي رب أدخلني الجنة، فيدخلُ الجنة، فإذا دخلَ الجنة قال: هذا لي؟ فيقول اللَّه لهُ: تمنَّ، فيتمنى، ويذكره اللَّه ﷿: سَلْ مِنْ كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال اللَّه: هو لك وعشرةُ أمثالِه، ثم يدخله اللَّهُ الجنة، فيدخلُ عليه زوجتاهُ من الحور العين، فيقولان: الحمدُ\n_________\n(١) صحيح لغيره. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٠٨) من طريق الطبراني. وأخرج الجملة الأخيرة منه أبو يعلى في \"مسنده\" (١٠١١ - ١٠١٢)، ويشهد له أيضًا ما أخرجه البزار في مسنده (٢٣٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٤٦٨).\n(٢) رواه ابن مندة في \"المعرفة\" (٢/ ٢٦١/ ١)، ويشهد له ما قبله. انظر صحيح الجامع الصغير (١٠٣٥)، والسلسلة الصحيحة (١٤٦٨)، والحديث صحيح في الشواهد.","vol":"8","page":290},{"text":"للَّه الذي أحياكَ لنا، وأحيانا لكَ. فيقول: ما أعطيَ أحدٌ مثل ما أعطيتُ] الحديث (١).\nوقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾.\nالسندس: ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه. قال الزجاج: (هما نوعان من الحرير). وقوله: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ يفيد أن ذلكَ اللباس ظاهر بارز للزينة والجمال.\nفالرفيع منه كالقمصان مما يلي الأبدان، والنوع الأغلظ على الظاهر وله البريق واللمعان. و﴿خُضْرٌ﴾ نعت للثياب.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [مَن يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر] (٢).\nوفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: [أهدى أكيدر (٣) دومة إلى النبي -ﷺ- جبة من سندس، فتعجب الناس من حسنها. فقال: \"لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا\"] (٤).\nوفيهما من حديث البراء قال: [أهدي لرسول اللَّه -ﷺ- ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: تعجبون من هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا] (٥). وفي رواية: (خير منها وألين).\nوقوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. أي: وحلَّاهم ربهم أساور -جمع أسورة- من فضة. والمقصود بذلك: حلية الأبرار. وأما المقرّبون فتميزوا عنهم كما قال جل ذكره: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣].\nوقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. قال أبو قلابة وإبراهيم النخعي: (يؤتون بالطعام، فإذا كان آخره أُتوا بالشراب الطهور، فيشربون، فتضمر بطونهم من ذلك ويفيض عرق من أبدانهم مثل ريح المسك). قال ابن جرير: (﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. يقول تعالى ذكره: وسقى هؤلاء الأبرار ربُّهم شرابًا طهورًا، ومن طهره أنه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ١٢٠)، (١/ ١٣٥)، وأخرجه أحمد (٣/ ٢٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٣٦)، كتاب الجنة ونعيمها. وانظر كذلك (٢٨٢٤).\n(٣) أكيدر دومة: أي أميرها.\n(٤) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٢٦١٥)، (٣٢٤٨)، وصحيح مسلم (٢٤٦٩).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٨٠٢)، (٥٨٣٦)، وأخرجه مسلم (٢٤٦٨) عن البراء.","vol":"8","page":291},{"text":"لا يصير بولًا نَجِسًا، ولكنه يصير رشحًا من أبدانهم كرشح المسك).\nوقال النسفي: (﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ ليس برجس كخمر الدنيا لأن كونها رجسًا بالشرع لا بالعقل ولا تكليف ثمّ، أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾. قال قتادة: (لقد شكر اللَّه سعيًا قليلًا. قال: غفر لهم الذنب وشكر لهم الحُسْنَى). وقال مجاهد: (﴿مَشْكُورًا﴾ أي مقبولَا). قال القرطبي: (والمعنى متقارب، فإنه سبحانهُ إذا قبل العمل شكره، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل، إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم).\nوالمقصود: يقال لأهل الجنة تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم: إن هذا النعيم الذي وردتموه إنما كانَ جزاء لأعمالكم، وكان سعيكم محمودًا ومقبولًا ومرضيًا.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا. وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تَبأسوا أبدًا، فذلكَ قوله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾] (١).\n\n٢٣ - ٣١. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلَا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلَا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلَا طَوِيلَا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلَا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلَا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلَا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٣٧)، كتاب الجنة ونعيمها. باب في دوام نعيم أهل الجنة.","vol":"8","page":292},{"text":"يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ الرحمن ﷿ على نبيهِ الكريم، بما نزل عليهِ من هذا التنزيل العظيم، ودعوته للاستعانة بالصبر والصلاة على مكر المجرمين، الذين توعدهم اللَّه سوء العذاب يوم الدين.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. قال ابن عباس: (أنزل القرآن متفرّقًا: آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة، فلذلكَ قال: ﴿نَزَّلْنَا﴾).\nقال النسفي: (﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ تكرير الضمير بعد إيقاعه اسمًا لإنّ تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص اللَّه بالتنزيل ليستقر في نفس النبي -ﷺ- أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيلهُ مفرقًا إلا حكمة وصوابًا ومن الحكمةِ الأمر بالمصابرة).\nوقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. قال ابن عباس: (اصبر على أذى المشركين، هكذا قضيت).\nقال ابن كثير: (أي: كما أكرمتُكَ بما أنزلتُ عليكَ فاصبر على قضائه وقدره، واعلم أنه سَيُدَبِّرُكَ بِحُسْنِ تدبيره).\nوقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. الآثم الفاجر في أفعاله، والكفور: الكافر بقلبه. قال ابن جرير: (يقول: ولا تطع في معصية اللَّه من مشركي قومكَ آثمًا يريدُ بركوبه معاصيه، أو كفورًا: يعني جحودًا لنعمه عنده، وآلائه قبله، فهو يكفر به، ويعبد غيره).\nوقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. أي: واذكر -يا محمد- ربك فادعهُ بكرة في صلاة الصبح، وعشيًا في صلاة الظهر والعصر. قال ابن زيد: (بكرة: صلاة الصبح. وأصيلًا: صلاة الظهر الأصيل). وقيل: هو الذكر المطلق سواء كان في الصلاة أو في غيرها.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. قال ابن عباس: (يعني الصلاة والتسبيح). قال القرطبي: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ يعني التطوع في الليل، قاله ابن حبيب).\nوقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾. توبيخ وتقريع لكفار مكة الذين آثروا العاجلة وهي الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، فهم يحبون البقاء فيها وتعجبهم زينتها.","vol":"8","page":293},{"text":"وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. أي: ويدعونَ بين أيديهم يومًا عسيرًا شديدًا هم قادمون عليه، قد أثقلته المصائب والأهوال.\nوقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: شددنا خلقهم). والمقصود: خلقناهم ابتداء، وشددنا أوصالهم بعضًا إلى بعض بالعروق والعصب.\nوقوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. أي: لو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع للَّه منهم.\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. قال قتادة: (إن هذه السورة تذكرة). أي: لمن تذكر واتعظ واعتبر.\nوقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. اي: فمن شاء أيها الناس اتخذ طاعة اللَّه واتباع رسوله سبيلًا له، فإن في ذلك النجاة كل النجاة، والسعادة في الدارين.\nوقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. أي: وما اتخاذكم السبيل إلى ربكم أيها الناس إلا بمشيئته جلَّت عظمته، فإنه لا يُطاع سبحانه إلا بإذنه، كما لا يعصى إلا بإذنه، فمشيئتهُ قاهرة لكل مشيئةٍ، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه، العليم بمن يستحق الهداية والنجاة، ولذلكَ ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\nأخرج الإمام أحمد في المسند، وابن أبي عاصم في \"السنة\"، بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لا تعجبوا بعمل أحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من دهره، أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعملُ عملًا سيئًا. وإن العبد ليعملُ زمانًا من دهره بعمل سَيِّئٍ لو ماتَ عليهِ دخل النار، ثم يتحول فيعملُ عملًا صالحًا. وإذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملهُ قبل موتهِ فوفقه لعمل صالحٍ، ثم يقبضه عليه] (١).\nوقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. قال أبو السعود: (بيان لإحكامِ مشيئتهِ تعالى المترتبة على علمه وحكمته).\nوقوله: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: وأعدَّ اللَّهُ للظالمينَ الذين صرفوا مشيئتهم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٢٠، ١٢٣)، (٣/ ٢٣٠، ٢٥٧)، وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٣٤٧، ٣٥٣)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٣٤).","vol":"8","page":294},{"text":"إلى معصيتهِ عذابًا في نارِ جهنمَ مؤلمًا موجعًا.\n\nتم تفسير سورة الإنسان بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه صبيحة يوم الثلاثاء ٦/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٦/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - خلق اللَّه الإنسان ودلّه على طريقي الخير والشر.\n٢ - مراتب الهداية:\nأ - الهداية العامة للخلق.\nب - هداية الدلالة والإرشاد.\nج - هداية التوفيق والإلهام.\nد - الهداية إلى الجنة يوم القيامة.\n٣ - الأبرار في الدنيا في الطاعات والقيام بالواجبات، ووفاء بالنذر وإطعامُ المساكين واليتيم والأسير والقرابات.\n٤ - الأبرار في الجنةِ في النعيم المقيم، تكرمةً لهم من اللَّه رب العالمين.\n٥ - في الجنة ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\n٦ - هذه السورة تذكرة لمن شاء أن يسلك طريق الحق.\n٧ - إذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملهُ قبل موتهِ فوفقهُ لعمل صالحٍ، ثم يقبضه عليه.\n* * *","vol":"8","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>٧٧ - سورة المرسلات</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>الأحاديث الواردة في ذكرها:</span>\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه قد شبت. قال: [شَيَّبَتْنِي هودٌ، والواقعةُ، والمُرسلاتُ، وعَمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كورت] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: [بينما نحن مع النبي -ﷺ-، في غار بمنى، إذ نزلت عليهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، فإنه ليتلوها وإني لأتلقَّاها من فيه، وإنَّ فاه لَرَطْبٌ بها، إذ وَثَبت علينا حَيَّةٌ، فقال النبي -ﷺ-: \"اقتلوها\". فابتدرناها فذهبت. فقال النبي -ﷺ-: \"وُقِيَتْ شَرَّكم كما وُقيتم شرَّها\"] (٢). قال عمر: (حَفِظْتُهُ مِنْ أُبَيٍّ في غارٍ بمنًى).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أَنَّه قال: [إنَّ أُمُّ الفَضْل سَمِعَتْهُ وهو يَقْرأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فقالت: واللَّه يا بُنَيَّ لقد ذكَّرْتَنِي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٢٩٧)، كتاب التفسير. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٢٧).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٣٠)، (٤٩٣٤)، ومسلم (٢٢٣٤)، (٢٢٣٥)، وأخرجه أحمد (١/ ٤٢٨)، والحاكم (١/ ٤٥٣)، وابن حبان (٧٠٨).","vol":"8","page":296},{"text":"بقراءتك هذه السورة، إنَّها لآخِرُ ما سمِعْتُ من رسول اللَّه -ﷺ-، يقرأُ بها في المغرب] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عُبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن أمِّهِ: [أنها سمعت النبي -ﷺ- يقرأ في المغرب بالمرسلات عُرفًا] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>موضوع السورة</span>\nالإقسام بالملائكة المرسلات على نيل المؤمنين أرفع الدرجات واستقرار المشركين في النار أسفل الدركات\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-422> منهاج السورة</span>-\n١ - قسم اللَّه تعالى بالملائكة الكرام، يرسلها بالوحي إلى أنبيائه خير الأنام.\n٢ - ذكر أهوال القيامة للوقوف للحساب، ووزن الأعمال والفصل بالثواب أو العقاب.\n٣ - إهلاك اللَّه الكافرين، وخلقه تعالى الإنسان من ماء مهين، وجعله الأرض كفاتًا والجبال أوتادًا والماءَ فراتًا رحمة للعالمين، فويل يومئذ للمكذبين.\n٤ - توجيه الكفار يوم القيامة إلى نار العذاب، فقد استحقوا بجرائمهم أشد العقاب.\n٥ - وَصْفُ حال المتقين يوم الدين في جنات النعيم، وتوعّد المجرمين المكذبين نار الجحيم، جزاء بما كانوا يعملون.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٦٣)، كتاب الأذان. باب القراءة في المغرب. وأخرجه كذلك برقم (٤٤٢٩)، وأخرجه مسلم (٤٦٢/ ١٧٣)، ورواه أصحاب السنن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣٣٨)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم.","vol":"8","page":297},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالملائكة يرسلها بالوحي إلى أنبيائه. تعصف لسرعة طيرانها وتنشر أجنحتها آتية بما يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، حتى توصل الوحي إلى الأنبياء، إعذارًا من اللَّه إلى خلقه، وإنذارًا من عذابه، وعذرًا للمحقين ونذرًا للمبطلين. فإذا النجوم محي نورها وذهب ضوؤها، وإذا السماء فتحت وشقت، ونسفت الجبال فقلعت من مكانها وطارت في الجو هباءً فاستوى مكانها بالأرض، وإذا جعل للرسل وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم، إنه يوم عظيم يعجب العبادُ منه لشدته ومزيد أهواله ضُرِبَ الأجل للرسل لجمعهم، يحضرون فيه للشهادة على أممهم. إنه يوم الفصل الذي يفصل فيه بين الناس بأعمالهم فيفرَّقون إلى الجنة والنار، وما أعلمك بيوم الفصل؟ ! إنه أمر هائل لا يقادر قدره، ويل يومئذ للمكذبين من عذاب اللَّه الذي أُعدَّ لهم.\nفقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. إقسام من اللَّه بالملائكة ترسل بالمعروف.\nروى مسروق عن عبد اللَّه قال: (هي الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر اللَّه تعالى ونهيه. والخبر والوحي). وهو قول أبي هريرة ومقاتل وأبي صالح وغيرهم. وعن ابن عباس وابن مسعود: (إنها الرياح) -أرسلت متتابعة- ﴿عُرْفًا﴾: أي يتبع بعضها بعضًا كعرف الفرس.\nوالخلاف قائم بين المفسرين من الصحابة والتابعين وغيرهم في توجيه الآيات إلى الرياح أو الملائكة. قيل: المرسلات والعاصفات والناشرات هي الرياح. والفارقات","vol":"8","page":298},{"text":"والملقيات هي الملائكة، ومنهم من قال إنها جميعًا الملائكة.\nقلت: والراجح أنها الملائكة في جميع الآيات لوجوه: (١)\n١ - لا مناسبة بين الريح والملائكة في موضوع القسم.\n٢ - ليس هناك من فارق يفصل الصفات الثلاثة الأولى عن الصفتين الأخيرتين ليعلم أنهما لموصوفَيْن.\n٣ - توالي فاءات التعقيب يدل على أن الموصوف شيء واحد.\n٤ - السياق يفيد أن كل صفة موضحة لما قبلها.\n٥ - هذه الصفات بمجموعها تنسجم مع كون الموصوف الملائكة.\nوقوله تعالى: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾.\nهي الملائكةُ. قال أبو صالح: (الملائكةُ تنشر الكتب).\nوقال قتادة: (﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل وتبلغه).\nقال النسفي: (أقسم ﷾ بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيّهن، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرًا إلى الأنبياء ﵈).\nوقوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. قال ابن عباس: (يعني الملائكة). وقال قتادة: (عذرًا من اللَّه، ونُذْرًا منه إلى خلقه). أو قال: (عذرًا للَّه على خلقه، ونذرًا للمؤمنين ينتفعون به، ويأخذون به). والمقصود: إرسالُ الملائكةِ إعذارٌ من اللَّه إلى الخلق، وإنذارٌ لهم عقابه إن خالفوا أمره.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾. هو جواب القسم. قال ابن كثير: (هذا هو المُقْسَمُ عليه بهذه الأقسام، أي: ما وُعِدْتُمْ بهِ من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبَعْثِ الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاةُ كلّ عامل بعملهِ، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إن هذا كله ﴿لَوَاقِعٌ﴾، أي: لكائن لا محالة).\n_________\n(١) انظر بعض هذه الوجوه في مختصر تفسير ابن كثير - نسيب الرفاعي - سورة المرسلات.","vol":"8","page":299},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فإذا النجومُ ذهب ضياؤها، فلم يكن لها نور ولا ضوء).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شقِّقت وصدّعت وتدلَّت أرجاؤها، ووهت أطرافها. قال ابن عباس: (فرجت للطيّ). وقيل: فتحت: كقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾. قال ابن عباس: (سُوِّيت بالأرض). وقال القرطبي: (أي ذهب بها كلها بسرعة).\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: جُمعت).\nوقال مجاهد: (أُجِّلَت). وقال الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: (﴿أُقِّتَتْ﴾: أُوعِدَت). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا الرسل أجلت للاجتماع لوقتها يوم القيامة).\nوقوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾. أي ليوم عظيم يعجب العباد منه لشدّتهِ ومزيد أهواله ضُرِبَ الأجل للرسل لجمعهم، يحضرون فيه للشهادة على أممهم.\nقال النسفي: (﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ أخرت وأمهلت، وفيه تعظيم لليوم وتعجيب من هوله، والتأجيل من الأجل، كالتوقيت من الوقت).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾. بيان ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الناس بأعمالهم، فيفَرَّقون إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير.","vol":"8","page":300},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. أي: وما أعلمكَ بيوم الفصل؟ فهو تعجيب آخر وتعظيم لأمر ذلك اليوم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. وعيد أكيد، وتهديد شديد، يحمل في مفهومه ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليهم. قال القرطبي: (أي عذاب وخزي لمن كذّب باللَّه وبرسله وكتبه وبيوم الفصل فهو وعيد. وكرره في هذه السورة عند كل آية لمن كذب؛ لأنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم).\n\n١٦ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول تعالى ذكره: ألم نهلك الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد -ﷺ- يعني- بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم، ثم نتبعهم الآخرين ممن جاؤوا بعدهم ممن أشبههم في عنادهم وتكذيبهم؟ ! ألم نخلقكم -أيها الناس- من ماء مهين، ثم سوّيناكم فقدرنا فنعم القادرون؟ ! ألم نجعل الأرض تضم الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها، والرواسي فوقها؟ ! ألم نسقكم الماء من ينابيعها وأنهارها؟ ! فويل يومئذ للمكذبين.\nفقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾. قال النسفي: (الأمم الخالية المكذبة).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾. وعيد لأهل مكة، أي ثم نسلك بأمثالهم من الآخرين المكذبين ما فعلنا بالأولين لما كذبوا الحق وعاندوا الرسل.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. قال القاسمي: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل ذلكَ الأخذ العظيم ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي بكل من أجرم وطغى وبغى).\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. قال ابن جرير: (بأخبار اللَّه التي ذكرناها في هذه الآية، الجاحدين قدرته على ما يشاء).","vol":"8","page":301},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالمهين: الضعيف).\nوالآية امتنان من اللَّه تعالى على خلقه، واحتجاج على الإعادة بالبدء.\nأخرج ابن ماجة بسند حسن عن بسر بن جحَّاش القُرَشي قال: [بزَق النبي -ﷺ- في كفه. ثم وضع أصبُعَهُ السبابة وقال: يقول اللَّه ﷿: أنَّى تُعْجزُني، ابْنَ آدم! وقد خلقتكَ مِنْ مِثْل هذِه. فإذا بَلَغَتْ نَفْسُكَ هذه (وأشارَ إلى حلقه) قُلْتَ: أتصدقُ. وأنّى أوانُ الصدقة؟] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. قال مجاهد: (الرحم). قال ابن كثير: (يعني: جمَعناه في الرحم، وهو قرار الماء من الرجل والمرأة، والرَّحم مُعَدٌّ لذلك، حافِظٌ لما أودِعَ فيهِ من الماء).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. وهو مدة الحمل، وهي في جنس البشر بين ستة أشهر إلى تسعة أشهر.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. أي: فقدرنا على ذلك، فنعم القادرون عليه نحن. وهو المعنى إذا قرئ ﴿فقَدَرْنا﴾ بالتخفيف - قراءة أهل الكوفة والبصرة.\nوأما إذا قُرئ: \"فَقَدَّرنا\" بالتشديد -قراءة أهل المدينة- فيكون المعنى: فقدّرنا ذلك الخلق تقديرًا: الأعضاء والصفات، وجعلنا كل حال من أحوال ذلكَ التخلّق على الصفة التي أردنا، فنعم المقدّر اللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول جلّ ثناؤه: ويل يومئذ للمكذبين بأن اللَّه خلقهم من ماء مهين). قلت: والأشمل من ذلكَ أن يقال: ويل يومئذ للمكذبين بنعمة الفطرة والعناية من اللَّه بأطوار النشوء والتكوين واستواء الخلق.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: كِنًّا). وقال أبو عبيدة: (كفاتًا: أوعية). قال القرطبي: (أي: ضامّة تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها).\nقلت: وأصلها في لغة العرب من كفتَ: أي ضَمَّ. قال الرازي: (والكِفات: الموضِعُ الذي يُكْفَتُ فيه شيء أي يُضَمّ ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾).\nوقوله تعالى: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال الشعبي: (بطنها لأمواتكم، وظهرها\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٢٧٠٧)، كتاب الوصايا. وانظر صحيح ابن ماجة (٢١٨٨).","vol":"8","page":302},{"text":"لأحيائكم). وقال مجاهد: (﴿كِفَاتًا﴾ تكفت أذاهم وما يخرج منهم، ﴿أَحْيَاءً﴾ تواريه، ﴿وَأَمْوَاتًا﴾ يدفنون: تكفتهم).\nوقال الحارث: (يغيبون فيها ما أرادوا).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾. قال قتادة: (يعني الجبال).\nوقال ابن عباس: (يقول: جبالًا مشرفات). والمقصود: أرسى اللَّه تعالى الأرض بالجبال لئلا تميد وتضطرب. فهو امتنان منه سبحانهُ على عباده في معرض ذكر النعم الكبيرة المنسية.\nوقوله: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: عذبًا). أي من السحاب أو العيون.\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: بهذا السيل العظيم من النِّعم.\n\n٢٩ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: توجيه الكفار يوم القيامة إلى نار العذاب، فقد استحقوا بجرائمهم وكفرهم وصدهم عن سبيل اللَّه أشد العقاب.\nفقوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذبين بهذه النِّعم، والحجج التي احتجَّ بها عليهم يوم القيامة: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا ﴿تُكَذِّبوُنَ﴾ من عذاب اللَّه لأهل الكفر به).\nوقوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾. المراد لهب النار إذا ارتفعَ وصعد معه دخان فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب. قال مجاهد: (قوله ﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ قال: دخان جهنم). وقال قتادة: (هو كقوله: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. قال: والسرادق: دخان النار، فأحاط بهم سرادقها، ثم تفرق، فكان ثلاث شعب،","vol":"8","page":303},{"text":"فقال: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب: شعبة هاهنا، وشعبة هاهنا، وشعبة هاهنا).\nوقوله تعالى: ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾. أي: ثم إنّ ظل الدخان لا يغني بنفسه من اللهب، فهو لا يظلهم من حرها، ولا يُكنُّهم من لهبها. قال القرطبي: (﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ أي: ليس كالظلّ الذي يقي حرَّ الشمس ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أي لا يدفع من لهب جهنم شيئًا. واللهب ما يعلو على النار إذا اضطرمت، من أحمر وأصفر وأخضر).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. أي: وإنما يتطاير الشرر من لهبها كالقصر. قال ابن مسعود: (كالحصون). وقال ابن عباس ومجاهد: (يعني أصول الشجر). والشرر جمع شررة، والشرار جمع شرارة، وهو ما تطاير من النار من كل جهة، وأصله عند العرب من شَرَّرت الثوب إذا بسطته للشمس ليجف. والمقصود: يتطاير شرر نار جهنم كالقصر -وهو البناء العالي- في العظم، أو كارتفاع الغليظ من الشجر (جمع قصرة).\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. فيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: قيل المراد به الإبل السود، ذكره الحسن وقتادة واختاره ابن جرير.\nالتأويل الثاني: قيل بل المراد قطع النحاس. وذكره ابن عباس.\nالتأويل الثالث: قيل بل المراد به حبال السفن، ذكره مجاهد.\nوقال البخاري: (حدثنا عمرو بن علي: حدثنا يحيى: أخبرنا سفيان: حدثني عبد الرحمن بن عابس قال: [سمعت ابن عباس ﵄ يقول: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ قال: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخشبة ثلاثةَ أَذْرُعٍ وفوق ذلكَ، فَنَرْفَعُه للشتاء فنسميه القَصْرَ ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾: حِبالُ السُّفُن تُجْمَعُ حتى تكون كأوساط الرجال] (١).\nقلت: وخلاصة القول - فإن شدة اللهب المنبعث من سعير جهنم يتطاير شرره في السماء بشدة وسرعة، حتى ينشطر ثلاثة فروع، كل واحد منهم كحبل السفينة المفتول والعياذ باللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: فويل يومئذ للمكذبين بهذا الوعيد الذي توعده اللَّه المكذبين، للوحي والمرسلين.\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾. أي: لا يتكلمون. وسئل ابن عباس رضي اللَّه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٣)، كتاب التفسير، سورة المرسلات. وانظر (٤٩٣٢).","vol":"8","page":304},{"text":"عنهما عن هذه الآية، وعن قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] فقال: (في ذلكَ اليوم مواقف، في بعضها يختصمون، وفي بعضها لا ينطقون). أو المعنى لا ينطقون بما ينفعهم فجعل نطقهم كلا نطق - حكاه النسفي.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. أي: ولا يسمح لهم في الاعتذار والتنصل، فقد قامت عليهم حجة اللَّه البالغة، وفاتهم قطار الاعتذار والتوبة.\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: بهذه الحقائق والمشاهد من الخزي يوم القيامة.\nوقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. أي: ويقال لهم يوم يبعثون: هذا اليوم هو يوم يفصل اللَّه فيه بين عباده، فيتبين المحق من المبطل. والخطاب لهؤلاء المكذبين بالبعث.\nوقوله: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾. قال ابن عباس: (جمع الذين كذبوا محمدًا والذين كذّبوا النبيين من قبله).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس: (أي قدرتم على حرب: \"فكيدوني\" أي حاربوني). وقال القرطبي: (﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ﴾ أي حيلة في الخلاص من الهلاك ﴿فَكِيدُونِ﴾ أي فاحتالوا لأنفسكم وقاووني (١) ولن تجدوا ذلكَ). وهو تهديد شديد ووعيد أكيد، مفاده أنهم سيكونون يومئذ في قبضة حكمه سبحانه فيهم، فلا مفرّ ولا خلاص ولا نجاة.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- فيما يرويه عن ربه ﷿: [يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني] (٢).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول:\n_________\n(١) في القاموس: التقاوي: تزايد الشركاء.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٧)، وأحمد في المسند (٥/ ١٦٠) في أثناء حديث طويل.","vol":"8","page":305},{"text":"[يقبضُ اللَّه الأرضَ ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟] (١).\nوفي لفظ عند الإمام مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر: [يطوي اللَّه السماوات يومَ القيامةِ ثم يأخذهن بيدهِ اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين يأخذهن بيدهِ الأخرى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟].\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: بالبعث والجزاء ونوال الثواب ونكال العقاب.\n\n٤١ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ حال المتقين يوم الدين، فهم في الملذات في جنات النعيم، وتوعّد المجرمين المكذبين نار الجحيم، جزاء بما كانوا يعملون.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الذين اتقوا عقاب اللَّه بأداء فرائضه في الدنيا، واجتنابِ معاصيه ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ ظليلة، وكنّ كنين، لا يصيبهم أذى حر ولا قرّ، إذ كان الكافرون باللَّه في ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب. ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار تجري خلال أشجار جناتهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾. أي: ويأكلون من سائر أنواع الثمار، من كل ما اشتهوا وتمنوا من صنوف الفاكهة وثمار الأشجار.\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم على سبيل الإحسان إليهم وحسن الاستقبال والضيافة: كلوا من هذه الفواكه واشربوا من هذه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢/ ٤٨)، كتاب التفسير، وكذلك (٦٥١٩)، (٧٣٨٢)، و(٧٤١٣). وانظر للشاهد بعده: مختصر صحيح مسلم (١٩٤٦).","vol":"8","page":306},{"text":"العيون، فلا تكدير عليكم ولا تنغيص، ولا أذى يلحق أبدانكم، بل سرور وهناءة وعافية مقابل صبركم وحسن أعمالكم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: إنا كذلكَ نثيب الذين أحسنوا الإيمان وأخلصوا العمل.\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: بتكريم اللَّه المتقين، وحسن مستقر الأبرار والصالحين.\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾. تهديد شديد، ووعيد أكيد.\nقال ابن زيد: (عُني به أهل الكفر). والمقصودُ: كلوا معشر الكفرة في بقية آجالكم، وتمتعوا ببقية أعمالكم، فإنه مسنون بكم سنة اللَّه في من سبقكم من المجرمين، خِزي وعذاب في الدنيا ثم جحيم وسعير في الآخرة.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: الذين كذبوا بما أخبر اللَّه جلت عظمتهُ أنه فاعل بالمجرمين المستكبرين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: إذا أُمِرَ هؤلاء الجهلةُ من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلكَ واستكبروا عنه. ولهذا قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فبأي حديث غير هذا القرآن المعجز يصدقون إذا لم يؤمنوا به؟ وهو توبيخ للمشركين واستخفاف بعقولهم.\n\nتم تفسير سورة المرسلات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأربعاء ٧/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٧/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م","vol":"8","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - \" المرسلات\" من أخوات \"هود\". شَيَّبَت نبينا محمدًا -ﷺ- قبل المشيب.\n٢ - ويل للمكذبين من عذاب اللَّه يوم القيامة.\n٣ - يقول اللَّه ﷿: أنّى تعجزني ابن آدم! وقد خلقتك من مثل هذه. فإذا بلغت نفسك هذه (وأشار إلى حلقه) قلت: أتصدق. وأنّى أوان الصدقة؟\n٤ - يقبض اللَّه الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟\n٥ - ويل يومئذ للمكذبين بقدرة اللَّه بعد هذا البيان.\n٦ - العباد المتقون خالدون في جنات النعيم، والمجرمون خالدون في نار الجحيم.\n* * *","vol":"8","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>٧٨ - سورة النبأ</span>\nوهي مكية، وعدد آياتها (٤٠).\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه قد شبت! قال: [شَيَّبَتْنِي هودٌ، والواقعةُ، والمرسلاتُ، وعَمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>موضوع السورة</span>\nالنبأ العظيم وأحوال الناس في الآخرة\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-426> منهاج السورة</span>-\n١ - تقريع المشركين في إنكارهم المعاد، وبعث الأجساد، عن طريق الاستفهام.\n٢ - تقرير اللَّه تعالى آياته الكبيرة، ونعمه على العباد الجليلة.\n٣ - تأكيد يوم الفصل للجزاء والحساب، يوم ينفخ في الصور ويحشر الناس ويبدأ وزن الأعمال لنيل الثواب ونكال العقاب.\n٤ - نَعْتُ أهوال جهنم وأحوال سكانها في العذاب، فقد كانوا على الكفر والتكذيب بالحساب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٢٩٧)، كتاب التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٢٧).","vol":"8","page":309},{"text":"٥ - نَعْتُ أحوال أهل السعادة في جنات النعيم، فهم في الحدائق مع الكواعب والشراب والملذات وألوان التكريم.\n٦ - رهبة الموقف في أرض المحشر وإنصات الجميع لقرار اللَّه العظيم، فلا يملك أحد التكلم بالشفاعة إلا بإذن اللَّه الرحيم.\n٧ - حث العباد على الاستعداد لذلك اليوم العظيم، الذي يتمنى فيه الكافر لو صار ترابًا وتخلص من العذاب الأليم.","vol":"8","page":310},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٦. قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريعُ اللَّه تعالى المشركين في إنكارهم المعاد وبعث الأجساد، وتقرير آياته تعالى الكبيرة ونعمه الجليلة على العباد، فقد جعل اللَّه الأرض مهادًا والجبال كالأوتاد، وخلق الأزواج والنوم والليل والنهار وجعل سبع سماوات شداد، وجعل الشمس كالسراج الوهاج، وأنزل من السحاب الماء الثجاج، ليحيي به الأرض وثمرات وجنات البلاد.\nفقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. إنكار من اللَّه على المشركين إنكارهم وقوع القيامة. قال قتادة: (النبأ العظيم: البعث بعد الموت). قال القاسمي: (والاستفهام للتفخيم أو للتبكيت). وسمّاه سبحانه النبأ العظيم لأن أمر القيامةِ يحمل الهول الكبير، والحدث المفظع الباهر.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. قال قتادة: (فصار الناس فيه فريقين: مصدق ومكذب، فأما الموت فقد أقروا به لمعاينتهم إياه، واختلفوا في البعث بعد الموت).\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. تهديد شديد، ووعيد أكيد. قال النسفي: (﴿كَلَّا﴾ ردع عن الاختلاف أو التساؤل هزؤًا ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون عيانًا أن ما يتساءلون عنه حق. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ كرّر الردع للتشديد، و﴿ثُمَّ﴾ يشعر بأن الثاني أبلغ من الأول وأشد).","vol":"8","page":311},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾. أي: ألم نجعل الأرض ممهدة لكم تمتهدونها وتفترشونها، فهى ساكنة قارة بأهلها ثابتة. قال قتادة: (﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾: أي بساطًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾. قال قتادة: (والجبال للأرض أوتادًا أن تميد بكم).\nقال القرطبي: (أي: لتسكن ولا تتكفأ ولا تميل بأهلها).\nوقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾. قال ابن كثير: (يعني: ذكرًا وأنثى، يستمتعُ كل منهما بالآخر، ويحصُل التناسُلُ بذلكَ، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. السبت والسبات هو السكون. قال الرازي: (و\"السُّبات\" النوم، وأصلهُ الراحة، ومنهُ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾).\nوقيل: إنما سمي السبت سبتًا؛ لأنه يوم راحة ودعة.\nوالمقصود: امتنانٌ من اللَّه سبحانه على عباده أن جعلَ نومهم راحةً لهم ودعة، يسكنون فيه من عناء العمل والحركة في النهار، ويهدؤون خلاله كأنهم أموات ولم تفارقهم الأرواح.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. قال قتادة: (سكنًا).\nوقال النسفي: (﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ سترًا يستركم عن العيون إذا أردتم إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه). وقال ابن جرير: (﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ يقول تعالى ذكره: وجعلنا الليل لكم غشاءً يغشاكم سواده، وتغطيكم ظلمته، كما يغطي الثوب لابسه، لتسكنوا فيه عن التصرف لما كنتم تتصرفون له نهارًا).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. أي: وجعلنا النهار مشرقًا مضيئًا، ليناسب انتشاركم في طلب التكسب والمعاش، والتصرف بمصالح دنياكم، والتقلب في متاجركم وحوائجكم. قال مجاهد: (قوله: ﴿النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ قال: يبتغون فيه من فضل اللَّه).\nوقوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾. شدادًا: جمع شديدة، أي محكمة قوية. وقيل غلاظًا، غلظ كل واحدة مسيرة خمس مئة عام. والمقصود: سقفنا فوقكم سبع","vol":"8","page":312},{"text":"سماوات محكمة البنيان، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن مرّ الليالي والأيام، وَزَيَّنَاها بالكواكب الحسان.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. يعني بالسراج: الشمس. وقوله: ﴿وَهَّاجًا﴾ أي وَقَّادًا مضيئًا. قال ابن عباس: (﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ يقول: مضيئًا). وفي رواية قال: (يقول سراجًا منيرًا). وقال مجاهد: (﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ قال: يتلالأ).\nوقال سفيان: (يتلالأ ضوؤه). والمقصود: وجعل سبحانه الشمس من رحمته وَهّاجة تتلألأ بالضياء والنور، ويتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾.\nالمعصرات: السحاب. قال ابن عباس: (﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ أي: مِنَ السحاب).\nوقال الفرّاء: (هي السحاب التي تتحلّبُ بالمطر ولم تُمطر بعدُ، كما يُقال: امرأةٌ مُعْصِرٌ: إذا دنا حيضُها ولم تحض). وقال ابن عباس في رواية أخرى: (﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: الرياح). وكأن المقصود أنها تستدرُّ المطر من السحاب.\nوالقول الأول أرجح: أن المعصرات هي السحاب، واختاره ابن جرير وابن كثير وغيرهما.\nوفي التنزيل ما يؤيد ذلكَ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨].\nوقوله: ﴿ثَجَّاجًا﴾. قال مجاهد: (مُنصبًّا). وقال الثوري: (مُتَتابعًا).\nوقال ابن زيد: (كثيرًا). قلت: وفي لغة العرب: ثَجَّ الماءَ سَيَّلَهُ. ومطرٌ ثجَّاج: أي مُنْصَبٌّ جدًا. فيكون الثجُّ هو الصبُّ المتتابع الكثير.\nوفي الحديث: [أفضل الحجّ العجّ والثجّ] (١). والعجّ: هو رفع الصوت بالتلبيةِ. والثجُّ: سيلان دماء الهدي والأضاحي، أو صبّ دماء البُدْن.\nوفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث حمنة بنت جحش. قالت: [يا رسول اللَّه، إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: أنْعَتُ لكِ الكرسُفَ فإنه يُذْهِبُ الدَّمَ. قالت: هو أكثر من ذلك، قال:\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في الجامع من حديث ابن عمر. انظر صحيح الجامع (١١١٢).","vol":"8","page":313},{"text":"فاتخذي ثَوْبًا. فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثجُّ ثجًا] الحديث (١).\nوقد أورده الحافظ ابن كثير مستدلًا منه أن استعمال الثجّ إنما هو في الصبّ المتتابع الكثير.\nوقوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾. أي: لنخرج بذلكَ الماء حبًّا كالحنطة والشعير وما يُدَّخر للأناسي والأنعام، و﴿وَنَبَاتًا﴾ كالكلأ والخضر الذي تأكله الدواب أو الزرع الذي يُؤكل رطبًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. أي: وبساتين ملتفة الأشجار. قال ابن عباس: (﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قال: مجتمعة). وقال مجاهد: (ملتفة). وقال قتادة: (التف بعضها إلى بعض). والمقصود: تشعبت أغصان أشجار تلك البساتين والحدائق فأصبحت ملتفة بعضها ببعض.\nقال الرازي: (قدّم الحب لأنه الأصل في الغذاء. وثنى بالنبات لاحتياج الحيوانات إليه. وأخّر الجنات لأن الحاجة إلى الفواكه ليست بضرورية).\n\n١٧ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: تأكيدُ اللَّه تعالى يوم الفصل ميقاتًا للحساب، يوم ينفخ في الصور ويحشر الناس لنيل الثواب ونكال العقاب، وتفتح السماء وتسير الجبال كالسراب، وتحضر جهنم ليصلاها الطغاة والمجرمون ويلقون سوء العذاب.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾. يوم الفصل: يوم القيامة، سمي كذلكَ لأن اللَّه تعالى يفصل فيهِ بين خلقه. قال قتادة: (هو يوم عظّمهُ اللَّه، يَفصل اللَّه فيه بين الأولين والآخرين بأعمالهم).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (٢٨٧). وانظر صحيح سنن أبي داود (٢٦٧).","vol":"8","page":314},{"text":"قال النسفي: (﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾ وقتًا محددًا ومنتهًى معلومًا لوقوع الجزاء، أو ميعادًا للثواب والعقاب).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾. الصور: قَرْن. قال مجاهد: (﴿أَفْوَاجًا﴾: زمرًا زمرًا). والمقصود ابتداء يوم الفصل بالنفخ في الصور فإذا جميع الخلائق من الجن والإنس يجيئون زمرًا زمرًا، وجماعة جماعة. قال ابن جرير: (وإنما قيل: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ لأن كل أمة أرسل اللَّه إليها رسولًا تأتي مع الذي أرسل إليها، كما قال: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]).\nأخرج الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول اللَّه! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل] (١).\nوأخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عند هذه الآية: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ قال: حدَّثني محمَّد: أخبَرنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما بين النَّفختين أربعون\". قال: أربعون يومًا؟ قال: أَبَيْتُ. قال: أربعون شهرًا؟ قال: أَبَيْت، قال: أربعون سنة؟ قال: أَبيتُ. قال: ثم يُنزِلُ اللَّه من السماء ماءً فيَنْبُتُون كما ينبُتُ البَقْلُ، ليسَ من الإنسان شيء إلا يَبْلى، إلا عَظمًا واحِدًا وهو عَجْبُ الذَّنَبِ، ومِنْهُ يركَّبُ الخَلْقُ يومَ القيامة] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾. قال القرطبي: (أي لنزول الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقيل: تقطعت، فكانت قطعًا كالأبواب). والمقصود: تتصدع السماء يومئذ وتتشقق بعد أن كانت من قبل شدادًا لا فطور فيها ولا صدوع. وتصير ذات أبواب كثيرة لنزول الملائكة.\nوقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾. أي: وتُجْتَثُّ الجبال يومئذ من أصولها، فتصير هباءً منبثًا، كالسراب يحسبه من يراه من بعيد ماءً، وإنما هو هباء.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن -حديث رقم- (٢٤٣١)، (٣٢٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري، وإسناده حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٩٣٥)، كتاب التفسير، وكذلك -حديث رقم- (٤٨١٤) من حديث أبي هريرة.","vol":"8","page":315},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧].\nقال القاسمي: (﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي رفعت من أماكنها في الهواء. وذلكَ إنما يكون بعد تفتيتها وجعلها أجزاءً متصاعدة كالهباء. وفي الآية تشبيه بليغ. والجامع أن كلًا منهما يرى على شكل شيء، وليس به. فالسراب يرى كأنه بحر وليس كذلك. والجبال إذا فتتت وارتفعت في الهواء، ترى كأنها جبال وليست بجبال. بل غبار غليظ متراكم، يرى من بعيد كأنه جبل).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. أي مُرْصَدَةً مُهيأةً مُعَدَّةً مُجَهَّزَة. و﴿مِرْصَادًا﴾ مفعال من الرَّصد، والرَّصَد: كل شيء كان أمامك.\nقال القرطبي: (فجهنم مُعَدَّةٌ مترصّدة، مُتفعِّل من الرصْد وهو الترقب، أي هي متطلعة لِمَن يأتي. والمرصاد مِفعال من أبنية المبالغة كالمِعطار والمِغيار، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار).\nوقوله تعالى: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾. قال قتادة: (مأوًى ومنزلًا). والمقصود: أن جهنم ستكون منزل الطاغين ممن طغى في دينه بالكفر، أو في دنياه بالظلم.\nوقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. \"أحقابًا\" جمع حُقْب، وهو الدهر أو المدة من الزمان، ولا عدد يحصره، بل كلما مضى حقب تبعه آخر، ويستعمل عند قصد تتابع الأزمنة، والمعنى: (ماكثين في النار ما دامت الدهور تتعاقب).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. أي: لا يجدون فيها بردًا يبرد لهيب النار عنهم، إلا الغساق. ولا شرابًا يرويهم من شدة العطش إلا الحميم.\nوللمفسرين أقوالٌ في ذلك.\nأ - قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾.","vol":"8","page":316},{"text":"١ - قال ابن عباس: (البَرْد، النوم، والشراب: الماء). وقال أيضًا: (البرد: برد الشراب).\n٢ - قال الزجاج: (أي لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل، ولا نومٍ).\n٣ - وقال الحسن وعطاء وابن زيد: (﴿بَرْدًا﴾: أي رَوْحًا وراحةً).\nب - قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾.\n١ - قال أبو عبيدة: (الحميم: الماء الحار). وقال النحاس: (أصل الحميم: الماء الحار، ومنه اشتق الحمّام، ومنه الحمّى، ومنه ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] إنما يراد به النهاية في الحر).\n٢ - وقال ابن زيد: (الحميم: دموع أعينهم، تجمع في حياض ثم يُسْقونه. والغساق: الصديد الذي يخرج من جلودهم، مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه). وقال إبراهيم: (الغساق: ما يقطر من جلودهم، وما يسيل من نتنهم). وقيل: الغساق الزمهرير، والأرجح أن يكون صديد أهل النار وقيحهم.\nوقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. الوفاق بمعنى الموافقة. قال ابن عباس: (يقول: وافق أعمالهم). وقال قتادة: (وافق الجزاء أعمال القوم أعمال السوء). و﴿جَزَاءً﴾ نُصب على المصدر، والتقدير: جازيناهم جزاء وافق أعمالهم. قال الحس: (كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم بما يسوءهم).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾. قال قتادة: (أي لا يخافون حسابًا). والمقصود: أن هؤلاء الكفار لم يكونوا يؤمنون أن ثمَّ دارًا يقاضون فيها على أعمالهم، ويحاسبون على جرائمهم وكفرهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾. أي: وكذب هؤلاء الكفار بالوحي والنبوة تكذيبًا كبيرًا. قال الفراء: (هي لغة يَمانية فصيحة، يقولون: كَذَّبت به كِذّابًا، وخرقت القميص خِرَّاقًا، وكل فِعْل في وزن \"فَعَّلَ\" فمصدره \"فِعَّال\" مشدَّد في لغتهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾. \"كُلَّ\" نُصب بفعل محذوف يدل عليه ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾. والتقدير: وأحصينا كل شيء أحصيناه كتابًا. ونُصب ﴿كِتَابًا﴾ على المصدر. قال القرطبي: (لأن معنى أحصينا: كتبنا، أي كتبناه كتابًا).\nقال ابن كثير: (أي: وقد عَلِمنا أعمال العباد كلهم، وكتبناها عليهم، وسنجزيهم","vol":"8","page":317},{"text":"على ذلكَ، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرّ).\nوقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. هو من أشدّ ما نزل في القرآن في خزي الكفار. قال قتادة: عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: (لم تنزل على أهل النار آية أشد من هذه ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ قال فهم في مزيد من العذاب أبدًا). رواه بسنده ابن جرير.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون] (١).\nوفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [نارُكم جُزْءٌ من سبعين جُزءًا من نار جهنم. قيل: يا رسول اللَّه، إن كانت لكافية. قال: فُضِّلَتْ عليهن بتسعة وستين جُزْءًا كُلُّهُن مِثْلُ حَرِّها] (٢).\n\n٣١ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن أحوال أهل السعادة والتكريم، أهل الخلود في جنات النعيم، فهم في الحدائق مع الكواعب والشراب والملذات والترفيه والتنعيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١/ ١١٨). وانظر تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان. بحث \"النار: صفتها وصفة أهلها\" (٢/ ٧٦٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٣٢٦٥)، كتاب بدء الخلق. وانظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٩٧٦).","vol":"8","page":318},{"text":"فقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. المفاز من الفوز: وهو النجاة والظَّفر بالخير. والمفازة: واحدة المفاوِز، وهي الفلاة إذا قلّ ماؤها. قال الأصمعي: (سُمِّيت بذلكَ تفاؤلًا بالسلامةِ والفوز).\nوعن مجاهد: (﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: فازوا بأن نجوا من النار). وقال قتادة: (أي واللَّه مفازًا من النار إلى الجنة، ومن عذاب اللَّه إلى رحمته).\nوعن ابن عباس: (﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: مُتَنَزَّهًا). قلت: ولا تعارض بين القولين، فإن الفوز بالنجاة من العذاب إلى رضوان اللَّه ورحمته هو غاية المتعة والتنزّه.\nوقوله تعالى: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾. قال ابن جرير: (الحدائق ترجمة وبيان عن المفاز).\nوالحدائق: جمع حديقة، وهي البستان المحوَّط عليه. والأعناب: جمع عنب، أي كروم أعناب. والمعنى: إن المتقين يوم القيامة يتنزهون في حدائق الجنان، وكروم الأعناب، وهم في غاية المتعة والسرور، والأمن والراحة والحُبور.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾. الكواعب: النواهد. جمع كاعِب. والأتراب: الأقران في السن، جمع تِرْب.\nقال ابن زيد: (الكواعب: التي قد نهدت وكعّبَ ثديها). والمقصود: وحورًا نواهد، أي: ثديهن نواهد لم يتدلَّين لأنهن أبكار عُرُب أتراب، أي في سِنِّ واحدة. قال القاسمي: (﴿وَكَوَاعِبَ﴾ أي بنات فلكت ثديّهن، أي استدارت مع ارتفاع يسير ﴿أَتْرَابًا﴾ أي متساويات في السن).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال ابن عباس: (مملوءة متتابعة). وقال عكرمة: (صافية). وقال الحسن: (مُترعة مملوءة). وفي لغة العرب يقال: أَدْهَقْتُ الكأس: أي ملأتها، وكأسٌ دِهاق أي ممتلئة. والمقصود: وَيُقَدَّمُ لهؤلاء الأبرار المتقين في الجنة كأس ملأى من خمرٍ لذة للشاربين، ليجتمع عليهم بذلكَ جمال الحدائق والكواعب ولذة الشراب.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾. اللغو: الباطل. قال القرطبي: (هو ما يُلغى من الكلام ويُطَّرَح. قال: وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو، بخلاف أهل الدنيا). و﴿كِذَّابًا﴾ أي مكاذبة. أي لا يُكَذّب بعضهم بعضًا ولا يسمعون كذبًا. قال بعض العلماء: (اللغو والتكذيب مما تألم له أنفس الصادقين، بل هو من أشد الأذى لقلوبهم. فأرادَ اللَّه إزاحة ذلكَ عنهم).","vol":"8","page":319},{"text":"وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾. قال النسفي: (﴿جَزَاءً﴾ مصدر، أي جزاهم جزاء ﴿مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً﴾ مصدر، أو بدل من جزاء ﴿حِسَابًا﴾ صفة، يعني كافيًا، أو على حسب أعمالهم). وفي لغة العرب: أعطاني فلانًا فأحسبني أي: كفاني. ومنه ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: اللَّه كافِيَّ. والمقصود: كُلُّ ما سبق ذكره من ألوان السرور والنعيم، إنما جازى اللَّه به المتقين، فأعطاهم عطاء كافيًا وافرًا شاملًا كثيرًا، مقابل ما قدَّموا من العطاء لهذا الدين وجاهدوا في سبيل اللَّه جهادًا كبيرًا.\n\n٣٧ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن نفسه أنه رب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، ولا يملك أحد أن يتكلم يوم الحشر إلا بإذنه الكريم، فهو يوم رهيب يتمنى الكافر فيهِ لو صار ترابًا وتخلص من العذاب المهين الأليم.\nفقوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾. إِخْبَارٌ من اللَّه تعالى عن عظمته وجبروته ورحمته. وقرأ ابن مسعود ونافع وأبو عمرو ﴿رَبُّ﴾ بالرفع على الاستئناف، \"الرحمنُ\" خبره. أو بمعنى هو رب السماوات، ويكونُ \"الرحمن\" مبتدأ ثانيًا.\nوقرأ ابن عامر وبعض أهل البصرة والكوفة ﴿رَبِّ﴾ بالخفض، نَعْتًا لقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾. والتقدير: جزاء من ربك ربِ السماواتِ الرحمنِ. وهذه القراءة بالخفض هي الأشهر بين القرّاء.\nوقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ﴾. قال مجاهد: (كلامًا). وقال ابن زيد: (لا يملكون أن يخاطبوا اللَّه. والمخاطب: المخاصم الذي يخاصم صاحبه). والمقصود: لا يملك أحد في ذلك اليوم الرهيب ابتداء مخاطبته سبحانه إلا بإذنه.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥].","vol":"8","page":320},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوفي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يجمع اللَّه ﷿ الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسْمِعُهم الداعي وينفذُهم البصر] الحديث (١).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾. يومَ: نصب على الظرفية، والتقدير: يوم لا يملكون منه خطابًا يوم يقوم الروح. والروح: جبريل عند الجمهور، ويؤيده قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. وهناك أقوال غريبة عجيبة عند المفسرين في تفسير الروح لا دليل عليها. قلت: وإنما خصّه اللَّه سبحانهُ بالإفراد بالذكر من بين سائر الملائكة لشرفه فيهم.\nوالمقصود: يقف جبريل ﵇ والملائكة الكرام في ذلكَ المشهد المهيب مصطفين صامتين لا يتكلمون.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. أي: إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة.\nأو لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمن، وكان ذلكَ الشخص ممن قال صوابًا في الدنيا: أي شهد بالتوحيد. فالضمير في ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ يرجع إلى الملائكة. وقيل: بل هو أعم، فلا يتكلم أحد يومئذ إلا بإذنه.\nفعن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ يقول: إلا من أذن له الرب بشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وهي منتهى الصواب). وقال مجاهد: (﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال حقًا في الدنيا، وعمل به). وقال أبو صالح: (قال: لا إله إلا اللَّه).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥].\nقال الزمخشري: (﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ هما شريطتان: أن يكون المتكلم منهم مأذونًا لهُ في الكلام، وأن يتكلم بالصواب، فلا يشفع لغير مرتضى، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يُضْرَبُ الصراط بين ظَهْرانَي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (٣٣٤٠)، كتاب أحاديث الأنبياء. وأخرجه مسلم في الصحيح (١/ ١٢٧ - ١٢٩).","vol":"8","page":321},{"text":"جَهَنَمَ، فأكونُ أنا وأمتي أوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم! سَلِّمْ، سَلِّم] (١).\nوفي صحيح مسلم -أيضًا- من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلِّم سلِّم. فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مُسَلَّم (٢)، ومخدوش مرسَل (٣)، ومكدوس في نار جهنم (٤)، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيدهِ ما من أحد منكم بأشدّ مناشدةً في الحق -قد تبين لكم- من المؤمنين للَّه يوم القيامةِ لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا! كانوا يصومون معنا، ويصلون ويحجّون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقًا كثيرًا] الحديث (٥).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾. أي الكائن الواقع لا محالة. يعني يوم القيامة.\nوقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾. قال قتادة: (سبيلًا. قال: اتخذوا إلى اللَّه مآبًا بطاعته، وما يقربهم إليه). وقال سفيان: (مرجعًا منزلًا).\nوالمقصود: فمن أراد النجاة اتخذ مرجعًا وطريقًا إلى اللَّه سبحانهُ، بالتقرب إليه بالإيمان والعمل الصالح.\nوقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: إنا حذرناكم أيها الناس عذابًا قد دنا منكم وقرب). قال ابن كثير: (يعني يوم القيامة، لتأكُّد وقوعه صار قريبًا، لأنَّ كلَّ ما هو آتٍ آتٍ).\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. أي: ذلكَ العذاب يوم يعرض على الإنسان جميع أعماله أولها وآخرها، قديمها وحديثها، خيرها وشرها.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٢)، كتاب الإيمان. باب معرفة طريق الرؤية، في أثناء حديث.\n(٢) أي: نجاة وسلامة.\n(٣) أي: خدش، ولكن صاحبه ينطلق ويصل مع الإرهاق.\n(٤) أي: متراكم بعضه فوق بعض في جهنم.\n(٥) حديث صحيح. رواه مسلم (١/ ١١٨). وانظر تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان - بحث: الصراط على جهنم والشفاعة (٢/ ٧٥٢).","vol":"8","page":322},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠].\nوأخرج البخاري ومسلم عن عديِّ بن حاتم قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينَهُ وبينه ترجمان، ولا حجابٌ يَحْجُبُه، فينظُر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّمَ من عمله، وينظُر أشأمَ منهُ فلا يرى إلا ما قدَّمَ، وينظر بين يديهِ فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة] (١).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. وذلكَ حين يرى القصاص بين البهائم، ثم يسمع قول اللَّه لها: كوني ترابًا، فعندئذ يتقطع قلبه ندامة وحسرة، ويقول: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. فقد ارتسمت أمامه جرائمهُ التي أجَّجَ فيها الحياة الدنيا، وتخيّل لحظات القصاص اليوم، وأيقن أن لا فرار من أمر اللَّه ولا نهايةَ لعذابه ونكاله، وعلم أنَّ البهائم قد اقتصت من بعضها ولكنها سعدت إذ انتهت، وأما من كفر باللَّه من الثقلين فلا سبيلَ اليوم إلى الفرار أو الخلاص.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرةَ مرفوعًا: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامةِ، حتى يفاد للشاةِ الجلحاء من الشاة القرناء] (٢). والجلحاء: التي لا قرن لها.\nوله شاهد عند الإمام أحمد عنه مرفوعًا بلفظ: [يقتصّ الخلق بعضهم من بعض، حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة] (٣). والجمّاء: التي لا قرن لها.\nومن طريق أبي حجيرة عنه مرفوعًا بلفظ: [ألا والذي نفسي بيده، ليختصمن كل شيء يوم القيامة حتى الشاتان فيما انتطحتا] (٤).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٣٩)، كتاب الرقاق. وأخرجه مسلم (١٠١٦)، كتاب الزكاة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٨ - ١٩) كتاب الظلم. باب القصاص وأداء الحقوق يوم القيامة، من حديث أبي هريرة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٦٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٦٧).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٩٠). وانظر \"الصحيحة\" ج (٣) ص (٦٠٩).","vol":"8","page":323},{"text":"وفي مسند أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي ذر قال: [رأى رسول اللَّه -ﷺ- شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر! أتدري فيمَ تنتطحان؟ قلت: لا. قال: ولكن ربك يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة] (١).\nوفي التفاسير عن ابن عمر (ونحوه عن عبد اللَّه بن عمرو وأبي هريرة) قال: (إذا كان يوم القيامةِ مُدَّت الأرضُ مَدَّ الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحوش، ثم يوضع القصاص بين البهائم، حتى يُقْتَصَّ للشاةِ الجماء من الشاة القرناء بنطحتها، فإذا فرغ من القصاص بينها قيل لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾).\nوعن سفيان قال: (إذ قيل للبهائم: كونوا ترابًا، يقول الكافر يا ليتني كنتُ ترابًا).\n\nتم تفسير سورة النبأ بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم السبت ١٠/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٠/ ١٢/ ٢٠٠٥ م.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٢). وانظر تفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢/ ٧٤١).","vol":"8","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - النبأ العظيم هو أمر القيامة، سمي بذلكَ لأنه يحمل الهول الكبير، والحدث المفظع المثير.\n٢ - ليس من شيء من الإنسان إلا يَبْلى إلا عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.\n٣ - ﴿مِرْصَادًا﴾ أي مرصدة معدة مجهزة، فكأنهُ يكثر من جهنم انتظار الكفار.\n٤ - ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ من الموافقة، أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم.\n٥ - ناركم التي توقدون منها جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، فضِّلت عليهن بتسعة وستين جزءًا كلهن مثلُّ حرِّها.\n٦ - الكواعِبُ: النواهد، جمع كاعِب. والأتراب: الأقران في السن، جمع تِرْب.\n٧ - يقف جبريل ﵇ والملائكة الكرام في ذلكَ المشهد المهيب مصطفين صامتين لا يتكلمون.\n٨ - يقتص الخلق بعضهم من بعض، حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة.\n* * *","vol":"8","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>٧٩ - سورة النازعات</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>موضوع السورة</span>\nنزع النازعات أرواح العباد وتقريع المشركين وتفصيل الحياة في دار المعاد\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-430> منهاج السورة</span>-\n١ - قسم اللَّه تعالى بالملائكة النازعات أرواح العباد، الناشطات السابحات السابقات المدبرات الأمر من السماء إلى الأرض، على وقوع المعاد.\n٢ - القلوب يومئذ خائفة، والأبصار خاشعة، والمنكرون للحساب في حالة خاسرة.\n٣ - ذكر قصة موسى مع الطاغية فرعون للاعتبار، ليتعظ بها كفار قريش ويدعوا الاستكبار.\n٤ - إظهار بدائع قدرة اللَّه العظيم، في السماء والأرض والليل والنهار والجبال مما فيه تقريع للمشركين، الذين يشركون بعبادة اللَّه المنعم الرحمان الرحيم.\n٥ - وقوع الإنسان في شباك كسبه وعمله يوم الدين، وبروز جهنم أمام الخلق لتكون مثوًى للمتكبرين، ومن آثر طاعة اللَّه ونهى النفس عن الهوى فالمأوى جنات النعيم.\n٦ - أمر الساعة أمر مباغت لا يعلمه إلا رب العالمين.","vol":"8","page":326},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم سبحانه بالملائكة التي تنزع أرواح العباد من أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المدّ، ﴿غَرْقًا﴾ أي: إغراقًا في النزع من أقاصي الأجساد، كما يقسم سبحانه بالملائكة الناشطات السابحات السابقات المدبرات على وقوع المعاد، والقلوب يومئذ خائفة، والأبصار خاشعة، والمنكرون للحساب في حالة خاسرة.\nفقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (هي الملائكة تَنْزعُ نفوس بني آدم). وقال علي وابن مسعود ﵄: (النازعات: الملائكة التي تنزع أرواحَ الكفار). قلت: والمقصود بالإغراق المبالغة في النزع، وهو حال أرواح الكفار عند نزعها.\nففي حديث أحمد وأبي داود عن البراء -في نزع روح الكافر أو الفاجر- قال رسول اللَّه -ﷺ-: [وإنّ العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرّق في","vol":"8","page":327},{"text":"جسده، فينتزعها كما يُنْتَزع السَّفُود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. قال ابن عباس: (يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن، فتقبضها كما يُنْشَط العِقال من يد البعير: إذا حُلَّ عنه). وقال أيضًا: (هي أنفس المؤمنين عند الموت تَنْشَطُ للخروج، وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا وتُعرض عليه الجنة قبل أن يموت، فيرى فيها ما أعدّ اللَّه له من أزواجه وأهله من الحور العين، فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نشطَة أن تخرج فتأتيهم).\nقلت: والمقصود الملائكة حين تأخذ أرواح المؤمنين عند الاحتضار فتجذبها برفق. فالنزع جذب بشدة و﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ للكافرين. والنشط جذب برِفق ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ للمؤمنين.\nوفي حديث البراء السابق: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها] الحديث.\nوقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾. قال علي ﵁: (هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين). وقال مجاهد: (هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر اللَّه، كما يقال للفرس الجواد سابح: إذا أسرع في جريه). وعن مجاهد أيضًا: (الملائكة تسبح في نزولها وصعودها).\nوالمقصود: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر اللَّه، يسبحون في الهواء كما يسبح الغواص في الماء.\nوقوله تعالى: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾. قال علي ﵁: (هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء ﵈). وقال مجاهد: (هي الملائكة تسبق ابن آدم بالخير والعمل الصالح). وقيل: تسبق ابن آدم إلى العمل الصالح فتكتبه.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠).","vol":"8","page":328},{"text":"والمقصود: هي الملائكة تسبق إلى تنفيذ أمر اللَّه، كما تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.\nوقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. قال القشيري: (أجمعوا على أن المراد الملائكة). قال الحسن: (تدبّر الأمر من السماء إلى الأرض). والمقصود: تدبير الملائكة للأمر وهو نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما، وبقضاء اللَّه إلى أهل الأرض في الرياح والأمطار والنوازل وغير ذلك. قال النسفي: (وجواب القسم محذوف، وهو لتبعثن، لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. الرجف: شدة الحركة. والردف المتابعة.\nيروي البخاري عن ابن عباس: [الراجفة النفخة الأولى. والرادفة: الثانية] (١).\nوالمقصود: وصفت النفخة الأولى وهي ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ بما يحدث بحدوثها من رجف تضطرب به الأرض حتى يموت كل من عليها، ثم تجيء النفخة الثانية وهي ﴿الرَّادِفَةُ﴾ التي تردف ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ والتي يكون عندها البعث.\nوقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. قال ابن عباس: (يعني خائفة). وقال السُّدي: (زائلة عن أماكنها). وقال المؤرِّج: (قلقة مُسْتَوْفِزة، مرتكضة (٢) غير ساكنة). وفي لغة العرب: وجَفَ القلب يَجفُ وجِيفًا إذا خفق. والمقصود: القلوب يوم الحشر خائفة وجلة مضطربة تخفق من هول الموقف.\nوقوله تعالى: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾. أي: أبصار أصحابها منكسرة ذليلة من معاينة هذا الحدث الجلل. وهو كقوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣].\nوقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. استفهام بمعنى الإنكار، والحافرة: القبور. وقيل: الحالة الأولى. قال ابن كثير: (يعني مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعادِ، يستبعدون وقوعَ البعثِ بعد المصير إلى الحافرة، وهي القبور، قاله مجاهد. وبعد تمزّق أجسادهم وتفتُّت عظامهم ونُخُورها). وقال النسفي: (أي أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا، والحافرة الحالة الأولى، يقال لمن كان في\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه البخاري في ترجمة باب. وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (٧٢٥) لتفصيل البحث.\n(٢) مرتكضة: مضطوبة.","vol":"8","page":329},{"text":"أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته، أي إلى حالته الأولى. ويقال النقد عند الحافرة، أي عند الحالة الأولى وهي الصفقة).\nوقوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (أي بالية). وقال ابن عباس: (وهو العظم إذا بَلِيَ ودخَلت الريحُ فيه). وفي لغة العرب: نَخِرَ العظم: أي بلِيَ وتفتت. والمقصود: استبعاد المشركين البعث بعد الموت وقد صارت العظام بالية متفتِّتة.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾.\nقال محمد بن كعب: (قالت قريش: لئن أحيانا اللَّه بعد أن نموت لنخسَرنَّ). والمقصود: قال منكرو البعث: لئن رددنا بعد الموت لنخسرنّ بما يصيبنا مما يقوله محمد.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال مجاهد: (صيحة واحدة). وقال الحسن البصري: (زَجْرَةٌ من الغَضَب). وقال إبراهيم التَّيْمِيُّ: (أشَدُّ ما يكون الربُّ غَضَبًا على خَلْقِهِ يومَ يَبْعَثهم). وقال الربيع بن أنس: (زَجْرةٌ واحدة: هي النفخة الآخرة).\nوالمقصود: فإنما هو -معشر المُنكرين للمعاد والحساب- أمرٌ واحد من الواحد القهار لا مَثْنَوية فيه ولا تأكيد، فإذا جميع الناس قيام ينظرون. وذلك حين يأمر الجبار إسرافيل لينفخ نفخة البعث.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. الساهرة في كلام العرب: وجه الأرض. قال مجاهد: (كانوا بأسفلها، فَأُخرجوا إلى أعلاها). وقال قتادة: (لما تباعد البعث في أعين القوم، قال اللَّه: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ يقول: فإذا هم بأعلى الأرض، بعدما كانوا في جوفها). وقال أيضًا: (فإذا هم يخرجون من قبورهم فوق الأرض).\n\n١٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ","vol":"8","page":330},{"text":"الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: ذكر قصة موسى مع فرعون الطاغية للاعتبار، ليتعظ بذلك كفار قريش ومن مضى على سبيلهم بالكفر والاستهتار، فقد أهلك اللَّه الطاغية وجنوده وكان للنبوة الظفر والانتصار.\nفقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾. تسلية للنبي -ﷺ- عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم. قيل: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ أي قد جاءك وبَلَغَك ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾. قال القرطبي: (أي إن فرعون كان أقوى من كفار عصرك، ثم أخذناه، وكذلك هؤلاء). وقيل: \"هل\" بمعنى \"ما\" أي ما أتاك، ولكن أخبرت به، فإن فيه عبرة لمن يخشى. وقال النسفي: (﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ استفهام يتضمن التنبيه على أن هذا مما يجب أن يشيع، والتشريف للمخاطب به).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. أي: حين ناجاه ربه بالوادي المطهر الذي اسمه ﴿طُوًى﴾. قال ابن جرير: (يعني بالمقدس: المطهَّر المبارك). وعن مجاهد: (قوله ﴿طُوًى﴾ اسم الوادي). قال الفرّاء: (طوَى: واد بين المدينة ومصر. قال: وهو معدول عن طاوٍ، كما عدل عمر عن عامر). وفي الصحاح: (طُوى: بضم الطاء وكسرها اسم موضع بالشأم يُصْرَفُ ولا يُصْرف: فمن صَرَفه جعله اسمَ وادٍ ومكانٍ وجَعَله نكرة. ومن لم يَصْرِفْه جَعَلَهُ بَلْدَةً وبُقْعَة وجعله معرفة). قال الرازي: (وقال بعضهم: طُوًى هو الشيء المثنيُّ، وقال في قوله تعالى: ﴿الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ طُوِيَ مرتين أي قُدِّسَ مرتين). وقال الحسن: (ثُنِيَت فيه البركة والتقديس مرتين).\nوقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. أي: ناداه ربه أن اذهب إلى فرعون فقد عتا وتجاوز حدّه في العدوان، والتكبر على ربه.\nوقوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾. قال ابن عباس: (هل لك أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه). وقال ابن زيد: (إلى أن تسلم). قال النسفي: (﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك والعصيان بالطاعة والإيمان). والمقصود: دعا موسى فرعون ليكون زكيًا مؤمنًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾. أي: وأرشدك إلى تعظيم ربك والتزام طاعته فتخافه وتتقيه. قال ابن كثير: (أي: أدُلّكَ إلى عبادة ربك، ﴿فَتَخْشَى﴾، أي: فيصيرَ قلبُكَ خاضعًا له مطيعً خاشعًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير).","vol":"8","page":331},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال الحسن: (يده وعصاه). وقال ابن زيد: (العصا والحية). والمقصود: أظهر له موسى حجة بالغة تدل على صدق النبوة.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾. أي فكذب بالآيات والنبوة، وعصى ربه ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾. أي: ثم ولّى معرضًا عن الحق الذي أُظهر له، ومضى يسعى في معصية اللَّه وفيما يسخطه عليه. قال مجاهد: (﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ قال: يعمل بالفساد). وقيل: مضى في مقابلة الحق بالباطل، فجمع السحرة ليقابلوا معجزة موسى الباهرة.\nوقوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. قال ابن زيد: (صرخ وحشر قومه، فنادى فيهم، فلما اجتمعوا قال: أنا ربكم الأعلى، فأخذه اللَّه نكال الآخرة والأولى). وقيل: جمع جنوده للقتال والمحاربة، والسَّحرة للمعارضة. وقيل: حشر الناس للحضور فقال لهم بصوت عال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أي لا رب لكم فوقي، يحاول تثبيت اهتزاز سلطانه. قال القاضي: (وقد كان الأليق به، بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية، أن لا يقول هذا القول. لأن عند ظهور الذلة والعجز كيف يليق أن يقول ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؟ فدلت هذه الآية على أنه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. أي: فعاقبه اللَّه وانتقم منه انتقامًا جعله به عبرةً ونكالًا لأمثاله من الطغاة والمتمردين في الدنيا، وإمامًا إلى النار يوم القيامة.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١].\nفيكون قوله: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ يعني الدنيا والآخرة. وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه. والراجح الأول، لدلالة الآيات السابقة على ذلك، فهو ملعون في الدنيا والآخرة.\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن شعبة قال: أخبرني عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي -ﷺ-: [أَنَّهُ ذكرَ","vol":"8","page":332},{"text":"أنَّ جِبرئيل جَعَلَ يَدُسُّ في فِي فرعون الطِّين، خَشْيَةَ أن يقولَ: لا إله إلا اللَّه فَيَرْحَمَهُ اللَّه، أو خَشية أنْ يَرْحَمَهُ] (١).\nوروى الترمذي -كذلك- عن ابن عباس، أن النبي -ﷺ- قال: [لما أَغْرَقَ اللَّه فرعون قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. فقال جبرئيلُ: يا محمدُ لو رأيتني وأنا آخُذُ من حالِ البحر وأدُسُّهُ في فيه مَخافةَ أنْ تدرِكَهُ الرحمة] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. أي إن في ذلك الخزي والعقاب لفرعون وجنده اعتبارًا وعظة من يخاف اللَّه ﷿ ويخشى عقابه.\n\n٢٧ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾.\nفي هذه الآيات: إظهارُ بدائع قدرة اللَّه العظيم، وتقريعٌ بذلك وتوبيخ للمشركين، الذين يغفلون عن آلاء ونعم الرحمان الرحيم.\nفقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾. تقريع وتوبيخ للمشركين. قال القرطبي: (يريد أهل مكة، أي أخلقكم بعد الموت أشدّ في تقديركم ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ فمن قدَر على السماء قَدَرَ على الإعادة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]. قال: ثم وصف السماء فقال: ﴿بَنَاهَا﴾ أي رفعها فوقكم كالبناء).\nقلت: وقد أثبت التقدم العلمي والكشوف العلمية الحديثة أن أجرام السماء كأحجار في بناء واحد يشد بعضه بعضًا، ويقوم كل على الآخر في انسجام وتناسق عجيب، فإذا اختل النظام في جرم أو أجرام اختل البناء كله.\nوقوله تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾. قال ابن عباس: (﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ يقول بُنيانها).\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه الترمذي في السنن (٣١٠٨). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٨٤).\n(٢) صحيح بما قبله. أخرجه الترمذي (٣١٠٧) - كتاب التفسير - سورة يونس. وانظر كذلك: صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٤٨٣).","vol":"8","page":333},{"text":"وقال مجاهد: (﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾: رفع بناءها بغير عمد). وقال قتادة: (يقول: رفع بناءها فسواها).\nقلت: ومن الإعجاز العلمي المعاصر الذي تعكسه دقة هذه الألفاظ القرآنية: أَنَّ الإنسان لم يعرف مقدار ارتفاع السماء إلا بعد كشف العلم عن مواقع بعض النجوم، فعرفنا أن السماء مرتفعة وليست قريبة كما يظن بالنظر المجرد، فسبحان اللَّه الذي ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾. أي أظلم ليلها ونوّر نهارها. قال ابن عباس: (﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ يقول: أظلم ليلها). وهو من غَطِشَ الليل أي ظَلِم، والغَطَش والغَبَشُ الظلمة. وعن قتادة: (﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ يقول: نوّر ضياءها). وقال الضحاك: (﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ قال: نهارها). وقال ابن زيد: (ضوء النهار).\nويؤكد الباحثون المعاصرون أن الأرض والشمس والنجوم كانت جميعًا شيئًا واحدًا لا يتميز عليه ليل أو نهار، فلما حدث الانفصال وأخذت بعض الكواكب تبرد وتدور حول نفسها فببرودتها أصبحت معتمة، وبدورانها أمام الشمس والنجوم المضيئة تميز عليها النهار، كما تميز الليل. وهكذا تبين لنا دقة هذا التعبير القرآني المعجز: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. أي بسطها. من دَحَوْتُ الشيء دحوًا: إذا بسطته. قال القاسمي: (﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد تسوية السماء على الوجه السابق، وإبراز الأضواء ﴿دَحَاهَا﴾ أي بسطها ومهّدها لسكنى أهلها، وتقلبهم في أقطارها).\nيقول الشيخ عبد المجيد الزنداني في كتابِه \"توحيد الخالق\" (ص ٣٥٥): (دحاها: أي بسطها لتكون صالحة للإنبات ونفع الإنسان. ومن معاني الأدحية: البيض، ومن معاني دحا: دحرج. ويظهر أن الأرض عند انفصالها أخذت تدور وتتدحرج في مسارها ولا تزال تتدحرج وتتقلب وهي تجري في فلكها ومسارها، فهل تلقى هذه الحقيقة العلمية أوضح معنى من قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾).\nوقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾. قال ابن عباس: (ودَحْيُها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقَّق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبالَ والرِّمالَ والسُّبُلَ والآكام). وقال الضحاك: (﴿وَمَرْعَاهَا﴾: ما خلق اللَّه فيها من النبات، و﴿مَاءَهَا﴾: ما فجّر فيها من الأنهار). قال القُتَبي: (دَلَّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتًا ومتاعًا","vol":"8","page":334},{"text":"للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح، لأن النار من العيدان والملح من الماء). وقال القرطبي: (﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ أي أخرج من الأرض ﴿مَاءَهَا﴾ أي العيون المتفجرة بالماء ﴿وَمَرْعَاهَا﴾ أي النبات الذي يُرْعى).\nومن آفاق العلم الحديث أن الأرض يخرج منها ماء المطر، ولا يزال بعض الناس يظنون أن ماء المطر يسكب من خزانات في السماء. وماء البحار الأول كان جزءًا من الأرض نتج عن التفاعلات الكيماوية أثناء تصلب القشرة الأرضية. ولقد كانت هذه التفاعلات بقدر معلوم لتنتج ماء بقدر مناسب (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾. قال قتادة: (أي أثبتها لا تميد بأهلها). وتقدير الكلام: والجبال أرساها فيها، أي قرّرها وأثبتها وأكّدها في أماكنها.\nوقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: دَحَا الأرض فأنْبَعَ عُيونها، وأظهَرَ مكنونها، وأجْرَى أنهارها، وأنْبَتَ زُروعها وأشجارها وثِمارها، وثَبَّتَ جِبَالها لتستقر بأهلِها ويَقِرَّ قرارُها، كلَّ ذلك متاعًا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكُلَونها ويركَبُونَها مدّةَ احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمدُ، ويَنْقَضِيَ الأجلُ).\n\n٣٤ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾.\nفي هذه الآيات: وقوعُ الإنسان في شباك كسبه وعمله يوم الدين، وقد أُظهرت أمام الخلق نار الجحيم، فأما من آثر طاعة ربه ورضاه فهو في روضات النعيم، وأما من آثر طاعة الشيطان واتباع الشهوات فهو في العذاب الأليم، وأمر الساعة أمر مباغت لا يعلمه إلا رب العالمين.\n_________\n(١) انظر تفصيل البحث في: \"كتاب توحيد الخالق\" - عبد المجيد الزنداني - ص (٣٥٠ - ٣٥٥).","vol":"8","page":335},{"text":"فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾. أي: الداهية العظمى. قال ابن عباس: (من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذَّره عباده). وسميت كذلك لأنها تطمّ على كل هائلة من الأمور، فتغمر ما سواها بعظيم هولها. كما قال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]. وجواب \"إذا\" محذوف يدل عليه التقسيم بعده. والتقدير: ظهرت الأعمال. أو انقسم الناس قسمين.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾. أي: وحينئذ يتذكر الإنسان جميع أعماله، مما عمل من خير أو شر، وذلك بعرضه عليه. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾. أي: وأظهرت نار اللَّه للناظرين فرآها الناس بيانًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾. قال مجاهد: (﴿طَغَى﴾: عصى). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأما من عتا على ربه، وعصاه واستكبر عن عبادته).\nوقوله تعالى: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. أي: وقدّم متاعَ الحياة الدنيا وشهواتها، على كرامة الآخرة ونعيمها، فعمل لدنياه، على حساب دينه وأخراه.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. أي: فإن المنزل والمقام في الآخرة في الجحيم، حيث طعام الزقوم، وشراب الحميم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. قال ابن كثير: (أي: خاف القيامَ بين يدي اللَّه -﷿- وخاف حُكْمَ اللَّه فيه، ونهى نفسه عن هواها، ورَدَّها إلى طاعة مولاها).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. أي: فإن المنزل والمقام يوم القيامة في جنة السُّرور والنعيم، حيث الحفاوة والتكريم، والخلود في نعيم مقيم.\nوقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. قال القاسمي: (أي إقامتها. أي متى يقيمها اللَّه ويكوّنها. قال الناصر: وفيه إشعار بثقل اليوم كقوله: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، ألا تراهم لا يستعملون الإرساء إلا فيما له ثقل، كمرسى السفينة وإرساء الجبال). وقال الفراء: (رُسُوّها قيامها كرسوّ السفينة). وقال أبو عبيدة: (أي منتهاها، ومرسى السفينة حيث تنتهي). وقال الربيع بن أنس: (متى زمانها)، والمعنى متقارب.","vol":"8","page":336},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.\nأخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح على شرط الشيخين عن عائشة قالت: [لم يزل النبي -ﷺ- يسأل عن الساعة حتى أنزل اللَّه ﷿: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾] (١).\nوأخرج البزار ورجاله رجال الصحيح عن طارق بن شهاب قال: [كان النبي -ﷺ- لا يزال يذكر شأن الساعة حتى نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ يَخْشَاهَا﴾] (٢).\nقال القرطبي: (ويجوز أن يكون إنكارًا على المشركين في مسألتهم له، أي فيم أنت من ذلك حتى يسألوك بيانَه، ولست ممن يعلمه. رُوي معناه عن ابن عباس. والذكْرَى بمعنى الذكر. ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ أي منتهى علمها، فلا يوجد عند غيره علم الساعة).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: [قال -جبريل- يا رسول اللَّه! متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾. قال النسفي: (أي لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها).\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. قال قتادة: (وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة).\nوالمعنى: كأن هؤلاء المكذبين بها، وبما فيها من الجزاء والحساب، يوم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما، وأقرّه الذهبي. وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٣٤٩٢) عن عروة به. وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة النازعات، الآيات (٤١ - ٤٥). وأخرجه الطبري (٣٦٣١٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البزار (٢٢٧٩)، والطبري (٣٦٣١٥) - عن طارق بن شهاب مرسلًا.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٠) - كتاب الإيمان. باب: الإسلام ما هو وبيان خصاله، من حديث أبي هريرة.","vol":"8","page":337},{"text":"يشاهدون وقوعها، ويعاينون عظيم هولها، يستقصرون مدّة لبثهم في دنياهم وفي قبورهم، إلى ساعة من نهار، بمقدار عشية أو ضحاها.\nقال الفرّاء: (يقول القائل: وهل للعشية ضُحًا؟ وإنما الضحا لصدر النهار، ولكن أضيف الضحى إلى العشية، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب، يقولون: آتيك الغداةَ أو عشيتَها، وآتيك العشيةَ أو غداتها، فتكون العشية في معنى آخر النهار، والغداة في معنى أول النهار).\nقال النسفي: (وإنما صحت إضافة الضحا إلى العشية للملابسة بينهما لاجتماعهما في نهار واحد، والمراد أن مُدة لبثهم لم تبلغ يومًا كاملًا ولكن أحد طرفي النهار، عشيته أو ضحاه، واللَّه أعلم).\n\nتم تفسير سورة النازعات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الاثنين ١٢/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٢/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: النفخة الثانية.\n٢ - أشدُّ ما يكون الرب غضبًا يوم يبعث العباد، ويقف بين يديه الطغاة.\n٣ - جعل جبريل يدسُّ الطين في فِي فرعون عند الغرق خشية أن تدركه الرحمة.\n٤ - الطامَّة الكبرى: الداهية العظمى، من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذّره عباده، سميت بالطامة لأنها تطمّ على كل هائلة بهولها.\n٥ - وقت الدنيا في أعين المكذبين بالآخرة كأحد طرفي النهار، عشيته أو ضحاه.\n* * *","vol":"8","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>٨٠ - سورة عبس</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>سبب نزول السورة:</span>\nأخرج الترمذي بإسناد صحيح عن عائشة قال: [أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول اللَّه -ﷺ- فجعل يقول: يا رسول اللَّه أرشدني. وعند رسول اللَّه -ﷺ- رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول اللَّه -ﷺ- يُعرض عنه، ويقبل على الآخر ويقول: \"أتَرى بما أقولُ بأسًا؟ \" فيقول: لا، ففي هذا أنزل] (١). وفي رواية ابن جرير: [ففي هذا أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>موضوع السورة</span>\nالمعاتبة على العبس في وجه بعض المؤمنين وامتنان اللَّه على العباد بالنعم العظيمة وتفصيل المصير يوم الدين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-435> منهاج السورة</span>-\n١ - العتاب اللطيف من اللَّه سبحانه لنبيه الكريم، لانشغاله ببعض المشركين عن ابن أم مكتوم.\n_________\n(١) صحيح الإسناد. أخرجه الترمذي (٣٣٣١) - كتاب التفسير. سورة عبس. وقال الحافظ العراقي في تخريج \"الإحياء\": (رجاله رجال الصحيح). ورواه ابن حبان، والحاكم (٢/ ٥١٤)، وأبو يعلى (٤٨٤٨)، والطبري (٧٦٣١٨) وإسناده على شرط البخاري ومسلم.","vol":"8","page":339},{"text":"٢ - هذه التذكرة والعظة هي في صحف مكرمة مطهرة، بأيدي ملائكة كرام بررة.\n٣ - العجب من كفر الإنسان مع إحسان اللَّه إليه، وهو خلقه سبحانه وأعطاه وأماته وأقبره وسيقف غدًا بين يديه.\n٤ - حثّ الإنسان على النظر في نعم اللَّه عليه، من الماء والطعام والنبات والفواكه والثمار والحدائق التي سخّرها إليه.\n٥ - التهديد بقدوم الصاخة وهي القيامة، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وجميع خلانه.\n٦ - الوجوه يوم الحساب ضاحكة مستبشرة، أو عليها غبرة ترهقها قترة.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٦. قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾.\nفي هذه الآيات: عتابٌ لطيف من اللَّه سبحانه لنبيه -ﷺ-، وقد انشغل يومًا بتكليم بعض عظماء قريش طمعًا في إسلامه، فأعرضَ عن ابن أم مكتوم الذي جاءه يسأل عن شيء من أمر دينه، وعبس في وجهه وأقبل على الآخر رغبة في هدايته، فكان العتاب تذكرة وعبرة وعظة، في صحف مكرمة مطهرة، بأيدي ملائكة كرام على ربهم، أتقياء صادقين في إيمانهم.\nفقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾. قال ابن جرير: (﴿عَبَسَ﴾: قبض وجهه تكرُّهًا، ﴿وَتَوَلَّى﴾ يقول: وأعرض). وقال القرطبي: (﴿عَبَسَ﴾ أي كلح بوجهه. ﴿وَتَوَلَّى﴾ أي أعرض بوجهه).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. \"أنْ\" في موضع نصب لأنه مفعول له، والتقدير:","vol":"8","page":340},{"text":"لأن جاءه الأعمى، وهو ابن أم مكتوم ﵁ الذي لا يبصر بعينيه.\nأخرج أبو يعلى في المسند، بإسناد حسن، عن قتادة، عن أنس قال: [جاء ابنُ أم مكتوم إلى النبي -ﷺ- وهو يكَلِّمُ أُبَيَّ بن خَلَفٍ، فأعرض عنه، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، فكان النبيُّ -ﷺ- بعد ذلك يُكْرِمُهُ] (١). قال قتادة: (وأخبرني أنس بن مالك قال: رأيته يوم القادسيَّةِ وعليه درْعٌ ومعه رايةٌ سوداءُ، يعني ابن أمِّ مكتوم).\nقلت: فكان العتاب اللطيف من اللَّه سبحانه، لأن ابن أم مكتوم يرجح في ميزان الحق على المئات من أمثال أبي بن خلف وأمثاله من المشركين.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾. أي: وما يدريك يا محمد، لعل هذا الأعمى المؤمن الذي عبست في وجهه يزّكى: أي يتطهر من ذنوبه، ويرتفع في إيمانه.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾. أي: أو يعتبر ويتعظ فينفعه الاتعاظ والاعتبار، ويشد ذلك من عزيمته ليثبت على سبيل الأخيار.\nوقوله: \"فتنفعَه\" نصبه عاصم جوابًا لِلَعَلّ، ورفعه غيره -\"فتنفعُه\"- عطفًا على \"يذكّر\"، وهما قراءتان مشهورتان في الأمصار.\nوقوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾. قال النسفي: (أي من كان غنيًا بالمال ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ تتعرض بالإقبال عليه حرصًا على إيمانه). والتصدِّي: الإصغاء. وأصله في كلام العرب من الصَّدَد: القُرب. يقال: دارِي صَدَدَ دارِه أي قُبالتَها، وهو نَصْبٌ على الظَّرف. وقراءة عامة القراء \"تَصَدّى\" بالتخفيف، على طرح التاء الثانية تخفيفًا.\nوالمقصود: إنك تقبل -يا محمد- عليه بوجهك وحديثك، وهو يظهر الاستغناء عنك والإعراض عما جئت به، غرّه ماله وجاهه وسلطانه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾. أي: وما أنت -يا محمد- بمطالب بهذا الكافر إذا لم يؤمن ويرشد ويتطهر، فإنما أنت رسول، وما عليك إلا البلاغ. قال مجاهد: (يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّرَ من كفره فيسلم؟).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾.\nقال مجاهد: (يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيًا، وهو يخشى اللَّه ويتقيه،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٣١٢٣)، وإسناده حسن، رجاله ثقات.","vol":"8","page":341},{"text":"﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فانت عنه تعرض، وتشاغَلُ عنه بغيره وتغافَلُ).\nوأصل ﴿تَلَهَّى﴾ تتلهى، جاءت مخففة. والتلهي: التغافل. ولَهِيتُ عن الشيء أي تشاغلت عنه. ولهِيتُ عنه وتَلهيتُ: بمعنى.\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾. -كلّا- كلمة ردع وزجر. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: \"كلّا\" ما الأمر كما تفعل يا محمد، من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدى من استغنى ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة، يقول: عظة وعبرة).\nقال ابن كثير: (ومن هنا أمر اللَّه -﷿- رسولَه -ﷺ- ألّا يَخُصَّ بالإنذار أحدًا، بل يُساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسَّادة والعبيد، والرجال والنِّساء، والصِّغار والكبار. ثم اللَّه تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، له الحكمةُ والحُجَّة. قال: وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. أي حفظه، فالذكر خلاف النسيان. أو اتعظ به، فيكون من \"التذكير\". وفي الآية إثبات مشيئة خلقها اللَّه تعالى للإنسان، لو أحسن استعمالها لنجا وأدرك السعادة في الدارين.\nقال الزمخشري: (وذكّر الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ. وقيل: الضمير للقرآن، والكلام استطراد).\nوقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾. أي: إنها تذكرة كائنة في صحف مكرمة عند اللَّه، لما فيها من العلم والحكمة، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ.\nوقوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾. قال يحيى بن سلام: (مرفوعة في السماء السابعة). وقال الطبري: (مرفوعة الذكر والقدر). وقيل: مرفوعة عن الشُّبَهِ والتناقض. والمقصود: إنها رفيعة القدر عند اللَّه، ومرفوعة عنده ﵎.\nوقوله: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾. قال الحسن: (من كل دنس). وقيل: مصانة عن أن ينالها الكفار. وهو معنى قول السُّدّيّ. وعن الحسن أيضًا: (مطهرة من أن تنزل على المشركين). والمقصود: إنها في صحف مكرمة مرفوعة، منزهة لا يمسها إلا المطهرون، مصونة عن الشياطين والكفار.\nوقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾. السفرة هنا الملائكة، سُمّوا كذلك لأنهم يسفرون","vol":"8","page":342},{"text":"بالوحي بين اللَّه ورسوله، من السفارة، وهي السعي بين القوم. وعن مجاهد: (﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال كَتَبَة). وقال ابن زيد: (السفرة الذين يحصون الأعمال). والمعنى الأول أنسب، فهم الملائكة يسفرون بين اللَّه ورسوله بالوحي، واختاره ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني الملائكة). والبررة: جمع بارّ، والمقصود: ملائكة كرام على ربهم، أتقياء مطيعون لربهم، صادقون في إيمانهم.\nوفي الصحيحين والمسند من حديث عائشة، عن النبي -ﷺ- قال: [مَثَلُ الذي يَقْرأ القرآنَ وهو حافِظٌ له مع السَّفرة الكرامِ البَرَرَة، ومَثَلُ الذي يَقْرَأُ القرآن وهوَ يتعاهَدُهُ وهو عليه شديدٌ فلهُ أجران] (١).\n\n١٧ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تَعَجُّبٌ من كفر الإنسان مع إحسان اللَّه إليه، وقد خلقه وأعطاه وأماته وأقبره ثم سيقف بين يديه، وقد ضيع العمر وتجاهل النعم الجليلة التي لا تحصى من الطعام والماء والنبات والفواكه والثمار والحدائق له ولأنعامه التي سخّرها إليه.\nفقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. قال سفيان: (بلغني أنه الكافر). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره! . وفي قوله ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره، مع إحسان اللَّه إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيُّ شيء أكفره؟).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾.\nبيانٌ لحقارة الشيء الذي خلقه اللَّه منه، ثم هو يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه والإقرار بتوحيده والرجوع إليه يوم المعاد.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٧) - عند تفسير هذه الآية - كتاب التفسير - سورة عبس. وأخرجه مسلم (٧٩٨)، وأحمد (٦/ ٤٨)، والترمذي (٢٩٠٤)، وأبو داود (١٤٥٤)، وابن ماجة (٣٧٧٩)، والدارمي (٢/ ٤٤٤)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩٠)، وغيرهم.","vol":"8","page":343},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال ابن عباس: (يعني بذلك خروجه من بطن أمه يسَّره له). وقال مجاهد: (هو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]). وقال الحسن: (سبيل الخير). وقال ابن زيد: (هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام).\nقلت: وقول مجاهد والحسن وابن زيد أنسب لسياق الآيات، الخلق فإقامة الحجة فالموت فالبعث والحساب، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾. يعني: ثم قبض روحه في نهاية أجله، فأماته بعد ذلك، فوضعه في حفرةٍ وصيّره ذا قبر. قال أبو عبيدة: (﴿فَأَقْبَرَهُ﴾: جعل له قبرًا، وأمر أن يُقْبَر). وعن الفَرَّاء: (أي جعل له قبرًا يوارَى فيه إكرامًا، ولم يجعله مما يُلْقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي (١».\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾. أي: أحياه بعد موته. ومنه يقال البعث والنشور. وفي الصحاح: نَشَرَ الميتُ فهو ناشِرٌ: عاشَ بعد الموت. وأنشره اللَّه تعالى: أحياه.\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾. -كلّا- ردع للإنسان عن الكفر. وعن مجاهد: (﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افْتُرِض عليه، أو كل ما افترض عليه). وقال النسفي: (لم يفعل هذا الكافر ما أمره اللَّه به من الإيمان). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كلّا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر، من أنه قد أدّى حق اللَّه عليه، في نفسه وماله، لَمَّا يقض ما أمره، لم يُؤَدِّ ما فرض عليه من الفرائض رَبُّه).\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾. قال مجاهد: (وشرابه. قال: إلى مأكله ومشربه. آية لهم). قال ابن كثير: (فيه امتنانٌ وفيه استدلالٌ بإحياء النبات من الأرض الهامِدةَ على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظامًا بالية وتُرابًا مُتَمزقًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾. أي أنزلنا المطر من السماء إنزالًا، وصببناه على الأرض صَبًّا.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾. أي: ثم تخلل الماء في الأرض ودخل في تخومها، ولامس الحبّ المودع فيها، ففتقنا الأرض عن الحب أول ما نبت، لصغره وضعفه عن شقها، حتى نبت وارتفع وظهر على وجه الأرض.\n_________\n(١) العوافي: كل طالب فضل أو رزق.","vol":"8","page":344},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾. يعني حبّ الزرع، ويشمل جميع ما يُذكر من الحبوب، كالحنطة والشعير وغير ذلك من قوت الناس. والمقصود: أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبًا في حالة الانتفاع والغذاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾. - ﴿وَعِنَبًا﴾ أي: وكرم عنب. والقضب: القتّ الرطب الذي تعلف به الدواب. قال الحسن: (القضب: العَلَف). وقال قتادة: (القضب: الفصافص). وعن ابن عباس: (﴿وَقَضْبًا﴾ يقول: الفِصفِصة). وهي التي تأكلها الدواب رطبة وتدعى القتّ. وسمي \"قَضْبًا\" لأنه يقضب، أي يقطع مرة بعد أخرى.\nوقوله: ﴿وَزَيْتُونًا﴾. أي شجرة الزيتون التي يستخرج من نتاجها الزيت، وهو أُدْمٌ وعصيره أُدْمٌ، ويُدَّهن به ويستصبح به.\nأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ائتدِمُوا بالزَّيت وادَّهِنُوا به، فإنه مِنْ شجرة مباركة] (١).\nوفي رواية: [كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة].\nوفضل الزيت وارد في القرآن الكريم، في قوله تعالى في سورة \"النور\": ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾.\nقال ابن القيم في \"زاد المعاد\": (الزيت حار رطب في الأولى، وغلط من قال: يابس، والزيت بحسب زيتونه، فالمعتصر من النضيج أعدلُه وأجوده، ومن الفج فيه برودة ويُبوسة، ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين، ومن الأسود يُسخن ويرطب باعتدال، وينفع من السموم، ويطلق البطن، ويخرج الدود، والعتيق منه أشد تسخينًا وتحليلًا، وما استُخْرج منه بالماء فهو أقل حرارة، وألطف وأبلغ في النفع، وجميع أصنافه مليّنة للبشرة، وتبطئ الشيب. قال: وماء الزيتون المالح يمنع من تَنفُّط حرق النار، ويشد اللِّثَةَ، وورقُه ينفع من الحمرة والنّملة، والقروح الوسخة، والشَّرى، ويمنع العرق، ومنافعه أضعاف ما ذكرنا).\nوقوله: ﴿وَنَخْلًا﴾ -يعني النخيل. قال ابن كثير: (يُؤكَلْ بلحًا بُسرًا وَرْطَبًا، وتَمرًا، ونيئًا، ومَطبوخًا، ويُعْتَصَرُ منه رُبٌّ وَخَلٌّ).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٣٣١٩) - كتاب الأطعمة. باب الزيت. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٢٦٨٢)، ومختصر الشمائل (١٣٣ - ١٣٤). وانظر للرواية الأخرى جامع الترمذي (١/ ٣٤٠)، ومستدرك الحاكم (٢/ ١٢٢).","vol":"8","page":345},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾. أي: وبساتين غلاظ الأشجار جمع غلباء، بديعة المنظر ويستظل بظلها. قال ابن عباس: (﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الحدائق: ما التف واجتمع). وقال ابن زيد: (﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: عظام النخل العظيمة الجذع. قال: والغُلْبُ من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها). وقال ابن عباس أيضًا: (﴿غُلْبًا﴾ أي طوال. قال: الشجر الذي يستظل به). وقال عكرمة: (﴿غُلْبًا﴾ أي غِلاظُ الأوساط. وفي رواية: غِلاظ الرقاب).\nوقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾. الفاكهة ما يتفكه به من الثمار. والأبّ: الكلأ والمرعى، فهو ما أنبتته الأرض مما يخصّ الدواب. قال ابن عباس: (الفاكهة كُلُّ ما أُكِلَ رُطبًا. والأبُّ ما أنبتت الأرض مما تأكلُه الدوابُّ ولا يأكُلُهُ الناس). وفي رواية عنه: (هو الحشيش للبهائم). وقال مجاهد: (الأبُّ: الكلأ). وقال عطاء: (كُلُّ شيء نبتَ على وجه الأرض فهو أبٌّ).\nوقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. امتنان من اللَّه سبحانه على عباده، فإن إنبات هذه الأشياء إمتاع للناس ولبهائمهم المسخرة لهم. ونصب ﴿مَتَاعًا﴾ على المصدر المؤكِّد.\nوالخلاصة: يرزق اللَّه تعالى العباد من النباتات والأشجار، التي تصنع الطعام من الماء، والتراب، والهواء، ويُسَخِّرُ اللَّه الشمس للنبات، لإتمام صُنْعِ الغِذاء الذي يحتاجُه الإنسان، والحيوان، وما كان للغذاء أن يُوَفَّرَ، لولا أن اللَّه يسوق الماء العذبَ، ويُهَيِّئُ التربة الصالحة للزراعة، ويوجد الجَوَّ، والظروف المناسبة، لإنتاج الغذاء من النباتات، عيشة لكم أيها الناس ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.\n\n٣٣ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾.\nفي هذه الآيات: التهديد بقدوم الصَّاخة وهي القيامة، يوم يطلب المرء النجاة ويفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وجميع خِلّانِه، والوجوه يومئذ إما ضاحكة مستبشرة","vol":"8","page":346},{"text":"وهي وجوه الكرام البررة، أو عليها غبرة وترهقها قترة وهي وجوه الكفرة الفجرة.\nفقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾. قال ابن عباس: (﴿الصَّاخَّةُ﴾: اسم من أسماء القيامة، عَظَّمَهُ اللَّه، وحَذَّره عباده). قال البغوي: (﴿الصَّاخَّةُ﴾: يعني صيحة القيامة، سُمِّيت بذلك لأنها تَصُحُّ الأسماعَ، أي تُبالِغُ في إسماعها حتى تكاد تُصِمُّها). وفي الصحاح: (﴿الصَّاخَّةُ﴾ الصَّيْحَةُ تُصِمُّ لِشدَّتها تقول: صَخَّ الصوتُ الأذنَ من باب ردَّ). قال الرازي: (ومنه سميت القيامة ﴿الصَّاخَّةُ﴾). واختار القرطبي أنها النفخة الثانية، فهي التي تَصُحُّ الأسماع، أي تُصِمُّها فلا تسمع إلا ما يُدْعَى به للأحياء. وذكر نحوه ابن جرير.\nوفي سنن أبي داود بسند صحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [ما من دابة إلا وهي مُصِيخَةٌ يومَ الجمعة من حينِ تُصبحُ حتى تطلعَ الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والإنس] (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.\nأي: تجيء الصاخة في اليوم الذي يهرب الإنسان من ألصق الناس به وأعزهم عليه لانشغاله بنفسه. قال قتادة: (الأحبّ فالأحبّ، والأقرب فالأقرب، من هول ذلك اليوم).\nقال ابن جرير: (ويعني بقوله يفر من أخيه: يفر عن أخيه. ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني زوجته التي كانت في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذارًا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التبعات والمظالم).\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. أي: كل امرئٍ يومئذ هو في شغل شاغِله عن غيره، فهو يشغله حتى عن الأقرباء ويصرفه عنهم، ويفرّ عنهم حذرًا من مطالبتهم إياه بما بينهم، ولئلا يروا ما هو فيه من الشدة. وعن قتادة: (﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كل إنسان ما يشغله عن الناس).\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: [\"تحشرون حُفاةً\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٠٤٦) - تفريع أبواب الجمعة. باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة. انظر صحيح أبي داود (٩٢٤)، والإصاخة: الإنصات والاستماع. وأخرجه ابن حبان (٢٧٧٠)، ومالك (١/ ١٠٨ - ١١٠)، والحاكم (١/ ٢٧٨)، وأحمد (٢/ ٤٨٦) بأتم منه.","vol":"8","page":347},{"text":"عُرَاة غُرْلًا\". فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: يا فلانة ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾] (١).\nوأخرج النسائي بإسناد صحيح عن عروة: [عن عائشة: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"يُبْعث الناسُ يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرلًا\". فقالت عائشة: يا رسول اللَّه! فكيف بالعورات؟ فقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾. أي: مشرقة مستنيرة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين نالوا رضوان اللَّه. وفي لغة العرب: أسفر وجه فلان: إذا حسن وأشرق، وأسفر الصبح: إذا أضاء. وعن ابن عباس: (قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة).\nوقوله تعالى: ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء أهل الجنة). أي: وجوه أهل السعادة يومئذ ﴿ضَاحِكَةٌ﴾: أي مسرورة فرحة. ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد ظهر البِشر عليها بما آتاها اللَّه من الكرامة.\nوقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾. أي غبار ودخان وكدورة.\nوقوله تعالى: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾. أي: يغشاها سواد وكسوف وشدّة. قال ابن عباس: (﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة). وقال: (يغشاها سواد الوجوه). والقَتَر في كلام العرب: الغبار. قال زيد بن أسلم: (القَتَرة: ما ارتفعت إلى السماء. والغَبَرَة: ما انحطت إلى الأرض، والغبار والغَبَرة: واحد).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾. أي هؤلاء الموصوفون بهذا الخزي هم الكفرة قلوبهم، الفجرةُ في أعمالهم، فجوزوا بخبث نياتهم وبسوء أعمالهم.\n\nتم تفسير سورة عبس بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه عصر يوم الثلاثاء ١٣/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٣/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٣٢) - كتاب التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٥٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٦٦٨)، وفي \"السنن\" (٢٠٨٣)، وأخرجه الحاكم في \"مستدركه\" (٤/ ٥٦٤)، وإسناده صحيح.","vol":"8","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - ابن أم مكتوم الأعمى يرجح في ميزان الحق على المئات من أمثال أبي بن خلف.\n٢ - يتساوى في الإنذار الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصِّغار والكبار، ثم اللَّه تعالى يهدي من يشاء.\n٣ - مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافِظٌ له مع السَّفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران.\n٤ - ائتدموا بالزيت وادَّهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة.\n٥ - الأبّ: ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس، فهو يشمل الكلأ والحشيش للبهائم وما نبت على وجه الأرض.\n٦ - يحشر الناس حفاة عراة غرلًا، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.\n٧ - وجوه المؤمنين يوم الحشر مشرقة مستنيرة ناعمة، ووجوه المشركين يومئذ عليها غبار وسواد وكدورة.\n* * *","vol":"8","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>٨١ - سورة التكوير</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>ما ورد في ذكرها:</span>\nأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه قد شبت! قال: [شَيَّبَتْني هودٌ، والواقعةُ، والمرسلاتُ، وعَمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرَت] (١).\nوأخرج أحمد والترمذي والحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ سَرَّه أن ينظرَ إلى يوم القيامة كأنه رَأْيُ عَيْنِ فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾] (٢).\nوأخرج النسائي بسند صحيح عن عمرو بن حريث قال: [سمعت النبي -ﷺ- يقرأ في الفجر: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>موضوع السورة</span>\nتكوير الشمس وأهوال الحشر يوم الدين والانتصار للنبي وهذا الوحي العظيم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٢٩٧) - كتاب التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٢٧).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٢٧ - ٣٦ - ١٠٠)، والترمذي (٣٣٣٣)، والحاكم (٢/ ٥١٥) وإسناده حسن. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٥٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه النسائي في السنن من حديث عمرو بن حريث - انظر: صحيح سنن النسائي (٩١١) - وأخرج ابن ماجة في السنن (٨١٧) نحوه.","vol":"8","page":350},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-440> منهاج السورة</span>-\n١ - وصف الأحداث الرهيبة التي تسبق قيام الساعة.\n٢ - بدء الحشر وحضور جميع الخلق بين يدي اللَّه العظيم، ودنو الجنة وبروز الجحيم، وقد علمت كل نفس ما استحقت من الثواب أو العذاب الأليم.\n٣ - قسم اللَّه تعالى بالكواكب والليل والصبح أن القرآن قول رسول عن اللَّه كريم على اللَّه الكريم، ذو قدرة ومكانة رفيعة وقد رآه نبينا في صورته بالأفق المبين.\n٤ - ما يضن محمد -ﷺ- بالخبر اليقين، وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم.\n٣ - أين تسلكون معشر المكذبين وتتركون هذا الذكر الحكيم، وما تشاؤون الاستقامة إلا أن يشاء اللَّه رب العالمين.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: وَصْفُ الأحداث الرهيبة التي تسبق يوم القيامة العظيم، وبدء الحشر وحضور جميع الخلق بين يدي العزيز الحكيم، ودنو الجنة وبروز نار الجحيم، وقد علمت كل نفس ما يقودها عملها إلى الثواب أو العذاب الأليم.\nفقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. أي: جُعِلَتْ مثل شكل الكرة، تلفُّ فتجمع فيرمى بها. وفي التفاسير أقوال كثيرة في مفهوم هذه الآية، منها:\n١ - قال ابن عباس: (﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، يعني: أظلمت). وفي رواية: (ذهبت).","vol":"8","page":351},{"text":"٢ - وقال مجاهد: (اضمَحَلّت وذهبت). وقال قتادة: (ذهب ضوؤها).\n٣ - وقال سعيد بن جبير: (﴿كُوِّرَتْ﴾: غُوِّرَتْ). وقال أبو صالح: (نُكِّسَت).\n٤ - وقال الربيع بن خُثَيم: (﴿كُوِّرَتْ﴾ يعني: رُمِيَ بها). وقال أبو صالح أيضًا: (أُلقيت). وقال زيد بن أسلم: (تقع في الأرض).\nقال ابن جرير: (والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جَمْعُ الشيء بعضِه على بعض، ومنه تكوير العِمامة وهو لَفُّها على الرأس، وكتكوير الكارة وهو جمع الثياب بعضِها إلى بعض ولفّها، وكذلك قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض، ثم لُفَّت فرمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوؤها).\nقلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة أن الشمس والقمر ثوران مُكَوّران في النار يوم القيامة.\nفقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [الشمسُ والقمرُ مُكَوَّرانِ يومَ القيامة] (١).\nوأخرج الإمام الطحاوي في \"مشكل الآثار\" بإسناد صحيح على شرط البخاري عن عبد اللَّه بن الداناج (٢) قال: شهدت أبا سلمة بن عبد الرحمن جلس في مسجد في زمن خالد بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، قال: فجاء الحسن فجلس إليه فتحدثا، فقال أبو سلمة: حدثنا أبو هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة]. فقال الحسن: ما ذنبهما؟ ! فقال: إنما أحدثك عن رسول اللَّه -ﷺ-، فسكت الحسن (٣).\nقال الإسماعيلي: (لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن للَّه في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذابًا وآلة من آلات العذاب، وما شاء اللَّه من ذلك فلا تكون هي معذبة).\nوقال الخطابي: (ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت من\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٠٠) - كتاب بدء الخلق. باب صفة الشمس والقمر.\n(٢) بفتح الدال والنون معناه العالم، معرب (دانا)، كما في \"الباب\" وغيره.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٦٦ - ٦٧)، ورواه البيهقي في كتاب \"البعث والنشور\"، وكذا البزار والإسماعيلي والخطابي، وإسناده صحيح على شرط البخاري كما ذكر الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٤).","vol":"8","page":352},{"text":"كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلًا).\nومن ثَمَّ فليس المراد من الحديث ما تبادر لذهن الحسن البصري أن الشمس والقمر يعذبان عقوبة لهما، كلا، فاللَّه تعالى لا يعذب من أطاعه من خلقه وسجد له، والشمس والقمر كانا على ذلك السجود والتعظيم، كما قال جلّت عظمته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]. وإنما يكوران ويلقيان في النار يوم القيامة تبكيتًا لعُبَّادهما، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. أي: تهافتت وتناثرت فتساقطت. قال ابن عباس: (تساقطت). وقال مجاهد: (تناثرت). وقال أبو صالح: (انتثرت). وعن ابن عباس أيضًا: (﴿انْكَدَرَتْ﴾: تغيرت فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها). قال القرطبي: (ويحتمل أن يكون انكدارها طَمْسُ آثارها. وسميت النجوم نجومًا لظهورها في السماء بضوئها).\nقلت: وأصل الانكدار في كلام العرب: الانقضاض والانصباب بسرعة. قال الرازي: (\"انكدر\" أي أسْرَع وانقضَّ، ومنه انكدرت النُّجوم). وقال أبو عبيدة: (﴿انْكَدَرَتْ﴾ انصبَّت كما تنصب العُقاب إذا انكسرت).\nوالمقصود: وإذا النجوم تساقطت وتناثرت مغادرة أماكنها تنصب مسرعة كما أمرها ربّها. وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾. قال مجاهد: (ذهبت). قال النسفي: (سُيِّرت عن وجه الأرض وأبعدت، أو سيرت في الجو تسيير السحاب). والمقصود: وإذا الجبال نسفت فزالت عن أماكنها، وتركت الأرض قاعًا صفصفًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. العشار: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها (١). ومعنى ﴿عُطِّلَتْ﴾ أي تركت هملًا بلا راع، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم. وخصّ العشار لأنها أنفس أموال العرب، وموضع رعايتهم المتميزة. فمنعت أهوال القيامة استمرار رعايتها والعناية بها.\nوعن مجاهد: (﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ قال: سُيِّبَت، تركت). قال الضحاك:\n_________\n(١) والواحدة: عُشَراء. وقيل هي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر فلا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعدما تضع أيضًا. على عادة العرب في تسمية الشيء باسمه المتقدم.","vol":"8","page":353},{"text":"(يقول: لا راعي لها). وقال الحسن: (سَيَّبَها أهلها فلم تُصَرّ، ولم تُحْلَب. ولم يكن في الدنيا مال أعجب إليهم منها).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي: بعثت حتى يقتص بعضها من بعض. وقيل: حشرها موتها. قال ابن عباس: (حشر البهائم: موتها، وحشر كل شيء: الموت، غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة). وقال قتادة: (إن هذه الخلائق موافية يوم القيامة، فيقضي اللَّه فيها ما شاء).\nقلت: ولا تعارض بين المعنيين، فإن البهائم تحشر أولًا أمام الخلق يوم القيامة، حتى إذا اقتص بعضها من بعض قضى اللَّه عليها الموت فقال: كوني ترابًا، وعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء] (١).\nوله شاهد عند الإمام أحمد عنه مرفوعًا بلفظ: [يقتصّ الخلق بعضهم من بعض، حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة] (٢).\nومن طريق أبي حجيرة عنه مرفوعًا بلفظ: [ألا والذي نفسي بيده، ليختصمن كل شيء يوم القيامة، حتى الشاتان فيما انتطحتا] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. أي: أوقدت فصارت نارًا تضطرم. قال مجاهد: (﴿سُجِّرَتْ﴾: أوقِدَت). وقال الضحاك: (فُجِّرت). وقيل: غاض ماؤها، وقيل: فاضت. قلت: والراجح الأول، فإنه في لغة العرب: سَجَر التنّورَ أحماه، والسَّجُور: ما يُسْجَرُ به التَّنُّور. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. والمقصود: يوقد اللَّه هذه البحار بالنار قبيل قيام الساعة فيفجرها تفجيرًا، كما قال جلت عظمته في سورة الانفطار: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. أي: قرنت النفوس بأمثالها. فيقرن الرجل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٨ - ١٩) - كتاب الظلم. باب القصاص وأداء الحقوق يوم القيامة، من حديث أبي هريرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٦٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٦٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٩٠) من طريق أبي حجيرة عن أبي هريرة. وانظر \"السلسلة الصحيحة\" ج (٣) ص (٦٠٩).","vol":"8","page":354},{"text":"الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار. أو تقرن الأرواح بالأجساد أو بكتبها وأعمالها، أو تقرن نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين.\nومن أقوال أئمة التفسير في ذلك:\n١ - قال الحسن: (ألحق كل امرئٍ بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، والمنافقون بالمنافقين. ويلحق المؤمنون بالمؤمنين).\n٢ - قال مجاهد: (﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، قال: الأمثالُ من الناس جُمعَ بينهم).\n٣ - وروى ابن أبي حاتم بسنده عن سِمَاكِ بن حرب، عن النعمان بن بَشير، أنَّ عُمَرَ خطب الناس فقرأ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، فقال: (تَزَوُّجُها أن تُؤلف كُلُّ شيعةٍ إلى شيعتهم). وفي رواية: (هما الرجلان يعمَلان العمل فيدخلان به الجنة أو النار). وفي رواية عن النعمان قال: سُئِل عُمَر عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فقال: (يُقْرَنُ بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويُقرنُ بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويجُ الأنفُسِ). وفي رواية عن النعمان: أنّ عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فسكتوا. قال: (ولكن أعلَمُه هو الرجلُ يُزَوَّجُ نظيِره من أهل الجنة، والرجل يُزَوَّجُ نظيره من أهل النار، ثم قرأ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]).\n٤ - وقيل: زُوِّجَ المؤمنون بالحور العين، وزُوِّجَ الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في \"التذكرة\".\nقلت: وجميع ما سبق يفيد المعنى، وهو جمع كل شكل بنظيره يوم القيامة، فيضمّ المبرز في الطاعة مع السابقين، والمتوسط مع أمثاله من أصحاب اليمين، وأهل المعصية والكفر مع أمثالهم من أصحاب الشمال وأهل الجحيم، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله نعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. توبيخ لقاتلها وتهديد له فيما أقدم عليه. فقد كانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الحاجة. فيوم القيامة تُسأل الموؤدة على أيِّ ذنب قُتِلت، ليكون ذلك تهديدًا لقاتلها. قال ابن كثير: (فإنه إذا سُئِل المظلوم فما ظَنُّ الظالم إذن؟).\nقال قتادة: (كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاب اللَّه ذلك","vol":"8","page":355},{"text":"عليهم). وقال: (هي في بعض القراءات: \"سَأَلتْ. بأي ذنب قُتِلت\" لا بذنب). وكذا قال ابن عباس وأبو الضحا \"سَألَتْ\" أي: طلبت بدمها.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة، عن جُدامَةَ بنتِ وَهْبٍ، أُخْتِ عُكّاشَةَ قالت: [حَضَرْتُ رسول اللَّه -ﷺ- في أُناسٍ، وهو يقول: لقد هَمَمْتُ أن أنهى عن الغِيلةِ، فَنَظَرْتُ في الروم وفارِسَ، فإذا هُمْ يُغِيلونَ أولادهم، فلا يَضُرُّ أولادهم ذلك شيئًا. ثم سألوه عن العَزْلِ؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ذلك الوأدُ الخفيّ\". وفي رواية: وهي: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾] (١).\nوفي مسند أحمد ومعجم الطبراني بسند صحيح عن سلمةَ بن يزيدَ الجُعْفِيِّ قال: [انطلقت أنا وأخي إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقلنا: يا رسولَ اللَّه! إن أُمَّنا مُليكة كانت تَصِل الرَّحِمَ وتَقْري الضيف، وتفعل وتفعل. هلكت في الجاهلية، فهل ذلك نافِعُها شيئًا؟ قال: لا. قلنا: فإنها كانت وَأَدَتَ أُختًا لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافِعُها شيئًا؟ قال: الوائدةُ والموؤدةُ في النار، إلا أن يُدرِكَ الوائدةَ الإسلامُ، فيعفو اللَّه عنها] (٢).\nقلت: والمقصود أن الموؤودة إن كانت كبيرة تعقل ورضيت بفعل أبيها وأمها بوأدها فتشترك معهم في الإثم وعذاب النار، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾. أي كتب الأعمال إذا نشرت للحساب. قال الضحاك: (أُعطي كلُّ إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله). وقال قتادة: (صحيفتك يا ابنَ آدمَ، تُملي فيها، ثم تُطوَى، ثم تُنْشَرُ عليك يوم القيامة، فنَظرَ رجلٌ ماذا يُملي في صحيفته).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾. أي: تشققت وأزيلت. وعن مجاهد: (﴿كُشِطَتْ﴾ قال: اجتُذبت). وقال السُّدي: (كُشِفَت). وقال الضحاك: (تنكشِطُ فتذهب). وقَال الزجاج: (قلعت كما يقلع السَقف).\nقلت: وأصل الكَشْطِ في لغة العرب: قَلْع عن شدّة التزاق، وانكشط: أي ذهب، والمقصود: تُنْزَعُ السماء من مكانها كما ينزع الغِطاء عن الشيء فتطوى، كما قال جلت\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٤٤٢) ح (١٤١)، (١٤٢) - كتاب النكاح، وأخرجه الترمذي (٢٠٧٦)، وابن ماجة (٢٠١١)، والنسائي (٦/ ١٠٦ - ١٠٧)، وأحمد (٦/ ٤٣٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٨)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٦٩)، وأخرجه الطبراني (٦٣١٩)، وإسناده على شرطهما.","vol":"8","page":356},{"text":"عظمته: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾. أي: وإذا الجحيم أوقد عليها فأحميت. قال قتادة: (سعّرها غضب اللَّه، وخطايا بني آدم).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. أي: وإذا الجنة قرّبت وأدنيت. قال الضحاك وقتادة والربيع بن خُثَيم: (أي قربت إلى أهلها).\nوقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. جواب ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وما بعدها.\nوالمقصود: علمت كل نفس ما أحضرته عند نشر الصحف، من خير أو شر.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].\nأخرج الحاكم بإسناد صحيح من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: [تعلمون المعادَ إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (١).\nوروى ابن أبي حاتم بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: (نزلت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، قال عمر: لما بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ قال: لهذا أُجري الحديث). والمقصود: إذا الشمس كورت وكانت هذه الأشياء والأهوال التي ذكرت، عملت نفس حينئذ ما أحضرت من عملها وما أعدّت لمستقبلها.\n\n١٥ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٨٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٦٨).","vol":"8","page":357},{"text":"مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم تعالى بالكواكب التي تخنِسُ بالنهار فتختفي وتظهر بالليل، كما يقسم سبحانه بالليل إذا نشأ وأقبل بظلامه، والصبح إذا أضاء وامتد بنوره ونسائمه، إنَّ هذا القرآن لقول رسول عن اللَّه كريم على اللَّه، ذي قدرة عالية، ومكانة رفيعة مكينة، رآه نبينا -ﷺ- في صورته بالأفق المبين، وما يضن محمد -ﷺ- بالخبر اليقين، وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، فأين تسلكون وتتركون هذا الذكر الحكيم، وما تشاؤون الاستقامة إلا أن يشاء اللَّه رب العالمين.\nفقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾. أي اقسم، و\"لا\" زائدة. والخُنَّس: هي النجوم تخنِس بالنهار فتختفي تحت ضوء الشمس ولا ترى. قال علي: (هي النجوم تخنِسُ بالنهار، وتَظْهَرُ بالليل). رواه بإسناده ابن جرير.\nوفي الصِّحاحِ: (و\"الخُنَّسُ\" الكواكِبُ كلها. لأنها تخنِس في المغيب، أو لأنها تخنِسُ نهارًا). وخنَسَ عنه: أي تأخَّر. و\"أخْنَسَهُ\" غيْرُه أي خَلَّفَهُ ومضى عنه. والخُنَّس: جمع خانِس وخانِسة.\nوقوله تعالى: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. أي ﴿الْجَوَارِ﴾ تجري في أفلاكها ﴿الْكُنَّسِ﴾ تختفي في وقت غروبها.\nيروي ابن جرير بسنده عن سماك بن حرب، قال: سمعت خالد بن عرعرة، قال: سمعت عليًا ﵇، وسئل عن ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ قال: (هي النجوم تخنس بالنهار، وتكنس بالليل).\nقلت: والجواري: جمع جارية من جرى يجري. والكُنَّس: جمع كانس وكانِسة. وأصل الكُنُسِ من الكِناس، وهو المكان الذي يختفي فيه الوحش، من غزالٍ أو غيره.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. أي: والليل إذا نشأ وأقبل بظلامه، أو أدبر وانتهت ظلمته. فالآية تحتمل التأويلين:\n١ - قال مجاهد: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: أظلم). وقال سعيد بن جبير: (إذا نشأ). وقال الحسن البصري: (إذا غشي الناس).\n٢ - وقال ابن عباس: (﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبرِ). وقال ابن زيد: (عسعس: تولى). وروى أبو داود الطيالسي عن أبي عبد الرحمن السلَمِيّ قال: (خرج علينا عليُّ -رضي اللَّه","vol":"8","page":358},{"text":"عنه- حينَ ثَوَّب المُثَوِّبُ بصلاة الصبح (١) فقال: أين السائلون عن الوَتْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، هذا حينُ وَتْرٍ حَسَن).\nقلت: والإعجاز القرآني يحتمل الوجهين، فإن لفظة ﴿عَسْعَسَ﴾ تستعمل في الإقبال والإدبار، والسياق يدل على ذلك أيضًا، فإن قوله تعالى في الآية بعدها: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أي طلع وأضاء وأقبل. فتكون المقابلة بين الآيتين: والليل إذا أدبر، والصبح إذا أقبل. أو والليل إذا أظلم، والصبح إذا أشرق - واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. أي: أقبل بروح ونسيم، وأضاء بنور عميم. قال الضحاك: (﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، قال: إذا طلع). وقال قتادة: (إذا أضاءَ وأقبل). وقال سعيد بن جبير: (إذا نشأ).\nوفي لغة العرب: تنفَّس الصبح تَبَلَّج، والتنفُّس: خروج النسيم من الجوف. وقيل للنهار إذا زاد: تنفّس، والمقصود: والصبح إذا امتد بنسيمه وضيائه حتى يصير نهارًا واضحًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. هذا جواب القسم. والرسول الكريم: جبريل ﵇. والمعنى: إنّ هذا القرآن لقول رسول عن اللَّه كريم على اللَّه. قال ابن عباس وقتادة: (يعني جبريل). قال ابن كثير: (يعني: إن هذا القرآن لتبليغُ رسولٍ كريم، أي: مَلَكٍ شريف حَسَن الخَلْقِ، بَهِيّ المنظر، وهو جبريل ﵊).\nوقوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. أي: هو ذو قدرة عالية، ومكانة مكينة رفيعة، عند اللَّه جلت عظمته.\nوفي التنزيل نحو ذلك: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٥ - ٦].\nقال النسفي: (﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ قدرة على ما يكلف لا يعجز عنه ولا يضعف ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ عند اللَّه ﴿مَكِينٍ﴾ ذي جاه ومنزلة، ولما كانت حال المكانة على حسب حال المكين قال: عند ذي العرش، ليدل على عظم منزلته ومكانته).\nوقوله تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. أي مطاع هناك بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه، مؤتمن على الوحي وغيره. يعني جبريل ﵇. قال قتادة: (﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾، أي في\n_________\n(١) ورواه ابن جرير بلفظ: (بعدما أذن المؤذن بالصبح). وفي آخره: (نِعْمَ ساعة الوتر هذه).","vol":"8","page":359},{"text":"السماوات، يعني: ليس هو من أفناءِ الملائكةِ، بل هو من السادة والأشراف، مُعتنًى به، انتخِبَ لهذه الرسالة العظيمة).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾. تزكية من اللَّه تعالى لعبده ورسوله البشري محمد -ﷺ-، بعد تزكية عبده ورسوله المَلَكي جبريل بوصفه بالأمانة.\nوعن ميمون بن مهران: (﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ قال: ذاكم محمد -ﷺ-). وذِكْرُ اللَّه محمدًا -ﷺ- بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وبأنه أعقل الناس وأكملهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. أي: قد رأى محمد جبريل في صورته، له ست مئة جناح. قال مجاهد: (رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة).\nوالأفق المبين: أي البيِّن. قال القرطبي: (لأن هذا الأفق إذا كان منه تطلع الشمس فهو مُبين. أي من جهته تُرى الأشياء).\nوفي التنزيل نحو ذلك. قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٥ - ١٠].\nفهذه هي الرؤيا الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المشار إليها هنا في سورة التكوير، والتي يبدو أنها نزلت قبل ليلة الإسراء، لأن الرؤيا الثانية عند سدرة المنتهى لم تذكر فيها، وإنما ذكرت في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، والتي نزلت بعد الإسراء. أفاده الحافظ ابن كثير.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾. أي: وما محمد -ﷺ- بخبر السماء بباخل، فإنه لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التبليغ، بل يعلّم الخلق كلام اللَّه وأحكامه. قال مجاهد: (ما يضن عليكم بما يعلم). وقد قرأته عامة قراء المدينة والكوفة ﴿بِضَنِينٍ﴾ -والضنين: البخيل-، والمقصود ما سبق، إنه غير بخيل عليهم بتعليمهم ما علّمه اللَّه من الوحي وأحكام الشرع. وأما بعض قراء مكة والبصرة فالقراءة عندهم \"بظنين\" -والظنين: المُتَّهم-، والمقصود: إنه غير متهم فيما يخبرهم عن اللَّه من الأنباء. وكلاهما قراءتان مشهورتان في الأمصار.\nيروي ابن جرير بسنده عن سفيان، عن عاصم، عن زر: (\"وما هو على الغيب بظنين\" قال: الظنين: المتهم. وفي قراءتكم \"بضنين\" والضنين: البخيل، والغيب:","vol":"8","page":360},{"text":"القرآن). قال قتادة: (إن هذا القرآن غيب، فأعطاه اللَّه محمدًا، فبذله وعلّمه ودعا إليه، واللَّه ما ضَنَّ به رسول اللَّه -ﷺ-).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾. أي: وما هذا القرآن بقول شيطان من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب، بل هو كلام اللَّه ووحيه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].\nوقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. أي: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم، وأين تذهب بكم عقولكم في التكذيب بهذا الوحي الذي يسطع بحججه كالشمس. قال قتادة: (يقول: فأين تعدلون عن كتابي وطاعتي).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. - ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما- أي: وما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين وتذكير لهم. وقيل: ما محمد إلا ذكر. والأول أرجح لدلالة السياق عليه.\nوقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال مجاهد: (يتبع الحق). قال ابن جرير: (معنى الكلام: إن هو إلا ذكر من شاء منكم أن يستقيم على سبيل الحق فيتبعه ويؤمن به). وقال القاسمي: (وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من ﴿الْعَالَمِينَ﴾. أي إنه ذكرى من أراد الاستقامة على الطريق الحق، بصرف إرادته وميله إليه والثبات عليه. أما من أعرض ونأى، فمن أين تنفعه الذكرى، وقد زاده الران عمى؟).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. إثبات لافتقار مشيئة العباد إلى مشيئة القهار سبحانه، فكل مشيئة في هذا الكون مقهورة بمشيئته تعالى. قال الحسن: (واللَّه ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه اللَّه لها). والمقصود: وما تشاؤون الاستقامة أيها القوم ولا تقدرون على ذلك إلا بمشيئة اللَّه وتوفيقه.\n\nتم تفسير سورة التكوير بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الخميس ١٥/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٥/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م","vol":"8","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - سورة التكوير، شَيَّبَتْ نبينا -ﷺ- مع أخوات هود قبل المشيب.\n٢ - الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة.\n٣ - العشار: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، والواحدة: عُشراء.\n٤ - لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.\n٥ - العزل هو الوأد الخفي، والوائدة -والموؤدة الراضية بالوأد- في النار.\n٦ - تعلمون المعاد إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامة لا ظعن فيه، وخلود لا موت، في أجساد لا تموت.\n٧ - الجواري الكُنَّس: هي التي تجري في أفلاكها وتختفي وقت غروبها.\n٨ - لفظة \"عسعس\" تستعمل في الإقبال والإدبار.\n٩ - إثبات مشيئة العبد بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾.\n١٠ - إثبات افتقار مشيئة العباد إلى مشيئة الواحد القهار، فإن العون والمدد والتوفيق كله من اللَّه.\n* * *","vol":"8","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>٨٢ - سورة الانفطار</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٩).\nأخرج النسائي في \"التفسير\" بإسناد صحيح عن جابر قال: [قام معاذٌ فَصلَّى العشاء الآخرةَ فطَوَّل، فقال النبي -ﷺ-: أَفَتَّانٌ يا معاذ؟ أفتَّان يا معاذ؟ ! أين كُنْتَ عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾] (١).\nوأخرج أحمد والترمذي والحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ سَرَّه أن ينظرَ إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>موضوع السورة</span>\nانفطار السماء وأهوال يوم الحساب وأحوال الناس في الثواب أو العقاب\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٦٧٢)، وفي \"السنن\" (٨٣١)، (٩٨٤) وإسناده صحيح. وهو من أفراد النسائي، وأصل الحديث مخرج في الصحيحين دون ذكر ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٢٧ - ٣٦ - ١٠٠)، والترمذي (٣٣٣٣)، والحاكم (٢/ ٥١٥)، وإسناده حسن. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٥٣).","vol":"8","page":363},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-444> منهاج السورة</span>-\n١ - انفطار السماء لنزول الملائكة وتساقط الكواكب وتفجر البحار وتبعثر القبور لمشهد الحساب، ونيل الثواب ونكال العقاب.\n٢ - تقسيم المآل بحسب الأعمال، فأهل الإيمان في جنات النعيم، وأهل الكفر في نار الجحيم.\n٣ - يوم الدين هو يوم الجزاء والحساب، وحصول العبد على نتائج كسبه من الثواب أو العقاب.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾.\nفي هذه الآيات: تَشقُّق السماء لنزول الملائكة يوم القيامة، وتساقط الكواكب وتفجر البحار وتبعثر القبور لخروج الموتى لمشهد الفرح أو الندامة.\nفقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾. أي: تشققت لنزول الملائكة. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقيل: تفطّرت لهيبة اللَّه تعالى. كقوله جلت عظمته: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. والفَطْر: الشَّقُ، وتَفَطَّر الشيء: شَقَّقَ.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَت﴾. أي: تساقطت متفرقة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. قال ابن عباس: (فجّر اللَّه بعضَها في بعض). -أي فصارت بحرًا واحدًا- أو انفجارها كانفجار البراكين، وهذا قبيل قيام الساعة.","vol":"8","page":364},{"text":"وقال البخاري: (قال الرَّبيع بن خُثَيْمٍ: \"فُجِّرت\": فاضت).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي قُلِبَ ترابها، وأخرج الموتى منها. قال ابن عباس: (بُحِثَتْ). وقال السُّدّي: (تُبَعْثَر: تُحَرَّكُ فيخرج مَنْ فيها).\nوقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. أي: علمت حينئذ عند نشر الصحف ما قدّمت من عمل خير أو شرّ، وما أخّرت من حسنة أو سيئة. كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].\nوالمقصود: إذا كانت هذه الحوادث الرهيبة قامت القيامة، فحوسبت كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها. قال القاسمي: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾ أي لذلك اليوم من عمل صالح أو سَيِّئٍ ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ أي تركت من خير أو شر. أو المعنى: ما قدمت من عمل طيب لم تقصر فيه، وما أخرت أي قصرت فيه. والمراد بالعلم بالتمَديم والتأخير، وجدان الجزاء عليهما، وتحقق مصداق الوعد عليهما).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. تهديد من تمادى في العصيان، وغرّه عفو الرحمان، إذ لم يعاجله بالعقاب والانتقام. قال ابن عمر: (غرَّه -واللَّه- جهله). وقال قتادة: (غرّ ابن آدم هذا العدو الشيطان). وقال الفضيل بن عياض: (لو قال لي: \"ما غرّك بي\"، لقلت: سُتورك المُرْخاة). قال ابن كثير: (إنما أتى باسمه ﴿الْكَرِيمِ﴾ لِيُنَبِّهَ على أنه لا ينبغي أن يقابَلَ الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. قال البخاري: (وقرأ الأعمش وعاصم \"فَعَدَلك\" بالتخفيف، وقرأه أهل الحِجاز بالتشديد، وأراد مُعْتدِل الخَلْق، ومن خَفَّفَ يَعْني: في أي صورة شاء: إمّا حَسَنٌ، وإما قبيحٌ، أو طويلٌ أو قصير).\nوالمقصود: خلقك ربك أيها الإنسان من نطفة ولم تك شيئًا \"فسَوّاك\" رجُلًا تسمع وتبصر وتعقل ﴿فَعَدَلَكَ﴾ جعلك معتدلًا قائمًا حسن الصورة، وجعل أعضاءك متعادلة متناسبة، في أحسن الهيئات والأشكال.\nأخرج ابن ماجة وأحمد وابن سعد بسند حسن عن جُبَيْر بن نُفَير، عن بُسْر ابن جَحَّاش، أنّ رسول اللَّه -ﷺ- بصق يومًا على كفِّه، ووضع عليها إصبعه ثم قال: [يقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم! أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بردين وللأرض منك وئيدٌ، فجمعت ومَنَعْتَ، حتى إذا بَلَغَتْ","vol":"8","page":365},{"text":"نفسك هذه -وأشار إلى حلقه- \"وفي رواية: حتى إذا بلغت التّراقى\" قلتَ: أتصدق، وأنّى أوان التصدق؟ !] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. أي: ركبك سبحانه في الصورة التي شاءها من الصور المختلفة، وأنت لم تختر صورة نفسك. قال مجاهد: (﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: في أي شَبَه أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ). وقال مكحول: (إن شاء ذكرًا، وإن شاء أنثى). وقال عكرمة: (إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير). قال قتادة: (قادر -اللَّه- ربنا على ذلك). -والمقصود هنا: ولكنه بلطفه وحلمه اختار لك سبحانه أنسب شكل وأحسن منظر، وكَرَّمك على سائر المخلوقات في أحسن تقويم-.\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾. -كلّا- للردع والزجر عن الاغترار بكرم اللَّه وجعله ذَريعة إلى الكفر به. والدين: الجزاء. قال النسفي: (﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ردع عن الغفلة عن اللَّه تعالى ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أصلًا، وهو الجزاء، أو دين الإسلام فلا تصدقون ثوابًا ولا عقابًا).\nوعن مجاهد: (﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قال: بالحساب). أو قال: (بيوم الحساب). وقال قتادة: (قوله ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قال: يوم شدّة، يوم يدين اللَّه العباد بأعمالهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾. يعني: وإن عليكم لملائكة رقباء حفظة يحفظون أعمالكم، ويحصونها عليكم، كرامًا على اللَّه كاتبين، يكتبون ما يصدر عنكم. والمقصود: فاحرصوا على أعمال الإيمان والطاعة لتكتب لكم، واجتنبوا الشرك والقبائح والآثام أن تسطر في صحائفكم.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي من خير أو شر. قال القاسمي: (أي يحصونه عليكم، فلا يغفلون ولا ينسون).\nقال الرازي: (إنّ اللَّه تعالى أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم. لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم. ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود، خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة. فيخرج لهم كتب\n_________\n(١) إسناده حسن. أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٥٩)، وأحمد (٤/ ٢١٠)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٧/ ٤٢٧). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٩٩).","vol":"8","page":366},{"text":"منشورة، ويحضر هناك ملائكة يشهدون عليهم، كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره).\n\n١٣ - ١٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: تقسيم المآل بحسب الأعمال، فأهل الإيمان والبر في نعيم الجنان، وأهل الكفر والعصيان في صِلِيِّ النيران، إنه يوم الدين والحساب، يوم نيل الثواب ونكال العقاب.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: إنّ الذين برّوا بأداء فرائض اللَّه، واجتناب معاصيه، لفي نعيم الجنان ينعمون فيها). والأبرار جمع \"بَرّ\" وهو المتصف بالبِرّ -أي الطاعة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. أي: وإن الذين فجروا عن أمر اللَّه -أي انشقوا عنه وخالفوه- سيصيرون إلى الجحيم.\nوقوله تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾. أي يصلى هؤلاء الفجار الجحيم يوم القيامة، يوم يُدان العباد بالأعمال، فيجازون بها. قال ابن عباس: (﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظّمهُ اللَّه، وحذّره عباده).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾. أي: لا يفارق أصحاب الجحيم النار أبدًا، ولا يغيبون عنها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يومًا واحدًا، بل هم فيها أبدَ الآبدين. كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال قتادة: (تعظيمًا ليوم القيامة، يوم تدان فيه الناس بأعمالهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. تأكيد لِعِظَم ذلك اليوم عن طريق التكرار، وتفخيم لأهواله التي تحمل الفضيحة والخزي على الكفرة والمجرمين والفجار.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. تفسير لما يكون في","vol":"8","page":367},{"text":"ذلك اليوم الرهيب، حيث لا تغني نفس عن نفس شيئًا، وتنتهي فيه الرياسات، والممالك والقرارات، والأمر يومئذ للجبار، الواحد القهار. وعن قتادة: (﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ قال: ليس ثم أحد يومئذ يقضي شيئًا ولا يصنع شيئًا إلا رب العالمين). وقال أيضًا: (والأمر واللَّه اليوم للَّه، ولكنه يومئذ لا ينازعه أحد).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: [قام رسول اللَّه -ﷺ- حين أنزل اللَّه ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا عباسُ بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللَّه شيئًا، ويا صفية عمةَ رسول اللَّه لا أغني عنك من اللَّه شيئًا، ويا فاطمةُ بنتَ محمد سليني من مالي لا أغني عنك من اللَّه شيئًا] (١).\n\nتم تفسير سورة الانفطار بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه عشاء الخميس ١٥/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٥/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٧٧١) - كتاب التفسير. وانظر صحيح مسلم -حديث رقم- (٢٠٤) - كتاب الإيمان.","vol":"8","page":368},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-445> دروس ونتائج وأحكام</span>-\n١ - انفطار السماء تشققها لنزول الملائكة، والفَطْر: الشَّق.\n٢ - يوم الدين: يوم يدين اللَّه العباد بأعمالهم، وهو يوم شدة على الناس.\n٣ - الأبرار: جمع بَرّ، وهو المتصف بالبِرّ، أي الطاعة.\n٤ - الأمر دومًا للَّه، ولكنه يوم القيامة لا ينازعه فيه أحد.\n* * *","vol":"8","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>٨٣ - سورة المطففين</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>ما ورد في ذكرها:</span>\nأخرج ابن ماجة والنسائي بسند حسن عن ابن عباس: [لما قدم النبي -ﷺ- المدينةَ، كانوا من أَخْبَثِ الناس كيلًا. فأنزل اللَّه سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فأحسنوا الكيل بعد ذلك] (١).\nوأخرج البخاري في \"التاريِخ الصغير\"، وأحمد وابن حبان والبزار، بسند صحيح، عن أبي هريرة قال: [خَرَجَ -ﷺ- إلى خيبر حين استخلف سباع بن عرفطة على المدينة، قال أبو هريرة: قدمتُ المدينة مهاجرًا فصليتُ الصبحَ وراء سباع، فقرأ في الركعة الأولى ﴿كهيعص﴾، وقرأ في الركعة الثانية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، قال أبو هريرة: فأقول في الصلاةِ: ويلٌ لأبي فلان! له مكيالان، إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كالَ كالَ بالناقص، فلما فرغنا من صلاتِنا أتينا سباعًا فزودنا شيئًا حتى قدمنا على رسول اللَّه -ﷺ- وقد افتتح خيبر، فكلم المسلمين، فأشركونا في سهمانهم] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>موضوع السورة</span>\nتهديد المطففين وخزي المجرمين يوم الدين ونَعْتُ حال السعداء الأتقياء المؤمنين\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (٢٢٢٣)، كتاب التجارات، باب التوقي في الكيل والوزن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"التاريخ الصغير\" (ص ١١ - ١٢)، وأحمد (٢/ ٣٤٣)، (٢/ ٣٤٦)، وابن حبان (٤٦٧)، والبزار (٣/ ٧٩/ ٢٢٨١)، وأخرجه الحاكم (٣/ ٣٦)، وقال: \"صحيح\" ووافقه الذهبي، وأقرّه الألباني في \"الصحيحة\" (٢٩٦٥).","vol":"8","page":370},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-449> منهاج السورة</span>-\n١ - تهديد اللَّه تعالى المطففين، الذي يعبثون بالكيل والميزان ولا يوفون.\n٢ - تثبيت كتاب الفجار في سجين، في سجل أهل النار أسفل الأرضين.\n٣ - طبع اللَّه على قلوب المكذبين، وحجبهم عن ربهم يوم الدين، ثم مصيرهم إلى الجحيم.\n٤ - تثبيت كتاب الأبرار في عليين، وهم يوم القيامة في النضارة والنعيم.\n٥ - نَعْت حال المجرمين في الدنيا وهم بالمؤمنين يسخرون، وانعكاس هذه الحال ليصبح المؤمنون يوم القيامة هم من الكفار يضحكون.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: التحذير الشديد والوعيد الأكيد للمطففين، الذين يعبثون بالكيل والميزان ويسلكون سبيل المنافقين، فالخزي والفضيحة والقصاص والعذاب يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.\nفقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. التطفيف: النقص من الكيل أو الوزن شيئًا طفيفًا، أي نزرًا حقيرًا. وربما كان لأحدهم صاعان يكيل للناس بأحدهما ويكتال لنفسه بِالآخر. قال الزجاج: (إنما قيل للفاعل من هذا مُطفِّف، لأنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إلا الشيء الطفيف الخفيف، وإنما أخذ من طَفِّ الشيءِ وهو جانبه).","vol":"8","page":371},{"text":"قال القرطبي: (﴿وَيْلٌ﴾ أي شدة عذاب في الآخرة) - ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. وقال ابن عباس: (إنه وادٍ في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، فهو قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أي الذين ينقصون مكاييلهم وموازينهم).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. يعني الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن. قال الفراء: (﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾: أي من الناس، يقال: اكتلت منك: أي استوفيت منك، ويقال اكتلت ما عليك: أي أخذت ما عليك). وقال الزَّجاج: (أي إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل). والمقصود: الذين إذا استوفوا أخذوا الزيادة، وإذا أوفوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا، فلا يرضون للناس ما يرضون لأنفسهم. - ذكره القرطبي.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. أي: وإذا كالوا لغيرهم من الناس ينقصون الكيل، وإذا وزنوا لغيرهم من الناس ينقصون الوزن.\nقلت: والآيات في موضع التوبيخ الشديد، وتَحْمِلُ التهديد والوعيد الأكيد، فإن الأصل الوفاء في الكيل والميزان، وقد أهلك اللَّه تعالى قوم شعيب عبر الزمان، لما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سويد بن قيس قال: [جلبتُ أنا ومخرَفة العبدي بَزًّا من هَجَر. . . فجاءنا رسول اللَّه -ﷺ- فساومنا سراويل. وعندنا وَزَّان","vol":"8","page":372},{"text":"يزن بالأجر. فقال له النبي -ﷺ-: يا وَزانُ! زِنْ وأرجِحْ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة -كذلك- في الباب عن سِماك بن حرب قال: سمعت مالكًا، أبا صفوان بن عُمَيْرة، قال: [بعت من رسول اللَّه -ﷺ- رِجْلَ سراويل قبل الهجرة. فوزن لي. فأرجح لي] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة في الباب -أيضًا- بإسناد صحيح عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا وَزَنتم فَأَرْجِحُوا] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة: [أنَّ رسول اللَّه -ﷺ-، مرَّ برجل يبيع طعامًا، فسأله: كيف تبيع؟ فأخبره، فأوحى إليه: أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لَيْسَ منّا مَنْ غَشَّ] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ألا يظن هؤلاء المطففون الناس في مكاييلهم وموازينهم، أنهم مبعوثون من قبورهم بعد مماتهم، ليوم عظيم شأنه، هائل أمره، فظيع هوله).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي يوم يقوم الناس واقفين منتظرين لأمر رب العالمين، أو لجزائه، أو لحسابه. وفي الآية دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه وفظاعة عقابه.\nوفي السنة الصحيحة من ذكر آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم ومالك، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر ﵄: [أنّ النبي -ﷺ- قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: حتى يغيبَ أحَدُهم في رَشْحِهِ إلى أَنْصافِ أُذُنَيْه] (٥). وفي رواية: [يقوم أحدهم في رَشْحِه إلى أَنْصَاف أُذُنَيْه].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢٢٢٠) - كتاب التجارات. باب الرجحان في الوزن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٢٢٢١) - الباب السابق. انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٨٠٦).\n(٣) أخرجه ابن ماجة في السنن (٢٢٢٢) - الباب السابق. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (١٨٠٧).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٤٥٢) - كتاب الإجازة. باب في النهي عن الغَشِّ. انظر صحيح سنن أبي داود (٢٩٤٦)، ونحوه في صحيح ابن ماجة (١٨٠٩). وأصله في صحيح مسلم.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٨) - كتاب التفسير، عند هذه الآية. وكذلك أخرجه برقم (٦٥٣١) - كتاب الرقاق. وأخرجه مسلم (٢٨٦٢) خ (٦٠)، والترمذي (٢٤٢٢)، و(٣٣٣٦)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٧٧)، وابن ماجة (٤٢٧٨).","vol":"8","page":373},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن نافع، عن ابن عمر: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: لعظمة الرحمن -﷿- يوم القيامة، حتى إنَّ العرقَ لَيُلْجِمُ الرجالَ إلى أنصاف آذانهم] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [يَعْرَقُ الناس يوم القيامة حتى يذهبَ عَرَقُهُم في الأرض سبعين ذراعًا، ويُلجمهم حتى يَبْلغ آذانهم] (٢).\nوله شاهد في صحيح مسلم من حديث المقداد قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد، حتى تكونَ قِيدَ مَيلٍ أو مَيلين. قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرقِ كقَدْرِ أعمالهم، وفي رواية: (فيكون الناس على قَدْر أعمالهم في العرق). فمنهم من يكون إلى كَعْبَيْهِ، ومنهم من يكون إلى رُكبَتَيْهِ، ومِنْهُم من يكونُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهم من يُلْجِمُهُ العَرَقُ إلجامًا. قال: وأشار رسول اللَّه -ﷺ- بيده إلى فيه] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول اللَّه -ﷺ- قيام الليل؟ فقالت: [لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قَبْلَكَ، كان إذا قام كبَّر عَشْرًا، وحمد اللَّه عشرًا، وسَبَّحَ عشرًا، وهَلَّلَ عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: \"اللهم اغفِر لي، واهْدني، وارزقني، وعافني\" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة] (٤).\n\n٧ - ١٧. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣١)، والطبري في \"التفسير\" (٣٦٥٨٢). وقوله: \"لعظمة الرحمن\" مدرج غالبًا.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٥٣٢) - كتاب الرقاق. عند تفسير هذه الآيات.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٦٤) - كتاب الجنة ونعيمها. باب في صفة يوم القيامة. وأخرجه أحمد (٦/ ٣ - ٤)، والبغوي (٤٣١٧)، وابن حبان (٧٣٣٠)، وغيرهم.\n(٤) حسن صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٧٦٦)، والنسائي (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، وأحمد في المسند (٦/ ١٤٣)، وابن ماجة في السنن (١٣٥٦)، وابن حبان فى صحيحه (٢٦٠٢)، وإسناده حسن، ورجاله ثقات. وانظر صحيح سنن أبي داود (٦٩٣).","vol":"8","page":374},{"text":"آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تثبيتُ كتاب الفجار في سجين، في سجل أهل النار أسفل الأرضين، الذين يكذبون بيوم الدين، وقد طبع اللَّه على قلوبهم وهم عن ربهم يوم القيامة من المحجوبين، ثم مصيرهم ومستقرهم إلى نار الجحيم.\nفقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال قتادة: (في أسفل الأرض السابعة). وقال الضحاك: (يقول: في الأرض السفلى). وسِجِّين: فِعِّيلٌ من السِّجن، وهو الضيق، كما يقال: فِسِّيق وسِكِّير. والمقصود: حقًا إن كتاب أعمال الفجار مكتوب في سجل أهل النار في الأرض السفلى ليناسب سفالة نياتهم وتوجهاتهم.\nوفي حديث البراء -في خروج روح الكافر والفاجر لا تفتح لها أبواب السماء- فيقول اللَّه ﷿: [اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾. تعظيم لأمر سجين، وتهويل لمصير أهله.\nوقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. قال قتادة: (كتاب مكتوب). قال النسفي: (وفسّر سجينًا بكتاب مرقوم، فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه! قلت: سجين كتاب جامع هو ديوان الشّر دوّن اللَّه فيه أعمال الشياطين والكفرة من الجن والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بيّن الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، من رقم الثياب علامتها، والمعنى أنّ ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي سجينًا فِعّيلًا من السجن، وهو الحبس والتضييق، لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم).\nوقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: الهلاك والدمارُ للمكذبين، يوم يخرج المكتوب، وتصدر النتائج، ويحين وقت النكال والقصاص.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. أي: الذين يكذبون بيوم الحساب والمجازاة. قال ابن زيد: (أهل الشرك يكذبون بالدين).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾. أي: فاجر جائر متجاوز في الإثم منهمك في أسبابه. قال قتادة: (﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾: أي بيوم الدين، إلا كل معتد في\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠).","vol":"8","page":375},{"text":"قوله، أثيم بربه). وقال ابن كثير: (أي: مُعْتد في أفعاله، من تَعاطي الحرامِ والمجاوزةِ فِي تناول المُباح، والأثيم في أقواله إن حَدَّثَ كذب، وإن وعَدَ أخلف، وإن خاصَمَ فَجَر).\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: إذا تتلى عليه آياتنا المنزلة على محمد -ﷺ- قال: هذا ما سطّره الأولون فكتبوه في كتبهم، من أحاديثهم وأباطيلهم وخرافاتهم.\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. -كلّا- رَدْعٌ وزجر، أي ليس الأمر كما يصف ذلك المعتدي الأثيم، وإنما هي المعاصي والذنوب والآثام، تزاحمت وتكاثرت فأحاطت بقلوبهم حتى غَطّاها الران.\nأخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنَّ العبدَ إذا أخطأ خطيئةً نُكِتَتْ في قلبه نُكْتَةٌ سَوْداء، فإذا نَزَعَ واستَغْفَر وتابَ صُقِلَ قَلبُهُ، وإنْ عادَ زيدَ فيها حتى تَعْلُو قلبَهُ، وهو الرّان الذي ذكر اللَّه ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾] (١). قال ابن عباس: (طبع على قلوبهم ما كسبوا).\nوعن الحسن: (﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال: الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب فيموت). وقال مجاهد: (العبد يعمل بالذنوب، فتحيط بالقلب، ثم ترتفع، حتى تغشى القلب). وقال أيضًا: (انبثت على قلبه الخطايا حتى غمرته). وقال الضحاك: (الرين موت القلب). وعن أبي سليمان: (الرين والقسوة زماما الغفلة). وقيل: الرينُ يعتري قلوبَ الكافرين، والغيمُ للأبرار، والغينُ للمقرَّبين.\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. أي: بل هم ممنوعون عن رؤيته تعالى يوم القيامة. قال قتادة: (هو لا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم). وقال الحسين بن الفضل: (كما حَجَبَهُم في الدنيا عن توحيده حَجَبَهُم في العقبى عن رؤيته). وقال الزجاج: (في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم، وإلا لا يكون التخصيص مفيدًا). وقال مالك بن أنس: (لما حجب أعداءه فلم يروه تجلّى لأوليائه حتى رأوه).\nقلت: و﴿كَلَّا﴾ رَدْعٌ عن الكسب الرائن على القلب، فهو الذي منعهم من رؤية\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٣٣٤)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٧٨)، وفي \"السنن\" (٤١٨)، ورواه ابن ماجة (٤٢٤٤)، والطبري (٣٦٦٢٣). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٥٤).","vol":"8","page":376},{"text":"وجهه سبحانه يوم الحساب. وإلا فالمؤمنون ينعمون بلذة النظر إلى وجهه الكريم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه العظيم.\n٣ - وقال تعالى هنا -في شأن الكفار-: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].\nقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول اللَّه ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى]. وفي رواية: [ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ﷿] (١).\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد وجامع الترمذي عن صهيب، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول اللَّه تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب، فينظرون إلى وجه اللَّه، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾] (٢).\nوفي أفراد مسلم عن جابر في حديثه: [إن اللَّه يتجلّى للمؤمنين يضحك] (٣) -يعني في عرصات القيامة- مما يدل أن المؤمنين ينظرون إليه سبحانه في العرصات وفي روضات الجنات.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾. أي: ثم إنهم مع هذا الحرمان، عن رؤية وجه الرحيم المنّان، لواردو الجحيم فمشويون في النيران، ليجمعوا بذلك بين تعاسة النفس وعذاب الأبدان.\n_________\n(١) انظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٢٠٦) - البحث العاشر - رؤية اللَّه يوم القيامة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٨١)، والترمذي (٢٥٥٢)، ورواه أحمد (٤/ ٣٣٣).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (١٩١) - في أثناء حديث مطول.","vol":"8","page":377},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: ثم يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير: هذا التكذيب للرسل في الدنيا أوصلكم إلى عذاب السعير.\n\n١٨ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تثبيتُ كتاب الأبرار في عليين، وإثبات نضارة وجوههم يوم الدين، فهم في الملذات في جنات النعيم.\nفقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. أي حقًا إن كتاب الأبرار مختلف عن كتاب الفجار، فهؤلاء كتابهم في عليين، وأولئك كتابهم في سجين. والأبرار: جمع بَرّ، وهم الذين بروا اللَّه بأداء فرائضه، واجتناب محارمه. و﴿عليون﴾ معناه علوّ في علوّ مضاعف، كأنه لا غاية له. قال النسفي: (هو علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين، منقول من جمع عِلِّيّ، فِعِّيل من العلو، سمي به لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في السماء السابعة).\nيروي ابن جرير بسنده عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر عن العليين، فقال كعب: (هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين). وقال قتادة: (في السماء العليا). وقال الضحاك: (﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: في السماء عند اللَّه).\nوفي سنن أبي داود ومسند أحمد من حديث البراء مرفوعًا -في ارتفاع روح المؤمن بعد نزعها إلى طبقات السماء-: [فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول اللَّه ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فيكتب كتابه في عليين] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وما أعلمك يا محمد أيّ شيء عِلّيون؟\n_________\n(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث رواه أبو داود (٢/ ٢٨١)، وأحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠)، والطيالسي (٧٥٣)، وقد مضى، وإسناده صحيح.","vol":"8","page":378},{"text":"على جهة التفخيم والتعظيم لعليين في المنزلة العالية.\nأخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن أهل الدرجات العُلا ليَراهم من تَحْتَهم كما تَرَوْنَ النَّجْمَ الطالِعَ في أُفُقِ السَّماء، وإنَّ أبا بكرٍ وعُمَرَ منهم وأنْعَما] (١).\nوقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. أي: الكتاب الذي فيه أسماء الأبرار كتاب مسطور. وقوله تعالى: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. قال قتادة: (وهم الملائكة). وقال العوفي، عن ابن عباس: (يشهُده من كلِّ سماء مقرّبوها). والمقصود: أن الملائكة يحضرون ذلك الكتاب المرقوم ويرونه. وقيل: يشهدون بما فيه يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. الأرائك: الأسِرّة التي في الحجال، وهي الكِلَل. قيل: ينظرون إلى ما أعدّ اللَّه لهم من الكرامات. وقيل: ينظرون إلى وجهه ﷻ.\nوقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. قال ابن كثير: (أي: تَعْرِفُ إذا نظرتَ إليهم في وجوههم نَضْرَة النعيم، أي: صِفَة الترافة والحِشْمَةِ والسُرور والدَّعةِ والرِّياسة، مما هم فيه من النعيم العظيم).\nوقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. أي: يُسْقون من خمر من الجنة. قال ابن عباس: (يعني بالرحيق: الخمر). قلت: والرحيق من أسماء الخمر، وهو من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده (٢). والمختوم الذي له ختام، فهو ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه للأبرار.\nوقوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال ابن مسعود: (أي: خَلْطُه مِسْكٌ). وقال ابن عباس: (طيَّبَ اللَّه لهم الخمر، فكانَ آخرَ شيء جُعِلَ فيها مسكٌ، خُتِمَ بِمِسْك). وقال الحسن: (﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، أي: عاقِبتُه مِسْك). وقال مجاهد: (طِيْبُهُ مِسْك).\nوالمقصود: أنَّ آخر طعمه ريح المسك، فإذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك. وقيل: مختومة أوعيته بمسك، ليجمع بذلك بين الرائحة العطرة والمذاق اللذيذ.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٩٦)، والترمذي (٣٦٥٨). وانظر صحيح الترمذي (٢٨٩٢).\n(٢) وفي الصحاح: (الرحيق: صَفْوةُ الخَمْر)، وهو من رَحَقَ - حكاه الرازي.","vol":"8","page":379},{"text":"وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ذلك فليرغب الراغبون. والتنافس: التنازع في الشيء والتشاجر عليه، فيريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره: أي يضنّ به. وهو مأخوذ من الشيء النفيمس، والذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. قال القرطبي: (وقيل: الفاء (١) بمعنى إلى، أي: وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل، نظيره: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]).\nوالمقصود: التنافس بالمسارعة إلى الخيرات والانتهاء عن السيئات، فهو التسابق المحمود إلى طاعة اللَّه ونيل رضاه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. أي: ويمزج ذلك الرحيق من تسنيم، وهو شراب ينصبّ عليهم من علوّ، وهو أشرف شراب الجنة. فعن مجاهد: (﴿تَسْنِيمٍ﴾ قال: تسنيم، يعلو). وعن معمر، عن الكلبي قال: (تسنيم ينصب عليهم من فوقهم، وهو شراب المقربين).\nوالتسنيم مصدر سنّمه إذا رفعه. قال ابن جرير: (والتسنيم: التفعيل من قول القائل: سنمتهم العين تسنيمًا: إذا أجريتها عليهم من فوقهم، فكان معناه في هذا الموضع: ومزاجه من ماء ينزل عليهم من فوقهم فينحدر عليهم).\nوالخلاصة: ومزاج ذلك الرحيق من ﴿تَسْنِيمٍ﴾ وهو علم لعين بعينها، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنّمه إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، أو لأنها تاتيهم من فوق وتنصب في أوانيهم - ذكره النسفي.\nوقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾. عَيْنًا: حال، أو نصب على المدح. والمعنى: يسقون الرحيق من عين التسنيم يمزجون بها كؤوسهم. قال ابن عباس وابن مسعود: (عين في الجنة يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين).\n\n٢٩ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى\n_________\n(١) أي في قوله: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.","vol":"8","page":380},{"text":"الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ حال المجرمين في دار الدنيا وهم بالمؤمنين يسخرون، وإذا مروا بهم يتغامزون ويلمزون، ثم انعكاس هذه الحال ليصبح المؤمنون يوم القيامة هم من أعدائهم يضحكون، على الأرائك ينظرون، وقد نزل بالكفار سخط اللَّه ونالوا نكال ما كانوا يفعلون.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾. قال قتادة: (في الدنيا، يقولون: واللَّه إن هؤلاء لكذبة، وما هم على شيء، استهزاءً بهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، بقصد احتقارهم. وهو من الغمز: الإشارة بالجفون والحواجب، فهم يعيِّرونهم بالإسلام ويعيبونهم به.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾. أي: وإذا رجع الكفار إلى أهلهم من مجالسهم رجعوا معجبين بما هم فيه متلذذين به، يتفكهون بالطعن في المؤمنين، والاستهزاء بهم. قال ابن عباس: (فاكهين: معجبين). وقال ابن زيد: (انقلب ناعمًا، هذا في الدنيا، ثم أعقب النار في الآخرة). قال ابن كثير: (أي: وإذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدُوا، ومع هذا ما شكروا نعمة اللَّه عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقِرونهم ويحسُدونهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: لكونهم على غير دينهم. قال النسفي: (﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ وإذا رأى الكافرون المؤمنين ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ أي خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا الحقيقة بالخيال، وهذا هو عين الضلال).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: ولم يرسل هؤلاء الكفار على المسلمبن من جهة اللَّه موكلين بهم يحفظون عليهم ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، وإنما كُلِّفوا بالإيمان باللَّه والعمل بطاعته، ولم يجعلوا رقباء على غيرهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\nقال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ","vol":"8","page":381},{"text":"تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١١].\nوقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: ففي ذلك اليوم يضحك المؤمنون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، فقلب اللَّه الصورة وحاق المكر بأهله، فعزّ المؤمنين وأخزى الكافرين.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. أي: ينظرون إلى وجه ربهم وهم على سررهم، وإلى خزي وعذاب الكافرين. قال النسفي: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حال، أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار، بعد العزة والاستكبار، وهم على الأرائك آمنون). وقال ابن كثير: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾، أي: إلى اللَّه -﷿- في مُقابلةِ من زَعَم فيهم أنهم ضالّون، وليسوا بضالين، بل هم أولياء اللَّه المُقَرَّبين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته).\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. قيل معنى ﴿هَلْ﴾ التقرير. والتقدير: قد وقع الجزاء للكفار بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين والاستهزاء بهم. وقيل: هو إضمار على القول. قال القرطبي: (والمعنى، يقول بعض المؤمنين لبعض ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ أي أثيب وجُوزي. وهو من ثاب يثوب أي رجع، فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشر).\nوخلاصة القول: هل جوزي الكفار على استهزائهم بالحق والمؤمنين؟ ! نعم، قد جوزوا أتم الجزاء وأكمله، وقوبلوا في الآخرة بنقيض مسلكهم، وحصدوا نتاج زرعهم: البكاء بعد الضحك، والندم بعد الفرح، والحصار في عذاب النار، بعد الانطلاق بالفساد والإفساد في دار الاختيار.\n\nتم تفسير سورة المطففين بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم السبت ١٧/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٧/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م","vol":"8","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - إذا وزنتم فأرجِحوا. وليس منا من غشّ، والمكر والخداع في النار.\n٢ - إن العَرَقَ ليلجِمُ الرجال يوم القيامة إلى أنصاف آذانهم، وتفاوت الناس يومئذ في العَرَقِ بحسب أعمالهم.\n٣ - إذا أخطأ العبد خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا نزعَ واستغفر وتاب صُقِلَ قلبه، وإن عاد زيدَ فيها حتى تعلو قلبه، وذلك هو الران.\n٤ - كما حجب اللَّه الكفار في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته.\n٥ - الرحيق من أسماء الخمر، وهو من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده.\n٦ - جزاء الكفار يوم الحساب: البكاء بعد الضحك، والندم بعد الفرح، والعذاب في النار، بعد الانطلاق في الفساد والإفساد في دار الاختيار.\n* * *","vol":"8","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>٨٤ - سورة الإنشقاق</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>الأحاديث الواردة في ذكرها:</span>\nالحديث الأول: أخرج أحمد والترمذي والحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ سَرَّه أنْ ينظرَ إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي رافع قال: [صَلَّيتُ مع أبي هريرة العَتَمَةَ فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سَجَدْتُ بها خلْفَ أبي القاسم -ﷺ-، فلا أزال أسْجُدُ فيها حتى ألقاه] (٢).\nالحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن: [أنَّ أبا هريرة قرأ لهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. فسجد فيها. فلما انصرف أَخبرهم أنَّ رسول اللَّه -ﷺ-: سَجَدَ فيها] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج مسلم وأصحاب السنن عن عطاءِ بنِ ميناءِ، عن أبي هريرة\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٢٧ - ٣٦ - ١٠٠)، والترمذي (٣٣٣٣)، والحاكم (٢/ ٥١٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠٧٨) - كتاب سجود القرآن، وأخرجه مسلم (٥٧٨) ح (١١)، وأخرجه أبو داود (١٤٠٨)، والنسائي (٢/ ١٦١).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٧٨) - كتاب المساجد - ح (١٠٧)، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٦٨٠)، وفي \"السنن\" (٩٦١).","vol":"8","page":384},{"text":"قال: [سَجَدْنا مع النبي -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (١). وفي رواية قال: [سجدَ رسول اللَّه -ﷺ-: في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>موضوع السورة</span>\nانشقاق السماء ومد الأرض يوم الدين وسعادة المؤمنين وشقاء الكافرين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-454> منهاج السورة</span>-\n١ - تشقق السماء ودكّ الجبال وبسط الأرض وإخراج الأموات من بطنها لمشهد الحشر.\n٢ - كل ما يلقى الإنسان في هذه الدنيا من العناء والجهد في سبيل اللَّه يلقى ثوابه عند ربه الكريم.\n٣ - من أوتي كتاب أعماله بيمينه فقد ظفر بالفوز العظيم، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يصلى نار الجحيم.\n٤ - قَسَمُ اللَّه بالشفق، والليل وما جمع، والقمر إذا استوى واجتمع، أن العباد مدعوون لتتابعٍ في الأحوال: من الغنى والفقر والموت والبعث ثم العرض، فما لأكثرهم لا يؤمنون.\n٥ - الكفار موعدهم إلى نار الجحيم، والمؤمنون مستقرهم في جنات النعيم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٧٨) ح (١٠٨ - ١٠٩)، وأخرجه أبو داود (١٤٠٧)، والنسائي (٢/ ١٦٢)، والترمذي (٥٧٣)، وابن ماجة (١٠٥٨)، وأخرجه ابن حبان (٢٧٦٧).","vol":"8","page":385},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: تصدُّع السماء ودَكُّ الجبال وبسط الأرض وإخراجها ما فيها من الأموات لمشهد الحشر العظيم، وكل ما يلقى الإنسان في هذه الدنيا من العناء والجهد في سبيل اللَّه يقابله به الرحمان الكريم، فمن أوتي كتاب أعماله بيمينه فقد ظفر بالفوز العظيم، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يصلى نار الجحيم.\nفقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. أي انصدعت، وتفطّرت، وكانت أبوابًا. وذلك يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: أطاعت ربها واستمعت لأمره لها بالانشقاق، وحُقَّ لها أن تطيع وتنقاد وتسمع. قال ابن عباس: (﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾: سمعت لربها. قال: حقّقت لطاعة ربها). وقال سعيد بن جبير: (﴿وَحُقَّتْ﴾: وحقّ لها).\nوالمقصود: وحُقَّ لها أن تطيع أمر ربها، فهو العظيم الواحد القهار الذي لا يمانع أمره ولا يخالف.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي بُسِطت، ودكت جبالها، حتى صارت قاعًا صفصفًا. قال ابن كثير: (﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي: بُسْطَتْ وَفُرِشَت وَوُسِّعت).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾. أي: أخرجت ما فيها من الأموات وطرحته على ظهرها، ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ أي: تبرأت منهم وتخلّت عنهم إلى اللَّه لينفذ فيهم أمره. قال قتادة: (﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾: أخرجت أثقالها وما فيها). وقال سعيد بن جبير: (ألقت","vol":"8","page":386},{"text":"ما في بطنها من الموتى، وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء). وقال النسفي: (﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾: ورمت ما في جوفها من الكنوز والموتى. ﴿وَتَخَلَّتْ﴾: وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وسمعت الأرض في إلقائها ما في بطنها من الموتى إلى ظهرها أحياء، أمرَ ربها وأطاعت ﴿وَحُقَّتْ﴾ يقول: وحَقَّقها اللَّه للاستماع لأمره في ذلك، والانتهاء إلى طاعته). وقال القاسمي: (﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي انقادت له في التخلية، وحق لها ذلك، وإعادة الآية للتنبيه على أن ذلك تحت سلطان الجلال الإلهي وقهره ومشيئته. وجواب ﴿وَإِذَا﴾ محذوف للتهويل بالإبهام. أي: كان ما كان مما لا يفي به البيان. أو لاقى الإنسان كدحه، كما قال).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. هو خلاصة هذه الحياة. والمراد جنس الإنسان، فيشمل المؤمن والكافر. والمعنى: إنك أيها الإنسان ساع إلى ربك سعيًا، وعاملٌ عملًا، وسوف تلاقي ربك بعملك.\nقال ابن عباس: (﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ يقول: تعمل عملًا تلقى اللَّه به خيرًا كان أو شرًا). فالضمير في ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ يعود على ﴿رَبِّكَ﴾ أي: فملاق ربك، أو يعود على الكدح والعمل، وكلا المعنيين متلازم.\nأخرج الحاكم والطيالسي بسند حسن عن جابر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [قال جبريل: يا محمدُ! عِشْ ما شِئت فإنك مَيِّت، وأحْبِبْ ما شِئت فإنك مُفَارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه] (١).\nقلت: والآية تنبيه للعاقل أن يلتمس في كدحه طاعة اللَّه ويجتنب ما يسخطه. كما قال قتادة: (إن كَدْحَكَ -يا ابن آدمَ- لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحُه في طاعة اللَّه فليفعَلْ، ولا قوة إلا باللَّه).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾.\nأي: من أعطي كتاب أعماله بيمينه، تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها اللَّه من غير أن يناقشه الحساب.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٢٥)، والطيالسي (١٧٥٥)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٠٥٤٠) من حديث جابر بن عبد اللَّه، وإسناده حسن.","vol":"8","page":387},{"text":"فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ليسَ أحَدٌ يُحاسَبُ إلا هَلَكَ\"، قالت: قلتُ: يا رسول اللَّه، جعلني اللَّه فِداءَكَ، أليس يقول اللَّه ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قال: ذاكَ العَرْضُ يُعْرَضونَ، ومن نوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ] (١).\nوفي رِواية: [ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، مَنْ نوقِشَ الحساب يوم القيامة عُذِّب]. وفي لفظ: [ذاكِ العرض، ولكن من نوقِشَ المحاسَبَةَ هلك].\nوأخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [مَنْ حُوسِبَ عُذِّب] (٢).\nوأخرج أحمد والطبري بسند صحيح عن عائشة قالت: [سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول في بعض صلاته: \"اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا\". فلما انصرف قلتُ: يا رسول اللَّه! ما الحساب اليسير؟ قال: أن يُنْظَرَ في كتابه فَيُتجاوزَ له عنه، إنه من نوقش الحساب -يا عائشة- يومئذ هلك] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. أي: وينصرف إلى أهله في الجنة ﴿مَسْرُورًا﴾ أي: مغتبطًا قرير العين. قال قتادة: (إلى أهل أعدّ اللَّه له في الجنة).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾. أي بشماله من وراء ظهره. قال مجاهد: (يجعل يده من وراء ظهره). وقال ابن كثير: (تُثْنى يدُه إلى ورائه ويُعْطى كتابه بها كذلك).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾. قال الضحاك: (يدعو بالهلاك). قال ابن جرير: (يقول: فسوف ينادي بالهلاك، وهو أن يقول: واثبوراه! واويلاه! وهو من قولهم: دعا فلان لهفه: إذا قال: والهفاه).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾. أي: يدخلها ويقاسي حرّ نارها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. أي: إنه كان فرحًا باتباع هواه وركوب\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٩) - كتاب التفسير، عند هذه الآيات. وأخرجه مسلم (٢٨٧٦) ح (٨٠) - كتاب الجنة ونعيمها. باب إثبات الحساب.\n(٢) حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٣٨) - كتاب التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٥٨).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد من حديث عباد بن عبد اللَّه بن الزبير بإسناد صحيح على شرط مسلم. ورواه ابن جرير في \"التفسير\" (٣٦٧٣٤).","vol":"8","page":388},{"text":"شهوته، بَطِرًا أشِرًا لعدم خطور الآخرة بباله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾. أي: إنه ظن أنه لا يرجع إلى اللَّه للحساب. قال قتادة: (﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ قال: أن لن ينقلب. يقول: أن لن يبعث). وقال أيضًا: (أن لا معاد له ولا رجعة). وقال مجاهد: (أن لا يرجع إلينا).\nوالحَوْر: هو الرجوع: من حارَ يحور إذا رجع، قال ابن عباس: (ما كنت أدري: ما يحور؟ حتى سمعت أعرابية تدعو بنية لها: حُوري، أي ارجعي إليّ).\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث عبد اللَّه بن سرجس قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سافر، يتعَوَّذُ مِن وَعْثاءِ السَّفر، وكآبة المُنْقَلب، والحَوْرِ بَعْد الكون -وفي رواية: بعد الكَوْر-، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال] (١). فهو يتعوذ من الحَوْر بَعْد الكَوْر: يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، فأصل الحور الرجوع.\nوقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. أي: ليس الأمر كما يظن أن لا رجعة ولا حساب، بل إنه سيحور إلى ربه ويرجع، إن ربّه عالم به قبل أن يخلقه، وقضى له الرجوع إليه، والوقوف للجزاء بين يديه، وقد علم بما سبق له في أي الفريقين يستقر: في أهل السعادة أم أهل الشقاء.\nقال النسفي: (﴿بَلَى﴾ إيجاب لما بعد النفي في ﴿لَنْ يَحُورَ﴾ أي بلى ليحورن ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ﴾ وبأعماله ﴿بَصِيرًا﴾ لا يخفى عليه، فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها).\n\n١٦ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾.\nفي هذه الآيات: قَسَمُ اللَّه تعالى بالشفق والليل وما جمع، والقمر إذا استوى واجتمع، أن عباده مَدْعوُّونَ إلى أحوال ومنازل تتابع، من الغنى والفقر والموت\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٣٤٣) - كتاب الحج، وأخرجه أحمد (٥/ ٨٣)، والترمذي (٣٤٣٥)، والنسائي (٨/ ٢٧٢)، وابن ماجة (٣٨٨٨).","vol":"8","page":389},{"text":"والبعث والعرض الرهيب، فما لأكثرهم لا يؤمنون ولا يستعدون لذلك المشهد المهيب، فالكفار موعدهم نار الجحيم، والمؤمنون مستقرهم في جنات النعيم.\nفقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾. أي: فأقسم، و\"لا\" صلة. والشفق: الحمرة التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة. قال مالك: (الشَّفَقُ الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة فقد خرجت من وقت المغرب ووجبت صلاة العشاء). وقال الجوهري في الصحاح: (الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العَتَمة). وأصل الكلمة من رقة الشيء، يقال: شيء شفِق أي لا تماسك له لرقته، والمقصود: هنا رقة ضوء الشمس عند الغروب.\nوفي صحيح الإمام مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [وقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس، ما لم يسقط الشّفق] (١).\nوفيه أيضًا من حديث بريدة مرفوعًا: [وصَلّى المغرب قبْلَ أن يغيبَ الشَّفَقُ] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أي: والليل وما جَمَعَ وحَمَلَ، فإنه جمع وضمّ ما كان منتشرًا بالنهار في تصرّفه، وذلك أنّ الليل إذا أقبل آوى كل شيء إلى مأواه. قال ابن عباس: (﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جمع). وقال قتادة: (وما جمع من نجم ودابة)، وكأنه -تعالى- أقسم بالضياء والظلام.\nقال ابن جرير: (أقسم اللَّه بالنهار مدبرًا، وبالليل مقبلًا). وقال عكرمة: (﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾، يقول: ما ساقَ من ظُلمة، إذا كان الليل ذهب كلُّ شَيء إلى مأواه).\nقلت: وأصل الوَسْق في لغة العرب: من وَسَقَ الشيء إذا جَمعه وحمله وضَمّه. وأوْسَق البعير أي: حَمَّلَهُ حِمله. ومنه قيل للطعام الكثير المجتمع: وَسْقٌ، وهو ستون صاعًا. قال الرازي: (ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ فإذا جَلَّلَ الليلُ الجبالَ والأشجار والبحار والأرض فاجتمعت له فقد وسَقَها).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. أي: والقمر إذا تَمَّ واجتمع واستوى وتكامل في منتصف الشهر القمري. قال ابن عباس: (﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: إذا اجتمع واستوى). وقال الحسن: (اتسق: أي امتلأ واجتمع). وقال قتادة: (إذا استدار). والاتساق افتعال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٦١٢) - كتاب المساجد - ح (١٧٤). في أثناء حديث طويل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦١٣) - كتاب المساجد - من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه.","vol":"8","page":390},{"text":"من الوسْق الذي هو الجمع، يقال: وسقته فاتسق. ويقال: أمر فلان متسق: أي مجتمع على الصلاح منتظم. والمقصود في الآية: أنه يقسم تعالى بالقمر إذا تكامل نورُه وأبْدَرَ، فجعله مقابلًا لليل وما وسق.\nوقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. اللام واقعة في جواب القسم. والمعنى: لتركبن أيها الناس حالًا بعد حال، من الغنى والفقر، والموت والحياة، ودخول الجنة أو النار. قال ابن عباس: (الشدائد والأهوال: الموت، ثم البعث، ثم العَرْض).\nوأخرج البخاري في \"كتاب التفسير\" من صحيحه، عند هذه الآية عن مجاهد قال: قال ابن عباس: [﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: حالًا بَعْدَ حالٍ. قال هذا نبيّكُم -ﷺ-] (١).\nوالطبق واحد الأطباق، وطبقات الناس مراتبهم. قال الرازي: (و\"الطَبَقُ\" الحال) (٢).\nومن أقوال أئمة المفسرين في تفصيل ذلك:\n١ - قال الحسن: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: أمرًا بعد أمر، رخاء بعد شدّة، وشدّة بعد رخَاء، وغنًى بعد فقر، وفقرًا بعد غِنًى، وصحة بعد سُقْم، وسقمًا بعد صحة).\n٢ - وقال سعيد بن جبير: (منزلة بعد منزلة، قومٌ كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا مرتفعين فاتضعوا في الآخرة).\n٣ - وقال ابن زيد: (ولتصيرُن من طبقِ الدنيا إلى طبقِ الآخرة). قال القاسمي: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أي حالًا بعد حال. والمعنيّ بالحال الأولى البعث للجزاء على الأعمال. وبالثانية الحياة الأولى. وفيه تنبيه على مطابقة كل واحدة لأختها. فإن الحياة الثانية تماثل الأولى وتطابقها من حيث الحسّ والإدراك والألم واللذة، وإن خفي اكتناهها. وجوز أن يكون ﴿طَبَقًا﴾ جمع طبقة وهي المرتبة. أي لتركبن مراتب شديدة مجاوزة عن مراتب وطبقات، وأطوارًا مرتبة بالموت وما بعده من مواطن البعث والنشور. قال الشهاب: الطبق معناه ما طابق غيره مطلقًا في الأصل، ثم إنه خص بما ذكر، وهو الحال المطابقة أو مراتب الشدّة المتعاقبة).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٠) - كتاب التفسير، سورة الانشقاق، آية (١٩).\n(٢) والعرب تقول لمن وقع في أمر شديد: وقعَ في بناتِ طَبَق، وإحدى بنات طبَق، ومنه قيل للداهية الشديدة: أم طبق، وإحدى بناتِ طبق: وأصلها من الحَيّات، إذ يقال للحية أم طبق لتحوِّيها. - حكاه القرطبي.","vol":"8","page":391},{"text":"أي: فما لهم لا يؤمنون باللَّه ورسوله واليوم الآخر وهذا الوحي مع وجود موجبات الإيمان! وما يمنعهم من السجود إذا تليت عليهم آيات الرحمان!؟ . قال ابن زيد: (﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: بهذا الحديث، وبهذا الأمر). وهذا استفهام إنكار. وقيل: بل هو تعجب، والمعنى: اعجبوا منهم في تركهم الإيمان مع هذه الحجج والآيات، وتركهم السجود إذا تليت عليهم آيات القرآن إعظامًا وإكرامًا واحترامًا؟ !\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [سجدنا مع النبي -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾] (١).\nوقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: من سَجِيَّتهم التكذيب والعناد والمخالفةُ للحق).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. قال مجاهد وقتادة: (يكتمون في صدورهم). وهو مأخوذ من الوعاء الذي يَجْمع ما فيه. والعرب تقول: أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء. والمقصود: واللَّه أعلم بما يضمرونه في صدورهم من المكر والتكذيب.\nوقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: فبشر يا محمد هؤلاء المكذبين بعذاب موجع أعدّه اللَّه لهم. وقد جعله بشارة تهكّمًا بهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال ابن عباس: (غير منقوص). وقال مجاهد: (غير محسوب). والاستثناء هنا منقطع، والتقدير: لكن الذين آمنوا حق الإيمانِ بقلوبهم، وصدّقوا ذلك بأقوالهم وأعمالهم، لهم أجر عند اللَّه غير منقوص ولا مقطوع (٢)، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨].\n\nتم تفسير سورة الانشقاق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة الأحد ١٨/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٨/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٧٨) ح (١٠٨ - ١٠٩). وأخرجه أبو داود (١٤٠٧)، وقد مضى.\n(٢) والعرب تقول: مَنَنْتُ الحبل: إذا قطعته. وقيل المعنى: لا يُمَنُّ عليهيم به، والأول أرجح، لأن اللَّه تعالى له المنة على أهل الجنة في ما آتاهم ورزقهم، فقد دخلوها بِمَنّهِ ورحمته وكرمه. واللَّه تعالى أعلم.","vol":"8","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾.\n٢ - ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فمن نوقش الحساب عُذِّب.\n٣ - أصل الحَوْرِ الرجوع. من حار يحور إذا رجع.\n٤ - ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: أي حالًا بعد حال.\n٥ - سجد النبي في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وسجد معه أصحابه.\n* * *","vol":"8","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>٨٥ - سورة البروج</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٢).\nوثبت في السنة الصحيحة أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يجعل الركعتين الأخيرتين من صلاة الظهر أقصر من الأوليين، و[كان -أحيانًا- يقرأ بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ وبـ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوهما من السور] (١).\nوأخرج النسائي بسند صحيح عن جابر بن سمرة: [أنَّ النبي -ﷺ-، كان يقرأ في الظهر والعصر، بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوهما] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>موضوع السورة</span>\nالقسم بالسماء ذات البروج وأيام الجمعة وعرفة والقيامة أن العذاب واقع بالمجرمين، وأن المؤمنين أهل البر والعمل الصالح مُسْتَقَرّهُم في جنات النعيم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-458> منهاج السورة</span>-\n١ - قسم اللَّه تعالى بالسماء ويوم القيامة ويوم الجمعة ويوم عرفة، أن أصحاب الأخدود الذين فتنوا المؤمنين سيلقون عذابه وسخطه.\n_________\n(١) انظر صحيح مسلم - كتاب المساجد، ومسند الطيالسي. وتفصيل ذلك في \"صفة صلاة النبي\" - الألباني - ما كان يقرؤه -ﷺ- في الصلوات - ص (٩٤ - ٩٥).\n(٢) حسن صحيح. أخرجه النسائي في السنن \"صحيح النسائي - ٩٣٦\" كتاب الافتتاح، باب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العصر. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٢).","vol":"8","page":394},{"text":"٢ - البشرى للمؤمنين أهل الصالحات والقربات بجنات النعيم، والوعيد الشديد على الطغاة أمثال فرعون بنار الجحيم.\n٣ - هذا القرآن مجيد عزيز ليس بالسحر ولا بالشعر كما يقولون، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ لو كانوا يعلمون.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالسماء ذات النجوم العظام، وباليوم الموعود يوم القيامة الذي فيه يكون الثواب أو الانتقام، وبالشاهد يوم الجمعة أعظم الأيام، وبالمشهود يوم عرفة يوم حجّ أهل الإسلام، أنه قد لُعن الطغاة أصحاب الأخدود وأمثالهم، الذين قهروا المؤمنين وفتنوهم عن دينهم.\nفقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. أي: النجوم العظام. قال ابن عباس: (البروج: النجوم). وفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١].\nوقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قسم آخر من اللَّه ﵎ باليوم الموعود -وهو القيامة-، وبالشاهد -وهو يوم الجمعة-، وبالمشهود -وهو يوم عرفة.\nفقد أخرج الترمذي بسند حسن -عند تفسير هذه الآيات- عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [اليوم الموعود يومُ القيامة، واليوم المشهودُ يومُ عرفةَ، والشاهِدُ يومُ","vol":"8","page":395},{"text":"الجمعة. قال: وما طلعت الشَّمسُ ولا غربت على يَوْمٍ أفضلَ مِنْهُ، فيه ساعةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مؤمِنٌ يدعو اللَّه بخير إلا استجابَ اللَّه لهُ، ولا يَستعيذُ مِنْ شيءٍ إلا أعاذَهُ اللَّه مِنْهُ] (١).\nوله شاهد عند الطبراني بسند حسن لغيره عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [اليوم الموعود يوم القيامة، وإن الشاهد يوم الجمعة، وإن المشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخره اللَّه لنا، وصلاة الوسطى صلاة العصر] (٢).\nقلت: فاليوم الموعود هو اليوم الذي وُعِدَ به الخلائق للحشر والحساب، والشاهد يوم الجمعة وفيه تقوم الساعة ويشهد محمد -ﷺ- وأمته على الأم، واليوم المشهود يوم عرفة تشهده الملائكة، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. هذا جواب القسم. أي لعن الطغاة أصحاب الأخدود.\nقال ابن عباس: (كل شيء في القرآن ﴿قُتِلَ﴾ فهو لُعِنَ). والأخدود: الحفيرُ في الأرض. قال البخاري: (قال مجاهد: ﴿الْأُخْدُودِ﴾: شقٌّ في الأرض).\nوالآية خبرٌ من اللَّه تعالى عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين فقهروهم ليرجعوا عن دينهم، فلما أبوا، عمدوا إلى تأجيج النار في أخاديد حفروها فقذفوهم فيها وهم ينظرون إليهم.\nوهو قوله تعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾.\nالنار: بدل اشتمال من الخدود.\nوالوقود: الحطب الذي توقد به. وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: لُعِنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين على الكراسي عند الأخدود ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ من عرض المؤمنين على النار ليرجعوا عن دينهم ﴿شُهُودٌ﴾ أي حضور، وهم كذلك يشهدون على أنفسهم بما فعلوا يوم القيامة، ثم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. وعن قتادة: (﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ يعني بذلك الكفار). والمراد بهذا التأويل: حضور، أي\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٣٣٣٩)، كتاب التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٥٩).\n(٢) حسن لغيره. أخرجه الطبراني (٣٤٥٨). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ج (٤) ص (٥) عقب الحديث (١٥٠٢). وانظر صحيح الجامع الصغير (٨٠٥٦) - (٨٠٥٧).","vol":"8","page":396},{"text":"كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبى ألقوه في النار وهم شهود لذلك التعذيب. فبالتأويل الأول ﴿عَلَى﴾ بمعنى \"مع\" أي: وهم: مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وبالتأويل الثاني: وهم على ما فعلوه بالمؤمنين في الدنيا شهود على أنفسهم يوم القيامة. وكلا التأويلين صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\nأي: وما وجَدَ هؤلاء الكفار -الذين فتنوا المؤمنين- على المؤمنين والمؤمنات إلا أنهم أخلصوا الإيمان باللَّه ﴿الْعَزِيزِ﴾ أي الغالب الشديد في انتقامه من أعدائه ﴿الْحَمِيدِ﴾. أي: المحمود بإحسانه إلى خلقه، والمحمود في كل حال.\nوفي السنة الصحيحة حديثان في آفاق هذه الآيات:\nالحديث الأول: روى مسلم في الصحيح، والنسائي في السنن والتفسير، وأحمد في المسند، عن صُهَيب، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [كانَ مَلِكٌ فيمَنْ كان قَبْلكُمْ، وكانَ له ساحِرٌ، فَلَمَّا كَبُرَ قال للملك: إني قَدْ كَبُرْتُ فابْعَثْ إليَّ غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْر، فبَعَثَ إليه غُلامًا يُعَلِّمُهُ، فكان في طَريقِهِ، إذا سَلَكَ، راهِبٌ، فَقَعَدَ إليه وسَمِعَ كلامَهُ، فأعْجَبَهُ، فكانَ إذا أتى الساحِرَ مَرَّ بالراهب وقَعَدَ إليه، فإذا أتى الساحِرِ ضَرَبَهُ، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خَشيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنَي أَهْلي، وإذا خَشيتَ أهلكَ فَقُلْ: حَبَسَني السَّاحِرُ، فبينما هو كذلكَ إذْ أتى على دابَّةٍ عَظيمةٍ قَدْ حَبَسَتِ الناس، فقال: اليَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أفضلُ أمِ الراهِبُ أفضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا فقال: اللهمَّ! إنْ كانَ أمرُ الراهب أحبَّ إليكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقْتُل هذه الدّابةَ، حتى يمضيَ الناسُ، فرَماها فقَتَلها، ومضى الناسُ، فأتى الراهِبَ فأخبَرَهُ، فقال له الراهِبُ: أي بُنَيَّ! أنْتَ، اليومَ، أفْضَلُ مني، قد بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ ما أَرى، وإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فإن ابْتُليتَ فلا تَدُلّ عليَّ، وكان الغلامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُداوي الناسَ مِنْ سائِرِ الأدواء، فَسَمِعَ جليسٌ للمَلِكِ كانَ قد عَمِيَ، فأتاه بهدايا كثيرةٍ، فقال: ما هاهُنَا لكَ أَجْمَعُ، إنْ أَنْتَ شَفَيْتَني، فقال: إني لا أَشْفي أحَدًا، إنما يشفي اللَّهُ، فَإنْ أنْتَ آمَنْتَ باللَّه دَعَوْتُ اللَّهَ فشفاكَ، فآمَنَ باللَّهِ، فَشَفَاهُ اللَّهُ، فأتى المَلِكَ فَجَلَسَ إليه كما كان يَجْلِسُ، فقال له المَلِكُ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قال: رَبِّي، قال: أوَلَكَ رَبٌّ غَيْري؟ قال: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذهُ فلمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتى دَلَّ على الغُلامِ، فَجِيءَ بالغُلامِ، فقالَ له المَلِكُ: أيْ بُنَيَّ! قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ وتَفْعَلُ وتَفْعَلُ، فقال: إني لا أَشْفِي أحَدًا، إنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتى دَلَّ على الراهِبِ، فَجِيءَ بالراهِبِ،","vol":"8","page":397},{"text":"فقيل له: ارْجِعْ عَنْ دِينكَ، فأبى فدعا بالمِئْشارِ، فوضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ به حتى وَقعَ شِقَّاهُ، ثم جِيءَ بِجليسِ الملكِ فَقِيلَ لهُ: ارْجِعْ عن دينكَ فأبى، فوضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِق رأسه، فَشَقَّهُ به حتى وقَعَ شِقَّاه، ثم جِيء بالغُلام فقيل له: ارْجِعْ عن دينكَ، فأبى، فَدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِنْ أَصْحابِه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصْعَدوا به الجَبَلَ، فإذا بَلَغْتُم ذِرْوَتَهُ، فإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وإلّا فاطْرَحُوهُ، فذهبوا به فَصَعِدُوا بهِ الجَبَلَ، فقال: اللهُمَّ! اكْفِنيهِمْ بما شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهمُ الجَبَلُ فسقَطُوِا، وجاءَ يمشي إلى الملك، فقال له الملِكُ: ما فَعَلَ أصْحابُك؟ قال: كفانِيهِمُ اللَّهُ، فدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ فقال: اذْهَبُوا به فاحُمِلُوه في قُرْقُور (١)، فتوسَّطُوا به البَحْرَ، فَإنْ رَجَعَ عن دينه وإلا فاقْذِفُوه، فذهبوا به، فقال: اللهمَّ! اكْفِنيهِمْ بما شئت، فانْكَفَأَت بهم السفينةُ فَغَرِقُوا، وجاءَ يَمْشي إلى الملكِ، فقال له الملكُ: ما فَعَلَ أصْحابُكَ؟ فقال: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فقال للمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلي حتى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ بِهِ، قال: وما هُوَ؟ قال: تَجْمَعُ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ، وتَصْلُبُني على جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: باسْمِ اللَّه، رَبِّ الغُلامِ، ثم ارْمِني، فإنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذلك قَتَلْتَني، فَجمعَ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ، وصَلَّبَهُ على جِذْعٍ، ثمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْس ثُمَّ قال: باسْمِ اللَّه، ربِّ الغُلامِ، ثم رَمَاهُ فوضَعَ السَّهم في صُدْغِهِ، فوضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ في مَوْضِع السَّهم فماتَ، فقال الناس: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلام، فَأُتِيَ المَلِكُ فَقيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ، واللَّهِ! نزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ الناسُ، فَأَمَرَ بالأُخْدودِ بأفْواهِ السِّكَك (٢) فَخُدَّتْ وأَضْرَمَ النِّيرانَ، وقال: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عن دينِهِ فَأَحْمُوهُ فيها، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حتى جاءت امرأةٌ ومَعَها صَبِيٌّ لها، فتقاعَسَتْ (٣) أن تَقَعَ فيها، فقال لها الغُلامُ: يا أمَّهِ اصْبِرِي، فإنَّكِ على الحق] (٤).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي في السنن بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن\n_________\n(١) القرقور: السفينة الصغيرة.\n(٢) أفواه السكك: أي أبواب الطرق.\n(٣) أي توقفت ولزمت موضعها وكرهت الدخول في النار.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٣٠٠٣) كتاب الزهد. وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٦٨١)، وفي \"السنن\" (٦١٤)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٧).","vol":"8","page":398},{"text":"صهيب قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ-، إذا صلى العصر همس، -والهمس في قول بعضهم: تحرك شفتيه كأنه يتكلم- فقيل له: إنك يا رسول اللَّه إذا صليت العصر همست. قال: \"إنَّ نبيًّا من الأنبياء كان أُعْجِبَ بأمَّتِه فقال: مَنْ يقومُ لهؤلاء، فأوحى اللَّه إليه أن خَيِّرْهُم بينَ أنْ أنتقِمَ منهم وبين أنْ أسَلِّطَ عليهم عَدُوَّهُمْ؟ فاختاروا النِّقْمَةَ، فسَلَّطَ عليهم المَوْتَ، فماتَ مِنهم في يوم سبعون ألفًا\".\nقال: وكانَ إذا حَدَّثَ بهذا الحديث، حَدثَ بهذا الحديثِ الآخَرِ.\nعن صهيب أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"كان مَلِكٌ مِنَ المُلوك، وكان لذَلِكَ المَلِكِ كاهِنٌ يَكْهَنُ لهُ، فقال الكاهِنُ: انظروا إليّ غُلامًا فَهِمًا أو قال: فَطِنًا لقنًا فأَعَلِّمَهُ عِلْمي هذا فإني أخاف أنْ أموتَ فينقطِعَ مِنكمُ هذا العِلْمُ ولا يكونَ فيكُم مَنْ يَعْلَمُهُ. قال: فنظروا لهُ على ما وَصَفَ فأمَرُوه أنْ يَحْضُرَ ذلك الكاهِنَ وأَنْ يَخْتَلِفَ إليه. فَجَعَلَ يختلف إليه وكان على طريقِ الغُلام راهبٌ في صَوْمَعَةٍ. . . فَذَكَرَ القصة السابقة بتمامها إلى أن قال: فوَضَعَ الغلام يَدَهُ على صُدْغِهِ حينَ رُمِيَ ثُمَّ ماتَ، فقال أناسٌ: لقد عَلِمَ هذا الغُلام عِلْمًا ما عَلِمَهُ أحدٌ فإنّا نُؤْمِنُ بِرَبِّ هذا الغُلامِ، قال: فقيل للملِكِ أَجَزِعْتَ أنْ خَالَفَكَ ثلاثَةٌ فهذا العالمُ كُلُّهمُ قد خالفوك، قال: فخَذَّ أخدُودًا ثُمَّ ألقى فيها الحَطَبَ والنار ثُمَّ جَمَعَ الناسَ فقال: مَنْ رَجَعَ عَنْ دينه ترَكناهُ ومَنْ لمْ يرجِعْ أَلْقَيْناهُ في هذه النار، فجعلَ يُلْقيهم في تِلكَ الأخدُودِ. قال: يقول اللَّه ﵎ فيه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ حتى بلغ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ قال: فأما الغلامُ فإنَّهُ دُفِنَ، قال: فَيُذكَرُ أنه أُخْرِجَ في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطّاب وإصْبَعُهُ على صُدْغِهِ كما وَضَعَها حينَ قُتِلَ\"] (١).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.\nأي: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللَّه الذي له ملك السماوات والأرض، فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له. قال النسفي: (لأن ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل، وأن الناقمين أهل لانتقام اللَّه منهم بعذاب عظيم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وَعِيدٌ لهم، يعني أنه علم ما فعلوه وهو مجازيهم عليه). وقيل: وهو وَعِيدُ خير -كذلك- لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٣٣٤٠)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم. وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٦٠) - (٢٦٦١)، كتاب التفسير، سورة البروج.","vol":"8","page":399},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال ابن عباس: (حَرَّقوا المؤمنين والمؤمنات). وقال مجاهد: (عَذّبوا).\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾. أي: ثم لم يتوبوا من كفرهم، ويقلعوا عن فعلهم بالمؤمنين والمؤمنات ما فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا. قال الحسن البصري: (انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءَه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة).\nوقوله: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. أي لهم عذابان منوعان: عذاب على كفرهم، وعذاب على فتنتهم المؤمنين وحرقهم، فإن الجزاء من جنس العمل، فيضاعف لهم العذاب.\nوقيل هما واحد، أو من باب عطف الخاص على العام للمبالغة فيه.\nقال القاسمي: (والأظهر أنهما واحد، وإنه من عطف التفسير والتوضيح).\nقلت: والأول أرجح، فإن تضاعف العذاب على أئمة الكفر والإجرام ثابت في القرآن والسنة.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ١٩ - ٢٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].\nأخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في \"المعجم الكبير\" بإسناد صحيح من حديث خالد بن الوليد قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [أشد الناس عذابًا عند اللَّه يوم القيامة أشدُّهم عذابًا للناس في الدنيا] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٩٠)، والحميدي (٥٦٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ١٩٠/ ٢)، وإسناده صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم (١٤٤٢)، وصحيح الجامع الصغير (١٠٠٩).","vol":"8","page":400},{"text":"وفي رواية: [أشدُّ الناس عذابًا للناس في الدنيا، أشدُّ الناس عذابًا عند اللَّه يوم القيامة].\n\n١١ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾.\nفي هذه الآيات: البشرى للمؤمنين أهل الصالحات والقربات بجنات النعيم، والتهديد والوعيد على الطغاة أمثال فرعون وثمود بصلي الجحيم، وهذا القرآن مجيد عزيز ليس بالسحر أو الشعر كما يقولون، مكتوب في اللوح المحفوظ لو كانوا يعلمون.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\nتسلية للمؤمنين الصابرين، على جرائم الطغاة الماكرين، فإن لهم البشرى والإقامة في جنات النعيم، في حين يقيم الكافرون في عذاب الحريق ولهيب الجحيم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. قال القرطبي: (أي العظيم، الذي لا فوز يشبهه).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذه تعالى للجبابرة والطغاة والظلمة أليم شديد، كما قال جلت عظمته: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].\nوفي صحيح البخاري عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ اللَّه ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِته. قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).\nوقال المبرد: (﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ جواب القسم). والتقدير عنده: والسماء ذات\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في كتاب التفسير (٤٦٨٦)، سورة هود، آية (١٠٢).","vol":"8","page":401},{"text":"البروج إن بطش ربك، وما بينهما مُعْترض مؤكِّد للقسم، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. قال الضحاك: (يعني الخلق). وقال ابن زيد: (يبدئ الخلق حين خلقه، ويعيده يوم القيامة). فهو دلالة على كمال قدرته وقوته جلت عظمته، وفيه تهديد ووعيد للطغاة المجرمين، على ما يفعلون بالمؤمنين ويحاربون الدين.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. قال البخاري: (وقال ابن عباس: ﴿الْوَدُودُ﴾: الحبيب). والمعنى: إنه تعالى بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه. وقال ابن زيد: (﴿الْوَدُودُ﴾: الرحيم).\nقلت: والودود: فعولٌ بمعنى مفعول، من الوُدِّ، فاللَّه تعالى مودود، أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعولٌ بمعنى: فاعل، أي: أن اللَّه تعالى يَودُّ عباده الصالحين، بمعنى: يرضى عنهم.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إذا أَحَبَّ اللَّه عَبْدًا نادى جِبْرَئيل: إني قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فأحِبَّهُ. قال: فينادي في السماء، ثم تُنْزَلُ لَهُ المَحَبَّةُ في أهل الأرض، فذلك قولُ اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: الكريم).\nوالمقصود: أي صاحب العرش الكريم، أو صاحب العرش المُعَظَّم العالي على جميع الخلائق.\nفالمجيد فيه قراءَتان: الرفع على أنه صفة للرب سبحانه. وهذه قراءة أهل مكة والمدينة والبصرة. والجرِّ على أنه صفة للعرش. وهذه قراءة أهل الكوفة.\nقلت: وهما قراءتان مشهورتان في الأمصار، وإن كنت أفضِّل القراءة بالرفع\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣١٦١)، كتاب التفسير. سورة مريم، آية (٩٦).","vol":"8","page":402},{"text":"لانسجامها أكثر مع السياق، فاللَّه هو الغفور الودود المجيد الفعال لما يريد، فالآيات في موضع الثناء والمدح للَّه تعالى.\nوالمجيد: هو الواسع الكرم، وقيل: هو الشريف. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].\nوفي سنن النسائي بإسناد صحيح عن أبي ليلى قال: [قال لي كعب بن عُجرة: ألا أُهدي لك هدية؟ قلنا: يا رسول اللَّه، قد عرفنا كيف السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلّ على محمد، وآل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وآل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. أي: لا يمتنع عليه شيء يريده، فمهما أراد فعله، لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل، لكمال جبروته وعلمه وحكمته.\nقال الزمخشري: (﴿فَعَّالٌ﴾ خبر ابتداء محذوف. وإنما قيل: \"فعّال\" لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة).\nوقال الفراء: (هو رفع على التكرير والاستئناف، لأنه نكرة محضة).\nوعن أبي السّفر -سعيد بن يحمد الهمداني- قال: (دخل ناس من أصحاب النبي -ﷺ- على أبي بكر ﵁ يعودونه فقالوا: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني! قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فَعَّالٌ لما أريد).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا أرادَ اللَّه خلقَ شيء لم يمنعه شيء] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. استفهام بمعنى التقرير. أي:\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (١٢٢١ - ١٢٢٢ - ١٢٢٣) ص (٢٦٧ - ٢٧٧)، وأصل الحديث في الصحيحين، وله روايات كثيرة مشهورة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٤٣٨) ح (١٣٣)، كتاب النكاح، في أثناء حديث.","vol":"8","page":403},{"text":"قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، التي تجمع لهم الأجناد لقتالهم، وكيف أحل اللَّه بأسه ونقمته بهم. وفيه تسلية للنبي -ﷺ- عما يلقاه من تكذيب قومه وأذاهم.\nوقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل هؤلاء المشركون من العرب في تكذيب شديد لك -يا محمد-، ولما جئت به من الوحي، ولم يعتبروا بما حلّ بالأمم المكذبة قبلهم من الهلاك والمصائب والدمار.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾. أي: واللَّه تعالى قادر عليهم، قَاهرٌ لهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، قد أحاط بأعمالهم وآجالهم ومصائرهم.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾. قال قتادة: (يقول: قرآن كريم).\nأي: بل هو قرآن عظيم متناه في الشرف والكرم والبركة، وليس كما يقولون إنه شعر وسحر وكهانة.\nقوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. قال مجاهد: (في أم الكتاب). قال قتادة: (عند اللَّه).\nقال ابن كثير: (أي: هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل).\nوقال القرطبي: (أي مكتوب في لوح. وهو محفوظ عند اللَّه تعالى من وصول الشياطين إليه. وقيل: هو أمّ الكتاب، ومنه انتُسِخَ القرآن والكتب).\n\nتم تفسير سورة البروج بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الاثنين ١٩ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٩/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م","vol":"8","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة.\n٢ - الابتلاء حق، وإن اللَّه تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، ومن يرد اللَّه به خيرًا يصب منه.\n٣ - أشد الناس عذابًا للناس في الدنيا، أشد الناس عذابًا عند اللَّه يوم القيامة.\n٤ - إن اللَّه تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.\n٥ - إذا أراد اللَّه خلق شيء لم يمنعه شيء.\n* * *","vol":"8","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>٨٦ - سورة الطارق</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٧).\nأخرج الترمذي والنسائي بإسناد صحيح عن جابر بن سمرة: [أن النبي -ﷺ- كان يقرأ في الظهر والعصر، بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ و﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوهما] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>موضوع السورة</span>\nالقسم بالسماء والطارق أن كل نفس عليها حفظة من الملائكة الأبرار وفي القيامة تبلى السرائر ويتميز الأخيار من الأشرار\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-462> منهاج السورة</span>-\n١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالسماء ونجومها وكواكبها أن كل نفس عليها حفظة من الملائكة.\n٢ - تنبيه اللَّه تعالى الإنسان للنظر في تركيب خلقه ليؤمن برجوعه إلى ربه.\n٣ - في القيامة تبلى السرائر، ولا منقذ يدفع عن الإنسان ولا ناصر.\n٤ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالسماء ذات النفع والأرض ذات الصدع أن القرآن كلامه الذي يفصل بين الحق والباطل، وما هو بالكلام الهازل.\n٥ - مَكْرُ الكفار بدين اللَّه وأوليائه سيرجع عليهم بالوبال والنكال.\n_________\n(١) حسن صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٢)، وصحيح سنن النسائي (٩٣٦).","vol":"8","page":406},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يُقسم اللَّه سبحانه بالسماء وما جعل فيها من النجوم والكواكب النيِّرة المضيئة، وتعظيم القَسَم بالسماء متعلق بعظم قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن الملائكة، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق -والمراد جنس النجوم- التي يرجم بها لعظم منفعتها، ثم فسّره بالنجم الثاقب أي المضيء، أنّ كل نفس عليها حفظة من الملائكة، فحري بالإنسان أن ينظر إلى تركيب خلقه، ليؤمن برجوعه إلى ربه، يوم تبلى السرائر، فماله من منقذ يدفع عنه يومئذ ولا ناصر.\nفقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾. قال البخاري: (هو النّجْمُ، وما أتاك ليلًا فهو طارق). وقال قتادة: (إنما سُمِّيَ النجم طارقًا لأنه إنما يُرى بالليل ويختفي بالنهار).\nويؤيد ذلك ما في الصحيحين والمسند من حديث جابر بن عبد اللَّه قال: [كان النبي -ﷺ- يَكْرَهُ أن يأتِيَ الرجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا] (١). أي: يأتيهم فجأةً بالليل.\nوفي رواية: [إذا أطالَ أحدكم الغَيْبَةَ فلا يَطْرُق أهْلَهُ ليلًا].\nورواه الحاكم من حديث ابن رواحة، والطبراني من حديث ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: [لا تطرقوا النساء ليلًا] (٢).\nوفي المسند ومعجم الطبراني بسند جيد من حديث أبي التياح في تعوذ النبي -ﷺ-\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٤٣) - (٥٢٤٤)، كتاب النكاح، وأخرجه مسلم (١٥٢٨)، وأحمد (٣/ ٢٩٩)، وأبو داود (٢٧٧٦)، وابن حبان (٤١٨٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٩٣)، والطبراني. وانظر صحيح الجامع الصغير (٧٢٣٩).","vol":"8","page":407},{"text":"الذي علّمه جبريل ﵇: [وَمِنْ شَرِّ فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق، إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمان!] (١).\nقال الشهاب: (الطارق من \"الطَّرْق\"، وأصل معناه الضرب بوقعٍ وشدة يسمع لها صوت. ومنه المطرقة والطريق، لأن السابلة تطرقها. ثم صار في عرف اللغة اسمًا لسالك الطريق، لتصور أنه يطرقها بقدمه. واشتهر فيه حتى صار حقيقة. وتسمية الآتي ليلًا \"طارقًا\" لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة فيطرقها).\nوقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾. تأكيد لأهمية المُقْسَم به، لِيُنْتبَهَ بعد ذلك إلى ما يقع في جواب هذا القسم.\nوقوله تعالى: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. تفسير للمبهم بعد تفخيم شأنه، وتنبيه على الاعتبار والاستدلال به. والمراد بالنجم جنس النجوم. وكذلك الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العموم. قال البخاري: (﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾: المضيء).\nوقال مجاهد: (الثاقب: المتوهِّج). وقال السدي: (يثقب الشياطين إذا أرسل عليها). وقال عكرمة: (هو مضيءٌ مُحْرِقٌ للشيطان). ومنه قوله تعالى: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠].\nقيل: وسمي بالثاقب لأنه يخترق بشدة ظلمة الليل. قال النسفي: (كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. هو جواب القسم. أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون على كل نفس قولها رفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشر، ويحرسونها من المصائب والآفات بإذن اللَّه.\nقال قتادة: (حفظة يحفظون عليك رزقكَ وعملك وأجلك).\nوقال أيضًا: (قَرينُهُ يحفظ عليه عمله، من خير أو شر).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].\n_________\n(١) إسناده جيد. أخرجه أحمد (٣/ ٤١٩)، وأبو يعلى (٦٨٤٤)، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"8","page":408},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].\nوفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ- قال: [إن صاحب الشمال ليرفع القلم ستَّ ساعات عن العبد المسلم المخِطئ، فإن ندم واستغفر اللَّه منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾. استفهام للتنبيه، أي لينظر ابن آدم من أي شيء خُلق؟ قال القرطبي: (وجه الاتصال بما قبله توصية الإنسان بالنظر في أوّل أمره وسنته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يُمْلي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره).\nوقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾. أي: مصبوب في الرحم. وهو ماء الرجل وماء المرأة، لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدًا لامتزاجهما، وهو يخرج منهما دفقًا.\nوقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. يعني صلب الرجل وترائب المرأة، وهو صَدُرها. قال الرازي: (و\"التَّريبة\" واحدة \"الترائب\" وهي عظام الصَّدْر).\nوعن ابن عباس: (﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ قال: صلب الرجل وترائب المرأة، أصفَرُ رقيقٌ، لا يكونُ الولدُ إلا منهما). وقال الضحاك عن ابن عباس: (تريبةُ المرأة موضِعُ القِلَادَة). وقال سعيد بن جبير عنه: (الترائب: بين ثَدْيَيْها).\nوعن مجاهد: (الترائِبُ ما بين المَنْكِبين إلى الصدر). وقال أيضًا: (الترائب أسفلُ من التَّراقي). وقال سفيان الثوري: (فوق الثديين).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. فيه قولان عند المفسرين:\nالقول الأول: إنه تعالى على رجْعِ هذا الماء الدافق إلى مقرّه الذي خرج منه لقادر.\nقال عكرمة: (﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ قال: إنه على ردّه في صلبه لقادر). وقال مجاهد: (على أن يرد الماء في الإحليل). أو قال: (على ردّ النطفة في الإحليل).\nالقول الثاني: إنه على بعث هذا الإنسان -المخلوق من ماء دافق- لقادر، لأن من\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (ق ٢٥/ ٢ مجموع ٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٣٤٩/ ١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١٢٤). وانظر: \"الصحيحة\" (١٢٠٩).","vol":"8","page":409},{"text":"قَدَر على البدأةِ قَدَر على الإعادة. قال قتادة: (إن اللَّه تعالى ذكره على بعثه وإعادته قادر).\nقلت: والقول الثاني أنسب للسياق، لورود الآية بعده: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وهو اختيار شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير﵀.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. قال سفيان: (تختبر). وقال قتادة: (إن هذه السرائر مختبرة، فأسِرُّوا خيرًا وأعلنوه إن استطعتم، ولا قوة إلا باللَّه).\nوقال عطاء بن أبي رباح: (﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ قال: ذلك الصوم والصلاة وغسل الجنابة، وهو السرائر، ولو شاء أن يقول قد صمت وليس بصائم، وقد صَلّيت ولم يصل، وقد اغتسلت ولم يغتسل).\nوالمقصود: في ذلك اليوم تختبر وتعرف سرائر القلوب ونيات الأعمال، فيصبح السر علانية والمكنون مشهورًا، ويتميز الصدق من النفاق، والحسن من القبيح.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠].\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إنَّ الغادِرَ يُنْصَبُ لهُ لِواءٌ يومَ القيامة، فيقال: هذه غَدْرةُ فلانِ بنِ فُلانٍ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ يُرائي يُرائي اللَّه بِه، ومَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّع اللَّه به] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: حدثني رسول اللَّه -ﷺ-: [\"أنَّ اللَّه تعالى إذا كان يومَ القيامة ينْزلُ إلى العبادِ ليقضِيَ بينهم، وكُلُّ أُمَّةٍ جاثيةٌ، فأوَّلُ من يَدْعو بِهِ رجلٌ جَمعَ القرآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورجلٌ كثير\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦١٧٨)، كتاب الأدب، وأخرجه مسلم (١٧٣٥) ح (١٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٢٠٦)، وأخرجه الترمذي (٢٣٨١). وانظر: صحيح سنن الترمذي (١٩٤٠) - أبواب الزهد - باب ما جاء في الرياء والسمعة.","vol":"8","page":410},{"text":"المال. فيقول اللَّه للقارئ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ ما أَنْزلْتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عَمِلْتَ فيما عَلِمْتَ؟ قال: كنتُ أقومُ به آناء الليل وآناء النهار، فيقول اللَّه له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكةُ: كَذَبْتَ، ويقول اللَّه له: بل أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلان قارئ، فقد قيلَ ذلِكَ.\nويؤتى بصاحبِ المال، فيقول اللَّه: ألمْ أوسِّعْ عليك حتى لمْ أدَعْكَ تحتاجُ إلى أحَدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عَمِلْتَ فيما آتَيْتُكَ؟ قال: كنتُ أصِلُ الرَّحِمَ وأتصدَّق، فيقول اللَّه له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكة له: كذَبْتَ، ويقول اللَّه بل أرَدْتَ أن يُقال: فُلانٌ جَوادٌ، وقد قيلَ ذلك.\nويُؤتى بالذي قُتِلَ في سبيل اللَّه، فيقول اللَّه له: في ماذا قُتِلْتَ؟ فيقول: أمرتَ بالجهاد في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتِلْتُ. فيقول اللَّه له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كذبتَ، ويقول اللَّه، بل أردْتَ أنْ يُقالَ: فَلانٌ جَريءٌ، فقد قيل ذلك\". ثم ضرب رسول اللَّه -ﷺ- على رُكبتي فقال: يا أبا هريرة: أولئك الثلاثةُ أوَّلُ خَلْقِ اللَّه تُسَعَّرُ بهم النارُ يومَ القيامة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. أي: فما للإنسان يومئذ من قوة في نفسه يمتنع بها من عذاب اللَّه وأليم نكاله، ولا ناصر ينقذه مما نزله به من ألم ومكروه ومصيبة.\nقال قتادة: (﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ قال: ينصره من اللَّه). وقال: (من قوة يمتنع بها، ولا ناصر ينصره من اللَّه). وقال سفيان الثوري: (القوة: العشيرة، والناصر: الحليف).\nوالمقصود: لا ينجيه يومئذ إلا صدق السريرة وصحة العمل، نسأل اللَّه السداد والتوفيق والسلامة في الدنيا والآخرة.\n\n١١ - ١٧. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾.\nفي هذه الآيات: قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالسماء ذات النفع والمطر، وبالأرض ذات\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الباب السابق. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٤٢)، وأصله في صحيح مسلم. وانظر: تخريج الترغيب (١/ ٢٠) ص (١٣ - ١٥).","vol":"8","page":411},{"text":"التصدّع عن الثمار والنبات والشجر، أنّ القرآن كلام اللَّه يفصل بين الحق والباطل، وما هو بالكلام الهازل، وما لكيد الكفار في رجوعه عليهم من حائل.\nفقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال ابن عباس: (الرَّجْع: المطر). وقال أيضًا: (السحاب فيه المطر). وقال مجاهد: (السحاب يمطر، ثم يرجع بالمطر). وقال قتادة: (ترجع بأرزاق العباد كل عام، لولا ذلك هلكوا، وهلكت مواشيهم).\nقلت: والرَّجع في كلام العرب المطر، سُمِّي بذلك لأنه يجيء ويرجع ويتكرر، فأقسم اللَّه تعالى بالسماء ذات النفع والمطر المتكرر.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قَسَمٌ آخر. قال ابن عباس: (صَدْعُها إخراج النبات في كل عام).\nوقال عكرمة: (هذه تصدع عن الرزق). وقال قتادة: (تصدع عن الثمار وعن النبات، كما رأيتم).\nفالمقصود: هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات والثمار والشجر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. هو جواب القسم. أي: إن القرآن لقول يفصل بين الحق والباطل.\nوعن ابن عباس: (﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قال: حقّ). وقال آخر: (حُكْمٌ عَدْلٌ).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. أي وما هو باللعب ولا باللهو ولا الباطل.\nقال ابن عباس: (﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ يقول: بالباطل). وقال مجاهد: (باللعب).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾. أي إن أعداء اللَّه يمكرون في إبطال ما جاء به رسول اللَّه -ﷺ- من الدين الحق.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأمكر مكرًا، ومَكْرُهُ جل ثناؤه بهم: إملاؤه إياهم على معصيتهم وكفرهم به). قلت: وقد حاق بهم يوم بدر من ذلك المكر، فأوقع اللَّه في صفوفهم القتل والأسر، وكالن ذلك استدراجًا لهم مقابل كيدهم برسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنين، فإن من صفاته سبحانه المكر والكيد بالكافرين.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠].","vol":"8","page":412},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].\nوفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِته] (١).\nوفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي -ﷺ- قال: [إذا أراد اللَّه بعبده الخير عَجَّلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّر أمسك عنه بذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة] (٢).\nوقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾. أي: أنظرهم ولا تستعجل لهم. قال القرطبي: (﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ أي أخرهم، ولا تسأل اللَّه تعجيل إهلاكهم، وارض بما يدبره في أمورهم. ثم نسخت بآية السيف: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]).\nوقوله: ﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ تأكيد. قال النسفي: (﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ أنظرهم، فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين والتصبير).\nوقوله: ﴿رُوَيْدًا﴾. قال ابن عباس: (أي قريبًا). وقال قتادة: (قليلًا).\nوالمقصود: أمهلهم إمهالًا قريبًا أو قليلًا. و﴿رُوَيْدًا﴾: مفعول مطلق نائب عن المصدر لأنه مرادف له في المعنى. والعرب تقول: رادت الريح ترود رودًا إذا تحركت حركة ضعيفة.\nوفي الآية وعيد شديد للكفار بأن ما يصيبهم قريب، سواء كان في الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت. ثم فيه تسلية للنبي -ﷺ- ولكل داع إلى الحق الذي جاء به، بأن الصبر على حمل هذه الأمانة يعقبه الفرج، وبأن اللَّه لا يضيع أجر المحسنين، وبأن المناوئين لهذا الدين في الأخسرين.\n\nتم تفسير سورة الطارق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الثلاثاء ٢٠ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢١/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٨٦) كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (٢٥٨٣) كتاب البر والصلة، ورواه ابن ماجة والترمذي. انظر صحيح الجامع (١٨١٨).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٥٣)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٢٠).","vol":"8","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الطارق النجم، وما أتاك ليلًا فهو طارق.\n٢ - لا تطرقوا النساء ليلًا، فقد كان النبي -ﷺ- يكره أن يأتي الرجلُ أهلَه طُروقًا -أي يأتيهم فجأة بالليل-.\n٣ - إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندِمَ واستغفر اللَّه منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة.\n٤ - ترائب المرأة صدرها، والماء الذي يكون منه الولد يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة.\n٥ - لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان.\n٦ - الرَّجْع: المطر، سمي بذلك لأنه يجيء ويرجع ويتكرر.\n٧ - إن اللَّه تعالى ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته.\n* * *","vol":"8","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>٨٧ - سورة الأعلى</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد جاء ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث كثيرة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في مواضِعَ من صحيحه عن البَراء بن عازبٍ قال: [أولُ من قدم علينا من أصحاب النبي -ﷺ- مُصْعَب بن عمير وابنُ أم مكتوم، فَجَعلا يقرئاننا القرآن. ثم جاءَ عَمَّار وبلالٌ وسعدٌ. ثم جاء عُمر بن الخطاب في عشرين. ثم جاء النبي -ﷺ-، فما رأيتُ أهل المدينة فَرِحوا بشيءٍ فرَحهم به، حتى رأيت الولائِدَ والصِّبيان يقولون: هذا رسولُ اللَّه قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سُوَرٍ مِثلها] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم -واللفظ للبخاري- عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: [أقْبَلَ رَجُلٌ بنَاضِحَين وَقَدْ جَنَحَ الليلُ، فوافقَ مُعاذًا يُصَلّي، فَبَرَّكَ ناضِحَهُ وأقبل إلى مُعاذٍ، فَقَرأَ بسور البقرةِ أو النساءِ فانطلق الرجل، وَبَلَغَهُ أنَّ مُعاذًا نالَ مِنْه، فأتى النبيَّ -ﷺ- فَشَكا إليه مُعاذًا، فقال النبي -ﷺ-: يا معاذُ، أفَتَّانٌ أنْتَ؟ أوْ أَفاتِنٌ أنْتَ؟ -ثلاث مرات- فَلَوْلا صَلَّيْتَ بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤١)، (٣٩٢٤)، (٣٩٢٥)، (٤٩٩٥)، وقد استدّل الحافظ ابن كثير بهذا الحديث أن السورة مكية، وهو كذلك، وهو قول الجمهور.","vol":"8","page":415},{"text":"وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، فإنه يصلي وراءكَ الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجة] (١).\nوفي رواية النسائي: [قام معاذٌ فصَلّى العشاء الآخرة فَطَوَّلَ، فقال النبي -ﷺ-: أفَتَّانٌ يا معاذ؟ أفَتَّانٌ يا معاذ؟ ! أين كُنْتَ عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن جابر بن سَمُرة: [أنَّ النبي -ﷺ- كان يقْرأ في الظُّهْرِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الصُّبح بأطولَ من ذلك] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج مسلم وأصحاب السنن عن النعمان بن بشير قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ في العيدين، وفي الجمعة، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: وإذا اجتمع العيدُ والجمعة، في يوم واحِدٍ، يقرأُ بهما أيضًا في الصلاتين] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن النعمان بن بشير: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قرأ في العيدين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإن وافق يوم الجُمعة قرأهما جميعًا] (٥).\nالحديث السادس: أخرج أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي بن كعب: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] (٦). وفي رواية لأبي داود عن عائشة أم المؤمنين فيها زيادة: [والمعوذتين].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٠٥)، كتاب الأذان، وأخرجه مسلم (٤٦٥) ح (١٧٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٦٧٢)، وفي \"السنن\" (٨٣١)، (٩٨٤) من حديث جابر، وإسناده صحيح. وهو من أفراد النسائي، وقد مضى.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٤٦٠)، كتاب الصلاة. باب القراءة في الصبح.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨٧٨)، كتاب الجمعة، وأخرجه أبو داود في السنن (١١٢٢)، والترمذي (٥٣٣)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٨٥)، وفي \"السنن\" (١٤٢٤)، (١٥٦٨)، (١٥٩٠)، وأخرجه ابن ماجة (١٢٨١).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٧)، وإسناده على شرط الصحيح. وانظر ما قبله.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٢٣)، وأبو داود (١٤٢٣)، (١٤٢٤)، والحاكم (١/ ٣٠٥).","vol":"8","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>موضوع السورة</span>\nتنزيه اللَّه الأعلى، وانتفاع المؤمن بالذكرى وشقاء الكافر في النار الكبرى\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-467> منهاج السورة</span>-\n١ - الأمر بتسبيح اللَّه تعالى الذي خلق وقدر وهدى وأخرج المرعى.\n٢ - البشرى لنبينا -ﷺ- أن يتلقى الوحي فيحفظه ولا ينسى، وما عليه إلا الذكرى.\n٣ - انتفاع المؤمن بالذكرى، وركوب الشقي الهوى، ليصلى النار الكبرى.\n٤ - تأكيد الفلاح لمن تطهر من الشرك وتزكى، وعظم أمر ربه وصلى.\n٥ - أكثر الناس يؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير لهم وأبقى.\n٦ - هذا البيان في القرآن كما هو في الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٣. قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.\nفي هذه الآيات: الأَمْرُ بتنزيه اللَّه تعالى الذي أَحسن كل شيء خلقه ثم هدى، والذي أخرج المرعى فجعله هشيمًا أحوى، والبشرى لنبينا محمد -ﷺ- أن يتلقى الوحي فيحفظه ولا ينسى، وما عليه إلا الذكرى، فهي تنفع من صلى وتزكى، وتكون حسرة على مستحق النار لا يموت فيها ولا يحيا.","vol":"8","page":417},{"text":"فقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. أي: نزهه عن كل ما لا يليق به بقولك: \"سبحان ربي الأعلى\". قال ابن عباس والسُّدي: (معنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي عَظِّم ربك الأعلى).\nأخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن ابن عباس: [أنّ النبي -ﷺ- كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: \"سبحان ربي الأعلى\"] (١).\nقلت: وقوله جلّت عظمته ﴿الْأَعْلَى﴾ دليل صريح على علوه تعالى على جميع خلقه، وقد فطر سبحانه عباده على ذلك، فالقلوب تتوجه بذلك إليه، والأيدي ترفع عند الدعاء إلى السماء رجاء إجابته وإنزاله الفرج.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٧].\n٣ - وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. أي خلق الخليقة والأشياء، وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات. والتسوية التعديل. قال ابن عباس: (حسَّن ما خلق).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. يعني الهداية العامة لجميع الخلق، وهي أول مراتب الهداية. والمعنى: قدّر أجناس الأشياء، وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له.\nقال مجاهد: (قدّر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة). وعنه قال: (هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها). وقيل: قدّر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢٣٢)، وأبو داود (٨٨٣). وانظر صحيح سنن أبي داود (٧٨٥).\n(٢) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل. انظر مختصر صحيح مسلم (٥١٤)، ورواه البخاري.","vol":"8","page":418},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٦ - ٧].\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ اللَّه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (١).\nورواه الترمذي عنه بلفظ: [قَدَّر اللَّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألفَ سنة] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾. قال قتادة: (نبت كما رأيتم، بين أصفر وأحمر وأبيض). قال ابن جرير: (يقول: والذي أخرج من الأرض مرعى الأنعام، من صنوف النبات وأنواع الحشيش).\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال ابن عباس: (هشيمًا مُتَغيِّرًا). وقال مجاهد: (غثاء السيل أحوى، قال: أسود). وقال قتادة: (يعود يبسًا بعد خضرة).\nوقال ابن زيد: (كان بقلًا ونباتًا أخضر، ثم هاج فيبس، فصار غثاء أحوى، تذهب به الرياح والسيول).\nقلت: والغثاء: ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات وفتات الأشياء. فإذا يبس قيل له غثاء. قال الفراء: (الغثاء: اليبيس). والأحوى: المسودّ من القِدَم. قال الرازي: (وبعير أحوى: إذا خالط خُضْرَته سوادٌ وصفرة). وقال الأصمعي: (الحُوَّة حُمْرَة تضرب إلى السواد).\nفيكون المعنى: فجعله -تعالى- بعد أن كان أخضر - غثاء، أي: هشيمًا جافًا ﴿أَحْوَى﴾ أي: أسود بعد اخضراره، وذلك أن الكلأ إذا يبس اسودّ، واللَّه تعالى أعلم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٥١) في القدر: باب كتب المقادير قبل الخلق، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٨٤١). وفي لفظ \"قدَّر\" بدل \"كتب\".\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي وأحمد. انظر صحيح سنن الترمذي (١٧٥٠)، أبواب القدر.","vol":"8","page":419},{"text":"وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾. فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: أي: سنقرئك يا محمد هذا القرآن فتحفظ ولا تنسى ما تقرؤه. قال القرطبي: (وهذه بُشرى من اللَّه تعالى، بشّره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أُمِّي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه).\nالتأويل الثاني: قيل بل قوله ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ طلب. أي لا تنسى ما يُتلى عليك.\nوقال الجنيد: (﴿فَلَا تَنْسَى﴾ العمل به).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. فيه تأويلان حسب مفهوم الآية قبله:\nالتأويل الأول: قال قتادة: (كان رسول اللَّه -ﷺ- لا ينسى شيئًا إلا ما شاء اللَّه).\nقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن ينسخه، فيذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته.\nالتأويل الثاني: قال النسفي: (وقيل: قوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ على النهي والألف مزيدة للفاصلة، كقوله السبيلا. أي فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء اللَّه أن ينسيكه برفع تلاوته).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾. أي: إنه تعالى يعلم ما ظهر وما بطن، فلا يخفى عليه شيء من أقوال العباد وأعمالهم. قال ابن عباس: (﴿وَمَا يَخْفَى﴾: ما في قلبك ونفسك). وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ هو ما نسخ من صدرك.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾. أي نهون عليك عمل الجنة حتى تبلغها.\nقال ابن عباس: (نيسرك لأن تعمل خيرًا). وعن ابن مسعود: (﴿لِلْيُسْرَى﴾ أي للجنة). وعن الضحاك: (نوفقك للشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السمحة السهلة).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. أي: فعِظ يا محمد الناس بهذا الوحي ما كانت الموعظة نافعة والذكرى مُجْدية. قال ابن كثير: (ومن هاهنا يُؤخَذُ الأدب في نَشْر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال أمير المؤمنين علي -﵁-: ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولُهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال: حَدِّث الناس بما يَعْرِفون، أتحبون أن يُكَذَّبَ اللَّه ورسوله؟).\nوقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾. أي: سيتعظ بوعظك من يخاف اللَّه ويخشى عقابه، فهذا الذي يزداد بالتذكير خشية وسدادًا.","vol":"8","page":420},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. أي: ويتجنب الذكرى ويبعد عنها الشقي في علم اللَّه. قال قتادة: (فلا واللَّه لا يَتَنَكَّبُ عبد هذا الذكر زهدًا فيه وبغضًا لأهله، إلا شقيٌّ بَيِّنُ الشقاء). قال النسفي: (﴿الْأَشْقَى﴾ الكافر، أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة رسول اللَّه -ﷺ-).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾. أي الذي يدخل النار العظمى، وهي نار جهنم، وأما النار الصغرى فنار الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. أي: لا يموت فيها فيستريح مما هو فيه من العذاب ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة ينتفع بها.\nأخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أمّا أهلُ النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فَحْمًا أُذِنَ بالشفاعة، فجيءَ بهم ضبائِرَ ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل] (١).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند على شرط الشيخين عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [\"أمّا أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيَون، وأما أناسٌ يُريد اللَّه بهم الرحمةَ فيميتهُم في النار فيدخُل عليهم الشُفعاء، فيأخذ الرجل الضُبارة فَيُنْبِتهمُ -أو قال: يَنبتون- في نهر الحياءِ -أو قال: الحياة - أو قال: الحيوانِ - أو قال: نهر الجنة، فينبتون- نبات الحبَّة في حميل السيل\". قال: وقال النبي -ﷺ-: \"أما تَرَوْنَ الشجرةَ تكون خضراءَ، ثم تكون صفراءَ، أو قال: تكون صفراء ثم تكون خضراء؟ \". قال: فقال بعضهم: كأَنَّ النبي -ﷺ- كان بالبادية] (٢).\n\n١٤ - ١٩. قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨٥)، وابن ماجة (٤٣٠٩)، وأحمد (٣/ ١١)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٥)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم.","vol":"8","page":421},{"text":"الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إقرار الفلاح لمن تزكى من الشرك وعظم أمر ربه وصلى، وأكثر الناس يؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير لهم وأبقى، وتقرير هذا في القرآن كما هو في الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى.\nفقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال ابن عباس: (يقول: مَنْ تزكى من الشرك).\nوقال الحسن: (من كان عمله زاكيًا). وقال قتادة: (يعمل وَرِعًا). وقال: (تزكى رجل من ماله، وأرضى خالقه).\nوالمقصود: يجمع كل ما سبق: أي قد نجح وأدرك أمله مَنْ تَطَهَّرَ من الكفر والآثام، وعمل بطاعة الرحمان.\nوقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. أي ذكر اسم ربه بلسانه، وأقام الصلوات المفروضة وذكر اللَّه فيها بتحميده ودعائه. قال القاسمي: (﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أي تذكر جلال ربه وعظمته، فخشع وأشفق وقام بِما لَهُ وما عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وجوز أن يحمل ﴿تَزَكَّى﴾ على إيتاء الزكاة و﴿صَلَّى﴾ على إقامة الصلاة، كآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، لما عهد في كلامه تعالى من الجمع بينهما في عدة آيات، لأنهما مبدأ كل خير وعنوان السعادة).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. قال ابن كثير: (أي: تُقَدِّمونها على أمر الآخرة، وتُبَدُّونها على ما فيه نفعُكم وصلاحُكم في معاشكم ومعادكم).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قال قتادة: (خير في الخير، وأبقى في البقاء). قال ابن جرير: (يقول: وزينة الآخرة خير لكم أيها الناس وأبقى بقاء، لأن الحياة الدنيا فانية، والآخرة باقية، لا تنفد ولا تفنى).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال أبو العالية: (قصة هذه السورة لفي الصحف الأولى). وقال قتادة: (تتابعت كتب اللَّه كما تسمعون، أن الآخرة خير وأبقى).","vol":"8","page":422},{"text":"والمقصود: أنَّ ما تقدم من مضمون هذه السورة، وتعريف منهاج الفلاح في الدنيا والآخرة، وارد في تلك الصحف المكرمة.\nوقوله تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. بدل من الصحف الأولى. قال ابن زيد: (في الصحف التي أنزلها اللَّه على إبراهيم وموسى: أن الآخرة خير من الأولى).\nقال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران).\n\nتم تفسير سورة الأعلى بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم الأربعاء ٢١ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢١/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وكان يقرأ في العيدين والجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.\n٢ - كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى.\n٣ - قدّر اللَّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة.\n٤ - أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون فيها ولا يحيون، ولا يهلك على اللَّه إلا هالك.\n٥ - في هذه السورة إثبات صفة العلو للَّه تعالى.\n* * *","vol":"8","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>٨٨ - سورة الغاشية</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد جاء ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة العطرة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ في العيدين، وفي الجمعة، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحدٍ، يقرأُ بهما أيضًا في الصلاتين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن النعمان بن بشير: [أن رسول اللَّه -ﷺ- قرأ في العيدين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعًا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن عُبَيْد اللَّه بنِ عبد اللَّه قال: [كتبَ الضحاك بن قَيْسٍ إلى النعمان بن بشير: يسأله: أيَّ شيءٍ قرأ رسولُ اللَّه -ﷺ- يوم الجُمعةِ، سِوى سورةِ الجُمعة؟ فقال: كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٧٨)، كتاب الجمعة، ورواه أصحاب السنن، وقد مضى.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٧)، وإسناده على شرط الصحيح، وقد تقدّم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٧٨) ح (٦٣)، كتاب الجمعة. وأخرجه أبو داود (١١٢٣)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٨٩)، وفي \"السنن\" (١٤٢٣)، وأخرجه ابن ماجة (١١١٩).","vol":"8","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>موضوع السورة</span>\nأهوال الغاشية وأحوال الناس يوم الدين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-472> منهاج السورة</span>-\n١ - التخويف من أهوال الغاشية وهي القيامة، فوجوه الكفار ذليلة منكّسة، لم ينتفع أصحابها من العمل والتعب، والبذل والنصب.\n٢ - ذكر حال السعداء بعد ذكر مآل الأشقياء، فوجوه المؤمنين ناعمة سعيدة، يتقلب أصحابها في الملذات والنعم العديدة.\n٣ - التنبيه إلى النظر في المخلوقات العجيبة، وتركيباتها الغريبة.\n٤ - هذه الذكرى تنفع المؤمنين، وستكون حسرة على الكافرين.\n٥ - المرجع إلى اللَّه والجزاء والحساب، والأعمال توزن على الميزان لنيل الثواب والعقاب.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٧. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: تخويفُ اللَّه تعالى عباده من أهوال الساعة، فوجوه الكفار يومئذ خاشعة ذليلة، لِهَوْلِ ما هي قادمة عليه من حياة مريرة.\nفقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال ابن عباس: (﴿الْغَاشِيَةِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظَّمَهُ اللَّه، وحذّره عباده). وقال قتادة: (الغاشية: الساعة). و﴿هَلْ﴾","vol":"8","page":425},{"text":"بمعنى قد، والتقدير: قد جاءك يا محمد حديث الغاشية، أي القيامة. وسميت بذلك لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها وتَعُمُّهم.\nوقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾. قال قتادة: (أي ذليلة). وقال ابن عباس: (تنخشعُ ولا ينفعها عملُها). والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه، قال يحيى بن سلام: (وجوه الكفار كلهم). والخشوع: الخضوع والتذلل.\nوالمقصود: وجوه الكفار يومئذ في الموقف ذليلة منكّسة من هول ما تراه وما هي قادمة عليه.\nوقوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. أي كانوا في الدنيا في تعب ونصب في العمل والعبادة، لكنهم على منهاج فاسد ودين باطل، فخسروا التجارة وباؤوا بغضب اللَّه. و﴿نَاصِبَةٌ﴾ أي تَعِبَةٌ. من نَصِب ينصَب نصَبًا: إذا تَعب.\nقال البخاري: (وقال ابن عباس: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: النصارى).\nوقال عكرمة: (﴿عَامِلَةٌ﴾ في الدنيا بالمعاصي، ﴿نَاصِبَةٌ﴾ في النار بالعذاب والأغلال).\nوقال الضحاك عن ابن عباس: (هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية اللَّه ﷿، وعلى الكفر، مثل عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل اللَّه جل ثناؤه منهم إلا ما كان خالصًا له).\nوقال الحافظ أبو بكر البَرْقانيُّ: حَدَّثنا إبراهيم بن محمد المُزَكى، حَدَّثنا محمد بن إسحاق السراج، حَدَّثنا هارون بن عبد اللَّه، حَدّثنا سَيَّار، حَدَّثنا جعفر قال: سَمِعتُ أبا عِمران الجَوْني يقول: (مَرَّ عُمَر بن الخطاب -﵁- بدير راهب، قال: فناداه: يا راهبُ! يا راهبُ! فأشرَفَ، قال: فجعل عمر يَنظُرُ إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنينَ، ما يُبكيك من هذا؟ قال: ذكرتُ قول اللَّه -﷿- في كتابه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، فذاك الذي أبكاني).\nوقوله تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾. قال ابن عباس: (أي: حارّة شديدة الحرّ).\nوالمقصود: يصيبها صِلاؤها وحرّها، فقد أوقدت وأحميت المدة الطويلة.\nوقوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (أي: قد انتهى حَرُّها وغَليَانُها).","vol":"8","page":426},{"text":"والمقصود: تسقى من عين ماء شديدة حرارة مائها، قد أوقد عليها حتى وقت متأخّر.\nوهو من الإيناء: بمعنى التأخير. وفي لغة العرب: آناه يؤنيه إيناء، أي أخَّرَه وحبسه وأبطأه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].\nوفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن جابر بن عبد اللَّه، أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، ورسول اللَّه -ﷺ- يخطب. فجعل يتخطى الناس. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: [اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ وآنَيْتَ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. الضريع: نوع من الشوك، يقال له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطبًا، فإذا يبس فهو الضريع.\nقال ابن عباس: (الضريع: الشِّبرق). وقال عكرمة: (هي شجرة ذات شوك، لاطئة بالأرض، فإذا كان الربيع سَمَّتها قريش الشِّبرق، فإذا هاجَ العود سمتها الضريع). وقال مجاهد: (الشبرق اليابس). وقال قتادة: (﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال: هو الشبرق إذا يبس يسمى الضريع). وقال: (من شرِّ الطعام وأبشَعِهِ وأخبثه).\nقال البخاري: (وقال مجاهد: الضريعُ: نَبْتٌ يُقال له: الشِّبْرَقُ، تُسَمِّيه أَهْلُ الحجاز الضريع إذا يَبِسَ، وَهْوَ سُمٌّ).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. أي: لا يُخْصب البدن ولا يحصل به مقصود، ولا يسكن داعية النفس ولا نهمها ولا يندفع به محذور.\n\n٨ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ حال السعداء، بعد ذكر مآل الأشقياء، فوجوه المؤمنين\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١١١٥). وله شاهد عند أبي داود (١١١٨) من حديث عبد اللَّه بن بسر، وكذلك النسائي (٣/ ١٠٣)، وأحمد (٤/ ١٩٠)، وغيرهم.","vol":"8","page":427},{"text":"يومئذ وجوه ناعمة سعيدة، يعلوها الفرح والسرور لما بُشِّرت به من حياة متميزة فريدة، كل ما فيها ملذات ورخاء ونعم عديدة.\nفقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾. أي ذات نعمة وبهجة، وهي وجوه المؤمنين، لما شاهدوا من عاقبة أمرهم وحسن استقبالهم. قال ابن جرير: (يقول: هي ناعمة بتنعيم اللَّه أهلها في جناته، وهم أهل الإيمان باللَّه).\nوقوله تعالى: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾. أي: لعملها الذي عملته في الدنيا راضية، لأنها قد أُعطيت من الثواب والتكريم ما أرضاها.\nوقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. أي: في جنة رفيعة بَهيّة الروعة والجمال، عالية الغرفات رفيعة القدر والخدمة والاستقبال.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا تسمع أذى ولا باطلًا). وقال مجاهد: (﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ قال: شتمًا). وقال قتادة: (لا تسمع فيها باطلًا، ولا شاتمًا).\nقال القاسمي: (﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ أي لغوًا، أو كلمة ذات لغو. لأن كلامهم الحكمة والعلوم والتسبيح والتحميد).\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣].\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -في وصف الزمرة الأولى والثانية في دخول الجنة- قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قُلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيًا] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: سارحة. وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليسَ المرادُ بها عينًا واحدةً، وإنما هو جِنْسٌ، يعني: فيها عيون جاريات).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾. السرر: جمع سرير، و﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ أي عالية ناعمة\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٥٦) - (١٩٥٧)، وهو جزء من حديث أطول.","vol":"8","page":428},{"text":"في رقتها وحسن فرشها، وعليها الحور العين. قال النسفي: (﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ من رفعه المقدار أو السَّمْك، ليرى المؤمن بجلوسه عليه -أي السرير- جميع ما خَوَّلَهُ ربه من الملك والنعيم).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾. الأكواب جمع كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها.\nوالمقصود: قد أعدت أواني الشراب وأرصدت لطالبيها.\nقال ابن جرير: (وعني بقوله ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: أنها موضوعة على حافة العين الجارية، كلما أرادوا الشرب، وجدوها ملأى من الشراب).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. النمارق: الوسائد والمرافق. واحدها نُمْرُقة. قال ابن عباس: (النمارق: الوسائد). أو قال: (المجالس). وقال أيضًا: (﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ يقول: المرافق).\nوالمقصود: وسائد ومطارح مصفوفة بعضها إلى بعض، أينما أراد المؤمن الجلوس جلس على واحدةٍ منها واستند إلى الأخرى.\nوقوله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. قال ابن عباس: (الزرابي البُسُط). وقال قتادة: (﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾: المبسوطة).\nوالمقصود: وبسط عراض فاخرة مفرقة في المجالس هَاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها.\n\n١٧ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾.\nفي هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده إلى النظر في مخلوقاته العجيبة، وتركيباتها الغريبة، فالإبل والجبال والسماء والأرض تحتاج إلى نظرة دقيقة، وهذه الذكرى تنفع","vol":"8","page":429},{"text":"المؤمنين، وستكون حسرة على الكافرين، والموعد للحساب ووزن الأعمال يوم الدين.\nفقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. أي: على ما هي عليه من الخلق البديع، والتركيب العجيب، من عظم جثتها، ومزيد قوّتها، وغريب أوصافها، ومع ذلك فهي تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، مع ما تدرّه على الناس من اللحم واللبن والوبر. وكانت الإبل من غالب دواب العرب وأنفس أموالهم، وأكثر ما لصق بحياتهم ومعاشهم.\nقال قتادة: (لما نعت اللَّه ما في الجنة، عجّب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل اللَّه ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ فكانت الإبل من عيش العرب ومن خَوَلهِمْ). وكان شريحُ القاضي يقول: (اخرُجوا بنا حتى ننظرَ إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟).\nقلت: وسرّ هذا الخلق العجيب والقوة الشديدة للإبل متعلق بطبيعة ما خُلقَتَ منه، فإنها خُلِقت من الجن. وفي ذلك أحاديث، منها:\nالحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: سُئِل رسول اللَّه -ﷺ- عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: [لا تُصلوا في مباركِ الإبل فإنها من الشياطين] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عبد اللَّه بن مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ قال: قال النبي -ﷺ-: [صَلُّوا في مرابضِ الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في أَعْطانِ الإبل. فإنها خُلِقَتْ مِنَ الشياطين] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين، وصلوا في مرابض الغنم، فإنها بركة] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٨٤)، (٤٩٣). وانظر صحيح أبي داود (٤٦٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٧٦٩)، كتاب المساجد والجماعات. باب: الصلاة في أعطان الإبل ومُراح الغنم. وانظر صحيح ابن ماجة (٦٢٢).\n(٣) حديث صحيح. رواه أحمد وأبو داود. انظر صحيح سنن أبي داود (١٦٩)، وصحيح الجامع الصغير (٧٢٢٨)، وله شواهد كثيرة.","vol":"8","page":430},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾. أي فوق الأرض بلا عمد، على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل. كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾. أي: رفعت على الأرض منتصبة، مُرْساةً راسخة، لا تميد ولا تميل ولا تزول.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. أي بُسطت ومُدَّت ومُهِّدت.\nقال القرطبي: (وكانوا يسيرون على الإبل منفردين مستوحشين عن الناس، ومَنْ هذا حاله تفكر فيما يحضره، فقد ينظر في مركوبه، ثم يمد بصره إلى السماء، ثم إلى الأرض. فأُمِروا بالنظر في هذه الأشياء، فإنها أدل دليل على الصانع المختار القادر).\nوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: نُهينا أنْ نَسْأَلَ رسول اللَّه -ﷺ- عَنْ شيءٍ، فكان يُعْجِبنا أن يَجيءَ الرجلُ مِنْ أَهْلِ البادية، العاقِلُ، فيَسْألَهُ ونحن نسمع، فجاءَ رجلٌ من أهل البادية، فقال: يا محمدُ! أتانا رسولك فزعَمَ لنا أنك تَزْعُمُ أنَّ اللَّه أَرْسَلكَ؟ قال: صَدَق. قال: فمن خلقَ السماء؟ قال: اللَّه. قال: فمن خلقَ الأرض؟ قال: اللَّه. قال: فمن نَصَبَ هذه الجبال، وجَعَل فيها ما جَعَلَ؟ قال: اللَّه. قال: فبالذي خلقَ السماءَ وخلقَ الأرضَ وَنَصَبَ هذه الجبالَ، آللَّه أرسلكَ؟ قال: نعم] الحديث (١).\nفسأل الرجل من أهل البادية النبي -ﷺ- مستدلًا بهذه الأمور والمخلوقات العظيمة التي يراها في حله وترحاله على خالقها ومالكها ومدبِّر شؤونها.\nوقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. أي: فعظ الناس يا محمد وخَوِّفهم بما جاءك من الوحي، فإنما أنت منذر وعلى ربك الحساب.\nوقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لست عليهم بجبار).\nوقال ابن زيد: (لست عليهم بمسلط أن تكرههم على الإيمان).\nوالمقصود: لست تخلق الإيمان -يا محمد- في قلوبهم، ولم تُسَلَّط عليهم حتى يؤمنوا، وإنما عليك البلاغ، وعلى اللَّه الثواب والعقاب.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه مسلم (١٢)، كتاب الإيمان، وأخرجه أحمد (٣/ ١٤٣)، والترمذي (٦١٩).","vol":"8","page":431},{"text":"أخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [أُمِرْت أَنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عَصَموا مني دِماءَهم وأموالهم إلا بِحَقِّها وحسابُهم على اللَّه. ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾] (١).\nقال القرطبي: (وقرأ هارون الأعور \"بِمُسَيْطَرٍ\" بفتح الطاء، و\"المسيطرون\". وهي لغة تميم). وأصل ذلك في لغة العرب من السَّطر وهو الصَّف من الشيء، وهو الخَطُّ والكتابة أيضًا. قال الرازي: (والمُسَيطر والمُصَيْطر: المُسَلَّطُ على الشيء لِيُشرِفَ عليه ويتعهّد أحواله ويكتبَ عمله، قال اللَّه تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾. الاستثناء منقطع. والتقدير: لكن من تولى عن الوعظ ونَفر، وأعرض عن الإيمان وكفر، فإن للَّه الولاية والقهر، فهو تعالى يعذبه في نار جهنم العذاب الأكبر.\nأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: [أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: كُلُّ أمَّتي يدخُلون الجنة إلا مَنْ أبى. قالوا: يا رسول اللَّه، ومَنْ يأبى؟ قال: مَنْ أطاعني دَخَلَ الجنَّة، ومَنْ عَصَاني فَقَدْ أبى] (٢).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن عن علي بن خالد، أنّ أبا أمامة الباهليَّ مَرَّ على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كَلمة سَمِعها من رسول اللَّه -ﷺ- فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [ألا كُلُّكُم يدخل الجنةَ، إلا مَنْ شَرَد على اللَّه شِرَادَ البعير على أهله] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: إنّ إلى اللَّه الإياب، وعليه الحساب).\nوالتقدير: إلينا مرجعهم ومنقلبهم بعد موتهم، ثم علينا محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم يوم بعثهم ومعادهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٣٤١)، كتاب التفسير، عند هذه الآية، انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٦٢). وأخرجه أحمد (٣/ ٣٠٠)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٩٠). والحديث ورد في الصحيحين عن جماعة من الصحابة دون ذكر الآية.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٧٢٨٠)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٨) وإسناده حسن، وعلي بن خالد قال عنه الحافظ في \"التقريب\" (٤٧٢٨): صدوق. ولأصل الحديث شواهد، وانظر ما قبله.","vol":"8","page":432},{"text":"قال النسفي: (﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم بها جزاء أمثالهم. و\"على\" لتأكيد الوعيد لا للوجوب إذ لا يجب على اللَّه شيء).\n\nتم تفسير سورة الغاشية بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء الخميس ٢٢ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٢/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ في العيدين والجمعة بِسَبِّح والغاشية.\n٢ - الغاشية من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذّره عباده، وسميت كذلك لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها وتعمهم.\n٣ - الكافر إذا عمل أعمال الخير في الدنيا يطعم بحسنات ما عمل في الدنيا من زينتها وبهجتها، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها.\n٤ - لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خُلقت من الشياطين.\n٥ - تفكروا في آلاء اللَّه، ولا تفكروا في اللَّه.\n٦ - كلكم يدخل الجنة إلا مَنْ شَرَدَ على اللَّه شِرادَ البعير على أهله.\n* * *","vol":"8","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>٨٩ - سورة الفجر</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>موضوع السورة</span>\nالقسم بالفجر وليالي العشر والشفع والوتر والليل أن العذاب نازل بأهل الكفر والمؤمنون يفارقون الحياة في أمن وأمان إلى الجنة دار السرور والبِشْر\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-476> منهاج السورة</span>-\n١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالفجر والليالي العشر والشفع والوتر والليل إذا يَسْرِ أن العذاب والنكال نازل بأهل الكفر.\n٢ - ذكر عذاب اللَّه لِعَادٍ عقب الإصرار على الكفر، ونقمته من ثمود وفرعون وأهل المكر.\n٣ - نعت سلوك الإنسان في فرحه عند الرخاء، وتغيّره عند الضيق والعناء.\n٤ - أكثر الناس على البخل على اليتيم، وإهمال إطعام المسكين.\n٥ - حرص أكثر الناس على جمع المال، ليكون عليهم حسرة في المآل.\n٦ - وصف حال الأرض عند المعاد، ونزول الرحمان والملائكة لفصل الحساب.\n٧ - بروز جهنم أمام الكافرين، لينزل بهم عذاب الجحيم.\n٨ - المؤمنون يفارقون الحياة في أمن وتسليم، ويدخلون في الآخرة جنات النعيم.","vol":"8","page":434},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالفجر والليالي العشر، والشفع والوتر، والليل الذي يجري ويذهب أن العذاب نازل بأهل الكفر، وقد مضى عذاب عاد وثمود وفرعون وأهل المكر.\nفقوله تعالى: ﴿وَالفَجْرِ﴾. قَسَمٌ من اللَّه سبحانه بالفجر وهو الصبح، لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار. قال عكرمة: (الفجر: فجر الصبح). وقال مجاهد: (المراد به فجرُ يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر). وعن ابن عباس: (﴿وَالفَجْرِ﴾ قال: النهار). قلت: والراجح الأول، وهو الصبح، كما قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]. فبه يحصل انقضاء الليل وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات، لطلب العيش والأرزاق.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. قال ابن عباس: (إن الليالي العشر التي أقسم اللَّه بها، هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة).\nوقال عبد اللَّه بن الزبير: (أول ذي الحجة إلى يوم النحر). وقال مسروق: (ليالي العشر. قال: هي أفضل أيام السنة).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- أنه قال: [ما العَمَلُ في أيامِ","vol":"8","page":435},{"text":"العَشْر أفضلُ منها في هذه. قالوا: ولا الجهادُ؟ قال: ولا الجهادُ، إلا رجلٌ خرجَ يُخاطِرُ بنفسه ومالِه فلمْ يرجِعْ بشيء] (١).\nورواه أحمد وأبو داود والترمذي بلفظ: [ما مِنْ أيام العَمَلُ الصالح فيها أحبُّ إلى اللَّه، من هذه الأيام -يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول اللَّه! ولا الجِهادُ في سبيل اللَّه؟ قال: ولا الجهاد في سبيل اللَّه، إلا رجلٌ خرج بنفسه وما له فلم يرجع من ذلك بشيء] (٢).\nوأخرج أبو داود بسند صحيح عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي -ﷺ-، قالت: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يصوم تسعَ ذي الحجة، ويومَ عاشوراء، وثلاثَةَ أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر والخميس] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. الشفع: الزوج، والوتر: الفرد، وذلك من كل الأشياء. وعن عكرمة: (الشفع: يومُ الأضحى، والوَتْر يوم عرفة).\nوقال قتادة: (إن من الصلاة شفعًا، وإن منها وترًا). وعن ابن عباس قال: (اللَّه وتر وأنتم شفع. ويقال الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب).\nقلت: والآية عامة في كل شفع وَوَتْر، فأقسم اللَّه قسمًا عامًا يشمل الخلق والخالق، فهو وَتْر سبحانه وخلقه شفع، للازدواج فيه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]. قال مجاهد: (كل خلق اللَّه شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، والكفر والإيمان، والسعادة والشقاوة، والهدى والضلالة، والليل والنهار).\nوفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، عن رسول اللَّه -ﷺ-: [للَّه تِسْعَةٌ وتسعون اسمًا -مئةٌ إلا واحدًا- مَنْ حَفِظَها دخَلَ الجنة، وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْر] (٤). وفي رواية: (مَنْ أحصاها).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٩٦٩)، كتاب العيدين. باب فضل العمل في أيام التشريق.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٤٣٨)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٢٤)، والترمذي (٧٥٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٤٣٧)، كتاب الصوم، باب في صوم العشر. وانظر: صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٢١٢٩). وهو مناسب للحديث قبله.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤١٠)، كتاب الدعوات. وأخرجه مسلم (٢٦٧٧)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار. والوَتْر والوِتْر لغتان.","vol":"8","page":436},{"text":"فاللَّه تعالى وتر -أي واحد- في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته، ليس كمثله شيء.\nقال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن اللَّه تعالى ذكره أقسم بالشفع والوتر، ولم يخصِّص نوعًا من الشفع ولا من الوتر دون نوع بخبر ولا عقل، وكل شفع ووتر فهو مما أقسم به، مما قال أهل التأويل إنه داخل في قسمه هذا، لعموم قسمه بذلك).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. أي: إذا يمضي. قال ابن عباس: (أي إذا ذهب). وقال مجاهد: (إذا سار). وقال الضحاك: (أي: يجري). قلت: فقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ ثم ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ فيه مقابلة لطيفة، فيكون قَسَمًا بإقبال النهار وإدبار الليل، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. الحِجْر: العقل: لأنه يحجر صاحبه، أي يمنعه من ارتكاب ما لا ينبغي. والمقسَم عليه محذوف، تقديره \"ليعذبن\" كما يدل عليه ما بعده. قال ابن عباس: (﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ ذي النهى والعقل).\nوعن قتادة: (﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ قال: لذي حجى، لذي عقل ولُبّ).\nقال الرازي: (المراد من الاستفهام التأكيد. كمن ذكر حجة باهرة ثم قال: هل فيما ذكرته حجّة؟ والمعنى أن من كان ذا لُبّ علم أن ما أقسم اللَّه تعالى به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية. فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾. إرم: اسم آخر لعاد الأولى، فهو على سبيل زيادة التعريف بهم. قال ابن إسحاق: (يقول اللَّه: بعاد إرم، إن عاد ابن إرم بن عوص بن سام بن نوح). وهم الذين بعث اللَّه فيهم هودًا -ﷺ- فكذبوه، وعتوا في الأرض متمردين جبارين، فأهلكهم اللَّه بريح صرصر عاتية، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧ - ٨].\nقال مجاهد: (إِرَمُ أُمَّةٌ قديمة -يعني عادًا الأولى-). وقال السدي: (إن إرمَ بيتُ مَمْلكةِ عاد).\nفقوله تعالى: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ عطف بيان، زيادة تعريف بهم. قال ابن عباس: (﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ كانوا أهل عَمُود لا يقيمون). قال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ لأنهم كانوا يسكنون بُيوت الشعر التي تُرفع بالأعمدة الشِّداد، وقد","vol":"8","page":437},{"text":"كانوا أشدَّ الناس في زمانهم خِلْقَةً وأقواهم بَطْشًا، ولهذا ذَكَّرهم هودٌ بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. وقال هاهنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، أي: القبيلة التي لم يُخلق مثلُها في بلادهم، لقوتهم وشِدَّتهم وعظم تركيبهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. أي: وثمود الذين كانوا ينحتون الجبال وينقبونها بيوتًا يسكنون فيها. وواديهم هو الحِجْر، أو وادي القرى، على طريق الشام من المدينة المنورة. وفي لغة العرب: اجتاب الثوب أي فتحه، ومنه الجيب.\nو﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾: أي يقطعون الصخر بالوادي. قال ابن عباس: (ينحتونها ويخرقونها). وقال قتادة: (جابوها ونحتوها بيوتًا).\nوهو كما قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. أي: وفرعون صاحب الأوتاد. قيل: هي الأهرام التي بناها الفراعنة لتكون لهم قبورًا بعد موتهم، وسخروا في بنائها أقوامهم. وقيل: ذي الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدونها بالأوتاد. وقيل غير ذلك.\nفعن ابن عباس: (الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره، ويقال: كان فرعون يوتد في أيديهم وأرجلهم أوتادًا من حديد، يعلقهم بها). وقال عبد الرحمن بن زيد: (كانت له صخرة ترفَعُ بالبكرات، ثم يؤخذ الإنسان فتوتد له أوتاد الحديد، ثم تُرسل تلك الصخرة عليه فتشدخه).\nقلت: والراجح بوصف فرعون ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ أي: صاحب الجنود والعساكر والجموع والجيوش الكثيرة والعُدَد الرهيبة التي تشدّ ملكه، وهذا يعمّ كل ما سبق.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾. صفة لِعَادٍ وثمود وفرعون، أي: طغت كل طائفة منهم في بلادهم، وتمردوا وعَتوا وعاثوا في الأرض بالفساد والإفساد والأذِيَّة للناس.\nوقوله تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. أي: فأفرغ عليهم ربك وألقى على تلك الطوائف عذابًا موجعًا. وهو من قول العرب: صَبَبْتُ السوط على المجرم، أي:","vol":"8","page":438},{"text":"جَلَدْتُهُ به جلدًا شديدًا. وقد كان السوط عندهم نهاية ما يُعَذَّبُ به. وقال القرطبي: (﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي نصيب عذاب).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: يرى ويسمع). قال ابن كثير: (يعني: يَرْصُدُ خَلْقَهُ فيما يعملون، ويجازي كُلًا بِسَعْيِهِ في الدنيا والأخرى، وسَيُعْرَضُ الخلائق كُلُّهم عليه، فيحكُم فيهم بعدله، ويقابِلُ كلًا بما يَسْتَحِقُّهُ. وهو المُنَزَّهُ عن الظُلم والجور).\n\n١٥ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ اللَّه تعالى سلوك الإنسان في العسر واليسر، فهو يفرح بالنعم عند الرخاء، ويتنكر لآلاء ربه عند الضيق والعناء. وليته إذا أنعم اللَّه عليه أكرم اليتيم، وحرص على إطعام المسكين، بل أكثر الناس يبخلون ويحرصون على جمع المال، ليكون عليهم حسرة في المآل.\nفقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾.\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والغنى ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ بالمال، وأفضل عليه، ﴿وَنَعَّمَهُ﴾ بما أوسع عليه من فضله ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ فيفرح بذلك، ويسرُّ به ويقول: ربي أكرمني بهذه الكرامة).\nوالمقصود: إنكارٌ على الإنسان ظنه أن ورود الوان النعيم والرزق عليه علامة إكرام له من اللَّه، بل هي ابتلاء واختبار وامتحان، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾.\nأي: وأمّا إذا ما اختبره سبحانه بضيق الرزق وقلة المال فيظن أن ذلك إهانة له.\nوقوله: ﴿كَلَّا﴾ أي ليس الأمر كما يظنون، فليس الإكرام والإهانة في كثرة المال","vol":"8","page":439},{"text":"وقلته، بل الإكرامُ في توفيق الطاعة والإهانةُ في الخذلان.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.\nقال النسفي: (أي بل هناك شر من هذا القول، وهو أن اللَّه يكرمهم بالغنى فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرامهم اليتيم بالمبرة، وحض أهله على طعام المسكين).\nوفي الآيات: أمر بإكرام اليتيم، وحضّ على الإحسان إلى الفقراء والمساكين، والحثّ والتشجيع على ذلك، وفي السنة الصحيحة أمثال ذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري عن سَهْلٍ قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أنا وكافِلُ اليتيم في الجنة هكذا\"، وأشار بالسَّبابَةِ والوُسْطى وفَرَّجَ بينَهما شيئًا] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا: [يا معشر المهاجرين والأنصار إن من إخوانكم قومًا ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن سلمان بن عامر الضَّبِّيِّ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [الصدقة على المسكينِ صَدَقَةٌ، وعلى ذي القرابةِ اثنتان: صَدَقَةٌ وصِلَةٌ] (٣).\nولفظ الترمذي: [الصدقةُ على المسكين صدقةٌ، وهي على ذي الرحم ثِنْتانِ: صدقةٌ وصِلة].\nوقوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال قتادة: (﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ أي الميراث). وقال ابن عباس: (﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ يقول: تأكلون أكلًا شديدًا).\nقال الحسن: (نصيبه ونصيب صاحبه). وقال مجاهد: (اللمّ: السفّ، لفّ كل شيء).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣٠٤)، كتاب الطلاق، وأخرجه أبو داود (٥١٥٠)، والترمذي (١٩١٨)، وأحمد (٥/ ٣٣٣)، وابن حبان (٤٦٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٢٥٣٤) في السنن، وإسناده صحيح، ورواه الحاكم.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٨٤٤)، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة. انظر صحيح سنن ابن ماجة (١٤٩٤)، وصحيح سنن الترمذي، عقب الحديث (٥٣١).","vol":"8","page":440},{"text":"والمقصود: وتأكلون الميراث من أي جهة تحصل لكم، من حلال أو حرام.\nأخرج النسائي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يأتي على الناس زمان ما يبالي الرَّجل من أين أصابَ المال؟ من حلالٍ أو حرامٍ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. الجمّ الكثير. والمعنى: وتحبون المال حبًا كثيرًا، حلاله وحرامه. قال النسفي: (﴿حُبًّا جَمًّا﴾ كثيرًا شديدًا مع الحرص ومنع الحقوق).\n\n٢١ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾.\nفي هذه الآيات: وصف اللَّه تعالى حال الأرض عند المعاد، ونزول الرحمان والملائكة للفصل والحساب، وبروز جهنم أمام أهلها لينزل بهم العقاب، فالكفار في حسرة وندامة، والمؤمنون في طمأنينة وسلامة.\nفقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. كَلَّا: ردع وزجر، وإنكار لما هم عليه من الفعل. والدّك: الكسر والدقّ. قال القرطبي: (أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فهو ردٌّ لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يندم يوم تُدَكُّ الأرض، ولا ينفع الندم). وقال الزجاج: (﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا﴾: أي زلزلت فَدَكّ بعضها بعضًا). وقال المبرد: (أي ألصقت وذهب ارتفاعها).\nوالمقصود: زلزلت وحركت تحريكًا بعد تحريك، أو دُكَّتْ جبالها حتى استوت، وهو إخبار من اللَّه تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. أي: وجاء اللَّه سبحانه لفصل القضاء بين عباده، والملائكة جاؤوا بين يديه صفوفًا صفوفًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في السنن بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة. انظر صحيح سنن النسائي (٤١٤٩). ورواه أحمد والبخاري بنحوه.","vol":"8","page":441},{"text":"قلت: وصفة المجيء والإتيان والاطلاع ثابتة للَّه تعالى في القرآن والسنة الصحيحة.\nففي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].\n٣ - وقال هنا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].\nوفي صحيح السنة العطرة أحاديث في ذلك، منها:\nالحديث الأول: أخرج ابن خزيمة بسند جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إذا جمع اللَّه الأولى والآخرة يوم القيامة جاء الرب ﵎ إلى المؤمنين فوقف عليهم. . . .] الحديث (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [يجمعُ اللَّه الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطَّلِعُ عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يتَّبع كلُّ إنسانٍ ما كان يعبد] الحديث (٢).\nوقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. أي جيء بها يومئذ مزمومة والملائكة يجرّونها. وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلك يجرّونها] (٣).\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾. أي: يومئذ يتذكر الإنسان ماضيه وعمله وما صدر عنه في أيام عمره في الحياة الدنيا.\nوقوله: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. أي: ومن أين له اليوم منفعة الذكرى وقد مضى زمان التذكر والاتعاظ والاعتبار.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن خزيمة في \"التوحيد\" ص (١٥٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٥٦) وقال الألباني: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد.\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٧٢)، أبواب صفة الجنة. باب ما جاء في خلود أهل الجنة، وأهل النار، وهو صدر حديث طويل.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٤٢)، ورواه الترمذي في السنن (٢٥٧٣).","vol":"8","page":442},{"text":"وقوله: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. قال النسفي: (هذه وهي حياة الآخرة، أي ياليتني قدمت الأعمال الصالحة في الحياة الفانية لحياتي الباقية). وقال القرطبي: (﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ أي في حياتي. فاللام بمعنى في. وقيل: أي قدمت عملًا صالحًا لحياتي، أي لحياة لا موت فيها. وقيل: حياة أهل النار ليست هنيئة، فكأنهم لا حياة لهم، فالمعنى: يا ليتني قدّمت من الخير لنجاتي من النار، فأكون فيمن له حياة هنيئة).\nوأخرجَ الإمام أحمد في المسند، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" بسند صحيح عن عتبة بن عبد قال: إنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [لو أنَّ رجلًا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة اللَّه ﷿ لحقَّره يوم القيامة] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: ليس أحدٌ أشدَّ عذابًا من تعذيب اللَّه من عَصاه).\nوالمقصود: لا يعذِّب كعذاب اللَّه أحد، ولا يوثق كوثاقِه أحد. فالكناية ترجع إلى اللَّه تعالى، وهو قول ابن عباس والحسن.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. أي: ولا يوثق الكافِرَ بالسلاسل والأغلال كوثاق اللَّه أحد.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.\nأي: والصورة المقابلة لحال أولئك الكفرة الفجرة، هي صورة الأتقياء السعداء البررة، أصحاب النفوس الساكنة الموقنة بربها، المطمئنة لثوابه، الآمنة من عذابه، يقال لها عند الاحتضار -أو البعث أو دخول الجنة-: ارجعي إلى جوار ربك وثوابه ونعيم جنانه، راضية عن ربها، مرضية عنده.\nفعن ابن عباس: (﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، يقول: المصدقة). قال الحسن: (المطمئنة إلى ما قال اللَّه، والمصدّقة بما قال). وقال مجاهد: (النفس التي أيقنت أن اللَّه ربها، وضربت جأشًا لأمره وطاعته). وقال أيضًا: (المنيبة المخبتة التي قد أيقنت أن اللَّه ربها، وضربت لأمره جأشًا). وقال: (المخبتة والمطمئنة إلى اللَّه).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٨٥)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ١٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١٥)، (٥/ ٢١٩). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٤٧).","vol":"8","page":443},{"text":"وعن ابن عباس: (﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ قال: تردُّ الأرواح المطمئنة يوم القيامة في الأجساد).\nوعن أبي صالح: (﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ قال هذا عند الموت).\nوفي سنن أبي داود ومسند أحمد والطيالسي بسند صحيح من حديث البراء -في احتضار المؤمن- قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة -وفي رواية: المطمئنة- اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال أبو صالح: (هذا يوم القيامة). وقال قتادة: (قال: ادخلي في عبادي الصالحين).\nوالمقصود: يقال لها: ادخلي في زمرة عبادي الصالحين وكوني في جملتهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. أي: وادخلي جنتي معهم، وهي دار الخلود مَسْكَنُ الأبرار، ودار الصالحين والأخيار، وهذا هو التكريم الذي لا ينافسه كل تكريم كان في الدنيا، فنسأل اللَّه السلامة، وبلوغ هذه الكرامة.\n\nتم تفسير سورة الفجر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه عصر يوم السبت ٢٤ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٤/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والطيالسي (٧٥٣)، وغيرهم.","vol":"8","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الليالي العشر التي أقسم اللَّه بها هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة.\n٢ - ما مِنْ أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى اللَّه من أيام العشر.\n٣ - أقسم اللَّه بالشفع والوتر، وهو سبحانه وِتْرٌ يحب الوِتْر.\n٤ - ليس الإكرام والإهانة مرتبط بكثرة المال أو قلته، بل التوفيق إلى مرضاته تعالى وطاعته.\n٥ - الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثِنتان: صدقة وصلة.\n٦ - يجمع اللَّه الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يتبع كل إنسان ما كان يعبد.\n٧ - يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها.\n٨ - يجيء ملك الموت فيجلس عند رأس المؤمن فيقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء.\n* * *","vol":"8","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>٩٠ - سورة البلد</span>\nوهي سورة مكّية، وعدد آياتها (٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>موضوع السورة</span>\nالقَسَمُ بمكة والوالد والولد أن الإنسان في شدة وعناء وأن سعادته في طاعة اللَّه واقتحام الموانع وإلا كان الشقاء\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-480> منهاج السورة</span>-\n١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بمكة أم القرى وبالوالد وأولاده أن ابن آدم في شدة وعناء، ثم مصيره إن كفر وعصى ربه إلى الشقاء.\n٢ - حث الإنسان على إخلاص العبادة لربه الذي أغدق عليه نعمه الكثيرة، كالعينين واللسان والشفتين والنجدين والآلاء الكبيرة.\n٣ - توجيه الإنسان لاقتحام موانع الطاعة، من النفس والشيطان والشهوات والهوى بالبذل والعمل والإيمان والجهاد والشجاعة.\n٤ - المؤمنون هم أصحاب الميمنة، والكفار هم أصحاب المشأمة.","vol":"8","page":446},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسِمُ تعالى بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حلالًا، تنبيهًا لعظمة قدرها حالة إحرام أهلها، كما يقسم جلت عظمته بالوالد وأولاده، أن ابن آدم في شدة وعناء، ثم مصيره إن كفر وعصى ربه إلى الشقاء، فهلا أخلص العبادة لربه الذي أغدق عليه نعمه الكثيرة، كالعينين واللسان والشفتين والنجدين والآلاء الكبيرة.\nفقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال الأخفش: (﴿لَا﴾ زائدة). والتقدير: أقسم بهذا البلد -وهي مكة-. قال القرطبي: (أي أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه، لكرامتك عليّ وحبّي لك). وقال مجاهد: (﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: ﴿لَا﴾: رَدٌّ عليهم).\nوقد أقسم اللَّه به في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: أي في المستقبل. قال مجاهد: (أحل لرسول اللَّه -ﷺ- ما صنع فيه ساعة). وقال قتادة: (يقول: وأنت به حل لست بآثم).\nوقد فصّل ذلك ابن عباس حيث قال: (﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني بذلك نبي اللَّه -ﷺ-، أحلّ اللَّه له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، ويستحيي من شاء، فقتل يومئذ ابن خطل صَبْرًا وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم تحل لأحد من الناس بعد رسول اللَّه -ﷺ- أن يقتل فيها حرامًا حرّمه اللَّه، فأحلّ اللَّه له ما صنع بأهل مكة).\nأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي -ﷺ-","vol":"8","page":447},{"text":"افْتَتَحَ مَكَّةَ: [لَا هِجْرةَ ولكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا اسْتُنْفِرْتُم فانْفِروا، فإن هذا بلدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يومَ خلق السماوات والأرضَ، وهو حرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّه إلى يومِ القيامة، وإِنَّهُ لا يَحِلُّ القِتالُ فيه لأحَدٍ قبلي ولمْ يَحِلَّ لي إلا ساعةً مِنْ نَهارٍ، فهو حرامٌ بحُرْمَةِ اللَّه إلى يوم القيامة] الحديث (١).\nوالتأويل الثاني: أي أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم به، تشريفًا لك وتعظيمًا لقدرك، لأنه صار بحلولِكَ فيه عظيمًا شريفًا.\nقلت: وكلا المعنيين حق، سواء أكان القسم تأويله في الحاضر أو المستقبل، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالوالد وأولاده، كآدم وما تناسل من ولده، وبكل والد ومولود من جميع الحيوانات، تنبيهًا على عظم آية التناسل والتوالد، ودلالتها على قدرة اللَّه وحكمته وعلمه.\nفعن ابن عباس: (﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: هو الوالد وولده). وقال أيضًا: (الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له). وقال مجاهد: (الوالد: آدم، وما ولد: ولده). وعن عطية العوفي: (هو عموم في كل والد وكل مولود).\nوقال الماوردي: (ويحتمل أن الوالد النبي -ﷺ-، لتقدّم ذكره، وما ولد أمته، لقوله ﵇: \"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم\". فأقسم به وبأمّته بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه ﵇).\nقلت: والراجح العموم، فيدخل في ذلك كل والد ومولود، كما تقدم، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هو جواب القسم. والإنسان هنا ابن آدم. والكَبَد: الشدة والمعاناة (٢). والتقدير: لا يزال الإنسان في مكابدة شدائد هذه الدنيا ومقاساة آلامها حتى يموت، فإذا مات كابد شدائد القبر والبرزخ وأهوالهما، ثم إذا بُعث كابد شدائد الآخرة. وفيه تسليةٌ للنبي -ﷺ- مما كان يكابده من قريش، فإن الأنبياء أشُد الناس بلاء.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٣٤)، كتاب جزاء الصيد. باب: لا يَحل القتال بمكة.\n(٢) أصل الكبد من (كبد الرجل كبدًا) فهو أكبد، إذا وجعت كبده وانتفخت. ثم استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة.","vol":"8","page":448},{"text":"وعن ابن عباس: (﴿فِي كَبَدٍ﴾ قال: في شدَّة خَلْقٍ، ألم تر إليه وذكر مَوْلِدَه ونبات أسنانه). وقال مجاهد: (﴿فِي كَبَدٍ﴾ نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، يتكبَّدُ في الخلق). وقال ابن عباس أيضًا: (﴿فِي كَبَدٍ﴾ يقول: في نصب). أو قال: (في انتصاب، يعني القامة). قال الضحاك: (خُلِقَ منتصبًا على رجلين، لم تخلق دابة على خلقه). وعن قتادة: (﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ حين خلق، في مشقة، لا يُلقى ابن آدم إلا مكابد أمر الدنيا والآخرة). وعن الحسن: (يكابد أمرًا من أمر الدنيا، وأمرًا من أمر الآخرة). وقال أيضًا: (يكابِدُ مضايقَ الدنيا وشدائدَ الآخرة). قلت: وإنما تهوين هذه الشدائد أو عبورها وتجاوزها يكون اختصاصًا من اللَّه تعالى لأوليائه وأحبابه المؤمنين، فإنما استراح من غُفر له، ولا راحة لمؤمن إلا بلقاء ربه ورضاه.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\nوفي صحيح السنة العطرة من آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج أحمد في المسند، وأبو نعيم في الحلية، بسند حسن في الشواهد عن عائشة قالت: قيل: يا رسول اللَّه ماتت فلانة واستراحت! فغضب رسول اللَّه -ﷺ- وقال: [إنما يستريح من غُفِرَ له] (١).\nوفي رواية: [إنما استراحَ من غُفِرَ له].\nالحديث الثاني: أخرج مالك وأحمد والشيخان عن أبي قتادة: أن رسول اللَّه -ﷺ- مُرَّ عليه بجنازة، فقال: مستريحٌ أو مستراحٌ منه. قالوا: يا رسول اللَّه ما المتسريحُ والمستراحُ منه؟ قال: [العبدُ المؤمن يستريح من نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى ﵀، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٦/ ٦٩)، (٦/ ١٠٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٢٩٠). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٧١٠)، وصحيح الجامع (٢٣١٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مالك (١/ ٢٤٤/ ٥٤)، وعنه البخاري (٤/ ٢٣٣)، وكذا مسلم (٣/ ٥٤)، وأحمد (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، والنسائي (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣).","vol":"8","page":449},{"text":"قال: [إنَّ الميتَ يصيرُ إلى القبر، فَيُجْلَسُ الرجلُ الصالحُ في قبرِهِ، غَيْرَ فَزِعٍ ولا مشعوف. ثم يُقال له: فيمَ كُنتَ؟ فيقول: كنتُ في الإسلام. فَيُقالُ له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمدٌ رسول اللَّه -ﷺ-، جاءَنا بالبينات مِن عند اللَّه فصَدَّقْناه. فيُقالُ له: هل رأيتَ اللَّه؟ فيقول: ما ينبغي لأَحَدٍ أن يرى اللَّه، فَيُفْرَجُ له فُرْجَةٌ قِبَلَ النار. فينظُر إليها يَحْطِمُ بَعْضُها بعْضًا. فيُقال له: انظُرْ إلى ما وقاكَ اللَّه. ثم يُفْرَجُ له قِبَلَ الجنة. فينظرُ إلى زَهْرَتها وما فيها. فيقال له: هذا مَقْعَدُكَ، ويُقال له: على اليقين كُنْتَ، وعليه مُتَّ، وعليه تُبْعَثُ، إن شاءَ اللَّه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن الإنسان أن لن يقدر عليه ولا ينتقم منه أحد، مهما اقترف من السيئات، حتى ولا ربِّه ﷿؟ !\nوقوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾. أي يقول ابن آدم: أنفقت مالًا كثيرًا مجتمعًا. وهو من تلبَّد الشيء: إذا اجتمع.\nوالمقصود: ما أنفقه من الأموال للافتخار والمباهاة والرياء. قال ابن عباس: (يعني باللبد: المال الكثير). وقال مجاهد: (﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ قال: مالًا كثيرًا). قال القاسمي: (كقولهم: \"خسرت عليه كذا وكذا\" إذا أنفق عليه. يتفضل على الناس بالتبذير والإسراف، ويحسبه فضيلة لاحتجابه عن الفضيلة وجهله).\nوقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. كشف لحقيقة ما كان عليه من النفاق والرياء.\nقال النسفي: (﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ حين كان ينفق ما ينفق رياء وافتخارًا، يعني أن اللَّه تعالى كان يراه وكان عليه رقيبًا).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾. قال قتادة: (نِعَمٌ من اللَّه متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره). وقال القاشانّي: (أي ألم ننعم عليه بالآلات البدنية التي يتمكن بها من اكتساب الكمال، ليبصر ما يعتبر به، ويسأل عما لا يعلم، ويتكلم فيه؟).\nوالمقصود: تذكير من اللَّه تعالى عباده بنعمه عليهم، في سلامة الآلات التي يتوصلون بها إلى تحصيل منافعهم الدينية والدنيوية، فالحاجة إلى العينين للرؤية، واللسان للنطق والتعبير عما في الضمير، والتكلم بالحجة والحق، والشفتين لحبس\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٢٦٨). وانظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٤٤٣) - كتاب الزهد - باب ذكر القبر والبلى، وهو جزء من حديث أطول.","vol":"8","page":450},{"text":"الطعام والشراب وإمساكهما في الفم، والنطق أيضًا، وفيهما جمالٌ للوجه والفم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. النجد: الطريق المرتفع -أو ما ارتفع من الأرض-.\nفمفهوم الآية: وهديناه الطريقين: طريق الخير وطريق الشر.\nوالمقصود: امتنان من اللَّه تعالى على الإنسان في معرض ذكر النعم الجليلة عليه. أي: ألم نعرِّفه طريق الخير وطريق الشر، مبينتين واضحتين كتبيّن الطريقين العاليتين! فهو يدرك ذلك بفطرته التي فطره اللَّه عليها.\nيروي ابن جرير عن عاصم، عن زر، عن عبد اللَّه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: (الخير والشر). وعن ابن عباس: (يقول: الهدى والضلالة). وقال الضحاك: (نجد الخير، ونجد الشر).\nقلت: وفي تسميتهما بالنجدين إشارة إلى وعورة وصعوبة كل مسلك منهما، فليس الشر بأهون من الخير، وإنما في كل طريق ما فيه من المحن، وإنما النجاة بمجاهدة النفس ألا تقع في الآثام، وأن تسلك سبيل تعظيم أوامر الرحمان.\n\n١١ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾.\nفي هذه الآيات: توجيهُ اللَّه تعالى الإنسان لاقتحام موانع الطاعة، من النفس والشيطان والشهوات والهوى بالبذل والعمل والإيمان والجهاد والشجاعة، فالمؤمنون أصحاب الميمنة، والكفار أصحاب المشئمة.\nفقوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. أي: فهلا اجتهد واخترق الموانع التي تحول بينة وبين طاعة اللَّه، من تسويل النفس واتباع الهوى والشيطان. وقال قتادة: (إنها عقبة","vol":"8","page":451},{"text":"قُحْمَةٌ (١) شديدة فاقتحموها بطاعة اللَّه تعالى). وقال الحسن: (هي واللَّه عقبة شديدة: مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان). وقيل: العقبة خَلاصُه من هول العرض.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾. استفهام لزيادة التقرير والاهتمام. قال القاسمي: (أيْ أيّ شيء أعلمك ما اقتحام العقبة؟ وفي الاستفهام زيادة تقريرها وكونها عند اللَّه تعالى بمكانة رفيعة).\nوقوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾. فكّها خلاصها من الأسر. وقيل: من الرِّق.\nقال القرطبي: (والفكّ: هو حل القيد، والرِّق قيد. وسمي المرقوق رقبة، لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمِّي عتقها فَكًّا كفك الأسير من الأسْر).\nوقد حفلت السنة العطرة بأحاديث كثيرة في فضائل العتق، منها:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي -ﷺ-: [أَيَّما رَجُلٍ أعتقَ امرأً مسلمًا اسْتَنْقَذَ اللَّه بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهُ عُضْوًا من النار] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن سعيد بن مُرجانَةَ: [أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من أَعْتَقَ رقبةً مؤمنة أعتقَ اللَّه بكل إِرْبٍ منها إرْبًا منه من النار، حتى إنه ليُعْتِقُ باليدِ اليدَ، وبالرجلِ الرجلَ، وبالفرجِ الفرجَ\". فقال عليُّ بن الحسين: أنت سمعتَ هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له أفْرَهُ غلمانه: ادعُ مِطْرَفًا. فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حُرٌّ لوجهِ اللَّه] (٣).\nوروى البخاري نحوه وفيه: (فعمد عليّ بن الحسين ﵄ إلى عَبْدِ له قد أعطاهُ به عبد اللَّه بنُ جَعفر عَشَرَةَ آلافِ درهم، أو ألْفَ دينار فأعتقه).\nالحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: سمعت\n_________\n(١) القُحْمة: المَهْلَكة، والسنة الشديدة. والقُحَم: صِعاب الطريق. والاقتحام: الرَّميُ بالنفس في شيء من غير رَوية. والمقصود هنا: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والعقبة: الطريق الوعرة في الجبل يصعب سلوكها، استعيرت لتمثيل ما سيأتي مما فيه معاناة ومشقة ومجاهدة للنفس من أجل النَجاة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٥١٧) كتاب العتق. وكذلك (٦٧١٥)، ورواه مسلم (١٥٠٦)، والترمذي (١٥٤١)، والنسائي (٩/ ٥٠٥)، وأحمد (٢/ ٤٢٠).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٢٠)، وانظر صحيح البخاري -حديث رقم- (٦٧١٥)، كتاب كفارات الإيمان.","vol":"8","page":452},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [مَنْ أعتقَ رقَبةً مؤمنة أعتقَ اللَّه منه بكل عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا من النار، حتى يُعْتِقَ فرْجَهُ بِفرْجِهِ] (١).\nالحديث الرابع: أخرج الطبري بسند على شرط مسلم عن أبي نَجِيح قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: [أَيَّما مُسلِمٍ أعتقَ رجُلًا مُسلمًا فإنَّ اللَّه جاعِلٌ وقاءَ كل عَظْمٍ من عِظامه عظْمًا من عِظام مُحَرِّرِه من النار. وَأَيُّما امرأة مُسلمة أعتقتْ امرأة مسلمةً فإن اللَّه جاعل وقاءَ كلِّ عظم من عِظامِها عظمًا من عِظامها من النار] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن كثير بن مُرَّة، عن عمرو بن عَبَسَةَ: أنه حدَّثهم: أنَّ النبي -ﷺ- قال: [مَنْ بنى مسجدًا لِيُذْكَرَ اللَّهُ فيه بنى اللَّه له بيتًا في الجنة. ومن أعتق نفسًا مسلمةً كانت فِديته من جهنّم. ومن شابَ شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة] (٣).\nالحديث السادس: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن البراء بن عازب قال: [جاء أعرابي إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! عَلّمني عملًا يدخلني الجنةَ. فقال: لئن كُنْتَ أقصرت الخطبةَ لقد أعرضت المسألة. أعتق النسمةَ، وفكّ الرقبة. فقال: يا رسول اللَّه! أوليستا بواحدةٍ؟ قال: لا، إن عِتْقَ النسمة أن تنفرد بِعِتْقها، وفَكَّ الرقبة أن تُعين في عِتقها. والمِنْحة الوكوفُ، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تُطِق ذلك فأطعم الجائعَ، واسقِ الظمآن \"واؤْمُر بالمعروف وانه عن المنكر\"، فإن لم تطق ذلك فَكُفَّ لسانك إلا من الخير] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. السَّغَبُ: الجوع، والساغب الجائع. قال ابن عباس: (﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: ذي مَجاعةٍ). وقال إبراهيم النَّخَعِيُّ: (في يومٍ الطعامُ فيه عزيز). وقال قتادة: في يومٍ يُشتهى فيه الطعام).\nوالمقصود: إن من سبل اقتحام العقبة إطعام الطعام وخاصة عند انتشار الجوع ووجود الحاجة إليه، فإطعامه فضيلة وهو مع الجوع أفضل.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (١٥٤١)، أبواب النذور والأيمان. باب ثواب من أعتق رقبة. وانظر صحيح الترمذي (١٢٤٧)، وله شواهد كثيرة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبري (٣٧٣١٧)، وإسناده على شرط مسلم. وله طرق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٨٦)، وإسناده على شرط مسلم.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٩٩)، وإسناده حسن، وله شواهد.","vol":"8","page":453},{"text":"أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد اللَّه بن سلام قال: [لما قدم رسول اللَّه -ﷺ-، يعني: المدينة، انجفل الناس إليه، وقيل قدم رسول اللَّه -ﷺ- فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول اللَّه -ﷺ- عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: يا أيها الناس أفشوا السلامَ، وأطعموا الطعام، وصَلُّوا والناسُ نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلام] (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. قال ابن زيد: (ذا قرابة). والمعنى: أي يطعم اليتيم -وهو الصغير الذي لا أب له-، ويكون اليتيم من أقارب هذا المقتحم الذي يبغي النجاة في الآخرة.\nأخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن سلمان بن عامر يبلغ به النبي -ﷺ- قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحِم ثِنْتان: صدقةٌ وصلة] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي لا شيء له، حتى كأنه لشدة فقره قد لصِقَ بالتراب. وهو من \"ترب الرجل\" إذا افتقر، والمتربة: المسكنة والفاقة. قال ابن عباس: (﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ هو المطروح في الطريق، الذي لا بيت له، ولا شيء يقيه من التراب). وفي رواية: (هو الذي لَصِقَ بالدقعاء من الفقر والحاجة، ليس له شيء). والدقعاء: التراب. وقال عكرمة: (هو الفقير المديونُ المحتاجُ). وقال سعيد بن جبير: (هو الذي لا أحدَ له). وقال قتادة: (هو ذو العيالى). وقيل: هو البعيدُ التربة -قاله ابن عباس- يعني الغريب عن وطنه. وكل ما سبق داخل في مفهوم الآية، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾.\nأي: ثم إن ذلك المقتحم للعقبة إضافة إلى ما سبق من الأوصاف الجميلة فهو مؤمن يوصف بالتحلي برفيع الإيمان في قلبه، وجميل الأعمال على جوارحه، مع الاحتساب ثواب الابتلاء عند ربه، ورحمته عباد اللَّه جميعًا.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (١٣٣٤)، (٣٢٥١)، والترمذي. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠١٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٦٥٨)، أبواب الزكاة، باب الصدقة على ذي القرابة. ورواه ابن ماجة (١٨٤٤)، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة. وقد مضى.","vol":"8","page":454},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].\nوفي الصحيحين عن جرير بن عبد اللَّه مرفوعًا: [لا يرحم اللَّه مَنْ لا يرحم الناس] (١).\nوله شاهد صحيح رواه الحافظ العراقي عن أنس بن مالك مرفوعًا: [والذي نفسي بيده لا يضع اللَّه رحمته إلا على رحيم. قالوا: كلنا يرحم. قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة] (٢).\nوأخرج البخاري في الأدب المفرد بسند قوي عن عبد اللَّه بن عمرو يرفعه: [مَنْ لَمْ يرحَمْ صغيرَنا، ويعرِفْ حَقَّ كبيرنا، فليسَ منا] (٣).\nوأخرج الديلمي بسند حسن في الشواهد عن معقل بن يسار مرفوعًا: [أفضل الإيمان الصبرُ والسماحة] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. أي المتصفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين، الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم. وقال يحيى بن سلام: (لأنهم ميامينُ على أنفسهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. أي: أصحاب الشمال. قال محمد بن كعب: (أي يأخذون كتبهم بشمائلهم). قال يحيى بن سلام: (لأنهم مشائيم على أنفسهم).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: (مغلقة الأبواب).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣٧٦)، ومسلم (٣١٩)، وأحمد (٤/ ٥٦٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحافظ العراقي في \"المجلس ٨٦ من الأمالي\" (٢/ ٧٧)، وله شاهد عند ابن المبارك في \"الزهد\" (١/ ٢٠٣). وانظر \"الصحيحة\" (١٦٧).\n(٣) حديث حسن. أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٥٥)، وأبو داود في \"السنن\" (٤٩٤٣)، والترمذي (١٩٢٠)، وهو حديث قوي وله شواهد.\n(٤) حسن لغيره. أخرجه الديلمي (١/ ١/ ١٢٨)، وابن أبي شيبة في \"الإيمان\" (٤٣).","vol":"8","page":455},{"text":"وقال سعيد بن جبير: (أي مُطبقةٌ). وقال مجاهد: (أصَد الباب بلغة قريش: أي أغلقه). وقال الضحاك: (﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: حيطٌ لا باب له).\nوقال قتادة: (﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: مطبقة فلا ضوءَ فيها ولا فُرَج، ولا خروج منها آخر الأبد).\nقلت: وفي الصحاح: أوصَدْت الباب وآصَدْته أي أغلقته.\nوالقصود: تُطبق أبواب النار وتغلق على الكفار، لحبسهم فيها، وسدّ سبل الخلاص منها، أعاذنا اللَّه والمؤمنين من نار جهنم، بفضله ورحمته وكرمه.\n\nتم تفسير سورة البلد بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأحد ٢٥ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٥/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م","vol":"8","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - أقسم اللَّه بالبلد الحرام، تشريفًا لنبيه المقيم فيه ﵊.\n٢ - الكبد من المكابدة، والعرب تقول كبد الرجل كبدًا إذا وجعت كبده وانتفخت، ثم استعمل في كل تعب ومشقة.\n٣ - النجد: الطريق المرتفع الواضح، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: أي طريق الخير وطريق الشر.\n٤ - العقبة: موانع الطاعة، من النفس والهوى والشيطان وغير ذلك.\n٥ - من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه منه بكل عُضْوٍ منه عُضْوًا من النار، حتى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ.\n٦ - السَّغَب: الجوع، والمسغبة: المجاعة، والساغب: الجائع.\n٧ - الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة.\n٨ - من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا، فليس منا.\n* * *","vol":"8","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>٩١ - سورة الشمس</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد في ذكرها أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث جابر قال: [مر رجل من الأنصار بناضحين (١) على معاذ، وهو يصلي المغرب، فافتتح بسورة البقرة، فصلى الرجل ثم ذهب. فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فقال: أَفَتَّانٌ يا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ يا معاذُ، ألا قرأت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوهما] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها من السور] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري والنسائي عن جابر قال: [صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء، فطول عليهم، فانصرف رجل منا. فأُخبر مُعاذ عنه، فقال: إنه مُنافق. فلما بلغ ذلكَ الرجلَ، دخل على النبي -ﷺ- فأخبره بما قال معاذ. فقال النبي\n_________\n(١) الناضح: الجمل الذي يخرج الماء من البئر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥) ح (١٧٩)، وانظر صحيح سنن النسائي (٩٤١) - في الصلاة - باب القراءة في المغرب بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٠٩). باب ما جاء في القراءة في صلاة العشاء.","vol":"8","page":458},{"text":"-ﷺ-: أتريدُ أنْ تكون فتَّانًا يا معاذُ، إذا أمَّمْتَ الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (١).\nالحديث الرابع: أخرج النسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول اللَّه -ﷺ- من فلان، فصلينا وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وأشباهها] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>موضوع السورة</span>\nالقسم بالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض أن سعادة النفس في الدارين لمن زكاها، والشقاوة لمن دساها\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-485> منهاج السورة</span>-\n١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض والنفس أن الفلاح بتزكية هذه النفس والشقاء لمن دساها.\n٢ - الإخبار عن تكذيب ثمود وطغيانهم، وخروج أشقاهم لعقر الناقة التي حذرهم نبيهم.\n٣ - مقابلة اللَّه تعالى لهم بالغضب والانتقام، وإنزال العقاب والآلام.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر كما مضى. وانظر صحيح النسائي (٩٥٤).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (٩٤٠). باب القراءة في المغرب بقصار المفصل.","vol":"8","page":459},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالشمس ذلك الخلق العظيم، ويقسم بضوئها مبعث الحياة في عالمها الفخيم. ويقسم بالقمر والنهار والليل والسماء والأرض والنفس ومن خلقها في أحسن تقويم، أن الفلاح والسعادة لمن زكاها، والخيبة والشقاء لمن دساها.\nفقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾. قسَمٌ من اللَّه بالشمس ونهارها. فإن الضحا وقت ارتفاع الشمس بعد طلوعها إذا تمّ ضياؤها. فهما قَسَمان: أقسم اللَّه بالشمس، وأقسم بضحا الشمس. قال مجاهد: (﴿وَضُحَاهَا﴾ أي ضوؤها وإشراقها). وقال قتادة: (بهاؤها). وقال السدي: (حرّها). وروى الضحاك عن ابن عباس: (﴿وَضُحَاهَا﴾ قال: جعل فيها الضوء وجعلها حارة).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾. أي: إذا تبعها بعد غروب الشمس. فهو قسم بالقمر عند امتلائه أو قربه من الامتلاء. إذ يضيء الليل كله مع غروب الشمس إلى الفجر. وهذا في الحقيقة قسم بالضياء في طور آخر من أطواره. وعن ابن عباس: (﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ قال: يتلو النهار). وقال قتادة: (﴿تَلَاهَا﴾ ليلةَ الهلالِ، إذا سقطت الشمسُ رُئيَ الهلالُ). وقال ابن زيد: (هو يتلوها في النصف الأول من الشهر، ثم هي تتلوه. وهو يتقدَّمها في النصف الأخير من الشهر).\nوقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالنهار إذا جلّى الشمس، وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تنجلي تمام الانجلاء. وعن مجاهد: (﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ قال: أضاء). وقال قتادة: (إذا غشيها النهار). وقيل: والنّهار إذا جلّى البسيطة، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ - ذكره مجاهد.","vol":"8","page":460},{"text":"قال القاسمي: (﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ أظهر الشمس. وذلك عند انتفاخ النهار وانبساطه. لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء). قلت: وهذه الأقسام كلها في تعظيم النور والضياء ليلتفت الإنسان إلى قيمة هذه النعمة الجليلة وآثارها في الإيمان والعلم، والنور والهداية في القلب، وإشراقة النفس.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالليل إذا يغشى الشمسَ حين تغيبُ فتظلمُ آلافاق. قال القرطبي: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ أي يغشى الشمس، فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد وغيره. وقيل: يغشى الدنيا بالظُّلَم، فتُظلم الآفاق. فالكناية ترجع إلى غير مذكور).\nوقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. فيه تأويلان حسب وقوع \"ما\" من الإعراب:\nالتأويل الأول: \"ما\" مصدرية. والتقدير: والسماء وبنيانها، أو: والسماء وبنائِها. كقوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧] أي بغفران ربي. قال قتادة: (﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وبناؤها: خَلْقُها).\nالتأويل الثاني: \"ما\" بمعنى \"مَنْ\". والتقدير: والسماء وبانيها، أو: والسماء ومَنْ بناها. قال مجاهد: (﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ قال: اللَّه بنى السماء). قلت: واختار التأويل الثاني ابن جرير، وكلا التأويلين صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. الطَّحْوُ: البسط -قال الجوهري: طَحَوْتُه مثل دَحَوْتُه، أي: بسطته-. والمقصود: قسَمٌ من اللَّه بالأرض التي بُسطت من كل جانب. وعن مجاهد: (﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ دحَاها). وعن ابن عباس: (﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ أي: خلق فيها). أو قال: (قسَّمها). وقال ابن زيد: (بسَطها).\nقلت: ومفهوم الطَّحْو والدَّحْو للأرض يفيد بسطها وتمهيدها للسكنى للضرب في أكنافها والتقلب في أقطارها، كما يشير اللفظ إلى كروية شكلها، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالنفس وتسويتها، أو بالنفس ومن سوّاها، حسب وقوع \"ما\" من الإعراب كما سبق. والمعنى: يقسم تعالى بالنفس التي أنشأها وسوّى أعضاءها وركب فيها الروح، وأودعها القوى النفسية الهائلة، والإدراكات الحسية العجيبة، وجعلها مستقيمة على الفطرة القويمة.","vol":"8","page":461},{"text":"وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].\nومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كُلُّ مولودٍ يولد على الفِطْرةِ، فأبواه يهوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه، كما تولد البهيمةُ بهيمة جمْعاء هل تُحسُّون فيها من جدعاء] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: [نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ] (٢).\nالحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح، وأحمد في المسند، عن عياض بن حِمَار قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [قال اللَّه ﷿: إني خلقت عبادي حُنَفاءَ، فجاءتهم الشياطين فاجتالَتْهُم عن دينهم] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. أي عَرَّفها طريق الفجور وطريق التقوى ومآل كل منهما. قال ابن عباس: (﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: بَيَّنَ لها الخيرَ والشر). وقال سعيد بن جبير: (ألهمها الخير والشر). وقال مجاهد: (عَرَّفها الطاعة والمعصية). وقال ابن زيد: (جعل فيها فجورها وتقواها).\nوفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدِّيلِيِّ قال: قال لي عِمْرانُ بنُ الحُصَيْنِ: أَرأَيْتَ ما يَعْملُ الناسُ اليومَ ويكدحونَ فيه، أشيْءٌ قُضِيَ عليهم ومضى عليهم مِنْ قَدَرِ ما سَبَقَ؟ أو فيما يُسْتَقْبَلُونَ به ممَّا أَتاهم به نبيُّهم وثَبَتَت الحُجَّةُ عليهم؟ فقلتُ: بل شيءٌ قُضِيَ عليهم، ومضى عليهم، قال: فقال: أفلا يكونُ ظُلْمًا؟ قال: فَفَزِعْتُ مِنْ ذلكَ فَزَعًا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٥٣)، وغيرهم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٤١٢) - كتاب الرقاق.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وأحمد (٤/ ٢٦٦)، وابن حبان (٦٥٣)، وغيرهم.","vol":"8","page":462},{"text":"شديدًا، وقلتُ: كُلُّ شيءٍ خَلْقُ اللَّهِ ومِلْكُ يَدِهِ، فلا يُسْأَلُ عمَّا يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُون. فقال لي: يَرْحَمُكَ اللَّه! إني لَمْ أُرِدْ بما سَأَلْتُكَ إلا لأَحْزِرَ عَقْلَكَ (١)، إنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيا رسول اللَّه -ﷺ- فقالا: يا رسولَ اللَّه! أَرَأَيْتَ ما يَعْمَلُ الناسُ اليومَ، ويَكْدَحُون (٢) فيه، أشيءٌ قُضِيَ عليهم وَمَضَى فيهم مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟، أَوْ فيما يُسْتَقْبَلُونَ به مِمَّا أَتَاهُم به نَبِيُّهمْ، وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عليهم؟ فقال: \"لا، بل شيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى فيهم، وتصديقُ ذلك في كتاب اللَّه ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. هو جواب القسم. وأصل الزكاة: النموّ والزيادة، ومنه زكا الزرع، إذا كثر ريْعُه، ومنه تزكية القاضي للشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل، وذكر الجميل. قال القرطبي: (فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمالِ البر، شَهَرَ نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الرُّبا وارتفاعَ الأرض، ليشتهر مكانُها للمُعْتِفِين (٤)، وتوقد النار في الليل للطارقين. وكانت اللئام تنزل الأَوْلاج والأطراف والأهضام (٥)، ليخفى مكانها عن الطالبين. فاولئك عَلَّوا أنفسهم وزَكَّوها، وهؤلاء أخفَوا أنفسهم ودَسُّوها).\nوفي الآية تأويلان متكاملان يقتضيهما الإعجاز البياني للقرآن:\nالتأويل الأول: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة اللَّه، وطهّرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل. قال قتادة: (من عمل خيرًا زكّاها بطاعة اللَّه). وقال أيضًا: (قد أفلح من زكّى نفسه بعمل صالح). وهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].\nالتأويل الثاني: قد أفلح من زكّى اللَّه نفسه. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جرير: (يقول: قد أفلح من زكى اللَّه نفسه، فكثر تطهيرها من الكفر والمعاصي، وأصلحها بالصالحات من الأعمال).\nوقوله تعالى: (﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال أهل اللغة: (والأصل: دسَّسَها، من\n_________\n(١) لأحزِرَ عقلك: أي لأمتحن فهمك ومعرفتك.\n(٢) الكدح: هو السعي في العمل، سواء أكان للآخرة أم للدنيا.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٥٠) - كتاب القدر، وأخرجه أحمد (٤/ ٤٣٨)، والطبري (٣٧٣٨٢)، وأخرجه ابن أبي عاصم (١٧٤)، وابن حبان (٦١٨٢).\n(٤) المعتفي: كل طالب فضل أو رزق.\n(٥) الأولاج: غار أو كهف. والأهضام: أسافل الأودية.","vol":"8","page":463},{"text":"التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياء، كما يقال: قَصَّيتُ أظفاري، وأصله قَصَّصْتُ أظفاري). ذكره القرطبي، وقال: (وكذا الفاجر أبدًا خَفِيّ المكان، زَمِرُ (١) المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس بركوب المعاصي. وقيل: دساها: أغواها).\nوللآية تأويلان متكاملان كما سبق:\nالتأويل الأول: قد خاب من أهمل نفسه وتركها تركب المعاصي والآثام، وتخوض في معصية الرحمان. قال مجاهد: (﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ قال: أضَلَّها). وقال سعيد بن جبير: (أغواها). وقال قتادة: (أثَّمها وأفجرها).\nالتأويل الثاني: قد خاب من دسَّى اللَّه نفسه. قاله ابن عباس، وابن زيد.\nفي صحيح السنة من آفاق هذه الآيات أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن أبي عاصم بسند حسن عن أبي هريرة، أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: [﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: اللهم إيت نفسي تقواها. زكها أنت خير من زكّاها. أنت وليها ومولاها] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا مرَّ بهذه الآية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وقف ثم قال: اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكّاها] (٣).\nالحديث الثالث: خَرَّجَ مُسْلِمٌ في الصحيح عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول، قال: [كان يقول: اللهم! إني أعوذ بك من العجز والكَسَل، والجُبْنِ والبُخْلِ، والهَرَمِ وعذاب القبر، اللهم! آتِ نفسي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خيرُ من زَكَّاها، أنت وَلِيُّها ومَوْلَاها، اللهُمَّ! إني أعوذ بكَ مِنَ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، ومِنْ قلبِ لا يخشعُ، ومِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، ومَنْ دَعْوَةٍ لا يُستجاب لها] (٤).\n_________\n(١) الزمر: القليل.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٣١٩). باب: في قوله ﵇: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وله شواهد، وانظر ما بعده.\n(٣) حديث حسن. أخرجه الطبراني (١١١٩١)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٨): إسناده حسن.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٢٢) - كتاب الذكر والدعاء، باب في الأدعية.","vol":"8","page":464},{"text":"١١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبارٌ من اللَّه تعالى عن تكذيب ثمود رسولهم، بسبب ما كانوا عليه من بغيهم وكبرهم وطغيانهم، حتى انبعث أعتاهم وأشقاهم، فعقر الناقة التي جعلها اللَّه اختبارًا لهم، فقابلهم اللَّه تعالى بغضبه وسخطه، ونقمته وعقابه.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. الطغيان: مجاوزة الحد في المعاصي. قال ابن زيد: (بطغيانهم وبمعصيتهم). قال البخاري: (وقال مجاهد: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾: بمعاصيها). والمقصود: بسبب المعاصي والطغيان، الذي حملهم على تكذيب نبي الرحمان، صَالِحٍ ﵊.\nوقوله تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: حين قام أشقى ثمود، أو أشقى البرية، وهو قُدار بنُ سالف، وهو أحيمر ثَمود، وكان عزيزًا في قومه شريفًا نسيبًا رئيسًا مطاعًا، فعقر الناقة. ومعنى انبعثَ: انتدب لذلك وقام به.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧].\nوفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه بن زَمْعَةَ: [أنّه سمعَ النبيَّ -ﷺ- يَخْطُبُ وذكَرَ الناقة والذي عَقَر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: انبعثَ لها رجُلٌ عَزيزٌ عارِمٌ مَنيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبي زَمْعَةَ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. قال قتادة: (قسْم اللَّه الذي قَسَمَ لها من هذا الماء). والمقصود: فقال لهم رسول اللَّه -صالحٌ ﵊- احذروا ناقة اللَّه وذروها، وأعطوها حقّها من شِربها من الماء، فلا تتعرضوا لها يوم شربها.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٢) - كتاب التفسير. سورة: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾.","vol":"8","page":465},{"text":"وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحًا ﵇ فيما جاءهم به من الحق، حتى حملهم تكذيبهم على عقر الناقة التي أخرجها من الصخرة آية لهم وحجّة عليهم. قال القرطبي: (﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي عقرها الأشقى. وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله).\nوقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. دَمْدَمْتُ الشيء -في لغة العرب- أي ألزقته بالأرض وطَحْطَحْتُه. ودمدم اللَّه عليهم: أي أهلكهم. قال القُشَيري: (وقيل: دَمْدَمْتُ على الميت التراب: أي سَوَّيْتُ عليه (١». والمقصود: أهلكهم اللَّه وأطبق عليهم العذاب، فسَوّى الأرض عليهم فجعلهم تحت التراب.\nوعن ابن عباس: (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾ قال: دمَّرَ عليهم ربهم بذنبهم، أي بجُرمهم). وقال الفرّاء: (دمْدَم: أي أرجف). وقال المؤرِّج: (الدمدمة: إهلاك باستئصال). وقيل: حقيقة الدمدمة تضعيف العذاب وترديده. وكل ما سبق يقارب بعضه بعضًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: لا يخاف من عقر الناقة عاقبة ما أقدم عليه. قال الضحاك: (﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: لم يَخَفِ الذي عَقَرَها عقباها). وقال السدي: (لا يخاف الذي صنع عقبى ما صنع).\nالتأويل الثاني: لا يخاف اللَّه عاقبةً ولا تبعةً مِمَّا فَعَلَ بهم، فهو العظيم الجبار الذي يخافُه كل شيء. قال ابن عباس: (﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: لا يخاف اللَّه من أحَدٍ تَبِعَةً). وقال الحسن: (ذاك ربنا ﵎، لا يخاف تبعةً مما صنعَ بهم). وقال أيضًا في رواية: (ذاك الرب صنَعَ ذلك بهم، ولم يخف تبعة). وقال قتادة: (لا يَخاف أن يُتْبَعَ بشيء مما صنعَ بهم). وعن مجاهد: (اللَّه لا يخاف عقباها).\nقلت: والتأويل الثاني هو الأنسب للسياق، والمقصود الاستهزاء بهم وبالطغاة من أمثالهم، إذ كان ينبغي لهم تعظيم أمر اللَّه والخوف منه قبل أن يدكّهم العذاب، أمَا وَلَمْ يَفْعَلوا فإن اللَّه تعالى أنزل نقمته بهم، وانتصر لرسله منهم، وهو العزيز الجبار المنتقم الذي لا يمانعه أحد، ولا يخشى تبعة فعله من أحد.\n_________\n(١) وقيل: دمَّمتُ على الشيء: أطبقت عليه، ودمّم عليه القبر: أطبقه.","vol":"8","page":466},{"text":"وقد قرأ أهل الحجاز والشام: ﴿فلا يخاف عقباها﴾ بالفاء، وقرأته قراء العراق بالواو ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ وهو الأشهر، وكلا القراءتين معروف في الأمصار، واللَّه تعالى أعلم.\n\nتم تفسير سورة الشمس بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الثلاثاء ٢٧ ذي القعدة ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٧/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها من السور.\n٢ - كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانه.\n٣ - كان رسول اللَّه -ﷺ- يدعو يقول: اللهم إيت نفسي تقواها، زكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها.\n٤ - ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي عقرها الأشقى. وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله. وكذلك كل عمل يرضى به الإنسان من أعمال البر أو الإفساد يلحقه ثوابه أو وزره.\nوفي الحديث: [إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدَها فكرِهها كمنْ غاب عنها، ومَنْ غابَ عنها فرضِيَها كانَ كمن شهدها]- رواه أبو داود بسند حسن عن العرس بن عميرة.\n* * *","vol":"8","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>٩٢ - سورة الليل</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد في ذكرها أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري والنسائي عن جابر قال: [صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء، فطوّل عليهم، فانصرف رجل منا. فَأُخْبِرَ مُعاذ عنه، فقال: إنه مُنافق. فلما بلغ ذلكَ الرجل، دخل على النبي -ﷺ- فأخبره بما قال معاذ. فقال النبي -ﷺ-: أتريد أنْ تكون فتَّانًا يا معاذُ، إذا أَممْتَ الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (١).\nوفي رواية: [فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة].\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن سمرة قال: [كان رسول اللَّه -ﷺ-، إذا دحَضَت الشمسُ صَلَّى الظهر، وقرأ بنحو من ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، والعصر كذلك، والصلوات إلا الصبح، فإنه كان يطيلها] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر كما مضى. وانظر صحيح النسائي (٩٥٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٨٠٦). انظر صحيح أبي داود (٧٢٣)، ورواه مسلم.","vol":"8","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>موضوع السورة</span>\nالقسم بالليل والنهار وبالجنسين، أنّ سعي العباد ومصيرهم شتى في الدارين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-490> منهاج السورة</span>-\n١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالليل وغشيانه، وبالنهار وضيائه، وبالجنسين الذكر والأنثى، أنَّ سَعْيَ العباد شتى.\n٢ - الثناء على الأتقياء المؤمنين المنفقين في وجوه الخير والوعد لهم بجنات النعيم، والتقريع على المنافقين المكذبين الذين يبخلون والوعيد لهم بصلي الجحيم.\n٣ - العون من اللَّه تعالى لطالب الهدى واليقين، وكل ما في هذا الكون ملك للَّه العظيم.\n٤ - النار مستقر أهل الشقاء الذين استحقوا العقاب، والنجاة لأهل السعادة الذين استحقوا الثواب.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالليل إذا غشي الخليقة بظلامه، وبالنهار إذا ظهر بضيائه وإشراقه، وبالجنسين الذكر والأنثى من خلقه، أنّ سعيكم أيها الناس مختلف في مآله ومصيره، فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار، فساعٍ في فكاك نفسه، وساع","vol":"8","page":469},{"text":"في عطبها. فأما من بذل ماله في وجوه الخير واتقى محارم اللَّه التي نهى عنها، وصدق بموعود اللَّه بالثواب والجنة فسييسره اللَّه للخصلة اليسرى: العمل بطاعة اللَّه والإنفاق في سبيله حتى بلوغ الجنة. وأما من بخل بالبذل والفضل واستغنى عن ربه، وكذب بموعوده، فسييسره اللَّه للخصلة العسرى، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار.\nفقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. قَسَم من اللَّه بالليل إذا وارى كل شيء بظلامه. قال القاسمي: (أي يغشى الشمس أو النهار بظلمته، فيذهب بِذَاكَ الضياء).\nوقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالنهار إذا انكشف ووضح وظهر، وبان بضوئه عن ظلمة الليل. قال ابن كثير: (﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، أي: بضيائه وإشراقه).\nوقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. فيه تأويلان ممكنان:\nالتأويل الأول: قَسَمٌ من اللَّه ﷿ بنفسه. قال الحسن: (معناه والذي خلق الذكر والأنثى).\nالتأويل الثاني: قَسَمٌ من اللَّه تعالى بخلقه لجنسي الذكر والأنثى من بني آدم وغيرهم. فتكون \"ما\" مصدرية كما سبق.\nأخرج البخاري في صحيحه عن إبراهيم، عن عَلْقَمةَ قال: [دَخَلْتُ في نَفَرٍ مِنْ أصحابِ عبد اللَّه الشَّامَ فَسَمِعَ بنا أبو الدَّرْدَاء فأتانا فقال: أفيكم مَنْ يَقْرَأُ؟ فقُلنا: نعم. قال: فأَيُّكم أقْرأ؟ فاشاروا إليَّ، فقال: اقْرَأ، فقرأت ﴿والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى﴾ قال: آنْتَ سَمِعْتَها مِنْ في صاحِبِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قال: وأنا سَمِعْتُها مِنْ في النبي -ﷺ-، وهؤلاء يَأَبُوْن علينا] (١).\nوأخرج البخاري ومسلم عن الأعمش عن إبراهيم قال: [قَدِمَ أصحابُ عبدِ اللَّه على أبي الدرداء فَطَلَبَهُم فَوَجَدهم فقال: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ على عَبْدِ اللَّه قال: كُلُّنا، قال: فأيُّكم يَحْفَظُ؟ وأشاروا إلى عَلْقَمَةَ، قال: كيف سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ قال علقمة: ﴿والذكر والأنثى﴾ قال: أشهد أنّي سمِعْتُ النبي -ﷺ- يقرأُ هكذا، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ واللَّه لا أُتَابِعُهُم] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٣) - كتاب التفسير - سورة الليل - آية (٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٤) - كتاب التفسير -، ومسلم (٨٢٤) ح (٢٨٢). وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٣٤٢).","vol":"8","page":470},{"text":"ورواه الترمذي وقال: (وهكذا قراءة عبد اللَّه بن مسعود ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ والذكر والأنثى).\nقلت: وهذه قراءة شاذة، والقراءة المتواترة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. جواب القسم. والمعنى: إن عملكم لمختلف. أي: كما اختلفت هذه الأشياء المُقْسَم بها اختلف ما وقع عليه القسم. قال عكرمة: (السعي: العمل، فَسَاع في فَكاك نفسه، وساعٍ في عَطبها).\nقال القرطبي: (و\"شَتّى\": واحده شتيت، مثل مريض ومرضى. وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه. أي إنَّ عملكم لمتباعد بعضه من بعض، لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى. أي فمنكم مؤمن وبرّ، وكافر وفاجر، ومطيع وعاصٍ. وقيل: ﴿لَشَتَّى﴾ أي لمختلف الجزاء، فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار. وقيل: أي لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل، وشبه ذلك).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: [كُلُّ الناس يَغْدو، فبايعٌ نَفْسَهُ، فمعتِقُها أَوْ مُوبِقُها] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. قال ابن عباس: (أعطى ما عنده واتقى. قال اتقى ربه). وقال قتادة: (﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ حق اللَّه ﴿وَاتَّقَى﴾ محارم اللَّه التي نهى عنها).\nوقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال ابن عباس: (وصدق بالخَلَفِ من اللَّه). وقال عكرمة: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بأن اللَّه سيخلف له). وقال الضحاك: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا اللَّه). وقال مجاهد: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بالجنة). وقال قتادة: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بموعود اللَّه على نفسه، فعمل بذلك الموعود الذي وعده اللَّه). قلت: وجميع ما سبق من التأويل متقارب يكمل بعضه بعضًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. قال ابن عباس: (يعني للخير). وقال زيد بن أسلم: (يعني للجنة). قال ابن جرير: (يقول: فسنهيئه للخَلَّةِ اليسرى، وهي العمل بما يرضاه اللَّه منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٣) - كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء. وقد مضى.","vol":"8","page":471},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. قال ابن عباس: (بخل بما عنده، واستغنى في نفسه). وقال أيضًا: (وأما من بخل بالفضل، واستغنى عن ربه).\nوقال كذلك: (يقول: من أغناه اللَّه، فبخل بالزكاة). وقال قتادة: (وأما من بخل بحق اللَّه عليه، واستغنى في نفسه عن ربه).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾. قال ابن عباس: (وكذب بالخَلَفِ من اللَّه). وقال قتادة: (وكذّب بموعود اللَّه الذي وعد). وقال الضحاك: (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ بلا إله إلا اللَّه). وقال مجاهد: (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بالجنة).\nوقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. أي لطريق الشر، وللضياع والخذلان، وطريق صِليّ النيران.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].\n٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].\nوفي صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآيات أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عَليّ ﵁ قال: [كُنّا مع النبي -ﷺ- في بقيع الغَرْقَدِ في جنازةٍ، فقال: \"ما مِنكم مِنْ أَحَدٍ إلا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجنة ومَقْعَدُه من النار\". فقالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نَتَّكِلُ؟ فقال: \"اعْمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ\"، ثُمَّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن عن عليٍّ ﵁ قال: [كُنَّا في جَنَازَةٍ في بقيع الغَرقَدِ، فأتانا رسول اللَّه -ﷺ-، فَقَعَدَ وَقَعَدْنا حوْلَهُ ومَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ. ثُمَّ قال: \"ما منكم مِنْ أَحَدٍ، وما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةِ إلا كُتِبَ مكانُها مِنَ الجنة والنَّار، وإلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أو سعيدةً\". قال رجل: يا رسول اللَّه، أَفَلَا نَتَّكِلُ على كتابِنا ونَدَعُ العملَ؟ فَمَنْ كانَ مِنّا مِنْ أهل السعادة فسيصيرُ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٤٥) - كتاب التفسير - سورة الليل - آية (٥).","vol":"8","page":472},{"text":"إلى أهْلِ السعادة، ومَنْ كانَ مِنّا مِنْ أهل الشَّقاءِ فسيصير إلى عَمَلِ أهل الشقاوة. قال: \"أمّا أهْلُ السَّعادَة فَيُيَسَّرُون لِعَمَلِ أهل السَّعادة، وأمّا أَهْلُ الشَّقاوة فَيُيَسَّرون لِعَمَلِ أهل الشّقاء\". ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآية] (١).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح، وابن جرير في التفسير، عن جابر قال: [جاءَ سُراقةُ بنُ مالك بن جُعْشُم قال: يا رسول اللَّه! بَيِّنْ لنا دينَنا كأنّا خُلِقْنا الآن، فيمَ العملُ اليوم؟ أفيما جَفَّتْ به الأقلامُ وجَرَتْ به المقاديرُ، أمْ فيما نَسْتَقْبِلُ؟ قال: \"لا، بلْ فيما جَفَّتْ به الأقلامُ وجَرَتْ به المقاديرُ\" قال: ففيم العَمَلُ؟ فقال: \"اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ\"] (٢).\nوفي رواية: [كل عامل مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. قال مجاهد: (أي: إذا مات). وقال زيد بن أسلم؟ (إذا تردى في النار). والمعنى: وأيّ شيء يدفع مال هذا الذي بخل بماله واستغنى عن ربه إذا هو قضى، ثم سقط في جهنم وهوى، إنه لا ينفعه ماله يومئذ شيئًا.\n\n١٢ - ٢١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾.\nفي هذه الآيات: طالب الهدى يلقى العون من اللَّه الكريم، فجميع ما في الدنيا والآخرة ملك للَّه العظيم، وهذه النار مستقر أهل الشقاء الذين استحقوا العقاب، وسيجنبها أهل السعادة الذين استحقوا أحسن الثواب.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. قال قتادة: (يقول: على اللَّه البيان، بيان حلاله\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٨) - كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (٦٤٧) ح (٦)، وأخرجه أبو داود في السنن (٤٦٩٤)، والترمذي في الجامع (٢١٣٦)، و(٣٣٤٤)، والنسائي في \"التفسير\" (٦٩٨)، وأخرجه ابن ماجة في السنن (٧٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٤٨) - كتاب القدر، وأخرجه الطبري (٣٧٤٧٨).","vol":"8","page":473},{"text":"وحرامه، وطاعته ومعصيته). وقال الفراء: (من سلك الهدى فعلى اللَّه سبيله، يقول: من أراد اللَّهَ فاللَّهُ على الطريق، من أراده اهتدى إليه). والمقصود: على اللَّه بيان الحلال والحرام، ومن سلك طريق الهدى وصل إلى الرحمان، كما قال جلت عظمته: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾. أي: لنا كل ما في الآخرة وكلّ ما في الدنيا، نتصرف به كيف نشاء. فالجميع ملك له ﷾.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. أي: تتوقد وتتوهج. قال مجاهد: (توهَّج). قال القرطبي: (﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ أي حذرتكم وخوّفتكم. ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ أي تَلَهَّب وتتوقد. وأصله تتلظى).\nوفي مسند الإمام أحمد على شرط مسلم، عن سماك بن حرب قال: [سمعت النعمان بن بشير يخطبُ يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يخطبُ يقول: \"أَنْذَرْتُكُم النار، أنْذَرتُكُم النار، أَنْذَرْتُكُم النار\" حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسَمِعَه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خَميصة كانت على عاتقه عند رِجليه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يدخُلها دخولًا تُحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى). والمقصود: هو الكافر الشقي الذي يجد صَلاها، وهو حرّها ولهيبُها، ويخلد فيها.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. أي: كذب بالحق بقلبه، وأعرض عن العمل بجوارحه. وقال النسفي: (إلا الكافرُ الذي كذب الرسل وأعرض عن الإيمان).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كُلُّ أمتي يدخُل الجنة يوم القيامة إلا مَنْ أبى. قالوا: ومَنْ يأبى يا رسول اللَّه؟ ! قال: من أطاعني دخَل الجنة، ومن عصاني فقد أبى] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾. قال ابن جرير: (يقول: وسَيُوَقَّى صِلِيّ النار التي تلظّى التقيّ).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾. يتزكى: أي يتطهر بهذا الإنفاق من الذنوب.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٢)، وإسناده على شرط مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٧٢٨٠)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٦١).","vol":"8","page":474},{"text":"قال القاسمي: (أي ينفق ماله في سبيل الخير، يتزكى عن رجس البخل ودانس الإمساك).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. أي: إنه لا يتصدّق بماله ليجازي بصدقته نعمةً لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾. قال قتادة: (يقول: ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم، إنما عطيته للَّه).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. أي: وتاللَّه لسوف يرضى هذا المؤتي ماله في حقوق اللَّه ﷿ يتزكى بذلك، إذا لقي ربه ﵎، مما يلقى من رفيع الكرامة وعظيم الجزاء وروعة الاستقبال.\nقلت: والجمهور على أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر ﵁، وهذا حق تدل عليه الآثار والنصوص العطرة، وإن كانت الآيات بعمومها تشمل كل مماثل بالبذل والصدق والجهاد.\nلقد كان أبو بكر بحقٍ فارس البذل في سبيل اللَّه لاستنقاذ المؤمنين الأوائل من التعذيب والاضطهاد، فلقد اشترى بلالًا فأعتقه كما يروي البخاري. وروى ابن أبي شيبة عن قيس بن أبي حازم قال: (اشترى أبو بكر بلالًا بخمس أواق وهو مدفون بالحجارة. قالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعنا، فقال لو أبيتم إلا مئة أوقية لأخذته) وهو مرسل صحيح (١).\nويذكر إمام أهل المغازي عروة بن الزبير فيقول: (أعتق أبو بكر ﵁ ممّن يعذَّبُ في اللَّه سبعة: عامِرُ بن فُهيرة، وبلال، ونُذيرة، وأم عُبيس، والنَّهدية، وأختها، وجارية بني عمرو بن مؤمل) (٢).\nثم ذكر عروة: (أنّ أبا بكر مَرَّ بالنّهدية ومولاتها تعذبها تقول: واللَّه لا أُعْتِقُك حتى تعتقك حياتُك. فقال أبو بكر: فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، فقال: قد أخذتها وأعتقتها) (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٤/ ٣١٢)، بإسناد صحيح.\n(٢) انظر مصنف ابن أبي شيبة (١٢/ ١٠) بسند مرسل صحيح. فهو صحيح الإسناد لعروة، والذي كان يأخذ غالبًا هذه الأخبار من خالته عائشة، فمراسيله في السيرة قوية.\n(٣) أورده ابن إسحاق في \"السير والمغازي\" (١٩١) من مرسل عروة. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (بحث ١٣) (١/ ٢٢٠).","vol":"8","page":475},{"text":"وقد أخرج الحاكم في المستدرك بسند حسن: [أنّ أبا قحافة -عثمان بن عامر- قال لابنه أبي بكر: يا بني! أراك تعتق رقابًا ضعافًا. فلو أعتقت قومًا جلدًا يمنعونَك؟ فقال: إني أريد ما أريد (أي أريد وجه اللَّه لا المنعة) فنزلت الآية ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾] (١). والمقصود أبو بكر ﵁.\nفكان -﵁- ممن سارع لامتثال قوله ﷿: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].\nوفي صحيح البخاري ومسند أحمد وسنن النسائي والترمذي عن أبي هريرة قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"مَنْ أنفق زوجين من ماله في سبيل اللَّه دُعِيَ من أبواب الجنة، وللجنة أبوابٌ، فمن كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعِيَ من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعِيَ من باب الرَّيان\". فقال أبو بكر -رضي اللَّه تعالى عنه-: يا رسول اللَّه، ما عَلى أحد من ضَرورةٍ دُعِيَ، من أيها دُعِيَ، فهل يُدعَى منها كلِّها أحدٌ يا رسول اللَّه؟ قال: \"نعم، وأرجو أن تكون منهم\"] (٢).\nوفي صحيح البخاري من حديث أبي الدرداء، قال النبي -ﷺ-: [إن اللَّه بعثني إليكم فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صَدَق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أُوذِيَ بعدها] (٣).\n\nتم تفسير سورة الليل بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأربعاء ٢٨ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٨/ كانون الأول/ ٢٠٠٦ م\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦) بإسناد حسن.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٩٧)، والنسائي (٤/ ١٦٨ - ١٦٩)، وأخرجه الترمذي (٣٦٧٤)، وابن حبان (٣٠٨)، وغيرهم.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (١٤٥١) - كتاب فضائل الصحابة.","vol":"8","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - السنة عدم الإطالة في صلاة العشاء، فإذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.\n٢ - السعي: العمل، فَسَاعٍ في فكاك نفسه، وساعٍ في عطبها.\n٣ - \"شتى\": واحده شتيت، وقيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه.\n٤ - أهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ييسرون لعمل أهل الشقاء. فكل عامل مُيَسَّر لعمله.\n٥ - يدعى المؤمنون للجنة من أبواب مختلفة. فمن كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعِيَ من باب الصدقة، ومَنْ كان من أهل الجهاد دُعِيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعِيَ من باب الرَّيان.\n* * *","vol":"8","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>٩٣ - سورة الضحى</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١).\nأخرج النسائي في \"التفسير والسنن\" بإسناد صحيح عن جابر قال: [قام معاذٌ فَصَلَّى العشاء الآخرةَ فطَوَّلَ، فقال النبي -ﷺ-: أفَتَّانٌ يا معاذُ؟ أفَتَّانٌ يا معاذُ؟ ! أَيْنَ كُنْتَ عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿وَالضُّحَى﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>موضوع السورة</span>\nالقَسَمُ بالليل والنهار، أن اللَّه حافظ حبيبه سيد الأخيار\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-494> منهاج السورة</span>-\n١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالليل والنهار، أنه ما وَدَّعَ حبيبه ورسوله سيد الأخيار.\n٢ - تأكيد اللَّه لنبيّه -ﷺ- أن الجنة خير له من هذه الدنيا، وأنه سَيُمَكِّنُه ويعطيه من فضله حتى يرضى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٦٧٢)، وفي \"السنن\" (٨٣١)، (٩٨٤)، وانظر صحيح سنن النسائي (٩٥٣)، وأصل الحديث في الصحيحين.","vol":"8","page":478},{"text":"٣ - امتنان اللَّه تعالى على نبيه الكريم، أن آواه وهو يتيم، وأغناه وهداه إلى الصراط المستقيم.\n٤ - وصية اللَّه لنبيه الرحمة بالأيتام والمساكين، والتحدث بنعمة اللَّه العظيم.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: يُقْسِمُ اللَّه تعالى بالليل والنهار، أنه ما وَدَّعَ حبيبه ورسوله سيد الأخيار، وأن الجنة خير له من هذه الدنيا، وأنه سَيُمَكِّنُه ويؤتيه من فضله حتى يرضى، فلقد آواه في يتمه وهداه وأغنى، ليكون لليتيم كالأب الرحيم، وليكون رؤوفًا بالمساكين، وليحدث بنعمة ربه العظيم.\nأخرج الحاكم والبيهقي والطبراني بسند صحيح -واللفظ للحاكم- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [سَأَلْتُ رَبِّي مسألةً وَوَدِدْتُ أنِّي لم أسأَلْه، قُلْتُ: يا ربِّ! كانت قبلي رسلٌ، منهم من سَخَّرْتَ له الرياحَ، ومنهم من كان يُحيي الموتى، وكلّمتَ موسى. قال: أَلَمْ أَجِدْك يتيمًا فآويتُكَ؟ ألم أَجِدْكَ ضالًا فهديتُكَ؟ ألم أجِدكَ عائلًا فأغْنَيْتُكَ؟ ألم أشرحْ لك صَدْرَكَ، وَوَضَعْتُ عنكَ وِزْرَكَ؟ قال: فقلت: بلى يا رب! فوددتُ أنْ لم أسألْه] (١).\nفقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالنهار. والضُّحا اسم لوقت ارتفاع الشمس. قال قتادة: (﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢٦)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (ج ٢ - مخطوط)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ١٥٥)، وانظر السلسلة الصحيحة (٢٥٣٨)، وإسناده صحيح.","vol":"8","page":479},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالليل إذا غطَّى كل شيء. قال الأصمعي: (سجو الليل تغطيته النهار، مثل ما يُسَجَّى الرجل بالثوب). والعرب تقول: سجا الشيء أي سكن ودام. قلت: وكأن المقصود إقسامٌ من اللَّه تعالى بالنهار إذا أقبل، وبالليل إذا سيطر.\nوعن ابن عباس: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل). وقال الحسن: (إذا لَبِسَ الناس، إذا جاء). وقال مجاهد: (إذا استوى). وقال قتادة: (سكَن بالخلق). وقال الضحاك: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه). وقال ابن زيد: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجْوه، كما يكون سكون البحر سجوه).\nوقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. هو جواب القسم. أي: ما قطعك ربك -يا محمد- قطع المودِّع، ولم يقطع عنك الوحي ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضك. والقِلَى في لغة العرب البُغْض، تقول: قَلاهُ تقْليه قِلًى وقَلاءً، بالفتح والمدّ. وعن ابن عباس: (﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك). وقال ابن زيد: (ما قلاك ربك وما أبغضك. قال: والقالي: المبغض).\nأخرج البخاري ومسلم والنسائي والترمذي عن جُنْدب بن سُفيانَ قال: [اشتكى رسول اللَّه -ﷺ- فلم يَقُمْ لَيْلَتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانُكَ قَدْ ترَكَك، لَمْ أرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾] (١).\nوأخرج الإمام مسلم في الصحيح عن الأسود بن قَيْسٍ أنه سَمِعَ جُنْدُبًا يقول: [أَبْطَأَ جِبْريلُ على رسول اللَّه -ﷺ-، فقال المشركون: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. أي: وللجنة خير لك -يا محمد- من هذه الدنيا، هذا مع ما قد أوتي في الدنيا من شرف النبوة وجمال الشوكة والتمكين في الأرض، ولكنه كان أزهد الخلق فيها.\nأخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، بإسناد صحيح على شرط مسلم\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١٢٤)، ومسلم (١٧٩٧)، والترمذي (٣٣٤٥)، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٧٠١)، وأحمد في المسند (٤/ ٣١٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٩٧) ح (١١٤) - كتاب الجهاد.","vol":"8","page":480},{"text":"عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: [جلس جبريل إلى النبي -ﷺ- فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا المَلَكُ ما نزل منذ خُلِقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربُّك: أمَلِكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لا، بل عبدًا رسولًا] (١).\nوفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومسند أحمد بسند صحيح عن عَلْقَمةَ، عن عبد اللَّه -وهو ابن مسعود- قال: [اضطجع رسول اللَّه -ﷺ- على حَصِير، فأثَّرَ في جنبه، فلما استيقظَ جَعَلت أمسح جَنْبَهُ وقلتُ: يا رسولَ اللَّه! ألا آذَنْتَنا حتى نبسُط لك على الحصيرِ شيئًا؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"مالي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثلُ الدنيا كراكبٍ ظَلَّ تحت شجرة ثم راحَ وتركَها\"] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. أي: ولسوف يُمَكِّنُكَ ربك -يا محمد- ويعطيك من فواضل نعمه حتى ترضى، فيشمل ذلك: الفتح في الدين، والثواب والحوض والشفاعة لأمته في الآخرة.\nأخرج الحاكم وابن جرير وابن أبي حاتم بسند حسن عن علي بن عبد اللَّه بن عباس عن أبيه قال: [عُرِضَ على رسول اللَّه -ﷺ- ما هو مَفتُوح على أُمَّته من بعده كنزًا كنزًا، فَسُرَّ بذلك، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، في كل قَصْرٍ ما ينبغي له من الأزواج والخُدَّام] (٣).\nوفي رواية عند الطبراني في \"الأوسط\" -قال رسول اللَّه -ﷺ-: [عرض عليَّ ما هو مفتوح لأمتي من بعدي فسرّني، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾].\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. امتنان من اللَّه سبحانه على نبيِّه -ﷺ- أن رعاه منذ نعومة أظفاره. قال القرطبي: (قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾: لا أب لك قد مات أبوك، ﴿فَآوَى﴾ أي: جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢١٣٧)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٣١)، وانظر سلسة الأحاديث الصحيحة (١٠٠٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٣٧٨)، وابن ماجة (٤١٠٩)، وأحمد (١/ ٤٤١).\n(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢٦)، والطبري (٣٧٥١٣)، والطبراني (١٠٦٥٠)، والواحدي في الأسباب (٨٦١). وانظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" - الوادعي - سورة الضحى.","vol":"8","page":481},{"text":"وقيل لجعفر بن محمد الصادق: (لم أوتِمَ النبي -ﷺ- من أبويه؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه حق).\nوقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. أي: غافلًا عما يراد بك من أمر النبوة فهداك اللَّه وأرشدك لذلك. والضلال هنا بمعنى الغفلة، كما قال جل ذكره في سورة طه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، وكما قال لنبيِّه في سورة يوسف: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.\nوقيل: بل المراد وجدك ضالًا لم تكن تدري الشرائع ولا القرآن، فهداك اللَّه إلى القرآن وإلى شرائع الإسلام، كما قال سبحانه في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ. . . .﴾. وقيل: بل المراد تنشئتك في قوم ضلال فهداهم بك سبحانه.\nوعن قتادة: (﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول اللَّه -ﷺ- قبل أن يبعثه اللَّه ﷾).\nوقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. أي: وجدك فقيرًا ذا عيال لا مال لك، فأغناك بما أعطاك من الرزق. والعرب تقول: عال الرجل يعِيل عَيلة: إذا افتقر. قال النسفي: (﴿فَأَغْنَى﴾ أغناك بمال خديجة، أو بمال أفاء عليك من الغنائم).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾. قال قتادة: (كُنْ لليتيم كالأب الرحيم). قال ابن كثير: (أي: كما كنتَ يتيمًا فآواك اللَّه فلا تَقْهَر اليتيمَ، أي: لا تُذِلَّهُ وتَنْهَره وتُهنه، ولكن أَحْسِنْ إليه، وتَلَطَفْ به).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: فلا تكن جَبَّارًا، ولا مُتكبِّرًا، ولا فحَّاشًا، ولا فظًا على الضعفاء من عباد اللَّه). وقال قتادة: (يعني ردّ المِسكين برحمةٍ ولين). وعن السدي: (المراد طالب العلم إذا جاءه فلا تنهره). والمقصود: لا تنهر السائل إذا سالك، فكما كنت ضالًا فهداك اللَّه، فارفق بطالب العلم المسترشد. وكما كنت فقيرًا فأغناك اللَّه، فأطعم السائل أو ردَّه ردًّا لينًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. أمْرٌ من اللَّه لنبيّه بالتحدث بنعمة اللَّه عليه، وهو كذلك سُنّة في أمته.\nفعن مجاهد: (﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال: بالنبوة). أي: حدِّث بالنبوة التي آتاك","vol":"8","page":482},{"text":"اللَّه وهي أجل النعم. وفي رواية عن مجاهد أيضًا: (﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ قال بالقرآن). والصحيح أنها تعم كل نعم اللَّه عليه.\nوروى ابن جرير بِسنده عن أبي نضرة، قال: (كان المسلمون يرون أَنَّ مِنْ شكرِ النعم أن يحدث بها).\nقلت: وهذا معنى مبسوط في روائع من السنة العطرة. ومن ذلك:\nالحديث الأول: أخرج عبد اللَّه بن أحمد في \"زوائد المسند\"، وكذلك أحمد في المسند، والبزار والطبراني بسند حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- على المنبر: [مَنْ لمْ يشكُر القليلَ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناسَ لم يشكر اللَّه. والتحدُّث بنعمةِ اللَّه شكرٌ، وتركُها كفرٌ. والجماعةُ رحمةٌ، والفرقةُ عذابٌ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [لا يشكر اللَّه من لا يشكر الناس] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند حسن عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [من أُعْطِي عَطاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْز به، فإن لم يجد فَلْيُثْنِ به، فمن أثنى به فقد شَكَرَهُ، ومن كتَمَهُ فقد كفَرَه] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود وأبو نعيم بسند صحيح عن جابر، عن النبي -ﷺ- قال: [من أبلي بلاء فذكره، فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره] (٤).\nالحديث الخامس: أخرج أبو يعلى بسند حسن من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [إنّ اللَّه جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده] (٥).\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٤/ ٣٧٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٨)، والبزار (١٦٣٧)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢١٧ - ٢١٨): رواه البزار والطبراني وعبد اللَّه بن أحمد، ورجالهم ثقات. وقد مضى.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٨١١)، والترمذي (١٩٥٥)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢١٨)، والطيالسي (٢٤٩١)، وأحمد (٢/ ٥٨)، وابن حبان (٣٤٠٧).\n(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٤٨١٣)، وبنحوه الترمذي (٢٠٣٤). وله شواهد.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٨١٤)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٥٩)، وأخرجه ابن عساكر (١٦/ ٣٠٢/ ١)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦١٨).\n(٥) حديث حسن. أخرجه أبو يعلى (١٠٥٥)، ولصدره شاهد في صحيح مسلم (٩١)، من حديث ابن مسعود. وكذلك عند أبي داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٩).","vol":"8","page":483},{"text":"الحديث السادس: أخرج النسائي وأحمد بسند صحيح عن مالك بن نضلة الجُشَمِيّ قال: [كنت عند رسول اللَّه -ﷺ- جالسًا، فرآني رَثَّ الثياب، فقال: \"ألك مال\"؟ قلت: نعم، يا رسول اللَّه، من كل المال. قال: إذا أتاك اللَّه مالًا فلْيُرَ أثره عليك] (١).\n\nتم تفسير سورة الضحى بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّة وكرمه عِشاء يوم الخميس ٢٩ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٩/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - سجو الليل تغطيته النهار، والقِلى: البُغْض.\n٢ - ما الدنيا في الآخرة إلا كراكب ظلَّ تحت شجرة ثم راحَ وتَرَكها.\n٣ - إذا أردت تليين قلبك فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين.\n٤ - مَنْ لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه، والتحدث بنعمة اللَّه شكر، وتركُها كفر.\n٥ - إن اللَّه جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٨/ ١٩٦)، وأحمد (٣/ ٣٧٣)، وهو حديث صحيح. انظر جامع الأصول (١٠/ ٨٢٨٨) - من حديث مالك بن نضلة، وله شواهد. وانظر ما قبله.","vol":"8","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>٩٤ - سورة الشرح</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>موضوع السورة</span>\nانشِراحُ صدر النبي ﵊ وإِتْباعُ اللَّه العسر باليسر والوصية بالتفرغ للعبادة والدعاء والقيام\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-498> منهاج السورة</span>-\n١ - تذكيرُ اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- ببعض نعمه عليه كشرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر.\n٢ - تقرير اللَّه تعالى سنة من سننه العظيمة، وهي: إنَّ مع العسر يسرًا.\n٣ - الوصية بالتفرغ للعبادة والقيام والدعاء، بعد الفراغ من الجهاد والبلاغ والبلاء.","vol":"8","page":485},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٨. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تذكير اللَّه تعالى نبيّه ببعض آلائه عليه، وإحسانه إليه، ليحضّه ذلك على المزيد من شكره، ويستوجب لديه الإكثار من حمده. وتقريره تعالى أن مع العسر يسرًا، وأن بعد الضيق فرجًا. فإذا حصل الفراغ من الجهاد والبلاغ والبلاء، فالخير كل الخير في التفرغ للعبادة والقيام والدعاء.\nفقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. امتنان من اللَّه تعالى على نبيه -ﷺ-. قال ابن جرير: (﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بِاللَّه ومعرفة الحق ﴿صَدْرَكَ﴾ فنلين لك قلبك، ونجعله وعاءً للحكمة). وقال ابن كثير: (يعني أما شرحنا لك صدرك؟ أي نوّرناه وجعلناه فسيحًا رحيبًا واسعًا كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، وكما شرحَ اللَّه صدره كذلك جعَلَ شرْعَه فسيحًا واسعًا سمْحًا سهلًا لا حَرَجَ فيه ولا إِصْرَ ولا ضيق).\nقلت: والشَّرْحُ في لغة العرب الكَشْف، تقول: شرحَ الغامضَ أي فسَّره، وشرحُ الصدر فتحه وتليينه، ومنه قول ابن عباس: (﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: ألم نُلين لك قلبك). والمراد: قد شرحنا صدرك يا محمد لقبول النبوة، وملأناه حكمًا وعلمًا، لتقوم بأعباء الوحي وبلاغ النبوة.\nوقد أخرج الترمذي -في كتاب التفسير عند هذه الآية- بإسناد صحيح عن مالك بن صعصعة: [أنّ نبيَّ اللَّه -ﷺ- قال: \"بَيْنَما أنا عند البَيْتِ بَيْنَ النائم واليَقْظانِ، إذ سَمِعْتُ قائلًا يقولُ: أَحَدٌ بَيْنَ الثلاثَةِ، فأتُيتُ بِطَسْتٍ من ذهب، فيها ماء زَمْزَمَ، فشُرحَ صَدْري إلى كذا كذا\". قال قتادة: قلت لأنس ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، قال: \"فاسْتُخْرِجَ","vol":"8","page":486},{"text":"قلبي فَغُسِل قلبي بماء زَمْزم، ثم أعيدَ مكانَهُ، ثم حُشِيَ إيمانًا وحِكْمةً\"] (١).\nولا شك أن حدث شقّ صدره في طفولته -ﷺ- ثم ليلة الإسراء كما ذُكر في السيرة العطرة داخل في مفهوم هذه الآية، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. قال مجاهد: (ذَنْبَك). والوِزْر: الذنب. والمقصود: حططنا عنك ما سلف منك من زلل في الجاهلية. كما قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. قال النسفي: (﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ وخففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها. وقيل هو زلة لا تعرف بعينها وهي ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه أن غفر له. والوزر: الحمل الثقيل).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. أي الذي أثقل ظهرك. والإنقاض: الصوت. والمقصود: لو كان حملًا يحمل لسمع نقيض ظهره من ثقل حمله.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: في الدنيا والآخرة. قال مجاهد: (لا أُذكر إلا ذُكِرْتَ معي: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه). وقال قتادة: (رفع اللَّه ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه).\nورُوي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: (يقول له لا ذُكِرتُ إلا ذُكِرتَ معي في الأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجِمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. إخبار من اللَّه تعالى أن اليسر يعقب العسر، ثم أكّد ذلك أروع التأكيد. قال مجاهد: (﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: يتبع اليسرُ العسرَ). وفي الأثر عن عبد اللَّه بن مسعود قال: (لو دخل العسر في حُجْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن اللَّه يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾). وفي رواية: (والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حُجْر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، ولن يغلب عسر يسرين).\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٦٦) - كتاب التفسير - سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾. والحديث أصله في الصحيحين، وفيه قصة طويلة -ليلة الإسراء-.","vol":"8","page":487},{"text":"وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعًا من الروم، وما يُتَخَوّف منهم، فكتب إليه عمر ﵄: (أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من مَنزِل شدّة، يجعل اللَّه بعده فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن اللَّه تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]).\nوالمقصود بالآيات: تسلية للنبي -ﷺ- عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم، فإن مع الشدة التي أنت فيها -يا محمد- من جهاد هؤلاء المشركين وما في طريق الدعوة من عقبات وآلام، رجاء وفرجًا، ونصرًا قريبًا، وظفرًا مؤكدًا. وهو خطاب يمضي عبر الزمان يحمل الأمن والطمأنينة وبشائر النصر لرجال هذا الدين وعلمائه الذين يقارعون مناهج الكفر والطغيان في الأرضن حتى يُعْبدَ اللَّه تعالى وحده، ويُحكم بشرعه ويعلو منهاجه فوق كل مناهج الدنيا.\nأخرج البزار في \"مسنده\"، وابن عدي في \"الكامل\"، بإسناد حسن في الشواهد، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ المَعُونَةَ تأتي مِنَ اللَّه على قَدْرِ المُؤْنة، وإن الصبرَ يأتي من اللَّه على قدْرِ البلاء] (١). والمؤنة والمؤونة: القوت.\nوأخرج الخطيب في \"التاريخ\"، والديلمي بإسناد جيد، عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبرِ، والفرجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، وإنَّ مع العُسْر يُسْرًا] (٢).\nومما يُروى عن الشافعي أنه قال:\nصبرًا جميلًا ما أقْرَبَ الفَرجا ... من راقَبَ اللَّه في الأمور نجَا\nمَن صدّق اللَّه لم ينلْه أذى ... ومَنْ رَجَاه يكونُ حَيْثُ رجَا\nوقال ابن دُرَيد: أنشدني أبو حاتم السِّجستاني:\nإذا اشتملت على اليأس القلوبُ ... وضاقَ لما به الصدرُ الرحيبُ\nوأوطأتِ المكاره واطمأنَّت ... وَأَرستْ في أماكِنها الخُطوبُ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه البزار في المسند (ص ١٣٦ - زوائد ابن حجر)، وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢٠٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٦٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ٢٨٧)، والديلمي (٤/ ١١١ - ١١٢)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٣٨٢).","vol":"8","page":488},{"text":"ولم ترَ لانكشاف الضرِّ وجهًا ... ولا أغنى بحيلَتِه الأريب\nأتاك على قُنوطٍ منك غَوثٌ ... يَمُنُّ به اللطيف المُسْتجيبُ\nوكل الحادثات إذا تناهتْ ... فموصول بها الفرجُ القريبُ\nوقال آخر:\nولرُبَّ ضائقة يضيق بها الفتى ... ذَرْعًا، وعند اللَّه منها المَخْرجُ\nضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فُرِجت، وكان يظنها لا تُفْرَجُ\nوقال الشيخ خير الدين وانلي ﵀:\nصَبَرَ الصحابةُ في الحروب يقودهم ... خيرُ الرجالِ وسيِّدُ الشُّجعان\nحتى تقوَّضَتِ الشرور وزُلزلتْ ... أركانُ شركٍ عمَّ كالطوفانِ\nوتحرّر البيت الحرامُ وحُطِّمَتْ ... أصنامُهُ فهوتْ على الأذقان\nورقى بلالٌ بالأذان مكبِّرًا ... اللَّه أكبرُ واحدٌ لا ثانِ\nنَصْرٌ من اللَّه العزيز لجندِه ... والخِزيُ للطاغوتِ والشيطان\nواللَّه ينصرُ ناصرًا لكتابهِ ... مُتَدَرِّعًا بالصبر والإيمان\nلا يستحِقُّ النصرَ إلا صابرٌ ... ويبوءُ بالخُسْرانِ كُلُّ جَبانِ\nاليُسْرُ يأتي بعدَ كلّ عَسيرة ... والنصرُ بعدَ النصرِ في المَيْدانِ\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. أي: فإذا فرغت من جهاد عدوك، أو من بلاغ دعوتك، أو من سفرك وما شَغَلَكَ، فاجتهد بدعائك وعبادتك، وتفرّغ إلى ربك. والخطاب للنبي -ﷺ-، وهو إلى جميع أمته من بعده. فعن ابن عباس: (﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء). وقال أيضًا: (يقول: فإذا فرغت مما فرض عليك من الصلاة فسل اللَّه، وارغب إليه، وانصب له). وقال الحسن: (أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة). وقال ابن زيد عن أبيه: (فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة اللَّه ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾).\nوقال مجاهد: (إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصلِّ). وقال: (إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له).\nقلت: ونَصَبَ الشيء -في لغة العرب- أقامه، ونَصِبَ: تَعِب. والمقصود: إذا فرغت من الموانع والعوائق فارجع لإقامة ما شُغلت عنه واجتهد في الذكر وطلب العلم","vol":"8","page":489},{"text":"والإعداد وألوان العبادة التي تحتاجها لنفير آخر، وموقف قادم، ومشهد من مشاهد الملاحم.\nأخرج الترمذي وابن ماجة وابن حبان بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ اللَّه يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى، وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا، ولم أسُدَّ فقرك] (١).\nوله شاهد أخرجه الحاكم بسند صحيح عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول اللَّه: [يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم! تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقًا. يا ابن آدم! لا تباعدْ مني فأملأ قلبك فقرًا، وأملأ يديك شغلًا] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال مجاهد: (اجعل نيتك ورغبتك إلى اللَّه). والمقصود: فإذا فرغت من الموانع فانصب إلى الصلاة والذكر والدعاء، وأخلص رغبتك ونيتك إلى ربك ﷿، فتضرّع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة، إنه تعالى قريب من أوليائه الصالحين، وهو الكريم المنعم البر الرحيم.\n\nتم تفسير سورة الشرح بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الجمعة ٣٠ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣٠/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣/ ٣٠٨)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٥)، وابن حبان (٢٤٧٧)، ورواه أحمد (٢/ ٣٥٨). وانظر: السلسلة الصحيحة (١٣٥٩).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٢٦)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. ويصلح شاهدًا للحديث الذي قبله.","vol":"8","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الشّرْحُ لغة الكشف، وشرح الصدر فتحه وتليينه.\n٢ - النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا.\n٣ - من كانت الآخرة همه جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.\n٤ - يقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى، وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أَسُدَّ فقرك.\n* * *","vol":"8","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>٩٥ - سورة التين</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد ذكر هذه السورة في السنة الصحيحة في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن البراء: [أنّ النبي -ﷺ- كان في سَفَرٍ، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الشيخان وأصحاب السنن عن عَدِيِّ بن ثابت، أنه سمع البراء ﵁ قال: [سمعت النبي -ﷺ- يقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ في العشاء، وما سمعت أحدًا أحْسَن صوتًا منه أو قِراءةً] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج النسائي في السنن بإسناد صحيح عن البراء بن عازب قال: [صليت مع رسول اللَّه -ﷺ- العتمة، فقرأ فيها بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. وفي رواية: [كان رسول اللَّه -ﷺ- في سفر، فقرأ في العشاء في الركعة الأولى بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٦٧) - كتاب الأذان، وكذلك (٤٩٥٢) - كتاب التفسير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٦٩)، ومسلم (٤٦٤) ح (١٧٥)، (١٧٦)، وأخرجه أبو داود (١٢٢١)، والترمذي (٣١٠)، والنسائى في \"التفسير\" (٧٠٢)، وفى \"السنن\" (١٠٠٠)، وأخرجه ابن ماجة في السنن (٨٣٤)، (٨٣٥).\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي -حديث رقم- (٩٥٧). باب القراءة في الركعة الأولى، من صلاة العشاء الآخرة.","vol":"8","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>موضوع السورة</span>\nالقسم بالتين والزيتون والطور ومكة أَنَّ خَلْقَ الإنسان في أحسن تقويم وأن النجاة بالإيمان والعمل الصالح وإلا كان المَرَدُّ إلى أسفل سافلين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-503> منهاج السورة</span>-\n١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالتين والزيتون والطور المبارك والبلد الحرام أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم.\n٢ - مَرَدُّ الإنسان إلى أسفل سافلين، إن لم يكن على منهاج المرسلين.\n٣ - التعجب من التكذيب بالدين، واللَّه يحكم وهو أحكم الحاكمين.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالتين والزيتون والجبل المبارك والبلد الحرام أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأن مَرَدَّهُ إلى أسفل سافلين، إنْ لم يكن من المؤمنين على منهاج المرسلين، وهذا هو حكم اللَّه أحكم الحاكمين.\nفقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالتين الذي يأكله الناس، والزيتون الذي يعصرون منه الزيت. قال البخاري: (وقال مجاهد: هو التين والزيتون الذي يأكلُ الناس). وقال مجاهد أيضًا: (هو تينكم هذا). وقال عكرمة: (هو هذا الزيتون الذي تعصرون).","vol":"8","page":493},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. هو طور سيناء، أقسم اللَّه به. قال مجاهد: (﴿وَطُور﴾: الجبل و﴿سِينِينَ﴾: المبارك). قال كعب الأحبار: (هو الجبل الذي كلَّم اللَّه عليه موسى). وقال عكرمة: (والسينين: الحسن، كما ينبت في السهل، كذلك ينبت في الجبل). وقال قتادة: (جبل بالشام، مبارك حسن).\nوقوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. يعني مكة، وسماه أمينًا لأنه آمِن. والمقصود: يقسم اللَّه تعالى بهذا البلد الحرام الآمن من أعدائه أن يحاربوا أهله، أو يغزوهم.\nقلت: وقد جاء في التوراة: أنّ اللَّه تجلّى على الناس في أماكن ثلاثة، هِيَ: سيْنَاء، حيث أُعطي موسى ﵇ التوراةَ. ساعير \"جبال في فلسطين\"، حيث أُعطي الإنجيل لعيسى ﵇. مكَّة \"فاران\": حيث نزل القرآن على محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام.\nتقول التوراة التي بين يدي اليهود إلى يومنا هذا: \"جاء الرَّبُ من سَيناء، وأشرقَ لنا من ساعيرَ، وتلألأ من جبل فاران\".\nوفاران: هو الاسم القديم لمكة، كما تذكر التوراة نفسها في سِفْر التَّكوين (٢١: ٢٢).\nوقد أشار بعض الباحثين، إلى أن القرآن قد أشار إلى هذه الأماكن الثلاثة بقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. التين والزيتون: إشارة إلى منابتهما في فلسطين. طور سينين: سَيْناء. هذا البلد الأمين: مكة.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هو جواب القسم.\nوفي التفاسير أقوال متقاربة متكاملة في مفهوم هذه الآية:\n١ - قال ابن عباس: (﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قال: في أعدل خلق). وقال إبراهيم: (في أحسن صورة). وقال مجاهد: (أحسن خلق).\n٢ - قال عكرمة: (﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قال: الشاب القوي الجلد). وعن ابن عباس قال: (شبابه أول ما نشأ).\n٣ - قال ابن عباس -في رواية-: (خلق كل شيء منكبًّا على وجهه إلا الإنسان).\nوالمقصود: خلق اللَّه تعالى الإنسان في أكمل هيئة، وأَتَمِّ خَلْقٍ، وأحسن صورة،","vol":"8","page":494},{"text":"فقد خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، وخلقه عالمًا متكلمًا مدبرًا حكيمًا، جاهزًا لمهمة الاستخلاف في الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. أي: ثم رددناه إلى دركات النار في الآخرة، مقابل تضييع العمر والشباب في الكفر والآثام، والمعاصي والطغيان، إلا من رحمه الرحمان. فعن مجاهد: (﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ قال: إلى النار). وقال الحسن: (جهنم مأواه).\nقلت: فإذا كان هذا الإنسان الذي خلقه اللَّه في أحسن حال وصورة يُرَدّ شرًا من كل دابة، بعد الحُسن والنضارة، وفي حال أسوأ من كل حال، إلى أسفل دركات النار، لمن لم يطع اللَّه ويتبع الرسل، كان هذا تأويل الردّ إلى أسفل سافلين.\nوروي عن ابن عباس وعكرمة: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي إلى أرْذَلِ العمر، وإلى الهرم، وهو اختيار ابن جرير، والمعنى الذي ذكرناه أنسب للسياق، لاستثناء المؤمنين من ذلك في الآية بعده، وهو اختيار ابن كثير.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. هو كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.\nوالمقصود: استثناء من اللَّه تعالى للمؤمنين، فلا يردون أسفل سافلين، بل إلى جنة اللَّه الواسعة في عليين. وعن مجاهد: (﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: قال: غير محسوب). وقال ابن عباس: (غير منقوص). وقد قدّمنا القول أن المقصود على الأرجح أنه ثواب دائم غير مقطوع، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. أي فما يحملك بعد ذلك أيها الإنسان الذي خلقك اللَّه في أحسن تقويم، وأنه يردك إن عصيته أسفل سافلين، أن تكذب بالبعث والحساب، والثواب والعقاب! وعن عكرمة: (﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ قال: الحساب). وقال ابن عباس: (يقول: ما يكذبك بحكم اللَّه).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. أي قضاء وعدلًا. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أليس اللَّه يا محمد بأحكم من حكم في أحكامه، وفصل قضائه بين عباده؟).","vol":"8","page":495},{"text":"ثم روى عن سعيد بن جبير قال. (كان ابن عباس إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؟ قال: سبحانك اللهم، بلى).\nقلت: والحديث المرفوع في ذلك أن يقال: (بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين) ضعيف عند المحدثين فيه مجهول، فلا يصح عن رسول اللَّه -ﷺ-.\n\nتم تفسير سورة التين بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم السبت ١ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣١ - كانون الأول - ٢٠٠٥ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - قرأ رسول اللَّه -ﷺ- في إحدى ركعتي العشاء بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.\n٢ - خلق اللَّه تعالى الإنسان في أكمل هيئة وأَتَمِّ خَلق وأحسن صورة.\n٣ - مرد الإنسان إلى أسفل سافلين، إن لم يكن على منهاج المرسلين.\n٤ - اللَّه تعالى هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْمُ، وهو أحكم الحاكمين.\n* * *","vol":"8","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>٩٦ - سورة العلق</span>\nوهي سورة مكية، وأول شيء نزل من القرآن، وعدد آياتها (١٩).\nأخرج الترمذي والنسائي عن جابر قال: [صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء، فطوّل عليهم، فانصرف رجل منا. فَأُخبِرَ مُعاذٌ عنه، فقال: إنه منافق. فلما بلغَ ذلك الرجل، دخل على النبي -ﷺ- فأخبره بما قال معاذ. فقال النبي -ﷺ-: أتريد أن تكون فَتَّانًا يا مُعاذُ، إذا أممْت الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>موضوع السورة</span>\nضرورة القراءة والكتابة لطلب العلم والحث على الجهاد في حمل الدين ومقارعة أهل الظلم\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-507> منهاج السورة</span>-\n١ - الأمر بالقراءة والحث على الكتابة بالقلم، لتثبيت الفهم والعلم.\n٢ - الإخبار عن سلوك الإنسان حالة السعة وبسط الرزق والغنى.\n٣ - حث اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- على الثبات على الحق والهدى، وتحدي الطاغية الذي كذب وتولى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر كما مضى. وانظر صحيح النسائي (٩٥٤).","vol":"8","page":497},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى رسوله بالقراءة باسم اللَّه الذي خلق، خلق الإنسان من علق، والحث على الكتابة بالقلم، لتثبيت الفهم والعلم.\nأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: [أَوّلُ ما بُدِئ به رسول اللَّه -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رُؤيا إلا جاءت مثلَ فلقِ الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حِراء فيتحنَّث فيه قبل أن ينزعَ إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزودُ لمثلها، حتى جاءه (وفي رواية: فَجِئَهُ) الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بِقَارِئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْدَ ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بِقَارِئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهدَ ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بِقَارِئ، فأخذني فغطني الثالثة فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ الآيات. فرجع بها رسول اللَّه -ﷺ- يرجُفُ فؤاده (وفي رواية: ترجف بوادره) فدخل على خديجة بنتِ خويلد فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة: مالي؟ وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي. فقالت له خديجة: كلّا أبشر فواللَّه ما يخزيك اللَّه أبدًا، فواللَّه إنك لتَصِل الرحم وتصدقُ الحديث وتحمل الكلَّ وتَكْسِبُ المعدوم وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقةَ بنَ نوفل بنِ أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأً قد تَنَصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتابَ العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية (وفي رواية: الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية) ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عمِّ اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره","vol":"8","page":498},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- خبرَ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (١) الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها جذَعًا (٢)، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومُكَ. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: وَمُخْرِجِيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي (وفي رواية: أوذي) وإن يدركني يومُكَ أنصُرْك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشبْ ورقة أن توفي وفتر الوحي] (٣).\nفكانت سورة العلق أول شيء نزل من القرآن (٤)، وقد رُوي ذلك عن عائشة ﵂، وكذلك عن بعض الصحابة والتابعين.\nقال عبيد بن عمير: (أول سورة نزلت على رسول اللَّه -ﷺ- ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق﴾).\nوقال عطاء بن يسار: (أول سورة نزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾).\nوقد روى ابن جرير في تفسيره بسنده إلى أبي رجاء العطاردي قال: (كنا في المسجد الجامع، ومقرئنا أبو موسى الأشعري، كأني أنظر إليه بين بردين أبيضين، قال أبو رجاء: عنه أخذت هذه السورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وكانت أول سورة نزلت على محمد).\nقال ابن جرير: (يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ محمدًا -ﷺ- يقول: اقرأ يا محمد بذكر ربك (٥) ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾. ثم بين الذي خلق فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ يعني: من الدم، وقال: من علق، والمراد به من علقة، لأنه ذهب إلى الجمع. ثم قال: وقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ يقول: اقرأ يا محمد وربك الأكرم ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ خَلْقَهُ الكتاب والخط).\nوقال قتادة: (القلم نعمة من اللَّه عظيمة، لولا ذلك لم يقم ولم يصلح عيش). وقال ابن زيد: (﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ قال: عَلَّمَ الإنسان خطًا بالقلم).\n_________\n(١) الناموس: صاحب السر، والمراد جبريل.\n(٢) جذعًا: أي شابًا فَتيًا.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣) - كتاب بدء الوحي. وأخرجه أحمد (٦/ ١٥٣)، ورواه مسلم.\n(٤) انظر التحقيق في ذلك في تفسير سورة المدثر، وبسط الأدلة في ذلك هناك.\n(٥) الباء في ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ في محل نصب على الحال. والتقدير: اقرأ يا محمد مفتتحًا باسم ربك. وكأنه قيل: قل باسم اللَّه ثم اقرأ. فهو إشارة إلى ذكر التسمية في ابتداء كل سورة. وقيل: الباء بمعنى على. أي اقرأ على اسم ربك. فالمقروء محذوف وهو القرآن. وقيل: الباء زائدة. والتقدير: اقرأ اسم ربك، كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠].","vol":"8","page":499},{"text":"قلت: والعلم لابد لِحِفْظِهِ من الكتابة، وقد ربط اللَّه سبحانه في هذه الآيات التي هي أول ما نزل من القرآن بين القراءة والكتابة على أنهما وسيلتا العلم الأولى لا ينفصلان، فقال جل ذكره: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. وفي ذلك امتنان منه -تعالى- على الإنسان أن علّمه الخط بالقلم، ولم يكن يعلمه، مع أشياء كثيرة غير ذلك، مما علمه ولم يكن يعلمه. والدرس النافع المستنبط هنا هو أهمية الكتابة لطالب العلم.\nأخرج الحاكم والطبراني عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [قَيِّدُوا العِلْمَ بالكتاب] (١).\nوله شاهد عند الخطيب وابن عبد البر بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو قال: [قلتُ: يا رسول اللَّه! أُقَيِّدُ العلمَ؟ قال: نعم. قلت: وما تقييده؟ قال: الكتاب].\nومن ثَمَّ فالقراءة وحدها لا تكفي لتثبيت العلم، وإنما تعتضد بالكتابة، فبالقراءة تتشكل ثقافة عامة، وفرق بين الثقافة وبين العلم، فإن العلم يقتضي استحضار الأدلة على جزئياته وفروعه، وهذا لا يكون إلا بالاستعانة بالكتابة والتصنيف والاستفادة من طريقة العلماء.\n\n٦ - ١٩. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن حال الإنسان عند حصوله السعة وبسط الرزق والغنى، فهو يتقلب في الفرح والأشر والبطر والطغيان، وسرعان ما ينسى المنعم المتفضل المنّان. وحثُّ اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- على الثبات على الحق والهدى، وتحدي الطاغية الذي كذب وتولى.\nفقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. أى: حقًا، إن الإنسان ليطغى\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٠٦)، والطبراني في \"الكبير\" (١/ ٦٢/ ٢)، والخطيب في \"التقييد\" ص (٩٦ - ٩٧) -كشاهد له- وكذلك ابن عبد البر من طرق، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٢٦)، وصحيح الجامع (٤٣١٠).","vol":"8","page":500},{"text":"إن رأى نفسه مستغنيًا بماله وقوته. قال النسفي: (﴿كَلَّا﴾ ردع لمن كفر بنعمة اللَّه عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه. قال: ومعنى الرؤية العلم).\nقلت: وهذه الآيات نزلت في أبي جهل الذي كان يحاول منع رسول اللَّه -ﷺ- من الصلاة والدعوة وبلاغ الوحي، ويؤذيه أشد الإيذاء. فجاءت هذه الآيات تحمل له التهديد الشديد والوعيد الأكيد.\nففي صحيح مسلم وسنن النسائي عن أبي هريرة قال: [قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول اللَّه -ﷺ- وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنّ بيني وبينه لخندقًا من نار وهَوْلًا وأجنحة، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لَوْ دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا، قال: فأنزل اللَّه ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ -يعنى قول أبا جهل- ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ. . .﴾] (١).\nوفي رواية عند ابن جرير من طريق ابن عباس: [فقال: -أي أبو جهل-: لقد علم أني أكثر هذا الوادي ناديًا. فغضب النبي -ﷺ-، فأنزل اللَّه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ فقال ابن عباس: فواللَّه لو فعل لأخذته الملائكة من مكانه] (٢).\nوفي رواية عند الترمذي عن ابن عباس قال: [كان النبي -ﷺ- يصلي فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي -ﷺ- فزبره -أي أغلظ النبي لأبي جهل القول ونهَره-، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية اللَّه] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٤/ ٢١٥٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٧٠).\n(٢) حديث صحيح. انظر تفسير الطبري (٣/ ٢٥٦). وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١/ ٢١٤).\n(٣) حديث صحيح. انظر سنن الترمذي (٥/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٧٥).","vol":"8","page":501},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾. أي: إلى اللَّه المرجع والمصير، وعنده الحساب والثواب والعقاب. ورُجْعى: على وزن فعلى، والرُجعى والمرجع والرجوع مصادر.\nوقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال مجاهد: (أبو جهل ينهى محمدًا -ﷺ- إذا صلى). وقد سبق أن هذه الآيات نزلت في أبي جهل حين توعَّد النبي -ﷺ- إن رآه يصلي ليطأن على رقبته، فأخزاه اللَّه بالوحي والملائكة.\nوقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾. قال قتادة: (محمد كان على الهدى، وأمر بالتقوى). والمقصود: كان محمد -ﷺ- على طريق مستقيم يهتدي من اتبعه، وكان يأمر بالإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تُتقى به النار.\nوقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. يعني أبا جهل، كذب بما جاء به رسول اللَّه -ﷺ- من الحق وأعرض عن الإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. أي: ألم يعلم بأن اللَّه مطلع على أحواله وسيجازيه بها، فواعجبًا كيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟ !\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. كلّا: ردعٌ لأبي جهل عن معارضته محمدًا -ﷺ- في عبادة ربه وأمره بعبادة الأصنام. والسفع في كلام العرب: القبض على الشيء وجذبه بشدة. والناصية شعر مقدم الرأس. والمقصود: لنأخذن بناصيته فتطوى مع قدميه فيطرح في النار.\nقال ابن جرير: (قوله: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ يقول: ليس كما قال إنه يطأ عنق محمد، يقول: لا يقدر على ذلك، ولا يصل إليه. يقول: لئن لم ينته أبو جهل عن محمد ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ يقول: لنأخذن بمقدم رأسه، فلنضمنه ولنذلنه. وقيل: إنما قيل: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ والمعنى: لنسودن وجهه، فاكتفي بذكر الناصية من الوجه كله، إذ كانت الناصية في مقدم الوجه. وقيل: معنى ذلك: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].\nقال القرطبي: (فالآية -وإن كانت في أبي جهل- فهي عِظةٌ للناس، وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة).\nوقوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. قال ابن كثير: (يعني: ناصية أبي جهل كاذبةٌ في","vol":"8","page":502},{"text":"مقالها، خاطئة في فعالها). قلت: وقد أثبت العلم الحديث أن الكذب يُعرف بعلامات وإشارات في الناصية، وهو من الإعجاز العلمي لهذا القرآن العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: فليدع ناصره). والمقصود: ليدع قومه وأهل ناديه. والنادي: المجلس الذي يجلس فيه القوم.\nوقوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال مجاهد: (الملائكة). والمقصود: ردٌّ على غرور أبي جهل الذي زعم الاستنصار بعشيرته وأهل ناديه، فتحدّاه اللَّه بأمْرِ ملائكته الغلاظ الشداد بأخذه وإلقائه في نار السعير التي تخزيه.\nوقد مضى في رواية ابن جرير من طريق ابن عباس: [فقال -أي أبو جهل-: لقد علم أني أكثر هذا الوادي ناديًا. فغضب النبي -ﷺ-، فأنزل اللَّه ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. فقال ابن عباس: فواللَّه لو فعل لأخذته الملائكة من مكانه].\nوالزبانية ملائكة العذاب، واحِدهم زِبْنِيّ كما ذكر الكسائي. وقال الأخفش: (زابن). وقال أبو عبيدة: (زِبْنِية). وقيل: زَبَانِيّ. وقال قتادة: (هم الشُّرَط في كلام العرب). قال القرطبي: (وهو مأخوذ من الزَّبْن وهو الدفع، ومنه المزابنة (١) في البيع.\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. كلّا: ردع لأبي جهل. أي: لا تطعه يا محمد فيما دعاك إليه من ترك الصلاة، وصلّ للَّه غير مكترث به، ولا مبال بنهيه ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ إليه سبحانه بالطاعة والعبادة. قال النسفي: (﴿وَاسْجُدْ﴾ ودُمْ على سجودك يريد الصلاة ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ وتقرب إلى ربك بالسجود، فإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد).\nقلت: وهذا المعنى مستنبط من الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء] (٢).\nوقد ثبتت السجدة -سجدة التلاوة- في آخر هذه السورة: ففي صحيح مسلم عن عطاءِ بنِ ميناءَ، عن أبي هريرة قال: [سَجَدْنا مع النبي -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (٣). ورواه أصحاب السنن.\n_________\n(١) هي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٨٢) - كتاب الصلاة. باب ما يقال في الركوع والسجود.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٧٨) ح (١٠٨ - ١٠٩)، وأخرجه أبو داود (١٤٠٧)، والنسائي (٢/ ١٦٢)، والترمذي (٥٧٣)، وابن ماجة (١٠٥٨).","vol":"8","page":503},{"text":"وفي رواية قال: [سَجَدَ رسول اللَّه -ﷺ- في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾].\n\nتم تفسير سورة العلق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الأحد ١ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١ - كانون الثاني - ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - سورة العلق هي أول شيء نزل من القرآن.\n٢ - أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة.\n٣ - القلم نعمة من اللَّه عظيمة، لولا ذلك لم يقم ولم يصلح عيش.\n٤ - قيدوا العلم بالكتابة، فإن العلم ينسى دون تقييد بالكتاب.\n٥ - إن الإنسان ليطغى، إذا شعر بالترف والغنى.\n٦ - سجد رسول اللَّه -ﷺ- في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.\n* * *","vol":"8","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>٩٧ - سورة القدر</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>موضوع السورة</span>\nفضائل ليلة القدر\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-511> منهاج السورة</span>-\n١ - إخبار اللَّه تعالى عن إنزاله القرآن في ليلة القدر.\n٢ - ليلة القدر ليلة مباركة من ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أفضل ليالي العمر.\n٣ - تنزل الملائكة في تلك الليلة بإذن اللَّه من كل أمر.\n٤ - ليلة القدر سلام وخير كلها إلى مطلع الفجر.","vol":"8","page":505},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾\nفي هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن إنزاله القرآن في ليلة القدر، وهي ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان أفضل ليالي العمر، تنزل فيها الملائكة بإذن اللَّه من كل أمر، وهي سلام وخير كلها إلى مطلع الفجر.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]. قال ابن عباس: (أنزل اللَّه القرىن جُملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا، ثم نزل مُفَصَّلًا بحسب الوقائع في ثلاثٍ وعشرين سنةً على رسول اللَّه -ﷺ-).\nقلت: وليس في المرفوع إلى النبي -ﷺ- شيء يؤكد التنزيل على مرحلتين، فاللَّه أعلم بحقيقة هذا التنزيل، ويكفينا إثبات أن اللَّه أنزل هذا القرآن في ليلة القدر.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْ﴾. استفهام يفيد التنبيه. قال النسفي: (ومعنى ليلة القدر ليلة تقدير الأمور وقضائها، والقدر بمعنى التقدير، أو سميت بذلك لشرفها على سائر الليالي).\nوقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. تبيان لفضلها وعظمها. قال مجاهد: (ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر). وقال سفيان، بلغني عن مجاهد: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال: (عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر). وقال عمرو بن قيس الملائي: (عملٌ فيها خيرٌ من عمل ألف شهر).\nوهذا المعنى الذي اختاره شيخ المفسرين، الإمام ابن جرير ﵀، وتابعه بذلك الحافظ ابن كثير، وتؤيده الأحاديث الصحيحة:","vol":"8","page":506},{"text":"الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة قال: [لما حضَرَ رمضان قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"قد جاءكم شهرُ رمضان، شهر مبارك، افترض اللَّه عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتُغْلَقُ فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألفِ شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: [دخل رمضان، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن هذا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وفيه لَيْلةٌ خيرٌ من ألف شهر، مَنْ حُرِمَها فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ كُلَّهُ، ولا يُحْرَمُ خَيْرَها إلا مَحْروم\"] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [مَنْ قامَ ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾.\nأي تهبط الملائكة في تلك الليلة من السماوات إلى الأرض، والروح هو جبريل ﵇، فهو من باب عَطْفِ الخاص على العام، وإنما يكثر تَنَزَّلُ الملائكة تلك الليلة لكثرة بركتها، وكثرة التلاوة للقرآن والذكر فيها، وكل ذلك بأمر ربها.\nأخرج الطيالسي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إن الملائكة تلك الليلة أكثَرُ من عدد الحصى] (٤).\nوعن قتادة: (﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: يقضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها). وقال مجاهد: (﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: سَلام هي من كل أمر). قال القاسمي: (﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي إنَّ اللَّه يظهر الملائكة والروح لرسله عند كل أمر يريد إبلاغه إلى عباده. فيكون الإذن مبتدئًا من الأمر على هذا المعنى. والأمر هاهنا هو الأمر في قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٤/ ١٢٩)، وأحمد (٢/ ٢٣٠)، (٢/ ٤٢٥)، ورجاله رجال الصحيح، فهو صحيح إن كان أبو قلابة سمعه من أبي هريرة، فإنه كثير الإرسال، وله شواهد.\n(٢) حسن صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (١٦٤٤). كتاب الصيام. انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (١٣٣٣). وله شواهد.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٥٩١)، ومسلم (٧٦٠)، وأبو داود (١٣٧٢)، والنسائي (٨/ ١١٨)، والترمذي (٨٠٨)، وأحمد (٢/ ٥٢٩)، وأبو يعلى (٢٦٣٢).\n(٤) حديث حسن. أخرجه الطيالسي (٢٥٤٥) وإسناده لا بأس به، وله شواهد.","vol":"8","page":507},{"text":"حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٤ - ٥]. فالكلام في الرسالة والأوامر والأحكام، لا في شيءآخر سواها. ولهذا قال بعضهم: إن ﴿مِنْ﴾ هاهنا بمعنى الباء، أي بكل أمر).\nوقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. قال قتادة: (أي هي خير كلها إلى مطلع الفجر). وقال ابن زيد: (ليس فيها شَرٌّ، هي خير كلها ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾). وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِي﴾ قال: (لا يحدث فيها أمر). وقال مجاهد: (﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: من كل أمرٍ سلام).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>فضائل ليلة القدر وما ورد في تعيينها من أحاديث:</span>\nالحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن زر بن جبيش قال: [قلتُ لأُبي بن كعب: إن أخاك عبد اللَّه بن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، قال: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين ولكنه أراد أن لا يتكل الناس، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين. قال: قلت له: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالآية التي أخبرنا رسول اللَّه -ﷺ- أو بالعلامة أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها] (١). وفي لفظ أبي داود: [تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة، مثل الطَسْتِ، ليس لها شعاع حتى ترتفع].\nالحديث الثاني: أخرج الطيالسي بسند حسن عن عِكرمة، عن ابن عباس: [أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال في ليلة القدر: \"ليلة سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ، لا حارَّةٌ ولا باردةٌ، وتُصبح شمسُ صبيحتها ضعيفة حمراء\"] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والطيالسي وابن خزيمة بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [ليلةُ القدرِ ليلةُ سابِعَةٍ أو تاسِعَةٍ وعشرين، إنَّ الملائكةَ تلكَ الليلةَ في الأرض أكثرُ من عددِ الحصى] (٣).\n_________\n(١) حسن صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٦٩) - كتاب التفسير، سورة ليلة القدر. وانظر صحيح سنن أبي داود (١٢٢٩) - باب في ليلة القدر. وروى مسلم نحوه.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٦٨٠)، وللحديث شواهد. فقد أخرجه بنحوه البيهقي وابن خزيمة والبزار وابن نصر. انظر صحيح الجامع (٥٣٥١).\n(٣) إسناده حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٥١٩)، والطيالسي في \"مسنده\" (٢٥٤٥)، وأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ٢٢٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢٠٥).","vol":"8","page":508},{"text":"الحديث الرابع: أخرج الطبراني عن واثلة، وأحمد عن عبادة، بإسناد حسن، أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [ليلة القدْر ليلةٌ بلِجةٌ، لا حارَّة ولا باردة، . . .، ولا يُرمى فيها بنَجمٍ، ومنْ علامة يومِها تطلُعُ الشمس لا شعاعَ لها] (١).\nالحديث الخامس: أخرج مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: [تحرّوا لَيْلَةَ القَدْر في السبعِ الأواخِر] (٢). وفي رواية: [قال ابن عمر: رأى رجلٌ أنَّ ليلةَ القَدْرِ ليلةُ سبع وعشرين، فقال النبي -ﷺ-: أَرى رُؤْياكُمْ في العشر الأواخِر، فاطلبوها في الوِتْرِ منها].\nوفي رواية: [تحيّنوا ليلة القَدْرِ في العشر الأواخر].\nوفي لفظ: [التمسوها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر، فإن ضَعُفَ أحدُكم أو عَجَزَ، فلا يُغْلَبَنَّ على السَّبع البواقي].\nالحديث السادس: أخرج الطيالسي وأحمد بسند على شرط مسلم -واللفظ له- عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، في تسع يبقين، وسبع يبقين، وخمس يبقين، وثلاث يبقين] (٣).\nالحديث السابع: أخرج الطبراني عن عبد اللَّه بن أنيس مرفوعًا: [تحروا ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين] (٤).\nالحديث الثامن: أخرج أبو داود بسند صحيح عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي -ﷺ- في ليلة القدر قال: [ليلةُ القدْرِ ليلةُ سَبْعٍ وعِشْرين] (٥).\nوله شاهد في مسند أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: [تحروا ليلة القدر، فمن كان مُتَحَّرِّيها فليتحرَّها في ليلة سبع وعشرين].\n_________\n(١) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٥/ ٣٢٤)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٥٠٤١): رجاله ثقات. وانظر \"المجمع\" (٥٠٣٥)، (٥٠٤٠). ورواه الطبراني. انظر صحيح الجامع (٥٣٤٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١١٦٥) ح (٢٠٦) - كتاب الصيام. وكذلك ح (٢٠٧)، (٢٠٩)، (٢١٠)، (٢١١)، (٢١٢). وانظر مسند أحمد (٢/ ٤٤)، (٢/ ٧٥).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه الطالسي (٩٦٢) دون ذكر التسع، وأحمد (٣/ ٧١) والسياق له وإسناده صحيح على شرط مسلم. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٤٧١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الطبراني وأحمد وابن نصر بإسناد صحيح. انظر صحيح الجامع (٢٩٢٠).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٣٨٦) - باب من قال: سبع وعشرون. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١٢٣٦).","vol":"8","page":509},{"text":"الحديث التاسع: أخرج البخاري عن عبادة بن الصامت قال: [خَرَجَ رسولُ اللَّه -ﷺ- لِيُخْبِرَ الناس بليلةِ القَدْرِ، فتلاحى رَجُلان مِنَ المسلمين، قال النبي -ﷺ-: خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُم، فتلاحى فلانٌ وفلانٌ، وإنها رُفِعَتْ، وعسى أن يكونَ خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة] (١).\nقلت: وفي هذ الحديث دلالة أن الخلاف والخصام والشجار شَرٌّ بين المسلمين، قد يُرفع به خيرٌ كثير عنهم، ومن ذلك رفع تعيين ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، ليحرص المسلمون بذلك على الجماعة، وعلى الاجتهاد بالطاعة، واللَّه تعالى أعلم.\n\nتم تفسير سورة القدر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم الاثنين ٢ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢ - كانون الثاني - ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - تنزيل اللَّه تعالى القرآن العظيم في ليلة القدر.\n٢ - ليلة القدر خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِم.\n٣ - من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه.\n٤ - تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطسْت ليس لها شعاع حتى ترتفع.\n٥ - ليلة القدر ليلةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ، لا حارّة ولا باردة، وتصبح شمسُ صبيحتها ضعيفة حمراء.\n٦ - التمسوا ليلة القدر في التاسعة والسابعة والخامسة من العشر الأواخر من شهر رمضان.\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٤٩) - كتاب الأدب. وكذلك (٤٩) - كتاب الإيمان.","vol":"8","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>٩٨ - سورة البينة</span>\nوهي سورة مدنية، ويقال لها سورة ﴿لَمْ يَكُن﴾، وعدد آياتها (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد وَرَدَ ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: [قال النبي -ﷺ- لأُبَيّ: \"إنَّ اللَّه أَمَرَني أَنْ أَقْرأَ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب﴾. قال: وسَمَّاني؟ قال: نَعَمْ. قال: فبكى] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أُبَيِّ بن كعب: [أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: له: \"إنَّ اللَّه أمَرني أن أقرأ عليك القرآن\" فقرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وقرأ فيها: إنَّ الدين عند اللَّه الحنيفِيَّةُ المُسْلِمَةُ لا اليهودية، ولا النَّصرانيةُ، ولا المَجُوسيَّة، مَنْ يَعْمَلْ خيرًا فلَن يُكْفَرَهُ.\nوقرأ عليه: لو أنَّ لابن آدمَ واديًا من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له ثانيًا لابتغى إليه ثالثًا، ولا يَمْلأ جَوْفَ ابنِ آدمَ إلا تُراب، ويتوب اللَّه على مَنْ تاب] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٨٠٩) - كتاب مناقب الأنصار. وأخرجه مسلم (٧٩٩)، والنسائي في \"التفسير\" (٧١١)، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٧٣).\n(٢) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٣٠٥٨) - فضل أبي بن كعب ﵁. ورواه أحمد (٥/ ١٣٢) بإسناد حسن، وله شاهد عنده (٥/ ٢١٨) ورجاله ثقات.","vol":"8","page":511},{"text":"أبزى، عن أبيه. [عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: \"إني أُمِرْتُ أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا\". قلتُ: يا رسولَ اللَّه! وقد ذُكِرتُ هناك؟ قال: نعم. فقلت له: يا أبا المنذر! ففرِحت بذلك قال: وما يمنعني واللَّه يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>موضوع السورة</span>\nحُجَّةُ البينة والوحي من رب العالمين للفَصْلِ بين المشركين والمؤمنين في الدارين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-517> منهاج السورة</span>-\n١ - الإخبار أن تعلق الكفار من أهل الكتاب والمشركين بما هم عليه من الكفر لا ينفك إلا بحجة الوحي وبلاغ الرسل.\n٢ - الأمر للناس في الكتب المنزلة بإخلاص العبادة للَّه وحده.\n٣ - الإخبار عن مصير كفرة أهل الكتاب والمشركين، أنه في نار جهنم نار الجحيم.\n٤ - الإخبار عن مصير المؤمنين الصادقين، الذين رضي اللَّه عنهم ورضوا عنه فاستحقوا الخلود في جنات النعيم.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ١٢٣) في المسند من وجهين، ولبعضه شواهد.","vol":"8","page":512},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: يخبر تعالى أنَّ الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا منتهين عَمَّا هم عليه من الكفر حتى تأتيهم حجة الوحي وبلاغ الرسل، فلما جاءهم الحق آمن بعضهم ومنع أكثرَهُم الكِبرُ، وقد كانوا أمروا أن يخلصوا الدين للَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويستعدوا ليوم الحشر، وذلك هو الدين الكامل الذي ارتضاه اللَّه للبشر.\nفقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾. قال ابن كثير: (أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، والمشركون عَبَدَةُ الأوثان والنيران من العرب والعَجم).\nوقوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. أي: منتهين ومنفصلين عن الكفر. قال مجاهد: (لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق). وقال قتادة: (﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: منتهين عما هم فيه). وقال البخاري: (﴿مُنْفَكِّينَ﴾: زائلين).\nوقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. قال قتادة: (أي: هذا القرآن). قال النسفي: (﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الحجة الواضحة، والمراد محمد -ﷺ-، يقول: لم يتركوا كفرهم حتى ببعث محمد -ﷺ-، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض).\nوقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾. هو بدل من البينة، والمقصود محمد -ﷺ-.\nوقوله: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾. أي: القرآن العظيم المكتتبُ في الملأ الأعلى في صحف مطهرة، أي: مصونة عن التحريف واللبس. كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]. قال قتادة: (﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ","vol":"8","page":513},{"text":"يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء).\nقال القاسمي: (﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ وهي صحف القرآن المطهرة من الخلط وحشو المدلّسين، فلهذا تنبعث منها أشعة الحق حتى يعرفه طالبوه ومنكروه معًا).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. أي: مستقيمة لا اعوجاج فيها، لاشتمالها على الحق الذي لا يختلط بباطل ولا يميل إليه، كقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. قال ابن زيد: (﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾: مستقيمة معتدلة).\nوأما مفهوم \"الكتب\" في الصحف ففيه أكثر من تأويل:\nالتأويل الأول: الصحف هي الكتب. والكتب التي في الصحف هي الأحكام. كما قال اللَّه ﷿: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنّ﴾ [المجادلة: ٢١]. بمعنى: حكم. وقال -ﷺ-: [واللَّه لأقضين بينكما بكتاب اللَّه]- ثم قضى بالرجم. ذكره القرطبي وقال: (وليس ذِكر الرجم مسطورًا في الكتاب، فالمعنى لأقضين بينكما بحكم اللَّه تعالى).\nالتأويل الثاني: الكتب التي في صحف القرآن ومصاحفه، هي ما صحّ من كتب الأولين كموسى وعيسى وغيرهما، مما حكاه اللَّه تعالى في كتابه عنهم، فإنه لم يأت منها إلا بما هو قوي سليم. ذكره القاسمي وقال: (وقد ترك حكاية ما لبّس فيه الملبّسون إلا أن يكون ذكره لبيان بطلانه. ولهذا لم يجد الجاحدون لرسالته ﵇ من أهل الكتاب سبيلًا إلى إنكار الحق. وإنما فضلوا عليه سواه).\nالتأويل الثالث: الكتب هي السور المكتوبات -سور القرآن- فكل سورة من سور المصحف كتاب قويم. قال النسفي: (﴿فِيهَا﴾ في الصحف ﴿كُتُبٌ﴾ مكتوبات ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة ناطقة بالحق والعدل). والتقدير: تحتوي صحف القرآن أو صحائفه وأوراق مصحفه على سور مكتوبات من القرآن هي كتب قيمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾.\nأي: ولم يكن تفرق أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا لاشتباه في الأمر، بل كان بعد وضوح الحق وظهور الصواب، ثم بعث اللَّه محمدًا -ﷺ- فآمن به بعضهم وكفر آخرون، وكان ينبغي أن يكونوا أمة واحدة في الإيمان باللَّه واتباع رسوله الذي جاءهم بالحق مصدقًا لما معهم، ولكن تحاكم أكثرهم إلى الهوى والشهوات.\nوقد حذّر اللَّه أمة محمد -ﷺ- من الوقوع في ما وقع به أهل الكتاب فقال جل ثناؤه:","vol":"8","page":514},{"text":"﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].\nأخرج الترمذي والحاكم بسند حسن في الشواهد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلًا بمثل حذو النعل بالنعل، حتى لو أن فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي من يفعل مثله. إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة. فقيل: يا رسول اللَّه، ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي] (١).\nوقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. هو أصل هذا الدين، وركنه القويم. والمقصود: وما أمر الناس في الكتب المنزلة وكذلك في هذا القرآن إلا بعبادة اللَّه وحده عبادة خالصة من كل ألوان الشرك، وليجعلوا أنفسهم خالصة له في الدين. ﴿حُنَفَاءَ﴾ مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. قال ابن عباس: (﴿حُنَفَاءَ﴾: على دين إبراهيم ﵇). وقال قتادة: (والحنيفية: الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات والمناسك). وأصله في لغة العرب: من تَحَنَّفَ إلى الإسلام، أي: مال إليه، فهو التحنّف عن الشرك إلى التوحيد.\nوفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].\n_________\n(١) حسن لشواهده. أخرجه بتمامه الترمذي في \"سننه\" (٥/ ٢٦ - طبعة أحمد شاكر)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٢٨ - ١٢٩)، والآجري في \"الشريعة\" ص (١٥).","vol":"8","page":515},{"text":"أخرج الخطيب عن جابر، والديلمي عن عائشة، وأحمد عنها بسند حسن عن النبي -ﷺ- قال: [بعثت بالحنيفية السمحة] (١).\nوروى البخاري في كتاب الإيمان، باب: الدين يسر وقول النبي -ﷺ-: \"أحب الدين إلى اللَّه تعالى الحنيفية السمحة\"، وكذلك النسائي في \"الإيمان وشرائعه\" باب: الدين يسر، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [إنّ الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة] (٢).\nوقوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾. أي: ويفعلوا الصلوات على الوجه الذي يريده اللَّه، في أوقاتها، ويعطوا الزكاة المفروضة عند محلها.\nوقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. أي: إن ذلك الدين هو دين الملة القائمة المستقيمة، دين الأمة العادلة المعتدلة. قال قتادة: (﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ هو الدين الذي بعث اللَّه به رسوله، وشرع لنفسه، ورضي به).\nوقال الزجاج: (أي ذلك دين المِلّة المستقيمة). قال القرطبي: (و﴿الْقَيِّمَةِ﴾ نعت لموصوف محذوف. أو يقال: دِين الأمة القيمة بالحق، أي: القائمة بالحق). قال: وقال الخليل: (﴿الْقَيِّمَةِ﴾ جمع القيم، والقيم والقائم واحد). وقال الفراء: (أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته، لاختلاف اللفظين). وعنه أيضًا: (هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة). وقيل: الهاء راجعة إلى الملة أو الشريعة. وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: (﴿الْقَيِّمَةِ﴾ هاهنا: الكتب التي جرى ذكرها، والدين مضاف إليها).\nقلت: فهذه الآية العظيمة تدل أن الدين يشمل الإيمان ولوازمه من الأعمال، وقد استدل بها أئمة كرام كالإمام الزهري والإمام الشافعي مؤكدين أن الأعمال داخلة في مفهوم الإيمان.\n\n٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ\n_________\n(١) حديث حسن. رواه أحمد والديلمي. ورواه البخاري \"الأدب المفرد\" عن ابن عباس بلفظ: [قيل لرسول اللَّه -ﷺ-: أي: الأديان أحب إلى اللَّه تعالى؟ قال: \"الحنيفية السمحة\"].\n(٢) رواه البخاري (١/ ٨٧) في الإيمان، ورواه النسائي (٨/ ١٢١ - ١٢٢)، وهو حديث صحيح.","vol":"8","page":516},{"text":"خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن مصير كفرة أهل الكتاب والمشركين، أنهم في نار جهنم نار الجحيم، خالدين فيها مع أشقياء البرية والمجرمين. ثم تقرير اللَّه جلت عَظمته أن أهل الإيمان والعمل الصالح هم خير العالمين، جزاؤهم عند ربهم الخلود في جنات النعيم، تجري من تحتهم الأنهار ناعمين غانمين، لقد رضي اللَّه عنهم ورضوا عنه فاستحقوا عنده الخلود آمنين مطمئنين.\nقال ابن جرير: (﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، هم شرّ من برأه اللَّه وخلقه). والبرية في لغة العرب: الخليقة. قال الرازي: (البَرَى: التراب. والبرِيّة: الخَلْق، وأصله الهمزة، والجمع \"البرايا\" و\"البَرِيّات\". وقد \"براه\" اللَّه أي: خَلَقَه).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. أي: خير الخليقة حالًا، لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم إخباتًا، ولذلك سيكونون خير الخليقة مصيرًا ومآلًا.\nوفي صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أنس بن مالك قال: [قال رجل للنبي -ﷺ-: يا خير البرية، قال: \"ذاك إبراهيم\"] (١). أخرجه الترمذي عند تفسير هذه الآية.\nومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج النسائي وأحمد وابن حبان بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: [أنّ النبي -ﷺ- خرَج عليهم وهم جلوس فقال: ألا أُخبركم بخير الناس منزلة؟ قلنا: بلى، قال: رجل ممسك برأس فرسه في سبيل اللَّه حتى يموت أو يقتل. قال: فأخبركم بالذي يليه؟ فقلنا: نعم يا رسول اللَّه، قال: امرؤ معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل الناس. قال: فأخبركم بشر الناس منزلة؟ قلنا: نعم يا رسول اللَّه، قال: الذي يسأل باللَّه العظيم، ولا يعطي به] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧/ ٩٧). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٧٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي (١/ ٣٥٨)، والدارمي (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢)، وابن حبان في =","vol":"8","page":517},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الترمذي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- وقف على ناس جلوس فقال: \"ألا أُخْبِرُكُم بخيركم من شرّكم؟ \" قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول اللَّه أخبرنا بخيرنا من شرنا. قال: \"خَيْرُكم مَنْ يُرْجَى خيْرُهُ ويُؤْمَنُ شرُّهُ، وشَرُّكُم مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُه، ولا يُؤْمَنُ شَرُّه\"] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حَسن لغيره عن عبد اللَّه بن عمر قال: [سئل النبي -ﷺ-: أي الناس خير؟ قال: أحسنهم خلقًا] (٢).\nوقوله: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.\nأي: ثوابهم عند ربهم يوم القيامة بساتين الجنان، تجري تحتهم الأنهار، يطلون عليها ينظرون وينعمون، ولا يحولون ولا يزولون.\nوقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. إثبات تبادل الرضا بينهم وبين ربهم. فقد رضوا عن شرعه وقدره ورضي عن دينهم وأعمالهم. قال ابن عباس: (﴿﵃﴾ أي: رضي أعمالهم). قال ابن جرير: (﴿﵃﴾ بما أطاعوه في الدنيا، وعملوا لخلاصهم من عقابه في ذلك ﴿وَرَضُوا عَنْه﴾ بما أعطاهم من الثواب يومئذ، على طاعتهم ربهم في الدنيا، وجزاهم عليها من الكرامة).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. قال القاسمي: (﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا الجزاء الحسن وهذا الرضاء ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: خاف اللَّه في الدنيا، في سرّه وعلانيته، فاتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. فإن الخشية ملاك السعادة الحقيقية).\n\nتم تفسير سورة البينة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم الثلاثاء ٣ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n_________\n= \"صحيحه\" (١٥٩٣)، وأحمد (١/ ٢٣٧). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٥٥).\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٢٦٣). انظر صحيح سنن الترمذي (١٨٤٥).\n(٢) حسن لغيره. أخرجه الطبراني (١٣٣٢٦)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٣٧). وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمرو مرفوعًا بلفظ: [خياركم أحاسنكم أخلاقًا].","vol":"8","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - لم يترك الكفار كفرهم حتى بُعِثَ محمد -ﷺ-، فلما بعث آمن بعضهم وبقي على الكفر الآخرون.\n٢ - تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة. -كما جاء في الحديث-. وفي رواية: [ما أنا عليه اليوم وأصحابي].\n٣ - أحب الأديان إلى اللَّه تعالى: الحنيفية السمحة.\n٤ - خيار الناس أحسنهم خُلقًا، وشرار الناس من لا يُرْجى خَيْرُه، ولا يُؤْمَنُ شَرُّه.\n٥ - المؤمنون الأوائل ﵃ وعن فهمهم لمراده، ورضوا هم عن اللَّه وعن قضائه وقدره وشرعه وثوابه.\n* * *","vol":"8","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>٩٩ - سورة الزلزلة</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨).\nأخرج أبو داود بسند حسن عن معاذ بن عبد اللَّه الجهني: [أنّ رجلًا من جهينة أخبره: أنه سمع النبي -ﷺ- يقرأ فى الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري! أنسيَ رسول اللَّه -ﷺ-، أم قرأ ذلك عَمْدًا] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>موضوع السورة</span>\nزلزلة الساعة ومشهد الحساب\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-521> منهاج السورة</span>-\n١ - زلزلة الأرض لقيام الساعة والنشور، وإخراجها الموتى من القبور.\n٢ - اندهاش الإنسان لتقلب هذه الأحوال، ونطق الأرض بإذن ربها بما كان على ظهرها من الأعمال.\n٣ - صدور الناس لمشهد الحشر والحساب، والوزن الحق للأعمال لنيل الثواب المستحق أو العقاب.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٨١٦) - في الصلاة - باب الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين، ورواه البيهقي وغيره. انظر صحيح سنن أبي داود (٧٣٠).","vol":"8","page":520},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٨. قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تزلزلُ الأرض لقيام الساعة والنشور، وإخراجها الموتى ومن في القبور، واندهاش الإنسان لتقلب هذه الأحوال، ونطق الأرض بإذن ربها بما كان على ظهرها من الأعمال، وصدور الناس أشتاتًا لمشهد الحشر والحساب، ونيل الثواب ونكال العقاب.\nفقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. قال ابن عباس: (أي: تحرَّكت من أسفلها). والزِلزال مصدر، قال القاسمي: (أي: أصابها ذلك الزلزال الشديد، والاهتزاز الرهيب. فالإضافة للتفخيم أو الاختصاص، بمعنى الزلزال المخصوص بها. وهي الرجّة التي لا غاية وراءها. والأقرب الأول، لآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]).\nوالمقصود: إذا زلزلت الأرض لقيام الساعة فَرُجَّت رجًّا بعد استقرارها، وحُرِّكَت حركة شديدة من أصلها، فاضطرب ما عليها وتكسّر لاهتزازها.\nوكان ابن عباس ومجاهد يقولان: (في النفخة الأولى يزلزلها - لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦ - ٧] ثم تزلزل ثانية، فتُخرج موتاها وهي الأثقال).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. قال عكرمة عن ابن عباس: (الموتى). وقال مجاهد: (من في القبور). وقال ابن عباس ومجاهد: (﴿أَثْقَالَهَا﴾: موتاها، تُخرجهم في النفخة الثانية، ومنه قيل للجن والإنس: الثَّقَلان).","vol":"8","page":521},{"text":"قال الأخفش: (إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها. وإذا كان فوقها، فهو ثِقل عليها). والمقصود: تخرج الأرض يومئذ ما في جوفها من الأموات والدفائن وما عُمِلَ عليها.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [تَقِيءُ الأرضُ أفلاذَ كبدها أمثال الأُسطوانِ (١) من الذهب والفِضة، فيجيء القاتلُ فيقول: في هذا قَتَلْتُ. ويجيءُ القاطِعُ فيقولُ: في هذا قَطَعْتُ رحمي. ويجيء السارقُ فيقولُ: في هذا قُطِعَتْ يدي، ثم يَدَعونَهُ فلا يأخذون منه شيئًا] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾. أي: وقال الإنسان لما دهمه أمرها وبَهَره خطبها: لأي شيء زلزلت وأخرجت أثقالها؟ وقد كانت قارّة ساكنة بأهلها! لقد تقلبت أحوالها بعدما جاءها من أمر اللَّه ما جاءها. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. أي: يومئذ تخبر بأخبارها، وتحدّث بما عمل عليها، ينطقها اللَّه سبحانه لتشهد على العباد.\nوعن سفيان: (﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: ما عمل عليها من خير أو شر). وقال ابن زيد: (ما كان فيها، وعلى ظهرها من أعمال العباد). وقال مجاهد: (تخبر الناس بما عملوا عليها).\nوقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. أي: تحدّث أخبارها بوحي اللَّه وأمره لها، بأن تخبر عما جرى عليها، وتَشْهَد على العاملين بما كان منهم على ظهرها. وعن سفيان: (﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ قال: أعلمها ذلك). وقال مجاهد: (أمَرَها). وقيل: (أذِن لها).\nوقال البخاري: (﴿أَوْحَى لَهَا﴾، أوْحى إليها، ووحَى لها، وَوَحَى إليها واحِدٌ).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: يصدر الناس يومئذ من قبورهم إلى موقف الحساب، متفرقين ينصرف بعضهم إلى جهة اليمين وبعضهم إلى جهة الشمال، إضافة إلى التفرّق في الأديان والأعمال. قال ابنُ جُريج:\n_________\n(١) جمع أسطوانة: وهي السارية، أو العمود.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٠١٣)، والترمذي (٢٢٠٨)، وأخرجه ابن حبان (٦٦٩٧).","vol":"8","page":522},{"text":"(يتصَدّعون أشتاتًا فلا يجتمعون آخرَ ما عليهم). وقال السدي: (﴿أَشْتَاتًا﴾ فِرقًا). و﴿أَشْتَاتًا﴾ جمع لست. وفي التنزيل نحو ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤].\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُون﴾ [الروم: ٤٣].\nوقال النسفي: (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف ﴿أَشْتَاتًا﴾ بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين، أو يصدرون عن الموقف أشتاتًا يتفرق بهم طريقا الجنة والنار ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.\nالذّر: ما يرى في شعاع الشمس من الهباء. والمقصود: من يعمل في الدنيا مثقال ذرة من أعمال البر والصلاح يجد ذلك في كتابه يوم القيامة فيفرح به، أو يراه بعينه معروضًا عليه، يحمل البشرى إليه. ومن يعمل كذلك في الدنيا مثقال ذرة من أعمال الفجور والسوء يجد ذلك في كتابه يوم القيامة فيسوؤه، وقد يغفره اللَّه.\nوفي صحيح البخاري -عند تفسير هذه الآية- عن أبي هريرة ﵁: [أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: \"الخَيْلُ لِثَلاثَةٍ: لِرَجُلٍ أجْرٌ، ولرَجُلٍ سِتْرٌ، وعلى رَجُلٍ وِزْرٌ، فأمّا الذي له أَجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَها في سبيل اللَّه فأطالَ لها في مَرْجٍ أو رَوْضَةٍ، فما أصابَتْ في طِيَلهِا ذلك في المَرْجِ والرَّوضة كانَ له حَسناتٍ، ولو أنها قَطَعَتْ طِيَلَها فاسْتَنَّتْ شَرَفًا أو شَرَفين كانتْ آثارها وأرْواثُها حَسناتٍ له، وَلَوْ أنَّها مَرّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ولمْ يُردْ أنْ يَسْقِيَ به كان ذلك حسناتٍ له، فهي لذلك الرجل أَجْرٌ، وَرَجُل ربَطها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا، ولمْ يَنْسَ حقَّ اللَّه في رِقابِها ولا ظهورها فَهِيَ له سِتْرٌ، ورَجُلٌ ربَطها فَخْرًا ورياءً وَنِواءً فهي على ذلك وِزْرٌ\". فَسُئِل رسول اللَّه -ﷺ- عَنِ الحُمُرِ، قال: \"ما أنزل اللَّه عليَّ فيها إلا هذه الآيةَ الفاذَّة الجامِعةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾] (١).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٦٢) - (٤٩٦٣)، كتاب التفسير، سورة الزلزلة.","vol":"8","page":523},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم بسند رجاله رجال الصحيح عن صعصَعَة بن معاوية، عَمِّ الفرزدق: [أنه أتى النبي -ﷺ- فقرأ عليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، قال: حسبي! لا أُبالي ألّا أسمع غيرها] (١).\nوقد حفلت السنة العطرة بروائع من الأحاديث في مفهوم هاتين الآيتين:\nالحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إن اللَّه لا يَظلمُ مؤمِنًا حَسَنَةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعمُ بحسنات ما عَمِلَ بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تَكُنْ له حسنة يُجْزى بها] (٢).\nالحديث الثاني: أخرج أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن عوف بن الحارث بن الطفيل: أن عائشة أخبرته: أنّ النبي -ﷺ- كان يقول: [يا عائشةُ! إياك ومحقِّرات الذنوب، فإن لها من اللَّه طالبًا] (٣).\nالحديث الثالث: أخرج أحمد والطبراني بسند حسن في الشواهد عن عبد اللَّه بن مسعود، أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إياكم ومُحقَّرات الذنوب، فإنهنَّ يَجْتَمِعْنَ على الرجل حتى يُهلكنَه، كرجُلٍ كانَ بأرض فلاة فحضرَ صنيعَ القوم، فجعلَ الرجلُ يجيءُ بالعودِ، والرجل يجيءُ بالعود، حتى جمعوا من ذلك سوادًا وأجَّجوا نارًا فأنضجوا ما فيها] (٤).\nوله شاهد في المسند ومعجم الطبراني من حديث سهل بن سعد مرفوعًا بلفظ: [إياكم ومحقَّرات الذنوب، فإنما مثل مُحقَّرات الذنوب كمثلِ قومٍ نزلوا بطنَ وادٍ،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٥٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٦١٣)، والنسائي في \"التفسير\" (٧١٤)، والطبراني (٧٤١١) وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٤١): رواه أحمد والطبراني مرسلًا ومتصلًا ورجال الجميع رجال الصحيح.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (٢٨٠٨) ح (٥٦) - كتاب صفات المنافقين. وانظر أيضًا ح (٥٧).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٧٠)، وابن ماجة (٤٢٤٣)، وابن حبان (٥٥٦٨).\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٤٠٢)، والطبراني (١٠٥٠٠)، وأخرجه أبو يعلى (٢٢/ ٥) من وجه آخر، والحديث حسن بشواهده. انظر المجمع (١٠/ ١٨٩)، وصحيح الجامع (٢٦٨٤).","vol":"8","page":524},{"text":"فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإنَّ محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تُهلِكه] (١).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم من حديث عَدِيّ مرفوعًا: [اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة] (٢).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يا نساءَ المؤمنات، لا تحقِرَنَّ جارة لجارتها ولو فِرسِنَ شاةٍ] (٣) -يعني ظلفها.\nالحديث السادس: أخرج البخاري في \"التاريخ الكبير\"، ومالك في \"الموطأ\"، وأحمد في المسند بإسناد حسن من حديث حواء بنت السكن مرفوعًا: [رُدُّوا السائِلَ ولو بِظِلفٍ مُحرَقٍ] (٤).\nالحديث السابع: أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث جابر بن سليم مرفوعًا: [لا تحقرن شيئًا من المعروف، وأن تُكَلِّمَ أخاكَ وأنت مُنْبَسِطٌ إليه وَجْهُكَ إنَّ ذلك من المعروف] (٥).\nوفي لفظ: [لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاكَ ووجْهُكَ منبسِطٌ، ولوِ أن تُفْرغ من دَلْوك في إناء المُسْتقي، وإن امرؤٌ شتمكَ بما يعلمُ فيك فلا تشتمه بما تَعْلمُ فيه، فإنه يكون لك أجرُه وعليه وِزْرُه] الحديث (٦).\nوالخلاصة: تَحثُّ خاتمة السورة على التسابق إلى مزيد من العمل الصالح ولو كان\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٣١)، والطبراني، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٣٨٤/ ١)، وقال الهيثمي (١٠/ ١٩٥): \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الثلاثة من طريقين، ورجال إحداهما رجال الصحيح غير عبد الوهاب بن عبد الحكم وهو ثقة\". وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٨٩)، وصحيح الجامع (٢٦٨٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤١٣)، و(١٤١٧)، ومسلم (١٠١٦)، وأحمد (٤/ ٢٥٦).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٢٥٦٦) - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها.\n(٤) حديث حسن. أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٢٦٢)، والنسائي (٥/ ٨١)، وأحمد (٦/ ٤٣٥)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٣١)، وابن حبان (٣٣٧٤).\n(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٠٨٤) في أثناء حديث، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزال. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٤٤٢).\n(٦) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٥/ ٦٤)، وسنن النسائي \"الكبرى\" (٩٦٩٤)، (٩٦٩٦)، وصحيح ابن حبان (٥٢١)، وسنن أبي داود (٤٠٨٤) بسند جيد.","vol":"8","page":525},{"text":"من الأعمال البسيطة التي لا تعب في تحصيلها ولا جهد ولا نصب، ليرجح الميزان يوم الحساب ولو بشعرة إلى الزحزحة عن النار إلى رضوان اللَّه إلى العبور إلى الجنة دار القرار والنعيم والخلود.\n\nتم تفسير سورة الزلزلة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأربعاء ٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - تخرج الأرض يوم القيامة ما في جوفها من الأموات والدفائن وما عُمِلَ عليها.\n٢ - يصدر الناس يومئذ من قبورهم إلى موقف الحساب، متفرقين ينصرف بعضهم إلى جهة اليمين وبعضهم إلى جهة الشمال، إضافة إلى التفرّق في الأديان والأعمال.\n٣ - إياكم ومحقِّرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنَه.\n* * *","vol":"8","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>١٠٠ - سورة العاديات</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>موضوع السورة</span>\nأثر المباغتة بالعاديات في النصر على الأعداء ووجوب التفكر بنعم اللَّه والبعث والجزاء\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-525> منهاج السورة</span>-\n١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالخيل المباغتة في الهجوم، يُغِيرُ عليها المجاهدون وهي تحمحم بصوتها وتقدح بحوافرها وتثير الأرض حتى تنزل بساحة القوم.\n٢ - جحود الإنسان نِعم ربه الكريم، والحُبّ الشديد للمال والتعظيم.\n٣ - الحث على التفكر بالبعث من القبور، وإخراج السرائر من الصدور.","vol":"8","page":527},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: ثناءُ اللَّه تعالى على المباغتين -في قتال الكفرة- والمهاجمين، فأقسم جلت عظمته بالخيل التي يُغِيرُ عليها القوم إذا أصبحوا ليباغتوا عدوهم، وهي تشتد عند الفجر وتحمحم بصوتها، وتقدح بحوافرها التي تضرب الحصى فيخرج منه النار، وتثير تراب الأرض في الطريق إلى القتال، حتى تنزل فجأة في ساحة القوم المجرمين فتباغتهم بهجوم سريع مفاجِئ، فتكسب الملحمة وتوقع الخسارة بالعدو وتغنم الغنائم، إنّ الإنسان لربه لكفور، وإنه لحب المال لشديد، فهلّا تفكر بالبعث من القبور، وإخراج السرائر من الصدور، فاللَّه تعالى بأعمال العباد خبير بصير.\nفقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. مدح من اللَّه تعالى: \"العاديات ضَبْحًا\" وهي الخيل التي تعدوها وهي تحمحم، والضبح: الحمحمة (١). قال ابن عباس: (﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ الخيل، هو في القتال). وقال عكرمة: (ألم ترَ إلى الفرس إذا جرى كيف يضبح). وقال عطاء: (ليس شيءٌ من الدواب يضبح غير الكلب والفرس).\nوالآية: قسم من اللَّه تعالى بالخيل إذا اجريت في سبيله فعدت وضبحت. وضبحًا: حال، أو مصدر في موضع الحال.\nوقوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال الكلبي: (تقدح بحوافرها حتى يخرج منها النار). وقال قتادة: (هِجن الحرب بينهم وبين عدوهم).\n_________\n(١) الضبح: هو الصوت الذي يُسمع من الفرس حين تعدو. قال الفرّاء: (الضَّبْحُ: صوت أنفاس الخيل إذا عَدَوْن).","vol":"8","page":528},{"text":"والعرب تقول: وَرَى الزند يَرِي وَرْيًا: إذا خرجت ناره. ويجوز بالكسر أيضًا: (وَرِيَ الزند يَرِي وَرْيًا). وأصل القَدْح الاستخراج، ومنه قولهم: قَدَحْتُ العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد. واقتدحْت بِالزند. والمِقْدَحة: ما تُقْدَح به النار. والقدّاحة والقدّاح: الحجر الذي يُوري النار. فَبِعَدْو تلك الخيل في طريقها إلى القتال أثناء المباغتة والهجوم، تضرب الحصى بمناسمها بعضه ببعض، فيخرج منه النار والشرر. أثنى اللَّه سبحانه على ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. متابعة في الوصف المثير، الموجب للمدح والثناء والكبير. قال قتادة: (أغار القوم بعدما أصبحوا على عدوهم). وعن مجاهد: (﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ قال: هي الخيل). وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: (سألني رجل عن المغيرات صبحًا، فقال: الخيل تغير في سبيل اللَّه). وقال عكرمة: (أغارت على العدو صبحًا).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾. أي: فرفعن بالوادي غبارًا من أثر تلك الحركة المفاجئة السريعة، والنقع: الغبار.\nفعن مجاهد: (قوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ قال: الخيل). وقال عطاء: (النقع: الغبار). وقال عكرمة: (أثارت التراب بحوافرها).\nوقوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾. أي: فوسطن بركابهن جمع العدو.\nقال عكرمة: (جمع الكفار). وقال قتادة: (فوسطن جمع القوم). وقال الضحاك: (الجمع: الكتيبة).\nوعن ابن زيد: (في قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ قال: هذا قسم أقسم اللَّه به. وفي قوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قال: كل هذا قسم).\nقلت: وخلاصة القول: لقد وَصف سبحانه بجوامع من الكلم وروائع من البيان تفاصيل معركة كاملة، منذ الإغارة من الفجر، حتى حصول النصر، ليعلم المؤمنين أنّ هذا الدين العظيم دين قوة وعز ونصر، ودين هجوم على الباطل ومباغتة لأهل الكفر، دين قهر لأعداء اللَّه في الأرض لا دين ضعف وعجز وكسل، أو دفاع وانتظار وخجل، وقد أقسم اللَّه تعالى بتلك الخيل المغيرة، واللَّه سبحانه يقسم بما شاء، ولا يقسم جل ثناؤه إلا بعظيم، وأمر هام وكبير.\nلقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه، بسند صحيح عن","vol":"8","page":529},{"text":"عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: [كان يحب أن ينهضَ إلى عدوه عند زوال الشمس] (١).\nوهذا الوقت وقت راحة وتعب وقيلولة، فكان يحب ﵊ أن يباغت به عدوه.\nوفي رواية أخرى للحديث: [كان يعجبه أن يلقى العدو عند زوال الشمس].\nوروى أبو داود والنسائي بسند صحيح عن كعب قال: [كان إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها] (٢).\nوذلك لتحصل المباغتة والهجوم المفاجئ، فإن الحرب خدعة، والمؤمنون هم أحق الناس في الأرض بتعلم فنون المباغتة وطرق كبت العدو.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. هو جواب القسم. والمعنى: إن الإنسان لربه لكفور. قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن البصري: (هو الكفور الذي يعدّ المصائب، وينسى نعم ربه). وقال: (﴿لَكَنُودٌ﴾ يقول: لوّام لربه يعدّ المصائب). وَكَنَدَ -في لغة العرب- كفَرَ النّعمة فهو كنود. قال النسفي: (﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ لكفور، أي: إنه لنعمة ربه خصوصًا لشديد الكفران).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾. فيه تأويلان حسب موقع الضمير:\nالتأويل الأول: إنّ اللَّه على كنود الإنسان رثه لشهيد: -يعني لشاهد- وهذا من باب الوعيد. قال قتادة: (﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ قال: يقول: إن اللَّه على ذلك لشهيد). وقال سفيان: (يقول: وإنّ اللَّه عليه شهيد).\nالتأويل الثاني: إن الإنسان على كونه كنودًا لشهيد. قال ابن كثير: (أي: بلسان حاله. أي ظاهرٌ ذلك عليه في أقواله وأفعاله).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. فيه تأويلان متكاملان:\nالتأويل الأول: إنه لحب المال لشديد. قال القرطبي: (أي لقوي في حبه للمال).\nالتأويل الثاني: إنه لحريصٌ بخيل، من محبّة المال. قال ابن جرير: (قال بعض\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٦)، وله شاهد عند البخاري (٦/ ٩١ - فتح)، وعند البيهقي (٩/ ١٥٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢١٢٦).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (٤٥٣٨)، وكتابي: السيرة النبوية (٢/ ٧٨٩) لتفصيل البحث.","vol":"8","page":530},{"text":"البصريين: معنى ذلك: وإنه من أجل حبّ الخير لشديد: أي لبخيل. قال: يقال للبخيل: شديد ومتشدد).\nأخرج ابن أبي خيثمة والبزار بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعًا: [مَنْهومان لا يشبعان: طالِبُ عِلم، وطالب دنيا] (١).\nوالمقصود: أنّ الإنسان لحب المال لشديد قوي يميل كثيرًا إلى البخل والإمساك، وأما لحب عبادة ربه المنعم المتكرم فبطيء ضعيف.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾. قال ابن عباس: (بُحِثَ).\nوالمقصود: أفلا يعلم إذا نُثِرَ ما في القبور من الموتى وأخرجوا من قبورهم للحشر والحساب، كيف يكون مستقبله أفي الثواب أو العقاب!\nوقوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور﴾. قال ابن عباس: (أُبرِزَ). وقال سفيان: (يقول: مُيِّزَ). والمعنى: ومُيِّز وبُيِّنَ يومئذ ما في الصدور من الخير والشر، وأُبرز ما فيها من السِّر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إنَّ ربهم بأعمالهم، وما أسروا في صدورهم، وأضمروه فيها، وما أعلنوه بجوارحهم منها، عليم لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيهم على جميع ذلك يومئذ).\nأخرج الحاكم بسند صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود! إني رسولُ رسولِ اللَّه -ﷺ-: [تعلمون المعادَ إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (٢).\n\nتم تفسير سورة العاديات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم الأربعاء ٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي خيثمة (١٤٢/ ١٤١)، والبزار. وانظر صحيح الجامع (٦٥٠٠).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٨٣)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٦) نحوه، دون الجملة الأخيرة، وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\". وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (١٦٦٨)، وقد مضى.","vol":"8","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - كان رسول اللَّه -ﷺ- يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس.\n٢ - منهومان لا يشبعان: طالِبُ عِلْمٍ، وطالب دنيا.\n٣ - يبين يوم الحشر ما في الصدور من الخير والشر، ويبرز ما كان فيها من السِّر.\n* * *","vol":"8","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>١٠١ - سورة القارعة</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>موضوع السورة</span>\nأهوال القارعة وأحوال الناس يوم الدين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-529> منهاج السورة</span>-\n١ - التخويف من أمر القارعة، تقرع القلوب بالفزع، وتقرع أعداء اللَّه بالعذاب.\n٢ - انتشار الناس كالفراش في أرض المحشر، والجبال كالصوف المنفوش المبعثر.\n٣ - أهل الموازين الثقيلة في جنات النعيم، وأصحاب الموازين الخفيفة في نار الجحيم.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ١١. قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ","vol":"8","page":533},{"text":"الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.\nفي هذه الآيات: تعظيمُ اللَّه أمر القارعة، تقرع العباد بأهوالها، ويكون الناس كالفراش المنتشر في أرض الحشر، والجبال كالصوف المنفوش المبعثر، فمن ثقلت موازينه كان في جنات النعيم، ومن خفت موازينه كان في نار الجحيم.\nفقوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ﴾. اسم من أسماء القيامة، سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بالفزع، وتقرع أعداء اللَّه بالعذاب. قال ابن عباس: (﴿الْقَارِعَةُ﴾ من أسماء يوم القيامة، عَظَّمَهُ اللَّه وحذّره عباده). وقال قتادة: (﴿الْقَارِعَةُ﴾: الساعة). وقال وكيع: (سمعت أن القارعة والواقعة والحاقة: القيامة). قلت: وكذلك الطامّة والصّاخة والغاشية وغير ذلك من أسماء ونعوت القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره معظِّمًا شأن القيامة والساعة التي يقرع العباد هولها، أي شيء القارعة، يعني بذلك: أي شيء الساعة التي يقرع الخلق هولها، أي ما أعظمها وأفظعها وأهولها).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾. قال القاسمي: (تأكيد لهولها وفظاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق على معنى أن عظم شأنها ومدى شدتها، بحيث لا تكاد تناله دراية أحد، حتى يدريك بها).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾. الفراش: هو الحشرة الطائرة المعروفة. والمبثوث: المنتشر. والمقصود: القارعة يوم يسير الناس على غير هدى في كل اتجاه لشدة الهول حتى يحشروا إلى الموقف. كما قال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].\nوعن قتادة: (﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ هذا الفراش الذي رأيتم يتهافت في النار). وقال ابن زيد: (هذا شَبَهٌ شبهه اللَّه. وكان بعض أهل العربية يقول: معنى ذلك: كغوغاء الجراد، يركب بعضه بعضًا، كذلك الناس يومئذ، يجول بعضهم في بعض).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾. العهن: الصوف.","vol":"8","page":534},{"text":"والمعنى: وتكون الجبال يومئذ كالصوف الملون بالألوان المختلفة الذي نُفِشَ بالندف. وهذا لأنها تتفتت وتطّاير. قال قتادة: (العهن: هو الصوف. وذكر أن الجبال تسير على الأرض وهي في صورة الجبال كالهباء). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ويوم تكون الجبال كالصوف المنفوش. والعهن: هو الألوان من الصوف).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾. أي: أعماله الصالحة. والموازين: الوزن. والمقصود: رجحت حسناته على سيئاته في الميزان.\nوالميزان كما دلت السنة الصحيحة هو لِوَزْنِ الأعمال يوم القيامة، وله كفتان حسيتان مشاهدتان، وهو ميزان دقيق عالي الحساسية والدقة، يعطي الوزن الصحيح لكل عمل حسب قيمته وظروف القيام به، والغربة التي رافقته، ودواعي النفس والسوء التي صاحبته، وخَلاصُه من الرياء وحبّ السمعة، وبُعده عن الظهور وحب الرياسة، والأذى الذي لحق بصاحبه، والصبر الذي صُرِفَ له، وكظم الغيظ ومعالي الأخلاق وجميل الحلم الذي احتُسِبَ للَّه عنده، فقد هيأ اللَّه هذا الميزان يوم القيامة ليؤشر ويدخل في الحساب هذه الدقة العالية.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩].\nومن صحيح السنة العطرة في مفهوم ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي -ﷺ- قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يزن هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١).\nالحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤١).","vol":"8","page":535},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ-: [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم] (١).\nالحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [الطهور شطرُ الإيمان، والحمد للَّه تملأ الميزان، وسبحان للَّه، والحمد للَّه تملآن ما بين السماوات والأرض] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج أحمد في المسند بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁: [أنه كان يجني سِواكًا من الأراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ممَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبي اللَّه من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحد] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. قال مجاهد: (يقول: في عيشة قد رضيها في الجنة). والعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، والمقصود: هو في حياة مرضية يرضاها صاحبها.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. أي: خفّ وزن حسناته، ورجح وزن سيئاته.\nأخرج البخاري عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة، وقال اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾. أي: فمسكنه جهنم، وسمّاها أمّه لأنه يأوي إليها كما يأوى الطفل إلى أمه، وسميت هاوية لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها. فعن قتادة: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ وهي النار هي مأواهم). وقال: (مصيره إلى النار، هي الهاوية). وقال قتادة: (هي كلمة عربية، كان الرجل إذا وقع في أمر شديد قال: هوت أمّهُ). وعن أبي صالح: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال: يهوون في النار على رؤوسهم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٥٦٣) - كتاب التوحيد. وأخرجه مسلم (٢٦٩٤) في الذكر.\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم برقم (١٢٠)، وهو جزء من حديث أطول.\n(٣) حديث حسن. انظر تخريج الطحاوية (٨٢) - وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٤١) لمزيد من التفصيل لهذا البحث: \"الحساب والقصاص والميزان\".\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٢٩) - كتاب التفسير. سورة الكهف، آية (١٠٥).","vol":"8","page":536},{"text":"وعن سعيد عن قتادة: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال: يهوي في النار على رأسه). وعن ابن عباس: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ وهو مثلها، وإنما جعلت النار أمُّه، لأنها صارت مأواه، كما تؤوي المرأة ابنها، فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها، بمنزلة أمّ له).\nو﴿هَاوِيَةٌ﴾ اسم من أسماء النار. قال ابن زيد: (الهاويةُ: النار، هي أمُّه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾).\nوفي سنن النسائي بسند صحيح من حديث أبي هريرة، أن النبي -ﷺ- قال: [إذا حُضِرَ المؤمن أتَتْهُ ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخْرُجي راضيةً مَرْضيًا عنك، إلى رَوْحِ اللَّه ورَيْحان، وربٍّ غَيْرِ غضبان، فتخرج كأطيب ريح المِسك، حتى أنَّه لَيُناوِلُهُ بَعْضُهم بَعْضًا، حتى يأتون به بابَ السماء، فيقولون: ما أطْيَبَ هذه الريح، التي جاءتكم من الأرض، فيأتونَ به أرواحَ المؤمنين، فلهم أشدُّ فَرَحًا به من أحَدِكُمْ بغائبه يَقْدَمُ عليه. فيسألونه: ماذا فعل فُلان، ماذا فعلَ فُلان؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غمِّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهِبَ به إلى أُمِّهِ الهاويةِ] الحديث (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾. استفهام للتهويل والتفظيع، ببيان أنها خارجة عن المعهود بحيث لا يدرى كنهها.\nوقوله تعالى: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. أي: قد انتهى حرّها وبلغ في الشدة غايته، فهي شديدة الحرّ، قوية اللهيب والسعير.\nقال ابن جرير: (يعني بالحامية: التي قد حميت من الوقود عليها).\nوقد جاء تفصيل ذلك في أحاديث من السنة المطهرة:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [ناركم جزء من سبعين جُزءًا من نار جهنم. قيل: يا رسول اللَّه! إن كانت لكافية. قال: فُضِّلت عليهن بتسعة وستين جزءًا كلهنَّ مثلُ حرّها] (٢).\nوفي رواية: [ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم].\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر صحيح سنن النسائي (١٧٢٩) - كتاب الجنائز. باب ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه. ورواه الحاكم وابن حبان. انظر: صحيح الجامع (٥٠٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٦٥)، وأخرجه مسلم (٢٨٤٣). وانظر: مختصر صحيح مسلم (١٩٧٦)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٦٠) - لتفصيل البحث. وانظر لرواية أحمد: المسند (٢/ ٤٦٧)، وإسناده على شرط مسلم.","vol":"8","page":537},{"text":"وفيها: [فإنَّها فَضَلَتْ عيها بتسعة وستين جزءًا، كُلُّهُنَّ مثلُ حرِّها]. وفي رواية لأحمد في المسند: [لقد فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءًا حرًّا فحَرًّا].\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ ناركم هذه جزءٌ من سبعين جُزءًا من نار جَهَنَّم، وَضُرِبتْ بالبحر مَرَّتين، ولولا ذلك ما جَعَلَ اللَّه فيها مَنْفَعَةً لأحد] (١).\nوفي رواية أخرى عند أحمد عنه مرفوعًا: [هذه النار جزء من مئة جزء من جهنم].\nالحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: [أهْوَنُ أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو مُنتعِلٌ بنَعْلَيْن من نارٍ يغلي منهما دماغُه] (٢).\nوله شاهد في مسند أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إنَّ أهونَ أهل النار عذابًا من له نَعلان يغلي منهما دماغُه].\nالحديث الرابع: أخرج أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إذا اشتدَّ الحرُّ فأبْرِدُوا عن الصلاة، فإن شدّة الحر من فَيْحِ جَهنّم] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [اشتكت النار إلى ربِّها فقالت: يا ربِّ! أكَلَ بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنفسَين: نفسٌ في الشتاء، ونفسٌ في الصيف. فأشدُ ما تجدون في الشتاء من بَرْدِها، وأشدُّ ما تجدون في الصيف من حَرّها] (٤).\n\nتم تفسير سورة القارعة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الخميس ٥ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٤)، وإسناده على شرطهما. وانظر للرواية الأخرى مسند أحمد (٢/ ٣٧٩)، وإسناده على شرط مسلم.\n(٢) حديث صحيح. رواه مسلم (١/ ١٣٥). وانظر للمشاهد مسند أحمد (٢/ ٤٣٢) ورجاله ثقات.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٥) ح (١٨٣)، وأحمد (٢/ ٢٢٩).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٦١٧) ح (١٨٥)، والترمذي (٢٥٩٢)، وابن ماجة (٤٣١٩)، وأحمد (٢/ ٤٦٢)، وابن حبان (٧٣٦٦).","vol":"8","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - القارعة اسم من أسماء يوم القيامة، عظَّمه اللَّه وحذّره عباده.\n٢ - يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، ليزن أعمال الصالحين الكبيرة، وآثام المجرمين الخَطيرة.\n٣ - كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمان: سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم.\n٤ - إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة.\n٥ - ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم.","vol":"8","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>١٠٢ - سورة التكاثر</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨).\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن مُطَرِّفٍ، عن أبيه قال: [أتيت النبي -ﷺ- وهو يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: يقول ابنُ آدم: مالي، مالي، قال: وهَلْ لكَ، يا ابن آدمَ! مِنْ مالِكَ إلا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>موضوع السورة</span>\nاختبار التفاخر والتكاثر يوم الدين والسؤال عن النعيم ورؤية الجحيم\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-533> منهاج السورة</span>-\n١ - الإخبار عن انشغال أكثر العباد بالتفاخر بالأموال والأولاد وإيثار الدنيا الفانية على الحياة الباقية.\n٢ - حصول الاعتبار عند المصير إلى التراب، ومفارقة الأهل والأحباب.\n٣ - السؤال حق عن النعيم، أمام أهوال نار الجحيم، ولا ينجو إلا من كتب له الفوز والنجاة من اللَّه الكريم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٩٥٨) - كتاب الزهد - ورواه أحمد (٤/ ٢٤)، والترمذي (٢٣٤٢)، والنسائي (٦/ ٢٣٨)، وابن حبان (٧٠١)، واستدركه الحاكم (٢/ ٥٣٤)، ورواه الطيالسي (١١٤٨)، كلهم من حديث عبد اللَّه بن الشخير.","vol":"8","page":540},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٨. قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.\nفي هذه الآيات: تقريرُ اللَّه تعالى انشغال أكثر العباد عن طاعته بالأموال والأولاد، والتفاخر والتكاثر، وإيثار الدنيا الفانية، على الحياة الباقية، فلا يحصل الاعتبار إلا عند المصير إلى التراب، ومفارقة الأهل والأحباب، ثم السؤال لا مفر منه في أرض المحشر عن النعيم، أمام أهوال نار الجحيم، ولا ينجو إلا مَنْ كُتب له الفوز والنجاة من اللَّه الكريم.\nفقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. تحذير ووعيد. أي: شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد، والتفاخر بزينة هذه الحياة الدنيا، والتغالب فيها، والاستكثار من تحصيلها، عن طاعة اللَّه والعمل للآخرة، وما ينجيكم من سخطه تعالى وعقابه.\nقال الحسن البصري: (﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد). وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾: أنساكم. وقال قتادة: (﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ أي: التفاخر بالقبائل والعشائر). وقال الضحاك: (أي: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة).\nوأصل: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ -في كلام العرب- من لَهِيَ عن الشيء لُهِيًّا ولهْيانًا -بضم اللام وكسرها- أي: سلَا عنه وتَرَك ذِكره وأضرَب عنه. و\"ألهاه\" شغَله، و\"لَهّاهُ\" به تَلهيةً أي: عَلَّلَهُ.\nأخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: [أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"لو أنَّ لابن آدمَ واديًا مِنْ ذَهَبٍ أحبَّ أن يكونَ لهُ واديان، ولَنْ يَمْلأَ فاهُ إلا التراب، ويتوب اللَّه","vol":"8","page":541},{"text":"على مَنْ تابَ\". قال ثابت عن أنس عن أبَيّ: (كُنّا نُرَى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾)] (١).\nقال ابن العربي: (وهذا نصّ صحيح مليح، غاب عن أهل التفسير فَجهِلوا وجَهَّلوا، والحمد للَّه على المعرفة). ومقصود كلام ابن العربي أن الحديث المتقدم ظنه بعض المفسرين من الآيات التي نسخت، وهو ليس بقرآن أصلًا، وإنما دل على ذلك نزول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يقول العبد: مالي مالي! وإنما له من ماله ثلاثٌ: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تَصَدَّق فاقتنى، وما سِوَى ذلك فذاهِبٌ وتارِكُهُ للناس] (٢).\nوفي مسند أحمد وجامع الترمذي من حديث عبد اللَّه بن الشخير قال: [انتهيت إلى رسول اللَّه -ﷺ- وهو يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يقول ابنُ آدمَ: مالي مالي. وهل لك من مالِكَ إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لَبِسْتَ فأبليتَ، أو تصدَّقت فأمضيتَ] (٣).\nوفي الصحيحين والمسند عن أنس أن النبي -ﷺ- قال: [يَهْرَمُ ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرصُ والأمل] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. أي: ما زلتم في الانشغال بالدنيا عن الآخرة حتى أدرككم الموت وأنتم على تلك الحال. قال ابن جرير: (وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها، وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن اللَّه تعالى ذكره، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور وعيدًا منه لهم وتهدّدًا).\nوقال النسفي: (﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ حتى أدرككم الموت على تلك الحال، أو حتى زرتم المقابر وعددتم من في المقابر من موتاكم).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٣٩) - (٦٤٤٠)، كتاب الرقاق، باب ما يُتَّقى من فتنة المال.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٥٩) ح (٤). - كتاب الزهد - من حديث أبي هريرة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٤)، والترمذي (٢٣٤٢)، (٣٣٥٤). والنسائي في \"التفسير\" (٧١٦)، وفي \"السنن\" (٣٦١٣). ورواه مسلم (٣/ ٢٩٥٨) بنحوه.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٤٢١)، ومسلم (١٠٤٧)، ورواه أحمد في المسند (٣/ ١١٥)، ورواه أبو يعلى (٢٩٧٩).","vol":"8","page":542},{"text":"وقال القرطبي: (﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أي: حتى أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زوّارًا، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار. يقال لمن مات: قد زار قبره).\nقلت: والراجح أن المقصود المصير إلى القبور بعد الموت والدفن فيها، وعُبِّر عن دخولها بالزيارة لأن الإنسان ماكث فيها إلى يوم البعث، فهو كالزائر فترة محدودة إلى حين يوم النشور والحساب، ومقايضة الجزاء، والاستقرار في الجنة أو النار، وربما كان هذا من فتح اللَّه علي من روائع الفهم لكتابه، واللَّه تعالى أعلم.\nوالمقابر: جمع مَقْبَرَة ومَقْبُرَة. والقبور: جمع القبر. ولم يرد ذكر المقابر في التنزيل إلا في هذه السورة، وأما السنة فقد كثر ذكر المقابر فيها والحث على زيارتها، وزيارتها كما قيل من أعظم الدواء للقلب القاسي، لأنها ترققه بذكر الموت والآخرة. وفي ذلك أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: [زارَ النبي -ﷺ- قَبْرَ أمه، فبَكَى وأَبْكى مَنْ حَوْلَهُ، فقال -ﷺ-: استأذنْتُ ربي في أن أستغفرَ لها فلم يُؤذَنْ لي، واسْتَأذنْتُه في أن أزور قَبْرَها فَأذِنَ لي، فزوروا القبورَ، فإنها تُذَكِّرُكُم الموت] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [زُوروا القُبور. فإنها تُذَكِّرُكُم الآخِرة] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [نَهَيْتكُم عنْ زيارِةِ القبور فزوروها، فإن في زيارتِها تذكرة] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة قال: [لعن رسول اللَّه -ﷺ- زَوَّارات القبور] (٤).\nوالمقصود هنا: لَعْنُ النساء اللاتي يكثرن الزيارة لما لا يسلم ذلك من المخالفات الشرعية، بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن، وإلا فقد أذن للرجال والنساء بزيارة\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٩٧٦) ح (١٠٨) - كتاب الجنائز، من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر الحديث (١٠٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (١٥٦٩) - كتاب الجنائز - باب ما جاء في زيارة القبور.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٢٣٥) -كتاب الجنائز - وانظر صحيح سنن أبي داود (٢٧٧٢).\n(٤) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (١٥٧٦) - كتاب الجنائز - وانظر صحيح سنن ابن ماجة (١٢٨١).","vol":"8","page":543},{"text":"القبور. قال القرطبي: (اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعلّ السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج، وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك، وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء).\nقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٤/ ٩٥): (وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة الظاهر).\nوالخلاصة: إن الاعتبار بزيارة القبور من أنفع أنواع الاعتبار، وكذلك شهود الناس عند الاحتضار.\nقال العلماء: (ينبغي لمن أراد علاج قلبه، وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتَضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين. فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه).\nأخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [\"أكثروا هادم اللذات\" -يعني الموت-] (١).\nورواه البيهقي وابن حبان بلفظ: [أكثروا ذكر هادمِ اللذات: الموتُ، فإنه لم يذكُرهُ أحدٌ في ضيقٍ من العيش إلا وسَّعه عليه، ولا ذكَره في سَعة إلا ضَيَّقَها عليه].\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. قال الحسن: (هذا وعيد بعد وعيد). والمقصود: زَجْرٌ لهم على التكاثر، وتَنْبيهٌ على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. أي: لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر. قال النسفي: (﴿كَلَّا﴾ تكرير الردع للإنذار والتخويف ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ -جواب لو محذوف-، أي: لو تعلمون ما بين أيديكم ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ علم الأمر يقين، أي كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور لما ألهاكم\n_________\n(١) حسن صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤٢٥٨). والترمذي في أبواب الزهد. انظر صحيح سنن الترمذي (١٨٧٧). ورواه البيهقي وابن حبان كما في الرواية الأخرى. انظر \"تخريج الإرواء\" (٦٨٢)، وصحيح الجامع (١٢٢٢).","vol":"8","page":544},{"text":"التكاثر، أو لفعلتم ما لا يوصف ولكنكم ضلال جهلة).\nوقوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾. أي: في الآخرة. قال القاسمي: (قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواب قسم مضمر، أكّد به الوعيد، وشدّد به التهديد، وأوضح به ما أُنذروه تفخيمًا).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. ﴿عَيْنَ﴾ هنا بمعنى \"نفس\". والمقصود: ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والرؤية بأعينكم. والتكرار بِثُمَّ -التي تفيد العطف- إنما هو للتغليظ في التهديد، والزيادة في التهويل والوعيد. وقيل: الرؤية الأولى بالقلب والثانية بالعين، والمعنى الأول أرجح، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. أي: ثم لتسألن يوم القيامة عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن شكر اللَّه والعمل للآخرة.\nقال مجاهد: (﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: الأمن والصحة). وقال ابن عباس: (النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار). وقال سعد بن طريف عن أبي جعفر: (﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: العافية). وقيل: الطعام والشراب.\nقلت: والنعيم كلمة جامعة للأمن، والصحة، والفراغ، وملاذّ المأكول والمشروب، والماء البارد عند الظمأ، وظلال المساكن والأشجار عند تقلب الأجواء. وغير ذلك من النعم التي لا يحصيها إلا اللَّه.\nففي التنزيل من آفاق ذلك:\n١ - نعمة استواء الخلق واكتمال صورته. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].\n٢ - نعمة الماء والنبات والشجر. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١١].\n٣ - نعمة الدواب والمسكن والملبس. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ","vol":"8","page":545},{"text":"الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨٠ - ٨١].\n٤ - نعمة اللبن والعسل والثمر. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٦ - ٦٩].\n٥ - نعمة الليل والنهار، ونعمة النجوم والجبال وِالبحار والأنهار. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٢ - ١٨].\n٦ - نعمة الأمن. قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤].\nومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن الزبير بن العوام قال: [لما نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الزبير: يا رسول اللَّه، وأيّ النعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: التمر والماء؟ قال: \"أما إنَّهُ سيكون\"] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الناس: يا رسول اللَّه عن أي النعيم نسال؟\n_________\n(١) حسن الإسناد. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤١٥٨). والترمذي (٣٣٥٣)، وأحمد (١/ ١٦٤).","vol":"8","page":546},{"text":"وإنما هما الأسودان، والعدو حاضر وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: \"إن ذلكَ سيكون\"] (١).\nالحديث الثالث: أخرج ابن حبان والحاكم والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ أَوَّلَ ما يُسْأل عنه يوم القيامة -يَعْني العَبْدُ من النَّعيم- أَنْ يُقالَ: ألَمْ نُصِحَّ لك جِسْمَكَ، ونُرْويكَ من الماء البارد] (٢). وفي رواية: [إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصحّ لك جسمك، وأروِك من الماء البارد؟].\nالحديث الرابع: أخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحّة الفراغ] (٣).\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [يُؤتى بالعبد يومَ القيامة فيقول له: ألمْ أجعلْ لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعامَ والحرث، وتركتك ترأس وتَرْبَعُ، فكنتَ تظن أنك مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (٤).\nوله شاهد عند الإمام مسلم بلفظ: [فيلقى العبدَ فيقول: أي فُلْ -تصغير فلان-! ألم أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وأُزَوِّجْكَ وأُسخِّر لك الخيل والإبل وأذَرْكَ ترأسُ وتربَعُ؟ فيقول: بلى أي ربّ، قال: فيقول: أَفَظنَنْتَ أنك ملاقِيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني].\nالحديث السادس: روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: [خَرَجَ رسولُ اللَّه -ﷺ- ذاتَ يومٍ أو لَيْلَةٍ، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخْرَجَكُما مِنْ بُيوتِكُما هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول اللَّه! قال: وأنا، والذي نفسي بيده! لأخْرَجَني الذي\n_________\n(١) حسن بما قبله. أخرجه الترمذي في السنن بإسناد حسن من حديث أبي هريرة. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٧٣) - كتاب التفسير - سورة التكاثر.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع (٢/ ٢٤٠)، وابن حبان (٢٥٨٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٣٨). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٧٤) - كتاب التفسير - عند الآية السابقة، سورة التكاثر، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٣٩).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤١٢)، والترمذي (٢٣٠٤)، وابن ماجة (٤١٧٠).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن، وأصله في صحيح مسلم. انظر صحيح سنن الترمذي (١٩٧٨). وانظر للشاهد: مختصر صحيح مسلم (١٩٣٢).","vol":"8","page":547},{"text":"أخْرَجَكُما، قوموا، فقاموا معه، فأتى رجُلًا من الأنصار، فإذا هو ليسَ في بيتهِ، فلما رأتْهُ المرأةُ قالت: مَرْحَبًا! وأهلًا! فقال لها رسول اللَّه -ﷺ-: أين فُلانٌ؟ قالت: ذَهبَ يَسْتَعْذِبُ لنا من الماء، إذْ جاءَ الأنصاري فنظرَ إلى رسول اللَّه -ﷺ- وصاحِبَيْه، ثم قال: الحَمْدُ للَّه، ما أَحَدٌ اليومَ أكْرَمَ أضْيافًا مِنِّي، قال: فانطلق فجاءهم بِعِذقٍ (١) فيه بُسْرٌ وتَمْرٌ ورُطَبٌ، فقال: كُلوا مِنْ هذه، وأخذَ المُدْيَةَ، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: \"إياك! والحلوبَ\" فذبَحَ لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العِذْقِ، وشَربوا، فلما أن شَبِعُوا ورَوُوا، قال رسول اللَّه -ﷺ- لأبي بكر وعمرَ: \"والذي نَفْسي بيده! لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هذا النعيمِ يومَ القيامة، أَخْرَجَكُم من بيوتكم الجوعُ، ثُمَّ لم تَرْجِعُوا حتى أصابَكُم هذا النعيم\"] (٢).\n\nتم تفسير سورة التكاثر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم الخميس ٥ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٥/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - ليس لابن آدم من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لَبِسَ فأبْلى، أو تَصَدَّقَ فأمْضى.\n٢ - يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل.\n٣ - زوروا القبور، فإنها تذكِّركم الآخرة. وأكثروا ذكر هادم اللذات: الموت، فإنه لم يذكره أحدٌ في ضيق من العيش إلا وسَّعه عليه، ولا ذكره في سَعة إلا ضَيَّقها عليه.\n٤ - نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصِّحة والفراغ.\n_________\n(١) العذق: غصن من النخل، والعذق من التمر بمنزلة العنقود من العنب.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠٣٨) - كتاب الأشربة، وأخرجه أبو داود (٣١٢٨)، والترمذي (٢٨٢٢)، (٢٣٦٩)، وابن ماجة (٣٧٤٣)، والنسائي في \"التفسير\" (٧١٧).","vol":"8","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>١٠٣ - سورة العصر</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣).\nأخرج الطبراني في \"الأوسط\" والبيهقي في \"الشعب\" بسند حسن في الشواهد عن ثابت البناني عن أبي مدينة الدارمي -وكانت له صحبة- قال: [كان الرجلان من أصحاب النبي -ﷺ- إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهُما على الآخر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ثم يُسَلّم أحدهما على الآخر] (١).\nوفي لفظ: [كان الرجلان من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- إذا التقيا لم يتفرّقا إلا على أن يقرأ أحدُهما على الآخر سورة العَصْر إلى آخرها، ثم يُسَلِّم أحدهما على الآخر]. وقال الشافعي ﵀: (لو تَدَبَّرَ الناسُ هذه السورة لَوَسِعَتْهم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>موضوع السورة</span>\nالإقسام بالعصر أن الإنسان مظنة الخسران إلا إن كان من أهل الصدق في العمل والإيمان\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-537> منهاج السورة</span>-\n١ - قسَمُ اللَّه تعالى بالوقت والزمان، أن الإنسان مظنة الخسران.\n٢ - استثناء أهل الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر من الخسارة، فهؤلاء قد كتب اللَّه لهم الفوز والربح في التجارة.\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥١٢٠)، والبيهقي في \"الشعب\" (٩٠٥٧)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٦٤٨).","vol":"8","page":549},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يقسم اللَّه سبحانه بالوقت -وهو العمر- أن الإنسان مظنة الخسران، إلا إن كان من أهل الإيمان والعمل الصالح والشكر للَّه بمقابلة الإحسان بالإحسان، وكان من أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -في جماعة الحق- أهل الصبر على الغربة والمحن عبر الأيام.\nفقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. قسَمٌ من اللَّه سبحانه بالدهر. وعن ابن عباس: (﴿وَالْعَصْرِ﴾ قال: العصر: ساعة من ساعات النهار). وقال الحسن: (هو العشي).\nقلت: والراجح الأول وهو عموم الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم، من خير وشر. فأقسم تعالى بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب. قال القرطبي: (أيّ عصر أقسم اللَّه به ﷿، لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدّلها، وما فيها من الدلالة على الصانع).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. هو جواب القسم. ويعني بالإنسان جنس الناس. قال الأخفش: (﴿لَفِي خُسْرٍ﴾: لفي هَلكَةٍ). وقال الفراء: (عقوبة). قال ابن جرير: (يقول: إن ابن آدم لفي هلكة ونقصان). وقيل: لفي غَبْن. وقال ابن زيد: (لفي شر). والمعنى متقارب. وهو كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.\nوقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. استثناء من الإنسان، الذي هو مظنة الخسران. قال ابن كثير: (فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم).","vol":"8","page":550},{"text":"وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. قال القاسمي: (أي أوصى بعضهم بعضًا بما أنزل اللَّه في كتابه من أمره، واجتناب ما نهى عنه من معاصيه).\nوقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. قال قتادة: (الصبر: طاعة اللَّه). قال الرازي: (دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأنّ المحن تلازمه. فلذلك قرن التواصي بالصبر). وقال النسفي: (﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى ما يبلو به اللَّه عباده). وتخصيص التواصي بالحق والصبر مع دخولهما في مفهوم الأعمال الصالحة، إنما هو لإبراز مكانتهما ليحصل الاعتناء بهما.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر، والتمييز بينهما. ولابد من العلم بحال المأمور وحال المنهي. قال: ولا بد أيضًا أن يكون حليمًا، صبورًا على الأذى. فإنه لا بد أن يحصل له أذى. فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].\nقال: ولهذا أمر اللَّه الرسل -وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بالصبر، كقوله لخاتم الرسل -ﷺ-، بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة، فإن أول ما أرسل أنزلت عليه سورة ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بعد أن أنزلت عليه سورة ﴿اقْرَأْ﴾ التي بها نُبِّئَ. فقال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة، وختمها بالأمر بالصبر) (١).\nفسورة \"العصر\" سورة جامعة لكل خير، ولذلك كان الرجلان من أصحاب النبي -ﷺ- إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأها أحدهما على الآخر، كما مضى ذكره. قال الشافعي ﵀: (لو فكّر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم).\nقال ابن القيم في \"مفتاح دار السعادة\": (وبيان ذلك أن المراتب أربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله. إحداها معرفة الحق. الثانية عمله به. الثالثة تعليمه من لا يحسنه. الرابعة صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه. فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة. وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر أن كل أحد في خسر، ﴿إِلَّا الَّذِينَ\n_________\n(١) انظر رسالة: \"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" -شيخ الإسلام- وانظر كتابي: تحصيل السعادتين ص (٢٦٢). لمزيد من التفصيل في هذا البحث.","vol":"8","page":551},{"text":"آمَنُوا﴾ وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به، فهذه مرتبة. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه أخرى. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، وصى به بعضهم بعضأ تعليمًا وإرشادًا، فهذه مرتبة ثالثة. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضًا بالصبر عليه والثبات. فهذه مرتبة رابعة. وهذا نهاية الكمال. فإن الكمال أن يكون الشخص كاملًا في نفسه، مكملًا لغيره. وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية. فصلاح القوة العلمية بالإيمان. وصلاة القوة العملية بعمل الصالحات. وتكميله غيره، بتعليمه إياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل. فهذه السورة، على اختصارها، هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره. والحمد للَّه الذي جعل كتابه كافيًا عن كل ما سواه، شافيًا من كل داء، هاديًا إلى كل خير) انتهى.\n\nتم تفسير سورة العصر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الجمعة ٦ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٦/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - لو تَدَبَّرَ الناس سورة العصر لوسعتهم.\n٢ - صلاحُ القوة العلمية بالإيمان، وصلاحُ القوة العملية بعمل الصالحات والإحسان.\n٣ - سورة العصر من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره.\n* * *","vol":"8","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>١٠٤ - سورة الهمزة</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>موضوع السورة</span>\nمصير الهمزة اللمزة الجامع المال للإثم والمعصية\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-541> منهاج السورة</span>-\n١ - التحذير الشديد من الغيبة للمؤمنين والطعن واللمز في السِّر والعلن.\n٢ - الوعيد الأكيد على عبيد المال الذين ينفقون أموالهم في المنكرات والفتن.\n٣ - نار اللَّه الموقدة تطلع على الأفئدة، ولها أبواب على أهلها مطبقة موصدة.","vol":"8","page":553},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾.\nفي هذه الآيات: التحذير الشديد من الغيبة والطعن واللمز في السر والعلن، والوعيد الأكيد على عبيد المال الذين ينفقون أموالهم في المنكرات والفتن، فإن نار اللَّه الموقدة، تطلع على الأفئدة، ولها أبواب على أهلها مؤصدة، مطبقة بإحكام بعمد ممددة.\nفقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. أي: خزي أو عذاب أو هَلَكة للهمزة، وهو الذي يغتاب الرجل في وجهه، واللمزة الذي يغتابه من خلفه. قال ابن عباس: (﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: طعَّان معياب). وكان أمية بن خلف إذا رأى رسول اللَّه -ﷺ- همزه ولمزه. وقيل فيه نزل: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.\nقال ابن هشام: (الهمزة: الذي يشتم الرجل علانية، واللمزة الذي يعيب الناس سرًا ويؤذيهم). وقال الربيع بن أنس: (الهُمَزة، يَهْمِزُه في وجهه، واللُّمَزَةُ من خَلْفِه). وقال قتادة: (يَهْمِزُهُ ويلمِزُه بلسانه وعَيْنِه، ويأكل لحوم الناس، ويطعنُ عليهم). وقيل: الهمّاز بالقول، واللمّاز بالفعل. وقال مجاهد: (الهَمْزَةُ باليد والعين، واللَّمْزَة باللسان).\nقلت: وفي لغة العرب: الهمز كاللَّمز وزنًا ومعنى. والهمَّاز العَيَّاب. واللَّمز العيب وأصْلُه الإشارة بالعين ونحوها. ولُمَزَة بوزن هُمَزَة أي: عَيَّاب. والراجح أن اللّمزَ في السر والهمز في العلن. وفي التنزيل: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١].\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾. بيان لسبب همزه ولمزه، وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أن له به الفضل، فهو لذلك يستقصر غيره.\nوعن السّدي: (﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي: جَمَعَهُ بعضَه على بعض، وأحصى","vol":"8","page":554},{"text":"عدده، كقوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾). وقال محمد بن كعب: (﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾، ألهاه مالُه بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليلُ نام كأنه جيفة).\nوقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾. أي: يظن أن ما جمع من المال يخلِّده في هذه الدار. فهو لشدة إعجابه بماله، أعماه ذلك عن التفكر بمآله.\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾. أي: ليس الأمر على ما يحسبه بل لَيُطْرَحَنَّ هو وماله في النار التي تهشم كل ما يلقى فيها وتحطمه. قال ابن جرير: (والحطمة: اسم من أسماء النار، كما قيل لها: جهنم وسقر ولظى، وأحسبها سميت بذلك لحطمها كل ما ألقي فيها، كما يقال للرجل الأكول: الحطمة).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾. تعجيب وتهويل وتعظيم، لشأن الحطمة وأهوالها وتفخيم لأمرها.\nوقوله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾. أي: التي أوقد عليها الأحقاب الطويلة، فهي غير خامدة، أعدّها اللَّه للعصاة.\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾. أي: يخلص حرّها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها، فيكون ألمها بحسب ما حوت تلك الأفئدة من المقاصد الخبيثة والنيات الزائغة الفاسدة، وسَيِّئِ الأخلاق من الكبر، واحتقار أهل الفضل، والنفاق والرياء وغير ذلك. قال محمد بن كعب: (تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خُلِقوا خلقًا جديدًا، فرجعت تأكلهم).\nوقال النسفي: (﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ يعني أنها تدخل في أجوافهم، حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد ولا أشدّ تألمًا منه بأدنى أذى يمسّه، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه، وقيل خصّ الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة، ومعنى اطلاع النار عليها أنها تشتمل عليها).\nوقيل: معنى ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ أي: تعلم مقدار ما يستحِقُّه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بما استبقاه اللَّه تعالى من الأمارة الدالة عليه. ويقال: اطَّلع فلان على كذا: أي علمه. ذكره القرطبي وقال: (وقد قال اللَّه تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٧]. وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. فوصفها بهذا، فلا يبعد أن توصف بالعلم).","vol":"8","page":555},{"text":"قلت: وهذا تأويل لطيف منسجم مع السياق والنصوص، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾. قال الحسن: (أي مُطْبَقَة). وقال مجاهد: (مغلقة). وهو من آصَدْت الباب: إذا أغلقته. وقد مضى تفصيل ذلك في سورة البلد. والمقصود: إن نار اللَّه الموقدة ستكون مطبقة على أهلها، مغلقة عليهم أبوابها، فلا سبيل لهم إلى الخروج منها.\nوقوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. قيل: أي كائنين في عمد ممدّدة موثقين. وقال مقاتل: (أطبقت الأبواب عليهم ثم شدّت بأوتار من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم رَوْح). وقال عطية العوفي: (﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: عَمَدٍ من حديد). وقال السُّدي: (من نار). وقال عكرمة عن ابن عباس: (يعني: الأبواب هي الممدودة). وقال قتادة: (في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: ﴿إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة﴾). فالفاء هنا بمعنى الباء. وقال العوفي، عن ابن عباس: (أدخلهم في عَمَد فمُدّت عليهم بعمَاد، في أعناقهم السلاسلُ فَسُدّت بها الأبواب). وقال أبو صالح: (﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: يعني القيودَ الطِّوال). وقال قتادة: (كنا نُحَدَّث أنهم يعذَّبون بعَمَدٍ في النار). واختاره ابن جرير.\nقلت: والراجح من السياق أن المقصود تؤصد عليهم الأبواب ثم تمدد العمد على تلك الأبواب استيثاقًا في استيثاق، وإحكامًا في إحكام، وإطباقًا في إطباق، واللَّه تعالى أعلم.\n\nتم تفسير سورة الهمزة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم السبت ٧ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٧/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الهمز كاللّمز وزنًا ومعنى، واللمز في السر والهمز في العلن.\n٢ - الحطمة اسم من أسماء النار، تحطم كل ما ألقي فيها.\n٣ - يُحكم الإطباق على أهل النار، فلا سبيل لهم إلى الخروج منها.","vol":"8","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>١٠٥ - سورة الفيل</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>موضوع السورة</span>\nقصة أصحاب الفيل\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-545> منهاج السورة</span>-\n١ - امتنان اللَّه تعالى على قريش إذ نصرهم يوم الفيل وهم مشركون. فما لهم لا يؤمنون!\n٢ - رَدُّ اللَّه كيد الكافرين بكيدهم حين أرادوا تخريب البيت الحرام، ومكره تعالى بهم وإنزال انتقامه الموجع بأصحاب الفيل البغاة اللئام.\n٣ - جعلهم كورق الزرع إذا أكلته الدواب، وعبرة للناس على مرّ الزمان.","vol":"8","page":557},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: ذِكْرُ قصة أصحاب الفيل، الذين تطاولوا في البغي فحصدهم اللَّه بالطير الأبابيل، ترميهم بالحجارة فصاروا كورق الزرع المأكول.\nوقصة أصحاب الفيل كما رواها ابن إسحاق ﵀: كان ذو نواس آخرَ ملوك حمير مشركًا قتَلَ أصحاب الأخدود وكانوا نصارى حوالي عشرين ألفًا، لم يفلت منهم إلا دوس ذو ثعلبان، فاستغاث بقيصر ملك الشام فكتب للنجاشي ملك الحبشة فبعث معه أميرين أرياط وأبرهة في جيش كثيف فدخلوا اليمن واستلبوا ملك حمير وهلك ذو نواس غريقًا في البحر. واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم أميران أرياط وأبرهة فاختلفا وتقاتلا كل معه جيش. فقال أحدهما للآخر: (إنه لا حاجة بنا إلى اصطلام الجيشين بيننا ولكن ابْرُزْ إليّ وأبرز إليك فأيهما قتل الآخر استقل بالملك). فتبارزا فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، فحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله ورجع أبرهة جريحًا.\nفكتب إليه النجاشي يتوعده بما فعل، فاستعطفه فرضي، قد حلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيتَه فترقق وبعث بهدايا وتحف وجراب من تراب اليمن وجز ناصيته ليطأها فيبر قسمه، فَأُعجب النجاشي. ثم أرسل أبرهة للنجاشي يقول: (إني سأبني لك كنيسة باليمن لا مثيل لها).\nفبناها بصنعاء رفيعة البناء عالية مزخرفة سمتها العرب \"القليس\" لارتفاعها، لأن الناظر لها تكاد تسقط قلنسوته من ارتفاعها. وعزم أبرهة أن يصرف حج العرب لها بدل مكة، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية وغضبت قريش. قيل: بعثوا فتى ليلًا","vol":"8","page":558},{"text":"فأحدث فيها فرأى السدنة ذلك وأعلموا أبرهة فأقسم ليسيرن إلى بيت مكة فيخربنه حجرًا حجرًا.\nوذكر مقاتل بن سليمان: (أن فتية من قريش دخلوها فأجّجوا فيها نارًا وكان يومًا فيه هواء شديد فاحترقت وسقطت إلى الأرض).\nفسار أبرهة في جيش عرمرم، واستصحب معه فيلًا عظيمًا كبير الجثة، لم يُرَ مثله يقال له \"محمود\" ومعه ثمانية أفيال غيره أو اثنا عشر -أخرى- ليجعل السلاسل في أركان الكعبة ثم توضع في عنق الفيل فيُزجَر ليُلقى الحائط جملة واحدة. وسمعت العرب فخرج رجل من أشراف اليمن -وهو ذو نفر- فدعا قومه لجهاد أبرهة وحماية بيت اللَّه فأجابوه وقاتلوا أبرهة، لكنهم هزموا وأسر \"ذو نفر\" فاستصحبه معه، فلما وصل أرض خثعم اعترض له \"نفيل بن حبيب الخثعمي\" في قومه فقاتلوه فهزمهم أبرهة وأُسر نفيل، فأراد قتله، ثم عفا عنه، واستصحبه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من الطائف خرج له أهلها ثقيف وصانعوه خوفًا على بيتهم المسمى \"اللات\" فأكرمهم وبعثوا معه دليلًا \"أبو رغال\". فلما وصل أبرهة \"المغمس\" قرب مكة نزل به وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل فأخذوها وفيها مئتا بعير لعبد المطلب.\nثم بعث -أي أبرهة- حناطة الحميري يأتيه بأشراف مكة يخبرهم ما جاء لقتالهم إلا إن صدوه عن البيت، فدُلّ على عبد المطلب فأخبره، فقال عبد المطلب: (واللَّه ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت اللَّه الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه).\nفأقى معه أبرهة، وكان عبد المطلب رجلًا جسيمًا حسن المنظر، فنزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط وقال لترجمانه: (قل له ما حاجتك؟) فقال: (إن حاجتي أن يردّ عليّ الملك مئتي بعير أصابها لي). فقال أبرهة لترجمانه: (قل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟). فقال له عبد المطلب: (إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربًا سيمنعه). قال: (ما كان ليمتنع مني). قال: (أنت وذاك).\nفرجع يأمر أهل مكة التحصن برؤوس الجبال، ثم قام عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة هو ونفر من قريش يدعون اللَّه ويستنصرونه على أبرهة.","vol":"8","page":559},{"text":"قال ابن إسحاق: (ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال).\nفلما أصبح أبرهة تهيأ وهيأ فيله \"محمودًا\" وجيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة، أقبل نفيل بن حبيب وأخذ بأذن الفيل وقال: (ابرك محمود، وارجع راشدًا من حيث جئت فإنك في بلد اللَّه الحرام).\nفبرك ومضى نفيل يشتد في صعود الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ثم وجهوه إلى المشرق ففعل كذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. فبعث اللَّه طيرًا من البحر أمثال الخَطاطيف، مع كل طير ثلاثة أحجار: حجر بمنقاره، وحجران برجليه، فحلقت عليهم وأرسلت تلك الأحجار فهلكوا.\nقال ابن إسحاق: (جاؤوا بفيلين، فأما محمود فربض، وأما الآخر فشجع فحصب). ففرت بقية الفيلة، وهلك أبرهة أثناء هربه وهلك جنده معه.\nيروي مقاتل: (أن قريشًا أصابوا مالًا جزيلًا من أسلابهم وما كان معهم، وأنّ عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة).\nفقصّ اللَّه في القرآن الكريم، يوم جاء الإسلام، هذه القصة، يمتن بها على قريش ويذكرهم فضله عليهم إذ نصرهم وهم مشركون، وقد كانوا تخلوا عن حماية البيت وهربوا صعودًا في الجبال.\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. قال ابن عباس: (ألمْ تسمع؟) واللفظ استفهام، والمعنى تقرير. وقيل المعنى: ألم تخْبَر. وقيل: ألمْ تعلم. والخطاب للنبي -ﷺ-، ولكنه عام، فيه امتنان من اللَّه تعالى على قريش فما لهم لا يؤمنون؟\nوأصحاب الفيل هم أولئك القوم من النصارى من الأحباش الذين ملكوا اليمن، ثم ساروا يريدون تخريب الكعبة، فلما أقبلوا على مكة أرسل اللَّه عليهم الطير المذكورة في هذه السورة فأهلكتهم، وكان ذلك آية، وقد وقع قبل بعثة النبي -ﷺ- بأربعين عامًا، وكان بعض الذين شهدوا ذلك أحياء عند البعثة.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾. أي: ألم يجعل اللَّه تعالى مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة، ضلالًا منهم أدّى بهم إلى الهلاك. قال القرطبي: (﴿أَلَمْ","vol":"8","page":560},{"text":"يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي: في إبطال وتضييع، لأنهم أرادوا أن يكيدوا قُريشًا بالقتل والسبي، والبيت بالتخريب والهدم).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. أي: جماعات متفرقة. وهي طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا يصيب شيئًا إلا هشمه.\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ قال: هي التي يتبع بعضها بعضًا). وقال مجاهد: (هي شتى متتابعة مجتمعة). وقال قتادة: (الأبابيل: الكثيرة). وقال ابن زيد: (الأبابيل: المختلفة، تأتي من ها هنا، وتأتي من ها هنا، أتتهم من كل مكان). وقال أبو سلمة: (الأبابيل: الزمر). وعن عبيد بن عمير: (قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ قال: سود بحرية، في أظافيرها ومناقيرها الحجارة).\nوقوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال ابن عباس: (من طين. قال: طين في حجارة. قال: سجّيل بالفارسية: سنك وكل، حجر وطين). فهي من النوع الشديد الصلب.\nوقال قتادة: (كانت مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها). فلا يصيب بها شيئًا إلا هشمه.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال مجاهد: (ورق الحنطة). وقال قتادة: (هو التَّبْنُ). وقال الضحاك: (كزرع مأكول). وقال ابن زيد: (ورق الزرع وورق البقل، إذا أكلته البهائم فَراثَتْه فصار روثًا).\nوالمقصود: فجعلهم اللَّه كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل. أو كورق زرع قد أكلت منه الدواب وبقي منه التبن.\nقال ابن جرير: (فجعل اللَّه أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب فراثته، فيبس وتفرقت أجزاؤه. شبَّه تقطع أوصالهم بالعقوبة التي أنزلت بهم، وتفرق آراب أبدانهم بها، بتفرق أجزاء الروث، الذي حدث عن أكل الزرع).\nأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [إن اللَّه حبس عن مكة","vol":"8","page":561},{"text":"الفيل، وسُلِّطَ عليهم رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنون] (١).\nوقد كان فضل اللَّه على قريش في ذلك عظيمًا، رغم بعدهم وانهيار مفاهيمهم وتحريفهم لدين إبراهيم ﵊.\nفقد أخرج البخاري في \"التاريخ الكبير\" بسند صحيح عن أم هانِئ مرفوعًا: [فَضَّلَ اللَّه قريشًا بسبع خصال: فضلهم بأنهم عبدوا اللَّه عشر سنين لا يعبده إلا قرشي. وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون. وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيهم غيرهم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. وفضلهم بأن فيهم النبوة والخلافة والحجابة والسقاية] (٢).\n\nتم تفسير سورة الفيل بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم السبت ٧ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٧/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وَسُلِّطَ عليهم رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنون.\n٢ - فضل اللَّه قريشًا بأن نصرهم يوم الفيل وهم مشركون.\n٣ - من السنة للحاج أن ينطلق من المزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وهو يلبي، فإذا أتى بطن مُحَسِّر -وهو واد أهلك اللَّه فيه أصحاب الفيل- أسرع السير.\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٨٨٠) - كتاب الديات. وله شاهد آخر في كتاب اللقطة (٢٤٣٤). ورواه مسلم وغيره. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية (١/ ٦٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ٣٤١). والبيهقي في \"مناقب الشافعي\" (١/ ٣٤). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٩٤٤).","vol":"8","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>١٠٦ - سورة قريش</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد جاء ذكر قريش وهذه السورة في أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في \"التاريخ الكبير\" بسند صحيح عن أم هانِئ مرفوعًا: [فَضَّلَ اللَّه قريشًا بسبع خصال: فَضَّلهم بأنهم عبدوا اللَّه عشر سنين لا يعبده إلا قرشي. وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون. وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيهم غيرهم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. وفضلهم بأن فيهم النبوة والخلافة والحجابة والسقاية] (١).\nالحديث الثاني: أخرج ابن حبان والحاكم بسند جيد عن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ للقرشي مِثْلي قوة الرجل من غير قريش] (٢). فقيل للزهري: بم ذلك؟ قال: بِنبل الرأي.\nالحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄، عن النبي -ﷺ- قال: [لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١/ ٣٤١)، والبيهقي في \"مناقب الشافعي\" (١/ ٣٤). وانظر السلسلة الصحيحة (١٩٤٤)، وقد مضى آخر سورة الفيل.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢٢٨٩)، والحاكم (٤/ ٧٢) - على شرط البخاري، وأخرجه أحمد (٤/ ٨١ - ٨٣). وانظر كتابي: السياسة الشرعية (١٥٧ - ١٦١) لتفصيل البحث.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٥٠١) - كتاب المناقب. ومسلم (١٨٢٠) - كتاب الإمارة.","vol":"8","page":563},{"text":"وليس المراد بذلك العدد، وإنما المقصود انتفاء حصول ذلك.\nالحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقًا ولكم عليهم حقًا مثل ذلك، ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>موضوع السورة</span>\nآلاء اللَّه على قريش\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-550> منهاج السورة</span>-\n١ - امتنان اللَّه على قريش في تذليله لهم رحلة الشتاء ورحلة الصيف.\n٢ - أمره تعالى لهم أن يفردوه بالعبادة والتعظيم، فهو رب البيت العلي العظيم.\n٣ - امتنان اللَّه على قريش بنعمة الإطعام من الجوع، ونعمة الأمن من الخوف.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى على قريش في تذليل رحلة الشتاء والصيف على مدار السنين، لتعود عليهم بالخيرات بفضل اللَّه العظيم، إضافة إلى نعمة الأمن التي وفّرها لهم ربهم الكريم.\nفقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ فيه أكثر من تأويل:\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر تخريج أحاديث فضائل الشام ص (٦٣). وصحيح الجامع الصغير (٢٧٥٥).","vol":"8","page":564},{"text":"التأويل الأول: اللام لام التعجب. قال الكسائي: (أي اعجبوا لإيلاف قريش).\nالتأويل الثاني: اللام متعلقة بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾. والتقدير: فليعبدوا ربَّ هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتيار. قال ابن عباس: (﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ قال: نعمتي على قريش إيلافُهم رحلة الشتاء والصيف. قال: كانوا يَشْتون بمكة، ويَصيفون بالطائف).\nالتأويل الثالث: أهلك اللَّه أصحاب الفيل، فجعل ذلك لإيلاف قريش، أي ليألفوا الخروج ولا يُجْترأ عليهم. ذكره مجاهد (١).\nالتأويل الرابع: ألّفَ اللَّه قريشًا إيلافًا فليعبدوا ربَّ هذا البيت - قاله الخليل.\nالتأويل الخامس: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين - ذكره محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nالتأويل السادس: قيل بل المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة فى الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم اللَّه، فمن عرفهم احترَمهم بل من ضَوَى إليهم وسار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال اللَّه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولهذا قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ﴾، بدل من الأول ومفَسِّر له. ولهذا قال تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. ذكره ابن كثير.\nالتأويل السابع: قيل بل المقصود: سياسة الإيلاف، هَيَّأها اللَّه لرعاية مصالح قريش. فقد أعطى نسب قريش إلى كنانة -التي تسكن قرب مكة- عمقًا استراتيجيًا. ثم إن قريشًا قد حالفت الأحابيش الذين يعيشون قرب مكة فاستخدمتهم في حراسة القوافل المكية، ثم شملت الأحلاف خطوط التجارة المكية إلى الشام والعراق واليمن، فأوجد هاشم بن عبد مناف ما يسمى بالإيلاف، وهي جعالات تشرك زعماء تلك البلاد في تجارتها. حتى إنَّ هاشم بن عبد مناف تمكن من الحصول على حق التجارة داخل\n_________\n(١) وأما القول بان السورتين \"الفيل\" و\"قريش\" متصلتان، وأنهما سورة واحدة، فلا دليل عليه، بل هما سورتان منفصلتان كما دل على ذلك حديث أم هانِئ المتقدم.","vol":"8","page":565},{"text":"أراضي الروم والفرس بالاتفاق مع حكامهم. فسياسة الإيلاف والمعاهدات كانت أساس ازدهار اقتصاد مكة ورواج تجارتها في البر والبحر (١).\nواختار ابن جرير أن اللام في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ لامُ التعجب، والتقدير عنده: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك.\nقلت: بل كل ما سبق من التأويل يظهر بعض وجوه الإعجاز القرآني في هاتين الكلمتين وما يمكن أن تغطي من المعاني والمفاهيم، ومِنْ ثَمَّ فقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ يدخل في مفهومه جميع ما ذكر، واللَّه تعالى أعلم.\nوأصل كلمة \"إيلاف\" من ألِفَ يألَفُ إلفًا، وألفته إلافًا. أو من آلف يؤالف إيلافًا. فألفت وآلفت لغتان عند العرب. والمفهوم الإلف والتآلف أي التقارب والاجتماع.\nوأصل كلمة قريش من القرش وهو الجمع والكسب. وقيل نسبة إلى سمك القرش القوي الخطير الذي يهدد سفن البحر. قال النسفي: (وقريش ولد النضر بن كنانة، سموه بتصغير القرش، وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار، والتصغير للتعظيم، فسموه بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيهًا بها. وقيل من القرش وهو الجمع والكسب، لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد).\nقلت: والقرشية معتبرة في شروط الإمامة العظمى. لقوله -ﷺ-: [الأئمة من قريش]- كما مضى ذكره من حديث أنس. وله شاهد عند الحاكم والبيهقي من حديث علي عن النبي -ﷺ- قال: [الأئمة من قريش، أبرارها أمراء أبرارِها، وفُجَّارها أمراءُ فُجَّارها، وإنْ أمَّرت عليكم قريشٌ عبدًا حبشيًا مُجَدَّعًا فاسمعوا له وأطيعوا، ما لم يخيَّر أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه، فإن خُيِّرَ بين إسلامه وضرب عنقه فليقدِّم عُنقَه] (٢).\nومفهوم النسب إلى قريش: قيل - هو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. وقيل: هو فهر بن مالك.\nقال الشنقيطي: (فالفهري قرشي بلا نزاع، ومن كان من أولاد مالك بن النضر، أو\n_________\n(١) انظر تفصيل هذا البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين -القرآن والسنة الصحيحة - البحث ٣ - الحياة في مكة قُبيل ولادة النبي -ﷺ-. ص (٤٧ - ٦٢).\n(٢) حديث صحيح. انظر تخريج: \"إرواء الغليل\" -حديث- (٥١٣). وصحيح الجامع الصغير (٢٧٥٤). وانظر تفصيل البحث في كتابي: السياسة الشرعية (١٥٧).","vol":"8","page":566},{"text":"أولاد النضر بن كنانة ففيه خلاف، ومن كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع) (١).\nويؤيد هذا ما روى مسلم في صحيحه عن واثلة بن الأسقع، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ اللَّه تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. -إيلافهم- بدل من الأولى. فأطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيمًا لأمر الإيلاف وتذكيرًا بعظيم تلك النعمة التي حباهم اللَّه بها، إذ كانوا يرحلون في الصيف إلى الشام وفي الشتاء إلى اليمن يتَّجِرون آمنين. قال ابن زيد: (كانت لهم رحلتان: الصيف إلى الشام، والشتاء إلى اليمن في التجارة، إذا كان الشتاء امتنع الشام منهم لمكان البرد، وكانت رحلتهم في الشتاء إلى اليمن).\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. أي فليوحّدوا رب هذا البيت وليفردوه بالعبادة والتعظيم، كما جعل لهم حرمًا آمنًا وبيتًا محرّمًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]. وهو سبحانه إنما عرّفهم أنه ربّ هذا البيت، لأنه كانت لهم أوثان يعبدونها، فميّز تعالى نفسه عنها. وهم بالبيت قد تشرفوا على سائر العرب، ففي ذلك تنبيه لهم أن العراقة بالإيمان باللَّه رب هذا البيت الذي أسس على التوحيد لا بشرف المال والنسب.\nوقوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾.\nأي: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم ورزقهم بدعوة أبيهم إبراهيم وبسبب هاتين الرحلتين فخلّصهم من جوع شديد.\nوعن ابن عباس: (قوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ يعني: قريشًا أهل مكة، بدعوة إبراهيم -ﷺ- حيث قال: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (إبراهيم: ٣٧]).\nوقوله: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. أي: وآمنهم من القتل والسبي، وقد كانت العرب\n_________\n(١) انظر كتاب: \"أضواء البيان\" - الشنقيطي (١/ ٥٢). وكتابي: السياسة الشرعية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (١٥٧) لتفصيل البحث.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٢٧٦) - كتاب الفضائل. باب فضل نَسب النبي -ﷺ- وتسليم الحجر عليه.","vol":"8","page":567},{"text":"يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضًا، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقد آمنهم كذلك من خوف الحبشة مع الفيل، ومن أشياء كثيرة أخرى.\nوعن ابن عباس: (﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ حيث قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (إبراهيم: ٣٥]). وعن مجاهد: (﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ قال: آمنهم من كل عدو في حرمهم).\nوقال قتادة: (كان أهل مكة تجارًا، يتعاورون ذلك شتاء وصيفًا، آمنين في العرب، وكانت العرب يغير بعضها على بعض، لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه من الخوف، حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في حي من أحياء العرب، وإذا قيل حَرَمِيٌّ خُلِّيَ عنه وعن ماله، تعظيمًا لذلك فيما أعطاهم اللَّه من الأمن). وقال ابن زيد: (كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضُها بعضًا، فأمنوا من ذلك لمكان الحرم، وقرأ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]).\nوالخلاصة: لقد جَمَعَ اللَّه لقريش بين الأمن والرُّخص، فأطعمهم دون تعب، وآمنهم دون نصب، فليفردوه بالعبادة والتعظيم، ومتابعة هذا النبي الكريم، عليه وعلى الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nثم إن المعظم لدين اللَّه المستجيب لأمره يجمع اللَّه له بين أمن الدنيا والآخرة، أمّا أَمْنُ الدنيا فهي نعمة من أجل نعم اللَّه على العباد، ولاسيما حين تعصف في الأرض رايات الفتن وتهدد البلاد.\nقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].\nوفي جامع الترمذي بسند حسن عن عُبيدِ اللَّه بن مِحْصَن الخطمي، -وكانت له صحبة- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُم آمِنًا في سِرْبِهِ، مُعَافًى في جَسَدهِ، عِنْدَهُ قوتُ يومِه، فكأنما حِيزت له الدنيا] (١). وَحِيزت: أي جُمِعَت.\nوأما أَمْنُ الآخرة، فهو أكبَرُ وأعلى وأجَلّ من أمن الدنيا، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٤١٤١)، والترمذي - صحيح سنن الترمذي - (١٩١٣).","vol":"8","page":568},{"text":"يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠].\nأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" بسند حسن لغيره عن شداد بن أوس، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [قال اللَّه ﷿: وعزتي وجَلالي، لا أجْمَعُ لعبدي أمْنَيْن ولا خَوْفَين، إنْ هو أمِنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإنْ هو خافني في الدنيا أَمَّنْتُه يومَ أجمعُ عبادي] (١).\n\nتم تفسير سورة قريش بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأحد ٨ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٨/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - فضل اللَّه قريشًا بأن أنزل فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيهم غيرهم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.\n٢ - الأئمة من قريش، وإن للقرشي مِثْلي قوة الرجل من غير قريش.\n٣ - نعمتان يغفل عنهما وعن شكرهما كثير من الناس: نعمة الطعام ونعمة الأمن.\n* * *\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩٨)، وفي سنده عمر بن صبح متهم، لكن له طريق آخر أخرجه عبد اللَّه بن المبارك في \"الزهد\" برقم (١٥٧) عن الحسن، وهو مرسل صحيح. ووصله يحيى بن صاعد في \"زوائد الزهد\" (١٥٨). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧٤٢)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٤٢٠٨).","vol":"8","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>١٠٧ - سورة الماعون</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>موضوع السورة</span>\nتهديد المكذبين بالحساب في المعاد والوعيد على أهل الرياء ومنع المعونة على العباد.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-554> منهاج السورة</span>-\n١ - التهديد الشديد للمكذب بالجزاء والحساب يوم الدين، الظالم لليتيم والبخيل على المسكين.\n٢ - الوعيد الأكيد على المنافقين، المتهاونين في صلاتهم والمفرطين والمنشغلين.\n٣ - الرياء من صفات أهل النفاق، وكذلك منع المعونة والمنفعة عن المحتاجين وأهل الاستحقاق.","vol":"8","page":570},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٧. قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾.\nفي هذه الآيات: التهديد الشديد للمكذب بالجزاء والحساب يوم الدين، الظالم لليتيم والبخيل على المسكين، والوعيد الأكيد على المنافقين، الذين يتهاونون في صلاتهم وينشغلون عنها ويراؤون، ويمنعون المعونة وحصول المنفعة للمحتاجين.\nفقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾. أي: أأبصرت يا محمد المكذب بالحساب والجزاء في الآخرة. وعن ابن عباس: (﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ قال: الذي يكذب بحكم اللَّه ﷿).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. يَدُعّ: أي يدفع. من دَعَعْتُ فلانًا عن حقه إذا دفعته عنه. قال ابن عباس: (﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ قال: يدفع حق اليتيم). وقال مجاهد: (يدفع اليتيم فلا يطعمه). وقال قتادة: (يقهره ويظلمه). والمقصود: إنّ ذاك المكذب بالدين لو تأملت حاله لوجدته ذلك الذي يدفع اليتيم عن حقه ويقهره ويظلمه، ولا يحسن إليه ولا يطعمه. وقد كان عرب الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان.\nوفي التنزيل:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: [اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول اللَّه، وما هُنّ؟ قال: الشرك باللَّه، والسِّحر، وقَتْلُ النفس التي حَرَّم اللَّه","vol":"8","page":571},{"text":"إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذفُ المحصنات المؤمنات الغافلات] (١).\nوقوده تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. أي: لا يحضّ نفسه ولا يأمر أهله ولا غيرهم بإطعام المسكين، بخلًا منه بالمال، وتكذيبًا بالحساب والجزاء.\nوفي التنزيل: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨]. والمسكين هو الفقير الذي لا يجد ما يكفيه، ولا يقوم فيسأل ما يغنيه.\nيروي الطبراني وابن عساكر بسند حسن من حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: [ملعونٌ من سألَ بوجهِ اللَّه، وملعونٌ مَنْ يُسأل بوجْهِ اللَّه ثم مَنَعَ سائِلهُ ما لم يسألْهُ هُجْرًا] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.\nقال ابن جرير: (﴿سَاهُونَ﴾: لاهون يتغافلون عنها، وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى).\nومن أقوال أئمة التفسير في تفصيل ذلك:\n١ - قال ابن عباس: (هم المنافقون يتركون الصلاة في السرّ، ويصلون في العلانية).\n٢ - وقال مجاهد: (﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: الترك لها).\n٣ - وقال قتادة: (﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: غافلون. قال: ساهٍ عنها، لا يبالي صلى أم لم يصلّ). وقال مجاهد أيضًا: (يتهاونون).\n٤ - وعن عاصم، عن مصعب بن سعد: (السهو: الترك عن الوقت). وقال مصعب بن سعد: (قلت لسعد: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: أهو ما يحدث به أحدنا نفسه في صلاته؟ قال: لا، ولكن السهو أن يؤخرها عن وقتها).\nوقال عطاء بن دينار: (الحمد للَّه الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ولم يقل: في صلاتهم ساهون).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٦٦) - كتاب الوصايا. وأخرجه مسلم (٨٩) - كتاب الإيمان.\n(٢) حديث حسن. أخرجه ابن عساكر (٨/ ٣٩٧/ ٢)، والطبراني كما في \"المجمع\" (٣/ ١٠٣)، وإسناده حسن. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٢٩٠).","vol":"8","page":572},{"text":"قلت: فالوعيد يشمل أهل الصلاة الذين أهملوها بالكلية، أو تهاونوا في فِعلها في وقتها المقدّر لها فعُرفوا بتأخيرها، كما يشمل المتهاونين بأدائها بأركانها وشروطها الشرعية، وكذلك المنشغلين عن التدبر والخشوع فيها، وعن أدائها في الجماعة من غير عذر.\nومن صحيح السنة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [أثقلُ الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاةِ فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، ومعهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار] (١).\nالحديث الثاني: أخرج مسلم ومالك وأحمد وابن حبان والبيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقب الشمس حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلًا] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني وأبو يعلى بإسناد حسن عن أبي عبد اللَّه الأشعري: [أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- رأى رجلًا لا يتِمُّ ركوعَه، وينقرُ في سجوده، وهو يصلي، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لو مات هذا على حاله هذه مات على غيرِ مِلّة محمد -ﷺ-. ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: مثل الذي لا يتم ركوعه، ويَنْقرُ في سجوده مثلُ الجائع، يأكُلُ التمرةَ والتمرتين، لا يغنيان عنه شيئًا] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج الأصبهاني في \"الترغيب\" بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنَّ الرجل لَيُصَلِّي ستّين سنةً، وما تُقْبَلُ له صلاةٌ، ولعلّه يُتِمُّ الركوع ولا يُتِمُّ\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١) ح (٢٥٢)، وأحمد (٢/ ٤٢٤).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مالك (١/ ٢٢١) ومن طريقه أخرجه أبو داود (٤١٣)، وأحمد (٣/ ١٤٩)، وابن حبان (٢٦١). وأخرجه مسلم (٦٢٢)، والترمذي (١٦٠)، والنسائي (١/ ٢٥٤)، والبيهقي (١/ ٤٤٣) من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء به.\n(٣) رواه الطبراني في \"الكبير\"، وأبو يعلى وابن خزيمة بسند حسن. انظر صحيح الترغيب (١/ ٥٢٩).","vol":"8","page":573},{"text":"السجود، ويُتِمُّ السجودَ ولا يُتِمُّ الركوعَ] (١).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾. قال الضحاك: (يعني المنافقين). وقال ابن عباس: (هم المنافقون، كانوا يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا). وقال ابن زيد: (يصلون، وليس الصلاة من شأنهم، رياءً). والمقصود: إنما هم يراؤون الناس بصلاتهم إذا صلوا، وكذلك في جمع أعمالهم التي ظاهرها البِرّ، ليثنوا عليهم. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].\nوفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال اللَّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركه] (٢).\nوفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعًا: [ألا أخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيُزين صلاته، لما يرى من نظر الرجل] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. الماعون: اسم لما يتعاوره الناس بينهم، من الدلو والفأس والقِدْر، وما لا يمنع، كالماء والملح. وقيل الماعون هو الزكاة: أي يمنعون زكاة أموالهم.\nقال ابن كثير: (أي: لا أحسنُوا عبادةَ ربهم، ولا أحسنُوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما يُنْتَفَعُ به ويُستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى).\nوأصل الماعون في لغة العرب من المَعْن وهو القليل -حكاه الطبري-. أو من المعونة، والألف عوض من الهاء -حكاه الجوهري-. قال قطرب: (أصل الماعون من القلة، والمَعْنُ: الشيء القليل، تقول العرب: ماله سَعْنَة (٤) ولا معنة، أي شيء\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الأصبهاني في \"الترغيب\" (ق ٢٣٦/ ٢)، وإسناده حسن، رجاله ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٥٣٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٨٥) -كتاب الزهد والرقائق-، وقد مضى.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٠) وسنده حسن. وانظر تفصيل البحث في كتابي: \"أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان\" (١/ ٤٩٥ - ٤٩٩).\n(٤) السّعنة: الكثير.","vol":"8","page":574},{"text":"قليل). فيكون الماعون هو المستغل من منافع الأموال، ومن ثمَّ فتكون الزكاة والصدقة ونحوهما من المعروف -على هذا المعنى- ماعونًا.\nوقال ابن العربي: (الماعون: مفعول من أعان يعين، والعَوْن: هو الإمداد بالقوة والآلات والأسباب الميسرة للأمر).\nوقال الرازي: (والماعون: اسم جامع لمنافع البيت كالقدر والفأس ونحوهما. والماعون أيضًا الماء. والماعون أيضًا الطاعة. وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال أبو عبيدة: الماعون في الجاهلية كُلُّ مَنْفَعَةٍ وعَطِيَّة، وفي الإسلام الطاعة والزكاة).\nومن أقوال أئمة التفسير في ذلك:\n١ - قال مجاهد: قال علي: (الماعونُ الزكاة). وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير. وقال الحسن البصري: (إن صلى راءى، وإن فاتته لم يَأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله. وفي لفظ: صدقة ماله). وقال زيد بن أسلم: (هم المنافقون، ظهرت الصلاة فصلوها، وخفيت الزكاة فمنعوها).\n٢ - وقال المسعودي، عن سلمةَ بن كُهَيل، عن أبي العُبَيدين: أنه سأل ابن مسعود عن الماعون فقال: (هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفاس والقدر والدّلو، وأشباه ذلك).\nوفي لفظ: (ما يتعاور الناس بينهم: الفأس والدلو وشبهُه). وعن ابن عباس: (أنه العارية).\n٣ - وعن محمد بن كعب: (﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قال: المعروف). وقال البخاري: (و﴿الْمَاعُونَ﴾: المعروف كله).\n٤ - وقال الزهري: (﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: قال: بلسان قريش المالُ).\n٥ - وقال الفراء: (سمعت بعض العرب يقول: الماعون: الماء).\nقلت: والجامع لهذه الأقوال المتقاربة أن الماعون يشمل أنواع المعاونة بالمال والمنافع، والآية ذمٌّ في حق مانع العارية والمنفعة، والصدقة والزكاة من باب أولى.","vol":"8","page":575},{"text":"أخرج أبو داود بسند حسن عن عبد اللَّه قال: [كنا نَعُدُّ الماعون على عهد رسول اللَّه -ﷺ- عارية، الدَّلو، والقدر] (١).\nقال عكرمة: (رأسُ الماعون زكاةُ المال، وأدناه المُنْخُلُ والدَّلْوُ والإبرةُ) - رواه ابن أبي حاتم (٢). وهو قول حسن جامع منسجم مع الحديث قبله، ومع الأقوال المتكاملة التي سبقت ذلك، واللَّه تعالى أعلم.\n\nتم تفسير سورة الماعون بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر يوم عرفة يوم الاثنين ٩ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٩/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - ملعونٌ من سأل بوجه اللَّه، وملعونٌ مَنْ يُسأل بوجه اللَّه ثم مَنَعَ سائله ما لم يسألْهُ هُجْرًا.\n٢ - أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا.\n٣ - قال اللَّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه.\n٤ - الماعون: هو المعونة والمعاونة بالمال وبذل المنفعة.\n* * *\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٦٥٧)، والنسائي في \"التفسير\" (٧٢١)، والبزار (٢٢٩٢) وإسناده حسن. وانظر صحيح سنن أبي داود (١٤٥٩) - كتاب الزكاة. باب في حقوق المال.\n(٢) وقال البخاري: (وقال عِكرمة: أعلاها الزكاة المفروضة، وأدْناها عاريةُ المتاع). ذكره في كتاب التفسير من صحيحه، سورة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ [الماعون: ١].","vol":"8","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>١٠٨ - سورة الكوثر</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [بَيْنا رسول اللَّه -ﷺ- ذاتَ يومٍ بينَ أَظْهُرنا، إذْ أغْفَى إغْفَاءَةً (١)، ثم رَفَعَ رأسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلنا: ما أَضْحكَكَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: \"أُنْزِلَتْ عليَّ آنِفًا سورةٌ\"، فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثم قال: \"أتدرون ما الكَوْثَرُ؟ \" فقلنا: اللَّهُ ورسوُلهُ أَعْلَمُ، قال: \"فإنه نَهْرٌ وَعَدَنيه ربي ﷿، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثيرٌ، وهُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنِيَتُهُ عددُ النُّجوم، فَيُخْتَلجُ العبدُ مِنْهم، فأقولُ: رَبِّ، إنَّهُ مِنْ أُمَّتي، فيقول: ما تَدْرِي ما أحْدَثوا بَعدَك\"] (٢). قلت: وفي الحديث دلالة أن السورة مدنية، وأن البسملة تقرأ قبل كل سورة، واللَّه تعالى أعلم.\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند ثلاثي صحيح قال: حدثنا محمد بن فُضَيل، عن المختار بن فُلفُل، عن أنس بن مالك قال: [أغفى رسول اللَّه -ﷺ- إغفاءةً،\n_________\n(١) أغفى إغفاءة: أي نام نومة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٠٠) - كتاب الصلاة. باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة، سوى براءة. وأخرجه أبو داود (٧٨٤)، والنسائي (٢/ ١٣٣ - ١٣٤).","vol":"8","page":577},{"text":"فرفع رأسه مُتَبَسِّمًا، إما قال لهم وإما قالوا له: لِمَ ضَحِكْتَ؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنه أنزِلت عَليَّ آنِفًا سورةٌ\". فقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حتى خَتَمها قال: \"هَلْ تدرون ما الكوثَرُ؟ \" قالوا: اللَّه ورسوله أعلَمُ. قال: \"هو نهر أعطانيه ربِّي -﷿- في الجنة، عليه خَيْرٌ كثير، تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيتُهُ عددُ الكواكب، يُخْتَلجُ العبدُ منهم فأقول: يا رب! إنه من أُمتي. فيُقال: إنك لا تَدْري ما أحدثوا بَعْدَك! \"] (١).\nالحديث الثالث: أخرج النسائي بسند صحيح عن زيد بن ثابت: [أنه قال لمروان: يا أبا عبد الملك، أتقرأ في المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾؟ قال: نعم! قال: فمحلوفة (٢)، لقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ فيها بأطول الطوليين ﴿المص﴾] (٣).\nورواه أبو داود بسند صحيح عن مروان بن الحكم قال: [قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ في المغرب بطُولَى الطُّولَيَيْن؟ قال: قلت: ما طُولى الطولَيَيْنِ؟ قال: الأعراف والأخرى الأنعام].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>موضوع السورة</span>\nتكريم اللَّه رسوله بالكوثر وتهديد المخالف له بالبتر\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-559> منهاج السورة</span>-\n١ - امتنان اللَّه تعالى على رسوله -ﷺ- بنهر في الجنة هو الكوثر.\n٢ - أمْرُه تعالى نبيه -ﷺ- إخلاص الصلاة له والنحر.\n٣ - القضاء من اللَّه تعالى أن مبغض هذا النبي هو الأبتر.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٠٢)، وانظر الحديث قبله.\n(٢) أي: أنني أحلف باللَّه. و(أطول الطوليين): سورتا الأنعام والأعراف.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٨١٢) - في الصلاة - باب قدر القراءة في المغرب. وأخرجه النسائي: صحيح سنن النسائي (٩٤٥). باب القراءة في المغرب بـ ﴿المص﴾.","vol":"8","page":578},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: تكريم اللَّه تعالى رسوله -ﷺ- في الجنة بنهر الكوثر، وأَمْرُهُ تعالى له إخلاص الصلاة له والنحر، وقضاء اللَّه الذي لا يُرَدُّ أنّ مبغض هذا النبي هو الأقطع الأبتر.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. الكوثر: فَوْعَل من الكثرة، مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر. قال ابن عباس: (هو الخير الكثير). فقيل له: إن ناسًا يقولون هو نهر في الجنة! فقال: (هو من الخير الكثير).\nوقال سفيان: (قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آبَ ابنك؟ قالت: بكوثر، أي بمال كثير). وقيل الكوثر من الرجال: السيد الكثير الكثير الخير. والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأشياع. وقد تكوثر: إذا كثر. قال القرطبي: (والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرًا). وقال النسفي: (الكوثر: فوعل من الكثرة، وهو المفرط الكثرة).\nقلت: والمقصود بالكوثر في الآية ذلك النهر في الجنة الذي جعله اللَّه كرامة لرسول اللَّه -ﷺ- ولأمته، والذي يحمل من ألوان الخير الكثير الكثير، فحافتاه من الذهب، ومجراه على الدّر والياقوت، وتربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج، وأوانيه من فضة. وقد جاءت نصوص السنة الصحيحة بذلك في أحاديث:\nالحديث الأول: أخرِج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن ثابت، عن أنس: [أنّه قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أُعطِيتُ الكوثَرَ فإذا هو نهر يجري، ولم يُشَق شَقًّا، وإذا حافَتاه قِبابُ اللؤلؤ، فضربت بِيَدي في","vol":"8","page":579},{"text":"تربته، فإذا مِسْكَةٌ ذَفِرَةٌ، وإذا حَصَاهُ اللؤلؤ\"] (١). قال أنس: (أظنكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض، واللَّه إنها لسائحة على وجه الأرض إحدى حافتيها اللؤلؤ والأخرى الياقوت، وطينها المسك الأذفر الذي لا خلط له) - ذكره ابن أبي الدنيا.\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [لَمّا عُرجَ بالنبي -ﷺ- إلى السماء قال: \"أتيتُ على نهر حافَتاه قِبابُ اللؤلؤ المجوَّفة، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ ! قال: هذا الكوثر] (٢).\nوله شاهد عند الإمام أحمد عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [دخلت الجنة فإذا أنا بنهر، حافَّتاه اللؤلؤ، فَضَربتُ بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسكٌ أذفَرُ، قلت ما هذا يا جبريل؟ ! قال: هذا الكوثر أعطاكَهُ اللَّه ﷿]- وإسناده على شرط البخاري ومسلم.\nالحديث الثالث: أخرج أبو داود وأحمد وابن حبان بسند صحيح في الشواهد من حديث أبي برزة مرفوعًا -في صفة الحوض يوم القيامة-: [أنه يَشْخَبُ فيه ميزابان من السماء من نهر الكوثر، وأن عليه آنية عدد نجوم السماء] (٣).\nالحديث الرابع: أخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أنس بن مالك، قال: [لما عُرِجَ بنبي اللَّه -ﷺ- في الجنة، أو كما قال: عرض له نهر حافتاه الياقوتُ المُجَيَّبُ، أو قال المُجَّوفُ، فضربَ الملك الذي معه يده، فاستخرج مسكًا، فقال محمد -ﷺ- للملك الذي معه: \"ما هذا\"؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك اللَّه ﷿] (٤). زاد الترمذي: (ثم رُفِعتْ لي سِدرةُ المنتهى، فرأيت عندها نورًا عظيمًا).\nالحديث الخامس: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [الكَوْثَرُ نَهْرٌ في الجنة، حافَّتاه مِنْ ذهَبٍ ومَجْراهُ على الدُّر والياقوت، تُرْبَتُهُ أطيبُ مِنَ المِسْكِ، وماؤه أحلى من العسل وأبيضُ من الثَّلج] (٥).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٥٢)، وإسناده على شرط مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٦٤). والشاهد رواه أحمد (٣/ ١٠٣) وسنده صحيح.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٧٤٩)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٢٤)، ورواه ابن حبان (٦٤٥٨)، وعبد الرزاق (٢٠٨٥٢)، وهو صحيح، وله شواهد.\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٧٤٨)، والترمذي في \"التفسير\". انظر: صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٦٧٦). وروى البخاري نحوه.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (٤٣٣٤)، والترمذي: انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٧٧).","vol":"8","page":580},{"text":"الحديث السادس: أخرج البخاري في الصحيح، والنسائي في التفسير، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عائشة قال: سألتُها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: [نَهْرٌ أُعْطِيَهُ نبيُّكم -ﷺ-، شاطِئَاه عليه دُرٌّ مَجَوَّفٌ، آنيتُه كعدَدِ النجوم] (١).\nالحديث السابع: أخرج أحمد والطبري بسند جيد عن أنس: [أنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه! ما الكوثر؟ قال: نهرٌ في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشَدُّ بياضًا من اللَّبن، وأحْلى من العَسَل، فيه طيورٌ أعناقُها كأعناق الجُزُرِ. قال عمر: يا رسول اللَّه! إنها لناعِمةٌ؟ قال: آكِلُها أَنْعَمُ منها يا عُمر] (٢).\nوروى نحوه ابن جرير وفي آخره: [\"تردُه طير أعناقها مثلُ أعناق الجُزُر\". فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه! إنها لناعمة؟ قال: آكِلُها أنعمُ منها].\nوقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. أي: فأخلص لربك الصلاة والذبح على ما أولاك من الكرامة، فصل له الصلاة المكتوبة والنافلة، وانحر على اسمه النسك خالصًا له.\nقال ابن عباس: (﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال: الصلاة المكتوبة، والنّحر: النُّسُك والذبح يوم الأضحى). وقال عكرمة: (الصلاة ونحر النُّسك). وقال الربيع: (إذا صليت يوم الأضحى فانحر). وقال ابن زيد: (نحر البدن).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. أي: إن مبغضك يا محمد وما جئت به من الوحي العظيم والشرع القويم هو الأذل الأقل المنقطع عن كل خير.\nأخرج البزار بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خيرٌ منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية! فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾] (٣). ورواه ابن جرير وزاد فيه: (وأنزلت عليه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٦٥)، والنسائي في \"التفسير\" (٧٢٥).\n(٢) حديث إسناده جيد. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٢١)، والطبري في \"التفسير\" (٣٨١٧٧). ورواه ابن جرير كذلك (٣٨١٧٤) باللفظ الآخر، وإسناده قوي.\n(٣) إسناده صحيح. أخرجه البزار من حديث عكرمة عن ابن عباس. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" -الوادعي- سورة الكوثر، آية (٣). ورواه ابن جرير في \"التفسير\" (٣٨٢٢٢) بنحوه.","vol":"8","page":581},{"text":"الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]).\nوالصنبور: الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولا عقب ولا ناصر (١). وقد كان أهل الجاهلية يرون في موت أولاد النبي -ﷺ- انقطاعًا لأثره وذكره، فأخزاهم اللَّه تعالى بهذه الآية، بأن محمدًا -ﷺ- سيبقى أثره وذكره العطر في الأرض، وأن مبغضه هو المنقطع الذكر المقطوع من خير الدنيا والآخرة.\n\nتم تفسير سورة الكوثر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم عيد الأضحى ١٠ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٠/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - الكوثر نهر في الجنة أعطاه اللَّه رسوله -ﷺ-، آنيتُه عددُ الكواكب.\n٢ - نهر الكوثر حافتاه من الذهب، ومجراه على الدّر والياقوت، وتربته أطيب من المسك.\n٣ - الكوثر ماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج، وأوانيه من فضة.\n٤ - ترد على نهر الكوثر طير أعناقها مثل أعناق الجُزُر.\n٥ - الصلاة أو الذبح لا تكون إلا للَّه، ولا تكون إلا بنص شرعي صحيح.\n٦ - مبغض هذا النبي الكريم، أو ما جاء به من الوحي العظيم، هو الأذل الأقطع المنقطع المحروم.\n* * *\n_________\n(١) وأصل الصنبور في كلام العرب سفعة تنبت في جذع النخلة لا في الأرض، أو النخلة تبقى منفردة. (انظر لسان العرب).","vol":"8","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>١٠٩ - سورة الكافرون</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة الصحيحة العطرة:\nالحديث الأول: يروي الترمذي بإسناد حسن عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: [مَنْ قرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عُدِلَتْ له بِرُبْع القرآن، ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عُدِلَت له بِثُلُثِ القرآن] (١).\nالحديث الثاني: يروي الطبراني بإسناد حسن عن عبد اللَّه بن عمر أن النبي -ﷺ- قال: [﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلثَ القرآن، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدِلُ ربعَ القرآن] (٢).\nورواه الحاكم بلفظ: [قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن]. وسنده حسن.\nالحديث الثالث: أخرج الطبراني في \"المعجم الصغير\" بسند صحيح عن علي قال: [لدغت النبي -ﷺ- عقرب وهو يصلي، فلما فرغ قال: لعن اللَّه العقرب لا تدع مصليًا\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٨٩٣) - أبواب فضائل القرآن. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٣١٧). وصحيح الجامع الصغير (٦٣٤٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٢٠٣/ ٢)، والحاكم (١/ ٥٦٦)، وله شاهد في مسند أحمد (٣/ ١٤٦ - ١٤٧). وانظر السلسلة الصحيحة (٥٨٦).","vol":"8","page":583},{"text":"ولا غيره، ثم دعا بماء وملح، وجعلِ يمسح عليها ويقرأ: بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] (١).\nالحديث الرابع: روى مسلم عن جابر: [أن رسول اللَّه -ﷺ- قرأ بهذه السورة، وبقل هو اللَّه أحد في ركعتي الطواف] (٢).\nالحديث الخامس: روى مسلم عن أبي هريرة: [أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قرأ بهما في ركعتي الفجر] (٣).\nالحديث السادس: روى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر: [أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب، بضعًا وعشرين مرة، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] (٤).\nوفي رواية، قال: [رمقت النبي -ﷺ- أربعًا وعشرين أو خمسًا وعشرين مرة، يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب، بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾].\nوفي رواية: [رمقت النبي -ﷺ- شهرًا، وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] (٥).\nالحديث السابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن فروة بن نوفل، عن أبيه، أن النبي -ﷺ- قال لنوفل: [\"اقرأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم نمْ على خاتمتها، فإنها براءةٌ من الشرك] (٦).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (ص ١١٧)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢٢٣). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٤٨).\n(٢) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٧٠٧)، باب حجة النبي -ﷺ-، في أثناء حديث طويل.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧٢٦) ح (٩٨). وانظر مختصر صحيح مسلم (٣٦٠).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٤)، وكذلك (٢/ ٩٥) للرواية الثانية، وإسناده على شرط البخاري ومسلم.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٤١٧)، وابن ماجة (١٤٤٩)، وأحمد (٢/ ٩٤)، والنسائي (١٠٦٤) من حديث مجاهد عن ابن عمر، وإسناده على شرط الشيخين.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٥٠٥٥) - أبواب النوم - وأخرجه الترمذي بنحوه. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٧٠٩)، وصحيح سنن أبي داود (٤٢٢٧).","vol":"8","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>موضوع السورة</span>\nالولاء للمؤمنين، والبراء من الكافرين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-564> منهاج السورة</span>-\n١ - أمر اللَّه تعالى رسوله الكريم، البراءة من دين المشركين، ومن أوثانهم وأصنامهم وما يعبدون.\n٢ - التأكيد للكافرين أنهم في ضلال في منهاج عبادتهم، وأنه -ﷺ- في منهاج مختلف في العبادة بريء من شركهم وأوثانهم.\n٣ - إعلان النبي -ﷺ- لقومه صراحة بأنّه ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: نَعْتُ اللَّه تعالى منهاج الولاء والبراء، الذي هو سبيل المؤمنين تجاه الكفرة الأعداء.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، لا أعبد الأوثان والأنداد والأصنام التي تعبدون. والخطاب وإن كان موجهًا إلى كفار قريش، إلا أنه ينسحب ليشمل كل كافر إلى يوم القيامة.\nفعن ابن عباس: (إن قريشًا وعدوا رسول اللَّه -ﷺ- أن يعطوه مالًا، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عَقِبه، فقالوا له: هل لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك","vol":"8","page":585},{"text":"خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح، قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزّى، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل اللَّه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ذكره ابن جرير في التفسير.\nوقال محمد بن إسحاق: (حدثني سعيد بن مينا مولى البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميه بن خلف، رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنَعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرك، وأخذت منه بحظك، فأنزل اللَّه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. أي: ولا أنتم عابدون اللَّه وحده لا شريك له وهو ما أعبد، ولا أنا أعبد عبادتكم ولا أسلك طريقتكم، وإنما أعبد اللَّه على الوجه الذي يحب، ثم أنتم لا تقتدون بأوامر اللَّه وشرعه، بل قد اخترعتم عبادة من تلقاء أنفسكم فيها من الظن والهوى والابتداع الكثير، فلكم دينكم ولي دين. قال البختري: (يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإسلام).\nورأى بعض أهل العربية أن تكرار ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعده على وجه التوكيد.\nوقال الحافظ ابن كثير: (وقد استدل الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ على أن الكفر كله ملة واحدة).\n\nتم تفسير سورة \"الكافرون\" بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ثاني أيام التشريق - ١٢ ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٢/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م.","vol":"8","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-565>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل رُبُعَ القرآن.\n٢ - كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ بهذه السورة وبقل هو اللَّه أحد في ركعتي الفجر والطواف وفي الركعتين بعد المغرب.\n٣ - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ براءة من الشرك، وهي منهاج كامل للمسلم في الولاء والبراء.\n٤ - استدل الشافعي ﵀ من قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أن الكفر كله ملة واحدة.\n* * *","vol":"8","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>١١٠ - سورة النصر</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٣). وتسمى كذلك \"سورة التوديع\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبةَ قال: [قال لي ابن عباس ﵄: تعلم -وفي رواية: تَدْري- آخِرَ سورة نزَلَت من القرآنِ، نزَلَتْ جميعًا؟ قلتُ: نَعَمْ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال: صَدَقت] (١).\nالحديث الثاني: أخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\"، وأحمد في \"مسنده\"، بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن أبي هريرة قال: [لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال: أتاكم أهلُ اليمن، هُمْ أرق قلوبًا، الإيمانُ يمانٍ، الفقهُ يمانٍ، الحكمة يمانية] (٢).\nالحديث الثالث: أخرج النسائي والطبراني بسند حسن لغيره عن عكرمة عن ابن عباس قال: [لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. . . إلى آخر السورة، قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٣٠٢٤) ح (٢١) - كتاب التفسير، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" -حديث رقم- (٧٣٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٤٠٤)، ومن طريقه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٧٧)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٣٦٩).","vol":"8","page":588},{"text":"نُعِيت لرسول اللَّه -ﷺ- نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول اللَّه -ﷺ- بعد ذلك: \"جاء الفتح، وجاء نصر اللَّه، وجاء أهل اليمن\". فقال رجل: يا رسول اللَّه! وما أهل اليمن؟ قال: \"قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية، والفقه يمانٍ\"] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>موضوع السورة</span>\nالنصر المبين والتمكين، ودخول الناس في هذا الدين\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-569> منهاج السورة</span>-\n١ - التبشير بمجيء نصر اللَّه والفتح المبين، ودخول الناس أفواجًا في دين اللَّه العظيم.\n٢ - أمره تعالى نبيه -ﷺ- بالتسبيح والشكر والاستغفار له فهو المنعم المتفضل الكريم، الذي جاء بالفتح والنصر على الأعداء والطغاة المجرمين.\n٣ - تأكيد اللَّه تعالى قبوله توبة التائبين، والعفو والصفح عن المذنبين المستغفرين.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٣. قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.\nفي هذه الآيات: يخاطب الباري ﷿ نبيَّه -ﷺ- يقول: إذا حصل الفتح، وتحقق النصر، بعد طول عناء وصبر وجهاد، وأقبل الناس على الدين الحق يدخلون فيه جماعات كثيرة، وقبائل كبيرة، بعد أن كانوا يدخلون فيه أفرادًا وآحادًا، فقد ارتفع\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٥٢٥/ ١١٧١٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، و\"الأوسط\" (٣/ ١٥/ ٢٠١٧)، وله شاهد عند أحمد (١/ ٢١٧)، وانظر المرجع السابق: الصحيحة ج (٧) ص (١١٠٨) عقب الحديث السابق.","vol":"8","page":589},{"text":"الخوف وزال موجب القلق والحزن، ولم يبق إلا تسبيح اللَّه وشكره على ما أنعم عليه من الظهور والظفر والشوكة في الأرض وعزّ الدين فوق المناهج كلها، والاستغفار مما كان من خواطر النفس وقلقها وحزنها وضعفها، إنه سبحانه كان للمستغفرين توابًا. ثم الاستعداد عقب ذلك للرحيل عن الدنيا، فقد تمّ الأمر -يا محمد- وكمل الدين وحان وقت اللحاق بالرفيق الأعلى.\nفقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. أي: إذا جاءك يا محمد نصر اللَّه على من عاداك، وهم قريش والعرب، وفتح عليك مكة. والنصر هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء عليهم، والفتح هو فتح مساكن الأعداء ودخول منازلهم. وقيل: فتح قلوبهم -أيضًا- لقبول الحق.\nقال النسفي: (﴿إِذَا﴾ منصوب بِسَبِّح، وهو لما يستقبل، والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة. قال: ﴿جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ النصر الإغاثة والإظهار على العدو، والفتح فتح البلاد، والمعنى نصر رسول اللَّه -ﷺ- على العرب أو على قريش وفتح مكة، أو جنس نصر اللَّه المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم).\nيروي البزار والبيهقي عن ابن عمر قال: (نزلت هذه السورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ في أوسط أيام التشريق، فعرف رسول اللَّه -ﷺ- أنه الوداع) (١).\nوقال عمر بن الخطاب وابن عباس: (هو أجل رسول اللَّه نُعي إليه). ذكره الحافظ ابن كثير في \"البداية والنهاية\" ثم قال: (وقال ابن عمر نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع، فعرف رسول اللَّه أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم).\nقلت: ولا شك أن رسول اللَّه -ﷺ- قد فهم من نزول هذه السورة أنه الوداع، وأنه لا بد مفارق الدنيا قريبًا إلى الرفيق الأعلى.\nيروي البخاري عن ابن عباس قال: [كان عمرُ يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لمَ يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول اللَّه ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل\n_________\n(١) في سنده نظر، \"راجع -زاد المعاد- (٢/ ٢٨٩) \"، تحقيق الأرناؤوط، لكن له شواهد.","vol":"8","page":590},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول] (١).\nفكان رسول اللَّه -ﷺ- يكثر بعد ذلك من التسبيح والاستغفار.\nوأخرج البخاري كذلك في الباب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: [أنَّ عمر ﵁ سألهم عَنْ قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قالوا: فَتْحُ المدائنِ والقُصور. قال: ما تقول يا ابنَ عباس؟ قال: أَجَلٌ أو مَثَلٌ ضُرِبَ لمحمد -ﷺ-، نُعِيَتْ له نفسُهُ] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾. أي: جماعات كثيرة، فوجًا بعد فوج، بعد أن كانوا يدخلون فيه واحدًا واحدًا، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام.\nوفي صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة قال: [لمّا كان الفتح بادرَ كُلُّ قوم بإسلامهم إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وكانت الأحياء تَتَلَوَّمُ بإسلامها فتحَ مكة، يقولون: دعوه وقومَه، فإن ظهر عليهم فهو نبيّ. .] الحديث (٣).\nوفي رواية: [وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفَتْحَ فيقولون: اتركوه وقَوْمَه فإنَّهُ إنْ ظَهَر عليهم فهو نبيٌّ صادق، فلما كانت وقعة أَهْلِ الفتح بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بإسلامهم].\nوقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.\nفيه الجمع بين تسبيح اللَّه، المؤذن بالتعجب مما يسَّره اللَّه له مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له وعظيم منته عليه بالنصر والفتح لأم القرى ودخول الناس في الإسلام أفواجًا. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: اطلب منه المغفرة لذنبك تواضعًا للَّه، واستقصارًا لعملك ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: إنه تعالى من شأنه التوبة على المستغفرين له، فهو يتوب على التائبين ويرحمهم بقبول توبتهم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٢٩٤) - كتاب المغازي. وكذلك (٤٩٧٠) - كتاب التفسير.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٩٦٩) - كتاب التفسير، عند هذه الآية من سورة النصر من حديث ابن عباس.\n(٣) حديث صحيح. وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤٣٠٢) - كتاب المغازي، من حديث عمرو بن سلمة.","vol":"8","page":591},{"text":"وقال القرطبي: (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: حامدًا له على ما آتاك من الظفر والفتح).\nوقال القاسمي: (﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ أي: ورأيت الناس من صنوف العرب وقبائلها عند ذلك يدخلون في دين اللَّه، وهو دينك الذي جئتهم به لزوال ذلك الغطاء الذي كان يحول بينهم وبينه، وهو غطاء قوة الباطل فيقبلون عليه أفواجًا طوائف وجماعات لا آحادًا، كما كان في بدء الأمر أيام الشدة. إذا حصل ذلك كله وهو لا ريب حاصل ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: فنزه ربك عن أن يهمل الحق ويدعه للباطل يأكله. وعن أن يخلف وعده في تأييده. وليكن هذا التنزيه بواسطة حمده والثناء عليه بأنه القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين ليمتحن قلوب المؤمنين، فلن يضيع أجر العاملين ولا يصلح عمل المفسدين. والبصير بما في قلوب المخلصين والمنافقين، فلا يذهب عليه رياء المرائين ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: اسأله أن يغفر لك ولأصحابك ما كان من القلق والضجر والحزن، لتأخر زمن النصر والفتح. والاستغفار إنما يكون بالتوبة الخالصة. والتوبة من القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد اللَّه، وتغليب هذه الثقة على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد، وهو وإن كان مما يشق على نفوس البشر، ولكن اللَّه علم أن نفس نبيّه -ﷺ- قد تبلغ ذلك الكمال فلذلك أمره به، وكذلك تقاربه قلوب الكمل من أصحابه وأتباعه ﵇. واللَّه يتقبل منهم ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: إنه سبحانه لا يزال يوصف بأنه كثير القبول للتوبة، لأنه ربٌّ يربي النفوس بالمحن. فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدد همها بحسن الوعد. ولا يزال بها حتى تبلغ الكمال. وهي في كل منزلة تتوب عن التي قبلها. وهو سبحانه يقبل توبتها فهو التواب الرحيم).\nقلت: وهذا كلام بديع، وتفسير رائع، وتؤيده السنة الصحيحة في روائع من الأحاديث:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن مَسْروق، عن عائشة ﵂ قالت: [ما صَلّى النبي -ﷺ- صلاةَ بعد أنْ نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول فيها: \"سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفِر لي\"] (١).\nالحديث الثاني: وأخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه -كذلك- عند هذه الآية، عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول اللَّه -ﷺ- يُكْثِرُ أنْ يقولَ في ركوعه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٦٧) - كتاب التفسير. وانظر (٧٩٤) - كتاب الأذان.","vol":"8","page":592},{"text":"وسُجوده: \"سُبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغْفر لي\"، يتأوَّلُ القرآن] (١).\nالحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد اللَّه قال: [لما أنزل على رسول اللَّه -ﷺ- ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم (ثلاثًا)] (٢).\n\nتم تفسير سورة النصر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر ثاني أيام التشريق ١٢ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٢/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - سورة النصر هي آخر سورة نزلت من القرآن الكريم.\n٢ - سورة النصر فيها الإخبار بدنو أجل رسول اللَّه -ﷺ- وعلامة ذلك، ففيها نُعيت له نفسُه ﵊.\n٣ - كانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفتح، فلما وقع الفتح بادر كُلُّ قوم بإسلامهم.\n٤ - كان رسول اللَّه -ﷺ- يكثر بعد نزول هذه السورة أن يقول في صلاته: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٦٨) - كتاب التفسير. سورة النصر، آية (١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٤١٠) ورجاله ثقات. وانظر تفصيل هذا البحث في كتابي: \"السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة\" (بحث ٨٥ - التشريع النازل في حجة الوداع-) ص (١٧٣١ - ١٧٤٤).","vol":"8","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>١١١ - سورة المسد</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>أسباب النزول:</span>\nلقد ورد في أسباب نزول هذه السورة الأحاديث الآتية:\nالحديث الأول: أخرج البخاري في كتاب الجنائز من صحيحه -بابُ ذِكْرِ شِرَار الموتى- عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [قَال أبو لَهَبٍ -لَعَنَهُ اللُّهُ- للنبي -ﷺ-: تَبًّا لكَ سائِرَ اليومِ، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾] (١). وفي رواية: [قال أبو لهب: تَبًّا لكَ، ألهذا جَمَعْتَنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾].\nالحديث الثاني: أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عنِ سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: [لمّا نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (ورهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصينَ)، خرجَ رسول اللَّه -ﷺ- حتى صَعِدَ الصَّفا فهتف: \"يا صَبَاحاهُ\"، فقالوا: مَنْ هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: \"أرأيتُمْ إنْ أَخْبَرْتُكُم أنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ من سَفْحِ هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقي؟ \" قالوا: ما جَرَّبْنَا عليكَ كَذِبًا. قال: \"فإني نذيرٌ لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديدٍ\". قال أبو لهب: تَبًّا لك، ما جمعتنا\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣٩٤) - كتاب الجنائز، وأخرج الرواية الأخرى في كتاب التفسير من صحيحه -حديث رقم- (٤٩٧٣). سورة المسد، آية (٣).","vol":"8","page":594},{"text":"إلا لهذا؟ ثم قامَ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (وقد تبَّ)، هكذا قرأها الأعمش يومئذ] (١).\nالحديث الثالث: أخرج البخاري عن ابن عباس: [أنَّ النبي -ﷺ- خَرَج إلى البطحاء فَصَعِدَ إلى الجبل فنادى: \"يا صَبَاحاهْ\"، فاجتمعت إليه قُرَيْشٌ، فقال: \"أرأيتم إنْ حَدَّثتكم أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمَسِّيكُمْ، أَكُنْتُم تُصَدِّقوني؟ \" قالوا: نَعَمْ، قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\". فقال أبو لهب: ألِهذا جمعتنا؟ تبًّا لكَ، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخِرها] (٢).\nالحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعِدَ النبي -ﷺ- على الصفا فجعل ينادي: يا بني عدي! لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: \"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ \" قالوا: نعم، ما جَرَّبنا عليك إلا صِدْقًا. قال: \"إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\". فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾] (٣).\nوهذا الحديث هو آخر حديث مما صَحّ في أسباب النزول في القرآن بأسانيد صحيحة مما كنت جمعته أثناء رحلة تخصصي في الولايات المتحدة الأمريكية، كنواة لهذا التفسير الجامع على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة. وقد كتبته في مدينة سان فرانسيسكو بتاريخ ٢٠/ ١٠/ ١٩٨٩ أثناء رحلتي إلى ولاية كاليفورنيا في إجازة بعد أدائي امتحاناتي الجامعية.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري - (٤٩٧١) - كتاب التفسير. سورة المسد. ورواه مسلم.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٧٢) - كتاب التفسير - سورة المسد، آية (١ - ٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٧١)، ومسلم (٢٠٨)، وابن مندة نحوه في الإيمان (٩٤٩)، ورواه الطبري (٣٨٢٦٢)، والترمذي (٣٣٦٣)، وأخرجه النسائي في التفسير كما في عمدة القاري ج (١٦) ص (٩٣)، ج (١٩) ص (١٠٢).","vol":"8","page":595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>موضوع السورة</span>\nشقاء أبي لهب وزوجته في نار الجحيم\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-574> منهاج السورة</span>-\n١ - الدعوة بالهلاك والخيبة ليدي أبي لهب والخسران.\n٢ - تأكيد خسارة الطاغية أبي لهب، وعدم انتفاعه بماله وما كسب.\n٣ - تأكيد اشتراكه وزوجته حمالة الحطب، في عذاب جهنم وفي جيد امرأته حبل من مسد.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: قضاء اللَّه تعالى بالهلاك والخسران، على أبي لهب وزوجته بإيذائهما خير الأنام، محمد رسول اللَّه ﵊.\nفقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. أي: هلكت يداه وخسرت وخابت. ﴿وَتَبَّ﴾ أي: وهلك هو، أي: قد وقع ما دعا به عليه وتحقّق.\nوأصله -في كلام العرب- من التَّباب: وهو الخسران والهلاك. يقال: \"تبت يداه\" و\"تَبًّا له\" بالنصب على المصدر، بإضمار فعل، والتقدير: أَلْزَمَهُ اللَّه هَلاكًا وخُسْرانًا.\nوعن قتادة: (﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾: أي خسرت). وقال ابن زيد: (التَّبّ: الخسران).","vol":"8","page":596},{"text":"وأبو لهب هو أحد أعمام رسول اللَّه -ﷺ-، واسمه: عبد العُزّى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عُتبة، وإنما سُمِي \"أبا لهب\" لإشراقِ وَجْهه، وكان كثيرَ الأذِيَّةِ لرسول اللَّه -ﷺ- والبِغْضَةِ له، والازدراء به، والتنقّص له ولدينه.\nفقد أخرج إلإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، والترمذي بسند حسن عن ربيعة بن عَبّاد (١) ﵁ قال: [رأيت النبي -ﷺ- في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا اللَّه، تُفلحوا. (وفي رواية الترمذي: تفلحوا وتملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكًا في الجنة، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب). وفي رواية أحمد: (والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجلٌ وضِيءُ الوجه أحولُ ذو غَدِيرتَيْن، يقول: إنه صابِىٌ كاذبٌ يَتْبَعُه حيث ذَهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عَمُّه أبو لهب)] (٢).\nوروى أحمد والطبراني بسند حسن عن حسين بن عبد اللَّه بن عُبَيد اللَّه بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عَبَّاد الدِّيليَّ يقولُ: [إني لَمَعَ أبي رجلٌ شابٌ أَنظرُ إلى رسول اللَّه -ﷺ- يَتَّبع القبائل - ووراءه رَجُلٌ أحوَلُ وضيءٌ، ذو جُمَّةٍ - يَقِفُ رسول اللَّه -ﷺ- على القبيلة فيقول: \"يا بني فُلان! إني رسول اللَّه إليكم، أمركم أن تعبدوا اللَّه لا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تُصدِّقوني وتمنعُوني حتى أُنَفِّذَ عن اللَّه ما بعثني به\". وإذا فَرَغَ من مقالته قال الآخرُ من خَلْفِه: يا بني فُلان! هذا يريدُ منكم أن تَسلَخُوا اللاتَ والعُزَّى، وحُلفاءكم من الجنِّ من بني مالك بن أُقَيش، إلى ما جاء به من البِدْعَةِ والضَّلالة، فلا تَسْمعوا له ولا تَتَّبعوه. فقلت لأبي: مَنْ هذا؟ قَال: عَمُّهُ أبو لَهَب] (٣).\nوكان أبناء أبي لهب متزوجين ببنات محمد -ﷺ- فأمرهم بفراقهن، فطلق عتبة وعتيبة رُقَيَّة وأمَ كلثوم. ولربما تأثر أبو لهب بزوجته الشّرسة أم جميل بنت حرب، وهي أخت\n_________\n(١) هو من بني الديل، وكان جاهليًا فأسلم.\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٤١)، وكذلك (٣/ ٤٩١ - ٤٩٣)، ورواه الحاكم (١/ ١٦)، والترمذي بإسناد حسن، وانظر ما بعده.\n(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٤٣٨٩)، وأخرجه الحاكم (١/ ١٥)، وأحمد (٣/ ٤٩٢) من وجه آخر، وصححه على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي. وأورده ابن كثير في التفسير، وانظر ما قبله.","vol":"8","page":597},{"text":"أبي سفيان، كانت امرأة سليطة تؤزها على كراهية محمد ودينه علل شتى، ولذلك لم تأل جهدًا بالنيل منه ومن الإسلام، فبسطت فيه لسانها أيما بسط وتطاولت وتمادت.\nيروي أبو يعلى في مسنده، والحاكم في مستدركه، بسند حسن لغيره، عن أسماء قالت: [لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أقبلت أم جميل بنتُ حرب امرأةُ أبي لهب وهي تنشد: مُذَمَّمٌ أبَيْنا، ودينه قَلَيْنا، وأمره عَصَيْنا، ورسول اللَّه -ﷺ- جالس في المسجد ومعه أبو بكر ﵁، فسألت أبا بكر إن كان النبي قد هجاها فنفى ذلك] (١).\nفيبدو أنها سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن فأتت رسول اللَّه -ﷺ- وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر وفي يدها حجارة -كما يروي ابن هشام-: [فأعماها اللَّه عن رؤية رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: يا أبا بكر! أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، واللَّه لو وجدته لضربت بِهذا الفِهر (٢) فاه، أما واللَّه إني لشاعرة:\nمُذَمَّمًا عَصَيْنا. . . وأمْرَهُ أَبَيْنا. . . ودينَه قَلَيْنا\nثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، أما تراها رأتك؟ قال: \"ما رأتني، لقد أخذ اللَّه بصرها عني\"] (٣).\nوفي رواية عند البزار: (قالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية، ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق).\nوكان يفرح ﵊ حين يحرفون اسمه لضده ويشتمون (وهو قولُهم مذمَّمٌ بدل محمد)، لأن اسمه مدح كله، فلا يقع الشتم بذلك عليه.\nأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ألا تعجبون\n_________\n(١) حسن لغيره. أخرجه أبو يعلى (١/ ١٥٣ - ١٥٤)، والحاكم (٢/ ٣٦١)، وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية (١/ ٢١٠ - ٢١٢).\n(٢) الفِهْر -بكسر الفاء- الحجر ملء الكف.\n(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، ورواها الحميدي (١/ ٣٢٣) بهذا اللفظ عن أسماء بنت أبي بكر، وحسنه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٦١٠).","vol":"8","page":598},{"text":"كيف يصرف اللَّه عني شتم قريش ولعنَهم، يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد] (١).\nومع أن أبا لهب عم رسول اللَّه -ﷺ- وجاره، وكان بيته ملصقًا ببيته، لكنه شَقِيٌّ تَنَكَّرَ للرّحم والجوار من أجل شهوة الكبر والظهور والعلو في الأرض بغير الحق، شأن جيرانه الآخرين من المشركين الذين كانوا يؤذونه.\nوقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.قال ابن عباس: (﴿وَمَا كَسَبَ﴾ يعني: وَلَدَه). والمقصود: لم يدفع عنه ما جمع من المال، ولا ما كسب من الأرباح والجاه والولد، ما حَلّ به من التباب، وما نزل به من عذاب اللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾. أي: سوف يعذب في النار الملتهبة، تحرق جلده، وهي ذات اشتعال وتوقد، وهي نار جهنم.\nوقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. - فيه أكثر مِن تأويل:\nالتأويل الأول: كانت تجيء بالشوك فتطرحه في طريق رسول اللَّه -ﷺ-.\nفعن ابن عباس: (﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ قال: كانت تحمل الشوك، فتطرحه على طريق النبي -ﷺ- ليعقره وأصحابه). وعن عطية الجدلي قال: (كانت تضع العضاه على طريق رسول اللَّه -ﷺ-، فكأنما يطأ به كثيبًا).\nوقال ابن زيد: (كانت تأتي بأغصان الشوك، فتطرحها بالليل في طريق رسول اللَّه -ﷺ-). - واختاره ابن جرير.\nالتأويل الثاني: قيل لها حمالة الحطب لأنها كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنميمة، وتعيّر رسول اللَّه -ﷺ- بالفقر.\nفعن عكرمة: (قال: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: كانت تمشي بالنميمة). وقال قتادة: (كانت تنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض). وقال أيضًا: (كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنميمة. وقال بعضهم: كانت تعير رسول اللَّه -ﷺ- بالفقر وكانت تَحْطُب فَعُيِّرت بأنها كانت تحطب).\nالتأويل الثالث: قيل بل تحمل الحطب فتلقيه على زوجها في نار جهنم.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (فتح الباري: ٦/ ٥٥٤ - ٥٥٥).","vol":"8","page":599},{"text":"قال ابن كثير: (﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، وكانت زوجتُه من سادات نساء قريش، وهي أمُّ جَميل، واسمها أرْوَى بنتُ حَرْب بن أُمَيّة، وهي أخت أبي سفيان. وكانت عونًا لزوجها على كُفْرِه وجُحودِه وعِناده، فلهذا تكونُ يوم القيامة عَونًا عليه في عذابه في نار جَهنم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، يعني: تحملُ الحطب فتلقي على زَوْجها، ليزدادَ في ما هو فيه، وهي مُهَيَّأةٌ لذلك مستعدة له).\nقلت: والتأويل الأول أظهر وأنسب لعبارة الآية، وأما التأويل الثاني والثالث فيحتمله البيان والإعجاز، واللَّه تعالى أعلم.\nونصب عاصم ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ على الشتم، ويسوغ الوقف على ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ لأنها عطفت على الضمير في سيصلى، والتقدير: سيصلى هو وامرأته، أعني حمالة الحطب. ورفع غيره ﴿حَمَّالَةَ﴾ على أنها خبر، وامرأته مبتدأ.\nوقوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. الجِيد: العنق. قال ابن زيد: (﴿فِي جِيدِهَا﴾ قال: في رقبتها). والمسد: الليف. وقال الرازي: (المَسَدُ أيضًا حَبْلِ من لِيف أو خُوصٍ وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارِها. و\"مَسَدَ\" الحَبْلَ أجادَ فَتْلهُ). قال الضحاك: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قال: حبل من شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به). وقال ابن زيد: (﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: حبال من شجر تنبت في اليمن لها مسد، وكانت تفتل، وقال: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: حبل من نار في رقبتها). وقال قتادة: (قلادة من ودع). وقال عروة: (سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذراعًا).\nوقال سعيد بن المسيب: (كانت لها قِلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللاتِ والعزى لأنفقنها في عداوة محمد. ويكون ذلك عذابًا في جيدها يوم القيامة).\nقلت: والراجح من المعنى مما يناسب السياق: في عنقها حبل مما مسد من الحبال -والمسد الذي فتل من الحبال فتلًا شديدًا من ليف كان أو جلد أو غيرها- فهي تحمل حزم الشوك وتربطها بذلك الحبل في جيدها في النار جزاء من جنس العمل، واللَّه تعالى أعلم.\nوهذه السورة العظيمة تحدّى اللَّه تعالى فيها أبا لهب وزوجته، اللذين أصَرّا على معاداة النبي -ﷺ- وتكذيب الوحي والنبوة، فتحدّاهما تعالى بأنهما لن يؤمنا، لا ظاهرًا","vol":"8","page":600},{"text":"ولا باطنًا، لا سرًّا ولا علنًا، وأنهما سيخرجان من هذه الحياة الدنيا كافرين، ولم يجبرهما تعالى على الكفر والعمى عن طريق الصواب، وإنما اختارا طريق الجحد واللؤم ففارقا الحياة وقد استحقا العقاب، والخزي في قرآن يتلى على ألسنة الأجيال إلى يوم الحساب، ثم يكون تحقيق الوعيد يومئذ بِرَدِّهما إلى أَشدِّ أنواع الإهانة والعذاب، فكان في ذلك أقوى الأدلة على إثبات النبوة.\n\nتم تفسير سورة المسد بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر يوم السبت ١٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - علم اللَّه المسبق بِصِلِيِّ أبي لهب نار الجحيم، وخروجه من هذه الدنيا ليضاف إلى الكافرين.\n٢ - نزول هذه السورة في حياة أبي لهب اللعين، وتأكد علم اللَّه بعدم اختياره منهاج المؤمنين.\n٣ - التَّب من التَّباب، وهو الهلاك والخسران.\n٤ - الزوجة المعينة لزوجها على الكفر تشترك مع زوجها الكافر في عذاب الجحيم.\n* * *","vol":"8","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-576>١١٢ - سورة الإخلاص</span>\nوهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>فضائلها وما ورد في ذكرها:</span>\nلقد ورد ذكر هذه السورة العظيمة وفضلها في أحاديث من السنة الصحيحة العطرة:\nالحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂: [أنَّ النبي -ﷺ- بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي -ﷺ- فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك. فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي -ﷺ-: أخبروه أن اللَّه تعالى يحبه] (١).\nالحديث الثاني: يروي البخاري في كتاب الصلاة عن أنس ﵁ قال: [كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حتى يفرغ منها، ثم كان يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنَع ذلك في كل ركعة: فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فَقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي -ﷺ- أخبروه\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٣٧٥) - كتاب التوحيد. وأخرجه مسلم (٨١٣)، والنسائي (٢/ ١٧١)، وأخرجه ابن حبان (٧٩٣).","vol":"8","page":602},{"text":"الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ قال: إني أحبها، قال: حبك إياها أدخلك الجنة] (١).\nالحديث الثالث: يروي الإمام أحمد في المسند عن أنس ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: إني أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: حبك إياها أدخلك الجنة] (٢).\nالحديث الرابع: يروي البخاري عن أبي سعيد: [أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي -ﷺ- فذكر له ذلك، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي -ﷺ-: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن] (٣).\nالحديث الخامس: يروي البخاري عن أبي سعيد ﵁ قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ- لأصحابه: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ فقال: اللَّه الواحد الصمد ثلث القرآن] (٤).\nالحديث السادس: يروي الإمام أحمد عن أبي أيوب عن النبي -ﷺ- قال: [من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنما قرأ ثُلُثَ القُرآن] (٥).\nالحديث السابع: يروي الإمام أحمد بن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [قل هو اللَّه أحد تعدل ثلث القرآن] (٦).\nالحديث الثامن: يروي الإمام أحمد عن معاذ بن عبد اللَّه بن خُبَيب عن أبيه قال: [أصابنا عطش وظلمة، فانتظرنا رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بنا، فخرج فأخذ بيدي، فقال: قل، فسكت؟ قال: قل. قلت: ما أقول؟ قال: قل هو اللَّه أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا، تكفيك كل يوم مرتين]. وفي رواية: [تكفك كل شيء].\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٧٧٤)، كتاب الأذان. والترمذي (٢٩٠١)، والبيهقي (٢/ ٦١).\n(٢) حديث صحيح. انظر الحديث السابق، ومسند أحمد (٣/ ١٤١)، (٣/ ١٥٠). وصحيح ابن حبان (٧٩٢).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٧٣٧٤)، كتاب التوحيد. وأخرجه أبو داود في السنن (١٤٦١)، ورواه النسائي (٢/ ١٧١).\n(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٠١٥)، كتاب فضائل القرآن.\n(٥) حديث صحيح. أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٦٨٤)، وأحمد في المسند (٥/ ١٤١)، وانظر صحيح الجامع (٦٣٤٩)، وله شواهد كثيرة.\n(٦) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٢٢)، وابن ماجة (٣٧٨٩)، وله شواهد.","vol":"8","page":603},{"text":"وفي لفظ عند الترمذي وأبي داود والنسائي: [﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حيت تُمْسي، وحين تُصْبحُ، ثَلَاث مرات، تكفيك من كل شيء] (١).\nالحديث التاسع: يروي الإمام أحمد بسند حسن عن معاذ بن أنس الجهني صاحب رسول اللَّه -ﷺ- عن النبي -ﷺ- قال: [من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يختمها عشر مرات بنى اللَّه له قصرًا في الجنة]. وفي رواية: [من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات بنى اللَّه له بيتًا في الجنة] (٢). وفي رواية: [فقال عمر: إذن نستكثر قصورًا يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: اللَّه أكثر وأطيب].\nورواه الدارمي عن سعيد بن المسيب قال: إن نبي اللَّه -ﷺ- قال: [من قرأ قل هو اللَّه أحد عشر مرات بنى اللَّه له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى اللَّه له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى اللَّه له ثلاثة قصور في الجنة، فقال عمر بن الخطاب: إذن نكثر قصورنا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: اللَّه أوسع من ذلك].\nقال الحافظ ابن كثير: (وهذا مرسل جيد).\nالحديث العاشر: في أثر الدعاء بما اشتملت عليه هذه الألفاظ الكريمة من أسماء اللَّه وصفاته.\nيروي أهل السنن واللفظ للنسائي عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه: [أنه دخل مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى المسجد، فإذا رجل يصلي يدعو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. قال: والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم الذي سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب] (٣).\nالحديث الحادي عشر: في الرقية بها والاستشفاء بكلماتها.\nيروي البخاري عن عائشة: [أن النبي -ﷺ- كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو اللَّه أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من\n_________\n(١) حديث حسن: أخرجه أبو داود (٣٠٨٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٧٨٦٠)، والترمذي (٣٣٧٣).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٧). وانظر صحيح الجامع (٦٣٤٨)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٨٩)، وانظر سنن الدارمي (٢/ ٤٥٩) لما بعده، وسنده صحيح.\n(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٧٦٣)، وصحيح سنن ابن ماجة (٣٨٥٧).","vol":"8","page":604},{"text":"جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات] (١). ورواه أصحاب السنن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>موضوع السورة</span>\nتوحيد اللَّه ﷿\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-579> منهاج السورة</span>-\n١ - أمر اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- بإفراده بالتوحيد فهو اللَّه الواحد الأحد.\n٢ - وصف اللَّه تعالى نفسه بأنه الصمد، فهو الذي يُصمد إليه أمر جميع خلقه.\n٣ - وصف اللَّه تعالى نفسه بأنه لم يلد ولم يولد، ولم يكافئه من خلقه أحد.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.\nفي هذه الآيات: توحيدُ اللَّه تعالى في جوامع من الكلم العظيم، فهو اللَّه الواحد لا نظير له ولا شبيه السيد الحي القيوم، الذي إليه يصمد أمر جميع العباد وحاجاتهم، وأرزاقهم ومصابهم، والذي لم يلد ولم يولد، ولم يكافئه من خلقه أحد.\nقال ابن جرير ﵀: (ذكر أن المشركين سألوا رسول اللَّه -ﷺ- عن نسب رب العزة، فأنزل اللَّه هذه السورة جوابًا لهم. وقال بعضهم: بل نزلت من أجل اليهود سألوه، فقالوا له: هذا اللَّه خلق الخلق، فمن خلق اللَّه؟ فأنزلت جوابًا لهم).\nثم ذكر أثرًا عن أبي بن كعب قال: (قال المشركون للنبي -ﷺ-: انسب لنا ربك، فأنزل اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠١٧)، وأبو داود (٥٠٥٦)، والترمذي (٣٤٠٢)، وغيرهم.","vol":"8","page":605},{"text":"وكذلك عن عكرمة قال: (إن المشركين قالوا: يا رسول اللَّه أخبرنا عن ربك، صف لنا ربك ما هو، ومن أي شيء هو! فأنزل اللَّه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخر السورة).\nوعن قتادة قال: (جاء ناس من اليهود إلى النبي -ﷺ- فقالوا: انسب لنا ربك فنزلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى ختم السورة).\nوبنحوه من طريق ابن إسحاق عن محمد عن سعيد قال: (أتى رهط من اليهود إلى النبي -ﷺ- فقالوا: يا محمد هذا اللَّه خلق الخَلْقَ، فمن خلقه؟ فغضب النبي -ﷺ- حتى انتُقِعَ لونه، ثم ساوَرَهم غضبًا لربه، فجاءه جبريل ﵇ فَسَكَّنَهُ، وقال: اخفض عليك جناحك يا محمد! وجاءه من اللَّه جواب ما سألوه عنه. قال: يقول اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير: (وقال عكرمة: ولما قالت اليهود نحن نعبد عزير بن اللَّه، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن اللَّه، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقال المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل اللَّه على رسوله -ﷺ-: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾).\nقلت: والصحيح المسند من ذلك ما رواه الترمذي بسند حسن عن أبي بن كعب: [أن المشركين قالوا لرسول اللَّه -ﷺ- انسُب لنا ربك؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾] (١).\nوالمعنى أنه اللَّه الواحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا شبيه ولا عديل، فهو وحده الكامل في صفاته وأفعاله. وأما قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ففيه معان جليلة ذكرها المفسرون:\nالأول: السيد. قال ابن عباس: (هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو اللَّه سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء وليس كمثله شيء، سبحان اللَّه الواحد القهار).\nوعن الأعمش عن شقيق قال: (الصمد: هو السيد الذي قد انتهى سؤدده).\n_________\n(١) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٨٠) - كتاب التفسير - سورة الإخلاص.","vol":"8","page":606},{"text":"الثاني: الباقي. قال قتادة: (هو الباقي بعد خلقه). وفي رواية قال: (الصمد الدائم).\nالثالث: الحي القيوم. قال الحسن: (الصمد: الحي القيوم الذي لا زوال له).\nالرابع: الذي لا يأكل ولا يشرب. قال الشعبي: (الصمد: الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب).\nالخامس: ليس بأجوف. قال الضحاك: (الصمد: الذي لا جوف له). وقال مجاهد: (المصمت الذي لا جوف له).\nالسادس: لم يلد ولم يولد. قال أبو رجاء: سمعت عكرمة قال في قوله الصمد: (الذي لم يخرج منه شيء، ولم يلد ولم يولد).\nوقال أبو العالية: (الصمد: الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يلد إلا سيورث، ولا شيء يولد إلا سيموت، فأخبرهم تعالى ذكره أنه لا يورث ولا يموت).\nالسابع: نور يتلألأ. ذكره عبد اللَّه بن بريدة.\nقلت: وباستقراء هذه التفاسير المختلفة ظاهرًا المتحدة تأويلًا في معنى الصمد، يتبيّن أن هذا اللفظ في صفة الباري ﷿، هو لفظ جامع لكل صفات الجمال والكمال التي لا تليق إلا باللَّه ﷿، فإليه يصمد الأمر كله، فهو الكامل في صفاته وأسمائه، الذي يجيب حوائج عباده، ويعينهم ويدبر أمورهُم ويرزقهم ويكشف مصابهم، ويرحمهم ويجعل لمضطرهم من كربه فرجًا ومخرجًا، فهو الأحد الصمد تباركت أسماؤه وصفاته.\nوقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. قال أبو جعفر: (ليس بفان، لأنه لا شيء يلد إلا وهو فان بائد، وليس بِمُحْدث لم يكن فكان، لأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم يكن، وحدث بعد أن كان غير موجود، ولكنه تعالى قديم لم يزل، ودائم لم يبد، ولا يزول ولا يفنى).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ - فيه أكثر من تأويل:\nالأول: لا شبيه له ولا مثل. قال أبو العالية: (لم يكن له شَبيه ولا عدل وليس كمثله شيء).\nوقال قتادة فيما يرويه عن عمرو بن غيلان عن كعب: (إن اللَّه تعالى ذكره أسس","vol":"8","page":607},{"text":"السماوات السبع، والأرضين السبع، على هذه السورة ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وإن اللَّه لم يكافئه أحد من خلقه).\nوقال ابن عباس: (ليس كمثله شيء، فسبحان اللَّه الواحد القهار).\nالثاني: يعني لا صاحبة له.\nقال مجاهد: (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: يعني لا صاحبة له).\nوفي ﴿كُفُوًا﴾ قراءتان بتسكين الفاء وضمها، فقد قرأها قراء البصرة بالضم ﴿كُفُوًا﴾ وقرأها بعضُ قراء الكوفة بالتسكين ﴿كُفْوًا﴾ وهما قراءتان مشهورتان.\nوكلا المعنيين حق، كما قال سبحانه في سورة (مريم): ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.\nوكذلك روى البخاري في صحيحه في هذا المعنى من حديث ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: [قال اللَّه تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ فزعم أني لا أقدر أن أعيدَه كما كان، وأما شتمهُ إيايَ فقوله: لي ولَدٌ، فسبحاني أن أتخذ صاحبَةً أو ولدًا] (١).\n\nتم تفسير سورة الإخلاص بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم السبت ١٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٧٤) - كتاب التفسير. وكذلك (٣١٩٣) - كتاب بدء الخلق. وانظر الروايات المختلفة في صحيح الجامع الصغير (٤١٩٩)، (٤٢٠٣).","vol":"8","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - سورة الإخلاص فيها صفة الرحمان ﷿.\n٢ - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، ومن قرأها عشر مرات حتى يختمها بنى اللَّه له بيتًا في الجنة.\n٣ - سورة الإخلاص يُرقى بها ويستشفى بكلماتها. وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو اللَّه أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده.\n* * *","vol":"8","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>١١٣ - سورة الفلق</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>فضائل المعوذتين وما ورد في ذكرهما:</span>\nلقد جاء ذكر فضائل هاتين السورتين العظيمتين في أحاديث من السنة الصحيحة:\nالحديث الأول: يروي البخاري عن زرِّ بن حُبَيش ﵁ قال: سألت أُبَيَّ بن كعب عن المعوذتين فقال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- فقال: [قيل لي، فقلتُ]. فنحن نقول كما قال رسول اللَّه -ﷺ- (١).\nالحديث الثاني: يروي الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ألم ترَ آيات أُنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] (٢).\nالحديث الثالث: يروي الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: [بينا أنا أقود برسول اللَّه -ﷺ- في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: يا عقبة ألا تركب. قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول اللَّه -ﷺ- وركبت هنية ثم ركب ثم قال: يا عقب ألا أعلمك\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري - (٤٩٧٧) - كتاب التفسير من صحيحه، وكذلك (٤٩٧٦).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١/ ٥٥٨)، والترمذي (٣٣٦٧)، وأحمد (٤/ ١٥١).","vol":"8","page":610},{"text":"سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس. قلت: بلى يا رسول اللَّه، فأقرأني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول اللَّه -ﷺ- فقرأ بهما ثم مرَّ بي فقال: كيف رأيت يا عقب اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت] (١).\nوفي رواية قال: [أمرني رسول اللَّه -ﷺ- أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة].\nالحديث الرابع: يروي الإمام النسائي بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: [لن نقرأ شيئًا أبلغ عند اللَّه من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾].\nورواه أحمد بلفظ: [اقرأ بالمعوذتين فإنك لن تقرأ بمِثلهما].\nوفصّل في رواية أخرى، قال عقبة: [إن رسول اللَّه -ﷺ- أهديت له بغلة شَهباء فركبها فأخذ عقبة يقودها له، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: اقرأ قل أعوذ برب الفلق. فأعادها له حتى قرأها، فعرف أني لم أفرح بها جدًا فقال: لعلك تَهَاوَنتَ بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها] (٢).\nالحديث الخامس: يروي الإمام أحمد بإسناد صحيح عن فروة بن مجاهد اللخمي قال: [لقيت رسول اللَّه -ﷺ- فقال لي: يا عقبة بن عامر! صِل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك. قال: ثم أتيت رسول اللَّه -ﷺ-، فقال لي: يا عقبة بن عامر: أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك. قال: ثم لقيت رسول اللَّه -ﷺ- فقال لي: يا عقبة بن عامر! ألا أعلمك سورًا ما أنزلت في التوراة ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلهن، لا يأتين عليك ليلة إلا قرأتهن فيها؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] (٣).\nقال عقبة: فما أتت عليّ ليلة إلا قرأتهن فيها، وحق لي أن لا أدعهن، وقد أمرني بهن رسول اللَّه -ﷺ-.\nوكان فروة بن مجاهد إذا حدث بهذا الحديث يقول: (ألا فرب من لا يملك لسانه، أو لا يبكي على خطيئته، ولا يسعه بيته).\nالحديث السادس: يروي الإمام النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: [إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾].\n_________\n(١) حديث حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٤)، وأبو داود (١٤٦٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٧٨٤٣).\n(٢) حديث إسناده على شرط مسلم، أخرجه أحمد (٤/ ١٥١)، وانظر المرجع السابق (٧٨٤٢).\n(٣) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٤/ ١٤٨)، والطبراني (١٧/ ٢٧١)، وله شواهد تحسنه.","vol":"8","page":611},{"text":"وفي رواية، قال له: [يا ابن عباس ألا أدلك -أو ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون. قال: بلى يا رسول اللَّه. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ هاتين السورتين] (١).\nالحديث السابع: يروي الإمام النسائي عن عقبة بن عامر قال: [كنت أمشي مع رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا عقبة قل! قلت: ماذا أقول؟ فسكت عني، ثم قال: قل. قلت: ماذا أقول يا رسول اللَّه؟ قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: قل، فقلت: ماذا أقول يا رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فقرأتها ثم أتيت على آخرها ثم قال رسول اللَّه -ﷺ- عند ذلك: ما سأل سائل بمثلهما ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما].\nورواه الإمام أحمد من حديث أبي العلاء قال: قال رجل: [كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في سفر والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فحانت نزلة رسول اللَّه -ﷺ- ونزلتي، فلحقني فضرب منكبي، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. فقرأها رسول اللَّه -ﷺ- فقرأتها معه ثم قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فقرأها رسول اللَّه -ﷺ- فقرأتها معه فقال: إذا صليت فاقرأ بهما] (٢).\nوذكره الحافظ ابن كثير في التفسير وقال: (الظاهر أن هذا الرجل هو عقبة بن عامر واللَّه أعلم. وقال: فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث).\nالحديث الثامن: يروي الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: [كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده].\nورواه الإمام مالك بلفظ: [كان إذا اشتكى يقرأ على نَفْسِه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات وأمسح بيده عليه رجاء بركتها] (٣).\nالحديث التاسع: يروي ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري قال:\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي (٢/ ٣١٢)، وأحمد (٤/ ١٥٣)، وابن سعد (٢/ ٣١٢).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٧٩)، والنسائي (٧٨٥٩)، ورجاله ثقات، وله طرق كثيرة، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١١٠٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢)، وأبو داود (٣٩٠٢)، ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٤٢)، وأحمد في المسند (٦/ ١٠٤)، (٦/ ١٨١).","vol":"8","page":612},{"text":"[كان رسول اللَّه -ﷺ- يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك] (١).\nالحديث العاشر: يروي النسائي بسند صحيِح عن عبد اللَّه بن خبيب عن النبي -ﷺ- قال: [﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ما تعوذ الناس بأفضلَ منهما] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>موضوع السورة</span>\nالاستعاذة باللَّه رب الفلق من الشياطين والسحرة والحساد وشر ما خلق\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-584> منهاج السورة</span>-\n١ - أمر اللَّه رسوله بالاستعاذة به -تعالى- رب الفلق، من شر ما خلق.\n٢ - الأمر بالاستعاذة باللَّه تعالى من شر الغاسق إذا وقب.\n٣ - الأمر بالاستعاذة باللَّه تعالى من شر السحرة والسواحر الذين ينفثون ويعقدون في العقد.\n٤ - الأمر بالاستعاذة باللَّه تعالى من شر كل حاسد وما حسد.\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه ابن ماجة والترمذي من حديث أبي سعيد، ورواه النسائي، وقال الترمذي: \"حسن\". انظر حديث (٧٦١٣) -تفسير ابن كثير-، وكذلك آخر سورة القلم.\n(٢) صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن النسائي -حديث رقم- (٥٠١٨) - كتاب الاستعاذة.","vol":"8","page":613},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٥. قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾.\nفي هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى نبيّه -وهو أمر لأمته- بالاستعاذة به من شر ما خلق، ومن شر ما يكون من انتشار للفواحش والآثام إذا دخل الليل ووقب، ومن شر السواحر والسحرة الذين يعقدون العقد، ومن شر كل حاسد إذا أصاب بعينه أو حسد.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. أي: قل يا محمد أستجير وأستعيذ برب الفلق من شر ما خلق. وفي تفسير الفلق أكثر من قول:\nالأول: الفلق هو الصبح. قال ابن عباس: (الفلق: الصُّبح). وعن القرظي: (أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، قال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾).\nوقال قتادة: (الفلق: فلق النهار)، وفي رواية عنه: (فلق الصبح).\nوقيل لابن زيد: فلق الصبح؟ قال: نعم، وقرأ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾.\nالثاني: الفلق هو الخلق. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (الفلق: الخلق). وقال الضحاك: (أمر اللَّه نبيه أن يتعوذ من الخلق كله).\nالثالث: الفلق سجن في جهنم.\nفعن ابن إسحاق بن عبد اللَّه قال: (الفلق: سجن في جهنم). وقال سفيان: (سمعت السدي يقول: (الفلق جب في جهنم). وعن العوّام بن عبد الجبار الجولاني قال: (قدم رجل من أصحاب رسول اللَّه الشام، فنظر إلى دور أهل الذمة، وما هم فيه من العيش والنضارة، وما وسَّع عليهم في دنياهم، قال: فقال: لا أبا لك، أليس من ورائهم الفلق؟ قال: قيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم، إذا فتحَ هَرَّ أهل النار).","vol":"8","page":614},{"text":"وعن كعب: (أنه دخل كنيسة فأعجبه حسنها، فقال: أحسن عمل وأضل قوم، رضيت لكم الفلق، قيل وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حرّه). ذكره والأثر الذي قبله ابن جرير.\nالرابع: الفلق اسم من أسماء جهنم.\nفعن ابن وهب قال: سمعت خيثم بن عبد اللَّه يقول: (سألت أبا عبد الرحمن الحيلي عن الفلق، قال: (هي جهنم).\nورجح ابن جرير أن المراد فلق الصبح. قال: (والفلق في كلام العرب: فلق الصبح، تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح، ومن فَرَق الصبح).\nوقال الحافظ ابن كثير: (والصواب القول الأول إنه فلق الصبح وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري في صحيحه رحمه اللَّه تعالى).\nفيكون المعنى: قل يا محمد أستجير وأستعيذ برب الفلق من شر ما خلق من الخلق.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. أمر بالاستعاذة باللَّه من شر كل شيء خلقه في هذا الكون.\nقال الحسن البصري: (جهنم وإبليس وذريته مما خلق).\nفيكون المعنى: تعوذ باللَّه يا محمد من شر كل المخلوقات فإنه لا يصرف شرها عنك إلا اللَّه.\nثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. وفي تفسيرها أقوال متقاربة:\nالأول: الغاسق هو الليل إذا أظلم. قال ابن عباس: (﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قال: الليل). وقال الحسن: (أول الليل إذا أظلم). وقال القرطبي: (النهار إذا دخل في الليل). وقال مجاهد: (قوله: ﴿غَاسِقٍ﴾ قال: الليل، ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ قال: إذا دخل).\nقال قتادة والحسن: (إنه الليل إذا أقبل بظلامه).\nالثاني: الغاسق هو غروب الشمس.\nفعن محمد بن كعب قال: (هو غروب الشمس إذا جاء الليل، إذا وقب).","vol":"8","page":615},{"text":"وقال الزهري: (الشمس إذا غربت). وقال مجاهد: (غاسق الليل إذا وقب غروب الشمس).\nالثالث: الغاسق هو كوكب الثريا.\nقال ابن زيد: (كانت العرب تقول: الغاسق: سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها).\nوقال أبو المهزم عن أبي هريرة: (ومن شر غاسق إذا وقب: الكوكب).\nالرابع: قيل بل الغاسق هو القمر.\nفقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم بسند صحيح عن عائشة ﵂: [أن رسول اللَّه -ﷺ- أخذ بيدها فأشار بها إلى القمر فقال: يا عائشة! استعيذي باللَّه من شرِّ هذا، فإن هذا هو الغاسِقُ إذا وقبَ. يعني القمر] (١).\nوفي لفظ للترمذي: [استعيذي باللَّه من هذا (يعني القمر)، فإنه الغاسق إذا وقب].\nقال الألباني: (وفي الحديث دلالة على جواز الإشارة باليد إلى القمر خلافًا لما نقل عن بعض المشايخ من كراهة ذلك، والحديث يرد عليه).\nولفظ أحمد عنها قالت: [أخذ رسول اللَّه -ﷺ- بيدي فأراني القمر حين طلع وقال: تعوذي باللَّه من شر هذا الغاسق إذا وقب]. ولفظ النسائي: [تعوذي باللَّه من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب].\nقلت: ويمكن الجمع بين هذه التفاسير وجعل عمدتها حديث رسول اللَّه -ﷺ-، فإن القمر أكبر آية من آيات الليل، وتليه الكواكب والنجوم التي تظهر بعد غروب الشمس، فإذا دخل الليل وذهب النهار تعاقبت هذه الآيات بالظهور، فجاء الأمر من اللَّه بالاستعاذة من هذا الغاسق إذا دخل وأقبل وما يصاحب ذلك من حركة شياطين الإنس والجن بالمعاصي والفواحش.\nثم قال سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾. وفيه أقوال متكاملة:\nالأول: المراد الرقى من طريق السحر. قال ابن عباس: (﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢/ ٢٤١)، وأحمد (٦/ ٦١)، والحاكم (٢/ ٥٤٠).","vol":"8","page":616},{"text":"الْعُقَدِ﴾ قال: ما خالط السحر من الرقى). وقال قتادة: (إياكم وما خالط السِّحر من هذه الرقى).\nالثاني: قيل بل المراد السحرة والسواحر. قال الضحاك: (يعني السواحر).\nوقال الحسن: (السواحر والسّحرة). وقال ابن زيد: (السواحر في العقد).\nالثالث: قيل بل المراد النفث في العقد. قال مجاهد: (إذا رقين ونفثن في العقد). وفي رواية عنه قال: (الرقى في عقد الخيط). وقال عكرمة: (الأخذ في عقد الخيط).\nالرابع: قيل بل المراد رقية الحية والمجانين.\nيروي ابن جرير بسنده إلى طاووس قال: (ما من شيء أقرب من الشرك من رقية الحية والمجانين).\nوقد ثبت في صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم ومسند الإمام أحمد كيف سحر اليهود النبي -ﷺ- حتى رقاه جبريل ﵊.\nفقد أخرج البخاري في كتاب الطِّب من صحيحه عن عائشة قالت: [كان رسول اللَّه -ﷺ- سُحِرَ حتى كان يرى أنه يأتي النساءَ ولا يأتيهنَّ، فقال يا عائشةُ! أَعَلِمْتِ أن اللَّه قد أفتاني فيما استَفْتَيْتُه فيه؟ أتاني رجلان فقَعدَ أحدُهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عندَ رأسي للآخر: ما بالُ الرجُل؟ قال: مطبوبٌ. قال: ومَنْ طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن أَعْصَمَ -رجلٌ من بني زُريق حليف ليهود، كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مُشْط ومُشاطةٍ، قال: وأيْنَ؟ قال: في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ في بئْرِ ذَرْوانَ. قالت: فأتى النبي -ﷺ- البِئْرَ حتى استَخْرَجَهُ، فقال: هذهِ البِئْرُ التي أُريتُها وكأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنَّاء، وكأنَّ نَخْلَها رؤوس الشَياطين. قال: فاستُخْرِجَ، قالت: فقلتُ: أفلا؟ -أيْ تنَشَّرْتَ- فقال: أمَا واللَّه فَقَدْ شَفانِي وأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ على أحدِ من الناس شرًا] (١).\nوجاء في رواية أخرى: [حتى كانَ يُخَيَّلُ إليه أنه فَعَل الشيء ولم يَفْعَلْهُ].\nوفي رواية: [فأمر بالبئر فَدُفِنت] (٢).\nقلت: وإنما كان سحره -ﷺ- كالمرض، ولم يؤثر على عصمة النبوة وتبليغ الرسالة، وكُلُّ ما كان يُخَيّل إليه أنه أتى أهله أو فعل الشيء من أمور الدنيا ولم يَفْعَلْهُ.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٧٦٥) -كتاب الطب-، باب: هَلْ يَسْتخرِجُ السِّحْرَ؟\n(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٧٦٦)، (٦٠٦٣)، (٦٣٩١)، ومسلم (٢١٨٩) ح (٤٣).","vol":"8","page":617},{"text":"يروي الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: [دخلت على رسول اللَّه -ﷺ- أعودُه وبه من الوجَعِ ما يعلم اللَّه ﵎ بشدة، ثم دخلت عليه من العشي وقد برئ أحسن بُرْءٍ فقلت له: دخلت عليك غدوةً وبك من الوجع ما يعلم اللَّه بشدة، ودخلت عليك العشية وقد برئت فقال: يا ابن الصامت إن جبريل ﵇ رقاني برُقية برئتُ ألا أُعَلّمكَهَا؟ قلت: بلى. قال: بِاسْمِ اللَّه أَرْقيكَ، من كل شيء يؤذيكَ، من حَسد كل حاسدٍ وعينٍ، باسم اللَّه يشفيك].\nوله شاهدٌ في المسند عن عبادة يحدث عن رسول اللَّه -ﷺ-: [أن جبريل أتاه وهو يُرْعِدُ فقال: باسم اللَّه أرقيك من كل شيء يؤذيك، من حَسَدِ حاسدٍ، وكُلِّ عين، واسْمُ اللَّه يشفيك].\nوشاهد آخر فيه أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري: [أن جبريل ﵇ أتى النبي -ﷺ- فقال: اشتكيت يا مُحمد؟ ! قال: نعم قال: باسم اللَّه أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين يشفيك، باسم اللَّه أرقيك].\nوفي رواية: [باسم اللَّه أرقيك، من كل شيء يُؤذيك، من كل عَيْن وحاسد، يشفيك، أو قال: اللَّه يَشْفيك].\nوهو من حديث عائشة عنده بلفظ: [كان النبي -ﷺ- إذا اشتكى رقاه جبريل ﵇ فقال: باسم اللَّه أرقيك، من كل داء يشفيك، من شر حاسدٍ إذا حسد، ومن شر كل ذي عين] (١).\nثم قال سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. قال قتادة: (من شر عينه ونفسه).\nوقال ابن زيد: (يهود لم يمنعهم أن يؤمنوا به إلا حسدهم).\nفأمر اللَّه نبيه أن يستعيذ به من شر كل حاسد إذا حسد، فعابه أو سحره، أو نظر إليه نظرة بغي وسوء، وهذا ما رقاه به جبريل ﵊.\nيروي ابن ماجة بإسناد صحيح عن عائشة عن النبي -ﷺ- قال: [استعيذوا باللَّه تعالى\n_________\n(١) حديث صحيح. انظر الروايات المختلفة في صحيح مسلم (٢١٨٦)، ومسند أحمد (٣/ ٢٨)، (٣/ ٥٦ - ٥٨)، (٣/ ٧٥)، وسنن الترمذي (٩٧٢).","vol":"8","page":618},{"text":"من العين، فإن العين حق] (١). ورواه الحاكم.\n\nتم تفسير سورة الفلق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منه وكرمه مساء يوم السبت ١٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - لن نَقْرأَ شيئًا أبلغَ عنْدَ اللَّه من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾.\n٢ - كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده.\n٣ - استعيذوا باللَّه من شرِّ هذا -يعني القمر-، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب.\n٤ - استعيذوا باللَّه تعالى من العين، فإن العين حق.\n* * *\n_________\n(١) صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٥٠٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢١٥)، وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني.","vol":"8","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>١١٤ - سورة الناس</span>\nوهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>موضوع السورة</span>\nالاستعاذة برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الشيطان اللعين الرجيم الوسواس الخناس\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-588> منهاج السورة</span>-\n١ - أَمْرُ اللَّه تعالى رسوله -ﷺ- بالاستعاذة به وهو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس.\n٢ - الوسواس هو الشيطان الرجيم، يوسوس في صدور العالمين.\n٣ - الوسواس اللعين الخناس، يحاول بوسوسته إضلال ما استطاع من الجنة والناس.\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n١ - ٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾.\nفي هذه الآيات: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -ﷺ-: قل يا محمد أستعيذ وأستجير","vol":"8","page":620},{"text":"برب جميع الخلق من الإنس والجن وغير ذلك، فله الكبرياء وحده في السماوات والأرض وهو يجير ولا يجار عليه، وهو الملك لا يشاركه في ملكه أحد، وهو الإله الحق فلا يستحق غيره العبادة ولا يجوز صرفها من دونه لأحد.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾.- التجاء إلى اللَّه الرب الملك الإله العظيم، من شر الوسواس الرجيم.\nقال الحافظ ابن كثير: (هذه ثلاث صفات من صفات الرب ﷿: الربوبية والملك والإلهية: فَهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش ولا يألوه جهدًا في الخبال، والمعصوم من عصمه اللَّه).\nقلت: وقد أمر اللَّه بالاستعاذة من شر هذا الوسواس وهو الشيطان، ولم يأمر سبحانه بلعنه وسبّه وشتمه، فإنما هو ابتلاء من اللَّه يسلطه على من اتبع هواه وأعرض عن دينه، فالخلاص منه يكون بالاستعاذة باللَّه منه والالتجاء إليه بتعظيم دينه وشرعه.\nيروي الديلمي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [لا تسبوا الشيطان، وتعوذوا باللَّه من شره] (١).\nفالشيطان موكل ببني آدم، وما من أحد إلا ومعه قرينه من الجن، كما معه قرينه من الملك، فهو في حالة توازن ما لم يُؤْثِر الهوى، ويرغب أن يطغى.\nروى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده، عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي -ﷺ- قال: [ما منكم من أحد، إلا وقد وُكِّل به قرينُه من الجِنِّ وقرينُه من الملائكة. قالوا: وإياك؟ قال: وإيايَّ، إلا أن اللَّه أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير] (٢).\nقال ابن عباس: (ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإذا عقل فذكر اللَّه خنس، وإذا غفل وسوس، قال: فذلك قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه الديلمي (٤/ ١٤٨)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٤٢٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨١٤)، كتاب صفات المنافقين. ح (٦٩). باب تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا.","vol":"8","page":621},{"text":"وفي رواية عنه: (الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر اللَّه خنس).\nوقال مجاهد: (ينبسط، فإذا ذكر اللَّه خنس وانقبض، فإذا غفل انبسط).\nوقال قتادة: (هو الشيطان، وهو الخناس أيضًا، إذا ذكر العبد ربه خنس، وهو يوسوس ويخنس).\nوقال ابن زيد: (الخنّاس: الذي يوسوس مرة ويخنس مرة، من الجن والإنس، وكان يقال: شيطان الإنس أشد على الناس من شيطان الجن، وشيطان الجن يوسوس ولا تراه، وهذا يُعاينك معاينة).\nوقيل بل هو الشيطان لا يزال يوسوس حتى يطاع، فإن أطيع خنس.\nفعن ابن عباس قال: (هو الشيطان يأمره، فإذا أطيع خنس). وعن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: (ذكر لي أن الشيطان الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن والفرح، فإذا ذكر اللَّه خنس).\nقلت: ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:\nالحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عاصم قال: سمعت أبا تَميمَة يحدِّث عن رَديف رسول اللَّه -ﷺ- قال: عَثَرَ بالنبي -ﷺ- حِمارُه، فقلت: تَعِسَ الشيطان! فقال النبي -ﷺ-: [لا تَقُلْ: تَعِس الشيطانُ، فإنك إذا قلتَ: تَعِسَ الشيطانُ، تعاظَمَ، وقال: بِقُوَّتي صَرَعْتُهُ، وإذا قلت: باسم اللَّه، تصاغَرَ حتى يصيرَ مثل الذباب] (١).\nالحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن سعيد المَقْبُرِّيِّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ أحَدَكمُ إذا كان في المسجد جاءه الشيطان فأَبَسَّ به كما يَبُسُّ الرجُلُ بدابته، فإذا سَكَن له زَنَقَه -أو: أَلْجَمَه] (٢). قال أبو هريرة: (وأنتم تَروْنَ ذلك، أما المزنوق فتراه ماثلًا -كذا- لا يذكر اللَّه، وأما المُلْجَمُ ففاتِحٌ فاه، لا يذكُرُ اللَّه ﷿).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٧١) وإسناده قوي، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير وقواه وقال: (تفرَّد به أحمد، إسنادُه جَيِّدٌ قوي، وفيه دلالةٌ على أن القلب متى ذكر اللَّه تصاغَرَ الشيطانُ وغُلِبَ، وإن لم يذكر اللَّه تعاظَمَ وغَلَبَ).\n(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٣٠) من حديث أبي هريرة، وإسناده حسن، والمزنوق: المربوط بحبل يمنع من الجماح.","vol":"8","page":622},{"text":"الحديث الثالث: أخرج أحمد والطيالسي وأبو داود بسند صحيح عن ابن عباس قال: [جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! إني أُحَدِّثُ نفسي بالشيء لأَنْ أَخِرَّ من السماء أحبّ إليَّ مِنْ أَنْ أتَكَلَّمَ به. قال: فقال النبي -ﷺ-: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، الحمدُ للَّه الذي رَدَّ كيدَه إلى الوسوسة] (١).\nوفي لفظ أبي داود: [إن أحدنا يجد في نفسه، يعرض بالشيء، لأن يكون حُمَمَة -أي يصير فحمًا- أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، الحمد للَّه الذي ردّ كيده إلى الوسوسة].\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾. المرادُ الشيطان الوسواس.\nقال ابن جرير: (يعني بذلك الشيطان الوسواس، الذي يوسوس في صدور الناس: جِنَّهم وإنْسهم).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. فجعل الجن في هذه الآية ناسًا، كما جعلهم في الآية الأخرى رجالًا فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ فالجن سماهم مرة ناسًا ومرة رجالًا.\nقلت: ومن وساوسه أن يعرض للمسلم في أوقات أحوج ما يحتاج فيها إلى الخشوع والتدبر واستحضار القلب فيجهد ليفسد على المؤمن طمأنينته وخشوعه. وتفصيل ذلك:\nأولًا - يعرض له في الصلاة إذا وقف بين يدي اللَّه سبحانه:\nروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: [إن الشيطان إذا سمع النداء أحالَ له ضُراطٌ حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجعَ فوسوس] (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢٣٥)، والطيالسي (٢٧٠٤)، وأبو داود (٥١١٢)، وابن حبان (١٤٧) وإسناده صحيح على شرطهما. وانظر صحيح سنن أبي داود (٤٢٦٤).\n(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٣٨٩)، كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه. من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"8","page":623},{"text":"وكذلك في صحيح الإمام مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: [ذلكَ شيطانٌ يقال له خِنْزَب، فإذا أحسسته فتعوذ باللَّه منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا] (١). قال: ففعلت ذلك فأذهبه اللَّه تعالى عني.\nولذلك قال اللَّه في سورة \"فصلت\": ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nوهذا نبينا -ﷺ- عرض له الشيطان أثناء صلاته فاستعاذ باللَّه منه فأمكنه اللَّه منه.\nروى مسلم عن أبي الدرداء ﵁ قال: [قام رسول اللَّه -ﷺ- يصلي فسمعناه يقول: أعوذ باللَّه منك، ثم قال: ألعنُك بلعنة اللَّه ثلاثًا، وبسط يده كأنه يتناول شَيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول اللَّه، سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: إن عَدُوَّ اللَّه إبليس جاء بشهابٍ من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذُ باللَّه منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنُك بلعنة اللَّه التامة، فاستأخر ثلاثَ مرات، ثم أردت أن آخذه، واللَّه لولا دعوةُ أخي سليمان لأصبح مُوثقًا تلعب به ولدان أهل المدينة] (٢).\nورواه البخاري بلفظ آخر من حديث أبي هريرة وفيه: [إن الشيطان عَرَض لي فَشَدَّ علي ليقطع الصلاة على، فأمكنني اللَّه تعالى منه فَذَعْتُهُ -أي خنقته- ولقد هممت أن أوثِقَهُ إلى سارية حتى تُصبحُوا فتنظروا إليه فذكرتُ قولَ سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرده اللَّه خاسئًا] (٣).\nثانيًا - يعرض له بطريق الإسلام والهجرة والجهاد لتخور عزائمه بوساوسه فيركن إلى الدنيا.\nيروي الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن سبرة بن أبي فاكه عن النبي -ﷺ-\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢٢٠٣)، كتاب السلام: باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٥٤٢)، كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه، وجواز العمل القليل في الصلاة.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦١) كتاب الصلاة. وكذلك (٣٢٨٤) كتاب بدء الخلق.","vol":"8","page":624},{"text":"قال: [إنَّ الشيطان قَعَدَ لابن آدمَ بأطرقهِ، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تُسلِم وتذرُ دينكَ ودينَ آبائِكَ وآباءَ آبائك؟ ! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة: فقال: تهاجِرُ وتدعُ أرضك وسماءَك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرسِ في الطِّولِ -حبل طويل يشد به الفرس بيده ويربط لوتد فيدور ويرعى دونما يذهب-! فعصاه فهاجرَ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهِدُ فهو جهدُ النفس والمال، فتقاتلُ فتقتلُ فتنكحُ المرأةُ ويقسم المالُ؟ ! فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقًا على اللَّه أن يدخِلَهُ الجنة، ومن قتل كان حقًا على اللَّه أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على اللَّه أن يدخله الجنة، وإن وقَصَتْهُ دابَّتُه كان حقًا على اللَّه أن يدخله الجنة] (١).\nثالثًا - يعرض له فيوسوس له بالشبهات ليفسد عليه دينه:\nيروي الطبراني بسند صحيح عن ابن عمرو عن النبي -ﷺ- قال: [إن الشيطان يأتي أحدكُمْ فيقول: مَنْ خلق السماء؟ فيقول: اللَّه، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: اللَّه، فيقولُ: من خلق اللَّه؟ ! فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل آمنت باللَّه ورسوله] (٢).\nورواه أحمد من حديث عائشة بلفظ: [إنّ الشيطان يأتي أحدَكم فيقول: مَنْ خَلَقَكَ؟ فيقول اللَّه، فيقولُ: فمن خلقَ اللَّه؟ ! فإذا وجدَ أحدكم ذلك فليقل: آمنت باللَّه ورسله، فإن ذلك يذهبُ عنهُ].\nرابعًا - يعرض له عند طعامه وشرابه ليشاركه فيه:\nروى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنّ الشيطان ليستحل الطعامَ الذي لم يُذْكرِ اسمُ اللَّهِ عليه، وإنه لمّا جاء بهذا الأعرابي ليستحِلَّ به فأخذت بيده، وجاء بهذه الجاريةِ ليستحلَّ بها فأخذت بيدها، فوالذي نفسي بيده إن يده في يدي مع أيديهما] (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح. رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. انظر صحيح الجامع الصغير (١٦٤٨).\n(٢) حديث صحيح. رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط. وانظر \"مجمع الزوائد\" (٣٤١). ومسند أحمد (٥/ ٢١٤)، (٦/ ٢٥٨) بإسناد حسن، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١١٦)، (١١٧). وأصله في صحيح البخاري (٢/ ٣٢١)، وصحيح مسلم (١/ ٨٤).\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٠١٧)، ورواه أبو داود والنسائي في سننهما. وانظر \"صحيح الجامع الصغير\" -حديث رقم- (١٦٤٩).","vol":"8","page":625},{"text":"وكذلك في صحيح الإمام مسلم عن جابر، عن النبي -ﷺ- قال: [إن الشيطان يحضُرُ أحدَكم عند كل شيء مِنْ شأنِه، حتى يحضرَه عندَ طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمةُ فليُمِط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلْها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابِعَهُ، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة] (١).\nخامسًا - يعرض له ليحرش بينه وبين إخوانه:\nروى أحمد ومسلم عن جابر عن النبي -ﷺ- قال: [إن الشيطان قد أيِسَ أن يعبده المصلون (٢) ولكن في التحريش بينهم] (٣).\nسادسًا - يعرض له ليزين له الفواحش والمنكر:\nروى أحمد عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- قال: [إن الشيطان قال: وعِزتك يا رب لا أبرحُ أُغوي عبادكَ ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (٤).\nوالمؤمن مطالب إزاء هذا الزحف الشيطاني، والهجوم المتتابع الإبليسي، بالالتجاء إلى اللَّه ليكف عنه شر المردة، فإنه لا يكفهم عن بني آدم إلا اللَّه، وقد جعلهم فتنة للبشر ليختبر بذلك دينهم وصدقهم، ومطالب أيضًا بكف الشبهة عن نفسه أمام الناس لئلا يصطاد عليها الشيطان فيأكل عليها ويشرب، ويشيع الفاحشة والضغينة في الأرض.\nوقد صنَّف الإمام مسلم في صحيحه بابًا سماه: \"باب إذا مرّ برجل ومعه امرأة فليقل إنها فلانة\" وذكر تحته حديث أم المؤمنين صفية بنت حُيي ﵂ قالت: [كان النبي -ﷺ- معتكفًا، فأتيتُه أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قصت لأنقلب فقام معي لِيقلبني،\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٠٣٣) ح (١٣٥) - كتاب الأشربة. وانظر كذلك ح (١٣٤).\n(٢) زاد مسلم وحده: \"في جزيرة العرب\".\n(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ١٣٨)، والترمذي (٣/ ١٢٧)، وأحمد (٣/ ٣١٣)، وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٢/ ٦٠٩)، وله شواهد كثيرة.\n(٤) حديث حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٢٩)، والحاكم (٤/ ٢٦١)، والبيهقي في \"الأسماء\" (ص ١٣٤)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٠٧). والذهبي في \"العلو\" (ص ١١٦). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٠٤).","vol":"8","page":626},{"text":"وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ﵄، فَمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي -ﷺ- أسرعا، فقال النبي -ﷺ-: على رسْلِكما إنها صفية بنتُ حيي، فقالا: سبحان اللَّه يا رسول اللَّه! قال: إنّ الشَيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا، أو قال: شيئًا] (١).\n\nتم تفسير سورة الناس بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم السبت ١٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>دروس ونتائج وأحكام</span>\n١ - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما.\n٢ - لا تسبوا الشيطان وتعوذوا باللَّه من شره.\n٣ - الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإن ذكر اللَّه خنس، وإن غفل وسوس.\n٤ - إن الشيطان قد أيِسَ أن يعبده المصلون ولكن رضي في التحريش بينهم.\n٥ - إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرحُ أُغوي عبادَكَ ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني.\n* * *\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢١٧٥) - كتاب السلام - الباب السابق الذكر.","vol":"8","page":627}]}